الأصل فأما المجوسي فإن أحمد كره مشاركته ومعاملته لأنه يستحل مالا يستحل هذا قال حنبل قال عمي لا يشاركه ولا يضاربه وهذا والله أعلم على سبيل الا ستحباب لترك معاملته والكراهة لمشاركته فإن فعل صح لأن تصرفه صحيح (فصل) وشركة العنان أن يشترك إثنان بماليهما ليعملا فيه بدنيهما وربحه لهما فينفذ تصرف كل واحد منهما فيهما بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، وهي جائزة بالإجماع ذكره ابن المنذر وإنما اختلف في بعض شروطها واختلف في علة تسميتها بهذا الإسم فقيل سمتيت بذلك لانهما يتساويان في المال واتصرف كالفارسين إذا سويا بين فريسهما وتساويا في السير فانعنا نيهما يكونان سواء وقال الفراء هي مشتقة من عن الشئ إذا عرض يقال عنت إلي حاجبها إذا عرضت فسميت الشركة بذلك لأن كل واحد منهما عن له أن يشارك صاحبه وقيل هي مشتقة من المعاننة وهي المعارضة يقال عاننت فلانا إذا عارضته بمثل ماله وأفعاله فكل واحد من الشريكين معارض لصاحبه بماله وأفعال وهذا يرجع إلى قول الفراء
(مسألة) (ولا تصح إلا بشرطين أحدهما أن يكون رأس المال دراهم أو دنانير)
ولا خلاف في أنه يجوز أن يجعل رأس المال دراهم أو دنانير إذا كانت غير مغشوشة لأنهما قيم الأموال وأثمان البياعات والناس يشتركون فيها من لدن النبي صلى الله عليه وسلم الى زمننا هذا من غير نكير (فصل) ولا تصح بالعروض في ظاهر المذهب نص عليه أحمد في رواية أبي طالب وحرب
وحكاه عنه ابن المنذر وكره ذلك يحيى بن أبي كثير وابن سيرين والثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي لأن الشركة إما أن تقع على أعيان العروض أو قيمتها أو أثمانها: لا يجوز وقوعها على أعيانها لأن الشركة تقتضي الرجوع عند المفاضلة برأس المال أو بمثله وهذه لامثل لها فيرجع عليه وقد تزيد قيمة جنس أحدهما دون الآخر فيستوعب بذلك جميع الربح أو جميع المال وقد تنقص قيمتها فيؤدي إلى أن يشاركه في ثمن ملكه الذي ليس بربح، ولا على قيمتها لأن القيمة غير متحققة القدر فيفضي الى النتازع وقد يقوم الشئ بأكثر من قيمته ولأن القيمة قد تزيد في أحدهما قبل بيعه فيشاركه الآخر في العين المملوكة له، ولا يجز وقوعها على أثمانها لأنها معدومة حال العقد ولا يملكانها لأنه إن أراد ثمنها الذي اشتراها به فقد خرج عن ملكه وصار للبائع وإن أراد ثمنها الذي يبيعها به فإنها تصير شركة معلقة على شرط وهو بيع الأعيان وهذا لا يجوز، وفيه رواية أخرى أن الشركة والمضاربة تجوز بالعروض ويجعل رأس المال قيمتها وقت العقد قال أحمد إذا اشتركا في العروض يقسم الربح على ما اشترطا وقال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل عن المضاربة بالمتاع فقال جائز فظاهر هذا صحة الشركة بها اختاره أبو بكر وأبو الخطاب وهو قول مالك وابن أبي ليلى وبه قال في المضاربة طاوس والا وزاعي وحماد بن أبي سليمان لأن مقصود الشركة جواز تصرفهما في المالين جميعاً وكون ريح المالين بينهما وهو حاصل في العروض كحصوله في الأثمان فيجب أن تصح الشركة والمضاربة بها كالأثمان ويرجع
كل واحد منهما عند المفاضلة بقيمة ماله عند العقد كما إننا جعلنا نصاب زكاتها قيمتها، وقال الشافعي إن كانت العروض من ذوات الأمثال أشبهت النقود ويرجع عند المفاضلة بمثلها وإن لم تكن من ذوات الأمثال لم يجز وجهاً واحداً لأنه لا يمكن الرجوع بمثلها، ووجه الأول أنه نوع شركة فاستوى فيها ماله مثل من العروض ومالا مثل له كالمضاربة فإنه سلم ان المضاربة لا تجوز بشئ من العروض ولأنها ليست بنقد فلم تصح الشركة بها كالذي لا مثل له
(مسألة) (وهل تصح بالمغشوش والفلوس؟ على وجهين)
اختلف أصحابنا في الشركة بالمغشوش من الأثمان هل تصح؟ على وجهين (أحدهما) لا تصح سواء قل الغش أو كثر وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان الغش أقل من النصف جازو ان كثر لم يجز لأن الاعتبار بالغالب في كثير من الأصول ولنا أنها مشغوشة اشبه مالو كان الغش أكثر ولأن قيمتها تزيد وتنقص أشبهت العروض وقولهم الإعتبار بالغالب لا يصح فإن الفضة إذا كانت أقل لم يسقط حكمها في الزكاة وكذلك الذهب اللهم إلا أن يكون الغش قليلاً لمصلحة النقد كيسير الفضة في الدينار كالحبة ونحوها فلا اعتبار به لأنه لا يمكن التحرز منه ولا يؤثر في ربا ولا غيره (والثاني) أن الشركة تصح بناء على صحة الشركة في العروض وقد ذكرنا ذلك، وحكم النقرة في الشركة بها كالحكم في العروض لأن قيمتها تزيد وتنقص أشبهت
العروض، ولا تصح الشركة بالفولس وبه قال أبو حنيفة والشافعي وابن القاسم صاحب مالك، ويتخرج الجواز إذا كانت نافقة فإن أحمد قال لاارى السلم في الفلوس لأنه يشبه الصرف وهذا قول محمد بن الحسن وابي ثور لأنها ثمن فأشبهت الدراهم والدنانير، وفيه وجه آخر أن الشركة تجوز بها على كل حال وإن لم تكن نافقة بناء على جواز الشركة بالعروض، ووجه الأول أنها تنفق مرة وتكسد أخرى فأشبهت العروض فإذا قلنا بصحة الشركة بها فانها ان كانت نافقة كان رأس المال مثلها وإن كانت كاسدة كانت قيمتها كالعروض (فصل) ولا يجوز أن يكون رأس مال الشركة مجهولا ولا جزافاً لأنه لا بد من الرجوع به عند المفاضلة ولا يمكن مع الجهل به ولا يجوز بمال غائب ولا دين لأنه لا يمكن التصرف فيه في الحال وهو مقصود الشركة.
(مسألة) (الشرط الثاني أن يشرطا لكل واحد منهما جزاء من الربح مشاعاً معلوماً كالنصف والثلث والربع) لأنها أحد أنواع الشركة فاشترط علم نصيب كل واحد منهما من الربح كالمضاربة ويكون الربح بينهما على ما شرطاه سواء شرطا لكل واحد منهما على قدر ماله من الربح أو أقل أو أكثر لأن
العمل يستحق به الربح بدليل المضاربة وقد يتفاضلان فيه لقوة أحدهما وحذقه فجاز أن يجعل له حظاً
من الربح كالمضارب وبهذا قال أبو حنيفة وقال مالك والشافعي من شرط صحتها كون الربح والخسران على قدر المالين لأن الربح في هذه الشركة بيع للمال فلا يجوز تغييره بالشرط كالوضيعة ولنا أن العمل مما يستحق به الربح فجاز أن يتفاضلا في الربح مع وجود العمل منهما كالمضاربين لرجل واحد، وذلك أن أحدهما قد يكون أبصر بالتجارة من الآخر وأقوى على العمل فجاز أن يشرط له زيادة في الربح في مقابلة عمل المضارب، وفارق الوضيعة فإنها لا تتعلق إلا بالمال بدليل المضاربة
(مسألة) (وإن قالا الربح بيننا فهو بينهما نصفين)
لأن إضافته اليهما إضافة واحدة من غير ترجيح فاقتضى التسوية كقوله هذه الدار بيني وبينك وكذلك في المضاربة إذا قالا الربح بيننا (مسألة) (فإن يذكر الربح لم يصح كالمضاربة) لأنه المقصود من الشركة فلا يجوز الإخلال به فعلى هذا يكون الربح بينهما على قدر المالين
(مسألة) (وإن شرطا لأحدهما جزءاً مجهولاً لم يصح)
لأن الجهالة تمنع تسليم الواجب ولا الربح هو المقصود في الشركة فلم يصح مع الجهالة كالثمن والاجرة في الإجارة، وإن قال لك مثل ما شرط لفلان وهما يعلمانه صح وإن جهلاه أو أحدهما لم يصح كالثمن في البيع
(مسألة) وإن شرطا لأحدهما في الشركة والمضاربة دراهم معلومة أو ربح أحد الثوبين لم يصح
وجملته أنه متى جعل نصيب أحد الشركاء دراهم معلومة أو جعل مع نصيبه دراهم مثل أن يجعل لنفسه جزءاً وعشرة دراهم بطلت الشركة.
قال إبن المنذر أجمع كل من تحفظ عنه من أهل العلم على إبطال القراض إذا جعل أحدهما لنفسه دراهم معلومة، وبه قال مالك وأبو ثور والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي، والجواب فيما إذا قال لك نصف الربح إلا عشرة دراهم أو نصف الربح وعشرة دراهم كالجواب فيما إذا شرط دراهم مفردة، وإنما لم يصح لأمرين (أحدهما) أنه إذا شرط دراهم
معلومة احتمل أن لا يربح غيرها فيحصل غيرها على جميع الربح واحتمل أن لا يربحها فيأخذ من رأس المال وقد يربح كثيراً فيستضر من شرطت له الدراهم (الثاني) أن حصة العامل ينبغي أن تكون معلومة بالأجزاء لما تعذر كونها معلومة بالقدر فإذا جهلت الأجزاء فسدت كما لو جهل القدر فيما أن يكون معلوماً به ولأن العامل في المضاربة متى شرط لنفسه دراهم معلومة ربما في طلب الربح لعدم فائدته منه وحصول نفعه لغيره بخلاف ما إذا شرط له جزء من الربح.
(فصل) وكذلك الحكم إذا شرط لأحدهما ربح أحد الثوبين أو ربح إحدى السفرتين أو ربح تجارته في شهر أوعام بعينه لأنه قد يربح في ذلك المعين دون غيره فيختص أحدحما بالربح وهو مخالف لموضوع الشركة ولا نعلم في هذا خلافاً وإن دفع إليه ألفا مضاربة وقال لك ربح نصفه لم يجز وبهذا قال الشافعي
وقال أبو حنيفة وأبو ثور يجوز كما لو قال لك نصف ربحه ولأن ربح هو نصف ربحه، ووجه الأول أنه شرط لأحدهما ربح بعض المال دون بعض فلم يجز كما لو قال لك ربح هذه الخمسمائة ولأنه يمكن أن يفرد نصف المال فيربح فيه دون النصف الآخر بخلاف نصف الربح فإنه لا يؤدي إلى انفراده بربح شئ من المال (مسألة) (وكذلك في المساقاة والمزارعة) قياساً على الشركة (مسألة) (ولا يشترط أن يخطا المالين ولا أن يكونا من جنس واحد) لا يشترط اختلاط المالين في شركة العنان إذا عيناهما أو أحضراهما وبه قال أبو حنيفة ومالك إلا أن مالكا شرط أن تكون أيدهما عليه بأن يجعلاه في حانوت لهما أفي يدو كيلهما وقال الشافعي لا يصح حتى يخلطا المالين لأنهما إذا لم يخلطا هما فمال كل واحد منهما يتلف منه دون صاحبه ويزيد له دون صاحبه فلم تنعقد الشركة كما لو كان من المكيل ولنا أنه عقد يقصد به الربح فلم يشترط فيه خلط المال كالمضاربة ولأنه عقد على التصرف فلم يشترط فيه خلط المال كالوكالة ولنا على مالك فلم يكن من شزطه أن تكون أيديهما عليه كالوكالة وقولهم إنه يتلف من مال صاحبه أو يزيد على ملك صاحبه بل يتلف من مال لهما وزيادته لهما لأن الشركة اقتضت ثبوت الملك لكل واحد منهكا في نصف مال صاحبه فيكون تلفه منهما وزيادته لهما، وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه
ولنا أن الوضيعة والضمان احد موجببي الشركة فتعلق بالشريكين كالربح وكما لو اختلطا (فصل) ولا يشترط لصحتها اتفاق المالين في الجنس بل يجوز أن يخرج أحدهما دراهم والآخر دنانير نص عليه أحمد وبه قال الحسن وابن سيرين، وقال الشافعي لا تصح الشركة إلا أن يتفقا في مال واحد بناء على أن خلط المالين شرط ولا يمكن إلا في المل الواحد ونحن لا تشترط ذلك ولنا أنهما من جنس الأثمان فصحت الشركة فيهما كالجنس الواحد، فعلى هذا متى تفاضلا رجع هذا بدنانيره وهذا بدراهمه ثم اقتسما الفضل نص عليه أحمد وقال كذا يقول محمد والحسن، وقال القاضي متى أراد المفاضلة قوما المبتاع بنقد البلد وقوما مال الآخر به ويكون التقويم حين صرفا الثمن فيه ولنا أن هذه شركة صحيحة رأس المال فيما الأثمان فيكون الرجوع بجنس رأس المال كما لو كان الجنس واحدا.
(فصل) ولا يشترط تساوي المالين في القدر وهو قول الحسن والشعبي والنخعي والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وقال بعض أصحاب الشافعي يشترط ذلك لأن صاحب المال القليل إن أخذ نصف الربح أخذ مالا يملكه وإن أخذ بقدر ماله أخذ شريكه بعض الربح الحاصل بعمله لاستوائهما في العمل ولنا أنهما مالان من جنس الأثمان فجاز عقد الشركة عليهما كمما لو تساويا (مسألة) (وما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما)
شركة العنان مبنية علنى الوكالة والأمانة لأن كل واحد منهما بدفع المال إلى صاحبه أمنه وبإذنه له في التصرف وكله ومن شرط صحتها أن يأذن كل واحد منهما لصاحبه في التصرف فعلى هذا ما يشتريه كل واحد منهما بعد عقد الشركة فهو بينهما لأن العقد وقع على ذلك فإما ما يشتريه لنفسه فهو له والقول قوله في ذلك لأنه أعلم بنيته
(مسألة) (وإن تلف أحد المالين فهو من ضمانهما إذا خلطا المال وإن لم يخلط فكذلك)
لأن العقد اقتضى أن يكون المالان كالمال الواحد فكذك في الضمان كحال الخلطة وقال أبو حنيفة متى تلف أحد المالين فهو من ضمان صاحبه وقد ذكرنا ما يدل على خلافه
(مسألة) (والوضيعة على قدر المال)
الوضعية هي الخسران في الشركة على كل واحد منهما بقدر ماله فإن كان متساوياً في القدر فالخسران بينهما نصفين وإن كان أثلاثاً، فالوضيعة أثلاثاً قال شيخنا لا نعلم في ذلك خلافاً وبه يقول أبو حنيفة والشافعي وغيرهما، وفي شركة الوجوه تكون الوضيعة على قدر ملكيهما في الشمترى سواء كان الربح بينهما كذلك أو لم يكن وسواء كانت الوضيعة لتلف أو نقصان في الثمن عما اشتريا به أو غير ذلك، والوضيعة في المضاربة على المال خاصة لا شئ على العامل منها لأن الوضيعة عبارة عن نقصان رأس المال وهو
مختص بملك ربه لا شئ فيه للعامل فيكون نقصه من ماله دون غيره وانما يشتركان فيما يحصل من النماء فأشبه المساقاة والمزارعة فإن رب الأرض والشجر يشارك العامل فيما يحدث من الزرع والثمر وإن تلف الشجر أو هلك شئ من الأرض بغرق أو غيره لم يكن على العامل شئ (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (يجوز لكل واحد منما أن يبيع ويشتري ويقبض ويقبض ويطالب بالدين ويخاصم فيه ويحيل ويحتال ويرد بالعيب ويقر به ويفعل كل ما هو من مصلحة تجارتهما) يجوز لكل واحد من الشريكين أن يبيع ويشتري مساومة ومرابحة وتولية ومواضعة كيف رأى المصلحة لأن هذه عادة التجار، وله أن يقبض المبيع والثمن ويقبضهما ويخاصم في الدين ويطالب به ويحيل ويحتال ويرد بالعيب فيما وليه أو وليه صاحبه، وله أن يقر به كما يقبل إقرار الوكيل بالعيب على موكله نص عليه أحمد وكذلك ان بالثمن أو بعضه أو أجرة المنادي أو الحمال لأن هذا من توابع التجارة فهو كتسليم المبيع وأداء ثمنه، ويفعل كل ما هو من صملحة التجارة بمطلق الشركة لأن مبناها على الوكالة والأمانة على ما ذكرنا، فيتصرف كل واحد منهما في المالين بحكم الملك في نصيبه والوكالة في نصيب شريكه، في الإقالة وجهان أصحهما أنه لا يملكها لأنها إن كانت بيعاً فقد أذن له فيه وإن كانت فسخاً ففسخ البيع المضر من مصلحة التجارة فملكه كالرد بالعيب والآخر لا يملكها لأنها فسخ فلا يدخل في الإذن في التجارة وله أن يستأجر من مال الشركة ويؤجر لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان فصار كالشراء والبيع وله المطالبة بالأجر لهما وعليهما لأن حقوق العقد لا تختص العاقد
(فصل) فإن ردت السلعة عليه بعيب فله أن يقبلها وأن يعطي أرش العيب أو يحط من ثمنه أو يؤخر ثمنه لا جل العيب لأن ذلك قد يكون أحظ من الرد (مسألة) (وليس له أن يكانب الرقيق ولا يزوجه ولا يعتقه على مال ولا غيره لأن الشركة انعقدت على التجارة وليست هذه الأشياء تجارة سيما تزويج العبد فإنه محض ضرر ولا يهب ولا يقرض ولا يحابى لأن ذلك ليس بتجارة
(مسألة) (ولا يضارب بالمال ولا يأخذ به سفتجة ولا يعطيها إلا بإذن شريكه)
ليس له أن يشارك بمال الشركة ولا يدفعه مضاربة لأن ذلك يثبت في المال حقوقاً ويستحق ربحه لغيره وليس له أن يخلط مال الشركة بماله ولا مال غيره لأنه يتضمن إيجاب حقوق في المال وليس هو من التجارة المأذون فيها، وليس له أن يأخذ بالمال سفتجة ولا يعطيها لأن فيه خطراً فإن أذن شريكه في ذلك جاز لأنه يصير من التجارة المأذون فيها، ومعنى قوله يأخذ به سفتجة أنه يدفع إلى إنسان شيئاً من مال الشركة ويأخذ منه كتاباً الى بلد آخر ليستوفي منه ذلك المال، ومعنى قوله يعطيها أنه يأخذ من إنسان بضاعة ويعطيه بثمن ذلك كتاباً الى بلد آخر ليستوفي ذلك منه فلا يجوز لأن فيه خطراً على المال
(مسألة) (وهل له أن يودع أو يبيع نساء او يبضع أو يوكل فيما يتولى مثله بنفسه أو يرهن أو يرتهن؟ على وجهين)
اختلفت الرواية في الإيداع والإبضاع على روايتين (إحداهما) له ذلك لأنه عادة التجارو قد تدعوا الحاجة إلى الإيداع (والثانية) لا يجوز لأنه ليس من الشركة وفيه غرر، والصحيح أن الإيداع يجوز عند الحاجة إليه لأنه من ضرورة الشركة أشبه دفع المتاع الى الحمال، وهل له أن يبيع نساء؟ يخرج على الروايتين في الوكيل والمضارب (إحداهما) له ذلك لأنه عادة النجار والربح فيه أكثر (والأخرى) لا يجوز لأن فيه تغريراً بالمال، فإن اشترى شيئاً بنقد عنده مثله أو نقدمن غير جنسه أو اشترى شيئاً من ذوات الأمثال وعنده مثله جاز لأنه إذا اشترى بجنس ما اشترى به أو كان عنده عرض فاستدان عرض فالشراء له خاصة وربحه له وضمانه عليه لأنه استدانه على مال الشركة وليس له ذلك لما نذكره، قال شييخنا والأولى أنه متى كان عنده من مال الشركة ما يمكنه أداء الثمن منه ببيعه أنه يجوز لأنه أمكنه إداء الثمن من مال الشركة أشبه ما لو كان عنده نقد ولأن هذا عادة التجار ولا يكمن التحرز عنه وهل له أن يوكل فيما يتولى مثله بنفسه؟ على وجهين بناء على الوكيل وقيل يجوز للشريك التوكيل بخلاف الوكيل لأنه لو جاز للوكيل التوكيل لاستفاد بحكم العقد مثل العقد والشريك يستفيد بعقد الشركة ما هو أخص منه ودونه لا التوكيل أخص من عقد الشركة فإن وكل أحدهما ملك الآخر عزله لأن لكل واحد منهما التصرف في حق صاحبه التوكيل فكذلك بالعزل، وهل لأحدهما أن يرهن أو يرتهن بالدين الذي لهم؟ على وجهين أصحهما أن له ذلك عند الحاجة لأن الرهن يراد للإيفاء والإرتهان يراد
للإستيفاء وهو يملك الإيفاء والإستيفاء فملك ما يراد لهما، والثاني ليس له ذلك لأن فيه خطراً ولا فرق بين أن يكون ممن ولي العقد أو من غيره لكون القبض من حقوق العقد وحقوق العقد لا تختص العاقد فكذلك ما يراد له وهل له السفر؟ فيه وجهان نذكرهما في المضاربة (فصل) فإن قال له اعمل برأيك جاز له أن يعمل كل ما نفع في التجارة من الابضاع والمضاربة بالمال والمشاركة به وخلطه بماله والسفر به والإيداع والبيع نساء والرهن والإرتهان والإقالة ونحو ذلك لأنه فوض اليه الرأي في التصرف الذي تقتضيه الشركة فجاز له كل ما هو من التجارة، فأما التمليك بغير عوض كالبهة والحطيطة لغير فائدة والقر والعتق ومكاتبة الرقيق وتزويجهم ونحوه فليس له فعله لأنه إنما فوض اليه العمل برأيه في التجارة وليس هذا منها (مسألة) (وليس له أن يستدين على مال الشركة فإن فعل فهو عليه وربحه له، إلا أن بأذن شريكه) إذا استدان على مال الشركة لم يجز له ذلك فإن فعل فهو له له ربحه وعليه وضيعته، قال أحمد في رواية صالح من استدان في المال بوجهه ألفاً فهو له ربحه له والوضيعة عليه، وقال القاضي إذا استقرض شيئاً لزمهما وربحه لهما لأنه تمليك مال بمال أشبه الصرف ومنصوص أحمد يخالف هذا لأنه أدخل في الشركة أكثر مما رضي الشريك بالمشاركة فيه فلم يجز كما لو ضم اليها ألفاً من ماله، ويفارق الصرف فإنه بيع وإبدال عين بعين فهو كبيع الثياب بالدراهم فإن أذن شريكه في ذلك جاز كيقية أفعال التجارة المأذون فيها
(مسألة) (وإن أخر حقه من الدين جاز)
إذا كان لهما دين حال فأخر أحدهما حصته من الدين جاز وبه قال أبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يجوز ولنا أنه اسقط حقه من المطالبة فصح أن ينفرد أحدهما به كالإبراء
(مسألة) (وإن تقاسما الدين في الذمة لم يصح)
نص عليه في رواية حنبل لأن الذمة لا تتكافأ ولا تتعاد ل والقسمة تقتضي التعد يل فأما القسمة بغير تعديل فهي بمنزلة البيع ولايجوز بيع الدين بالدين، فعلى بالدين، فعلى هذا لو تقاسما ثم توى بعض المال رجع الذي توى ماله على الذي لم يتوو به قال ابن سيرين والنخعي ونقل حرب جواز ذلك لأن الاختلاف لا يمنع القسمة كاختلاف الأعيان وبه قال الحسن واسحاق، فعلى هذا لا يرجع من توى ماله على من لم يتو إذا أبرأ كل واحد منهما صاحبه وهذا إذا كان في ذمم فاما في ذمة واحدة فلا تمكن القسمة لأن القسمة إفراز حق ولا يتصور ذلك في ذمة وحده
(مسألة) (وإن أبرأ من الدين لزم في حقه دون صاحبه)
لأنه تبرع فلزم في حقه دون صاحبه كالصدقة
(مسألة) (وكذلك إن أقر بمال سواء أقر بعين أو دين)
لأن شريكه إنما أذن في التجارة وليس الإقرار داخلا فيها، وقال القاضي يقبل إقراره على مال الشركة لأن للشريك أن يشتري من غير أن يسلم الثمن في المجلس فلو لم يقبل إقراره بالثمن لضاعت أموال الناس وامتنعوا من معاملته ولأن ذلك مما يحتاج إليه في البيع اشبه الإقرار بالعيب
(مسألة) (وعلى كل واحد منهما أن يتولى ما جرت العادة أن يتولاه من نشر الثوب وطيه وختم الكيس وإحرازه) لأن إطلاق الإذن يحمل على العرف، والعرف إن هذه الإمور يتولاها بنفسه (فن استأجر من يفعل ذلك فالإجرة عليه) في ماله لأنه بذلها عوضاً عما يلزمه (وما جرت العادة أن يستنيب فيه) كحمل المتاع ووزن ما ينقل والنداء (فله أن يستأجر من يفعله) من مال القراض لأنه العرف (مسألة) (فإن فعله ليأخذ أحرته فهل له ذلك؟ على وجهين) أحدهما لا يستحقها نص عليه لأنه تبرع بما لم يلزمه فلم يكن له أجر كالمرأة التي تستحق على زوجها خادماً إذا خدمت نفسها وفيه وجه آخر أن له الإجرة لأنه فعل ما يستحق الإجرة فيه فاستحقها كالأجنبي (فصل) قال المصنف رضي الله عنه (والشروط في الشركة ضربان صحيح مثل أن يشترط أن لا يتجر الافي نوع من المتاع أو بلد بعينه أو لا يبيع إلا بنقد معلوم أو لا يسافر بامال أو لا يبيع إلا من فلان أو لا يشتري إلا من فلان) فهذا كله صحيح سواء كان النوع مما يعم وجوده أو لا يعم أو الرجل مما يكثر عنده المتاع أو يقل وبهذا قال أبو حنيفة، وقال مالك والشافعي إذا شرط أن لا يشتري إلا من رجل بعينه أو سلعة بعينها أو مالا يعم وجوده كالياقوت الأحمر والخيل البلق لم يصح لأنه يفوت مقصود الشركة والمضاربة وهو التقلب وطلب الربح فلم يصح كما لو شرط أن لا يبيع ويشتري إلا من فلان أو أن لا يبيع إلا بمثل ما اشترى به
ولنا أنها شركة خاصة لا تمنع الربح بالكلية نصحت كما لو شرط أن لا يتجر الافي نوع يعم وجوده ولانه عقد ثصح تخصيصه بنوع فصح تخصيصه في رجل بعينه وسلعة بعينها كالوكالة، قولهم إنه يمنع المقصود ممنوع وإنما يقلله وتقليله لا يمنع الصحة كتخصيصه بالنوع، ويفارق ما إذا شرط أن لا يبيع إلا برأس المال فإنه يمنع الربح بالكلية وكذلك إذا قال لا تبع إلا من فلان ولا تشتر إلا منه فإنه يمنع الربح أيضاً فإنه لا يشتري ما باعه إلا بدون ثمنه الذي باعه به ولهذا لو قال لا تبع إلا من اشتريت منه لم يصح لذلك (مسألة) (وفساد مثل أن يشترط ما يعود بجهالة الربح أو ضمان المال أو أن عليه من الوضيعة أكثر من قدر ماله أو أن يوليه ما يختار من السلع ويرتفق بها أو أن لا يفسخ الشركة مدة بعبنها، فما يعود بجهالة الربح يفسد به العقد وبخرج في سائرها روايتان) الشروط الفاسدة في الشركة والمضاربة تنقسم ثلاثة أقسام: (أحدها ما ينافي مقتضى العقد مثل أن يشترط لزوم المضاربة أو أن لا يعز له مدة بيعنها أو أن لا يبيع إلا برأس المال أو أقل أو لا يبيع إلا ممن اشترى منه أو شرط أن لا يتشري أو لا يبيع أو أن يوليه
ما يختار من السلع أو نحو ذلك فهذه شروط فاسدة لأنها تفوت المقصود من المضاربة وهو الربح أو تمنع الفسخ الجائز بحكم الأصل.
(القسم الثاني) ما يعود بجهالة الربح مثل ان شرط للمضارب جزءاً من الربح مجهولاً او ربح أخد الكيسين أو أحد الألفين أو أحد العبدين أو أحد السفرتين أو ما يريج في هذا الشهر أو إن حق أحدهما في عبد يشتريه أو يشرط لأحدهما دراهم معلومة بجميع حقه أو ببعضه فهذه شروط فاسدة لأنها تفضي إلى جهل حق كل واحد منهما من الربح أو إلى فواته بالكلية ومن شرط المضاربة والشركة كون الربح معلوماً.
(القسم الثالث) اشتراط ما ليس من مصلحة العقد ولا مقتضاه مثل أن يشترط على المضارب المضاربة له في مال آخر أو يأخذه بضاعة أو قرضنا أو أن يخدمه في شئ بعينه أو يرتفق ببعض السلع مثل أن يلبس الثوب او يستخدم العبد أو يشرط على المضارب ضمان المال أو سهما من الوضيعة أو أنه متى باع السلعة فهو أحق بها بالثمن أو شرط المضارب على رب المال شيئاً من ذلك، فهذه كلها شروط فاسدة وقد ذكرنا بعضها في غير هذا الموضع معللا، ومتى اشترط شرطاً فاسداً يعود بجهالة الربح فسدت المضاربة والشركة لأن الفساد لمعنى في العوض المعقود عليه فأسد العقد كما لو جعل رأس المال خمراً أو خنزيراً ولان لجهالة تمنع من التسليم فيفضي إلى التنازع والاختلاف ولا يعلم ما يدفعه إلى المضارب، وما عدا هذا من الشروط الفاسدة فالمنصوص عن أحمد في أظهر الروايتين عته أن العقد صحيح ذكره عنه الأثرم وغيره ولأنه
عقد يصح على مجهول فل تبطله الشروط الفاسدة كالنكاح والعتاق، وفيه رواية أخرى أن العقد يبطل ذكرها القاضي وابو الخطاب لأنه شرط فاسد فأبطل العقد كالمزارعة إذا شرط البذر من العامل وكالشروط الفاسدة في البيع، ودليل فساد هذه الشروط أنها ليست من مصلحة العقد ولا يقتضيها العقد فإن مقصوده الربح فكيف يقتضي الضمان ولا يقتضي مدة معينة؟ لأنه جائز
(مسألة) (وإذا فسد العقد قسم الربح على قدر المالين)
لأن التصرف صحيح لكونه بإذن رب المال والوضيعة عليه لأن كل عقد لا ضمان في صحيحه لا ضمان في فاسدة ويقسم الربح على قدر المالين لأنه نماء المال ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله يسقط منها أجرة عمله في ماله ويرجع على الآخر بقدر ما بقي له فإن تساويا مالاهما وعملهما فقاص الدينان واقتسما الربح نصفين وإن فضل أحدهما صاحبه يقاص دين القليل بمثله ويرجع على الآخر بالفضل والوجه الثاني ذكر الشريف أبو جعفر انهما يقتسان الربح على ما شرطاه لأنه عقد يجوز أن يكون عوضه مجهولا فوجب المسمى في فاسده كالنكاح (فصل) والشركة من العقود الجائزة تبطل بموت أحد الشريكين وجنونه والحجر عليه للسفه بالفسخ من أحدهما لأنه عقد جائز فبطل بذلك كالوكالة وإن عزل أحدهما صاحبه انعزل المعزول فلم يكن له أن يتصرف إلا في قدر نصيبه، وللعازل التصرف في الجميع لأن المعزول لم يرجع عن إذنه
هذا إذا نض المال وان كان عرضاً فذكر القاضي أن ظاهر كلام أحمد انه لا ينعزل بالعزل وله التصردف حتى ينض المال كالمضارب إذا عزله رب المال، وينبغي أن يكون له التصرف بالبيع دون المعاوضة بسلعة أخرى أو التصرف بغير ما ينض به المال، وذكر أبو الخطاب أنه ينعزل مطلقاً وهو مذهب الشافعي قياساً على الوكالة، فعلى هذا إن اتفقا على البيع او القسمة فعلا وإن طلب أحدهما القسمة والآخر البيع قسم ولم يبع، فان قيل أليس إذا فسخ رب المال المضاربة فطلب العامل البيع أجيب إليه؟ فالجواب أن حق العامل في الربح ولا يظهر إلا بالبيع فاستحقه العامل لو قوف حصول حقه عليه، وفي مسئلتنا ما يحصل من الربح يستدركه كل واحد منهما في نصيبه من المتاع فلم يجبر عى البيع، قال شيخنا وهذا إنما يصح إذا كان الربح على قدر المالين أما إذا زاد ربح أحدهما عن ماله فإنه لا يستدرك ربحه بالقسمة فيتعين البيع كالمضاربة.
(فصل) إذا مات أحد الشريكين وله وارث رشيد فله أن يقيم على الشركة ويأذن له الشريك في التصرف لأن هذا إتمام للشركة وليس بابتدائها فلا يتعتبر شروطها، وله المطالبة بالقسمة فإن كان مولياً عليه قام وليه مقامه في ذلك إلا أنه لا يفعل إلا ما فيه المصلحة للمولي عليه، فإن كان الميت قد وصى بمال الشركة أو ببعضه لمعين فالموصى له كالوارث فيما ذكرنا وإن وصى به لغير معين كالفقراء لم يجز للوصي الإذن في التصرف لأنه قد وجب دفعه اليهم فيعزل نصيبه ويفرقه عليهم فإن كان على الميت دين تعلق بتركته فليس للوارث امضاء الشركة حتى يقضي دينه فإن قضاه من غير مال الشركة فله الإتمام وإن قضاه منه بطلت الشركة في قدر ما قضى.
(فصل) قال رضي الله عنه (الثاني المضاربة وهي أن يدفع ماله إلى آخر يتجر فيه والربح بينهما) فأهل العراق يسمونه مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض وهو السفر فيها للتجارة قال الله تعالى (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله) ويحتمل أن يكون من ضرب كل واحد منهما بسهم في الربح ويسميه أهل الحجاز القراض، قيل هو مشتق من الفطع يفال قرض الفأر الثوب إذا قطعه فكأن صاحب المال اقتطع من ماله قطعه وسلمها الى العامل وإقتطع له قطعة من الربح، وقيل اشتقاقه من الساواة والموازنة يقال تقارض الشاعران إذا وازن كل واحد منهما الآخر بشعره وههنا من العامل العمل ومن الآخر المال فتوازنا، وينعقد بلفظ المضاربة والقراض وبكل ما يؤدي معناهما لأن القصد المعني فجاز بكل ما دل عليه كالوكالة وهي مجمع على جوازها في الجملة.
وذكره ابن المنذر روي وعن حميد بن عبد الله عن أبيه عن جده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق، وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أببه أن عبد الله وعبيد الله ابي عمر بن الخطاب خرجا في حيش الى العراق فتسلفا من أبي موسى مالا وابتاعا به متاعاً وقد ما به الى المدينة فباعاه وربحا فيه فأراد عمر أخذ رأس المال والربح كله فقالا لو تلف كان ضامنه علينا فلم يكون ربحه لنا؟ فقال رجل يا أمير المؤمنين لو جعلته قراضاً؟ قال قد جعلته وأخذ منهما نصف الربح، وهذا يدل على جواز القراض وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أن عثمان قارضه وعن قتادة
عن الحسن ان عليا قال إذا خالف المضارب فلا ضمان هما على ما شرطا وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام أنهما قارضا ولم يعرف لهم في الصحابة مخالف فكان أجماعاً ولأن بالناس حاجة إلى المضاربة فإن الدراهم الدنانير لا تنمي إلا بالتقليب والتجارة وليس كل من يملكها يحسن التجارة ولا كل من يحسن التجارة له مال فاحتيج اليها من الجانبين فشرعت لدفع الحاجتين (فصل) ومن شرط صحتها تقدير نصيب العامل لأنه يستحقه بالشرط فلم يقدر إلا به، فلو قال خذ هذا المال مضاربة ولم يذكر سهم العامل فالربح كله لرب المال والوضيعة عليه وللعامل أجر مثله نص عليه أحمد وهو قول الثوري والشافعي واسحاق وأبي ثور وأصحاب الرأي، وقال الحسن وابن سيرين والاوزاعي الربح بينهما نصفين كما لو قال والربح بيننا فإنه يكون بينهما نصفين كذا هذا، ولنا أن المضارب إنما يستحق بالشرط ولم يوجد وقوله مضاربة اقتضى أن له جزءاً من الرب مجهولاً فلم تصح المضاربة كما لو قال ولك جزء من الربح، فأما إذا قال الربح بيننا فإن المضاربة تصح وتكون بينهما نصفين لأنه أضافه اليهما إضافة واحدة فلم يترجح أحدهما على الآخر فاقتضى التسوية كما لو قال هذه الدار بيني وبينك
(مسألة) (فإن قال خذه فاتجر به والربح كله لي فهو إبضاع)
لأنه قرن به حكم الإبضاع فانصرف إليه
(مسألة) (وإن قال والربح كله لك فهو قرض)
لاقراض لأن قوله خذه فاتجر به يصلح لهما
وقد قرن به حكم القرض فانصرف إليه وإن قال مع ذلك فلا ضمان عليك فهو قرض شرط فيه نفي الضمان فلا ينتفي شرطه كما لو صرح به فقال خذ هذا قرضاً ولا ضمان عليك
(مسألة) (وإن قال خذه مضاربة والربح كله لك أولي لم يصح)
وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة إذا قال والربح كله لي كان إبضاعاً صحيحاً لأنه أثبت له حكم الإبضاع فانصرف إليه كما لو قال اتجر به الربح كله لي، وقال مالك يكون مضاربة صحيحة في الصورتين لأنهما دخلا في القراض فإذا شرطه لا حدهما فكأنه وهب الآخر نصيبه فلم يمنع صحة العقد ولنا أن المضاربة تقتضي كون الربح بينهما فإذا شرط اختصاص أحدهما الربح فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد ففسد كما لو شرط الربح كله في شركة العنان لأحدهما، ويفارق ما إذا لم يقل مضاربة لأن اللفظ يصلح لما أثبت حكمه من الإبضاع والقرض بخلاف ما إذا صرح بالمضاربة وما ذكره مالك لا يصح لأن الهبة لا تصح قبل وجود الموهوب
(مسألة) (ولو قال لك ثلث الربح صح والباقي لرب المال)
إذا قدر نصيب العامل فقال لك ثلث الربح أو ربعه أو جزء معلوم صح والباقي لرب المال لأنه يستحق الربح بماله لكونه نماؤه وفرعه والعامل يأخذ بالشرط فما له استحقه وما بقي فلرب المال بحكم الأصل
(مسألة) (وإن قال ولي ثلث الربح ولم يذكر نصيب العامل ففيه وجهان)
أحدهما لا يصح لأن العامل إنما يستحق بالشرط ولم يشرط له شئ فتكون المضاربة (فاسدة) والثاني يصح ويكون الباقي للعامل وهو قول أبي ثور وأصحاب الرأي لأن الربح لا يستحقه غيرهما فإذا قدر نصيب أحدهما منه فالباقي للآخر بمفهوم اللفظ كما علم ذلك من قوله تعالى (وورثه أبواه فلأمه الثلث) ولم يذكر نصيب الأب فعلم أن الباقي له لأنه لو قال أوصيت بهذه المائة لزيد وعمرو ونصيب زيد منها ثلاثون كان الباقي لعمر وكذا ههنا وهي أصح (فصل) فإن قال لي النصف ولك الثلث وسكت عن الباقي صح وكان لرب المال لأنه لو سكت عن جميع الباقي بعد جزء العامل كان لرب المال فكذا إذا ذكر البعض وترك البعض، وإن قال خذه مضاربة عليالثلث أو قال بالثلث صح وكان تقدير النصيب للعامل لأن الشرط يراد لأجله لأن رب المال يستحق بماله لا بالشرط والعامل يستحق بالعمل وهو يقل ويكثر وإنما تتقدر حصته بالشرط فكان الشرط له وهو مذهب الشافعي
(مسألة) (وإن اختلفا في الجزء المشروط فهو للعامل قليلاً كان أو كثيراً)
لما ذكرنا واليمين على مدعيه لأنه يحتمل خلاف ما قاله فيجب اليمين لنفي الإحتمال كما يجب على النمكر لنفي ما يدعيه المدعي (فصل) وإن قال خذه مضاربة ولك ثلث الربح وثلث ما بقي صح وله خمسة أسباع الربح لأن
هذا معناه وإن قال لك ثلث الربح وربع وما بقي فله النصف وإن قال لك ربع الربح وربع ما بقي فله ثلاثة أثمان ونصف ثمن، وسواء عرفا الحساب أو جهلاه لان ذلك أجزاء معلومة مقدرة أشبه مالو شرط الخمسين ومذهب الشافعي في هذا الفعل كمذهبنا (فصل) ويجوز أن يدفع مالا إلى إثنين مضاربة في عقد واحد فإن شرط لهما جزءاً من الربح بينهما نصفين صح وإن قال لك كذا وكذا من الربح ولم يبين كيف هو بينهما فهو بينهما نصفان لأن إطلاق قوله لكما يقتضي التسوية كما لو قال لعامله الربح بيننا، وإن شرط لأحدهما ثلث الربح وللآخر ربعه والباقي له جاز وبه قال أبو حنيفة والشافعي وقال مالك لا يجوز لأنهما في العمل بأبدانهما فلم يجز تفاضلهما في الربح كشريكي الإبدان ولنا أن عقد الواحد مع الاثنين عقدان فجاز أن يشترط في أحدهما أكثر من الآخر كما لو انفردا ولأنهما يستحقان بالعمل وهما يتفاضلان فجاز تفاضلهما في العوض كالأجيرين، وشركة الا بدان كمسئلتنا لا يجب التساوي فيها ثم الفرق بينهما أن ذاك عقد واحد وهذا عقدان (فصل) وإن قارض إثنان واحداً بألف لهما جاز فإن شرطا له ربحاً متساوياً منها جازوكذلك ان بشرط أحدهما له النصف والآخر الثلث ويكون باقي ربح مال كل واحد منهما له، وإن شرطا كون الباقي من الربح بينهما نصفين لم يجز وهذا مذهب الشافعي وكلام القاضي يقتضي جوازه وحكي عن أبي حنيفة وأبى ثور
ولنا أن أحدهما يحصل له من ربح ماله النصف والآخر الثلثان فإذا شرط التساوي فقد شرط أحدهما للآخر جزءاً من ربح ماله بغير عمل فلم يجز كما لو شرط ربح ماله المنفرد (فصل) إذا شرطا جزءاً من الربح لغير العامل نظرت فإن شرطاه لعبد أحدهما أو لعبد يهما صح وكان مشروطاً لسيده فإذا جعالا الربح بينهما وبين عبد أحدهما إثلاثاً كان لصاحب العبد الثالثان وللآخر الثلث وإن شرطاه لاجبني أو لولد أحدهما أو امرأنه أو قريبه وشرطا عليه عملا مع العامل صح وكانا عاملين وإن لم يشرطا عليه عملاً لم تصح المضاربة وبه قال الشافعي، وحكي عن أصحاب الرأي أنه يصح، والجزء المشروط له لرب المال سواء شرط لقريب العامل أو قريب رب المال أو لأجنبي لأن العامل لا يستحق إلا ما يشترط له ورب المال يستحق الربح بحكم الأصل والأجنبي لا يستحق شيئاً لأن الربح إنما يستحق بمال أو عمل وليس له واحد منهما وما شرط لا يستحقه فرجع الى رب المال كما لو ترك ذكره ولنا أنه شرط فاسد يعود إلى الربح فسد به العقد كما لو شرط دارهم معلومة وإن قال لك الثلثان على أن تعطي امرأتك نصفه فكذلك لأنه شرط في الربح شرطاً لا يلزم فكان فاسدا والحكم في الشركة كالحكم في المضاربة فيما ذكرنا
(فصل) وحكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يعله وفيما يلزمه فعله وفي الشروط كلما جاز للشريك عمله جاز للمضارب وما منع منه المضارب وما اختلف فيه ثم فههنا مثله، وما جاز أن يكون رأس مال الشركة جاز أن يكون رأس مال المضاربة مالا يجوز ثم لا يجوز ههنا على ما فصلناه لأنها في معناها
(مسألة) (وإذا فسدت فالربح لرب المال وللعامل الإجرة وعنه له الأقل من الإجرة أو ما شرط له من الربح)
الكلام في المضاربة الفاسدة في فصول ثلاثة (أحدها) أنه إذا تصرف العامل نفذ تصرفه لانه إذ فيه رب المال فإذا بطل عقد المضاربة بقي الإذن فملك به التصرف كالوكيل، فإن قيل فلو اشترى الرجل شراء فاسداً ثم تصرف فيه لم ينفذ مع أن البائع قد أذن له في التصرف؟ قلنا لأن المشتري يتصرف من جهة الملك لا بالإذن فإن أذن البائع كان على أنه ملك المأذون له فإذا لم يملك لم يصح وههنا أذن له رب المال في التصرف في ملك نفسه وما شرط من الشرط الفاسد فليس بمشروط في مقابلة الإذن لأنه أذن له في تصرف ما يقع له (الفصل الثاني) إن الربح جميعه لرب المال لأنه نماء ماله وإنما يستحق العامل بالشرط فإذا فسدت المضاربة فسد الشرط فلم يستحق به شيئاً ولكن له أجر مثله نص عليه وهو مذهب الشافعي واختار الشريف أبو جعفر أن الربح بينهما على ما شرط له واحتج بما روي عن أحمد أنه قال إذا اشتركا قي العروض قسم الربح على ما شرطا قال وهذه شركة فاسدة واحتج بأنه عقد يصح مع الجهالة
فيثبت المسمى في فاسدة كالنكاح قال والاجرله وجعل أحكامها كأحكام الصحيحة وقد ذكرنا ذلك قال القاضي أبو يعلى والمذهب ما حكينا وكلام أحمد محمول على أنه صحح الشركة بالعروض، وحكي عن مالك أنه يرجع إلى قراض المثل وحكي عنه ان لم يربح فلا أجر له، ومقتضى هذا أنه إن ربح فله الأقل مما شرط له أو اجر مثله وعن أحمد مثل ذلك لأن الأجرة إن كانت اكثر فقد رضي بإسقاط الزائد منها عن المسمى لرضائه به وإن كانت أقل لم يستحق أكثر منها لفساد التسمية بفساد العقد لأنه لو استحق أجر المثل لتوسل الى فساد العقد وأدى إلى الخسران والمشهور الاول لان تسمية الربح من توابع المضاربة أو ركن من أركانها فإذا فسدت فسدت أركانها وتوابعها كالصلاة، ونمنع وجوب المسمى في النكاح الفاسد وإذا لم يجب له المسمى وجب أجر المثل لأنه إنما عمل ليأخذ المسمى فإذا لم يحصل له وجب رد عمله اليه وهو متعذر فتجب قبمته وهي أجر مثله كمما لو تبايعا فاسدا وتقابضا وتلف أحد العوضين في يد قابضه وجب رد بدله، فعلى هذا له أجر المثل سواء ظهر في المال ربح أو لم يظر فإن رضي المضارب بالعمل بغير عوض مثل أن يقول قارضتك والربح كله لي فالصحيح أنه لا شئ للمضارب ههنا لأنه تبعر بعمله أشبه مالو أعانه في شئ أو توكل له بغير جعل أو أخذ له بضاعة (الفصل الثالث) إن لا يضمن ما تلف بغير تعديه وتفريطه لأن ما كان المقبوض في صحيحه
مضموناً كان مضموناً في فاسده وما لم يضمن في صحيحه لم يضمن في فاسده، وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يضمن ولنا أنه عقد لا يضمن ما قبضه في صحيحه فلا يضمن في فاسده كالو كالة ولأنها إذا فسدت صارت إجارة ولا يضمن الأجير ما تلف بغير فعله ولا تعديه كذلك ههنا (مسألة) (وإن شرطا تأقيت المضاربة فهل تفسدء على روايتين) وتأقيتها أن يقول ضاربتك على هذه الدراهم سنة فإذا مضت السنة فلا تبع ولا تشتر (إحداهما) يصح قال منها سألت أحمد عن رجل أعطى رجلاً ألفاً مضاربة شهراً فإذا مضى شهر تكون قرضاً قال لا بأس به قلت فإذا جاء الشهر وهي متاع قال إذا باع المتاع يكون قرضاً وهذا قول أبي حنيفة (والثانية) لا يصح وهو قول الشافعي ومالك واختيار أبي حفص العكبري لأمور ثلاثة (أحدها) أنه عقد يقع مطلقاً فإذا شرط قطعه لم يصح كالنكاح (الثاني) أنه ليس من مقتضى العقد ولا فيه له مصلحة أشبه إذا شرط أن لا يبيع، وبيان أنه ليس من مقتضى العقد أنه يقتضي أن يكون رأس المال ناضاً فإذا منعه البيع لم ينض (الثالث) أن هذا يؤدي الى ضرر بالعامل لأنه قد يكون الربح والخط في تبقية المتاع وبيعه بعد السنة فيمنتع ذلك بمضيها ولنا أنه تصرف يتوقت بنوع والمتاع فجاز توقيته في الزمان كالوكالة والمعنى الأول الذي ذكره
يبطل بالوكالة والوديعة والناني والثالث يبطل.
بتخصيصه بنوع من المتاع ولأن لرب المال منعه من التصرف في كل وقت إذا رضي أن يأخذ بماله عرضاً فإذا شرط ذلك فقد شرط ما هو من مقتضى العقد فصح كما لو قال إذا انقضت النسة فلا تشتر شيئاً وقد سلموا صحة ذلك
(مسألة) (وإن قال بع هذا العرض وضارب بثمنه أو اقبض وديعتي وضارب بها أو إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح في قولهم جميعاً ويكون وكيلاً في بيع العرض وقبض الوديعة مأذوناً له في التصرف مؤتمناً عليه فجاز جعله مضاربة كمما لو قال اقبض المال من غلامي فضارب به، وأما اذا قال إذا قدم الحاج فضارب بهذا صح) لأنه أذن في التصرف فجاز تعليقه على شرط مستقبل كالوكالة (فصل) فإن كان في يد إنسان وديعة فقاله له رب الوديعة ضارب بها صح وهذا قول الشافعي وأبي ثور وأصحاب الرأي وقال الحسن لا يجوز حتى يقبضها منه ققياسا على الدين ولنا أن الوديعة ملك رب المال فجاز أن يضاربه عليها كما لو كانت حاضرة فقال قارضتك على هذه الألف فارق الدين فإنه لا يصير ملكاً للغريم إلا بقبضه، فأما إن كانت الوديعة قد تلفت بتفر بطله وصارت في الذمة لم يجز أن يضارب عليها لما نذكره
(فصل) ولو كان له في يد غيره مال مغصوب فضارب الغاصب به صح لأنه مال لرب المال يصح بيعه لغاصبه ولمن يقدر على أخذه منه فأشبه الوديعة فإذا ضارب به سقط ضمان الغصب لعقد المضاربة وهو قول أبي حنيفة وقال القاضي لا يزول ضمان الغصب إلا بدفعه ثمناً وهو مذهب الشافعي لان القراض لاينا في الضمان بدليل مالو تعدى فيه ولنا أنه ممسك للمال بإذن مالك لا يختص بنفعه ولم يتعد فيه فأشبه مالو قبضه وقبضه إياه
(مسألة) (وإن قال ضارب بالدين الذي عليك لم يصح)
نص عليه أحمد وهو قول أكثر أهل العلم قال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أنه لا يجوز أن يجعل الرجل ديناً له على رجل مضاربة وممن حفظنا ذلك عنه عطاء والحكم وحماد ومالك والثوري واسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي پوبه قال الشافعي، وقال بعض أصحابنا يحتمل أن يصح لأنه إذا اشترى شيئاً للمضاربة فقد اشتراه بإذن رب المال ودفع الثمن إلى من أذن له في دفع ثمنه اليه فتبرأ ذمته منه ويصير كما لو دفع إليه عرضاً وقال به وضارب بثمنه وجعل أصحاب الشافعي مكان هذا الاحتمال أن الشراء لرب المال وللمضارب أجر مثله
لأنه علقه على شرط، ولا يصح عندهم تعليق القراض بشرط والمذهب الأول لأن المال الذي في يدي من عليه الذين له وإنما يصير لغريمه بقبضه ولم يوجد القبض ههنا، فإن قال له إعزل المال الذي لي عليك وقد قارضتك عليه ففعل واشترى بعين ذلك المال شيئاً للمضاربة وقع الشراء له لانه اشترى لغيره بمال نفسه فحصل الشراء له وإن اشترى في ذمته فكذلك لأنه عقد القراض على مالا يملكه وعلقه على شرط لا يملك به المال (فصل) ومن شرط صحة المضاربة كون رأس المال معلوم المقدار فإن كان مجهولا أو جزافاً لم تصح وإن شاهدا وبهدا قال الشافعي وقال أبو ثور وأصحاب الرأي تصح إذا شاهداه والقول قول العامل مع يمينه في قدره لأنه أمين رب المال والقول قوله فيما في يده فقام ذلك مقام المعرفة به ولنا أنه مجهول فلم تصح المضاربة به كما لو لم يشاهداه ولأنه لا يدرى بكم يرجع عند المفاضلة ويقضي الى المنازعة والإختلاف في مقداره فلم تصح كما لو كان في الكيس وما ذكروه بيطل بالسلم وبما إذا لم يشاهده (فصل) ولو أحضر كيسين في كل واحد منهما مال معلوم المقدار وقال قارضتك على أحدهما لم يصح سواء تساوى ما فيهما أو اختلف لأنه عقد تمنع صحته الجهالة فلم يجز على غير معين كالبيع
(مسألة) (وإن أخرج مالا ليعمل فيه هو وآخر والربح بينهما صح)
ذكره الخرقي ونص عليه أحمد في رواية أبي الحارث وتكون مضاربة لأن غير صاحب المال يستحق المشروط له من الربح
بعمله في مال غيره وهذا حقيقة المضاربة، وقال أبو عبد الله بن حامد والقاضي وأبو الخطاب إذا شرط إن يعمل معه رب المال لم يصح وهذا مذهب مالك والشافعي والاوزاعي وأصحاب الرأي وأبي ثور وابن المنذر قال: ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال الى العامل ويخلي بينه وبينه لأن المضاربة تقتضي تسليم المال الى المضارب فإذا شرط عليه العمل فيه فلم يسلمه فيخالف موضوعها وتأول القاضي كلام أحمد والخرقي على أن رب المال عمل فيه من غير اشتراط والأول أظهر لأن العمل أحد ركني المضاربة فجاز أن ينفرد به أحدهما مع وجود الأمرين من الآخر كالمال وقولهم أن المضاربة تقتضي تسليم المال الى العامل ممنوع إنما تقتضي إطلاق التصرف في مال غيره بجزء مشاع من ربحه وهذا حاصل مع اشتراكهما في العمل ولهذا لو دفع ماله إلى إثنين مضاربة صح ولم يصحل تسليمه إلى أحدهما (فصل) وإن شرط أن يعمل معه غلام رب المال صح وهذا ظاهر كلام الشافعي وقول أكثر اصحابه ومنعه وبعضهم وهو قول القاضي لأن يد الغلام كيد سيده وقال أبو الخطاب فيه وجهان أحدهما الجواز لأن عمل الغلام مال ليسده فصح ضمه اليه كما يصح أن يضم اليه بهيمته يحمل عليها والثاني لا يجوز لأن يد العبد كيد سيده (فصل) وإن اشترك مالان ببدن صاحب أحدهما فهذا يجمع شركة ومضاربة وهو صحيح، فلو كان بين رجلين ثلاثة آلاف درهم لأحدهما ألف وللآخر ألفان فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف
أن يتصرف فيه على أن يكون الربح يبنهما نصفين صح ويكون لصاحب الألف ثلث الربح بحق ماله والقاي وهو ثلثا الربح بينهما لصاحب الألفين ثلاثة أربعاعها وللعامل ربعه وذلك لأنه جعل له نصف الربح فجعلناه ستة أسهم منها ثلاثة للعامل حصة ماله سهمان وسهم يستحقه بعمله في مال
شريكه، وحصة مال شريكه أربعة أسهم للعامل سهم وهو الربع، فإن قيل فكيف تجوز المضاربة ورأس المال مشاع قلنا إنما تنمنع الإشاعة الجواز إذا كانت مع غير العامل لانها تنمعه من التصرف بخلاف ما إذا كانت مع العامل فإنها لا تمنعه من التصرف فلا تمنع صحة المضاربة وإن شرط للعامل ثلث الربح فقط فمال صاحبه بضاعة في يده وليست مضاربة لأن المضاربة إنما تحصل إذا كان الربح بينهما فأما إذا قال ربح مالك لك وربح مالي لي فقبل الآخر كان إبضاعاً لا غير وبهذا كله قال الشافعي وقال مالك لا يجوز أن يضم الى القراض شركة كما لا يجوز أن يضم اليه عقد إجاوة.
ولنا أنهما لم يجعلا أحد العقد ين شرطاً للآخر فلم يمنع من جمعهما كما لو كان المال متميزاً (فصل) إذا دفع إليه ألفا مضاربة وقال أضف إليه الفامن عندك واتجر بهما والربح بيننا لك ثلثاه ولي ثلثه جاز وكان شركة وقراضاً وقال أصحاب الشافعي لا يجوز لأن الشركة إذا وقعت على المال كان الربح تابعاً له دون العمل ولنا أنهما تساويا في المال وانفرد أحدهما بالعمل فجاز أن ينفرد بزيادة الربح كما لو لم يكن له
مال قولهم ان الربح تابع للمال وحده ممنوع بل تابع لهما كما أنه حاصل بهما فإن شرط غير العامل لنفسه ثلثي الربح لم يجز، وقال القاضي يجوز بناء على جواز تفاضلهما في شركة العنان ولنا أنه شرط لنفسه جزء من الربح لا مقابل له فلم يصح كما لو شرط ربح مال العامل المنفرد، وفارق شركة العنان لأن فيها عملاً منهما فجاز أن يتفاضلا في الربح لتفاضلهما في العمل بخلاف مسئلتنا وإن جعلا الربح بينهما نصفين ولم يقولا مضاربة جاز وكان إبضاعاً كما تقدم وإن قالا مضاربة فسد العقد لما ذكرنا (فصل) وقد ذكرنا أن حكم المضاربة حكم الشركة فيما للعامل أن يفعله أو لا يفعله والذي اختلف فيه في حق الشريك فكذلك في حق عامل المضاربة وهل له أن يبيع نساء إذا لم ينه عنه؟ فيه روايتان إحداهما) ليس له ذلك وبه قال مالك وابن أبي ليلى والشافعي لأنه نائب في البيع فلم يجز له ذلك بغير إذن كالوكيل، يحقق ذلك إن النائب لا يجوز له التصرف إلا على وجه الحظ والإحتياط وفي النسيئة تغرير بالمال والثانية يجوز له ذلك وهو قول أبي حنيفة واختيار ابن عقيل لأن إذنه في التجارة والمضاربة ينصرف إلى التجاره والمتعادة وهذا عادة التجار ولأنه يقصد به الربح والربح في النساء أكثر والحكم في الوكالة ممنوع، ثم الفرق بين الوكالة المطلقة والمضاربة أن الوكالة المقصود منها تصحيل الثمن فحسب ولا تختص بقصد الربح فإذا أمكن تحصيله من غير خطر كان أولى ولأن الوكالة المطلقة في البيع
تدل على أن حاجة الموكل الى الثمن ناجزة فلم يجز تأخيره بخلاف المضاربة، فإن قال له اعمل برأيك أو تصرف كيف شئت فله البيع نساء وقال الشافعي ليس له ذلك لأن فيه تغريراً أشبه مالو لم يقل له ذلك ولنا أنه داخل في عموم لفظه وقرينة حاله تدل على رضاه برأيه في صفات البيع وفي أنواع التجارة وهذا منها فإذا قلنا له البيع نساء فالبيع صحيح ومنهما فات من الثمن لا يضمنه إلا أن يفرط ببيع من لا يوثق به أو من لا يعرفه فيضمن الثمن المنكسر على المشتري وإن قلنا ليس له البيع نساء فالبيع باطل لأنه فعل ما لم يؤذن له فيه فهو كالبيع من الأجنبي إلا على الرواية التي تقول يقف بيع الاجنبي على الاجارة فههنا مثله، ويحتمل كلام الخرقي صحة البيع فإنه قال إذا باع المضارب نساء بغير إذن ضمن ولم يذكر فساد البيع وعلى كل حال يلزم العامل الضمان لأن ذهاب الثمن حصل بتفريطه وإن قلنا بفساد البيع ضمن المبيع بقيمته إذا تعذر عليه استرجاعه بتلف المبيع أو امتناع المشتري من رده إليه وإن قلنا بصحته احتمل أن يضمنه بقيمته أيضاً لأنه لم يفت بالبيع أكثر منها ولا ينحفظ بتركه سواها وزيادة الثمن حصلت بتفريطه فلا يضمنها واحتمل أن يضمن الثمن لانه وجب البيع وفات بتفريط البائع، فعلى هذا إن نقص عن القيمة فقد انتقل الوجوب اليه بدليل أنه لو حصل الثمن لم يضمن شيئاً
(فصل) وهل له السفر بالمال؟ فيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك وهو مذهب الشافعي لأن في السفر تغريراً بالمال وخطراً ولهذا يروى: أن المسافر وما معه على قلت ألا ما وقى الله.
أي هلاك ولا يجوز له التعزير بالمال بغير إذن مالكه (والثاني) له السفر إذا لم يكن مخوفاً قال القاضي قياس المذهب
جوازه بناء على السفر بالوديعة وهو قول مالك وحكي عن أبي حنيفة لأن الإذن المطلق ينصرف الى ما جرت به العادة والعادة جارية بالتجارة سفراً أو حضراً ولأن المضاربة مشتقة من الضرب في الأرض فملك ذلك بمطلقها وهذان الوجهان في المطلق، فأما إن أذن فيه أو نهى عنه أو وجدت قرينة دالة على أحد الأمرين تعين ذلك وجاز مع الإذن وحرم مع النبي، وليس له السفر في موضع مخوف على كلا الوجهين وكذلك لو أذن له في السفر مطلقاً لم يكن له السفر في طريق مخوف ولا إلى بلد مخوف فإن فعل فهو ضامن لما يتلف لأنه تعدى بفعل ما ليس له فعله (فصل) وليس للمضارب البيع بدون ثمن المثل ولا أن يشتري بأكثر منه مما لا يتغابن الناس بمثله فان فعل فقد روي عن أحمد أن البيع يصح ويضمن النقص كالو كيل ولأن الضرر ينجبر بضمان النقص، قال شيخنا والقياس بطلان البيع وهو مذهب الشافعي لأنه بيع لم يؤذن فيه أشبه بيع الأجنبي، فعلى هذا إن تعذر رد المبيع ضمن النقص أيضاً وإن أمكن رده وجب إن كان باقيا أو
قيمته إن تلف ولرب المال مطالبة من شاء من العامل والمشتري فإن أخذ من المشتري قيمته رجع المشتري على العامل بالثمن وإن رجع على العامل بقيمته رجع العامل على المشتري بها ورد عليه الثمن لان التف حصل في يده أما ما يتغابن الناس بمثله فلا يمنع منه لأنه لا يمكن التحر ز منه وأما إذا اشترى بأكثر من ثمن المثل بعين المال فهو كالبيع وإن إشترى في الذمة لزم العامل دون رب المال إلا أن يجبزه فيكون له هذا ظاهر كلام الخرقي وقال القاضي إن أطلق اشراء ولم يذكر رب المال فكذلك وإن صرح للبائع إني اشتريه لفلان فالبيع باطل ايضاً (فصل) وهل له أن يبيع ويشتري بغير نفد البلد؟ على روايتين أصحهما جوازه اذار أي المصلحة فيه والربح حاصل به كما يجوز أن يبيع عرضاً بعرض ويشتريه به فإن قلنا لا يملك ذلك ففعل فحكمه حكم ما لو اشترى أو باع بغير ثمن المثل، وإن قال اعمل برأيك فله ذلك وهل له المزارعة يحتمل أن لا يملكها لأن المضاربة لا يفهم من الاقها المزارعة وقد روي عن أحمد رحمه الله فيمن دفع إلى رجل الفاو قال إتجر فيها بما شئت فزرع زرعاً فربح فيه فالمضاربة جائزة والربح بينهما قال القاضي ظاهر هذا إن قوله أتجر بما شئت دخلت فيه المزارعة لأنها من الوجوه التي بيتغى بها النماء فعلى هذا لو توى المال في المزارعة لم يلزمه ضمانه
(فصل) وله أن يشتري المعيب إذا رأى المصلحة فيه لأن المقصود الربح وقد يكون الربح في المعيب فإن اشتراه يظنه سليمان فبان معيباً فله فعل ما يرى فيه المصلحة من رده أو إمساكه وأخذ الأرش فإن اختف العامل ورب المال في الرد فطلبه أحدهما وأباه الآخر فعل ما فيه النظر والخط لأن المقصود تحصيله فيحمل الأمر على ما فيه الحظ، وأما الشريكان إذا اختلفا في رد المعيب فلطالب الرد رد نصيبه وللآخر إمساك نصيبه إلا أن لا يعلم البائع ان التسراء لهما فلا يلزمه قبول رد بعضه لأن ظاهر الحال أن العقد لمن وليه فلم يجز إدخال الضرر على البائع بتبعيض الصفقة عليه، ولو أراد الذي ولي العقد رد بعض المبيع وإمساك البعض فإن حمه حكم مالو أراد شريكه ذلك على ما فصلناه (فصل) قال الشيخ رضي الله عنه (وليس للعامل شراء من يعتق على رب المال) لأن فيه ضرراً ولأنه لا حظ للتجارة فيه فإن اشتراه بإذن رب المال صح لانه صح شراؤه بنفسه فإذا أذن لغيره فيه جازو يعتق عليه وتنفسخ المضاربة في قدر ثمنه، وإن كان في المال ربح رجع العامل بحصته منه فإن كان بغير إذن رب المال احتمل أن لا يصح الشراء إذا كان الثمن عيناً لأن العامل اشترى ما ليس له أن يشتريه فهو كما لو اشترى شيئاً بأكثر من ثمنه ولأن الإذن في المضاربة إنما ينصرف الى ما يمكن بيعه والربح فيه وليس هذا كذلك، وإن كان اشتراه في الذمة وقع الشراء للعاقد وليس له دفع الثمن مال المضاربة فإن فعل ضمن وهذا قول الشافعي وأكثر الفقهاء، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد صحة الشراء
لأنه مال متقوم قابل للعقود فصح شراؤه كما لو شاترى من نذرب المال عتقه ويعتق على رب المال ونتفسخ المضاربة فيه ويلزم العامل الضمان على ظاهر كلام أحمد علم بذلك أو جهل لأن مال المضاربة تلف بسببه، ولا فرق في الإتلاف الموجب للضمان بين العلم والجهل ويضمن قيمته في أحد الوجهين لأن الملك ثبت فيه ثم تلف أشبه مالو أتلفه بفعله والثاني يضمن الثمن الذي اشتراه به لأن التفر يط منه حصل بالشراء وبذل الثمن فيما يتلف بالشراء فكان عليه ضمان ما فرط فيه ومتى ظهر في المال ربح فللعامل حصته منه وقال أبو بكر إن لم يعلم العامل أنه يعتق على رب المال لم يضمن لأن التلف حصل لمعنى في المبيع لم يعلم به فلم يضمن كما لو اشترى معيبا لم يعلم عبيه فتلف به قال ويتوجه أن لا يضمن وإن علم
(مسألة) (وإن اشترى امرأته صح وانفسخ نكاحهما)
لأنه ملكها فإن كان قبل الدخول فهل يلزم الزوج نصف الصداق؟ فيه وجهان يذكران فيما بعد إن شاء الله تعالى، فإن قلنا يلزمه رجع به على العامل لأنه سبب تقريره عليه فرجع عليه كما لو أفسدت إمرأة نكاحه بالرضاع، وإن اشترى زوج ربة المال صح وانفسخ النكاح لأنها ملكت زوجها.
وهذا قول أبي حنيفة وقال الشافعي لا يصح الشراء إلا أن يكون بإذنها لأن الإذن إنما يتناول شراء مالها فيه حظ وهذا الشراء يضربها لأنه يفسخ نكاحها وتسقط حصتها من النفقة والكسوة فلم يصح كشراء أبيها ولنا إنه اشترى ما يمكن طلب الربح فيه فجاز كما لو اشترى أجنبياً ولا ضمان على العامل فيما
يفوت من المهر ويسقط من النفقة لأن ذلك لا يعود الى المضاربة وإنما هو بسبب آخر ولا فرق بين شرائه في الذمة أو بعين المال.
(فصل) وإن اشترى المأذون له من يعتق على رب المال بإذنه صح وعتق فإن كان على المأذون له دين يستغرق قيمته وما في يديه وقلنا يتعلق الدين برقبته فعليه دفع قيمة العبد الذي عتق الى الغرماء لأنه الذي أتلف عليهم بالعتق وإن نهاه عن الشراء فالشراء باطل لأنه يملكه بالإذن وقد زال بالنهي وإن أطلق الاذن فقال أبو الخطاب يصح شراؤه لأن من يصح أن يشتريه السيد صح شراء المأذون له كالأجنبي وهذا قول أبي حنيفة إذا أذن له في التجارة ولم يدفع إليه مالا وقال القاضي لا يصح لأن فيه إتلافاً على السيد فإن إذنه يتناول ما فيه حظ فلا يدخل فيه الإتلاف، وفارق عامل المضاربة لأنه يضمن القيمة فيزول الضرر وللشافعي قولان كالوجهين، وإن اشترى إمراة رب المال أو زوج ربة المال فهل يصح؟ على وجهين أيضاً كشراء من يعتق بالشراء
(مسألة) (وإن اشترى المضارب من يعتق عليه صح الشراء)
فإن لم يظهر في المال ربح لم يعتق منه شئ وإن ظهر فيه ربح ففيه وجهان مبنيان على العامل متى يملك الربح؟ فإن قلنا يملكه بالقسيمة لم يعتق منه شئ لأنه مالكه وإن قلنا يملكه بالظهور ففيه وجهان: (أحدهما) لا يعتق وهو قول أبي بكر لأنه لم يتم ملكه عليه لكون الربح وقاية لرأس المال فلم يعتق