لأن المحكوم عليه إذا استوفى الحق منه فقال للحاكم اكتب لي محضراً بما جرى لئلا يلقاني خصمي في موضع آخر فيطالبني ثانياً ففيه وجهان.
(أحدهما) تلزمه اجابه ليتخلص من المحذور الذي يخافه (والثاني) لا تلزمه لأن الحاكم إنما يكتب بما ثبت عنده أو حكم به فأما استئناف ابتداء فيكفي فيه الأشهاد فيطالبه أن يشهد على نفسه بقبض الحق لأن الحق ثبت عليه بالبينة.
- (مسألة) * (وكل من ثبت له عند حاكم حق أو ثبتت براءته مثل أن أنكر وحلفه الحاكم أن يكتب له محضراً بما جرى ليثبت حقه أو براءته لزمته إجابته) أما إذا ثبت له حق بإقرار فسأله المقر له أن يشهد على نفسه شاهدين لزمه ذلك لأن الحاكم لا يحكم بعلمه فربما جحد المقر لا يمكنه الحكم عليه ولو قلنا يحكم بعلمه احتمل ان ينسى فإن الإنسان عرضة النسيان فلا يمكنه الحكم بإقراره وإن ثبت عليه حق بنكول المدعى عليه أو بيمين المدعي بعد النكول فسأله المدعي أن يشهد على نفسه لزمه ذلك لأنه لا حجة للمدعي سواء الاشهاد فأما إن ثبت عنده ببينة فلا يجب جعل بينة أخرى (والثاني) يجب لأن في الاشهاد فائدة جديدة وهي إثبات تعديل بينته وإلزام خصمه وإن حلف المنكر وسأل الحاكم الأشهاد على براءته لزمه ليكون حجة له
في سقوط المطالبة مرة أخرى وفي جميع ذلك إذا سأله أن يكتب له محضراً بما جرى ففيه وجهان (أحدهما) يلزمه ذلك لأنه وثيقة له فهو كالاشهاد لأن الشاهدين ربما نسيا الشهادة أو نسيا الخصمين فلا يذكرهما إلا رؤية خطهما (والثاني) لا يلزمه لأن الأشهاد يكفيه والأول أصح لأن الشهود تكثر عليهم الشهادات ويطول عليهم الأمد فالظاهر أنهما لا يتحققان الشهادة تحققاً يحصل به اداؤها فلا يفيد إلا بالكتاب.
- (مسألة) * (وإن سأل من ثبت محضره عند الحاكم أن يسجل به فعل ذلك وجعله نسختين نسخة يدفعها إليه ونسخة يحبسها عنده والورق من بيت المال فإن لم يكن فمن مال المكتوب له) . ينبغي أن يجعل من بيت المال شئ برسم الكاغد الذي يكتب فيه المحاضر والسجلات لأنه من المصالح فإنه يحفظ به الوثائق ويذكر الحاكم حكمه والشاهد شهادته ويرجع بالدرك على من يرجع عليه فإن أعوز ذلك لم يلزم الحاكم ذلك ويقول لصاحب الحق إن شئت جئت بكاغد أكتب لك فيه فإنه حجة لك ولست أكرهك عليه فإن اختار أن يكتب له محضراً فصفته: بسم الله الرحمن الرحيم حضر القاضي فلان بن فلان قاضي عبد الله الإمام فلان على كذا وكذا وإن كان خليفة القاضي قال خليفة القاضي فلان بن فلان الفلاني قاضي الإمام بمجلس حكمه وقضائه بكذا فإن كان يعرف المدعي والمدعى عليه بأسمائهما وانسابهما قال فلان بن فن؟ الوللافلاني حضر معه فلان بن فلان الفلاني ويرفع في نسبهما
ويذكر حليتهما لأن الاعتماد عليها فربما استعار النسب فادعى عليه كذا وكذا فأقر له ولا يحتاج أن يقول بمجلس حكمه لأن الإقرار يصح في غير مجلس الحكم وإن كتب أنه يشهد على إقراره شاهدان كان آكد ويكتب الحاكم على رأس المحضر: الحمد لله رب العالمين أو ما أحب فأما أن أنكر المدعى عليه وشهدت عليه بينة قال: فادعى عليه كذا وكذا فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة؟ فأحضرها وسأل الحاكم سماعها ففعل وسأله أن يكتب له محضراً بما جرى فأجابه اليه وذلك في وقت كذا ويحتاج ههنا أن يذكر مجلس حكمه وقضائه بخلاف الإقرار لأن البينة لا تسمع إلى في مجلس الحكم والإقرار بخلافه، ويكتب الحاكم في آخر المحضر شهدا عندي بذلك ويكتب علامته في رأس
المحضر وإن اقتصر على ذلك دون المحضر جاز لئلا يحلف ثانياً وكتب له مثل ما تقدم إلا أنه يقول فأنكر فسأل الحاكم المدعي ألك بينة؟ قال لا قال فلك يمينه وسأل إحلافه فاحلفه في مجلس حكمه وقضائه في وقت كذا وكذا ولابد من ذكر تحليفه لأن الاستحلاف لا يكون إلا بمجلس الحكم ويعلم في أوله خاصة ويعلم في الإقرار والأحلاف على رأس المحضر جرى الأمر على ذلك فإن نكل المدعى عليه عن اليمين قال فعرض اليمين على المدعي عليه فنكل عنها فسأل خصمه الحاكم أن يقضي عليه بالحق في وقت كذا وإن رد اليمين على المدعى فحلف وحكم له بذلك ذكره، ويعلم في آخره ويذكر أن ذلك في مجلس حكمه وقضائه وهذه صفة المحضر وأما السجل.
فهو لا نفاذ ما ثبت عنده والحكم به وصفته بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أشهد
عليه القاضي فلان بن فلان ويذكر ما تقدم في أول المحضر ومن حضره من الشهود أشهدهم أنه ثبت عنده بشهاة فلان وفلان وقد عرفهما بما رأى معه قبول شهادتهما بمحضر من خصمين ويذكرهما إن كانا معروفين وإلا قال مدع ومدعى عليه عليه جاز حضورهما وسماع الدعوى من أحدهما على الآخر معرفة فلان بن فلان ويذكر المشهود عليه وإقراره طوعاً في صحة منه وجواز أمر الجميع ما سمي ووصف به في كتاب نسخته وينسح الكتاب المثبت ألو المحضر جميعه حرفا بحرف فإذا فرغ منه قال وإن القاضي امضاه وحكم به على ما هو الواجب في مثله بعد أن سأله ذلك والأشهاد به الخصم المدعي ويذكر اسمه ونسبه ولم يدفعه الخصم الحاضر بحجة وجعل كل ذي حجة حجته على واشهد القاضي فلان على أنفاسه وحكمه من حضره من الشهود في مجلس حكمه في اليوم المؤرخ في أعلاه وأمر يكتب هذا السجل نسختين متساويتين تخلد نسخة منهما في ديوان الحكم والأخرى تدفع إلى من كتبها له ولك واحد منهما حجة وثيقة فيما أنفذه منهما وهذا يذكر ليخرج من الخلاف ولو
قال إنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان ما في كتاب نسخته كذا ولم يذكر الاعاء عليه جاز وساغ لجواز القضاء على الغائب وما يجتمع عنده من المحاضر والسجلات في كل أسبوع أو شهر بضم بعضها إلى بعض ويكتب عليه محاضر وقت كذا في سنة كذا.
- (فصل في صفة الكتاب لى القاضي) * بسم الله الرحمن الرحيم سبب هذه المكاتبة أطال الله بقاء من يصل إليه من قضاء المسلمين وحكامهم أنه ثبت عندي في مجلس حكمي وقضائي الذي أتولاه بمكان كذا وإن كان نائباً قال
الذي أنوب فيه عن القاضي فلان بمحضر من خصمين مدع ومدعى عليه جاز سماع الدعوى بينهما وقبول البينة من أحدهما على الآخر بشهادة فلان وفلان وهما من الشهود المعدلين عندي عرفتهما وقبلت شهادتهما بما رأيت معه قبولها معرفة فلان بن فلان الفلاني بعينه واسمه ونسبه فان كان في إثبات أسر أسير قال وإن الفرنج خذلهم الله اسروه من مكان كذا في وقت كذا وحملوه إلى مكان كذا وهو مقيم تحت حوطتهم أبادهم الله وإنه فقير من فقراء المسلمين ليس له شئ من الدنيا لا يقدر على فكاك نفسه ولا شئ منه وإنه مستحق للصدقة على ما يقتضيه كتاب المحضر المشار اليه المتصل أوله بآخر كتابي المؤرخ بكذا وإن كان في إثبات دين قال وأنه يستحق في ذمة فلان بن فلان الفلاني ويرفع
في نسبه ويصفه بما يتميز به من الدين كذا وكذا ديناً عليه حالاً وحقاً واجباً لازماً وإنه يستحق مطالبته واستيفاءه منه وإن كان في إثبات عين كتب: وأنه مالك لما في أيدي فلان من الشئ الفلاني ويصفه صفة يتميز بها، مستحق لأخذه وتسلمه على ما يقتضيه كتاب المحضر المتصل بآخر كتابي المؤرخ بتاريخ كذا وقال الشاهدان المذكوران أنهما بما شهدا به عالمان وله محققان وأنهما لا يعلمان خلاف ما شهدا به إلى حين أقاما الشهادة عندي فأمضيت ما ثبت عندي من ذلك وحكمت بموجبه بسؤال من جازت مسألته وسألني من جاز سؤاله وسوغت الشريعة المطهرة إجابته المكاتبة إلى القضاة والحكام فأجبته إلى ملتمسه لجوازه شرعاً وتقدمت بهذا فكتب وبالصاق المحضر المشار اليه فألصق فمن وقف عليه منهم وتأمل ما ذكرته وتصفح ما سطرته واعتمد في انفاذه والعمل بموجبه ما وجبه الشرع المطهر أحرز من الاجر أجز له وكتب في مجلس الحكم المحروس من مكان كذا في وقت كذا ولا يشترط أن يذكر القاضي اسمه في العنوان ولا ذكر المكتوب اليه في باطنه وبهذا قال
الشافعي وقال أبو حنيفة إذا لم يذكر اسمه فلا يقبله لأن الكتاب ليس اليه ولا يكفي ذكر اسمه في العنوان دون باطنه لأن ذلك لم يقع على وجه المخاطبة ولنا أن المعول فيه على شهادة الشاهدين على الحاكم الكاتب بالحكم ولا يقدح ولو ضاع الكتاب وامتحى سمعت شهادتهما وحكم بها
- (باب القسمة) * قسمة الأملاك جائزة والأصل في القسمة قول الله تعالى (ونيتهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر) وقوله تعالى (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) الآية وقول النبي صلى الله عليه وسلم " الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة " وقسم النبي صلى الله عليه وسلم خيبر وكان يقسم الغنائم وأجمعت الأمة على جواز القسمة ولأن بالناس؟ حاجة إلى القسمة ليتمكن كل واحد من الشركاء من التصرف على إيثاره ويتخلص من سوء المشاركة وكثرة الأيدي * (مسألة) * (وهو نوعان قسمة تراض وهي ما فيها ضرر ورد عوض من أحدهما كالدور الصغار والحمام والعضائد المتلاصعة اللاتي لا يمكن قسمة كل عين منفردة والأرض التي في بعضها بئر أو بناء ونحوه لا يمكن قسمته بلاجزا والتعديل إذا رضوا بقسمتها أعياناً بالقيمة جاز لأن الحق لهم لا يخرج عنهم وقد رضوا بقسمته وهذا جارية مجرى البيع لا يجبر عليها الممتنع لا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع) وجملة ذلك أن الشريكين والشركاء في شئ ربعاً كان أو غيره والربع هو العقار من الدور ونحوها إذا طلبها من الحاكم أن يقسمه بينهما اجابهما إليه وإن لم يثبت عنده ملكهما وبهذا قال أبو
يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة ان كان عقاراً نسبوه إلى ميراث لم يقسمه حتى يثبت الموت والورثة لأن الميراث باق على حكم ملك الميت فلا يقسمه احتياطاً للميت وما عدا العقار يقسمه وإن كان ميراثاً لأنه يثوى ويهلك وقسمته تحفظه وكذلك العقار الذي لا ينسب إلى الميراث وظاهر قول الشافعي أنه لا يقسم عقاراً كان أو غيره ما لم يثبت ملكهما لأن قسمه بقولهم لو دفع بعد ذلك إلى حاكم آخر سهل أن يجعله حكماً لهم ولعله أن يكون لغيرهم ولنا ان اليد تدل على الملك ولا منازع لهم فيثبت لهم من طريق الظاهر ولهذا يجوز لهم التصرف فيه ويجوز شراؤه منهم واتهابه واستئجاره وما ذكره الشافعي يندفع إذا ثبت في القصة إني قسمته بينهم بإقرارهم لا عن بينة شهدت لهم انه ملكهم وكل ذي حجة على حجته وما ذكره أبو حنيفة لا يصح لأن الظاهر تملكهم ولا حق للميت فيه إلا أن يكون عليه دين وما ظهر والأصل عدمه ولهذا اكتفينا به في غير العقار وفيما لم ينسبوه إلى الميراث
* (مسألة) * (وهذه القسمة جارية مجرى البيع لما فيها من الرد وبهذا يصير بيعا)
لأن صاحب الرد بذل المال عوضاً عما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع ولا يجبر عليها الممتنع منها لما روى مالك في موطئه عن عمر بن يحيى المازني عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال
" لا ضرر ولا ضرار " ولأنه لا يجير على بيع ملكه فلا يجبر على قسمته لأنها بيع ولا يجوز فيها إلا ما يجوز في البيع كذلك (فصل) وهل تلزم قسمة التراضي بالقرعة إذا قسمها الحاكم أو رضوا بقاسم يقسم بينهم؟ فيه وجهان (أحدهما) تلزم كقسمة الاجبار لأن القاسم كالحاكم وقرعته كحكمه (والثاني) لا تلزم الا في البيع والبيع لا يلزم الا بالتراضي لا بالقرعة وإنما القرعة فيه لتعريف البائع من المشتري، فأما أن تراضيا على أن يأخذ كل واحد منهما من السهمين بغير قرعة فإنه يجوز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما وكذلك لو خير أحدهما صاحبه فأختار ويلزم ههنا بالتراضي والتفرق كما يلزم البيع.
* (مسألة) * (والضرر المانع من القسمة هو نقص القيمة بالقسم في ظاهر كلام أحمد ولا ينتفعان به مقسوما في ظاهر كلام الخرقي) اختلفت الرواية في الضرر المانع من القسمة ففي قول الخرقي هو ما لا يمكن أحدهما معه
الإنتفاع بنصيبه مفرداً فيما كان ينتفع به مع الشركة مثل أن تكون بينهما دار صغيرة إذا قسمت أصاب كل واحد منهما موضعاً ضيقاً لا ينتفع به ولو امكن أن ينتفع به في شئ غير الدار لم يجبر على القسمة أيضاً لأنه ضرر يجرى مجرى الإتلاف
(والرواية الأخرى) أن المانع من القسمة هو أن ينقص قيمة نصيب أحدهما بالقسمة عن حال الشركة سواء انتفعوا به مقسوماً أو لم ينتفعوا.
قال القاضي هذا ظاهر كلام أحمد لأنه قال في رواية الميموني إذا قال بعضهم يقسم وبعضهم لا يقسم فإن كان فيه نقصان من ثمنه بيع وأعطي الثمن فأعتبر نقصان الثمن وهذا الظاهر من كلام الشافعي لأن نقص قيمته ضرر والضرر منفي شرعاً وقال مالك يجبر الممتنع وإن استضر قياساً على ما لا ضرر فيه ولا يصح لقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " من المسند ولأن في قسمته ضرراً فلم يجبر عليه كقسمة الجوهرة بكسرها ولأن في قسمته إضاعة المال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولا يصح القياس على ما لا ضرر فيه لما بينهما من الفرق
* (مسألة) * (وإن كان الضرر على أحدهما دون الآخر كرجلين لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث ينتفع صاحب الثلثين بقسمها ويتضرر الآخر فطلب من لا يتضرر القسم لم يجبر الآخر عليه وإن طلبه الآخر أجبر الأول وقال القاضي إن طلبه الأول أجبر الآخر وإن طلبه المضرور لم يجبر الآخر) أما إذا طلب القسمة من لا يتضرر لم يجبر الآخر ذكره أبو الخطاب وهو ظاهر كلام أحمد في رواية حنبل قال كل قسمة فيها ضرر لا أرى قسمها وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي ثور وقال القاضي يجبر
الآخر عليها وهو قول الشافعي وأهل العراق لأنه طلب إفراد نصيبه الذي لا يستضر بتميزه فوجبت اجابته إليه كما لو كانا لا يستضران بالقسمة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " ولأنها قسمة يضر بها صاحبه فلم يجبره عليها كما لو استضرا معاً ولأن فيه إضاعة المال وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعته وإذا حرم عليه إضاعة ماله فإضاعة مال غيره أولى وقد روى عمرو بن جميع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا تعصبة على أهل الميراث الا ما حصل القسم " قال أبو عبيدة هو أن يخلف شيئاً إذا قسم كان فيه ضرر على بعضهم أو على جميعهم ولأننا اتفقنا على أن الضرر مانع من القسمة وإن الضرر في حق أحدهما مانع ولا يجوز أن يكون المانع هو ضرر الطالب لأنه مرضي به من جهته فلا يجوز كونه مانعاً كما لو تراضيا عليها مع ضررهما أو ضرر أحدهما فتعين الضرر من المانع في جهة المطلوب ولأنه ضرر غير مرضي به من جهة صاحبه فمنع القسمة كما لو استضرا معاً، فأما إذا طلب القسمة المستضر بها كصاحب الثلث في المسألة المفروضة أجبر الآخر عليها هذا مذهب أبي حنيفة ومالك لأنه طلب دفع ضرر الشركة عنه بأمر لا ضرر على صاحبه فيه فأجبر عليه كما لا ضرر فيه يحققه إن ضرر الطالب مرضي به من جهته فسقط حكمه والآخر لا ضرر عليه فصارت كما لا ضرر فيه، وذكر أصحابنا أن المذهب أنه لا يجبر الممتنع عن القسمة لنهي
النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال ولأن طلب القسمة من المستضر سفه فلا تجب إجابته إلى السفه قال الشريف متى كان أحدهما يستضر لم تجب القسمة، وقال أبو حنيفة متى كان أحدهما ينتفع بها وجبت وإن استضر بها الغالب فعل وجهين وقال مالك تجب على كل حال (فصل) ولو كانت دار بين ثلاثة لأحدهم نصفها وللآخرين نصفها لكل واحد منهما ربعها فإذا قسمت استضر كل واحد منهما ولا يستضر صاحب النصف فطلب صاحب النصف القسمة وجبت إجابته لأنه يمكن قسمتها نصفين من غير ضرر فيصير حقهما لهما داراً وله النصف فلا يستضر واحد منهما ويحتمل ألا تجب عليهما الإجابة لأن كل واحد منهما يستضر بإفراد نصيبه وإن طلبا المقاسمة فامتنع صاحب النصف أجبر لأنه لا ضرر على واحد منهم، وإن طلبا إفراد نصيب كل واحد منهما أو طلب أحدهما أفراد نصيبه لم تجب القسمة على قياس المذهب لأنه إضرار بالطالب وسفه وعلى الوجه الذي ذكرناه تجب القسمة لأن المطلوب منه لا ضرر عليه
* (مسألة) * (وإن كان بينهما عبيد أو بهائم أو ثياب ونحوها فطلب أحدهما قسمها أعياناً بالقيمة لم يجبر الآخر عليه وقال القاضي يجبر) أما إذا اتفقا على القسمة جاز لأن النبي صلى الله عليه وسلم قسم الغنائم يوم بدر ويوم خيبر ويوم حنين وهي
تشتمل على أجناس المال وسواء اتفقا على قسمة كل جنس بينهما أو اتفقا على قسمتها أعياناً بالقيمة وإن
طلب أحدهما قسمة كل نوع على حدته إن أمكن وإن طلب أحدهما القسمة وأبى الآخر وكان مما لا تمكن قسمته إلا بأخذ عوض من غير جنسه أو قطع ثوب في قطعه نقص أو كسر أناء أو رد عوض لم يجبر الممتنع وإن أمكن قسمة كل نوع على حدته من غير ضرر ولا رد عوض فقال القاضي يجبر الممتنع وهو ظاهر مذهب الشافعي وقال أبو الخطاب لا أعرف في هذا عن إمامنا رحمه الله رواية ويحتمل أن لا يجبر الممتنع عليه وهو قول بن خيران من أصحاب الشافعي لأن هذا إنما يقسم أعياناً بالقيمة فلم يجبر الممتنع عليه كما لا يجبر على قسمة الدور بأن يأخذ هذا دارا وهذا داراً كالجنسين المختلفين ووجه الأول أن الجنس الواحد كالدار الواحدة وليس اختلاف الجنس أو احد في القيمة بأكثر من اختلاف قيمة الدار الكبيرة والقرية العظيمة فإن أرض القرية تختلف لا سيما إذا كانت ذات أشجار مختلفة وأرض متنوعة والدار ذات بيوت واسعة وضيقة وحديثة وقديمة ثم هذا الاختلاف لا يمنع الإجبار على القسمة كذلك الجنس الواحد وفارق الدور فإنه أمكن قسمة كل دار على حدتها وههنا لا يمكن قسمة كل ثوب منها أثواباً على حدته فإن كانت الثياب أنواعاً كالحرير والقطن والكتان فهي كالأجناس فكذلك سائر المال والحيوان كغيره من الأموال ويقسم النوع الواحد
منه وبه قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة لا يقسم الرقيق قسم إجبار لأن منافعه تختلف ويقصد منه العقل والدين والفطنة وذلك لا يقع فيه التعديل ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم جزأ العبيد الذين أعتقهم الأنصاري في مرضه ثلاثة أجزاء ولأنه نوع حيوان يدخله التقويم فجازت قسمته كسائر الحيوان وما ذكروه غير صحيح لأن القيمة تجمع ذلك وتعدله كسائر الأشياء المختلفة * (مسألة) * (وإن كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمته وإن استهدم لم يجبر على قسم عرصته وقال أصحابنا إن طلب قسمته طولاً بحيث يكون له نصف الطول في كمال العرض أجبر الممتنع وإن طلب قسمه عرضاً وكانت تسع حائطين أجبر الا فلا) وجملة ذلك أن الشريكين إذا كان بينهما حائط لم يجبر الممتنع من قسمه لأن قسمه إفراد حق أحد الشريكين من حق الآخر على وجه يمكن كل واحد منهما الانتفاع بحقه مفرداً ولا يمكن ذلك في الحائط لأنه إن طلب قسمته طولاً في كمال العرض فقطع الحائط ففيه إتلاف فإن لم يقطعه أفضى إلى الضرر لأن في ذلك تحميل أحدهما ثقلاً على نصيب صاحبه وإن طلب قسمته عرضا في كمال الطول لم يجبر الممتنع لأن فيه إفسادا وفيه وجه آخر أنه يجبر لأنه لا ضرر في قسمته وان اسهدم لم يجبر على قسم عرصته وقال أصحابنا إن طلب قسمه عرضاً ليحصل لكل واحد منهما نصف الطول في كمال
العرض أجبر الممتنع لأنه لا ضرر ويحتمل أن لا يجبر لأنه يفضي إلى الا يبقى ملكه الذي يلي نصيب صاحبه بغير حائط وإن طلب قسمه عرضاً ليحصل لكل واحد نصف العرض في كمال الطول وكان يحصل لكل واحد منهما ما لا يمكن أن يبني فيه حائطاً لم يجبر الممتنع لأنه يتضرر بذلك وإن حصل له ما يمكن بناء حائط فيه أجبر الممتنع لأنه ملك مشترك يمكن كل واحد منهما الانتفاع به مقسوماً ويحتمل ألا يجبر لأنه لا تدخله القرعة خوفاً من أن يحصل لكل واحد منهما ما يلي ملك الآخر * (مسألة) * (وإن كان بينهما دار لها علو وسفل فطلب أحدهما قسمها لأحدهما العلو وللآخر السفل أو كان بينهما منافع لم يجبر الممتنع من قسمها وإن تراضيا على قسمها كذلك وعلى قسم المنافع بالمهايأة جاز) إذا كانت دار بين اثنين سفلها وعلوها فطلبا قسمها نظرت فإن طلب أحدهما قسمة السفل والعلو بينهما ولا ضرر في ذلك أجبر الآخر عليه لأن البناء في الأرض يجري مجرى الغرس يتبعها في البيع والشفعة ولو طلب قسمة أرض فيها غراس أجبر شريكه عليه كذلك البناء وإن طلب أحدهما جعل السفل لأحدهما والعلو للآخر ويقرع بينهما لم يجبر عليه الآخر لثلاثة معان (احدهما) أن العلو تبع السفل ولهذا إذا بيعا ثبتت الشفعة فيهما وإذا افرد العلو بالبيع لم تثبت الشفعة فيه وإذا كان تبعا له لم يجعل المتبوع بينهما والتبع بينهما فيصير التبع أصلاً (الثاني) إن السفل والعلو يجريان مجرى
الدارين المتلاصقتين لأن كل واحد منهما يسكن منفرداً ولو كان بينهما دارن لم يكن لأحدهما المطالبة يجعل كل دار نصيباً كذلك ههنا (الثالث) إن صاحب القرار يملك قرارها وهواءها فإذا جعل السفل نصيبا للفرد صاحبه بالهواء وليست هذه قسمة عادلة وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة يقسم الحاكم فيجعل ذراعاً من السفل بذراعين من العلو وقال أبو يوسف ذراع بذراع.
وقال محمد يقسمها بالقيمة واحتجوا بأنها دار واحدة فإذا قسمها على ما يراه جاز كالتي لا علو لها ولنا ما ذكرناه من المعاني الثلاثة وفيها رد ما ذكروه وما يذكرونه من كيفية القسمة تحكم وبعضه يرد بعضاً، وإن طلب أحدهما قسمة العلو وحده أو السفل وحده لم يجب إليه لأن القسمة تراد للتمييز ومع بقاء الإشاعة لا يحصل التمييز، وإن طلب أحدهما قسمة العلو منفرداً والسفل منفرداً لم يجب إليه لأنه قد يحصل لكل واحد منهما علو سفل الآخر فيستضر كل واحد منهما ولا يتميز الحقان (فصل) وإن كان بينهما منافع فطلب أحدهما قسمها بالمهايأة لم يجبر الآخر لأن قسمة المنافع إنما تكون بقسمة الزمان والزمان إنما يقسم بأن يأخذ أحدهما قبل الآخر وهذا لا تسوية فيه فإن الآخر يتأخر حقه فلا يجبر على ذلك فأما أن تراضيا على قسمه العلو لاحدهما والسفل للآخر أو تراضيا على
قسمة المنافع بالمهايأة جاز لأن الحق لا يخرج عنهما فيجوز تراضيهما، وذكر ابن البناء في كتاب الخصال أن الشركاء إذا اختلفوا في منافع دار بينهما أن الحاكم يجبرهم على قسمها بالمهايأة أو يؤجرها عليهم * (مسألة) * (وإن كان بينهما أرض ذات زرع فطلب أحدهما قسمتها دون الزرع قسمت لأنه لا ضرر في قسمها ويجبر الممتنع) لأن الزرع في الأرض كالقماش في الدار فلم يمنع القسمة وسواء خرج الزرع أو كان بذراً لم يخرج فإذا قسماها بقي الزرع بينهما مشتركاً كما لو باعا الأرض لغيرهما، وإن طلب أحدهما قسمة الزرع منفرداً لم يجبر الآخر عليه لأن القسمة لا بد فيها من تعديل المقسوم وتعديل الزرع بالسهام لا يمكن لأنه يشترط بقاؤه في الأرض المشتركة * (مسألة) * (وإن طلب قسمتها مع الزرع لم يجبر الآخر) هكذا ذكره في الكتاب المشروح وهو قول الشافعي، وذكر في كتابه المغني والكافي أنه يجبر إذا كان الزرع قد خرج لأن الزرع كالشجر في الأرض والقسمة إفراز حق وليست بيعاً وإن قلنا هي بيع لم يجز إذا اشتد الحب لأنه يتضمن بيع السنبل بعضه ببعض، ويحتمل الجواز لأن السنبل ههنا داخل تبعاً للأرض، وليس بمقصود فأشبه بيع النخلة المثمرة بمثلها، وقال الشافعي لا يجبر الممتنع من قسمها مع الزرع لأن الزرع مودع في الأرض للنقل عنها فلم تجب قسمته معها كالقماش فيها
ولنا أنه ثابت فيها للنماء والنفع فأشبه الغراس وفارق القماش فإنه غير متصل بالدار ولا ضرر في نقله
* (مسألة) * (وإن تراضوا عليه والزرع قصيل أو قطن جاز)
لأن الحق لهم لا يخرج عنهم، وإن كان بذراً أو سنابل قد اشتد حبها ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز في البذر لجهالته وكونه لا يمكن إفرازه وهذا مذهب الشافعي (والثاني) يجوز لأنه يدخل تبعاً للأرض فأشبه أساسات الحيطان وكذلك القول فيما اذا اشتد حبه فيه الوجهان (أحدهما) لا يجوز لافضائه إلى بيع السنبل بعضه ببعض (والثاني) يجوز لأنه يدخل تبعاً وقال القاضي يجوز في السنابل ولا يجوز في البذر لجهالته ووجه الجواز أنه يدخل تبعاً فلا يكون مانعاً من الصحة كما لو اشترى أرضاً فيها زرع واشترطه فإنه يملكه بالشرط، وإن كان بذراً مجهولاً * (مسألة) * (وإن كان بينهما نهر أو قناة أو عين ينبع ماؤها فالماء بينهما على ما اشترطا عند استخراج ذلك) لقول النبي صلى الله عليه وسلم " المؤمنون على شروطهم) فإن اتفقا على قسمة بالمهايأة جاز لأن الحق لهما لا يخرج عنهما، ولأن المنافع ملكهما فجاز قسمها كالأعيان والمهاياة أن يكون في يد كل واحد منهما مدة معلومة على قدر حقه من ذلك)
* (مسألة) * (وإن أراد قسم ذلك بنصب خشبة أو حجر في مصدم الماء فيه ثقبان على قدر حق كل واحد منهما جاز ويسمى المرار) لأن ذلك طريق إلى التسوية بينهما فجاز كقسم الأرض بالتعديل، وإن أراد أحدهما أن يسقى
بنصيبه أرضاً ليس لها رسم شرب من هذا النهر جاز لأنه من نصيبه فجاز التصرف فيه كيف شاء كسائر ماله وكما لو لم يكن له شريك، ويحتمل أن لا يجوز لأنه إذا جعل لهذه الأرض حقاً في الشرب من هذا النهر المشترك فربما أفضى إلى أن يجعل لها حقاً في نصيب شريكه لأنه إذا طال الزمان يظن أن لهذه الأرض حقاً من السقي من النهر المشترك فيأخذ لذلك أكثر من حقه ويجئ على أصلنا أن الماء لا يملك وينتفع بها كل واحد منهما على قدر حاجته * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (النوع الثاني قسمة الإجبار وهي ما لا ضرر فيها ولا رد عوض كالأرض الواسعة والقرى والبساتين والدور الكبار والدكاكين الواسعة والمكيلات والموزونات من جنس واحد سواء كان مما مسته النار كالدبس وخل التمر أو لم تمسه كخل العنب والألبان والأدهان فإذا طلب أحدهما قسمها وأبى الآخر أجبر عليه) أما المكيلات والموزونات من المطعومات وغيرها فيجوز قسمها لأن جواز قسم الأرض مع اختلافها يدل على جواز ما لا يختلف بطريق التنبيه وسواء في ذلك الحبوب والثمار والنورة والأشنان
والحديد والرصاص ونحوها من الجامدات والعصير والخل واللبن والعسل والسمن والدبس والزيت والرب ونحوها من المائعات وسواء قلنا أن القسمة بيع أو إفراز حق لأن بيعه جائز وإفرازه جائز فإن كان فيها أنواع كحنطة وشعير وتمر وزبيب فطلب أحدهما قسمها كل نوع على حدته أجبر الممتنع وإن طلب قسمها أعياناً لم يجبر الممتنع لأن هذا بيع نوع بنوع آخر، وليس بقسمة فلم يجبر عليه كغير الشريك فإن تراضيا عليه جاز وكان بيعاً يعتبر له التقابض قبل التفرق فيما يعتبر التقابض فيه، وسائر شروط البيع (فصل) إذا طلب أحد الشركاء القسمة وامتنع بعض الشركاء في الأرض والدور ونحوهما مما ذكرنا أجبر الممتنع على القسمة بثلاثة شروط (أحدها) أن يثبت عند الحاكم ملكهم ببينة لأن في الإجبار عليها حكما على الممتنع منها فلا يثبت إلا بما يثبت به الملك لخصمه بخلاف حالة الرضاء فإنه لا يحكم على أحدهما إنما يقسم بقولهما ورضاهما (الشرط الثاني) ألا يكون فيها ضرر فإن كان فيها ضرر لم يجبر الممتنع لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا ضرر ولا ضرار " رواه ابن ماجه، وفي لفظ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى ألا ضرر ولا ضرار (الشرط الثالث) أن يمكن تعديل السهام من غير شئ يجعل معها فإن لم يكن ذلك لم يجبر الممتنع لأنها تصير بيعاً والبيع لا يجبر عليه أحد المتبايعين، ومثال ذلك ارض قيمتها مائة فيها شجرة
وبئر يساوي مائتين فإذا جعلت الأرض سهماً كانت الثلث فيحتاج أن يجعل معها خمسون يردها عليه من لم تخرج له البئر أو الشجرة ليكونا نصفين متساويين فهذه فيها بيع.
الا ترى أن آخذ الأرض قد باع نصيبه من الشجرة والبئر بالثمن الذي أخذه.
والبيع لا يجبر عليه لقول الله تعالى (إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم) فإذا اجتمعت الشروط الثلاثة أجبر الممتنع من القسمة عليها لأنها تتضمن إزالة ضرر الشركة عنهما وحصول النفع لهما لأن نصيب كل واحد منهما إذا تميز كان له أن يتصرف فيه بحسب اختياره ويتمكن من إحداث الغراس والبناء فيه والإجارة والعارية، ولا يمكنه ذلك مع الاشتراك فوجب أن لا يجبر الآخر عليه لقوله عليه السلام " لا ضرر ولا ضرار " وقد اختلف في الضرر المانع من القسمة وقد ذكرناه * (مسألة) * (وهذه القسمة إفراز حق (أحدهما) من الآخر وليست بيعاً) وهذا أحد قولي الشافعي وفي الآخر هي بيع وحكي ذلك عن أبي عبد الله بن بطة لأنه يبدل نصيبه من أحد السهمين بنصيب صاحبه من السهم الآخر وهذا حقيقة البيع ولنا أنها لا تفتقر إلى لفظ التمليك ولا يجب فيها شفعة ويلزم بإخراج القرعة ويتقدر أحد النصيبين بقدر الآخر والبيع لا يجوز فيه شئ من ذلك ولأنها تنفرد عن البيع باسمها وأحكامه فلم تكن بيعاً كسائر العقود وفائدة الخلاف أنها إذا لم تكن بيعاً جازت قسمة الثمار خرصا والمكيل وزنا
والموزون كيلا والتفرق قبل القبض فيما يشترط فيه القبض في البيع إذا حلف لا يبيع فقسم لم يحنث وإذا كان العقار أو بعضه وقفاً جازت قسمته وإن قلنا هي بيع انعكست هذه الأحكام، هذا إذا خلت من الرد فإن كان فيها رد عوض فهي بيع لأن صاحب الرد يبدل المال عوضاً عما حصل له من مال شريكه وهذا هو البيع فإن فعلا ذلك في وقف لم يجز لأن بيعه غير جائز وإن كان بعضه طلقا وبعضه وقفا والرد من صاحب الطلق لم يجز لأنه يشتري بعض الوقف، وإن كان من أهل الوقف جاز لأنهم يشترون بعض الطلق وذلك جائز * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويجوز للشركاء أن ينصبوا قاسماً يقسم بينهم وأن يسألوا الحاكم نصب قاسم فإن نصب الحاكم قاسماً فمن شرطه أن يكون عدلا عالماً بالحساب ليوصل إلى ذي حق حقه كما يلزم أن يكون الحاكم عالماً بالحكم ليحكم بالحق) وهذا قول الشافعي إلا أنه يشترط أن يكون حراً وإن نصبوا قاسماً بينهم فكان على صفة قاسم الحاكم في العدالة والمعرفة فهو كقاسم الحاكم في لزوم قسمته بالقرعة وإن كان كافراً أو فاسقاً أو جاهلاً بالقسمة لم تلزم قسمته إلا بتراضيهم بها ويكون وجوده فيما يرجع إلى لزوم القسمة كعدمه
* (مسألة) * (فمتى عدلت السهام وأخرجت القرعة لزمت القسمة)
لأنها كالحكم من الحاكم ويحتمل أن لا تلزم فيما فيه رد بخروج القرعة حتى يرضيا بذلك لأن
ما فيه رد بيع حقيقة لأن صاحب الرد يبدل عوضاً لما حصل له من حق شريكه وهذا هو البيع والبيع لا يلزم بالقرعة * (مسألة) * (وإذا كان في القسمة تقويم لم يجز أقل من قاسمين لأنها شهادة بالقيمة فلم يقبل فيها أقل من اثنين كسائر الشهادات وإن لم يكن فيها تقويم أجزأ قاسم واحد) لأن القاسم يجتهد في التقويم وهو يعمل باجتهاده؟ أشبه الحاكم ومتى اقتسما بأنفسهما واقترعا لم تلزم القسمة إلا بتراضيهما
* (مسألة) * (وإذا سألوا الحاكم قسمة عقار لم يثبت عنده أنه لهم قسمه وذكر في كتاب القسمة أنه قسمة بمجرد دعواهم لا عن بينة شهدت لهم بملكهم) لأن اليد دليل الملك وقال الشافعي لا يقسمه حتى يثبت عنده ملكهم وفي ذلك اختلاف ذكرناه في أول باب القسمة ولا يجب عليه أن يقسم بينهم في هذه الحال بل يجوز له ذلك وقد ذكرناه
- (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويعدل القاسم السهام بالأجزاء إن كانت متساوية وبالقيمة إن كانت مختلفة وبالرد إن كانت تقتضيه) القسمة على ضربين قسمة إجبار وقسمة تراض وقسمة الإجبار ما أمكن التعديل فيها من غير رد
ولا تخلو من أربعة أقسام: (أحدهما) أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء متساوية (الثاني) أن تكون السهام متساوية وقيمة الأجزاء مختلفة (الثالث) أن تكون السهام مختلفة وقيمة الاجزاء مستاوية (الرابع) أن تكون السهام مختلفة والقيمة مختلفة فأما الأول فمثل أرض بين ستة لكل واحد منهم سدسها وقيمة أجزاء الأرض متساوية فهذه تعدلها بالمساحة ستة أجزاء متساوية لأنه يلزم من تعديلها بالمساحة تعديلها بالقيمة لتساوي أجزائها في القيمة ثم يقرع بينهم وكيفما أقرع بينهم جاز في ظاهر كلام أحمد فإنه قال في رواية أبي داود إن شاء رقاعاً وإن شاء خواتيم يطرح ذلك في حجر من لم يحضر ويكون لكل واحد خاتم معين ثم يقال أخرج خاتماً على هذا السهم فمن خرج خاتمه فهو له وعلى هذا لو أقرع بالحصى أو غيرها جاز واختار أصحابنا في القرعة أن يكتب رقاعاً متساوية بعدد السهام وهو ههنا مخير بين أن يخرج السهام على الأسماء أو يخرج الأسماء على السهام فإن أخرج الأسماء على السهام كتب في كل رقعة اسم واحد من الشركاء وتترك في بنادق شمع أو طين متساوية القدر والوزن وتترك في حجر رجل لم يحضر القسمة ويقال له اخرج بندقة على هذا السهم فإذا أخرجها كان ذلك السهم لمن خرج اسمه في البندقة ثم يخرج على سهم آخر كذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وإن اختار إخراج السهام على الأسماء في الرقاع أسماء السهام فيكتب في رقعة الأول مما يلي جهة كذا وفي الآخر الثاني حتى يكتب الستة ثم يخرج القرعة على واحد بعينه فيكون له السهم الذي في الرقعة ويفعل ذلك حتى يبقى الأخير فيتعين لمن بقي وذكر
أبو بكر إن البنادق تجعل طيناً وتطرح في ماء ويعين واحداً فأي البنادق انحل الطين عنها وخرجت رقعتها على الماء فهي له وكذلك الثاني والثالث وما بعده فإن خرج اثنان معاً أعيد الإقراع والأول أولى واسهل (القسم الثاني) أن تكون السهام متفقة والقيمة مختلفة فإن الأرض تعدل بالقيمة وتجعل ستة أسهم متساوية القيمة ويفعل في إخراج السهام مثل الذي قبله سواء لا فرق بينهما إلا أن التعديل ثم بالسهام وههنا بالقيمة (القسم الثالث) أن تكون القيمة متساوية والسهام مختلفة كأرض بين ثلاثة لأحدهم النصف وللآخر الثلث وللثالث السدس وأجزاؤها متساوية القيم فإنها تجعل سهاما بقدر أقلها وهو السدس فيجعل ستة أسهم ويعدل بالأجزاء ويكتب ثلاث رقاع باسمائهم وبخرج رقعة على السهم الأول فإن خرجت لصاحب السدس أخذه ثم يخرج أخرى على الثاني فإن خرجت لصاحب الثلث أخذ الثاني والثالث وكانت الثلاثة الباقية لصاحب النصف بغير قرعة وإن خرجت القرعة الثانية لصاحب النصف أخذ الثاني والثالث والرابع وكان الخامس والسادس لصاحب الثلث وإن خرجت القرعة الأولى لصاحب النصف أخذ الثلاثة الأول وتخرج الثانية على الرابع فإن خرجت لصحاب الثلث أخذه والذي يليه وكان السادس لصاحب السدس وإن خرجت الثانية لصاحالب السدس أخذه وأخذ الآخر الخامس والسادس وإن خرجت الأولى لصاحب الثلث أخذ الأول والثاني ثم تخرج الثانية على الثالث فإن خرجت لصاحب النصف أخذ الثالث والرابع والخامس وأخذ الآخر السادس فإن
خرجت الثانية لصاحب السدس أخذه وأخذ صاحب النصف ما بقي وقيل يكيب ست رقاع باسم صاحب النصف ثلاث وباسم صاحب الثلث اثنان وباسم صاحب السدس واحدة وهذا لا فائدة فيه فإن المقصود خروج اسم صاحب النصف وإذا كتب ثلاث رقاع حصل المقصود فاغنى ولا يصح إن كتب رقاعاً باسماء السهام ويخرجها على أسماء الملاك لأنه إذا أخرج واحدة فيها السهم الثاني لصاحب افيسدس ثم اخرج أخرى لصاحب النصف والثلث فيها السهم الأول احتاج أن يأخذ نصيبه متفرقا الستضر بذلك (القسم الرابع) إذا اختلفت السهام والقيمة فإن القاسم يعدل السهام بالقيمة ويجعلها ستة أسهم متساوية القيم ثم يخرج الرقاع فيها الأسماء على السهام كما ذكرنا في القسم الثالث سواء لا فضل بينهما إلا أن التعديل ههنا بالقيم وفي التي قبلها بالمساحة (فصل) إذا كان بينهما دار أو خان كبير فطلب أحدهما قسمة ذلك ولا ضرر في قسمته أجبر الممتنع على القسمة وتفرد بعض المساكن عن بعض وإن كثرت المساكن وإن كان بينهما داران أو خانان أو أكثر فطلب أحدهما أن يجمع نصيبه في إحدى الدارين ويجعل الباقي نصيباً للآخر لم يجبر الممتنع وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف ومحمد يجبر إذا رأى الحاكم ذلك فله فعله سواء تقاربتا أو تفرقتا لأنه انفع وأعدل وقال مالك وان كانت متجاورتين أجبر الممتنع من ذلك عليه لأن
المتجاورتين تتفاوت منفعتهما بخلاف المتباعدتين وقال أبو حنيفة ان كانت إحداهما احجزة الأخرى أجبر وإلا فلا لانهما يجريان مجرى الدار الواحدة ولنا أنه نقل حقه من عين إلى عين أخرى فلم يجبر عليه كالمتفرقتين عند مالك وكما لو لم تكن حجزتها عند ابي حنيفة وكما لو كانتا داراً أو دكاناً مع أبي يوسف ومحمد الحكم في الدكاكين كالحكم في الدور ولو كانت لهما عضائد صغار لا يمكن قسمة كل واحدة منهما منفردة لم يجبر الممتنع من قسمتها عليها (فصل) وإن كان أرض واحدة تمكن قسمتها ويؤخذ فيها الشروط التي ذكرناها أجبر الممتنع على قسمتها سواء كانت فارغة أو ذات شجر وبناء فإن كان فيها نخل وكرم وشجر مختلف وبناء فطلب أحدهما قسمة كل عين على حدتها وطلب الآخر قسمة الجميع بالتعديل بالقيمة فقال أبو الخطاب تقسم كل عين على حدتها وهو ظاهر كلام شيخنا في الكتاب المشروح وكذلك كل مقسوم إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه كان أولى ونحو هذا قال أصحاب الشافعي فمنهم قالوا إذا أمكنت التسوية بين الشريكين في جيده ورديئه بأن يكون الجيد في مقدمها والردئ في مؤخرها فإذا قسمناها صار لكل واحد من الجيد والردئ مثل ما للآخر وجبت القسمة وأجبر الممتنع عليها وإن لم تمكن القسمة بأن تكون العمارة والشجر والجيد لا يمكن قسمته وحده وأمكن التعديل بالقيمة
عدلت بالقيمة وأجبر الممتنع من القسمة عليها وقال الشافعي في أحد القولين لا الممتنع من القسم عليها وقالوا إذا كانت الأرض ثلاثين جزءاً قيمة عشرة منها كقيمة عشرين لم تجبر الممتنع من القسمة عليها لتعذر التساوي في الذرع ولأنه لو كان حقلان متجاوران لم يجبر الممتنع من القسمة إلا بأن يجعل
كل واحد منهما سهما كذا ههنا.
ولنا أنه مكان واحد أمكنت قسمته وتعديله من غير ضرر ولا دعوض فوجبت قسمته كالدور ولأن ما ذكروه يفضي إلى منع وجوب القسمة في البساتين كلها والدور فإنه لا يمكن تساوي الشجر وبناء الدور ومساكنها إلا بالقيمة ولأنه مكان لو بيع بعضه وجبت فيه الشفعة لشريك البائع فوجبت قسمته كما لو أمكنت التسوية فأما إن كان بستانان لكل واحد منهما طريق أو حقلان أو داران أو دكانان متجاوران أو متباعدان فطلب أحد الشريكين قسمته بجعل كل واحد منهما سهما لم يجبر الآخر على هذا سواء كانا متساويين أو مختلفين وهذا ظاهر مذهب الشافعي لأنهما شيئان متميزان لو بيع أحدهما لم تجب الشفعة فيه لمالك الآخر بخلاف البستان الواحد والأرض الواحدة وإن عظمت فإنها إذا بيع بعضها وجبت الشفعة لمالك البعض الباقي والشفعة كالقسمة لأن كل واحد منهما يراد لازالة ضرر الشركة ونقصان التصرف فما لا تجب قسمته لا تجب الشفعة فيه فكذلك ما لا شفعة فيه لا تجب
قسمته وعكس هذا ما تجب قسمته يجب فيه الشفعة وما تجب الشفعة فيه تجب قسمته ولأنه لو بدأ الصلاح في بعض البستان كان صلاحاً لباقيه إن كان كثيراً ولم يكن صلاحا لما جاوزه وإن كان صغيراً.
(فصل) إذا كان بينهما ارض قيمتها مائة في أحد جانبيها بئر قيمتها مائة وفي الآخر شجرة قيمتها مائة عدلت بالقيمة وجعلت البئر مع نصف الأرض نصيباً والشجرة مع النصف نصيباً، فإن كانت بين ثلاثة أو أكثر نظرت في الأرض، فإن كانت قيمتها مائة أو أقل لم تجب القسمة لأنها إذا كانت أقل لم يمكن التعديل إلا بقسمة البئر أو الشجرة وذلك مما لا تجب قسمته وإن كانت قيمتها مائة فجعلناها سهماً والشجرة سهماً لم يحصل مع البئر والشجرة شئ من الأرض فتصير هذه كقسمة الشجر وحده وقسمة ذلك وحده ليست قسمة إجبار، وإن كانت الأرض كثيرة القيمة بحيث يأخذ بعض الشركاء سهامهم منها ويبقي منها شئ مع البئر والشجرة وجبت القسمة ومثاله أن تكون قيمة الأرض مائتين وخمسين فتجعل مائة وخمسين سهما ويصير إلى البئر ما قيمته خمسون وإلى الشجرة مثل ذلك فتصير ثلاثة سهام متساوية وفي كل سهم جزء من أجزاء الأرض فتجب القسمة حينئذ، وكذلك لو كانوا
أربعة وقيمة الأرض أربعمائة وجبت القسمة لأننا نجعل ثلثمائة منها سهمين ومائة مع البئر والشجرة سهمين فتعدلت السهام ولو كانت الأرض لاثنين فأرادا قسمة البئر والشجر دون الأرض لم تكن قسمة إجبار ولو قسماها بشجرها كانت قسمة إجبار لأن الشجر يدخل تبعاً للأرض فيصير الجميع كالشئ الواحد ولهذا تجب فيه الشفعة إذا بيع شئ من الأرض بشجرة وإذا قسم ذلك
دون الأرض صار أصلا في القسمة ليس بتابع لشئ واحد فيصير كأعيان مفردة من الدور والدكاكين المفرقة ولهذا لا تجب فيه الشفعة.
(فصل) وعلى الإمام أن يرزق القاسم من بيت المال لأن هذا من المصالح، وقد روي أن علياً رضي الله عنه اتخذ قاسماً وجعل له رزقا من بيت المال، فان لم يرزقه الإمام قال الحاكم للمتقاسمين ادفعا إلى قاسم أجرة ليقسم بينكما، فإن استأجره كل منهما بأجر معلوم ليقسم نصيبه جاز، وإن استأجروه جميعا أجارة واحدة ليقسم بينهم بأجر واحد معلوم لزم كل واحد منهم من الأجر بقدر نصيبه من المقسوم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يكون عليهم على عدد رؤوسهم لأن عمله في نصيب أحدهما مثل عمله في نصيب الآخر، وسواء تساوت سهامهم أو اختلفت فكان الأجر بينهم سواء.
ولنا أن أجر القسمة يتعلق بالملك فكان بينهم على قدر الأملاك كنفقة العبد، وما ذكروه لا يصح لأن العمل في أكبر النصيبين أكثر الا ترى أن المقسم إذا كان مكيلا أو موزونا كان كيل الكثير أكثر عملا من كيل القليل وكذلك الوزن والذرع، وعلى أنه يبطل بالحافظ فإن حفظ القليل والكثير سواء ويختلف أجره باختلاف المال.
(فصل) وأجرة القسمة بينهما وإن كان أحدهما الطالب لها، وبهذا قال أبو يوسف ومحمد والشافعي وقال أبو حنيفة هي على الطالب للقسمة لأنها حق له ولنا أن الأجرة تجب بإفراز الأنصباء وهم سواء فيها فكانت الأجرة عليهما كما لو تراضوا عليها * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (إذا ادعى بعضهم غلطا فيما تقاسموه بأنفسهم وأشهدوا على
يراضيهم به لم يلتفت إليه، وإن كان فيما قسمه قاسم الحاكم فعلى المدعي البينة وإلا فالقول قول المنكر
مع يمينه وإن كان فيما قسمه حاكمهم الذي نصبوه وكان فيما اعتبرنا فيه الرضى بعد القرعة لم تسمع دعواه وإلا فهو كقاسم الحاكم.
وجملة ذلك أنه إذا ادعى بعض المتقاسمين غلطاً في القسمة وأنه أعطي دون حقه وكانت قسمة تلزم بالقرعة من غير تراض منهم فالقول قول المدعى عليه مع يمينه ولا يقبل قول المدعي إلا ببينة، فإن أقام شاهدين عدليل نقضت القسمة وأعيدت، وإن لم تقم بينة عادلة وطلب يمين شريكه أنه لا فضل معه أحلف له، وإنما قدمنا قول المدعى عليه لأن الظاهر صحة القسمة وأداء الأمانة فيها، وإن كان مما لا يلزم الا بالتراضي كالذي قسماها بأنفسهما ونحوه لم تسمع دعوى ادعاء الغلط وهو الذي ذكره الأصحاب وهو مذهب الشافعي لأنه قد رضي بذلك ورضاؤه بالزيادة في نصيب شريكه يلزمه، قال شيخنا والصحيح عندي أن هذه كالتي قبلها وأنه متى أقام البينة بالغلط نقضت القسمة لأن ما ادعاه محتمل ثبت ببينة عادلة فأشبه ما لو أشهد على نفسه بقبض الثمن أو المسلم فيه ثم ادعى غلطا في كيله، وقولهم أن حقه في الزيادة سقط برضائه ممنوع فإنه إنما يسقط إذا علمه، أما إذا ظن أعطي حقه فرضي بناء على هذا ثم بان له الغلط فلا يسقط به حق كالثمن والمسلم فيه فإنه لو قبض المسلم فيه بناء على أنه عشرة أقفزة راضيا بذلك ثم تعين له ثمانية وادعى المسلم اليه أنه غلط فأعطاه اثني عشر وثبت ذلك ببينة لم يسقط حق واحد منهما بالرضا به ولا يمتنع سماع دعواه وبينته ولأن المدعى عليه في مسئلتنا لو فرط بالغلط لنقضت القسمة ولو سقط حق المدعي بالرضا لما نقضت القسمة باقراره كما لو وهبه الزائد وقد ذكر أصحابنا وغيرهم فيمن باع داراً على أنها عشرة أذرع فبانت تسعة أو أحد عشر أن البيع باطل في أحد الوجهين، وفي الآخر تكون الزيادة للبائع والنقص عليه والبيع إنما يلزم بالتراضي فلو كان التراضي يسقط حقه من الزيادة لسقط حق البائع من الزيادة وحق المشتري من النقص، ولأن من رضي بشئ بناء على ظن تبين خلافه لم يسقط به حقه كما لو اقتسما شيئاً وتراضيا به ثم بان نصيب أحدهما مستحقاً
فإن قيل فلم لم يعط المظلوم حقه في هاتين المسئلتين ولا تنقض القسمة كما لو تبين الغلط في الثمن أو المسلم؟ قلنا لأن الغلط ههنا في نفس القسمة بتفويت شرط من شروطها وهو تعديل السهام فتبطل لفوات شرطها وفي المسلم والثمن الغلط في القبض دون العقد فإن العقد قديم بشروطه فلا يؤثر الغلط في قبض عوضه في صحته بخلاف مسئلتنا.
- (مسألة) * (وإن تقاسموا ثم استحق من حصة أحدهم شئ معين بطلت القسمة وإن كان شائعاً فيهما فعلى وجهين) إذا اقتسم الشريكان شيئاً فبان بعضه مستحقاً وكان معيناً في نصيب أحدهما بطلت القسمة، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة لا تبطل بل يخير من ظهر المستحق في نصيبه بين الفسخ والرجوع بما بقي من حقه كما لو وجد عيبا فيما أخذه ولنا أنها قسمة لم تعدل فيها السهام فكانت باطلة كما لو فعلا ذلك مع علمهما بالحال، وأما إذا بان عيب نصيب أحدهما فيحتمل أن تمنع المسألة ونقول بطلان القسمة لعدم التعديل بالقيمة ويحتمل ان أن يفرق بينهما فإن العيب لا يمكن التحرز منه فلم يؤثر في البطلان كالبيع وإن كان المستحق في نصيبهما على السواء لم تبطل القسمة لأن ما يبقى لكل واحد منهما بعد المستحق قدر حقه ولأن القسمة إفراز حق أحدهما من الآخر وقد أفرز كل واحد منهما حقه إلا أن يكون ضرر المستحق في نصيب أحدهما أكثر مثل ان يسد طريقه أو مجرى مائه أو ضوئه ونحو هذا فتبطل القسمة لأن هذا
يمنع التعديل فإن كان المستحق في نصيب أحدهما أكثر من الآخر بطلت القسمة لما ذكرناه، وإن كان مشاعا فيهما بطلت لأن الثالث شريكهما ولم يحضر ولا إذن فأشبه ما لو كان لهما شريك يعلمانه فاقتسما دونه، وفيه وجه آخر أنها لا تبطل لأنه يأخذ من كل واحد منهما مثل ما يأخذ من الآخر ويصير مع كل واحد قدر حقه فأشبه ما لو كان المستحق معينا في نصيبهما على السواء
* (مسألة) * (وإن اقتسما دارين قسمة تراض فبنى أحدهما في نصيبه ثم خرجت الدار مستحقة فقلع بناؤه رجع بنصف قيمته على شريكه)
هكذا ذكره الشريف أبو جعفر وحكاه أبو الخطاب عن القاضي وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن ليس له الرجوع عليه بشئ لأنه غرس وبنى بإختياره فلم يرجع بنقص ذلك على غيره كما لو بنى في ملك نفسه ولنا أن هذه القسمة بمنزلة البيع فإن الدارين لا تقتسمان قسمة إجبار على أن يكون كل واحد منهما نصيباً وإنما يقتسمان كذلك بالتراضي فتكون جارية مجرى البيع ولو باعه الدار جميعها ثم انت مستحقة رجع عليه بالبناء كله وإن باعه نصفها رجع عليه بنصفه وكذلك يخرج في كل قسمة جارية مجرى البيع وهي قسمة التراضي كالذي فيه رد عوض وما لا يجبر على قسمته لضرر فيه ونحو ذلك فإما قسمة الاجبار إذا ظهر نصيب أحدهما مستحقاً بعد البناء والغرس فيه فينقض البناء ويقلع الغرس فإن قلنا القسمة بيع فكذلك وإن قلنا ليست بيعاً لم يرجع لأن شريكه لم يضره ولم ينتقل إليه من جهته بيع وإنما فرز حقه من حقه فلم يضمن له ما غرم فيه هذا الذي يقتضيه قول الاصحاب
* (مسألة) * (وإن خرج في نصيب أحدهما عيب فله فسخ القسمة إذا لم يعلمه أو الرجوع بارش العيب) لأنه نقص في نصيبه فملك ذلك كالمشتري ويحتمل أن تبطل القسمة لأن التعديل فيها شرط ولم يوجد بخلاف البيع
* (مسألة) * (وإذا اقتسم الورثة العقار ثم ظهر على الميت دين فإن قلنا هو إفراز حق لم تبطل القسمة، وإن قلنا هي بيع انبنى على بيع التركة قبل قضاء الدين هل يجوز؟ على وجهين) وجملة ذلك أن تركة الميت يثبت فيها الملك لورثته سواء كان عليه دين أو لم يكن نص عليه أحمد فيمن أفلس ثم مات فقال قد انتقل المبيع إلى الورثة وحصل ملكا لهم وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة إن كان الدين يستغرق التركة منع نقلها الى الورثة وإن كان لا يستغرقها لم يمنع انتقال شئ منها، وقال أبو سعيد الاصطخري يمنع بقدره وقد أومأ إليه أحمد فإنه قال في أربعة بنين ترك أبوهم داراً وعليه دين فقال أحد البنين أنا أعطي ودعوا لي الربع فقال أحمد هذه الدار للغرماء لا يرثوا شيئاً حتى يؤدوا الدين وهذا يدل على أنها لم تنقل إليهم عنده لأنه منع الوارث من إمساك بدفع قيمته
لأن الدين لم يثبت في ذمة الورثة فيجب أن يتعلق بالتركة والمذهب الاول ولهذا قلنا ان الغريم لا يحلف على دين الميت لأن الدين محله الذمة وإنما يتعلق بالتركة فيتخير الورثة بين قضاء الدين منها أو من غيرها كالرهن والجاني ولهذا لا يلزم الغرماء نفقة العبد ولا يكون نماء التركة لهم ولأنه لا ينتقل الى الورثة أو الى الغرماء أو يبقى للميت أو لا يكون لأحد، لا يجوز أن ينتقل إلى الغرماء لأنها لو انتقلت إليهم لزمهم نفقة الحيوانات وكان نماؤها لهم غير محسوب من دينهم، ولا يجوز أن يبقى للميت لأنه لم يبق أهلا للملك، ولا يجوز أن يكون لأحد لأنها مال مملوك فلا بد من مالك، ولأنها لو بقيت بغير مالك لابيحت لأن يتملكها كسائر المباحات فثبت أنها انتقلت الى الورثة فعلى هذا إذا تمت التركة ثم إن غلبت الدار او اثمرت النخيل او نتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لأنه نماء ملكه اشبه كسب الجاني ويحتمل أن يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الاول قال تعلق حق الغرماء بالرهن آكد لا يثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع المتصرف فيه وهذا يثبت بغير رضاء المالك فلم يمنع التصرف لأنه اشبه الجاني وعلى الرواية الأخرى يكون حكمه حكم
التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها فعلى هذا إن تصرف الورثة في التركة ثم إن غلت الدار او اثمرت النخيل او نتجت الماشية فهو للوارث ينفرد به لا يتعلق به حق الغرماء لأنه نماء ملكه اشبه كسب الجاني ويحتمل أن يتعلق به حق الغرماء كنماء الرهن ومن اختار الاول قال تعلق حق الغرباء بالرهن آكد لا يثبت باختيار المالك ورضاه ولهذا منع التصرف فيه وهذا يثبت بغير رضاء المالك فلم يمنع التصرف لأنه اشبه الجاني وعلاى لرواية الاخرى يكون حكمه حكم التركة وما يحتاج إليه من المؤنة منها فعلى هذا إن تصرف الورثة في التركة ببيع أو هبة فعلى الرواية الأولى تصرفهم صحيح فإن قضوا الدين وإلا نقضت تصرفاتهم كما إذا تصرف السيد في العبد الجاني ولم يود الجناية وعلى الروية الأخرى تصرفاتهم فاسدة لأنهم تصرفوا فيما لم يملكوه والأول أولى إن شاء الله تعالى (فصل) وإن اقتسم الورثة تركة الميت ثم ظهر عليه دين لا وفاء له إلا ما اقتسموه لم تبطل القسمة إذا قلنا هي إفراز حق لأن تعلق الدين بالتركة لا يمنع تصرف الوارث فيها كما لا يمنع تصرف السيد في العيد الجاني لكن إن امتنعوا من وفاء الدين بيعت في الدين وبطلت القسمة لأن الدين يقدم على الميراث لقوله تعالى (من بعد وصية يوصى بها أو دين) فإن وفي أحدهما دون الآخر صح في نصيبه وبيع نصيب الآخر فإن قلنا أن القسمة بيع انبنى على بيع التركة وفيه وجهان ذكرنا دليلهما في المسألة قبل هذا فإن قلنا يجوز لم تبطل القسمة وإن قلنا لا يجوز فالقسمة باطلة لأنه بيع فإن قضوا الدين أعادوها وإلا بيع في قضائه والخلاف في ذلك بني على الخلاف في انتقال التركة إلى الورثة إذا كان على الميت دين وفيه روايتان ذكرناهما والمختار منهما والله أعلم (فصل) قال أحمد في قوم اقتسموا دار أو حصل لبعضهم فيها زيادة أذرع ولبعضهم نقصان ثم باعوا الدار جملة قسمت الدار بينهم على قدر الأذرع يعني أن الثمن يقسم بينهم على قدر ملكهم فيها
وهذا محمول على ان زيادة أحدهما في الأذرع لزيادة ملكه فيها مثل أن يكون لأحدهما الخمسان فيحصل له أربعون ذراعاً وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون ذراعاً فإن الثمن يقسم بينهم أخماساً على قدر ملكهما في الدار، فأما إن كانت زيادة الأذرع لرداءة ما أخذ صاحبها كدار تكون بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعاً وأخذ الآخر من رديئها ستين فلا ينبغي أن يقسم الثمن على قدر الأذرع بل يقسم بينهما نصفين لأن الستين ههنا معدولة بالأربعين فلذلك تعدل بها في الثمن، وقال أحمد رحمه الله في قوم اقتسموا داراً كانت أربعة أسطحة يجري عليها الماء من أحد الأسطحة فلما اقتسموا أراد أحدهما منع جريان لآخر عليه وقال هذا شئ قد صار لي قال إن كان بينهما شرط برد الماء فله ذلك وإن لم يشترط فليس له منعه ووجه ذلك أنهم اقتسموا الدار واطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها كما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها فيما كان يجري إليه معتاداً له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الإطلاق فإن تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم * (مسألة) * (وإن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة) لأن القسمة تقتضي التعديل.
والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل، ولأن من شرط الإجبار على القسمة أن يكون ما أخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع
فيحصل له أربعون ذراعاً وللآخر ثلاثة أخماس فيحصل له ستون ذراعاً فإن الثمن يقسم بينهم أخماساً على قدر ملكهما في الدار، فأما إن كانت زيادة الاذرع لرداءة ما أخذ صاحبها كدار تكون بينهما نصفين فأخذ أحدهما بنصيبه من جيدها أربعين ذراعاً وأخذ الآخر من رديئها ستين فلا ينبغي أن يقسم الثمن على قدر الأذرع بل يقسم بينهما نصفين لأن الستين ههنا معدولة بالأربعين فلذلك تعدل بها في الثمن، وقال أحمد رحمه الله في قوم اقتسموا داراً كانت أربعة أسطحة يجري عليها الماء من أحد الأسطحة فلما اقتسموا أراد أحدهما منع جريان لآخر عليه وقال هذا شئ قد صار لي قال إن كان بينهما شرط برد الماء فله ذلك وإن لم يشترط فليس له منعه ووجه ذلك أنهم اقتسموا الدار واطلقوا فاقتضى ذلك أن يملك كل واحد حصته بحقوقها كما لو اشتراها بحقوقها ومن حقها جريان مائها فيما كان يجري إليه معتاداً له وهو على سطح المانع فلهذا استحقه حالة الإطلاق فإن تشارطا على رده فالشرط أملك والمؤمنون على شروطهم * (مسألة) * (وإن اقتسما فحصلت الطريق في نصيب أحدهما ولا منفذ للآخر بطلت القسمة) لأن القسمة تقتضي التعديل.
والنصيب الذي لا طريق له لا قيمة له إلا قيمة قليلة فلا يحصل التعديل، ولأن من شرط الإجبار على القسمة أن يكون ما أخذه كل واحد منهما يمكن الانتفاع به، وهذا لا ينتفع به آخذه، فإن كان قد أخذه راضياً عالماً بأنه لا طريق له جاز لأن قسمة التراضي بيع وشراؤه على هذا الوجه جائز.
قال شيخنا وقياس المسألة التي قبل هذا أن الطريق تبقى بحالها في نصيب الآخر ما لم يشترط صرفها عنه كجري الماء * (مسألة) * (ويجوز للأب والوصي قسم مال المولى عليه مع شريكه) لأن القسمة إما افراز حق أو بيع وكلاهما جائز لهما.
ولأن في القسمة مصلحة للصبي فجازت كالشراء له، ويجوز لهما قسمة التراضي من غير زيادة في العوض لأن فيه دفعاً لضرر الشركة فأشبه ما لو باع لضرر الحاجة إلى قضاء الدين أو النفقة والله أعلم
- (تم بحمد الله وعونه الجزء الحادي عشر من كتابي المغني والشرح الكبير) * * (ويليه بمشيئة الله وتوفيقه الجزء الثاني عشر منهما وأوله ﴿كتاب الشهادات﴾) *
بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الشهادات والأصل فيها الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء - وقال سبحانه - وأشهدوا ذوي عدل منكم - وقال عزوجل - وأشهدوا إذا تبايعتم) وأما السنة فروى وائل بن حجر رضي الله عنه قال جاء رجل من حضرموت ورجل من كندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي يارسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي وفي يدي فليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي (ألك بينة؟ - فقال لا قال - فلك يمينه) قال يارسول الله الرجل فاجر لا يبالي على ما حلف عليه وليس يتورع من شئ قال (ليس لك منه إلا ذلك) قال فانطلق الرجل ليحلف له فقال النبي صلى الله عليه وسلم (لأن حلف على ماله ليأكله ظلما ليلقين الله وهو عنه معرض) قال الترمذي هذا حديث حسن صحيح وروى محمد بن عبد الله العزرمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن