وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يقطع بالسرقة من ذي رحم وحكاه ابن أبي موسى في الارشاد مذهباً لأحمد لأنها قرابة تمنع النكاح وتبيح النظر وتوجب النفقة أشبه قرابة الولادة ولنا أنها قرابة لا تمنع الشهادة فلا تمنع القطع لغير ذي الرحم وبهذا فارق قرابة الولادة (مسألة) (ويقطع المسلم بالسرقة من مال الذمي والمستأمن ويقطعان بسرقة ماله) أما قطع المسلم بالسرقة من مال الذمي وقطع الذمي بالسرقة من مال مسلم فلا نعلم فيه خلافاً وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي وأما الحربي إذا دخل إلينا مستأمناً فسرق فانه يقطع أيضاً وقال ابن حامد لا يقطع وهو قول أبي حنيفة ومحمد لأنه حد لله تعالى فلا يقام الحد عليه كالزنا ونص أحمد على أنه لايقام عليه حد الزنا وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أنه حد يطالب به فوجب كحد القذف يحققه أن القطع يجب صيانة للأموال وحد القذف يجب صيانة للأعراض فإذا وجب في حقه أحدهما وجب الآخر، فأما الزنا فإنما لم يجب لأنه يجب به قتله لنقض العهد ولا يجب مع القتل حد سواه إذا ثبت هذا فإن المسلم يقطع بسرقة ماله وعند أبي حنيفة لا يجب
ولنا أنه سرق مالا معصوماً لا شبهة له فيه من حرز مثله فوجب قطعه كسرقة مال الذمي ويقطع المرتد إذا سرق فإن أحكام الاسلام جارية عليه (مسألة) (ومن سرق عيناً وادعى أنها ملكه لم يقطع وعنه يقطع وعنه لا يقطع إلا أن يكون معروفاً بالسرقة) من ثبتت عليه السرقة ببينة فأنكر لم يسمع انكاره، وإن قال أحلفوه لي أني سرقت منه لم يحلف لأن السرقة قد ثبتت بالبينة وفي إحلافه عليها قدح في الشهادة فإن قال الذي أخذته ملكي كان لي عنده وديعة أو رهنا أو ابتعته منه أو وهبه لي أو أذن لي في أخذه أو غصبه مني أو من أبي أو بعضه لي فالقول قول المسروق منه مع يمينه لأن اليد ثبتت له فإن حلف سقطت دعوى السارق ولا قطع عليه لأن صدقه محتمل ولهذا أحلفنا المسروق منه وإن نكل قضينا عليه بنكوله وهذا إحدى الروايات عن أحمد وهو منصوص الشافعي وعن أحمد رواية أخرى أنه يقطع لأن سقوط القطع بدعواه يؤدي إلى أن لا يجب قطع سارق فتفوت مصلحة الزجر وعنه رواية ثالثة أنه إن كان معروفاً بالسرقة قطع لأنه يعلم كذبه وإلا سقط عنه القطع والأولى أولى لأن الحدود تدرأ بالشبهات وافضاؤه الى سقوط القطع لا يمنع اعتباره كما أن الشرع اعتبر في شهادة الزنا شروطا لا يكاد يقع معها إقامة حد ببينة أبداً على أنه لا يفضي اليه لازماً فان السراق لا يعلمون هذا ولا يهتدون إليه في الغالب وإنما يختص بعلم هذا الفقهاء الذين لا يسرقون غالبا فان لم يحلف المسروق منه سقط القطع وجهاً واحداً لأنه يقضى عليه بالنكول
(مسألة) (وإذا سرق المسروق منه مال السارق أو المغصوب منه مال الغاصب من الحرز الذي فيه العين المسروقة أو المغصوبة لم يقطع وإن سرق من غير ذلك أو سرق من مال من له عليه دين قطع إلا أن يعجز عن أخذه منه فيسرق قدر حقه فلا يقطع وقال القاضي يقطع) إذا سرق من مال إنسان أو غصبه فأحرزه فجاء المالك فهتك الحرز وأخذ ماله فلا قطع فيه عند أحده سواء أخذه سرقة أو غيرها لأنه أخذ ماله وإن سرق غيره ففيه وجهان (أحدهما) لا قطع عليه لأن له شبهة في هتك الحرز وأخذ ماله فصار كالسارق من غير حرز ولأن له شبهة في أخذ قدر ماله لذهاب بعض أهل العلم إلى جواز أخذ الانسان قدر دينه من مال من هو عليه (والثاني) عليه القطع لأنه سرق نصاباً من حرزه لاشبهة له فيه وإنما يجوز له أخذ قدر ماله إذا عجز عن أخذ ماله وهذا أمكنه أخذ ماله فلم يجز له أخذ غيره وكذلك الحكم إذا أخذ ماله وأخذ نصابا من غيره متميزاً عن ماله فإن كان مختلطاً بماله غير متميز منه فلا قطع عليه لأنه أخذ ماله الذي له أخذه وحصل غيره مأخوذاً ضرورة أخذه فيجب أن لا يضع فيه، ولأن له في أخذه شبهة والحد يدرأ بالشبهات فأما إن سرق منه مالا من غير الحرز الذي فيه ماله أو كان له دين على إنسان فسرق من ماله قدر دينه من حرزه نظرت فإن كان الغاصب أو الغريم باذلا لما عليه غير ممتنع من أدائه أو قدر المالك على اخذ ماله فتركه وسرق مال الغاصب أو الغريم فعليه القطع لأنه لا شبهة له فيه، وإن عجز عن استيفاء
دينه أو أرش جنايته فسرق قدر دينه أو حقه فلا قطع عليه وقال القاضي عليه القطع بناء على أصلنا في أنه ليس له أخذ قدر دينه ولنا أن هذا مختلف في حله فلم يجب الحد به كالوطئ في نكاح مختلف فيه وتحريم الأخذ لا يمنع الشبهة الناشئة عن الاختلاف والحدود تدرأ بالشبهات فان سرق أكثر من دينه فهو كالمغصوب منه إذا سرق أكثر من دينه على ما مضى (فصل) ومن قطع بسرقة عين فعاد فسرقها قطع، إذا سرق سارق فقطع ثم سرق ثانيا قطع ثانياً سواء سرق من الذي سرق منه أو من غيره وسواء سرق تلك العين التي قطع بسرقتها أو غيرها وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إذا قطع بسرقة عين مرة لم يقطع بسرقتها مرة ثانية إلا أن يكون قد قطع بسرقة غزل ثم سرقه منسوجاً أو قطع بسرقة رطب ثم سرقه تمراً واحتج بأن هذا يتعلق استيفاؤه بمطالبة آدمي فاذا تكرر سببه في العين الواحدة لم يتكرر كحد القذف ولنا أنه حد يجب بفعل في عين فتكرره في عين واحدة كتكرره في الأعيان كالزنا وما ذكروه يبطل بالغزل إذا نسج وبالرطب إذا أتمر ولا نسلم حد القذف فإنه متى قذفه بغير ذلك الزنا حد، وإن قذفه بذلك الزنا حد، وإن قذفه بذلك الزنا عقيب حده لم يحد لأن الغرض إظهار كذبه وقد ظهر وههنا الغرض ردعه عن السرقة ولم يرتدع فيردع بالثاني كما لو سرق عيناً أخرى
(فصل) فان سرق مرات قبل القطع أجزأ حد واحد عن جميعها وتداخلت حدودها لأنه حد من حدود الله فاذا اجتمعت أسبابه تداخل كحد الزنا، وذكر القاضي فيما إذا سرق من جماعة وجاءوا متفرقين رواية أخرى أنها لا تتداخل ولعله يقيس ذلك على حد القذف والصحيح أنها تتداخل لأن القطع خالص حق لله تعالى فيتداخل كحد الزنا والشرب، وفارق حد القذف فانه لآدمي ولهذا يتوقف على المطالبة باستيفائه ويسقط بالعفو عنه (مسألة) (ومن أجر داره أو أعارها ثم سرق منها مال المستعير أو المستأجر قطع) اذا سرق مال المستأجر من العين المستأجرة فعليه القطع وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة وقال صاحباه لا قطع عليه لأن المنفعة تحدث في ملك المؤجر ثم تنقل الى المستأجر ولنا أنه هتك حرزا وسرق منه نصابا لا شبهة له فيه فوجب القطع كما لو سرق من ملك المستأجر وما قالاه غير مسلم (مسألة) (وإن استعار داراً فنقبها المعير وسرق مال المستعير منها قطع أيضاً) وبهذا قال الشافعي في أحد الوجهين وقال أبو حنيفة لا قطع عليه لأن المنفعة ملك له فما هتك حرز غيره ولأن له الرجوع متى شاء وهذا يكون رجوعاً
ولنا ما تقدم في التي قبلها ولا يصح ما ذكروه لأن هذا قد صار حرز المال غيره فلا يجوز له الدخول اليه وإنما يجوز له الرجوع في العارية والمطالبة برده اليه (فصل) قال أحمد رحمه الله لا قطع في المجاعة، يعني أن المحتاج إذا سرق ما يأكله لا قطع عليه لأنه كالمضطر وروى الجوزجاني عن عمر أنه قال لا قطع في عام سنة وقال سألت أحمد عنه فقلت تقول به؟ فقال أي لعمري إذا حملته الحاجة والناس في شدة ومجاعة، وعن الأوزاعي مثل ذلك وهذا محمول على من لا يجد ما يشتري به ما يأكله وقد روي عن عمر رضي الله عنه ان غلمان حاطب بن أبي بلتعة انتحروا ناقة للمزني فأمر عمر بقطعهم ثم قال لحاطب إني أراك تجيعهم فدرأ عنهم الحد لما ظنه يجيعهم فأما الواجد لما يأكله والواجد لما يشتري به فعليه القطع وإن كان بالثمن الغالي ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي فصل ولا قطع على المرأة إذا منعها الزوج قدر كفايتها أو كفاية ولدها إذا أخذت من ماله سواء أخذت قدر ذلك أو أكثر منه لانها تستحتق قدر ذلك فالزائد يكون مشتركاً بما يستحق أخذه (فصل) السادس ثبوت السرقة بشهادة عدلين أو إقرار مرتين ولا ينزع عن اقراره حتى يقطع وجملة ذلك أن القطع إنما يجب بأحد شيئين بينة أو إقرار لا غير، فأما البينة فيشترط فيها أن يكونا رجلين مسلمين حرين عدلين سواء كان السارق مسلما أو ذيما وقد ذكرنا ذلك في شهود الزنا بما
يغني عن إعادته ههنا ويشترط أن يصفا السرقة والحرز وجنس النصاب وقدره ليزول الاختلاف فيه فيقولان نشهد أن هذا سرق كدا قيمته كذا من حرز ويصفا الحرز فإن كان المسروق منه غائباً فحضر وكيله وطالب بالسرقة احتاج الشاهدان أن يرفعا في نسبه فيقولان من حرز فلان بن فلان ابن فلان بحيث يتميز عن غيره فإذا اجتمعت هذه الشروط وجب القطع في قول عامتهم، وقال ابن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن قطع السارق يجب إذا شهد بالسرقة شاهدان حران مسلمان ووصفا ما يوجب القطع وإذا وجب القطع بشهادتهما لم يسقط بغيبتهما ولا موتهما على ما مضى في الشهادة بالزنا وإذا شهد بسرقة مال غائب فإن كان له وكيل حاضر فطالب به قطع السارق وإلا فلا وقال القاضي يحبس ولا يقطع حتى يحضر الغائب (فصل) وإذا اختلف الشاهدان في الوقت أو الزمان أو المسروق فشهد أحدهما أنه سرق يوم الخميس والآخر أنه سرق يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه سرق من هذا البيت والآخر أنه سرق من هذا البيت الآخر أو قال أحدهما سرق ثوراً وقال الآخر سرق بقرة أو قال الآخر سرق حماراً لم يقطع في قولهم جميعاً وبه قال الثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وإن قال أحدهما سرق ثوباً أبيض وقال الآخر أسود أو قال أحدهما سرق هروياً وقال الآخر سرق مروياً لم يقطع أيضاً وبه قال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر لأنهما لم يتفقا على الشهادة بشئ واحد فأشبه مالو اختلفا في الذكورية
والأنوثية وقال أبو الخطاب يقطع وهو قول أصحاب الرأي لأن الاختلاف لم يرجع إلى نفس الشهادة فيحتمل أن أحدهما غلب على ظنه أنه هروي والآخر أنه مروي أو كان الثوب فيه سواد وبياض قال إبن المنذر اللون أقرب إلى الظهور من الذكورية والأنوثية فإذا كان اختلافهم فيما يخفى يبطل شهادتهما ففيما يظهر أولى ويحتمل أن أحدهما ظن المسروق ذكراً وظنه الآخر انثى وقد أوجب هذا رد شهادتهما فكذلك ههنا (الأمر الثاني) الاعتراف ويشترط فيه أن يعترف مرتين روى ذلك عن علي رضي الله عنه، وبه قال ابن أبي ليلى وأبو يوسف وزفر وابن شبرمة، وقال عطاء والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومحمد بن الحسن يقطع باعتراف مرة لأنه حق يثبت بالاقرار فلم يعتبر فيه التكرار كحق الآدمي ولنا ماروى أبو داود بإسناده عن أبي أمية المخزومي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بلص قد اعترف فقال له (ما إخالك سرقت) قال بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا فأمر به فقطع ولو وجب القطع بأول مرة لما أخره وروى سعيد عن هشيم وسفيان وأبي الأحوص وأبي معاوية عن الأعمش عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه قال شهدت علياً وأتاه رجل فأقر بالسرقة فرده وفي لفظ فانتهره وفي لفظ فسكت عنه وقال غير هؤلاء فطرده ثم
عاد بعد ذلك فأقر فقال له علي شهدت على نفسك مرتين وأمر به فقطع وفي لفظ قد أقررت على نفسك مرتين ومثل هذا يشتهر فلم ينكر ولأنه يتضمن إتلافاً في حد فكان من شرطه التكرار كحد الزنا ولأنه أحد حجتي القطع فيعتبر فيه التكرار كالشهادة وقياسهم ينتقض بالزنا عند من اعتبر التكرار ويفارق حق الآدمي لأن حقه مبني على الشح والضيق ولا يقبل رجوعه عنه بخلاف مسئلتنا (فصل) ويعتبر أن يذكر في إقراره شروط السرقة من النصاب والحرز وإخراجه منه، والحر والعبد في هذا سواء نص عليه أحمد لعموم النص فيهما ولما روى الأعمش عن القاسم عن أبيه أن علياً قطع عبداً أقر عنده بالسرقة وفي رواية قال كان عبداً يعني الذي قطعه علي ويعتبر أن يقر مرتين.
وروى منها عن أحمد: إذا أقر العبد أنه سرق أربع مرات قطع فظاهر هذا أنه اعتبر إقراره أربع مرات ليكون على النصف من الحر، والاول أصح لخبر علي ولأنه إقرار بحد فاستوى فيه الحر والعبد كسائر الحدود (مسألة) (ولا ينزع عن إقراره حتى يقطع) هذا قول أكثر الفقهاء وقال ابن أبي ليلي وداود لا يقبل رجوعه لأنه لو أقر لآدمي بحد قصاص لم يقبل رجوعه عنه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم للسارق (ما إخالك سرقت) يعرض له ليرجع ولأن حديثه ثبت بالاعتراف فقبل رجوعه عنه كحد الزنا ولأن الحدود تدرأ بالشبهات ورجوعه شبهة لاحتمال أن يكون كذب
على نفسه في اعترافه ولأنه أحد حجتي القطع فيبطل بالرجوع عنه كالشهادة ولأن حجة القطع زالت قبل استيفائه فسقط كما لو رجع الشهود وفارق حق الآدمي لأنه مبني على الشح والضيق، ولو رجع الشهود عن الشهادة بعد الحكم في حق الآدمي لم يبطل برجوعهم ولم يمنع استيفاءها، إذا ثبت هذا فإنه إذا رجع قبل القطع سقط القطع ولم يسقط غرم المسروق لأنه حق آدمي، ولو أقر مرة واحدة لزمه غرامة المسروق دون القطع، وإن كان رجوعه وقد قطع بعض المفصل لم يتممه إن كان يرجى برؤه لكونه قطع الأقل وإن قطع الأكثر فالمقطوع بالخيار إن شاء قطعه ويستريح من تعليق كفه
ولا يلزم القاطع قطعه لأن قطعه تداو وليس بحد (فصل) قال أحمد لا بأس بتلقين السارق ليرجع عن إقراره وهذا قول عامة الفقهاء روي عن عمر أنه أتي بسارق فسأله أسرقت؟ قل لا فقال لا فتركه وروي ذلك عن ابي بكر الصديق وأبي هريرة وابن مسعود وأبي الدرداء رضي الله عنهم وبه قال إسحاق وأبو ثور، وقد روينا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للسارق (ما إخالك سرقت) وقال لماعز (لعلك قبلت أو لمست) وعن علي أن رجلا أقر عنده بالسرقة فانتهره.
ولا بأس بالشفاعة في السارق اذا لم يبلغ الامام فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد وجب) وقال الزبير بن العوام في الشفاعة في الحد يفعل ذلك دون السطان فإذا بلغ الامام فلا أعفاه الله إن أعفاه، وممن رأى ذلك عمار وابن عباس وسعيد بن جبير والزهري والاوزاعي وقال مالك إن لم يعرف بشر فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الامام وأما من عرف بشر وفساد فلا أحب أن يشفع له ولكن يترك حتى يقام عليه الحد وأجمعوا على أنه إذا بلغ
الإمام لم تجز الشفاعة فيه لأن ذلك اسقاط حق وجب لله تعالى وقد غضب النبي صلى الله عليه وسلم حين شفع أسامة في المخزومية التي سرقت وقال (أتشفع في حد من حدود الله تعالى؟) وقال ابن عمر من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في حكمه (فصل) السابع مطالبة المسروق منه بما له وقال أبو بكر ليس ذلك بشرط وجملة ذلك أن السارق لا يقطع وإن اعترف أو قامت بينة حتى يأتي مالك المسروق يدعيه وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وقال أبو بكر: ولا يفتقر إلى دعوى ولا مطالبة وهذا قول مالك وأبي ثور وابن المنذر لعموم الآية ولأن موجب القطع ثبت فوجب من غير مطالبة كحد الزنا ولنا أن المال يباح بالبذل والإباحة فيحتمل أن مالكه أباحه إياه أو وقفه على المسلمين أو على طائفة السارق منهم أو أذن له في دخول حرزه فاعتبرت المطالبة لتزول هذه الشبهة وعلى هذا يخرج الزنا فإنه لا يباح بالإباحة ولأن القطع أوسع في الإسقاط ألا ترى أنه اذا سرق مال أبيه لم يقطع ولو زنى بجاريته حد؟ ولأن القطع شرع لصيانة مال الآدمي فله به تعلق فلم يستوف من غير حضور مطالب به والزنا
حق لله تعالى محض فلم يفتقر إلى طلب به.
إذا ثبت هذا فإن وكيل الغائب يقوم مقامه في الطلب وقال القاضي إذا أقر بسرقة مال غائب حبس حتى يحضر الغائب لأنه يحتمل أن يكون قد أباحه ولو أقر بحق مطلق لغائب لم يحبس لأنه لا حق عليه لغير الغائب ولم يأمر بحبسه فلم يحبس وفي مسئلتنا تعلق به حق الله تعالى وحق الآدمي فحبس لما عليه من حق الله تعالى، فإن كانت العين في يده أخذها الحكام وحفظها للغائب وإن لم يكن في يده شئ فإذا جاء الغائب كان الخصم فيها (فصل) ولو أقر بسرقة لرجل فقال المالك لم تسرق مني ولكن غصبتني أو كان لي قبلك وديعة فجحدتني لم يقطع لأن اقراره لم يوافق دعوى المدعي، وهذا قال أبو ثور وأصحاب الرأي وإن
أقر أنه سرق نصابا من رجلين فصدقة أحدهما دون الآخر أو قال الآخر بل غصبتنيه أو جحدتنيه لم يقطع وبه قال أصحاب الرأي وقال أبو ثور يقطع ولنا أنه لم يوافق على سرقة نصاب فلم يقطع كالتي قبلها وإن وافقاه جميعا قطع وإن حضر أحدهما فطالب ولم يحضر الآخر لم يقطع لأن ما حصلت المطالبة به لا يوجب القطع بمفرده، وإن أقر أنه سرق من رجل شيئاً فقال الرجل قد فقدته من مالي فينبغي أن يقطع لما روي عن عبد الرحمن بن ثعلبة الانصاري عن أبيه أن عمرو بن سمرة بن حبيب بن عبد شمس جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني فأرسل اليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إنا افتقدنا جملاً لنا فأمر به النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت يده، قال ثعلبة أنا أنظر إليه حين وقعت يده وهو يقول الحمد لله الذي طهرني منك أردت أن تدخلي جسدي النار رواه ابن ماجه (مسألة) (وإذا وجب القطع قطعت يده اليمنى من مفصل الكف وحسمت وهو أن تغمس في زيت مغلي فان عاد قطعت رجله اليسرى من مفصل الكف وحسمت) لا خلاف بين أهل العلم في أن السارق أول ما يقطع منه يده اليمنى من مفصل الكف وهو الكوع وفي قراءة عبد الله بن مسعود (فاقطعوا أيمانهما) وهذا إن كان قراءة وإلا فهو تفسير، وقد روي عن ابي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قالا إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع ولا مخالف لهما في الصحابة ولأن البطش بها أقوى فكانت البداءة بها أردع ولأنها آلة السرقة فناسبت عقوبته باعدام آلتها، وإذا سرق ثانياً قطعت رجله اليسرى وبذلك قال الجماعة الاعطاء حكي عنه أنه تقطع
يده اليسرى لقوله سبحانه (فاقطعوا أيديهما) ولأنها آلة السرقة والبطش فكانت العقوبة بقطعها أولى، وروي ذلك عن ربيعة وداود وهذا شذوذ يخالف قول جماعة الفقهاء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وقول ابي بكر وعمر رضي الله عنهما، وقد روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في السارق (اذا سرق فاقطعوا يده ثم ان سرق فاقطعوا رجله) ولأنه في المحاربة الموجبة قطع عضوين إنما تقطع يده ورجله ولا تقطع يداه فنقول جناية أوجبت قطع عضوين فكانا يدا ورجلا كالمحاربة ولأن قطع يديه يفوت منفعة الجنس فلا تبقى له يد يأكل بها ولا يتوضأ ولا يستطيب ولا يدفع عن نفسه فيصير كالهالك فكان قطع الرجل الذي لا يشتمل على هذه المفسدة أولى، وأما الآية فالمراد بها قطع يد كل واحد منهما بدليل أنه لا تقطع اليد ان في المرة الأولى، وفي قراءة عبد الله (فاقطعوا أيمانهما) وإنما ذكر بلفظ الجمع لأن المثنى إذا أضيف الى المثنى ذكر بلفظ الجمع كقوله تعالى (فقد صغت قلوبكما) إذا ثبت هذا فانه تقطع رجله اليسرى لقول الله تعالى (أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف) ولأن قطع اليسرى أرفق به لأنه يمكنه المشي على خشبة ولو قطعت رجله اليمنى لم يمكنه المشي بحال، وتقطع الرجل من مفصل الكعب في قول أكثر أهل العلم وفعل ذلك عمر رضي الله عنه وكان علي رضي الله عنه بقطع من نصف القدم من معقد الشراك ويدع له عقباً يمشي عليها وهو قول أبي ثور ولنا أنه أحد العضوين المقطوعين في السرقة فيقطع من المفصل كاليد، وإذا قطع حسم وهو أن أن يغلى الزيت فاذا قطع غمس عضوه في الزيت لتنسد أفواه العروق لئلا ينزف الدم فيموت وقد روي أن
النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق سرق شملة فقال (اقطعوه واحسموه) وهو حديث فيه مقال قاله ابن المنذر وممن استحب ذلك الشافعي وأبو ثور وغيرهما من أهل العلم (فصل) ويقطع السارق بأسهل ما يمكن فيجلس ويضبط لئلا يتحرك فيجني على نفسه وتشد يده بحبل
ويجر حتى يبين مفصل الكف من مفصل الذراع ثم توضع بينهما سكين حادة ويدق فوقها بقوة ليقطع في مرة واحدة أو توضع السكين على المفصل وتمد مدة واحدة وإن علم قطع أوحى من هذا قطع به (فصل) ويسن تعليق اليد في عنقه لما روى فضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بسارق فقطعت يده ثم أمر بها فعلقت في عنقه رواه أبو داود وابن ماجة وفعل ذلك علي رضي الله عنه ولأن فيه ردعاً وزجراً.
(فصل) ولا يقطع في شدة حر ولا برد لأن الزمان ربما أعان على قتله والغرض الزجر دون القتل، ولا يقطع مريض في مرضه لئلا يأتي ذلك على نفسه، ولو سرق فقطعت يده ثم سرق قبل اندمال يده لم يقطع ثانيا حتى يندمل القطع الأول وكذلك لو قطعت رجله قصاصاً لم تقطع اليد في السرقة حتى تبرأ الرجل فان قيل أليس لو وجب عليه قصاص في اليد الأخرى لقطعت قبل الاندمال والمحارب تقطع يده ورجله دفعة واحدة وقد قلتم في المريض الذي وجب عليه الحد لا ينتظر برؤه فلم خالفتم ذلك ههنا؟ قلنا القصاص حق آدمي يخاف فوته وهو مبني على الضيق لحاجته إليه ولأن القصاص قد يجب في يد ويجب في يدين وأكثر في حالة واحدة فلهذا جاز أن يوالى بين قصاصين بخلاف الحد فإن كل معصية لها حد مقدر ولا تجوز الزيادة عليه فإذا والى بين حدين صار
كالزيادة على الحد فلم يجز، فأما قطاع الطريق فان قطع اليد والرجل حد واحد بخلاف ما نحن فيه وأما تأخير الحد للمرض فممنوع وإن سلم فان الجلد يمكن تخفيفه فيؤتى به في المرض على وجه يؤمن معه التلف والقطع لا يمكن تخفيفه (مسألة) (فإن عاد حبس ولم يقطع وعنه أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة ورجله اليمنى في الرابعة) وجملة ذلك أنه إذا سرق بعد قطع يديه ورجليه لم يقطع منه شئ آخر وحبس وبهذا قال علي رضي الله عنه والحسن والشعبي والنخعي والزهري وحماد والثوري وأصحاب الرأي، وعن أحمد أنه يقطع في الثالثة يده اليسرى وفي الرابعة رجله اليمنى وفي الخامسة يعزر ويحبس، وروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما أنهما قطعا يد أقطع اليد والرجل وهو قول قنادة ومالك والشافعي وأبي ثور وابن المنذر، وروي عن عثمان وعمرو بن العاص وعمر بن عبد العزيز أنه تقطع يده اليسرى في الثالثة والرجل اليمنى في الرابعة ويقتل في الخامسة لأن جابرا قال: جئ إلى النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقال (اقتلوه) قالوا يا رسول الله انما سرق قال (اقطعوه) قال فقطع ثم جئ به الثانية فقال (اقتلوه) فقالوا يا رسول الله انما سرق فقال (اقطعوه) قال فقطع ثم جئ به الثالثة فقال (اقتلوه) قالوا يارسول الله انما سرق قال (اقطعوه) قال ثم أتي به الرابعة فقال (اقتلوه) ، قالوا يا رسول الله انما سرق قال (اقطعوه) ثم أتي به الخامسة فقال (اقتلوه) فانطلقنا به فقتلناه ثم اجتررناه فألقيناه في بئر رواه أبو داود والنسائي، وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في السارق (إن سرق فاقطعوا يده ثم ان سرق فاقطعوا رجله ثم إن سرق فاقطعوا يده ثم ان سرق فاقطعوا رجله) ولأن
اليسار تقطع قوداً فجاز قطعها في السرقة كاليمنى ولأنه فعل أبي بكر رضي الله عنهما، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) ولنا ماروى سعيد ثنا أبو معشر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت علي بن أبي طالب رضي الله عنه أتي برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق فقال لأصحابه ما ترون في هذا؟ قالوا اقطعه يا أمير المؤمنين قال قتلته إذاً وما عليه القتل باي شئ يأكل الطعام؟ بأي شئ يتوضأ للصلاة؟ بأي شئ يغتسل من جنابته؟ بأي شئ يقوم على حاجته؟ فرده إلى السجن أياماً ثم أخرجه فاستشار أصحابه فقالوا مثل قولهم الأول وقال مثل ما قال أول مرة فجلده جلداً شديدا ثم أرسله وروي عنه أنه قال إني لاستحي من الله أن لا أدع له يداً يبطش بها ولا رجلاً يمشي عليها ولأن في قطع اليدين تفويت منفعة الجنس فلم يشرع في حد كالقتل، ولأنه لو جاز قطع اليدين لقطعت اليسرى في المرة الثالثة لأنها آلة البطش كاليمنى وإنما لم تقطع للمفسدة في قطعها لأن ذلك بمنزلة الإهلاك فانه لا يمكنه أن يتوضأ ويغتسل ولا يستنجي ولا يحترز من نجاسة ولا يزيلها عنه ولا يدفع عن نفسه ولا يأكل ولا يبطش وهذه المفسدة حاصلة بقطعها في المرة الثالثة، فأما حديث جابر ففي حق رجل استحق القتل بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به في أول مرة وفي كل مرة وقال النسائي فيه: حديث منكر وأما الحديث الآخر فلم يكره أصحاب السنن ولم نعلم صحته وفعل ابي بكر وعمر قد عارضه قول علي وروي عن عمر أنه رجع إلى قول علي فروى سعيد حدثنا أبو الاحوص عن سماك بن حرب عن عبد الرحمن
بن عائذ قال أتي عمر برجل أقطع اليد والرجل قد سرق فأمر به عمر أن تقطع رجله فقال علي إنما قال الله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) إلى آخر الآية وقد قطعت يد هذا ورجله فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له قائمة يمشي عليها إما أن تعزره أو تستودعه السجن فاستودعه السجن (مسألة) (ومن سرق وليس له يد يمنى قطعت رجله اليسرى وإن سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع، وإن ذهبت يده اليسرى لم تقطع اليمنى على الرواية الأولى وتقطع على الأخرى) اذا سرق ولا يمنى له قطعت رجله اليسرى كما تقطع في السرقة الثانية فان كانت يمناه شلاء ففيه روايتان (إحداهما) تقطع رجله اليسرى لأن الشلاء لا نفع فيها ولا جمال فأشبهت كفا لاأصابع عليه قال ابراهيم الحربي عن أحمد فيمن سرق ويمناه جافة تقطع رجله (والثانية) أنه يسئل أهل الخبرة فإن قالوا إنها اذا قطعت رقأ دمها وانحسمت عروقها قطعت لأنه أمكن قطع يمينه فوجب كما لو كانت صحيحة وان قالوا لا يرقأ دمها لم تقطع لأنه يخاف تلفه وتقطع رجله وهذا مذهب الشافعي، وفان كانت أصابع اليمنى كلها ذاهبة ففيها وجهان (أحدهما) لا تقطع وتقطع الرجل لان الكف لا يجب فيه دية اليد فأشبه الذراع (والثاني) تقع لأن الراحة بعض ما يقطع في السرقة فاذا كان موجوداً قطع كما لو ذهب الخنصر أو البنصر، وإن ذهب بعض الاصابع وكان الذاهب الخنصر أو البنصر أو واحدة سواهما قطعت لأن معظم نفعها باق، وإن لم يبق إلا واحدة فهي كالتي ذهب جميع أصابعها وإن بقي اثنتان فهل تلحق بالصحيحة أو بما قطع جميع أصابعها؟ على وجهين والأولى قطعها لأن نفعها لم يذهب بالكلية (مسألة) (وان سرق وله يمنى فذهبت سقط القطع) أما اذا سرق وله يمنى قطعت في قصاص أو ذهبت بأكلة أو تعدى عليها متعد فقطعها سقط القطع ولا شئ على العادي إلا الأدب وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وقال قتادة يقتص من القاطع وتقطع رجل السارق وهذا غير صحيح فإن يد السارق ذهبت والقاطع قطع عضواً غير معصوم، وإن قطعها قاطع بعد السرقة وقبل ثبوتها والحكم بالقطع ثم ثبت ذلك فكذلك، ولو شهد بالسرقة فحبسه الحاكم ليعدل
الشهود فقطعه قاطع ثم عدلوا فكذلك وإن لم يعدلوا وجب القصاص على القاطع، وبهذا قال الشافعي وقال أصحاب الرأي لا قصاص عليه، لأن صدقهم محتمل فيكون ذلك شبهة.
ولنا أنه قطع طرفاً ممن يكافئه عمداً بغير حق فلزمه القطع كما لو قطعه ولم تقم بينة.
(مسألة) (وإن ذهبت يده اليسرى أو كانت مقطوعة أو شلاء أو مقطوعة الاصابع أو شلت قبل قطع يمناه لم تقطع يمناه على الرواية الأولى وتقطع على الثانية.
(فصل) وإن قطع قاطع يسراه عمداً فعليه القود لأنه قطع طرفاً معصوما وإن قطعه غير متعمد فعليه ديته ولا تقطع يمين السارق، وبه قال أبو ثور وأصحاب الرأي وفيه وجه آخر أنها تقطع بناء على قطعها في المرة الثالثة وإن قلنا لا تقطع فهل تقطع رجله؟ فيه وجهان (أصحهما) لا يجب لأنه لم يجب بالسرقة وسقوط القطع عن يمينه لا يقتضي قطع رجليه كما لو كان المقطوع يمينه (والثاني) تقطع رجله لأنه تعذر قطع يمينه فقطعت رجله كما لو كانت اليسرى مقطوعة حال السرقة وإن كانت يمناه صحيحة ويسراه ناقصة نقصا يذهب بمعظم نفعها مثل أن تذهب منها الوسطى أو السبابة أو الابهام احتمل أنه كقطعها وينتقل إلى رجله، وهذا قول أصحاب الرأي واحتمل أن تقطع يمناه لأن له يداً ينتفع بها أشبه مالو قطعت خنصرها، وإن كانت يداه صحيحتين ورجله اليمنى شلاء أو مقطوعة فقال شيخنا لا أعلم فيها قولا لأصحابنا ويحتمل وجهين (أحدهما) تقطع يمينه وهو مذهب الشافعي ولأنه سارق له يمنى فقطعت عملا بالكتاب والسنة ولأنه سارق له يدان فقطعت يمناه كما لو كانت المقطوعة رجله اليسرى (والثاني) لا يقطع منه شئ وهو قول أصحاب الرأي، لأن قطع يمناه يذهب بمنفعة المشي من الرجلين فأما إن كانت رجله اليسرى شلاء ويداه صحيحتان قطعت
يده اليمنى لأنه لا يخشى تعدي ضرر القطع إلى غير المقطوع، وعلى قياس هذه المسألة لو سرق ويده
اليسرى مقطوعة أو شلاء لم يقطع منه شئ لذلك وأنكر هذا ابن المنذر، وقال: أصحاب الرأي بقولهم هذا خالفوا كتاب الله وسنة رسوله.
(مسألة) (وإذا وجب قطع يمناه فقطع القاطع يسراه بدلاً عن يمينه أجزأت ولا شئ على القاطع إلا الأدب) وهو قول الشعبي وأصحاب الرأي لأن قطع يمنى السارق يفضي الى تفويت منفعة الجنس وقطع يديه بسرقة واحدة فلا يشرع فإذا انتفى قطع يمينه حصل قطع يساره مجزئاً عن القطع الواجب فلا يجب على فاعله قصاص، وقال أصحابنا في وجوب قطع يمنى السارق وجهان وللشافعي فيما إذا لم يعلم القاطع كونها يسار وظن أن قطعها يجزئ قولان (أحدهما) لا تقطع يمين السارق كيلا تقطع يداه بسرقة واحدة (والثاني) تقطع كما لو قطعت يسراه قصاصاً، فأما القاطع فاتفق أصحابنا وأصحاب الشافعي على أنه ان قطعها من غير اختيار من السارق أو كان السارق أخرجها دهشة أو ظناً منه أنها تجزئ وقطعها القاطع عالماً بأنها يسراه وأنها لا تجزئ فعليه القصاص وإن لم يعلم أنها يسراه أو ظن أنها مجزئة فعليه ديتها، وإن كان السارق أخرجها مختاراً عالماً بالامرين فلا شئ على القاطع لأنه أذن في قطعها فأشبه غير السارق والذي اختاره شيخنا ما ذكرناه في أول الفصل.
(مسألة) (ويجتمع القطع والضمان فترد العين المسروقة الى مالكها وإن كانت تالفة غرم قيمتها وقطع) لا يختلف أهل العلم في وجوب رد العين المسروقة على مالكها إذا كانت باقية وإن كانت تالفة فعلى السارق رد قيمتها أو مثلها إن كانت مثلية قطع أو لم يقطع موسراً كان أو معسراً، وهذا قول الحسن والنخعي وحماد والبتي والليث والشافعي واسحاق وأبي ثور وقال الثوري وأبو حنيفة لا يجتمع الغرم
والقطع، إن غرمها قبل القطع سقط القطع وإن قطع قبل الغرم سقط الغرم وقال عطاء وابن سيرين والشعبي ومكحول لا غرم على السارق إذا قطع ووافقهم مالك في المعسر ووافقنا في الموسر.
قال أبو حنيفة في رجل سرق مرات ثم قطع يغرم الكل إلا الأخيرة، وقال أبو يوسف لا يغرم شيئاً لأنه قطع بالكل فلا يغرم شيئاً منه كالسرقة الأخيرة واحتجا بما روي عن عبد الرحمن بن عوف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال (إذا أقمتم الحد على السارق فلا غرم عليه) ولأن التضمين يقتضي التمليك والملك يمنع القطع فلا يجمع بينهما
ولنا أنها عين يجب ضمانها بالرد لو كانت باقية فيجب ضمانها إذا كانت تالفة كما لو لم يقطع ولأن القطع والغرم حقان يجبان لمستحقين فجاز اجتماعهما كالجزاء والقيمة في الصيد الحرمي المملوك وحديثهم ويرويه سعد بن ابراهيم عن ابن منصور وسعد بن ابراهيم مجهول قاله ابن المنذر، وقال ابن عبد البر الحديث ليس بالقوي ويحتمل أنه أراد ليس عليه اجرة القاطع وما ذكروه فهو بناء على أصولهم ولا نسلمها لهم.
(فصل) اذا فعل في العين فعلا نقصها به كقطع الثوب ونحوه وجب رده ورد نقصه ووجب القطع وقال أبو حنيفة ان كان نقصاً لا يقطع حق المغصوب منه إذا فعله الغاصب رد العين ولا ضمان عليه وإن كان يقطع حق المالك كقطع الثوب وخياطته فلا ضمان عليه ويسقط حق المسروق منه من العين وإن كان زيادة في العين كصبغه أحمر أو أصفر فلا يرد العين ولا يحل له التصرف فيها وقال أبو يوسف ومحمد يرد العين وبنى هذا على أصله في أن الغرم يسقط عنه القطع، وأما إذا صبغه فقال لا يرده لأنه
لو رده لكان شريكا فيه بصبغه ولا يجوز أن يقطع فيما هو شريك فيه وهذا ليس بصحيح لأن صبغه كان قبل القطع فلو كان شريكا بالصبغ لسقط القطع وإن كان يصير شريكا بالرد فالشركة الطارئة بعد القطع لا تؤثر كما لو اشترى نصفه من مالكه بعد القطع، وقد سلم أبو حنيفة أنه لو سرق فضة فضربها دراهم قطع ولزمه ردها وقال صاحباه لا يقطع ويسقط حق صاحبها منها بضربها وهذا شئ بنيناه على أصولهما في أن تغيير اسمها يزيل ملك صاحبها وإن ملك السارق لها يسقط القطع عنه وهو غير مسلم لهما.
(فصل) ويستوي في وجوب الحد على السارق الحر والحرة والعبد والامة ولا خلاف في وجوب الحد على الحر والحرة لقول الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولأنهما استويا في سائر الحدود فكذلك في هذا وقد قطع النبي صلى الله عليه وسلم سارق رداء صفوان وقطع المخزومية التي سرقت القطيفة فأما العبد والأمة فإن جمهور الفقهاء وأهل الفتوى على وجوب القطع عليهما بالسرقة إلا ما حكي عن ابن عباس أنه قال لا قطع عليهما لأنه حد ولا يمكن تنصيفه فلم يجب في حقهما كالرجم ولأنه حد فلا يساوي العبد فيه الحر كسائر الحدود ولنا عموم الآية وروى الأثرم أن رقيقاً لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة فانتحروها فامر كثير بن الصلت أن يقطع أيديهم ثم قال عمر والله إني لا أراك تجيعهم ولكن لأغرمنك
غرماً يشق عليك ثم قال للمزني كم ثمن ناقتك؟ قال أربعمائة درهم قال عمر أعطه ثمانمائة درهم، وروى القاسم عن أبيه أن عبداً أقر بالسرقة عند علي فقطعه، وفي رواية قال كان عبداً يعني الذي قطعه علي رواه الإمام أحمد في مسنده وهذه قصص تنتشر وتشهر ولم تنكر فتكون إجماعاً، وقولهم لا يمكن تنصيفه قلنا ولا يمكن تعطيله فيجب تكميله وقياسهم نقلبه عليهم فنقول حق فلا يتعطل في حق العبد والامة كسائر الحدود، وفارق الرجم فان حد الزنا لا يتعطل بتعطيله بخلاف القطع فإن حد السرقة يتعطل بتعطيله (فصل) ويقطع الآبق بسرقته روى ذلك عن ابن عمر وعمر بن عبد العزيز وبه قال مالك والشافعي وقالا مروان وسعيد بن العاص وأبو حنيفة لا يقطع لأن قطعه قضاء على سيده ولا يقضى على الغائب ولنا عموم الكتاب والسنة وانه مكلف سرق نصابا من حرز مثله فيقطع كغير الآبق، وقولهم انه قضاء على سيده ممنوع فانه لا يعتبر فيه إقرار السيد ولا يضر إنكاره وإنما يعتبر ذلك من العبد ثم القضاء على الغائب بالبينة جائز على ما ذكر في موضعه (مسألة) (وهل يجب الزيت الذي يحسم به من بيت المال أو من مال السارق؟ على وجهين) (أحدهما) من بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به القاطع في حديث سارق الشملة فقال (اقطعوه واحسموه) ولأنه من المصالح وذلك يقتضي أن يكون من بيت المال فان لم يحسم فذكر القاضي أنه لا شئ عليه لأن عليه القطع لا مداواة المحدود (والثاني) من مال السارق لأنه مداواة له فكان في ماله كمداواته في مرضه، ويستحب للمقطوع حسم نفسه فان لم يفعل لم يأثم لأنه ترك التداوي في المرض وهذا مذهب الشافعي
باب حد المحاربين (وهم قطاع الطريق) والأصل في حكمهم قول الله تعالى (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض) وهذه الآية في قول ابن عباس وكثير من العلماء نزلت في قطاع الطريق من المسلمين وبه يقول مالك والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي وحكي عن ابن عمر أنه قال نزلت هذه الآية في المرتدين وحكي ذلك عن الحسن وعطاء وعبد الكريم لأن سبب نزولها قصة العرنيين وكانوا ارتدوا عن الاسلام وقتلوا الرعاة واستاقوا إبل الصدقة فبعث النبي صلى الله عليه وسلم من جاء بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وسمل أعينهم وألقاهم في الحرة حتى ماتوا، قال أنس فانزل الله تعالى في ذلك (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله) الآية أخرجه أبو داود والنسائي ولأن محاربة الله ورسوله إنما تكون من الكفار لا من المسلمين ولنا قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم) والكفار تقبل توبتهم بعد القدرة كما تقبل قبلها ويسقط عنهم القتل والقطع في كل حال والمحاربة قد تكون من المسلمين بدليل قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فائذنوا (فأذنوا) بحرب من الله ورسوله)
(مسألة) (وهم الذين يعرضون للناس بالسلاح في الصحراء فيغصبونهم المال مجاهرة، فأما من يأخذه على وجه السرقة فليس بمحارب) المحاربون الذين تثبت لهم أحكام المحاربة التي نذكرها بعد إن شاء الله تعالى يعتبر لهم ثلاثة شروط: (أحدها) لا يكون ذلك في الصحراء (مسألة) (وإن فعلوا ذلك في البنيان لم يكونا محاربين) في قول الخرقي وقد توقف أحمد رحمه الله فيهم فظاهر كلام أحمد أنهم غير محاربين، وبه قال أبو حنيفة والثوري لأن الواجب يسمى حد قطاع الطريق وقطع الطريق إنما هو في الصحراء ولان من في المصر يلحق به الغوث غالباً فتذهب شوكة المعتدين ويكونون مختلسين والمختلس ليس بقاطع ولا حد عليه، وقال أبو بكر وكثير من أصحابنا حكمهم في المصر والصحراء واحد، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وابو ثور لتناول الآية بعمومها كل محارب، ولأن ذلك إذا وجد في المصر كان أعظم جوراً وأكثر ضرراً فكان بذلك أولى، وذكر القاضي أن هذا إن كان في المصر بحيث لو كبسوا دارا فكان أهل الدار بحيث لو صاحوا جاءهم الغوث فليس هؤلاء قطاع طريق لأنهم في موضع يلحقهم الغوث عادة فان حضروا قرية أو بلدة ففتحوه وغلبوا على أهله أو محله مفردة بحيث لا يلحقهم الغوث عادة فهم محاربون لأنهم لا يلحقهم الغوث عادة فأشبه قطاع الطريق في الصحراء (الشرط الثاني) أن يكون معهم سلاح فإن لم يكن سلاح فليسوا محاربين لأنهم لا يمنعون من يقصدهم ولا نعلم في هذا خلافاً، فإن عرضوا بالعصي والحجارة فهم محاربون وبه قال الشافعي وأبو ثور وقال أبو حنيفة ليسوا محاربين لأنهم لا سلاح معهم
ولنا أن ذلك من جملة السلاح الذي يأتي على النفس والطرف فأشبه الحد (الشرط الثالث) ان يأتوا مجاهرة ويأخذوا المال قهراً، فأما إن أخذوه مختفين فهم سراق وإن اختطفوه وهربوا فهم منتهبون لا قطع عليهم وكذلك إن خرج الواحد والاثنان على آخر قافلة فاستلبوا منها شيئاً فليسوا بمحاربين لأنهم لا يرجعون إلى منعة وقوة، وإن خرجوا على عدد يسير فقهروهم فهم قطاع طريق (مسألة) (فاذا قدر عليهم فمن كان منهم قد قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر وقال أبو بكر يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب وعن أحمد أنه يقطع مع ذلك) وجملة ذلك أن المحارب إذا قتل من يكافئه وأخذ المال قتل حتماً وصلب حتى يشتهر، روي نحو هذا عن ابن عباس وبه قال قتادة وأبو مجلز وحماد والليث والشافعي، وعن أحمد أنه إذا قتل وأخذ المال قتل وقطع لأن كل واحدة من الجنايتين توجب حداً منفرداً فاذا اجتمعا وجب حدهما معا كما لو زنى وسرق وذهبت طائفة إلى أن الامام مخير فيهم بين القتل والصلب والقطع والنفي لأن أو تقتضي التخيير كقوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة) وهذا قول سعيد بن المسيب ومجاهد وعطا والحسن والضحاك والنخعي وأبي الزناد وأبي ثور وداود
وروي عن ابن عباس ما كان في القرآن (أو) فصاحبه بالخيار وقال أصحاب الرأي ان قتل قتل وإن أخذ المال قطع وإن قتل وأخذ المال فالإمام مخير بين قتله وصلبه وبين قتله وقطعه وبين أن يجمع ذلك كله لأنه
قد وجه منه ما يوجب القتل والقطع فكان للامام فعلهما كما لو قتل وقطع في غير قطع طريق، وقال مالك إذا قطع الطريق فراه الامام جلداً ذا رأي قتله وإن كان جلداً لا رأي له قطعه ولم يعتبر فعله ولنا على أنه لا يقتل إذا لم يقتل قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث: كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق) فأما أو فقد قال ابن عباس مثل قولنا فأما أن يكون توقيفاً أو لغة وايهما كان فهو حجة يدل عليه أنه بدأ بالأغلظ فالأغلظ وعرف القرآن فيما أريد به التخيير البداءة بالاخف ككفارة اليمين وما أريد به الترتيب بدأ بالأغلظ ككفارة الظهار والقتل، ويدل عليه أيضاً أن العقوبات تختلف باختلاف الاجرام ولذلك اختلف حكم الزاني والقاذف والسارق وقد سووا بينهم ههنا مع اختلاف جناياتهم، وهذا يرد على مالك فانه إنما اعتبر الجلد والرأي دون الجنايات وهو مخالف للأصول التي ذكرناها، وأما قول أبي حنيفة فلا يصح لأن القتل لو وجب لحق الله تعالى لم يخير الامام فيه كقطع السارق وكما لو انفرد بأخذ المال ولان حدود الله تعالى إذا كان فيها قتل سقط سائرها كما لو سرق وزنى وهو محصن وقد روي عن ابن عباس قال وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا برزة 1 الاسلمي فجاء ناس يريدون الاسلام فقطع عليهم أصحابه فنزل جبريل عليه السلام بالحد فيهم أن من قتل وأخذ المال قتل وصلب ومن قتل ولم يأخذ المال قتل ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف وقيل انه رواه أبو داود وهو كالمسند وهو نص.
إذا
ثبت هذا فإن قاطع الطريق لا يخلو من خمسة أحوال (الأولى) إذا قتل وأخذ المال فانه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب وقتله متحتم لا يدخله عفو أجمع على هذا كل أهل العلم حكاه ابن المنذر وروي ذلك عن ابن عمر وبه قال سليمان بن موسى والزهري ومالك وأصحاب الرأي ولأنه حد من حدود الله فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود (مسألة) (وان قتل من لا يكافئه فهفل يقتل؟ على روايتين) (إحداهما) لا يعتبر بل يؤخذ الحر بالعبد والمسلم بالذمي والأب بالابن لأن هذا القتل حق لله تعالى فلا تعتبر فيه المكافأة كالزنا والسرقة (والثانية) تعتبر المكافأة لقول النبي صلى الله عليه وسلم (لا يقتل مسلم بكافر) والحد فيه انحتامه بدليل أنه لو مات قبل القدرة عليه سقط عنه الانحتام ولم يسقط القصاص فعلى هذه الرواية إذا قتل المسلم ذمياً والحر عبداً وأخذ ماله قطعت يده ورجله لأخذه المال وغرم دية الذمي وقيمة العبد وان قتله ولم يأخذ مالا غرم ديته ونفي، وذكر القاضي أنه إنما يتحتم قتله إذا قتله ليأخذ المال وان قتله لغير ذلك مثل أن يقصد قتله لعداوة بينهما فالواجب قصاص غير متحتم، وإذا قتل صلب لقول الله تعالى (أو يصلبوا) والكلام فيه في ثلاثة أمور (أحدها) في وقته وهو بعد القتل وبهذا قال الشافعي وقال الأوزاعي ومالك والليث وابو حنيفة وأبو يوسف يصلب حياً ثم يقتل مصلوباً، يطعن بالحربة لأن الصلب عقوبة وإنما يعاقب الحي لا الميت ولأنه جزاء على المحاربة فيشرع في الحياة كسائر الا جزية ولأن الصلب بعد قتله يمنع دفنه وتكفينه فلا يجوز ولنا أن الله تعالى قدم القتل على الصلب لفظاً والترتيب بينهما ثابت بغير خلاف فيجب تقديم الأول في اللفظ كقوله تعالى (إن الصفا والمروة من شعائر الله) ولأن القتل إذا اطلق على لسان الشرع
كان قتلاً بالسيف ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (ان الله كتب الاحسان على كل شئ فاذا قتلتم فأحسنوا القتل) وحسن القتل هو القتل بالسيف وفي صلبه حياً تعذيب له وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الحيوان، وقولهم انه جزاء على المحاربة قلنا لو شرع لردعه لسقط بقتله كما تسقط سائر الحدود مع القتل وإنما شرع الصلب ردعا لغيره ليشتهر أمره وهذا يحصل بصلبه بعد قتله، وقولهم يمنع تكفينه ودفنه قلنا هذا لازم لهم لأنهم يتركونه بعد قتله مصلوباً (الثاني) في قدره ولا توقيت فيه إلا قدر ما يشتهر أمره هكذا ذكره الخرقي وقال أبو بكر يصلب قدر ما يقع عليه اسم الصلب لأن أحمد لم يوقت في الصلب شيئاً، والصحيح توقيته بما ذكره الخرقي من الشهرة لأن المقصود يحصل به وقال الشافعي وابو حنيفة يصلب ثلاثاً وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز مع أنه في الظاهر يفضي إلى تغيره ونتنه وأذى المسلمين برائحته ونظره ويمنع تغسيله وتكفينه ودفنه فلا يجوز بغير دليل (الثالث) في وجوبه وهو واجب حتم في حق من قتل وأخذ المال لا يسقط بعفو ولا غيره وقال
أصحاب الرأي إن شاء الامام صلب وان شاء لم يصلب ولنا حديث ابن عباس أن جبريل نزل بأن من قتل وأخذ المال صلب ولأنه شرع حدا فلم يتخير بين فعله وتركه كالقتل وسائر الحدود.
إذا ثبت هذا فانه إذا اشتهر أنزل ودفع الى اهله فيغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن (فصل) فإن مات قبل قتله لم يصلب لأن الصلب من تمام الحد وقد فات الحد بموته فيسقط
ما هو من تمامه، وإن قتل في المحاربة بمثقل قتل كما لو قتل بمحدد لا ستوائهما في وجوب القصاص بهما وإن قتل بآلة لا يجب القصاص بالقتل بها كالسوط والعصا والحجر الصغير فالظاهر أنهم يقتلون أيضاً لأنهم دخلوا في العموم (مسألة) (وإن جنى جناية توجب القصاص فيما دون النفس فهل يتحتم استيفاؤه؟ على روايتين) إذا جرح المحارب جرحاً في مثله القصاص فهل يتحتم فيه القصاص؟ على روايتين (إحداهما) لا يتحتم لأن الشرع لم يرد بشرع الحد في حقه بالجراح فإن الله تعالى ذكر في حدود المحاربين القتل والصلب والقطع والنفي فلم يتعلق بالمحاربة غيرها فلا يتحتم بخلاف القتل فانه حد فتحتم كسائر الحدود فحينئذ لا يجب فيه أكثر من القصاص (والثانية) يتحتم لأن الجراح تابعة للقتل فيثبت فيها مثل حكمه ولأنه نوع قود أشبه القود في النفس والأولى أولى، فإن جرحه جرحاً لا قصاص فيه كالجائفة فليس فيه إلا الدية، وان جرح إنساناً وقتل آخر اقتص منه للجراح وقتل للمحاربة وقال أبو حنيفة تسقط الجراح لأن الحدود إذا اجتمعت وفيها قتل سقط ما سوى القتل ولنا أنها جناية يجب بها القصاص في غير المحاربة فيجب بها في المحاربة كالقتل ولا نسلم أن القصاص في الجراح حد إنما هو قصاص متمحض فأشبه مالو كان الجرح في غير المحاربة، وإن سلمنا أنه حد فإنه مشروع مع القتل فلم يسقط به كالصلب وقطع اليد والرجل عندهم (مسألة) (وحكم الردء حكم المباشر.
)
وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وقال الشافعي ليس على الردء إلا التعزير، ولأن الحد يجب بارتكاب المعصية فلا يتعلق بالمعين كسائر الحدود.
ولنا أنه حكم يتعلق بالمحاربة فاستوى فيه الردء والمباشر كاستحقاق الغنيمة، ولأن المحاربة مبنية على حصول المنفعة والمعاضدة والمناصرة فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الردء بخلاف سائر الحدود فعلى هذا إذا قتل واحد منهم ثبت حكم القتل في حق جميعهم فيجب قتل الكل وإن قتل بعضهم وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم وصلبهم كما لو فعل الامرين كل واحد منهم.
(فصل) وإن كان فيهم صبي أو مجنون أو ذو رحم من المقطوع عليه لم يسقط الحد عن غيره في قول أكثر أهل العلم وقال أبو حنيفة يسقط عن جميعهم ويصير القتل للأولياء إن شاءوا قتلوا وإن شاءوا عفوا لأن حكم الجميع واحد فالشبهة في فعل واحد شبهة في حق الجميع.
ولنا أنها شبهة اختص بها واحد فلم يسقط الحد عن الباقين كما لو اشتركوا في وطئ امرأة وما ذكروه لا أصل له، فعلى هذا لا حد على الصبي والمجنون وإن باشرا القتل وأخذا المال لأنهما ليسا من أهل الحدود وعليهما ضمان ما أخذا من المال في اموالهما ودية قتلهما على عاقلتهما ولا شئ على الردء لهما لأنه إذا لم يثبت ذلك للمباشر لم يثبت لمن هو تبع له بطريق الأولى، وإن كان المباشر غيرهما لم يلزمهما شئ لأنهما لم يثبت في حقهما حكم المحاربة، (فصل) فإن كان فيهم امرأة ثبت لها حكم المحاربة فمتى قتلت أو أخذت المال فحكمها حكم
قطاع الطريق، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا يجب عليها الحد ولا على من معها لأنها ليست من أهل المحاربة فأشبهت الصبي والمجنون.
ولنا أنها تحد في السرقة فيلزمها حكم المحاربة كالرجل، وتخالف الصبي والمجنون لانها مكلفة يلزمها سائر القصاص وسائر الحدود فيلزمها هذا الحد كالرجل.
إذا ثبت هذا فإنها إن باشرت القتل أو أخذ المال ثبت حكم المحاربة في حق من معها لأنهم ردء لها، وإن فعل ذلك غيرها ثبت حكمه في حقها لأنها ردء له كالرجل سواء، وإن قطع أهل الذمة الطريق أو كان مع المسلمين المحاربين ذمي فهل ينتقض عهدهم بذلك؟ فيه روايتان، فان قلنا ينتقض عهدهم حلت دماؤهم وأموالهم بكل حال وإن قلنا
لا ينتقض عهدهم حكمنا عليهم بما يجب على المسلمين.
(مسألة) (ومن قتل ولم يأخذ المال قتل وهل يصلب؟ على روايتين) (إحداهما) يصلبون لأنهم محاربون يجب قتلهم فيصلبون كالذين أخذوا المال (والثانية) لا يصلبون وهي أصح لأن الخبر المروي فيهم قال فيه (ومن قتل ولم يأخذ المال قتل) ولم يذكر صلباً ولأن جنايتهم بأخذ المال مع القتل تزيد على الجناية بالقتل وحده فيجب أن تكون عقوبتهم أغلظ ولو شرع الصلب ههنا لاستويا والحكم في تحتم القتل وكونه حداً ههنا كالحكم فيه إذا قتل وأخذ المال (مسألة) (ومن أخذ المال ولم يقتل قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى في مقام واحد وحسمتا) وهذا معنى قوله سبحانه (من خلاف) وإنما قطعنا يده اليمنى للمعنى الذي قطعنا به يمين السارق ثم قطعنا رجله اليسرى لتتحقق المخالفة.
ويكون أرفق به في امكان مشيه ولا ينتظر اندمال
اليد في قطع الرجل بل يقطعان معاً يبدأ بيمينه فتقطع وتحسم ثم برجله، لأن الله تعالى بدأ بذكر الأيدي، ولا خلاف بين أهل العلم في أنه لا يقطع منه غير يد ورجل إذا كانت يداه ورجلاه صحيحتين (مسألة) (ولا يذطع منهم إلا من أخذ ما يقطع السارق في مثله) .
وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي وقال مالك وأبو ثور وابن المنذر للامام أن يحكم عليه حكم المحارب لانه محارب لله ورسوله يسارع في الارض بالفساد فيدخل في عموم الآية، ولأنه لا يعتبر الحرز فكذلك النصاب.
ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم (لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا) ولم يفصل ولأن هذه جناية تعلقت بها عقوبة في حق غير المحارب فلا تتغلظ في المحارب بأكثر من وجه واحد كالقتل يغلظ بالانحتام كذلك ههنا يغلظ بقطع الرجل معها ولا يتغلظ بما دون النصاب، وأما الحرز فهو معتبر فانهم لو أخذوا مالا مضيعا لاحافظ له لم يجب القطع، فإن اخذوا مالا يبلغ نصابا ولا تبلغ حصة كل واحد منهم نصاباً قطعوا على قياس قولنا في السرقة، وقياس قول الشافعي وأصحاب الرأي انه لا يجب القطع حتى تبلغ حصة كل واحد منهم نصاباً، ويشترط أيضاً أن لا تكون لهم شبهة فيما يأخذونه من المال على ما ذكرنا في المسروق
(مسألة) (فإن كانت يمينه مقطوعة أو مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى وهل تقطع يسرى يديه؟ ينبني على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة) إذا كان معدوم اليد أو الرجل إما لكونه قد قطع في قطع طريق أو سرقة أو قصاص أو بمرض أو تكون مستحقة في قصاص أو شلاء قطعت رجله اليسرى كما لو كانت يمناه موجودة وكذلك
إن كانت يده اليمنى موجودة ورجله اليسرى معدومة فإنا نقطع الموجود منهما حسب، ويسقط في المعدوم لأن ما تعلق به الغرض معدوم فسقط كالغسل في الوضوء، وهل تقطع يسرى يديه ينبني؟ على الروايتين في قطع يسرى السارق في المرة الثالثة، فإن قلنا تقطع ثم قطعت ههنا، وإن قلنا لا تقطع وهو المختار سقط قطعها لأن قطعها يفضي الى تفويت منفعة البطش وإن كان ما وجب قطعه أشل فذكر أهل الطب أن قطعه يفضي إلى تلفه لم يقطع وكان حكمه حكم المعدوم وإن قالوا لا يفضي إلى تلفه ففي قطعه روايتان ذكرناهما في قطع السارق.
(مسألة) (ومن لم يقتل ولا أخذ المال نفي وشرد فلا يترك يأوي إلى بلد، وعنه إن نفيه تعزيره بما يردعه) .
وجملته أن المحاربين إذا أخافوا السبيل ولم يقتلوا ولا أخذوا المال فانهم ينفون من الأرض لقوله سبحانه (أو ينفوا من الأرض) يروي عن ابن عباس أن النفي يكون في هذا الحالة وهو قول النخعي وقتادة وعطاء الخراساني والنفي هو تشريدهم عن الامصار والبدان فلا يتركون يأوون بلداً، يروى نحو هذا عن الحسن والزهري وعن ابن عباس أنه ينفى من بلده الى غيره كنفي الزاني، وبه قال طائفة من أهل العلم.
قال أبو الزناد كان منفى الناس الى باضع من ارض الحبشة وذلك اقصى تهامة اليمن وقال مالك يحبس في البلد الذي نفي اليه كقوله في الزاني وقال أبو حنيفة يحبس حتى يحدث توبة ونحو هذا قال الشافعي فإنه قال في هذه الحال يعزرهم الامام وإن رأى أن يحبسهم حبسهم وقيل عنه النفي طلب الامام لهم ليقيم فيهم حدود الله وروي ذلك عن ابن عباس وقال ابن شريح يحبسهم في غير بلدهم وهذا مثل قول مالك، لأن تشريدهم إخراج لهم إلى مكان يقطعون فيه الطريق
ويؤذون به الناس فكان حبسهم أولى وعن أحمد رواية اخرى حكاها أبو الخطاب معناها أن نفيهم طلب الامام لهم فاذا ظفر بهم عزرهم بما يردعهم.
ولنا ظاهر الآية فان النفي الطرد والابعاد والحبس إمساك وهما يتنافيان فأما نفيهم إلى مكان غير معين فلقوله تعالى (أو ينفوا من الأرض) وهذا يتناول نفيه من جميعها وما ذكروه يبطل بنفي الزاني فانه ينفى الى مكان يحتمل أن يوجد فيه الزنا ولم يذكر أصحابنا قدر مدة نفيهم فيحتمل أن تتقدر مدته بما يظهر فيه توبتهم وتحسن سيرتهم ويحتمل أن ينفوا عاماً كنفي الزنا.
(مسألة) (ومن تاب منهم قبل القدرة عليه سقطت عنه حدود الله تعالى من الصلب والقطع والنفي وانحتام القتل وأخذوا بحقوق الآدميين من الأنفس والجراح والأموال إلا أن يعفى له عنها) لا نعلم في هذا خلافاً.
وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي وأبو ثور، والأصل في هذا قول الله تعالى (إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم)) فأما إن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط عنه شئ من الحدود للآية فأوجب عليهم الحد ثم استثنى التائبين بعد القدرة فمن عداهم يبقى على قضية العموم لأنه إذا تاب قبل القدرة فالظاهر أنها توبة إخلاص، وبعدها الظاهر أنها تقية من إقامة الحد عليه ولأن في قبول توبته وإسقاط الحد عنه قبل القدرة ترغيباً في توبته والرجوع عن محاربته وافساده فناسب ذلك الاسقاط عنه، وأما بعدها فلا حاجة إلى ترغيبه لأنه قد عجز عن الفساد والمحاربة (فصل) فان فعل المحارب ما يوجب حداً لا يختص المحاربة كالزنا والقذف وشرب الخمر والسرقة
فذكر القاضي أنها تسقط بالتوبة لأنها حدود الله تعالى فسقطت التوبة كحد المحاربة إلا حد القذف فإنه لا يسقط لأنه حق آدمي ولأن في إسقاطها ترغيباً في التوبة، ويحتمل أن لا تسقط لأنها لا تختص المحاربة فكانت في حقه كهي في حق غيره، فان أتى حداً قبل المحاربة ثم حارب وتاب قبل القدرة لم يسقط الحد الأول لأن التوبة إنما يسقط بها الذنب الذي تاب منه دون غيره (مسألة) (ومن وجب عليه حد سوى ذلك فتاب قبل إقامته لم يسقط عنه، وعنه أنه يسقط بمجرد التوبة قبل إصلاح العمل) من تاب وعليه حد من المحاربين وأصلح ففيه روايتان (إحداهما) يسقط عنه لقول الله تعالى (واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) وذكر حديث السارق ثم قال (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) وقال النبي صلى الله عليه وسلم (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) ومن لاذنب له لا حد عليه وقال في ماعز لما أخبر بهربه (هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه؟) ولأنه خالص حق الله تعالى فيسقط بالتوبة كحد المحارب (والثانية) لا يسقط وهو قول مالك وابي حنيفة وأحد قولي الشافعي لقول الله تعالى (الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة) وهو عام في التائب وغيره وقال الله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) ولأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم ماعزا والغامدية وقطع الذي أقر بالسرقة، وقد
جاءوا تائبين يطلبون التطهير باقامة الحد، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم فعلم توبة فقال في حق المرأة (لقد تابت توبة لو قسمت على أهل المدينة لوسعتهم) وجاء عمرو بن سمرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يارسول الله إني سرقت جملا لبني فلان فطهرني وقد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الحد، ولأن الحد كفارة فلم يسقط بالتوبة ككفارة اليمين والقتل ولأنه مقدور عليه فلم يسقط الحد عنه كالمحارب بعد القدرة عليه فان قلنا يسقط الحد بالتوبة فهل يسقط بمجرد التوبة أو بها مع إصلاح العمل؟ فيه وجهان (أحدهما) يسقط بمجردها وهو ظاهر قول أصحابنا لأنها توبة مسقطة للحد فأشبهت توبة المحارب قبل القدرة عليه (والثاني يعتبر إصلاح العمل لقول الله تعالى (فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما) وقال تعالى (فمن تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله يتوب عليه) فعلى هذا الوجه يعتبر مضي مدة يعلم بها صدق توبته وصلاح نيته وليست مقدرة بمدة معلومة، وقال بعض أصحاب الشافعي مدة ذلك سنة وهذا توقيت بغير توقيف فلا يجوز (مسألة) (ومن مات وعليه حد سقط عنه) لفوات محله كما يسقط غسل ما ذهب من أعضاء الطهارة في الوضوء والغسل (فصل) (ومن أريدت نفسه أو حرمته أو ماله فله الدفع عن ذلك بأسهل ما يعلم دفعه به فان لم يحصل إلا بالقتل فله ذلك ولا شي عليه، وإن قتل كان شهيداً، وهل يلزمه الدفع عن نفسه؟ على روايتين وسواء كان الصائل آدميا أو غيره، وإن دخل رجل منزله متلصصاً أو صائلاً فحكمه حكم ما ذكرنا) وجملة ذلك أن الرجل إذا دخل منزل غيره بغير إذنه فلصاحب المنزل أمره بالخروج من منزله سواء كان معه سلاح أو لم يكن لأنه متعد بدخول ملك غيره فكان لصاحب المنزل مطالبته بترك التعدي كما لو
غصب منه شيئاً فان خرج بالأمر لم يكن له ضربه لأن المقصود إخراجه، وقد روي عن ابن عمر أنه رأى لصاً فأصلت عليه السيف قال الراوي فلو تركناه لقتله، وجاء رجل إلى الحسن فقال لص دخل يبتي ومعه حديدة أقتله؟ قال نعم بأي قتلة قدرت أن تقتله ولنا أنه أمكن إزالة العدوان بغير القتل فلم يجز القتل كما لو غصب منه شيئاً فأمكن أخذه بغير القتل وفعل ابن عمر يحمل على قصد الترهيب لا على أنه قصد إيقاع الفعل، فان لم يخرج بالامر فله ضربه بأسهل ما يعلم أنه يندفع به لان المقصود دفعه، فإذا اندفع بقليل فلا حاجة الى أكثر منه، فان علم أنه يخرج بالعصا لم يكن له ضربه بالحديد لأن الحديد آلة للقتل بخلاف العصا، وإن ذهب هارباً لم يكن له قتله ولا اتباعه كالبغاة، وإن ضربه ضربة عصلته لم يكن له أن يثني عليه لأنه كفى شره، وإن ضربه فقطع يمينه فولى مدبراً فضربه فقطع فالرجل مضمونة بالقصاص أو الدية لانه في حال لا يحل له ضربه وقطع اليد غير مضمون، فإن مات من سراية القطع فعليه نصف الدية كما لو مات من جراحة اثنين، وإن عاد إليه بعد قطع رجله فقطع يده الاخرى فاليدان غير مضمونتين فان مات فعليه ثلث الدية كما لو مات من جراحة ثلاثة أنفس، وقياس المذهب أن يضمن نصف الدية لأن الجرحين قطع رجل واحد فكان حكمهما واحداً كما لو جرح رجل رجلا جراحات وجرحه آخر جرحا واحداً ومات كانت ديته بينهما نصفين، ولا تقسم الدية على عدد الجراحات كذا هذا فان لم يمكنه دفعه إلا بالقتل أو خاف أن يبدره بالقتل إن لم يعاجله بالدفع فله ضربه بما يقتله ويقطع طرفه، وما أتلف منه فهو هدر لأنه يتلف لدفع شره فلم يضمنه كالباغي ولأنه اضطر صاحب المنزل إلى قتله فصار كالقاتل لنفسه
وإن قتل صاحب المنزل فهو شهيد لما روى عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (من أريد ماله بغير حق فقاتل فقتل فهو شهيد) رواه الخلال باسناده ولأنه قتل لدفع ظالم فكان شهيداً كالعادل إذا قتله الباغي (فصل) وكل من عرض لإنسان يريد ماله أو نفسه فحكمه ما ذكرنا فيمن دخل منزله من دفعهم بأسهل ما يمكن دفعه به، فإن كان بينهما نهر كبير أو خندق أو حصن لا يقدرون على اقتحامه فليس له رميهم، فإن لم يمكن إلا بقتالهم فله قتالهم وقتلهم.
قال أحمد في اللصوص يريدون نفسك ومالك: قاتلهم تمنع نفسك ومالك، وقال عطاء في المحرم يلقاه اللصوص يقاتلهم أشد القتال، وقال ابن سيرين ما أعلم أحداً ترك قتال الحرورية واللصوص تأثماً إلا أن يجبن، وقال الصلت بن طريف قلت للحسن إني أخرج في هذه الوجوه، أخوف شئ عندي يلقاني اللصوص يعرضون لي في مالي فإن كففت يدي ذهبوا بمالي، وإن قاتلت اللص ففيه ما قد علمت، قال أي بني من عرض لك في مالك فإن قتلته فإلى النار، وإن قتلك فشهيد، ونحو ذلك عن أنس والنخعي والشعبي، وقال أحمد في امرأة أرادها رجل على نفسها فقتلته لتحصن نفسها قال إذا عملت أنه لا يريد إلا نفسها فقاتلته لتدفع عن نفسها فلا شئ عليها وذكر حديثاً يرويه الزهري عن القاسم بن محمد عن عبيد بن عمير أن رجلاً أضاف ناساً من هذيل فأراد امرأة على نفسها فرمته بحجر فقتلته فقال عمر والله لا يودى أبداً، ولأنه إذا جاز الدفع عن ماله الذي يجوز له بذله وإباحته فدفع المرأة عن نفسها وصيانتها عن الفاحشة التي لا تباح بحال أولى.
إذا ثبت هذا فإنه يجب عليها أن تدفع عن نفسها إن أمكنها ذلك لأن التمكين منها محرم وفي ترك الدفع نوع تمكين فأما من أريد ماله فلا يجب عليه الدفع لأن بذل المال مباح
(مسألة) (فان أريدت نفسه لم يلزمه الدفع) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الفتنة (اجلس في بيتك فان خفت أن يبهرك شعاع السيف فغط وجهك) وفي لفظ (فكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل) وفي لفظ (كن كخير ابني آدم) ولأن عثمان رضي
الله عنه لم يدفع عن نفسه وترك القتال مع إمكانه، فان قيل قلتم في المضطر إذا وجد ما يدفع به الضرورة لزمه الأكل منه في أحد الوجهين، 1 قلنا الأكل تحيى به نفسه من غير تفويت غيره (2) فلزمه كالأكل في المخمصة (والثاني) لا يلزمه لأنه دفع عن نفسه فلم يلزمه كالدفع بالقتال وفيه رواية أخرى يلزمه الدفع عن نفسه لأنه لا يجوز إقرار المنكر مع إمكان دفعه.
والأولى إن شاء الله أنه يلزمه الدفع عن حرمته ولا يلزمه الدفع عن ماله لأنه يجوز له بذله، فان أريدت نفسه فالأولى في الفتنة ترك الدفع لما ذكرنا من الاحاديث والأثر في دفع اللصوص، وإذا صالت عليه بهيمة ففيه روايتان أولاهما وجوب الدفع إذا أمكنه كما لو خاف من سيل أو نار وأمكنه أن يتنحى عن ذلك، وإن أمكنه الهرب ففيه وجهان (أولاهما) يلزمه كالأكل في المخمصة (والثاني) لا يلزمه كالدفع بالقتال (فصل) وإذا صال على إنسان صائل يريد نفسه أو ماله ظلماً أو يريد امرأة ليفجر بها فلغير المصول عليه معونته في الدفع، ولو عرض اللصوص لقافلة جاز لغير أهل القافلة، الدفع عنهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً) وفي حديث (إن المؤمنين يتعاونون على القتال) ولأنه لولا التعاون لذهبت اموال الناس وأنفسهم لأن قطاع الطريق إذا انفردوا بأخذ مال إنسان ولم يعنه غيره فانهم يأخذون أموال الكل واحداً واحداً وكذلك غيرهم (فصل) إذا وجد رجلا يزني بامرأته فقتله فلا قصاص عليه لما روي أن عمر رضي الله عنه بينما
هو يتعدى يوما إذ أقبل رجل يعدو ومعه سيف مجرد ملطخ بالدم فجاء حتى قعد مع عمر فجعل يأكل وأقبل جماعة من الناس فقالوا يا أمير المؤمنين إن هذا قتل صاحبنا مع امرأته فقال عمر ما يقول هؤلاء؟ قال ضرب الآخر فخذ امرأته بالسيف، فإن كان بينهما أحد فقد قتله فقال لهم عمر ما يقول؟ قالوا ضرب بسيفه فقطع فخذي امرأته فأصاب وسط الرجل فقطعه باثنين فقال عمر إن عادوا فعد.
رواه هشيم عن مغيرة عن ابراهيم أخرجه سعيد، فإن كانت المرأة مطاوعة فلا ضمان عليه فيها، وإن كانت مكرهة فعليه القصاص، فأما إن قتل رجلاً وادعى أنه وجده مع امرأته فقتلها أو قتله فقال علي إن جاءوا باربعة شهداء وإلا فليعط برقبته، فعلى هذا يفتقر إلى أربعة شهود لحديث علي، وروي أنه يكفي شاهدان لان البينة تشهد على وجوده مع المرأة وهذا يثبت بشاهدين وإنما الذي يحتاج الى أربعة الزنا وهذا لا يحتاج إلى إثبات الزنا، فإن قبل فحديث عمر في الذي وجد مع امرأته رجلاً ليس فيه بينة وكذلك روي أن رجلا من المسلمين خرج غازيا وأوصى بأهله رجلا فبلغ الرجل أن يهودياً يختلف إلى امرأته فكمن له حتى جاء فجعل ينشد واشعث غره الاسلام مني * خلوت بفرسه ليل التمام أبيت على ترائبها ويصحي * على جرداء لاحقة الحزام كأن مواضع الرتلات منها * فئام ينهضون الى فئام فقام اليه فقتله فرفع ذلك إلى عمر فأهدر دمه، فالجواب ان ذلك ثبت عنده باقرار الولي، وإن لم تكن بينة فادعى علم الولي بذلك فالقول قول الولي مع يمينه