ولنا دلالة الكتاب والسنة على تحريم الأكل والشرب على العموم فيدخل فيه محل النزاع ولم يثبت عندنا ما نقل عن أبي طلحة فلا يعد خلافاً (فصل) ويفطر بكل ما أدخله إلى جوفه او مجوف في جسده كدماغه وحلقه ونحو ذلك مما ينفد إلى معدته إذا وصل باختياره وكان مما يمكن التحرز منه سواء وصل من الفم على العادة أو غيرها كالوجور واللدود أو من الأنف كالسعوط أو ما يدخل من الاذان إلى الدماغ أو ما يدخل من العين إلى الحلق كالكحل أو ما يدخل إلى الجوف من الدبر بالحقنة أو ما يصل من مداواة الجائفة أو من دواء المأمومة، وكذلك أن جرح نفسه أو جرحه غيره بإذنه فوصل إلى جوفه سواء استقر في جوفه أو عاد فخرج منه لأنه واصل إلى الجوف باختياره فأشبه الأكل وبهذا كله قال الشافعي إلا في الكحل وقال مالك لا يفطر بالسعوط إلا أن ينزل الى حلقه ولا يفطر إذا داوى المأمومة والجائفة واختلف عنه
في الحقنة واحتج بأنه لم يصل إلى الحلق منه شئ أشبه ما لم يصل إلى الدماغ ولا الجوف ولنا أنه واصل إلى جوف الصائم باختياره فيفطره كالواصل إلى الحلق ولأن الدماغ جوف والواصل إليه يغذيه فيفطر كجوف البدن (فصل) فأما الكحل فإن وجد طعمه في حلقه أو علم وصوله إليه فطره وإلا لم يفطره نص عليه أحمد وقال ابن أبي موسى ان اكتحل بما يجد طعمه كالذرور والصبر والقطور افطر وإن اكتحل باليسير من الأثمد غير المطيب لم يفطر نص عليه أحمد وقال ابن عقيل أن كان الكحل حاداً فطره وإلا فلا ونحو ما ذكرناه قال أصحاب مالك عن ابن أبي ليلى وابن شبرمة أن الكحل يفطر الصائم، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اكتحل في رمضان وهو صائم ولأن العين ليست منفذاً فلم يفطر بالداخل منها كما لو دهن رأسه ولنا أنه أوصل إلى حلقه ما هو ممنوع من تناوله بفيه فأفطر به كما لو أوصله من أنفه وما رووه لم يصح، قال الترمذي لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في باب الكحل للصائم شئ ثم نحمله أنه اكتحل بما لا يصل، وقولهم ليست العين منفذاً لا يصح فإنه يوجد طعمه في الحلق ويكتحل بالأثمد فيتنخعه.
قال أحمد: حدثني انسان أنه اكتحل بالليل فتنخعه بالنهار ثم لا يعتبر في الواصل أن يكون من منفذ بدليل ما لو جرح نفسه جائفة فانه يفطر (مسألة) ﴿أو استقاء أو استمنى﴾ معنى استقاء استدعى القئ ويفطر به في قول عامة أهل العلم، قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على
إبطال صوم من استقاء عامداً، وحكي عن ابن مسعود وابن عباس أن القئ لا يفطر، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ثلاث لا يفطرن الصائم الحجامة والقئ والاحتلام " ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من استقاء عمداً فليقض " قال الترمذي هذا حديث حسن، ورواه أبو داود وحديثهم غير محفوظ يرويه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم وهو ضعيف قال الترمذي (فصل) وقليل القئ وكثيره سواء في ظاهر المذهب وفيه رواية ثانية لا يفطر إلا بملء الفم لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ولكن دسعة تملأ الفم ولأن اليسير لا ينقض الوضوء فلا يفطر كالبلغم، وفيه رواية ثالثة: أنه نصف الفم لأنه ينقض الوضوء فأفطر به كالكثير، والأولى أولى لظاهر الحديث الذي رويناه، ولأن سائر المفطرات لا فرق بين قليلها وكثيرها كذلك، هذا وحديث الرواية الثانية لا نعرف له أصلا ولا فرق بين كون القئ طعاماً، أو مراراً، أو بلغماً، أو دماً، أو غيره لأن لجميع داخل في الحديث (فصل) ولو استمنى بيده فقد فعل محرما ولا يفسد صومه بمجرده، فإن أنزل فسد صومه لأنه في معنى القبلة في إثارة الشهوة، وكذلك إن مذى به في قياس المذهب قياساً على القبلة، فأما إن أنزل لغير شهوة كالذي يخرج منه المني أو المذي لمرض فلا شئ عليه لأنه خارج لغير شهوة أشبه البول، ولانه يخرج من غير اختيار منه ولا بسبب أشبه الاحتلام، ولو جامع بالليل فأنزل بعدما أصبح لم يفطر لأنه لم يتسبب إليه في النهار فأشبه مالو أكل شيئاً في الليل فذرعه القئ في النهار (مسألة) (قال أو قبل أو لمس فأمنى أو مذي) إذا قبل أو لمس لم يخل من ثلاثة أحوال (أحدها) أن لا ينزل ولا يمذي فلا يفسد صومه بذلك بغير خلاف علمناه لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وكان أملككم لإربه، رواه البخاري وروي بتحريك الراء وسكونها، قال الخطابي معنى ذلك حاجة النفس ووطرها وقيل بالتسكين العضو وبالتحريك الحاجة، وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يارسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً قبلت وأنا صائم، قال " أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، شبه القبلة بالمضمضة من حيث أنها من مقدمات الشهوة فإن المضمضة إذا لم يكن معها نزول الماء لم تفطر وإن كان معها نزوله أفطر إلا أن أحمد ضعف هذا الحديث وقال: هذا ريح ليس من هذا شئ (الحال الثاني) أن يمني فيفطر بغير خلاف نعلمه لما ذكرناه من إيماء الخبرين ولانه انزل بمباشرة أشبه الإنزال بجماع دون الفرج (الحال الثالث) أن يمذي فيفطر وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة والشافعي لا يفطر وروي ذلك عن الحسن والشعبي والاوزاعي لأنه خارج لا يوجب الغسل أشبه البول
ولنا أنه خارج تخلله الشهوة خرج بالمباشرة أشبه المني وبهذا فارق البول (مسألة) (أو كرر النظر فأنزل) لتكرار النظر ثلاثة أحوال أيضاً (أحدها) أن لا يقترن به إنزال فلا يفسد الصوم بغير اختلاف (الثاني) أن ينزل المني به فيفسد الصوم، وبه قال عطاء والحسن ومالك وقال جابر بن زيد والثوري وأبو حنيفة والشافعي وابن المنذر لا يفسد لأنه عن غير مباشرة أشبه الإنزال بالفكر ولنا أنه إنزال بفعل يتلذذ به يمكن التحرز منه أشبه الإنزال باللمس.
والفكر لا يمكن التحرز منه (1) بخلاف تكرار النظر (الثالث) مذى بذلك فظاهر كلام أحمد أنه لا يفطر به لأنه لا نص في الفطر به ولا يصح قياسه على إنزال المني لمخالفته إباه في الأحكام فيبقى على الأصل وفيه قول آخر إنه يفطر لأنه خارج بسبب الشهوة أشبه المني ولأن السبب الضعيف إذا تكرر تنزل بمنزلة السبب القوي فإن من أعاد الضرب بعصا صغيره فقتل وجب عليه القصاص كالضرب بالعصا الكبيرة والأول ظاهر المذهب (فصل) فأما إن صرف نظره لم يفسد صومه أنزل أو لم ينزل، وقال مالك يفسد صومه إن أنزل كما لو كرره ولنا أن النظرة الأولى لا يمكن التحرز منها فلا يفسد الصوم ما أفضت إليه كالفكرة وعليه يخرج التكرار (مسألة) (قال أو حجم أو احتجم) الحجامة يفطر بعها الحاجم والمحجوم وبه قال إسحاق وابن المنذر ومحمد بن اسحق وابن خريمة وعطاء وعبد الرحمن بن مهدي وكان مسروق والحسن وابن سيرين لا يرون للصائم أن يحتجم وكان جماعة من الصحابة يحتجمون ليلاً في الصوم منهم ابن عمر وابن عباس وأبو موسى وأنس بن مالك ورخص فيها أبو سعيد الخدري وابن مسعود وأم سلمة والحسين بن علي وعروة وسعيد بن جبير وقال مالك والثوري وأبو حنيفة والشافعي يجوز للصائم أن يحتجم ولا يفطر لما روى البخاري عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم ولأنه دم خارج من البدن أشبه الفصد ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد عشر نفساً قال أحمد
حديث شداد بن أوس من أصح حديث يروى في هذا الباب واسناد حديث رافع إسناد جيد وقال حديث ثوبان وشداد صحيحان وقال علي بن المديني أصح شئ في هذا الباب حديث شداد وثوبان.
وحديثهم منسوخ بحديثنا بدليل ما روى ابن عباس أنه قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقاحة بقرن وناب وهو محرم صائم فوجد لذلك ضعفاً شديدا فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتجم الصائم رواه أبو إسحاق الجوزجاني في المترجم وعن الحكم قال احتجم رسول الله صلى الله عليه وسلم فضعف ثم كرهت الحجامة
للصائم وكان ابن عباس وهو راوي حديثهم يعد الحجام والمحاجم فإذا غابت الشمس احتجم كذلك رواه الجوزجاني وهذا يدل على انه علم نسخ الحديث الذي رواه (1) ويحتمل أنه احتجم فافطر كما روي عنه عليه السلام أنه قاء فافطر فإن قيل فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحاجم والمحتجم يغتابان فقال ذلك قلنا لم تثبت صحة هذه الرواية مع أن اللفظ أعم من السبب فيجب الأخذ بعموم اللفظ دون خصوص السبب على أننا قد ذكرنا الحديث الذي فيه بيان علة النهي عن الحجامة وهي الخوف من الضعف فيبطل التعليل بما سواه أو تكون كل واحدة منهما علة مستقلة على أن الغيبة لا تفطر الصائم إجماعاً فلا يصح حمل الحديث عليها قال أحمد لأن يكون الحديث على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " أحب إلينا من أن يكون من الغيبة لأن من أراد أن يمتنع من الحجامة امتنع وهذا أشد على الناس من يسلم من الغيبة؟ فإن قيل إذا كانت علة النهي ضعف الصائم بها فلا يقتضي ذلك الفطر إنما يقتضي الكراهة ومعنى قوله " افطر الحاجم والمحجوم " أي قربا من الفطر قلنا هذا تأويل يحتاج إلى دليل مع أنه لا يصح في حق الحاجم لأنه لا يضعفه (فصل) وإنما يفطر بما ذكرنا إذا فعله عامداً ذاكراً لصومه وإن فعل شيئاً من ذلك ناسياً لم يفسد صومه روي عن علي رضي الله عنه لا شئ على من أكل ناسياً وهو قول أبي هريرة وابن عمر وعطاء وطاوس وابن أبي ذئب والاوزاعي والثوري وأبي حنيفة واسحاق وقال ربيعة ومالك يفطر لان مالا يصح الصوم مع شئ من جنسه عمداً لا يجوز مع سهوه كالجماع وترك النية ولنا ما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أكل أحدكم أو شرب ناسياً فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه " متفق عليه وفي لفظ " من أكل أو شرب ناسياً فإنما هو رزق رزقه الله " ولأنها عبادة ذات تحليل وتحريم فكان في محظوراتها ما يختلف عمده وسهوه كالصلاة والحج فأما النية فليس تركها فعلاً ولأنها شرط والشروط لا تسقط بالسهو بخلاف المبطلات والجماع حكمه أغلظ ويمكن التحرز عنه (مسألة) (فإن فكر فأنزل لم يفسد صومه) وحكي عن أبي حفص البرمكي أنه يفسد واختاره ابن عقيل لأن الفكرة تستحضر فتدخل تحت الاختيار لأن الله تعالى مدح الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التفكر في ذات الله ولو كانت غير مقدور عليها لم يتعلق بها ذلك كالاحتلام فأما أن خطر بقلبه صورة ذلك الفعل فأنزل لم يفسد صومه كالاحتلام ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به " ولأنه لا نص في الفطر به ولا إجماع، ولا يمكن قياسه على تكرار النظر لأنه دونه في استدعاء الشهوة وافضائه
الى الإنزال ويخالفه في التحريم إذا تعلق، إذا ثبت ذلك في الأكل والشرب ثبت في سائر ما ذكرنا قياساً عليه، ولنا في الجماع منع (فصل) وإن فعل شيئاً من ذلك وهو نائم لم يفسد صومه لأنه لا قصد له ولا علم بالصوم فهو أعذر من الناسي فإن فعله جاهلاً بتحريمه فذكر أبو الخطاب أنه لا يفطره كالناسي (قال شيخنا) ولم أره عن غيره، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " أفطر الحاجم والمحجوم " في حق الرجلين اللذين رآهما يحجم أحدهما صاحبه من جهلهما بتحريمه يدل على أن الجهل لا يعذر به، ولأنه نوع جهل فلم يمنع الفطر كالجهل بالوقت في حق من أكل يظن أن الفجر لم يطلع وتبين بخلافه (فصل) فإن فعله مكرهاً بالوعيد فقال ابن عقيل قال أصحابنا لا يفطر به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال ويحتمل عندي أن يفطر لأنه فعل المفطر لدفع الضرر عن نفسه أشبه المريض ومن شرب لدفع العطش، فأما الملجأ فلا يفطر لأنه خرج بذلك عن حيز الفعل ولذلك لا يضاف إليه، ولذلك افترقا فيما اذا أكره على قتل آدمي فقتله أو القى عليه (مسألة) (وإن طار إلى حلقه ذباب، أو غبار، أو قطر في إحليله، أو فكر فأنزل، أو احتلم، أو ذرعه القئ، أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه، أو اغتسل، أو تمضمض، أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه، وإن زاد على الثلاث أو بالغ فيهما فعلى وجهين) إذا دخل حلقه غبار من غير قصد كغبار الطريق ونخل الدقيق، أو الذبابة تدخل حلقه أو يرش عليه الماء فيدخل مسامعه أو حلقه، أو يلقى في ماء فيصل إلى جوفه، او يدخل حلقه بغير اختياره، أو يداوي جائفته أو مأمومته بغير اختياره، أو يحجم كرهاً، أو تقبله امرأة بغير اختياره فينزل وما أشبه ذلك لا يفسد صومه، لا نعلم فيه خلافاً لأنه لا يمكن التحرز منه أشبه مالو دخل حلقه شئ وهو نائم، وكذلك الاحتلام لأنه من غير اختيار منه فأشبه ما ذكرنا، وفي معنى ذلك إذا ذرعه القئ لأنه بغير اختياره كالاحتلام بأجنبية أو الكراهة إن كان في زوجة فبقي على الأصل (فصل) فإن قطر في إحليله دهناً لم يفطر به سواء وصل إلى المثانة أم لا، وبه قال أبو حنيفة وقال الشافعي يفطر لأنه أوصل الدهن إلى جوف في جسده فأفطر كما لو داوى الجائفة، ولأن المني يخرج من الذكر فيفطره وما أفطر بالخارج منه جاز أن يفطر بالداخل منه كالفم ولنا أنه ليس بين باطن الذكر والجوف منفذ، وإنما يخرج البول رشحاً فالذي يتركه فيه لا يصل إلى الجوف فلا يفطره كالذي يتركه في فيه ولا يبلعه (مسألة) (قال أو أصبح وفي فيه طعام فلفظه) إذا أصبح في فيه الطعام لم يخل من حالين (أحدهما) أن يكون يسيراً لا يمكنه لفظه فيزدرده
فإنه لا يفطر به لأنه لا يمكن التحرز منه أشبه الريق، قال إبن المنذر أجمع على ذلك أهل العلم (الثاني) أن يكون كثيراً يمكنه لفظه فإن لفظه فلا شئ عليه وكذلك إن دخل حلقه بغير اختياره لمشقة الاحتراز منه وإن ابتلعه عامداً فسد صومه وهو قول الأكثرين وقال أبو حنيفة لا يفسد لأنه لابد أن يبقى بين أسنانه شئ مما يأكله فلم يفطر بابتلاعه كالريق ولنا أنه بلع طعاماً يمكنه لفظه باختياره ذاكراً لصومه فأفطر به كما لو ابتلع ابتداء من خارج ويخالف ما يجري به الريق فانه لا يمكنه لفظه فإن قيل يمكنه أن يبصق قلنا لا يخرج جميع الريق ببصاقه وإن منع من ابتلاع ريقه كله لم يمكنه
(مسألة) قال (أو اغتسل أو تمضمض أو استنشق فدخل الماء حلقه لم يفسد صومه) المضمضة والاستنشاق لا يفطر بغير خلاف سواء كان في طهارة أو غيرها وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن عمر سأله عن القبلة للصائم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم " قلت لا بأس قال " فمه " ولأن الفم في حكم الظاهر فلا يبطل الصوم بالواصل إليه كالأنف والعين فإن تمضمض أو استنشق في الطهارة فسبق الماء إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف فلا شئ عليه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق والشافعي في أحد قوليه وروي ذلك عن ابن عباس وقال مالك وأبو حنيفة يفطر لأنه أوصل الماء إلى حلقه ذاكراً لصومه فأفطر كما لو تعمد شربه ولنا أنه وصل إلى حلقه من غير قصد ولا إسراف أشبه مالو طارت ذبابه إلى حلقه وبهذا فارق المتعمد (فصل) فأما إن زاد على الثلاث وبالغ في الاستنشاق والمضمضة فقد فعل مكروهاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً " فإن دخل الماء حلقه فقال أحمد يعجبني أن يعيد الصوم وفيه وجهان أحدهما يفطر لأنه فعل مكروهاً تعرض به إلى إيصال الماء إلى حلقه أشبه من أنزل بالمباشرة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المبالغة حفظاً للصوم فدل على أنه يفطر به ولأنه وصل بفعل منهي عنه أشبه العمد والثاني لا يفطره لأنه وصل من غير قصد أشبه غبار الدقيق إذا دخل حلقه وقت نخله فأما المضمضة لغير طهارة فإن كانت لحاجة كغسل فمه عند الحاجة إليه ونحوه فحكمه حكم المضمضة للطهارة
وإن كان عبثاً أو تمضمض من أجل العطش كره وسئل أحمد عن الصائم يعطش فيمضمض ثم يمجه قال يرش على صدره أحب إلي فإن فعل فوصل الماء إلى حلقه أو ترك الماء في فيه عابثاً أو للتبرد فالحكم فيه كالحكم في الزائد على الثلاث لأنه مكروه (فصل) ولا بأس أن يصب الماء على رأسه من الحر والعطش لما روي عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال " لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعرج يصب على رأسه الماء وهو صائم من العطش أو من الحر " رواه أبو داود (فصل) ولا بأس أن يغتسل الصائم فان عائشة وأم سلمة قالتا: نشهد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان ليصبح جنباً من غير احتلام ثم يغتسل ثم يصوم متفق عليه وروى أبو بكر باسناده أن ابن عباس دخل الحمام وهو صائم هو وأصحاب له في شهر رمضان فأما الغوص في الماء فقال أحمد في الصائم يغتمس في الماء إذا لم يخف أن يدخل في مسامعه وكره الحسن والشعبي أن ينغمس في الماء خوفاً أن يدخل في مسامعه فإن دخل إلى مسامعه في الغسل المشروع من غير قصد ولا إسراف لم يفطر كالمضمضة في الوضوء وإن غاص في الماء أو أسرف أو كان عابثاً فحكمه حكم الداخل إلى الحلق من المبالغة والزيادة على الثلاث على ما ذكرنا من الخلاف
(مسألة) (وإن أكل شاكاً في طلوع الفجر فلا قضاء عليه) إذا أكل وهو يشك في طلوع الفجر ولم يتبين له الحال فلا قضاء عليه وله الأكل حتى يتيقن طلوع الفجر نص عليه أحمد وهو قول ابن عباس وعطاء والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وروي معنى ذلك عن أبي بكر الصديق رضي الله عنهم وقال مالك يجب القضاء كما لو أكل شاكاً في غروب الشمس ولنا قول الله تعالى (وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر)
مد الأكل إلى غاية التبين وقد يكون شاكاً قبل التبين فلو لزمه القضاء لحرم عليه الأكل، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم " وكان رجلاً أعمى لا يؤذن حتى يقال له أصبحت أصبحت ولأن الأصل بقاء الليل فيكون زمن الشك منه ما لم يعلم يقين زواله بخلاف غروب الشمس فإن الأصل بقاء النهار فبني عليه (مسألة) (وإن أكل شاكاً في غروب الشمس فعليه القضاء)
إذا لم يتبين لأن الأصل بقاء النهار فإن كان حين الأكل ظاناً أن الشمس قد غربت ثم شك بعد الأكل ولم يتبين فلا قضاء عليه لأنه لم يوجد يقين أزال ذلك الظن الذي بنى عليه فأشبه مالو صلى بالاجتهاد ثم شك في الإصابة بعد صلاته (مسألة) (ومن أكل معتقداً أنه ليل فبان نهاراً فعليه القضاء) وذلك أن يظن أن الشمس قد غابت ولم تغب أو أن الفجر لم يطلع وقد طلع فيجب عليه القضاء
هذا قول أكثر أهل العلم وحكي عن عروة ومجاهد والحسن واسحاق لا قضاء عليهم لما روي زيد بن وهب قال كنت جالساً في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان في زمن عمر بن الخطاب فأتينا بعساس فيها شراب من بيت حفصة فشربنا ونحن نرى أنه من الليل ثم انكشف السحاب فإذا الشمس طالعة قال فجعل الناس يقولون نقضي يوماً مكانه فقال عمر والله لا نقضيه ما تجانفنا لإثم ولأنه لم يقصد الأكل في الصوم فلم يلزمه القضاء كالناسي
ولنا أنه أكل مختاراً ذاكراً للصوم فأفطر كما لو أكل يوم الشك ولأنه جهل وقت الصيام فلم يعذر به كالجهل بأول رمضان ولأنه يمكن التحرز منه فأشبه أكل العامد وفارق الناسي فإنه لا يمكن التحرز منه.
وأما الخبر فرواه الأثرم أن عمر قال من أكل فليقض يوماً مكانه رواه مالك في الموطأ أن عمر قال الخطب يسير يعني خفة القضاء وروى هشام بن عروة عن فاطمة امرأته عن أسماء قالت أفطرنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم غيم ثم طلعت الشمس قيل لهشام أمروا بالقضاء قال لا بد من قضاء رواه البخاري
(فصل) ويجوز للجنب في الليل أن يؤخر الغسل حتى يصبح ويتم صومه وهو قول علي وابن مسعود وزيد وأبي الدرداء وأبي ذر وابن عمر وابن عباس وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم وهو قول مالك والشافعي في أهل الحجاز والثوري وأبي حنيفة في أهل العراق والاوزاعي في أهل الشام والليث في أهل مصر واسحاق وأبي عبيد وأهل الظاهر وكان أبو هريرة يقول لاصوم له ويروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع عنه قال سعيد بن المسيب رجع أبو هريرة عن فتياه وحكي عن الحسن
وسالم بن عبد الله يتم صومه ويقضي وعن النخعي يقضي في الفرض دون التطوع وعن عروة وطاوس أن علم بجنابته في رمضان فلم يغتسل حتى أصبح فهو مفطر وإن لم يعلم فهو صائم وحجتهم حديث أبي هريرة ولنا ماروى أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قال ذهبت أنا وأبي حتى دخلنا على عائشة فقالت أشهد علي رسول الله صلى الله عليه وسلم أن كان ليصبح جنباً من جماع من غير احتلام ثم يصومه ثم دخلنا على أم سلمة فقال مثل ذلك ثم أتينا أبا هريرة فأخبرناه بذلك فقال هما أعلم بذلك إنما
حدثنيه الفضل بن العباس متفق عليه قال الخطابي أحسن ما سمعت في خبر أبي هريرة أنه منسوخ لأن الجماع كان محرماً على الصائم بعد النوم فلما أباح الله سبحانه الجماع إلى طلوع الفجر جاز للجنب إذا أصبح قبل أن يغتسل أن يصوم وروت عائشة أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم إني أصبح جنباً وأنا أريد الصيام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وأنا أصبح جنباً وأنا أريد الصيام " فقال له الرجل يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " إني لأرجو اأن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي " رواه مسلم ومالك في الموطأ (فصل) وحكم المرأة إذا انقطع حيضها من الليل وأخرت الغسل حتى أصبحت حكم الجنب يصح صومها إذا نوت من الليل بعد انقطاعه وقال الاوزاعي والحسن بن حي وعبد الملك بن الماجشون تقضي فرطت في الاغتسال أو لم تفرط لأن حدث الحيض يمنع الصوم بخلاف الجنابة
ولنا أنه حدث يوجب الغسل فتأخير الغسل منه إلى أن يصبح لا يمنع صحة الصوم كالجنابة وما ذكروه لا يصح فان من طهرت من الحيض غير الحائض وانما عليها حدث موجب للغسل فهي كالجنب فإن الجماع الموجب للغسل لو وجد في الصوم أفسده كالحيض وبقاء وجوب الغسل منه كبقاء وجوب الغسل من الحيض والله أعلم (فصل) وإذا جامع في نهار رمضان في الفرج قبلا كان أو دبراً فعليه القضاء والكفارة عامداً كان أو ساهياً وعنه لا كفارة عليه مع الإكراه والنسيان هذا المسألة تشتمل على خمسة أمور (أحدها) أن من جامع في نهار رمضان في الفرج فأنزل أو لم ينزل أو دون الفرج فأنزل عامداً فسد صومه بغير خلاف علمناه وقد دلت الأخبار الصحيحة على ذلك (الثاني) أنه يجب عليه القضا في قول أكثر أهل العلم وقال الشافعي في أحد قوليه لا يجب القضاء على من لزمته الكفارة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر الأعرابي بالقضاء وحكي عن الشافعي أنه قال إن كفر بالصيام فلا قضاء عليه لأنه صام شهرين متتابعين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمجامع " وصم يوماً مكانه " رواه أبو داود بإسناده وابن ماجة والاثرم ولأنه
أفسد يوما من رمضان فلزمه قضاؤه كما لو أفسده بالأكل ولأنه صوم واجب أفسده بالجماع فوجب عليه القضاء كغير رمضان (فصل) فإن جامع في غير صوم عامداً أفسده ويجب عليه القضاء إن كان واجباً بغير خلاف علمناه وإن كان نفلاً ففيه اختلاف نذكره إن شاء الله تعالى (الثالث) أن من جامع في الفرج في رمضان عامداً تجب عليه الكفارة أنزل أو لم ينزل في قول عامة أهل العلم وعن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير انه لا كفارة عليه لأنها عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها فلم تجب في إفساد أدائها كالصلاة ولنا ما روى عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة قال بينا نحن جلوس عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجل فقال يا رسول الله هلكت قال " مالك؟ " قال وقعت على امرأتي وأنا صائم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا قال " فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال لا قال فمكث النبي صلى الله عليه وسلم فبينا نحن على ذلك أتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر والعرق المكتل فقال " أين السائل؟ " فقال أنا فقال " خذ هذا فتصدق به " فقال الرجل على أفقر مني يارسول الله فوالله ما بين لابيتها أهل بيت أفقر من بيتي فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال " أطعمه أهلك " متفق عليه ولا يجوز اعتبار الأداء في ذلك بالقضاء لأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به والقضاء محله الذمة والصلاة لا يدخل في جبرانها المال بخلاف مسئلتنا
(الرابع) أن من جامع ناسياً فحكمه حكم العامد في ظاهر المذهب نص عليه أحمد وهو قول عطاء وابن الماجشون وروى أبو داود عن أحمد أنه توقف عن الجواب وقال أجبن أن أقول فيه شيئا وفيه رواية ثانية أنه يجب عليه القضاء دون الكفارة وهذا قول مالك والاوزاعي والليث لأن الكفارة لرفع الأثم وهو محطوط عن الناسي وفيه رواية ثالثة نقلها عنه ابن القاسم أنه قال كل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا غيره وهذا يدل على إسقاط القضاء والكفارة عن المكره والناسي وهو قول الحسن ومجاهد والثوري والشافعي وأصحاب الرأي لأنه معنى حرمه الصوم فإذا وجد منه مكرهاً أو ناسياً لم يفسده كالأكل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الذي قال وقعت على امرأتي بالكفارة ولم يستفصله ولو افترق الحال لسأل واستفصل لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولأنه يجب التعليل بما تناوله لفظ السائل وهو الوقوع على المرأة في الصوم ولأن السؤال كالمعاد في الجواب فكأن النبي صلى الله عليه وسلم قال من وقع على أهله في نهار رمضان فليعتق رقبه.
فإن قيل ففي الحديث ما يدل على العمد وهو قوله هلكت
وروى احترقت قلنا يجوز أن يخبر عن هلكته لما يعتقده في الجماع مع النسيان وخوفه من غير ذلك ولأن الصوم عبادة تحرم الوطئ فاستوى فيها عمده وسهوه كالحج ولأن إفساد الصوم ووجود الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع لا تسقطهما الشبهة فاستوى فيهما العمد والسهو كسائر أحكامه (الخامس) أنه لا فرق بين كون الفرج قبلا أو دبراً من ذكر أو أنثى وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة في أشهر الروايتين لا كفارة بالوطئ في الدبر لأنه لا يحصل به الإحلال ولا الإحصان فلا يوجب الكفارة كالوطئ دون دون الفرج ولنا أنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج فأوجب الكفارة كالوطئ في القبل وأما الوطئ دون الفرج قلنا فيه منع وإن سلمنا فلان الجماع دون الفرج لا يفسد الصوم بمجرده بخلاف الوطئ في الدبر (مسألة) (ولا يلزم المرأة كفارة مع العذر وهل يلزمها مع عدمه على روايتين) حكم الوطئ في رمضان في حق المرأة كحكمه في حق الرجل في إفساد الصوم ووجوب القضاء بغير خلاف نعلمه في المذهب لأنه نوع من المفطرات فاستوى فيه الرجل والمرأة كالأكل ولا يجب على المرأة كفارة مع العذر لما نذكره وهل يجب عليها الكفارة مع عدم العذر فيه روايتان إحداهما تجب عليها اختاره أبو بكر وهو قول مالك وأبي حنيفة وأبي ثور وابن المنذر لأنها
هتك صوم رمضان بالجماع فوجبت عليها الكفارة كالرجل (والثانية) لا كفارة عليها قال أبو داود سئل أحمد عمن أتى أهله في رمضان أعليها كفارة قال ما سمعنا أن على المرأة كفارة وهذا قول الحسن وللشافعي قولان كالروايتين ووجه ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الواطئ في رمضان أن يعتق رقبة ولم يأمر في المرأة بشئ مع علمه بوجود ذلك منها ولأنه حق مال يتعلق بالوطئ من بين جنسه فكان على الرجل المهر (مسألة) (قال وكل أمر غلب عليه الصائم فليس عليه قضاء ولا كفارة) هذه الرواية نقلها عنه ابن القاسم وهي تدل على إسقاط القضاء والكفارة مع الإكراه والنسيان وكذلك قال أبو الخطاب وقد ذكرنا حكم الناسي فأما حكم الإكراه فإن أكرهت المرأة على الجماع فلا كفارة عليها رواية واحدة وعليها القضاء في ظاهر المذهب قال مهنا سألت أحمد عن امرأة غصبها رجل نفسها فجامعها أعليها القضاء؟ قال نعم قلت وعليها الكفارة؟ قال لا وهذا قول الحسن والثوري وأصحاب الرأي وعلى قياس ذلك النائمة وقال مالك في النائمة عليها القضاء بلا كفارة والمكرهة عليها القضاء والكفارة وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر إن كان الإكراه بوعيد حتى فعلت كقولنا وإن كان إلجاء أو كانت نائمة لم تفطر وهذا مقتضى قول أحمد في هذه الرواية التي رواها ابن القاسم لأنها لم يوجد منها فعل فلم تفطر كما لو صب في حلقها ماء بغير اختيارها ووجه الأول أنه جماع في الفرج
فأفسد كما لو أكرهت بالوعيد ولأنه عبادة يفسدها الوطئ ففسدت به على كل حال كالصلاة والحج (فصل) فإن جامعت المرأة ناسية فقال أبو الخطاب حكم النسيان حكم الإكراه يوجب القضاء دون الكفارة قياساً على الرجل في أن الجماع يفطره مع النسيان، ويحتمل أن لا يلزمها القضاء لأنه مفسد لا يوجب الكفارة أشبه الأكل (فصل) فإن أكره الرجل فجامع فسد صومه على الصحيح لأنه إذا أفسد صوم المرأة فالرجل أولى، فأما الكفارة فقال القاضي تجب عليه لأن الاكراه على الوطئ لا يمكن لأنه لا يطأ حتى ينتشر ولا ينتشر إلا عن شهوة فهو كغير المكره، وقال أبو الخطاب فيه روايتان (إحداهما) لا كفارة عليه وهو مذهب الشافعي لأن الكفارة إما عقوبة أو ماحية للذنب، والمكره غير آثم ولا مذنب، ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (والرواية الثانية) عليه الكفارة لما ذكرنا، فأما إن كان نائماً فانتشر فاستدخلته امرأته أو غلبته على نفسه في حال يقظته، فقال ابن عقيل لا قضاء عليه ولا كفارة وهو ظاهر قول أحمد في رواية ابن القاسم ومذهب الشافعي لأنه معنى حرمه الصوم حصل بغير اختياره فلم يفطر به كما لو طار إلى حلقه ذبابة، وظاهر كلام أحمد أن عليه القضاء وقد ذكرناه لأن الصوم عبادة يفسدها الجماع فاستوى فيه حالة الاختيار والإكراه كالحج، ولا يصح قياس الجماع على غيره في عدم الإفساد لتأكده بإيجاب الكفارة وإفساد الحج من بين سائر محظوراته والله أعلم (فصل) فإن تساحقت امرأتان فسد صومهما إن انزلتا، فإن أنزلت إحداهما فسد صومها وحدها دون الأخرى، وهل يكون حكمهما حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل أو لا يلزمهما كفارة بحال فيه وجهان مبنيان على أن الجماع من المرأة هل يوجب الكفارة على روايتين، والصحيح أنه لا كفارة
عليهما لأن ذلك ليس بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص عليه فيبقى على الأصل، فإن أنزل المجبوب بالمساحقة فحكمه حكم المجامع دون الفرج إذا أنزل والله أعلم (مسألة) ﴿وإن جامع فيما دون الفرج فأنزل أو وطئ بهيمة في الفرج أفطر وفي الكفارة وجهان﴾ إذا جامع فيما دون الفرج عامداً فأنزل فسد صومه بغير خلاف علمناه وهل تجب عليه الكفارة فيه عن احمد روايتان (إحداهما) تجب وبه قال مالك وعطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق اختارها الخرقي والقاضي لأنه أفطر بجماع فوجبت به الكفارة كالوطئ في الفرج (والثانية) لا كفارة عليه وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه فطر بغير جماع تام أشبه القبلة ولأنه لا نص فيه ولا إجماع ولا هو في معنى المنصوص لأن الجماع في الفرج أبلغ بدليل تعلق الكفارة به من غير إنزال، ويجب به الحد ويتعلق به أثنى عشر حكما فلا يصح القياس عليه ولأن العلة في الأصل الجماع بدون الانزال والجماع هنا بدون إنزال غير موجب بالإجماع فلا يصح الاعتبار به وهذه أصح إن شاء الله تعالى (فصل) فإن قبل أو لمس فأنزل فسد صومه، وفي الكفارة روايتان أصحهما أنها لا تجب نقلها عنه الأثرم وأبو طالب واختارها الخرقي وهو قول الشافعي وأبي حنيفة لانه أنزال بغير وطئ أشبه الإنزال بتكرار النظر، ولا يصح قياسه على الوطئ دون الفرج لأن الاستمتاع بالوطئ فيما دون الفرج أقوى وأبلغ من القبلة لكونه وطأ في الجملة (والثانية) عليه الكفارة نقلها حنبل لأنه إنزال عن مباشرة أشبه الانزال بالوطئ دون الفرج، ولا فرق بين كون الموطوءة زوجة أو أجنبية صغيرة او كبيرة لأنه إذا وجب بوطئ الزوجة فبوطئ الأجنبية أولى (فصل) فأما الوطئ في فرج البهيمة فذكر القاضي أنه موجب للكفارة، وذكر أبو بكر ذلك عن أحمد نقلها عنه ابن منصور لأنه وطئ في فرج موجب للغسل مفسد للصوم أشبه وطئ الآدمية وفيه وجه آخر أنه لا يوجب الكفارة ذكره أبو الخطاب لأنه لا نص فيه ولا هو في معنى المنصوص فإنه مخالف لوطئ الآدمية في إيجاب الحد على إحدى الروايتين وفي كثير من أحكامه (مسألة) (وإن جامع في يوم رأى الهلال في ليلته وردت شهادته فعليه القضاء والكفارة وهو قول الشافعي، وقال أبو حنيفة لا تجب لأنها عقوبة فلم تجب بفعل مختلف فيه كالحد) ولنا أنه أفطر يوما من رمضان بجماع فوجبت عليه الكفارة كما لو قبلت شهادته، ولا نسلم أن الكفارة عقوبة ثم قياسهم ينتقض بوجوب الكفارة بالجماع في السفر القصير مع وقوع الخلاف فيه (مسألة) (وإن جامع في يومين ولم يكفر فهل يلزمه كفارة أو كفارتان على وجهين) إذا جامع مرتين ولم يكفر عن الأول فان كان في يوم واحد أجزأته كفارة واحدة بغير خلاف وإن كان في يومين ففيه وجهان (أحدهما) تجرئه كفارة واحدة وهو ظاهر كلام الخرقي واختيار أبي بكر، وإليه ذهب الزهري والاوزاعي وأصحاب الراي لأنها جزاء عن جناية تكرر سببها قبل استيفائها فيجب أن تتداخل كالحد (والثاني) يلزمه كفارتان اختاره القاضي وهو قول مالك والليث والشافعي وابن المنذر، وروي عن عطاء ومكحول لأن كل يوم عبادة مفردة، فإذا وجبت الكفارة بإفساده لم يتداخل كرمضانين وكالحجتين (مسألة) (وإن جامع ثم كفر ثم جامع في يومه فعليه كفارة ثانية نص عليه، وكذلك كل من لزمه الإمساك إذا جامع) إذا كفر ثم جامع ثانية فان كان في يومين فعليه كفارة ثانية بغير خلاف نعلمه، وإن كان في يوم واحد فكذلك نص عليه أحمد، وهكذا يخرج في كل من لزمه الإمساك وحرم عليه الجماع في نهار رمضان، وإن لم يكن صائماً كمن لم يعلم برؤية الهلال إلا بعد طلوع الفجر أو نسي النية أو أكل عامداً ثم جامع، وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي لا شئ عليه بذلك الجماع لأنه لم يصادف الصوم ولم يمنع صحته فلم يوجب شيئاً كالجماع في الليل ولنا أنها عبادة تجب الكفارة بالجماع فيها فتكررت بتكرر الوطئ إذا كان بعد التكفير كالحج ولأنه وطئ محرم لحرمة رمضان فأوجب الكفارة كالأول وفارق الوطئ في الليل لأنه مباح، فإن قيل الوطئ الأول تضمن هتك الصوم وهو مؤثر في الإيجاب فلا يصح قياس غيره عليه قلنا هو ملغى بمن
طلع عليه الفجر وهو مجامع فاستدام فإنه يلزمه الكفارة مع أنه لم يهتك الصوم (فصل) وإذا بلغ الصبي أو أسلم كافر، أو أفاق مجنون، أو طهرت حائض، أو نفساء، أو قدم المسافر مفطراً في نهار رمضان فقد ذكرنا في وجوب الإمساك عليهم روايتين، فإن قلنا بوجوب الإمساك وجبت الكفارة على المجامع، وإن قلنا لا يجب فلا شئ عليهم لأن الفطر مباح لهم أشبه المجامع بالليل، فأما إن نوى الصوم في مرضه، أو سفره، أو صغره ثم زال عذره في أثناء النهار لم يجز له الفطر رواية واحدة وعليه الكفارة إن وطئ، وقال بعض الشافعية في المسافر خاصة وجهان (أحدهما) له الفطر لأنه أبيح له الفطر ظاهراً وباطناً في أول النهار فكانت له استدامته كما لو قدم مفطراً ولا يصح ذلك لأن سبب الرخصة زال قبل الترخص فلم يكن له ذلك كما لو قدمت به السفينة قبل قصر الصلاة وكالصبي يبلغ والمريض يبرأ وهذا ينقض ما ذكروه وما قاسوا عليه ممنوع، ولو علم الصبي أنه يبلغ في اثناء النهار بالسن، أو علم المسافر أنه يقدم لم يلزمهما الصيام قبل زوال عذرهما لأن سبب الرخصة موجود فثبت حكمها كما لو لم يعلما ذلك (مسألة) (وإن جامع وهو صحيح ثم مرض، أو جن، أو سافر لم تسقط عنه) إذا جامع في أول النهار ثم مرض، أو جن، أو كانت امرأة فحاضت أو نفست في أثناء النهار لم تسقط الكفارة، وبه قال مالك والليث وابن الماجشون واسحاق، وقال أصحاب الرأي لا كفارة عليهم، وللشافعي قولان كالمذهبين واحتجوا بأن صوم هذا اليوم خرج عن كونه مستحقاً فلم يجب بالوطئ فيه كفارة كصوم المسافر أو كما لو تبين أنه من شوال ولنا أنه معنى طرأ بعد وجوب الكفارة فلم يسقطها كالسفر، ولأنه أفسد صوماً واجباً من رمضان بجماع تام فاستقرت الكفارة عليه كما لو لم يطرأ العذر والوطئ في صوم المسافر ممنوع، وإن سلم فالوطئ
ثم مباح لأنه في صوم أبيح الفطر فيه بخلاف مسئلتنا، وكذا إذا تبين أنه من شوال لأنه تبين أن الوطئ لم يصادف رمضان، والموجب إنما هو الوطئ المفسد لصوم رمضان، فأما إن جامع في نهار رمضان ثم سافر في أثناء النهار لم تسقط الكفارة لأنه يفضي إلى أن كل من جامع أمكنه إسقاط الكفارة عنه بالسفر في النهار وهو غير جائز (فصل) إذا طلع الفجر وهو مجامع فاستدام الجماع فعليه القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي، وقال أبو حنيفة: يجب القضاء دون الكفارة لأن وطأه لم يصادف صوماً صحيحاً فلم يوجب الكفارة كما لو ترك النية وجامع ولنا أنه ترك صوم رمضان بجماع أثم به لحرمة الصوم فوجبت به الكفارة كما لو وطئ بعد طلوع الفجر وما قاسوا عليه ممنوع، فأما إن نزع في الحال مع أول طلوع الفجر فقال ابن حامد والقاضي عليه الكفارة لأن النزع جماع يلتذ به أشبه الإيلاج، وقال أبو حفص لا قضاء عليه ولا كفارة وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه ترك الجماع فلا يتعلق به ما يتعلق بالجماع كما لو حلف لا يدخل دارا وهو فيها فخرج منها وقال مالك يبطل صومه ولا كفارة عليه لأنه لا يقدر علي أكثر مما فعله من ترك الجماع أشبه المكره (قال شيخنا) وهذه المسألة تقرب من الاستحالة إذ لا يكاد يعلم أول طلوع الفجر على وجه يتعقبه النزع من غير أن يكون قبله شئ من الجماع فلا حاجة الى فرضها والكلام فيها (فصل) ومن جامع يظن أن الفجر لم يطلع فتبين أنه كان طلع فعليه القضاء والكفارة، وقال
بعض الشافعية لا كفارة عليه، ولو علم في أثناء الوطئ فاستدام ذلك فلا كفارة عليه أيضاً لأنه إذا لم يعلم لم يأثم أشبه الناسي، وإن علم فاستدام فقد حصل الذي أثم به في غير صوم ولنا حديث المجامع حيث أمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة ولم يستفصل، ولأنه أفسد صوم رمضان بجماع تام فوجبت عليه الكفارة كما لو علم، ووطئ الناسي ممنوع ثم إنه لا يحصل به الفطر على الرواية الأخرى (مسألة) (وإن نوى الصوم في سفره ثم جامع فلا كفارة عليه وعنه عليه الكفارة) إذا نوى الصوم في سفره ثم أفطر بالجماع ففي الكفارة روايتان (إحداهما) تجب اختارها القاضي لأنه أفطر بجماع فلزمته الكفارة كالحاضر (والثانية) لا كفارة عليه اختارها شيخنا وهي الصحيحة وهو مذهب الشافعي لأنه صوم لا يجب المضي فيه فلم تجب الكفارة بالجماع فيه كالتطوع وفارق الحاضر الصحيح فانه يجب عليه المضي في الصوم، وإن كان مريضاً يباح له الفطر فهو كالمسافر قياساً عليه، ولأنه يفطر بنية الفطر فيقع الجماع بعد حصول الفطر أشبه مالو أكل ثم جامع، ومتى أفطر المسافر فله فعل جميع ما ينافي الصوم من الأكل والشرب والجماع وغيره لأن حرمتها بالصوم فيزول بزواله كمجئ الليل (مسألة) (ولا تجب الكفارة بغير الجماع في نهار رمضان) إذا جامع من غير صوم رمضان لم تجب عليه الكفارة في قول جمهور العلماء وقال قتادة تجب على من وطئ في قضاء رمضان لأنه عبادة تجب الكفارة في آدائها فوجبت في قضائها كالحج ولنا أنه جامع في غير رمضان فلم يلزمه كفارة كما لو جامع في صيام الكفارة والقضاء يفارق الأداء لأنه متعين بزمان محترم فالجماع فيه هتك له بخلاف القضاء (فصل) ولا تجب الكفارة بإفساد الصوم بغير الجماع وعن أحمد في المحتجم إن كان عالماً بالنهي فعليه الكفارة وقال عطاء في المحتجم عليه الكفارة وقال مالك تجب الكفارة بكل ما كان هتكاً للصوم إلا الردة قياساً على الإفطار بالجماع وحكي عن عطاء والحسن والزهري والثوري والاوزاعي وإسحاق أن الفطر بالأكل والشرب يوجب ما يوجب الجماع وبه قال أبو حنيفة إلا أنه اعتبر ما يتغذى به أو يتداوى به فلو ابتلع حصاة أو نواة أو فستقة بقشرها فلا كفارة عليه واحتج بأنه أفطر بأعلى ما في الباب من جنسه فوجبت عليه الكفارة كالمجامع ولنا أنه أفطر بغير جماع فلم يوجب الكفارة كبلع الحصاة وكالردة عند مالك، ولأنه لا نص في إيجاب الكفارة بهذا ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الجماع لأن الحاجة الى الزجر عنه أمس والحكمة
في التعدي به آكد، ولهذا يجب به الحد إذا كان محرماً، ويختص بإفساد الحج دون سائر محظوراته ويفسد صوم اثنين في الغالب دون غيره (مسألة) (والكفارة عتق رقبة، فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) ظاهر المذهب أن كفارة الوطئ في رمضان مرتبة ككفارة الظهار يلزمه العتق، فإن عجز عنه انتقل إلى الصيام، فإن عجز انتقل إلى الإطعام المذكور وهذا قول أكثر العلماء منهم الثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وعن أحمد رواية أخرى أنها علي التخيير بين هذه الثلاثة فبأيها كفر أجزأه وهي رواية مالك لما روى مالك وابن جريج عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم إن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً وأو حرف تخيير، ولأنها تجب بالمخالفة فكانت على التخيير ككفارة اليمين وعن مالك رواية أخرى أنه قال: الذي نأخذ به في الذي يصيب أهله في شهر رمضان إطعام ستين مسكيناً وصيام ذلك اليوم، وليس التحرير والصيام من كفارة رمضان في شئ، وهذا القول مخالف للحديث الصحيح مع أنه ليس له أصل يعتمد عليه ولا شئ يستند إليه، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، ووجه الرواية الأولى الحديث الصحيح روه معمر ويونس والاوزاعي والليث وموسى بن عقبة
وعبيد الله بن عمر وعراك بن مالك وغيرهم عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للواقع على أهله " هل تجد رقبة تعتقها " قال لا، قال " فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ " قال لا، قال " فهل تجد إطعام ستين مسكيناً؟ " قال لا وذكر سائر الحديث وهذا لفظ الترتيب والأخذ به أولى من رواية مالك لأن أصحاب الزهري اتفقوا على روايته هكذا سوى مالك وابن جريج فيما علمنا، واحتمال الغلط فيهما أكثر من احتماله في سائر أصحابه ولأن الترتيب زيادة والأخذ بالزيادة متعين، ولأن حديثنا لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وحديثهم لفظ الراوي ويحتمل أنه رواه بأو لاعتقاده أن معنى اللفظين سواء ولأنها كفارة فيها صوم شهرين متتابعين فكانت مرتبة كالظهار والقتل (فصل) فعلى هذه الرواية إذا عدم الرقبة انتقل إلى الصوم المذكور ولا نعلم خلافاً في دخول الصوم في هذه الكفارة إلا قولاً شاذاً يخالف السنة الثابتة وقد ذكرناه، ولا خلاف بين من أوجبه أنه شهران متتابعان للخبر، فإن لم يشرع في الصيام حتى وجد الرقبة لزمه العتق لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل المواقع عما يقدر عليه حين أخبره بالتق ولم يسأله عما كان يقدر عليه حالة المواقعة وهي حالة الوجوب ولأنه وجد المبدل قبل التلبس بالبدل فلزمه كما لو وجده حال الوجوب، وإن شرع في الصوم قبل القدرة على الإعتاق ثم قدر عليه لم يلزمه الخروج إليه إلا أن يشاء أن يعتق فيجرئه ويكون قد فعل
الأولى، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: يلزمه العتق لأنه قدر على الأصل قبل أداء فرضه بالبدل فبطل حكم البدل كالمتيمم يرى الماء ولنا أنه شرع في الكفارة الواجبة عليه فأجزأته كما لو استمر العجز وفارق العتق التيمم لوجهين (أحدهما) أن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يستره فإذا وجد الماء ظهر حكمه، بخلاف الصوم فإنه يرفع حكم الجماع بالكلية (الثاني) أن الصيام تطول مدته فيشق إلزامه الجمع بينه وبين العتق بخلاف الوضوء والتيمم (فصل) (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً) قال شيخنا رحمه الله ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في دخول الإطعام في كفارة الوطئ في رمضان في الجملة وهو مذكور في الخبر، ولأنه إطعام في كفارة فيه صوم شهرين متتابعين فكان ستين مسكيناً ككفارة الظهار، وقدر المطعم خمسة عشر صاعا من البر لكل مسكين مد وهو ربع الصاع أو ثلاثين صاعاً من التمر أو الشعير لكل مسكين نصف صاع، قال أبو حنيفة من البر لكل مسكين نصف صاع ومن غيره صاع لكل مسكين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سلمة بن صخر " فأطعم وسقا من تمر " رواه أبو داود، وقال أبو هريرة يطعم مدا من أي الأنواع شاء، وبهذا قال عطاء والاوزاعي
والشافعي لما روى أبو هريرة في حديث المجامع أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بمكتل من تمر قدره خمسة عشر صاعا فقال " خذ هذا فأطعمه عنك " رواه أبو داود ولنا ما روى أحمد: حدثنا اسماعيل ثنا أيوب عن أبي زيد المدني قال جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير فقال النبي صلى الله عليه وسلم " أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر " ولأن فدية الأذى
نصف صاع من التمر والشعير بلا خلاف فكذا هذا والمد من البر يقوم مقام نصف صاع من غيره بدليل هذا الحديث ولأنه قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وزيد ولا مخالف لهم من الصحابة وأما حديث سلمة بن صخر فقد اختلف فيه وحديث أصحاب الشافعي يجوز أن يكون الذي أتى به النبي صلى الله عليه وسلم قاصراً عن الواجب فاجتزئ به لعجز المكفر عن ما سواه (مسألة) (فإن لم يجد سقطت عنه، وعنه لا نسقط وعنه أن الكفارة على التخيير فبأيها كفر أجزأه) ظاهر المذهب أن المجامع في رمضان إذا عجز عن العتق والصيام والإطعام أن الكفارة تسقط عنه وهذا قول الأوزاعي وقال الزهري لابد من التكفير بدليل أن الأعرابي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بإعساره قبل أن يدفع إليه العرق ولم يسقطها عنه ولأنها كفارة واجبة فلم تسقط بالفجر عنها كسائر الكفارات وهذه الرواية الثانية عن أحمد وهو قياس أبي حنيفة والثوري وأبي ثور وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أن الأعرابي لما دفع إليه النبي صلى الله عليه وسلم التمر فأخبره بحاجته قال " أطعمه أهلك " ولم يأمره بكفارة أخرى قولهم إنه أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بعجزه فلم يسقطها، قلنا قد أسقطها عنه بعد ذلك وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما القياس على سائر الكفارات فلا يصح لمخالفته النص والاعتبار بالعجز في حالة الوجوب وهو حالة الوطئ
باب ما يكره وما يستحب وحكم القضاء (مسألة) (ويكره للصائم أن يجمع ريقه فيبلعه وأن يبتلع النخامة وهل يفطر بهما على وجهين) لا يفطر ابتلاع الريق إذا لم يجمعه بغير خلاف نعلمه لأنه لا يمكن التحرز منه أشبه غبار الطريق ويكره للصائم جمع ريقه وابتلاعه لإمكان التحرز منه فإن جمعه ثم ابتلعه قصداً لم يفطره لأنه يصل إلى جوفه من معدته أشبه إذا لم يجمعه وفيه وجه آخر أنه يفطره لأنه أمكنه التحرز منه أشبه ما لو قصد ابتلاع غبار الطريق والأول أصح فإن الريق لا يفطر إذا لم يجمعه وإن قصد ابتلاعه فكذلك إذا جمعه بخلاف غبار الطريق فإن خرج ريقه إلى ثوبه أو بين أصابعه أو بين شفتيه ثم عاد فابتلعه أو بلع ريق غيره أفطر لأنه ابتلعه من غير فمه أشبه غير الريق فإن قيل فقد روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها رواه أبو داود قلنا قد روي عن أبي داود أنه قال هذا إسناد ليس بصحيح ويجوز أن يكون يقبل في الصوم ويمص لسانها في غيره ويجوز أن يمصه ثم لا يبتلعه ولأنه لم يتحقق انفصال ما على لسانها من البلل إلى فمه فأشبه ما لو ترك حصاة مبلولة في فيه أو لو تمضمض بماء ثم مجه ولو ترك في فمه حصاة أو درهماً فأخرجه وعليه بلة من الريق ثم أعاده في فيه نظرت فإن كان ما عليه من الريق
كثيراً فابتلعه أفطر وإن كان يسيراً لم يفطر بابتلاع ريقه وقال بعض أصحابنا يفطر لابتلاعه ذلك البلل الذي كان على الجسم ولنا أنه لا يتحقق انفصال ذلك البلل ودخوله إلى حلقه كالمضمضة والتسوك بالسواك الرطب والمبلول ويقوي ذلك حديث عائشة في مص لسانها ولو أخرج لسانه وعليه بلة ثم عاد فأدخله وابتلع ريقه لم يفطر (فصل) وإن ابتلع النخامة فقد روى حنبل قال سمعت أبا عبد الله يقول إذا تنخم ثم ازدرده فقد أفطر لأن النخامة تنزل من الرأس والريق من الفم ولو تنخع من جوفه ثم ازدرده أفطر وهذا مذهب الشافعي لأنه أمكن التحرز منها أشبه الدم ولأنها من غير الفم اشبه القئ وفيه رواية أخرى لا يفطر فإنه قال في رواية المروذي ليس عليك قضاء إذا ابتلعت النخاعة وأنت صائم لأنه معتاد في الفم أشبه الريق (فصل) فإن سأل فمه دماً أو خرج إليه قلس أو قئ فازدرده أفطر وإن كان يسيراً لأن الفم في حكم الظاهر والأصل حصول الفطر بكل واصل منه لكن عفى عن الريق لعدم إمكان التحرز منه فيبقى فيما عداه على الأصل وإن ألقاه من فيه وبقي فمه نجساً أو تنجس فمه بشئ من خارج فابتلع ريقه فإن كان معه جزء من المنجس أفطر بذلك الجزء وإلا فلا (مسألة) (ويكره ذوق الطعام وإن وجد طعمه في حلقه أفطر)
قال أحمد أحب إلي أن يجتنب ذوق الطعام فإن فعل لم يضره، وقال ابن عقيل يكره من غير حاجة لأنه ربما دخل حلقه فأفطر ولا بأس به مع الحاجة لقول ابن عباس لا بأس ان يذوق الطعام الخل والشئ يريد شراءه والحسن كان يمضغ الجوز لابن ابنه وهو صائم ورخص فيه إبراهيم فإن فعل فوجد طعمه في حلقه أفطر وإلا لم يفطر (فصل) ولا بأس بالسواك للصائم قبل الزوال قال أحمد لا بأس به لما روى عامر بن ربيعة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مالاً أحصي يتسوك وهو صائم حديث حسن ولكنه يكون عوداً ذاوي وهل يكره السواك للصائم بعد الزوال على روايتين ذكرناهما في باب الوضوء ويكره للصائم السواك بالعود الرطب في إحدى الروايتين وهو قول قتادة والشعبي واسحاق ومالك في رواية لأنه مغرر بصومه لكونه ربما يتحلل منه أجزاء تصل إلى حلقه فيفطره وعنه لا يكره، وهو قول الثوري وأبي حنيفة لأنه يروي عن علي وابن عمر وعروة ومجاهد ولما روينا من الحديث والله أعلم (مسألة) (ويكره مضغ العلك الذي لا يتحلل منه أجزاء ولا يجوز مضغ ما يتحلل منه أجزاء إلا أن لا يبلع ريقه وإن وجد طعمه في حلقه أفطر)
المنقول عن أحمد رحمه الله كراهة مضغ العلك قال اسحاق بن منصور قلت لأحمد الصائم يمضغ العلك؟ قال لا وقال أصحابنا العلك ضربان (احدهما) ما يتحلل منه اجزاء وهو الردئ الذي يتحلل بالمضغ فلا يجوز مضغه إلا أن لا يبلع ريقه فإن فعل فنزل إلى حلقه منه شئ أفطر به كما لو تعمد أكله (والثاني) القوي الذي يصلب بالمضغ فهذا يكره مضغه ولا يحرم، وممن كرهه الشبعي والنخعي ومحمد بن علي والشافعي وأصحاب الرأي، وذلك لأنه يحلب الفم ويجمع الريق ويورث العطش، ورخصت عائشة في مضغه، وبه قال عطاء لأنه لا يصل إلى الجوف منه شئ فهو كوضع الحصاة في فيه ومتى مضغه ولم يجد طعمه في حلقه لم يفطر، وإن وجد طعمه في حلقه ففيه وجهان (أحدهما) يفطره كالكحل إذا وجد طعمه في حلقه (والثاني) لا يفطره لأنه لا يترك منه شئ، ومجرد الطعم لا يفطر بدليل أنه قد قيل أن من لطخ باطن قدمه بالحنظل وجد طعمه ولا يفطر بخلاف الكحل فإن أجزاءه تصل إلى الحلق ويشاهد إذا تنخع.
قال أحمد: من وضع في فيه درهماً أو ديناراً وهو صائم فلا بأس به ما لم يجد طعمه في حلقه وما يجد طعمه فلا يعجبني، وقال عبد الله سألت أبي عن الصائم يفتل الخيوط قال يعجبني أن يبزق
(مسألة) (وتكره القبلة إلا أن يكون ممن لا تحرك شهوته في إحدى الروايتين) وجملته أن المقبل لا يخلو من ثلاثة أقسام: (أحدها) أن يكون ذا شهوة مفرطة يغلب على ظنه أنه إذا قبل أنزل أو مذى فهذا تحرم عليه القبلة لأنها مفسدة لصومه (1) أشبهت الأكل (الثاني) أن يكون ذا شهوة لكنه لا يغلب على ظنه ذلك فيكره له التقبيل لأنه يعرض صومه للفطر ولا يأمن عليه الفساد لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام فأعرض عني فقلت له ما بالي؟ فقال " إنك تقبل وأنت صائم " ولأن العبادة إذا منعت الوطئ منعت دواعيه كالإحرام، ولا تحرم القبلة في هذه الحال لما روي أن رجلاً قبل وهو صائم فأرسل امرأته فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرها النبي صلى الله عليه وسلم أنه يقبل وهو صائم، فقال الرجل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس مثلنا قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال " إني لأخشاكم لله وأعلمكم بما اتقي " رواه مسلم بمعناه وروي عن عمر أنه قال: هششت فقبلت وأنا صائم فقلت يا رسول الله صنعت اليوم أمراً عظيماً
قبلت وأنا صائم قال " أرأيت لو تمضمضت من إناء وأنت صائم " قلت لا بأس به، قال " فمه " رواه أبو داود، ولأن افضاءه إلى إفساد الصوم مشكوك فيه ولا يثبت التحريم بالشك (الثالث) أن يكون ممن لا تحرك القبلة شهوته كالشيخ الكبير ففيه روايتان (إحداهما) لا تكره له وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم لما كان مالكاً لإربه وغير ذي الشهوة في معناه، وقد روى أبو هريرة أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن المباشرة للصائم فرخص له، فأتاه آخر فنهاه فإذا الذي رخص له شيخ والذي نهاه شاب، أخرجه أبو دواد، ولأنها مباشرة لغير شهوة أشهت لمس اليد لحاجة (والثانية) يكره لأنه لا يأمن حدوث الشهوة، ولأن الصوم عبادة تمنع الوطئ فاستوى في القبلة فيها من تحرك شهوته ومن لا تحرك كالإحرام، فأما اللمس لغير شهوة كلمس اليد ليعرف مرضها ونحوه فليس بمكروه بحال لأن ذلك لا يكره في الإحرام أشبه لمس ثوبها (مسألة) (ويجب عليه اجتناب الكذب والغيبة والشتم فإن شتم استحب أن يقول اني صائم) يجب على الصائم أن ينزه صومه عن هذه الأشياء، قال أحمد ينبغي للصائم أن يتعاهد صومه من
لسانه، ولا يماري ويصرن صومه كانوا إذا صاموا قعدوا في المساجد فقالوا نحفظ صومنا ولا نغتاب أحداً، ولا يعمل عملاً يخرج به صومه، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه (1) " وقال أبو هريرة: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال الله تعالى كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، الصيام جنة فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني أمرؤ صائم، والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما، إذا أفطر فرح، وإذا لقي ربه فرح بصومه " متفق عليهما (2) فصل (مسألة) (ويستحب تعجيل الإفطار وتأخير السحور، وأن يفطر على التمر وإن لم يجد فعلى الماء، وأن يقول عند فطره اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، سبحانك وبحمدك اللهم تقبل مني أنك أنت السميع العليم)