(فصل) فإن ترك الوقوف عندها والدعاء ترك السنة ولا شئ عليه وبه قال الشافعي واسحاق وأبو حنيفة وعن الثوري أنه قال: يطعم شيئاً وإن أراق دما أحب إلي لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله فيكون نسكاً ولنا أنه دعاء ووقوف مشروع فلم يجب بتركه دم كحالة رؤية البيت وكسائر الأدعية والنبي صلى الله عليه وسلم يفعل الواجبات والمندوبات وقد ذكرنا الدليل على أنه مندوب (مسألة) (والترتيب شرط في الرمي وفي عدد الحصا روايتان (إحداهما) سبع والأخرى يجزئه خمس) الترتيب في هذه الجمرات واجب على ما ذكرناه فإن نكس فبدأ بجمرة العقبة ثم الثانية، ثم الأولى أو بدأ بالوسطى ورمى الثلاث لم يجزه إلا الأولى وأعاد الوسطى والقصوى نص عليه أحمد، وإن رمى القصوى ثم الأولى ثم الوسطى أعاد القصوى وحدها.
وبه قال مالك، والشافعي وقال الحسن وعطاء لا يجب الترتيب وهو قول أبي حنيفة فإنه قال: إذا رمى منكساً يعيد.
فان لم يفعل أجزأه، واحتج بعضهم بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قدم نسكاً بين يدي نسك فلا حرج " ولأنها مناسك متكررة وفي أمكنه متفرقة في وقت واحد ليس بعضها تابعاً لبعض فلم يشترط الترتيب فيها كالرمي والذبح
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رتبها في الرمي وقال " خذوا عني مناسككم " ولأنه نسك متكرر فاشترط الترتيب فيه كالسعي وحديثهم إنما هو فيمن يقدم نسكاً على نسك لا فيمن يقدم بعض النسك على بعض وقياسهم يبطل بالطواف والسعي
(فصل) والأولى في الرمي أن لا ينقص عن سبع حصيات لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس.
ولا ينقص أكثر من ذلك نص عليه وهو قول مجاهد وإسحاق وعنه إن رمى بست ناسياً فلا شئ عليه ولا ينبغي أن يتعمده فإن تعمد ذلك تصدق بشئ.
وكان ابن عمر يقول ما أبالي رميت بست أو سبع.
قال ابن عباس: ما أدري رماها النبي صلى الله عليه وسلم بست أو بسبع، وعن أحمد أن عدد السبع شرط ويشبه مذهب الشافعي وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى بسبع.
وقال أبو حية: لا بأس بما رمي به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حية.
وكان أبو حية بدريا.
ووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاوس عن رجل ترك حصاة، قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: أن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد قال سعد رجعنا من الحجة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضنا يقول رميت بست وبعضنا بسبع فلم يعب ذلك بعضنا على بعض.
رواه الأثرم وغيره (مسألة) (فإن أخل بحصاة واجبة من الأولى لم يصح رمي الثانية حتى يكمل الأولى لإخلاله بالترتيب فإن لم يعلم من أي الجمار تركها بني على اليقين ليتيقن براءة الذمة، فإن أخل بحصاة غير واجبة لم يؤثر تركها)
(مسألة) (وإن أخر الرمي كله فرماه في آخر أيام التشريق أجزأه ويرتبه بنيته، وإن أخره عن أيام التشريق أو ترك المبيت بمنى في لياليها فعليه دم، وفي حصاة أو ليلة واحدة ما في حلق شعرة) إذا أخر رمي يوم إلى ما بعده أو أخر الرمي كله إلى آخر أيام التشريق ترك السنة ولا شئ عليه
إلا أنه يقدم بالنية رمي اليوم الأول ثم الثاني ثم الثالث، وبذلك قال الشافعي وأبو ثور.
وقال أبو حنيفة: إن ترك حصاة أو حصاتين أو ثلاثاً إلى الغد وعليه لكل حصاة نصف صاع، وإن ترك أربعاً رماها وعليه دم ولنا أن أيام التشريق وقت للرمي فإذا أخره من أول وقته إلى آخره لم يلزمه شئ كما لو أخر الوقوف بعرفة إلى آخر وقته، قال القاضي: ولا يكون رميه في اليوم الثاني قضاء لأنه وقت واحد فإن سمي قضاء بالمراد به الفعل كقوله تعالى (ثم ليقضوا تفثهم) وقولهم قضيت الدين.
والحكم في رمي جمرة العقبة إذا أخرها كالحكم في رمي أيام التشريق في أنها إذا لم ترم يوم النحر رميت من الغد وإنما قلنا يلزمه الترتيب بنيته لأنها عبادة يجب الترتيب فيها إذا فعلها في أيامها فوجب ترتيبها مجموعة كالمجموعتين والفوائت من الصلوات (فصل) فإن أخره عن أيام التشريق فعليه دم لأنه ترك نسكاً واجباً فيجب عليه دم لقول ابن عباس: من ترك نسكاً أو نسيه فإنه يهرق دماً.
ولأن آخر وقت الرمي آخر أيام التشريق فمتى خرجت قبل رميه فات وقته واستقر عليه الفداء الواجب في ترك الرمي هذا قول أكثر أهل العلم.
وعن عطاء فيمن رمى جمرة العقبة وخرج إلى إبله في ليلة أربع عشرة ثم رمى قبل طلوع الفجر أجزأه فإن لم يرم فعليه دم والأول أولى لأن محل الرمي النهار فيخرج وقت الرمي بخروج النهار وكذلك إن ترك المبيت بمنى في لياليها وهذا مبني على الرواية في وجوب المبيت بمنى، وعن أحمد أنه لا شئ عليه وقد أساء.
وهو قول أصحاب الرأي لأن الشرع لم يرد فيه بشئ، وعنه يطعم شيئاً وخففه ثم قال: قد قال بعضهم ليس عليه.
وقال إبراهيم عليه دم وضحك ثم قال دم بمرة شدد وبمرة (1) قلت ليس إلا أن يطعم شيئاً قال نعم يطعم شيئاً تمراً أو نحوه فعلى هذا أي شئ تصدق به أجزأه، ولا فرق بين ليلة أو أكثر لأنه لا تقدير فيه، وفيما دون الثلاث ثلاث روايات (إحداهن) في كل واحدة مد (والثانية) درهم (والثالثة) نصف درهم.
قال الشيخ رحمه الله: وهذا لا نظير له فإنا لا نعلم في ترك شئ من المناسك درهماً ولا نصفاً فايجابه بغير نص تحكم لا وجه له.
وفي ترك حصاة من رمي الجمار كذلك ولانه في معناه وقد ذكرنا ما في حلق الشعرة فيما مضى وذكرنا الخلاف
(مسألة) (وليس على أهل سقاية الحاج ولا الرعاة مبيت بمنى فإن غربت الشمس وهم بمنى لزم الرعاة المبيت دون أهل السقاية) لما روى ابن عمر رضي الله عنه أن العباس استأذن النبي صلى الله عليه وسلم إن يبيت بمكة ليالي منى من أجل
سقايته.
متفق عليه.
وقد روى مالك بإسناده عن أبي البداح بن عاصم عن أبيه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر يرمونه في أحدهما.
قال مالك ظننت أنه قال في أول يوم منهما ثم يرمون يوم النفر.
رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح، ورواه ابن عيينة قال رخص للرعاء أن يرموا يوماً ويدعوا يوماً وكذلك الحكم في أهل سقاية الحاج إلا أن الفرق بين الرعاء وأهل السقاية أن الرعاء إذا قاموا حتى غربت الشمس لزمهم المبيت إذا قلنا بوجوبه وأهل السقاية لا يلزمهم لأن الرعاء إنما رعيهم بالنهار فإذا غربت الشمس انقضى وقت الرعي وأهل السقاية يستقون بالليل، وصار الرعاء كالمريض الذي يسقط عنه حضور الجمعة لمرضه فإذا حضرها تعينت عليه كذلك الرعاء أبيح لهم ترك المبيت لأجل الرعي فإذا فات وقته وجب المبيت، وأهل الأعذار من غير الرعاء كالمرضى ومن له مال يخاف ضياعه ونحوهم كالرعاء في ترك البيتوتة لأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لهؤلاء تنبيها على غيرهم فوجب إلحقاهم بهم لوجود المعنى فيهم (فصل) ومن كان مريضاً أو محبوساً أو له عذر جاز أن يستنيب من يرمي عنه.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله إذا رمى عنه الجمار يشهد هو ذاك أم يكون في رحله؟ قال يعجبني أن يشهد ذاك إن قدر حين يرمى عنه.
قلت فإن ضعف عن ذلك يكون في رحله ويبعث من يرمي عنه؟ قال: نعم قال القاضي: المستحب أن يضع الحصى في يد النائب ليكون له عمل في الرمي.
وإن أغمي على المستنيب لم تنقطع النيابة وللنائب الرمي عنه كما لو استنابه في الحج ثم أغمي عليه وبما ذكرنا في هذه المسألة قال الشافعي ونحوه قال مالك إلا أنه يتحرى المريض حين رميهم فيكبر سبع تكبيرات (فصل) ومن ترك الرمي من غير عذر فعليه دم.
قال أحمد: أعجب إلي إذا ترك رمي الأيام كلها كان عليه دم وفي ترك جمرة واحدة دم أيضاً نص عليه أحمد وبه قال عطاء والشافعي وأصحاب
الرأي.
وحكي عن مالك أنه عليه في جمرة وفي الجمرات كلها بدنة.
وقال الحسن: من نسي جمرة واحدة يتصدق على مسكين ولنا قول ابن عباس: من ترك شيئاً من مناسكه فعليه دم.
ولأنه ترك من مناسكه مالا يفسد الحج بتركه فكان الواجب عليه شاة كالمبيت.
وإن ترك أقل من جمرة فالظاهر عن أحمد أنه لا شئ في حصاة ولا حصاتين، وعنه أنه يجب الرمي بسبع فإن ترك شيئاً من ذلك تصدق بشئ أي شئ كان.
وعنه أن في حصاة دما وهو مذهب مالك والليث لأن ابن عباس رضي الله عنهما قال: من ترك
شيئاً من مناسكه فعليه دم، وعنه في الثلاثة دم وهو مذهب الشافعي وفيما دون ذلك في كل حصاة مد وعنه درهم وعنه نصف درهم.
وقال أبو حنيفة: إن ترك جمرة العقبة والجمار كلها فعليه دم وإن ترك أقل من ذلك فعيه في كل حصاة نصف صاع إلى أن يبلغ دما وقد ذكرنا ذلك (فصل) ويستحب أن لا يدع الصلاة مع الإمام في مسجد منى لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يصلون بمنى، قال ابن مسعود رضي الله عنه: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ومع أبي بكر ركعتين ومع عمر وعثمان ركعتين صدرا من إمارته، فإن كان الاما غير مرضي صلى المرء برفقته في رحله (مسألة) ويخطب الإمام في اليوم الثاني من أيام التشريق خطبة يعلمهم فيها حكم التعجيل والتأخير وتوديعهم، وبهذا قال الشافعي وابن المنذر وقال أبو حنيفة لا يستحب قياساً على اليومين الآخرين ولنا ماروي عن رجلين من بني بكر قالا: رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بين أواسط أيام التشريق ونحن عند راحلته، رواه أبو داود.
ولأن بالناس حاجة إلى أن يعلمهم كيف يتعجلون وكيف يودعون بخلاف اليوم الأول والثالث
(مسألة) فمن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل غروب الشمس وهو بمنى لزمه المبيت والرمي من الغد) أجمع أهل العلم على أن من أراد الخروج من منى شاخصاً عن الحرم غير مقيم بمكة أن له أن ينفر
بعد الزوال في اليوم الثاني من أيام التشريق فإن أحب الإقامة بمكة فقال أحمد: لا يعجبني لمن نفر النفر الأول أن يقيم بمكة.
وقال مالك: يقول في أهل مكة من كان له عذر فله أن يتعجل في يومين فإن أراد التخفيف عن نفسه من أمر الحج فلا.
واحتج من ذهب إلى هذا بقول عمر رضي الله عنه: من شاء من الناس كلهم أن ينفر في النفر الأول إلا آل خزيمة فلا ينفروا إلا في النفر الآخر.
جعل أحمد وإسحاق معنى قول عمر: إلا آل خزيمة.
أي أنهم أهل الحرم.
والمذهب جواز النفر في النفر الاول لكل أحد وهو قول عامة العلماء لقول الله تعالى (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) قال عطاء هي للناس عامة، وروى أبو داود وابن ماجة عن يحيى بن يعمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أيام منى ثلاثة فمن تعجل فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " قال ابن عيينة هذا أجود حديث رواه سفيان، وقال وكيع: هذا الحديث أم المناسك وفيه زيادة أنا اختصرته، ولأنه دفع من مكان فاستوى فيه أهل مكة وغيرهم كالدفع من عرفة ومزدلفة، وكلام أحمد في هذا أراد به الاستحباب موافقة لقول عمر، فمن أحب التعجيل في النفر الأول خرج قبل غروب الشمس فإن غربت قبل خروجه من منى لم ينفر سواء كان ارتحل أو لم يرتحل، هذا قول ابن عمر وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد ومالك والثوري والشافعي واسحاق وابن المنذر، وقال أبو حنيفة: له ان ينفر ما لم يطلع فجر اليوم الثالث لأنه لم يدخل وقت رمي اليوم الآخر فجاز له النفر كما قبل الغروب ولنا قوله سبحانه (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه) واليوم اسم للنهار فمن أدركه الليل فما تعجل في يومين، قال إبن المنذر: ثبت عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.
وما قاسوا عليه لا يشبه ما نحن فيه فإنه تعجل في يومين
(فصل) قال بعض أصحابنا يستحب لمن ينفر أن يأتي المحصب وهو الأبطح وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة فيصلي به الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم يهجع يسيراً ثم يدخل مكة، وكان ابن عمر يرى التحصيب سنة، قال إبن المنذر كان ابن عمر يصلي بالمحصب الظهر والعصر والمغرب والعشاء وكان كثير الإتباع لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان طاوس يحصب في شعب الجور، وكان ابن عباس وعائشة لا يريان ذلك سنة، قال ابن عباس رضي الله عنهما التحصيب ليس بشئ إنما هو منزل نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن عائشة رضي الله عنها أن نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزله رسول الله صلى الله عليه وسلم ليكون أسمح لخروجه إذا خرج، متفق عليهما، ومن استحب ذلك فلاتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه كان ينزله، قال نافع كان ابن عمر يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء ويهجع هجعة ويذكر ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم متفق عليه، وقال ابن عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان ينزلون الأبطح قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، ولا خلاف انه لا يجب ولا شئ على تاركه (فصل) ويستحب لمن حج أن يدخل البيت وقد ذكرناه ولا يدخله بنعليه ولا خفيه ولا إلى الحجر لأنه من البيت ولا يدخل الكعبة بسلاح قال أحمد وثياب الكعبة إذا نزعت يتصدق بها وقال إذا أراد أن يستشفي بشئ من طيب الكعبة فيأت بطيب من عنده فليزقه على البيت بحيث يأخذه ولا يأخذ من طيب البيت شيئاً ولا يخرج من تراب الحرم ولا يدخل فيه من الحل كذلك قال ابن عمر وابن عباس ولا يخرج من حجارة مكة إلى الحل والخروج أشد إلا أن ماء زمزم أخرجه كعب (فصل) قال أحمد رضي الله عنه كيف لنا بالجوار بمكة قال النبي صلى الله عليه وسلم " والله إنك لأحب البقاع إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت " وإنما كره عمر الجوار بمكة لمن هاجر منها، وجابر ابن عبد الله جاور بمكة وجميع أهل البلاد ومن كان من أهل اليمن ليس بمنزلة من يخرج ويهاجر أي لا بأس به وابن عمر كان يقيم بمكة قال والمقام بالمدينة أحب إلي من المقام بمكة لمن قوي عليه لأنها مهاجر المسلمين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يصبر أحد على لأوائها وشدتها إلا كنت شفيعاً له يوم القيامة "
(مسألة) فإذا أتى مكة لم يخرج حتى يودع البيت بالطواف إذا فرغ من جميع أموره) وجملة ذلك أن من أتى مكة فلا يخلو إما أن يريد الإقامة بها أو الخروج منها فإن أقام بها فلا وداع عليه لأن الوداع من المفارق وسواء نوى الإقامة قبل النفر أو بعده وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة ان نوى الإقامة بعد أن حل له النفر لم يسقط عنه الطواف
ولنا أنه غير مفارق فلا يلزمه وداع كمن نواها قبل حل النفر وانما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وهذا ليس بنافر فأما الخارج من مكة فليس له الخروج حتى يودع البيت بطواف سبع وهو واجب يجب بتركه دم وبه قال الحسن والحكم وحماد والثوري واسحاق وأبو ثور.
وقال الشافعي في قول لا يجب بتركه شئ لأنه يسقط عن الحائض فلم يكن واجباً كطواف القدوم ولنا ما روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض.
متفق عليه.
ولمسلم قال كان الناس ينصرفون كل وجه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " وسقوطه عن المعذور لا يوجب سقوطه عن غيره كالصلاة تسقط عن الحائض، وتجب على غيرها بل تخصيص الحائض بإسقاطه عنها
دليل على وجوبه على غيرها إذ لو كان ساقطاً عن الكل لم يكن لتخصيصها بذلك.
معنى إذا ثبت وجوبه فإنه ليس بركن بغير خلاف ويسمى طواف الوداع لأنه لتوديع البيت وطواف الصدر لأنه عند صدور الناس من مكة ووقته بعد فراغ الحاج من جميع ما أمره ليكون آخر عهده بالبيت كما جرت العادة في توديع المسافر أهله وإخوانه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " ليكون آخر عهده بالبيت " ولأنه خارج من الحرم فلزمه التوديع كالبعيد (مسألة) فإن ودع ثم اشتغل في تجارة أو أقام أعاد الوداع لأن طواف الوداع إنما يكون عند خروجه ليكون آخر عهده بالبيت.
فإن اشتغل بعده بتجارة أو إقامة فعليه إعادته هذا قول عطاء ومالك والثوري والشافعي وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي إذا طاف للوداع أو طاف تطوعا بعد ماحل له النفر أجزأه عن طواف الوداع.
وإن أقام شهراً لأنه طاف بعد
ماحل له النفر فلم تلزمه إعادته كما لو نفر عقيبه ولنا قوله عليه السلام " لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت " ولأنه إذا قام بعده خرج
عن أن يكون وداعاً في العادة فلم يجزه كما لو طافه قبل حل النفر.
فأما إن قضى حاجة في طريقه أو اشترى زاداً أو شيئاً لنفسه في طريقه لم يعده لأن ذلك ليس بإقامة تخرج طوافه عن أن يكون آخر عهده بالبيت.
وبهذا قال مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافاً (مسألة) (فإن أخر طواف الزيارة فطافه عند الخروج أجزأه عن طواف الوداع) هذا ظاهر المذهب لأنه أمر أن يكون آخر عهده بالبيت.
وقد فعل ولأن ما شرع لتحية المسجد أجزأ عنه الواجب من جنسه كتحية المسجد بركعتين تجزئ عنهما المكتوبة، وركعتا الطواف والإحرام يجزئ عنهما المكتوبة، وعنه لا يجزئ عن طواف الوداع لأنهما عبادتان واجبتان فلم تجز إحداهما عن الأخرى كالصلاتين الواجبتين فأما إن نوى بطوافه الوداع لم يجزه عن طواف الزيارة لقوله عليه السلام " وإنما لكل امري ما نوى " وحكمه حكم من ترك طواف الزيارة على ما نذكره إن شاء الله تعالى (مسألة) (فان خرج قبل الوداع رجع إليه.
فان لم يمكنه فعليه دم إلا الحائض والنفساء لا وداع عليهما) من خرج قبل الوداع فعليه الرجوع إن كان قريباً وإن أبعد فعليه دم هذا قول عطاء والثوري والشافعي، واسحاق وأبي ثور.
والقريب من كان من مكة دون مسافة القصر.
والبعيد مسافة القصر فما زاد.
نص عليه أحمد، وهو قول الشافعي، وكان عطاء يرى الطائف قريباً: وقال الثوري حد ذلك الحرم.
فمن كان فيه فهو قريب.
ومن خرج منه فهو بعيد
ولنا أن من دون مسافة القصر في حكم الحاضر في أنه لا يفطر ولا يقصر ولذلك عددناه من حاضري المسجد الحرام ومن لم يمكنه الرجوع لعذر فهو كالبعيد ولو لم يرجع القريب الذي يمكنه الرجوع لم يكن عليه أكثر من دم ولا فرق بين تركه عمداً أو خطأ لعذر أو غيره لأنه من واجبات الحج فاستوى عمده وخطأه والمعذور وغيره كسائر واجباته.
فإن رجع البعيد فطاف للوداع.
فقال القاضي لا يسقط عنه الدم لأنه قد استقر عليه ببلوغه مسافة القصر فلم يسقط برجوعه كمن تجاوز الميقات غير محرم فأحرم دونه ثم رجع إليه.
وإن رجع القريب فطاف فلا دم عليه سواء كان ممن له
عذر يسقط عنه الرجوع أولا لأن الدم لم يستقر عليه لكونه في حكم الحائض ويحتمل سقوط الدم عن البعيد برجوعه لأنه واجب أتى به فلم يجب عليه بدله كالقريب (فصل) وإذا رجع البعيد فينبغي أن لا يجوز له تجاوز الميقات إن كان تجاوزه إلا محرماً لأنه ليس من أهل الاعذار فليزمه طواف لإحرامه بالعمرة، والسعي، وطواف الوداع وفي سقوط الدم عنه الخلاف المذكور وإن كان من دون الميقات أحرم من موضعه.
فأما إن رجع القريب فظاهر قول من ذكرنا قوله أنه لا يلزمه إحرام لأنه رجع لإتمام نسك مأمور به فأشبه من رجع لطواف الزيارة فأما أن ودع وخرج ثم دخل مكة لحاجة فقال أحمد أحب إلي أن لا يدخل إلا محرماً وأحب إلي إذا خرج أن يودع البيت بالطواف، وهذا لأنه لم يدخل لإتمام النسك، إنما دخل لحاجة غير متكررة أشبه من يدخلها للإقامة بها
(فصل) والحائض والنفساء لا وداع عليهما ولا فدية كذلك هذا قول عامة أهل العلم.
وقد روي عن عمر وابنه رضي الله عنهما أنهما أمرا الحائض بالمقام لطواف الوداع وكان زيد بن ثابت يقول به ثم رجع عنه.
فروى مسلم أن زيد بن ثابت خالف ابن عباس في هذا.
قال طاوس كنت مع ابن عباس إذ قال زيد بن ثابت يفتي: أن لاتصدر الحائض حتى يكون آخر عهدها بالبيت، فقال له ابن عباس: أما لا تسأل فلانه الأنصارية هل أمرها بهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فرجع زيد بن ثابت إلى ابن عباس يضحك وهو يقول.
ما أراك إلا قد صدقت، وروي عن ابن عمر أنه رجع إلى قول الجماعة أيضاً، وقد ثبت التخفيف عن الحائض بحديث صفية حين قالوا: يارسول الله إنها حائض فقال " أحابستنا هي؟ " قالوا يا رسول الله إنها قد أفاضت يوم النحر.
قال " فلتنفر إذا " ولم يأمرها بفدية ولا غيرها.
وفي حديث ابن عباس إلا أنه خفف عن المرأة الحائض، وحكم النفساء حكم الحائض لأن أحكام النفاس أحكام الحيض فيما يجب ويسقط (فصل) إذا نفرت الحائض بغير وداع فطهرت قبل مفارقة البنيان وجعت فاغتسلت وودعت لأنها في حكم الإقامة لانها لا تستبيح الرخص.
فإن لم تمكنها الإقامة فمضت أو مضت لغير عذر فعليها دم
فأما إن فارقت البنيان لم يجب عليها الرجوع لخروجها عن حكم الحاضر فإن قيل فلم لا يجب الرجوع ما دامت قريبة كالخارج لغير عذر؟ قلنا هناك ترك واجباً فلم يسقط بخروجه حتى يصير إلى مسافة
القصر لأنه يكون انشاء سفر طويل غير الأول وههنا لم يكن واجباً ولا يثبت وجوبه ابتداء إلا في حق من كان مقيماً (مسألة) (فإذا فرغ من الوداع وقف في الملتزم بين الركن والباب) يستحب أن يقف المودع في الملتزم وهو ما بين الحجر الأسود وباب الكعبة فيلتزمه ويلصق به صدره ووجهه ويدعو الله عزوجل.
لما روى أبو داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال: طفت مع عبد الله.
فما جاء دبر الكعبة قلت ألا تتعوذ.
قال نعوذ بالله من النار ثم مضى حتى استلم الحجر فقام بين الركن والباب فوضع صدره ووجهه وذراعيه وكفيه هكذا وبسطها بسطا وقال.
هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله.
وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة انطلقت فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خرج من الكعبة هو وأصحابه، وقد استلموا الركن من الباب إلى الحطيم ووضعوا خدودهم على البيت ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطهم.
رواه أبو داود.
وقال منصور سألت مجاهداً إذا أردت الوداع كيف أصنع؟ قال: تطوف سبعاً وتصلي ركعتين خلف المقام، ثم تأتي زمزم فتشرب منها ثم تأتي الملتزم ما بين الباب والحجر فتستلمه ثم تدعو ثم تسأل حاجتك ثم تستلم الحجر وتنصرف.
وقال بعض أصحابنا يقول في دعائه: اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك، حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك، وأعنتني على
آداء نسكي، فإن كنت رضيت عني فازدد عني رضى، وإلا فمن الآن قبل أن تنأى عن بيتك داري فهذا أوان انصرافي إن أذنت لي غير مستبدل بك ولا ببيتك، ولا راغب عنك ولا عن بيتك.
اللهم فأصحبني العافية في بدني، والصحة في جسمي، والعصمة في ديني، وأحسن منقلبي، وارزقني طاعتك أبداً ما أبقيتني، واجمع لي بين خيري الدنيا والآخرة إنك على كل شئ قدير.
وعن طاوس قال: رأيت
أعرابياً أتى المتلزم فتعلق باستار الكعبة فقال: بك أعوذ وبك ألوذ، اللهم فاجعل لي في اللهف إلى جودك، والرضى بضمانك، مندوحاً عن منع الباخلين، وغنى عما في أيدي المستأثرين.
اللهم فرجك القريب ومعروفك التام وعادتك الحسنة.
ثم أضلني في الناس فألفيته بعرفات قائماً وهو يقول: اللهم إن كنت لم تقبل حجتي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصاب على مصيبته فلا أعلم أعظم مصيبة ممن ورد حوضك وانصرف محروماً من وجه رغبتك.
وقال آخر: ياخير موفود إليه، قد ضعفت قوتي، وذهبت منتي، وأتيت إليك بذنوبي لا تسعها البحار أستجير برضاك من سخطك، وبعفوك عن عقوبتك، رب ارحم من شملته الخطايا، وغمرته الذنوب، وظهرت منه العيوب، ارحم أسير ضر، وطريد فقر، أسألك أن تهب لي عظيم جرمي، يا مستزاداً من نعمه، ومستعاذاً من نقمه، ارحم صوت حزين دعاك بزفير وشهيق.
اللهم إن كنت بسطت إليك يدي داعياً، فطالما كفيتني ساهياً، فنعمتك التي تظاهرت علي عند الغفلة، لا أيأس منها عند التوبة، فلا تقطع رجائي منك لما قدمت من اقتراف، وهب لي الإصلاح في الولد،
والامن في البلد.
والعافية في الجسد، إنك سميع مجيب، اللهم إن لك علي حقوقاً فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني: وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك الليلة فاجعل قراي الجنة.
اللهم إن سائلك عند بابك من ذهبت أيامه، وبقيت آثامه، وانقطعت شهوته، وبقيت تبعته، فارض عنه وإن لم ترض عنه فاعف عنه، فقد يعفو السيد عن عبده وهو غير راض عنه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ألا إن المرأة إذا كانت حائضا أو نفساء لم تدخل المسجد ووقفت على بابه فدعت بذلك (فصل) قال أحمد: إذا ودع البيت يقوم عند الباب إذا خرج ويدعو فإذا تلا لا يقف ولا يلتفت فإن التفت رجع وودع، وروى حنبل في المناسك عن المهاجر قال قلت لجابر بن عبد الله: الرجل يطوف بالبيت ويصلي فإذا انصرف خرج ثم استقبل القبلة فقام فقال: ما كنت أحسب يصنع هذا إلا اليهود والنصاري قال أبو عبد الله أكره ذلك، وقول أبي عبد الله إن التفت رجع فودع على سبيل الاستحسان إذ لا نعلم لا بجاب ذلك عليه دليلاً.
وقد قال مجاهد هذا إذا كدت تخرج من باب المسجد فالتفت ثم انظر إلى الكعبة ثم قل: اللهم لا تجعله آخر العهد
(فصل) فإن خرج قبل طواف الزيارة رجع حراماً حتى يطوف بالبيت لأنه ركن لايتم الحج إلا به ولا يحل من إحرامه حتى يفعله، فمتى لم يفعله لم ينفك إحرامه ورجع متى أمكنه محرماً لا يجزئه غير
ذلك، وبذلك قال عطاء والثوري ومالك والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي وابن المنذر وقال الحسن يحج من العام المقبل، وحكي نحو ذلك عن عطاء أيضاً ولنا قول البني صلى الله عليه وسلم حين ذكر له أن صفية حاضت قال " أحابستنا هي؟ " قيل إنها قد أفاضت يوم النحر قال " فلتنفر إذاً " يدل على أن هذا الطواف لابد منه وأنه حابس لمن لم يأت به، فإن نوى التحلل ورفض إحرامه لم يحل بذلك لأن الإحرام لا يخرج منه بنية الخروج، ومتى رجع إلى مكة فطاف بالبيت حل بطوافه لأن الطواف لا يفوت وقته على ما قدمناه (فصل) وترك بعض الطواف كترك الجميع فيما ذكرنا وسواء ترك شوطاً أو أقل أو أكثر وهذا قول عطاء ومالك والشافعي واسحاق وأبي ثور، وقال أصحاب الرأي من طاف أربعة أشواط من طواف الزيارة وطواف العمرة وسعى بين الصفا والمروة ثم رجع إلى الكوفة أن سعيه يجزئه وعليه دم لما ترك من الطواف بالبيت ولنا أن ما أتى به لا يجزئه إذا كان بمكة فلم يجزئه إذا خرج منها كما لو طاف دون أربعة أشواط (فصل) فإن ترك طواف الزيارة بعد رمي جمرة العقبة لم يبق محرماً إلا عن النساء خاصة لأنه قد حصل له التحلل الأول برمي الجمرة فحل له كل شئ إلا النساء فإن وطئ لم يفسد حجة ولم تجب عليه بدنة لكن على دم ويجدد إحرامه ليطوف في إحرام صحيح وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما مضى
(مسألة) (فإذا فرغ من الحج استحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وقبر صاحبيه رضي الله عنهما) تستحب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم لما روى الدارقطني بإسناده عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من حج فزار قبري بعد وفاتي فكأنما زارني في حياتي " وفي رواية " من زار قبري وجبت له شفاعتي " رواه باللفظ الأول سعيد، وقال أحمد في رواية عبد الله عن يزيد بن
قسيط عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " مامن أحد يسلم علي عند قبري إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام " قال وإذا حج الذي لم يحج قط يعني من غير طريق الشام لا يأخذ على طريق المدينة لأني أخاف أن يحدث به حدث فينبغي أن يقصد مكة من أقصد الطرق، ولا يتشاغل بغيره، ويروى عن العتبي قال.
كنت جالساً عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يارسول الله سمعت الله يقول (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك متسغفرا من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي ثم أنشأ يقول: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه * فطاب من طيبهن البان والاكم نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه * فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف الأعرابي فحملتني عيني فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا عتبي " الحق الأعرابي فبشره إن الله قد غفر له "
ويستحب لمن دخل المسجد أن يقدم رجله اليمنى ثم يقول: بسم الله والصلاة علي رسول الله، اللهم اغفر لي وافتح لي أبواب رحمتك، فإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال مثل ذلك إلا أنه يقول وافتح لي أبواب فضلك لما روي عن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم علمها أن تقول ذلك إذا دخلت المسجد، ثم تأتي القبر فتولي ظهرك القبلة وتستقبل وسطه وتقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، والسلام عليك يا نبي الله وخيرته من خلقه وعباده، أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أشهد أنك قد بلغت رسالات ربك، ونصحت لأمتك، ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وعبدت الله حتى أتاك اليقين، فصلى الله عليك كثيراً كما يحب ربنا ويرضى، اللهم اجز عنا نبينا أفضل ما جزيت أحداً من النبيين والمرسلين وابعثه المقام المحمود الذي وعدته يغبطه الأولون والآخرون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنك قلت وقولك الحق (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد أتيتك مستغفراً من ذنوبي مستشفعاً بك إلى ربي فأسألك يا رب أن توجب لي المغفرة كما أوجبتها لمن أتاه في حياته، اللهم أجعله
أو الشافعين وأنجح السائلين وأكرم الأولين والآخرين برحمتك يا أرحم الراحيمين.
ثم يدعو لوالديه ولا خوانه وللمسلمين أجمعين ثم يتقدم قليلاً ويقول: السلام عليك يا أبا بكر الصدق، السلام عليك يا عمر الفاروق، السلام عليكما يا صاحبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعيه ووزيريه ورحمه الله وبركاته، اللهم اجزهما عن نبيهما وعن الإسلام خيراً (سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار) اللهم لا تجعله آخر العهد من قبر نبيك صلى الله عليه وسلم ومن حرم مسجدك يا أرحم الراحمين (فصل) ولا يستحب التمسح بحائط قبر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقبيله، قال أحمد رحمه الله ما أعرف هذا، قال الأثرم رأيت أهل العلم من أهل المدينة لا يمسون قبر النبي صلى الله عليه وسلم يقومون من ناحية فيسلمون، قال أبو عبد الله وهكذا كان ابن عمر رضي الله عنهما يفعل.
قال أما المنبر فقد جاء فيه ما رواه إبراهيم بن عبد الله بن عبد القارئ أنه نظر إلى ابن عمر وهو يضع يده على مقعد النبي صلى الله عليه وسلم من المنبر ثم يضعها على وجه (فصل) ويستحب لمن رجع من الحج أن يقول ماروى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثم يقول " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير، آيبون تائبون ما بدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، وصلى الله على محمد
وسلم، روى سعيد ثنا هشيم أنا ليث عن ثكير بن جعفر عن ابن عمر أنه قال: يقال إذا قدم الحاج تقبل الله نسكك، وأعظم أجرك، وأخلف نفقتك (فصل) في صفة العمرة قال الشيخ رحمه الله (من كان في الحرم خرج إلى الحل فأحرم منه) من أراد العمرة من أهل الحرم فخرج إلى الحل فأحرم منه وكان ميقاتاً له، لا نعلم فيه خلافاً والأفضل أن يحرم من التنعيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يعمر عائشة من التنعيم وقال ابن سيرين بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل مكة التنعيم، وإنما لزم الإحرام من الحل ليجمع في النسك بين الحل والحرم، ومن أي الحل أحرم جاز، وإنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة من التنعيم لأنه أقرب الحل إلى مكة، وقد روي عن أحمد في المكي كلما تباعد في العمرة فهو أعظم للأجر هي على قدر تعبها (مسألة) (فإن أحرم من الحرم لم يجز وينعقد وعليه دم) وذلك لتركه الإحرام من الميقات، فإن خرج قبل الطواف ثم عاد أجزأه لأنه قد جمع بين الحل والحرم، وإن لم يخرج حتى قضى عمرته صح أيضاً لأنه قد أتى بأركانها، وإنما أخل بالإحرام من ميقاتها وقد جبره فأشبه من أحرم دون الميقات بالحج وهذا قول أبي ثور وأصحاب الرأي وأحد قولي الشافعي (والقول الثاني) لا تصح عمرته
لأنه نسك فكان من شرطه الجمع بين الحل والحرم كالحج فعلى هذا وجود هذا الطواف كعدمه وهو باق على إحرامه حتى يخرج إلى الحل ثم يطوف بعد ذلك ويسعى، وإن حلق قبل ذلك فعليه دم، وكذلك كل ما فعله من محظورات إحرامه عليه فديه، وإن وطئ أفسد عمرته ويمضي في فاسده وعليه دم لا فسادها ويقضيها بعمرة من الحل، فإن كانت العمرة التي أفسدها عمرة الإسلام أجزأه قضاؤها عن عمرة الإسلام وإلا فلا (مسألة) (ثم يطوف ويسعى ثم يحلق أو يقصر، ثم قد حل) لأن هذا أفعال العمرة فحل بفعلها كحله من الحج بأفعاله وهل يحل قبل الحلق والتقصير؟ على روايتين أصلهما هل الحلق والتقصير نسك أو ليس بنسك؟ فان قلنا انه نسك لم يحل قبله كالرمي، وإن قلنا ليس بنسك، بل إطلاق من محظور حل قبله كاللبس والطيب وقد ذكرنا الخلاف في ذلك في الحج وهذا مقاس عليه (مسألة) (وتجزئ عمرة القارن والعمرة من التنعيم عن عمرة الإسلام في أصح الروايتين) لا نعلم في إجزاء عمرة المتمتع خلافاً كذلك قال ابن عمر وعطاء وطاوس ومجاهد ولا نعلم عن غيرهم خلافهم، وروى عن أحمد أن عمرة القارن لاتجزئ اختاره أبو بكر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعمر عائشة رضي الله عنها حين حاضت من التنعيم، ولو كانت عمرتها في قرانها أجزأتها " أعمرها بعدها، ولأنها ليست عمرة تامة لأنه لا طواف لها؟ وعنه أن العمرة من أدنى الحل لا تجزئ عن العمرة الواجبة قال إنما هي من أربعة أميال وثوابها على قدر تعبها، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: والله
ما كانت عمرة إنما كانت زيارة، وإذا لم تكن تامة لم تجزئ لقوله تعالى (وأتموا الحج والعمرة لله) قال علي رضي الله عنه: اتمامهما أن تأتي بهما من دويرة أهلك ووجه الأولى قول الضبي بن معبد إني وجدت الحج والعمرة مكتوبين علي فأهللت بهما، فقال عمر رضي الله عنه هديت لسنة نبيك، وحديث عائشة حين قرنت الحج والعمرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم حين حلت منهما " قد حللت من حجك وعمرتك " وإنما أعمرها من التنعيم قصداً لتطييب قلبها واحابة مسألتها لا لأنها كانت واجبة عليها، ثم إن لم تكن أجزأتها عمرة القران فقد أجزأتها العمرة من أدنى الحل وهي أحد ما قصدنا الدلالة عليه، ولأن الواجب عمرة واحدة وقد أتى بها صحيحة فأجزأته كعمرة المتمتع، ولأن عمرة القارن أحد النسكين للقارن فأجزأت كالحج، ولأن الحج من مكة يجزئ في حق المتمتع فالعمرة من أدنى الحل في حق المفرد أولى، وإذا كان الطوا ف المجرد يجزئ عن العمرة في حق المكي فلأن تجزئ العمرة المشتملة على الطوا ف وغيره أولى (مسألة) (ولا بأس أن يعتمر في السنة مراراً) روى ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وأنس وعائشة وعطاء وطاوس وعكرمة والشافعي، وكره العمرة في السنة مرتين الحسن وابن سيرين ومالك، قال النخعي ما كانوا يعتمرون في السنة إلا مرة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله
ولنا أن عائشة اعتمرت في شهر مرتين بأمر النبي صلى الله عليه وسلم عمرة مع قرانها وعمرة بعد حجها، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " العرمة إلى العمرة كفارة لما بينهما " متفق عيه، وقال علي رضي الله عنه في كل شهر مرة، وكان أنس إذا حمم رأسه خرج فاعتمر رواهما الشافعي في مسنده، وقال عكرمة يعتمر
إذا مكن الموسى من شعره، وقال عطاء إن شاء اعتمر في كل شهر مرتين، فأما الإكثار من الاعتمار والموالاة بينهما فلا يستحب في ظاهر قول السلف الذي حكيناه، وكذلك قال أحمد إذا اعتمر فلا بد أن يحلق أو يقصر، وفي عشرة أيام يمكن حلق الرأس، فظاهر هذا أنه لا يستحب أن يعتمر في أقل من عشرة أيام، وقال في رواية الأثرم إن شاء اعتمر في كل سنة، وقال بعض أصحابنا يستحب الإكثار من الاعتمار كالطواف.
قال شيخنا رحمه الله وأحوال السلف وأقوالهم على ما قلناه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم تنقل عنه الموالاة بينهما، وإنما نقل عن السلف إنكار ذلك والحق في اتباعهم، قال طاوس الذين يعتمرون من التنعيم ما أدري يؤجرون عليها أم يعذبون، قيل له فلم يعذبون؟ قال لأنه يدع الطواف بالبيت ويخرج إلى أربعة أميال ويجئ، وإلى أن يجئ من أربعة أميال قد طاف مائة طواف وكلما طاف بالبيت كان افضل من أن يمشي في غير شئ (فصل) روى ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عمرة في رمضان تعدل حجة " متفق عليه، قال أحمد من أدرك يوما من رمضان فقد أدرك عمرة رمضان وقال إسحاق معنى
هذا الحديث مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من قرأ قل هو الله أحد فقد قرأ ثلث القرآن " وقال أنس رضي الله عنه حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة وحدة واعتمر أربع عمر: واحدة في ذي القعدة وعمرة الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانه إذا قسم غنائم حنين.
متفق عليه، وقال أحمد حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع، قال وروي عن مجاهد أنه قال حج قبل ذلك حجة أخرى وما هو يثبت عندي وروي عن جابر رضي الله عنه قال: حج النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر، وحجة بعد ما هاجر وهذا حديث غريب (فصل) وروي عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " تابعوا بين الحج والعمرة فانها ينفيان العقر والذنوب كما ينفي الكبر خبث الحديث والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة
ثواب إلا الجنة " قال الترمذي حسن صحيح، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه ولدته أمه " متفق عليه (فصل) قال رضي الله عنه (أركان الحج الوقوف بعرفة وطواف الزيارة، وعنه أنها أربعة الوقوف والطواف والإحرام والسعي، وعنه أنها ثلاثة وأن السعي سنة، واختار القاضي أنه واجب وليس بركن) الوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به إجماعاً، وقد روى الثوري عن بكير بن عطاء الليثي عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة فجاءه نفر من أهل نجد فقالوا يارسول
الله: كيف الحج؟ قال " الحج عرفة، فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " رواه أبو داود، قال محمد بن يحيى ما أري للثوي حديثاً أشرف منه.
وطواف الزيارة أيضاً ركن للحج لا يتم إلا به، قال ابن عبد البر هو من فرائض الحج لا خلاف في ذلك بين العلماء لقول الله تعالى (وليطوفوا بالبيت العتيق) (فصل) واختلفت الرواية في الإحرام والسعي، فروي عنه أن الإحرام ركن لأنه عبارة عن نية الدخول في الحج فلم يتم بدونها لقوله عليه السلام " إنما الأعمال بالنيات " وكسائر العبادات،
وعنه أنه ليس بركن لحديث الثوري الذي ذكرناه، وأما السعي فروي عنه أنه ركن لايتم الحج إلا به وهو قول عائشة وعروة ومالك والشافعي لما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: طاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطاف المسلمون يعني بين الصفا والمروة فكانت سنة فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمرة.
رواه مسلم، وعن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: دخلت مع نسوه من قريش دار آل أبي حسين ننظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسعى بين الصفا والمروة وإن مئزره ليدور في وسطه من شدة سعيه حتى أني أقول إني لأرى ركبتيه وسمعته يقول " اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " رواه ابن ماجه، ولأنه نسك في الحج والعمرة فكان ركناً فيها كالطواف بالبيت وعن أحمد أنه سنة لا دم في تركه، روى ذلك عن ابن عباس وأنس وابن الزبير وابن سيرين لقول الله تعالى (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ونفي الحرج عن فاعله دليل على عدم وجوبه فإن هذا رتبة
المباح، وإنما تثبت سنته بقوله (من شعائر الله) وروي أن في مصحف أبي وابن مسعود (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما) وهذا إن لم يكن قرآنا فلا ينحط عن رتبة الخبر لأنهما يرويانه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه نسك معدود لا يتعلق بالبيت فلم يكن ركناً كالرمي، واختار القاضي أنه واجب وليس ركن لكن يجب بتركه دم وهو قول الحسن وأبي حنيفة والثوري وهذا أولى لأن دليل من أوجبه دل على مطلق الوجوب لاعلى أنه لايتم إلا به، وقول عائشة في ذلك معارض بقول من خالفها من الصحابة، وحديث بنت أبي تجراة يرويه عبد الله
ابن المؤمل وقد تكلموا في حديثه ثم هو يدل على أنه مكتوب وهو الواجب، فأما الآية فإنما نزلت لما تحرج ناس من السعي في الإسلام لما كانوا يطوفون بينهما في الجاهلية لأجل صنمين كانا على الصفا والمروة كذلك قالت عائشة وهذا أوسط الأقوال وهو اختيار شيخنا (مسألة) (وواجباته سبعة: الإحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى الليل، والمبيت بمزدلفة إلى بعد نصف الليل، والمبيت بمنى، والرمي والحلق أو التقصير، وطواف الوداع) وفي ذلك اختلاف ذكرناه فيما منضى وذكرنا الدليل عليه وما عدا هذا سنن وهو الاغتسال وطواف القدوم، والرمل والاضطباع، واستلام الركنين وتقبيل الحجر والاسرع والمشي في مواضعها
والخطب والإذكار والدعاء والصعود على الصفا والمروة، وسائر ما ذكرناه غير الأركان والواجبات وأركان العمرة الطواف قياساً على الحج، وفي الإحرام والسعي روايتان على ما ذكرنا في الحج واجبها الحلق أو التقصير في إحدى الروايتين بناء على الحلق في الحج وسنتها الغسل والدعاء والذكر والسنن التي في الطواف، فمن ترك ركناً لم يتم نسكه إلا به، ومن ترك واجباً فعليه دم، وقد ذكرنا ذلك في مواضعه مفصلاً، ومن ترك سنة فلا شئ عليه لأنها ليست واجبة فلم يجب جبرها كسنن سائر العبادات والله تعالى أعلم
(باب الفوات والاحصار) (مسألة) (ومن طلع عليه الفجر يوم النحر ولم يقف بعرفة فقد فاته الحج ويتحلل بطواف وسعي وعنه ينقلب إحرامه لعمرة ولا قضاء عليه إلا أن يكون فرضاً وعنه عليه القضاء) الكلام في هذه المسألة في ثلاثة أمور (أولها) إن آخر وقت الوقوف آخر ليلة النحر، فمن لم يدرك الوقوف حتى طلع الفجر يومئذ فاته الحج لا نعلم فيه خلافاً، قال جابر رضي الله عنه لا يفوت الحج حتى يطلع الفجر من ليلة جمع، قال أبو الزبير فقلت له أقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك؟ قال نعم رواه الأثرم؟ وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة فمن جاء قبل صلاة الفجر ليلة جمع فقد تم حجه " يدل على فواته بخروج ليلة جمع (الثاني) إن من فاته الحج يتحلل بطواف وسعي وحلق هذا الصحيح من المذهب، روى ذلك عن عمر بن الخطاب وابنه وزيد بن ثابت وابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم وهو قول مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال ابن أبي موسى في المسألة روايتان
(إحداهما) كما ذكرنا (والثانية) يمضي في حج فاسد وهو قول المزني قال يلزمه أفعال الحج لأن سقوط ما فات وقته لايمنع وجوب ما لم يفت ولنا قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف له مخالفا فكان إجماعا، وروى الشافعي في مسنده أن عمر رضي الله عنه قال لأبي أيوب حين فاته الحج اصنع مايصنع المعتمر ثم قد حللت فإن ادركت الحج قابلاً فحج واهد ما استيسر من الهدي، وروى النجاد بإسناده عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من فاته الحج فعليه دم وليجعلها عمرة وليحج من قابل " ولأنه يجوز فسخ الحج إلى العمرة من غير فوات فمع الفوات أولى إذا ثبت هذا فظاهر كلام الخرقي أنه يجعل إحرامه بعمرة وقد نص عليه أحمد واختاره أبو بكر وهو قول ابن عباس وابن الزبير وعطاء وأصحاب الرأي، وعنه لا يصير إحرامه بعمرة، بل يتحلل بطواف وسعي وحلق وهو مذهب مالك والشافعي لأن إحرامه انعقد بأحد النسكين فلم ينقلب إلى
الآخر كما لو أحرم بالعمرة، ويحتمل أن من قال يجعل إحرامه بعمرة أراد أنه يفعل فعل المعتمر من الطواف والسعي فلا يكون بين القولين خلاف، ويحتمل أنه يصير إحرامه بحج إحراماً بعمرة بحيث تجزئه عن عمرة الإسلام إن لم يكن اعتمر، ولو أدخل الحج عليها لصار قارناً إلا أنه لا يمكنه الحج بذلك الإحرام إلا أنه يصير محرماً به في غير أشهره فيكون كمن أحرم بالحج في غير أشهره، ولأن قلب الحج إلى العمرة يجوز من غير سبب على ما قررناه في فسخ الحج فمع الحاجة أولى، ويخرج على هذا قلب العمرة إلى الحج فإنه لا يجوز، ولأن العمرة لا يفوت وقتها ولا حاجة الى انقلاب إحرامها بخلاف الحج (الأمر الثالث) في وجوب القضاء وفيه روايتان (إحداهما) يجب سواء كان الفائت واجباً أو تطوعاً اختاره الخرقي، ويروى ذلك عن عمر وابنه وزيد وابن عباس وابن الزبير ومروان وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي (والثانية) لاقضاء عليه، بل إن كانت فرضاً فعلها بالوجوب السابق وتسقط إن كانت نفلا، روي هذا عن عطاء وهو إحدى الروايتين عن مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل عن الحج أكثر من مرة قال مرة واحدة
ولو أوجبنا القضاء كان أكثر من مرة، ولأنه معذور في ترك إتمام حجه فلم يلزمه القضاء كالمحصر، ولأنها عبادة تطوع فلم يجب قضاؤها إذا فاتت كسائر التطوعات ووجه الأولى ما ذكرناه من الحديث واجماع الصحابة، وروى الدارقطي بإسناده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من فاته عرفات فقد فاته الحج فليتحلل بعمرة وعليه الحج من قابل " ولأن الحج يلزمه بالشروع فيه فيصير كالمنذور بخلاف سائر التطوعات، وأما الحديث فإنه أراد الواجب بأصل الشرع حجة واحدة وهذه إنما تجب بإيجابه لها بالشروع فيها فهي كالمنذور، وأما المحصر فإنه غير منسوب إليه التفريط بخلاف من فاته الحج على أن في المحصر رواية أنه يجب عليه القضاء فهو كمسئلتنا، وإذا قضى أجزأه القضاء عن الحجة الواجبة لا نعلم فيه خلافاً لأن الحجة المقضية لو تمت لأجزأت عن الواجبة عليه فكذلك قضاؤها لأن القضاء يقوم مقام الاداء
(مسألة) (وهل يلزمه هدي؟ على روايتين (إحداهما) عليه هدي يذبحه في حجة القضاء إن قلنا عليه قضاء وإلا ذبحه في عامة) يجب الهدي على من فاته الحج في أصح الروايتين وهو قول من سمينا من الصحابة والفقهاء إلا أصحاب الراي فإنهم قالوا لاهدي عليه وهي الرواية الثانية عن احمد لأنه لو كان الفوات سبباً لوجوب الهدي لزم المحصر هديان للفوات والاحصار ولنا حديث عطاء وإجماع الصحابة ولأنه حل من إحرامه قبل إتمامه فلزمه هدي كالمحصر والمحصر لم يفت حجه لأنه يحل قبل فواته، إذا ثبت هذا فإنه يخرج الهدي في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه وإلا أخرجه في عامة، وإذا كان معه هدي قد ساقه نحره ولا يجزئه إن قلنا بوجوب القضاء، بل عليه في السنة الثانية هدي أيضاً نص عليه أحمد لما روى الأثرم بإسناده أن هبار بن الأسود حج من الشام فقدم يوم النحر فقال له عمر ما حبسك؟ قال حسبت أن اليوم يوم عرفة، قال فانطلق إلى البيت فطف به سبعاً وإن كان معك هدية فانحرها، ثم إذا كان عام قابل فاحجج فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله.
والهدي ما استيسر مثل هدي المتعة لحديث عمر رضي الله عنه، والمتمتع والمفرد والقارن والكي وغيره سواء فيما ذكرنا
(فصل) فإن اختار من فاته الحج البقاء على إحرامه للحج من قابل فله ذلك، روى ذلك عن مالك لأن تطاول المدة بين الإحرام وفعل النسك لا تمنع إتمامه كالعمرة والمحرم بالحج في غير أشهره ويحتمل أنه ليس له ذلك وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، ورواية عن مالك الظاهر الخبر وقول الصحابة، ولكون إحرام الحج يصير في غير أشهره فصار كالمحرم بالعبادة قبل وقتها (فصل) فإن كان الذي فاته الحج قارنا حل وعليه مثل ما أهل به من قابل نص عليه أحمد وهو قول مالك والشافعي وأبي ثور واسحاق ويحتمل أن يجزئه ما فعله عن عمرة الاسلام ولا يلزمه إلا قضاء الحج لأنه لم يفته غيره، وقال الثوري وأصحاب الرأي يطوف ويسعى لعمرته ثم لا يحل حتى يطوف
ويسعى لحجه إلا أن سفيان قال ويهريق دماً، ووجه الأول أنه يجب القضاء على حسب الأداء في صورته ومعنا فيجب ان يكون ههنا كذلك ويلزمه هديان لقرانه وفواته، وبه قال مالك والشافعي وقيل يلزمه هدي ثالث للقضاء وليس بشئ فإن القضاء لا يجب له شئ، وإنما الهدي الذي في سنة القضاء للفوات، ولذلك لم يأمره الصحابة بأكثر من هدي واحد والله تعالى أعلم (مسألة) (وإن أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم، وإن أخطأ بعضهم فقد فاته الحج) إذا أخطأ الناس فوقفوا في غير يوم عرفة ظناً منهم أنه يوم عرفة أجزأهم لما روى الدارقطبي باسناده عن عبد العزيز بن عبد الله بن جابر بن أسيد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم عرفة الذي يعرف الناس فيه " وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يوم فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون " رواه الدارقطني وغيره، ولأنه لا يؤمن مثل ذلك في القضاء، فإن اختلفوا فأصاب بعض وأخطأ بعض لم يجز من أخطأ لأنهم غير معذورين في ذلك وقد ذكرنا حديث هبار حين قال لعمر ظننت أن اليوم يوم عرفة فلم يعذر بذلك (فصل) فإن كان عبداً لم يلزمه الهدي لأنه عاجز عنه بكونه لامال له فهو كالمعسر ويجب عليه الصوم بدل الهدي، فإن أذن له سيده في الهدي لم يكن له أن يهدي في ظاهر كلام الخرقي ولا يجزئه إلا الصيام هذا قول الثوري وأصحاب الرأي والشافعي حكاه ابن المنذر عنهم في الصيد وعلى قياس
هذا كل دم لزمه في الإحرام لا يجزئه عند إلا الصيام، وقال غير الخرقي من أصحابنا أن ملكه السيد هديا وأذن له في ذبحه خرج على الروايتين في ملك العبد بالتمليك، فإن قلنا يملك لزمه الهدي وأجزأ عنه لأنه قادر عليه مالك له أشبه الحر وإن قلنا لا يملك لم يجزئه إلا الصيام لأنه ليس بمالك ولا سبيل له إلها الملك فهو كالمعسر، وإذا صام فإنه يصوم عن كل مد من قيمة الشاة يوما ذكره الخرقي، وينبغي أن يخرج فيه من الخلاف ما ذكرناه في الصيد، فإن بقي من قيمتها دون المد صام عنه يوماً لأن الصوم لا يتبعض فيجب تكملته (قال شيخنا) والأولى أن يكون الواجب من الصوم عشرة أيام كصوم المتعة
كما جاء في حديث عمر أنه قال لهبار بن الأسود فإن وجدت سعة فأهد، فإن لم تجد سعة فصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعت إن شاء الله، وروى الشافعي عن ابن عمر رضي الله عنهما مثل ذلك وأحمد ذهب الى حديث عمر رضي الله عنه واحتج به، ولأنه صوم وجب لحله من إحرامه قبل إتمامه فكان عشرة أيام كصوم المحصر والمعسر في الصوم كالعبد، ولذلك قال عمر رضي الله عنه لهبار إن وجدت سعة فاهد، وإن لم تجد فصم.
ويعتبر اليسار والاعسار في زمن الوجوب وهو في سنة القضاء إن قلنا بوجوبه، أو في سنة الفوات إن قلنا لا يجب القضاء، وقال الخرقي في العبد ثم يقصر ويحل
يريد أن العبد لا يحلق لأن الحلق يزيل الشعر الذي يزيد في قيمته وماليته وهو ملك لسيده ولم يتعين إزالته فلم يكن له ذلك كغير حالة الإحرام فإن أذن له سيده فيه جاز لأن المنع منه لحقه (مسألة) (ومن أحرم فحصره عدو ولم يكن له طريق إلى الحج نحر هديا في موضعه رحل) لا خلاف بين أهل العلم أن المحصر إذا حصره عدو ومنعوه الوصول إلى البيت ولم يجد طريقاً آمناً أن له التحلل مشركاً كان العدو أو مسلماً لقوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه حين حصروا في الحديبية أن ينحروا ويحلقوا ويحلوا، وسواء كان الإحرام بحج أو عمرة أو بهما، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، وحكي عن مالك أن المعتمر لا يتحلل لأنه لا يخاف الفوات ولا يصح ذلك لأن الآية إنما نزلت في حصر الحديبية، وإنما كانوا محرمين بعمرة فحلقوا جميعاً.
وعلى من تحلل بالإحصار الهدي في قول الأكثرين، وعن مالك ليس عليه هدي لأنه
تحلل أبيح له من غير تفريط أشبه من أتم حجه.
ولنا قوله تعالى (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) قال الشافعي لا خلاف بين أهل التفسير أن هذه الآية نزلت في حصر الحديبية، ولانه أبيح له التحلل قبل إتمام نسكه أشبه من فاته الحج وبهذا فارق من أتم حجه (فصل) ولا فرق بين الحصر العام في حق كل الحاج وبين الخاص في حق شخص واحد مثل
أن يجلس بغير حق أو تأخذه اللصوص لعموم النص ووجود المعنى في الكل، فأما من حبس بحق عليه يمكنه الخروج منه فلا يجوز له التحلل في الحبس، فإن كان عاجزاً عن أدائه فحبس بغير حق فله التحلل كمن ذكرناه، وإن كان عليه دين مؤجل يحل قبل قدوم الحاج فمنعه صاحبه من الحج فله التحلل لأنه معذور، ولو أحرم العبد بغير إذن سيده أو المرأة للتطوع بغير إذن زوجها فلهما منعهما وحكمهما حكم المحصر