السكنى فهي أحق بسكنى المسكن الذي كانت تسكنه من الورثة والغرماء من رأس مال المتوفى ولا يباع في دينه بيعاً يمنعها السكنى حتى تقضي العدة وبهذا قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور العلماء وإن تعذر ذلك المسكن فعلى الوارث أن يكتري لها مسكناً من مال الميت فان لم يفعل أجبره الحاكم وليس لها أن تنتقل إلا لعذر كما ذكرنا، وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه لم يجز لأن السكنى ههنا يتعلق لها حق الله سبحانه وتعالى فلم يجز اتفاقهما على ابطالها بخلاف سكنى النكاح فانه حق لهما ولان السكنى ههنا من الاحداد فلم يجز الانفاق على تركها كسائر خصال الإحداد وليس لهم إخراجها إلا أن تأتي بفاحشة مبينة لقول الله تعالى (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) وهو أن يطول لسانها على أحمائها وتؤذيهم بالسب ونحوه روى ذلك عن ابن عباس وهو قول الأكثرين وقال ابن مسعود والحسن هي الزنا لقول الله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم) واخراجهن هو لإقامة حد الزنا ثم ترد إلى مكانها
ولنا أن الآية تقتضي الإخراج من المسكن وهذا لا يتحقق فيما قالاه، وأما الفاحشة فهي اسم للزنا وغيره من الأقوال الفاحشة يقال أفحش الرجال في قوله ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالت له عائشة يا رسول الله قلت لفلان بئس أخو العشيرة - ثم ألنت له القول لما دخل قال - يا عائشة أن الله لا يحب الفحش ولا التفحش " إذا ثبت هذا فإن الورثة يخرجونها عن ذلك المسكن إلى مسكن آخر من الدار إن كانت كبيرة تجمعهم فإن كانت لا تجمعهم أو لم يكمن نقلها إلى غيرها في الدار أو لم يتخلصوا من أذاها بذلك فلهم نقلها وقال بعض أصحابنا ينتقلون هم عنها لأن سكناها واجب في المكان وليس بواجب عليهم والنص يدل على أنها تخرج فلا يعرج على ما خالفه ولأن الفاحشة منها فكان الإخراج لها، وإن كان أحماؤها هم الذين يؤذونها ويفحشون عليها نقلوهم دونها فإنها لم تأت بفاحشة فلا تخرج بقتضى النص ولأن الذنب لهم فيخصون بالإخراج، وإن كان المسكن لغير الميت فيتبرع صاحبه بإسكانها فيه لزمها الاعتداد به، وإن أبى ان يسكنها إلا بالأجرة وجب بذلها من مال الميت إلا أن يتبرع إنسان
ببدلها ويلزمها الاعتداد به فإن حولها مالك المكان أو طلب أكثر من أجر المثل فعلى الورثة إسكانها إن كان للميت تركة يستأجر لها به مسكن لأنه حق لها يقدم على الميراث فإن اختارت النقلة عن المسكن الذي ينقلونها اليه فلها ذلك لان سكناها به حق لها وليس بواجب عليها فإن المسكن الذي كان تجب عليها السكنى به هو الذي تسكنه حين موت زوجها وقد سقطت عنها السكنى به وسواء كان المسكن الذي كانت به لأبويها أو لأحدهم أو لغيرهم، وإن كانت تسكن في دار لها فاختارت الاقامة فيها والسكنى بها متبرعة أو بأجرة تأخذها من التركة جاز وعلى الورثة بذل الأجرة إذا طلبتها وإن طلبت أن تسكنها غيرها وتنتقل عنها فلها ذلك لأنه ليس عليها أن تؤجر دارها ولا تعيرها وعليهم إسكانها (فصل) فأما إذا قلنا ليس لها السكنى فتطوع الورثة بإسكانها في مسكن زوجها أو السلطان أو أجنبي لزمها الاعتداد به وإن منعت السكنى أو طلبوا منها الأجرة فلها أن تنتقل عنه إلى غيره كما ذكرنا فيما إذا أخرجها المؤجر عند انقضاء الإجارة وسواء قدرت على الأجرة أو عجرت لأنه إنما تلزمها السكنى
لا تحصيل المسكن، وإن كانت في مسكن لزوجها فأخرجها الورثة منه وبذلوا لها مسكناً آخر لم تلزمها السكنى به ولذلك إن أخرجت من المسكن الذي هي به أو خرجت لأي عارض كان لم تلزمها السكنى في موضع معين سواه سواء بذله الورثة أو غيرهم لأنها إنما يلزمها الاعتداد في بيتها الذي كانت فيه لا في غيره، وكذلك إذا قلنا لها السكنى فتعذر سكناها في مسكنها وبذل لها سواه وإن طلبت مسكناً بأجرة أو بغيرها لزم الورثة تحصيله إن خلف الميت تركة تفي بذلك وتقدم على الميراث لأنه حق على الميت فأشبه الدين، فإن كان على الميت دين يسترق تركته ضربت بأجرة المسكن لأن حقها مساو لحقوق الغرماء وتستأجر بما يخصها موضعها تسكنه، وكذلك الحكم في المطلقة إذا حجر على الزوج قبل أن يطلقها ثم طلقها فإنها تضرب باجرة المسكن كمدة العدة مع الغرماء إذا كانت حاملاً فان قيل فهل لا قدمتم حق الغرماء لأنه أسبق؟ قلنا لأن حقها ثبت عليه بغير اختياره فشاركت الغرماء فيه كما لو اتلف المفلس مالاً لإنسان أو جنى عليه، وإن مات وهي في مسكنه لم يجز إخراجها منه لأن حقها تعلق
بين المسكن قبل تعلق حقوق الغرماء بعينه فكان حقها مقدماً كحق المرتهن، وإن طلب الغرماء بيع هذا المسكن وتترك السكنى لها مدة العدة لم يجز لأنها إنما تستحق السكنى إذا كانت حاملاً ومدة الحمل مجهولة فتصير كما لو باعها واستثنى نفعها مدة مجهولة، وإن أراد الورثة قسمة مسكنها على وجه يضر بها في السكنى لم يكن لهم ذلك، وإن أرادو التعليم بخطوط من غير نقض ولا بناء جاز لأنه لا ضرر عليها فيه (فصل) إذا قلنا إنها تضرب مع الغرماء بقدر مدة عدتها فإنها تضرب بمدة عادتها في وضع الحمل إن كانت حاملاً وإن كانت مطلقة من ذوات القرء وقلنا لها السكنى ضربت بمدة عادتها في القرء فإن لم تكن لها عادة ضربت بغالب عادات النساء وهي تسعة أشهر للحمل وثلاثة اشهر لكل قرء شهر أو بما بقي من ذلك إن كان قد مضى من مدة حملها شئ لأنه لا يمكن تأخير القسمة لحق الغرماء فإذا ضربت بذلك فوافق الصواب لم يزد ولم ينقص استقر الحكم ويستأجر بما يحصل لها مكاناً تسكنه فإذا تعذر ذلك سكنت حيث شاءت، وإن كانت المدة أقل مما ضربت مثل أن وضعت حملها لستة أشهر أو تربصت
ثلاثة قروء في شهرين فعليها رد الفضل وتضرب فيه بحصتها منه، وإن طالت العدة أكثر من ذلك مثل أن وضعت حملها في عام أو رأت ثلاثة قروء في نصف عام رجعت بذلك على الغرماء كما يرجعون عليها في صورة النقص، ويحتمل أن لا ترجع به وتكون في ذمة زوجها لأننا قدرنا ذلك مع تجويز الزيادة فلم يكن لها الزياة عليه (مسألة) (ولا تخرج ليلاً وتخرج نهاراً لحوائجها سواء كانت مطلقة أو متوفى عنها) لما روى جابر قال طلقت خالتي ثلاثاً فخرجت تجذ نخلها فلقيها رجل فنهاها فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " اخرجي فجذي نخلك لعلك أن تصديق منه أو تفعلي خيرا " رواه النسائي وأبو داود، وروى مجاهد قال استشهد رجال يوم أحد فجاء نساؤهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقلن يا رسول نستوحش بالليل أفنبيت عند إحدانا فإذا أصبحنا بادرنا إلى بيوتنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تحدثن عند إحداكن
حتى إذا أردتن فلتؤب كل واحدة إلى بيتها " وليس لها المبيت في غير بيتها ولا الخروج ليلاً إلا لضرورة ولأن الليل مظنة الفساد بخلاف النهار فإنه مظنة قضاء الحوائج والمعاش وشراء ما يحتاج إليه، وإن وجب عليها حق لا يمكن اسيتفاؤه إلا بها كاليمين والحد وكانت ذات خدر بعث اليها الحاكم من يستوفي الحق منها في منزلها، وإن كانت برزة جاز احضارها لا ستيفائه وترجع إلى منزلها إذا فرغت (فصل) والأمة كالحرة في الإحداد والاعتداد في منزلها إلا أن سكناها في العدة كسكناها في حياة زوجها للسيد إمساكها نهار أو يرسلها ليلاً فإن ارسلها ليلاً ونهاراً اعتدت زمانها كله في المنزل وعلى الورثة إسكانها كالحرة سواء.
(فصل) والبدوية كالحضرية في الاعتداد في المنزل الذي مات زوجها وهي ساكنة فيه فإن انتقلت الحلة انتقلت معهم لأنها لا يمكنها المقام وحدها، وإن انتقل غير أهلها لزمها المقام مع أهلها، وإن انتقل
أهلها انتقلت معهم إلا أن يبقى من الحلة من لا تخاف على نفسها معهم فتخير بين الاقامة والرجل والرحيل، وإن هرب أهلها فخافت هربت معهم فإن أمنت أقامت لقضاء العدة في منزلها (فصل) فإن مات صاحب السفينة وامرأته في السفينة ولها مسكن في البر فحكمها حكم المسافرة في البر على ما نذكره، وإن لم يكن لها مسكن سواها وكان لها فيها بيت يمكنها السكنى فيه بحيث لا تجتمع مع الرجال وأمكنها المقام فيه بحيث تأمن على نفسها ومعها محرمها لزمها أن تعتد به، وإن كانت ضيقة وليس معها محرمها أو لا يمكنها الإقامة فيها إلا بحيث تختلط بالرجال ولزمها الانتقال عنها إلى غيرها (مسألة) (وإن أذن لها زوجها في النقلة إلى بلد للسكنى فيه فمات قبل مفارقة البنيان لزمها العود إلى منزلها، وإن مات بعده فلها الخيار بين البلدين) إذا أذن للمراة زوجها في النقلة من بلد إلى بلد أو من دار إلى دار أخرى فمات قبل انتقالها من الدار وقبل خروجها من البلد لزمها الاعتداد في الدار وكذلك إن مات قبل خروجها من الدار لأنها بيتها وسواء مات قبل نقل
متاعها من الدار أو بعده لأنها مسكنها ما لم تنتقل عنها وإن مات بعد انتقالها إلى الثانية اعتدت فيها لأنها مسكنها وكذلك إن مات بعد وصولها إلى البلد الآخر على قياس ذلك، وإن مات وهي بينهما فهي مخيرة لأنها لا مسكن لها منهما فإن الأولى خرجت عنها منتقلة فخرجت عن كونها مسكناً لها والثانية لم تسكن بها فهما سواء وكذلك إن مات بعد خروجها من البلد لما ذكرناه وقيل يلزمها الاعتداد في الثانية لأنها المسكن الذي أذن لها زوجها في السكنى به وهذا يمكن في الدارين، فأما إذا كانا بلدين لم يلزمها الانتقال إلى البلد الثاني بحال لأنها إنما كانت تنتقل لغرض زوجها في صحبتها إياه وإقامتها معه فلو ألزمناها ذلك بعد موته لكلفناها السفر الشاق والتغرب عن وطنها وأهلها والمقام مع غير محرمها والمخاطرة بنفسها مع فوات الغرض وظاهر حال الزوج أنه لم علم أنه يموت لما نقلها فصارت الحياة مشروطة في النقلة.
فأما إن انتقلت الى الثانية ثم عادت الى الأولى لنقل متاعها
فمات زوجها وهي بها فعليها الرجوع إلى الثانية لأنها صارت مسكنها بانتقالها وإنما عادت الى الأول لحاجة والاعتبار بمسكنها دون موضعها، وإن مات وهي في الثانية فقالت أذن لي زوجي في السكنى بهذا
المكان وأنكر ذلك الورثة أو قالت إنما أذن لي زوجي في المجئ اليه لا في الإقامة به وأنكر ذلك لورثة فالقول قولها لأنها أعرف بذلك منهم، وكل موضع قلنا يلزمها السفر عن بلدها فهو مشروط بوجود محرم يسافر معها والا من على نفسها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع ذي محرم من أهلها " أو كما قال (مسألة) (وإن سافر بها فمات في الطريق وهي قريبة لزمها العود) لأنها في حكم الإقامة وإن.
تباعدت خيرت بين البلدين لأن البلدين تساويا فكانت الخيرة إليها فيما المصلحة لها فيه لأنها أخبر بمصلحتها.
(فصل) وإن أذن لها زوجها في السفر لغير النقلة فخرجت ثم مات زوجها فالحكم في ذلك كالحكم في سفر الحج على ما نذكره من التفصيل وإذا مضت إلى مقصدها فلها الإقامة حتى تقضي ما خرجت اليه وتنقضي حاجتها من تجارة أو غيرها فإن كان خروجها لنزهة أو زيادة ولم يكن قدر لها مدة فإنها تقيم إقامة
المسافر ثلاثاً وإن كان قدر لها مدة فلها إقامتها لأن سفرها بحكم إذنه فكان لها إقامة ما اذن لها فيه فإذا مضت مدتها أو قضت حاجتها ولم يمكنها الرجوع لخوف أو غيره أتمت العدة في مكانها وإن أمكنها الرجوع لكن لا يمكنها الوصول الى منزلها حتى تنقضي عدتها لزمها الإقامة في مكانها لأن الإعتداد وهي مقيمة أولى من الإتيان به في السفر، وإن كانت تصل وقد بقي من عدتها شئ لزمها العود لتأتي بالعدة في مكانها.
(مسألة) (وإن أذن لها في الحج فأحرمت به ثم مات فخشيت فوات الحج مضت في سفرها وإن لم تخش وهي في بلدها أو قرية يمكنها العود أقامت لتقضي العدة في منزلها وإلا مضت في سفرها وإن لم تكن أحرمت به أو أحرمت بعد موته فحكمها حكم من لم تخش الفوات)
وجملة ذلك أن المعتدة ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا غيره روى ذلك عن عمر وعثمان وبه قال
سعيد بن المسيب ومالك والشافعي والثوري وأصحاب الرأي فإن خرجت فمات زوجها في الطريق رجعت إن كانت قريبة لأنها في حكم الإقامة، وإن تباعدت مضت في سفرها، وقال مالك ترد ما لم تحرم، والصحيح ما ذكرنا لأنه يضر بها وعليها مشقة ولابد لها من سفر وإن رجعت، ويحد القريب بما لا تقصر اليه الصلاة والبعيد بما تقصر فيه قاله القاضي وهو قول أبي حنيفة إلا أنه لا يرى القصر الا في مدة ثلاثة أيام، فعلى قوله متى كان بينها وبين مسكنها دون ثلاثة أيام لزمها الرجوع إليه، وإن كان فوق ذلك لزمها المضي الى مقصدها إذا كان بينها وبينه دون ثلاثة أيام، وإن كان بينها وبينه ثلاثة أيام وفي موضعها الذي هي به مكان يمكنها الإقامة فيه لزمتها والاقامة وإلا مضت إلى مقصدها، وقال الشافعي إن فارقت البينان فلها الخيار بين الرجوع والتمام لأنها صارت في موضع أذن لها زوجها فيه وهو السفر فأشبه ما لو بعدت ولنا على وجوب الرجوع على القريبة ما روى سعيد بإسناده عن سعيد بن المسيب قال توفي ازواج نساؤهن حاجات أو معتمرات فردهن عمر من ذي الحليفة حتى يعتددن في بيوتهن ولأنه أمكنها الاعتداد في منزلها قبل أن تعتد فلزمها كما لو لم تفارق البنيان.
وعلى أن البعيدة لا يلزمها الرجوع لأن عليها مشقة وتحتاج إلى سفر طويل في رجوعها أشبهت من بلغت مقصدها، وإن اختارت البعيدة الرجوع فلها ذلك إذا كانت تصل إلى منزلها في عدتها، ومتى كان عليها في الرجوع خوف أو ضرر فلها المضي في سفرها كالبعيدة ومتى رجعت وقد بقي عليها شئ من عدتها لزمها أن تأتي به في منزل زوجها بلا خلاف بينهم لأنه أمكنها الاعتداد فيه فهو كما لو لم تسافر منه (فصل) ولو كان عليها حجة الإسلام فمات زوجها لزمتها العدة في منزلها، وإن فاتها الحج لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الاتيان به بعدها، وإن مات زوجها بعد إحرامها بحج الفرض أو بحج أذن لها فيه وكان وقت الحج متسعاً لا يخاف فوته ولا فوت الرفقة لزمها الاعتداد في منزلها لإمكان الجمع بين الحقين، وإن خشيت فوات الحج لزمها المضي فيه وهو قول الشافعي وقال أبو حنيفة يلزمها المقام، وإن فاتها لأنها معتدة فلم يجز أن تنشئ سفراً كما لو أحرمت بعد وجوب العدة عليها
ولنا أنهما عبادتان استويا في الوجوب وضيق الوقت فوجب تقديم الأسبق منهما كما لو سبقت العدة ولان الحج آكد لانه أحد أركان الإسلام والمشقة بتفويته تعظم فوجب تقديمه كما لو مات زوجها بعد أن بعد سفرها اليه، وإن أحرمت بالحج بعد موت زوجها وخشيت فواته احتمل أن يجوز لها المضي إليه لما في بقائها على الإحرام من المشقة واحتمل أن تلزمها العدة في منزلها لأنها أسبق ولأنها فرطت وغلظت على نفسها فإذا قضت العدة وأمكنها السفر الى الحج لزمها ذلك فإن أدركته وإلا تحللت بعمرة وحكمها في القضاء حكم من فاته الحج وإن لم يمكنها السفر فهي كالمحصرة التي يمنعها زوجها من السفر وحكم الإحرام بالعمرة كذلك إذا خيف فوات الرفقة أو لم يخف (مسألة) (وأما المبتوتة فلا تجب عليها عدة الوفاة في منزله وتعتد حيث شاءت نص عليه قال
اصحابنا لا يتعين الموضع الذي تسكنه المبتوتة في الطلاق سواء قلنا لها السكنى أو لم نقل بل يتخير الزوج بين إقرارها في موضع طلاقها وبين نقلها إلى مسكن مثلها لحديث فاطمة بنت قيس يذكر في النفقات إن شاء الله تعالى.
والمستحب إقرارها لقوله سبحانه (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) ولأن فيه خروجاً من الخلاف فإن الذين يرون لها السكنى يوجبون عليها الاعتداد في منزلها فان كان في بيت يملك الزوج سكناه يصلح لمثلها اعتدت فيه فإن ضاق عنهما انتقل عنها لأنه يستحب سكناها في البيت الذي طلقها فيه وإن اتسع الموضع لهما وأمكنهما السكنى في موضع منفرد كالحجرة وعلو الدار وبينهما باب مغلق جاز وسكن الزوج في الباقي كالحجرة بين المتجاورين وإن لم يكن بينهما باب مغلق لكن لها موضع تستتر فيه بحيث لا يراها ومعها محرم تتحفظ به جاز وتركه أولى ولا يجوز مع عدم المحرم لان الخلوة لأجنبية محرمة وإن امتنع من إسكانها وكانت ممن لها عليه السكنى أجبره الحاكم فإن لم يكن ثم
حاكم رجعت على الزوج وإن وجد الحاكم ففي رجوعها روايتان فإن كان الزوج حاضراً ولم يمنعها المسكن فاكترت لنفسها مسكناً أو سكنت في موضع تملكه لم ترجع لأنها تبرعت بذلك وإن عجز الزوج عن إسكانها لعسرته أو غيبة أو امتنع منه مع المقدرة سكنت حيث شاءت.
(باب في استبراء الإماء) ويجب الاستبراء في ثلاثة مواضع: (أحدهما) إذا ملك أمه لم يحل له وطؤها ولا الإستمتاع بها بمباشرة أو قبلة حتى يستبرئها إلا المسبية هل له الاستمتاع منها بما دون الفرج؟ على روايتين) من ملك أمة بسبب من أسباب الملك كالبيع والهبة والإرث وغير ذلك لم يحل له وطؤها حتى يستبرئها بكراً كانت أو ثيباً صغيرة او كبيرة ممن تحمل أو ممن لا تحمل هذا قول الحسن وابن سيرين
وأكثر أهل العلم منهم مالك والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال ابن عمر لا يجب استبراء البكر وهو قول داود لأن الغرض بالاستبراء معرفة براءتها من الحمل وهذا معلوم في البكر فلا حاجة الى الاستبراء وقال الليث إن ان ممن لا يحمل مثلها لم يجب استبراؤها لذلك وقال عثمان البتي يجب الاستبراء على البائع دون المشتري لأنه لو زوجها لكان الاستبراء على السيد دون الزوج كذلك ههنا.
ولنا ما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عام أو طاس أن توطأ حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض رواه أحمد في المسند.
وعن رويفع بن ثابت قال إنني لا أقول إلا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعته يقول " لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة " رواه أبو داود وفي لفظ قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين يقول " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسق ماءه زرع غيره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة " رواه
الأثرم ولأنه ملك جارية محرمة عليه فلم تحل له قبل استبرائها كالبنت التي تحمل ولأنه سبب وجب للاستبراء فلم تفترق الحال فيه بين البكر والثيب والتي لا تحمل كالعدة قال أبو عبد الله قد بلغني أن العذراء تحمل فقال له بعض أهل المجلس نعم قد كان في جيراننا.
وذكره بعض أصحاب الشافعي وما ذكروه يبطل بما إذا اشتراها من امرأة أو صبي أو من تحرم عليه برضاع أو غيره وما ذكره البتي لا يصح لأن الملك قد يكون بالسبي والإرث والوصية فلو لم يستبرئها المشتري أفضى إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب والفرق بين البيع والتزويج أن التزويج لا يراد إلا للاستمتاع فلا يجوز إلا فيمن تحل له فوجب أن يتقدمه الاستبراء ولهذا لا يصح تزويج معتدة ولا مرتدة ولا مجوسية ولا وثنية ولا محرمة بالرضاع ولا المصاهرة والبيع يراد لغير ذلك فصح قبل الاستبراء ولهذا صح في هذه المحرمات ووجب الاستبراء على المشتري لما ذكرناه (مسألة) (ويحرم الاستمتاع بالقبلة والنظر لشهوة)
والاستمتاع بها فيما دون الفرج إذا لم تكن مسبية رواية واحدة وقال الحسن لا يحرم من المستبرأة إلا فرجها وله أن يستمتع منها بما شاء ما لم يمس لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما نهى عن الوطئ ولانه تحريم للوطئ مع ثبوت الملك فاختص بالفرج كالحيض.
ولنا أنه استبراء يحرم الوطئ فحرم الاستمتاع كالعدة ولأنه لا يأمن كونها حاملاً من بائعها فتكون أم ولد فلا يصح بيعها فيكون مستمتعاً بأم ولد غيره وبهذا فارق الحائض فأما المسبية ففيها روايتان (إحداهما) تحريم مباشرتها وهو ظاهر كلام الخرقي وهو الظاهر عن أحمد إذا كان لشهوة قياساً على العدة ولأنه داعية إلى الوطئ المحرم المفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب فأشبهت المبيعة والرواية الثانية لا يحرم لما روي عن ابن عمر أنه قال وقع في سهمي يوم جلولاء جارية كأن عنقها إبريق فضة فما ملكت نفسي أن قمت اليها فقبلتها والناس ينظرون ولأنه لا نص في المسبية ولا يصح قياسها على المبيعة لأنها تحتمل أن تكون أم ولد للبائع فيكون مستمتعاً بأم ولد غيره ومباشر لمملوكة غيره والمسبية مملوكة له على كل حال وإنما حرم وطؤها لئلا يسقي ماءه زرع غيره.
(مسألة) (وسواء ملكها من صغير أو كبير أو رجل أو امرأة أو مجبوب أو من رجل قد استبرأها ثم لم يطأها لقوله عليه الصلاة والسلام " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " ولأنه يجوز أن تكون حاملاً من غير البائع فوجب استبراؤها كالمسبية من امرأة.
(مسالة) (وإن أعتقها قبل استبرائها لم يحل له نكاحها حتى يستبرئها ولها نكاح غيره إن لم يكن بائعها يطؤها)
إذا اشترى أمة فأعتقها قبل استبرائها لم يجز أن يتزوجها حتى يستبرئها وبه قال الشافعي وقال أصحاب الرأي له ذلك ويروى أن الرشيد اشترى جارية فتاقت نفسه الى جماعها قبل استبرائها وأمره أبو يوسف إن يعتقها ويتزوجها ويطأها قال أبو عبد الله وبلغني أن المهدي اشترى جارية فأعجبته فقيل له أعتقها وتزوجها قال أبو عبد الله ما أعظم هذا أبطلوا الكتاب والسنة جعل الله على الحرائر العدة من أجل الحمل فليس من امرأة تطلق أو يموت زوجها إلا وتعتد من أجل الحمل وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم استبراء الأمة بحيضة من أجل الحمل ففرج يوطأ يشتريه ثم يعتقها على المكان ثم يتزوجها فيطؤها يطؤها رجل اليوم ويطؤها الآخر غداً فإن كانت حاملاً كيف يصنع؟ هذا نقض الكتاب والسنة قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا توطأ الحامل حتى تضع ولا غير الحامل حتى تحيض " وهذا لا يدري أهي حامل أم لا؟ ما أسمج هذا قيل له إن قوماً يقولون هذا فقال قبح الله هذا وقبح من يقوله وفيما نبه عليه أبو عبد الله من الأدلة كفاية إذا ثبت هذا فليس له تزويجها لغيره قبل استبرائها إذا لم يعتقها لأنها ممن يجب استبراؤها فلم يجز أن تتزوج كالمعتدة وسواء في ذلك المستبرأة من رجل يطؤها أو من رجل قد اشتراها ثم لم يطأها أو ممن لا يمكنه الوطئ كالصبي والمجبوب والمرأة وقال الشافعي إذا اشترها ممن لا يطؤها فله تزويجها سواء أعتقها أو لم يعتقها وله أن يتزوجها إذا أعتقها لأنها ليست فراشاً وقد كان لسيدها تزويجها قبل
بيعها فجاز ذلك بعد بيعها ولأنها لو عتقت على البائع بإعتاقه أو غيره لجاز لكل أحد نكاحها فكذلك إذا أعتقها المشتري.
ولنا عموم قوله عليه السلام " لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة ولأنها أمة يحرم عليه وطؤها قبل استبرائها
فحرم عليه تزويجها والتزوج بها كما لو كان بائعها يطؤها فأما إن أعتقها في هذه الصورة فله تزويجها لغيره لأنها حرة لم تكن فراشاً فأبيح لها النكاح كما لو أعتقها البائع وفارق الموطؤة فإنها فراش يجب عليها استبراء نفسها فحرم عليها النكاح كالمعتدة وفارق ما إذا أراد سيدها نكاحها فإنه لم يكن له وطؤها بملك اليمين فلم يكن له أن يتزوجها كالمعتدة ولأن هذا يتخذ حيلة على إبطال الاستبراء فحرم بخلاف تزويجها لغيره (مسألة) (والصغيرة لا يوطأ مثلها هل يجب استبراؤها؟ على وجهين) (أحدهما) يجب وهو ظاهر كلام أحمد في أكثر الروايات عنه فإنه قال تسبترأ وإن كانت في المهد وتحرم مباشرتها على هذه الرواية كالكبيرة لأن الاستبراء يجب عليها بالعدة كذلك هذا وروي عنه أنه قال إن كانت صغيرة تأتي شيئاً يسيراً إذا كانت رضيعة وقال في رواية أخرى تستبرأ بحيضة إن كانت تحيض وإلا ثلاثة أشهر إن كانت ممن يوطأ ويحبل فظاهر هذا أنه لا يجب استبراؤها ولا تحرم مباشرتها وهذا اختيار ابن أبي موسى وقول مالك وهو الصحيح لأن سبب الإباحة متحقق وليس على تحريمها دليل فإنه لا نص فيه ولا معنى نص ولا يراد لبراءة الرحم ولا يوجد الشغل في حقها
(مسألة) (وإن اشترى زوجته لم يلزمه استبراؤها لأنها فراش له) فلم يلزمه استبراؤها من مائه لكن يستحب ذلك ليعلم هل الولد من النكاح ليكون عليه ولاء له لأنه عتق بملكه ولا تصير به الجارية أم ولد أو هو حادث في ملك يمينه فلا يكون عليه ولاء تصير به الأمة أم ولد ومتى تبين حملها فله وطؤها لأنه قد تبين الحمل وزال الاشتباه (مسألة) (أو عجزت مكاتبته حلت لسيدها بغير استبراء) وبهذا قال أبو حنيفة وكذلك إن ارتدت أمته ثم أسلمت أو زوج الرجل أمته فطلقها الزوج لم يلزم السيد استبراؤها وقال الشافعي يجب عليه الاستبراء في هذا كله لأنه زال ملكه عن استمتاعها ثم عاد فأشبهت المشتراه.
ولنا أنه لم يتجدد ملكه عليها فأشبهت المحرمة إذا حلت وإن فك أمته من الرهن حلت بغير استبراء بغير خلاف فكذلك هذا ولأن الاستبراء إنما شرع لمعنى مظنته تجديد الملك فلا يشرع مع تخلف المظنة والمعنى
(مسألة) (أو أسلمت أمته المجوسية أو المرتدة أو الوثنية التي حاضت عنده أو كان هو المرتد فأسلم فهي حلال بغير استبراء) إذا ملك مجوسية أو وثنية فأسلمت قبل استبرائها لم تحل حتى يستبرئها أو يتم ما بقي من استبرائها لما مضى فان استبرأها ثم اسلمت بغير استبراء وقال الشافعي لا تحل حتى يجدد استبراءها بعد إسلامها لأن ملكه تجدد على استمتاعها فأشبه من تجدد ملكه على رقبتها.
ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " لا توطأ حائل حتى تستبرأ بحيضة " وهذا ورد في سبايا أو طاس وهن مشركات ولم يأمر في حقهن بأكثر من حيضة ولأنه لم يتجدد ملكه عليها ولا اصابها وطئ من غيره فلم يلزمه استبراؤها كما لو حلت المحرمة، ولأن الاستبراء إنما وجب كيلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب ومظنة ذلك تجديد الملك على رقبتها ولم يوجد.
(مسألة) (أو اشترى مكاتبة ذوات رحمه فحضن عنده ثم عجز أو اشترى عبده التاجر امة فاستبرأها ثم أخذها سيده منه فانها تحمل بغير استبراء لأن ملكه ثابت على ما في يد عبده فقد حصل استبراؤها في ملكه) وأما إذا اشترى مكاتبه أمة فاستبرأها ثم صارت إلى سيده ولم تكن من ذوات رحم المكاتب فعلى السيد استبراؤها لان ملكه تجدد عليها إذ ليس للسيد ملك ما في يد مكاتبه فان كانت من ذوات محارمه فإنها تباح للسيد بغير استبراء كذلك ذكره أصحابنا لأنه يصير حكمها حكم المكاتب إن رق رقت وإن عتق عتقت والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
(فصل) فإن وطئ الجارية التي يلزمه استبراؤها قبل استبرائها أثم والاستبراء باق بحاله لأنه حق عليه فلا يسقط بعدوانه فإن لم تعلق منه استبرأها بما كان يستبرئها به قبل الوطئ وتبني على ما مضى من الاستبراء وإن علقت منه فمتى وضعت حملها استبرأها بحيضة ولا يحل له الاستمتاع بها في حال حملها
لأنه لم يستبرئها، وإن وطئها وهي حامل حملاً كان موجوداً حين البيع من غير البائع فمتى وضعت حملها انقضى استبراؤها قال أحمد ولا يلحق بالمشتري ولا يبيعه ولكن يعتقه لأنه قد شرك فيه لأن الماء يزيد
في الولد وقد روي أبو داود بإسناده عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مر بامرأة مجح على فسطاط فقال " لعله يريد أن يلم بها؟ - قالوا نعم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له أو كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " ومعناه أنه ان استلحقه وشركه في ميراثه لم يحل له لأنه ليس بولده وإن أتخذه مملوكاً له لم يحل له لأنه قد شرك فيه لكون الماء يزيد في الولد وعن ابن عباس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وطئ الحبالى حتى يضعن ما في بطونهم رواه النسائي.
(مسألة) (وإن وجد الاستبراء في يد البائع قبل القبض أجزأ ويحتمل أن لا يجزئ) لا يكون الاستبراء إلا بعد ملك المشتري لجميع الأمة فلو ملك بعضها ثم ملك باقيها لم يحتسب الاستبراء إلا من حين ملك باقيها فإن ملكها ببيع فيه الخيار انبنى على نقل الملك في مدته فإن قلنا ينتقل فابتداء الاستبراء من حين البيع وإن قلنا لا ينتقل فابتداؤه من حين انقطع الخيار وإن كان البيع معيباً فابتداؤه من حين البيع لأن العيب لا يمنع نقل الملك بغير خلاف، فإن ابتدأ الاستبراء بعد البيع وقبل القبض أجزأ في أظهر الوجهين لأن الملك ينتقل به والثاني لا يجزئ لأن القصد معرفة براءتها من مال البائع ولا يحصل ذلك مع كونها في يده.
(مسألة) (وإن باع أمته ثم عادت إليه بفسخ أو غيره بعد القبض وجب استبراؤها وإن كان قبله فعلى روايتين) أما إذا عادت إليه بعد القبض وافتراقهما لزمه استبراؤها لأنه تجديد ملك سواء كان المشتري لها
رجل أو امرأة وإن كان ذلك قبل افتراقهما او قبل غيبة المشتري بالجارية فعليه الاستبراء أيضاً في إحدى الروايتين، وهو مذهب الشافعي لأنه تجديد ملك والثانية ليس عليه استبراء وهذا قول أبي حنيفة إذا تقايلا قبل القبض لأنه لا فائدة في الاستبراء مع يقين البراءة
(مسألة) (وإذا اشترى أمة مزوجة فطلقها الزوج قبل الدخول وجب استبراؤها)
نص عليه أحمد وقال هذه حيلة وضعها أهل الرأي لابد من استبراء لأنها تجدد الملك فيها ولم يحصل استبراؤها في ملكه فلم تحل بغير استبراء كما لو لم تكن مزوجة ولأن إسقاطه ههنا ذريعة إلى إسقاط الاستبراء في حق من أراد اسقاطه بان يزوجها عند بيعها ثم يطلقها زوجها بعد تمام البيع والحيل حرام (مسألة) (وإن كان بعده لم يجب في أحد الوجهين) أما إذا كان الزوج دخل بها ثم طلقها فعليها العدة ولا يلزم المشتري استبراؤها لأن ذلك قد حصل بالعدة ولأنها لو عتقت لم يجب عليها مع العدة استبراء ولأنها قد استبرأت نفسها ممن كانت فراشاً له فاجزأ ذلك كما لو استبرأت نفسها من سيدها إذا كانت خالية من زوج، وإن استبرأها وهي معتدة من زوجها لم يجب عليه الاستبراء لأنها لم تكن فراشاً لسيدها وقد حصل الاستبراء من الزوج بالعدة ولذلك لو عتقت في هذه الحال لم يجب عليها استبراء وقال أبو الخطاب في المزوجة هل يدخل الاستبراء في العدة؟ على وجهين وقال القاضي في المعتدة يلزم السيد استبراؤها بعد قضاء العدة ولا يتداخلان لأنهما من رجلين
ومفهوم كلام احمد ما ذكرناه أولاً لأنه عدل فيما قبل الدخول بأنها حيلة وضعها أهل الراي ولا يوجد ذلك ههنا ولا يصح قولهم إن الاستبراء من رجلين فإن السيد ههنا ليس له استبراء.
(فصل) إذا كانت الأمة لرجلين فوطئاها ثم باعاها لرجل آخر أجزأ استبراء واحد لأنه يحصل به معرفة البراءة، فإن قيل فلو أعتقاها ألزمتموها استبراءين قلنا وجوب الاستبراء في حق المعتقة معلل بالوطئ ولذلك لو أعتقها وهي ممن لا يطؤها لم يلزمها استبراء وقد وجد الوطئ من اثنين فلزمها حكم وطئها وفي مسئلتنا هو معلل بتجديد الملك لا غير ولهذا يجب على المشتري الاستبراء سواء كان سيدها يطؤها أو لم يكن والملك واحد فوجب أن يتجدد الاستبراء الثاني إذا وطئ أمته ثم أراد تزويجها لم يجزئ حتى يستبرئها، وإن اراد بيعها فعلى روايتين، وإن لم يكن بائعها يطؤها لم يجب استبراؤها في الموضعين.
أما إذا أراد تزويجها وكان يطؤها وجب عليه استبراؤها قبل تزويجها وجهاً واحداً لأن الزوج لا يلزمه استبراء فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب وهو قول الثوري والشافعي وقال أصحاب الرأي ليس عليها استبراء لأن له بيعها فكان له تزويجها كالتي لا يصيبها وتستبرئ بحيضة وقال عطاء وقتادة عدتها حيضتان كعدة الأمة المطلقة.
ولنا أنها فراش لسيدها فلم يجز أن تنتقل إلى فراش غيره بغير استبراء كما لو مات عنها ولانها موطؤة وطأ له حق فلزمه استبراؤها قبل التزويج كالموطوء بشبهة، ولأنه يفضي إلى أن يطأها سيدها اليوم
وزوجها غداً فيفضي إلى اختلاط المياه وهذا لا يحل ويفارق البيع فإنها لا تصير للمشتري فراشاً حتى يستبرئها فلا يفضي إلى اختلاط المياه، ولهذا يصح بيع المزوجة والمعتدة بخلاف تزويجها على أن لنا
في البيع منعاً أيضاً أنه لا يجوز، فإن أراد بيعها وكان لا يطؤها أو كانت آيسة فليس عليه استبراؤها لكن يستحب ذلك ليعلم خلوها من الحمل فيكون أحوط للمشتري وأقطع للنزاع، قال أحمد وإن كانت لامرأة فإني أحب أن لا تبيعها حتى تستبرئها بحيضة فهو أحوط لها وإن كان يطؤها أو كانت آيسة فليس عليه استبراء لأن انتفاء الحمل معلوم وإن كانت ممن يحمل وجب عليه استبراؤها في أصح الروايتين، وبه قال النخعي والثوري والثانية لا يجب عليه وهو قول أبي حنيفة ومالك والشافعي لأن عبد الرحمن بن عوف باع جارية كان يطؤها قبل استبرائها ولأن الاستبراء على المشتري فلا يجب على البائع ولأن الاستبراء في حق الحرة آكد ولا يجب قبل النكاح وبعده كذلك لا يجب في الأمة قبل البيع وبعده.
ولنا أن عمر أنكر على عبد الرحمن بن عوف بيع جارية كان يطؤها قبل استبرائها فروى عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: باع عبد الرحمن جارية كان يقع عليها قبل أن يستبرئها فظهر بها حمل عند الذي اشتراها فخاصموه الى عمر فقال له عمر كنت تقع عليها؟ قال نعم قال فبعتها قبل أن تستبرئها؟ قال نعم قال ما كنت لذلك بخليق قال فدعا القالة فنظروا إليه فألحقوه به ولانه تجب على المشتري الاستبراء لحفظ مائه فكذلك البائع ولأنه قبل الاستبراء مشكوك في صحة البيع وجوازه لاحتمال أن تكون أم ولد فيجب الاستبراء لإزالة الاحتمال ولأنه قد يشتريها من لا يستبرئها فيفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب فإن باع فالبيع صحيح في الظاهر لأن الأصل عدم الحمل ولأن عمر وعبد الرحمن لم يحكما بفساد البيع في الأمة التي باعها قبل استبرائها إلا بلحاق الولد به ولو كان البيع باطلاً قبل ذلك لم يحتج
الى ذلك، قال شيخنا وذكر أصحابنا الروايتين في كل أمة يطؤها من غير تفريق بين الآيسة وغيرها والأولى ان ذلك لا يجب في الآيسة لأن علة الوجوب احتمال الحمل وهو وهم بعيد والأصل عدمه
فلا يثبت به حكم بمجرده.
(فصل) إذا اشترى جارية فظهر بها حمل لم يخل من أحوال خمسة (أحدهما) أن يكون البائع أقر بوطئها عند البيع أو قبله وأتت بولد لدون ستة أشهر أو يكون البائع ادعى الولد فصدقه المشتري فإن الولد يكون للبائع والجارية أم ولد له والبيع باطل (والثاني) أن يكون أحدهما استبرأها ثم أتت بولد لأكثر من ستة أشهر من حين وطئها المشتري فالولد للمشتري والجارية أم ولد له (الحال الثالث) أن تأتي به لأكثر من ستة أشهر بعد استبراء أحدهما لها ولأقل من ستة أشهر منذ وطئها المشتري فلا يلحق نسبه بواحد منهما، يكون ملكاً للمشتري ولا يملك فسخ البيع لأن الحمل تجدد في ملكه ظاهراً فإن ادعاه كل واحد منهما فهو للمشتري لأنه ولد في ملكه مع احتمال كونه منه، وإن ادعاه البائع وحده فصدقه المشتري لحقه وكان البيع باطلاً وإن كذبه فالقول قول المشتري في ملك الولد لأن الملك انتقل إليه ظاهراً فلا تقبل دعوى البائع فيما يبطل حقه كما لو أقر بعد البيع أن الجارية مغصوبة أو معتقة وهل يثبت نسب الولد مع البائع؟ فيه وجهان (أحدهما) يثبت لأنه نفع للولد من غير ضرر على المشتري فيقبل قوله فيه كما لو أقر لولده بمال (والثاني) لا يقبل لأن فيه ضرراً على المشتري فإنه لو أعتقه كان أبوه أحق بماله منه ميراثاً وكذلك لو أقر عبد أن كل واحد منهما بأخوة صاحبه لم يقبل إلا ببينة
(الحال الرابع) أن تأتي به بعد ستة أشهر منذ وطئها المشتري وقبل استبرائها فنسبه لاحق بالمشتري فإن ادعاه البائع فأقر له المشتري لحقه وبطل البيع وإن كذبه فالقول قول المشتري، وإن ادعى كل واحد منهما أنه من الآخر عرض على القافة فألحق بمن ألحقته به لحديث عبد الرحمن بن عوف ولأنه يحتمل أن يكون من كل واحد منهما فإن ألحقته بهما لحق بهما وينبغي أن يبطل البيع فتكون الجارية أم ولد للبائع لأنا نتبين أنها كانت حاملاً منه قبل بيعها.
(الحال الخامس) أتت به لأقل من ستة أشهر منذ باعها ولم يكن أقر بوطئها فالبيع صحيح في الظاهر
والولد مملوك للمشتري فإن ادعاه البائع فالحكم فيه كما ذكرنا في الحال الثالث سواء (الموضع الثالث) إذا أعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها أو مات عنها لزمها الاستبراء لأنها صارت فراشاً له فلم تحل لغيره قبل استبرائها لئلا يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب إلا أن تكون مزوجة أو معتدة فلا يلزمها استبراء وإذا زوج أم ولده ثم مات عتقت ولم يلزمها استبراء لأنها محرمة على المولى وليست له فراشاً وإنما هي فراش للزوج فلم يلزمها الاستبراء ممن ليست له فراشاً ولأنه لم يزوجها حتى استبرأها فان لا يحل له تزويجها قبل استبرائها، وفيه خلاف ذكرناه، وكذلك إن أعتقها أو مات عن أمه كان يطؤها أو أعتقها فهي على ما ذكرنا، فإن زوجها فطلقها الزوج قبل دخوله بها فلا عدة عليها أيضاً لأنه لم يوجد في حقها ما يوجب الاستبراء فإن طلقها بعد المسيس أو مات عنها قبل ذلك أو بعده فلها عدة حرة كاملة ولأنها قد صارت حرة في حال وجوب العدة عليها، وإن مات سيدها وهي في عدة الزوج
عتقت ولم يلزمها استبراء لما ذكرناه ولأنه زال فراشه عنها قبل موته فلم يلزمها استبراء من أجله كغير أم الولد إذا باعها ثم مات وتبنى على عدة أمة إن كان طلاقها بائناً وكانت متوفى عنها وإن كانت رجعية بنت على عدة حرة على ما ذكرناه، وإن بانت من الزوج قبل الدخول بطلاق أو بانت بموت زوجها أو طلاقه بعد للدخول فأتمت عدتها ثم مات سيدها فعليها الاستبراء لأنها عادت إلى فراشه وقال أبو بكر لا يلزمها استبراء لا أن يردها السيد إلى نفسه لأن فراشه قد زال بتزويجها ولم يتجدد لها ما يردها إليه فأشبهت الأمة التي لم يطأها.
(مسألة) (وإن مات زوجها وسيدها ولم يعلم السابق منهما وبين موتهما أقل من شهرين وخمسة أيام لزمها بعد موت الآخر منهما عدة الوفاة حسب وليس عليها استبراء) لأن السيد إن كان مات أولاً فقد مات وهي زوجة وإن كان مات آخراً فقد مات وهي معتدة وليس عليها استبراء في هاتين الحالتين وعليها أن تعتد بعد موت الآخر منهما عدة حرة لأنه يحتمل أن سيدها مات أولاً ثم مات زوجها وهي حرة فلزمتها عدة الحرائر لتخرج من العدة بيقين وكذلك على قول أبي بكر لأنه ليس عليها عدة استبراء لأن فراش سيدها قد زال عنها ولم تعد إليه فتلزمها
عدة حرة لما ذكرنا.
(مسألة) (وإن كان بينهما أكثر من ذلك أو جهلت المدة فعليها بعد موت الآخر منهما أطول الأجلين من أربعة أشهر وعشر واستبراء بحيضة) لأنه يحتمل أن السيد مات أولاً فيكون عليها عدة الحرة من الوفية ويحتمل أنه مات آخراً بعد انقضاء عدتها من الزوج وعودها إلى فراشه فوجب الجمع بينهما ليسقط الفرض بيقين قال ابن عبد البر وعلى هذا جميع القائلين من العلماء بأن عدة أم الولد من سيدها حيضة ومن زوجها شهران وخمس ليال وقول أصحابنا الشافعي في هذا الفصل كقولنا وكذلك قول أبي حنيفة وأصحابه إلا أنهم جعلوا مكان الحيضة ثلاث حيضات بناء علي أصلهم في استبراء أم الولد وقال ابن المنذر حكمها حكم الإماء وعليها شهران وخمسة أيام ولا أنقلها إلى حكم الحرائر الا باحاطة أن لزوج مات بعد المولى وقيل إن هذا قول أبي بكر عبد العزيز أيضاً والذي ذكرناه أحوط (فصل) فأما الميراث فإنها لا ترث من زوجها شيئاً لأن الأصل الرق والحرية مشكوك فيها فلم ترث مع الشك والفرق بين العدة والإرث إن إيجاب العدة عليها استظهار لا ضرر فيه على غيرها وإيجاب الإرث إسقاط لحق غيرها ولأن الأصل تحريم النكاح عليها فلا يزول إلا بيقين والأصل عدم الميراث لها فلا يزول إلا بيقين فان قيل أليس زوجة المفقود لو مات وقف ميراثه مع الشك في إرثه؟ قلنا الفرق بينهما أن الأصل ههنا الرق والشك في زواله وحدوث الحال التي يرث فيها والمفقود الأصل حياته والشك في موته وخروجه عن كونه وارثاً فافترقا.
(فصل) فإن اعتق أم ولده أو أمته التي كان يصيبها أو غيرهما ممن تحل له إصابتها ثم أراد أن يتزوجها فله ذلك في الحال من غير استبراء لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها وجعل عتقها صداقها وقال صلى الله عليه وسلم " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها وعلمها فأحسن
تعليمها ثم أعتقها وتزوجها، ولم يذكر استبراء ولأن الاستبراء لصيانة مائه وحفظ نسبه عن الاختلاط
بماء غيره ولا يصان ماؤه عن مائه ولهذا كان له أن يتزوج مختلفة في عدتها.
وقد روي عن أحمد في الأمة التي لا يطؤها: إذا أعتقها لا يتزوجها بغير استبراء، لأنه لو باعها لم تحل للمشتري بغير استبراء، والصحيح أنها لا تحل له لأنه يحل له وطؤها بملك اليمين فكذلك بالنكاح كالتي كان يصيبها ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وتزوجها ولم يقل أنه كان قد اصابها، والحديث الآخر يدل على حلها له بظاهره لدخولها في العموم ولأنها تحل لمن يتزوجها سواه فله أولى ولأنه لو استبرأها ثم أعتقها ثم تزوجها في الحال كان جائزاً حسناً فكذلك هذه فإنه تارك لوطئها ولأن وجوب الاستبراء في حق غيره إنما كان لصيانة مائه عن الاختلاط بغيره ولا يوجد ذلك ههنا وكلام أحمد محمول على من استبرأها ثم تزوجها قبل استبرائها.
(فصل) إذا كانت له أمة يطؤها فاستبرأها ثم أعتقها لم يلزمها استبراء لأنها خرجت عن كونها فراشاً باستبرائها وإن باعها فأعتقها المشتري قبل وطئها لم تحتج إلى استبراء لذلك وإن باعها قبل استبرائها فأعقتها المشتري قبل وطئها واستبرائها فعليها استبراء نفسها فإن مضى بعض الاستبراء في ملك المشتري لزمها إتمامه بعد عتقها ولا ينقطع بانتقال الملك فيها لأنها لم تصر فراشاً للمشتري ولم يلزمها استبراء بإعتاقه (مسألة) (وإن اشترك رجلان في وطئ أمة لزمها استبراءان) وقال أصحاب الشافعي في أحد الوجهين يلزمها استبراء واحد لأن القصد معرفة براءة الرحم ولذلك لا يجب استبراء بأكثر من حيضة واحدة وبراءة الرحم تعلم باستبراء واحد ولنا أنهما حقان مقصودان لآدميين فلم يتداخلا كالعدتين ولأنهما استبراءان من رجلين فأشبها العدتين وما ذكروه يبطل بالعدتين من رجلين (فصل) قال شيخنا رحمه الله (والاستبراء يحصل بوضع الحمل إن كانت حاملاً)
ولا خلاف في ذلك بحمد الله لقول الله تعالى (وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا توطأ حامل حتى تضع حملها " ولأن عدة الحرة والأمة والمتوفى عنها والمطلقة واستبراء كل أمة إذا كانت حاملاً بوضع حملها ولأن المقصود من العدة والاستبراء معرفة براءة الرحم من الوضع وهذا يحصل بوضعه ومتى كانت حاملاً بأكثر من واحد فلا ينقضي استبراؤها حتى تضع آخر حملها على ما ذكرناه في المعتدة
(مسألة) (أو بحيضة إن كانت ممن تحيض)
وقد اختلف أهل العلم في أم الولد مات عنها سيدها ولم تكن حاملاً فالمشهور عن أحمد أن استبراءها يحصل بحيضة روى ذلك عن ابن عمر وعثمان وعائشة والحسن والشعبي والقاسم بن محمد وأبي قلابة ومالك والشافعي وأبي ثور وروى عن أحمد أنها تعتد عدة الوفاة أربعة أشهر وعشراً، وهو قول سعيد بن المسيب وابن سيرين وسعيد بن جبير ومجاهد وخلاس بن عمرو وعمر بن ابن عبد العزيز والزهري والاوزاعي واسحاق لما روي عن عمرو بن العاص أنه قال لا تفسدوا علينا سنة نبينا صلى الله عليه وسلم عدة أم الولد إذا توفي عتدها سيدها أربعة أشهر وعشر رواه أبو داود ولأنها حرة تعتد للوفاة فكانت عدتها أربعة أشهر وعشر كالزوجة الحرة.
وحكى أبو الخطاب رواية ثالثة أنها تعتد شهرين وخمسة أيام.
قال شيخنا ولم أجد هذه الرواية عن أحمد في الجامع ولا أظنها صحيحة عن أحمد وروي ذلك عن عطاء وطاوس وقتادة لأنها حين الموت أمة فكانت عدتها عدة أمه كما لو مات رجل عن زوجته الأمة فعتقت بعد موته ويروى عن علي وابن مسعود وعطاء والنخعي والثوري وأصحاب الرأي إن عدتها ثلاث حيض لانها حرة تستبرئ فكان استبراؤها ثلاث حيض كالحرة المطلقة ولنا أنه استبراء لزوال الملك عن الرقبة فكان حيضة في حق من تحيض كسائر استبراء المعتقات والمملوكات ولأنه استبراء الغير لزوجات والموطوءات فأشبه ما ذكرنا قال القاسم بن محمد سبحان الله يقول الله تعالى في كتابه (والذين يتوفون منكم ويذرون ازواجا) ما هن بأزواج وأما حديث عمرو بن
العاص فضعيف قال إبن المنذر ضعف احمد وأبو عبيد حديث عمرو بن العاص وقال محمد بن موسى سألت أبا عبد الله عن حديث عمرو بن العاص فقال لا يصح وقال الميموني رأيت أبا عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا ثم قال أين سنة النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم في هذا؟ وقال أربعة شهر وعشر إنما هي عدة الحرة من النكاح وإنما هذه امة خرجت من الرق إلى الحرية ويلزم من قال بهذا أن يورثها وليس لقول من قال تعتد بثلاث حيض وجه وإنما تعتد بذلك المطلقة وليست هذه مطلقة ولا في معنى المطلقة وأما قياسهم إياها على الزوجات فلا يصح فإنها ليست زوجة ولا في حكم لزوجة ولا مطقة ولا في حكم المطلقة (فصل) ولا يكفي في الاستبراء طهر ولا بعض حيضة وهو قول أكثر أهل العلم وقال بعض أصحاب مالك متى طعنت في الحيضة فقد تم استبراؤها وزعم أنه مذهب مالك وقال الشافعي في أحد قوليه يكفي طهر واحد إذا كان كاملاً وهو أن يموت في حيضها فإذا رأت الدم من الحيضة الثانية وتم استبراؤها وهكذا الخلاف في الاستبراء كله وبنوا هذا على أن القروء الأطهار وهذا يرده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة " وقال رويفع بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم خيبر " من كان يؤمر بالله واليوم الآخر فلا يطأ جارية من السبي حتى يستبرئها بحيضة " رواه الأثرم وهذا صريح فلا يعول على ما خالفه ولأن الواجب الذي يدل على البراءة هو الحيض لأن الحامل لا تحيض فأما الطهر فلا دلالة فيه على البراءة فلا يجوز أن يعول في الاستبراء على ما لا دلالة فيه عليه دون ما يدل عليه وبناؤهم قولهم هذا على أن القروء الاطهار وبناء للخلاف على الخلاف وليس ذلك بحجة ثم لم يمكنهم بناء هذا على ذاك حتى خالفوه فجعلوا الطهر الذي طلقها فيه قرءاً ولم يجعلوا الطهر الذي مات فيه سيد أم الولد قرءاً فخالفوا الحديث والمعنى فإن قالوا إن بعض الحيضة المقترن بالطهر يدل على البراءة قلنا فيكون الاعتماد حينئذ على بعض الحيضة وليس ذلك قرءاً عند أحد إذا تقرر هذا فمات عنها وهي طاهر فإذا طهرت من الحيضة المستقبلة حلت فإن كانت حائضاً لم تعتد ببقية ملك الحيضة ولكن متى طهرت من الحيضة الثانية حلت لان الاستبراء هذه بحيضة فلا بد من حيضية كاملة
(مسألة) (أو يمضي شهر إن كانت آيسة أو صغيرة وعنه بثلاثة أشهر اختارها الخرقي)
يروى عن أحمد رحمه الله في ذلك ثلاث روايات (أحدهما) ثلاثة أشهر وهو قول الحسن وابن سيرين والنخعي وأبي قلابة وأحد قولي الشافعي وسأل عمر بن العزيز أهل المدينة والقوابل فقالوا
لا تستبرئ الحبلى في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه قولهم، والثانية أنها تستبرأ بشهر وهو قول
ثان للشافعي لأن الشهر قائم مقام القرء في حق الحرة والأمة المطلقة فكذلك في الاستبراء وذكر القاضي رواية ثالثة أنها تستبرأ بشهرين كعدة الامة المطلقة قال شيخنا ولم ار لذلك وجهاً ولو كان استبراؤها بشهرين لكان استبراء ذات القرء بقرأين ولم نعلم به قائلاً وقال سعيد بن المسيب وعطاء والضحاك والحكم في الأمة التي لا تحيض تسبترأ بشهر ونصف ورواه حنبل عن أحمد أنه قال.
قال عطاء إن كانت لا تحيض فخمس وأربعون ليلة قال عمي كذلك اذهب لأن عدة الأمة المطلقة الآيسة كذلك والمشهور عن أحمد الأول قال أحمد بن القسم قلت لأبي عبد الله كيف جعلت ثلاثة اشهر مكان حيضة وإنما جعل الله في القرآن مكان كل حيضة شهراً؟ فقال إنما قلنا أشهر من أجل الحمل فإنه لا يبين في أقل من ذلك فإن عمر بن العزيز سأل عن ذلك وجمع أهل العلم والقوابل فأخبروا أن الحمل لا يتبين في أقل من ثلاثة أشهر فأعجبه ذلك ثم قال إلا تسمع قول ابن مسعود إن النطفة أربعين يوما ثم علقه أربعين يوما ثم مضغة بعد ذلك قال أبو عبد الله فإذا خرجت الثمانون صار بعدها مضغة وهي لحم فتبين حينئذ وقال لي هذا معروف عند النساء فاما شهر فلا معنى فيه ولا نعلم به قائلاً ووجه استبرائها بشهر أن الله تعالى جعل الشهر مكان الحيضة وكذلك اختلفت الشهور باختلاف الحيضات فكانت عدة الحرة الآيسة ثلاثة اشهر مكان ثلاثة قروء وعدة الأمة شهرين مكان قرأين وللأمة المستبرأة التي ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه عشرة أشهر تسعة للحمل وشهر مكان الحيضة فيجب ان يكون مكان الحيضة ههنا شهراً كما في حق من ارتفع حيضها فإن قيل فقد وجدتم ما دل على البراءة وهو تسعة أشهر قلنا وههنا ما يدل على البراءة وهو الإياس فاستويا
(مسألة) (ومن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه اعتدت بتسعة أشهر للحمل وشهر مكان الحيض ة) وفي هذه المسألة روايتان: (إحداهما) أنها تستبرأ بعشرة أشهر (والثانية) بسنة، تسعة أشهر للحمل لأنه غالب عادات النساء في الحمل، وثلاثة أشهر مكان الثلاثة التي تستبرأ بها الآيسات وقد ذكرنا أن المختار عند أحمد في الآيسة استبراؤها بثلاثة أشهر واختار ههنا أن جعل مكان
الحيضة شهراً لأن اعتبار تكرارها في الآيسة لنعلم براءتها من الحمل وقد علمت براءتها منه ههنا بمضي غالب مدته فجعل الشهر مكان الحيضة على وفق القياس، فأما إن علمت ما رفع حيضها من مرض أو غيره فإنها لا تزال في الاستبراء حتى يعود الحيض فتستبرئ نفسها بحيضة إلا أن تصير آيسة فتستبرئ نفسها استبراء الآيسات فإن ارتابت بنفسها فهي كالحرة المستبرئة وقد ذكرنا حكمها في العدد والله سبحانه وتعالى أعلم