من الغرة شيئاً لأن القاتل لا يرث من دية المقتول ويرثها سائر ورثته، فإن كان الجاني المسقط للجنين أباه أو غيره فعليه غرة لا يرث منها شيئاً لما ذكرنا (فصل) وإن جني على بهيمة فألقت جنينها ففيه ما نقصها في قول عامة أهل العلم، وحكي عن أبي بكر ان فيه عشر قيمة أمه لانها جناية على حيوان يملك بيعه اسقطت جنينه أشبه جنين الأمة وهذا لا يصح لأن الجناية على الأمة تقدر من قيمتها في ظاهر المذهب ففي يدها نصف قيمتها وفي موضحتها نصف عشر قيمتها وقد وافق أبو بكر على ذلك فقدر جنينها من قيمتها كبعض أعضائها.
والبهيمة انما يجب بالجناية عليها قدر نقصها فكذلك في جنينها ولأن الأمة آدمية ألحقت بالأحرار في تقدير أعضائها من قيمتها بخلاف البهيمة (فصل) ودية الأعضاء كدية النفس فإن كان الواجب من الذهب والورق لم تختلف بعمد ولا خطأ، وإن كان من الإبل وجبت في العمد ارباعاً على إحدى الروايتين، وفي الأخرى يجب خمس وعشرون حقة وخمس وعشرون جذعة وخمساها خلفات وفي الخطأ تجب أخماساً فإن لم تمكن قيمته مثل ان يوضحه عمداً فإنه يجب أربعة ارباعاً والخامس من أحد الأجناس الاربعة قيمته ربع قيمة الأربع، وإن قلنا بالرواية الأخرى وجب خلفتان وحقة وجذعة ويعتبر قيمته نصف قيمة حقة ونصف قيمة جذعة، وإن كانت خطأ وجب الخمس من الأجناس الخمسة من كل جنس بعير، وإن كان
الواجب دية أنملة وقلنا تجب من ثلاثة أجناس وجب بعير وثلث من الخلفات وحقة وجذعة وإن قلنا ارباعاً وجب ثلاثة وثلث قيمتها نصف قيمة الأربعة وثلثها، وإن كان خطأ فقيمتها ثلثا قيمة الخمس وعند أصحابنا ان قيمة كل بعير مائة وعشرون درهماً أو عشرة دنانير فلا فائدة في تعيين أسنانها، وان اختلفت قيمة الدنانير والدراهم مثل ان كانت العشرة الدنانير تساوي مائة درهم فقياس قولهم إذا جاء بما قيمته عشرة دنانير لزم المجني عليه قبوله لأنه لو جاءه بالدنانير لزمه قبولها فلزمه قبول ما يساويها (فصل) قال الشيخ رحمه الله (وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته بالحرم والإحرام والأشهر الحرم الرحم المحرم فيزاد لكل واحد ثلث الدية فإذا اجتمعت الحرمات الأربع وجب ديتان وثلث) وجملة ذلك أن الدية تغلظ بثلاثة أشياء: إذا قتل في الحرم والأشهر الحرم وإذا قتل محرماً، ونص أحمد على التغليظ فيما إذا قتل محرماً في الحرم وفي الشهر الحرام، فأما ان قتل ذا رحم محرم فقال أبو بكر تغلظ ديته، وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أنها لا تغلظ، وقال أصحاب الشافعي تغلظ بالحرم والأشهر الحرم وذي الرحم، وفي التغليظ بالإحرام وجهان، وممن روي عنه التغليظ عثمان وابن عباس والسعيدان وعطاء وطاوس ومجاهد وسليمان بن يسار وجابر بن زيد وقتادة والاوزاعي ومالك والشافعي وإسحاق واختلف القائلون بالتغليظ في صفته فقال اصحابنا يغلظ لكل واحد من الحرمات ثلث الدية فإذا اجتمعت الحرمات الأربع وجبت ديتان وثلث
قال أحمد في رواية ابن منصور فيمن قتل محرماً في الحرم في الشهر الحرام فعليه اربعة وعشرون الفاً وهذا قول التابعين القائلين بالتغليظ.
وقال أصحاب الشافعي صفة التغليظ ايجاب دية العمد في الخطأ ولا يتصور التغليظ في غير الخطأ ولا يجمع بين تغليظين وهذا قول مالك إلا أنه يغلظ في العمد فإذا قتل ذا رحم محرم عمداً فعليه ثلاثون حقة وثلاثون جذعة واربعون خلفة وتغليظها في الذهب الفضة أن ينظركم قيمة اسنان الإبل غير مغلظة وقيمتها مغلظة؟ ثم يحكم بزيادة ما بينهما كانت قيمتها مخففة ستمائة وفي العمد ثمانمائة وذلك ثلث الدية المخففة، وعند مالك تغلظ في الأب والأم والجد دون غيرهم واحتجا على صفة التغليظ بما روي عن عمر رضي الله عنه انه اخذ من قتادة المدلجي دية ابنه حين حذفه بالسيف ثلاثين حقة وثلاثين جذعة واربعين خلفة ولم يزد عليه في العدد شيئاً وهذه قصة اشتهرت فلم تنكر فكانت إجماعاً، ولأن ما أوجب التغليظ أوجبه في الأسنان دون القدر كالضمان ولا يجمع بين تغليظين لأن ما أوجب التغليظ بالضمان إذا اجتمع سببان تداخلا كالحرام والإحرام في قتل الصيد وعلى أنه لا يغلظ بالإحرام لأن الشرع لم يرد بتغليظه.
واحتج أصحابنا بما روى ابن أبي نجيح ان امرأة وطئت في الطواف فقضى عثمان رضي الله عنه فيها آلاف وألفين تغليظاً للحرم وعن ابن عمر أنه قال: من قتل في الحرم او ذا رحم او في الشهر الحرام فعليه دية وثلث
وعن ابن عباس أن رجلاً في الشهر الحرام وفي البلد الحرام فقال ديته اثنا عشر ألفاً وللشهر الحرام أربعة آلاف وللبلد الحرام أربعة آلاف وهذا مما يظهر وينتشر ولم ينكر فثبت إجماعاً وهذا فيه الجمع بين تغليظات ثلاث ولأنه قول التابعين والقائلين بالتغليظ واحتجوا على التغليظ في العمد أنه إذا غلظ الخطأ مع العذر فيه ففي العمد مع عدم العذر أولى وكل من غلظ الدية أوجب التغليظ في بدل الطرف بهذه الأسباب لأن ما أوجب تغليظ دية النفس أوجب تغليظ دية الطرف (مسألة) (وظاهر كلام الخرقي ان الدية لا تغلظ لشئ من ذلك وهو قول الحسن والشعبي والنخعي وأبي حنيفة وابن المنذر) وروي ذلك عن الفقهاء السبعة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " في النفس المؤمنة مائة من الإبل " لم يزد على ذلك، وعلى أهل الذهب ألف مثقال.
وفي حديث ابن شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " وأنتم يا خزاعة قد قتلتم هذا القتيل من هذيل وأنا والله عاقله فمن قتل له قتيل بعد ذلك فأهله بين خيرتين إن أحبوا قتلوا وإن أحبوا أخذوا الدية " وهذا القتيل كان بمكة في حرم الله تعالى ولم يزد النبي صلى الله عليه وسلم على الدية ولم يفرق بين الحرم وغيره.
وقال الله تعالى (ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله) وهذا يقتضي أن تكون الدية واحدة في كل مكان وكل حال ولأن عمر أخذ من قتادة المدلجي دية ابنه لم يزد على مائة
وروى الجوزجاني بإسناده عن أبي الزناد أن عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء فكان مما احيا من تلك السنن بقول فقهاء المدينة السبعة ونظرائهم ان تاسا كانوا يقولون ان الدية تغلظ في الشهر الحرام اربعة آلاف فتكون ستة عشر ألفاً فألغى عمر ذلك بقول الفقهاء وأثبتها اثني عشر ألف درهم في الشهر الحرام والبلد الحرام وغيرهم.
قال إبن المنذر وليس بثابت ما روي عن الصحابة في هذا ولو صح ففعل عمر في حديث قتادة أولى وهو مخالف لغيره فيقدم على قول من خالفه وهو أصح في الرواية مع موافقة الكتاب والسنة والقياس
(فصل) ولا تغلظ الدية بموضع غير حرم مكة وقال أصحاب الشافعي تغلظ الدية بالقتل في المدينة على قوله القديم لأنها مكان يحرم صيده فأشبهت حرم مكة ولا يصح القياس لأنها ليست محلاً للمناسك فأشبهت سائر البلدان.
ولا يصح قياسها على الحرام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أي بلد هذا؟ أليست البلدة - قال - فإن دماءكم وأموالكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا " وهذا يدل على أنه أعظم البلاد حرمة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إن أعتى الناس على الله رجل قتل في الحرم، ورجل قتل غير قاتله ورجل قتل بدخل في الجاهلية " وتحريم الصيد ليس هو العلة في التغليظ وإن كان من جملة المؤثر فقد خالف تحريمه تحريم الحرم فإنه لا يجب الجزاء على من قتل فيه صيداً ولا يحرم الرعي فيه ولا الاحتشاش منه ولا ما يحتاج إليه من الرحل والعارضة والقائمة وشبهه
(مسألة) (وان قتل مسلم كافراً عمداً ضعفت الدية على قاتله لإزالة القود كما حكم عثمان رضي الله عنه) روى احمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أن رجلاً قتل رجلاً من أهل الذمة فرفع الى عثمان فلم يقتله وغلظ عليه الف دينار فذهب اليه أحمد رحمه الله وله نظائر في مذهبه فإنه أوجب على الأعور إذا قلع عين صحيح مماثلة لعينه دية كاملة لما درأ عنه القصاص وأوجب على سارق التمر المعلق مثلي قيمته لما درأ عنه القطع.
وذهب جمهور العلماء الى إن دية الذمي في العمد والخطأ واحد لعموم الأخبار فيها وكما لو قتل حرا عبداً عمداً فإنه لا تضعف القيمة عليه ولأنه بدل متلف فلم يتضاعف بالعمد كسائر الأبدال (فصل) قال الشيخ رحمه الله (وإن جنى العبد خطأ فسيده بالخيار بين فدائه بالأقل من قيمته أو أرش جنايته أو تسليمه ليباع في الجناية) وجملة ذلك أن جناية إذا كانت موجبة للمال أو كانت موجبة للقصاص فعفا عنها الى المال تتعلق برقبته لأنه لا يخلو من أن تتعلق برقبته أو ذمة سيده او لا يجب شئ ولا يمكن إلغاؤها لانها جنايتها آدمي فوجب اعتبارها كجناية الحر، ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره
وعدم تكليفه فالعبد أولى ولا يمكن تعليقها بذمته لأنه يفضي إلى الغائها أو تأخير حق المجني عليه
الى غير غاية ولا بذمة السيد لأنه لمم يجن فتعين تعليقها برقبة العبد ولأن الضمان موجب جنايته فتعلق برقبتة كالقصاص ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته أو أقل أو أكثر فإن كان بقدرها فما دون فالسيد مخير بين أن يفديه بأرش جنايته أو يسلمه إلى ولي الجناية فيملكه وبهذا قال الثوري ومحمد بن الحسن واسحاق، وروي ذلك عن الشعبي وعطاء ومجاهد وعروة والحسن والزهري وحماد لأنه ان دفع أرش الجناية فهو الذي وجب للمجني عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها وإن طالب المجني عليه السيد بتسليمه اليه لم يجبر عليه السيد لما ذكرنا
(مسألة) (وإن كانت الجناية أكثر من قيمته ففيه روايتان)
(إحداهما) هي كالتي قبلها يخير بين تسليمه أو أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته لأنه إذا أدى قيمته فقد أدى قدر الواجب عليه فلم يلزمه أكثر من ذلك كما لو كانت الجناية بقدر قيمته والرواية الثانية يلزمه تسليمه أو أن يفديه بأرش الجناية بالغة ما بلغت وهذا قول مالك لأنه إذا عرض للبيع ربما رغب فيه راغب بأكثر من قيمته فإذا أمسكه فقد فوت تلك الزيادة على المجني عليه وللشافعي قولان كالروايتين ووجه الرواية الأولى أن الشرع قد جعل له فداءه فكان الواجب قدر قيمته كسائر المتلفات
(مسألة) (وإن سلمه اليه السيد فأبى ولي الجناية الجناية قبوله وقال بعه أنت وادفع ثمنه الي فهل يلزم السيد ذلك؟ على روايتين) (إحداهما) لا يلزمه لأنه إذا سلم العبد فقد أدى المحل الذي تعلق الحق به، ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة، وقد أدها.
(والثانية) يلزمه لأن الجناية تقتضي وجوب أرشها وأرشها هو قيمة العبد (مسألة) (وإن جنى عمدا فعفا الولي على القصاص على رقبته فهل يملكه بغير رضا السيد؟ على روايتين)
(إحداهما) لا يملكه لأنه إذا لم يملكه بالجناية فلأن لا يملكه بالعفو أولى، ولأنه أحد من عليه قصاص فلا يملك بالعفو كالحر ولأنه إذا عفا عن القصاص انتقل حقه الى المال فصار كالجاني جناية موجبة للمال (والثانية) أنه يملكه لأنه مملوك استحق اتلافه فاستحق ابقاء على ملكه كعبده الجاني عليه (فصل) قال أبو طالب سمعت أبا عبد الله يقول إذا أمر غلامه فجنى فعليه ما جنى، وإن كان أكثر من ثمنه، وإن قطع يد حر فعليه يد الحر، وإن كان ثمنه أقل وإن أمره سيده أن يجرح رجلاً فما جنى فعليه قيمة جناية، وإن كان أكثر من ثمنه، وإن قطع يد حر لأنه بأمره وكان علي وابو هريرة يقولان إذا امر عبده ان يقتل فإنما هو سوطه يقتل الولي ويحبس العبد، وقال احمد بن بهز ثنا حماد بن سلمة ثنا قتادة عن حلاس ان عليا قال: إذا أمر الرجل عبده فقل إنما هو
كسوطه أو كسيفه يقتل المولى، والعبد يستودع السجن ولأنه فوت شيئاً بأمره فكان على السيد ضماه كما لو استدان بأمره (مسألة) (وإن جنى على اثنين خطأ اشتركا فيه بالحصص وإن كان بعضها بعد بعض) وبهذا قال الحسن وحماد ربيعة وأصحاب الرأي والشافعي، وعن شريح أنه قال يقضى لآخرهم وبه قال الشعبي وقتادة لانها جناية وردت على محل مستحق فقدم صاحبها على المستحق قبله كجناية المملوك الذي لم يجز، وقال شريح في عبد شج رجلاً ثم آخر ثم آخر فقال شريح يدفع إلى الأول إلا أن يفديه مولاه ثم يدفع الى الثاني ثم يدفع الى الثالث ولنا أنهم تساووا في سبب تعلق الحق فتساووا في الاستحقاق كما لو جنى عليهم دفعة واحدة بل لو قدم بعضهم كان الأول أولى لأن حقه أسبق
(مسألة) (وإن عفا أحدهما أو مات المجني عليه فعفا بعض ورثته فهل يتعلق حق الباقين بجميع العبد أو بحصتهم منه؟ على وجهين) (أحدهما) يستحق جميع العبد لأن سبب استحقاقه موجود وإنما امتنع ذلك لمزاحمة الآخر له وقد زال المزاحم فثبت له الحق جميعه لوجود المقتضي وزوال المانع فهو كما لو جنى عليه إنسان ففداه سيده ثم جنى
على آخر (والثاني) لا يستحق إلا حصته لأنه لم يثبت له قبل العفو إلا حصته فكذلك بعده لأن العفو عما يلزم السيد عفو عنه لا عن غيره (فصل) فإن أعتق السيد عبده الجاني عتق وضمن ما تعلق به من الأرش لأنه أتلف محل الجناية على من تعلق حقه به فلزمه غرامته كما لو قتله وينبني قدر الضمان على الروايتين فيما إذا اختار إمساكه بعد الجناية لأنه منع من تسليمه بإعتاقه فهو بمنزلة امتناعه من تسليمه باختيار فدائه، ونقل ابن منصور عن أحمد أنه أعتقه عالماً بجنايته فعليه دية المقتول، وإن لم يكن عالماً بها فعليه قيمة العبد لأنه إذا أعتقه مع العلم كان مختاراً لفدائه بخلاف ما إذا لم يعلم فإنه لم يختر الفداء لعدم علمه به فلم يلزمه أكثر من قيمة ما فوته (فصل) وإن باعه أو وهبه صح لما ذكرنا في البيع ولم يزل تعلق الجناية عن رقبته فإن كان المشتري عالماً بحاله فلا خيار له لأنه دخل على بصيرة وينتقل الخيار في فدائه وتسليمه اليه كالسيد الأول وإن لم يعلم فله الخيار بين امساكه ورده كسائر المعيبات
(مسألة) (وإن جرح العبد حراً فعفا عنه ثم مات من الجراحة ولا مال له وقيمة العبد عشر دية الحر واختار السيد فداءه وقلنا يفديه بقيمته صح العفو في ثلثه) لأنه ثلث ما مات عنه ويبقى الثلثان للورثة، وإن قلنا يفديه بديته صح العفو في خمسة أسداسه
وللورثة سدسه لأن العفو صح في شئ من قيمته وله بزيادة الفداء تسعة أشياء بقي للورثة ألف إلا عشرة أشياء تعدل شيئين اجبر وقابل يصر ألف يعدل اثني عشر شيئا فالشئ إذاً يعدل نصف سدس الدية وللورثة شيئان فتعدل السدس والله أعلم.
(فصل في الجناية على العبد) إذا قتل عبد مثله عمداً فسيد المقتول مخير بين القصاص والعفو فإن عفا إلى مال تعلق المال برقبة القاتل لأنه وجب بجنايته وسيده مخير بين فدائه وتسليمه فإن اختار فداه بأقل الامرين من قيمته أو قيمة المقتول لأنه إن كان الأقل قيمته لم يلزمه أكثر منها لأنها
بدل عنه وإن كان الأقل قيمة المقتول فليس لسيده أكثر منها لأنها بدل عبده وعنه رواية أخرى أن سيده إن اختار فداءه بأرش الجناية بالغاً ما بلغ وقد ذكرناه (فصل) فإن قتل عشرة أعبد عبداً عمداً فعليهم القصاص فإن اختار السيد قتلهم فله ذلك وان عفا إلى مال تعلقت قيمة عبده برقابهم على كل واحد منهم عشرها يباع منه بقدرها أو يفديه سيده وإن اختار قتل بعضهم والعفو عن البعض فله ذلك لأن له قتل الجميع والعفو عنهم، وان قتل عبد عبدين لرجل واحد فله قتله والعفو عنه فإن قتله سقط حقه وإن عفا إلى مال تعلقت قيمة العبدين برقبته فإن كانا لرجلين فكذلك إلا أن القاتل يقتل بالأول منهما لأن حقه اسبق فإن عفا عنه الأول قتل بالثاني وان
قتلهما دفعة واحدة اقرع بين السيدين فمن وقعت له القرعة اقتص وسقط حق الآخر وان عفا عن القصاص أو عفا سيد القتيل الأول الى مال تعلق برقبة العبد وللثاني ان يقتص لأن تعلق المال بالرقبة لا يسقط حق القصاص كما لو جنى العبد المرهون فإن قتله الآخر سقط حق الأول من القيمة لأنه لم يبق محل يتعلق به وان عفا الثاني تعلقت قيمة القتيل الثاني برقبته أيضاً ويباع فيهما ويقسم ثمنه على قدر القيمتين ولم يقدم الأول بالقيمة كما قدمناه بالقصاص لأن القصاص لان يتبعض بينهما والقيمة يمكن تبعيضها، فإن قيل فحق الأول أسبق قلنا لا يراعى السبق كما لو اتلف اموالاً لجماعة واحداً بعد واحد (فصل) فإن قتل العبد عبداً بين شريكين كان لهما القصاص والعفو فإن عفا أحدهما سقط القصاص وينتقل حقهما الى القيمة لأن القصاص لا يتبعض فإن قتل عبدين لرجل واحد فله أن يقتص منه لأحدهما أيهما كان وسقط حقه من الآخر وله أن يعفو عنه الى مال وتتعلق قيمتهما جميعاً برقبته
(باب ديات الأعضاء ومنافعها) وهي نوعان (أحدهما) الشجاج وهي ما كان في الرأس والوجه وسنذكرها في بابها (الثاني) ما كان في سائر البدن وينقسم قسمين (أحدهما) قطع عضو (والثاني) قطع لحم والمضمون في الآدمي ضربان (احدهما) ما ذكرنا (والثاني) تفويت منفعة كإذهاب السمع والبصر والشم والذوق والعقل ونحو ذلك (من تلف ما في الإنسان منه شئ واحد ففيه الدية، وهو الذكر والأنف واللسان الناطق ولسان الصبي الذي يحركه بالبكاء) وجملة ذلك أن كل عضو لم يخلق الله سبحانه منه إلا واحداً كالأنف واللسان فيه دية كاملة لأن في اتلافه اذهاب منفعة الجنس واذهابها كالنفس (مسألة) (وما فيه منه شيئان ففيهما الدية وفي أحدهما نصفهما كالعينين والأذنين والشفتين واللحيين وثديي المرأة وتندوتي الرجل واليدين والرجلين والخصيتين والاليتين) لأن في إتلافهما اذهاب منفعة الجنس فكان فيهما الدية وفي أحدهما نصفها وهذه الجملة مذهب الشافعي ولا نعلم فيه مخالفاً وقد روى الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمر بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب له وكان في كتابه " وفي الأنف إذا أوعب جذعه الدية وفي اللسان الدية وفي الشفتين الدية وفي البيضتين الدية وفي الذكر الدية وفي الصلب الدية وفي العينين الدية وفي الرجل
الواحدة نصف الدية " رواه النسائي ورواه ابن عبد البر وقال كتاب عمرو بن حزم معروف عند العلماء وما فيه متفق عليه إلا قليلاً، وعن أحمد في الشفة السفلى ثلثا الدية وفي العليا ثلثها يروى هذا عن زيد بن ثابت لأن النفع بالسفلى أعظم لأنها تدور لأنها تدور وتتحرك وتحفظ الريق والطعام، والأولى أصح لقول أبي بكر الصديق وعلي رضي الله عنهما ولأن كل شيئين وجبت الدية فيهما وجب نصفها في أحدهما كاليدين ولا عبرة بزيادة النفع كاليمنى مع اليسرى (مسألة) (وفي المنخرين ثلثا الدية وفي الحاجز ثلثها وعنه في المنخرين الدية وفي الحاجز حكومة) وجملة ذلك أن ما في البدن منه ثلاثة ففيها الدية وفي كل واحد ثلثها وذلك المنخران والحاجز بينهما وبهذا قال إسحاق وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن المارن يشتمل على ثلاثة أشياء من جنس فتوزعت الدية على عددها كسائر ما فيه عدد من الأصابع والأجفان، وعنه المنخرين الدية وفي الحاجز حكومة حكاها أبو الخطاب قال أحمد في كل زوجين من الانسان الدية وهو الوجه الثاني لأصحاب الشافعي لأن المنخرين ليس في البدن لهما ثالث فأشبها اليدين ولأنه بقطع المنخرين اذهب الجمال كله والمنفعة فأشبه قطع اليدين، فعلى هذا الوجه في قطع أحد المنخرين نصف الدية وإن قطع معه الحاجز ففيه حكومة، وان قطع نصف الحاجز أو أقل أو أكثر لم يزد على حكومة، وعلى الأول في قطع أحد المنخرين ونصف الحاجز نصف الدية وفي قطع جميعه مع المنخر ثلثا الدية وفي قطع
جزء من الحاجز أو أحد المنخرين بقدره من ثلث الدية يقدر بالمساحة، وان اشق الحاجز ففيه حكومة وان بقي منفرجاً فالحكومة فيه أكثر والأول أظهر لأن ما كان فيه ثلاثة أشياء ينبغي أن يوزع على جميعها كما وزعت الدية ارباعاً على ما هو أربعة أشياء كأجفان العينين وانصافاً على ما هو اثنان كاليدين
(مسألة) (وفي الأجفان الأربعة الدية وفي كل واحد ربعها)
كما ذكرنا فيما فيه منه اثنان (مسألة) وفي اصابع اليدين الدية وكذلك أصابع الرجلين وفي كل اصبع عشرها) لانها عشر الدية على عددها كما قسمت على عدد الأجفان ولما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " دية أصابع اليدين والرجلين عشر من الإبل لكل أصبع " قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وفي لفظ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " هذه وهذه سواء " يعني الإبهام والخنصر أخرجه البخاري (مسألة) (وفي كل أنملة ثلث عقلها) لأن في كل اصبع ثلاث أنامل فتقسم دية الأصبع عليها كما قسمت دية اليد على الأصابع بالسوية إلا الإبهام فإنها مفصلان ففي كل مفصل نصف عقلها وهو خمس من الإبل (مسألة) (وفي الظفر خمس دية الأصبع وهكذا ذكره أبو الخطاب) يعني إذا قلعه ولم يعد والتقديرات يرجع فيها الى التوقيف فإن لم يكن فيها توقيف فالقياس أن فيه حكومة كسائر الجراح التي ليس فيها مقدر
(مسألة) وفي كل سن خمس من الإبل إذا قلعت ممن قد أثغر يعني ألقى أسنانه ثم عادت والأضراس والأنياب
كالأسنان ويحتمل أن يجب فيها دية واحدة) لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن دية الأسنان خمس خمس في كل سن، وقد روى ذلك عن عمرو بن الخطاب وابن عباس ومعاوية وسعيد بن المسيب وعروة وعطاء وطاوس وقتادة والزهري ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأبي حنيفة ومحمد بن الحسن، وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم " في السن خمس من الإبل " رواه النسائي وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن البني صلى الله عليه وسلم قال " في الأسنان خمس خمس " رواه أبو داود، فأما الأضراس فأكثر أهل العلم على أنها مثل الأسنان منهم عروة وطاوس وقتادة والزهري ومالك والثوري والشافعي واسحاق وأبو حنيفة ومحمد ابن الحسن، وروي ذلك عن ابن عباس ومعاوية، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قضى في الاضراس ببعير بعير، وروي عن سعيد بن المسيب أنه قال: لو كنت انا لجعلت في الاضراس بعيرين بعيرين فتلك الدية سواء رواه مالك في موطئه وعن عطاء نحوه، وحكي عن أحمد أن فيها دية واحدة فيتعين حمل هذه الرواية على مثل قول سعيد للإجماع على أن في كل سن خمساً من الإبل وورود الحديث به فيكون في الأسنان والأنياب ستون بعيراً لأن فيه أربع ثانيا واربع رباعيات واربعة انياب فيها خمس خمس وفيه عشرون ضرساً في كل جانب عشرة خمسة من فوق وخمسة من أسفل فيكون فيها أربعون بعيراً
في كل ضراس بعيران فتكمل الدية وحجة من قال هذا انه ذو عدد تجب فيه الدية فلم تزد ديته على دية الإنسان كالأصابع والأجفان وسائر مال في البدن ولأنها تشتمل على منفعة جنس فلم تزد ديتها على الدية كسائر منافع الجنس ولأن الأضراس تختص بالمنفعة دون الجمال والأسنان فيها منفعة وجمال فاختلفا في الأرش ولنا ما روى أبو داود بإسناده عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الأصابع سواء الثنية والضرس سواء والأسنان سواء هذه وهذه سواء " وهذا نص وقوله في الأحاديث المتقدمة " في الأسنان خمس خمس " ولم يفصل يدخل في عمومها الأضراس لأنها أسنان ولأن كل دية وجبت في جملة كانت مقسومة على العدد دون المنافع كالأصابع والأجفان، وقد أومأ ابن عباس إلى هذا فقال لا اعتبرها بالأصابع، فأما ما ذكروه من المعنى فلا بد من مخالفة القياس فيه فمن ذهب الى قولنا خالف المعنى الذي ذكروه ومن ذهب الى قولهم خالف التسوية الثانية بقياس سائر الأعضاء من جنس واحد فكان ما ذكرناه مع موافقة الأخبار وقول أكثر أهل العلم أولى، وأما على قول عمر إن في كل ضرس بعيراً فيخالف القياس والأخبار جميعاً فإنه لا يوجب الدية كاملة وإنما يوجب ثمانين بعيراً ويخالف بين الأعضاء المتجانسة والله أعلم
(مسألة) قال (إذا قلعت ممن قد ثغر وهو الذي أبدل أسنانه وبلغ حداً إذا قلعت سنه لم يعد بدلها)
يقال ثغر وأثغر إذا كان كذلك فأما سن الصبي الذي لم يثغر فلا يجب بقلعها في الحال شئ
هذا قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي ولا أعلم فيه مخالفاً وذلك لأن العادة عود سنه فلم يجب فيها في الحال شئ كنتف شعره لكن ينظر عودها فإن مضت مدة يئس من عودها وجبت ديتها قال احمد يتوقف سنة لأنها الغالب في نباتها وقال القاضي إذا سقطت أخواتها ولم تعد هي أخذت الدية، وإن نبت مكانها أخرى لم تجب ديتها كما لو نتف شعره فعاد مثله لكن ان عادت قصيرة او مشوهة ففيها حكومة لأن الظاهر أن ذلك بسبب الجناية عليها فإن أمكن تقدير نقصها عن نظيرتها ففيها ديتها بقدر ما نقص وكذلك إن كانت فيها ثلمة أمكن تقديرها ففيه بقدر ما ذهب منها كما لو كسر من سنه ذلك القدر، وإن نبتت أطول من أخواتها ففيها حكومة لأن ذلك عيب وقيل لا شئ فيها لأن هذا زيادة والصحيح الأول لأن ذلك شين حصل بسبب الجناية فأشبه نقصها، وإن نبتت مائلة عن صف الأسنان حيث لا ينتفع بها ففيها ديتها لأن ذلك كذهابها، وإن كانت ينتفع بها ففيها حكومة للشين الحاصل بها ونقص نفعها وإن نبتت صفراء أو حمراء أو متغيرة ففيها حكومة لنقص جمالها، وإن نبتت سوداء، أو خضراء ففيها روايتان حكاهما القاضي (إحداهما) فيها دية (والثانية) حكومة كما لو سودها من غير قلعها وإن مات الصبي قبل اليأس من عودها فعلى وجهين (أحدهما) لا شئ له لأن الظاهر أنه لو عاش عادت فلم يجب فيها شئ كما لو نتف شعره (والثاني) فيه الدية لأنه قلع سناً يئس من عودها فوجبت ديتها كما لو مضى زمن تعود في مثله فلم تعد، وإن قلع سن من قد ثغر وجبت ديتها في الحال لأن الظاهر
أنها لا تعود فإن عادت لم تجب الدية وإن كان قد أخذها ردها وبهذا قال أصحاب الرأي وقال مالك لا يرد شيئاً لأن العادة أنها لا تعود فمتى هبة من الله مجددة فلا يسقط بذلك ما وجب له بقلع سنه وعن الشافعي كالمذهبين ولنا انه عادله في مكانها مثل التي قلعت فلم يجب له شئ كالذي لم يثغر وإن عادت ناقصة أو مشوهة فحكمها حكم سن الصغير إذا عادت على ما ذكرنا ولو قلع سن من لم يثغر فمضت مدة يئس من عودها وحكم بوجوب الدية فعادت بعد ذلك فهي كسن الكبير إذا عادت (فصل) وإن قلع سناً مضطربة لكبر أو مرض فكانت منافعها باقية من المضع وحفظ الطعام والريق وجبت ديتها وكذلك إن ذهب بعض منافعها وبقي بعضها لأن جمالها وبعض منافعها باق فكملت ديتها كاليد المريضة ويد الكبير وإن ذهبت منافعها كلها فهي كاليد الشلاء على ما نذكره إن شاء الله تعالى، وإن قلع سناً فيها داء آكلة فإن لم يذهب شئ من اجزائها ففيها دية السن الصحيحة لأنها كاليد المريضة، وإن سقط من اجزائها شئ سقط من ديتها بقدر الذاهب منها ووجب الباقي وإن كانت أحد ثنيتيه قصيرة نقص من ديتها بقدر نقصها كما لو نقصت بكسرها (فصل) وإن جنى على سنه جان فاضطربت وطالت عن الأسنان وقيل أنها تعود الى مدة الى
ما كانت عليه انتظرت اليها فإن ذهبت وسقطت وجبت ديتها، وإن عادت كما كانت فلا شئ فيها كما لو جنى على يد فمرضت ثم برأت، وإن بقي فيها اضطراب ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كاملة كما ذكرنا في الفصل الذي قبل هذا وعلى الأول حكومة لجنايته، وإن مضت المدة ولم تعد إلى ما كانت عليه ففيها حكومة وإن قلعها قالع فعليه ديتها كما ذكرنا وإن قالوا يرجى عودها من غير تقدير مدة وجبت الحكومة فيها لئلا يفضي إلى إهدار الجناية وإن عادت سقطت الحكومة كما ذكرنا في غيرها (مسألة) (وتجب دية اليد والرجل في قطعهما من الكوع والكعب فإن قطعهما من فوق ذلك لم يزد على الدية وقال القاضي في الزائد حكومة أجمع أهل العلم على وجوب الدية في اليدين والرجلين ووجوب نصفها في إحداهما وقد روي عن معاذ بن جبل أن النبي صلى الله علي وسلم قال " في اليدين الدية وفي الرجلين الدية " وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو ابن حزم " وفي اليد خمسون من الإبل " واليد التي تجب فيها الدية من الكوع لأن اسم اليد عند الاطلاق ينصرف اليها لأن الله تعالى لما أمر بقطع يد السارق كان الواجب قطعها من الكوع فإن قطع يده من فوق الكوع فقطعها من المرفق أو نصف الساعد فليس عليه إلا دية واحدة نص عليه في رواية أبي طالب وهذا قول عطاء وقتادة وابن أبي ليلى ومالك وهو قول بعض اصحاب الشافعي وظاهر مذهبه عند اصحابه انه يجب مع دية اليد حكومة لما زاد لأن اسم اليد لها الى الكوع ولأن المنفعة المقصودة في اليد من
البطش والأخذ والدفع بالكف وما زاد تابع للكف والدية تجب في قطعها من الكوع فيجب في الزائد حكومة قال أبو الخطاب وهو قول القاضي ولنا أن اليد اسم للجميع الى المنكب بدليل قوله تعالى (وأيديكم إلى المرفق) ولما نزلت آية التيمم مسح الصحابة الى المناكب وقال ثعلب اليد الى المنكب وفي عرف الناس ان جميع ذلك يسمى يداً فإذا قطعها من فوق الكوع فما قطع إلا يداً فلا يلزمه أكثر من ديتها فأما قطعها في السرقة فلأن المقصود يحصل به وقطع بعض الشئ يسمى قطعاً له كما يقال قطع ثوبه إذا قطع جانباً منه وقولهم إن الدية تجب في قطعها من الكوع قلنا ولذلك تجب بقطع الأصابع منفردة ولا يجب بقطعها من الكوع أكثر مما يجب بقطع الأصابع والذكر يجب في قطعه من أصله مثل ما يجب في قطع حشفته وأما إذا قطع يده من الكوع ثم قطعها من المرفق وجب في المقطوع ثانياً حكومة لأنه وجبت عليه دية اليد بالقطع الأول فوجب بالثاني حكومة كما لو قطع الأصابع ثم قطع الكف أو كما لو فعل ذلك اثنان (فصل) وإن كان له كفان في ذراع او يدان على عضد وإحداهما بطشة دون الأخرى أو احداهما أكثر بطشاً أو في سمت الذراع والأخرى منحرفة عنه او إحداهما تامة والأخرى ناقصة فالأولى هي الأصلية والأخرى زائدة ففي الأصلية ديتها والقصاص بقطعها عمداً وفي الزائد حكومة سواء قطعها مفردة أو مع الأصلية وعلى قول ابن حامد لا شئ فيها لأنها عيب فهي كالسلعة في اليد وان استويا من
كل الوجوده وكانتا غير باطشتين ففيهما ثلث دية اليد او حكومة ولا تجب دية اليد كاملة لأنهما لا نفع فيهما فهما كاليد الشلاء وان كانتا باطشتين ففيهما جميعاً دية اليد وهل تجب حكومة مع ذلك؟ على وجهين بناء على أن الزائدة هل فيها حكومة أو لا؟ وإن قطع إحداهما فلا قود لاحتمال أن تكون هي الزائدة فلا تقطع الأصلية بها وفيها نصف ما فيهما لتساويهما وان قطع اصبعاً من إحداهما وجب ارش نصف اصبع وفي الحكومة وجهان وان قطع ذو اليد التي لها طرفان وجب القصاص فيهما على قول ابن حامد لأن هذا نقص لا يمنع القصاص كالسلعة في اليد وعلى قول غيره لا يجب لئلا يأخذ يدين بيد واحدة ولا نقطع احداهما لأننا لا نعرف الاصلية فنأخذها زائدة بأصلية (فصل) وفي الرجلين الدية خلاف وفي احداهما نصفها لما ذكرنا من الحديث والمعنى في اليدين وفي تفصيلها كما ذكرنا من التفصيل في اليدين ومفصل الكعبين ههنا مثل مفصل الكوعين في اليدين وفي قدم الأعرج ويد الأعسم الدية لأن العرج لمعنى في غير القدم والعسم اعوجاج في الرسغ وليس ذلك عيباً في قدم ولا كف فلم يمنع كمال الدية فيهما وذكر أبو بكر أن في كل واحد منهما ثلث الدية كاليد الشلاء ولا يصح لأنهما لم تبطل منفعتهما فلم تنقص ديتهما بخلاف اليد الشلاء فإن كان له قدمان في رجل واحدة فالحكم على ما ذكرنا في اليدين وان كانت احدى القدمين أطول من الأخرى وكان الطويل مساوياً للرجل الأخرى فهو الأصلي وان كان زائداً عنها والآخر مساو للرجل الأخرى فهو
الأصلي وإن كان له في كل رجل قدمان يمكنه المشي على الطويلتين مشياً مستقيما فيهما الأصليتان وإن لم يمكنه فقطع وأمكنه المشي على القصيرين فيهما الاصليان والآخران زائدين فإن أشل الطويلين ففيهما الدية لأن الظاهر انهما الاصليان فإن قطعهما قاطع فأمكنه المشي على القصيرين تبين انهما الأصليان وإن لم يمكنه فالطويلان هما الأصليان (مسألة) (وفي مارن الأنف وحشفة الذكر وحلمتي الثديين دية العضو كاملة) في الأنف الدية إذا قطع مارنه بغير خلاف بينهم حكاه ابن المنذر وابن عبد البر عمن يحفظه من أهل العلم وفي كتاب عمرو بن حزم عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال وفي الأنف إذا أوعب جدعاً الدية وفي رواية مالك في الموطأ اذا اوعى جدعاً يعني استوعب واستوصل ولأنه عضو فيه جمال ومثفقة ليس في البدن منه الا شئ واحد فأشبه اللسان (فصل) وإنما الدية في مارنه وهو مالان منه هكذا قال الخليل وغيره ولأنه يروى عن طاوس أنه قال: كان في كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأنف إذا أوعب مارنه جدعاً الدية وفي بعضه اذا قطع بقدره من الدية يمسح ويعرف قدر ذلك يروى هذا عن عمر بن عبد العزيز والشعبي والشافعي (مسألة) (ويحتمل أن يجب على من استوعب الأنف جدعاً دية وحكومة في القصبة) اذا قطع المارن مع القصبة ففيه الدية في قياس المذهب ويحتمل أن يجب في المارن الدية وحكومة
في القصبة وهذا مذهب الشافعي لأن المارن وحده موجب للدية فوجبت الحكومة في الزائد كما لو قطع القصبة وحدها مع قطع لسانه ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " في الأنف إذا أوعب جدعاً الدية " ولأنه عضو واحد فلم يجب فيه أكثر من دية واحدة كالذكر إذا قطع من أصله وبهذا يبطل ما ذكروه ويفارق اذا قطع لسانه وقصبته لأنهما عضوان فلا تدخل دية أحدهما في الآخر أما العضو الواحد فلا يبعد أن يجب في جميعه ما يجب في بعضه كالذكر تجب في حشفته الدية التي تجب في جميعه وفي الثدي كله ما في حلمته، فأما ان قلع الأنف وما تحته من اللحم ففي اللحم حكومة لأنه ليس من الأنف فأشبه ما لو قطع الذكر واللحم الذي تحته
(مسألة) (وفي الذكر الدية)
أجمع أهل العلم على ذلك لأن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " وفي الذكر الدية " وذكر الصغير والكبير والشيخ والشاب سواء في الدية لعموم الحديث وسواء قدر على الجماع أو لم يقدر وفي حشفة الذكر الدية وهو قول جماعة من أهل العلم ولا نعلم فيه مخالفاً لأن منفعته تكمل بالحشفة كما
تكمل منافع اليد بالأصابع فكملت الدية بقطعها كالأصابع، وان قطع الذكر كله او الحشفة وبعض العصبة لم يجب أكثر من الدية كما لو قطع الأصابع وبعض الكف
(مسألة) (وفي الثديين الدية)
ولا نعلم خلافاً في أن في ثديي المرأة وفي الواحد منهما نصف الدية قال إبن المنذر أجمع كل
من نحفظ عنه من أهل العلم على أن في ثدي المرأة نصف الدية وفي الثديين الدية وممن حفظنا عنه ذلك الحسن والشعبي والزهري ومكحول وقتادة ومالك والثوري والشافعي واصحاب الرأي ولأن فيهما جمالا ونفعاً فأشبها اليدين والرجلين (مسألة) (وفي قطع حلمتي الثديين ديتهما) نص عليه أحمد وروي نحو هذا عن الشعبي والنخعي والشافعي وقال مالك والثوري ان ذهب اللبن وجبت ديتهما وإلا وجبت حكومة بقدر شينه.
ونحوه قال قتادة: اذا ذهب الرضاع بقطعهما ففيهما الدية ولنا أنه ذهب منهما ما تذهب المنفعة بذهابه فوجبت ديتهما كالأصابع مع الكف وحشفة الذكر وبيان ذهاب المنفعة ان بهما يشرب الصبي ويرتضع فهما كالأصابع في الكف وان قطع الثديين كلهما فليس فيهما الا دية كما لو قطع الذكر كله وان حصل مع قطعهما جائفة وجب فيها ثلث الدية مع ديتهما
وان ضربهما فأشلهما ففيهما الدية كما لو أشل يديه، وان جنى عليهما من صغيرة ثم ولدت فلم ينزل لها لبن سئل أهل الخبرة فإن قالوا إن الجناية سبب قطع اللبن فعليه ما على من ذهب باللبن بعد وجوده وإن قالوا ينقطع بغير الجناية لم يجب عليه أرشه لأن الأصل براءة ذمته فلا يجب فيها شئ بالشك وان جنى عليهما فنقص لبنهما او جنى على ثديين ناهدين فكسرهما أو صار بهما مرض ففيه حكومة لنقصه الذي نقصهما
(مسألة) (وفي ثديي الرجل وهما التندوتان الدية)
وبه قال إسحاق وحكي ذلك قولا للشافعي لأنه ذهب بالجمال من منفعة فلم يجب دية كما لو أتلف العين القائمة واليد الشلاء، وقال الزهري في حلمة الرجل خمس من الإبل، وعن زيد بن ثابت فيه ثمن الدية.
ولنا أن ما وجب فيه الدية من المرأة وجب فيه الرجل كسائر الأعضاء ولأنهما عضوان في البدن يحصل بهما الجمال ليس في البدن غيرهما.
من جنسهما فوجب فيهما الدية كاليدين ولأنه أذهب
الجمال على الكمال فوجبت فيهما الدية كالشعور الأربعة عند أبي حنيفة وكأذني الأصم وأنف الأخشم عند الجميع ويفارق العين القائمة لانه ليس فيهما جمال كامل ولأنها عضو قد ذهب منه ما تجب فيه الدية فلم تكمل ديته كاليدين إذا شلتا بخلاف مسئلتنا
وما في اللثة منها يسمى سنخاً فإذا كسر السن ثم جاء آخر فقلع السنخ ففي السن ديتها وفي السنخ حكومة كما لو قطع إنسان أصابع رجل ثم قطع آخر كفه، وإن قلعها الأول بسنخها لم يجب فيها أكثر من ديتها كما لو قطع اليد من كوعها، وان فعل ذلك في مرتين فكسر السن ثم عاد فقلع السنخ ففيه ديتها وحكومة لأن ديتها وجبت بالأول ثم وجب عليه بالثاني حكومة كما لو فعله غيره وكذلك لو قطع الأصابع ثم قطع الكف، وإن كسر بعض الظاهر ففيه من دية السن بقدره إن كان ذهب النصف وجب نصف الأرش وإن كان الذاهب الثلث وجب الثلث، وإن جاء آخر فكسر بقيتها فعليه بقية الأرش، فإن قلع الثاني سنخها نظرنا فإن كان الأول كسرها عرضاً فليس على الثاني للسنخ شئ لأنه تابع لما قلعه من ظاهر السن فصار كما لو قطع الأول من كل أصبع من أصابعه أنملة ثم قطع الثاني يده من الكوع، وإن كان الأول كسر نصف السن طولاً دون سنخه فجاء الثاني فقلع الباقي بالسنخ كله فعليه دية النصف الباقي وحكومة لنصف السنخ الذي بقي من كسر الأول كما لو قطع الأول اصبعين من يد ثم جاء الثاني فقطع الكف كله، فإن اختلف الثاني والمجني عليه فيما قلعه الأول فالقول قول المجني عليه لأن الأصل سلامة السن، وانكشفت اللثة عن بعض السن فالدية في قدر الظاهر عادة دون ما انكشف على خلاف العادة، وإن اختلفا في قدر الظاهر اعتبر ذلك بأخواتها فإن
لم يكن لها شئ تعتبر به ولم يكن أن يعرف ذلك من أهل الخبرة فالقول قول الجاني لأن الأصل براءة ذمته ويحتمل أن يجب على من استوعب جدعاً دية وحكومة في القصبة وهذا مذهب الشافعي وقد ذكر كقطع اليد من نصف الساعد (مسألة) (وفي العينين الدية)
أجمع أهل العلم على ذلك وعلى أن في العين الواحدة نصفها لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وفي العينين الدية " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " وفي العين الواحدة خمسون من الإبل " رواه مالك في الموطأ ولأن العينين من أعظم الجوارح نفعاً فكانت فيهما الدية وفي احدهما نصفها كاليدين.
إذا ثبت هذا فيستوي في ذلك الصغيرتان والكبيرتان والمليحتان والقبيحتان والصحيحتان والمريضتان والحولاء والرمصاء فإن كان فيهما بياض لا ينقص البصر لم تنقص الدية وان نقص من البصر نقص من الدية بقدره (مسألة) (وفي الأذنين الدية) روى ذلك عن عمر وعلي وبه قال عطاء ومجاهد والحسن وقتادة والثوري والاوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي ومالك في إحدى الروايتين عنه، وقال في الأخرى فيها حكومة لأن الشرع لم يرد فيهما بتقدير ولا يثبت التقدير بالقياس ولنا أن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " وفي الأذنين الدية " ولأن عمر وعلياً قضيا فيهما بالدية، فإن قيل فقد روي عن أبي بكر الصديق أنه قضى في الاذنين بخمسة عشر بعيراً قلنا لم يثبت
ذلك قاله ابن المنذر ولأن ما كان في البدن منه عضوان كان فيهما الدية وفي احدهما نصف الدية بغير خلاف بين القائلين بوجوب الدية فيهما
(مسألة) (وفي اللحيين الدية)
وهما العظمان اللذان فيهما الأسنان السفلى لأن فيهما نفعاً وجمالاً وليس في البدن مثلهما فكانت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان، وفي أحدهما نصفها كإحدى اليدين والرجلين ونحوهما مما في البدن منه شيئان (مسألة) (وفي الأليتين الدية) قال إبن المنذر كل من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون في الأليتين الدية وفي كل واحد منهما نصفها منهم عمرو بن شعيب والنخعي والشافعي وأصحاب الرأي ولأنهما عضوان من جنس فيهما جمال ظاهر ومنفعة كاملة فإنه يجلس عليهما كالوسادتين فوجبت فيهما الدية وفي احداهما نصفها كاليدين، والأليتان هما ما علا وأشرف عن الظهر وعن استواء الفخذين وفيهما الدية إذا اخذتا الى العظم الذي تحتهما، وفي ذهاب بعضهما بقدره لأن ما وجب فيه الدية وجب في بعضه بقدره فإن جهل المقدار وجبت حكومة لأنه نقص لم يعرف قدره
(مسألة) (وفي الأنثيين الدية)
لا نعلم في هذا خلافا وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " وفي البيضتين " الدية ولأن فيهما الجمال المنفعة فإن النسل يكون بهما فاشبهما اليدين، وروى الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال مضت السنة أن في الصلب الدية وفي الأنثيين الدية وفي احداهما نصف الدية في قول أكثر أهل العلم وحكي عن سعيد بن المسيب ان في اليسرى ثلثي الدية وفي اليمنى ثلثها لأن نفع اليسرى اكثر لأن النسل يكون منها ولنا أن ما وجبت الدية في شيئين منه وجب في احدهما نصفها كاليدين وسائر الأعضاء ولأنهما ذوا عدد تجب فيه الدية فاستوت ديتهما كالأصابع وما ذكروه ينتقض بالأصابع، وكذلك الأجفان تستوي ديتهما مع اختلاف نفعهما ثم يحتاج الى إثبات الذي ذكره وان رض أنثييه أو أشلهما كملت ديتهما كما لو أشل يديه أو ذكره وإن قطع أنثييه فذهب نسله لم يجب أكثر من دية لأن ذلك نفعهما فلم تزدد الدية بذهابه معهما كالبصر مع ذهاب العينين وان قطع احداهما فذهب النسل لم يجب أكثر من نصف الدية لأن ذهابه غير متحقق (مسألة) (وفي إسكتي المرأة الدية) والإسكتان هما اللحم المحيط بالفرج من جانبيه إحاطة الشفتين بالفم وأهل اللغة يقولون الشفران
حاشيتا الاسكتان كما ان أشفار العينين أهدابهما وفيهما دية المرأة إذا قطعا، وبهذا قال الشافعي وقاله الثوري إذا لم يقدر على جماعها وقضى به محمد بن سفيان اذا بلغا العظم وذلك لأن فيهما جمالاً ومنفعة وليس في البدن غيرهما من جنسهما فوجبت فيهما الدية كسائر ما في البدن منه شيئان، وفي احداهما نصف الدية كما ذكرنا في غيرهما، وان جنى عليهما فأشلهما وجبت ديتهما كما لو جنى على شفتيه فأشلهما ولا فرق بين كونهما غليظتين أو دقيقتين قصيرتين أو طويلتين من بكر او ثيب او صغيرة او كبيرة أو محفوظة او غير محفوظة لأنهما عضوان فيهما الدية فاستوى فيه جميع ما ذكرنا كسائر أعضائها ولا فرق بين الرتقاء وغيرها لأن الرتق عيب في غيرهما فلم ينقص ذلك من ديتهما كما أن الصمم لم ينقص دية الاذنين والحفظ هو الختان في حق المرأة (مسألة) (وفي ركب المرأة حكومة وهو عانة المرأة وكذلك عانة الرجل) لأنه لا مقدر فيه ولا هو نظير لما قدر فيه فإن أخذ منه شئ مع فرج المرأة وذكر الرجل ففيه الحكومة مع الدية كما لو أخذ مع الأنف أو الشفتين من اللحم الذي حولها
(مسألة) (وفي اللسان الدية اذا كان ناطقا)
أجمع أهل العلم على وجوب الدية في لسان الناطق، وروي ذلك عن ابي بكر وعمر وعلي وابن مسعود رضي الله عنهم، وبه قال أهل المدينة وأهل الكوفة واصحاب الرأي واهل الحديث وغيرهم
وفي كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " وفي اللسان الدية " ولان فيه جمالاً ومنفعة فأشبه الأنف فأما الجمال فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عن الجمال فقال " في اللسان " ويقال جمال الرجل في لسانه والمرء بأصغريه قلبه ولسانه ويقال ما الإنسان لولا اللسان الا صورة ممثلة أو بهيمة مهملة، وأما النفع فإن به تبلغ الأغراض وتستخلص الحقوق وتدفع الآفات وتقتضي الحاجات وتتم العبادات في القراءة والذكر والشكر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعليم والدلالة على الحق البين والصراط المستقيم وبه يذوق الطعام ويستعين في مضغه وتقليبه وتنقية الفم وتنظيفه فهو أعظم الأعضاء نفعاً وأتمها جمالاً فإيجاب الدية في غيره تنبيه على إيجابها فيه.
وانما تجب الدية في اللسان الناطق وأما الأخرس فسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى (فصل) فإن قطع لسان صغير لم يتكلم لطفوليته وجبت ديته وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب لأنه لسان لا كلام فيه فأشبه الأخرس
ولنا أن ظاهره السلامة وانما لم يتكلم لأنه لا يحسن الكلام فوجبت به الدية كالكبير ويخالف الأخرس فإنه علم أن لسانه أشل الا ترى أن اعضاءه لا يبطش بها وتجب فيها الدية؟ فإن بلغ حداً يتكلم مثله فلم يتكلم فقطع لسانه فلم تجب فيه الدية لأن الظاهر أنه لا يقدر على الكلام فهو كلسان الأخرس وان كبر فنطق ببعض الحروف وجبت فيه بقدر ما ذهب من الحروف لأننا تبينا أنه كان ناطقاً وإن كان قد بلغ الى حد يتحرك بالكباء وغيره فلم يتحرك فقطعه فلا دية فيه لأن الظاهر أنه لو كان صحيحاً لتحرك، وان لم يبلغ الى حد يتحرك ففيه الدية لأن الظاهر سلامته وان
قطع لسان كبير وادعى أنه كان أخرس ففيه ما ذكرنا فيما إذا اختلفا في شلل العضو بعد قطعه من الخلاف.
(فصل) وفي أجفان العينين الدية وفي أحدهما ربع الدية لأن كل عدد تجب في جميعه الدية يجب في الواحد منها بحصته كالأصابع وهذا قول الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن مالك أنه لا مقدر فيها بل يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم ولنا أنها أعضاء فيها جمال ظاهر ونفع كامل فإنها تكن العين وتقيها وتحفظها من الحر والبرد ولولاها لقبح منظرها فوجبت فيها الدية كاليدين وعن الشعبي أنه يجب في الأعلى ثلثا الدية وفي الأسفل ثلثها لأنه أكثر نفعاً ولنا أن كل عدد تجب الدية في جميعه تجب بالحصة في الواحد منه كالأصابع فإن قلع العينين بأشفارهما وجبت ديتان لأنهما جنسان تجب الدية بكل واحد منهما منفرداً فوجب بإتلافهما جملة ديتان كاليدين والرجلين، وتجب الدية في أشفار عين الأعمى وهي الأجفان لأن ذهاب بصره عيب في غير الأجفان فلم يمنع وجوب الدية فيهما كذهاب الشم لا يمنع وجوب الدية في الأنف.
(مسألة) (وفي قطع بعض المارن والاذن والحلم واللسان والشفة والحشفة والأنملة وشق الحشفة طولاً بالحساب من ديته يقدر بالأجزاء كالثلث والربع ثم يؤخذ مثله من الدية)
لأن ما وجبت الدية في جميعه وجبت في بعضه فإن كان الذاهب النصف وجب نصف الدية وإن كان الثلث وجب ثلثها، وإن كان أقل أو أكثر وجب بحساب ذلك كما بقسط دية اليد على الأصابع.
(مسألة) (وفي شلل العضو وإذهاب نفعه والجناية على الشفتين بحيث لا يطبقان على الأسنان الدية)
لأنه عطل نفعهما فأشبه ما لو أشل يده وكذلك ان استرختا فصارتا لا ينفصلان عن الأسنان لأنه عطل جمالها.
(فصل) وإن جنى على يديه فأشلهما وجبت ديتهما لأنه فوت منفعتهما فهو كما لو أعمى عينيه أو أخرس لسانه وإن أشل الذكر ففيه ديته لأنه ذهب بنفعه أشبه ما لو أشل لسانه وكذلك إن أشل انثييه كما لو اشل يديه وكذلك إن جنى على الاسكتين فأشلهما ففيهما الدية كما لو جنى على الشفتين فأشلهما ففيهما الدية وكذلك الأصابع إذا أشلهما لما ذكرنا وسائر الأعضاء إلا الاذن والانف وسنذكرهما إن شاء الله تعالى (مسألة) (وفي تسويد السن والظفر بحيث لا يزول ديته وعنه في تسويد السن ثلث ديتها وقال أبو بكر فيها حكومة) إذا جنى على سنه فسودها فحكي عن أحمد في ذلك روايتان
(إحداهما) تجب ديتهما كاملة وهو ظاهر كلام الخرقي ويروى عن زيد بن ثابت وبه قال سعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين وشريح والزهري وعبد الملك بن مروان والنخعي ومالك والليث والثوري وأصحاب الراي وهو أحد قولي الشافعي (والرواية الثانية) عن أحمد أنه إن اذهب منفعتها من المضغ عليها ونحوه ففيها ديتها وان لم يذهب نفعها ففيها حكومة وهذا قول القاضي والقول الثاني للشافعي وهو المختار عند اصحابه وهو اقيس لأنه لم يذهبها بمنفعتها فلم تكمل ديتها كما لو اصفرت وهذا قول أبي بكر ولنا أنه قول زيد بن ثابت ولم يعرف له مخالف من الصحابة فكان إجماعاً ولأنه أذهب الجمال على الكمال فكلمت ديتها كما لو قطع اذن الأصم وأنف الأخشم والظفر كذلك قياساً على السن وعن أحمد (رواية ثالثة) ان في تسويد السن ثلث ديتها والتقدير لا يثبت إلا بالتوقيف (فصل) فأما إن اصفرت او احمرت لم تكمل ديتها لأنه لم يذهب الجمال على الكمال وفيها حكومة وإن اخضرت احتمل أن يكون كتسويدها لأنه ذهب بجمالها واحتمل أن لا يكون فيه إلا حكومة لأن ذهاب جمالها لتسويدها أكثر فلم يلحق به غيرها كما لو حمرها فعلى قول من أوجب ديتها متى قلعت بعد تسويدها ففيها ثلث ديتها أو حكومة على ما نذكره إن شاء الله تعالى وعلى قول من لم يوجب فيها إلا حكومة يجب في قلعها ديتها كما لو صفرها
(فصل) فإن جنى على سنه فذهبت حدتها وكلت ففي ذلك حكومة وعلى قالعها بعد ذلك دية كاملة لأنها سن صحيحة كاملة فكملت ديتها كالمضطربة وإن ذهب منها جزء ففي الذاهب بقدره وإن قلعها قالع نقص من ديتها بقدر ما ذهب كما لو كسر منها جزءاً (مسألة) (وفي العضو الأشل من اليد والرجل والذكر والثدي ولسان الأخرس والعين القائمة وشحمة الأذن وذكر الخصي والعينين والسن السوداء والثدي دون حلمته والذكر دون حشفته وقصبة الأنف واليد والأصبع الزائدتين حكومة وعنه ثلث ديته) أما اليد الشلاء وهي اليابسة التي ذهبت منها منفعة البطش وكذلك الرجل مثلها في الحكم قياساً عليها والعين القائمة التي ذهب بصرها وصورتها باقية كصورة الصحيحة والسن السوداء فعن أحمد رحمه الله فيهن حكومة لأنه لا يمكن دية كاملة لكونها قد ذهبت منفعتها ولا مقدر فيها فتجب الحكومة كاليد الزائدة وعنه فيهن ثلث الدية كما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في العين القائمة السادة لمكانها بثلث الدية وفي اليد الشلاء إذا قطعت ثلث ديتها وفي السن السوداء إذا قلعت بثلث ديتها رواه النسائي واخرجه أبو داود في العين وحدها وهو قول عمر ورواه قتادة عن خلاس عن عبد الله بن جريدة عن يحيى بن يعمر عن أبيه عن ابن عباس أن عمر رضي الله عنه قضى في العين القائمة اذا قلعت واليد الشلاء إذا قطعت والسن السوداء اذا كسرت بثلث دية كل واحد منهن ولأنها كاملة الصورة فكان فيها مقدر كالصحيحة وقولهم لا يمكن ايجاب مقدر ممنوع فإننا قد ذكرنا التقدير وبيناه
(فصل) قال القاضي قول أحمد في السن السوداء ثلث ديتها محمول على سن ذهبت منفعتها بحيث لا يمكنه ان بعض بها شيئاً أو كانت تتفتت فأما إن كانت منفعتها باقية ولم يذهب منها إلا لونها ففيه كمال ديتها سواء قلت منفعتها بأن يعجز عن عض الاشيئاء الصلبة أو لم يعجز لأنها باقية المنفعة فكملت ديتها كسائر الأعضاء وليس على من سودها إلا حكومة وهذا مذهب الشافعي قال شيخنا والصحيح من مذهب أحمد ما يوافق ظاهر كلامه لظاهر الأخبار وقضاء عمر وقول أكثر أهل العلم ولأنه ذهب جمالها بتسويدها فكملت ديتها على من سودها كتسويد الوجه ولم يجب على متلفها أكثر من ثلث ديتها كاليد الشلاء وكالسن البيضاء اذا انقلعت ونبتت مكانها سوداء لمرض فيها فإن القاضي وأصحاب الشافعي سلموا انها لا تكمل ديتها (فصل) فإن نبتت أسنان صبي سوداء ثم ثغر ثم عادت سوداء فديتها تامة لأن هذا جنس خلق على هذه الصورة اشبه من خلق اسود الجسم والوجه جميعاً وان نبتت اولاً بيضاء ثم ثغر ثم عادت سوداء سئل أهل الخبرة فإن قالوا ليس السوداء لعلة ولا مرض ففيها كمال ديتها وان قالوا ذلك لمرض فعلى قالعها ثلث ديتها أو حكومة وقد سلم القاضي وأصحاب الشافعي الحكم في هذه الصورة وهو حجة عليهم فيما خالفوا فيه ويحتمل أن يكون الحكم فيما كانت سوداء من ابتداء الخلقة هكذا لأن المرض قد يكون في فيه من ابتداء خلقته فيثبت حكمه في نقص ديتها كما لو كان طارئاً
(فصل) وفي لسان الأخرس روايتان أيضاً كاليد الشلاء وكذلك كل عضو ذهبت منفعته وبقيت صورته كالرجل الشلاء والأصبع والذكر إذا شلا وذكر الخصي والعينين إذا قلنا لا تكمل ديتهما وأشباه هذا كله يتخرج على روايتين (إحداهما) فيه ثلث الدية والأخرى حكومة (فصل) فأما اليد والرجل والأصبع أو السن الزوائد ونحو ذلك فليس فيه إلا حكومة وقال القاضي هو في معنى اليد الشلاء فيخرج على الروايتين والذي ذكره شيخنا اصح لأنه لا تقدير في هذا ولا هو في معنى المقدر ولا يصح قياس هذا على العضو الذي ذهبت منفعته وبقي جماله لأن هذه الزوائد لا جمال فيها انما هي شين في الخلقة وعيب يرد به المبيع وتنقص بالقيمة فيكيف يصح قياسه على ما يحصل به الجمال؟ ثم لو حصل به جمال ما لكنه يخالف جمال العضو الذي يحصل به تمام الخلقة ويختلف في نفسه اختلافاً كثيراً فوجبت فيه الحكومة ويحتمل أن لا يجب فيه شئ لما ذكرنا (فصل) قد ذكرنا أن في الأصبع الزائدة حكومة وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي وعن زيد بن ثابت ان فيها ثلث دية الأصبع وذكر القاضي أنه قياس المذهب على رواية ايجاب ثلث دية اليد في اليد الشلاء والأول اصح على ما ذكرنا ولا يصح قياسها على اليد الشلاء لما ذكرنا من الفرق بينهما والله أعلم (فصل) واختلفت الرواية في قطع الذكر دون حشفته وعلى قياسيه الثدي دون حلمته وقطع الكف بعد اصابعه فروى أبو طالب عن أحمد فيه ثلث ديته وكذلك شحمة الأذن وعن أحمد في ذلك كله
حكومة وهذا هو الصحيح لعدم التقدير فيه وامتناع قياسه على ما فيه تقدير لأن الأشل بقيت صورته وهذا لم تبق صورته انما بقي بعض ما فيه الدية أو أصل ما فيه الدية فأما قطع الذراع بعد قطع الكف والساق بعد قطع القدم فينبغي أن تجب الحكومة فيه وجهاً واحداً لأن ايجاب ثلث دية اليد فيه يفضي إلى أن يكون الواجب فيه مع بقاء الكف والقدم وذهابهما واحداً مع تفاوتهما وعدم النص فيهما (مسألة) (وعنه في ذكر الخصي والعنين كمال ديته) أما ذكر العنين فأكثر أهل العلم على وجوب الدية فيه لأن في كتاب النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم " وفي الذكر الدية " ولأنه غير مأيوس من جماعة وهو عضو سليم في نفسه فكملت ديته كذكر الشيخ وذكر القاضي فيه عن أحمد روايتين (إحداهما) تجب فيه الدية لذلك (والثانية) لا تكمل ديته وهو قول قتادة لأن منفعته الإنزال والإحبال والجماع وقد عدم ذلك منه في حال الكمال فلم تكمل ديته كالأشل وبهذا فارق ذكر الصبي والشيخ واختلفت الرواية في ذكر الخصي فعنه فيه دية كاملة وهو قول سعيد ابن عبد العزيز والشافعي وابن المنذر للخبر ولأن منفعة الذكر الجماع وهو باق فيه (والثانية) لا يجب فيه وهو قول مالك والثوري وأصحاب الرأي وقتادة وإسحاق لما ذكرنا في ذكر العنين ولأن المقصود منه تحصيل النسل ولا يوجد ذلك منه فلم تكمل ديته كالأشل والجماع يذهب في الغالب بدليل أن البهائم يذهب جماعها بخصائها والفرق بين ذكر العنين وذكر الخصي ان الجماع في ذكر العنين ابعد منه في ذكر الخصي واليأس من الإنزال متحقق في ذكر الخصي دون ذكر العنين
(مسألة) (فإذا قلنا لا تكمل الدية في قطع ذكر الخصي ان قطع الذكر والأنثيين دفعة واحدة أو قطع الذكر ثم قطع الأنثيين لزمته ديتان وإن قطع الأنثيين ثم قطع الذكر لزمته دية واحدة للأنثيين وفي الذكر حكومة أو ثلث الدية) قال القاضي ونص أحمد على هذا وان قطع نصف الذكر بالطول فقال اصحابنا فيه نصف الدية والأولى ان تجب الدية كاملة لأنه ذهب بمنفعة الجماع به فوجبت الدية كاملة كما لو أشله أو كسر صلبه فذهب جماعه وان قطع قطعة منه مما دون الحشفة وكان البول يخرج على ما كان عليه وجب بقدر القطعة من جميع الذكر من الدية وإن خرج البول من موضع القطع وجب الأكثر من حصة القطعة من الدية أو الحكومة وان ثقب ذكره فيما دون الحشفة فصار البول يخرج من الثقب ففيه حكومة لذلك
(مسألة) (وإن أشل الأنف أو الأذن أو عوجهما ففيه حكومة وفي قطع الأشل منهما كمال الدية)
إذا ضرب أنفه فأشله ففيه حكومة وان قطعه قاطع بعد ذلك ديته وكذلك الأذن اذا جنى عليها فاستحشفت واستحشافها كشلل سائر الأعضاء ففيها حكومة وهذا أحد قولي الشافعي وقال في الآخر في ذلك ديتها وكذلك قوله في الأنف إذا أشله لأن ما وجبت ديته بقطعه وجبت بشلله كاليد والرجل ولنا ان نفع الأذن باق بعد استحشافها وجمالها فإن نفعها جمع الصوت ومنع دخول الماء والهوام