يستحب ذكر الموت لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أكثروا ذكر هاذم اللذات، فما ذكر في كثير إلا قلله، ولا في قليل إلا كثره " روى البخاري أوله.
قال ابن عقيل معناه متى ذكر في قليل من الرزق استكثره الانسان لاستقلال ما بقي من عمره، ومتى ذكره في كثير قلله لأن كثير الدنيا اذا علم انقطاعه بالموت قل عنده.
ويستحب الاستعداد للموت قال الله تعالى (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا) واذا مرض الانسان استحب أن يصبر لما وعد الله الصابرين من الأجر قال الله تعالى (وانما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) ويكره الأنين لأنه روي عن طاوس كراهته، ولا يتمنى الموت لضر نزل به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، ويقول اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي " متفق عليه وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح، ويحسن ظنه بربه تعالى لما روى جابر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته بثلاثة أيام يقول " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن
بالله عزوجل " رواه مسلم بمعناه وأبو داود.
وقال معتمر عن أبيه أنه قال عند موته: حدثني بالرخص * (مسألة) * (ويستحب عيادة المريض وتذكيره التوبة والوصية)
عيادة المريض مستحبة لما روى البراء قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع ونهانا عن سبع.
أمرنا بعيادة المريض واتباع الجنازة وذكر الحديث رواه البخاري ورواه مسلم بمعناه.
وعن علي رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ما من مسلم يعود مسلماً إلا ابتعث الله له سبعون ألف ملك يصلون عليه أي ساعة من النهار كانت حتى يمسي، وأي ساعة من الليل كانت حتى يصبح " رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي، وزاد وكان له خريف في الجنة، وقال حديث حسن غريب.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من عاد مريضاً نادى مناد من السماء طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلاً " رواه الترمذي وابن ماجة وهذا لفظه، وعنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن الله عزوجل يقول يوم القيامة يا ابن مرضت فلم تعدني.
قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال أما علمت ان عبدي فلاناً مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده " وذكر الحديث رواه مسلم.
وإذا دخل على المريض سأل عن حاله ودعا له ورقاه.
قال ثابت لأنس يا أبا حمزة اشتكيت.
قال أنس أفلا أرقيك برقية رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال بلى، قال " اللهم رب الناس، مذهب الباس، اشف أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقماً " وروى أبو سعيد.
قال " أتى جبريل النبي صلى الله عليه
وسلم فقال يا محمد اشتكيت؟ قال نعم.
قال بسم الله أرقيك، من كل شئ يؤذيك، من شر كل نفس وعين حاسدة الله يشفيك " قال أبو زرعة كلا الحديثين صحيح.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا دخلتم على المريض فنفسوا له في الأجل، فإنه لا يرد من قضاء الله شيئاً، وإنه يطيب نفس المريض " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يرغبه في التوبة من المعاصي والخروج من المظالم وفي الوصية، لما روى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شئ يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عنده " متفق عليه * (مسألة) * (وإذا نزل به تعاهد بل حلقه بماء أو شراب ويندي شفتيه بقطنة)
يستحب أن بلي المريض أرفق أهله به وأعلمهم بسياسته وأنقاهم لله تعالى، فاذا رآه منزولاً به تعاهد بل حلقه بتقطير ماء أو شراب فيه ويندي شفتيه بقطنة لأنه ربما ينشف حلقه من شدة ما نزل به فيعجز عن الكلام
* (مسألة) * (ويستحب أن يلقنه قول لا إله إلا الله مرة)
لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لقنوا موتاكم لا إله إلا الله " رواه مسلم.
وقال الحسن سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الأعمال أفضل؟ فقال " أن تموت يوم تموت ولسانك رطب من ذكر الله " رواه سعيد بن منصور
- (مسألة) * (ولا يزيد على ثلاث لئلا يضجره إلا أن يتكلم بعده بشئ فيعيد تلقينه بلطف ومداراة ليكون آخر كلامه لا إله إلا الله نص عليه أحمد وروي عن عبد الله بن المبارك أنه لما حضره الموت جعل رجل يلقنه لا إله إلا الله فأكثر عليه.
فقال له عبد الله إذا قلت مرة فأنا على ذلك ما لم أتكلم: قال الترمذي إنما أراد ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " رواه أبو داود.
وروى بإسناده عن معاذ بن جبل أنه لما حضرته الوفاة قال: اجلسوني.
فلما أجلسوه قال: كلمة سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم كنت أخبؤها ولولا ما حضرني من الموت ما أخبرتكم بها، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من كان آخر قوله عند الموت أشهد ان لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلا هدمت ما كان قبلها من الخطايا والذنوب فلقنوها موتاكم " فقيل يا رسول الله فكيف هي للاحياء؟ قال " هي أهدم وأهدم " * (مسألة) * (ويقرأ عنده سورة يس) لما روى معقل بن يسار قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اقرأوا (يس) على موتاكم " رواه أبو داود.
وقال أحمد ويقرءون عند الميت اذا حضر ليخفف عنه بالقرآن يقرأ (يس) وأمر بقراءة فاتحة الكتاب.
وروى الإمام أحمد " (يس) قلب القرآن لا يقرؤها رجل يريد الله والدار الآخرة إلا غفر له واقرأوها على مرضاكم " * (مسألة) * (ويوجهه إلى القبلة) التوجيه الى القبلة عند الموت مستحب.
وهو قول عطاء والنخعي ومالك وأهل المدينة والاوزاعي وأهل الشام والشافعي وإسحق وأنكره سعيد بن المسيب فإنهم لما أرادوا أن يحولوه إلى القبلة قال: ألم أكن على القبلة الى يومي هذا؟ والأول أولى لأن حذيفة قال وجهوني.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم " خير المجالس ما استقبل به القبلة " ولأن فعلهم ذلك بسعيد دليل على أنه كان مشهوراً بينهم يفعله المسلمون بموتاهم.
وصفة توجيهه الى القبلة أن يوضع على جنبه الأيمن كما يوضع
في اللحد إن كان المكان واسعاً وهذا مذهب الشافعي لأن هكذا استقبل المصلى على جنبه، وإن كان المكان ضيقاً جعل على ظهره ويجعل رأسه على موضع مرتفع ليتوجه نحو القبلة، هكذا ذكره القاضي ويحتمل أن يجعل على ظهره، بكل حال ويحتمله كلام الخرقي لقوله وجعل على بطنه مرآة أو غيرها، وإنما يمكن ذلك إذا كان على ظهره.
ويستحب تطهير ثياب الميت قبل موته، لأن أبا سعيد لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها " 1 رواه أبو داود * (مسألة) * (فإذا مات أغمض عينيه وشد لحييه ولين مفاصله وخلع ثيابه وسجاه بثوب يستره وجعل على بطنه مرآة أو نحوها ووضعه على سرير غسله متوجهاً منحدراً نحو رجليه) يستحب تغميض الميت عقيب الموت، ويستحب لمن حضر الميت أن لا يتكلم إلا بخير، لما روت ام سلمة قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة وقد شق بصره فأغمضه ثم قال: " إن الروح إذا قبض تبعه البصر " فضج ناس من أهله فقال " لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير فإن الملائكة يؤمنون على ما تقولون " ثم قال " اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المقربين واخلفه
في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله يا رب العالمين، وافسح له في قبره ونور له فيه " رواه مسلم.
وروى شداد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا حضرتم موتاكم فاغمضوا البصر فإن البصر يتبع الروح، وقولوا خيراً فإنه يؤمن على ما قال أهل الميت " رواه الإمام أحمد في المسند.
ويستحب شد ذقنه بعصابة عريضة يربطها من فوق رأسه، لأن الميت إذا كان مفتوح العينين والفم قبح منظره، ولا يؤمن دخول الهوام فيه والماء في وقت غسله.
قال بكر بن عبد الله المزني ويقول الذي يغمضه: بسم الله وعلى وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجعل على بطنه شئ من الحديد كالمرآة ونحوها لئلا ينتفخ بطنه ويلين مفاصله وهو أن يردد ذراعيه الى عضديه وعضديه الى جنبيه ثم يرددهما ويرد ساقيه الى فخذيه وفخذيه الى بطنه ثم يرددهما ليكون ذلك أبقى للينه فيكون أمكن للغاسل في تمكينه وتمديده.
قال أصحابنا ويستحب ذلك عقيب موته قبل قسوتها ببرودته، فإن شق عليه ذلك تركه، ويخلع ثيابه لئلا يحمى فيسرع اليه الفساد والتغير ويسجيه بثوب يستره لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي سجي ببرد حبرة، متفق عليه، ويستحب أن يلي ذلك منه أرفق الناس به بأرفق ما يقدر عليه.
قال أحمد تغمض المرأة عينيه إذا كانت ذات محرم، قال ويكره للحائض
والجنب تغميضه وأن يقرباه وكره ذلك علقمة، وروي نحوه عن الشافعي، وكره الحسن وابن سيرين وعطاء أن تغسل الحائض والجنب الميت ونحوه قال مالك، وقال ابن المنذر يغسله الجنب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن المؤمن لا ينجس " ولا نعلم بينهم خلافاً في صحة تغسيلهما وتغميضهما له، ولكن الأولى أن يكون المتولي لذلك طاهراً لأنه أكمل وأحسن، ويوضع على سرير غسله أو لوح لأنه أحفظ له ولا يدعه على الأرض لئلا يسرع اليه التغير بسبب نداوة الأرض، ويكون متوجهاً منحدراً نحو رجليه لينصب عنه ماء الغسل وما يخرج منه ولا يستنقع تحته فيفسده * (مسألة) * (ويسارع في قضاء دينه) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه " رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن.
وعن سمرة قال: صلى نبي الله صلى الله عليه
وسلم الصبح فقال " ها هنا أحد من بني فلان؟ " قالوا نعم.
قال " فإن صاحبكم محتبس على باب الجنة في دين عليه " رواه الإمام أحمد، وإن تعذر ايفاء دينه في الحال استحب لوارثه أو غيره أن يتكفل به عنه كما فعل أبو قتادة لما أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة ولم يصل عليها، قال أبو قتادة: صل عليها يا رسول الله وعلي دينه رواه البخاري * (مسألة) * (ويسارع في تفريق وصيته ليتعجل له ثوابها يجريانها على الموصى له) * (مسألة) * (ويستحب المسارعة في تجهيزه إذا تيقن موته لأنه أصون له وأحفظ له من التغيير) قال أحمد كرامة الميت تعجيله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إني لأرى طلحة قد حدث فيه الموت فآذنوني به وعجلوا فإنه لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحبس بين ظهراني أهله " رواه أبو داود.
ولا بأس أن ينتظر بها مقدار ما يجتمع لها جماعة لما يؤمل من الدعاء له اذا صلى عليه ما لم يخف عليه أو يشق على الناس نص عليه أحمد، وإن شك في أمر الميت اعتبر بظهور أمارات الموت من انفصال كفيه واسترخاء رجليه وميل أنفه وانخساف صدغيه وامتداد جلدة وجهه، فان مات فجأة كالمصعوق أو خائف
من حرب أو سبع أو تردى من جبل انتظر به هذه العلامات حتى يتيقن موته.
قال الحسن في المصعوق ينتظر به ثلاثا.
قال أحمد وربما تغير في الصيف في اليوم والليلة.
قال فكيف تقول؟ قال يترك بقدر ما يعلم أنه ميت.
قيل له من غدوة الى الليل؟ قال نعم * (فصل في غسل الميت) * * (مسألة) * (غسل الميت ودفنه وتكفينه والصلاة عليه فرض كفاية) لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي وقصته راحلته " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوب " متفق عليه، وقال صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " ودفنه فرض كفاية لأن في تركه أذى للناس به وهتك حرمته، وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً * (مسألة) * (وأحق الناس به وصيه ثم أبوه ثم جده ثم الأقرب فالأقرب من عصباته ثم ذوا أرحامه إلا الصلاة عليه فان الأمير أحق بها بعد وصيه)
أحق الناس بغسل الميت وصيه في ذلك.
وقال أصحاب الشافعي: أولى الناس بغسل الميت عصباته الأقرب فالأقرب، فإن كان له زوجة فهل تقدم على العصبات؟ فيه وجهان ولنا على تقديم الوصي أن أبا بكر رضي الله عنه أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس، وأوصى أنس أن يغسله محمد بن سيرين فقدما بذلك، ولا يعرف لهما مخالف في الصحابه ولأنه حق للميت فقدم فيه وصيه على غيره كتفريق ثلثه (فصل) فإن لم يكن له وصي فالعصبات أولى الناس به وأولاهم أبوه ثم جده وان علا، ثم ابنه ثم ابن ابنه وأن نزل، ثم الأقرب فالأقرب من عصباته على ترتيب الميراث لأنهم أحق بالصلاة عليه (فصل) وأحق الناس بالصلاة عليه وصية، وهذا قول سعيد بن زيد وأنس وأبي برزة وزيد ابن أرقم وأم سلمة.
وقال الثوري ومالك والشافعي وأبو حنيفة تقدم العصبات لأنها ولاية تترتب بترتيب العصبات فالولي فيها أولى كولاية النكاح ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فان أبا بكر أوصى أن يصلي عليه عمر قاله أحمد.
قال وعمر أوصى أن يصلي عليه صهيب، وأم سلمة أوصت أن يصلي عليها سعيد بن زيد، وأبو بكرة أوصى أن يصلي عليه أبوبرزة، وقال غيره عائشة أوصت أن يصلي عليها أبو هريرة، وابن مسعود أوصى أن يصلي عليه الزبير، وأبو سريحة أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم، فجاء عمرو بن حريث وهو أمير الكوفة ليتقدم فيصلي عليها.
فقال ابنه أيها الأمير ان أبي أوصى أن يصلي عليه زيد بن أرقم.
فقدم زيداً.
وهذه قضايا اشتهرت ولم يظهر لها مخالف فكانت إجماعاً.
ولأنه حق للميت فانها شفاعة له فقدم وصيه فيها كتفريق ثلثه، وولاية النكاح يقدم عندنا فيها الوصي أيضاً على الصحيح، وان سلمت
فليست حقاً له، إنما هي حق للمولى عليه، ولأن الغرض في الصلاة الدعاء والشفاعة الى الله عزوجل، فالميت يختار لذلك من هو أظهر صلاحاً وأقرب إجابة بخلاف ولاية النكاح، فإن كان الوصي فاسقاً أو مبتدعاً لم يقبل الوصية كما لو كان الوصي ذمياً، وان كان الأقرب اليه كذلك لم يقدم وصلى غيره كما يمنع من التقديم في الصلوات الخمس
- (مسألة) * (والأمير أحق بالصلاة عليه بعد الوصي) وقال به أكثر أهل العلم.
وقال الشافعي في أحد قوليه يقدم الولي قياساً على تقديمه في النكاح ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " لا يومن الرجل في سلطانه " وقال أبو حازم شهدت حسيناً حين مات الحسن يدفع في قفا سعيد بن العاص ويقول تقدم لولا السنة ما قدمتك.
وسعيد أمير المدينة وهذا يقتضي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى أحمد بإسناده عن عماد مولى بني هاشم قال شهدت جنازة أم كلثوم بنت علي وزيد بن عمرو فصلى عليهما سعيد بن العاص وكان أمير المدينة وخلفه يومئذ ثمانون من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وفيهم ابن عمر والحسن والحسين.
وقال علي رضي الله عنه: الامام أحق من صلى علي الجنازة، وعن ابن مسعود نحو ذلك، وهذا أشهر ولم ينكر فكان اجماعا ولأنها صلاة شرعت فيها الجماعة فقدم فيها الأمير كسائر الصلوات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه يصلون على الجنائز، ولم ينقل الينا أنهم استأذنوا أولياء الميت في التقديم والمراد بالامير ها هنا الإمام، فإن لم يكن فالأمير من جهته، فإن لم يكن فالنائب من قبله في الامامة فإن لم يكن فالحاكم (فصل) وأحق الناس بالصلاة بعد ذلك العصبات وأحقهم الأب ثم الجد أبو الأب وان علا ثم الابن ثم ابنه وان نزل، ثم الأخ العصبة ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب ثم المولى المعتق ثم عصباته، هذا الصحيح من المذهب.
وقال أبو بكر، في تقديم الأخ على الجد قولان، وحكي عن مالك تقديم الابن على الأب لأنه أقوى تعصيبا منه، والاخ على الجد لأنه يدلي بالابن والجد يدلي بالاب ولنا انهما استويا في الادلاء، والاب أرق وأشفق، ودعاؤه لابنه أقرب الى الاجابة، فكان أولى كالقريب مع البعيد، ولأن المقصود بالصلاة الدعاء للميت والشفاعة له بخلاف الميراث (فصل) وإن اجتمع زوج المرأة وعصباتها فأكثر الروايات عن أحمد تقديم العصبات، وهو ظاهر كلام الخرقي وقول سعيد بن المسيب والزهري ومذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي إلا أن أبا حنيفة يقدم زوج المرأة على ابنها منه، وروى عن أحمد تقديم العصبات، قال ابن عقيل وهي أصح لأن أبا بكر صلى على زوجته ولم يستأذن أخوتها، وروي ذلك عن ابن عباس وهو قول الشعبي وعطاء وعمر بن عبد العزيز وإسحق
ولنا أنه يروى عن عمر انه قال لأهل امرأته: أنتم أحق بها، ولأن الزوج قد زالت زوجيته بالموت فصار أجنبياً والقرابة لم تزل، فعلى هذه الرواية إن لم يكن لها عصبات فالزوج أولى لأن له سبباً وشفقة فكان أولى من الاجنبي (فصل) فإن اجتمع أخ من أبوين، وأخ من أب، ففي تقديم الأخ من الأبوين أو التسوية وجهان بناء على الروايتين في ولاية النكاح والحكم في الاعمام وأولادهم وأولاد الأخوة كذلك فان انقرض العصبة فالمولى المنعم، ثم عصباته ثم الرجال من ذوي أرحامه ثم الأقرب فالأقرب ثم الاجانب، فان استوى وليان في الدرجة فأحقهما أولاهما بالامامة في المكتوبات، وقال القاضي يحتمل تقديم الأسن وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه أقرب إلى إجابة الدعاء وأعظم عند الله قدراً، والاول أولى لقوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وفضيلة السن معارضة بفضيلة العلم وقد رجحها الشارع في سائر الصلوات مع أنه يقصد فيها إجابة الدعاء والحظ للمأمومين، وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال " أئمتكم شفعاؤكم " ولا يسلم أن المسن الجاهل أعظم قدراً عند الله من العالم والأقرب اجابة، فان استووا وتشاحوا أقرع بينهم كما في سائر الصلوات (فصل) ومن قدمه الولي فهو بمنزلته، لأنها ولاية ثبتت له فكانت له الاستنابة فيها كولاية النكاح (فصل) وإن كان القريب عبداً فالحر البعيد أولى منه لأن العبد لا ولاية له في النكاح ولا المال، كذلك هذا.
فان اجتمع صبي ومملوك ونساء، فالمملوك أولى لأنه تصح امامته بهما، فإن لم يكن إلا نساء وصبيان فقياس المذهب أنه لا يصح أن يؤم أحد الجنسين الآخر، ويصلي كل نوع لأنفسهم وامامهم منهم، ويصلي النساء جماعة وامامتهن في وسطهن نص عليه أحمد وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي: يصلين منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً، وان صلين جماعة جاز ولنا أنهن من أهل الجماعة فسن أن يصلين جماعة كالرجال، وما ذكروه من كونهن منفردات لا يسبق بعضهن بعضاً تحكم لا يصار إليه إلا بدليل، وقد صلي أزواج النبي صلى الله عليه وسلم على سعد
ابن أبي وقاص رواه مسلم (فصل) فإن اجتمع جنائز فتشاح أولياؤهم فيمن يتقدم للصلاة عليهم قدم أولاهم بالامامة في الفرائض وقال القاضي يقدم من سبق ميته ولنا أنهم تساووا فأشبهوا الاولياء إذا تساووا في الدرجة مع قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " وان أراد ولي كل ميت أفراد ميته بصلاة جاز
* (مسألة) * (وأحق الناس بغسل المرأة وصيها ثم الأقرب فالأقرب من نسائها أمها ثم بنتها ثم بناتها ثم أخواتها كما ذكرنا في حق الرجل)
وكل من لها رحم ومحرم بحيث لو كانت رجلاً لم يحل له نكاحها أولى بها ممن لا رحم لها وبعدها التي لها رحم وليست بمحرم، كبنات العم والعمات وبنات الخال والخالة، فهن أولى من الاجانب، وبهذا قال الشافعي إن لم يكن لها زوج، فان كان لها زوج فهل يقدم على النساء؟ فيه وجهان: أحدهما يقدم لأنه ينظر منها الى ما لا ينظر النساء، والثاني يقدم النساء على الزوج لأن الزوجية تزول بالموت والرحم لا يزول كما ذكرنا في حق الرجل * (مسألة) * ولكل واحد من الزوجين غسل صاحبه في إحدى الروايتين، كذلك السيد مع سريته) اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله تعالى في غسل كل واحد من الزوجين الآخر، فروي عنه الجواز فيهما نقلها عنه حنبل، وروى عنه المنع مطلقاً حكاها ابن المنذر، وروي عنه التفرقة وهو جواز غسل الزوج دون الزوجة، والقول بجواز غسل المرأة زوجها قول أهل العلم حكاه ابن المنذر إجماعاً، قالت عائشة: لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا نساؤه رواه أبو داود، وأوصى ابو بكر رضي الله عنه ان تغسله امرأته أسماء بنت عميس ففعلت، وغسل أبا موسى امرأته أم عبد الله، قال أحمد ليس فيه اختلاف بين الناس، وعنه لا يجوز، حكى عنه صالح ما يدل على ذلك لأنها فرقة بين الزوجين أشبهت الطلاق، ولأنها أحد الزوجين أشبهت الآخر (فصل) والمشهور عن أحمد جواز غسل الرجل زوجته، وهو قول علقمة وعبد الرحمن بن يزيد
وجابر بن زيد وسليمان بن يسار وأبي سلمة وأبي قتادة وحماد ومالك والاوزاعي والشافعي واسحق، وعن أحمد رواية ثانية، ليس للزوج غسلها وهو قول أبي حنيفة والثوري لأن الموت فرقة تبيح أختها وأربعا سواها فحرمت اللمس والنظر كالطلاق ولنا ما روى ابن المنذر أن علياً رضي الله عنه غسل فاطمة عليها السلام واشتهر ذلك فلم ينكر فكان أجماعاً، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعائشة " لو مت قبلي لغسلتك وكفنتك " رواه ابن ماجه، والأصل في إضافة الفعل الى الشخص أن يكون للمباشرة فان حمله على الأمر يبطل فائدة التخصيص، ولأنه أحد الزوجين فأبيح له غسل صاحبه كالآخر.
والمعنى في ذلك أن كل واحد من الزوجين يسهل عليه إطلاع الآخر على عورته لما كان بينهما في الحياة، ويأتي بالغسل على ما يمكنه لما كان بينهما من المودة والرحمة، وما قاسوا عليه لا يصح لأنه يمنع الزوجة من النظر بخلاف هذا ولأنه لا فرق بين الزوجين إلا بقاء العدة.
ولو وضعت حملها عقيب موته كان لها غسله وقد انقضت عدتها * (فصل) * فإن طلق امرأته طلاقاً بائناً ثم مات أحدهما في العدة لم يجز لواحد منهما غسل الآخر لأن اللمس والنظر محرم حال الحياة فبعد الموت أولى، وإن كان الطلاق رجعيا وقلنا الرجعية محرمة فكذلك، وإن قلنا هي مباحة فحكمها حكم الزوجين لأنها ترثه ويرثها ويباح له وطؤها والخلوة والنظر
اليها أشبه سائر الزوجات (فصل) وحكم أم الولد حكم الزوجة فيما ذكرنا، واختار ابن عقيل أنه لا يجوز لها غسل سيدها لأنها عتقت بموته، ولم يبق علقة من ميراث ولا غيره، وهو قول أبي حنيفة وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي ولنا أنها في معنى الزوجة في اللمس والنظر والاستمتاع فكذلك في الغسل، والميراث ليس من جملة المقتضي بدليل ما لو كان أحد الزوجين رقيقاً والاستبراء ها هنا كالعدة.
فأما غيرها من الاءماء فيجوز لسيدها غسلها في أصح الروايتين.
ذكره أبو الخطاب لأنه يلزمه كفنها ودفنها ومؤنتها فهي أولى من الزوجة، وهل يجوز لها غسل سيدها؟ قال شيخنا: يحتمل أن لا يجوز لأن الملك انتقل فيها إلى غيره، ويحتمل أن يجوز ذلك لسريته لأنها محل استمتاعه ويلزمها الاستبراء بعد موته أشبهت أم الولد،
فإن مات الزوج قبل الدخول بامرأته احتمل أن لا يباح لها غسله لأنه لم يكن بينهم استمتاع حال الحياة (فصل) فإن كانت الزوجة ذمية فليس لها غسل زوجها، لأن الكافر لا يغسل المسلم، لأن النية واجبة في الغسل ولا تصح من الكافر.
وقال الشافعي يكره لها غسله، فان غسلته جاز لأن القصد التنظيف، وليس لزوجه غسلها لأن المسلم لا يغسل الكافر، ولا يتولى دفنه ما يأتي، ولأنه لا ميراث بينهما ولا موالاة، وقد انقطعت الزوجية بالموت، ويتخرج جواز ذلك بناء على غسل المسلم الكافر وهو مذهب الشافعي (فصل) وليس لغير من ذكرنا من الرجال غسل أحد من النساء، ولا لأحد من النساء غسل غير من ذكرنا من الرجال، وإن كن ذات رحم محرم، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقد روي عن أحمد أنه حكي له عن أبي قلابة غسل ابنته فاستعظم ذلك ولم يعجبه، وذلك أنها محرمة حال الحياة فلم يجب غسلها كالأجنبية وأخته من الرضاع، فإن لم يوجد من يغسلها من النساء فقال مهنا: سألت أحمد عن الرجل يغسل أخته إذا لم يجد نساء؟ قال لا.
قلت فكيف يصنع؟ قال يغسلها وعليها ثيابها يصب الماء صبا.
قلت لأحمد وكذلك كل ذات محرم تغسل وعليها ثيابها؟ قال نعم.
وذلك لأنه لا يحل مسها، والأولى أنها تيمم كالأجنبية.
لأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف، ولا إزالة النجاسة.
بل ربما كثرت أشبه ما لو عدم الماء.
وقال الحسن ومحمد ومالك والشافعي لا بأس بغسل ذات محرمة عند الضرورة
* (مسألة) * (وللرجل والمرأة غسل من له دون سبع سنين وفي ابن السبع وجهان)
أما غسل النساء للطفل الصغير فهو إجماع حكاه ابن المنذر، واختلف أهل العلم في حده فقال أحمد لهن غسل من له دون سبع سنين.
وقال الحسن إذا كان فطيماً أو فوقه، وقال الأوزاعي ابن أربع أو خمس، وقال أصحاب الرأي الذي لم يتكلم
ولنا أن من له دون سبع سنين لم يؤمر بالصلاة، ولم يخير بين أبويه، ولا عورة له أشبه ما لو سلموه فأما من بلغ السبع ففيه وجهان (أحدهما) يجوز اختاره أبو بكر لأنه غير مكلف أشبه ما قبل السبع،
(والثاني) لا يجوز اختاره ابن حامد وهو ظاهر كلام أحمد في رواية الأثرم، وقيل سئل عن غلام ابن سبع سنين تغسله المرأة؟ فقال هو ابن سبع وهو يؤمر بالصلاة، ولو كان أقل من سبع كان أهون عندي، وحكى أبو الخطاب فيمن بلغ السبع روايتين، والصحيح أن من بلغ عشراً ليس للنساء غسله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وفرقوا بينهم في المضاجع " وأمر بضربهم على الصلاة لعشر، فأما من بلغ السبع والعشر ففيه احتمالان ووجههما ما ذكرنا، وأما الجارية اذا لم تبلغ سبعاً فقال القاضي وابو الخطاب يجوز للرجال غسلها، وقال الخلال: القياس التسوية بينهما لكل واحد منهما على الآخر فعلى قولنا حكمها حكم الغلام، ولا يغسل الرجل من بلغت عشراً لما ذكرنا في الصبي ويحتمل أن يحد ذلك بتسع في حق الجارية لقول عائشة إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة وفيما قبل ذلك الوجهان، ونقل عن أحمد رحمه الله كراهة ذلك وقال النساء أعجب الي، وذكر له أن الثوري قال: تغسل المرأة الصبي والرجل الصبية، فقال لا باس أن تغسل المرأة الصبي، وأما الرجل يغسل الصبية فلا أجترئ عليه إلا أن يغسل الرجل ابنته الصغيرة، ويروى عن أبي قلابة أنه غسل ابنة له صغيرة وهو قول الحسن، وكره غسل الرجل الصغيرة سعيد والزهرى، قال شيخنا: وهذا أولى من قول الاصحاب، لأن عورة الجارية أفحش من عورة الغلام، ولأن العادة مباشرة المرأة للغلام الصغير، والنظر الى عورته في حال تربيته ومسها، ولم تجر العادة للرجل بمباشرة عورة الجارية حال الحياة فكذلك حالة الموت، وهذا اختيار شيخنا والله أعلم (فصل) ويصح أن يغسل المحرم الحلال والحلام المحرم لأن كل واحد منهما تصح طهارته وغسله * (مسألة) * (واذا مات رجل بين نسوة أو امرأة بين رجال أو خنثى مشكل يمم في أصح الروايتين وفي الأخرى يصب عليه الماء من فوق قميص ولا يمس) إذا مات رجل بين نسوة أجانب، أو امرأة بين رجال أجانب، أو مات خنثى مشكل، فانه ييمم في الصحيح من المذهب.
وهذا قول سعيد بن المسيب والنخعي وحماد ومالك وأصحاب الرأي وابن المنذر وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي، والوجه الثاني يغسل في قميص ويجعل الغاسل على يده خرقة وفيه رواية أخرى أنه يغسل من فوق القميص يصب عليه الماء صباً ولا يمس، وهو قول الحسن وإسحق
ولنا ما روى واثلة بن الاسقع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا ماتت المرأة مع الرجال ليس بينها وبينهم محرم تيمم كما ييمم الرجال " ولأن الغسل من غير مس لا يحصل به التنظيف
ولا إزالة النجاسة بل ربما كثرت، ولا يسلم من النظر، فكان العدول إلى التيمم أولى، كما لو عدم الماء فأما إن ماتت الجارية بين محارمها الرجال فقد ذكرناه * (مسألة) * (ولا يغسل مسلم كافراً ولا يدفنه إلا أن لا يجد من يواريه غيره) اذا مات كافر مع مسلمين لم يغسلوه سواء كان قريباً لهم أو لا، ولا يتولوا دفنه إلا أن لا يجدوا من يواريه وهذا قول مالك، وقال أبو حفص العكبري: يجوز له غسسل قريبه الكافر ودفنه، وحكاه قولا لأحمد وهو مذهب الشافعي لما روي عن علي رضي الله عنه قال: قلت للنبي صلى الله عليه وسلم إن عمك الشيخ الضال قد مات، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اذهب فواره " رواه أبو داود والنسائي ولنا أنه لا يصلى عليه ولا يدعو له فلم يكن له غسله كالأجنبي، والحديث يدل على مواراته وله ذلك اذا خاف من التغير به والضرر ببقائه، قال أحمد في يهودي أو نصراني مات وله ولد مسلم: فليركب دابته ويسر أمام الجنازة، وإذا أراد أن يدفن رجع مثل قول عمر رضي الله عنه * (مسألة) * (وإذا أخذ قي غسله ستر عورته وجرده، وقال القاضي يغسل في قميص واسع الكمين) يجب ستر عورة الميت بغير خلاف علمناه وهو ما بين سرته الى ركبته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي " لا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت " رواه أبو داود، قال ابن عبد البر: وروي " الناظر من الرجال إلى فروج الرجال كالناظر منهم إلى فروج النساء والمتكشف ملعون " قال أبو داود: قلت لأحمد الصبي يستر كما يستر الكبير (أعني) الصبي الميت في الغسل؟ قال: أي شئ يستر منه ليست عورته بعورة ويغسله النساء
(فصل) ويستحب تجريد الميت عند غسله ما سوى عورته رواه الاثم عن أحمد وهذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب وإليه ذهب ابن سيرين ومالك وأبو حنيفة وروى المروذي عن أحمد أنه قال: يعجبني أن يغسل الميت وعليه ثوب يدخل يده من تحت الثوب قال: وكان أبو قلابة اذا غسل ميتاً جلله بثوب، وقال القاضي: السنة أن يغسل في قميص رقيق ينزل الماء فيه ولا يمنع أن يصل الى يديه، وويدخل يده في كم القميص فيمرها على بدنه والماء يصب، فان كان القميص ضيقاً فتق رأس الدخاريص وأدخل يده فيه، وهذا مذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل في قميصه، وقال سعد اصنعوا پي كما صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال أحمد غسل النبي صلى الله عليه وسلم في قميصه وقد أرادوا خلعه فنودوا ألا تخلعوه واستروا نبيكم ولنا أن تجريد الميت أمكن لتغسيله وتطهيره، والحي يتجرد اذا اغتسل فكذلك الميت ولأنه اذا اغتسل في ثوبه ينجس الثوب بما يخرج وقد لا يطهر بصب الماء عليه فينجس الميت به، فأما النبي صلى الله عليه وسلم فذلك خاص له، ألا ترى أنهم قالوا: نجرده كما نجرد موتانا كذلك روته عائشة، قال ابن عبد البر روي ذلك عنها من وجه صحيح، فالظاهر أن تجريد الميت فيما عدا العورة كان مشهوراً عندهم ولم يكن هذا ليخفى عن النبي صلى الله عليه وسلم بل الظاهر أنه كان بأمره لأنهم كانوا ينتهون الى رأيه ويصدرون عن أمره في الشرعيات، واتباع أمره وفعله أولى من اتباع غيره، ولأن ما يخشى من تنجيس قميصه بما يخرج منه كان مأموناً في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه طاهر حياً وميتاً بخلاف غيره، وإنما قال سعد: إلحدوا لي لحداً، وانصبوا علي اللبن نصباً كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم
* (مسألة) * (ويستر الميت عن العيون، ولا يحضره إلا من يعين في غسله)
يستحب ستر الميت وأن يغسل في بيت إن أمكن لأنه أستر له، فإن لم يكن بيت جعل بينه وبين السماء ستراً، وكان ابن سيرين يستحب أن يكون البيت الذي يغسل فيه مظلماً ذكره أحمد، وروى أبو داود باسناد له قال: أوصى الضحاك أخاه سالماً قال: اذا غسلتني فاجعل حولي ستراً، واجعل بيني وبين السماء ستراً، وذكر القاضي أن عائشة قالت: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته فجعلنا بينها وبين السقف ستراً، وإنما استحب ذلك لئلا يستقبل السماء بعورته، وإنما استحب ستر الميت، وأن لا يحضره إلا من يعين في غسله لأنه يكره النظر إلى الميت إلا لحاجة
لأنه ربما كان بالميت عيب يكتمه ويكره أن يطلع عليه بعد موته وربما حدث منه أمر يكره الحي أن يطلع منه على مثله، وربما ظهر فيه شئ هو في الظاهر منكر فيتحدث به فيكون فضيحة وربما بدت عورته فشاهدها، ويستحب للحاضرين غض أبصارهم عنه إلا لحاجة كذلك، ولهذا أجبنا أن يكون الغاسل ثقة أميناً ليستر ما يطلع عليه.
وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم " ليغسل موتاكم المأمونون " رواه ابن ماجه، وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " ليله أقربكم منه إن كان يعلم، فإن كان لا يعلم فمن ترون عنده حظاً من ورع " رواه الإمام أحمد.
وقال القاضي: لوليه
أن يدخل كيف شاء والأولى ما ذكرنا إن شاء الله لأن العلة تقتضي التعميم * (مسألة) * (ثم يرفع رأسه برفق إلى قريب من الجلوس ويعصر بطنه عصراً رفيقاً ويكثر صب الماء حينئذ) يستحب للغاسل أن يبدأ فيحني الميت حنياً رفيقاً لا يبلغ به الجلوس لأن في الجلوس أذية، ثم يمر يده على بطنه يعصره عصراً ليخرج ما معه من نجاسة كيلا يخرج بعد ذلك، ويكثر صب الماء حينئذ ليخفي ما يخرج منه ويذهب به الماء.
ويستحب أن يكون بقربه مجمر فيه بخور حتى لا يظهر منه ريح.
وروى عن أحمد أنه قال لا يعصر بطن الميت في المرة الأولى، ولكن في الثانية، وقال في موضع آخر يعصر بطنه في الثالثة يمسح مسحاً رفيقاً مرة واحدة، وقال أيضاً: عصر بطن الميت في الثانية أمكن، لأن الميت لا يلين حتى يصيبه الماء (فصل) فإن كانت امرأة حاملاً لم يعصر بطنها لئلا يؤذي أم الولد، لما روت ام سليم قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توفيت المرأة فأرادوا غسلها فليبدأن ببطنها فليمسح مسحاً رفيقاً إن لم تكن حبلى، فإن كانت حبلى فلا يحركنها " رواه الخلال
* (مسألة) * (ثم يلف على يده خرقة فينجيه ولا يحل مس عورته، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة)
يستحب للغاسل اذا عصر بطن الميت أن ينجيه فيلف على يده خرقة خشنة بمسحه بها لئلا يمس عورته لأن النظر الى عورة الميت حرام فمسها أولى، ويزيل ما على بدنه من نجاسة لأن الحي يبدأ بذلك في اغتساله من الجنابة، ويستحب أن لا يمس سائر بدنه الا بخرقة لما روي أن علياً رضي الله عنه غسل النبي صلى الله عليه وسلم وبيده خرقة يمسح بها ما تحت القميص.
قال القاضي: يعد الغاسل خرقتين يغسل باحداهما السبيلين وبالأخرى سائر بدنه
* (مسألة) * (ثم ينوي غسلهما ويسمي)
النية في غسل الميت واجبة على الغاسل، وفي وجوب التسمية روايتان كغسل الجنابة، وإنما أوجبناها على الغاسل لتعذرها من الميت ولأن الحي هو المخاطب بالغسل.
وقال القاضي وابن عقيل ويحتمل أن لا تعتبر النية لأن القصد التنظيف فأشبه غسل النجاسة، والصحيح الأول لأنه لو كان كذلك لما وجب غسل متنظف ولجاز غسله بماء الورد، وكل ما يحصل به التنظيف وانما هو غسل تعبد فأشبه غسل الجنابة
* (مسألة) * قال (ويدخل أصبعيه مبلولتين بالماء بين شفتيه فيمسح أسنانه وفي منخريه فينظفها ويوضيه ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه)
وجملة ذلك أنه إذا نجى الميت وأزال النجاسة بدأ بعد ذلك فوضاه وضوء الصلاة فيغسل كفيه ثم يأخذ خرقة خشنة فيبلها ويجعلها على أصبيعيه فيسمح أسنانه وأنفه حتى ينظفهما ويكون ذلك في رفق ثم يغسل وجهه ويتمم وضوءه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته " ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها " متفق عليه ولأن الحي يبدأ بالوضوء في غسله ولا يدخل الماء في فيه ولا أنفه في قول أكثر أهل العلم منهم سعيد بن جبير والنخعي والثوري وأبو حنيفة، وقال الشافعي يمضمضه وينشقه كما يفعل الحي ولنا أن ذلك لا يؤمن معه وصوله الى جوفه فيفضي الى المثلة به ولا يؤمن من خروجه في أكفانه فيفسدها
- (مسألة) * (ثم يضرب السدر فيغسل برغوته رأسه ولحيته وسائر بدنه، ثم يغسل شقه الأيمن ثم الأيسر يفعل ذلك ثلاثا) يستحب أن يبدأ الغاسل بعد وضوء الميت بغسل رأس الميت فيغسله برغوة السدر ويغسل بدنه بالتفل يفعل ذلك ثلاثا، والمنصوص عن أحمد رحمه الله أنه يستحب أن يغسل ثلاثا بماء وسدر قال صالح: قال أبي: الميت يغسل بماء وسدر ثلاث غسلات.
قلت فيبقى عليه؟ قال أي شئ يكون هو أنقى له.
وذكر عن عطاء أن ابن جريج قال له أنه يبقى عليه السدر اذا غسل به كل مرة، قال عطاء هو طهور، واحتج أحمد بحديث أم عطية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفيت ابنته قال " اغسلنها ثلاثاً أو أربعاً أو خمساً أو أكثر من ذلك أن رأيتن بماء وسدر واجعلن في الأخيرة كافوراً " متفق عليه وذهب كثير من أصحابنا المتأخرين إلى أنه لا يترك في الماء سدر يغيره ثم اختلفوا فقال ابن حامد يطرح في كل المياه شئ يسير من السدر لا يغيره ليجمع بين العمل بالحديث ويكون الماء باقياً على إطلاقه، وقال القاضي وابو الخطاب يغسل أول مرة بالسدر ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فيكون الجميع غسلة واحدة ويكون الاعتداد بالآخر دون الأول، لأن أحمد رحمه الله شبه غسله بغسل الجنابة، ولان السدر أن غير الماء سلبه الطهورية، وان لم يغيره فلا فائدة في ترك يسير لا يؤثر، والأول ظاهر كلام أحمد ويكون هذا من قوله دالا على أن تغيير الماء بالسدر لا يخرجه عن طهوريته، فان لم يجد السدر غسله بما يقوم مقامه ويقرب منه كالخطمى ونحوه لحصول المقصود به، وان غسله بذلك مع وجود السدر جاز لأن الشرع ورد بهذا لمعنى معقول وهو التنظيف فيتعدى الى كل ما وجد فيه المعنى، قال أبو الخطاب: ويستحب أن يخضب رأس المرأة ولحية الرجل بالحناء ويستحب أن يبدأ بشقه الأيمن فيغسل وجهه ويده اليمنى من المنكب الى الكفين وصفحة عنقه اليمنى وشق صدره وجنبه وفخذه وساقه وهو مستلق ثم يصنع ذلك بالجانب الأيسر ثم يرفعه من جانبه ولا
يكبه لوجهه فيغسل الظهر وما هناك من وركه وفخذه وساقه ثم يعود فيحرفه على جنبه الأيمن ويغسل شقه الأيسر كذلك، هكذا ذكره ابراهيم النخعي والقاضي وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم " ابدأن
بميامنها " وهو أشبه بغسل الحي (فصل) والواجب غسلة واحدة لأنه غسل واجب من غير نجاسة أصابته فكان مرة واحدة كغسل الجنابة.
قال عطاء: يجزيه غسلة واحدة ان نقوه، وقد روي عن أحمد أنه قال: لا يعجبني أن غسل واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا " وهذا على سبيل الكراهة دون الاجزاء لما ذكرنا، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المحرم " اغسلوه بماء وسدر " ولم يذكر عدداً (فصل) والحائض والجنب اذا ماتا كغيرهما في الغسل، قال إبن المنذر هذا قول من نحفظ عنه من علماء الأمصار، وقد قال الحسن وسعيد بن المسيب: ما مات ميت الا جنب، وقيل عن الحسن أنه يغسل الجنب للجنابة والحائض للحيض ثم يغسلان للموت، والأول أولى لأنهما خرجا من أحكام التكليف ولم يبق عليهما عبادة واجبة، وانما الغسل للميت تعبد وليكون في حال خروجه من الدنيا على أكمل حال من النظافة وهذا يحصل بغسلة واحدة ولأن الغسل الواحد يجزي من وجد في حقه شيئان كالحيض والجنابة كذا هذا (فصل) وقال بعض أصحابنا: يتخذ الغاسل ثلاث أواني آنية كبيرة يجمع فيه الماء الذي يغسل به الميت تكون بالبعد منه، واناءين صغيرين يطرح من أحدهما على الميت والثالث يغرف به من الكبير في الصغير الذي يغسل به الميت ليكون الكبير مصوناً، فاذا فسد الماء الذي في الصغير وطار فيه من رشاش الماء كان ما بقي في الكبير كافياً، ويستعمل في كل أموره الرفق به في تقليبه وعرك أعضائه وعصر بطنه وتليبن مفاصله وفي سائر أموره احتراماً له فانه مشبه بالحي في حرمته ولا يأمن أن عنف به أن ينفصل منه عضو فيكون مثلة به وقد قال صلى الله عليه وسلم " كسر عظم الميت ككسر عظم الحي " وقال " إن الله يحب الرفق في الأمر كله "
- (مسألة) * (فإن لم ينفق بالثلاث وخرج منه شئ غسله إلى خمس فإن زاد فإلى سبع) اذا فرغ الغاسل من الغسلة الثالثة لم يمر يده على بطن الميت لئلا يخرج منه شئ، فان رأى الغاسل أنه لم ينق بالثلاث غسله خمساً أو سبعاً إن رأى ذلك ولا يقطع إلا على وتر.
قال الامام أحمد ولا يزاد على سبع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعاً " لم يزد على ذلك وجعل ما أمر به وتراً، وقال أيضاً " اغسلنها وتراً " فإن لم ينق بالسبع فقال شيخنا: الأولى غسله حتى ينقى لقوله صلى الله عليه وسلم " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعاً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك " ولأن الزيادة على الثلاث إنما كانت للانقاء أو للحاجة اليها، فكذلك ما بعد السبع، ولا يقطع إلا على وتر لما ذكرنا، ولم يذكر أصحابنا أنه يزيد على سبع (فصل) فإن خرج من الميت نجاسة بعد الثلاث وهو على مغتسله من قبله أو دبره غسله إلى خمس فإن خرج بعد الخمس غسله الى سبع، ويوضيه في الغسلة التي تلي خروج النجاسة.
قال صالح قال أبي يوضأ الميت مرة واحدة إلا أن يخرج منه شئ فيعاد عليه الوضوء وهذا قول ابن سيرين وإسحق، واختار أبو الخطاب أنه يغسل موضع النجاسة ويوضأ ولا يجب اعادة غسله وهو قول الثوري ومالك وأبي حنيفة لأن خروج النجاسة من الحي بعد غسله لا يبطله فكذلك الميت، وللشافعي قولان كالمذهبين ولنا أن القصد من غسل الميت أن يكون خاتمة أمره الطهارة الكاملة ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو سبعا إن رأيتن ذلك بماء وسدر " فان خرجت منه نجاسة من غير السبيلين فقال أحمد في رواية أبي داود: الدم أسهل من الحدث يعني الدم الذي يخرج من أنفه أسهل من الحدث في أنه لا يعاد له الغسل لأن الحدث ينقض الطهارة بالاتفاق ويسوى بين قليله وكثيره، ويحتمل أنه إن أراد الغسل لا يعاد من يسيره كما لا ينقض الوضوء بخلاف الخارج من السبيلين * (مسألة) * (ويجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً) يستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً لشده ويبرده ويطيبه لقول النبي صلى الله عليه
وسلم للنساء اللاتي غسلن ابنته " اغسلنها بالسدر وتراً ثلاثاً أو خمسا أو أكثر من ذلك واجعلن في الغسة الأخيرة كافوراً " وفي حديث أم سليم " فإذا كان في آخر غسلة من الثالثة أو غيرها فاجعلن ماء فيه شئ من كافور وشئ من سدر ثم اجعلي ذلك في جرة جديدة ثم أفرغيه عليها وابدئي برأسها حتى يبلغ رجليها "
* (مسألة) * (والماء الحار والخلال والاشنان يستعمل إن احتيج إليه)
هذه الثلاثة تستعمل عند الحاجة اليها مثل أن يحتاج إلى الماء الحار لشدة البرد، أو الوسخ لا يزول إلا به، وكذلك الاشنان يستعمل إذا كان على الميت وسخ.
قال أحمد إذا طال ضنا المريض غسل بالاشنان يعني أنه يكثر وسخه فيحتاج الى الاشنان ليزيله، والخلال يحتاج إليه لاخراج شئ والأولى أن يكون من شجرة كالصفصاف ونحوه ومما ينقي ولا يجرح، وإن جعل على رأسه قطناً فحسن ويتتبع ما تحت أظفاره فينقيه فان لم يحتج إلى شئ من ذلك لم يستحب استعماله وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة والمسخن أولى لكن حال انه ينقي مالا ينقي البارد ولنا أن البارد يمسكه والمسخن يرخيه ولهذا يطرح الكافور في الماء ليشده ويبرده والانقاء يحصل بالسدر إذا لم يكثر وسخه، فان كثر ولم يزل إلا بالحار صار مستحبا
ً * (مسألة) * (ويقص شاربه ويقلم أظافره ولا يسرح شعره ولا لحيته)
متى كان شارب الميت طويلا استحب قصه وهذا قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد بن جبير وإسحق، وقال أبو حنيفة ومالك لا يؤخذ من الميت شئ لانه قطع شئ منه فلم يستحب كالختان، ولأصحاب الشافعي اختلاف كالقولين
ولنا قول أنس: اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم.
والعروس يحسن ويزال عنه ما يستقبح من الشارب وغيره ولأن تركه يقبح منظره فشرع إزالته كفتح عينيه وفمه، ولانه فعل مسنون في الحياة لا مضره فيه فشرع بعد الموت كالاغتسال، وعلى هذا يخرج الختان لما فيه من المضرة، واذا أخذ منه جعل مع الميت في أكفانه، وكذلك كل ما أخذ منه من شعر أو ظفر أو غيرها فانه يغسل ويجعل معه في أكفانه لأنه جزء من الميت فأشبه أعضاءه (فصل) فأما قص الاظفار اذا طالت ففيها روايتان.
إحداهما لا تقلم وينقى وسخها وهو ظاهر كلام الخرقي لأن الظفر لا يظهر كظهور الشارب فلا حاجة الى قصه، والثانية يقص اذا كان فاحشاً نص عليه لأنه من السنة ولا مضرة فيه فيشرع أخذه كالشارب، ويمكن حمل الرواية الأولى على ما
إذا لم يفحش.
ويخرج في نتف الأبط وجهان بناء على الروايتين في قص الاظفار لأنه في معناه (فصل) فأما العانة ففيها وجهان: أحدهما لا تؤخذ وهو ظاهر كلام الخرقي وهو قول ابن سيرين ومالك وأبي حنيفة.
وروى عن أحمد أن أخذها مسنون وهو قول الحسن وبكر بن عبد الله وسعيد ابن جبير وإسحق لأن سعد بن أبي وقاص جز عانة ميت ولأنه شعر يسن إزالته في الحياة أشبه قص الشارب، والصحيح الأول لأنه يحتاج في أخذها إلى كشف العورة ولمسها وهتك الميت وذلك محرم لا يفعل لغير واجب، ولأن العانة مستورة يستغنى بسترها عن إزالتها لانها لا تظهر بخلاف الشارب.
فاذا قلنا بأخذها فقال أحمد تؤخذ بالموسى أو بالمقراض.
وقال القاضي تزال بالنورة لأنه أسهل ولا يمسها، ووجه قول أحمد أنه فعل سعد، والنورة لا يؤمن أن تتلف جلد الميت، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين
(فصل) فأما الختان فلا يشرع لأنه إبانة جزء من أعضائه وهذا قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن بعض أهل العلم أنه يختن حكاه الإمام أحمد، والأول أولى لما ذكرناه، ولا يحلق رأس الميت وقال بعض أصحاب الشافعي يحلق إذا لم يكن له جمة للتنظيف، والأول أولى لأنه ليس من السنة في الحياة وانما يراد لزينة أو نسك، ولا يطلب شئ من ذلك ها هنا (فصل) وإن جبر عظمه بعظم فجبر ثم مات فإن كان طاهراً لم ينزع وإن كان نجساً وأمكن إزالتة من غير مثلة أزيل لأنه نجاسة مقدور عى إزالتها من غير ضرر، وإن أفضى إلى المثلة لم يقلع وإن كان في حكم الباطن كالحي، وان كان عليه جبيرة يفضي نزعها الى مثلة مسح عليها كحال الحياة وإلا نزعها وغسل ما تحتها.
قال أحمد في الميت تكون أسنانه مربوطة بذهب إن قدر على نزعه من غير أن تسقط بعض أسنانه نزعه، وإن خاف سقوط بعضها تركه (فصل) ومن كان مشنجاً أو به حدب أو نحو ذلك فأمكن تمديده بالتليين والماء الحار فعل ذلك وإن لم يمكن الا بعسف تركه بحاله، فإن كان على صفة لا يمكن تركه على النعش إلا على وجه يشهر بالمثلة ترك في تابوت أو تحت صكبه كما يصنع بالمرأة لأنه أصون له وأستر
ويستحب أن يترك فوق سرير المرأة شئ من الخشب أو الجريد مثل القبلة ويترك فوقه ثوب ليكون أستر لها.
وقد روي أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم رضي الله عنها أول من صنع لها ذلك بأمرها.
(فصل) فأما تسريح رأسه ولحيته فكرهه أحمد، وقالت عائشة: علام تنصون ميتكم؟ أي لا تسرحوا رأسه بالمشط ولان ذلك بقطع شعره وينتفه وهذا مذهب أبي حنيفة.
وقد روي عن
أم عطية قالت: مشطناها ثلاثة قرون متفق عليه.
قال أحمد انما ضفرن وأنكر المشط فكأنه تأول قولها مشطناها على أنها أرادت ضفرناها لما ذكرنا والله أعلم * (مسألة) * (ويضفر شعر المرأة ثلاثة قرون ويسدل من ورائها) يستحب ضفر شعر المرأة ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها ويلقى من خلفها، وبهذا قال الشافعي وإسحق وبن المنذر.
وقال الأوزاعي وأصحاب الرأي لا يضفر ولكن يرسل مع خديها من الجانبين ثم يرسل عليه الخمار لأن ضفره يحتاج الى تسريحه فيتقطع وينشف ولنا ما روت أم عطية قالت: ضفرنا شعرها ثلاثة قرون وألقيناه خلفها تعني بنت النبي صلى الله عليه وسلم متفق عليه.
ولمسلم فضفرنا شعرها ثلاثة قرون قرنيها وناصيتها، وفي حديث أم سليم عن النبي صلى الله عليه وسلم واضفرن شعرها ثلاثة قرون قصة وقرنين ولا تشبهنها بالرجال * (مسألة) * (ثم ينشفه بثوب) وذلك مستحب لئلا تبتل أكفانه، وفي حديث ابن عباس في غسل النبي صلى الله عليه وسلم قال: فجففوه بثوب ذكره القاضي وهذا مذهب الشافعي * (مسألة) * (فإن خرج منه شئ بعد السبع حشاه بالقطن فان لم يستمسك فبالطين الحر)
متى خرجت من الميت نجاسة بعد السبع لم يعد إلى الغسل نص عليه أحمد لأن اعادة غسله
يفضي الى الحرج، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثلاثا أو خمسا أو سبعا في حديث أم عطية، لكن يحشوه
بالقطن أو يلجم بالقطن كما تفعل المستحاضة ومن به سلس البول، فان لم يمسكه ذلك حشى بالطين الخالص الصلب الذي له قوة يمسك المحل
- (مسألة) * (ثم يغسل المحل ويوضأ) وقد ذكر عن أحمد أنه لا يوضأ وهو قول لأصحاب الشافعي والأولى إن شاء الله أنه يوضأ كالجنب اذا أحدث بعد الغسل لتكون طهارته كاملة * (مسألة) * (فإن خرج منه شئ بعد وضعه في أكفانه لم يعد إلى الغسل) قال شيخنا رحمه الله لا نعلم في ذلك خلافا إذا كان الخارج يسيراً لما في إعادة الغسل من المشقة الكثيرة لأنه يحتاج إلى اخراجه واعادة غسله وغسل أكفانه وتجفيفها أو ابدالها ثم لا يؤمن مثل هذا في المرة الثانية والثالثة فسقط ذلك، ولا يحتاج أيضاً الى اعادة وضوئه ولا غسل موضع النجاسة
دفعاً لهذه المشقة ويحمل بحاله، وقد روي عن الشعبي ان ابنة له لما لفت في أكفانها بدا منها شئ.
فقال الشعبي: ارفعوا.
وإن كان كثيراً.
فالظاهر عنه أنه يحمل أيضاً لما ذكرنا، وعنه أنه يعاد غسله ويطهر كفنه لأنه يؤمن مثله في الثاني للتحفظ بالتلجم والشد * (مسألة) * (ويغسل المحرم بماء وسدر ولا يلبس المخيط ولا يخمر رأسه ولا يقرب طيباً) إذا مات المحرم لم يبطل حكم احرامه بموته ويجنب ما يجنبه المحرم من الطيب وتغطية الرأس ولبس المخيط وقطع الشعر، روى ذلك عن عثمان وعلي وابن عباس وبه قال عطاء والثوري والشافعي وإسحق، وقال مالك والاوزاعي وأبو حنيفة يبطل احرامه بموته ويصنع به ما يصنع بالحلال.
وروي ذلك عن عائشة وابن عمر وطاوس لأنها عبادة شرعية فبطلت بالموت كالصلاة والصيام ولنا ما روى ابن عباس أن رجلاً وقصه بعيره ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبين ولا تمسوه طيباً ولا تخمروا رأسه، فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبداً "
وفي رواية " ملبياً " متفق عليه.
فإن قيل هذا خاص له لأنه يبعث يوم القيامة ملبياً قلنا حكم النبي صلى الله عليه وسلم في واحد حكمه في مثله إلا أن يرد تخصيصه، ولهذا ثبت حكمه في شهداء أحد وفي سائر الشهداء قال أبو داود سمعت أحمد يقول: في هذا الحديث خمس سنن - كفنره في ثوبيه أي يكفن في ثوبين، وأن يكون في الغسلات كلها سدر، ولا تخمروا رأسه، ولا تقربوه طيباً، وكون الكفن من جميع المال.
قال أحمد في موضع يصب عليه الماء صباً، ولا يغسل كما يغسل الحلال، وانما كره عرك رأسه ومواضع الشعر كيلا ينقطع شعره (فصل) واختلف عن أحمد في تغطية وجهه فعنه لا يغطى نقلها عنه اسماعيل بن سعيد لأن في بعض الحديث " ولا تخمروا رأسه ولا وجهه " وعنه لا بأس بتغطية وجهه.
نقلها عنه سائر أصحابه لحديث ابن عباس المذكور فانه أصح ما روي فيه وليس فيه سوى المنع من تغطية الرأس، ولا يلبس المخيط لأنه يحرم عليه في حياته فكذلك بعد الموت، واختلف عن أحمد أيضاً في تغطية رجليه، فروى حنبل عنه لا يغطى رجلاه كذلك ذكره الخرقي.
وقال الخلال لا أعرف هذا في الأحاديث ولا رواه أحد عن أبي عبد الله غير حنبل وهو عندي وهم من حنبل، والعمل على أنه يغطى جميع المحرم إلا رأسه ولأن المحرم لا يمنع من تغطية رجليه في حياته فكذلك بعد موته، فإن كان الميت امرأة محرمة ألبست القميص وخمرت كما تفعل في حياتها ولم تقرب طيباً ولم يغط وجهها لأنه يحرم عليها في حياتها فكذلك بعد موتها، فان ماتت المتوفى عنها زوجها في عدتها احتمل أن لا تطيب لأنها ممنوعة حال حياتها، واحتمل أن تطيب لأن التطيب إنما حرم لكونه يدعو الى نكاحها وقد زال بالموت وهو أصح، ولأصحاب الشافعي وجهان
- (مسألة) * (والشهيد لا يغسل إلا أن يكون جنباً) اذا مات الشهيد في المعركة لم يغسل رواية واحدة إذا لم يكن جنباً، وهذا قول أكثر أهل العلم ولا نعلم خلافا إلا عن الحسن وسعيد بن المسيب فانهما قالا يغسل ما مات ميت إلا جنباً ولنا ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم
متفق عليه.
إذا ثبت هذا فيحتمل أن ترك الغسل لما يتضمنه من إزالة أثر العبادة المستطاب شرعاً فانه جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء يوم القيامة اللون لون دم والريح ريح مسك " رواه البخاري.
وروي عبد الله بن ثعلبة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " زملوهم بدمائهم فإنه ليس كلم يكلم في الله إلا يأتي يوم القيامة يدمى لونه لون الدم وريحه ريح المسك " رواه النسائي، ويحتمل أن الغسل لا يجب إلا من أجل الصلاة إلا أن الميت لا فعل له فأمرنا بغسله ليصلى عليه، فمن لم تجب الصلاة عليه لم يجب غسله كالحي، ويحتمل أن الشهداء في المعركة يكثرون فيشق غسلهم فعفي عنه لذلك (فصل) فإن كان الشهيد جنباً غسل وبه قال أبو حنيفة، وقال مالك لا يغسل لعموم الخبر في الشهداء وعن الشافعي كالمذهبين ولنا ما روى أن حنظلة بن الراهب قتل يوم أحد فقال النبي صلى الله عليه وسلم " ما شأن حنظلة فإني رأيت الملائكة تغسله " قالوا أنه جامع ثم سمع الهيعة فخرج إلى القتال رواه ابن إسحق في المغازي ولأنه غسل واجب لغير الموت فلم يسقط بالموت كغسل النجاسة.
وحديثهم ورد في شهداء أحد وحديثنا خاص في حنظلة وهو من شهداء أحد فيجب تقديمه، وعلى هذا كل من وجب عليه الغسل بسبب سابق على الموت كالمرأة تطهر من حيض أو نفاس ثم تقتل فهي كالجنب لما ذكرنا من العلة، ولو قتلت في حيضها أو نفاسها لم يجب الغسل لأن الطهر شرط في الغسل أو في السبب الموجب فلا يثبت الحكم بدونه، فان أسلم ثم استشهد قبل الغسل فلا غسل عليه لأنه روي أن أصيرم بني عبد الأشهل أسلم يوم أحد ثم قبل فلم يؤمر بغسل * (مسألة) * (وينزع عنه السلاح والجلود ويزمل في ثيابه وإن أحب فيكفنه في غيرها) أما دفنه في ثيابه فلا نعلم فيه خلافاً وقد ثبت بقول النبي صلى الله عليه وسلم " ادفنوهم في ثيابهم " وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتلى أحد أن ينزع عنهم الحديد والجلود وأن يدفنوا في ثيابهم بدمائهم رواه أبو داود وابن ماجة، وليس ذلك بواجب لكنه الأولى، ويجوز للولي أن ينزع ثيابه ويكفنه بغيرها، وقال أبو حنيفة لا ينزع ثيابه لظاهر الخبر
ولنا ما روى أن صفية أرسلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم ثوبين ليكفن فيهما حمزة فكفنه في أحدهما وكفن في الآخر رجلاً آخر رواه يعقوب بن شيبة وقال هو صالح الاسناد، وحديثهم يحمل على الاباحة والاستحباب، إذا ثبت هذا فانه ينزع عنه ما لم يكن من عامة لباس الناس من الجلود والفراء والحديد.
قال أحمد لا يترك عليه فرو ولا خف ولا جلد وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، وقال مالك لا ينزع عنه فرو ولا خف ولا محشو لعموم الخبر وهو قوله " ادفنوهم في ثيابهم " وما رويناه أخص فكان أولى * (مسألة) * (ولا يصلى عليه في أصح الروايتين) وهذا قول مالك والشافعي وإسحق، وعن أحمد رواية أخرى أنه يصلى عليه اختارها الخلال وهو قول الثوري وأبي حنيفة إلا أن كلام أحمد رحمه الله في هذه الرواية يشير إلى أن الصلاة عليه مستحبة غير واجبة، وقد صرح بذلك في رواية المروذي فقال: الصلاة عليه أجود وإن لم يصلوا عليه أجزأه، وقال في موضع آخر يصلى عليه وأهل الحجاز لا يصلون عليه وما تضره الصلاة لا بأس به، فكأن الروايتين في استحباب الصلاة لا في وجوبها، إحداهما يستحب لما روى عقبة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج يوماً فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ثم انصرف إلى المنبر متفق عليه، وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على قتلى أحد.
ووجه الرواية الأولى ما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفن شهداء أحد في دمائهم ولم يغسلهم ولم يصل عليهم متفق عليه، وحديث عقبة مخصوص بشهداء أحد فانه صلى عليهم في القبور بعد سنين وهم لا يصلون على القبر أصلاً ونحن لا نصلي عليه بعد شهر، وحديث ابن عباس يرويه الحسن بن عمارة وهو ضعيف، وقد أنكر عليه شعبة رواية هذا الحديث، إذا ثبت هذا فيحتمل أن يكون سقوط الصلاة عليهم لكونهم أحياء عند ربهم، والصلاة إنما شرعت في حق الموتى، ويحتمل أن ذلك لغناهم عن الشفاعة لهم، فان الشهيد يشفع في سبعين من أهله فلا يحتاج إلى شفيع، والصلاة إنما شرعت للشفاعة (فصل) والبالغ وغيره سواء في ترك غسله والصلاة عليه إذا كان شهيداً وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وأبو ثور وابن المنذر، وقال أبو حنيفة لا يثبت حكم الشهادة لغير البالغ لأنه ليس من أهل القتال
ولنا أنه مسلم قتل في معترك المشركين بقتالهم أشبه البالغ ولأنه يشبه البالغ في غسله والصلاة عليه إذا لم يكن شهيداً فيشبه في سقوط ذلك عنه بالشهادة، وقد كان في شهداء أحد حارثة بن النعمان وهو صغير، والحديث عام في الكل وما ذكروه يبطل بالنساء * (مسألة) * (وان سقط من دابته ووجد ميتاً لا أثر به أو حمل فأكل أو طال بقاؤه غسل وصلي عليه) إذا سقط من دابته فمات أو وجد ميتاً ولا أثر به فانه يغسل ويصلى عليه، نص عليه أحمد.
وتأول الحديث: ادفنوهم بكلومهم فاذا كان به كلم 1 لم يغسل، وهذا قول أبي حنيفة في الذي يوجد ميتاً لا أثر به.
وقال الشافعي لا يغسل بحال لأنه مات بسبب من أسباب القتال ولنا أن الأصل وجوب الغسل فلا يسقط بالاحتمال ولأن سقوط الغسل في محل الوفاق مقرون بمن كلم فلا يجوز ترك اعتبار ذلك (فصل) وكذلك إن حمل فأكل أو طال بقاؤه لأن النبي صلى الله عليه وسلم غسل سعد بن معاذ وصلى عليه وكان شهيداً رماه ابن العرقة يوم الخندق بسهم فقطع أكحله فحمل الى المسجد فلبث فيه أياماً ثم مات وظاهر كلام الخرقي أنه متى طالت حياته بعد حمله غسل وصلي عليه، وإن مات في المعركة أو عقب حمله لم يغسل ولم يصل عليه.
وقال مالك إن أكل أو شرب أو بقي يومين أو ثلاثة غسل، وقال أحمد في موضع: ان تكلم أو آكل أو شرب صلي عليه.
وعن أحمد أنه سئل عن المجروح اذا بقي في المعركة يوماً الى الليل ثم مات فرأى أن يصلي عليه.
وقال أصحاب الشافعي ان مات حال الحرب لم يغسل ولم يصل عليه وإلا غسل وصلي عليه.
قال شيخنا: والصحيح التحديد بما ذكرنا من طول الفصل والأكل لأن الأكل لا يكون إلا من ذي حياة مستقرة وطول الفصل يدل على ذلك وقد ثبت اعتبارهما في كثير من المواضع.
وأما الكلام والشرب وحالة الحرب فلا يصح التحديد بشئ منها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوم أحد " من ينظر ما فعل سعد بن الربيع؟ " فقال رجل أنا أنظر يا رسول الله، فنظر فوجده جريحاً به رمق.
فقال له: أن رسول الله أمرني أن أنظر في الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات فأبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم عني السلام.
وذكر الحديث قال:
ثم لم أبرح أن مات، وروي أن اصيرم بني عبد الأشهل وجد صريعاً يوم أحد فقيل له: ما جاء بك؟ قال أسلمت ثم جئت، وهما من شهداء أحد دخلا في عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " ادفنوهم بدمائهم وثيابهم " ولم يغسلا ولم يصل عليهما وقد تكلما وماتا بعد انقضاء الحرب، وفي حديث أهل اليمامة عن ابن عمر أنه طاف في القتلى فوجد أبا عقيل الأنفي قال فسقيته ماء وبه أربعة عشر جرحاً كلها قد خلص الى مقتل، فخرج الماء من جراحاته كلها فلم يغسل (فصل) فإن كان الشهيد قد عاد عليه سلاحه فقتله فهو كالمقتول بأيدي العدو.
وقال القاضي يغسل ويصلى عليه لأنه مات بغير أيدي المشركين أشبه من أصابه ذلك في غير المعترك ولنا ما روى أبو داود عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أغرنا على حي من جهينة فطلب رجل من المسلمين رجلاً منهم فضربه فأخطأه فأصاب نفسه بالسيف.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخوكم يا معشر المسلمين " فابتدره الناس فوجدوه قد مات فلفه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثيابه ودمائه وصلى عليه.
فقالوا يا رسول الله أشهيد هو؟ قال " نعم وأنا له شهيد " وعامر بن الأكوع بارز مرحبا
يوم خيبر فذهب سيف له فرجع سيفه على نفسه فكانت فيها نفسه فلم يفرد عن الشهداء بحكم ولأنه شهيد المعركة أشبه ما لو قتله الكفار، وبهذا فارق ما لو كان في المعترك (فصل) ومن قتل من أهل العدل في المعركة فحكمه في الغسل حكم من قتل في معركة المشركين وقال القاضي يخرج على روايتين كالمقتول ظلماً ولنا أن علياً رضي الله عنه لم يغسل من قتل معه وعمار أوصى أن لا يغسل وقال ادفنوني في ثيابي فأني مخاصم ولأنه شهيد المعركة أشبه قتيل الكفار وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي في أحد قوليه يغسلون لأن أسماء غسلت ابنها عبد الله بن الزبير والأول أولى لما ذكرنا، فأما عبد الله بن الزبير فانه أخذ وصلب فصار كالمقتول ظلماً ولأنه ليس بشهيد المعركة، وأما الباغي فيحتمل أن يغسل ويصلى عليه اختاره الخرقي والقاضي، ويحتمل إلحاقه بأهل العدل لأنه لم ينقل غسل أهل الجمل
وصفين من الجانبين ولأنهم يكثرون في المعترك فيشق عليهم غسلهم أشبهوا أهل العدل، وهل يصلى على أهل العدل فيه احتمالان: أحدهما لا يصلى عليهم لأنهم أشبهوا شهداء المشركين، ويحتمل أن يصلى عليهم لأن علياً رضي الله عنه صلى عليهم، والمرجوم يغسل ويصلى عليه، وكذلك المقتول قصاصاً كسائر الموتى * (مسألة) * (ومن قتل مظلوما فهل يلحق بالشهيد على روايتين) إحداهما يغسل ويصلى عليه اختارها اخلال وهو قول الحسن ومذهب مالك والشافعي لأن رتبته دون رتبة الشهيد في المعترك أشبه المبطون ولأن هذا لا يكثر القتل فيه فلم يجز إلحاقه بشهيد المعترك، والثانية حكمه حكم الشهيد وهو قول الشعبي والاوزاعي وإسحق في الغسل لأنه شهيد أشبه شهيد المعترك.
قال النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل دون ماله فهو شهيد " (فصل) فأما الشهيد بغير قتل كالمعطون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والنفساء فانهم يغسلون ويصلى عليهم لا نعلم فيه خلافاً، إلا أنه روي عن الحسن لا يصلى على النفساء ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة مانت في نفاسها فقام وسطها متفق عليه.
وصلى المسلمون على عمر وعلي رضي الله عنهما وهما شهيدان، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " الشهداء خمس: المطعون والمبطون والغرق وصاحب الهدم والشهيد في سبيل الله " قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح وكلهم غير الشهيد في سبيل الله يغسلون ويصلى عليهم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ترك غسل شهيد المعركة لما يتضمنه من إزالة الدم المستطاب شرعاً أو لمشقة غسلهم لكثرتهم أو لما فيهم من الجراح ولا يوجد ذلك ها هنا * (مسألة) * (وإذا ولد السقط لأكثر من أربعة أشهر غسل وصلي عليه) السقط الولد الذي تضعه المرأة لغير تمام أو ميتاً، فان خرج حياً واستهل غسل وصلي عليه
بغير خلاف حكاه ابن المنذر إجماعاً، وإن خرج ميتاً فقال أحمد إذا أتى له أربعة أشهر غسل وصلي عليه.
وهذا قول سعيد بن المسيب وابن سيرين واسحق، وصلى ابن عمر على ابن لأبيه ولد ميتاً، وقال الحسن وابراهيم والحكم وحماد ومالك والاوزاعي وأصحاب الرأي لا يصلى عليه حتى يستهل
وللشافعي قولان كالمذهبين لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " الطفل لا يصلى عليه ولا يرث ولا يورث حتى يستهل " رواه الترمذي، ولأنه لم يثبت له حكم الحياة ولا يرث ولا يورث فلا يصلي عليه كمن دون أربعة أشهر ولنا ما روى المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والسقط يصلى عليه " رواه أبو داود والترمذي.
وفي رواية الترمذي " والطفل يصلى عليه "، وقال هذا حديث حسن صحيح وذكره أحمد واحتج به، ولحديث أبي بكر الصديق أنه قال: ما أحد أحق أن يصلي عليه من الطفل ولأنه نسمة نفخ فيها الروح فيصلى عليه كالمستهل فإن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر في حديث الصادق والمصدوق أنه ينفخ فيه الروح لأربعة أشهر، وحديثهم قال الترمذي: قد اضطرب الناس فيه فرواه بعضهم مرفوعاً، قال الترمذي: كان هذا أصح من المرفوع وإنما لم يرث لأنه لا يعلم حياته حال موت موثه وذلك من شرط الأرث والصلاة من شرطها أن تصادق من كانت فيه حياة، وقد علم ذلك بما ذكرنا من الحديث ولأن الصلاة دعاء له ولوالديه فلم يحتج فيها الى الاحتياط واليقين بخلاف الميراث.
فأما من لم يبلغ أربعة أشهر فلا يغسل ولا يصلى عليه ويلف في خرقة ويدفن لعدم وجود الحياة لا نعلم فيه خلافا إلا عن ابن سيرين فإنه قال: يصلي عليه إذا علم أنه نفخ فيه الروح.
وحديث الصادق المصدوق يدل عى أنه لا ينفخ فيه الروح إلا بعد الأربعة أشهر وقبل ذلك لا يكون نسمة فلا يصلى عيه كسائر الجمادات ذكره شيخنا، وحكى ابن أبي موسى أنه يصلى على السقط اذا استبان فيه بعض خلق الانسان والأول أولى (فصل) ويستحب أن يسمى السقط لأنه يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " سموا أسقاطكم فإنهم أسلافكم " رواه ابن السماك باسناده، قيل أنهم يسمون ليدعون يوم القيامة باسمائهم، فاذا لم يعلم أذكر هو أم أنثى سمى اسماً يصلح لهما جميعاً كسلمة وقتادة وهبة الله وما أشبه * (مسألة) * (ومن تعذر غسله يمم) من تعذر غسله لعدم الماء وللخوف عليه من التقطع بالغسل كالمجدور والغريق والمحترق يمم اذا أمكن كالحي العادم للماء أو الذي يؤذيه الماء، وإن أمكن غسل بعضه غسل ويمم للباقي كالحي، ويحتمل
ألا يمم ويصلى عليه على حسب حاله، ذكره ابن عقيل لأن المقصود بغسل الميت التنظيف ولا يحصل ذلك
بالتيمم، والأول أصح إن أمكن غسله بأن يصب عليه الماء صباً ولا يمس غسل كذلك والله أعلم * (مسألة) * (وعلى الغاسل ستر ما رآه إن لم يكن حسناً) ينبغي للغاسل ومن حضر إذا رأى من الميت شيئاً مما يحب الميت ستره أن يستره ولا يحدث به لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من غسل ميتاً ثم لم يفش ما عليه خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه ابن ماجه، وقال " من ستر عورة مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة " فان رأى حسناً مثل أمارات الخير من وضاءة الوجه والتبسم ونحو ذلك استحب إظهاره ليكثر الترحم عليه والتشبه بجميل سيرته، قال ابن عقيل إلا أن يكون مغموصاً عليه في الدين والسنة، مشهوراً ببدعة فلا بأس باظهار السر عليه لتحذر طريقته، وعلى هذا ينبغي أن يكتم ما يرى عليه من أمارات الخير لئلا يغتر به فيقتدى به في بدعته * (فصل في الكفن) * * (مسألة) * (ويجب كفن الميت في ماله مقدماً على الدين وغيره) من الوصية والميراث لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به ولأن سترته واجبة في الحياة فكذلك بعد الموت ويكون ذلك من رأس ماله لأن حمزة ومصعب رضي الله عنهما لم يوجد لكل واحد منهما إلا ثوب فكفن فيه ولأن لباس المفلس مقدم على قضاء دينه فكذلك كفن الميت، ولا ينتقل الى الورثة من مال الميت إلا ما فضل عن حاجته الأصلية وهذا قول أكثر أهل العلم وفيه قولان شاذان: أحدهما قول خلاس بن عمرو: أن الكفن من الثلث، والآخر قال طاوس: إن كان المال قليلاً فمن الثلث.
والصحيح الأول لما ذكرنا، وكذلك مؤونة دفنه وتجهيزه ومالا بد للميت منه قياساً على الكفن: فأما الحنوط والطيب فليس بواجب ذكره ابن حامد لأنه لا يجب في الحياة فكذلك بعد الموت: وقال القاضي يحتمل أنه واجب لأنه مما جرت العادة به، وليس بصحيح لأن العادة جرت بتحسين الكفن وليس بواجب، ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين * (مسألة) * (فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته)
إذا لم يكن للميت مال فكفنه على من تلزمه مؤونته في الحياة وكذلك دفنه وما لا بد للميت منه لأن ذلك يلزمه حال الحياة فكذلك بعد الموت إلا الزوج لا يلزمه كفن امرأته وهذا قول الشعبي وأبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي: وقال بعضهم يجب على الزوج واختلف فيه عن مالك واحتجوا بأن كسوتها واجبة عليه في الحياة فوجب كفنها كسيد العبد ولنا أن النفقة والكسوة وجبت في النكاح للتمكين من الاستمتاع ولهذا تسقط بالنشوز والبينونة وقد انقطع ذلك بالموت فأشبه ما لو انقطع بالفرقة في الحياة ولأنها بانت منه في الموت فأشبهت الاجنبية
وفارقت المملوك فان نققته بحق الملك لا بالانتفاع، ولهذا تجب نفقة الآبق وفطرته والوالد تجب نفقته بالقرابة، ولا تبطل بالموت بدليل أن السيد والوالد أحق بدفنه وتوليه.
إذا تقرر هذا فإن لم يكن لها مال فعلى من تلزمه نفقتها من الاقارب، فإن لم يكن ففي بيت المال كمن لا زوج لها (فصل) ويستحب تحسين الكفن لما روى مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلاً من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل فقال " إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه " فان تساح الورثة جعل بحسب حال الحياة إن كان موسراً كان حسناً رفيعاً على نحو ما كان يلبس في حال الحياة، وإن كان دون ذلك فعلى حسب حاله وليس لثمنه حد لأن ذلك يختلف باختلاف البلدان والاوقات ولان التحديد إنما يكون بنص أو إجماع ولم يوجد واحد منهما.
وقال الخرقي إذا تشاح الورثة في الكفن جعل بثلاثين، وإن كان موسراً فبخمسين وهذا محمول على وجه التقريب، ولعل الجيد في زمنه والمتوسط كان يحصل بهذا القدر، وقد روي عن ابن مسعود أنه أوصى أن يكفن بنحو من ثلاثين درهماً (فصل) والمستحب أن يكفن في جديد إلا أن يوصي الميت بغيره فتمتثل وصيته كما روي عن الصديق رضي الله عنه انه قال: كفنوني في ثوبي هذين فان الحي أحوج الى الجديد من الميت وإنما هما للهلة والتراب رواه البخاري بمعناه، وذهب ابن عقيل الى أن التكفين في الخليع أولى لهذا الخبر والأول أولى لدلالة قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعل أصحابه به * (مسألة) * (ويستحب تكفين الرجل في ثلاث لفائف بيض يبسط بعضها فوق بعض بعد تجميرها)
الأفضل عند إمامنا رحمه الله أن يكفن الرجل في ثلاث لفائف بيض ليس فيها قميص ولا عمامة لا يزيد عليها ولا ينقص منها قال الترمذي، والعمل عليها عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم وهو مذهب الشافعي، ويستحب كون الكفن أبيض لأن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في ثلاثة أثواب بيض ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " البسوا من ثيابكم البياض فإنه أطهر وأطيب وكفنوا فيه موتاكم " رواه النسائي، وحكي عن أبي حنيفة أن المستحب أن يكون في إزار ورداء وقميص لما روى عبد الله ابن المغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في قميصه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه رواه النسائي ولنا قول عائشة كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة متفق عليه، وهو أصح حديث يروى في كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعائشة أقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم واعرف بأحواله، ولهذا لما ذكر لها قول الناس أن النبي صلى الله عليه وسلم كفن في برد، قالت: قد أتي بالبرد ولكنهم لم يكفنوه فيه فحفظت ما أغفله غيرها، وقالت أيضاً: أدرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة يمنية كانت لعبد الله بن أبي بكر ثم نزعت عنه فرفع عبد الله بن أبي بكر الحلة وقال: أكفن فيها؟ ثم قال: لم يكفن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأكفن فيها فتصدق بها رواه مسلم، ولان حال الاحرام
أكمل أحوال الحي، وهو لا يلبس المخيط فكذلك حالة الموت.
وأما إلباس النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي قميصه فإنما فعل ذلك تكرمة لابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي لأنه كان سأله ذلك ليتبرك به أبوه ويندفع عنه العذاب ببركة قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقيل أنما فعل ذلك جزاء لعبد الله بن أبي عن كسوته العباس قميصه يوم بدر (فصل) ويستحب تجمير الاكفان وهو تجميرها بالعود فيجعل العود على النار في مجمر ثم يبخر به الكفن حتى تعبق رائحته ويكون ذلك بعد أن يرش عليه ماء الورد لتعلق به الرائحة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا أجمرتم الميت فأجمروه ثلاثا " رواه الإمام أحمد وأوصى أبو سعيد وابن عمر وابن عباس أن تجمر أكفانهم بالعود، ولأن هذا عادة الحي عند غسله وتجديد ثيابه أن تجمر بالطيب والعود فكذلك الميت
- (مسألة) * (ثم يوضع عليها مستلقياً ويجعل الحنوط فيما بينها ويجعل منه في قطن يجعل بين إليتيه ويشد فوقه خرقة مشقوقة لطرف كالتبان يجمع إليتيه ومثانته ثم يجعل الباقي على منافذ وجهه ومواضع سجوده وإن طيبه كله كان حسناً) وجملة ذلك أن المستحب أن يؤخذ أوسع اللفائف وأحسنها فتبسط أولاً لتظهر للناس لأن هذا عادة الحي يجعل الظاهر أفخر ثيابه ويجعل عليها حنوطاً ثم تبسط الثانية التي تليها في الحسن والسعة عليها ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً ثم تبسط فوقها الثالثة ويجعل فوقها حنوطاً وكافوراً ولا يجعل على وجه العليا ولا على النعش شيئاً من الحنوط لأن الصديق رضي الله عنه قال: لا تجعلوا على أكفاني حنوطاً ثم يحمل الميت مستوراً بثوب فيوضع عليها مستلقياً لأنه أمكن لإدراجه فيها، ويجعل من الحنوط والكافور في قطن ويجعل منه بين إليتيه برفق ويكثر ذلك ليرد شيئاً إن خرج منه حين تحريكه، ويشد فوقه خرقة مشقوقة الطرف كالتبان وهو السراوبل بلا أكمام ليجمع إليتيه ومثانته ويجعل باقي الطيب على منافذ وجهه في فيه ومنخره وعينيه لئلا يحدث منهن حادث وكذلك في الجراح النافذة ويترك منه على مواضع السجود تشريفاً لهذه الاعضاء المختصة بالسجود، ويطيب رأسه ولحيته لأن الحي يتطيب هكذا، وإن طيبه كله كان حسناً * (مسألة) * (ثم يرد طرف اللفافة العليا على شقه الأيمن ثم يرد طرفها الآخر على شقه الأيسر) وإنما استحب ذلك لئلا يسقط عنه الطرف الأيمن إذا وضع على يمينه في القبر ثم يفعل بالثانية والثالثة كذلك ويجعل ما عند رأسه أكثر مما عند رجليه لأنه أحق بالستر من رجليه، فالاحتياط لستره بتكثير ما عنده أولى ثم يجمع ما فضل جمع وطرف العمامة 1 فيرده عند رأسه ورجليه، وإن خاف انتشارها عقدها فاذا وضعه في قبره حلها لأن عقد هذا إنما كان للخوف من انتشارها وقد أمن بدفنه
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما أدخل نعيم بن مسعود الأشجعي القبر نزع الاخلة بفيه وعن ابن مسعود وسمرة نحوه ولا يخرق الكفن لأنه افساد له
(فصل) وتكره الزيادة في الكفن على ثلاثة أثواب لما فيه من إضاعة المال وقد نهى عنه عليه السلام، ويحرم ترك شئ مع الميت من ماله لغير حاجة لما ذكرنا إلا مثل ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ترك تحته قطيفة في قبره فان ترك نحوه فلا بأس * (مسألة) * (وإن كفن في قميص ومئزر ولفافة جاز) التكفين في القميص واللفافة والمئزر جائز إلا أن الأول أفضل، وهذا جائز لا كراهة فيه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ألبس عبد الله بن أبي قميصه لما مات رواه البخاري، فيؤزر بالمئزر ويلبس القميص ثم يلف باللفافة بعد ذلك، وقال أحمد إن جعلوه قميصاً فأحب إلي أن يكون مثل قميص له كمان وتخاريصان وأزرار ولا يزر عليه القيص (فصل) قال أبو داود قلت لأحمد يتخذ الرجل كفنه يصلي فيه أياماً أو قلت يحرم فيه ثم يغسله ويضعه لكفنه فرآه حسنا؟ قال: يعجبني أن يكون جديداً أو غسيلاً وكره أن يلبسه حتى يدنسه (فصل) ويجوز التكفين في ثوبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم في المحرم الذي وقصته دابته " وكفنوه في ثوبين " رواه البخاري (فصل) قال أحمد: يكفن الصبي في خرقة وان كفن في ثلاثة فلا بأس، وكذلك قال إسحق ونحوه قال سعيد بن المسيب والثوري وأصحاب الرأي وغيرهم لا اختلاف بينهم في أن ثوباً يجزيه، وان كفن في ثلاثة فلا بأس * (مسألة) * (وتكفن المرأة في خمسة أثواب إزار وخمار وقميص ولفافتين) قال إبن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يرى أن تكفن المرأة في خمسة أثواب منهم الشعبي ومحمد بن سيرين والنخعي والاوزاعي والشافعي وإسحق وأبو ثور وأصحاب الرأي وكان عطاء يقول تكفن في ثلاثة أثواب درع وثوب تحت الدرع تلف به وثوب فوقه تلف فيه.
وقال موسى