ويرتدي به وبرداء موصل ولا يعقده لأن المنهي عنه المخيط على قدر العضو (فصل) فأما الإزار فيجوز عقده، لأنه يحتاج إليه لستر العورة فأبيح كاللباس وإن شد وسطه بالنديل أو نحوه كالحبل جاز إذا لم يعقده قال أحمد في محرم حزم عمامة على وسطه: لا يقدها ويدخل بعضها في بعض، قال طاوس رأيت ابن عمر يطوف بالبيت وعليه عمامة قد شدها على وسطه فأدخلها هكذا.
ولا يجوز أن يشق أسفل إزاره نصفين ويعقد كل نصف على ساق لأنه يشبه السراويل ولا يلبس الران لأنه في معنى الخف (فصل) فأما الهميان فهو مباح للمحرم في قول أكثر أهل العلم منهم ابن عباس وابن عمر وسعيد أبن المسيب وعطاء ومجاهد وطاوس والقاسم والنخعي والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي قال ابن عبد البر أجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار متقدموهم ومتأخروهم ومتى ثبت بغير العقد مثل
أن يدخل السيور بعضها في بعض لم يعقده لأنه لا حاجة إليه فإن لم يثبت إلا بالعقد جاز نص عليه أحمد وهو قول إسحاق.
قال ابراهيم كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم ولا يرخصون في عقد غيره وقالت عائشة: أوثق عليك نفقتك.
وقال ابن عباس: أوثقوا عليكم نفقاتكم.
وذكر القاضي في الشرح أن ابن عباس قال رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم للمحرم في الهميان أن يربطه إذا كانت فيه نفقته
وقال مجاهد سئل ابن عمر عن المحرم يشد الهميان عليه فقال لا بأس به إذا كانت فيه نفقته يستوثق من نفقته ولأنه مما تدعو الحاجة إليه فجاز كعقد الإزار (فصل) فإن لم يكن في الهميان نفقة لم يجز عقده لعدم الحاجة إليه وكذلك المنطقة وقد روى ابن عمر أنه كره المنطقة والهميان للمحرم وهو محمول على ما ليس فيه نفقة على ما تقدم من الرخصة فيما فيه النفقة، وسئل أحمد عن المحرم يلبس المنطقة من وجع الظهر أو لحاجة إليها.
فقال يفتدي.
فقيل له أفلا يكون مثل الهميان؟ قال لا: وعن ابن عمر أنه كره المنطقة للمحرم وأباح شد الهميان إذا كانت فيه نفقة والفرق بينهما أن الهميان يكون فيه النفقة والمنطقة لا نفقة فيها فأبيح شد ما فيه النفقة للحاجة إلى حفظها ولم يبح شد غيرها فان كان في المنطقة نفقة أو لم يكن في الهميان نفقة فهما سواء وقد ذكرنا أن أحمد لم يبح شد المنطقة لوجع الظهر إلا أن يفتدي لأن المنطقة ليست بعدة لذلك ولأنه فعل المحظور في الإحرام لدفع الضرر عن نفسه أشبه من لبس المخيط لدفع البرد أو تطيب للمرض فإن فعل مالا يباح له فعله من عقد غير الهميان والإزار ونحوه فعليه الفدية لأنه فعل محظوراً في الإحرام
(مسألة) (وإن طرح على كتفيه قباء فعليه الفدية وقال الخرقي لا فدية عليه إلا أن يدخل يديه في كميه) إذا طرح على كتفيه قباء أو نحوه وأدخل كتفيه فيه فعليه الفديه وإن لم تدخل يداه في الكمين هذا مذهب مالك والشافعي لأنه مخيط لبسه المحرم على العادة في لبسه فأشبه القميص وقد روى ابن المنذر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس الأقبية وقال الخرقي لا فديه عليه إذا لم يدخل يديه في كميه وهو قول الحسن وعطاء وابراهيم وأبي حنيفة لما ذكرنا من حديث عبد الرحمن بن عوف في مسألة الخفين
إذا لم يجد نعلين ولان القباء لا يحيط بالبدن فلم تلزمه الفديه بوضعه على كتفيه إذا لم يدخل يديه في كميه كالقميص يتشح به وقياسهم منقوض بالرداء الموصل والخبر محمول على لبسه مع إدخال يديه في الكمين (مسألة) (ويتقلد بالسيف عن الضرورة) إذا احتاج المحرم إلى أن يتقلد بالسيف فله ذلك وبه قال عطاء والشافعي ومالك وكرهه الحسن ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن البراء قال: لا صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية صالحهم على أن لا يدخلوها إلا بجلبان السلاح (القراب بما فيه) وهذا ظاهر في إباحة حمله عند الحاجة لانهم لم يكونوا يأمنون أهل مكة أن ينقضوا العهد فاشترطوا حمل السلاح في قرابة فأما من غير خوف فقد قال أحمد لا الامن ضرورة وإنما منع منه لأن ابن عمر قال لا يحمل المحرم السلاح في الحرم.
قال شيخنا والقياس إباحته لأن ذلك ليس هو في المعنى الملبوس المنصوص على تحريمه ولذلك لو حمل قربة في عنقه لم يحرم ذلك ولم تجب به الفدية.
وقد سئل أحمد عن المحرم يلقي جرابه في عنقه كهيئة القربة فقال أرجوا أن لا يكون به بأس (فصل) قال الشيخ رحمه الله (الخامس الطيب فيحرم عليه تطيب بدنه وثيابه وشم الادهان المطيبة والادهان بها) أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من الطيب وقد دل قول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته راحلته " لا تمسوه بطيب " رواه مسلم، وفي لفظ ولا تخيطوه.
متفق عليه فلما منع الميت من الطيب
لإحرامه فالحي أولى ومتى تطيب فعليه الفدية لأنه فعل ما حرمه الإحرام فلزمته الفدية كاللباس فيحرم عليه تطيب بدنه لما ذكرنا من الحديث وتطيب ثيابه فلا يجوز له لبس ثوب مطيب وهذا قول جابر وابن عمر ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه خلافاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يلبس من الثياب شئ مسه الزعفران ولا الورس " متفق عليه فكلما صبغ بزعفران أو ورس أو غمس في ماء ورد أو بخر بعود فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه ولا النوم عليه نص عليه أحمد لأنه استعمال له فأشبه لبسه ومتى لبسه أو استعمله فعليه الفديه، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إن كان رطباً يلي يدنه أو يابساً ينفض فعليه الفدية وإلا فلا لأنه ليس بمطيب ولنا أنه منهي عنه لأجل الإحرام فلزمته الفدية به كاستعمال الطيب في بدنه وقياساً على الثوب المطيب فإن غسله حتى ذهب ما فيه من ذلك فلا بأس به عند جميع العلماء وإن فرش فوق المطيب ثوباً صفيقاً يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية بالنوم عليه لأنه لم يستعمل الطيب ولم يباشره (فصل) وليس له شم الأدهان المطيبة كدهن الورد والبنفسج والخيري والزنبق ونحوها ولا الادهان بها وليس في تحريم ذلك خلاف في المذهب وكره مالك وأبو ثور وأصحاب الرأي الادهان بدهن البنفسج وقال الشافعي ليس بطيب ولنا أنه يقصد رائحته ويتخذ للطيب أشبه ماء الورد (مسألة) (وشم المسك والكافور والعنبر والزعفران والورس والمبخر بالعود وأكل ما فيه الطيب يظهر طعمه أو ريحه يحرم عليه شم كل ما تطيب رائحته ويتخذ للشم كالمسك والعنبر والكافور والغالية والزعفران والورس وماء الورد لأنه استعمال للطيب وكذلك التبخر بالعود لأنه طيب (فصل) ومتى جعل شئ من الطيب في مأكول أو مشروب كالمسك والزعفران فلم تذهب رائحته لم يبح للمحرم تناوله نيا كان أو قد مسته النار وبهذا قال الشافعي وكان مالك وأصحاب الرأي
لا يرون بما مست النار من طعام بأساً وإن بقيت رائحته وطعمه ولونه لأنه بالطبخ استحال عن كونه طيباً وروي عن ابن عمر وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير أنهم لم يكونوا يرون بأكل الخشكنانج الأصفر بأساً وكرهه القاسم بن محمد ولنا أن الاستمتاع والترفه به حاصل أشبه النئ ولأن المقصود من الطيب رائحته وهي باقيه وقول من أباح الخشكنانج الأصفر محمول على ما ذهبت رائحته فإن ما ذهبت رائحته.
وطعمه ولم يبق فيه إلا اللون مما مسته النار لا بأس بأكله لا نعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن القاسم وجعفر بن محمد أنهما كرها الخشكنانج الأصفر ويمكن حمله على ما بقيت رائحته ليزول الخلاف فإن لم تمسه النار لكن ذهبت رائحته وطعمه فلا بأس به وهو قول الشافعي وكره مالك والحميدي واسحاق وأصحاب الرأي الملح الاصفر
وفرقوا بين ما مسته النار وما لم تمسه ولنا أن المقصود الرائحة دون اللون فإن الطيب إنما كان طيباً لرائحته لا للونه فوجب دوران الحكم معها دونه (فصل) فإن ذهبت رائتحه وبقي طعمه فظاهر كلام أحمد في رواية صالح تحريمه وهو مذهب الشافعي لأن الطعم لا يكاد ينفك عن الرائحة فمتى وجد الطعم دل على وجود بقاء الرائحة وظاهر كلام الخرقي إباحته لأن المقصود الرائحة فيزول المنع بزوالها (فصل) ولا يجوز أن يأكل طيباً ولا يكتحل به ولا يستعط به ولا يحتقن به لأنه استعمال للطيب أشبه شمه (مسألة) (وإن مس من الطيب ما لا يعلق بيده فلا فديه عليه) إذا مس من الطيب مالا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق وقطع الكافور والعنبر فلا فدية عليه لأنه غير مستعمل للطيب فإن شمه فعليه الفدية لأنه هكذا يستعمل وإن شم العود فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا وإن كان الطيب يعلق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية لأنه مستعمل للطيب
(مسألة) (وله شم العود والفواكه والشيح والخزامى) للمحرم شم العود ولا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا إنما يقصد منه التبخير وكذلك الفواكه كلها من الأترج والتفاح والسفرجل وغيرها وكذلك نبات الصحراء كالشيح والقيصوم والخزامى الذي تستطاب رائحته وما يشمه الآدميون لغير قصد الطيب كالحناء والعصفر فمباح شمه ولا فدية في شئ من ذلك لا نعلم فيه خلافاً إلا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئاً من نبت الأرض من الشيح والقيصوم وغيرهما ولا نعلم احدا أوجب في ذلك شيئاً لأنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه الطيب أشبه سائر نبت الأرض وقد روي أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم كن يحرمن في المعصفرات (مسألة) (وفي شم الريحان والنرجس والورد والبنفسج والبرم ونحوها والادهان بدهن غير مطيب في رأسه روايتان) المذكور في هذه المسألة ينقسم قسمين (أحدها) ما ينبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب
كالريحان الفارسي والمرشوش والنرجس والبرم ففيه روايتان (إحداهما) يباح بغير فدية وهو قول عثمان وابن عباس والحسن ومجاهد واسحاق لأنه إذا يبس ذهبت رائحته أشبه نبت البرية ولأنه لا يتخذ منه طيب أشبه العصفر (والثانية) يحرم شمه فإن فعل فعليه الفدية وهو قول جابر وابن عمر والشافعي وأبي ثور لأنه يتخذ للطيب أشبه الورد وكرهه مالك وأصحاب الرأي ولم يوجبوا فيه شيئاً وكلام أحمد محتمل لهذا فإنه قال في الريحان ليس من آلة المحرم ولم يذكر فيه فدية (الثاني) ما ينبت للطيب ويتخذ منه طيب كالورد والبنفسج والياسمين والخيري فهذا إذا استعمله وشمه ففيه الفدية لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه كماء الورد فكذلك أصله، وعن أحمد رواية أخرى في الورد لا شئ في شمه لأنه زهر أشبه سائر الشجر، وقد ذكر شيخنا فيه ههنا روايتين وكذلك ذكر أبو الخطاب والأولى تحريمه ووجوب الفدية فيه لأنه ينبت للطيب ويتخذ منه أشبه الزعفران والعنبر.
قال القاضي: يقال أن العنبر ثمر شجرة وكذلك الكافور
(فصل) فأما الادهان بدهن لا طيب فيه كالزيت والشيرج والسمن والشحم ودهن البان الساذج فنقل الأثرم قال سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يدهن بالزيت والشيرج فقال نعم يدهن به إذا احتاج إليه ويتداوى المحرم بما يأكل قال إبن المنذر اجمع عوام أهل العلم على أن للمحرم أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن ونقل جواز ذلك عن ابن عباس وأبي ذر والأسود بن يزيد وعطاء والضحاك نقله الأثرم ونقل أبو داود عن أحمد أنه قال الزيت الذي يؤكل لا يدهن المحرم به رأسه فظاهر هذا أنه لا يدهن رأسه بشئ من الادهان وهو قول عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي لأنه يزيل الشعث ويسكن الشعر (فصل) فأما دهن سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعاً وقد أجمع أهل العلم على إباحته في اليدين وإنما الكراهة في الرأس خاصة فإنه محل الشعر وقال القاضي في إباحته في جميع البدن روايتان فإن فعله فلا فديه فيه في ظاهر كلام أحمد سواء دهن رأسه وغيره إلا أن يكون مطيباً وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنه انه صدع وهو محرم.
فقالوا ألا ندهنك بالسمن؟ قال لا.
قالوا أليس تأكله؟
قال ليس أكله كالادهان به.
وعن مجاهد أنه إن تداوى به فعليه الكفارة وقال من منع من دهن الرأس فيه الفدية لأنه مزيل للشعث أشبه ما لو كان مطيباً ولنا أن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولا دليل فيه من نص ولا إجماع، ولا يصح قياسه على الطيب فإن الطيب يوجب الفدية وإن لم يزل شعثا ويستوي فيه الرأس وغيره والدهن بخلافه ولأنه مانع لا تجب الفدية باستعماله في البدن فلم تجب باستعماله في الرأس كالماء (مسألة) (وإن جلس عند العطار أو في موضع ليشم الطيب فشمه فعليه الفدية وإلا فلا) متى قصد شم الطيب من غيره بفعل منه نحو أن يجلس عند العطارين لذلك أو يدخل الكعبة حال تجميرها ليشم طيبها أو يحمل معه عقدة فيها مسك ليجد ريحها قال أحمد: سبحان الله كيف
يجوز هذا؟ وأباح الشافعي ذلك إلا العقدة تكون معه يشمها فإن أصحابه اختلفوا فيها قال: لأنه شم الطيب من غيره أشبه ما لو لم يقصده ولنا أنه قصد شم الطييب مبتدئاً به وهو محرم فحرم كما لو باشره يحقق ذلك أن القصد شم الطيب لا مباشرته بدليل أنه لو مس اليابس الذي لا يعلق بيده لم يكن عليه شئ ولو رفعه بخرقة وشمه وجبت عليه الفدية وإن لم يباشره فأما إن لم يقصد شمه كالجالس عند العطار لحاجته وداخل السوق أو داخل الكعبة للتبرك بها ومن يشتري طيباً لنفسه أو للتجارة ولا يمسه فغير ممنوع منه لأنه لا يمكن التحرز منه فعفي عنه فإن حمل الطيب فقال ابن عقيل: أن كان ريحه ظاهراً لم يجز وإن لم يكن ظاهراً جاز (فصل) قال الشيخ رحمه الله (السادس) قتل صيد البر واصطياده وهو ما كان وحشياً مأكولاً أو متولداً منه ومن غيره لا خلاف بين أهل العلم في تحريم قتل صيد البر واصطياده على المحرم، والأصل فيه قول الله سبحانه (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم) وقوله تعالى (حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) والصيد المحرم على المحرم ما جمع ثلاثة أشياء (أحدها) أن يكون وحشياً وما ليس بوحشي لا يحرم على المحرم أكله ولا ذبحه كبهيمة الأنعام والخيل والدجاج ونحوها لا نعلم بين أهل العلم فيه خلافاً والاعتبار في ذلك بالأصل لا بالحال فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء كالحمام يجب الجزاء في أهليه ووحشيه اعتبار بالأصل ولو توحش الأهلي لم يجب فيه شئ قال أحمد في بقرة صارت وحشية لا شئ فيها لأن الأصل فيها الانسية فإن تولد بين الوحشي والأهلي ولد ففيه الجزاء تغليباً للتحريم، واختلفت الرواية في الدجاج السندي هل فيه جزاء على روايتين وروى مهنا عن أحمد في البط يذبحه المحرم إذا لم يكن صيداً والصحيح أنه يحرم عليه ذبحه وفيه الجزاء لأن الأصل فيه الوحشي فهو كالحمام (الثاني) أن يكون مأكولاً فأما ما ليس بمأكول كسباع البهائم والمستخبث من الحشرات والطير وسائر المحرمات فلا جزاء فيه قال أحمد رحمه الله إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله وهذا قول أكثر أهل العلم إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره كالسمع المتولد بين الضبع والذئب تغليباً للتحريم قبله كما غلبوا التحريم في أكله، وقال بعض أصحابنا في أم حبين جدي وهي دابة منتفخة البطن وهذا خلاف القياس فإن أم حبين مستخبثة عند العرب لا تؤكل، وقد حكي
أن رجلا من البدو سئل: ما تأكلون؟ فقال مادب ودرج إلا أم حبين.
فقال السائل: ليهن أم حبين العافية وإنما تبعوا فيها قضية عثمان فانه قضى فيها بحملان وهو الجدي والصحيح أنه لا شئ فيها، واختلفت الرواية في الثعلب فعنه فيه الجزاء وهو المشهور، وبه قال طاوس وقتادة ومالك والشافعي وعن أحمد لا شئ فيه وهو قول الزهري وعمرو بن دينار وابن المنذر لأنه سبع، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أكل كل ذي ناب من السباع، واختلفت الرواية في السنور الوحشي والأهلي والصحيح أنه لا جزاء في الأهلي لأنه ليس وحشياً ولا مأكولاً وأما الوحشي فاختار القاضي أنه لا شئ فيه لأنه سبع.
وقال الثوري واسحاق في الوحشي حكومه والاختلاف فيه مبني على الاختلاف في إباحته، واختلفت الرواية في الهدهد والصرد لاختلاف الروايتين في إباحتهما وكلما اختلفت في إباحته اختلف في جزائه فأما ما يحرم فالصحيح أنه لا جزاء فيه لعدم النص فيه وهو مخالف للقياس الثالث أن يكون من صيد البر فأما صيد البحر فلا يحرم على المحرم بغير خلاف لقوله سبحانه (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر مادمتم حرما) قال ابن عباس رضي الله عنهما طعامه ما لفظه
(مسألة) (فمن أتلفه أو تلف في يده أو أتلف جزأ منه فعليه جزاؤه) من أتلف صيدا وهو محرم فعليه جزاؤه بإجماع أهل العلم، وقد دل عليه قوله سبحانه (من قتله منكم متعمدا فجزاء، مثل ما قتل من النعم) قال شيخنا رضي الله عنه ولا نعلم احدا خالف في قتل الصيد متعمداً أن فيه الجزاء إلا الحسن ومجاهدا قالا يجب في الخطأ والنسيان ولا يجب في العمد، وهذا خلاف النص فلا يلتفت إليه وقتل الصيد نوعان مباح ومحرم، فالمحرم أن يقتله ابتداء من غير سبب يبيح قتله ففيه الجزاء لما ذكرنا، والباح ثلاثة أنواع (أحدها) أن يضطر إليه (والثاني) أن يصول عليه الصيد (والثالث) إذا أراد تخليصه من سبع أو شبكة أو نحوه وسنذكر ذلك إن شاء الله تعالى (فصل) ويضمن ما تلف في يده وإن صاده لم يملكه لأن ما حرم لحق غيره لا يملك بالأخذ من غير إذنه كمل غيره وعليه إرساله في موضع يمتنع فيه فإن لم يفعل فتلف ضمنه كما الآدمي إذا أخذه بغير حق فتلف في يده، وإن كان مملوكاً لآدمي فعليه رده إليه لكونه غصبه منه
(فصل) وإن أتلف جزءاً من الصيد فعليه ضمانه لأن جملته مضمونة فكان بعضه مضموناً كالآدمي والاموال (مسألة) (ويضمن ما دل عليه أو أشار إليه أو أعان على ذبحه أو كان له أثر في ذبحه مثل أن يعيره سكيناً إلا أن يكون القاتل محرماً فيكون جزاؤه بينهما) يحرم على المحرم الدلالة على الصيد والإشارة إليه فإن في حديث أبي قتادة لما صاد الحمار الوحشي وأصحابه محرمون قال النبي صلى الله عليه وسلم " هل منكم أحدا أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " وفي لفظ فأبصروا حماراً وحشياً وأنا مشغول أخصف نعلي فلم يؤذنوني وأحبوا لو أني أبصرته وهذا يدل على تعليق التحريم بذلك لو وجد منهم ولأنه سبب إلى إتلاف صيد محرم فحرم كنصب الشرك (فصل) وليس له الإعانة على الصيد بشئ فإن في حديث أبي قتادة المتفق عليه ثم ركبت ونسيت السوط والرمح فقلت لهم ناولوني السوط والرمح قالوا والله لا نعينك عليه، وفي رواية فاستعنتهم فأبوا أن يعينوني.
وهذا يدل على أنهم اعتقدوا تحريم الأعانة والنبي صلى الله عليه وسلم أقرهم على ذلك ولأنه أعانه على محرم فحرم كالإعانة على قتل الآدمي، وبضمنه بالدلالة عليه فإذا دل المحرم حلالاً
على الصيد فأتلفه فالجزاء على المحرم روى ذلك عن علي وابن عباس وعطاء ومجاهد وبكر المزني واسحاق
وأصحاب الرأي، وقال مالك والشافعي لا شئ على الدال لأنه يضمن بالجناية فلا يضمن بالدلالة كالآدمي ولنا حديث أبي قتادة ولأنه سبب يتوصل به إلى إتلاف الصيد فتعلق به الضمان كما لو نصب أحبولة ولأنه قول علي وابن عباس رضي الله عنهما ولا مخالف لها في الصحابة، وإن اشار إليه فهو كما لو دل عليه لأنه في معناه (فصل) فإن دل محرماً على الصيد فقتله فالجزاء بينهما، وبه قال عطاء وحماد بن أبي سليمان، وقال الشعبي وسعيد بن جبير وأصحاب الرأي على كل واحد جزاء لأن كل واحد من الفعلين يستقل بالجزاء إذا انفرد فكذلك إذا لم يضمنه غيره، وقال مالك والشافعي لا شئ على الدال ولنا أن الواجب جزاء المتلف وهو واحد فيكون الجزاء واحداً وعلى مالك والشافعي ما سبق ولا فرق بين جميع الصورتين كون المدلول عليه ظاهراً أو خفياً لا يراه إلا بالدلالة عليه ولو دل محرم محرماً على الصيد ثم دل الآخر آخر ثم كذلك إلى عشرة فقتل العاشر كان الجزاء على جميعهم، وإن قتله الأول فلا شئ على غيره لأنه لم يدله عليه أحد فلا يشاركه في ضمانه أحد ولو كان المدلول رأى الصيد قبل الدلالة والإشارة فلا شئ على الدال والمشير لأن ذلك لم يكن سبباً في تلفه ولأن هذه ليست دلالة على الحقيقة وكذلك إن وجد من المحرم حدث عند رؤية الصيد من ضحك أو استشراف
ففطن له غيره فصاده فلا شئ على المحرم، فإن في حديث أبي قتادة قال.
خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كنا بالقاحة ومنا المحرم ومنا غير المحرم إذ بصرت بأصحابي يتراءون شيئاً فنظرت فإذا حمار وحش، وفي لفظ فبينا أنا مع أصحابي فضحك بعضهم إذ نظرت إذا أنا بحمار وحش، وفي لفظ فلما كنا بالصفاح إذا هم يتراءون فقلت أي شئ تنظرون؟ فلم يخبروني متفق عليه (فصل) فإن أعار قاتل الصيد سلاحاً فقتله به فهو كما لو دله عليه سواء كان المستعار مما لا يتم قلته إلا به أو أعاره شيئاً هو مستغن عنه مثل أن يعيره رمحاً ومعه رمح وكذلك لو أعانه عليه
بمناولته سلاحه أو سوطه أو أمره باصطياده لما ذكرنا من حديث أبي قتادة وقول أصحابه والله لا نعينك عليه بشئ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " وكذلك إن أعاره سكيناً فذبحه بها فأما إن أعاره آلة ليستعملها في غير الصيد فاستعملها في الصيد لم يضمن لأن ذلك غير محرم عليه أشبه مالو ضحك عند رؤية الصيد ففطن له إنسان فصاده (فصل) فإن دل الحلال محرماً على صيد فقتله فلا شئ على الحلال لأنه لا يضمن الصيد بالإتلاف فبالدلالة أولى إلا أن يكون ذلك في الحرم فيشتركان في الجزاء كالمحرمين لأن صيد الحرم حرام على الحلال والمحرم فإن اشترك في قتل الصيد حلال ومحرم في الحل فعلى المحرم الجزاء جميعه على ظاهر قول أحمد رحمه الله وقال أصحاب الشافعي عليه نصف الجزاء كما لو كانا محرمين
ولنا أنه اشترك في قتله من يجب عليه الضمان ومن لا يجب فاختص الجزاء بمن يجب عليه كما لو دل الحلال محرماً على صيد فعليه ولأنه اجتمع موجب ومسقط فغلب الإيجاب كما لو قتل صيداً بعضه في الحرم وبعضه في الحل ذكر هذه المسألة القاضي أبو الحسين (فصل) وكذلك إن كان شريكه سبعاً ثم إن كان جرح أحدهما قبل صاحبه والسابق الحلال أو السبع فعلى المحرم جزاؤه مجروحاً وإن كان السابق المحرم فعليه أرش جرحه على ما ذكرنا وإن كان جرحهما في حال واحدة أو جرحاه ومات منهما فالجزاء كله على المحرم، وفيه وجه لنا كقول أصحاب الشافعي إن على المحرم نصفه كالمحرمين (مسألة) (ويحرم عليه الأكل من ذلك كله واكل ماصيد لأجله ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك) لا خلاف في تحريم الصيد على المحرم إذا صاده أو ذبحه لقوله تعالى (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) وإن صاده حلال أو ذبحه وكان من المحرم إعانة فيه أو دلالة أو إشارة إليه لم يبح أيضا لان أعان عليه أشبه ما لو ذبحه، وإن صيد من أجله حرم عليه اكله يروي ذلك عن عثمان ابن عفان رضي الله عنه، وبه قال مالك والشافعي وقال أبوحينفة له أكل ما صيد لاجله للقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشئ؟ " قالوا لا.
قال " كلوا ما
بقي من لحمها " متفق عليه فدل على أن التحريم إنما يتعلق بالإشارة والأمر والإعانة ولأنه صيد مذكى لم يحصل فيه ولا في سببه منع منه فلم يحرم عليه أكله كما لو لم يصد له
ولنا ماروى ابن عباس رضي الله عنهما أن الصعب بن جثامة الليثي أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشيا وهو بالابواء أو بودان فرده عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى ما في وجهه قال: " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " متفق عليه، وروى جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " صيد البر لكم حلال ما لم تصيدوه أو يصد لكم) رواه أبو داود والنسائي والترمذي وقال هو أحسن حديث في الباب وهذا فيه تحريم ماصيد للمحرم وفيه إباحة ما لم يصده ولم يصد له (فصل) ولا يحرم عليه الأكل من غير ذلك، وهذا مذهب الشافعي وأبي حنيفة ومالك، ويروى ذلك عن طلحة بن عبيد الله وحكي عن عطاء وابن عمر وعائشة وابن عباس رضي الله عنهم أن لحكم الصيد يحرم على المحرم بكل حال، وبه قال طاوس وكرهه الثوري واسحاق لعموم قوله سبحانه (وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما) ولما ذكرنا من حديث الصعب بن جثامة، وروى أبو داود باسناده عن عبد الله بن الحارث عن أبيه قال: كان الحارث خليفة عثمان على الطائف فصنع له طعاماً وصنع فيه الحجل واليعاقيب ولحم الوحش فبعث إلى علي بن أبي طالب فجاءه فقال أطعموه قوما حلالاً أنا حرم ثم قال علي أنشد الله من كان ههنا من أشجع أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أهدى إليه رجل حمار وحش فأبى أن يأكله؟ قالوا نعم، ولأنه لحم صيد فحرم على المحرم كما لو دل عليه ولنا ما ذكرنا من حديث أبي قتادة وجابر فإنهما صريحان في الحكم وفي ذلك جمع بين الأحاديث وبيان المختلف منها بأن يحمل ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأكل في حديث الصعب بن جثامة لعلمه أو ظنه أنه
صيد من أجله ويتعين حمله على ذلك لما ذكرنا من الحديثين فإن الجمع بين الأحاديث أولى من التعارض والتناقض، وروى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير فجاء البهزي وهو صاحبه فقال يارسول الله شأنكم بهذا الحمار فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق (فصل) وما حرم على المحرم لكونه دل عليه أو أعان عليه أو صيد من أجله لا يحرم على الحلال أكله لقول علي رضي الله عنه أطعموه حلالا وقد بينا حمله على أنه صيد من أجلهم وحديث الصعب ابن جثامة حين رد النبي صلى الله عليه وسلم الصيد عليه لم ينهه عن أكله ولأنه صيد حلال فأبيح للحلال أكله كما لو صيد لهم وهل يباح أكله لمحرم آخر فيه احتمالان (أحدهما) يباح فإن ظاهر حديث جابر إباحته وهو قول عثمان رضي الله عنه لأنه يروى أنه أهدي له صيد فقال لأصحابه كلوا ولم يأكل وقال إنما صيد من أجلي ولأنه لم يصد من أجله فحل له كما لو صاده الحلال لنفسه ويحتمل أن يحرم وهو قول علي رضي الله عنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة " هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها " قالوا لا قال " فكلوه " فمفهومه إن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم والأول أولى
(فصل) وإذا قتل المحرم الصيد ثم أكله ضمنه للقتل دون الأكل، وبه قال مالك والشافعي، وقال عطاء وأبو حنيفة يضمنه للأكل أيضاً لأنه أكل من صيد محرم عليه فضمنه كما لو صيد لأجله ولنا أنه مضمون بالجزاء فلم يضمن ثانياً كما لو أتلفه بغير الأكل وكصيد المحرم إذا قتله الحلال وأكله وكذلك إن قتله محرم آخر ثم أكل منه لم يجب عليه الجزاء لما ذكرنا ولأن تحريمه لكونه ميتة والميتة لا تضمن بالجزاء، وكذلك إن حرم عليه أكله بالدلالة عليه والإعانة عليه فأكل منه لم يضمن لأنه صيد مضمون بالجزاء مرة فلم يجب به جزاء ثان كما لو أتلفه فإن أكل مما صيد لأجله ضمنه وهو قول مالك والشافعي في القديم وقال في الجديد لا جزاء عليه لأنه أكل للصيد فلم يجب به الجزاء كما لو قتله ثم أكله ولنا أنه إتلاف ممنوع منه لحرمة الإحرام فتعلق به الضمان كالقتل.
أما إذا قتله ثم أكله يحرم للإتلاف إنما حرم لكونه ميتة، إذا ثبت هذا فإنه يضمنه بمثله من اللحم لأن أصله مضمون بمثله من النعم فكذلك أبعاضه تضمن بمثلها بخلاف حيوان الآدمي فإنه يضمن جميعه بالقيمة فكذلك ابعاضه (فصل) وإذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة يحرم أكله على جميع الناس، وهذا قول الحسن
والقاسم وسالم ومالك والاوزاعي واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الحكم والثوري وأبو ثور لا بأس بأكله.
قال إبن المنذر هو بمنزلة ذبيحة السارق وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني
يأكله الحلال، وحكي عن الشافعي قول قديم أنه يحل لغيره الأكل منه لأن من أباحت زكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال ولنا أنه حيوان حرم عليه ذبحة لحق الله تعالى فلم يحل بذبحه كالمجوسي، وبهذا فارق سائر الحيوانات وفارق غير الصيد فإنه لا يحرم ذبحه وكذلك الحكم في صيد المحرم إذا ذبحه محرم أو حلال وبعض الحنفية يقول هو مباح، ولنا ما ذكرناه (مسألة) (وإن اتلف بيض صيد أو نقله إلى موضع آخر ففسد فعليه ضمانه بقيمته) إذا أتلف بيض صيد ضمنه بقيمته أي صيد كان قال ابن عباس في بيض النعام قيمته، وروي ذلك عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وبه قال النخعي والزهري والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " في بيض النعام يصيبه المحرم ثمنه " رواه ابن ماجه، وإذا وجب في بيض النعام قيمته مع أنه من ذوات الأمثال فغيره أولى، ولأن البيض لا مثل له فيجب فيه قيمته كصغار الطير فإن لم يكن له قيمة لكونه مدراً أو لان فرخه ميت فلا شئ فيه، قال أصحابنا
إلا بيض النعام فإن لقشرة قيمة والصحيح أنه لا شئ فيه لأنه إذا لم يكن فيه حيوان ولا مآله إلى أن يصير فيه حيوان صار كالأحجار والخشب وسائر ماله قيمة من غير الصيد ألا ترى أنه لو نقب بيضة فأخرج ما فيها لزمه جزاء جميعها ثم لو كسرها هو أو غيره لم يلزمه لذلك شئ، ومن كسر بيضه فخرج منها فرخ حي فعاش فلا شئ فيه، وقال ابن عقيل يحتمل أن يضمنه إلا أن يحفظه من الجارح إلى أن ينهض فيطير لأنه صار في يده مضموناً وتخليته غير ممتنع ليس برد تام، ويحتمل أن لا يضمنه لأنه لم يجعله غير ممتنع بعد أن كان ممتنعاً بل تركه على صفته فهو كما لو أمسك طائراً أعرج ثم تركه وإن مات ففيه ما في صغار أولاد المتلف بيضه ففي فرخ الحمام صغير أولاد الغنم، وفي فرخ النعامة حوار وفيما عداهما قيمة إلا ما كان أكبر من الحمام ففيه ما نذكره من الخلاف في أمهاته إن شاء الله تعالى، ولا يحل لمحرم أكل بيض الصيد إذا كسره هو أو محرم سواه، وإن كسره حلال فهو كلحم الصيد إن كان أخذه لاجل المحرم لم يبح أكله وإلا أبيح، وإن كسر المحرم بيض صيد لم يحرم على الحلال لأن حله لا يقف على كسره ولا يعتبر له أهليته بل لو كسره مجوسي أو وثني أو بغير تسمية لم يحرم فأشبه قطع اللحم وطبخه، وقال القاضي: يحرم على الحلال أكله كالصيد لأن
كسره جرى مجرى الذبح بدليل حله للمحرم بكسر الحلال له وتحريمه عليه بكسر المحرم (فصل) وإن نقل بيض صيد فجعله تحت آخر أو ترك مع بيض الصيد بيضاً آخر أو شيئاً فنفر عن بيضه حتى فسد فعليه ضمانه لأنه تلف بسببه، وإن صح وفرخ فلا ضمان عليه، وإن باض الصيد على فراشه فنقله برفق ففسد ففيه وجهان بناء على الجراد إذا انفرش في طريقه وحكم بيض الجراد حكم الجراد وكذلك بيض كل حيوان حكمه حكمه لأنه جزء منه أشبه الأصل، وإن احتلب لبن صيد ففيه قيمته كما لو حلب لبن حيوان مغصوب (مسألة) (ولا يملك الصيد بغير الإرث وقيل لا يملكه به أيضا) لا يملك المحرم الصيد ابتداء بالبيع ولا بالهبة ونحوهما من الاسباب فان الصعب بن جثامة
أهدى إلى النبي صلى الله عليه وسلم حماراً وحشياً فرده عليه وقال " إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم " فإن أخذه بأحد هذه الأسباب ثم تلف فعليه جزاؤه، وإن كان مبيعاً فعليه القيمة لمالكه مع الجزاء لأن ملكه لم يزل عنه، وإن أخذه رهناً فلا شئ عليه سوى الجزاء لأنه أمانة فإن لم يتلف فعليه رده إلى مالكه فإن أرسله فعليه ضمانه لمالكه وليس عليه جزاء وعليه رد المبيع أيضاً، ويحتمل أن يلزمه إرساله كما لو كان مملوكاً، ولأنه لا يجوز له إثبات يده المشاهدة على الصيد، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا يسترد المحرم الصيد الذي باعه وهو حلال بخيار ولا عيب في ثمنه ولا غير ذلك لأنه ابتداء ملك على الصيد وهو ممنوع منه، وإن رده المشتري عليه بعيب أو خيار فله ذلك لأن سبب الرد محقق ثم لا يدخل في ملك المحرم ويلزمه إرساله (فصل) وإن ورثه المحرم ورثه لأن الملك بالإرث ليس بفعل من جهته، وإنما يدخل في ملكه حكماً اختار ذلك أو كرهه، ولهذا يدخل في ملك الصبي والمجنون ويدخل به المسلم في ملك الكافر فجرى مجرى الاستدامة وقيل لا يملك به أيضاً لأنه جهة من جهات التمليك أشبه البيع وغيره فعلى هذا يكون أحق به من غير ثبوت ملكه عليه فإذا حل ملكه
(مسألة) (وإن أمسك صيدا حتى تحلل ثم تلف أو ذبحه ضمنه وكان ميتة وقال أبو الخطاب له أكله) إذا صاد المحرم صيداً لم يملكه، فإن أمسكه حتى حل لزمه إرساله وليس له ذبحه فإن تلف فعليه ضمانه لأنه لا يحل له إمساكه أشبه الغاصب، وإن ذبحه ضمنه لذلك وحرم أكله لأنه صيد ضمنه بحرمة الإحرام فلم يبح أكله كما لو ذبحه حال إحرامه، ولأنها زكاة منع منها بسبب الإحرام فأشبه ما لو كان الإحرام باقياً، واختار أبو الخطاب أن له أكله وعليه ضمانه لأنه ذبحه وهو من أهل ذبح الصيد فأشبه ما لو صاده الحل والفرق ظاهر لأن هذا يلزمه ضمانه بخلاف الذي صاده بعد الحل ورى ابن أبي موسى عن أحمد إذا استأجر بيتاً في الحرم فوجد فيه صيداً ميتاً فداه احتياطاً والقياس أنه لا يجب عليه فداؤه ولأن الأصل براءة الذمة (مسألة) (وإن أحرم وفي يده صيد أو دخل الحرم بصيد لزمه إزالة يده المشاهدة دون الحكمية عنه فان لم يفعل فتلف ضمنه وإن أرسله إنسان من يده قهراً فلا ضمان على المرسل) إذا أحرم وفي ملكه صيد لم يزل ملكه عنه ولا يده الحكمية مثل أن يكون في بلده أو في يد ثابت له في غير مكانه ولا شئ عليه إن مات وله التصرف فيه بالبيع والهبة وغيرهما وإن غصبه
غاصب لزمه رده ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه، ومعناه إذا كان في قبضته أو خيمته أو رحله أو قفص معه أو مربوط بحبل معه لزمه إرساله، وبه قال مالك وأصحاب الرأي وقال الثوري هو ضامن لما في بيته أيضاً، وحكي نحو ذلك عن الشافعي، وقال أبو ثور ليس على إرسال ما في يده وهو أحد قولي
الشافعي لأنه في يده ولم يجب إرساله كما لو كان في يده الحكمية ولأنه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد في الحرم ولنا على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكمية أنه لم يفعل في الصيد فعلا فلم يلزمه شئ كما لو كان في ملك غيره وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة لأنه فعل الإمساك في الصيد فكان ممنوعاً منه وكحالة الابتداء فإن استدامة الإمساك إمساك بدليل أنه لو حلف لا يملك شيئاً فاستدام إمساكه حنث، والأصل المقيس عليه ممنوع والحكم فيه ما ذكرنا قياساً عليه.
إذا ثبت هذا فانه متى أرسله لم يزل ملكه عنه، ومن أخذه رده عليه إذا حل ومن قتله ضمنه له لأن ملكه كان عليه، وإزالة يده لا تزيل الملك بدليل الغصب والعارية فإن تلف في يده قبل إرساله مع إمكانه ضمنه لأنه تلف تحت اليد العادية فلزمه ضمانه كمال الآدمي ولا يلزمه ضمانه قبل إمكان الإرسال لعدم التفريط والتعدي فإن
أرسله إنسان من يده قهر فلا ضمان عليه لأنه فعل ما له فعله ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها فإن أمسكه حتى حل فملكه باق عليه لأن ملكه لم يزل بالإحرام إنما زال حكم المشاهدة فصار كالعصير يتخمر ثم يتخلل قبل إراقته (فصل) ومن ملك صيدا في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده وإرساله فإن تلف في يده أو أتلفه فعليه ضمانه كصيد الحل في حق المحرم.
وقال عطاء: إن ذبحه فعليه الجزاء.
وروي ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما وممن كره الصيد الحرم ابن عمر وابن عباس وعائشة وعطاء وطاوس وأصحاب الرأي، ورخص فيه جابر بن عبد الله ورويت عنه الكراهة قال هشام بن عروة: كان ابن الزبير تسع سنين براها في الأقفاص، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأساً ورخص فيه سعيد بن جبير ومجاهد ومالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنه ملكه خارجاً وحل له التصرف فيه فجاز له ذلك في الحرم كصيد المدينة ولنا أن الحرم سبب محرم للصيد يوجب ضمانه فحرم استدامة إمساكه كالإحرام ولأنه صيد ذبحه في الحرم فلزمه جزاؤه كما لو صاده منه، وصيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد الحرم
(فصل) فإن أمسك صيدا في الحرم فأخرجه لزمه إرساله من يده كالمحرم إذا أمسك الصيد حتى حل فإن تركه فتلف فعليه ضمانه كالمحرم إذا أمسكه حتى تحلل (مسألة) (وان قتل صيداً صائلا عليه دفعاً عن نفسه أو بتخليصه من سبع أو شبكة ليطلقه فتلف لم يضمنه وقيل يضمنه فيهما) إذا صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله فله قتله ولا ضمان عليه، وبهذا قال الشافعي وقال أبو بكر عليه الجزاء وهو قول أبي حنيفة لأنه قتله لحاجة نفسه أشبه قتله لحاجته إلى أكله ولنا إنه حيوان قتله لدفع شره فلم يضمنه كالآدمي الصائل ولأنه التحق بالمؤذيات طبعا فصار كالكلب العقور ولا فرق بين أن يخشى منه التلف أو مضرة لجرحه أو إتلاف ماله أو بعض حيواناته (فصل) فإن خلص صيداً من سبع أو شبكة أو أخذه ليخلص من رجله خيطاً ونحوه فتلف بذلك فلا ضمان عليه، وبه قال عطاء وقيل عليه الضمان وهو قول قتادة لعموم الآية، ولأن غاية ما فيه أنه عدم القصد إلى قتله فأشبه قتل الخطأ ولنا أنه فعل أبيح لحاجة الحيوان فلم يضمن ما تلف به كما لو داوى ولي الصبي الصبي فمات بذلك وهذا ليس بمتعمد ولا تناوله الآية
(مسألة) (ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان انسي ولا محرم الاكل ولا القمل على المحرم في رواية وأي شئ تصدق به كان خيراً منه) لا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم شئ من الحيوان الأهلي كبهيمة الانعام والخيول والدجاج ونحوها لأنه ليس بصيد، وإنما حرم الله سبحانه الصيد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يذبح البدن في إحرامه في الحرم يتقرب الى الله سبحانه بذلك، وقال عليه السلام " أفضل الحج العج والثج " يعني إسالة الدماء بالذبح والنحر وهذا لا خلاف فيه، فإن كان متولداً بين وحشي وأهلي غلب جانب التحريم (فصل) فأما المحرم أكله فهو ثلاثة أقسام (أحدها) الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم وهي الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور، وفي بعض ألفاظ الحديث الحية مكان العقرب فيباح قتلهن في الإحرام والحرم وهذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والشافعي وأصحاب الرأي واسحاق، وحكي عن النخعي أنه منه قتل الفأرة والحديث صريح في حل قتلها فلا تعويل على ما خالفه، والمراد بالغراب الأبقع وغراب البين، وقال قوم لا يباح قتل غراب البين لأنه روي " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الحية
والغراب الأبقع والفأرة والكلب العقور والحديا " رواه مسلم وهذا يقيد مطلق ذكر الغراب في الحديث الآخر ولا يمكن حمله على العموم بدليل أن المباح من الغربان لا يحل قتله ولنا ما روت عائشة رضي الله عنها قالت: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق في الحرم الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور.
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " خمس من الدواب ليس على المحرم جناح في قتلهن " وذكر مثل حديث عائشة متفق عليهما وهذا عام في الغراب وهو أصح من الحديث الآخر، ولأن غراب البين محرم الاكل يعدوا على أموال الناس ولا وجه لإخراجه من العموم وفارق ما أبيح أكله فانه ليس في معنى ما أبيح قتله فلا يلزم من تخصيصه تخصيص ما ليس في معناه (القسم الثاني) من المحرم أكله ماكان طبعه الأذى وإن لم يوجد منه أذى كالأسد والنمر والفهد والذئب وما في معناه فيباح قتله أيضاً ولا جزاء فيه قال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم مثل الأسد والذئب والنمر والفهد.
فعلى هذا يباح قتل كل ما فيه أذى للناس في أنفسهم وأموالهم مثل سباع البهائم كلها، الحرام أكلها وجوارح الطير كالبازي والصقر والشاهين والعقاب ونحوها والحشرات
المؤذية والزنبور والبق والبعوض والبراغيث والذباب وبه قال الشافعي، وقال أصحاب الرأي: يقتل ما جاء في الحديث والذئب قياساً عليه ولنا أن الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه تنبيها على ما هو أعلى منها، ودلالة على ماكان
في معناها فنصه على الغراب والحدأة تنبيه على البازي ونحوه وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات وعلى العقرب تنبيه على الحية وقد ذكرت في بعض الأحاديث، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي هي أعلا منه ولان مالا يضمن بقيمته ولا مثله لا يضمن بشئ كالحشرات (القسم الثالث) من المحرم الاكل مالا يؤذي بطبعه كالرخم والديدان فلا أثر للحرم ولا للإحرام فيه ولا جزاء فيه إن قتله، وبه قال الشافعي وقال مالك يحرم قتلها فإن قتلها فداها وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس فإذا وطئ الذباب أو النمل أو الذر أو قتل الزنبور تصدق بشئ من الطعام، وقال ابن عقيل في النملة لقمة، أو تمرة إذا لم تؤذه، ويتخرج في النحلة مثل ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل النملة والنحلة.
وحكى ابن أبي موسى في الضفدع حكومة
ولنا أن الله سبحانه إنما أوجب الجزاء في الصيد وليس هذا بصيد.
قال بعض أهل العلم الصيد ما جمع ثلاثة أشياء إن يكون مباحاً ممتنعاً، ولأنه لا مثل له ولا قيمة والضمان إنما يكون بأحد هذين الشيئين (فصل) ولا بأس أن يقرد المحرم بعيره روى ذلك عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قرد بعيره باسقيا أي نزع القراد عنه فرماه وهذا قول ابن عباس وجابر بن زيد وعطاء وقال مالك لا يجوز وكرهه عكرمة ولنا أنه قول من سمينا من الصحابة ولأنه مؤذ فأبيح قتله كالحية والعقرب (فصل) فأما القمل ففيه روايتان (إحداهما) إباحة قتله لأنه من أكثر الهوام أذى فأبيح قتله كالبراغيث وسائر ما يؤذي (والثانية) إن قتله محرم وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه يترفه بازالته فحرم كقطع الشعر ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رأى كعب بن عجرة والقمل يتناثر على وجهه فقال له احلق رأسك فلو كان قتل القمل وإزالته مباح لم يكن كعب ليتركه حتى يصير كذلك ولكان النبي صلى الله عليه وسلم أمره بإزالته خاصة والصئبان كالقمل لأنه بيضه ولافرق بين قتل القمل ورميه أو قتله بالزئبق لحصول الترفه به قال القاضي إنما الروايتان فيما أزاله من شعره أما ما ألقاه من ظاهر بدنه وثوبه فلا شئ فيه رواية واحدة وظاهر كلام شيخنا ههنا يقتضي العموم ويجوز له حك رأسه برفع كيلا يقطع شعراً أو يقتل قملاً فإن حك فرآى في يده
شعراً استحب له أن يعيده احتياطاً ولا يجب حتى يستيقن
(فصل) فإن تفلى المحرم أو قتل قملاً فلا فدية فيه فإن كعب بن عجرة حين حلق رأسه قد أذهب قملاً كثيراً ولم يجب عليه لذلك شئ إنما أوجب الفدية بحلق الشعر ولأن القمل لا قيمة له فأشبه البعوض والبراغيث ولأنه ليس بصيد ولاهو مأكولا حكي عن ابن عمر قال هي أهون مقتول وسئل ابن عباس في محرم ألقى قملة ثم طلبها فلم يجدها قال مالك ضالة لا تبتغى، وهذا قول طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي ثور وابن المنذر وعن أحمد فيمن قتل قملة قال يطعم شيئاً.
فعلى هذا أي شئ تصدق به أجزأه سواء قتل قليلاً أو كثيراً وهذا قول أصحاب الرأي وقال إسحاق تمرة فما فوقها، وقال مالك حفنة من طعام وروي ذلك عن ابن عمر وهذه الأقوال كلها قريب من قولنا فانهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما هو على التقريب لأقل ما يتصدق به (فصل) والخلاف إنما هو في قتله للمحرم أما في الحرم فيباح قتل القمل بغير خلاف لأنه إنما حرم في حق المحرم لما فيه من الترفه فهو كقطع الشعر ومن كان في الحرم غير محرم فمباح له قطع الشعر وتقليم الأظفار والطيب وسائر ما يترفه به (فصل) ولا بأس بغسل المحرم رأسه وبدنه برفق.
فعل ذلك عمر وابنه وأرخص فيه علي وجابر
وسعيد بن جبير والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وكره مالك للمحرم أن يغطس في الماء ويغيب فيه رأسه ولعله ذهب إلى أن ذلك ستر له، والصحيح أنه لا بأس بذلك لأن ذلك ليس بستر ولهذا لا يقوم مقام السترة في الصلاة، وقد روي عن ابن عباس قال ربما قال لي عمر ونحن محرمون بالجحفة تعال أباقيك أينا أطول نفساً في الماء؟ رواه سعيد ولأنه ليس بستر معتاد وأشبه صب الماء عليه ووضع يده عليه، وقد روي عبد الله بن جبير قال أرسلني ابن عباس الى أبي أيوب الأنصاري فأتيته وهو يغتسل فسلمت عليه فقال من هذا؟ فقلت أنا عبد الله بن جبير أرسلني إليك عبد الله بن عباس يسألك كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل رأسه وهو محرم فوضع أبو أيوب يده على الثوب فطاطاه حتى بدا لي رأسه ثم قال لإنسان يصب عليه الماء: صب، فصب على رأسه ثم حرك رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل متفق عليه (فصل) ويكره له غسل رأسه بالسدر والخطمى ونحوهما لما فيه من إزالة الشعث والتعرض لقطع الشعر وكرهه جابر بن عبد الله ومالك والشافعي وأصحاب الرأي فإن فعل فلا فدية عليه، وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر، وعن أحمد رحمه الله عليه الفديه، وبه قال مالك وأبو حنيفة وقال صاحباه عليه
صدقة لأن الخطمي يستلذ برائحته ويزيل الشعث ويقتل الهوام فوجبت به الفدية كالورس ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم الذي وقصه بعيره " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " متفق عليه فأمر بغسله بالسدر مع إثبات حكم الإحرام في حقه والخطمى كالسدر، ولأنه ليس بطيب فلم تجب الفدية باستعماله كالتراب، وقولهم يستلذ رائحته ممنوع ثم يبطل بالفاكهة وبعض التراب وإزالة الشعث يحصل بذلك أيضاً، وقتل الهوام لا يعلم حصوله ولا يصح قياسه على الورس لأنه طيب، ولذلك لو استعمله في غير الغسل أو في ثوبه منع منه بخلاف مسئلتنا (مسألة) (ولا يحرم صيد البحر على المحرم وفي إباحته في الحرم روايتان) لا يحرم صيد البحر على المحرم بغير خلاف لقوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة) قال ابن عباس وابن عمر طعامه ما ألقاه، وعن ابن عباس طعامه ملحه ولا خلاف بين أهل العلم في جواز أكله وبيعه وشرائه، ولا فرق بين حيوان البحر الملح وبين ما في الأنهار والعيون فإن اسم البحر يتناول الكل قال الله سبحانه (وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا) ولأن الله تعالى قابله بصيد البر بقوله (وحرم عليكم صيد البر) فدل على أن ما ليس من صيد البر فهو من صيد البحر، وحيوان البحر ماكان يعيش في الماء ويفرخ فيه ويبيض فيه، فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء كالسمك ونحوه فهذا لا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش في البر كالسلحفاة والسرطان فهو كالسمك لاجزاء فيه، وقال عطاء فيه الجزاء وفي الضفدع وكل ما يعيش في البر ولنا أنه يفرخ في الماء ويبيض فيه فكان من حيوانه كالسمك فأما طير الماء ففيه الجزاء في قول عامة أهل العلم منهم الاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم فيه مخالفاً غير ما حكي عن عطاء أنه قال: حيثما يكون أكثر فهو من صيده ولنا أنه إنما يفرخ في البر ويبيض فيه وإنما يدخل الماء ليتعيش فيه ويكتسب منه فهو كصياد الآدميين، فإن كان جنس من الحيوان نوع منه في البر ونوع منه في البحر كالسلحفاة فلكل نوع حكم نفسه كالبقر منها الوحشي محرم والأهلي مباح
(فصل) وهل يباح صيد البحر في الحرم فيه روايتان أصحهما أنه لا يباح فلا يحل الصيد من آبار الحرم وعيونه كرهه جابر بن عبد الله رضي الله عنه لقوله عليه السلام " لا ينفر صيدها " ولأن الحرمة تثبت للصيد بحرمة المكان وهو شامل لكل صيد (والثانية) أنه مباح لأن الإحرام لا يحرمه الحرم كالسباع والحيوان الأهلي (مسألة) (ويضمن الجراد بقيمته فإن انفرش في طريقه فقتله بالمشي عليه ففي الجزاء وجهان وعنه لا ضمان في الجراد) اختلفت الرواية في الجراد فعنه هو صيد البحر لا جزاء فيه وهو مذهب أبي سعيد، قال إبن المنذر قال ابن عباس وكعب هو من صيد البحر، قال عروة هو من نثرة حوت، وروي عن أبي هريرة قال أصابنا ضرب من جراد فكان الرجل منا يضرب بسوطه وهو محرم فقيل له أن هذا لا يصلح فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال " إن هذا من صيد البحر " وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الجراد من صيد البحر " رواهما أبو داود (والرواية الثانية) أنه من صيد البر وفيه الجزاء وهو قول الأكثرين لما روي أن عمر رضي الله عنه قال لكعب في جرادتين: ما جعلت في نفسك؟ قال درهمان، قال بخ درهمان خير من مائة جرادة، رواه
الشافعي في مسنده، ولأنه طير يشاهد طيرانه في البر ويهلكه الماء إذا وقع فيه أشبه العصافير، فأما الحديثان اللذان ذكرناهما للرواية الأولى فوهم قاله أبو داود، فعلى هذا يضمنه بقيمته لأنه لا مثل له وهذا قول الشافعي، وعن أحمد يتصدق بتمرة عن الجرادة وهذا يروى عن عمر وعبد الله بن عمر، وقال ابن عباس قبضة من طعام، قال القاضي كلام أحمد وغيره محمول على أنه أوجب ذلك على طريق القيمة، والظاهر أنهم لم يريدوا بذلك التقدير وإنما أرادوا فيه أقل شئ (فصل) فإن افترش الجراد في طريقه فقتله بالمشي عليه بحيث لا يمكنه التحرز منه ففيه وجهان (أحدهما) يجب جزاؤه لانه أتلقه لنفع نفسه فضمنه كالمضطر يقتل صيداً يأكله (والثاني) لا يضمنه لأنه اضطره إلى إتلافه أشبه الصائل عليه (مسألة) (ومن اضطر إلى أكل الصيد واحتاج إلى شئ من هذه المحظورات فله فعله وعليه الفداء) إذا اضطر إلى أكل الصيد أبيح له ذلك بغير خلاف علمناه لقوله سبحانه (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وترك الأكل مع القدرة عند الضرورة القاء بيده إلى التهلكة ومتى قتله لزمه ضمانه سواء وجد غيره أو لم يجد، وقال الأوزاعي لا يضمنه لأنه مباح أشبه صيد البحر ولنا عموم الآية ولأنه قتله من غير معنى حدث من الصيد يقتضي قتله فضمنه كغيره ولأنه أتلفه لدفع الأذى عن نفسه لا لمعنى منه أشبه حلق الشعر لأذى برأسه وكذلك إن احتاج إلى حلق شعره للمرض أو القمل وقطع شعره لمداواة جرح أو نحوه أو تغطية رأسه أو لبس المخيط أو شئ من المحظورات فله فعله كما جاز حلق رأسه للحاجة فإن فعله فعليه الفدية لأن الفدية تثبت في حلق الرأس للعذر للآية وحديث كعب بن عجرة وقسنا عليه سائر المحظورات (فصل) قال الشيخ رحمه الله (السابع) عقد النكاح لا يصح منه، وفي الرجعة روايتان ولا فدية عليه في شئ منهما.
لا يجوز للمحرم أن يتزوج لنفسه ولا يكون ولياً في النكاح ولا وكيلاً فيه ولا يجوز تزويج المحرمة
روى ذلك عن عمر وابنه وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وبه قال سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار
والزهري والاوزاعي ومالك والشافعي وأجازه ابن عباس وهو قول أبي حنيفة لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم متفق عليه ولأنه عقد يملك به الاستمتاع فلم يحرمه الإحرام كشراء الاماء.
ولنا ماروى عثمان بن عفان رض قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب " رواه مسلم ولان الإحرام يحرم الطيب فيحرم النكاح كالعدة فأما حديث ابن عباس فقد روى يزيد بن الأصم عن ميمونة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها حلالا وبنى بها حلالا وماتت بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رواه أبو داود والاثرم وعن أبي رافع قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم ميمونة وهو حلال وبنى بها وهو حلال وكنت أنا الرسول بينهما قال الترمذي هذا حديث حسن وميمونة أعلم بحال نفسها وأبو رافع صاحب القصة وهو السفير فيها فهما أعلم بذلك من ابن عباس وأولى بالتقديم لو كان ابن عباس كبيرا وقد كان صغيراً لا يعرف حقائق الأمور وقد أنكر عليه هذا القول فقال سعيد بن المسيب وهم من ابن عباس ما تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا حلالا فكيف يعمل بحديث هذا حاله ويمكن حمل قوله وهو محرم أي في الشهر الحرام أو في البلد الحرام كما قيل * قتلوا ابن عفان الخليفة محرماً * وقيل تزوجها حلالا وأظهر أمر تزويجها وهو محرم ثم لو تعارض الحديثان كان تقديم حديثنا أولى لأنه
قول النبي صلى الله عليه وسلم وذلك فعله والقول آكد لأنه يحتمل أن يكون مختصاً بما فعله وعقد النكاح يخالف شراء الأمة لأنه يحرم بالعدة والردة واختلاف الدين وكون المنكوحة اختاله من الرضاع ولأن النكاح إنما يراد للوطئ غالباً بخلاف الشراء فإنه يراد للخدمة والتجارة وغير ذلك فافترقا.
(فصل) وإذا وكل المحرم حلالا في النكاح فعقد له النكاح بعد تحلل الموكل صح العقد لأن الاعتبار بحالة العقد وإن وكله وهو حلال فلم يعقد له العقد حتى أحرم لم يصح لما ذكرنا فإن أحرم
الامام الاعظم منع من التزويج لنفسه وتزويج أقاربه وهل يمنع من أن يزوج بالولاية العامة فيه احتمالان (أحدهما) يمنع كما لو باشر العقد (والثاني) لا يمنع لأن فيه حرجاً على الناس وتضييقاً عليهم في سائر البلاد ولان من يزوج من الحكام إنما يزوجوه بإذنه وولايته ذكر ذلك ابن عقيل واختار الجواز لأنه حال ولايته كان حلالا والاستدامة أقوى من الابتداء لأن الإمامة العظمى من شرطها العدالة ولا تبطل بالفسق الطارئ (فصل) وإذا وكل الحلال محلاً في النكاح فعقد النكاح وأحرم الموكل فقالت الزوجة وقع العقد بعد الإحرام فلم يصح وقال الزوج بل قبله فالقول قوله وإن كان الاختلاف بالعكس فالقول قوله أيضاً لأنه يملك فسخ العقد فملك الإقرار به لكن يجب عليه نصف الصداق (فصل) فإن تزوج أو زوج أو زوجت المحرمة لم يصح النكاح سواء كان الكل محرمين أو بعضهم لأنه منهي عنه فلم يصح كنكاح المرأة على عمتها وخالتها، وقال ابن أبي موسى إذا زوج المحرم غيره صح في إحدى الروايتين، وروى عن أحمد رحمه الله أنه قال: إن زوج المحرم لم ينفسخ النكاح قال بعض أصحابنا هذا يدل على أنه إذا كان الولي بمفرده أو الوكيل محرماً لم يفسد النكاح لأنه سبب يبيح محظوراً للحلال فلم يمنع منه الإحرام كما لو حلق المحرم رأس حلال والمذهب الأول للحديث،
وكلام أحمد يحمل على أنه لم يفسخه لكونه مختلفاً فيه، قال القاضي ويفرق بينهما بطلقة وكذلك كل نكاح مختلف فيه كالنكاح بلا ولي ليباح تزويجها بيقين وفي الرجعة روايتان (إحداهما) لا تصح لأنه عقد وضع لإباحة البضع أشبه النكاح (والثانية) يصح ويباح وهو قول أكثر أهل العلم واختيار الخرقي لأنها إمساك للزوجة لقوله تعالى (فأمسكوهن بمعروف) ولأنها تجوز بلا ولي ولا شهود ولا اذنها فلم تحرم كامساكها بترك الطلاق، ولأن الصحيح من المذهب إن الرجعية مباحة قبل الرجعة فلا يحصل بها إحلال ولو قلنا إنها محرمة لم يكن ذلك مانعاً من رجعتها كالتكفير للمظاهر، وهذه الرواية هي الصحيحة إن شاء الله تعالى ويباح شراء الإماء للتسري وغيره، ولا نعلم في ذلك خلافاً والله أعلم (فصل) ويكره للمحرم الخطبة، وخطبة المحرمة، ويكره للمحرم أن يخطب للمحلين لقوله عليه السلام في حديث عثمان (ولا يخطب) ولأنه تسبب إلى الحرام أشبه الإشارة إلى الصيد والإحرام الفاسد كالصحيح في منع النكاح وسائر المحظورات لأن حكمه باق في وجوب ما يجب بالإحرام فكذلك ما يحرم به (فصل) ويكره أن يشهد في النكاح لأنه معونة على النكاح أشبه الخطبة، وإن شهد أو خطب لم يفسد النكاح، وقال بعض أصحاب الشافعي لا ينعقد النكاح بشهادة محرمين لأن في بعض الروايات لا يشهد ولنا أنه لا مدخل للشاهد في العقد فأشبه الخطيب وهذه الزيادة غير معروفة فلا يثبت بها حكم ومتى تزوج المحرم أو المحرمة أو زوج لم يجب عليه فدية لأنه فسد لأجل الاحرام فلم يجب به فدية كشراء الصيد ولا فرق بين الإحرام الفاسد والصحيح فيما ذكرنا لأنه يمنع ما يمنعه في الصحيح كحلق الشعر وتقليم الأظفار وغير ذلك كذلك التزويج
(فصل) قال الشيخ رحمه الله (الثامن الجماع في الفرج قبلاً كان أو دبراً من آدمي أو غيره فمتى فعل ذلك قبل التحلل فسد نسكه عامداً كان أو ساهياً) يفسد الحج بالوطئ في الجملة بغير خلاف.
قال إبن المنذر: أجمع أهل العلم على أن الحج لا يفسد باتيان شئ في حال الإحرام إلا بالجماع والأصل فيه ماروي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلاً سأله فقال: إني وقعت بامرأتي ونحن محرمان، فقال إفسدت حجك انطلق أنت وأهلك مع الناس فاقضوا ما يقضون، وحل إذا أحلوا، فإذا كان العام المقبل فاحجج أنت وامرأتك واهديا هدياً، فإن لم تجدا فصوما ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم، وكذلك قال ابن عباس وابن عمر ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً رواه الأثرم في سننه وفي حديث ابن عباس " ويتفرقان من حيث يحرمان حتى يقضيا حجهما " قال إبن المنذر قول ابن عباس أعلى شئ روي فيمن وطئ في حجه، وروي ذلك عن عمر رضي الله عنه، وبه قال سعيد بن المسيب وعطاء والنخعي والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي (فصل) ومتى كان قبل التحلل الأول فسد الحج سواء كان قبل الوقوف أو بعده في قول الأكثرين، وقال أبو حنيفة وأصحاب الرأي: إن جامع قبل الوقوف فسد حجه، وإن جامع بعده لم يفسد لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " ولأنه معنى يأمن به الفوات فأمن به الإفساد كالتحلل
ولنا قول من سمينا من الصحابة فإن قولهم مطلق جامع وهو محرم، ولأنه جماع صادف إحراما تاما فأفسده كما قبل الوقوف، وقوله عليه السلام " الحج عرفة " يعني معظمة، أو أنه ركن متأكد فيه ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد بدليل العمرة (فصل) ولا فرق بين الوطئ في القبل والدبر من آدمي أو بهيمة، وبه قال الشافعي وأبو ثور ويتخرج من وطئ البهيمة أنه لا يفسد الحج إذا قلنا لا يجب به الحد وهو قول مالك وأبي حنيفة لأنه لا يوجب الحد أشبه الوطئ دون الفرج.
وحكى أبو ثور عن أبي حنيفة إن اللواط والوطئ في دبر