الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 671-39
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(فصل) فأما شبه العمد فقال شيخنا تجب فيه الكفارة ولم أعلم لأصحابنا فيه قولاً لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص وحمل العاقلة ديته وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئاً من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة لحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شئ أصلاً ولم يرد الشرع بهذا وقد ذكر في الكتاب المشروح رواية أنه كالعمد لأن ديته مغلظة وهي اختيار أبي بكر لأن عنده أن الدية فيه يحملها القاتل فقد اشبه العمد في ذلك فكان حكمه حكمه (فصل) وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص القرآن سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو كافراً النبي صلى الله عليه وسلم القود ولم يوجب كفارة وعمرو بن أمية الضمري قتل رجلين كانا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوداهما النبي صلى الله عليه وسلم ولم يأمره بكفارة ولأنه فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة كزنا المحصن وحديث واثلة يحتمل أنه كان خطأ وسماه موجباً أي فوت النفس بالقتل ويحتمل أنه كان شبه عمد ويحتمل أنه أمرهم بالإعتاق تبرعاً ولذلك أمر غير القاتل بالإعتاق وما ذكروه من المعنى لا يصح لأنها وجبت في الخطأ لتمحو إئمه لكونه لا يخلو من تفريط فلا يلزم من ذلك ايجابها في موضع عظم الإثم فيه بحيث لا يرتفع بها.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين العمد الموجب للقصاص وما لا قصاص فيه كقتل الوالد ولده والسيد عبده والحر العبد والمسلم الكافر لأن هذا من أنواع العمد

(فصل) فأما شبه العمد فقال شيخنا تجب فيه الكفارة ولم أعلم لأصحابنا فيه قولاً لكن مقتضى الدليل ما ذكرناه لأنه أجري مجرى الخطأ في نفي القصاص وحمل العاقلة ديته وتأجيلها في ثلاث سنين فجرى مجراه في وجوب الكفارة ولأن القاتل إنما لم يحمل شيئاً من الدية لتحمله الكفارة فلو لم تجب عليه الكفارة لحمل من الدية لئلا يخلو القاتل عن وجوب شئ أصلاً ولم يرد الشرع بهذا وقد ذكر في الكتاب المشروح رواية أنه كالعمد لأن ديته مغلظة وهي اختيار أبي بكر لأن عنده أن الدية فيه يحملها القاتل فقد اشبه العمد في ذلك فكان حكمه حكمه (فصل) وكفارة القتل عتق رقبة مؤمنة بنص القرآن سواء كان القاتل أو المقتول مسلماً أو كافراً فإن لم يجدها في ملكه فاضلة عن حاجته أو يجد ثمنها فاضلاً عن كفايته فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وهذا ثابت بالنص أيضاً فإن لم يستطع ففيه روايتان (إحداهما) يثبت الصيام في ذمته ولا يجب شئ آخر لأن الله تعالى لم يذكره ولو وجب لذكره (والثانية) يجب إطعام ستين مسكيناً عند العجز عن الصوم ككفارة الظهار والفطر في رمضان وإن لم يكن مذكوراً في نص القرآن فقد ذكر في نظيره فيقاس عليه فعلى هذه الرواية إن عجز عن الإطعام ثبت في ذمته حتى يقدر عليه وللشافعي في هذا قولان كالروايتين والله أعلم (تم بحمد الله وعونه الجزء التاسع..)

بسم الله الرحمن الرحيم باب القسامة وهي الأيمان المكررة في دعوى القتل والقسامة مصدر أقسم قسامة ومعناه حلف حلفاً، والمراد بالقسامة ههنا الأيمان المكررة في دعوى القتل، وقال القاضي هي الأيمان اذا كثرت على وجه المبالغة، قال وأهل اللغة يذهبون الى أنها القوم الذين يحلفون سموا باسم المصدر كما يقال رجل عدل ورضى، وأي الأمرين كان فهو من القسم الذي هو الحلف، والأصل في القسامة ماروي عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أن محيصة بن مسعود وعبد الله بن سهل انطلقا الى خيبر فتفرقا في النخيل فقتل عبد الله بن سهل فاتهموا اليهود فجاء أخوه عبد الرحمن وأبناء عمه حويصة ومحيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلم عبد الرحمن في أمر أخيه وهو أصغرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم (كبر الكبر) أو قال

(ليبدأ الأكبر) فتكلما في أمر صاحبهما فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته) فقالوا أمر لم نشهده كيف نحلف؟ قال (فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم) قالوا يا رسول الله قوم كفار ضلال قال فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبله قال سهل فدخلت مربداً لهم فركضتني ناقة من تلك الابل) متفق عليه

(مسألة) (ولا يثبت إلا بشروط أربعة: أحدها دعوى القتل ذكراً كان المقتول أو أنثى حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً وأما الجراح فلا قسامة فيها)

دعوى القتل شرط في القسامة ولا تسمع الدعوى إلا محررة بأن يقول ادعي أن هذا قتل وليي فلان ابن فلان عمداً أو خطأ أو شبه عمد، ويصف القتل فان كان عمداً قال قصد اليه بسيف أو بما يقتل مثله غالباً.
فان كانت الدعوى على واحد فأقر ثبت القتل فإن أنكر وثم بينة حكم بها وإلا صار الأمر الى الأيمان، وإن كانت الدعوى على أكثر من واحد لم يخل من أربعة أحوال (أحدها) أن يقول قتله هذا وهذا تعمد قتله، ويصف العمد بصفته فيقال له عين واحداً فان القسامة الموجبة للقود لا تكون على أكثر من واحد (الحال الثاني) أن يقول تعمد هذا وهذا كان خاطئاً فهو يدعي قتلا غير.
موجب للقود فيقسم عليهما ويأخذ نصف الدية من مال العامد ونصفها من مال الخاطئ (الحال الثالث) أن يقول عمد هذا ولا أدري أكان قتل الثاني عمداً أو خطأ فقيل لا تسوغ القسامة

ههنا لأنه يحتمل أن يكون الآخر مخطئاً فيكون موجبها الدية عليهما ويحتمل أن يكون عامداً فلا يسوغ ههنا ويجب تعيين واحد والقسامة عليه فيكون موجبها القود فلم تجز القسامة مع هذا، فان عاد فقال علمت أن الآخر كان عامدا فله أن يعين واجدا ويقسم عليه، وإن قال كان مخطئاً ثبتت القسامة حينئذ ويسئل الآخر فان أنكر ثبتت القسامة وإن أقر ثبت عليه القتل ويكون عليه نصف الدية في ماله لأنه ثبت باقراره لا بالقسامة، وقال القاضي يكون على عاقلته والأول أصح لأن العاقلة لا تحمل اعترافا (الحال الرابع) أن يقول قتلاه خطأ أو شبه عمدا أو أحدهما خاطئا والآخر شبهه العمد فله أن يقسم عليهما، فإن ادعى أنه قتل وليه عمداً فسئل عن تفسيره العمد ففسره بعمد الخطأ قبل تفسيره وأقسم على ما فسره به لأنه أخطأ في وصف القتل بالعمدية، ونقل المزني عن الشافعي لا يحلف عليه لأنه بدعوى العمد برأ العاقلة فلم تسمع دعواه بعد ذلك ما يوجب عليهم المال ولنا أن دعواه قد تحررت وإنما غلط في تسمية شبه العمد عمداً وهذا مما يشتبه فلا يؤاخذ به ولو أحلفه الحاكم قبل تحرير الدعوى وتبيين نوع القتل لم يعتد باليمين لأن الدعوى لا تسمع غير محررة فكأنه أحلفه قبل الدعوى ولأنه إنما يحلفه ليوجب له ما يستحقه فاذا لم يعلم ما يستحقه بدعواه لم يحصل المقصود باليمين فلم يصح (فصل) قال القاضي يجوز للأولياء أن يقسموا على القاتل اذا غلب على ظنهم أنه قتله وإن كانوا

غائبين عن مكان القتل لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأنصار (تحلفون وتستحقون دم صاحبكم) وكانوا بالمدينة والقتل بخيبر، ولأن للانسان أن يحلف على غالب ظنه كما ان من اشترى من إنسان شيئاً فجاء آخر يدعيه جاز أن يحلف أنه لا يستحقه لأن الظاهر أنه ملك الذي باعه وكذلك اذا وجد شيئاً بخطه أو خط أبيه ودفتره جاز أن يحلف، وكذلك إذا باع شيئاً لم يعلم فيه عيباً فادعى عليه المشتري أنه معيب وأراد رده كان له أن يحلف أنه باعه بريئاً من العيب، ولا ينبغي أن يحلف المدعي إلا بعد الاستثبات وغلبة ظن يقارب اليقين، وينبغي للحاكم أن يقول لهم اتقوا الله واستثبتوا ويعظهم ويحذرهم ويقرأ عليهم (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا) ويعرفهم ما في اليمين الكاذبة وظلم البرئ وقتل النفس بغير الحق ويعرفهم ان عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة وهذا كله مذهب الشافعي (مسألة) (وسواء كان المقتول ذكراً أو أنثى حراً أو عبداً مسلماً أو ذمياً) أما إذا كان المقتول مسلماً حراً فليس فيه اختلاف سواء كان المدعى عليه مسلماً أو كافراً فان الأصل في القسامة قصة عبد الله بن سهل حين قتل بخيبر فاتهم اليهود بقتله فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة وأما إن كان المقتول كافراً أو عبداً وكان قاتله ممن يجب عليه القصاص بقتله وهو المماثل له في حالة أو دونه ففيه القسامة، وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي، وقال الزهري والثوري ومالك والاوزاعي لا قسامة في العبد لأنه مال فلم تجب القسامة فيه كالبهيمة

ولنا أنه قتل موجب للقصاص فأوجب القسامة كقتل الحر بخلاف البهيمة فانه لا قصاص فيها ويقسم على العبد سيده لأنه المستحق لدمه، وأم الود والمدبر والمكاتب والمعلق عتقه بصفة كالقن لأن الرق ثابت فيهم، فإن كان القاتل ممن لا قصاص عليه كالمسلم يقتل كافراً والحر يقتل عبداً فلا قسامة فيه في ظاهر قول الخرقي وهو قول مالك لأن القسامة إنما تكون فيما يوجب القود وقال القاضي فيها القسامة وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي لأنه قتل آدمي يوجب الكفارة فشرعت القسامة فيه كقتل الحر المسلم، ولأن ما كان حجة في قتل الحر المسلم كان حجة في قتل العبد والكافر كالبينة، ووجه قول الخرقي أنه قتل لا يوجب القصاص فأشبه قتل البهيمة ولا يلزم من شرعها فيما يوجب القصاص شرعها مع عدمه بدليل أن العبد لو اتهم بقتل سيده وجبت القسامة إذا كان القتل موجباً للقصاص ذكره القاضي لأنه لا يجوز قتله قبل ذلك ولو لم يكن موجباً للقصاص لم تشرع القسامة (فصل) وان قتل عبد المكاتب فللمكاتب أن يقسم على الجاني لأنه مالك العبد يملك التصرف فيه وفي بدله وليس لسيده انتزاعه منه وله شراؤه منه، ولو اشترى المأذون له في التجارة عبداً فقتل فالقسامة لسيده دونه لأن ما اشتراه المأذون يملكه سيده دونه ولهذا يملك انتزاعه منه، وإن عجز المكاتب قبل أن يقسم فلسيده أن يقسم لأنه صاو المستحق لبدل المقتول بمنزلة ورثة الحر إذا مات قبل أن يقسم، ولو ملك السيد عبده أو أم ولده عبداً فقتل فالقسامة للسيد سواء قلنا يملك العبد

بالتمليك أولا يملك لأنه إن لم يملك فالملك لسيده وإن ملك فهو ملك غير ثابت ولهذا يملك سيده انتزاعه منه ولا يجوز له التصرف بغير إذن سيده بخلاف المكاتب، وإن أوصى لأم ولده ببدل العبد صحت الوصية وإن كان لم يجب بعد كما تصح الوصية بثمرة لم تخلق والقسامة للورثة لأنهم القائمون مقام الموصي في إثبات حقوقه فإذا حلفوا ثبت لها البدل بالوصية فإن لم يحلفوا لم يكن لها أن تحلف كما اذا امتنع الورثة باليمين مع الشاهد لم يكن للغرماء أن يحلفوا معه (فصل) والمحجور عليه لسفه أو فلس كغير المحجور عليه في دعوى القتل والدعوى عليه لأنه إذا أقر بمال أو لزمته الدية بالنكول عن اليمين لم تلزمه في حال حجره لأن اقراره بالمال في الحال غير مقبول بالنسبة الى أخذ شئ من ماله في الحال على ما عرف في موضعه (فصل) ولو جرح مسلم فارتد فمات على الردة فلا قسامة فيه لأن نفسه غير مضمونة ولا قسامة فيما دون النفس ولأن ماله يصير فيأ والفئ ليس له مستحق معين فتثبت القسامة له، وإن مات مسلماً فارتد وارثه قبل القسامة فقال أبو بكر ليس له أن يقسم وإن أقسم لم يصح لأن ملكه يزول عن ماله وحقوقه فلا يبقى مستحقاً للقسامة وهذا قول المزني ولأن المرتد قد أقدم على الكفر الذي لا ذنب أعظم منه فلا يستحق بيمينه دم مسلم ولا يثبت بها قتل، وقال القاضي الأولى أن تعرض عليه القسامة فان أقسم وجبت الدية وهذا قول الشافعي لأن استحقاق المال بالقسامة حق له فلا يبطل

بردته كاكتساب المال بوجوه الاكتساب وكفره لا يمنع يمينه لأن الكافر تصح يمينه ويعرض عليه في الدعاوى فإن حلف ثبت القصاص أو الدية، فإن عاد إلى الإسلام كان له وإن مات كان فيئاً والصحيح إن شاء الله ما قاله أبو بكر لأن مال المرتد إما أن يكون ملكه قد زال عنه واما موقوف وحقوق المال حكمها حكمه، فإن قلنا يزول ملكه فلا حق له وإن قلنا هو موقوف فهو قبل انكشاف حاله مشكوك فيه فلا يثبت الحكم بشئ مشكوك فيه كيف وقتل المسلم أمر كبير لا يثبت مع الشبهات ولا يستوفى مع الشك؟ فأما إن ارتد قبل موت مورثه لم يكن وارثاً ولا حق له وتكون القسامة لغيره من الوارث فإن لم يكن للميت وارث سواه فلا قسامة فيه لما ذكرنا، فإن عاد إلى الإسلام قبل قسامة غيره فقياس المذهب أنه يدخل في القسامة لأنه متى رجع قبل قسم الميراث قسم له.
وقال القاضي لا تعود القاسمة اليه لأنها استحقت على غيره وإن ارتد رجل فقتل عبده أو قتل عبده ثم ارتد فهل له أن يقسم؟ عل وجهين بناء على الاختلاف المتقدم فإن عاد إلى الإسلام عادت القسامة لأنه يستحق بدل العبد (مسألة) (فأما الجراح فلا قسامة فيها) لا قسامة فيما دون النفس من الأطراف والجراح لا نعلم فيه خلافا بين أهل العلم وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي لأن القسامة تثبت في النفس لحرمتها فاختصت بها دون الأطراف كالكفارة

ولأنها تثبت حيث كان المجني عليه لا يمكنه التعبير عن نفسه وتعيين قاتله ومن قطع طرفه يمكنه ذلك وحكم الدعوى فيه حكم الدعوى في سائر الحقوق، والبينه على المدعي واليمين على المنكر يميناً واحدة لأنها دعوى لا قسامة فيها فلا تغلظ بالعدد كالدعوى في المال (الثاني) اللوث وهو العداوة الظاهرة كنحو ما كان بين الأنصار وأهل خيبر وكما بين القبائل التي يطلب بعضها بعضاً بثأر في ظار المذهب، اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في اللوث فروي عنه أن العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه كنحو ما كان بين الأنصار ويهود خيبر وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما بين البغاة وأهل العدل وما بين الشرطة واللصوص وكل من بينه وبين المقتول ضغن يغلب على الظن أنه قتله نقل مهنا عن أحمد فيمن وجد قتيلاً في المسجد الحرام ينظر من بينه وبينه في حياته شئ يعني ضغناً يؤخذون به ولم يذكر القاضي في اللوث غير العداوة الا أنه قد قال في الفريقين يقتتلان فينكشفون عن قتيل فاللوث على الطائفة التي القتيل من غيرها سواء كان القتال بالتحام أو مراماة بالسهام وان لم تبلغ السهام فاللوث على طائفة القتيل إذا ثبت هذا فانه لا يشترط مع العداوة أن لا يكون في الموضع الذي به القتيل غير العدو نص عليه أحمد في رواية مهنا التي ذكرناها وكلام الخرقي يدل عليه أيضاً واشترط القاضي أن يوجد القتيل في موضع عدو

لا يختلط بهم غيرهم وهذا مذهب الشافعي لأن الأنصاري قتل في خيبر ولم يكن بها الا اليهود وجميعهم أعداء ولأنه متى اختلط بهم غيرهم احتمل أن يكون القاتل ذلك الغير ثم ناقض قوله فقال في قوم ازدحموا في مضيق فافترقوا عن قتيل فقال إن كان في القوم من بينه وبينه عداوة وأمكن أن يكون هو قتله لكونه بقربه فهو لوث فجعل العداوة لوثاً مع وجود غير العدو ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بخيبر غير اليهود أم لا؟ مع أن الظاهر وجود غيرهم فيها لأنها كانت أملاكاً للمسلمين يقصدونها لأخذ غلات أملاكهم منها وعمارتها والاطلاع عليها والامتيار منها ويبعد أن تكون مدينة على جادة تخلو من غير أهلها وقول الأنصار ليس لنا بخيبر عدو إلا اليهود يدل على أنها قد كان بها غيرهم ممن ليس بعدو ولأن اشتراكهم في العداوة لا يمنع من وجود اللوث في حق واحد وتخصيصه بالدعوى مع مشاركة غيره في احتمال قتله فلأن لا يمنع ذلك وجود من يبعد منه القتل أولى وما ذكروه من الاحتمال لا ينفي اللوث فان اللوث لا يشترط فيه يقين القتل من المدعى عليه فلا ينافيه الاحتمال ولو تيقن القتل من المدعى عليه لما احتيح إلى الأيمان ولو اشترط نفي الاحتمال لما صحت الدعوى على واحد من جماعة لاحتمال أن القاتل غيره ولا على الجماعة كلهم لأنه يحتمل أن لا يشترك الجميع في قتله والرواية الثانية عن أحمد أن اللوث ما يغلب على الظن صدق المدعي ذلك من وجوه

(أحدها) العداوة المذكورة (الثاني) أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثاً في حق كل واحد منهم فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع المجاعة فالقول قوله مع يمينه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن الأصل عدم ذلك إلا أن يثبت ببينة (الثالث) أن يزدحم الناس في مضيق فيوجد بينهم قتيل فظاهر كلام أحمد أن هذا ليس بلوث فإنه قال فيمن مات من الزحام يوم الجمعة: فديته في بيت المال وهذا قول إسحاق وروي ذلك عن عمر وعلي فان سعيداً روى في سننه عن ابراهيم قال قتل رجل في زحام الناس بعرفة فجاء أهله الى عمر فقال: بينتكم على من قتله فقال علي يا أمير المؤمنين لا تطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله وإلا فأعط ديته من بيت المال وقال أحمد فيمن وجد مقتولاً في المسجد الحرام ينظر من كان بينه وبينه شئ في حياته يعني عداوة فلم يجعل الحضور لوثاً وإنما جعل اللوث العداوة وقال الحسن والزهري فيمن مات في الزحام ديته على من حضر لأن قتله حصل منهم، وقال مالك دمه هدر لأنه لا يعلم له قاتل ولا وجد لوث فيحكم بالقسامة فيه وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب اليه في رجل وجد قتيلا ولم يعرف قاتله فكتب اليهم إن من القضايا قضايا لا يحكم فيها الافي الدار الآخر ة وهذا منها (الرابع) أن يوجد قتيل لا يوجد بقربه إلا رجل معه سيف أو سكين ملطخ بدم ولا يوجد غيره ممن يغلب على الظن قتله مثل أن يرى رجلاً هارباً يحتمل أنه قاتل أو سبعاً يحتمل ذلك فيه

(الخامس) أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما فاللوث على الأخرى.
ذكره القاضي فان كانوا بحيث لا يصل سهام بعضهم بعضاً فاللوث على طائفة القتيل وهذا قول الشافعي، وروى عن أحمد أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه وهذا قول مالك.
وقال ابن أبي ليلى: عقله على الفريقين جميعاً لأنه يجتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه وعن أحمد في قوم اقتتلوا فقتل بعضهم وجرح بعضهم: فدية المقتولين على المجروحين يسقط منه دية الجراح وإن كان فيهم من لا جرح فيه فهل عليه من الديات شئ على وجهين ذكرهما ابن حامد (السادس) أن يشهد بالقتل عبيد ونساء ففيه عن أحمد روايتان (إحداهما) أنه لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي فأشبه العداوة (والثانية) ليس بلوث لأنها شهادة مردودة فلم تكن لوثا كما لو شهد به كفار وإن شهد به فساق أو صبيان ففيه وجهان (أحدهما) ليس بلوث لأنه لا يتعلق بشهادتهم حكم فلا يثبت اللوث بها كشهادة الأطفال والمجانين (والثاني) يثبت بها اللوث لأنها شهادة فغلب على الظن صدق المدعي فأشبه شهادة النساء والعبيد وقول الصبيان معتبر في الأدب في دخول الدار وقبول الهدية ونحوها وهذا مذهب الشافعي.
ويعتبر أن يجئ الصبيان متفرقين لئلا يتطرق إليهم التواطؤ على الكذب.
فهذه الوجوه قد ذكر عن أحمد أنها لوث لأنها تغلب على الظن صدق المدعي أشبهت العداوة.
وروي أن هذا ليس بلوث وهو ظاهر كلامه في الذي قتل في الزحام

لأن اللوث إنما يثبت بالعداوة بقضية الأنصاري القتيل بخيبر ولا يجوز القياس عليها لأن الحكم ثبت بالمظنة ولا يجوز القياس على المظان لأن الحكم إنما يتعدى بتعدي سببه والقياس بالمظان جمع بمجرد الحكمة وغلبة الظنون والحكم والظنون تختلف ولا تأتلف وتنخبط ولا تنضبط وتختلف باختلاف القرائن والأحوال والأشخاص فلا يمكن ربط الحكم بها ولا تعديته بتعديها ولأنه يعتبر في التعدية والقياس التساوي بين الأصل والفرع والمقتضي ولا سبيل إلى تغير التساوي بين الظنين مع كثرة الاحتمالات وترددها.
فعلى هذه الرواية حكم هذه الصور حكم غيرها مما لا لوث فيه (فصل) وإن شهد رجلان على رجل أنه قتل أحد هذين القتيلين لم تثبت هذه الشهادة ولم يكن لوثاً عند أحد علمنا قوله وإن شهدا أن هذا القتيل قتله أحد هذين الرجلين أو شهد أحدهما أن هذا قتله وشهد الآخر أنه أقر بقتله أو شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لم تكمل الشهادة ولم يكن لوثاً.
هذا قول القاضي واختياره.
والمنصوص عن أحمد فيما إذا شهد أحدهما بقتله والآخر بالاقرار بقتله أنه يثبت القتل واختار أبو بكر ثبوت القتل ههنا وفيما إذا شهد أحدهما أنه قتله بسيف وشهد الآخر أنه قتله بسكين لأنهما اتفقا على القتل واختلفا في صفته وقال الشافعي هو لوث في هذه الصورة في أحد القولين وفي الصورتين اللتين قبلها هو لوث لأنها شهادة يغلب على الظن صدق المدعي أشبهت شهادة النساء والعبيد.
ولنا انها شهادة مردودة للاختلاف فيها فلم تكن لوثاً كالصورة الأولى

(فصل) وليس من شرط اللوث أن يكون بالقتيل أثر وبهذا قال مالك والشافعي.
وعن أحمد أنه شرط وهذا قول حماد وأبي حنيفة والثوري لأنه إذا لم يكن به أثر احتمل أنه مات حتف أنفه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسأل الأنصار هل كان بقتيلهم أثر أو لا؟ ولأن القتل يحصل بما لا أثر له كغم الوجه والخنق وعصر الخصيتين وضربة الفؤاد فأشبه من به أثر، وم به أثر قد يموت حتف أنفه لسقطته أو صرعته أو يقتل نفسه.
فعلى قول من اعتبر الأثر ان خرج الدم من أذنه فهو لوث لأنه لا يكون إلا لخنق أو أمر أصيب به، وإن خرج من أنفه فهل يكون لوثاً على وجهين (مسألة) (فأما قول القتيل فلان قتلني فليس بلوث) هذا قول أكثر أهل العلم منهم الثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك والليث هو لوث لأن قتيل بني اسرائيل قال قتلني فلان فكان حجة.
ويروى هذا القول عن عبد الملك بن مروان ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لا دعى، قوم دماء رجال وأموالهم) ولأنه يدعي حقاً لنفسه فلم يقبل قوله كما لو لم يمت، ولأنه خصم فلم تكن دعواه لوثاً كالولي فأما قتيل بني اسرائيل فلا حجة فيه فإنه لا قسامة فيه فإن ذلك كان من آيات الله ومعجزات نبيه موسى عليه السلام حيث أحياه الله تعالى بعد موته وانطقه بقدرته بما اختلفوا فيه ولم يكن الله تعالى لينطقه بالكذب بخلاف الحي ولا سبيل إلى مثل هذا اليوم، ثم ذاك في تبرئة المتهمين فلا يجوز تعديته الى تهمة البريئين

(مسألة) (ومتى ادعى القتل مع عدم اللوث عمداً فقال الخرقي لا يحكم له بيمين ولاغيرها وعن أحمد أنه يحلف يميناً واحدة وهي الأولى.
وإن كان خطأ حلف يميناً واحدة) إذا ادعى القتل مع عدم اللوث لم يخل من حالين (أحدهما) إذا وجد قتيل في موضع فادعى أولياؤه قتله على رجل أو جماعة ولم يكن بينهم عداوة ولا لوث فهي كسائر الدعاوى إن كانت لهم بينة حكم لهم بها وإلا فالقول قول المنكر وبهذا قال مالك والشافعي وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة وأصحابه: اذا ادعى اولياؤه قتله على أهل المحلة أو على معين فللولي أن يختار من الموضع خمسين رجلا يحلفون خمسين يميناً والله ما قتلناه ولا علمنا قاتله فإذا نقصوا عن الخمسين كررت الأيمان عليهم حتى تتم فاذا حلفوا وجبت الدية على باقي الخطة فإن لم يكن وجبت على سكان الموضع فإن لم يحلفوا حبسوا حتى يحلفوا أو يقروا لما روي أن رجلا وجد قتيلا بين حيين فحلفهم عمر رضي الله عنه خمسين يميناً وقضى بالدية على أقربهما يعني أقرب الحيين فقالوا: والله ما وقت أيماننا أموالنا ولا أموالنا ايماننا.
فقال عمر حقنتم بأموالكم دماءكم ولنا حديث عبد الله بن سهل وقول النبي صلى الله عليه وسلم (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء قوم وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم وقول النبي صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على من أنكر) ولأن المدعى عليه الأصل براءة ذمته ولم يظهر كذبه فكان القول قوله كسائر الدعاوى

ولأنه مدعى عليه فلم تلزمه اليمين والغرم كسائر الدعاوى وقول النبي صلى الله عليه وسلم أولى من قول عمر وأحق بالاتباع.
ثم قضية عمر يحتمل أنهم اعترفوا بالقتل خطأ وأنكروا العمد فأحلفوا على العمد ثم أنهم لا يعلمون بخبر النبي صلى الله عليه وسلم المخالف للاصول وقد صاروا ههنا إلى ظاهر قول عمر المخالف للأصول وهو إيجاب الأيمان على غير المدعى عليه وإلزامهم الغرم مع عدم الدعوى عليهم والجمع بين تحليفهم وتغريمهم وحبسهم على الأيمان قال إبن المنذر: سن النبي صلى الله عليه وسلم البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وسن القسامة في القتيل الذي وجد بخيبر، وقول أصحاب الرأي خارج عن هذه السنن (فصل) ولا تسمع الدعوى على غير معين فلو كانت الدعوى على أهل مدينة أو محلة أو واحد غير معين أو جماعة منهم بغير أعيانهم لم تسمع وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي تسمع ويستحلف خمسون منهم لأن الأنصار ادعوا القتل على يهود خيبر ولم يعينوا القاتل فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم دعواهم ولنا أنها دعوى في حق فلم تسمع على غير معين كسائر الدعاوى فأما الخبر فأن دعوى الأنصار التي سمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن الدعوى التي بين الخصمين المختلف فيها فان تلك من شرطها حضور المدعى عليه عليه عندهم أو تعذر حضوره عندنا وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم إن الدعوى لا تصح إلا على واحد بقوله (تقسمون على رجل منهم فيدفع إليكم برمته) وفي هذا بيان أن الدعوى لا تصح على غير معين

[فصل] فأما ادعى القتل من غير وجود قتل ولا عداوة فهي كسائر الدعاوى في اشتراط تعيين المدعى عليه وإن القول قوله لا نعلم فيه خلافاً (الحال الثاني) أنه إذا ادعى القتل ولم يكن عداوة ولا لوث فإنه لا يحكم على المدعى عليه بيمين ولا بشئ في إحدى الروايتين ويخلى سبيله هذا الذي ذكره الخرقي، سواء كانت الدعوى خطأ أو عمداً لأنها دعوى فيما لا يجوز بذله فلم يستحلف فيها كالحدود، ولأنه لا يقضى في هذه الدعوى بالنكول فلم يحلف فيها كالحدود (والثانية) يستحلف وبه قال الشافعي وهو الصحيح لعموم قوله عليه السلام (اليمين على المدعي عليه) وقوله عليه السلام (لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم ظاهر في ايجاب اليمين ههنا لوجهين (أحدهما) عموم اللفظ فيه (والثاني) أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في صدر الخبر بقوله (لا دعى قوم دماء رجال واموالهم - ثم عقبه بقوله - ولكن اليمين على المدعى عليه) فيعود الى المدعى عليه المذكور في الحديث، ولايجوز اخراجه منه الا بدليل أقوى منه، ولأنها دعوى في حق آدمي فيستحلف كدعوى المال ولأنها دعوى لو أقر بها لم يقبل رجوعه عنها فيجب اليمين فيها كالأصل المذكور.
إذا ثبت هذا فالمشروع يمين واحدة وعن أحمد أنه يشرع خمسون يميناً لأنها دعوى في القتل فيشرع فيها خمسون يميناً كما لو كان بينهم لوث وللشافعي فيها كالروايتين

ولنا أن قوله عليه الصلاة والسلام (ولكن اليمين على المدعى عليه) ظاهر في أنها يمين واحدة لوجهين (أحدهما) أنه وحد اليمين فينصرف الى واحدة (الثاني) أنه لم يفرق في اليمين المشروعة في الدم والمال ولأنها يمين يعضدها الظاهر والأصل فلم تغلظ كسائر الأيمان، ولأنها يمين مشروعة في جنبة المنكر ابتداء فلم تغلظ بالتكرير كسائر الأيمان وبهذا فارق ما ذكروه (فصل) فان نكل المدعى عليه عن اليمين لم يجب القصاص بغير خلاف في المذهب، وقال أصحاب الشافعي إن نكل المدعى عليه ردت اليمين على المدعي فحلف خمسين يميناً واستحق القصاص أو الدية ان كانت الدعوى عمداً موجباً للقتل لأن يمين المدعي مع نكول المدعى عليه كالبينة أو الاقرار والقصاص يجب بكل واحد منهما ولنا أن القتل يثبت ببينة ولا اقرار ولم يعضده لوث فلم يجب القصاص كما لو لم ينكل ولا يصح الحاق الأيمان مع النكول ببينة ولا اقرار لأنها أضعف منها بدليل انها لاتشرع الاعند عدمهما فتكون بدلا عنهما والبدل أضعف من المبدل ولا يلزم من ثبوت الحكم بالاقوى ثبوته بالاضعف ولا يلزم من وجوب الدية وجوب القصاص لأنه لا يثبت بشهادة النساء مع الرجال ولا بالشاهد واليمين ويحتاط له ويدرأ بالشبهات والدية بخلافه، فأما الدية فتثبت بالنكول عند من يثبت المال به أو يرد اليمين على المدعي

فيحلف يمينا واحدة ويستحقها كما لو كانت الدعوى في مال وسواء كانت الدعوى عمداً أو خطأ فان العمد متى تعذر ايجاب القصاص فيه وجب به المال وتكون الدعوى ههنا كسائر الدعاوى والله علم (الثالث) اتفاق الأولياء في الدعوى فإن ادعى بعضهم وأنكر بعض لم تثبت القسامة) من شرط ثبوت القسامة اتفاق الأولياء على الدعوى فان كذب بعضهم بعضاً فقال أحدهم قتله هذا وقال الآخر لم يقتله هذا أو قال بل قتله هذا الآخر لم تثبت القسامة نص عليه أحمد، وسواء كان المكذب عدلاً أو فاسقاً، وعن الشافعي أن القسامة لا تبطل بتكذيب الفاسق لأن قوله غير مقبول ولنا أنه مقر على نفسه بتبرئة من ادعى عليه أخوه فقبل كما لو ادعيا ديناً لهما وإنما لا يقبل قوله على غيره وأما على نفسه فهو كالعدل لأنه لا يتهم في حقها، فأما إن لم يكذبه ولم يوافقه في الدعوى مثل أن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر لا نعلم قاتله فظاهر قوله ههنا أن القسامة لا تثبت وهو ظاهر كلام الخرقي لاشتراط دعاء الأولياء على واحد وهذا قول مالك، وكذلك إن كان أحد الوليين غائباً فادعى الحاضر دون الغائب أو ادعيا جميعا على واحد ونكل أحدهما عن الأيمان لم يثبت القتل في قياس قول الخرقي، ومقتضى قول أبي بكر والقاضي ثبوت القسامة وكذلك مذهب الشافعي لأن أحدهما لم يكذب الآخر فلم تبطل القسامة كما لو كان أحد الوارثين امرأة أو صغيراً، فعلى قولهم يحلف المدعي خمسين يميناً ويستحق نصف الدية لأن الأيمان ههنا بمنزلة البينة لا يثبت

شئ من الحق إلا بعد كمال البينة فأشبه ما لو أدعى أحدهما ديناً لأبيهما فانه لا يستحق نصيبه من الدين إلا أن يقيم بينة كاملة ولنا أنهما لم يتفقا في الدعوى فلم تثبت القسامة كما لو كذبه ولأن الحق في محل الوفاق إنما ثبت بأيمانهما التي أقيمت مقام البينة ولا يجوز أن يقوم أحدهما مقام الآخر في الأيمان كما في سائر الدعاوى فعلى هذا إن قدم الغائب فوافق أخاه أو عاد من لم يعلم فقال قد عرفنه هو الذي عينه أخي أقسما حينئذ وإن قال أحدهما قتله هذا وقال الآخر قتله هذا وفلان فعلى قول الخرقي لا تثبت القسامة لأنها لا تكون إلاعلى واحد وعلى قول غيره يحلفان على من اتفقا عليه ويستحقان نصف الدية ولا يجب القود لأنه إنما يجب في الدعوى على واحد ويحلفان جميعاً على هذا الذي اتفقا عليه على حسب دعواهما ويستحقان نصف الدية ولا يجب أكثر من نصف الدية لأن أحدهما يكذب الآخر في النصف الآخر فبقي اللوث في حقه في نصف الدم الذي اتفقا عليه ولم يثبت في النصف الذي كذبه أخوه فيه، ولا يحلف الآخر على الآخر لأن أخاه كذبه في دعواه عليه، وإن قال أحدهما قتل أبي زيد وآخر لاأعرفه وقال الآخر قتله عمرو وآخر لا أعرفه لم تثبت القسامة في ظاهر قول الخرقي لأنها لا تكون إلا على واحد ولأنهما ما اتفقا في الدعوى على أحد ولا يمكن أن يحلفا على من لم يتفقا على الدعوى عليه والحق إنما يثبت في محل الوفاق بايمان الجميع فكيف يثبت في الفرع بيامان البعض؟ وقال أبو بكر والقاضي تثبت القسامة وهذا مذهب الشافعي لأنه ليس ههنا تكذيب فإنه يجوز أن يكون الذي جهله كل واحد منهما

هو الذي عرفه أخوه فيحلف كل واحد منهما على الذي عينه خمسين يميناً ويستحق ربع الدية وان عاد كل واحد منهما فقال قد عرفت الذي جهلته وهو الذي عينه أخي حلف أيضاً على الذي حلف عليه أخوه وأخذ منه ربع الدية، ويحلف خمسا وعشرين يمينا لأنه يبني على أيمان أخيه فلم يلزمه أكثر من خمس وعشرين كما لو عرفه ابتداء، وفيه وجه آخر يحلف خمسين لأن أخاه حلف خمسين يمينا، وللشافعي في هذا قولان كالوجهين، ويجئ في المسألة وجه آخر أن الأول لا يحلف أكثر من خمس وعشرين يميناً لأنه إنما يحلف على ما يستحقه والذي يستحقه النصف فيكون عليه نصف الأيمان كما لو حلف أخوه معه، وإن قال كل واحد منهما الذي كنت جهلته غير الذي عينه أخي بطلت القسامة التي أقسماها لأن التكذيب يقدح في اللوث فيرد كل واحد منهما ما أخذ من الدية، وإن كذب أحدهما اخاه ولم يكذبه الآخر بطلت قسامة المكذب دون الذي لم يكذب (فصل) إذا قال الولي بعد القسامة غلطت ما هذا الذي قتله، أو ظلمته بدعواي القتل عليه أو قال كان هذا المدعى عليه في بلد آخر يوم قتل وليي وكان بينهما بعد ولا يمكنه أن يقتله إذا كان فيه بطلت القسامة ولزمه رد ما أخذه لأنه مقر على نفسه فقبل إقراره، وإن قال ما أخذته حرام سئل عن ذلك فإن قال أردت انني كذبت في دعواي عليه بطلت قسامته أيضاً، فإن قال أردت أن الأيمان تكون في جنبة المدعي عليه كمذهب أبي حنيفة لم تبطل القسامة لأنها تثبت باجتهاد الحاكم فيقدم على اجتهاده، وإن قال هذا مغصوب وأقر بمن غصبه منه لزمه رده عليه ولا يقبل قوله على من

أخذ منه لأن الانسان لا يقبل إقراره على غيره وإن لم يقر به لأحد لم ترفع يده عنه لأنه لم يتعين مستحقه وإن اختلفا في مراده فالقول قوله لأنه أعرف بقصده (فصل) وإن أقام المدعي عليه بينة أنه كان يوم القتل في بلد بعيد من بلد المقتول لا يمكن مجيئه منه اليه في يوم واحد بطلت الدعوى، وإن قالت البينة نشهد أن فلاناً لم يقتله لم تسمع هذه الشهادة لأنه نفي مجرد، فان قالا ما قتله فلان بل قتله فلان سمعت لأنها شهدت باثبات ضتمن النفي فسمعت كما لو قالت ما قتله فلان لأنه كان يوم القتل في بلد بعيد (فصل) فإن جاء انسان فقال ما قتله المدعى عليه بل أنا قتلته فكذبه الولي لم تبطل دعواه وله القسامة ولا يلزمه رد الدية وإن كان أخذها لأنه قول واحد ولا يلزم المقر شئ لأنه أقر لمن يكذبه وان صدقه الولي أو طالبه بموجب القتل لزمه رد ما أخذ وبطلت دعواه على الأول لأن ذلك جرى مجرى الاقرار ببطلان الدعوى وهل له مطالبة المقر؟ فيه وجهان (أحدهما) له مطالبته لأنه أقر له بحق فملك مطالبته به كسائر حقوق (والثاني) ليس له مطالبته لأن دعواه على الاول انفراده بالقتل ابراء لغيره فلا يملك مطالبة من أبرأه والمنصوص عن أحمد أنه يسقط القود عنهما وله مطالبة الثاني بالدية فإنه قال في رجل شهد عليه شاهدان بالقتل فأخذ ليقاد منه فقام رجل فقال ما قتله هذا أنا قتلته فالقود يسقط عنهما والدية على الثاني، ووجه ذلك ما روى أن رجلاً

ذبح رجلاً في خربة وتركه وهرب وكان قصاب يذبح شاة وأراد ذبح أخرى فهربت منه الى الخربة فتبعها حتى وقف على القتيل والسكين بيده عليها الدم فأخذ على تلك الحال وجئ به الى عمر فأمر بقتله، فقال القاتل في نفسه يا ويله قتلت نفسا ويقتل بسبي آخر فقام فقال أنا قتلته لم يقتله هذا فقال عمر: إن كان قد قتل نفساً فقد أحيا نفساً، ودرأ عنه القصاص، ولأن الدعوى على الأول شبهة في درء القصاص عن الثاني وتجب الدية عليه لا قراره بالقتل الموجب لها، وهذا القول أصح وأعدل مع شهادة الأثر بصحته (الرابع) أن يكون في المدعين رجال عقلاء ولا مدخل للنساء والصبيان والمجانين في القسامة عمداً كان القتل او خطأ أما الصبيان فلا خلاف بين أهل العلم أنهم لا يقسمون سواء كانوا من الأولياء أو مدعى عليهم لأن الأيمان حجة على الحالف والصبي لا يثبت بقوله حجة، ولو أقر على نفسه لم يقبل فلأن لا يقبل قوله في حق غيره أولى، والمجنون في معناه لأنه غير مكلف فلا حكم لقوله وأما النساء فاذا كن من أهل القتيل لم يستحلفن وبهذا قال ربيعة والثوري والليث والاوزاعي، وقال مالك لهن مدخل في قسامة الخطأ دون العمد.
قال ابن القاسم: ولا يقسم في العمد إلا اثنان فصاعداً كما أنه لا يقتل إلا بشاهدين، وقال الشافعي يقسم كل وارث بالغ لأنها يمين في دعوى فتشرع في حق النساء كسائر الأيمان

ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون رجلاً منكم ويستحقون دم صاحبكم) ولأنها حجة يثبت بها قتل العمد فلم تسمع من النساء كالشهادة، ولأن الجناية المدعاة التي تجب القسامة عليها هي القتل ولا مدخل للنساء في إثباته وإنما يثبت المال ضمناً، فجرى ذلك مجرى رجل ادعى زوجية امرأة بعد موتها ليرثها فإن ذلك لا يثبت بشاهد ويمين ولا بشهادة رجل وامرأتين وإن كان مقصودها المال، فأما إن كانت المرأة مدعى عليها القتل فان قلنا انه يقسم من العصبة رجال لم تقسم المرأة أيضاً لأن ذلك مختص بالرجال، وإن قلنا يقسم المدعى عليه فينبغي أن تستحلف لأنها لا تثبت بقولها حقاً ولا قتلاً وانما هي كتبرئتها منه فتشرع في حقها اليمين كما لو لم يكن لوث، فعلى هذا إذا كان في الأولياء نساء ورجال أقسم الرجال وسقط حكم النساء، وإن كان منهم صبيان ورجال بالغون أو كان منهم حاضرون وغائبون فان القسامة لا تثبت حتى يحضر الغائب ويبلغ الصبي لأن الحق لا يثبت الا بالبينة الكاملة، والبينة أيمان الأولياء كلهم والأيمان لا تدخلها النيابة ولأن الحق إن كان قصاصاً فلا يمكن تبعيضه فلا فائدة في قسامة الحاضر والبالغ، وإن كان غيره فلا يثبت إلا بواسطة ثبوت القتل وهو لا يتبعض أيضاً، وقال القاضي إن كان القتل عمدا لم يقسم الكبير حتى يبلغ الصغير ولا الحاضر حتى يقدم الغائب لأن حلف الكبير الحاضر لا يفيد شيئاً في الحال، وإن كان موجباً للمال كالخطأ وشبه العمد فللحاضر المكلف أن يحلف ويستحق قسطه من الدية وهذا قول

أبي بكر ومذهب الشافعي، واختلفوا في كم يقسم الحاضر؟ فقال ابن حامد يقسم بقسطه من الأيمان وان كان الاولياء اثنين أقسم الحاضر خمسة وعشرين يمينا، وإن كانوا ثلاثة أقسم سبع عشرة يميناً، وإن كانوا أربعة أقسم ثلاث عشرة يميناً وكلما قدم غائب أقسم بقدر ما عليه واستوفى حقه لأنه لو كان الجميع حاضرين لم يلزمه أكثر من قسطه فكذلك إذا غاب بعضهم كما في سائر الحقوق ولأنه لا يستحق أكثر من قسطه من الدية فلا يلزمه أكثر من قسطه من الأيمان وقال أبو بكر يحلف الأول خمسين يمينا وهو قول الشافعي لأن الحكم لا يثبت إلا بالبينة الكاملة والبينة هي الأيمان كلها، وكذلك لو أدعى أحدهما ديناً لابيهما لم يستحق نصيبه منه إلا بالبينة المثبتة لجميعه ولأن الخمسين في القسامة كاليمين الواحدة في سائر الحقوق، ولو ادعى مالا له فيه شركة له به شاهد يحلف يميناً كاملة فاذا قدم الثاني أقسم خمسا وعشرين يمينا وجها واحداً عند أبي بكر لأنه يبني على أيمان أخيه المتقدمة وقال الشافعي فيه قول آخر يحلف خمسين يمينا أيضا لأن أخاه إنما استحق بخمسين فكذلك هو، وحكي ذلك عن ابي بكر والقاضي أيضاً فاذا قدم ثالث وبلغ فعلى قول أبي بكر يحلف سبع عشرة يميناً لأنه يبني على أيمان أخويه وكذلك على أحد قولي الشافعي وعلى الثاني يقسم خمسين يمينا وان قدم رابع فهل يحلف ثلاثة عشر يميناً أو خمسين؟ فيه قولان

(فصل) والخنثى المشكل يحتمل أن يقسم لأن سبب القسامة وجد في حقه وهو الاستحقاق من الدية ولم يتحقق المانع من يمينه ويحتمل أن لا يقسم لأنه لا يحمل من العقل فلا يثبت القتل بيمينه كالمرأة

(مسألة) (وذكر الخرقي من شروط القسامة أن تكون الدعوى عمداً يوجب القصاص إذا ثبت القتل وأن تكون الدعوى على واحد)

لا يختلف المذهب أنه لا يستحق بالقسامة أكثر من قتل واحد وبهذا قال الزهري ومالك وبعض أصحاب الشافعي وقال بعضهم يستحق بها قتل الجماعة لأنها بينة موجبة للقود فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة وقول أبي ثور نحو هذا ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع إليكم برمته) فخص بها الواحد ولأنها بينة ضعيفة خولف بها الأصول في قتل الواحد فيقتصر عليه ويبقى على الأصل فيما عداه وبيان مخالفة الأصل بها أنها تثبت باللوث واللوث شبهة مغلبة على الظن صدق المدعي والقود يسقط بالشبهات فكيف يثبت بها؟ ولأن الايمان ثبتت ابتداء في سائر الدعاوي في جانب المدعى عليه وهذه بخلافه وبيان ضعفها أنها تثبت بقول المدعي ويمينه مع التهمة في حقه والشك في صدقه وقيام العداوة المانعة من صحة الشهادة عليه في اثبات حق لغيره فلأن يمنع من قبول قوله وحده في إثبات حق له أولى وأحرى وفارق البينة فانها قويت بالعدد وعدالة الشهود وانتفاء التهمة في حقهم من الجهتين في كونهم لا يثبتون لأنفسهم حقاً ولا نفعاً

فلا يدفعون عنها ضرراً ولا عداوة بينهم وبين المشهود عليه ولهذا يثبت بها سائر الحقوق والحدود التي تنتفي بالشبهات.
إذا ثبت هذا فلا قسامة فيما لا قود فيه في قول الخرقي فيطرد قوله في أن القسامة لا تسوغ إلا في حق واحد، وعند غيره من أصحابنا أن القسامة تجري فيما لاقود فيه فيجوز أن يقسموا على جماعة وهذا قول مالك والشافعي فعلى هذا إذا ادعى على رجلين على أحدهما لوث دون الآخر حلف على من عليه اللوث خمسين يميناً واستحق الدية عليه وحلف على الآخر يمينا واحدة وبرئ، وإن نكل عن اليمين فعليه نصف الدية وإن ادعى على ثلاثة عليهم لوث ولم يحضر إلا أحدهم حلف على الحاضر منهم خمسين يميناً واستحق ثلث الدية فإذا حضر الثاني ففيه وجهان (أحدهما) يحلف عليه خمسين يميناً أيضاً ويستحق ثلث الدية لأن الحق لا يثبت على احد الرجلين الا بما يثبت على صاحبه كالبينة فانه يحتاج الى اقامة البينة الكاملة على الثاني كاقامتها على الأول (والثاني) يحلف عليه خمساً وعشرين يميناً لأنهما لو حضرا معاً لحلف عليهما خمسيناً حصة كل واحد منهما خمس وعشرون وهذا الوجه ضعيف فان اليمين لا تقسم عليهم إذا حضروا ولو حلف على كل واحد منفرداً حصته من الأيمان لم يصح ولم يثبت له حق وإنما الأيمان عليهم جميعهم وتتناولهم

تناولاً واحداً ولأنها لو قسمت عليهم بالحصص لوجب أن لا يقسم على الأول أكثر من سبع عشرة يميناً وإن قيل إنما حلف بقدر حصته وحصة الثالث فينبغي أن يحلف أربعاً وثلاثين يميناً، واذا قدم الثالث ففيه وجهان (أصحهما) يحلف عليه خمسين يميناً ويستحق ثلث الدية (والآخر) يحلف سبع عشرة يميناً وإن حضروا جميعاً حلف عليهم خمسين يميناً واستحق الدية عليهم أثلاثاً وهذا التفريع يدل على اشتراط حضور المدعى عليه وقت الأيمان وذلك أنها أقيمت مقام البينة فاشترط حضور من أقيمت عليه كالبينة وكذلك إن ردت الأيمان على المدعى عليهم اشترط حضور المدعين وقت حلف المدعى عليهم لأن الأيمان له عليهم فيعتبر رضاه بها وحضوره إلا أن يوكل وكيلاً فيقوم مقام الموكل (فصل) ويبدأ في القسامة بأيمان المدعين فيحلفون خمسين يميناً، الكلام في هذا الفصل في أمرين (أحدهما) أن الأيمان تشرع في حق المدعين أولاً فيحلفون خمسين يميناً على المدعى عليه أنه قتلهم ويثبت حقهم فان لم يحلفوا حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ وهذا قول يحيى بن

سعيد وربيعة وأبي الزناد والليث ومالك والشافعي وقال الحسن يستحلف المدعى عليهم أولاً خمسين يمينا ويبرءون فان أبوا أن يحلفوا استحلف خمسين من المدعين أن حقنا قبلكم ثم يعطون الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ولكن اليمين على المدعى عليه) رواه مسلم، وفي لفظ (البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه) رواه الشافعي في مسنده وروى أبو داود باسناده عن سليمان بن يسار عن رجال من الانصار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليهود وبدأ بهم (يحلف منكم خمسون رجلا) فأبوا فقال للانصار (استحقوا) قالوا نحلف على الغيب يارسول الله فجعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم على اليهود ابتداء ولأنه وجد بين أظهرهم ولأنها يمين في دعوى فوجبت في جانب المدعى عليه ابتداء كسائر الدعاوى، وقال الشعبي والنخعي والثوري وأصحاب الرأي يستحلف خمسون رجلا من أهل المحلة التي وجد فيها القتيل بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا ويغرمون الدية لقضاء عمر رضي الله عنه بذلك ولم نعرف له في الصحابة مخالفا فكان إجماعا وتكلموا في حديث سهل بما روى أبو داود عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمي عن عبد الرحمن بن بجيد بن قنطى أحد بني حارثة قال ابن ابراهيم ويم الله ماكان سهل بأعلم منه ولكنه كان أسن منه قال والله ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (احلفوا على ما لا علم لكم به) ولكنه كتب الى يهود حين كلمته الأنصار أنه وجد

بين أبنائكم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون بالله ما قتلوه ولا يعلمون له قاتلاً فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم من عنده ولنا حديث سهل وهو صحيح متفق عليه، ورواه مالك في موطئه وعمل به وما عارضه من الحديث لا يصح لوجوه (أحدها) انه نفي فلا يرد به قول المثبت (والثاني) أن سهلا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم شاهد القصة وعرفها حتى انه قال: ركضتني ناقة من الابل والآخر يقول برأيه وظنه من غير أن يرويه عن أحد ولا حضر القصة (والثالث) أن حديثنا مخرج في الصحيحين وحديثهم بخلافه (الرابع) أنهم لا يعلمون بحديثهم ولا حديثنا فكيف يحتجون بما هو حجة عليهم فيما خالفوه

فيه؟ وحديث سليمان بن يسار عن رجال من الانصار لم يذكر لهم صحبة فهو أدنى حالا من حديث محمد ابن ابرايهم وقد خالف الحديثين جميعاً فكيف يجوز أن يعتمد عليه وحديث اليمين على المدعي عليه لم يرد به هذه القضية لأنه يدل على أن الناس لا يعطون بدعواهم وههنا قد أعطوا بدعواهم على أن حديثنا أخص منه فيجب تقديمه وهو حجة عليهم لكون المدعين أعطوا بمجرد دعواهم من غير بينة ولا يمين منهم وقد رواه ابن عبد البر بإسناده عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (البينة على المدعي واليمين على من أنكر إلا في القسامة) وهذه الزيادة يتعين العمل بها لأن الزيادة

من الثقة مقبولة ولأنها أيمان مكررة فيبدأ فيها بأيمان المدعين كاللعان.
إذا ثبت هذا فإن أيمان القسامة خمسون على ما جاءت به الأحاديث الصحيحة.
وأجمع عليه أهل العلم لا نعلم احدا خالف فيه (الامر الثاني) أن الايمان تختص بالوارث دون غيرهم هذا ظاهر المذهب وظاهر قول الخرقي واختيار ابن حامد وهو قول الشافعي لأنها يمين في دعوى حق فلا تشرع في حق غير المتداعيين كسائر الأيمان فعلى هذه الرواية يقسم بين الورثة من الرجال من ذوي الفروض والعصبات على قدر ارثهم إن كانوا جماعة وإن كان واحداً حلفها فإن انقسمت من غير كسر مثل أن يخلف المقتول

ابنين أو أخا وزوجا حلف كل واحد منهم خمساً وعشرين يمينا، وإن كان فيها كسر جبر عليهم مثل زوج وابن يحلف الزوج ثلاثة عشر يميناً والابن ثمانية وثلاثين يميناً لأن تكميل الخمسين واجب ولا يمكن تبعيض اليمين ولا حمل بعضهم لها عن بعض فوجب تكميل اليمين المنكسرة في حق كل واحد منهم فان كانوا ثلاثة بنين أو جداً وأخوين جبر الكسر فحلف كل واحد سبع عشرة يميناً، وإن خلف أخا من أب وأخا من أم فعلى الأخ من الأم سدس الأيمان ثم يجبر الكسر فيكون عليه تسع أيمان وعلى الأخ من الأب اثنان وأربعون وهذا أحد قولي الشافعي، وقال في الآخر يحلف كل

واحد من المدعين خمسين يميناً سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه لأن ما حلفه الواحد إذا انفرد حلفه كل واحد من الجماعة كاليمين الواحدة في سائر الدعاوي وعن مالك أنه قال ينظر إلى من عليه أكثر اليمين فيجبر عليه ويسقط عن الآخر ولنا على أن الخمسين تقسم بينهم قول النبي صلى الله عليه وسلم للانصاريين (تحلفون خمسين يميناً وتستحقون دم صاحبكم) وأكثر ماروي عنه في الأيمان خمسون ولو حلف كل واحد خمسين لكانت مائة ومائتين وهذا خلاف النص، ولأنها حجة للمدعين فلم تزد على ما يشرع في حق الواحد كالبينة ويفارق اليمين

على المدعى عليه فانها ليست حجة للمدعي ولأنها لم يمكن قسمتها فكملت في حق كل واحد كاليمين المنكسرة في القسامة فانها تجبر وتكمل في حق كل واحد لكونها لاتتبعض ومالا يتبعض يكمل كالطلاق والعتق، وما ذكره مالك لا يصح لأنه اسقاط لليمين عمن عليه بعضها فلم يجز كما لو تساوى الكسران بأن يكون على كل واحد نصفها أو ثلثها إن كانوا ثلاثة وبالقياس على من عليه أكثرها، ولان اليمين في سائر الدعاوي تكمل في حق كل واحد ويستوي من له في المدعى قليل وكثير كذا ههنا ولأنه يفضي إلى أن يتحمل اليمين غير من وجبت عليه عمن وجبت عليه فلم يجز ذلك كاليمين الكاملة وكالجزء الأكبر

(فصل) فإن كان فيهم من لاقسامة عليه بحال وهو النساء سقط حكمه فإذا كان ابن وبنت حلف الابن الخمسين كلها وان كان أخ وأخت لأم وأخ وأخت لأب قسمت الأيمان بين الأخوين على احد عشر: على الأخ من الأم ثلاثة وعلى الآخر ثمانية ثم يجبر الكسر عليهما فيحلف الأخ من الأب سبعاً وثلاثين يميناً والأخ من الأم أربع عشرة يميناً (فصل) فإن مات المستحق انتقل إلى وارثه ما عليه من الأيمان وكانت الايمان بينهم على حسب مواريثهم ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثة القتيل.
فان مات بعضهم قسم نصيبه من الأيمان بين ورثته فلو كان للقتيل ثلاثة بنين كان على كل واحد سبع عشرة يميناً، فان مات بعضهم قبل

أن يقسم وخلف ثلاثة بنين قسمت أيمانه بينهم فكان على كل واحد منهم ستة أيمان، وان خلف اثنين حلف كل واحد تسعة أيمان.
وانما قلنا هذا لأن الوارث يقوم مقام الموروث في إثبات حججه كما يقوم مقامه في استحقاق ماله وهذا من حججه ولذلك يملك إقامة البينة والحلف في الانكار ومع الشاهد الواحد في دعوى المال، فإن كان موته بعد شروعه في الايمان فحلف بعضها فان ورثته يستأنفون الايمان ولا يبنون على أيمانه لان الخمسين جرت مجرى اليمين الواحدة ولأنه لا يجوز أن يستحق أحد شيئاً بيمين غيره ولا يبطل هذا بما إذا حلف جميع الايمان ثم مات لأنه لا يستحق المال إرثا عنه، لابيمينه ولا بما إذا حلف الوارثان كل واحد منهما خمسا وعشرين يميناً فان الدية تستحق

بيمينهما لانهما يشتركان في الايمان ويستحق كل واحد بقدر أيمانه ولا يستحق بأيمان غيره وإن كان اجتماع العدد شرطاً في استحقاقها (فصل) ولو حلف بعض الايمان ثم جن ثم أفاق فانه يتمم ولا يلزمه الاستئناف لأن أيمانه وقعت موقعها بخلاف الموت فان الموت يتعذر معه إتمام الأيمان منه وغيره لايبني على يمينه وههنا يمكنه أن يتمها إذا أفاق ولا يبطل بالتفريق بدليل أن الحاكم إذا أحلفه بعض الأيمان ثم تشاغل عنه لم يبطل ويتمها وما لا يبطله التفريق لا يبطله تخلل الجنون كالسعي بين الصفا والمروة.
وان حلف بعض الايمان

ثم عزل الحاكم وولي غيره أتمها عند الثاني ولم يلزمه استئنافها لان الايمان وقعت موقعها، وكذلك لو حلف بعضها ثم سأل احاكم إنظاره فأنظره بنى على ما مضى ولم يلزمه الاستئناف لما ذكرنا (فصل) وإذا حلف الاولياء استحقوا القود إذا كانت الدعوى عمداً إلا أن يمنع منه مانع، روى ذلك عن ابن الزبير وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك وأبو ثور وابن المنذر، وعن معاوية وابن عباس والحسن وإسحاق لا يجب بها لا الدية لقول النبي صلى الله عليه وسلم لليهود (إما أن تدوا صاحبكم وإما أن تؤذنوا بحرب من الله ورسوله) ولأن أيمان المدعين إنما هي لغلبة الظن وحكم الظاهر فلا يجوز إشاطة الدم بها لقيام الشبهة المتمكنة ولانها حجة لا يثبت بها النكاح فلا يجب بها القصاص كالشاهد واليمين وللشافعي قولان كالمذهبين

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل