فقوله سبحانه (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا عام وأجمع المسلمون على إباحة التمتع، وأما السنة فروى سعيد بإسناده أن سراقة بن مالك سأل النبي صلى الله عليه وسلم المتعة لنا خاصة أم هي للأبد؟ قال " بل هي للأبد " وفي لفظ قال هي لعامنا أو للأبد؟ قال " بل لأبد الأبد دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة " وفي حديث جابر الذي رواه مسلم في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا ومعناه والله أعلم أن الجاهلية كانوا لا يحيزون التمتع ويرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور فبين النبي صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى قد شرع العمرة في أشهر الحج وجوز المتعة إلى يوم القيامة وقد خالف أبا ذر علي وسعد وابن عباس وابن عمر وعمران بن حصين وسائر المسلمين قال عمران تمتعنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل فيه القرآن ولم ينهنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينسخها شئ فقال فيها رجل برأيه ما شاء متفق عليه وقال سعد بن أبي وقاص فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني المتعة وهذا يومئذ كافر بالعرش يعني الناهي عنها والعرش بيوت مكة قال أحمد حين ذكر له حديث أبي ذر أفيقول بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله تعالى وقد أجمع المسلمون على جوازها، فإن قيل فقد روى أبو داود أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتى عمر فشهد عنده أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم
ينهى عن العمرة قبل الحج قلنا هذا حاله في مخالفة الكتاب والسنة والإجماع كحال حديث أبي ذر بل هو أدنى حالا فإن في إسناده مقالاً فإن قيل فقد نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية قلنا فقد أنكر عليهم علماء الصحابة نهيهم عنها وخالفوهم في فعلها وقد ذكرنا إنكار علي على عثمان واعتراف عثمان له وقول عمران بن حصين منكراً لنهي من نهى وقول سعد عائباً على معاوية نهيه عنها وردهم عليهم بحجج لم يكن لهم عنها جواب بل ذكر بعض من نهى في كلامه الحجة عليه فقال عمر رضي الله عنه والله إني لأنهاكم عن المتعة وإنها لفي كتاب الله وقد صنعها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا خلاف في أن من خالف كتاب الله وسنة رسوله له حقيق بأن لا يقبل نهيه ولا يحتج به مع أنه قد سئل سالم بن عبد الله بن عمر أنهى عمر عن المتعة؟ قال لا والله ما نهى عنها عمر ولكن قد نهى عنها عثمان ولما نهى معاوية عن المتعة أمرت عائشة حشمها ومواليها أن يهلوا بها فقال معاوية من هؤلاء فقيل حشم أو موالي عائشة فأرسل إليها ما حملك على ذلك؟ فقالت أحببت أن يعلم أن الذي قلت ليس كما قلت وقيل لابن عباس أن فلانا نهى عن المتعة قال انظروا في كتاب الله فإن وجدتموها فيه فقد كذب على الله وعلى رسوله وإن لم تجدوها فقد صدق فأي الفريقين أحق بالاتباع وأولى بالصواب؟ الذين معهم كتاب الله وسنة رسوله أم الذين يخالفونهما؟ ثم قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي قوله حجة على الخلق أجمعين فكيف
يعارض بقول غيره قال سعيد بن جبير عن ابن عباس قال تمتع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " عروة نهى أبو بكر وعمر رضي الله عنهما عن المتعة فقال ابن عباس أراهم سيهلكون أقول قال النبي صلى الله عليه وسلم ويقولون نهى عنها أبو بكر وعمر وسئل ابن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقال إنك تخالف أباك فقال: عمر لم يقل الذي تقولون فإذا أكثروا عليه قال فكتاب الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ روى الأثرم هذا كله (مسألة) (
وصفة التمتع أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها ويحرم بالحج من مكة أو من قريب منها في عامة
، والإفراد أن يحرم بالحج مفرداً والقران أن يحرم بهما جميعاً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج ولو أحرم بالحج ثم أدخل عليه العمرة لم يصح إحرامه بها) إذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز وكان قارناً بغير خلاف وقد فعل ذلك ابن عمر ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما بعد الطواف فليس له ذلك ولا يصير قارناً وبهذا قال الشافعي وابو ثور وروي عن عطاء، وقال مالك يصير قارناً وحكي ذلك عن أبي حنيفة لأنه أدخل الحج على إحرام العمرة فصح كما قبل الطواف ولنا أنه قد شرع في التحلل من العمرة فلم يجز إدخال الحج عليها كما بعد السعي (فصل) إلا أن يكون معه هدي فله ذلك لأنه لا يجوز له التحلل حتى ينحر هديه لقوله سبحانه (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) فلا يتحلل بطوافه ويتعين عليه إدخال الحج على العمرة لئلا يفوته الحج ويصير قارناً بخلاف غيره (فصل) فأما إدخال العمرة على الحج فلا يجوز وإن فعل لم يصح ولم يصر قارناً روى ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر وقال أبو حنيفة يصح ويصير قارناً لأنه أحد النسكين فجاز إدخاله على الآخر كالآخر ولنا أنه قول علي رضي الله عنه رواه عنه الأثرم ولأن إدخال العمرة على الحج لا يفيد إلا ما أفاده العقد الأول فلم يصح كما لو استأجره على عمل ثم استأجره عليه ثانياً وعكسه إذا أدخل الحج على العمرة (مسألة) (ويجب على المتمتع والقارن دم نسك إذا لم يكونا من حاضري المسجد الحرام وهم أهل مكة ومن كان منها دون مسافة القصر)
يجب الدم على المتمتع في الجملة بالإجماع قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن من أهل بعمرة في أشهر الحج من أهل الآفاق من الميقات وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها فحج من عامة أنه متمتع وعليه الهدي إن وجد وإلا فالصيام وقد نص الله سبحانه عليه بقوله (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية وقال ابن عمر تمتع الناس مع النبي صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس " من لم يكن معه هدي فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر ثم ليهل بالحج ويهدي فمن لم يجد فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه وعن أبي حمزة قال سألت ابن عباس عن المتعة فأمرني بها وسألته عن الهدي فقال فيها جزور أو بقرة أو شرك في دم متفق عليه (مسألة) (والدم الواجب شاة أو سبع بدنة أو بدنة فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيراً) وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك لا يجزئ إلا بدنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما تمتع ساق بدنة والذي ذكره ترك لظاهر القرآن لأنه سبحانه قال (فما استيسر من الهدي) واطراح الآثار الثابتة وما احتجوا به فلا حجة فيه فإن إهداء النبي صلى الله عليه وسلم للبدنة لا يمنع اجزاء ما دونها فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد ساق مائة بدنة ولا خلاف في أن ذلك ليس بواجب فلا يجب أن تكون البدنة التي ذبحها على صفة بدن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أنهم يقولون أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مفرداً في حجته ولذلك ذهبوا إلى تفضيل الأفراد فكيف يكون سوقه للبدنة دليلاً لهم في التمتع ولم يكن متمتعاً (فصل) وإنما يجب الدم بشروط خمسة (أولها) أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فإن أحرم بها في غير أشهره لم يكن متمتعاً ولا يلزمه دم سواء وقعت أفعالها في أشهر الحج أو في غيره، نص عليه قال الأثرم سمعت أبا عبد الله سئل من أهل بعمرة في غير أشهر الحج ثم قدم في شوال أيحل في عمرته من شوال أو يكون متمتعاً؟ قال لا يكون متمتعاً واحتج بحديث جابر وذكر إسناده عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن امرأة تجعل على نفسها عمرة في شهر مسمى ثم يخلو إلا ليلة واحدة ثم تحيض، قال لتخرج ثم لتهل بعمرة، ثم لتنتظر حتى تطهر، ثم لتطف بالبيت، قال أبو عبد الله فجعل عمرتها في الشهر الذي حلت فيه ولا نعلم بين أهل العلم خلافاً أن من اعتمر في غير أشهر الحج وفرغ من عمرته قبل أشهر الحج أنه لا يكون متمتعاً إلا قولين شاذين
(أحدهما) عن طاوس أنه قال: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى الحج فأنت متمتع (والآخر) عن الحسن أنه قال: من اعتمر بعد النحر فهي متعة، قال إبن المنذر لا نعلم أحدا قال بواحد من هذين القولين، فأما إن أحرم بالعمرة في غير أشهر الحج ثم حل منها في أشهر الحج فإنه لا يكون متمتعاً على ما ذكرناه عن أحمد، ونقل معنى ذلك عن جابر وأبي عياض وهو قول إسحاق وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم، وقال الحسن والحكم وابن شبرمة والثوري والشافي في أحد قوليه عمرته في الشهر الذي يطوف فيه، وقال عطاء عمرته في الشهر الذي يحل فيه وهو قول مالك، وقال أبو حنيفة إن طاف للعمرة أربعة أشواط في غير أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج فهو متمتع لأن العمرة صحت في أشهر الحج بدليل أنه لو وطئ أفسدها أشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج ولنا ما ذكرناه عن جابر ولأنه أتى بالنسك لا تتم العمرة إلا به في غير أشهر الحج فلم يكن متمتعاً كما لو طاف ويخرج عليه ما قاسوا عليه (الثاني) أن يحج من عامة فإن اعتمر في أشهر الحج فلم يحج ذلك العام بل حج في العام القابل فليس بمتمتع لا نعلم فيه خلافاً إلا قولاً شاذاً عن الحسن فيمن اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع حج أو لم يحج، والجمهور على خلاف هذا لأن الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) وهذا يقتضي الموالاة بينهما، ولأنهم إذا اجمعوا على أن من اعتمر في غير أشهر الحج ثم حج من عامه فليس بمتمتع فهذا أولى لأن التباعد بينهما أكثر (الثالث) أن لا يسافر بين العمرة والحج سفراً بعيداً تقصر في مثله الصلاة، نص عليه، وروي ذلك عن عطاء والمغيرة والمديني واسحق، وقال الشافعي إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه، وقال أصحاب الرأي إن رجع من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال مالك إن رجع إلى مصرة أو إلى غيره أبعد من مصره بطلت متعته وإلا فلا، وقال الحسن هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر لعموم قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) الآية ولنا ماروي عمر رضي الله عنه أنه قال إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام فهو متمتع فإن خرج
ورجع فليس بمتمتع وعن ابن عمر نحو ذلك ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزمه الإحرام منه فإن كان بعيداً فقد أنشأ سفرا بعيداً لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين فلم يلزمه دم كموضع الوفاق والآية تناولت المتمتع وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر رضي الله عنه (الرابع) أن يحل من إحرام العمرة قبل إحرامه بالحج فإن أدخل الحج على العمرة قبل حله منها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يصير قارناً ولا يلزمه دم المتعة قالت عائشة رضي الله عنها خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج وعدي العمرة " قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك، قال عروة فقضى الله حجتها وعمرتها ولم يكن في شئ من ذلك هدي ولا صوم ولا صدقة متفق عليه ولكن عليه دم للقران لأنه صار قارناً وترفه بسقوط أحد السفرين، فأما قول عروة لم يكن في ذلك هدي يحتمل أنه أراد لم يكن فيه هدي للمتعة إذ قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة بينهن (الخامس) أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ولا خلاف بين أهل العلم في أن دم المتعة لا يجب على حاضري المسجد الحرام لقوله تعالى (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) والمعنى في ذلك إن حاضر المسجد الحرام ميقاته مكة ولا يحصل له الترفه بترك أحد السفرين ولأنه أحرم من ميقاته أشبه المفرد.
(فصل) وحاضرو المسجد الحرام أهل الحرم ومن بينه وبين مكة دون مسافة القصر نص عليه أحمد وروي ذلك عن عطاء وبه قال الشافعي وقال مالك: هم أهل مكة وقال مجاهد: هم أهل الحرم وروي ذلك عن طاوس وروي عن مكحول وأصحاب الرأي من دون المواقيت لأنه موضع شرع فيه النسك فأشبه الحرم
لونا أن حاضر الشئ من دنا منه ومن دون مسافة القصر قريب من حكم الحاضر بدليل أنه إذا قصده لا يترخص رخص المسافر من الفطر والقصر فيكون من حاضريه، وتحديده بالميقات
لا يصح لأنه قد يكون بعيداً يثبت له حكم السفر البعيد إذا قصده ولأن ذلك يفضي إلى جعل البعيد من حاضريه، والقريب من غير حاضريه لتفاوت المواقيت في القرب والبعد واعتباره بما ذكرنا أولى لأن الشارع حد الحاضر دون مسافة القصر بنفي أحكام المسافرين عنه فكان الاعتبار به أولى من الاعتبار بالنسك لوجود لفظ الحضور في الآية (فصل) إذا كان للمتمتع قريتان قريبة وبعيده فهو من حاضري المسجد الحرام لأنه إذا كان بعض أهله قريباً لم يوجد فيه الشرط وهو أن لا يكون أهله من حاضري المسجد الحرام، ولأن له أن يحرم من القريبة فلم يكن بالتمتع مترفها بترك أحد السفرين، وقال القاضي: له حكم القرية التي يقيم بها أكثر فإن استويا فمن التي ماله بها أكثر؟ فإن استويا فمن التي ينوي الإقامة بها أكثر؟ فإن استويا فله حكم القرية التي أحرم منها وقد ذكرنا دليل ما قلناه (فصل) فإن دخل الآفاقي مكة متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد تمتعه فعليه دم المتعة قال إبن المنذر أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم ولو كان الرجل منشأة بمكة فخرج عنها منتقلاً مقيماً بغيرها ثم عاد إليها متمتعاً ناوياً للإقامة بها أو ناو فعليه دم متعة لأنه خرج بالانتقال عنها عن أن يكون من أهلها وبه قال مالك والشافعي واسحاق وذلك لأن حضور المسجد الحرام إنما حصل بنية الإقامة وفعلها وهذا إنما نوى الإقامة إذا فرغ من أفعال الحج لأنه إذا فرغ من عمرته فهو ناو للخروج إلى الحج فكأنه إنما نوى أن يقيم بعد وجوب الدم عليه فأما إن سافر المكي غير منتقل ثم عاد فاعتمر من الميقات وحج من عامة فلا دم عليه لأنه لم يخرج بذلك عن كون أهله من حاضري المسجد الحرام (فصل) وهذا الشرط الخامس شرط لوجوب الدم عليه وليس بشرط لكونه متمتعاً فإن متعة المكي صحيحة لأن التمتع أحد الإنساك الثلاثة فصح من المكي كالنسكين الآخرين ولأن حقيقة التمتع أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحج من عامة وهذا موجود في المكي وقد نقل عن أحمد ليس على
أهل مكة متعة ومعناه ليس عليهم دم متعة لأن المتعة له لا عليه فتعين حمله على ما ذكرناه (فصل) إذا ترك الآفاقي الإحرام من الميقات وأحرم من دونه بعمرة ثم حل منها وأحرم بالحج من مكة من عامه فهو متمتع وعليه دمان دم المتعة ودم لإحرامه من دون الميقات.
قال إبن المنذر
وابن عبد البر أجمع العلماء على أن من أحرم في أشهر الحج بعمرة وحل منها ولم يكن من حاضري المسجد ثم أقام بمكة حلالاً ثم حج من عامه أنه متمتع عليه دم.
وقال القاضي إذا تجاوز الميقات حتى صار بينه وبين مكة أقل من مسافة القصر فأحرم منه فلا دم عليه للمتعة لأنه من حاضري المسجد الحرام وليس بجيد فإن حضور المسجد الحرام إنما يحصل بالإقامة به ونية ذلك، وهذا لم تحصل منه الإقامة ولا نيتها ولأن الله تعالى قال (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وهذا يقتضي أن يكون المانع من الدم السكنى به وهذا ليس بساكن، وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج وحج من عامه فهو متمتع نص عليه أحمد وعليه دم وفي تنصيصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى، وذكر القاضي شرطاً سادساً لوجوب الدم وهو أن ينوي في ابتداء العمرة وفي أثنائها أنه متمتع وظاهر النص يدل على أن هذا غير مشترط فإنه لم يذكره، وكذلك الإجماع الذي ذكرناه مخالف لهذا القول لأنه قد حصل له الترفه بترك أحد السفرين فلزمه الدم كمن نوى (فصل في وقت وجوب الهدي وذبحه) أما وقت وجوبه فعن أحمد أنه يجب إذا أحرم بالحج وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأن الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا قد فعل ذلك ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف كقوله تعالى (ثم أتموا الصيام إلى الليل) وعنه أنه يجب الدم إذا وقف بعرفه اختاره القاضي، وهو قول مالك لأن التمتع بالعمرة إلى الحج إنما يحصل بعد وجود الحج منه ولا يحصل ذلك إلا بالوقوف لقول النبي صلى الله عليه وسلم " الحج عرفة " ولأنه قبل ذلك بعرض الفوات فلا يحصل التمتع ولأنه لو احرم بالحج ثم أحصر أو فاته الحج لم يلزمه دم المتعة ولا كان متمتعاً ولو وجب الدم لما سقط وقال عطاء: يجب إذا رمى الجمرة.
ونحوه قال أبي الخطاب
قال: يجب إذا طلع الفجر يوم النحر لأنه وقت ذبحه فكان وقت وجوبه، وأما وقت ذبحه فيوم النحر، وبه قال مالك وأبو حنيفة لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز ذبح الأضحية فيه فلا يجوز ذبح الهدي الذي للمتمتع كما قبل التحلل من العمرة، وقال أبو الخطاب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال ومعه هدي قال ينحر بمكة وإن قدم قبل العشر نحره لا يضيع أو يموت أو
يسرق، وكذا قال عطاء: وإن قدم في العشر لم ينحره حتى ينحره بنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه قدموا في العشر فلم ينحروا حتى نحروا بمنى.
ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته وأقام على إحرامه وكان قارنا، وقال الشافعي: يجوز نحره بعد الإحرام بالحج قولاً واحداً وفيما قبل ذلك بعد حله من العمرة احتمالان ووجه جوازه أنه دم يتعلق بالإحرام وينوب عنه الصيام فجاز قبل يوم النحر كدم الطيب ولأنه يجوز إذا بدله قبل يوم النحر فجاز اداؤه قبله كسائر الفديات (فصل) ويجب الدم على القارن في قول عامة أهل العلم ولا نعلم فيه خلافاً الا عن داود لأنه قال لا دم عليه وروي عن طاوس وحكى ابن المنذر إن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال لا فجروا برحله وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم ولنا قوله تعالى (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وهذا متمتع بالعمرة إلى الحج بدليل أن عليا لما سمع عثمان ينهى عن المتعة أهل بالعمرة والحج ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه وقال ابن عمر رضي الله عنهما إنما القران لأهل الآفاق وتلا قوله (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من قرن بين حجته فليهريق دما " ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين فأشبه المتمتع فإن عدم الدم فعليه صيام كصيام المتمتع سواء ومن شرط وجوب الدم عليه أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام في قول جمهور العلماء.
وقال ابن الماجشون: عليه دم لأن الله تعالى إنما أسقط الدم عن المتمتع وليس هذا متمتعاً والصحيح الأول فإننا قد ذكرنا أنه متمتع وإن لم يكن متمتعاً فهو فرع عليه ووجوب الدم على القارن إنما كان معنى النص على المتمتع ولا يجوز أن يخالف الفرع عليه
(مسألة) (ومن كان مفرداً أو قارناً أحببنا له أن يفسخ إذا طاف وسعى ويجعلها عمره لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه بذلك إلا أن يكون معه هدي فيكون على إحرامه) إذا كان مع المفرد والقارن هدي فليس له أن يحل من إحرامه ويجعله عمرة بغير خلاف علمناه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة قال للناس " من كان منكم أهدى فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة
وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهد ومن لم يحل هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه.
فأما من لا هدي معه فيستحب له إذا طاف وسعى أن يفسخ نيته بالحج وينوي عمرة مفردة فيقصر ويحل من إحرامه ليصير متمتعاً إن لم يكن وقف بعرفة.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يرى أن من طاف بالبيت وسعى فقد حل وإن لم ينو ذلك وبهذا الذي ذكرناه قال مجاهد والحسن وداود وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز له ذلك لأن الحج أحد النسكين فلم يجز فسخه كالعمرة.
وروى ابن ماجة عن بلال بن الحارث المزني عن أبيه أنه قال يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن يأتي قال " لنا خاصة " وروي أيضاً عن المرقع الأسدي عن أبي ذر رضي الله عنه قال كان ما أذن لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخلنا مكة أن نجعلها عمرة ونحل من كل شئ إن تلك كانت لنا خاصة رخصة من رسول الله صلى الله عليه وسلم دون جميع الناس ولنا أنه قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أمر أصحابه في حجة الوداع الذين أفردوا الحج وقرنوا أن يحلوا كلهم ويجعلوها عمرة إلا من كان معه الهدي في أحاديث كثيرة متفق عليها بحيث يقرب من المتواتر ولم يختلف في صحة ذلك وثبوته عن النبي صلى الله عليه وسلم أحد من أهل العلم علمناه.
وذكر أبو حفص في شرحه بإسناده عن إبراهيم الخرقي وقد سئل عن فسخ إلى العمرة فقال قال سلمة بن شبيب لاحمد ابن حنبل يا أبا عبد الله: كل شئ منك حسن جميل إلا خلة واحدة فقال وما هي؟ قال تقول نفسخ الحج قال احمد ما كنت أرى أن لك عقلاً، عندي ثمانية عشر حديثاً صحاحاً جياداً كلها في فسخ الحج أتركها لقولك، وقد روى فسخ الحج إلى العمرة ابن عمر وابن عباس وجابر وعائشة رضي الله
عنهم وأحاديثهم متفق عليها ورواه غيرهم من وجوه صحاح.
قال جابر: أهللنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحج خالصاً وحده وليس معه غيره فقدم النبي صلى الله عليه وسلم صبح رابعة مضت من ذي الحجة فلما قدمنا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم إن نحل قال أحلوا وأصيبوا من النساء قال فبلغه عنا أنا نقول لم يكن بيننا وبين عرفة لا خمس ليال أمرنا أن نحل إلى نسائنا فنأتي عرفة تقطر مذاكيرنا بالمني قال فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " قد علمتم أني أتقاكم لله وأصدقكم وأبركم، ولولا هديي تحللت كما تحلون فحلوا، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما اهديت " قال فحللنا وسمعنا وأطعنا، قال فقال سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي
متعتنا هذه يارسول الله لعامنا هذا أم للأبد؟ فظنه محمد بن أبي بكر أنه قال: للأبد متفق عليه، فأما حديثهم فقال أحمد روى هذا الحديث الحرث بن بلال، فمن الحارث بن بلال؟ يعني أنه مجهول ولم يروه إلا الداروردي، وحديث أبي ذر رواه مرقع الأسدي، فمن مرقع الأسدي؟ شاعر من أهل الكوفة لم يلق أبا ذر، فقيل له أفليس قد روى الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر قال كانت لنا متعة الحج خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أفيقول هذا أحد؟ المتعة في كتاب الله؟ وقد أجمع الناس على أنها جائزة، قال الجوزجاني مرقع الأسدي ليس بالمشهور، ومثل هذه الأحاديث في ضعفها وجهالة رواتها لا تقبل إذا انفردت فكيف تقبل في رد حكم ثابت بالتواتر مع أن قول أبي ذر من رأيه، وقد خالفه من هو أعلم منه، وقد شذ به عن الصحابة رضي الله عنهم فلا يكون حجة، وأما قياسهم فلا يقبل في مقابلة النص الصحيح على أن قياس الحج على العمرة في هذا لا يصح فإنه يجوز قلب الحج إلى العمرة في حق من فاته الحج ومن حصر عن عرفة والعمرة لا تصير حجاً بحال، ولأن فسخ الحج إلى العمرة يصير به متمتعاً فحصل الفضيلة وفسخ العمرة إلى الحج يفوت الفضيلة، ولا يلزم من مشروعية ما يحصل الفضيلة مشروعية ما يفوتها (فصل) وإذا فسخ الحج إلى العمرة صار متمتعاً حكمه حكم المتمتعين في وجوب الدم وغيره، وقال القاضي لا يجب الدم لأن من شرط وجوبه أن ينوي في ابتداء العمرة أو في انتهائها أنه متمتع، وهذه دعوى لا دليل عليها تخالف عموم الكتاب وصريح السنة الثابتة فإن الله تعالى قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصر وليحلل، ثم ليهل بالحج وليهدي، ومن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله " متفق عليه، ولأن وجوب دم المتعة للترفه بسقوط أحد السفرين، وهذا المعنى لا يختلف بالنية وعدمها فوجب أن لا يختلف في الوجوب على أنه لو ثبت أن النية شرط فقد وجدت فانه ماحل حتى نوى أنه يحل ثم يحرم بالحج (مسألة) ولو ساق المتمتع الهدي لم يكن له أن يحل لقول الله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) ولما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال تمتع الناس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعمرة إلى الحج فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة قال للناس من كان معه هدي فإنه لا يحل من شئ حرم منه حتى يقضي حجته متفق عليه وهذا مذهب أبي حنيفة وقال مالك والشافعي في قول: له التحلل وينحر هديه عند المروة ويحتمله كلام الخرقي ولنا ما ذكرنا من الآية وحديث ابن عمر وروت حفصة رضي الله عنها أنها قالت يارسول الله ما شأن الناس حلوا من العمرة ولم تحل أغت من عمرتك؟ قال " إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر " متفق عليه والأحاديث في ذلك كثيرة وعن أحمد فيمن قدم متمتعاً في أشهر الحج وساق الهدي قال: إن دخلها في العشر لم ينحر الهدي حتى ينحره يوم النحر وإن قدم قبل العشر نحر الهدي، وهذا يدل على أن المتمتع إذا قدم قبل العشر حل وإن كان معه هدي وهذا قول عطاء رواه حنبل في المناسك وقال من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي لحديث حفصة والرواية الأولى أولى لما ذكرنا من الحديث الصحيح وهو أولى بالاتباع (فصل) فأما المعتمر غير المتمتع فإنه يحل بكل حال في أشهر الحج وغيرها كان معه هدي أو لم يكن لأن النبي صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاث عمر سوى عمرته التي مع حجته بعضهن في ذي القعدة فكان يحل فإن كان معه هدي نحره عند المروة وحيث نحره من الحرم جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كل فجاج مكة طريق ومنحر " رواه أبو داود وابن ماجة (مسألة) (والمرأة إذا دخلت متمعة فحاضت فخشيت فوات الحج أحرمت بالحج وصارت قارنة) إذا حاضت المتمتعة قبل طواف العمرة لم يكن لها أن تطوف بالبيت لأنه صلاة ولأنها ممنوعة من دخول المسجد ولا يمكنها أن تحل من عمرتها قبل الطواف فإذا خشيت فوات الحج أحرمت بالحج من عمرتها وصارت قارنة، هذا قول مالك والاوزاعي والشافعي وكثير من أهل العلم، وقال أبو حنيفة قد رفضت العمرة وصار حجا وما قال هذا أحد غير أبي حنيفة وحجته ما روى عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت أهللت بعمرة فقدمت مكة وأنا حائض لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة فشكوت ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " انقضي رأسك وامتشطي وأهلي بالحج ودعي
العمرة قالت ففعلت فلما قضينا الحج أرسلني رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم فاعتمرت معه فقال هذه عمرة مكان عمرتك متفق عليه دليل على أنها رفضت عمرتها وأحرمت بحج من وجوه.
(أحدها) قوله (دعي عمرتك) و (الثاني) قوله (وامتشطي) و (الثالث) قوله (هذه عمرة مكان عمرتك) ولنا ما روى جابر قال: أقبلت عائشة بعمرة حتى إذا كانت بسرف عركت ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على عائشة فوجدها تبكي فقال " ما شأنك؟ " قالت شأني أني قد حضت وقد حل الناس ولم أحل ولم أطف بالبيت والناس يذهبون إلى الحج الآن فقال " إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم فاغتسلي ثم أهلي بالحج " ففعلت ووقفت المواقف حتى إذا طهرت طافت بالكعبة وبالصفا والمروة ثم قال " قد حللت من حجتك وعمرتك " قالت يارسول الله إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى طاوس عن عائشة أنها قالت أهللت بعمرة فقدمت ولم أطف حتى حضت فنسكت المناسك كلها، وقد أهللت بالحج فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " يوم النفر يسعك طوافك لحجك وعمرتك " فأبت فبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر فأعمرها من التنعيم.
رواهما مسلم وهما يدلان على جميع ما ذكرنا، ولأن إدخال الحج على العمرة جائز بالإجماع من غير خشية الفوات فمع خشيته أولى، وقال
ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن لمن أهل بالعمرة أن يدخل عليها الحج ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم من كان معه هدي في حجة الوداع أن يهل بالحج مع العمرة ومع إمكان الحج مع بقاء العمرة لا يجوز رفضها كغير الحائض، فأما حديث عروة فإن قوله " انقضي رأسك وامتشطي ودعي العمرة " انفرد به عروة وخالف به كل من روي عن عائشة حين حاضت وقد روي ذلك طاوس والقاسم والاسود وغيره عن عائشة فلم يذكروا ذلك، وحديث جابر وطاوس مخالفان لهذه الزيادة
وقد روى حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديث حيضها فقال فيه حدثني غير واحد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها " دعي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي " وذكر تمام الحديث، وهذا يدل على أنه لم يسمع من عائشة هذه الزيادة وهو مع ما ذكرنا من مخالفة بقية الرواة يدل على الوهم مع مخالفتها للكتاب والأصول إذ ليس لنا موضع آخر يجوز فيه رفض العمرة مع إمكان إتمامها، ويحتمل أن قوله " دعي العمرة " أي دعيها بحالها وأهلي بالحج معها أو دعي أفعال العمرة فإنها تدخل في أفعال الحج، فأما العمرة من التنعيم فلم يأمرها بها النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما قالت للنبي صلى الله عليه وسلم إني أجد في نفسي أني لم أطف بالبيت حتى حججت، قال " فاذهب بها يا عبد الرحمن فاعمرها من التنعيم " وروى الأثرم باسناده عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها قال: قلت اعتمرت بعد الحج؟ قالت والله ما كانت عمرة ما كانت إلا زيارة ورب البيت إنما هي مثل نفقتها.
قال أحمد: إنما أعمر النبي صلى الله عليه وسلم عائشة حين ألحت عليه فقالت يرجع الناس بنسكين وأرجع بنسك فقال " يا عبد الرحمن أعمرها " فنظر إلى أدنى الحل فأعمرها منه (مسألة) (ومن أحرم مطلقا صح وله صرفه إلى ما شاء) يصح الإحرام بالنسك المطلق وهو أن لا يعين حجاً ولا عمرة لأنه إذا صح الإحرام مع الإبهام صح مع الإطلاق قياساً عليه، فإذا أحرم مطلقاً فله صرفه إلى ما شاء من الإنساك لأن له أن يبتدئ
الإحرام بأيها شاء فكان له صرف المطلق إلى ذلك.
والأولى صرفه إلى العمرة لأنه إن كان في غير أشهر الحج فالإحرام بالحج مكروه أو ممتنع، وإن كان في أشهر الحج فالعمرة أولى لأن التمتع أفضل وقد قال أحمد يجعله عمرة لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى حين أحرم بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعلها عمرة كذا هذا
(مسألة) (وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان انعقد إحرامه بمثله) يصح إبهام الإحرام وهو أن يحرم بما أحرم به فلان لما روى أبو موسى رضي الله عنه قال قدمت علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منيخ بالبطحاء فقال لي بما أهللت؟ فقلت لبيك بإهلال كإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " أحسنت " فأمرني فطفت بالبيت وبالصفا والمروة ثم قال " حل " متفق عليه وروى جابر وأنس أن عليا قدم من اليمن علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم بما أهللت؟ فقال أهللت بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال جابر في حديثه قال " فاهد وامكث إحراماً " وقال أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن معي هديا لحللت " متفق عليهما ولا يخلو من أبهم إحرامه من أربعة أحوال (أحدها) أن يعلم ما أحرم به فلان فينعقد حرامه بمثله فان علياً رضي الله عنه قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم " ماذا قلت حين فرضت الحج؟ " قال قلت اللهم إني أهل بما أهل به رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فإن معي الهدي فلا تحل " (الثاني) أن لا يعلم ما أحرم به فلان فيكون حكمه حكم الناسي على ما سنذكره إن شاء الله تعالى (الثالث) أن يكون فلان قد أحرم مطلقاً فيكون حكمه حكم الفصل الذي قبله (الرابع) أن لا يعلم هل أحرم فلان أو لا فحكمه حكم من لم يحرم لأن الأصل عدم إحرامه فيكون إحرامه ههنا مطلقاً يصرفه إلى ما شاء فإن صرفه قبل الطواف وقع طوافه عما صرف إليه، وإن طاف قبل صرفه لم يعتد بطوافه لأنه طاف لا في حج ولا عمرة
(مسألة) (وإن أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد إحرامه بإحداهما) إذ أحرم بحجتين أو عمرتين انعقد بإحداهما ولغت الأخرى، وبه قال مالك والشافعي وقال أبو حنيفة ينعقد بهما وعليه قضاء إحداهما لأنه أحرم بها ولم يتمها ولنا أنهما عبادتان لا يلزمه المضي فيهما فلم يصح الإحرام بهما كالصلاتين، وعلى هذا لو أفسد حجه وعمرته لم يلزمه إلا قضاؤها وعند أبي حنيفة يلزمه قضاؤهما معا بناء على صحة احرامه بهما (مسألة) (وإن أحرم بنسك ونسيه جعله عمرة وقال القاضي يصرفه إلى ما شاء) أما إذا أحرم بنسك ونسيه قبل الطواف فله صرفه إلى أي الإنساك شاء فإنه إن صرفه إلى عمرة وكان المنسي عمرة فقد أصاب وان كان حجا مفرداً أو قارناً فله فسخهما إلى العمرة على ما ذكرناه وإن صرفه إلى القران وكان المنسي قرانا فقد أصاب وإن كان عمرة فادخال الحج على العمرة جائز قبل الطواف فيصير قارناً، وإن كان مفرداً لغا إحرامه بالعمرة، وصح حجه، وسقط فرضه وإن صرفه إلى الإفراد وكان مفرداً فقد أصاب وإن كان متمتعاً فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً في الحكم وفيما بينه وبين الله تعالى وهو يظن أنه مفرد وإن كان قارناً فكذلك والمنصوص عن أحمد أنه يجعله عمرة قال القاضي هذا على سبيل الاستحباب لأنه إذا أستحب ذلك مع العلم فمع عدمه أولى وقال أبو حنيفة يصرفه إلى القران، وهو قول الشافعي الجديد، وقال في القديم يتحرى فيبني على غالب ظنه لأنه من شرائط العبادة فيدخله التحري كالقبلة ومبني الخلاف على فسخ الحج إلى العمرة فإنه جائز عندنا ولا يجوز عندهم فعلى هذا إن صرفه إلى المتعة فهو متمتع عليه دم المتعة ويجزئه عن الحج والعمرة جميعاً وإن صرفه إلى إفراد أو قران لم يجزه عن العمرة إذ من المحتمل أن يكون المنسي حجاً مفرداً
وليس له إدخال العمرة على الحج فتكون صحة العمرة مشكوكاً فيها فلا تسقط بالشك ولا دم عليه لذلك فانه لم يثبت حكم القران يقينا فلا يجب الدم مع الشك في سببه، ويحتمل أن يجب وأما إن شك بعد الطواف لم يجز صرفه إلا إلى العمرة لأن إدخال الحج على العمرة بعد الطواف غير جائز إلا أن يكون معه هدي فإن صرفه إلى حج أو قران فإنه يتحلل بفعل الحج ولا يجزئه واحد من النسكين لأنه يحتمل أن يكون حجاً وإدخال العمرة عليه غير جائز فلم يجزه عن واحد منهما مع الشك ولا دم عليه للشك فيما يوجب الدم ولا قضاء عليه للنسك فيما يوجبه، وإن شك وهو في الوقوف بعد الطواف والسعي جعله عمرة فقصر، ثم أحرم بالحج فإنه إن كان المنسي عمرة فقد أصاب وكان متمتعاً، وإن كان إفراداً أو قراناً لم ينفسخ بتقصيره وعليه دم بكل حال لأنه لا يخلو إما أن يكون متمتعاً عليه دم المتعة أو غير متمتع فلزمه دم لتقصيره، وإن شك ولم يكن طاف وسعى جعله قراناً لأنه إن كان قرانا فقد أصاب، وإن كان معتمراً فقد أدخل الحج على العمرة وصار قارناً، وإن كان مفرداً لغا إحرامه بالعمرة وصح إحرامه بالحج، وإن صرفه إلى الحج جاز أيضاً، ولا يجزئه عن العمرة في هذه المواضع لاحتمال أن يكون مفرداً وإدخال العمرة على الحج غير جائز ولا دم عليه للشك في وجود سببه (مسألة) (وإن أحرم عن رجلين وقع عن نفسه) إذا استنابه اثنان في النسك فأحرم عنهما به وقع عن نفسه دونهما لأنه لا يمكن وقوعه عنهما،
وليس أحدهما أولى به من الآخر، وإن أحرم عن نفسه وغيره وقع عن نفسه لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها فمع نيته أولى (مسألة) (وإن أحرم عن أحدها لا بعينه وقع عن نفسه، وقال أبو الخطاب له صرفه إلى أيهما شاء) أما إذا أحرم عن أحدهما غير معين فإنه يقع عن نفسه أيضاً لأن أحدهما ليس أولى من الآخر أشبه المسألة قبلها.
ويحتمل أن يصح وله صرفه إلى أيهما شاء اختاره أبو الخطاب لأن الإحرام يصح بالمجهول فصح عن المجهول كما لو احرم مطلقاً فان لم يفعل حتى طاف شوطاً وقع عن نفسه ولم يكن له صرفه إلى أحدهما لأن الطواف لا يقع عن غير معين (مسألة) (وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " تستحب التلبية إذا استوى على راحلته لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها وأمر بها وأدنى أحوال الأمر الاستحباب.
وروى سهل بن سعد رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مسلم يلبي إلا
لبى ما عن يمينه من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا " وتستحب البداية بها إذا استوى على راحلته لما روى أنس وابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما ركب راحته واستوت
به أهل رواه البخاري.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما أوجب رسول الله صلى الله عليه وسلم الإحرام حين فرغ من صلاته فلما ركب راحلته واستوت به قائمة أهل يعني لبى ومعنى الإهلال رفع الصوت من قولهم استهل الصبي إذا صاح والأصل فيه أنهم كانوا إذا رأوا الهلال صاحوا فقيل لكل صائح مستهل وإنما يرفع بالتلبية وهذه تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وكم روى ابن عمر في المتفق عليه إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " رواه مسلم عن جابر.
والتلبية مأخوذه من لب بالمكان إذا لزمه فكأنه قال أنا أقيم على طاعتك وأمرك غير خارج عن ذلك، ولا شارد عليك هذا ونحوه.
وثنوها وكرروها لأنهم أرادوا إقامة بعد إقامة كما لو قالوا حنانيك أي رحمة بعد رحمة أو رحمه مع رحمه أو ما أشبهه.
وقال جماعة من العلماء معنى التلبية إجابة نداء إبراهيم عليه السلام حين نادى بالحج.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال.
لما فرغ إبراهيم عليه السلام من بناء البيت قيل له أذن في الناس بالحج قال: رب وما يبلغ صوتي قال أذن
وعلي البلاغ فنادى إبراهيم أيها الناس كتب عليكم الحج فسمعه ما بين السماء والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقطار الأرض يلبون ويقولون لبيك إن الحمد (بكسر الهمزة) نص عليه أحمد والفتح جائز والكسر أجود قال ثعلب: من قال إن بالفتح فقد خص ومن قال بكسر الألف فقد عم يعني أي أن من كسر فقد جعل الحمد لله على كل حال ومن فتح فمعناه لبيك لأن الحمد لك أي لهذا السبب (فصل) ولا تستحب الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تكره ونحوه.
وقال الشافعي وابن المنذر لقول جابر فأهل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتوحيد " لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وأهل الناس بهذا الذي يهلون ولزم رسول الله صلى الله عليه وسلم تلبيته وكان ابن عمر يلبي بتلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزيد مع هذا لبيك لبيك، لبيك وسعديك والخير
بيديك والرغباء إليك والعمل متفق عليه وزاد عمر رضي الله عنه لبيك ذا النعماء والفضل لبيك لبيك مرهوباً ومرغوباً اليك لبيك هذا معناه رواه الأثرم ويروى أن أنساً كان يزيد: لبيك حقاً حقا، تعبداً ورقا.
ففي هذا دليل على أنه لا بأس بالزيادة ولا تستحب لأن النبي صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته فكررها ولم يزد عليها: وقد روي أن سعداً سمع بعض بني أخيه وهو يلبي يا ذا المعارج فقال إنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (مسألة) (والتلبية سنة ويستحب رفع الصوت بها والإكثار منها والدعاء بعدها) التلبية سنة كما ذكرنا وليست واجبة، وبه قال الشافعي وعن أصحاب مالك أنها واجبة يجب
الدم بتركها، وعن الثوري وأبى حنيفة أنها من شرط الإحرام لا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة لأن ابن عباس قال في قوله تعالى (فمن فرض فيهن الحج) قال الإهلال، وعن عطاء وطاوس وعكرمة هي التلبية ولأن النسك عبادة ذات إحلال وإحرام فكان في أولها ذكر واجب كالصلاة ولنا أنها ذكر فلم تجب في الحج كسائر الإذكار، وفارق الصلاة فإن النطق في آخرها يجب فوجب في أولها بخلاف الحج، ويستحب رفع الصوت بها لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الحج أفضل؟ قال " العج والثج " حديث غريب: العج رفع الصوت بالتلبية والثج إسالة الدماء بالذبح والنحر وروى الترمذي بإسناده عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أتاني جبريل يأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية " وهو حديث حسن صحيح، وقال أنس: سمعتهم يصرخون بها صراخاً وقال أبو حازم: كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يبلغون الروحاء حتى تبح حلوقهم من التلبية.
وقال سالم: كان ابن عمر يرفع صوته بالتلبية فلا يأتي الروحاء حتى يصحل صوته، ولا يجهد نفسه في رفع الصوت زيادة على الطاقة لئلا ينقطع صوته وتلبيته (فصل) ويستحب الإكثار منها على كل حال لما روى ابن ماجة عن عبد الله بن عامر بن ربيعة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " مامن مسلم يضحي (1) لله يلبي حتى تغيب الشمس إلا غابت بذنوبه فعاد كما ولدته أمه " رواه ابن ماجه
(فصل) ولا يستحب رفع الصوت بها في مساجد الأمصار ولا في الأمصار إلا في مكة والمسجد
الحرام لما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سمع رجلاً يلبي بالمدينة فقال: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزت وهذا قول مالك.
وقال الشافعي يلبي في المساجد كلها ويرفع صوته لعموم الحديث ولنا قول ابن عباس ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة وجاءت الكراهة لرفع الصوت عامة إلا الإمام خاصة فوجب إبقاؤها على عمومها فأما مكة فتستحب التلبية فيها لأنها محل النسك وكذلك المسجد الحرام وسائر مساجد الحرم كمسجد منى وفي عرفات أيضاً (فصل) ويتسحب الدعاء بعدها فيسأل الله الجنة ويستعيذ به من النار ويدعو بما أحب لما روى الدارقطني بإسناده عن خزيمة بن ثابت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا فرغ من تلبيته سأل الله مغفرته ورضوانه، واستعاذه برحمته من النار.
وقال القاسم بن محمد: يستحب للرجل إذا فرغ من تلبيته أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرع فيه الدعاء، ولأن الدعاء مشروع مطلقاً فتأكدت مشروعيته بعد ذكر الله تعالى.
ويستحب أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بعدها لأنه موضع شرع فيه ذكر الله تعالى فشرعت فيه الصلاة على رسوله كالصلاة، أو فشرع فيه ذكر رسوله كالأذان (فصل) ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته.
قال أحمد: إن شئت لبيت بالحج وإن شئت لبيت بعمرة وإن شئت لبيت بحج وعمرة فقلت لبيك بحجة وعمرة.
وقال أبو الخطاب: لا يستحب ويروى عن ابن عمر وهو قول الشافعي لأن جابرا قال: ما سمى النبي صلى الله عليه وسلم في تلبيته
حجاً ولا عمرة، وسمع ابن عمر رجلاً يقول لبيت بعمرة فضرب صدره قال تعلمه ما في نفسك ولنا ما روى أنس رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لبيك عمرة وحجا " وقال جابر: قدمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نقول لبيك بالحج وقال ابن عباس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يلبون بالحج، وقال ابن عمر: بدأ رسول الله صلى الله عليه وسلم
فأهل بالعمرة ثم أهل بالحج متفق على هذه الأحاديث.
وقال أنس: سمعتهم يصرخون بهما صراخاً رواه البخاري، وهذه الأحاديث أصح من حديثهم وأكثر، وقول ابن عمر يخالفه قول أبيه فإن النسائي روي بإسناده عن الضبي بن معبد أنه أول ما حج لبى بالحج والعمرة جميعاً ثم ذكر ذلك لعمر فقال: هديت لسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وإن لم يذكر ذلك في تلبيته فلا بأس فإن النية محلها القلب والله سبحانه عالم بها (فصل) ولا يلبي بغير العربية إلا أن يعجز عنها لأنه ذكر مشروع فلا يشرع بغير العربية كالأذان والإذكار المشروعة في الصلاة (فصل) وإن حج عن غيره كفاه مجرد النية عنه قال أحمد لا بأس بالحج عن الرجل ولا يسميه وإن ذكره في التلبية فحسن قال أحمد إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان، ثم لا يبالي أن لا يقول بعد ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يلبي عن شبرمة " لب عن نفسك ثم لب عن شبرمة "
ومتى لبى بالحج والعمرة بدأ بذكر العمرة نص عليه أحمد وذلك لقول أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لبيك عمرة وحجا " (مسألة) (ويلبي إذا علا نشزاً أو هبط وادياً وفي دبر الصلوات المكتوبات.
وإقبال الليل والنهار وإذا التقت الرفاق) التلبية مستحبة في جميع الأوقات ويتأكد استحبابها في ثمانية مواضع منها الستة المذكورة، والسابع إذا فعل محظورا ناسياً، الثامن (1) إذا سمع ملبياً لما روى جابر قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي في حجته إذا لقي راكباً أو علا أكمة أو هبط وادياً وفي دبر الصلوات المكتوبة ومن آخر الليل: وقال إبراهيم النخعي كانوا يستحبون التلبية دبر الصلاة المكتوبة، وإذا هبط واديا، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي راكباً وإذا استوت به راحلته، وبهذا قال الشافعي وقد كان قبل يقول مثل قول مالك لا يلبي عند اصطدام الرفاق والحديث يدل عليه وكذلك قول النخعي (فصل) ويجزئ من التلبية دبر الصلاة مرة واحدة قال الأثرم قلت لأبي عبد الله ماشئ يفعله
العامة يلبون في دبر الصلاة ثلاثاً؟ فتبسم وقال ما أدري من أين جاؤا به قلت أليس يجزئه مرة واحدة؟ قال بلى وذلك لأن المروي التلبية مطلقاً من غير تقييد وذلك يحصل بمرة واحدة وهكذا التكبير في أدبار الصلوات الخمس في أيام الأضحى وأيام التشريق.
وإن زاد فلا بأس لأن ذلك زيادة ذكر وخير وتكراره ثلاثاً حسن فإن الله وتر يحب الوتر
(فصل) ولا بأس بالتلبية في طواف القدوم، وبه قال ابن عباس وعطاء بن السائب وربيعة ابن عبد الرحمن وابن أبي ليلى وداود والشافعي، وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت، وقال ابن عينية: ما رأينا أحداً يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب.
وقال أبو الخطاب: لا يلبي وهو قول للشافعي لأنه مشتغل بذكر يخصه فكان أولى ولنا أنه زمن التلبية فلم يكره له كما لو لم يكن حول البيت ويمكن الجمع بين التلبية والذكر المشروع في الطواف، ويكره له رفع الصوت بالتلبية حول البيت لئلا يشغل الطائفين عن طوافهم واذكارهم (فصل) ولا بأس أن يلبي الحلال، وبه قال الحسن والنخعي وعطاء بن السائب والشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي وكره هذا مالك ولنا أنه ذكر مستحب للمحرم فلم يكره لغيره كسائر الاذكار (مسألة) (ولا ترفع المرأة صوتها بالتلبية إلا بقدر ما تسمع نفسها) قال ابن عبد البر أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها وإنما عليها أن تسمع نفسها، وبهذا قال عطاء ومالك والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، وروي عن سليمان بن يسار أنه قال: السنة عندهم أن المرأة لا ترفع صوتها بالإهلال وإنما كره لها رفع الصوت مخافة الفتنة بها ولهذا لا يسن لها اذان ولا إقامة، والمسنون لها في التنبيه في الصلاة التصفيق دون التسبيح
باب محظورات الإحرام وهي تسعة (مسألة) (حلق الشعر)
أجمع أهل العلم على أنه لا يجوز للمحرم أخذ شئ من شعره إلا من عذر لقول الله تعالى (ولا تحلقوا رؤسكم حتى يبلغ الهدي محله) وروى كعب بن عجرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " لعلك يؤذيك هوام رأسك " قال نعم يارسول الله.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " احلق رأسك وصم ثلاثة أيام أو اطعم ستة مساكين أو انسك شاة " متفق عليه ففيه دليل على أن الحلق كان محرماً قبل ذلك (فصل) فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر بابقاء الشعر فله إزالته لقوله سبحانه (فمن كان مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك) وللحديث المذكور قال ابن عباس رضي الله عنه: فمن كان منكم مريضاً أي برأسه قروح أو به أذى من رأسه أي قمل (مسألة) (وتقليم الأظفار) أجمع العلماء على أن المحرم ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر لأنه إزالة جزء من بدنه يترفه به أشبه الشعر فإن انكسر فله إزالته قال إبن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن للمحرم أن يزيل ظفره بنفسه إذا انكسر لأن بقاءه يؤلمه أشبه الشعر النابت في عينه (مسألة) (فمن حلق أو قلم ثلاثة فعليه دم وعنه لا يجب إلا في أربع فصاعداً) الكلام في هذه المسألة في فصلين
(أحدهما) في وجوب الفدية بحلق شعر رأسه ولا خلاف في ذلك إذا كان لغير عذر، وقال ابن المنذر أجمع أهل العلم على وجوب الفدية على من حلق وهو محرم لغير علة والأصل في وجوبها ما ذكرنا من الآية والخبر، وظاهر كلام شيخنا ههنا يدل على أنه لا فرق بين أن يقطع شعره لعذر أو غيره أو كان عامداً أو مخطئاً أنه يجب به الفدية وقد دل عليه ظاهر الآية والخبر وهو ظاهر المذهب، وبه قال الشافعي ونحوه عن الثوري وفيه وجه آخر أنه لافدية على الناسي وهو قول إسحاق وابن المنذر لقوله عليه السلام " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " ولنا أنه إتلاف فاستوى عمده وسهوه كإتلاف مال الآدمي، ولأن الآية قد دلت على وجوب الفدية على من حلق رأسه للأذى وهو معذور فكان تنيها على وجوبها على غير المعذور وفيها دليل على
وجوبها على المعذور بغير الأذى مثل المحتجم الذي يحلق موضع محاجمه، أو شعراً عن شجته وفي معنى الناسي والنائم الذي يقلع شعره أو يصوب رأسه من نار فيحرق لهبها شعره ونحو ذلك (الفصل الثاني) في القدر الذي تجب به الفدية وذلك ثلاث شعرات فما زاد قال القاضي: هذا المذهب، وهو قول الحسن وعطاء وابن عيينة والشافعي وأبي ثور لأنه شعر آدمي يقع ليه الجمع المطلق أشبه ربع الرأس (1) وفيه رواية أخرى ذكرها الخرقي أنه لا يجب إلا في أربع فصاعداً لأن الأربع كثير أشبهت ربع الرأس.
أما الثلاث فهي آخر القلة وآخر الشئ منه فأشبهت ما كان دونها وذكر ابن أبي موسى رواية انه لا يجب فيما دون الخمس ولا نعلم وجها لذلك، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم
بدون ربع الرأس لأنه يقوم مقام الكل ولهذا إذا رأى رجلاً يقول رأيت فلاناً وإنما أري إحدى جهاته، وقال مالك إذا حلق من رأسه ما أماط به الأذى وجب الدم، وقد ذكرنا ما يدل على ما ذهبنا إليه، وقول أبي حنيفة أن الربع يقع عليه اسم الكل ممنوع وما ذكره من المثال غير مقيد بالربع بل هو مجاز يتناول القليل والكثير.
وهل يجب الدم بقص ثلاثة أظفار او لا يجب إلا في أربع يخرج على الروايتين في الشعر لأنه في معناه وعلى ما حكاه ابن أبي موسى لا يجب إلا في خمسة أظفار قياساً على الشعر والله أعلم.
(مسألة) (وفيما دون ذلك في كل واحد مد من طعام وعنه قبضة وعنه درهم) يعني إذا حلق أقل من ثلاث شعرات أو أقل من أربع على الرواية الأخرى فعليه مد من طعام في ظاهر المذهب، وهو الذي ذكره الخرقي، وهو قول الحسن وابن عيينة والشافعي وعن أحمد في الشعرة درهم وفي الشعرتين درهمان وعنه في كل شعرة قبضة من طعام روى ذلك عن عطاء ونحوه عن مالك وأصحاب الرأي قال أصحاب الرأي يتصدق بشئ قليل، وقال مالك فيما قل من الشعر إطعام طعام.
ووجهه انه لا تقدير فيه فيجب فيه أقل ما يقع عليه اسم الصدقة.
وعن مالك فيمن أزال شعراً يسيراً لا ضمان عليه لأن النص إنما أوجب الفدية في حلق جميع الرأس والحقنا به ما يقع عليه اسم الرأس
ولنا أن ما ضمنت جملته ضمنت أبعاضه كالصيد والأولى وجوب الإطعام لأن الشارع إنما عدل
عن الحيوان إلى الإطعام في جزاء الصيد وههنا أوجب الإطعام مع الحيوان على وجه التخيير فيجب أن يرجع إليه فيما لا يجب فيه الدم والأولى مد لأنه أقل ما وجب باشرع فدية فكان واجباً في أقل الشعر والطعام الذي يجزئ إخراجه في الفطرة من البر والشعير والتمر والزبيب كالذي يجزئ في الأربع من الشعر (فصل) وحكم الأظفار حكم الشعر فيما ذكرنا، قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم منهم حماد ومالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وفيه رواية أخرى لافدية عليه لأن الشرع لم يرد فيه بفدية ولنا أنه أزال ما منع إزالته لأجل الترفه فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص لايمنع قياسه على المنصوص كشعر البدن مع شعر الرأس والحكم في فدية الأظفار، وفيما يجب فيما دون الثلاث منها أو الأربع على الرواية الأخرى، وفيما يجب في الأربع والثلاث كالحكم في الشعر على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه وهذا قول الشافعي وأبي ثور، وقال أبو حنيفة لا يجب الدم إلا بتقليم أظفار يد كاملة، فلم قلم من كل يد أربعة لم يجب عليه دم عنده لأنه لم يستكمل منفعة اليد أشبه ما دون الثلاث ولنا أنه قلم ما يقع عليه اسم الجمع أشبه مالو قلم خمساً من يد واحدة، وقولهم يبطل بما إذا حلق ربع رأسه فإنه لم يستوف منفعة العضو ويجب به الدم، وقولهم يفضي إلى وجوب الدم في القليل دون الكثير (فصل) وفي قص بعض الظفر ما في جميعه وكذلك في قطع بعض الشعرة ما في قطع جميعها لأن
الفدية تجب في الشعر والظفر سواء طال أو قصر وليس يقدر بمساحة فيتقدر الضمان عليه، بل هو كالموضحة يجب في الصغيرة منها ما يجب في الكبيرة، وخرج ابن عقيل وجهاً أنه يجب بحساب المتلف كالاصبع يجب في أنملتها ثلث ديتها (مسألة) (وإن حلق رأسه بأذنه فالفدية عليه، وإن كان مكرها أو نائما فالفدية على الحالق) إذا حلق محرم رأس محرم بإذنه أو حلقه حلال بإذنه فالفدية على المحلوق رأسه لأن الله تعالى قال (ولا تحلقوا رؤوسكم) الآية، وقد علم أن غيره هو الذي يحلقه فأضاف الفعل إليه وجعل الفدية عليه ويحتمل أن يجب الضمان على الحالق لأنه شعر محترم أشبه شعرالصيد، ذكره ابن عقيل في الفصول وإن حلق رأسه وهو ساكت لم ينهه ففيه وجهان (أحدهما) يجب على الحالق كما لو اتلف ماله وهو ساكت (والثاني) على المحرم لأنه أمانة عنده فهو كما لو أتلف إنسان الوديعة فلم ينهه وإن حلقه مكرهاً أو نائماً فلا فدية على المحلوق رأسه، وبه قال إسحاق وأبو ثور وابن القاسم وابن المنذر، وقال أبو حنيفة عليه الفدية وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أنه لم يحلق رأسه ولم يحلق بإذنه فأشبه ما لو انقطع الشعر بنفسه، إذا ثبت ذلك فإن الفدية تجب على الحالق محرماً كان أو حلالاً، وقال أصحاب الرأي على الحلال صدقة، وقال عطاء عليهما الفدية ولنا أنه أزال ما منع من إزالته لأجل الإحرام فكانت الفدية عليه كالمحرم يحلق رأس نفسه (مسألة) (وإن حلق محرم رأس حلال فلا فدية عليه) وكذلك إن قلم أظفاره، وبه قال عطاء ومجاهد وعمرو بن دينار والشافعي واسحاق وأبو ثور
وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال يتصدق بدرهم، وقال أبو حنيفة يلزمه صدقة لأنه محرم أتلف شعراً أشبه شعر المحرم ولنا أنه شعر مباح الإتلاف فلم يجب باتلافه شئ كشعر بهيمة الأنعام (مسألة) (وقطع الشعر ونتفه كحلقة وشعر الرأس والبدن واحد وعنه لكل واحد حكم مفرد) لا فرق بين حلق الشعر وإزالته بالنورة، أو قصه، أو غير ذلك لا نعلم فيه خلافا وكذلك القول في الأظفار، وشعر الرأس والبدن واحد سواء في وجوب الفدية في ظاهر المذهب وهو قول الأكثرين خلافاً لداود لأنه شعر يحصل به الترفه والتنظيف أشبه الرأس، فإن حلق شعر رأسه وبدنه ففي الجميع فدية واحدة، وإن حلق من رأسه شعرتين ومن بدنة كذلك فعليه دم هذا اختيار أبي الخطاب وهو ظاهر كلام الخرقي ومذهب أكثر الفقهاء، وفيه رواية أخرى أنه إذا قلع من رأسه وبدنه ما يجب الدم بكل واحد منهما منفرداً فعليه دمان، وهذا الذي ذكره القاضي وابن عقيل، وعلى هذه الرواية لو قطع من رأسه شعرتين ومن بدنة كذلك لم يجب عليه دم لأن الرأس يخالف البدن بحصول التحلل بحلقه دون شعر البدن ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن فلم تتعدد الفدية بتعدده فيه بخلاف مواضعه كسائر البدن وكما لو لبس قميصاً وسراويل (مسألة) (وإن خرج في عينيه شعر فقلعه أو نزل شعرة فغطى عينيه فقصه أو انكسر ظفره فقصه أو قلع جلداً عليه شعر فلا فديه عليه) إذا خرج في عينيه شعر أو استرسل شعر حاجبيه على عينيه فغطاهما فله إزالته وكذلك إن انكسر
ظفره فله قص ما انكسر منه ولا شئ عليه لانه إزالة لاذاه فلم يكن عليه فدية كقتل الصيد الصائل وكذلك إن قطع جلده عليها شعر لم يكن عليه فدية لأنه زال تبعاً لغيره والتابع لا يضمن كما لو قلع أشعار عيني إنسان فإنه لا يضمن اهدابهما فأما إن كان الأذى من غير الشعر كالقمل والقروح والصداع وشدة الحر عليه لكثرة الشعر فله إزالته وعليه الفدية كما لو احتاج إلى أكل الصيد في حال المخمصة وكذلك إن احتاج إلى مداواة قرحة لا يمكنه مداواتها إلا بقص ظفره فله قصه وعليه الفدية لما ذكرنا وقال ابن القاسم صاحب مالك لا فديه عليه ولنا أنه ما منع إزالته لضرر في غيره أشبه حلق رأسه دفعاً لضرر القمل وإن وقع في أظفاره مرض فأزالها لذلك المرض فلا شئ عليه لأنه أزالها لإزالة مرضها أشبه قص الظفر لكسره والله تعالى أعلم، وإن انكسر ظفره فأزال أكثر مما انكسر فعليه الفدية لأنه لا حاجة إلى إزالته.
(فصل) وإن خلل شعره فسقطت شعرة فإن كانت ميتة فلا شئ عليه وإن كانت من الشعر النابت ففيها الفدية لان أزالها بفعله فإن شك فيها فلا فدية لأن الأصل نفي الضمان وبراءة الذمة فلا يجب بالشك وان قطع اصبعاً عليها ظفر فلا شئ عليه لأنه تبع والله أعلم
(فصل) قال رحمه الله (الثالث) تغطيه رأسه فمتى غطاه بعمامة أو خرقة أو قرطاس فيه دواء أو غيره أو عصبة أو طينه بطين أو حناء أو غيره فعليه الفدية أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من تغطيه رأسه حكاه ابن المنذر، وقد دل عليه نهى النبي صلى الله عليه وسلم المحرم عن لبس العمائم والبرانس وقوله عليه السلام في المحرم الذي وقصته راحلته " لا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " فعلل منع تخمير رأسه ببقائه على إحرامه فعلم أن المحرم ممنوع منه وكان ابن عمر رضي الله عنهما يقول إحرام الرجل في رأسه، وذكر القاضي أن النبي صلى الله عليه وسلم
قال " إحرام الرجل في رأسه وإحرام المرأة في وجهها " وإنه عليه السلام نهى أن يشد المحرم باليسير.
(فصل) والاذنان مع الرأس تحرم تغطيتهما كسائر الرأس وأباح ذلك الشافعي ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " الأذنان من الرأس " وقد ذكرناه في الطهارة إذا ثبت ذلك فإنه يمنع من تغطية بعض رأسه كما يمنع تغطيه جميعه لأن المنهي عنه يحرم بعضه كما يحرم جميعه ولذلك لما قال الله تعالى (ولا تحلقوا رؤوسكم حرم حلق بعضه) وسواء غطاه بالملبوس المعتاد أو بغيره مثل أن عصبه بعصابة أو شدة بسير أو جعل عليه قرطاسا فيه دواء أو لا دواء فيه أو خضبه بحناء أو طلاه بطين أو نورة أو جعل عليه دواء فإن جميع ذلك ستر له وتغطيه وهو ممنوع منه وسواء كان ذلك لعذر أو غيره تجب به الفدية لقوله تعالى (فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية) الآية ولحديث كعب ابن عجرة وبهذا كله قال الشافعي وكان عطاء يرخص في العصابة من المصرورة، والصحيح الأول كما لو لبس قلنسوة للبرد.
(مسألة) (وإن استظل بالمحمل ففيه روايتان) كره أحمد رحمه الله للمحرم الاستظلال بالمحمل وما كان في معناه كالهودج والعمارية ونحو ذلك على البعير رواية واحدة ويروى كراهته عن ابن عمر ومالك وعبد الرحمن بن مهدي وأهل المدينة وكان سفيان بن عيينة يقول لا يستظل البتة ورخص فيه ربيعة والثوري والشافعي، وروي ذلك عن عثمان وعطاء لما روت ام الحصين قالت حججت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فرأيت أسامة
وبلالاً وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى جمرة العقبة رواه مسلم ولأنه يباح له التظلل في البيت والخباء فجاز في حال الركوب كالحلال واحتج أحمد بأن عطاء روي أن ابن عمر رضي الله عنه رأى على رحل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة عوداً يستره من الشمس فنهاه وعن نافع عن ابن عمر أنه رأى رجلاً محرماً على رحل وقد رفع عليه ثوباً على عود يستره من الشمس فقال أضح لمن أحرمت له أي ابرز للشمس.
رواهما الأثرم، ولأنه يستره بما يقصد به الترفه
أشبه مالو غطاه، والحديث الذي استدلوا به قد ذهب إليه أحمد ولم يكره الاستتار بالثوب، فإن ذلك لا يقصد الاستدامة والهودج بخلافه والخيمة والبيت يرادان الجمع الرحل وحفظه لا للترفه.
إذا ثبت ذلك فإن أحمد رحمه الله إنما كره ذلك كراهة تنزيه في الظاهر عنه لوقوع الخلاف فيه وقول ابن عمر، ولم ير ذلك حراماً ولا موجباً للفدية، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسأل عن المحرم يستظل على محمل قال لا وذكر حديث ابن عمر، قيل له فإن فعل يهريق دماً؟ قال أما الدم فلا وعنه أنه تجب عليه الفدية اختاره الخرقي وهو وقل أهل المدينة لأنه ستر رأسه بما يستدام ويلازمه غالباً أشبه مالو ستره بشئ يلاقيه، ويروى عن الرياشي قال: رأيت أحمد بن المعذل في الموقف في يوم شديد الحر وقد ضحى للشمس، فقلت له يا أبا الفضل هذا أمر قد اختلف فيه فلو أخذت بالتوسعة فأنشأ يقول: ضحيت له كي استظل بظله * إذا الظل أضحى في القيامة قالصا فوا أسفا إن كان سعيك باطلاً * وواحسرتا إن كان حجك ناقصا (مسألة) (وإن حمل على رأسه شيئاً، أو نصب حياله ثوباً، أو ستظل بخيمة، أو شجرة، أو بيت فلا شئ عليه) إذا حمل على رأسه طبقاً، أو مكيلاً أو نحوه فلا فديه عليه، وبه قال عطاء ومالك وقال الشافعي عليه الفدية لأنه ستره ولنا أن هذ لا يقصد به الستر غالباً فلم تجب به الفدية كما لو وضع يديه على رأسه وسواء قصد به الستر أو لم يقصد لأن ما تجب به الفدية لا يختلف بالقصد وعدمه فكذلك مالا يجب به، واختار ابن
عقيل وجوب الفدية إذا قصد به الستر لان الحيل لاتحيل الحقوق، ولأنه لو جلس عند العطار لقصد شم الطيب وجبت عليه الفدية، وإن لم يقصد لم تجب كذلك هذا، وإن ستر رأسه ببدنه فلا شئ عليه لما ذكرنا، ولأن الستر ببعض بدنه لا يثبت له حكم الستر، وكذلك لو وضع يده على فرجه لم تجزه في الستر، ولأن المحرم مأمور بمسح رأسه وذلك يكون بوضع يده عليه، وإن طلا رأسه بغسل أو صمغ ليجتمع الشعر ويتلبد فلا يدخله الغبار ولا يصيبه الشعث، ولا يقع فيه الدبيب جاز، وهذا
التلبيد الذي جاء في حديث ابن عمر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يهل ملبدا.
متفق عليه.
وإن كان في رأسه طيب مما جعله فيه قبل الإحرام فلا بأس لأن ابن عباس رضي الله عنه قال: كأني أنظر إلى وبيص المسك في مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم (فصل) ولا بأس أن يستظل بالسقف والحائط والشجرة والخباء وإن نزل تحت شجرة وطرح عليها شيئاً يستظل به فلا بأس به عند جميع أهل العلم وقد صح به النقل قال جابر رضي الله عنه في حديث حجة النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بقبة من شعر فضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس رواه مسلم ولا بأس أن ينصب حياله ثوباً يقيه الحر والبرد.
إما أن يمسكه إنسان أو يرفعه على عود على نحو ما روي في حديث أم الحصين أن بلالاً وأسامة كان رافعاً ثوبه يستر به النبي صلى الله عليه وسلم ولأن ذلك لا يقصد به الاستدامة فلم يكن به بأس كالاستظلال بحائط (مسألة) (وفي تغطية الوجه روايتان) (إحداهما) يباح روى ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي وقاص وجابر والقسم وطاوس والثوري والشافعي (والثانية) لا يباح وهو مذهب أبي حنيفة ومالك لما روي عن ابن عامر أن رجلاً وقع عن راحلته فأقعصته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تخمروا وجهه ولا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبياً " ولأنه محرم على المرأة فحرم على الرجل كالطيب ولنا قول من ذكرنا من الصحابة ولا نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً، ولما روي عنه
عليه السلام أنه قال " إحرام الرجل في رأسه، وإحرام المرأة في وجهها " وحديث ابن عباس المشهور فيه " ولا تخمروا رأسه " هذا المتفق عليه، وقوله " ولا تخمروا وجهه " فقال شعبة حدثنيه أبو بشر ثم سألته عنه بعد عشر سنين فجاء بالحديث كما كان يحدث إلا أنه قال " ولا تخمروا وجهه ورأسه " ففي قوله دليل على أنه ضعف هذه الزيادة، وقد روي في بعض ألفاظه " خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه " فتعارض الروايتان وما ذكروه يبطل بلبس القفازين
(مسألة) (الرابع لبس المخيط والخفين) قال إبن المنذر أجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويلات والبرانس والخفاف والأصل في هذا ماروى ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يلبس القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحداً لا يجد النعلين فيلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب شيئاً مسه الزعفران ولا الورس " متفق عليه.
نص النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الأشياء وألحق بها أهل العلم ما في معناه مثل الجبة والدراعة والتبان وأشباه ذلك، فلا يجوز للمحرم ستر بدنه بما عمل على قدره ولا ستر عضو من أعضائه بما عمل على قدره كالقميص للبدن والسراويل لبعض البدن والقفازين لليدين والخفين للرجلين ونحو ذلك، وليس في هذا اختلاف، قال ابن عبد البر: لا يجوز لبس شئ من المخيط عند جميع أهل العلم، وأجمعوا على ان المراد بهذا الذكور دون الاناث (مسألة) (إلا أن لا يجد إزارا فيلبس سراويل أو لا يجد نعلين فيلبس خفين ولا يقطعهما ولا فدية عليه) إذا لم يجد المحرم إزاراً فله أن يلبس سراويل وإذا لم يجد النعلين فله لبس الخفين لا نعلم فيه خلافا
والاصل فيه ماروى ابن عباس قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول " من لم يجد نعلين فليلبس الخفين، ومن لم يجد إزاراً فليلبس سراويل للمحرم " متفق عليه.
ولا فدية عليه في لبسهما عند ذلك في قول عطاء وعكرمة والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي إلا مالكا وأبا حنيفة
قالا على من لبس السراويل الفدية لحديث ابن عمر الذي قدمناه ولأن ما وجبت الفدية بلبسه مع وجود الازار وجبت مع عدمه كالقميص ولنا ما ذكرنا من حديث ابن عباس وهو صريح في الإباحة ظاهر في إسقاط الفدية لأنه أمر بلبسه ولم يذكر فدية ولأنه يختص لبسه بحالة عدم غيره فلم تجب به فدية كالخفين المقطوعين وحديث ابن عمر مخصوص بحديث ابن عباس.
وأما القميص فيمكنه أن يأتزر به من غير لبس ويحصل به الستر بخلاف السراويل (فصل) وإذا لبس الخفين مع عدم النعلين لم يلزمه قطعهما في أشهر الروايتين عن أحمد يروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبه قال عطاء وعكرمة (والرواية الثانية) أنه يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين فعلى هذه الرواية إن لبسهما من غير قطع افتدى، وبه قال عروة بن الزبير ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لما روى ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " فمن لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين " متفق عليه وهو متضمن لزيادة على حديث ابن عباس وجابر والزيادة من الثقة مقبولة.
قال الخطابي: العجب من أحمد
في هذا فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه وقلت سنة لم تبلغه.
ووجه الأولى حديث ابن عباس وجابر " من لم يجد النعلين فليلبس الخفين " مع قول علي رضي الله عنه وقطع الخفين فساد يلبسهما كما هما مع موافقة القياس فإنه ملبوس أبيح مع عدم غيره أشبه السراويل ولأن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر فإن لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين كلبس الصحيح وفيه إتلاف ماله وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته فأما حديث ابن عمر فقد قيل ان قوله فليقطعهما من كلام نافع كذلك روي في أمالي أبي القاسم بن بشران بإسناد صحيح أن نافعاً قال بعد روايته للحديث وليقطع الخفين أسفل من الكعبين وروى ابن أبي موسى عن صفية بنت أبي عبيد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رخص للمحرم أن يلبس الخفين ولا يقطعهما، وكان ابن عمر يفتي بقطعهما قالت صفية فلما أخبرته بهذا رجع، وروي أبو حفص بإسناده في شرحه عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه طاف وعليه خفان فقال له عمر رضي الله عنه والخفان مع القباء فقال قد لبستهما مع من هو خير منك يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم
ويحتمل أن يكون الأمر بقطعهما منسوخاً فإن عمرو بن دينار روى الحديثين جميعاً وقال انظروا أيهما كان قبل، قال الدارقطني قال أبو بكر النيسابوري حديث ابن عمر قبل لأنه جاء في بعض رواياته قال نادى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد يعني بالمدينة فكأنه كان قبل الإحرام وفي حديث ابن عباس يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب بعرفات يقول " من لم يجد نعلين فليلبس خفين "
فيدل على تأخره عن حديث ابن عمر فيكون ناسخاً له لأنه لو كان القطع واجباً لبينه للناس فإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه والمفهوم من إطلاق لبسهما لبسهما على حالهما من غير قطع قال شيخنا والأولى قطعهما عملا بالحديث الصحيح وخروجاً من الخلاف وأخذا بالاحتياط والذي قاله صحيح (فصل) فإن وجد المقطوع مع وجود النعل لم يجز له وعليه الفدية نص عليه، وبه قال مالك وقال أبو حنيفة لا فدية عليه لأنه لو كان لبسه محرماً وفيه فدية لما أمر بقطعه لعدم الفائدة فيه وعن الشافعي كالمذهبين ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم شرط لإباحة لبسهما عدم النعلين فدل على أنه لا يجوز مع وجودهما ولأنه مخيط لعضو على قدره فوجب على المحرم الفدية بلبسه كالقفازين (فصل) وقياس قول أحمد في اللالكة والجمجم ونحوهما أنه لا يلبسهما فإنه قال لا يلبس النعل التي لها قيد وهذا أشد منها وقد قال في رأس الخف الصغير لا يلبسه وذلك لأنه يستر القدم وقد عمل لها على قدرها فأشبه الخف فإن عدم النعلين فله لبس ذلك ولا فدية عليه لأن النبي صلى الله عليه وسلم أباح لبس الخف عند ذلك فما دون الخف أولى (فصل) فأما النعل فيباح لبسها كيفما كانت ولا يجب قطع شئ منها لأن إباحتها وردت مطلقاً وروى عن أحمد في القيد في النعل يفتدي لأننا لا نعرف النعال هكذا وقال إذا أحرمت فأقطع المحمل الذي على النعال والعقب الذي يجعل للنعل فقد كان عطاء يقول فيه دم وقال ابن أبي موسى في
الإرشاد في القيد والعقب الفدية والقيد هو السير المعترض على الزمام قال القاضي: إنما كرههما إذا كانا عريضين وهذا هو الصحيح فإنه لم يجب قطع الخفين الساترين للقدمين والساقين فقطع سير النعل أولى أن لا يجب، ولأن ذلك معتاد في النعل فلم يجب إزالته كسائر سيورها ولأن قطع القيد والعقب
ربما تعذر معه المشي في النعلين لسقوطهما بزوال ذلك فلم يجب كقطع القبال (فصل) فإن وجد نعلا لم يمكنه لبسها فله لبس الخف ولا فدية عليه لان مالا يمكن استعماله كالمعدوم فاشبه مالو كانت النعل لغيره وكالماء في التيمم والرقبة التي لا يمكنه عتقها ولأن العجز عن لبسها قال مقام العدم في إباحة لبس الخف فكذلك في إسقاط الفدية ونص أحمد على وجوب الفدية لقوله عليه السلام " من لم يجد نعلين فيلبس الخفين " وهذا واجد (مسألة) (ولا يعقد عليه منطقة ولا رداء ولا غيره إلا إزاره وهميانه فيه نفقته إذا لم يثبت إلا بالعقد) ليس للمحرم أن يعقد عليه الرداء ولا غيره إلا الإزار والهميان وليس له أن يجعل لذلك زرا وعروة ولا يخلله بشوكة ولا إبرة ولا خيط ولا يغرزه في إزاره لأنه في حكم المخيط وروى الأثرم عن ابن عمر رضي الله عنه أن رجلاً سأله أخالف بين طرفي من ورائي ثم أعقده؟ وهو محرم فقال ابن عمر: لا تعقد عليك شيئاً.
وعن أبي معبد مولى ابن عباس أن ابن عباس قال له يا أبا معبد زر علي طيلساني وهو محرم فقال له كنت تكره هذا فقال إني أريد أن أفتدي ولا بأس أن يتشح بالقميص