لم يصح تصرفه الا في الشئ اليسير، وكذلك تصرف غير المميز لما روي أن أبا الدرداء رضي الله عنه اشترى من صبي عصفوراً فأرسله ذكره ابن أبي موسى، ويحتمل أن يصح ويقف على إجازة الولي وهو قول أبي حنيفة وهو مبني على تصرف الفضولي وسنذكره إن شاء الله تعالى، وكذلك الحكم في تصرف السفيه بإذن وليه فيه روايتان (إحداهما) يصح لأنه عقد معاوضة فملكه بالإذن كالنكاح وقياساً على الصبي المميز، يحقق هذا أن الحجر على الصبي أعلى من الحجر عليه فههنا أولى بالصحة ولأننا لو منعنا تصرفه بالإذن لم يكن لنا طريق إلى معرفة رشده واختباره) (والثانية) لا يصح لأن الحجر عليه لتبذيره وسوء تصرفه فإذا أذن له فقد أذن فيما لا مصلحة فيه فلم يصح كما لو أذن في بيع ما يساوي عشرة بخمسة وللشافعي وجهان كهاتين ويصح تصرفه في الشئ اليسير كالصبي (فصل) (الثالث: أن يكون المبيع مالا وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة) (فيجوز بيع البغل والحمار ودود القز وبذره والنحل منفرداً أو في كواراته) قوله لغير ضرورة احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة والخمر يباح دفع اللقمة بها، فكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة يجوز بيعها إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد والوقف لان الملك سبب إطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح له استبقاؤها فجاز له أخذ عوضها وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعاً لحاجته بها كسائر ما أبيح نفعه، وسواء في ذلك ما كان طاهرا كالثياب والعقار وبهيمة
الأنعام والخيل والصيود أو مختلفاً في نجاسته كالبغل والحمار لا نعلم في ذلك خلافاً، ويجوز بيع الجحش الصغير والفهد الصغير وفرخ البازي إذا قلنا بجواز بيعهما لأنه ينتفع به في المال فأشبه طفل العبيد (فصل) ويجوز بيع دود القز وبذره وقال أبو حنيفة إن كان مع دود القز قز جاز بيعه وإلا فلا لأنه لا ينتفع بعينه فهو كالحشرات وقيل لا يجوز بيع بذره، ولنا أنه حيوان طاهر يجوز اقتناؤه لتملك ما يخرج منه أشبه البهائم ولأن الدود وبذره طاهر منتفع به فجاز بيعه كالثوب، وقوله لا ينتفع بعينه
يبطل بالبهائم التي لا يحصل منها نفع سوى النتاج ويفارق الحشرات التي لا نفع فيها أصلا فإن نفع هذه كثير لأن الحرير الذي هو أشرف الملابس إنما يحصل منها (فصل) ويجوز بيع النحل إذا شاهدها محبوسة بحيث لا يمكنها أن تمتنع، وقال أبو حنيفة لا يجوز بيعها منفردة كما ذكر في دود القز، ولنا أنه حيوان طاهر يخرج من بطنه شراب فيه منافع للناس فجاز بيعه كبهيمة الأنعام، واختلف أصحابنا في بيعها في كواراتها فقال القاضي لا يجوز لأنه لا يمكن مشاهدتها جميعا ولأنها لا تخلو من عسل يكون مبيعا معها وهو مجهول.
وقال أبو الخطاب يجوز بيعها في كواراتها منفردة عنها فإنه يمكن مشاهدتها في كواراتها إذا فتح رأسها يعرف كثرته من قلته، وخفاء بعضه لايمنع صحة بيعه كالصبرة وكما لو كان في وعاء فإن بعضه يكون على بعض فلا يشاهد إلا ظاهرة والعسل يدخل في البيع تبعاً فلا تضر جهالته كأساسات الحيطان، فإن لم يمكن مشاهدته لكونه مستوراً بأقراصه ولم يعرف لم يجز بيعه لجهالته
(فصل) وفي بيع العلق التي ينتفع بها كالتي تعلق على صاحب الكلف فيمص الدم والديدان التي تترك في الشص فتصاد بها السمك وجهان: أصحهما جواز بيعها لحصول نفعها فهي كالسمك (والثاني) لا يجوز بيعها لأنها لا ينتفع بها إلا نادرا فشبهت ما لانفع فيه.
(مسألة) (ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد في إحدى الروايتين إلا الكلب اختارها الخرقي.
والأخرى لا يجوز اختارها أبو بكر) يجوز بيع الهر وبه قال ابن عباس والحسن وابن سيرين والحكم وحماد والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي، وعن أحمد أنه كره ثمنها وروي ذلك عن أبي هريرة وطاوس ومجاهد وجابر ابن زيد اختاره أبو بكر لما روى مسلم عن جابر أنه سئل عن ثمن السنور فقال زجر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وفي لفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن السنور رواه أبو داود ولنا أنه حيوان يباح اقتناؤه من غير وعيد في حبسه فجاز بيعه كالبغل والحمار، ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها وعلى ما لانفع فيه منها بدليل ما ذكرناه (فصل) ويجوز بيع الفيل وسباع البهائم والطير الذي يصلح للصيد كالفهد والصقر والبازي
والعقاب والطير المقصود صوته كالهزار والبلبل والببغة وأشباه ذلك وبهذا قال الشافعي، وقال أبو بكر عبد العزيز وابن أبي موسى لا يجوز بيع الفهد والصقر والفيل ونحوها لأنها نجسة فلم يجز بيعها كالكلب
ولنا أنه حيوان يباح اقتناؤه من غير وعيد في حبسه فأبيح بيعه كالبغل والحمار وما ذكروه يبطل بالبغل والحمار وحكمهما حكم سباع البهائم في الطهارة والنجاسة وإباحة الاقتناء والانتفاع.
فأما الكلب فإن الشرع توعد على اقتنائه وحرمه إلا في حال الحاجة فصارت إباحته ثابتة بطريق الضرورة ولأن الأصل إباحة البيع لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) حرم منه ما استثناه الشرع لمعان غير موجودة في هذا فيبقى على أصل الإباحة، فإن كان الفهد والصقر ونحوها ليس بمعلم ولا يقبل التعليم لم يجز بيعه لعدم النفع به، وإن أمكن تعليمه جاز بيعه لأن مآله إلى الانتفاع أشبه الجحش الصغير فأما ما يصاد عليه كالبومة التي يجعل عليها شباشاً ليجمع الطير إليها فيصيده الصياد فيحتمل جواز بيعها للنفع الحاصل منها ويحتمل المنع لأن ذلك مكروه لما فيه من تعذيب الحيوان وكذلك اللقلق ونحوه (فصل) فأما بيض ما لا يؤكل لحمه من الطير فإن لم يكن فيه نفع لم يجز بيعه طاهراً كان أو نجسا وإن كان ينتفع به بأن يصير فرخاً وكان طاهراً جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به أشبه أصله، وإن كان نجساً كبيض البازي والصقر ونحوه فحكمه حكم فرخه، وقال القاضي لا يجوز بيعه لنجاسته وكونه لا ينتفع به في الحال وما ذكر ملغى بفرخه وبالجحش الصغير (فصل) قال أحمد رحمه الله أكره بيع القرد.
قال ابن عقيل هذا محمول على بيعه للإطافة به واللعب فأما بيعه لمن ينتفع به لحفظ المتاع والدكان ونحوه فيجوز لأنه كالصقر وهذا مذهب الشافعي وقياس قول أبي بكر وابن أبي موسى المنع من بيعه مطلقاً (مسألة) (ويجوز بيع العبد المرتد المريض وفي بيع الجاني والقاتل في المحاربة ولبن الآدميات وجهان)
حكم بيع المرتد حكم القاتل في صحة بيعه وسائر أحكامه، وبيعه جائز لأن قتله غير متحتم لاحتمال رجوعه إلى الاسلام ولانه مملوك منتفع به، وخشية هلاكه لا تمنع صحة بيعه كالمريض فإنا لا نعلم خلافاً
في صحة بيع المريض (فصل) ويصح بيع العبد الجاني في أصح الوجهين سواء كانت جنايته عمداً أو خطأ على النفس أو ما دونها موجبة للقصاص أو غير موجبة وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وقال في الآخر لا يصح بيعه لأنه تعلق برقبته حق آدمي فمنع صحة بيعه كالرهن.
بل حق الجناية آكد لأنها تقدم على حق المرتهن.
ولنا أنه حق غير مستقر في الجاني يملك أداءه من غيره فلم يمنع البيع كالزكاة أو حق ثبت بغير رضى سيده فلم يمنع بيعه كالدين في ذمته أو تصرف في الجاني فجاز كالعتق، وإن كان الحق قصاصاً فهو يرجى سلامته ويخشى تلفه وذلك لا يمنع كالمريض، أما الرهن فإن الحق متعلق فيه لا يملك سيده إبداله ثبت الحق فيه برضاه وثيقة للدين فلو أبطله بالبيع سقط حق الوثيقة الذي التزمه برضاه واختياره (فصل) فأما القاتل في المحاربة فإن تاب قبل القدرة عليه فهو كالجاني وإن لم يتب حتى قدر عليه فقال أبو الخطاب هو كالقاتل في غير محاربة لأنه عبد قن يصح اعتاقه ويملك استخدامه فصح بيعه كغير القاتل، ولأنه يمكنه الانتفاع به إلى حين قتله، ويعتقه فيجر به ولاء أولاده فجاز بيعه كالمريض المأيوس من برئه، وقال القاضي لا يصح بيعه لأنه تحتم قتله وإتلافه وإذهاب ماليته وحرم إبقاؤه فصار بمنزلة ما لا ينتفع به من الحشرات والميتات، وهذه المنفعة اليسيرة مفضية به إلى قتله لا يتمهد بها محلا للبيع كالمنفعة الحاصلة من الميتة لسد رمق أو إطعام كلب، والأولى أصح فإنه كان محلا للبيع والأصل بقاء ذلك فيه وانحتام إتلافه لا يجعله تالفاً بدليل أن أحكام الحياة من التكليف وغيره لا تسقط عنه ولا تثبت
أحكام الموتى له من إرث ماله ونفوذ وصيته وغيرها، ولأن خروجه عن حكم الأصل لا يثبت إلا بدليل ولانص فيه ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الحشرات والميتات لأن تلك لم يكن فيها منفعة فيما مضى ولافي الحال وعلى أن هذا المحتم يمكن زواله لزوال ما يثبت به من الرجوع عن الإقرار والرجوع من الشهود ولو لم يمكن زواله فأكثر ما فيه تحقق تلفه، وهذا يجعله كالمريض المأيوس من برئه وبيعه جائز (فصل) فأما بيع لبن الآدميات فرويت الكراهة فيه عن احمد، واختلف أصحابنا في جوازه وهو قول ابن حامد ومذهب الشافعي.
وذهب جماعة من أصحابنا إلى تحريم بيعه، وهو مذهب أبي
حنيفة ومالك لأنه مائع خارج من آدمية فلم يجز بيعه كالعرق ولأنه جزء من آدمي فلم يجز بيعه أشبه سائر أجزائه.
والأول أصح لأنه طاهر منتفع به فجاز بيعه كلبن الشاة ولأنه يجوز أخذ العوض عنه في إجارة الظئر فأشبه المنافع ويفارق العرق فانه لانفع فيه.
ولذلك لا يباع عرق الشاة ويباع لبنها وسائر أجزاء الآدمي يجوز بيعها فإنه يجوز بيع العبد والأمة.
وإنما حرم بيع الحر لأنه غير مملوك وحرم بيع العضو المقطوع لأنه لانفع فيه (مسألة) (وفي جواز بيع المصحف وكراهة شرائه وإبداله روايتان) قال أحمد لا أعلم في بيع المصاحف رخصة ورخص في شرائها.
وقال الشراء أهون.
وممن كره بيعها ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وسعيد بن جبير واسحاق قال ابن عمر وددت أن الأيدي تقطع في بيعها.
وقال أبو الخطاب يجوز بيع المصحف مع الكراهة وهي رواية عن أحمد لأنه منتفع به فأشبه سائر كتب العلم، وهل يكره شراؤه وإبداله؟ على روايتين ورخص في بيعها الحسن والحكم وعكرمة والشافعي وأصحاب الرأي لأن البيع يقع على الورق والجلد وبيعه مباح ولنا قول الصحابة ولم نعلم لهم مخالفاً في عصرهم، ولأنه يشتمل على كلام الله تعالى فتجب صيانته عن البيع والابتذال (يقول الاخرون ان المبتذل ما لا يباع وانفس الجواهر تباع وان بيعه يسهل على الناس الانتفاع به تعميم هدايته وكتبه محمد رشيد رضا) أما الشراء فهو أسهل لأنه استنقاذ للمصحف وبذل لماله فيه فجاز كما جاز شراء رباع مكة واستئجار دورها ولم ير بيعها ولا أخذ أجرتها، وكذلك دفع الأجرة إلى الحجام لا يكره مع كراهية كسبه والرواية الأخرى يكره لأن المقصود منه كلام الله تعالى فيجب صيانته عن الابتذال وفي جواز شرائه التسبب إلى ذلك والمعونة عليه، ولا يجوز بيعه لكافر فإن اشتراه فالبيع باطل وبه
قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي يجوز ويجبر على بيعه لأنه أهل للشراء والمصحف محل، له ولنا أنه يمنع من استدامة الملك عليه فمنع من ابتدائه كسائر مالا يجوز بيعه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن تناله أيديهم، فلا يجوز تمكينهم من التوسل إلى نيل أيديهم اياه ﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع الحشرات ولا الميتة ولا شئ منها ولا سباع البهائم التي لا تصلح للصيد)
لا يجوز بيع الميتة ولا الخنزير ولا الدم.
قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على القول به، وذلك لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه سلم وهو بمكة يقول " إن الله ورسوله حرم بيع الميتة والخمر والخنزير والأصنام " متفق عليه ولا يجوز بيع مالا نفع فيه كالحشرات كلها وسباع البهائم التي لا تصلح للاصطياد كالأسد والذئب، وما لا يؤكل ولا يصاد به من الطير كالرخم والحدأة والغراب الأبقع وغراب البين وبيضها لأنه لا نفع فيه فأخذ ثمنه أكل للمال بالباطل ولانه ليس فيها نفع مباح أشبهت الخنزير ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع الكلب أي كلب كان لا نعلم فيه خلافا في المذهب) وبه قال الحسن وربيعة.
وحماد والشافعي وداود، ورخص في ثمن كلب الصيد خاصة جابر بن عبد الله وعطاء والنخعي رو أجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها وأخذ ثمنها، وعنه لا يجوز بيع الكلب العقور واختلف أصحاب مالك فقال قوم لا يجوز.
وقال قوم يجوز بيع الكلب المأذون في إمساكه ويكره لما روي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور إلا كلب الصيد ولأنه يباح الانتفاع به.
ويصح نقل اليد فيه والوصية به فصح بيعه كالحمار ولنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهى متفق عليه وعن رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثمن الكلب خبيث " رواه مسلم وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ثمن الكلب فإن جاء يطلبه فاملؤا كفه تراباً رواه أبودواد ولأنه حيوان نهي عن اقتنائه في غير حال الحاجة أشبه الخنزير، وأما حديثهم فقال الترمذي لا يصح اسناد هذا الحديث.
قال الدارقطني الصحيح أنه موقوف على جابر وقال أحمد هذا من الحسن بن أبي جعفر وهو ضعيف (فصل) ولا يحل قتل الكلب المعلم لأنه محل منتفع به مباح اقتناؤه فحرم إتلافه كالشاة.
ولا نعلم في هذا خلافاً ولا غرم على قاتله وهذا مذهب الشافعي.
وقال مالك وعطاء عليه الغرم لما ذكرنا في تحريم قتله.
ولنا أنه محل يحرم أخذ عوضه لخبثه فلم يجب غرمه بإتلافه كالخنزير.
وإنما حرم إتلافه لما فيه من الاضرار وهو منهي عنه.
فأما قتله ما لا يباح إمساكه من الكلاب فإن كان أسود بهيما أبيح قتله لأنه شيطان كما جاء في حديث أبي ذر ولما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لولا أن الكلاب
أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم " وكذلك يباح قتل الكلب العقور لما روت عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خمس من الدواب كلهن فاسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " متفق عليه ويقتل كل واحد من هذين وإن كان
معلماً لما ذكرنا من الحديثين.
وعلى قياس الكلب العقور كل ما آذى الناس وضرهم في أنفسهم وأموالهم يباح قتله ولأنه يؤذي بلا نفع أشبه الذئب وما لا مضره فيه لا يباح قتله للخبر المذكور.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر بقتل الكلاب ثم نهى عن قتلها وقال " عليكم بالأسود البهيم ذي النقطتين فإنه شيطان " رواه مسلم (فصل) ويحرم اقتناء الكلاب الاكلب الصيد والماشية والحرث لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من اتخذ كلباً إلا كلب ماشية أوصيد أوزرع نقص من أجره كل يوم قيراط " متفق عليه.
وإن اقتناه لحفظ البيوت لم يجز للخبر، ويحتمل الا باحة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنه في معنى الثلاثة والأول أصح لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما تناول أول الخبر تحريمه قال القاضي وليس هو في معناها فقد يحتال اللص باخراجه بشئ يطعمه إياه ليسرق المتاع، أما الذئب فلا يحتمل هذا في حقه ولأن اقتناءه في البيوت يؤذي المارة بخلاف الصحراء (فصل) ويجوز تربية الجرو الصغير لأحد الثلاثة في أقوى الوجهين لأنه قصده لذلك فيأخذ حكمه كما جاز بيع الجحش الصغير الذى لانفع فيه في الحال لمآله إلى الانتفاع ولأنه لو لم يتخذ الصغير لما أمكن جعل الكلب للصيد إذ لا يصير معلماً إلا بالتعلم ولا يمكن تعلمه إلا بتربيته واقتنائه مدة يعلمه فيها قال الله تعالى (وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن) ولا يوجد كلب معلم بغير تعليم.
والثاني لا يجوز لأنه ليس من الثلاثة (فصل) ومن اقتنى كلب صيد ثم ترك الصيد مدة وهو يريد العود إليه لم يحرم اقتناؤه في مدة تركه لأن ذلك لا يمكن التحرز منه، وكذلك لو حصد صاحب الزرع زرعه أبيح اقتناؤه حتى يزرع زرعاً آخر، وكذلك لو هلكت ماشيته أو باعها وهو يريد شراء غيرها فله إمساك كلبها لينتفع به في التي
يشتريها، فإن اقتنى كلب الصيد من لا يصيد به احتمل الجواز لاستثنائه في الخبر مطلقاً واحتمل المنع لأنه اقتناء من غير حاجة أشبه غيره من الكلاب، ومعنى كلب الصيد أي كلب يصيد به وهكذا الاحتمالان فيمن اقتنى كلباً ليحفظ له حرثاً أو ماشية إن حصلت أو يصيد به إن احتاج إلى الصيد وليس في الحال حرث ولا ماشية، ويحتمل الجواز لقصده ذلك كما لو حصد الزرع وأراد زرع غيره (مسألة) (ولا يجوز بيع السرجين النجس) وبهذا قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة يجوز ولأن أهل الأمصار يبتاعونه لزرعهم من غير نكير فكان إجماعاً ولنا أنه مجمع على نجاسته فلم يجز بيعه كالميتة وما ذكروه ليس بإجماع لان الاجماع اتفاق أهل العلم ولم يوجد ولأنه رجيع نجس فلم يجز بيعه كرجيع الآدمي (فصل) ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك كالمباحات قبل حيازتها وملكها لا نعلم في ذلك خلافا وقد روى البخاري بإسناده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " قال الله عزوجل ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حراً وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه ولم يوفه أجره " ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع الادهان النجسة)
في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه لأن أكله حرام لا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الفأرة تموت في السمن فقال " إن كان مائعاً فلا تقربوه " من المسند وإذا كان حراماً لم يجز بيعه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه " ولأنه نجس فلم يجز بيعه قياساً على شحم الميتة وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها لأنه يعتقد حلها ويستبيح أكلها ولأنه قد روي عن أبي موسى لتوا به السويق وبيعوه ولا تبيعوه من مسلم وبينوه، والصحيح الأول لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها وأكلوا ثمنها، إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه " متفق عليه.
ولأنه لا يجوز بيعها من مسلم فلا يجوز بيعها لكافر كالخمر والخنزير فإنهم يعتقدون حله ولايجوز بيعه لهم ولأنه دهن نجس فلم يجز بيعه لكافر كشحوم الميتة.
قال شيخنا ويجوز أن يدفع إلى الكافر في فكاك مسلم ويعلم الكافر بنجاسته لأنه ليس ببيع في الحقيقة إنما هو استنقاذ المسلم به
﴿مسألة﴾ (وفي جواز الاستصباح بها روايتان ويخرج على ذلك جواز بيعها) اختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فروي عنه أنه لا يجوز لقول النبي صلى الله عليه وسلم في السمن الذي ماتت فيه الفأرة " وإن كان مائعاً فلا تقربوه " ولا النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس فقال " لا، هو حرام " متفق عليه.
وهذا في معناه وهو قول ابن المنذر وعنه إباحته لأن ذلك يروي عن ابن عمر وهو قول الشافعي لأنه أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر وهذا اختيار الخرقي، فعلى هذا يستصبح به على وجه لا تتعدى نجاسته إما أن يجعل في إبريق ويصب منه في المصباح ولا يمس وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجاً مثقوباً ويطبقه على رأس إناء الزيت، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء بحيث يرتفع الزيت فيملأ السراج وما أشبه هذا، وعلى قياس هذا كل انتفاع لا يفضي إلى التنجيس بها يجوز ويتخرج على جواز الاستصباح به جواز بيعه وهكذا ذكره أبو الخطاب لأنه يجوز الإنتفاع به من غير ضرورة فجاز بيعه كالبغل والحمار، وهل تطهر بالغسل فيه وجهان ذكرناهما فيما مضى، وإذا قلنا تطهر بالغسل فالقياس يقتضي جواز بيعها لأنها عين نجسة تطهر بالغسل أشبهت الثوب النجس.
وكره أحمد رحمه الله أن تدهن بها بالجلود وقال تجعل منها الأسقية، ونقل عن ابن عمر أنه يدهن بها الجلود وعجب أحمد من هذا فيحتمل أن يحمل على ما لا تتعدى نجاسته كالنعال كما قلنا في جلود الميتة (فصل) فأما شحوم الميتة وشحم الكلب والخنزير فلا يجوز الاستصباح به ولا الإنتفاع به في جلود ولا سفن ولا غيرها لما ذكرنا من الحديث، وإذا استصبح بالزيت النجس فاجتمع من دخانه شئ فهو نجس لأن جزء منه، والنجاسة لا تطهر بالاستحالة فان علق بشئ عفي عن يسيره لمشقة التحرز عنه وإن كثر لم يعف عنه (فصل) ولايجوز بيع الترياق الذي فيه لحوم الحيات لأن نفعه إنما يحصل بالأكل وهو محرم فخلا
من نفع مباح فلم يجز بيعه كالميتة، ولا يجوز التداوي به ولا بسم الأفاعي، فأما سم النبات فإن كان لا ينتفع به أو يقتل قليله لم يجز بيعه لعدم نفعه، وإن أمكن التداوي بيسيره كالسقمونيا جاز بيعه لأنه طاهر منتفع به
(فصل) (الرابع أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه فإن باع ملك غيره بغير إذنه أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إذنه لم يصح وعنه يصح ويقف على إجازة المالك) إذا اشترى بعين مال غيره أو باع ماله بغير إذنه ففيه روايتان (إحداهما) لا يصح البيع وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور وابن المنذر (والثانية) يصح البيع والشراء ويقف على إجازة المالك فإن أجازه نفذ ولزم البيع وإن لم يجزه بطل وهو قول مالك وإسحاق وبه قال أبو حنيفة في البيع.
فأما الشراء فيقع للمشتري عنده بكل حال لما روى عروة بن الجعد البارقي أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاة فاشترى شاتين ثم باع إحداهما بدينار في الطريق، قال فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة وأخبرته فقال " بارك الله لك في صفقة يمينك " رواه ابن ماجه والاثرم ولأنه عقد له مجيز حال وقوعه فصح وقفه على إجازته كالوصية بزيادة على الثلث ووجه الرواية الأولى قول النبي صلى الله عليه وسلم لحكيم بن حزام " لاتبع ما ليس عندك " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح يعني مالا تملك لأنه ذكره جواباً له حين سأله أنه يبيع الشئ ويمضي ويشتريه ويسلمه.
ولاتفاقنا على صحة بيع ماله الغائب ولانه باع مالا يقدر على تسليمه فأشبه الطير في الهواء.
فأما الوصية فيتأخر فيها القبول عن الإيجاب، ولا يعتبر ان يكون لها مجيز حال وقوع العقد ويجوز فيها من الغرر مالايجوز في البيع، وحديث عروة نحمله على أن وكالته كانت مطلقة بدليل أنه يسلم ويستلم وليس ذلك لغير المالك باتفاقنا ﴿مسألة﴾ (وإن اشترى له في ذمته بغير إذنه صح فإن أجازه من اشترى له ملكه وإلا لزم من اشتراه) إذا اشترى في ذمته لإنسان شيئاً بغير إذنه صح لأنه متصرف في ذمته لا في مال غيره وسواء نقد الثمن من مال الغير أو لا لأن الثمن هو الذي في الذمة والذي نقده عوضه ولذلك قلنا إنه إذا اشترى ونقده الثمن بعد ذلك كان له البدل، وإن خرج مغصوباً لم يبطل العقد وإنما وقف الأمر على إجازة الآخر لإنه قصد الشراء له فإن أجازه لزمه وعليه الثمن وإن لم يقبله لزم من اشتراه (فصل) وإن باع سلعة وصاحبها حاضر ساكت فحكمه حكم مالو باعها بغير إذنه في قول الأكثرين منهم أبو حنيفة وابو يوسف والشافعي قال ابن أبي ليلى سكوته إقرار لأنه يدل على الرضا كسكوت
البكر في الاذن في النكاح.
ولنا أن السكوت محتمل فلم يكن إذنا كسكوت الثيب، وفارق سكوت البكر لوجود الحياء المانع من الكلام في حقها وليس ذلك موجوداً هاهنا ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع مالا يملكه ليمضي ويشتريه ويسلمه رواية واحدة) وهو قول الشافعي ولا نعلم فيه مخالفاً لأن حكيم بن حزام قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن الرجل يأتيني يلتمس من البيع ما ليس عندي فأمضي إلى السوق فأشتريه ثم أبيعه منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لاتبع ما ليس عندك " حديث حسن صحيح ولانه يبيع ما لا يقدر على تسليمه أشبه بيع الطير في الهواء
﴿مسألة﴾ (ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم كأرض الشام والعراق ومصر ونحوها إلا المساكن وأرضاً من العراق فتحت صلحاً وهي الحيرة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا لأن عمر رضي الله عنه وقفها على المسلمين وأقرها في أيدي أربابها بالخراج الذي ضربه أجرة لها في كل عام ولم تقدر مدتها لعموم المصلحة فيها) لا يجوز بيع شئ من الأرض الموقوفة ولا شراؤه كأرض الشام ونحوها في ظاهر المذهب وقول أكثر أهل العلم منهم عمر وعلي وابن عباس وعبد الله بن عمرو رضي الله عنهم، وروي ذلك عن عبد الله ابن مغفل وقبيصة بن ذؤيب وميمون بن مهران والاوزاعي ومالك وأبي إسحاق الفزاري.
قال الأوزاعي لم تزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية ويكرهه علماؤهم، وقال: أجمع رأي عمر وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لما ظهروا على أهل الشام على إقرار أهل القرى في قراهم على ما كان بأيديهم من أرضهم يعمرونها ويؤدون خراجها إلى المسلمين ويرون أنه لا يصلح لأحد من المسلمين شراء ما في أيديهم من الأرض طوعا ولاكرها وكرهوا ذلك لما كان من أيقاف عمر وأصحابه الأرضين المحبوسة على آخر هذه الأمة من المسلمين لاتباع ولا تورث قوة على جهاد من لم يظهر عليه بعد من المشركين، وقال الثوري إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم توارثوها وتبايعوها، وروي نحو هذا عن ابن سيرين والقرظي، لما روى عبد الرحمن بن زيد أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضاً على أن يكفيه جزيتها، وروي عنه أنه قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التبقر 1 في الأهل والمال، ثم قال
عبد الله وكيف بمال بزاذان وبكذا وكذا؟ وهذا يدل على أن له مالاً بزا ذان ولأنها أرض لهم فجاز بيعها كأرض الصلح، وقد روي عن أحمد أنه قال: كان الشراء أسهل يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس وهو رجل من المسلمين وكره البيع، قال شيخنا وإنما رخص في الشراء والله أعلم لأن بعض الصحابة اشترى ولم يسمع عنهم البيع، ولأن الشراء استخلاص للأرض ليقوم فيها مقام من كانت في يده والبيع.
أخذ عوض عما لا يملكه ولا يستحقه فلا يجوز ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإنه روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: لا تشتروا رقيق أهل الذمة ولا أراضيهم.
وقال الشعبي اشترى عتبة بن فرقد أرضا على شاطئ الفرات ليتخذ فيها قصا فذكر ذلك لعمر فقال ممن اشتريتها؟ قال من أربابها، فلما اجتمع المهاجرون والأنصار قال هؤلاء أربابها فهل اشتريت منهم شيئاً؟ قال لا، قال فارددها إلى من اشتريتها منه وخذ مالك.
وهذا قول عمر في المهاجرين والأنصار بمحضر سادة الصحابة وأئمتهم فلم ينكر فكان إجماعاً ولا سبيل إلى وجود إجماع أقوى من هذا وشبهه إذ لا سبيل إلى نقل قول جميع الصحابة في مسألة ولا إلى نقل قول العشرة ولم يوجد الإجماع إلا القول المنتشر، فإن قيل فقد خالفه ابن مسعود بما ذكر عنه.
قلنا لا نسلم المخالفة وقولهم اشترى قلنا المراد به أكرى كذا قال أبو عبيد، والدليل عليه قوله على أن يكفيه جزيتها ولا يكون مشتريا لها وجزيتها على غيره وقد روي عنه القاسم أنه قال: من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل وهذا يدل على أن الشراء هنا الاكتراء وكذلك كل من رويت عنه الرخصة في الشراء محمول
على ذلك وقوله فكيف بمال بزاذان ليس فيه ذكر الشراء، ولأن المال الأرض فيحتمل أنه أراد من السائمة أو الزرع أو نحوه، ويحتمل أنه أراد أرضاً اكتراها وقد يحتمل أنه أراد بذلك غيره وقد يعيب الإنسان الفعل المعيب من غيره (جواب ثان) أنه يتناول الشراء وبقي قول عمر في النهي عن البيع غير معارض، فأما المعنى فلأنها موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الوقوف والدليل على وقفها النقل والمعنى أما النقل فما نقل من
الأخبار أن عمر لم يقسم الأرض التي افتتحها وتركها لتكون مادة للمسلمين الذين يقاتلون في سبيل الله إلى يوم القيامة وقد نقلنا بعض ذلك وهو مشهور تغني شهرته عن نقله وأما المعنى فلانها لو قسمت لكانت للذين افتتحوها ثم لورثته (الظاهر أن تكون لورثتهم) ولمن انتقلت إليه عنهم ولم تكن مشتركة بين المسلمين، ولأنه لو قسمت لنقل ذلك ولم يخف بالكلية فإن قيل فهذا لا يلزم منه الوقف لأنه يحتمل أنه تركها للمسلمين عامة فتكون فيئاً للمسلمين والإمام نائبهم فيفعل ما يرى فيه المصلحة من بيع وغيره، ويحتمل أنه تركها لاربابها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، قلنا أما الأول فلا يصح لأن عمر إنما ترك قسمتها لتكون مادة للمسلمين كلهم ينتفعون بها مع بقاء أصلها وهذا معنى الوقف، ولو جاز تخصيص قوم بأصلها لكان الذين افتتحوها أحق بها ولا يجوز أن يمنعها أهلها لمفسدة ثم يخص بها غيرهم مع وجود المفسدة المانعة والثاني أظهر فساداً من الأول لأنه إذا منعها المسلمين المستحقين كيف يخص بها أهل الذمة المشركين الذين لا حق لهم ولا نصيب؟ (فصل) وإذا بيعت هذه الأرض فحكم بصحة البيع حاكم صح لأنه مختلف فيه فصح بحكم الحاكم كسائر المختلفات، وإن باع الإمام شيئاً لمصلحة رآها مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارته ولا يعمرها إلا من يشتريها صح أيضاً لأن فعل الإمام كحكم الحاكم، وقد ذكر ابن عائذ في كتاب فتوح الشام قال: قال غير واحد من مشايخنا إن الناس سألوا عبد الملك والوليد وسليمان أن يأذنوا لهم في شراء الأرض من أهل الذمة فأذنوا لهم على ادخال أثمانها في بيت المال، فلما ولى عمر بن عبد العزيز أعرض عن تلك الأشرية لاختلاط الأمور فيها لما وقع فيها من المواريث ومهور النساء وقضاء الديون ولما لم يقدر على تخليصه ولا معرفة ذلك كتب كتاباً قرئ على الناس: ان من اشترى شيئاً بعد سنة مائة إن بيعه مردود.
وتسمى سنة مائة سنة المدة فتناهى الناس عن شرائها ثم اشتروا أشريه كبيرة كانت يأيدي أهلها تؤدي العشر ولا جزية عليها، فلما أفضى الأمر إلى المنصور ورفعت إليه تلك الأشرية وأن ذلك أضر بالخراج وكسره فأراد ردها إلى أهلها فقيل له قد وقعت في المواريث والمهور واختلط أمرها.
فبعث المعدلين منهم عبد الله بن يزيد إلى حمص، وإسماعيل بن عباس إلى بعلبك، وهضاب بن طوق ومحرز ابن زريق إلى الغوطة، وأمرهم أن لا يضعوا على القطائع والأشرية القديمة خراجا ومنعوا الخراج
على ما بقي بأيدي الانباط وعى الأشرية المحدثة من سنة مائة إلى السنة التي عدل فيها فعلى هذا ينبغي أن يجزئ ما باعه إمام أو بيع بإذنه أو تعذر رد بيعه هذا المجزئ في أن يضرب عليه خراج بقدر ما يحتمله ويترك في يد مشتريه أو من انتقل إليه إلا ما بيع قبل المائة سنة فإنه لا خراج عليه كما نقل في هذا الخبر
(فصل) وحكم إقطاع هذه الأرض حكم بيعها في أن ما كان من عمر رضي الله عنه أو ما كان قبل مائة سنة فهو لا هله وما كان بعد المائة ضرب عليه الخراج كما فعل المنصور إلا أن يكون بغير إذن الإمام فيكون باطلاً، وذكر ابن عائذ في كتابه باسناده عن سليمان بن عتبة إن أمير المؤمنين عبد الله بن محمد أظنه المنصور سأله في مقدمة الشام سنة ثلاث أو أربع وخمسين عن الأرضين التي بأيدي أبناء الصحابة يذكرون أنها قطائع لآبائهم قديمة فقلت يا أمير المؤمنين أن الله تعالى لما أظهر المسلمين على بلاد الشام وصالحوا أهل دمشق وأهل حمص كرهوا أن يدخلوها دون أن يتم ظهورهم واثخانهم في عدوالله وعسكروا في مرج بردان المرة إلى مرج شعبان حسي بردا - مروج كانت مباحة فيما بين أهل دمشق وقراها ليست لأحد منهم فأقاموا بها حتى وطأ الله بهم المشركين قهراً وذلا فاختبأ كل قوم محلهم وهيئوا فيها بناء فرفع إلى عمر فأمضاه عمر لهم وأمضاه عثمان من بعده إلى ولاية أمير المؤمنين قال فقد أمضيناه لهم! وعن الأحوص بن حكيم أن المسلمين الذين فتحوا حمص لم يدخلوها وعسكروا على نهر الأوند فأحيوه فأمضاه لهم عمر وعثمان وقد كان أناس منهم تعدوا ذاك إلى حبس الاوند الذي على باب الرتبتين فعسكروا في برجه مسلحة لمن خلفهم من المسلمين، فلما بلغهم ما أمضاه عمر للمعسكرين على نهر الأوند سألوا أن يشركوهم في تلك القطائع فكتب إلى عمر فيه فكتب أن يعوضوا مثله من المروج التي كانوا عسكروا فيها على باب الرتبتين فلم تزل تلك القطائع على شاطئ الأوند وعلى باب حمص وعلى باب الرتبتين ماضية لاهلها لاخراج عليها تؤدي العشر (فصل) وهذا الذي ذكرناه في الأرض المغلة، أما المساكن فلا بأس بحيازتها وبيعها وشرائها وسكناها، قال أبو عبيد ما علمنا أحداً كره ذلك وقد اقتسمت بالكوفة خططاً في زمن عمر رضي الله عنه بإذنه وبالبصرة وسكنها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذلك الشام ومصر وغيرهما من البلدان فما غاب ذلك أحد ولا أنكره (فصل) وكذلك ما فتح صلحاً بشرط أن يكون لأهله كأرض الحيرة والليس وبانقيا وأرض بني صلوبا وما في معناها فيجوز بيعها لأنها ملك لاهلها فهي كالمساكن وكذلك كل أرض أسلم أهلها عليها كأرض المدينة وشبهها فإنها ملك لأهلها يجوز بيعها لذلك ﴿مسألة﴾ ﴿وتجوز إجارتها﴾ لأنها مستأجرة في أيدي أربابها وإجارة المستأجر جائزة على ما نذكره في موضعه إن شاء الله تعالى (وعن أحمد أنه كره بيعها) لما ذكرنا (وأجاز شراءها) لأنه كالاستنقاذ لها فجاز كشراء الأسير، ولأنه قد روي عن بعض الصحابة رضي الله عنهم على ما ذكرنا في المسألة التي قبلها، وإذا قلنا بصحة الشراء فإنها تكون في أيدي المشتري على ما كانت في يد البائع يؤدي خراجها ويكون معنى الشراء ههنا نقل اليد من البائع إلى المشتري بعوض إلا ما كان قبل مائة سنة أو ما كان من إقطاع عمر رضي الله عنه على ما ذكرناه، فإن اشتراها وشرط الخراج على البائع كما فعل ابن مسعود فهو كراء لا شراء وينبغي أن يشترط بيان مدته كسائر الاجارات ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع رباع مكة ولا إجارتها وعنه يجوز ذلك)
اختلف الرواية في بيع رباع مكة وإجارة دورها فروي أن ذلك غير جائز وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري وأبي عبيد وكرهه إسحاق لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله صلى الله عليه سلم في مكة " لاتباع رباعها، ولا تكرى بيوتها " رواه الأثرم، وعن مجاهد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " مكة حرام بيع رباعها حرام إجارتها " رواه سعيد بن منصور في سننه وروي أنها كانت تدعى السوائب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره مسدد في مسنده ولأنها فتحت عنوة ولم تقسم فصارت موقوفة فلم يجز بيعها كسائر الأرض التي فتحها المسلمون عنوة ولم يقسموها ودليل أنها فتحت عنوة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " ان الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسوله والمؤمنين وإنها لم تحل لأحد قبلي ولا تحل لأحد بعدي، وإنما حلت لي ساعة من نهار " متفق عليه.
وروت أم هانئ أنها قالت أجرت حموين لي فأراد علي قتلهما فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يارسول الله: إني أجرت
حموين لي فزعم ابن أمي علي أنه قاتلهما فقال النبي صلى الله عليه وسلم " قد أجرنا من أجرت وأمنا من أمنت " متفق عليه.
وكذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل أربعة فقتل منهم ابن خطل ومقيس بن ضبابة فدل على أنها فتحت عنوة (والرواية الثانية) أنه يجوز ذلك روى ذلك عن طاوس وعمر وبن دينار وهو قول الشافعي وابن المنذر وهو أظهر في الحجة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له أين تنزل غداً؟ قال " وهل ترك لنا عقيل من رباع؟ " متفق عليه، يعني أن عقيلا باع رباع أبي طالب لأنه ورثه دون أخوته لكونه كان على دينه دونهما ولو كانت غير مملوكة لما أثر بيع عقيل شيأ ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لهم دور بمكة كأبي بكر والزبير وحكيم بن حزام وأبي سفيان وسائر أهل مكة فمنهم من باع ومنهم من ترك داره فهي في يد أعقابهم، وقد باع حكيم بن حزام دار الندوة فقال له ابن الزبير بعت مكرمة قريش فقال يا ابن أخي ذهبت المكارم إلى التقوى أو كما قال، واشترى معاوية منه دارين، واشترى عمر رضي الله عنه دار السجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف ولم يزل أهل مكة يتصرفون في دورهم تصرف الملاك بالبيع وغيره ولم ينكره منكر فكان إجماعاً، وقد قرره النبي صلى الله عليه وسلم بنسبة دورهم إليهم فقال " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن.
ومن أغلق بابه فهو آمن " وأقر هم في دورهم ورباعهم ولم ينقل أحداً عن داره ولا وجد منه ما يدل على زوال أملاكهم وكذلك من بعده من الخلفاء حتى أن عمر مع شدته في الحق لما احتاج إلى دار للسجن لم يأخذها إلا بالبيع.
ولأنها أرض حية لم يرد عليها صدقة محرمة فجاز بيعها كسائر الأرض وما روي من الأحاديث في خلاف هذا فهو ضعيف.
وأما كونها فتحت عنوة فهو صحيح لا يمكن دفعه إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم أقر أهلها فيها على أملاكهم ورباعهم فيدل ذلك على أنه تركها لهم كما ترك لهوازن نساءهم وابناءهم (1) كان الاولى أن يقول كما أعتقهم بقوله " أنتم الطلقاء ") وعلى القول الأول من كان ساكن دار أو منزل فهو أحق به يسكنه ويسكنه وليس له بيعه ولا أخذ أجرته.
ومن احتاج إلى مسكن فله بذلك الأجرة فيه.
وإن احتاج الى الشراء فله ذلك كما فعل عمر رضي الله عنه.
وكان أبو عبد الله إذا سكن أعطاهم أجرتها.
فإن سكن بأجرة جاز أن لا يدفع إليهم الأجرة إن أمكنه لأنهم لا يستحقونها.
وقد روي أن سفيان سكن
في بعض رباع مكة وهرب ولم يعطهم أجرة فأدركوه فأخذوها منه، وذكر لأحمد فعل سفيان فتبسم فظاهر
هذا أنه أعجبه قال ابن عقيل وهذا الخلاف في غير مواضع المناسك.
أما بقاع المناسك كموضع المسعى والرمي فحكمه حكم المساجد بغير خلاف (فصل) ومن بنى بمكة بآلة مجلوبة من غير أرض مكة جاز بيعها كما يجوز بيع أبنية الوقوف وانقاضها، وان كانت من تراب الحرم وحجارته انبنى جواز بيعها على الروايتين في بيع رباع مكة لأنها تابعة لها وهكذا تراب كل وقف وانقاضه قال أحمد وأما البناء بمكة فإني أكرهه قال إسحاق البناء بمكة على وجه الاستخلاص لنفسه لا يحل وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له ألا تبني لك بمنى بيتا فقال " منى مناخ من سبق ".
﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع كل ماء عد كمياه العيون ونقع البئر ولا ما في المعادن الجارية من القار والملح والنفط ولا ما ينبت في أرضه من الكلأ والشوك ومن أخذ منه شيئاً ملكه) الأنهار النابعة في غير ملك كالأنهار الكبار لا تملك بحال ولا يجوز بيعها، ولو دخل إلى أرض رجل لم يملكه بذلك كالطير فدخل إلى أرضه ولكل احد أخذه وتملكه، إلا أن يحتفر منه ساقيه فيكون أحق بها من غيره، وأما ما ينبع في ملكه كالبئر والعين المستنبطة بنفس النهر وأرض العين مملوكة لمالك الأرض فالماء الذي فيها غير مملوك في ظاهر المذهب لأنه يجزي من تحت الأرض فأشبه الماء الجاري في النهر إلى ملكه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الآخر يملك لأنه نماء الملك.
وقد روي عن أحمد نحو ذلك فإنه قيل له قي رجل له أرض ولآخر ماء فيشترك صاحب الأرض وصاحب الماء في الزرع يكون بينهما؟ فقال لا باس اختاره أبو بكر وهذا يدل من قوله على أن الماء مملوك لصاحبه، وفي معنى الماء المعادن الجارية في الأملاك كالقار والنفط والموميا والملح، وكذلك الحكم في الكلأ والشوك النابت في أرضه فكذلك كله يخرج على الروايتين في الماء، والصحيح أن الماء لا يملك فكذلك هذه وجواز بيع ذلك مبني على ملكه قال أحمد: لا يعجبني بيع الماء البتة وقال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن قوم بينهم نهر تشرب منه أرضوهم لهذا يوم ولهذا يومان يتفقون عليه الحصص فجاء يومي ولا أحتاج إليه أكريه بدراهم؟ قال ما أدري أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء قيل له إنه ليس يبيعه إنما يكريه قال إنما احتالوا بهذا ليحسنوه فأي شئ هذا إلا البيع؟
وروى الأثرم باسناده عن جابر وإياس بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع وروى أبو عبيد والا ثرم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " المسلمون شركاء في ثلاث في النار والكلأ والماء " فإن قلنا يملك جاز بيعه وإن قلنا لا يملك فصاحب الارض أحق به من غيره لكونه في ملكه فإن دخل غيره بغير إذنه فأخذه ملكه لأنه يباح في الاصل فأشبه مالو عشش في أرضه طائر أو دخل إليها صيد أو نضبت عن سمك فدخل إليها داخل فأخذه ﴿مسألة﴾ (إلا أنه لا يجوز له الدخول إلى ملك غيره بغير إذنه) لأنه تصرف في ملك الغير بغير
إذنه أشبه ما لو دخل لغير ذلك (وعنه يجوز بيعه) وهذا مبني على أنه يملك وقد ذكرناه (فصل) والخلاف في بيع ذلك إنما هو قبل حيازته.
فأما ما يحوزه من الماء في إنائه أو يأخذه من الكلأ في حبله أو يحوزه في رحله أو يأخذه من المعادن فإنه يملكه بذلك بغير خلاف بين أهل العلم فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأخذ حزمة حطب فيبيعها فيكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطي أو منع " رواه البخاري، وقد روى أبو عبيد في الأموال عن المشيخة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء إلا ما حمل منه.
وعلى ذلك مضت العادة في الأمصار ببيع الماء في الروايا والحطب والكلأ من غير نكير وليس لأحد أن يشرب منه ولا يتوضأ ولا يأخذ إلا بإذن مالكه لأنه ملكه.
قال أحمد: إنما نهى عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره ويجوز بيع البئر نفسها والعين ومشتريها أحق بملئها، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من يشتري بئر رومة يوسع بها على المسلمين وله الجنة؟ " أو كما قال فاشتراها عثمان بن عفان رضي الله عنه من يهودي بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وسبلها للمسلمين، وروي أن عثمان اشترى منه نصفها باثني عشر ألفاً ثم قال لليهودي اختر إما أن تأخذها يوماً وآخذها يوماً وأما إن تنصب لك عليها دلواً وأنصب عليها دلواً فاختار يوماً ويوماً فكان الناس يستقون منها في يوم عثمان لليومين فقال اليهودي أفسدت علي بئري فاشتر باقيها فاشتراه بثمانية آلاف، وفي هذا دليل على صحة بيعها وتسبيلها وملك ما يسقيه منها وجواز قسمة مائها بالمهايأة وكون مالكها أحق بمائها وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك
(فصل) فأما المصانع المتخذة لمياه الأمطار تجتمع فيها ونحوها من البرك وغيرها فالأولى أنه يملك ماؤها ويصح بيعه إذا كان معلوماً لأنه مباح حصله بشئ معد له كالصيد يحصل في شبكة والسمك في بركة معدة له ولا يحصل أخذ شئ منه بغير إذن مالكه وكذلك إن جرى من نهر غير مملوك ماء إلى بركة في أرضه يستقر الماء فيها لا يخرج منها فحكمه حكم مياه الأمطار تجتمع في البركة قياساً عليه والله أعلم.
(فصل) إذا اشترى ممن في ماله حلال وحرام كالسلطان الظالم والمرابي فإن علم أن المبيع من حلال فهو حلال وإن علم أنه من الحرام فهو حرام ولا يقبل قول المشتري عليه في الحكم لأن الظاهر أن ما في يد الإنسان ملكه، فإن لم يعلمه من أيها هو كره لاحتمال التحريم فيه ولم يبطل البيع لإمكان الحلال سواء قل الحرام أو كثر وهذا هو الشبهة، وبقدر قلة الحرام أو كثرته تكثر الشبهة وتقل قال أحمد لا يعجبني أن يأكل منه وذلك لما روى النعمان بن بشير أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات استبراء لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه الاوان لكل ملك حمى وإن حمى الله محارمه " متفق عليه واللفظ لمسلم ولفظ البخاري " فمن ترك ما اشتبه عليه كان لما استبان أترك، ومن اجتزأ على ما يشك فيه من المأثم أو شك أن يواقع ما استبان " وروى الحسن بن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " دع ما يريبك الى ما لا يريبك " وهذا مذهب الشافعي (فصل) والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب ما أصله الحظر كالذبيحة في بلده فيها مجوس وعبدة أو ثان
يذبحون فلا يجوز شراؤها وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم لأن الأصل التحريم فلا يجوز إلا بيقين أو ظاهر وكذلك إن كان فيها اخلاط من المسلمين والمجوس لم يجز شراؤها لذلك والأصل فيه حديث عدي بن حاتم " إذا أرسلت كلبك فخالط أكلباً لم يسم عليها فلا تأكل فإنك لا تدري أيها قتله " متفق عليه.
فأما إن كان ذلك في بلد الإسلام فالظاهر إباحتها لأن المسلمين لا يقرون في بلدهم بيع مالا يحل بيعه ظاهرا (الثاني) ما أصله الاباحة كالماء يجده متغيراً لا يعلم بنجاسة تغيره أو غيرها فهو طاهر في الحكم لأن الأصل الطهارة لا يزول عنها إلا بيقين أو ظاهر ولم يوجد واحد منهما، والأصل في ذلك
حديث عبد الله بن زيد رضي الله عنه قال شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه يجد الشئ قال " لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحا " متفق عليه (الثالث) ما لا يفرق له أصل كرجل في ماله حلال وحرام فهذا هو الشبهة التي الأولى تركها على ما ذكرناه وعملا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وجد تمرة ساقطة فقال " لولا أني أخشى أنها من الصدقة لأكلتها " وهو من باب الورع (فصل) وكان أحمد لا يقبل جوائز السلطان وينكر على ولده وعمه قبولها ويشدد في ذلك.
وممن كان لا يقبلها سعيد بن المسيب والقاسم وبشر بن سعيد ومحمد بن واسع الثوري وابن المبارك، وكان هذا منهم على سبيل الورع لا على أنها حرام فإن أحمد قال: جوائز السلطان أحب إلي من الصدقة وقال ليس أحد من المسلمين إلا وله في هذه الدراهم نصيب فكيف أقول إنها سحت وممن كان يقبل جوائزهم ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم مثل الحسن والحسين وابن جعفر ورخص فيه الحسن البصري ومكحول الزهري والشافعي.
واحتج بعضهم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً ومات ودرعه مرهونة عنده وأجاب يهودياً دعاه وأكل من طعامه وقد أخبر الله تعالى أنهم أكالون للسحت، وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال لا بأس بجوائز السلطان فإن ما يعطيكم من حلال أكثر مما يعطيكم من الحرام وقال لا تسأل السلطان شيئاً وإن أعطى فخذ فإن ما في بيت المال من الحلال أكثر مما فيه من الحرام (فصل) قال أحمد رضي الله عنه فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام يتصدق بالثلاثة وإن كان معه مائتا درهم فيها عشرة دراهم حرام تصدق بالعشرة لأن هذا كثير وذاك قليل، قيل له قال سفيان ما كان دون العشرة يتصدق به وما كان أكثر يخرج؟ قال نعم لا يجحف به قال القاضي ليس هذا على سبيل التحديد وإنما هو على سبيل الاختيار لأنه كلما كثر الحلال بعد تناول الحرام وشق التورع عن الجميع بخلاف القليل فإنه يسهل إخراج الكل والواجب في الموضعين إخراج قدر الحرام والباقي له وهذا لأن تحريمه لم يكن لتحريم عينه وإنما حرم لتعلق حق غيره به فإذا أخرج عوضه زال التحريم كما لو كان صاحبه حاضراً فرضي بعوضه وسواء كان قليلاً أو كثيراً، والورع إخراج ما يتيقن به إخراج عين الحرام ولا يحصل ذلك إلا بإخراج الجميع لكن لما شق ذلك في الكثير ترك لأجل المشقة فيه
واقتصر على الواجب.
ثم يختلف هذا باختلاف الناس فمنهم من لا يكون له سوى الدراهم اليسيرة فيشق إخراجها لحاجته إليها ومنهم من يكون له كثير فيستغني عنها فيسهل إخراجها والله تعالى أعلم
(فصل) (الخامس أن يكون مقدوراً على تسليمه فلا يجوز بيع الآبق ولا الشارد ولا الطير في الهواء ولا السمك في الماء ولا المغصوب إلا من غاصبه أو ممن يقدر على أخذه منه) بيع العبد الآبق لا يجوز سواء علم بمكانه أو جهله وكذلك ما في معناه من الجمل الشارد والفرس العائر وشبههما وبه قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وروي عن ابن عمر أنه اشترى من بعض ولده بعيراً شارداً وعن ابن سيرين لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً وعن شريح مثله.
ولنا ماروى أبو هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر رواه مسلم وهذا بيع غرر ولأنه غير مقدور على تسليمه فلم يجز بيعه كالطير في الهواء فإن حصل في يد انسان جاز بيعه لإمكان تسليمه (فصل) ولا يجوز بيع الطير في الهواء مملوكا كان اولا أما المملوك فلأنه غير مقدور عليه وغير المملوك لا يجوز لعلتين عدم القدرة وعدم الملك لحديث أبي هريرة قيل في تفسيره هو بيع الطير في الهواء والسمك في الماء ولا نعلم في هذا خلافاً ولا فرق بين كون الطائر يألف الرجوع أولا يألفه لأنه لا يقدر على تسليمه الآن وإنما يقدر إذا عاد.
فإن قيل فالغائب في مكان بعيد لا يقدر على تسليمه في الحال، قلنا الغائب يقدر على استحضاره والطير لا يقدر صاحبه على رده إلا أن يرجع هو بنفسه ولا يستقل مالكه برده فيكون عاجزاً عن تسليمه لعجزه عن الواسطة التي يحصل بها تسليمه بخلاف الغائب وإن باعه الطير في البرج نظرت فإن كان البرج مفتوحاً لم يجز لأن الطير إن لم يمكن تسليمه فإن كان مغلقاً ويمكن أخذه جاز بيعه وقال القاضي إن لم يمكن أخذه إلا بتعب ومشقة لم يجز بيعه وهذا مذهب الشافعي.
وهو ملغي بالبعيد الذي لا يمكن إحضاره إلا بتعب ومشقة، وفرقوا بينهما بأن البعيد تعلم الكلفة التي يحتاج إليها في إحضاره بالعادة وتأخير التسليم مدته معلومة، والصحيح أن تفاوت المدة في إحضار البعيد واختلاف المشقة أكبر من التفاوت في إمساك طائر من البرج، والعادة
تكون في هذا كالعادة في ذلك فإذا صح في البعيد مع كثرة التفاوت وشدة اختلاف المشقة فهذا أولى (فصل) ولا يجوز بيع السمك في الآجام هذا قول أكثر أهل العلم وروى عن ابن مسعود أنه نهى عنه وقال إنه غرر وكرهه الحسن النخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف وأبو ثور ولا نعلم لهم مخالفاً لما ذكرنا من الحديث والمعنى، فإن باعه في الماء جاز بثلاثة شروط أحدها أن يكون مملوكاً وأن يكون الماء رقيقا لايمنع مشاهدته ومعرفته، وأن يمكن اصطياده لأنه مملوك معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالموضوع في طست في الماء.
وإن اختل شرط مما ذكرنا لم يجز بيعه لفوات الشرط وروي عن عمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى فيمن له أجمة يحبس السمك فيها يجوز بيعه لأنه يقدر على تسليمه ظاهراً أشبه ما يحتاج إلى مؤنة في الكيل أو الوزن والنقل.
ولنا قول ابن مسعود وابن عمر لا تشتروا السمك في الماء لأنه غرر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر وهذا منه ولأنه لا يقدر على تسليمه إلا بعد اصطياده أشبه الطير في الهواء ولأنه مجهول أشبه اللبن في الضرع ويفارق ما قاسوا عليه، لأن ذلك من مؤنة القبض وهذا يحتاج إلى مؤنة ليمكن قبضه، فأما إن كانت له بركة له فيها سمك
يمكن اصطياده بغير كلفة والماء رقيق لايمنع المشاهدة صح بيعه على ما ذكرنا، وإن لم يمكن إلا بكلفة ومشقة وكانت يسيرة بمنزلة اصطياد الطائر من البرج فالقول فيه كالقول في بيع الطائر في البرج على ما ذكرنا من الخلاف وإن كانت كثيرة تتطاول المدة فيه لم يجز بيعه للعجز عن تسليمه في الحال والجهل بإمكان التسليم (فصل) ولا يجوز بيع المغصوب لعدم إمكان تسليمه فإن باعه لغاصبه أو لقادر على أخذه منه جاز لعدم الغرر فيه ولإمكان قبضه، وكذلك إن باع الآبق لقادر عليه صح كذلك وإن ظن أنه قادر على استنقاذه ممن هو في يده صح البيع فإن عجز عن استنقاذه فله الخيار بين الفسخ والإمضاء لأن العقد صح لكونه مظنون القدرة على قبضه وثبت له الفسخ للعجز عن القبض فهو كما لو باعه فرساً فشردت قبل تسليمها أو غائباً بالصفة فعجز عن تسليمه (فصل) (السادس أن يكون معلوما برؤية أو صفة يحصل بها معرفته فإن اشترى ما لم يره ولم يوصف له أو رآه ولم يعلم ما هو أو ذكر له من صفته ما لا يكفي في السلم لم يصح البيع وعنه يصح وللمشتري خيار الرؤية)
اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في بيع الغائب الذي لم يوصف ولم تتقدم رؤيته فالمشهور عنه أنه لا يصح بيعه وبهذا قال الشعبي والنخعي والحسن والاوزاعي ومالك واسحاق وهذا أحد قولي الشافعي.
وفيه رواية أخرى أنه يصح وهو مذهب أبي حنيفة والقول الثاني للشافعي واحتج من أجازه بعموم قوله تعالى (وأحل الله البيع) وبما روي عن عثمان وطلحة أنهما تبايعا داريهما إحداهما بالكوفة والأخرى بالمدينة فقيل لعثمان إنك قد غبنت فقال ما أبالي إني بعت ما لم أره.
وقيل لطلحة فقال لي الخيار لأنني اشتريت ما لم أره، فتحاكما إلى جبير فجعل الخيار لطلحة.
وهذا اتفاق منهم على صحة البيع ولأنه عقد معاوضة فلم تفتقر صحته إلى رؤية المعقود عليه كالنكاح.
ولنا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الغرر رواه مسلم، ولأنه باع ما لم يره ولم يوصف له فلم يصح كبيع النوى في التمر، ولأنه بيع فلم يصح مع الجهل بصفة المبيع كالسلم والآية مخصوصة بما ذكرنا من الأصل، وأما حديث عثمان وطلحة فيحتمل أنهما تبايعا بالصفة ومع ذلك فهو قول صحابي وقد اختلف في كونه حجة ولا يعارض به حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنكاح لا يقصد منه المعاوضة ولا يفسد بفساد العوض ولا بترك ذكره ولا يدخله شئ من الخيارات، وفي اشتراط الرؤية مشقة على المخدرات وإضرار بهن ولأن الصفات التي تعلم بالرؤية ليست هي المقصودة بالنكاح فلا يضر الجهل بها بخلاف البيع.
فإن قيل فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من اشترى ما لم يره فهو بالخيار إذا رآه " والخيار لا يثبت إلا في عقد صحيح قلنا: هذا يرويه عمربن إبراهيم الكردي وهو متروك الحديث ويحتمل أنه بالخيار بين العقد عليه وتركه فعلى هذا يشترط رؤية ما هو مقصود بالبيع كداخل الثوب وشعر الجارية ونحوهما، فلو باع ثوباً مطوياً أو عيناً حاضرة لا يشاهد منها ما يختلف الثمن لأجله كان كبيع الغائب فإن قلنا بصحة بيع الغائب فللمشتري الخيار في أشهر الروايتين وهو قول أبي حنيفة ويثبت الخيار عند رؤية المبيع في الفسخ والإمضاء ويكون على الفور فإن اختار الفسخ انفسخ العقد وإن لم يختر لزم العقد لأن الخيار خيار الرؤية فوجب أن يكون عندها وقيل يتقيد بالمجلس وإن اختار الفسخ قبل
الرؤية انفسخ لأن العقد غير لازم في حقه فملك الفسخ كحالة الرؤية وإن اختار إمضاء العقد لم يلزم لأن
الخيار يتعلق بالرؤية ولأنه يؤدي إلى إلزام العقد على المجهول فيفضي إلى الضرر وكذلك لو تبايعا على أن لا يثبت الخيار للمشتري لم يصح الشرط كذلك.
وهل يفسد به البيع؟ على وجهين بناء على الشروط الفاسدة في البيع (فصل) ويعتبر لصحة العقد الرؤية من المتعاقدين وإن قلنا بصحة البيع مع عدم الرؤية فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وإن لم يره المشتري فلكل منهما الخيار وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لاخيار للبائع لحديث عثمان وطلحة ولأننا لو أثبتنا له الخيار لثبت لتوهم الزيادة والزيادة في المبيع لا تثبت الخيار بدليل مالو باع شيئاً على أنه معيب فبان غير معيب لم يثبت الخيار له ولنا أنه جاهل بصفة المعقود عليه فأشبه المشتري.
فأما الخبر فإنه قول طلحة وجبير وقد خالفهما عثمان وقوله أولى لأن البيع يعتبر فيه الرضا منهما فتعتبر الرؤية التي هي مظنة الرضا منهما ﴿مسألة﴾ (وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السلم أو رآه ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً صح في أصح الروايتين ثم إن وجده لم يتغير فلا خيار له، وإن وجده متغيراً فله الفسخ والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه) إذا ذكر له من صفات المبيع ما يكفي في صحة السلم صح بيعه في ظاهر المذهب وهو قول أكثر أهل العلم وعنه لا يصح حتى يراه لأن الصفة لا تحصل بها معرفة المبيع فلم يصح البيع بها كالذي لا يصح السلم فيه ولنا أنه بيع بالصفة فصح كالسلم ولا نسلم أن الصفة لا يحصل بها المعرفة فإنها تحصل بالصفات الظاهرة التي لا يختلف بها الثمن ظاهراً ولهذا اكتفي به في السلم ولأنه لا يعتبر في الرؤية الاطلاع على الصفات الخفية.
وأما ما لا يصح السلم فيه فإنما لم يصح بيعه بالصفة لأنه لا يمكن ضبطه بها.
إذا ثبت هذا فانه متى وجده على الصفة لم يكن له الفسخ وبهذا قال ابن سيرين وأيوب ومالك والعنبري واسحاق وأبو ثور وابن المنذر، وقال الثوري وأبو حنيفة وأصحابه له الخيار بكل حال لأنه يسمى بيع خيار الرؤية ولان الرؤية من تمام هذا العقد فأشبه غير الموصوف ولأصحاب الشافعي وجهان كالمذهبين، ولنا أنه سلم له المعقود عليه بصفاته فلم يكن له خيار كالمسلم فيه ولأنه مبيع موصوف فلم يكن للعاقد فيه الخيار في جميع الأحوال كالسلم.
وقولهم إنه يسمى بيع خيار الرؤية لا تعرف صحته فإن ثبت فيحتمل أنه يسميه من يرى ثبوت الخيار فلا يحتج به على غيره فأما إن وجده بخلاف الصفة فله الخيار ويسمى خيار الخلف في
الصفة لأنه وجد الموصوف بخلاف الصفة فلم يلزمه كالمسلم فيه وإن اختلفا في اختلاف الصفة فالقول قول المشتري مع يمينه لأن لاصل براءة ذمته من الثمن فلم يلزمه ما لم يقربه أو يثبت ببينة أو ما يقوم مقامها (فصل) والبيع بالصفة نوعان (أحدهما) بيع عين معينه مثل أن يقول بعتك عبدي التركي ويذكر صفاته فهذا ينفسخ العقد عليه برده على البائع وتلفه قبل قبضه لكون المعقود عليه معينا فيزول العقد بزوال محله، ويجوز التفرق قبل قبض ثمنه وقبضه كبيع الحاضر (الثاني) بيع موصوف غير معين مثل أن يقول بعتك عبداً تركياً ثم يستقصي صفات السلم فهذا في معنى السلم فمتى سلم إليه عبداً على غير
ما وصف فرده أو على ما وصف فأبدله لم يفسد العقد لأن العقد لم يقع على غير هذا فلم ينفسخ العقد برده كما لو سلم إليه في السلم غير ما وصف له فرده ولا يجوز التفرق عن مجلس العقد قبل قبض المبيع أو قبض ثمنه وهذا قول الشافعي لأنه بيع في الذمة فلم يجز التفرق فيه قبل قبض أحد العوضين كالسلم وقال القاضي يجوز التفرق فيه قبل القبض لأنه بيع حال فجاز التفرق فيه قبل القبض كبيع العين (فصل) فإن رأيا المبيع ثم عقدا البيع بعد ذلك بزمن لا تتغير العين فيه جاز في قول أكثر أهل العلم وحكي عن أحمد رواية أخرى لا يجوز حتى يرياها حالة العقد وحكي ذلك عن الحكم وحماد ولأن ما كان شرطاً في صحة العقد يجب أن يكون موجوداً حال العقد كالشهادة في النكاح، ولنا أنه معلوم عندهما أشبه ما لو شاهداه حال العقد والشرط إنما هو العلم والرؤية طريق العلم ولهذا اكتفي بالصفة المحصلة للعلم والشهادة في النكاح تراد لحل العقد والاستيثاق عليه فلهذا اشترطت حال العقد ويقرر ما ذكرناه ما لو رأيا داراً أوقفا في بيت منها أو أرضاً ووقفا في طرفها وتبايعاها صح بلا خلاف مع عدم المشاهدة للكل في الحال، ولو كانت الرؤية المشروطة للبيع مشروطة حال العقد لا اشترط رؤية جميعه، إذا ثبت ذلك فمتى وجد المبيع بحاله لم يتغير لزمه البيع، وإن كان ناقصاً ثبت له الخيار لأن ذلك كحدوث العيب، وإن اختلفا في التغير فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه يلزمه الثمن فلا يلزمه ما لم يعترف به فأما إن عقدا البيع بعد رؤية المبيع بمدة يتحقق فيها فساد المبيع لم يصح البيع لأنه مما لا يصح بيعه، وإن كان يتغير فيها لم يصح بيعه أيضاً لأنه مجهول، وكذلك إن كان الظاهر تغيره فإن كان يحتمل التغير وعدمه وليس الظاهر تغيره صح بيعه لأن الأصل السلامة ولم يعارضه ظاهر فيصح بيعه كما لو كانت الغيبة يسيرة وهذا ظاهر مذهب الشافعي ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأرة، والنوى في التمر) بيع الحمل في البطن فاسد بغير خلاف، قال إبن المنذر اجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز، وإنما لم يجز بيع الحمل في البطن لوجهين (أحدهما) الجهالة فإنه لا تعلم صفته ولا حياته (والثاني) أنه غير مقدور على تسليمه بخلاف الغائب فإنه يقدر على الشروع في تسليمه، وقد روى سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الملاقيح والمضامين، قال أبو عبيد الملاقيح ما في البطون وهي الأجنة، والمضامين ما في أصلاب الفحول فكانوا يبيعون الجنين في بطن الناقة وما يضربه الفحل في عامة أو في أعوام وأنشد إن المضامين التي في الصلب * ماء الفحول في الظهور الحدب وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع المجر، قال ابن الأعرابي المجر ما في بطن الناقة والمجر الربا والمجر القمار والمجر المحاقلة والمزابنة (فصل) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع حبل الحبلة ومعناه نتاج النتاج قاله أبو عبيد وعن ابن عمر قال: كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج
الناقة ثم تحمل التي نتجت فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم.
رواه مسلم وكلا البيعين فاسد، أما الأول فلأنه بيع معدوم، وإذا لم يجز بيع الحمل فبيع حمله أولى، وأما الثاني فلأنه بيع إلى أجل مجهول (فصل) ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، وبه قال الشافعي واسحاق وأصحاب الرأي ونهى عنه ابن عباس وأبو هريرة وكرهه طاوس ومجاهد.
وحكي عن مالك أنه يجوز أياما معلومة إذا عرفا حلابها لسقي الصبي كلبن الظئر وأجازه الحسن وسعيد بن جبير ومحمد بن مسلمة، ولنا ما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع صوف على ظهر أو لبن في ضرع رواه الخلال وابن ماجة، ولأنه مجهول الصفة والمقدار فأشبه الحمل، ولأنه بيع عين لم تخلق فلم يصح كبيع ما تحمل الناقة والعادة في
ذلك تختلف وأما لبن الظئر فإنما جاز للحضانة لأنه موضع حاجة (فصل) ولا يجوز بيع المسك في الفأرة وهو الوعاء الذي يكون فيه.
قال الشاعر: إذا التاجر الهندي راح بفأرة * من المسك راحت في مفارقهم تجري فإن فتح وشاهد ما فيه جاز بيعه وإن لم يشاهد لم يجز بيعه للجهالة، وقال بعض الشافعية يجوز لأن بقاءه في فأرته مصلحة له فإنه يحفظ رطوبته وذكاء رائحته أشبه ما مأكوله في جوفه، ولنا أنه يبقى خارج وعائه من غير ضرورة وتبقى رائحته فلم يجز بيعه مستوراً كالدر في الصدف وما مأكوله في جوفه إخراجه يفضي إلى تلفه، فالتفصيل في بيعه مع وعائه كالتفصيل في بيع السمن في ظرفه على ما نذكره (فصل) ولا يجوز بيع النوى في التمر والبيض في الدجاجة للجهل بها ولا نعلم في هذا اختلافاً، فأما بيع الصوف على الظهر فالمشهور أنه لا يجوز بيعه لما ذكرنا من الحديث، ولأنه متصل بالحيوان فلم يجز إفراده بالعقد كأعضائه، وعنه أنه يجوز بشرط جزء في الحال لأنه معلوم يمكن تسليمه فجاز بيعه كالرطبة وفارق الأعضاء لكونها لا يمكن تسليمها مع بقاء الحيوان سالماً والخلاف فيه كالخلاف في اللبن في الضرع، فإن اشتراه بشرط القطع وتركه حتى طال فحكمه حكم الرطبة إذا طالت على ما نذكره في موضعه ﴿مسألة﴾ (فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق إن كان مطعوماً أو بالشم إن كان مشموماً صح بيعه وشراؤه، وإن لم يمكن جاز بيعه بالصفة كالبصير وله خيار الخلف في الصفة) وبهذا قال مالك وقال أبو حنيفة له الخيار إلى معرفته بالبيع إما بحسه أو ذوقه أو وصفه وقال عبيد الله بن الحسن شراؤه جائز وإذا أمر إنساناً بالنظر إليه لزمه.
وقال الشافعي لا يجوز إلا على الوجه الذي يجوز فيه بيع المجهول أو يكون قد رآه بصيراً ثم اشتراه قبل مضي زمن يتغير فيه المبيع لأنه مجهول الصفة عند العاقد فلم يصح كبيع البيض في الدجاجة والنوى في التمر ولنا أنه يمكن الاطلاع على المقصود ومعرفته فأشبه بيع البصير، ولأن إشارة الأخرس تقوم مقام عبارته فكذلك شم الأعمى وذوقه، فأما البيض والنوى فلا يمكن الإطلاع عليه ولا وصفه بخلاف مسئلتنا ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع الملامسة) وهو أن يقول بعتك ثوبي هذا إنك متى لمسته فهو عليك بكذا أو يقول أي ثوب لمسته فهو لك بكذا
(ولا بيع المنابذة) وهو أن يقول أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا (ولابيع الحصاة) وهو أن يقول ارم هذه الحصاة
فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا أو يقول بعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في فساد هذه المبايعات، والملامسة أن يبيعه شيئاً ولا يشاهده على أنه متى لمسه وقع البيع، والمنابذة أن يقول أي ثوب نبذته إلي فقد اشتريته بكذا هكذا فسره أحمد في الظاهر عنه ونحوه قال مالك والاوزاعي، وفيما روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى الرجل قبل ان يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه.
وروى مسلم عن أبي هريرة في تفسيرهما قال هو لمس كل واحد منهما ثوب صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه ولم ينظر كل واحد منهما إلى ثوب صاحبه، وعلى التفسير الأول لا يصح البيع فيهما لعلتين (إحداهما) الجهالة (والثانية) كونه معلقا على شرط وهو نبذ الثوب أو لمسه له، وإن عقد البيع قبل نبذه ولمسه فقال بعتك ما تلمسه من هذه الثياب أو ما أنبذه إليك فهو غير معين ولا موصوف فأشبه مالو قال بعتك واحداً منها.
فأما بيع الحصاة فقد روى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحصاة واختلف في تفسيره فقيل هو أن يقول ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بدرهم، وقيل هو أن يقول بعتك من هذه الأرض مقدار ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، وقيل هو أن يقول بعتك هذا بكذا على أني متى رميت هذه الحصاة وجب البيع، وكل هذه البيوع فاسدة لما فيها من الغرر والجهل والله تعالى أعلم ﴿مسألة﴾ (ولايجوز أن يبيع عبداً غير معين، ولا عبداً من عبيد، ولا شاة من قطيع، ولا شجرة من بستان، ولا هؤلاء العبيد إلا واحداً غير معين، ولا هذا القطيع الاشاة غير معينة، وإن استثنى معيناً من ذلك جاز) لا يجوز أن يبيع عبداً غير معين لأنه مجهول ولأنه غرر وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر، ولا عبداً من عبيده سواء قلوا أو كثروا وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا باعه عبداً من عبدين أو من ثلاثة بشرط الخيار له صح لأن الحاجة تدعو إليه، ولو كانوا أكثر لم يصح لأنه يكثر الغرر
ولنا أنه مما تختلف أجزاؤه وقيمته فلا يجوز شراء بعضه غير معين ولاشياع كالأربعة ولأنه لا يصح من غير شرط الخيار فلا يصح مع شرطه كالأربعة ولا حاجة الى هذا فإن الاختيار يمكن قبل العقد ويبطل ما قالوه بالاربعة، ولايجوز بيع شاة من القطيع لأن شياه القطيع غير متساوية القيم فتكون مجهولة ولأن ذلك يفضي إلى التنازع، وكذلك إن باع شجرة من بستان لا يصح لما ذكرنا ولأن فيه غرراً فيدخل في عموم النهي عن بيع الغرر (فصل) وإن باع هؤلاء العبيد إلا واحداً غير معين، أو هذا القطيع إلا شاة غير معينة لم يصح نص عليه وهو قول أكثر أهل العلم، وقال مالك يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، ويبيع ثمرة حائط ويستثني ثمرة نخلات يعدها ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، قال الترمذي هذا حديث صحيح، ونهى عن بيع الغرر ولأنه مبيع مجهول فلم يصح كما لو قال إلا شاة مطلقة ولأنه مبيع مجهول فلم يصح كما لو قال بعتك شاة تختارها من القطيع، وضابط هذا الباب أنه لا يصح استثناء ما لا يصح بيعه منفرداً أو بيع
ما عداه منفرداً عن المستثنى ونحوه مذهب أبي حنيفة والشافعي إلا أن أصحابنا استثنوا من هذا سواقط الشاة للأثر الوارد فيبقى فيما عداه على قضية الأصل، فإن استثنى معيناً من ذلك جاز لأن المبيع معلوم بالمشاهدة لكون المستثنى معلوماً ولا يبقى فيه غرر ولأن نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم يدل على الصحة إذا كانت معلومة ولا نعلم في هذا خلافاً ﴿مسألة﴾ (وإن باع قفيزاً من هذه الصبرة صح) لأنه معلوم لكون أجزائها لا تختلف فلا تفضي إلى الجهالة، وكذلك إذا باعه رطلا من دن أو من زبرة حديد يصح لذلك، وحكي عن داود أنه لا يصح لأنه غير مشاهد ولا موصوف.
ولنا أن المبيع مقدر معلوم من جملة يصح بيعها أشبه إذا باع نصفها وما ذكره قياس وهو لا يحتج بالقياس ثم لا يصح لأنه إذا شاهد الجميع فقد شاهد البعض ﴿مسألة﴾ (وإن باعه الصبرة إلا قفيزاً أو ثمرة الشجرة إلا صاعاً لم يصح وعنه يصح) إذا باع صبرة واستثنى منها قفيزاً أو أقفزة أو باع ثمرة بستان واستثنى منها صاعاً أو آصعاً لم يصح في ظاهر المذهب، روى ذلك عن سعيد بن المسيب والحسن والشافعي والاوزاعي واسحاق وأبي ثور وأصحاب
الرأي.
وفيه رواية أخرى أنه يجوز وهو قول ابن سيرين وسالم بن عبد الله ومالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذه ثنيا معلومة ولأنه معلوم أشبه إذا استثنى منها جزءاً مشاعاً ووجه الأولى ما روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا ولأن المبيع إنما علم بالمشاهدة لا بالقدر، والاستثناء يغير حكم المشاهدة لأنه لا يدرى كم يبقى في حكم المشاهدة فلم يجز، ويخالف الجز فإنه لا يعتبر حكم المشاهدة ولا يمنع المعرفة بها، وكذلك إذا باع ثمرة شجرة واستثنى أرطالاً فالحكم فيه على ما ذكرا.
وقال القاضي في شرحه يصح لأن الصحابة رضي الله عنهم أجازوا استثناء سواقط الشاة والصحيح ما ذكرناه، وهذه المسألة أشبه بمسألة استثناء الصاع من الحائط والمعنى الذي ذكرناه ثم متحقق هاهنا (فصل) فإن استثنى من الحائط شجرة بعينها جاز لأن المستثنى معلوم ولا يؤدي إلى الجهالة في المستثنى منه، وإن استثنى شجرة غير معينة لم يصح لأن المستثنى مجهول.
وقال مالك يصح أن يستثنى ثمرة نخلات يعدها وقد ذكرناه، وقد روي عن ابن عمر أنه باع ثمرة بأربعة آلاف واستثنى طعام القنيان وهذا يحتمل أنه استثنى نخلا معينا بقدر طعام القنيان لأنه لو حمل على غير ذلك كان مخالفاً لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا إلا أن تعلم، ولأن المستثنى متى كان مجهولاً لزم أن يكون الباقي بعده مجهولاً فلم يصح بيعه كما لو قال بعتك من هذه الثمرة طعام القنيان (فصل) وإن استثنى جزءاً معلوماً من الصبرة أو الحائط مشاعاً كثلاث أو أربع أو أجزاء كثلاثة أثمان صح البيع والاستثناء ذكره أصحابنا وهو مذهب الشافعي، وقال أبو بكر وابن أبي موسى لا يجوز ولنا أنه لايؤدي إلى جهالة المستثنى ولا المستثنى منه فصح كما لو استثنى شجرة بعينها وذلك لا معنى بعتك هذه الصبرة إلا ثلثها اي بعتك ثلثيها، وإن باع حيواناً واستثنى ثلثه جاز ومنع منه القاضي قياساً على استثناء الشحم ولا يصح لأن الشحم مجهولا لا يصح إفراده بالبيع وهذا معلوم يصح إفراده بالبيع
فصح استثناؤه كالشجرة المعينة، وقياس المعلوم على المجهول في الفساد لا يصح فعلى هذا يصيران شريكين فيه للمشتري ثلثاه وللبائع ثلثه
(فصل) وإذا قال بعتك قفيزاً من هذه الصبرة إلا مكوكاً جاز لأن القفيز معلوم والمكوك معلوم ولا يفضي إلى جهالة، ولو قال بعتك هذه الثمرة بأربعة دراهم إلا بقدر درهم صح لأن قدره معلوم من المبيع وهو الربع فكأنه قال بعتك ثلاثة أرباع هذه الثمرة بأربعة دراهم، وإن قال إلا ما يساوي درهماً لم يصح لأن ما يساوي الدرهم يكون الربع وأكثر وأقل فيكون مجهولاً فيبطل ﴿مسألة﴾ (وإن باعه أرضاً إلا جريباً أو جريباً من أرض يعلمان جربانها صح وكان مشاعاً فيها وإلا لم يصح) إذا باعه أرضاً إلا جريباً يريدان بذلك قدراً غير مشاع لم يصح لأن الأرض لا تساوي اجزاؤها فيكون البيع مجهولاً فهو كما لو باعه شاة من قطيع أو عبداً من عبيد، وإن كان الجريب المستثنى مشاعاً في الأرض وهما يعلمان جربانها صح لأنها إذا كانت عشرة أجربه فقد باع تسعة أعشار هذه الأرض وهو معلوم بالمشاهدة وإن لم يعلما جربانها لم يصح لأن المبيع غير معلوم فهو كما لو باع هؤلاء العبيد إلا واحداً غير معين وكذلك إن باعه جريباً من هذه الأرض إن أراد قدراً غير مشاع لم يصح، وإن باعه مشاعاً وهما يعلمان جربانها صح، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يصح لأن الجريب عبارة عن بقعة بعينها وموضعه مجهول.
ولنا أن الجريب من عشرة عشرها ولو قال بعتك عشر هذه الأرض صح فكذلك إذا باعه منها جريباً مشاعاً وهي عشرة.
وما قالوه غير مسلم لأنه عبارة عن قدر كما أن المكيال عبارة عن قدر فإذا أضافه إلى جملة كان ذلك جزأ منها، وإن كانا لا يعلمان ذرعان الدار لم يصح لأن الجملة غير معلومة وأجزاء الأرض مختلفة فلا يمكن أن يكون معيناً ولا مشاعاً، وإن قال بعتك من الأرض من هنا إلى هنا جاز لأنه معلوم، وإن قال عشرة أذرع ابتداؤها من هنا إلى حيث ينتهي الذرع لم يصح لأن الموضع الذي ينتهي إليه الذرع لا يعلم حال العقد، وإن قال بعتك نصيبي من هذه الدار ولا يعلم قدر نصيبه أو قال نصيباً منها أو سهما لم يصح للجهالة وان علماه صح، وإن قال بعتك نصف داري مما يلي دارك لم يصح نص عليه لأنه لا يدري إلى أين ينتهي فيكون مجهولاً (فصل) وحكم الثوب حكم الأرض إلا أنه إذا قال بعتك من هذا الثوب من هذا الموضع إلى هذا صح فإن كان القطع لا ينقصه قطعاه، وإن كان ينقصه وشرط البائع أن يقطع له أو رضي بقطعه هو والمشتري جاز، وإن تشاحا في ذلك كانا شريكين فيه كما يشتركان في الأرض، وقال القاضي
لا يصح لأنه لا يقدر على التسليم إلا بضرر أشبه مالو باعه نصفاً معيناً من الحيوان، ولنا أن التسليم ممكن ولحوق الضرر لايمنع التسليم إذا حصل الرضا فهو كما لو باعه نصف حيوان مشاعاً وفارق نصف الحيوان المعين فإنه لا يمكن تسليمه مفرداً إلا بإتلافه وإخراجه عن المالية ﴿مسألة﴾ (وإن باعه حيواناً مأكولا إلا رأسه أو جلده أو أطرافه صح وإن استثنى حمله أو شحمه لم يصح) إذا باعه حيواناً مأكولاً واستثنى رأسه أو جلده أو أطرافه صح نص عليه أحمد رحمه الله وقال مالك يصح في السفر دون الحضر لأن المسافر لا يمكنه الانتفاع بالجلد والسواقط فجوز له شراء اللحم دونها.
وقال
أبو حنيفة والشافعي لا يجوز لأنه لا يجوز إفراده بالبيع فلم يجز استثناؤه كالحمل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم وهذه معلومة، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة ومعه أبو بكر وعامر بن فهيرة مروا براعي غنم فذهب أبو بكر وعامر فاشتريا منه شاة وشرطا له سلبها، وروى أبو بكر في الشفاء باسناده عن جابر عن الشعبي قال: قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل واشترط رأسها فقضى بالشروى يعني أن يعطى رأساً مثل رأس، ولأن المستثنى والمستثنى منه معلومان فصح كما لو باع حائطاً واستثنى منه نخلة معينة، وكونه لا يجوز إفراده بالبيع لا يمنع صحة استثنائه كما أن الثمرة قبل التأبير لا يجوز إفرادها بالبيع بشرط كشرط التبقية ويجوز استثناؤها والحمل مجهول وفيه منع.
فإن امتنع المشتري من ذبحها لم يجبر ويلزمه قيمة ذلك على التقريب نص عليه لما روي عن علي رضي الله عنه انه قضى في رجل اشترى ناقة وشرط ثنياها فقال اذهبوا إلى السوق فإذا بلغت أقصى ثمنها فاعطوه بحساب ثنياها من ثمنها (فصل) فإن استثنى شحم الحيوان لم يصح نص عليه أحمد، قال أبو بكر لا يختلفون عن أبي عبد الله أنه لا يجوز ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، ولأنه مجهول لا يصح إفراده بالبيع فلم يصح استثناؤه كفخذها، وإن استثنى الحمل لم يصح الاستثناء لما ذكرنا وهو قول أبي حنيفة ومالك والثوري والشافعي، نقل عن أحمد صحته، وبه قال الحسن والنخعي واسحاق وأبو ثور لما روى نافع أن ابن عمر رضي الله عنهما باع جارية واستثنى ما في بطنها، ولأنه يصح استثناؤه في العتق
فصح في البيع قياساً عليه.
ولنا ما تقدم في الصحيح من حديث ابن عمر أنه أعتق جارية واستثنى ما في بطنها لأن الثقات الحفاظ حدثوا بالحديث فقالوا أعتق جارية والإسناد واحد.
قاله أبو بكر ولا يلزم من الصحة في العتق الصحة في البيع لأن العتق لا تمنعه الجهالة ولا العجز عن التسليم، ولا تعتبر فيه شروط البيع (فصل) وإن باع جارية حاملاً بحر، فقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لأنه يدخل في البيع فكأنه مستثنى.
والاولى صحته لا المبيع معلوم وجهالة الحمل لا تضر لأنه ليس بمبيع ولا مستثنى باللفظ، وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ كما لو باع أمة مزوجة صح ووقعت منفعة البضع مستثناة بالشرع ولو استثناها بلفظه لم يجز، ولو باع أرضاً فيها زرع للبائع أو نخله مؤبرة وقعت منفعتها مستثناة مدة بقاء الزرع والثمرة ولو استثناها بقوله لم يجز (فصل) ولو باعه سمسماً واستثنى الكسب لم يجز لأنه قد باعه الشريج في الحقيقة وهو غير معلوم فإنه غير معين ولا موصوف ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم، وكذلك إن باعه قطناً، واستثنى الحب لم يجز للجهالة، وكذلك إن باعه السمسم واستثنى الشيرج لم يجز لذلك ﴿مسألة﴾ (ويجوز بيع ما مأكوله في جوفه وبيع الباقلا والجوز واللوز في قشريه والحب المشتد في سنبله) يجوز بيع ما مأكوله في جوفه كالرمان والبيض والجوز لا نعلم فيه خلافا لأن الحاجة تدعو إلى بيعه كذلك لكونه يفسد إذا أخرج من قشره
(فصل) ويجوز بيع الجوز واللوز والفستق والباقلا والرطب في قشريه مقطوعاً وفي شجره وبيع الطلع قبل تشقيقه مقطوعاً وفي شجره وبيع الحب المشتد في سنبله، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وقال الشافعي لا يجوز حتى ينزع قشره الا على إلا في الطلع والسنبل في أحد القولين، واحتج بأنه مستور بما لا يدخر عليه ولا مصلحة فيه فلم يجز بيعه كتراب الصاغة والمعادن وبيع والحيوان المذبوح في سلخه.
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها وعن بيع السنبل حتى يبيض وتؤمن العاهة فمفهومة إباحة بيعه إذا بدا صلاحه وأبيض سنبله ولأنه مستور بحائل من أصل خلقته فجاز بيعه كالرمان والبيض والقشر الأسفل، ولا يصح قولهم ليس من مصلحته فإنه لاقوام له في شجرة إلا به، والباقلا
يؤكل رطباً وقشره يحفظ رطوبته ولأن الباقلا يباع في أسواق المسلمين من غير نكير وهذا إجماع، وكذلك الجوز واللوز في شجرهما والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه فإنه إذا جاز بيعه قبل ذبحه وهو مراد للذبح فكذلك إذا ذبح كما أن الرمانة إذا جاز بيعها قبل كسرها فكذلك إذا كسرت، وأما تراب الصاغة والمعادن فلنا فيهما منع وإن سلم فليس ذلك من أصل الخلقة في تراب الصاغة ولا بقاؤه فيه من مصلحته بخلاف مسألتنا.
(فصل) (السابع أن يكون الثمن معلوماً فإن باعه السلعة برقمها أو بألف درهم ذهباً وفضة أو بما ينقطع به السعر أو بما باع به فلان أو بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح البيع وإن كان فيه نقد واحد انصرف إليه) يشترط أن يكون الثمن في البيع معلوماً عند المتعاقدين لأنه أحد العوضين فاشترط العلم به كالآخر وقياساً على رأس مال السلم فإن باعه السلعة برقمها وهما لا يعلمانه أو أحدهما لم يصح البيع للجهالة فيه وكذلك إن باعه بألف درهم ذهباً وفضه لأنه مجهول ولأنه بيع غرر فيدخل في عموم النهي عن بيع الغرر، وإن باعه بمائة ذهباً وفضة لم يصح البيع، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يصح ويكون نصفين لأن الإطلاق يقتضي التسوية كالإقرار، ولنا أن قدر كل واحد منهما مجهول فلم يصح كما لو قال بمائة بعضها ذهب وقوله إنه يقتضي التسوية ممنوع فإنه لو فسره بغير ذلك صح.
وكذلك لو أقر له بمائة ذهباً وفضة فالقول قوله في قدر كل واحد منهما.
وإن باعه بما ينقطع السعر به أو بما باع به فلان عبده وهما لا يعلمانه أو أحدهما لم يصح لأنه مجهول، وإن باعه بدينار مطلق وفي البلد نقود لم يصح لجهالته وإن كان فيه نقد واحد انصرف إليه لأنه تعين بانفراده وعدم مشاركة غيره ولهذا لو أقر بدينار أو أوصى به انصرف إليه.
﴿مسألة﴾ (وإن قال بعتك بعشرة صحاح أو إحدى عشرة مكسرة أو بعشرة نقد أو عشرين نسيئة لم يصح) لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعه وهذا هو كذلك فسره مالك والثوري واسحاق، وهذا قول أكثر أهل العلم لأنه لم يجزم له ببيع واحد أشبه ما لو قال بعتك أحد هذين ولأن الثمن مجهول فلم يصح كالبيع بالرقم المجهول، وقد روي عن طاوس والحكم وحماد أنهم قالوا لا بأس ان يقول أبيعك بالنقد بكذا وبالنسيئة بكذا فيذهب إلى أحدهما فيحتمل انه جرى بينها بعد ما يجري في العقد فكأن المشتري قال أنا آخذه بالنسيئة بكذا
فقال خذه أو قد رضيت ونحو ذلك فيكون عقداً كافياً فيقول كقول الجمهور، فعلى هذا إن لم يوجد ما يدل على الإيجاب أو ما يقوم مقامه لم يصح لأن ما مضى من القول لا يصلح أن يكون إيجاباً.
وقد روي عن أحمد أنه قال فيمن قال إن خطته اليوم فلك درهم وإن خطته غدا فلك نصف درهم أنه يصح فيتحمل أن لا يلحق به هذا البيع فيخرج وجهاً في الصحة ويحتمل أن يفرق بينهما من حيث إن العقد ثم يمكن أن يصح لكونه جعالة بخلاف البيع ولان العمل الذي يستحق به الأجرة لا يمكن وقوعه إلا على إحدى الصفتين فتتعين الأجرة المسماة عوضاً فلا يفضي إلى التنازع وهذا بخلافه ﴿مسألة﴾ (وإن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم والثوب كل ذراع بدرهم والقطيع كل شاة بدرهم صح) إذا باعه الصبرة كل قفيز بدرهم صح وإن لم يعلما قدر قفزانها حال العقد وبهذا قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة يصح في قفيز واحد ويبطل فيما سواه لأن جملة الثمن مجهولة فلم يصح كبيع المتاع برقمه، ولنا أن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم لإشارته إلى ما يعرف مبلغه بجهة لا تتعلق بالمتعاقدين وهو وكيل الصبرة فجاز كما لو باع ما رأس ماله اثنان وسبعون لكل ثلاثة عشر درهم فإنه لا يعلم في الحال وإنما يعلم بالحساب كذا ههنا ولأن المبيع معلوم بالمشاهدة والثمن معلوم قدر ما يقابل كل جزء من المبيع فصح كالأصل المذكور وكذلك حكم الثوب والأرض والقطيع من الغنم إذا كان مشاهداً فباعه إياه كل ذراع بدرهم أو كل شاة بدرهم صح وإن لم يعلما قدر ذلك حال العقد لما ذكرنا في الصبرة ﴿مسألة﴾ (وإن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح لأن من للتبعيض وكل للعدد فيكون ذلك العدد منها مجهولاً) ويحتمل أن يصح البيع بناء على قوله في الإجارة إذا أجره كل شهر بدرهم.
قال ابن عقيل وهو الاشبهة كالمسألة التي قبلها لأن من وإن أعطيت البعض فما هو بعض مجهول بل قد جعل لكل جزء معلوم منها ثمناً معلوماً فهو كما لو قال قفيزاً منها وكمسألة الإجارة (فصل) وإن قال بعتك هذه الصبرة بعشرة دراهم على أن أزيدك قفيزاً أو أنقصك قفيزاً لم يصح لأنه لا يدري أيزيده أم ينقصه.
وإن قال على أن أزيدك قفيزاً لم يجز لأن القفيز مجهول.
وإن قال على أن
أزيدك قفيزاً من هذه الصبرة الاخرى أو بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك هذه الصبرة وقفيزاً من هذه الأخرى بعشرة دراهم، وإن قال على أن أنقصك قفيزاً لم يصح لأن معناه بعتك هذه الصبرة إلا قفيزاً كل قفيز بدرهم وشئ مجهول، ولو قال بعتك هذه الصبرة كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من هذه الصبرة الأخرى لم يصح لإفضائه إلى جهالة في الثمن في التفصيل لأنه يصير قفيزاً وشيئاً بدرهم وهما لا يعرفانه لعدم معرفتهما بكمية ما في الصبرة من القفزان.
ولو قصد أني أحط ثمن قفيز من الصبرة ولا أحتسب به لم يصح للجهالة التي ذكرناها.
وإن علما قدر فقزان الصبرة أو قال هذه عشرة أقفزة بعتكها كل قفيز بدرهم على أن أزيدك قفيزاً من هذه الصبرة أو وصفه بصفة يعلم بها صح لأن معناه بعتك كل قفيز وعشرة بدرهم وإن لم يعلم القفزان وجعله هبة لم يصح وإن أراد أني لا احتسب
عليك بثمن قفيز منها صح أيضاً لأنهما لما علما جملة الصبرة علما ما ينقص من الثمن، ولو قال على أن أنقصك قفيزاً صح لأن معناه بعتك تسعة أقفزة بعشرة دراهم، وحكي عن أبي بكر أنه يصح في جميع المسائل على قياس قول أحمد لأنه يجيز الشرط ولا يصح ما قاله لأن المبيع مجهول فلا يصح بيعه بخلاف الشرط الذي لا يفضي إلى الجهالة.
وما لا تتساوى أجزاؤه كالأرض والثوب والقطيع من الغنم فيه نحو من مسائل الصبرة.
وإن قال بعتك هذه الأرض أو هذه الدار أو هذا الثوب أو هذا القطيع بألف درهم صح إذا شاهداه وإن قال بعتك نصفه أو ثلثه أو ربعه بكذا صح وإن قال بعتك من الثوب كل ذراع بدرهم أو من القطيع كل شاة بدرهم لا يصح لأنه مجهول (فصل) ويصح بيع الصبرة جزافاً مع جهل المتبايعين بقدرها لا نعلم فيه خلافاً وقد نص عليه أحمد ودل عليه حديث ابن عمر وهو قوله، كنا نشتري الطعام من الركبان جزافاً فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نبيعه حتى ننقله من مكانه متفق عليه، ولأنه معلوم بالرؤية فصح بيعه كالثياب والحيوان، ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة فإن ذلك يشق لكون الحب بعضه على بعض ولا يمكن بسطها حبة حبة، ولأن الحب تتساوى أجزاؤه في الظاهر فاكفتي برؤية ظاهره بخلاف الثوب فإن نشره لا يشق وتختلف أجزاؤه ولايحتاج إلى معرفة قدرها مع المشاهدة لأنه علم ما اشترى بأبلغ الطرق وهو
الرؤية، وكذلك لو قال بعتك نصف هذه الصبرة أو جزأ منها معلوماً لأن ما جاز بيع جملته جاز بيع بعضه كالحيوان، قال ابن عقيل ولا يصح هذا إلا أن تكون الصبرة متساوية الأجزاء، فإن كانت مختلفة مثل صبرة بقال القرية لم يصح، ويحتمل أن يصح لأنه يشتري منها جزءاً مشاعاً فيستحق من جيدها ورديئها بقسطه ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً، وقال مالك لا يجوز في الأثمان لأن لها خطراً ولا يشق وزنها ولا عددها فأشبه الرقيق والثياب ولنا أنه معلوم بالمشاهدة أشبه المثمنات والنقرة والحلي ويبطل بذلك ما قال.
وأما الرقيق فإنه يجوز بيعهم إذا شاهدهم ولم يعدهم، وكذلك الثياب إذا شراها ورأى جميع أجزائها (فصل) فإن كان البائع يعلم قدر الصبرة لم يجز بيعها جزافاً نص عليه أحمد وهو اختيار الخرقي.
وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد وعكرمة، وبه قال مالك واسحاق وروي ذلك عن طاوس، قال مالك لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، وعن أحمد رحمه الله أنه مكروه غير محرم فقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه أنه سئل عن الرجل يبيع الطعام جزافاً وقد عرف كيله، فقلت له وإن مالكاً يقول إذا باع الطعام ولم يعلم المشتري فإن اختار أن يرده رده قال: هذا تغليظ شديد ولكن لا يعجبني إذا عرف كيله إلا أن يخبره فإن باعه فهو جائز عليه وقد أساء.
ولم ير أبو حنيفة والشافعي بذلك بأسا لأنه إذا جاز البيع مع جهلهما بمقداره فمع العلم من أحدهما أولى.
ووجه الأول ما روى الأوزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من عرف مبلغ شئ فلا يبيعه جزافاً حتى يبينه " قال القاضي وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن بيع الطعام مجازفة وهو يعلم كيله وأيضاً الاجماع الذي نقله مالك ولأن البائع لا يعدل إلى البيع جزافاً مع علمه بقدر الكيل إلا للتغرير ظاهراً وقد قال عليه السلام " من غشنا
فليس منا " فصار كتدليس البيع فإن باع ما علم كيله صبرة فظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن الحكم إن البيع صحيح لازم وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن المبيع معلوم لهما ولا تغرير من أحدهما أشبه مالو علما كيله أو جهلاه ولم يثبت ما روي من النهي فيه، وانما كرهه أحمد كراهة تنزيه لاختلاف العلماء فيه ولأن تسويتهما في العلم أو الجهل أبعد من التغرير.
وقال القاضي وأصحابه هذا بمنزلة التدليس والغش
إن علم به المشتري فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة فهو كمن اشترى مصراة يعلم تصريتها، وإن لم يعلم أن البائع كان عالماً بذلك فله الخيار في الفسخ والإمضاء وهذا قول مالك لأنه غش وغرر من البائع فصح العقد معه ويثبت للمشتري الخيار، وذهب بعض أصحابه إلى أن البيع فاسد والنهي يقتضي الفساد (فصل) فإن أخبره البائع بكيله ثم باعه بذلك الكيل فالبيع صحيح، فإن قبضه باكتياله تم البيع والقبض، وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافاً إن كان البيع باقياً كاله عليه، فإن كان قدر حقه الذي أخبره فقد استوفاه، وان كان زائداً رد الفضل وإن كان ناقصاً أخذ النقص، وإن كان قد تلف فالقول قول القابض مع يمينه سواء قل القبض أو كثر لأن الأصل عدم القبض وبقاء الحق وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله لأن للبائع فيه علقة فإنه لو زاد كانت الزيادة له ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل لأن ذلك يمنعه من معرفة كيله، وان تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له مثل أن يكون حقه قفيزاً فيتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل ففيه وجهان (أحدهما) له ذلك لأنه تصرف في حقه بعد قبضه فجاز كما لوكيل له (والثاني) لا يجوز لأنه لا يجوز له التصرف في الجميع فلم يجز له التصرف في البعض كما قبل القبض، فإن قبضه بالوزن فهو كما لو قبضه جزافاً، فأما إن أعلمه بكيلة ثم باعه إياه مجازفة على أنه له بذلك الثمن سواء زاد أو نقص لم يجز لما روى الأثرم باسناده عن الحكم قال: قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " إذهبوا بنا إلى عثمان نعينه على طعامه " فقام إلى جنبه فقال عثمان في هذه الغرارة كذا وكذا وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سميت الكيل فكل " قال أحمد إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منها كذا رطلاً فأخذ بذلك ولا يكتاله فلا يعجبني لقوله فعثمان " إذا سميت الكيل فكل " قيل له إنهم يقولون إذا فتح فسد.
قال فلم لا يفتحون واحدة ويتركون الباقي (فصل) ولو كان طعاماً وآخر يشاهده فلمن شاهد الكيل شراؤه بغير كيل ثان لأنه شاهد كيله أشبه مالو كيل له وعنه يحتاج إلى كيل للخبر وكالبيع الأول ولو كاله بائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك لما ذكرنا، ولو اشترى اثنان طعاماً فاكتالاه ثم اشترى أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما فهو جائز، وإن لم يحضر المشتري الكيل لم يجز إلا بكيل.
وقال ابن أبي موسى فيه رواية أخرى
لابد من كيله، وإن باعه الثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز ولم يحتج إلى كيل ثان ينقله كالصبرة (فصل) قال أحمد في رجل يشتري الجوز فيعد في مكيل ألف جوزه ثم يأخذ الجوز كله على ذلك العيار لا يجوز.
وقال في رجل ابتاع أعكاماً كيلا وقال للبائع كل لي عكما منها وأخد ما بقي على هذا الكيل أكره هذا حتى يكيلها كلها.
قال الثوري كان أصحابنا يكرهون هذا وذلك لأن ما في
العكوم يختلف فلا يعلم ما في بعضها بكيل البعض، والجوز يختلف فيكون في أحد المكيلين أكثر من الآخر فلا يصح تقديره بالكيل كما لا يصح تقدير المكيل بالوزن ولا الموزون بالكيل (فصل) وإن باع الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز لأن أجزاءها لا تختلف فهي كالصبرة وكذلك الحكم في العسل والدبس والخل وسائر المائعات التي لا تختلف، فإن باعه كل رطل بدرهم أو باعه رطلاً منه أو أرطالاً معلومة يعلم أن فيها أكثر منها أو باعه أجزاء مشاعة أو أجزاء أو باعه إياه مع الظرف بعشرة دراهم أو بثمن معلوم جاز، وإن باعه السمن والظرف كل رطل بدرهم وهما يعلمان مبلغ كل واحد منهما صح لأنه قد علم المبيع والثمن، وإن لم يعلما ذلك جاز أيضاً لأنه قد رضي أن يشتري الظرف كل رطل بدرهم وما فيه كذلك فأشبه مالو اشترى ظرفين في أحدهما سمن وفي آخر زيت كل رطل بدرهم.
وقال القاضي لا يصح لأن وزن الظرف يزيد وينقص فيدخل على غرر.
والأول أصح لأن بيع كل واحد منهما منفرداً يصح كذلك، فكذلك إذا جمعهما كالأرض المختلفة الأجزاء والثياب وغيرها.
فأما إن باعه كل رطل بدرهم على أن يزن الظرف فيحسب عليه بوزنه ولا يكون مبيعاً وهما يعلمان زنة كل واحد منهما صح لأنه إذا علم أن الدهن عشرة والظرف رطل كان معناه بعتك عشرة أرطال باثني عشر درهما، وإن كانا لا يعلمان زنة الظرف والدهن لم يصح لأنه يؤدي إلى جهالة الثمن في الحال، وسواء جهلا زنتهما جميعاً أو زنة أحدهما كذلك (فصل) وإن وجد في ظرف الدهن ربا فقال ابن المنذر قال أحمد واسحاق إن كان سمانا عنده سمن أعطاه بوزنه سمناً، وإن لم يكن عنده سمن أعطاه بقدر الرب من الثمن وألزمه شريح بقدر الرب سمناً بكل حال، وقال الثوري إن شاء أخذ الذي وجد ولا يكلف أن يعطيه بقدر الرب سمناً.
ولنا أنه وجد المبيع بكيل ناقصاً فأشبه ما لو اشترى صبرة فوجد تحتها ربوة أو اشتراها على أنها عشرة أقفزة فبانت تسعة فإنه يأخذ الموجود بقسطه من الثمن، كذلك هذا فعلى هذا إنما يأخذ الموجود بقسطه من الثمن ولا يلزم البائع أن يعطيه سمناً سواء كان موجوداً عنده أو لم يكن، فإن تراضيا على إعطائه سمناً جاز (فصل) وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح ذكره القاضي لأنه قصد استثناء قيمة الدينار وذلك غير معلوم، واستثناء المجهول من المعلوم يصيره مجهولاً ولأنه استثناء من غير الجنس فلم يصح كما لو قال بمائة إلا قفيزاً من حنطة ويجئ على قول الخرقي أنه يصح فيمن استثنى في الإقرار عيناً من ورق أو ورقاً من عين فإنه يصح، فعلى هذا يحذف من الجملة بقيمة الدينار، ولو قال بمائة إلا قفيزاً من حنطة لم يصح لأنه استثناء من غير الجنس.
فأما الذهب والفضة فهما كالجنس الواحد (فصل في تفريق الصفقة) (وهو أن يجمع بين ما يجوز بيعه وبين ما لا يجوز) صفقة واحدة بثمن واحد (وله ثلاث صور (إحداها) أن يبيع معلوماً ومجهولاً) كقولك بعتك هذه الفرس وما في بطن هذه الفرس الأخرى بكذا فهذا بيع باطل بكل حال ولا أعلم في بطلانه خلافاً لأن المجهول لا يصح بيعه بجهالته والمعلوم مجهول الثمن ولا سبيل إلى معرفته لأن معرفته إنما تكون بتقسيط الثمن عليهما والمجهول لا يمكن تقويمه فيتعذر التقسيط
(الثانية) باع مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه كعبد مشترك بينهما أو ما يقسم عليه الثمن بالأجزاء كقفيزين متساويين لهما فيصح في ملكه بقسطه من الثمن ويفسد في نصيب الآخر، والثاني لا يصح فيهما وأصل الوجهين أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين (إحداهما) يفسد فيهما (والثانية) يصح في الحرة.
الوجه الأول قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر لا يصح وهو قول أبي ثور لأن الصفقة جمعت حلالاً وحراماً فغلب التحريم، ولأن الصفقة إذا لم يمكن تصحيحها في جميع المعقود عليه بطلت في الكل كالجمع بين الأختين وبيع درهم بدرهمين، ووجه الأول أن كل واحد منهما له حكم لو كان منفرداً فإذا جمع بينهما ثبت لكل واحد حكمه كما لو باع شقصا وسيفاً ولأن ما يجوز بيعه قد صدر فيه البيع من أهله في محله بشرطه فصح كما لو انفرد، ولأن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين
فامتنع حكمه في أحد المحلين لنبوته عن قبوله فيصح في الآخر كما لو وصى بشئ لآدمي وبهيمة.
وأما الدرهمان والأختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الآخر فلذلك فسد فيهما وهذا بخلافه (فصل) ومتى حكمنا بالصحة ههنا وكان المشتري عالماً بالحال فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وإن لم يعلم مثل أن اشترى عبداً يظنه كله للبائع فبان أنه لا يملك إلا نصفه فله الخيار بين الفسخ والإمساك لأن الصفقة تبعضت عليه، وأما البائع فلا خيار له لأنه رضي بزوال ملكه عما يجوز بقسطه ولو وقع العقد على شيئين يفتقر الى القبض فيهما فتلف أحدهما قبل قبضه، فقال القاضي للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ لأن حكم ما قبل القبض في كون المبيع من ضمان البائع حكم ما قبل العقد بدليل أنه لو تعيب قبل قبضه ملك المشتري الفسخ به (الثالثة باع عبده وعبد غيره بغير إذنه أو عبداً وحراً أو خلاً وخمراً ففيه روايتان) اختلفت الرواية عن أحمد في هذا المسألة فنقل صالح عن أحمد فيمن اشترى عبدين فوجد أحدهما حراً رجع بقيمته من الثمن، ونقل عنه مهنا فيمن تزوج امرأة على عبدين فوجد أحدهما حراً فلها قيمة العبدين فأبطل الصداق فيهما جميعاً.
وللشافعي قولان كالروايتين وأبطل مالك العقد فيهما إلا أن يبيع ملكه وملك غيره فيصح في ملكه يقف في ملك غيره على الإجازة ونحوه قول أبي حنيفة فإنه قال إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص أو بإجماع كالحر والخمر لم يصح العقد فيهما وإن لم يثبت بذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه لان ما اختلف فيه يمكن أن يلحقه حكم الإجازة بحكم حاكم بصحة بيعه، وقال أبو ثور لا يصح بيعه لما تقدم في القسم الثاني، ولأن الثمن مجهول لأنه إنما يبين بالتقسيط للثمن على القيمة وذلك مجهول في الحال فلم يصح البيع به كما لو قال بعتك هذه السلعة برقمها أو بحصتها من رأس المال، ولأنه لو صرح به فقال بعتك هذا بقسطه من الثمن لم يصح فكذلك إذا لم يصرح وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى ووجه الرواية الأولى أنه متى سمى ثمناً في مبيع فتقسط بعضه لا يوجب جهالة تمنع الصحة كما لو وجد بعض المبيع معيباً فأخذ أرشه، وإذا قلنا بالصحة فللمشتري الخيار إذا لم يكن عالماً كالقسم
الثاني لتبعض الصفقة عليه والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع إلا أن الظاهر فيها الصحة لأنها ليست عقود معاوضة فلا تؤثر جهالة العوض فيها (فصل) وإن وقع العقد على مكيل أو موزون فتلف بعضه قبل قبضه لم ينفسخ العقد في الباقي رواية واحدة سواء كانا من جنس واحد أو جنسين ويأخذ المشتري الباقي بحصته من الثمن لأن العقد وقع صحيحاً فذهاب بعضه لا يفسخه كما بعد القبض وكما لو وجد أحد المبيعين معيباً فرده أو أقال أحد المتبايعين الآخر في بعض المبيع ﴿مسألة﴾ ﴿وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه بثمن واحد فهل يصح؟ على وجهين﴾ (أحدهما) يصح فيهما ويتقسط الثمن على قدر قيمتهما وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي لأن جملة الثمن معلومة فصح كما لو كانا لرجل واحد وكما لو باعا عبداً واحدا لهما (والثاني) لا يصح لأن كل واحد منهما مبيع بقسطه من الثمن وهو مجهول على ما قدمنا وفارق ما إذا كانا لرجل واحد فإن جملة المبيع مقابلة بجملة الثمن من غير تقسيط والعبد المشترك ينقسم عليه الثمن بالأجزاء فلا جهالة فيه، فأما إن باع قفيزين متساويين له ولغيره بثمن واحد بإذنه صح لأن الثمن يتقسط عليهما بالأجزاء فلا يفضي إلى جهالة الثمن، وكذلك إن باعه عبداً لهما بثمن واحد صح لما ذكرنا ﴿مسألة﴾ (وإن جمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف صح فيهما ويقسط العوض عليهما في أحد الوجهين) إذا جمع بين عقدين مختلفي الحد كالبيع والإجارة والبيع والصرف بعوض واحد صح فيهما لأن اختلاف حكم العقدين لا يمنع الصحة كما لو جمع ما فيه شفعة وما لا شفعة فيه، وكذلك إن باع سيفاً محلى بذهب وفضة، وفيه وجه آخر أنه لا يصح لأن حكمهما مختلف وليس أحدهما أولى من الآخر فبطل فيهما فإن البيع فيه خيار ولا يشترط فيه التقابض في المجلس، ولا ينفسخ العقد بتلف المبيع والصرف يشترط له التقابض، وينفسخ العقد بتلف العين.
وإن جمع بين نكاح وبيع بعوض واحد فقال زوجتك ابنتي وبعتك داري بمائة صح النكاح لكونه لا يفسد بفساد العوض وفي البيع وجهان وللشافعي قولان كالوجهين ﴿مسألة﴾ (وإن جمع بين كتابه وبيع فكاتب عبده وباعه شيئاً صفقة واحدة مثل أن يقول بعتك
عبدي هذا وكاتبتك بمائة كل شهر عشرة بطل البيع وجهاً واحداً) لأنه باع عبده لعبد فلم يصح كبيعه إياه من غير كتابة وهل تبطل الكتابة؟ ينبني على روايتين في تفريق الصفقة (فصل) قال رضي الله عنه (ولا يصح البيع ممن تلزمه الجمعة بعد ندائها) لا يحل البيع بعد نداء الجمعة قبل الصلاة لمن تجب عليه الجمعة لقول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله تعالى وذروا البيع) فإن باع لم يصح البيع للنهي عنه.
والنداء الذي يتعلق به المنع هو النداء عقيب جلوس الإمام على المنبر لأنه النداء الذي كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فتعلق الحكم به، والنداء الثاني زيد في زمن عثمان رضي الله عنه، وحكي القاضي رواية عن أحمد أن البيع يحرم
بزوال الشمس وإن لم يجلس الإمام على المنبر، ولا يصح هذا لأن الله تعالى علقه على النداء لا على الوقت، ولأن المقصود بهذا إدراك الجمعة وهو حاصل بما ذكرنا دون ما ذكره، ولا نه لو اختص تحريم البيع بالوقت لما اختص بالزوال فإن ما قبله وقت أيضا، فأما من لا تجب عليه الجمعة من النساء والمسافرين وغيرهم فلا يثبت في حقه هذا الحكم وذكر ابن أبي موسى فيه روايتين لعموم النهي، والصحيح ما ذكرنا إن شاء الله تعالى فإن الله تعالى إنما نهى عن البيع من أمره بالسعي فغير المخاطب بالسعي لا يتناوله النهي، ولأن تحريم البيع معلل بما يحصل به من الاشتغال عن الجمعة وهذا معدوم في حقهم، فان كان المسافر في غير المصر أو كان مقيماً بقرية لاجمعة على أهلها لم يحرم البيع ولم يكره وجهاً واحدا، فإن كان أحدهما مخاطباً بالجمعة دون الآخر حرم على المخاطب وكره للآخر لما فيه من الإعانة على الإثم، ويحتمل أن يحرم لقوله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) ﴿مسألة﴾ (ويصح النكاح وسائر العقود في أصح الوجهين كالإجارة والصلح ونحوهما وفيه وجه آخر أنه يحرم ولا يصح لأنه عقد معاوضة أشبه البيع.
ولا أن النهي مختص بالبيع وغيره لا يساويه في الشغل عن السعي لقلة وجوده فلا يؤدي إلى ترك الجمعة فلا يصح قياسه على البيع) ﴿مسألة﴾ (ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع السلاح في الفتنة ولا لأهل الحرب ويحتمل أن يصح مع التحريم)
بيع العصير ممن يعتقد أنه يتخذه خمراً محرم وكرهه الشافعي، وذكر بعض أصحابه إن البائع إذا اعتقد أنه يصيره خمراً محرم وإنما يكره إذا شك فيه، وحكى ابن المنذر عن الحسن وعطاء والثوري أنه لا بأس ببيع التمر ممن يتخذه مسكراً، قال الثوري بع الحلال من شئت لقول الله تعالى (وأحل الله البيع) ولأن البيع تم بأركانه وشروطه، ولنا قول الله تعالى (ولا تعاونوا على الإثم والعدوان) وهذا نهي يقتضي التحريم، وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل فقال يا محمد: إن الله لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها، وحاملها والمحمولة إليه، وشاربها وبائعها ومبتاعها وساقيها، وأشار إلى كل معاون عليها ومساعد فيها.
أخرجه الترمذي من حديث أنس، وقد روى هذا الحديث عن ابن عباس وابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وروى ابن بطة باسناده عن محمد ابن سيرين أن قيماً كان لسعد بن أبي وقاص في أرض له، وأخبره عن عنب أنه لا يصلح زبيباً ولا يصلح أن يباع إلا لمن يعصره فأمره بقلعه وقال بئس الشيخ أنا إن بعت الخمر، ولأنه يعقد عليها لمن يعلم أنه يريدها للمعصية فأشبه إجارة أمته لم يعلم أنه يستأجرها للزنا بها والآية مخصوصة بصور كثيرة فيخص منها صورة النزاع بدليلنا، وقولهم تم البيع بشروطه وأركانه قلنا لكن وجد المانع منه إذا ثبت هذا فإنما يحرم البيع إذا علم البائع قصد المشتري ذلك إما بقوله أو بقرائن محتفه بقوله تدل عليه، وإن كان الأمر محتملاً كمن لا يعلم حالة أو من يعمل الخل والخمر معاً ولم يلفظ بما يدل على إرادة الخمر فالبيع جائز.
فإن باعها لمن يتخذها خمراً فالبيع باطل ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي
لأن المحرم في ذلك اعتقاده بالعقد دونه فلم يمنع صحة العقد كما لو دلس العيب ولنا أنه عقد على عين لمعصية الله تعالى بها فلم يصح كإجارة الأمة للزنا والغناء، وأما التدليس فهو المحرم دون العقد ولأن التحريم هنا لحق الله تعالى فأفسد العقد كبيع الربا وفارق التدليس فإنه لحق آدمي (فصل) وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام كبيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب أو لقطاع الطريق، وبيع الأمة للغناء أو إجارتها لذلك فهو حرام والعقد باطل لما قدمنا.
قال ابن عقيل
وقد نص أحمد على مسائل نبه بها على ذلك فقال في القصاب والخباز إذا علم أن من يشتري منه يدعو عليه من يشرب المسكر لا يبيعه، ومن يخرط الأقداح لا يبيعها لمن يشرب فيها ونهى عن بيع الديباج للرجال ولا بأس ببيعه للنساء، وروي عنه لا يبيع الجوز من الصبيان للقمار وعلى قياسه البيض فيكون بيع ذلك كله باطلاً (فصل) قال أحمد في رجل مات وخلف جارية مغنيه وولداً يتيماً وقد احتاج إلى بيعها قال يبيعها على أنها ساذجة فقيل له إنها تساوي ثلاثين ألف درهم فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين ديناراً.
فقال لاتباع الاعلى أنها ساذجة.
ووجهه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يجوز بيع المغنيات ولا أثمانهن ولا كسبهن " قال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث علي بن يزيد وقد تكلم فيه بعض أهل العلم ورواه ابن ماجة وهذا يحمل على بيعهن لأجل الغناء، فأما ماليتهن الحاصلة بغير الغناء فلا تبطل كبيع العصير لمن لا يتخذه خمراً فإنه لا يحرم لصلاحيته للخمر (فصل) (ولايجوز بيع الخمر ولا التوكل في بيعه ولا شرائه) قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن بيع الخمر غير جائز، وعند أبي حنيفة يجوز للمسلم أن يوكل ذمياً في بيعها وشرائها ولا يصح.
فإن عائشة روت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " حرمت التجارة في الخمر " وعن جابر أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو بمكة يقول " إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام فقيل يا رسول الله أرأيت شحوم الميتة فإنه تطلى بها السفن وتدهن بها الجلود ويستصبح بها الناس؟ فقال " لا، هو حرام " ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قاتل الله اليهود، أن الله تعالى حرم عليهم شحومها فجعلوه ثم باعوه وأكلوا ثمنه " متفق عليه ومن وكل في بيع الخمر وأكل ثمنه فقد أشبههم في ذلك، ولأن الخمر نجسه محرمة فحرم بيعها والتوكيل فيه كالميتة والخنزير ﴿مسألة﴾ (ولا يصح بيع العبد المسلم لكافر إلا أن يكون ممن يعتق عليه فيصح في إحدى الروايتين) لا يصح شراء الكافر مسلماً، وهذا إحدى الروايتين عن مالك وأحد قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة يصح ويجبر على إزالة ملكه لأنه يملك المسلم بالإرث ويبقى ملكه عليه إذا أسلم في يده فصح أن يشتريه كالمسلم.
ولنا أنه يمنع استدامة ملكه عليه فمنع من ابتدائه كالنكاح ولأنه عقد يثبت الملك
للكافر على المسلم فلم يصح كالنكاح وإنما ملكه بالإرث وبقي ملكه عليه إذا أسلم في يده لأن الاستدامة أقوى من الابتداء بالفعل والاختيار بدليل ثبوته بهما للحوم الصيد مع منعه من ابتدائه فلا يلزم من
ثبوت الاقوى ثبوت ما دونه مع أنا نقطع الاستدامة عليه بإجباره على إزالتها، فإن كان ممن يعتق عليه بالقرابة صح في إحدى الروايتين وعتق عليه وهذا قول بعض الأصحاب، والأخرى لا يصح ولا يعتق لأنه شراء يملك به المسلم فلم يصح كالذي لا يعتق عليه، ولأن ما منع من شرائه لم يبح له شراؤه وإن زال ملكه عقيب الشراء المحرم الصيد.
وجه الرواية الأولى أن الملك لا يستقر عليه وإنما يعتق بمجرد الملك في الحال ويزول الملك عنه بالكلية ويحصل له من نفع الحرية أضعاف ما حصل من الإماء بالملك في لحظة يسيرة.
ويفارق من لا يعتق عليه فإن ملكه لا يزول إلا بإزالته وكذا شراء المحرم الصيد ﴿مسألة﴾ (وإن أسلم عبد الذمي أجبر على إزالة مكله عنه) لأنه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعاً وليس له كتابته لأن الكتابة لا تزيل ملك السيد عنه ولايجوز اقرار ملك الكافر عليه وقال القاضي له ذلك لأنه يزيل يده عنه فأشبه بيعه والأول أولى ﴿مسألة﴾ (ولايجوز بيع الرجل على بيع أخيه وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراؤه على شراء أخيه وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة عندي فيها عشرة ليفسخ البيع ويعقد معه فإن فعل فهل يصح؟ على وجهين) أما البيع فهو محرم لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لابيع بعضكم على بيع بعض " ومعناه ما ذكرنا ومثله أن يقول أبيعك خيراً منها بثمنها أو يعرض عليهما سلعة يرغب المشتري ليفسخ البيع ويعقد معه فلا يجوز ذلك للنهي عنه ولما فيه من الاضرار بالمسلم والإفساد عليه، وفي معنى ذلك شراؤه على شراء أخيه لأنه في معنى المنهي عنه، ولأن الشراء يسمى بيعاً فيدخل في عموم النهي، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه متفق عليه.
وهو في معنى الخاطب، وإن خالف وفعل فالبيع باطل للنهي عنه والنهي يقتضي الفساد، وفيه وجه أنه يصح لأن المحرم هو عرض سلعته على المشتري أو قوله الذي فسخ البيع من أجله وذلك سابق على البيع، ولأنه إذا صح الفسخ الذي حصل به الضرر فالبيع
المحصل للمصلحة أولى ولأن النهي لحق آدمي فأشبه بيع النجش وهذا مذهب الشافعي (فصل) وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يسم الرجل على سوم أخيه " ولا يخلو من أربعة اقسام (أحدها) أن يوجد من البائع تصريح بالرضا بالبيع.
فهذا يحرم السوم على غير ذلك المشتري، وهو الذي تناوله النهي والثاني أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضا فلا يحرم السوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم باع فيمن يزيد فروى أنس أن رجلا من الأنصار شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم الشدة والجهد فقال له " أما تبقى لك شئ؟ " قال بلى قدح وحلس قال " فائتني بهما " فأتاه بهما فقال " من يبتاعهما؟ " فقال رجل أخذتهما بدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " من يزيد على درهم؟ " فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه: رواه الترمذي وقال حديث حسن وهذا أيضاً إجماع فإن المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة (الثالث) أن لا يوجد منه ما يدل على الرضا ولا عدمه فلا يحرم السوم أيضاً ولا الزيادة استدلالاً
بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت له أن معاوية وأبا جهم خطباها فأمرها أن تنكح أسامة، وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه كما نهى عن السوم على سوم أخيه فما أبيح في أحدهما أبيح في الآخر (الرابع) أن يظهر منه ما يدل على الرضا من غير تصريح.
فقال القاضي لا تحرم المساومة، وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة استدلالاً بحديث فاطمة ولأن الأصل إباحة السوم والخطبة فحرم منه ما وجد فيه التصريح بالرضا وما عداه يبقى على الأصل (قال شيخنا) لو قيل بالتحريم ههنا لكان وجها حسناً فإن النهي عام خرجت منه الصورة المخصوصة بأدلتها فتبقى هذه الصورة على مقتضى العموم ولأنه وجد منه دليل على الرضا أشبه مالو صرح به، ولا يضر اختلاف الدليل بعد التساوي في الدلالة وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضا لانها جات مستشيرة للنبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك دليلاً على الرضا وكيف ترضى وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله " لا تفوتينا بنفسك " فلم تكن تفعل شيئاً قبل مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم والحكم في الفساد كالحكم في البيع على بيع أخيه في الموضع الذي حكمنا بالتحريم فيه (فصل) وبيع التلجئة باطل وبه قال أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة والشافعي هو صحيح
لأن البيع تم بأركانه وشروطه خالياً عن مقارنة مفسدة فصح كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقد البيع بغير شرط.
ولنا أنهما ما قصدا البيع فلم يصح منهما كالهازلين، ومعنى بيع التلجئة أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ملكه فيواطئ رجلا على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي بذلك ولا يريدان بيعاً حقيقيا ﴿مسألة﴾ (وفي بيع الحاضر للبادي روايتان إحداهما يصح والأخرى لا يصح بخمسة شروط أن يحضر البادي لبيع سلعة بسعر يومها جاهلاً بسعرها ويقصده الحاضر وبالناس حاجة إليها، وإن اختل شرط منها صح البيع) البادي ههنا من يدخل البلد من غير أهلها سواء كان بدوياً أو من قرية أو من بلدة أخرى، ولا يجوز أن يبيع الحاضر للبادي لقول ابن عباس نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تتلقى الركبان وأن يبيع حاضر لباد.
قال فقلت لابن عباس ما قوله حاضر لباد؟ قال لا يكون له سمساراً، متفق عليه، وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبيع حاضر لباد دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض " رواه مسلم والمعنى في ذلك أنه متى ترك البدوي بيع سلعته اشتراها الناس رخص وتوسع عليهم السعر، وإذا تولى الحاضر بيعها وامتنع من بيعها إلا بسعر البلد ضاق على أهل لبلد، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في تعليله إلى هذا.
وممن كره بيع الحاضر للبادي طلحة بن عبيد الله وابن عمر وأبو هريرة وأنس وعمر بن عبد العزيز ومالك والليث والشافعي، ونقل أبو إسحاق ابن شاقلا أن الحسن بن علي المصري سأل أحمد عن بيع حاضر لباد فقال لا بأس به قال له فالخبر الذي جاء بالنهي.
قال كان ذلك مرة، فظاهر هذا أن النهي اختص بأول الإسلام لما كان عليهم من الضيق في ذلك.
هذا قول مجاهد وأبي حنيفة وأصحابه، والمذهب الأول لعموم النهي وما ثبت في حقهم ثبت في حقنا ما لم يقم على اختصاصهم به دليل، وهو مذهب الشافعي وظاهر كلام الخرقي أنه يحرم بثلاثة شروط (أحدها) أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع له فان كان هو القاصد للحاضر جاز لان التضيق حصل منه لامن الحاضر.
(الثاني) أن يكون
البادي جاهلاً بالسعر قال أحمد في رواية أبي طالب: إذا كان البادي عارفاً بالسعر لم يحرم لأن التوسعة لا تحصل بتركه يبيعها لأنه لا يبيعها إلا بسعرها ظاهراً (الثالث) أن يكون قد جلب السلعة للبيع، فأما
إن جلبها ليأكلها أو يخزنها فليس في بيع الحاضر له تضييقا بل توسعة، وذكر القاضي شرطين آخرين (أحدهما) أن يكون مريداً لبيعها بسعر يومها، فأما إن كان أحضرها وفي نفسه أن لا يبيعها رخيصة فليس في بيعه تضييق (الثاني) أن يكون بالناس حاجة إليها وضرر في تأخير بيعها كالأقوات ونحوها، وقال أصحاب الشافعي إنما يحرم بشروط أربعة وهي ما ذكرنا إلا حاجة الناس إليها فمتى اختل شرط منها لم يحرم البيع وإن اجتمعت هذه الشروط فالبيع حرام وظاهر المذهب أنه باطل نص عليه أحمد في رواية اسماعيل بن سعيد.
وذكر الخرقي رواية أخرى أن البيع صحيح وهو مذهب الشافعي لأن النهي لمعنى في غير المنهي عنه فلم يبطل كتلقي الركبان ولنا أنه منهي عنه والنهي يقتضي الفساد والله أعلم ﴿مسألة﴾ (فأما شراؤه له فيصح رواية واحدة) وهو قول الحسن وكرهت طائفة الشراء لهم أيضاً كما كرهت البيع فروى أنس قال: كان يقال هي كلمة جامعة يقول لا تبيعن له شيئاً ولا تبتاعن له شيئا وهو إحدى الروايتين عن مالك ولنا أن النهي غير متناول للشراء بلفظه ولا هو في معناه فإن النهي عن البيع للرفق بأهل الحضر ليتسع عليهم السعر ويزول عنهم الضرر، وليس ذلك في الشراء لهم ولا يتضررون لعدم الغبن للبادين بل هو دفع الضرر عنهم والخلق في نظر الشارع على السواء فكما شرع ما يدفع الضرر عن أهل الحضر لا يلزم أن يلزم أهل البدو الضرر.
فأما إن أشار الحاضر على البادي من غير أن يباشر البيع فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله والاوزاعي وابن المنذر وكرهه مالك والليث وقول الصحابي أولى (فصل) وليس للإمام أن يسعر على الناس بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون وهذا مذهب الشافعي، وكان مالك يقول يقال لمن يريد أن يبيع أقل ما يبيع الناس بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا، واحتج بما روي الشافعي وسعيد بن منصور عن داود بن صالح التمار عن القاسم بن محمد عن عمر أنه مر بحاطب في سوق المصلى وبين يديه غرارتان فيهما زبيب فسأله عن سعرهما فسعر له مدين بكل درهم فقال له عمر قد حدثت بعير مقبلة من الطائف تحتمل زبيباً وهم يعتبرون سعرك فإما أن ترفع في السفر وإما أن تدخل زبيبك فتبيعه كيف شئت ولأن في ذلك إضراراً بالناس إذا زاد وإذا نقص أضر بأصحاب المتاع.
ولنا ما روى أبو داود والترمذي وابن ماجة عن أنس قال: غلا السعر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم
فقالوا يا رسول الله غلا السعر فسعر لنا فقال " إن الله هو المسعر القابض الباسط الرازق إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح.
وعن أبي سعيد مثله فوجه الدلالة من وجهين (أحدهما) أنه لم يسعر وقد سألوه ذلك ولو جاز لا جابهم إليه (الثاني) أنه علل بكونه مظلمة والظلم حرام ولأنه ماله فلم يجز منعه من بيعه بما تراضى عليه المتبايعان كما لو اتفق الجماعة عليه، والظاهر أنه سبب الغلاء لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يقدموا بسلعتهم بلداً يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون ومن عنده البضاعة يمتنع من بيعها ويكتمها ويطلبها المحتاج
ولا يجدها إلا قليلاً فيرفع في ثمنها ليحصلها فتغلو الأسعار ويحصل الأضرار بالجانبين جانب الملاك في منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضه فيكون حراماً، فأما حديث عمر فقد روي فيه سعيد والشافعي أن عمر لما رجع حاسب نفسه ثم أتى حاطباً في داره فقال: أن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء وانما هو شئ أردت به الخير لأهل البلد فحيث شئت فبع كيف شئت وهذا رجوع إلى ما قلنا وما ذكروه من الضرر موجود فيما إذا باع في بيته ولا يمنع منه ﴿مسألة﴾ (من باع سلعة بنسيئة لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها إلا أن تكون قد تغيرت صفتها، وإن اشتراها أبوه أو ابنه جاز) من باع سلعة بثمن مؤجل ثم اشتراها بأقل منه نقداً لم يجز روى ذلك عن ابن عباس وعائشة والحسن وابن سيرين والشعبي والنخعي وبه قال الثوري والاوزاعي ومالك واسحاق وأصحاب الرأي وأجازه الشافعي لأنه ثمن يجوز بيعها به من غير بائعها فجاز من بائعها كما لو باعها بمثل ثمنها ولنا ما روى غندر عن شعبة عن أبي إسحاق السبيعي عن امرأته العالية بنت أيفع بن شرحبيل أنها قالت دخلت أنا وأم ولد زيد بن أرقم وامرأته على عائشة فقالت أم ولد زيد بن أرقم إني بعت غلاما من زيد بن أرقم بثمانمائة درهم إلى العطاء ثم اشتريته منه بستمائة درهم فقالت لها: بئس ما شريت بئس ما اشتريت أبلغي زيد بن أرقم قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا إن يتوب.
رواه أحمد وسعيد بن منصور، والظاهر أنها لا تقول مثل هذا التغليظ وتقدم عليه إلا بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم
فجرى مجرى روايتها ذلك عنه لأن ذلك ذريعة إلى الربا فإنه يدخل السلعة ليستبيح بيع ألف بخمسمائة إلى أجل، ولذلك قال ابن عباس في مثل هذه المسألة أرى مائة بخمسين بينهما حريرة يعني خرقة حرير جعلاها في بيعهما والذرائع معتبرة، فأما إن باعها بمثل الثمن أو أكثر جاز لأنه لا يكون ذريعة وهذا إن كانت السلعة لم تنقص عن حالة البيع، فإن نقصت مثل أن هزل العبد أو نسي متاعه أو تخرق الثوب ونحوه جاز له شراؤها بما شاء لأن نقص الثمن لنقص المبيع لا للتوسل إلى الربا (فصل) فإن اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض فاشتراها بنقد جاز ولا نعلم فيه خلافا لأن التحريم إنما كان لشبهة الربا ولا ربا بين الأثمان والعروض، فإن باعها بنقد ثم اشتراها بنقد آخر فقال أصحابنا يجوز لأنهما جنسان لا يحرم التفاضل بينهما أشبه ما لو اشتراها بعرض، وقال أبو حنيفة لا يجوز استحساناً لأنهما كالشئ الواحد في معنى الثمنية ولان ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فهو كما لو باعها بجنس الثمن الأول قال شيخنا وهذا أصح إن شاء الله تعالى وهذه المسألة تسمى مسألة العينة قال الشاعر: أندان أم نعتان أم ينبري لنا * فتى مثل نصل السيف ميزت مضاربة ومعنى نعتان أي نشتري عينه كما وصفنا، وقد روى أبو داود بإسناده عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم " وهذا وعيد يدل على التحريم، وقد روي عن أحمد أنه قال: العينة أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة فإن باع بنقد ونسيئة فلا بأس وقال أكره
للرجل أن لا يكون له تجارة غير العينة لا يبيع بنقد قال ابن عقيل إنما كره النسيئة لمضارعته الربا فإن البائع بنسيئة يقصد الزيادة بالاجل غالبا ويجوز أن تكون العينة اسماً لهذه المسألة وللبيع نسيئة جميعاً لكن البيع بنسيئة مباح اتفاقاً ولا يكره إلا أن لا يكون له تجارة غيره (فصل) فإن باع سلعة بنقد ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة فقال أحمد في رواية حرب لا يجوز إلا أن تتغير السلعة لأن ذلك يتخذ وسيلة إلى الربا فهي كمسألة العينة، فإن اشتراها بسلعة أخرى أو بأقل من ثمنها أو بمثله نسيئة جاز لما ذكرنا في مسألة العينة، وإن اشتراها بنقد آخر بأكثر من ثمنها
فهو كمسألة العينة على ما ذكرنا من الخلاف، قال شيخنا ويحتمل أن يكون له شراؤها بجنس الثمن بأكثر منه إذ لم يكن ذلك عن مواطأة ولا حيلة بل وقع اتفاقاً من غير قصد لأن الأصل حل البيع وإنما حرم في مسألة العينة للأثر الوارد فيه وليس هذا في معناه لأن التوسل بذلك أكثر فلا يلحق به ما دونه (فصل) وفي كل موضع قلنا لا يجوز له أن يشتري لا يجوز ذلك لوكيله لأنه قائم مقامه ويجوز لغيره من الناس سواء كان أباه أو ابنه أو غيرهما لأنه غير البائع اشترى بنسيئة أشبه الأجنبي ﴿مسألة﴾ (وإن باع ما يجري فيه الربا بنسئية ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة لم يجز) روى ذلك عن ابن عمر وسعيد بن المسيب وطاوس وبه قال مالك وإسحاق وأجازه جابر بن زيد وسعيد بن جبير وعلي بن حسين والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي.
قال علي بن حسين إذا لم يكن لك في ذلك رأي.
وروى محمد بن عبد الله بن أبي مريم قال بعت تمراً من التمارين كل سبعة آصع بدرهم ثم وجدت عند رجل منهم تمراً يبيعه أربعة آصع بدرهم فاشتريت منه فسألت عكرمة عن ذلك فقال لا بأس أخذت أنقص مما بعت، ثم سألت سعيد بن المسيب عن ذلك وأخبرته بقول عكرمة فقال كذب قال عبد الله ابن عباس ما بعت من شئ مما يكال بمكيال فلا تأخذ منه شيئاً مما يكال بمكيال إلا ورقاً أو ذهباً، فإذا أخذت ذلك فابتع ممن شئت منه أو من غيره، فرجعت فإذا عكرمة قد طلبني فقال الذي قلت لك هو حلال هو حرام، فقلت لسعيد بن المسيب ان فضل لي عنده فضل قال فاعطه أنت الكسر وخذ منه الدراهم ووجه تحريم ذلك أنه ذريعة إلى بيع الطعام بالطعام نسيئة فحرم كمسألة العينة، وقد نص أحمد على ما يدل على هذا، قال شيخنا والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة ولاقصد ذلك في ابتداء العقد كما قال علي بن الحسين فيما روى عنه عبد الله بن زيد قال قدمت على علي بن الحسين فقلت له إني أجذ نخلي وأبيع فيمن حضرني إلى أجل فيقدمون بالحنطة وقد حل الاجل فيوقفونها بالسوق فابتاع منهم وأقاصهم، قال لا بأس بذلك إذا لم يكن منك على رأي وذلك لأنه اشترى الطعام بالدراهم التي في الذمة بعد لزوم العقد الأول فصح كما لو كان المبيع الأول حيواناً أو ثياباً ولما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا، فإن لم يأخذ بالثمن طعاماً لكن اشترى من المشتري طعاماً بدراهم
وسلمها إليه ثم أخذها منه وفاء أو لم يسلمها إليه لكن قاصه بها جاز كما في حديث علي بن الحسين (فصل) والاحتكار حرام لما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يحتكر الطعام، وعن