عبدك وتكون اجرته بيني وبينك لم يصح كما لو قال بع عبدك وثمنه بيننا لم يصح قال شيخنا ويحتمل أن تصح الشركة كما لو اشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما من المباح فإن أعان أحدهما صاحبه في التحميل والنقل كان له أجر مثله لأنها منافع وفاها بشبهة عقد (فصل) فإن كان لأحدهما أداة قصارة ولآخر بيت فاشتركا على أن يعملا بأداة هذا في بيت هذا والكسب بينهما جاز والأجرة على ما شرطاه لأن الشركة وقعت على عملهما والعمل يستحق به الربح في الشركة والآلة والبيت لا يستحق بهما شئ لأنهما يستعملان في العمل المشترك فصارا كالدابتين اللتين أجرهما لحمل الشئ الذي تقبلا حمله، وإن فسدت الشركة قسم الحاصل لهما على قدر أجر عملهما وأجر الدار والأداة، وإن كانت لأحدهما آلة وليس للآخر شئ أو لأحدهما بيت وليس للآخر شئ فاتفقا على أن يعملا بالآلة أو في البيت والأجرة بينهما جاز لما ذكرنا (فصل) وإن دفع رجل دابته الى آخر ليعملا عليها وما رزق الله بنيهما نصفين أو أثلاثاً أو ما شرطاه صح نص عليه أحمد في رواية الأثرم ومحمد بن أبي حرب وامد بن سعيد ونقل عن الاوزاعي ما يدل عليه هذا وكره ذلك الحسن والنخعي، وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب الدابة لأن الحمل الذي يستحق به العوض منها وللعامل أجر مثله لأن هذا ليس من أقسام الشركة إلا أن تكون المضاربة ولا تصح المضاربة بالعروض ولأن المضاربة تكون
بالتجارة في الأعيان وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك مالكها وقال القفاضي يتخرج أن لا يصح بناء على أن المضاربة بالعروض لا تصح فعلى، هذا إن كان أجر الدابة بعينها فالاجرة لما لكها وإن تقبل حمل شئ فحمله عليها أو حمل عليها شيئاً مباحاً فباعه فالأجرة والثمن له وعليه أجر مثلها لما لكها ولنا أنها عين تنمى بالعمل عليها فصح العقد ببعض نمائها كالدارهم والدنانير وكالشجر في المساقاة والأرض في المزارعة قولهم ليس من أقسام الشركة ولا هو مضاربة قلنا نعم لكنه يشبه المساقاة المزارعة فإنه دفع لعين المال إلى من يعمل عليها ببعض نمائها مع بقاء عينها وبهذا يتبين أن تخرجها على المضاربة بالعروض فاسد فإن المضاربة إنما تكون بالتجارة والتصرف في رقبة المال وهذا بخلافه وذكر القاضي في موضع آخر أن من استأجر دابة بنصف ما يرزق الله تعالى أو ثلثه جاز قال شيخنا ولا أرى لهذا وجهاً فإن الاجارة يشترط لصحاها العلم بالعوض وتقدير المدة أو العمل ولم يوجد ولأن هذا عقد غير منصوص عليه ولا هو في معنى المنصوص فهو كسائر العقود الفاسدة إلا أن يريد بالإجارة المعاملة على الوجه الذي تقدم وقد اشاره أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة فقال لا باس
بالثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على أنه صار في هذا ومثله الى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا إلى المضاربة والإجارة (فصل) نقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجوان لا يكون به بأس قال اسحاق بن إبراهيم قال أبو عبد الله إذا كان على النصف والربح فهو جائز وبه قال الأوزاعي ونقل احمد بن سعيد عن أحمد فيمن دع عبده الى رجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة وإن دفع ثوبه الى خياط ليفصله فمصا ويبيعها وله نصف ربحها بحق عمله جاز نص عليه في رواية حرب وكذلك إن دفع غزلاً الى رجل يسنجه بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه، وقال مالك وابو حنيفة والشافعي لا يجوز شئ من ذلك لأنه عوض مجهول وعمل مجهول وقد ذكرنا وجه جوازه فإن جعل له مع ذلك دراهم لم يجز نص عليه وعنه يجوز والصحيح الأول قال أبو بكر هذا قول قذيم وما روي غير هذا فعليه المتمد قال الاثرم سمت أبا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع وسئل عن الرجل يعطي الثوب بلا ثلث ودراهم أو درهمين قال أكرهه لأن هذا شئ لا يعرف والثلث إذا لم يكن معه شئ نراه جازا لحديث جابران
النبي صلى الله عليه وسلم أعطى خيبر على الشطر ققيل لأبي عبد الله فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهماً؟ قال فليجعل له ثلثاً وعشراً ثلثاً ونصف عشر وما أشبهه وروى الأثرم عن ابن سيرين والنخعي والزهري وايوب ويعلى بن حكيم أنهم أجازوا ذلك وقال ابن المنذ ركره هذا كله الحسن وقال أبو ثور وأصحاب الرأي: هذا كله فاسد واختاره ابن المنذر وابن عقيل وقالوا لو دفع شبكته الى الصياد ليصيدبها السمك بينهما نصفان فالصيد كله للصائد ولصاحب الشبكة أجر مثلها وقياس ما نقل عن أحمد صحة الشركة وما رزق الله بينهما على ما شرطاه لأنها عين تنمى بالعمل فيها فصح دفعها ببعض نمائها كالأرض (فصل) وقد ذكر ابن عقيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قفيز الطحان وهو ان يعطي الطان أقفزة معلومة يطحنها يقفيز دقيق منها وعلة المنع أنه جعل له بعض معموله أجراً لعمله فيصير الطحن مستحقاً له وعليه وهذا الحديث لا نعرفه ولم تثبت صحته ولا ذكره أصحاب السنن وقياس قول أحمد جوازه لما ذكرنا عنه من المسائل (فصل) فإن كان لرجل دابة ولآخر إكاف وجو القات فاشتركا على ان يؤجراهما والأجرة
بينهما نصفان فهو فاسد لأن هذه أعيان لا يصح الإشتراك فيها كذلك في منافعها إذا تقديره أجر دابتك لتكون أجرتها بيننا وأؤجر جوالقاتي لتكون أجرتها بيننا وتكون كلها لصاحب البهيمة لأنه مالك الأصل وللآخر أجر مثله على صاحب البهيمة لأنه استوفى منافع ملكه بعقد فاسد، هذا إذا أجر الدابة بما عليها من الإكاف والجوالقات في عقد واحد فأما إن أجر كل واحد منهما ملكه مفردا فلكل واحد أجر ملكه وهكذا لو قال رجل لصاحبه أجر عبدي والأجر بيننا كان الأجر لصاحبه وللآخر أجر مثله وكذلك في جميع الأعيان (فصل) فان اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن آخر رواية ومن آخر العمل على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم صح في قياس قول أحمد فإنه نص في الدابة يدفعها الى آخر يعمل عليها على أن لهما الأجرة على الصحة وهذا لأنه دفع دابته الى آخر يعمل عليها والرواية عين تنمى بالعمل عليها فهي كالبهيمة فعلى هذا يكون ما رزق الله بينهم على ما اتفقوا عليه وهذا قول الشافعي ولأنهما وكلا العامل في كسب مباح بآلة دفعا ها إليه فأشبه مالو دفع إليه أرضه ليزرعها، وهكذا لو اشترك اربعة من أحدهم دكان ومن
أخر رحى ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا بذلك فما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه وقال القاضي العقد فاسد في السمئلتين جميعاً وهو ظاهر قول الشافعي، لأن هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة لكونه لا يجوز أن يكون رأس مالهما العروض ولأن من شرطهما عود رأس المال سليما بمعنى أنه لا يستحق شئ من الربح حتى يستوفى رأس المال بكماله والرواية هنا تخلق وتنقص، ولا إجارة لأنها تفتقر إلى مدة معلومة وأجر معلوم فتكون فاسدة، فعلى هذا يكون الأجر كله في المسألة الأولى للسقاء لأنه لما غرف الماء في الإناء ملكه فإذا باعه فثمنه له لأنه عوض ملكه وعليه لصاحبه أجر المثل لأنه استعمل ملكهما بعوض يسلم لهما فكان لهما أجر المثل كسائر الإجارات الفاسدة وأما في المسألة الثانية فإنهم إذا طحنوا الرجل طعاما بأجرة نظرت في عقد الإجارة فإن كان من واحد منهم ولم يذكر أصحابه ولا نواهم فالأجر كله له وعليه لأصحابه أجر المثل، وإن نوى أصحابه أو ذكرهم كان كما لو عقد مع كل واحد منهم منفرداً أو استأجر من جميعهم فقال استأجر تكم لتطحنو إلي هذا الطعام
بكذا فالأجر بينهم أرباعاً لأن كل واحد منهم قد لزمه طحن ربعه ويرجع كل واحد منهم على اصحابه بريع أجر مثله وإن قال استأجرت هذا الدكان والبغل والرجا وهذا الرجل بكذا وكذا من الطعام صح والأجر بينهم على قدر أجر مثلهم لكل واحد من المسمى بقدر حصته في أحد الوجهين وفي الآخر يكون بينهم أرباعاً بناء على ما إذا تزوج أربعاً بمهر واحد أو كاتب أربعة أعبد بعوض واحد هل يكون العوض أرباعاً أو على قدر قيمتهم؟ على وجهين
(مسألة) (وإن جمعا بين شركة العنان والأبدان والوجوه والمضاربة صح) لأن كل واحد منهما يصح منفرداً فصح مع غيره كحالة الإنفراد (فصل) الخامس شركة المفاوضة وهو أن يدخلا في الشركة الأكساب النادرة كوجدان لقطة أو ركاز أو ما يحصل لهما من ميراث وما يلزم أحدهما من ضمان غصب أو أرش جناية أو نحو ذلك
فهذه شركة فاسدة، وبهذا قال الشافعي واجازه الثوري والاوزاعي وأبو حنيفة وحكي عن مالك وشرط أبو حنيفة لها شروطاً وهي أن يكونا حرين مسلمين وإن يكون مالهما في الشركة سواء وإن يخرجا جميعاً ما يملكانه من جنس الشركة وهو الدراهم والدنانير، واحتجوا بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة ولأنها نوع شركة تختص باسم فكان منها صحيح كشركة العنان ولنا أنه عقد لا يصح بين كافرين ولابين كافر ومسلم فلم يصح بين المسلمين كسائر العقود الفاسدة ولأنه
عقد لم يرد الشرع بمثله فلا يصح كما ذكرنا ولأن فيه غرراً فلم يصح كبيع الغرر، بيان غرر أنه يلزم كل واحد ما لزم الآخر وقد يلزمه شئ لا يقدر على القيام به وقد أدخلا فيه الأكساب النادرة فأما الخبز فلا نعرفه ولا رواه أصحاب المنن وليس فيه ما يدل على أنه أراد هذا العقد فيحتمل أنه أراد المفاوضة في الحديث ولهذا روي فيه (ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان) وأما القياس فلا يصح فإن اختصاصها باسم لا يقتضي الصحة كبيع المنابذة والملامسة وسائر البيوع الفاسدة وشركة العنان تصح بين الكفارين والكافر والمسلم بخلاف هذا
باب الوكالة
وهي جائزة بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى (إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها) فجوز العمل عليها وذلك بحكم النيابة عن المستحقين وأيضاً قوله تعالى (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه) وهذه وكالة، وأما السنة فروى أبو داود والاثرم وابن ماجه بانسادهم عن عروة بن الجعد قال عرض للنبي صلى الله عليه وسلم جلب فأعطاني ديناراً
فقال (يا عروة أئت الجلب فاشتر لنا شاة) قال فأتيت الجلب فساومت صاحبه فاشتريت شاتين بدينار فجئت أسوقهما وأقودهما فلقبني رجل بالطريق فساومني فبعت منه شاة بدينار فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار وبالشاة فقلت يا رسو الله هذا دينار كم وهذه شاتكم قال (وصنعت كيف؟) قال فحدثته الحديث فقال (اللهم بارك له في صفقة يمينه) هذا لفظ رواية الأثرم وروى أبو داود باسناده عن جابر بن عبد الله قال أردت الخروج إلى خيبر فأتيت النبي صلى الله عليه وقلت إني أردت الخروج إلى خيير فقال (أئت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقاً فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته) وروى عنه صلى الله عليه وسلم أنه وكل عمر وبن أمية الضمري في قبول نكاح أم حبيبة وأبا رافع في قبول نكاح ميمونة
وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك فإنه لا يمكن كل أحد فعل ما يحتاج إليه بنفسه.
(مسألة) (تصح الوكالة بكل قول بدل الإذن وكل قول أو فعل بدل القبول) لا تصح الوكالة إلا بالإيجاب والقبول لأنه عقد تعلق به حق كل واحد منهما فافتقر إلى الإيجاب والقبول كالبيع، والإيجاب هو كل لفظ دل على الاذن نحو قوله أفعل كذا أو أذنت لك في فعله فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عروة بن الجعد في شراء شاة بلفظ الشراء وكذلك قوله تعالى حكاية عن أهل الكهف (فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة إلى قوله فليأتكم برزق منه) ولأنه لفظ دل على الإذن فهو كقوله وكلتك ويكفي في القبول قوله قبلت وكل لفظ دل عليه ويجوز بكل فعل دل عليه أيضاً نحو أن يفعل لان ما أمره بفعله لأن الذين وكلهم النبي صلى الله عليه وسلم لم ينقل عنهم سوى امتثال أمره ولأنه أذن في التصرف فجاز القبول فيه بالفصل كأكل الطعام (مسألة) (يجوز القبول على الفور والتراخي نحوان يوكله في بيع شئ فيبيعه بعد سنة أوبيلغه أنه وكله منذ شهر فيقول قبلت) لأن قبول وكلاء النبي صلى الله عليه كان بفعلهم وكان متراخياً عن توكيله إياهم ولأنه أذن في التصرف والإذن قائم ما لم يرجع عنه أشبه الإباحة وهذا كله مذهب الشافعي
(فصل) ويجوز تعليقها على شرط نحو قوله إذا قدم الحاج فافعل كذا او إذا جاء الشتاء فاشتر لنا
كذا او إذا جاء الأضحى فاشتر لنا أضحية أو إذا طلب منك أهلي شيئاً فادفعه إليهم أو إذا دخل رمضان فقد وكلتك في كذا أو فأنت وكيلي وبهذا قال أبو حنيفة، وقال الشافعي لا تصح لكن إن تصرف صح تصرفه لوجود الإذن وإن كان وكيلا بجعل فسد المسمى وله أجر المثل لأنه عقد يملك التصرف به في الحياة أشبه البيع ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (أمير كم زيد فإن قتل فجعفر فإن قتل فعبد الله بن رواحة) وهذا في معناه ولا نه عقد اعتبر في حق الوكيل حكمة وهو إباحة التصرف وصحته فكان صحيحاً كما لو قال أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج ولأنه لو قال وكلتك في شراء كذا في وقت كذا صح بلا خلاف ومحل النزاع في معناه ولأنه أذن في التصرف أشبه الوصية والتأمير ولأنه عقد يصح بغير جعل ولا يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فصح بالجعل كالتوكيل الناجز (مسألة) (ولا يصح التوكيل والتوكل في شئ الاممن يصح تصرفه فيه) لأن من يصح تصرفه بنفسه فبنائبه أولى وكل من صح تصرفه في شئ بنفسه وكان مما تدخله النيابة صح أن يوكل فيه رجلا كان أو امرأة حرا أو عبدا مسلماً أو كافراً فأما من يتصرف بالإذن كالعبد المأذون له والوكيل والمضارب فلا يدخلون في هذا، لكن يصح من العبد التوكيل فيما يملكه دون سيده كالطلاق والخلع، وكذلك الحكم في المحجور عليه لسفه لا يوكل الافيما له فعله كالطلاق
والخلع وطلب القصاص، وكل ما صح أن يستوفيه بنفسه وتدخله النيابة صح أن يتوكل لغيره فيه إلا الفاسق فإنه يصح أن يقبل النكاح لنفسه، وذكر القاضي أنه لا يجوز أن يقبله لغيره وظاهر كلام شيخنا في الكتاب المشروح أنه يصح وهو قول أبي الخطاب وهو القياس ولا صحاب الشافعي وجهان كهذين فأما توكيله في الإيجاب فلا يجوز إلا على الرواية التي تثبت الولاية له وذكر أصحاب الشافعي في في ذلك الوجهين (أحدهما) يجوز لأنه ليس بولي (والثاني) لا يجوز لا نه موجب للنكاح أشبه الولي ولأنه لا يجوز أن يتولى ذلك بنفسه فلم يجز أن يتوكل فيه كالمرأة ويصح توكيل المرأة في طلاق نفسها وغيرها ويصح توكيل العبد في قبول النكاح لأنه ممن يجوز أن يقبله لنفسه وإنما يقف ذلك على إذن سيده ليرضى بتعلق الحقوق به، ومن لا يملك التصرف في شئ لنفسه لا يصح أن يتوكل فيه كالمرأة في عقد انكاح وقبوله والكافر في تزويج مسلمة والطفل والمجنون في الحقوق كلها، وللمكاتب أن يوكل فيما يتصرف فيه بنفسه وله أن يتوكل بجعل لأنه من اكتساب المال ولا يمنع من الإكتساب، وليس له أن يتوكل بغير جعل إلا بإذن سيده لأن منافعه كأعيان ماله وليس له بذلك عين ماله بغير عوض وتصح وكالة الصبي المميز بإذن الولي بناء على صحة تصرفه بإذنه
(مسألة) (ويجوز التوكيل في كل حق آدمي من العقود والفسوخ والعتق والطلاق والرجعة وتملك المباحات من الصيد والحشيش ونحوه الا الظاهر واللعان والإيمان)
وجملة ذلك أن التوكيل يجوز في الشراء والبيع ومطالبة الحقوق والعتق والطلاق حاضراً كان الموكل أو غائباً وقد ذكرنا الدليل على ذلك من الآية والخبر والحاجة تدعو إليه لأنه قد يكون ممن لا يحسن البيع والشراء أو لا يمكنه الخروج الى السوق وقد يكون له مال ولا يحسن التجارة فيه وقد يحسن ولا يتفرغ وقد لا تليق به التجارة لكونه امرأة أو ممن يتعير بها ويحط ذلك من منزلته فأباحها الشرع دفعاً للحاجة وتحصيلاً لمصلحة الآدمي المخلوق لعبادة الله سبحانه، وكذلك يجوز التوكيل في الحوالة والرهن والضمان والكفالة والشركة والوديعة والمضاربة والجعالة والمساقاة والإجارة والقرض والصلح والهبة والصدقة والوصية والفسخ والإبراء لأنها في معنى البيع في الحاجة إلى التوكيل فيها فيثبت فيها حكمه ولا نعلم فيه خلافا، ويجوز التوكيل في الخلع والرجعة لأن الحاجة تدعو إليه كدعائها الى التوكيل في البيع ويجوز التوكيل في تحصيل المباحات كإحياء الموات واستقاء الماء والاصطياد والإحتشاش لأنها تملك مال بسبب لا يتعين عليه فجاز التوكيل فيه كالا بتياع والإيهاب (فصل) ولا تصح في الإيمان والنذور لأنها تتعلق بعين الحالف والناذر فأشبهت العبادات البدنية والحدود ولا تصح في الإيلاء والقسامة واللعان لأنها إيمان ولا في الظهار لأنه قول منكر وزور فلا يجوز فعله ولا الإستنابة فيه ولا تجوز في القسم بين الزوجات لأنها تتعلق ببدن الزوج لأمر يختص به
ولا في الرضاع لأنه يختص بالمرضعة والمرتضع لأمر يختص بإنبات لحم المرتضع وإنشاز عظمه من لبنها، ولا تصح في الغصب ولا في الجنايات لأن ذلك محرم وكذلك كل محرم لأنه لا يحل له فعله بنفسه قلم تجز النيابة فيه
(مسألة) (ويجوز أن يوكل من يقبل له النكاح ومن يزوج موليته إذا كان الوكيل ممن يصح له ذلك لنفسه وموليته
لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكل عمرو بن أمية الضمري وأبا رافع في قبول النكاح له ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه ربما احتاج إلى التزويج من مكان بعيد لا يمكنه السفر إليه كما تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة وهي بأرض الحبشة ويجوز أن يوكل من يزوج موليته لأن الحاجة تدعو إليه فأشبه البيع إذا كان الوكيل ممن يصح منه ذلك لموليته، وهل يجز أن يكون فاسقاً؟ ينبني على اشتراط ذلك في ولاية النكاح وسيذكر في بابه إن شاء الله (فصل) ولا يصح التوكيل في الشهادة لأنها تتعلق بعين الشاهد لكونها خبراً عما رآه أو سمعه ولا يتحقق هذا المعنى في نائبه فإن استناب فيها كان النائب شاهداً على شهادة لكونه يؤدي ما سمعه من شاهد الأصل وليس بوكيل، ولا يصح في الاغتنام لانه متى حضر النائب تعين عليه الجهاد فكان السهم له ولا في الالتقاط لأنه بأخذه يصير لملتقطه (فصل) ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها حاضراً كان الموكل أو غائباً صحيحاً أو مريضاً وبه قال مالك وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة للخصم
أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضراً لأن حضوره مجلس الحاكم ومخاصمته حق لخصمه عليه فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضاء خصمه كالدين عليه ولنا أنه حق تجوز النيابة فيه فكان لصاحبه الاستنابة بغير رضاء خصمه كحالة غيبته ومرضه وكدفع المال الذي عليه ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن عليا وكل عقيلاً عند أبي بكر رضي الله عنه وقال ما قضى له فلي وما قضي عليه فعلي ووكل عبد الله بن جعفر عند عثمان وقال أن للخصومة قحما وإن الشيطان يحضرها وأني لأكره أن أحضرها قال أبو زياد القحم المهالك وهذه قصص اشتهرت لأنها في مظنة الشهرة فلم ينقل إنكارها ولأن الحاجة تدعو إلى ذلك فإنه قد يكون له حق أو يدعي عليه ولا يحسن الخصومة أو لا يحب أن يتولاها بنفسه ويجوز التوكيل في الإقرار ولأصحاب الشافعي وجهان (أحدهما) لا يجوز التوكيل فيه لأنه إخبار بحق فلم يجز التوكيل فيه كالشهادة ولنا أنه إثبات حق في الذمة بالقول فجاز التوكيل فيه كالبيع وفارق الشهادة فإنها لا تثبت الحق وإنما هو إخبار بثبوته على غيره، ويجوز التوكيل في إثبات القصاص وحد القذف واستيفائهما لانهما من من حقوق الآدميين وتدعو الحاجة إلى التوكيل فيهما لأن من له الحق قد لا يحسن الاستيفاء أو لا يحب أن يتولاهما
(مسألة) (ويجوز في كل حق لله تعالى تدخله النيابة من العبادات والحدود في إثباتها واستيفائها كحد الزنا والسرقة)
لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (اغديا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها) فغدا عليها أنيس فاعترفت فأمر بها فرجت متفق عليه وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برجم ما عز فرجموه ووكل عثمان عليا في إقامة حد الشرب على الوليد بن عقبة رواه مسلم ولأن الحاجة تدعو إليه لأن الامام لا يمكنه
تولي ذلك بنفسه، ويجوز التوكيل في إثباتها وقال أبو الخطاب لا يجوز وهو قول الشافعي لأنها تسقط بالشبهات وقد أمرنا بدرئها بها والتوكيل توصل إلى الإيجاب ولنا حديث أنيس الذي ذكرناه فإن النبي صلى الله عليه وسلم وكله في إثباته واستيفائه جميعاً يقوله (فان اعترفت فارجمها) وهذا يدل على أنه لم يكن ثبت وقد وكله في إثباته ولأن الحاكم إذا استناب دخل في ذلك الحدود فإذا دخلت في التوكيل بطريق العموم فبالتخصيص يكون دخولها أولى والوكيل يقوم مقام الموكل في درئها بالشبهات (فصل) فأما العبادات فما تعلق منها بالمال كالصدقات والزكاة والمنذورات والكفارات جاز التوكيل في قبضها وتفريقها ويجوز للمخرج التوكيل في إخراجها ودفعها الى مستحقها ويجوز أن يقول لغيره أخرج زكاة مالي من مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث عماله لقبض الصدقات وتفريقها وقال لمعاذ حين بعثه إلى اليمين أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) متفق عليه ويجوز التوكيل في الحج إذا أيس المحجوج عنه من الحج بنفسه وكذلك العمرة ويجوز أن يستناب من يحج عنه بعد الموت، وفاما العبادات البدنية المحضة كالصلاة والصيام والطهارة من الحدت فلا يجوز التوكيل فيها فإنها تتعلق ببدن من هي عليه فلا يقوم غيره مقامه إلا أن الصيام المنذور يفعل عن الميت وليس ذلك بتوكيل لأنه لم يوكل في ذلك ولا وكل فيه غيره، ولا يجوز في الصلاة إلا في ركعتي الطواف تبعاً للحج ولا تجوز الإستنابة في الطهارة إلا في صب الماء وإيصاله إلى الأعضاء وفي تطهير النجاسة عن البدن والثوب وغيرهما
(مسألة) (ويجوز الاستيفاء في حضرة الموكل وغيبته نص عليه أحمد وهو قول مالك إلا القصاص، وحد القذف عند بعض أصحابنا لا يجوز في غيبته)
وقد أومأ إليه أحمد وهو قول أبي حنيفة وبعض الشافعية لأنه يحتمل أن يعفو الموكل في حال غيبته فيسقط وهذا الاحتمال شبهة تمنع الاستيفاء ولأن العفو مندوب إليه فإذا حضر احتمل أن يرحمه فيعفو والأول ظاهر المذهب لأن ما جاز استيفاؤه في حضرة الموكل جاز في غيبته كالحدود وسائر الحقوق واحتمال العفو بعيد والظاهر أنه لو عفا لبعث وأعلم وكيله وبعفوه والأصل عدمه فلا يؤثر الا ترى أن قضاة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يحكمون في البلاد ويقيمون الحدود التي تدرأ بالشبهات مع احتمال النسخ وكذلك لا يختلط في استيفاء الحدود بإحضار الشهود مع احتمال رجوعهم عن الشهادة أو بغير اجتهاد الحاكم.
(مسألة) (ولايجوز للوكيل أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه إلا بإذن الموكل وعنه يجوز وكذلك الوصي والحاكم وله التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه أو يعجز عنه لكثرته) وجملة ذلك أن التوكيل لا يخلو من ثلاثة أحوال (أحدها) أن ينهى الموكل وكيله عن التوكيل فلا يجوز له ذلك بغير خلاف لأن مانهاه عنه غير داخل في إذنه فلم يجزله كما لو لم يوكله (الثاني) أن يأذن له في التوكيل فيجوز له لأنه عقد أذن فيه فكان له فعله كالتصرف المأذون فيه ولا نعلم في هذا خلافاً
فإن قال وكلتك فاصنع ما شئت فله أن يوكل، وقال أصحاب الشافعي ليس له التوكيل في أحد الوجهين لأن التوكيل يقتضي تصرفاً يتولاه بنفسه فقوله اصنع ما شئت يرجع إلى ما يقتضيه التوكيل من تصرفه بنفسه ولنا أن لفظة عام فيما شاء فيدخل في عمومه التوكيل (الثالث) اطلق له الوكالة فلا يخلو من أقسام ثلاثة (أحدها) أن يكون العمل مما يترفع الوكيل عن مثله كالأعمال الدنية في حق أشراف الناس المرتفعين عن فعلها في العادة أو يعجز عن عمله لكونه لا يحسنه فإنه لا يجوز له التوكيل فيه لأنه إذا كان مما لا يعمله الوكيل عادة انصرف الإذن إلى ما جرت به العادة من الاستنابة فيه (القسم الثاني) أن يكون مما يعمله بنفسه إلا أنه يعجز عن عمله لكثرته وانتشاره فيجوز له التوكيل في عمله ايضاً لأن الوكالة اقتضت جواز التوكيل في فعل جميعه كما لو أذن فيه بلفظه، وقال القاضي عندي
أنه إنما له التوكيل فيما زاد على ما يتمكن من عمله بنفسه لأن التوكيل إنما جاز للحاجة فاختص ما دعت إليه الحاجة بخلاف وجود إذنه فإنه مطلق ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين (القسم الثالث) ما عدا هذين القسمين وهو ما يمكنه عمله بنفسه ولا يترفع عنه فهل يجوز له التوكيل فيه؟ على روايتين (إحداهما) لا يجوز نقلها ابن منصور وهو مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي لأنه لم يأذن له بالتوكيل ولا تضمنه إذنه فلم يجز كما لو نهاه ولأنه استئمان فيما يمكنه النهوض فيه فلم يكن له أن يوليه من لم يأمنه عليه كالوديعة (والثانية) يجوز نقلها أحمد وبه قال ابن أبي ليلى إذا مرض أو غاب لأن الوكيل له أن يتصرف بنفسه فملكه بنائبه كالمالك والأولى أولى ولا يشبه الوكيل المالك فان المالك يتصرف في ملكه كيف شاء بخلاف الوكيل (فصل) وكل وكيل جاز له التوكيل فليس له أن يوكل إلا أمينا لأنه لا نظر للموكل في توكيل من ليس بأمين فيفيد جواز التوكيل بما فيه الحظ والنظر كما أن الإذن في البيع يتقيد بالبيع بثمن المثل إلا أن يعين له الموكل من يوكله فيجوز توكيله وإن لم يكن أميناً لأنه قطع نظره بتعيينه فإن وكل أميناً فصار خائناً فعليه عزله لأن تركه يتصرف مع الخياتة تضييع وتفريط والوكالة تقتضي استئمان أمين وهذا ليس بأمين فوجب عزله (فصل) والحكم في الوصي يوكل فيما أوصى به إليه وفي الحاكم يولى القضاء في ناحية يستنيب غيره حكم الوكيل فيما ذكرنا من التفصيل إلا أن المنصوص عن أحمد في رواية منها جواز ذلك وهو قول الشافعي في الوصي لأن الوصي يتصرف بولائه بدليل أنه لم يتصرف فيما لم ينص له على التصرف فيه والوكيل لا يتصرف إلا فيما نص له عليه قال شيخنا والجمع بينهما أولى لأنه متصرف في مال غيره بالإذن فأشبه الوكيل وإنما يتصرف فيما اقتضته الوصية كالوكيل إنما يتصرف فيما اقتضته الوكالة
(فصل) فأما الولي في النكاح فله التوكيل في تزويج موليته بغير إذنها أبا كان أو غيره وقال القاضي فيمن لا يجوز له الإجبار هل هو كالوكيل؟ يخرج على الروايتين المنصوص عليهما في الوكيل ولا صحاب الشافعي فيه وجهان (أحدهما) لا يملك التوكيل إلا بإذنها لأنه لا يملك التزويج إلا بإذنها أشبه الوكيل ولنا أن ولايته من غير جهتها فلم يعتبر إذنها في توكيله فيها كالأب بخلاف الوكيل فإن الولي متصرف بحكم الولاية الشرعية أشبه الحاكم ولأن الحاكم يملك تفويض عقود الأنكحة الى غيره بعير إذن النساء فكذلك الولي وما ذكروه يبطل بالحاكم والذي يعتبر إذنها فيه هو غير ما يوكل فيه بدليل أن الوكيل لا يستغني عن إذنها في التزويج فهو كالموكل في ذلك (فصل) إذا أذن الموكل في التوكيل فوكل كان الوكيل الثاني وكيلا للموكل لا ينعزل بموت الوكيل الأول ولا عزله ولا يملك الأول عزل الثاني لأنه ليس بوكيله وإن أذن له أن يوكل لنفسه جاز وكان وكيلاً للوكيل ينعزل بموته وعزله، وإن مات الموكل أو عزل الأول انعزلا جميعاً لأنهما فرعان له لكن أحدهما فرع الآخر فذهب حكمهما بذهاب اصلهما وأن وكل من غير أن يؤذن له في التوكيل نطلقا بل وجد عرفا أو على الرواية التي أجزنا له التوكيل من غير إذن فالثاني وكيل الوكيل الأول حكمه حكم ما لو أذن له أن يوكل لنفسه
(مسألة) (ويجوز توكيل عبد غيره بإذن سيده)
لأن المنع لحق السيد فجاز بإذنه ولا يجوز بغير إذنه لأنه لا يجوز له التصرف بغير إذن سيده لكونه محجوراً عليه فإذا أذن في ذلك صح كما تصح تصرفاته بإذنه
(مسألة) (فإن وكله بإذنه في شراء نفسه من سيده فعلى روايتين)
(إحداهما) يصح وبه قال أبو حنيفة وبعض الشافعية (والثانية) لا يجوز وهو قول بعض
الشافعية لأن يد العبد كيد سيده فأشبه مالو وكله في الشراء من نفسه ولهذا يحكم للإنسان بما في يد عبده، ولنا أنه يجوز أن يشتري عبدامن غير مولاه فجازان يشتريه من مولاه كالاجنبي وإذا جاز أن يشتري غيره جاز إن يشتري نفسه كما أن المرأة لما جاز توكيلها في طلاق غيرها جاز في طلاق نفسها، والوجه الذي ذكروه لا يصح لأن أكثر ما يقدر ههنا جعل توكيل العبد كتوكيل سيده وسنذكر صحة توكيل السيد في البيع والشراء من نفسه فههنا أولى، فعلى هذا إذا قال العبد اشتريت نفسي لزيد وصدقاه صح ولزم زيدا الثمن، وإن قال السيد ما اشتريت نفسك إلا لنفسك عتق العبد لإقرار السيد على نفسه بما يعتق به ويلزم العبد الثمن في ذمته لسيده لأن زيداً لا يلزمه الثمن لعدم حصول العبد له وكون سيده لا يدعيه عليه فلزم العبد لأن الظاهر ممن باشر العقد إنه له، وإن صدقه السيد وكذبه زيد نظرت في تكذيبه فان كذبه في الوكالة خلف وبرئ وللسيد فسخ البيع واسترجاع عبده لتعذر ثمنه وإن صدقه في الوكالة وقال ما اشتريت نفسك لي فالقول قول العبد لأن الوكيل يقبل قوله في التصرف المأذون فيه (فصل) وإذا وكل عبده في إعتاق نفسه أو امرأته في طلاق نفسها صح، وإن وكل العبد في اعتاق عبيده أو المرأة في طلاق نسائه لم يملك إعتاق نفسه ولا المرأة طلاق نفسها لأنه ينصرف بإطلاقه إلى التصرف في غيره ويحتمل أن لهما ذلك لشمولهما عموم اللفظ كما يجوز للوكيل في البيع إن يبيع من نفسه في إحدى الروايتين، وإن وكل غريمه في إبراء نفسه صح لأنه وكله في اسقاط حق من نفسه فهو كتوكيل البعد في إعتاق نفسه، وإن وكله في إبراء غرمائه لم يكن له أن يبرئ نفسه كما لو وكله في حبس غرمائه لم يملك حبس نفسه، وإن وكله في خصومتهم لم يكن وكيلاً في خصومة نفسه ويحتمل أن يملك إبراء نفسه لما ذكرنا من قبل، وإن وكل المضمون في إبراء الضامن فأبرأ صح ولم يبرأ المضمون عنه وإن وكل الضمان في إبراء المضمون عنه أو الكفيل في إبراء المكفول عنه صح وبرئ الوكيل ببراءته لأنه فرع عليه فإذا برئ الاصل برئ الفرع
(مسألة) (والوكالة عقد جائز من الطرفين)
لكل واحد منهما فسخها متى شاء لأنه أذن في التصرف فكان لكل واحد منهما إبطاله كالإذن في أكل طعامه فإن وكل المرتهن في بيع الرهن ففيه اختلاف ذكرناه (مسألة) (وتبطل بالموت والجنون والحجر للسفه وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضارية) تبطل الوكالة بموت الموكل والوكيل وجنون المطلق بغير خلاف علمناه إذا علم الحال وكذلك يبطل بخروجه عن أهلية التصرف كالحجر عليه لسفه لأنه لا يملك التصرف فلا يملكه غيره من جهته كالجنون والموت وكذلك كل عقد جائز كالشركة والمضاربة قياساً على الوكالة قال أحمد في الشركة إذا وسوس أحدهما فهو مثل العزل (فصل) فإن حجر على الوكيل لفلس فالوكالة بحالها لأنه لم يخرج عن أهلية التصرف وإن حجر على الموكل وكانت الوكالة في أعيان ماله بطلت لانقطاع تصرفه وإن كانت في الخصومة او الشراء في الذمة أو الطلاق أو الخلع أو القصاص لم تبطل لأن الموكل أهل لذلك، وإن فسق الوكيل لم ينعزل لأنه من أهل التصرف إلا أن تكون الوكالة فيما ينافيه الفسق كالإيجاب في عقد الكاح فإنه ينعزل بفسق أحدهما لخروجه عن أهلية التصرف وإن كان وكيلا في القبول لم ينعزل بفسق موكله لأنه لا ينافي جواز قبوله، وهل يننعزل بفسق نفسه؟ على وجهين أولاهما أنه لا ينعزل لأنه يجوز أن يقبل النكاح لنفسه فجاز أن يقبله لغيره كالعدل، وإن كان وكيلاً فيما يشترط فيه الا مانة كوكيل ولي اليتيم وولي الوقف على المساكين ونحو هذا انعزل بفسقه وفسق موكله لخروجهما بذلك عن أهلية التصرف وإن كان وكيلا لوكيل ومن يتصرف في مال نفسه انعزل بفسقه لأن الوكيل ليس له توكيل فاسق ولا ينعزل بفسق موكله لان موكيله وكيل لرب المال ولا ينافيه الفسق (فصل) ولا تبطل الوكالة بالثوم والسكر والإغماء لأن ذلك لا يخرجه عن أهلية التصرف ولا تثبت عليه الولاية إلا أن يحصل الفسق بالسكر فقد ذكرناه مفصلاً
ولا تبطل بالتعدي فيما وكل فيه مثل لبس الثوب وركوب الدابة وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي والثاني تبطل بذلك لأنها عقد أمانة فبطلت بالتعدي كالوديعة ولنا أنه تصرف باذن موكمله فصح كما لو لم يتعد ويفارق الوديعة من حيث أنها أمانة مجردة فنافاها التعدي والخيانة، والوكالة أذن في التصرف تضمنت الأمانة فإذا انتفت الأمانة بالتعدي بقي الإذن بحاله، فعلى هذا لو وكله في بيع ثوب فلبسه صار ضامنا فإذا باعه صح بيعه وبرئ من ضمانه لدخوله في ملك المشتري وضمانه فإذا قبض الثمن كان أمانة في يده غير مضمون عليه لأنه قبضه بإذن الموكل ولم يتعد فيه ولو دفع إليه مالا ووكله أن يشتري به شيئاً فتعدي في الثمن صار ضامنا وإذا اشترى به وسلمه زال الضمان وقبضه للمبيع قبض أمانة، وإن ظهر بالمبيع عيب فرد عليه أو وجد هو بما اشتراه عيباً فرده وقبض الثمن كان مضموناً عليه لأن العقد المزيل للضمان زال فعاد ما زال به
(مسألة) (وهل تبطل بالردة وحرية عبده؟ على وجهين)
يصح توكيل المسلم كافراً فيما يصح تصرفه فيه سواء كان ذمياً أو مستأمناً أو حربياً أو مرتداً لأن العدالة لا تشترط في صحة الوكالة فكذلك الدين كالبيع، فإن وكل مسلماً فارتد لم تبطل وكالته
في أحد الوجهين سواء لحق بدار الحرب أو أقام، وقال أبو حنيفة تبطل إذا لحق بدار الحرب لأنه صار منهم ولنا أنه يصح تصرفه لنفسه فلم تبطل وكالته كما لو لم يلحق بدار الحرب ولأن الردة لا تمنع ابتداء الوكالة فلا تمنع استدامتها كسائر الكفر، وفيه وجه آخر أنها تبطل بالردة إذا قلنا إن المرتد تزول أملاكه وتبطل تصرفاته والوكالة تصرف وإن أرتد الموكل لم تبطل الوكالة فيما له التصرف فيه فأما الوكيل في ماله فينبني على تصرفه نفسه فإن قلنا يصح تصرفه لم يبطل توكيله وإن قلنا هو موقوف فوكالته موقوفة وإن قلنا يبطل تصرفه بطل توكيله وإن وكل في حال ردته ففيه الوجوه الثلاثة: (فصل) وإن وكل عبده ثم أعتقه أو باعه لم ينعزل لأن زوال ملكه لا يمنع ابتداء الوكالة فلا يقطع استدامتها وفيه وجه آخر أنها تبطل لأن توكيل عبده ليس بتوكيل في الحقيقة إنما هو استخدام بحق الملك فيبطل بزوال الملك وهكذا الوجهان فيما إذا وكل عبد غيره ثم باعه السيد، والصحيح الأول لأن سيد العبد أذن له في بيع ماله والعتق لا يبطل الإذن فكذلك البيع إلا أن المشتري إن رضى ببقائه على الوكالة وإلا بطلت وإن وكل عبد غيره فأعتقه فقال شيخنا لا تبطل الوكالة وجهاً واحداً لأن هذا توكيل حقيقة والعتق غير مناف له وإن اشتراه الموكل منه لم يبطل لأن ملكه إياه لا ينافي إذنه له في البيع والشراء وإن وكل امرأته ثم طلقها لم تبطل الوكالة لأن زوال النكاح لا يمنع ابتداء الوكالة فلم يمنع استدامتها
(فصل) وإن تلفت العين التي وكل في التصرف فيها بطلت الوكالة لأن محلها ذهب فذهبت الوكالة كما لو وكله في بيع عبد فمات، وكذا لو دفع إليه ديناراً ووكله في الشراء بعينه أو مطلقاً لأنه إن وكله في الشراء بعينه فقد استحال الشراء به بعد تلفه فبطلت الوكالة وإن وكله في الشراء مطلقاً ونقد الدينار بطلت أيضاً لأنه إنما وكله في الشراء به، ومعناه أن ينقده ثمن ذلك المبيع أما قبل الشراء او بعده وقد تعذر ذلك بتلفه ولأنه لو صح شراؤه للزم الموكل ثمن لم يلتزمه ولا رضي بلزومه، وإن استقرضه الوكيل وعزل ديناراً عوضه واشترى به فهو كالشراء له من غير إذن لأن الوكالة بطلت والدينار الذي عزله عوضاً لا يصير للموكل حتى يقبضه فإذا اشترى للموكل به شيئاً وقف على إجازة الموكل فإن أجازه صح ولزمه الثمن والالزم الوكيل وعنه يلزم الوكيل بكل حال.
وقال القاضي متى اشترى بعين ماله شيئاً لغيره بغير إذنه فالشراء باطل لأنه لا يصح أن يشتري بعين ماله ما يملكه غيره، وقال أصحاب الشافعي متى اشترى بعين ماله شيئاً لغيره صح الشراء للوكيل لأنه اشترى ما لم يؤذن له فيه أشبه مالو اشتراه في الذمة.
(فصل) نقل الأثرم عن أحمد في رجل كان له على آخر دراهم فقال له إذا أمكنك قضاؤها فادفعها إلى فلان وغاب صاحب الحق ولم يوص إلى هذا الذي أذن له في القبض لكن جعله وكيلاً وتمكن من عليه الدين من القضاء فخاف إن دفعها إلى الوكيل أن يكون الموكل قد مات ويخاف التبعة من
الورثة فقال لا يعجبني أن يدفع إليه لعله قد مات لكن يجمع بين الوكيل والورثة ويبرأ اليهما من ذلك هذا ذكره أحمد على طريق النظر للغريم خوفاً من التبعة من الورثة أن كان موروثهم قد مات فانعزل وكيله وصار الحق لهم فيرجعون على الدافع الى الوكيل فأما من طريق الحكم فللوكيل المطالبة وللآخر الدفع إليه فإن أحمد قد نص في رواية حرب إذا وكله وغاب استوفاه الوكيل وهو أبلغ من هذا لكونه يدرأ بالشبهات لكن هذا احتياط حسن وتبرئة للغريم ظاهراً وباطناً وإزالة التبعة عنه، وفي هذه الرواية دليل على أن الوكيل انعزل بموت الموكل وإن لم يعلم بموته لأنه اختار أن لا يدفع إلى الوكيل خوفاً من أن يكون الموكل قد مات فانتقل إلى الورثة ويجوز أن يكون اختار هذا لئلا يكون القاضي ممن يرى أن الوكيل ينعزل بالموت فيحكم عليه بالغرامة، وفيها دليل على جواز تراخى القبول عن الإيجاب لأنه وكله في قبض الحق ولم يعلمه ولم يكن حاضراً فيقبل، وفيها دليل على صحة التوكيل بغير لفظ التوكيل، وقد نقل جعفر بن محمد في رجل قال لرجل بع ثوبي ليس بشئ حتى يقول قد وكلتك وهذا سهو من الناقل، وقد تقدم ذكر الدليل على جواز التوكيل بغير لفظه وهو الذي نقله الجماعة.
(مسألة) (وهل ينعزل الوكيل بالموت والعزل قبل علمه؟ على روايتين)
وجملة ذلك أن الوكالة عقد جائز من الطرفين وقد ذكرنا ذلك فللموكل عزل وكيله متى شاء وللوكيل
عزل نفسه وتبطل بموت أحدهما أو جنونه فلمطبق ولا خلاف نعلمه في ذلك مع العلم بالحال فمتى تصرف بعد فسخ الموكل أو موته فهو باطل إذا علم ذلك، وإن لم يعلم بالعزل ولا يموت الموكل ففيه روايتان وللشافعي فيه قولان (أحدهما) ينعزل وهو ظاهر كلام الخرقي، فعلى هذا متى تصرف فبان أن تصرفه بعد عزله أو موت موكله فتصرفه باطل لأنه رفع عقد لا يفتقر إلى رضا صاحبه فصح بغير عمله كالطلاق والعتاق (والثانية) لا ينعزل قبل علمه نص عليه أحمد في رواية جعفر بن محمد لما في ذلك من الضرر لأنه قد يتصرف تصرفات فتقع باطلة وربما باع الجارية فيطؤها المشتري أو الطعام فيأكله أو غير ذلك فيتصرف فيه المشتري ويجب ضمانه فيتضرر المشتري والوكيل لأنه يتصرف بأمر الموكل فلا يثبت حكم الرجوع في حق المأمور قبل علمه كالفسخ، فعلى هذه الرواية متى تصرف قبل العلم صح تصرفه وهذا قول أبي حنيفة، وروي عن أبي حنيفة إن الوكيل إن عزل نفسه لم ينعزل إلا بحضرة الموكل لأنه متصرف بأمر الموكل فلا يصح رد أمره بغيره حضرته كالمودع في رد الوديعة، ووجه الأول ما ذكرناه فأما الفسخ ففيه وجهان كالروايتين، ويمكن الفرق بينهما بأن أمر الشارع يتضمن المعصبة بتركه ولا يكون عاصبا مع عدم العلم وهذا يتضمن العزل عنه إبطال التصرف فلا يمنع منه عدم العلم (فصل) وإذا وقعت الوكالة مطلقة ملك التصرف أبداً ما لم يفسخ الوكالة وتحصل بقوله فسخت الوكالة
أو أبطلتها أو نقضتها أو أزلتك أو صرفتك أو عزلتك عنها أو ينهاه عن فعل ما أمره به وما أشبه ذلك من الألفاظ المقتضية عزله والمؤدية معناه أو يعزل الوكيل نفسه أو يوجد ما يقتضي فسخها حكما على ما ذكرنا أو يوجد ما يدل على الرجوع عن الوكالة فإذا وكله في طلاق امرأته ثم وطئها انفسخت الوكالة لأن ذلك يدل على رغبته فيها واختيار إمساكها وكذلك لو وطئ الرجعية كان ارتجاعا لها فإذا اقتضى رجعتها بعد طلاقها فلان يقتضي استيقاءها على نكاحها ومنع طلاقها وإن باشرها دون الفرج أو فعل ما يحرم على غير الزوج فهل تنفسخ الوكالة في الطلاق؟ يحتمل وجهين بناء على الخلاف في حصول الرجعة به، وإن وكله في بيع عبد ثم كاتبه أو دبرها نفسخت الوكالة لأنه على إحدى الروايتين لا يبقى محلا للبيع وعلى الرواية الأخرى تصرفه فيه بذلك يدل على أنه قصد الرجوع عن بيعه وإن باعه بيعاً فاسداً لم تبطل الوكالة لأن ملكه في العبد لم يزل ذكره ابن المنذر
(مسألة) (وإذا وكل اثنين لم يكن لأحدهما الانفراد بالتصرف إلا أن يجعل ذلك إليه)
وجملة ذلك أنه إذا وكل وكيلين وجعل لكل واحد الإنفراد بالتصرف فله ذلك لأنه مأذون فيه وإن
لم يجعل له ذلك فليس لأحدهما الانفراد به لأنه لم يأذن في ذلك وإنما يجوز له فعل ما أذن فيه موكله وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي فإن وكلهما في حفظ ماله حفظاه معاً في حرز لهما لان فوله افعلا كذا يقتضي اجتماعهما على فعله وهو مما يمكن تعلق بهما، وفارق هذا قوله بعتكما حيث كان منقسما ببنهما لأنه لا يمكن أن يكون الملك على الإجتماع فانقسم بينهما فإن غاب أحد الوكيلين لم يكن للآخر أن يتصرف ولا للحاكم ضم أمين إليه ليتصرفا لأن الموكل رشيد جائز التصرف لا ولاية للحاكم عليه فلا يقيم الحاكم له بغير إذنه، وفارق مالو مات أحد الوصيين حيث يضيف الحاكم الى الوصي أميناً ليتصرفا لكون الحاكم له النظر في حق الميت واليتيم ولهذا لو لم يوص الى أحد أقام الحاكم أميناً في النظر لليتيم، وإن حضر الحاكم أحد الوكيلين والآخر غائب فادعى الوكالة لهما وأقام بينة سمعها الحاكم وحكم بثبوت الوكالة لهما ولم يملك الحاضر التصرف وحده فإذا حضر الآخر تصرفا معاً ولا يحتاج إلى إعادة البينة لأن الحاكم سمعها لهما مرة، فإن قيل هذا حكم الغائب قلنا يجوز تبعاً لحق الحاضر كما يجوز أن بحكم بالوقف الذي يثبت لمن لم يحلف لأجل من يستحقه في الحال كذا ههنا وإن جحد الغائب الوكالة أو عزل نفسه لم يكن للآخران يتصرف وبما ذكرناه قال أبو حنيفة والشافعي ولا نعلم فيه مخالفا
وجميع التصرفات في هذا سواء وقال أبو حنيفة إذا وكلهما في خصومة فلكل واحد منهما الانفراد بها ولنا أنه لم يرض بتصرف أحدهما أشبه البيع والشراء
(مسألة) (ولا يجوز للوكيل في البيع إن يبيع لنفسه، وعنه يجوز إذا زاد على مبلغ ثمنه في النداء أو وكل من يبيع وكان هو أحد المشترين، ولا في الشراء ان يتشري من نفسه) وجملة ذلك أن من وكل في بيع شئ لم يجز أن يبيعه لنفسه ولا للوكيل في الشراء أن يشتري من نفسه في إحدى الروايتين نقلها منها وهو مذهب الشافعي واصحاب الرأي، وكذلك الوصي لا يجوز أن يشتري من مال اليتيم شيئاً لنفسه في إحدى الروايتين وهو مذهب الشافعي وحكي عن مالك والاوزاعي جواز ذلك فيهما (والرواية الثانية) عن أحمد يجوز لهما أن يشتريا بشرطين أحدهما أن يزيد على مبلغ ثمنه في النداء والثاني أن يتولى النداء غيره قال القاضي يحتمل أن يكون اشتراط تولي غيره للنداء واجباً ويحتمل أن يكون مستحباً والاول أشبه بطاهر كلامه وقال أبو الخطاب الشرط الثاني أن يولي من يبيع ويكون هو أحد المشترين، فإن قيل فكيف يجوز له دفعها إلى غيره ليبيعها وهذا توكيل وليس للوكيل التوكيل؟ قلنا يجوز التوكيل فيما لا يتولى مثله بنفسه والنداء مما لم تجربه العادة أن يتولاه أكثر
الناس بنفوسهم فإن وكل إنساناً يشتري له وباع جاز على هذه الرواية لأنه امتثل أمر موكله في البيع وحصل غرضه من الثمن فجاز كما لو اشتراها أجنيي وقال أبو حنيفة يجوز للوصي الشراء دون الوكيل لأن الله تعالى قال (ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن) وإذا اشترى مال اليتيم بأكثر من ثمنه فقد قربه بالتي هي أحسن، ولأنه نائب عن الأب وذلك جائز للأب فكذلك نائبه، ووجه الرواية الأولى أن العرف في البيع بيع الرجل من غيره فحملت الوكالة عليه كما لو صرح به ولأنه تلحقه التهمة ويتنافى الغرضان في بيعه لنفسه فلم يجز كما لونهاه والوصي كالوكيل لأنه يلي بيع مال غيره بتوليه فأشبه الوكيل أو متهم فأشبه الوكيل بل التهمة في الوصي آكد لأن الوكيل متهم في ترك الاستقصاء في الثمن لا غير والوصي يتهم في ذلك وفي أنه يشتري من مال اليتيم مالا حظ لليتيم في بيعه فكان أولى بالمنع وعند ذلك لا يكون أخذه لماله قرباناً بالتي هي احسن وقد روى ابن مسعود أنه قال في رجل أوصى إلى رجل بتركته وقد ترك قريباً فقال الوصي اشتريه قال لا (فصل) وحكم الحاكم أمينه كحكم الوكيل والحكم في بيع أحد هؤلاء لوكيله أو لولده الصغير أو طفل يلي عليه أو لوكيله أو عبد المأذون له كالحكم في بيعه لنفسه كل ذلك يخرج على روايتين بناء على
بيعه لنفسه، فأما ببعه لولده الكبير أو والده أو مكاتبه فذكر هم أصحابنا أيضاً في جملة ما يخرج على روايتين ولا صحاب الشافعي فيهم وجهان وقال أبو حنيفة يجوز بيعه لولده الكبير لأنه امتثل أمر موكله ووافق العرف في بيع غيره كما لو باعه لأخيه، وفارق البيع لوكيله لأن الشراء إنما يقع لنفسه وكذلك بيع عبد المأذون وبيع طفل يلي عليه بيع لنفسه لأن الشراء يقع لنفسه، ووجه الجمع بينهم أنه يتهم في حقهم وبميل الى ترك الاستقصاء عليهم في الثمن كتهمته في حق نفسه وكذلك لا تقبل شهادته لهم، والحكم فيما إذا أراد أن يشتري لموكله كالحاكم في بيعه لماله لأنهما سواء في المعنى (فصل) وإن وكل رجلا يتزوج له امرأة فهل له أن يزوجه ابنته؟ يخرج على ما ذكرنا في الوكيل في البيع هل يبيع لولده الكبير وقال أبو يوسف ومحمد يجوز ووجه القولين ما تقدم فيما قبلهما وإن أذنت له موليته في تزويجها خرج في تزويجها لنفسه أو ولده أو والده وجهان بناء عنى ما ذكر في البيع وكذلك لو وكله رجل في تزويج ابنته خرج فيه مثل ذلك
(مسألة) (وهل يجوز أن يبيع لولده أو والده أو مكاتبه؟ على وجهين)
وقد ذكر افي المسألة قبلها (فصل) فإن وكله في بيع عبده ووكله آخر في شراء عبد فقياس المذهب جواز شرائه من
نفسه لأنه أذن له في طرفي العقد فجاز أن يليهما إذا انتفت التهمة كالأب يشتري من مال ولده لنفسه، ولو وكله المنداعيان في الدعوى عنهما فالقياس جوازه لأنه يمكنه الدعوى عن أحدهما والجواب عن الآخر وإقامة حجة كل واحد منهما ولأصحاب الشافعي في المسئلتين وجهان (فصل) فإن أذن للوكيل أن يشتري من نفسه جاز ذلك وقال أصحاب الشافعي لا يجوز في أحد الوجهين لأنه يجتمع له في عقد غرضان الاسترخاص لنفسه والاستقصاء للموكل وهما متضادان فتما نعا ولنا أنه وكله في التصرف لنفسه فجاز كما لو وكل المرأة في طلاق نفسها ولأن علة المنع من المشتري لنفسه في محل الإتفاق التهمة لدلالتها على عدم رضا الموكل بهذا التصرف وإخراج هذا التصرف عن عموم لفظه وإرادته وقد صرح ههنا بالإذن فيها فلا ينفي دلالة الحال مع نصه بلفظه على خلافها، وقولهم إنه يتضاد مقصوده في البيع والشراء قلنا أن عين الموكل له الثمن فاشترى به فقد زال مقصود الاستقصاء فإنه لا يراد أكثر مما حصل وإن لم يعين له الثمن يعيد البيع بثمن المثل كما لو باع الأجنبي وقد ذكر أصحابنا فيما إذا وكل عبداً يشتري له نفسه من سيده وجهاً أنه لا يجوز ويخرج ههنا مثله والصحيح ما قلناه إن شاء الله تعالى
(مسألة) (ولايجوز أن يبيع نساء ولا بغير نقد البلد ويحتمل أن يجوز كالمضارب) وجملة ذلك أن الموكل إذا عين للوكيل الشراء أو البيع بنقد معين أو حالا لم تجز مخالفته لأنه إنما يتصرف بإذنه ولم يأذن في غير ذلك وإن أذن له في الشراء أو البيع بنسيئة جاز وإن أطلق لم بيع إلا حالا بنقد البلد لأن الأصل في البيع الحلول وإطلاق النقد ينصرف الى نقد البلد كما لو باع ماله فان كان في البلد نقدان باع بأغلبهما فإن تساويا باع بما شاء منهما وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة وصاحباه له البيع نساء لأنه معتاد فأشبه الحال ويتخرج لنا مثل ذلك بناء على الرواية في المضارب والأول أولى لأنه لو أطلق البيع حمل على الحلول فكذلك إذا أطلق الوكالة ولا نسلم تساوي العادة فيهما فإن بيع الحال أكثر، ويفارق المضارية لوجهين (أحدهما) أن المقصود من المضاربة الربح لادفع الحاجة بالثمن في الحال وقد يكون المقصود في الوكالة دفع حاجة بأجرة تفوت بتأخير الثمن (الثاني) إن استيفاء الثمن في المضاربة على المضارب فيعود ضرر التأخير في التقاضي عليه وههنا بخلافه وفلا يرضى به الموكل ولأن الضرر في توي الثمن على المضارب لأنه يحسب من الربح لكون الربح وقاية لرأس المال وههنا يعود على الموكل فانقطع الإلحاق
(مسألة) (وإن باع بدون ثمن مما قدره له صح وضمن النقص) وجملة ذلك أن الوكيل ليس له أن يبيع بدون ثمن المثل أو دون ما قدره له وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد قال أبو حنيفة إذا أطلق الوكالة في البيع فله البيع بأي ثمن كان لأن لفظه في الإذن مطلق فيجب حمله على إطلاقه ولنا أنه وكيل مطلق في عقد معاوضة فاقتضى ثمن المثل كالشراء فإنه قد وافق عليه وبه ينتقض دليله فإن باع بأقل من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله أو بدون ما قدره له فحكمه حكم من لم يأذن له في البيع وعن أحمد البيع صحيح ويضمن الوكيل النقص لأن من صح بيعه بثمن المثل صح بدونه كالمريض، فعلى هذه الرواية يكون على الوكيل ضمان النقص وفي قدره وجهان (أحدهما) ما بين ثمن المال وما باع به (والثاني) ما بين ما يتغابن الناس بمثله وما لا يتغابنون لأن ما يتغابن الناس به يصح بيعه به ولا ضمان عليه والأول أقيس لأنه بيع غير مأذون فيه اشبه بيع الأجنبي وكل تصرف كان الوكيل فيه مخالفاً لموكله فحكمه فيه حكم تصرف الأجنبي على ما ذكرنا في موضعه فأما ما يتغابن الناس به عادة وهو درهم في عشرة فمعفو عنه إذا لم يكن الموكل قدر الثمن لأن ما يتغابن الناس به بعد ثمن المثل ولا يمكن التحرز منه.
(فصل) ولو حضر من يزيد على ثمن المثل لم يجز أن يبيع بثمن المثل لأن عليه الإحتياط وطلب
الخط لمولكه فإن باع بثمن المثل فحضر من يزيد في مدة الخيار لم يلزمه فسخ العقد لأن الزيادة منهي
عنها فلا يلزم الرجوع إليها ولأن الزايد قد لا يثبت على الزيادة فلا يلزم الفسخ بالشك ويحتمل أن يلزمه ذلك لأنها زيادة أمكن تحصيلها أشبه ما قبل البيع والنهي يتوجه الى الذي زاد لا إلى الوكيل فأشبه ما إذا زاد قبل البيع بعد الإتفاق عليه
(مسألة) (وإن باع بأكثر من ثمن المثل صح سواء كانت الزيادة من جنس الثمن الذي أمر به أولم تكن هي)
إذا وكله في بيع شئ معين فباعه بأكثر منه صح قلت الزيادة أو كثرت وكذلك إن أطلق فباعه بأكثر من ثمن المثل لأنه باع بالمأذون فيه وزاد زيادة تنفعه ولا تضره وسواء كانت لزيادة من جنس الثمن المأمور به أو من غير جنسه كمن أذن في البيع بمائة درهم فباعه بمائة درهم ودينار أو ثوب وقال أصحاب الشافعي لا يصح بيعه بمائة وثوب في أحد الوجهين لأنه من غير جنس الأثمان ولنا أنها زيادة تنفعه ولا تضره أشبه مالو باعه بمائة ودينار ولأن الإذن في بيعه بمائة اذن في بيعه بزيادة عليها عرفاً لأن من رضي بمائة لا يكره أن يزاد عليها ما ينفعه ولا يضره ويصير كما لو وكله في الشراء فاشترى بدون ثمن المثل أو بدون ما قدر له
(مسألة) (وإن قال بعه بدرهم فباعه بدينار صح في أحد الوجهين)
لأنه مأذون فيه عرفا فإن من رضي بدرهم رضي مكانه ديناراً فجرى مجرى بيعه بمائة درهم ودينار على ما ذكرنا في المسألة قبلها وقال القاضي لا يصح وهو مذهب الشافعي لأنه خالف موكله في الجنس
أشبه مالو باعه بثوب يساوي ديناراً فأما إن قال بعه بمائة درهم فباعه بمائة ثوب قيمتها أكثر من الدراهم أو بثمانين درهماً وعشرين ثوباً لم يصح وهو مذهب الشافعي لأنها من غير الاثمان ولأنه لم يؤذن فيه لفظاً ولا عرفاً بخلاف بيعه بدينار.
(فصل) فإن وكله في بيع عبد بمائة فباع بعضه بها أو وكله مطلقا فباع بعضه بثمن الكل جاز لأنه مأذون فيه عرفا فإن من رضي بمائة ثمنا للكل رضي بها ثمنا للبعض ولأنه حصل له المائة وأبقى له
زيادة تنفصه ولا تضره وله بيع النصف الآخر لأنه مأذون فيه فأشبه مالو باع العبد كله بزيادة على ثمنه، ويحتمل أن لا يجوز لأنه قد حصل للموكل غرضه من الثمن ببيع البعض فربما لا يختار بيع باقيه للغني عن بيعه يما حصل له من ثمن البعض وهكذا لو وكله في بيع عبدين بمائة فباع أحدهما بها يصح لما ذكرنا وهل له بيع الآخر على وجهين فأما إن وكله في بيع عبده بمائة فباع بعضه بأقل منها أو وكله مطلقا فباع بعضه بدون ثمن الكل لم يصح وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة يجوز فيما إذا أطلق الوكالة بناء على أصله في أن للوكيل المطلق البيع بما شاء ولنا أن على الموكل ضرراً في تبعضه ولم يوجد الإذن فيه نطقاً ولا عرفا فلم يجوز كما لو وكله في في شراء عبد فاشترى بعضه
(مسألة) (فإن قال بعه بألف نساء فباعه بألف حالة صح إن كان لا يستضر بحفظ الثمن في الحال)
إذا وكله في بيع سلعة نسيئة فباعها نقداً بدون ثمنها نسسيئة أو بدون ما عينه له لم ينفذ بيعه لأنه خالف موكله لكونه إنما رضي بثمن النسيئة دون النقد وإن باعها نقداً بمثل ثمنها نسيئة أو بما عينه من الثمن فقال القاضي يصح لأنه زاده خيراً فهو كما لو وكله في بيعها بعشرة فباعها بأكثر من ثمنها والأولى أن ينظر له فيه فإن لم يكن له غرض في النسيئة صح لما ذكرنا وإن كان له فيها غرض مثل أن يستضر بحفظ الثمن في الحال أو يخاف عليه من التلف أو المتغلبين أو يتغير عن حاله إلى وقت الحلول أو نحو ذلك فهو كمن لم يؤذن له لأن حكم الإذن لا يتناول المسكوت عنه إلا إذا علم أنه في المصلحة كالمنطوق أو أكثر فيكون الحكم فيه ثابتاً بطريق التنبيه أو المماثلة ومتى كان في المنطوق به غرض صحيح لم يجز تفويته ولا ثبوت الحكم في غيره
(مسألة) (وإن وكله في الشراء فاشترى بأكثر من ثمن المثل أو بأكثر مما قدره له (1) أما إذا وكله في الشراء فاشترى
بأكثر من ثمن المثل مما لا يتغابن الناس بمثله (فصل) فإن وكله في بيع عبيد أو شرائهم ملك العقد عليهم جملة واحدة وواحداً واحداً لأن الإذن يتناول العقد عليهم جملة والعرف في بيعهم وشرائهم العقد على واحد واحد ولاضرر في جمعهم ولا افرادهم بخلاف مالو وكله في شراء عبد فاشترى بعضه فإنه لا يصح لأنه يفضي الى التشقيص وفيه إضرار بالموكل، فإن قال اشتر لي عبيداً صفقة واحدة أو واحد واحداً أو بعهم لي لم يجز مخالفته لأن (1) هذه المسألة ذكرت في الاصل بهذا الوضع وهي كما ترى جملها ناقصة فلتراجع في مظنتها في المغني
تنصيصه على ذلك يدل على عغرضه فيه فلم يتناول إذنه سواه، وإن قال اشتر لي عبدين صفقة فاشترى عبدين لا ثنين شركة بينهما من وكيليهما أو من أحدهما بإذن الآخر جاز وإن كان لكل واحد عبد منفرد فاشترى من الماليكن بأن أوجبا له البيع فيهما وقبل ذلك منهما بلفظ واحد فقال القاضي لا يلزم الموكل وهو مذهب الشافعي لأن عقد الواحد مع الإثنين عقدان ويحتمل أن يلزمه لأن القبول هو الشراء وهو متحد والغرض لا يختلف، وإن اشتراهما من وكيليهما وعين ثمن كل واحد منهما مثل أن يقول بعتك هذين العبدين هذا بمائة وهذا بثمانين فقال قبلت احتمل أيضاً وجهين وإن لم يعين الثمن لكل واحد لم يصح البيع لجهالة الثمن وفيه وجه أنه يصح ويقسط الثمن على قدر قيمتهما، وقد ذكر ذلك في تفريق الصفقة.
(مسألة) (وإن وكل في شراء شئ نقداً بثمن معين فاشتراه به مؤجلاً صح) ذكره القاضي لأنه زاده خيراً فأشبه مالو وكله في الشراء بمائة فاشترى بدونها، ويحتمل أن ينظر في ذلك فان كان فيه ضرر نحو أن يستضر ببقاء الثمن معه ونحو ذلك لم يجز ولأصحاب الشافعي في صحة الشراء وجهان