في حد الخمر وروي ان عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عثمان وعلي وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف إذا نزل به الأمر شاورهم فيه ولا مخالف في استحباب ذلك قال أحمد لما ولي سعد بن ابراهيم قضاء المدينة كان يجلس بين القاسم وسالم ويشاورهما وولي محارب بن دثار قضاء الكوفة فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه يشاورون ويتتظرون لأنه يتنبه بالمشاورة ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة ولأن الاحاطة بجميع العلوم متعذرة وقد يتنبه لاصابة الحق ومعرفة الحادثة من من هو دون القاضي فكيف بمن يساويه؟ فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جاءته الجدتان فورث أم الأم واسقط أم الأب فقال له عبد الرحمن ابن سهل يا خليفة رسول الله لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها وورثت التي لو ماتت لم يرثها فرجع أبو بكر فأشرك بينهما.
إذا ثبت هذا فإنه يشاور أهل العلم والأمانة لأن من ليس كذلك لا قول له في الحادثة ولا يسكن إلى قوله قال سفيان وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة ويشاور الموافقين والمخالفين ويسألهم عن حججهم يبين له الحق
* (مسألة) * (والمشاورة ههنا لاستخراج الأدلة وتعرف الحق بالاجتهاد) * (مسألة) * فإن اتضح له الحكم حكم وإلا أخره ولا يقلد غيره وإن كان أعلم منه لا يجوز تقليد غيره سواء ظهر الحق فخالفه غيره فيه أو لم يظهر له شئ وسواء ضاق الوقت أو لم يضق وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد وقال أبو حنيفة اذا كان الحاكم من أهل الاجتهاد جاز له ترك رأيه لرأي من هو افقه منه عنده إذا صار إليه فهو ضرب من الإجتهاد لأنه يعتقد أنه أفقه منه بطريق الإجتهاد
ولنا أنه من أهل الإجتهاد فلم يجز له تقليد غيره كما لو كان مثله كالمجتهدين في القبلة وما ذكروه لا يصح فان هو افقه منه يجوز عليه الخطأ فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ لم يجز له أن يعمل به وإن كان لم يبن له الحق فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يبين له خطؤه إذا اجتهد
* (مسألة) * (ولا يقضي وهو غضبان ولا حاقن ولا في شدة الجوع والعطش والهم والوجع والنعاس والبرد المؤلم والحر المزعج فإن خالف وحكم فوافق الحق نفذ حكمه وقال القاضي لا ينفذ وقيل إن عرض له ذلك بعد فهم الحكم جاز وإلا فلا) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمنا في أن القاضي لا ينبغي له أن يقضي وهو غضبان كره ذلك شريح وعمر بن عبد العزيز وأبو حنيفة والشافعي لما روي أن ابا بكرة كتب إلى إبنه عبد الله وهو قاض بسجستان لا تحكم بين اثنين وانت غضبان فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان " متفق عليه وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى إياك والقلق والغضب والضجر والتأذي بالناس عند الخصومة فإذا رأيت الخصم يتعمد فأوجع رأسه، ولأنه إذا غضب تغير عقله ولم يستوف رأيه وفكره وفي معنى الغضب كلما يشغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والجوع المزعج ومدافعة احد الاخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح فهذه كلها تمنع الحكم لإنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب فهي في معنى الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه فإن خالف وحكم في الغضب أو ما شاكله فوافق الحق نفذ قضاؤه
ذكره القاضي في المجرد وهو مذهب الشافعي وحكي عن القاضي أنه لا ينفذ لأنه منهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم اختصم إليه الزبير ورجل من الأنصار في شراج الحرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اسق ثم ارسل إلى جارك " فقال الأنصاري إن كان ابن عمتك؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال للزبير " اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر " متفق عليه فحكم في حال غضبه وقال بعض أهل العلم إنما يمنع الغضب الحكم إذا كان قبل أن يتضح حكم المسألة للحاكم لأنه يشغله عن استيفاء النظر فيها فأما ما حدث بعد اتضاح الحكم فلا يمنعه لأن الحق قد استبان قبله كغضب النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الزبير
* (مسألة) * (ولا يحل له أن يرتشي، ولا يقبل الهدية إلا ممن كان يهدي إليه قبل ولايته
بشرط أن لا تكون له حكومة)
أما الرشوة في الحكم ورشوة العالم فحرام على الآخذ بلا خلاف قال الله تعالى (أكالون للسحت) قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسيره هو الرشوة، وقال إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر، وروى عبد الله بن عمر قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح ورواه أبو هريرة وزاد في الحكم رواه أبو بكر في زاد المسافر وزاد والرائش وهو السفير بينهما ولأن المرتشي إنما يرتشي ليحكم بغير الحق أو يتوقف الحكم عنه وذلك من أعظم الظلم قال مسروق سألت بن مسعود عن السحت اهو الرشوة في الحكم؟ قال لا (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) و (الظالمون) و (الفاسقون) وإنما السحت أن يستعينك على مظلمة فيهدي لك فلا تقبل.
وقال
قتادة قال كعب الرشوة تسفه الحليم وتعمي عين الحكيم.
فأما الراشي فإن رشاه ليحكم له بباطل أو يدفع عنه فهو ملعون وأن رشاه ليدفع ظلمه ويجزئه على واجبه فقال عطاء وجابر بن زيد والحسن لا بأس ان يصانع عن نفسه قال جابر: ما رأينا في زمن زياد أنفع لنا من الرشا ولأنه يستنقذ ماله كما يستنفذ الرجل أسيره.
(فصل) ولا يقبل الحاكم هدية وذلك لأن الهدية يقصد بها في الغلب استمالته ليعتني به في الحكم فيشبه الرشوة قال مسروق إذا قبل القاضي الهدية أكل السحت وإذا قبل الرشوة بلغت به لكفر وقد روى أبو حميد الساعدي قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً من الأزد يقال له ابن اللتبية على الصدقة فقال هذا لكم وهذا أهدي إلي فقام النبي صلى الله عليه وسلم فحمد الله واثنى عليه ثم قال " ما بال العامل نبعثه فيقول هذا لكم وهذا أهدي إلي؟ ألا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله إن كان بعيراً له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تثغر " فرفع يده حتى رأيت عفرة أبطية فقال " اللهم هل بلغت ثلاثاً؟ " متفق عليه ولأن حدوث الهدية عند حدوث الولاية يدل على أنها من أجلها ليتوسل بها إلى ميل الحاكم معه على خصمه فلم يجز قبولها كالرشوة فأما إن كان يهدي إليه قبل ولايته جاز قبولها منها بعد الولاية لأنها لم تكن من أجل الولاية لوجود سببها قبلها بدليل وجودها
قبل الولاية قال القاضي ويستحب له التنزه عنها فإن أحس أنه يقدمها بين يدي خصومة أو فعلها حال
الحكومة حرم أخذها في هذه الحال لانه كالرشوة وهذا كله مذهب الشافعي وروي عن أبي حنيفة وأصحابه أن قبول الهدية مكروه غير محرم وفيما ذكرناه دلالة على التحريم * (مسألة) * (فإن ارتشى الحاكم أو قبل هدية ليس له قبولها ردها إلى أربابها) لأنه أخذها منهم بغير حق فأشبه المأخوذ بعقد فاسد ويحتمل أن يجعلها في بيت المال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر ابن اللتبية بردها إلى أربابها وقد قال أحمد إذا أهدى البطريق لصاحب الجيش عينا أو فضة لم تكن له دون سائر الجيش قال أبو بكر يكونون فيه سواء * (مسألة) * (ويكره أن يتولى البيع والشراء بنفسه ويستحب أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله) لما روى أبو الأسود المالكي عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " ما عدل ولي اتجر في رعيته أبداً " ولأنه يعرف فيحابى فيكون كالهدية ولأن ذلك يشغله عن النظر في أمور الناس وقد روي عن ابي بكر رضي الله عنه أنه لما بويع أخذ الذراع وقصد السوق فقالوا يا خليفة رسول الله لا يسعك أن تشتغل عن أمور المسلمين فقال " فإني لا أدع عيالي يضيعون " قالوا فنحن نفرض لك ما يكفيك ففرضوا له كل يوم درهمين فإن باع واشترى صح البيع وتم بشروطه وأركانه إن احتاج إلى مباشرته ولم يكن له ما يكفيه لم يكره لأن ابا بكر رضي الله عنه قصد السوق ليتجر حتى فرضوا له ما يكفيه ولأن القيام بعياله فرض عين فلا يتركه لوهم مضرة وإنما إذا استغنى عن مباشرته ووجد من يكفيه ذلك كره لما ذكرناه من المعنيين وينبغي أن يوكل في ذلك من لا يعرف أنه وكيله لئلا يحابى
وهذا مذهب الشافعي وحكي عن أبي حنيفة أنه قال لا يكره له البيع والشراء وتوكيل من لا يعرف لما ذكرنا من قضية أبي بكر رضي الله عنه ولما ذكرناه وروي عن شريح أنه قال شرط علي عمر حين ولأني القضاء أن لا أبيع ولا ابتاع ولا ارتشي ولا أقضي وأنا غضبان وقضية أبي بكر حجة لنا فإن الصحابة أنكروا عليه فاعتذر بحفظ عياله عن الضياع فلما أغنوه عن البيع والشراء بما فرضوا له قبل قولهم وترك التجارة فحصل الاتفاق منهم على تركها عند الغنى عنها
* (مسألة) * (وتستحب له عيادة المرضى وشهود الجنائز ما لم تشغله عن الحكم وزيارة الأخوان والصالحين من الناس لأنه قربة وطاعة وإن كثر ذلك فليس له الاشتغال به عن الحكم) لأن هذا تبرع فلا يشتغل به عن الفرض وله حضور البعض لأن هذا يفعله لنفع نفسه بتحصيل الأجر والقربة له بخلاف الولائم لأنه يراعي فيها حق الداعي فيكسر قلب من لم يجب إذا أجيب غيره * (مسألة) * (وله حضور الولائم) لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضرها ويأمر بحضورها وقال من لم يجب فقد عصى الله ورسوله فإن كثرت وازدحمت تركها كلها ولم يجب أحداً لأن هذا يشغله عن الحكم الذي تعين عليه لكنه يعتذر إليهم ويسألهم التحليل ولا يجيب بعضاً دون بعض لأن في ذلك كسراً لقلب من لم يجبه إلا أن يختص بعضها بعذر يمنعه دون بعض مثل أن يكون في إحداها منكر أو تكون في مكان بعيد أو يشتغل
بها زمنا طويلا والأخرى بخلاف ذلك فله الإجابة إليها دون الأولى لأن عذره ظاهر في التخلف عن الأولى * (مسألة) * (ويوصي الوكلاء والأعوان على بابه بالرفق بالخصوم وقلة الطمع ويجتهد أن يكونوا شيوخاً أو كهولاً من أهل الدين والعفة والصيانة) لأنهم أقل شرا فإن الشباب شعبة من الجنون ولأن الحاكم يأتيه النساء وفي اجتماع الشباب بهن ضرورة * (مسألة) * (ويتخذ كاتباً مسلماً مكلفاً عدلاً حافظاً عالماً يجلسه حيث يشاهد ما يكتبه ويجعل القمطر مختوماً بين يديه) وجملة ذلك أنه يستحب للحاكم أن يتخذ كاتباً لأن النبي صلى الله عليه وسلم استكتب زيد بن ثابت وغيره ولأن الحاكم تكثر اشغاله ونظره فلا يمكنه تولي الكتابة بنفسه وإن أمكنه الكتابة بنفسه جاز والاستنابة فيه أولى ولا يجوز أن يستنيب في ذلك إلا عدلاً لأن الكتابة موضع أمانة ويستحب أن يكون فقيهاً ليعرف مواقع الألفاظ التي تتعلق بها الأحكام ويفرق بين الجائز والواجب وينبغي أن يكون وافر العقل نزها ورعا لئلا يستمال بالطمع ويكون مسلماً لأن الله تعالى قال (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) وقد روي أن أبا موسى قدم على عمر ومعه كاتب نصراني فاحضر أبو موسى شيئاً من مكتوباته عند عمر فاستحسنه وقال قل لكاتبك يجئ ويقرأ كتابه قال إنه لا يدخل المسجد قال ولم؟ قال أنه نصراني فانتهره عمر وقال لا تأتمنوهم وقد خونهم الله تعالى ولا تقربوهم وقد أبعدهم الله ولا تعزوهم وقد أذلهم الله ولأن الإسلام من شروط العدالة والعدالة شرط وقال أصحاب الشافعي في
اشراط عدالته وإسلامه وجهان (أحدهما) يشترط لما ذكرنا (والثاني) لا يشترط لأن ما يكتبه لابد من وقوف القاضي عليه فهو من الخيانة ويستحب أن يكون جيد الخط لأنه أكمل وإن يكون حراً ليخرج من الخلاف وإن كان عبداً جاز لأن شهادة العبد جايزة ويكون القاسم على الصفة التي ذكرنا في الكاتب ولابد من كونه حاسباً لأنه عمله وبه يقسم فهو كالخط للكاتب والفقه للحاكم ويستحب للحاكم أن يجلس الكاتب بين يديه ليشاهد ما يكتبه ويشافهه بما يملي عليه وان قصد ناحية جاز لأن المقصود يحصل لأن ما يكتبه يعرض على الحاكم فيستبرئه ويجعل القمطر مختوماً بين يديه ليترك فيه ما يجتمع من المحاضر والسجلات ويتحرز من أن يدخله كتاب مزور أو يؤخذ منه شئ * (مسألة) * (ويستحب أن لا يحكم إلا بحضرة الشهود) ليستوفى بهم الحقوق ويثبت بهم الحجج والمحاضر فإن كان ممن يحكم بعلمه فإن شاء أدناهم إليه وإن شاء ابعدهم منه بحيث إذا احتاج إلى إشهادهم على حكمه استدعاهم ليشهدوا بذلك وإن كان ممن لا يحكم بعلمه أجلسهم بالقرب حتى يسمعوا كلام المتحاكمين لئلا يقر منهم مقر ثم ينكر ويجحد فيحفظوا عليه إقراره * (مسألة) * (ولا يحكم لنفسه ولا لمن لا تقبل شهادته له ويحكم بينهم بعض خلفائه) أو بعض رعيته فإن عمر حاكم أبيا إلى زيد وحاكم رجلاً عراقياً إلى شريح وحاكم علي يهودياً إلى شريح وحاكم عثمان طلحة إلى جبير بن مطعم وإن عرضت حكومة لوالديه أو ولده أو من لا تقبل شهادته له ففيه وجهان (أحدهما) لا يجوز له الحكم فيها بنفسه وإن حكم لم ينفذ حكمه له كنفسه
(والثاني) ينفذ حكمه اختاره أبو بكر وهو قول أبي يوسف وابن المنذر وأبي ثور لأنه حكم لغيره أشبه الأجانب وعلى القول الأول متى عرضت لهؤلاء حكومة حكم بينهم الإمام أو حاكم آخر أو بعض خلفائه فإن كانت الحكومة بين والديه أو ولديه أو والده وولده لم يجز الحكم بينهما على أحد الوجهين لأنه لا تقبل شهادته لأحدهما على الآخر فلم يجز الحكم بينهما كما لو كان خصمه أجنبياً وفي الآخر يجوز وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأنهما سواء عنده فارتفعت تهمة الميل فأشبها الأجنبيين (فصل) قال رضي الله عنه وأول ما ينظر في أمر المحبسين فيبعث ثقة إلى الحبس فيكتب اسم كل محبوس ومن حبسه؟ وفيم حبسه؟ في رقعة منفردة ثم ينادي في البلدان القاضي ينظر في أمر المحبسين غداً فمن له منهم خصيم فليحضر إنما بدأ بالنظر في امر المحبسين لأن الحبس عذاب وربما كان فيهم من لا يستحق البقاء فيه فينفذ إلى حبس القاضي الذي كان قبله ثقة فيكتب اسم كل محبوس وفيم حبس؟ ولمن حبس؟ وتحمل الرقاع إليه ويأمر منادياً ينادي في البلد ثلاثة أيام أن القاضي فلان بن فلان ينظر في أمر المحبسين يوم كذا فمن كان له محبوس فليحضر فإذا احضر الناس في ذلك اليوم جعل الرقاع بين يديه فيمد يده إليها فما وقع في يده منها نظر إلى اسم المحبوس وقال من خصم فلان المحبوس؟ فإذا قال خصمه أنا بعث ثقة إلى الحبس فاخرج خصمه وحضر معه مجلس الحكم ويفعل ذلك في قدر ما يعلم أنه يتسع زمانه للنظر في ذلك المجلس ولا يخرج غيرهم فإذا حضر المحبوس وخصمه لم يسأل خصمه لم حبسه؟ لأن الظاهر
أن الحاكم إنما حبسه بحق لكن يسار المحبوس بم حبست؟ ولا يخلو جوابه من خمسة أقسام (أحدها) أن يقول حبسني بحق له حال أنا ملئ به فيقول له الحاكم اقض؟ وإلا رددتك إلى الحبس (الثاني) أن يقول له على دين أنا معسر به فيسال خصمه فإن صدقه فلسه الحاكم وأطلقه وإن كذبه نظر في سبب الدين فإن كان سببا حصل له به مال كقرض أو شراء لم يقبل قوله في الإعسار إلا ببينة بأن ماله تلف أو نفد أو ببينة أنه معسر فيزول الأصل الذي ثبت ويكون القول قوله فيما يدعيه عليه من المال، وإن لم يثبت له أصل مال ولم يكن لخصمه بينة بذلك فالقول قول المحبوس مع يمينه أنه معسر لأن الأصل الإعسار، وإن شهدت لخصمه بينة بأن له مالا لم تقبل حتى يبين ذلك المال بما يتميز به فإن شهدت عليه البينة بدار معينة أو غيرها فصدقها فلا كلام وإن كذبها وقال ليس هذا لي وإنما هو في يدي لغيري لم يقبل إلا أن يعزوه إلى معين فإن كان الذي أقر له حاضراً سئل فان كذبه في إقراره سقط وقضى من المال دينه، وإن صدقه وكانت له بينة فهو أولى لأن له بينة وصاحب اليد يقر له به وإن لم تكن له بينة فذكر القاضي أنه لا يقبل قولهما ويقضي الدين منه لأن البينة شهدت لصاحب اليد بالملك فتضمنت شهادتها وجوب القضاء منه فإذا لم تقبل شهادتها في حق نفسه قبلت فيما تضمنته لأنه حق لغيره ولأنه متهم في إقراره لغيره لأنه قد يفعل ذلك ليخلص ماله ويعود إليه فتلحقه تهمة فلم تبطل البينة بقوله وفيه وجه آخر يثبت الإقرار وتسقط البينة لأنها تشهد بالملك لمن لا يدعيه وينكره
(القسم الثالث) أن يقول حبسني لأن البينة شهدت علي لخصمي بحق ابتحث عن حال الشهود فهذا ينبني على أصل وهو أن الحاكم هل له ذلك أولا؟ وفيه وجهان (أحدهما) ليس له ذلك لأن الحبس عذاب فلا يتوجه عليه قبل ثبوت الحق عليه فعلى هذا لا يرده إلى الحبس أن صدقه خصمه في هذا (والثاني) يجوز حبسه لأن المدعي قد أقام ما عليه وإنما بقي ما على الحاكم من البحث ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين يرده إلى الحبس حتى يكشف عن حال شهوده وإن كذبه خصمه وقال بل عرف الحاكم عدالة شهودي وحكم عليه بالحق فالقول قوله لأن الظاهر أن حبسه بحق (القسم الرابع) أن يقول حبسني الحاكم بثمن كل أو قيمة خمر أرقته لذمي لأنه كان يرى ذلك فإن صدقه خصمه فذكر القاضي أنه يطلقه لأن غرم هذا ليس بواجب وفيه وجه آخر أن الحاكم ينفذ حكم الحاكم الأول لأنه ليس له نقض حكم غيره باجتهاده وفيه وجه ثالث أنه يتوقف ويجتهد أن يصطلحا على شئ لأنه لا يمكنه فعل أحد الأمرين وللشافعي قولان كالوجهين الآخرين فان كذه خصمه وقال بل حبست لحق واجب غير هذا فالقول قوله لأن الظاهر حبسه لحق * (مسألة) * (وإن كان حبس في تهمة أو افتيات على القاضي قبله خلى سبيله) لأن المقصود بحبسه التأديب وقد حصل)
* (مسألة) * (وإن لم يحضر له خصم فقال حبست ظلما ولا حق علي ولا خصم نادى بذلك ثلاثا فإن حضر له خصم وإلا أحلفه وخلى سبيله) لأن الظاهر أنه لو كان له خصم لظهر
* (مسألة) * (ثم ينظر في أمر المجانين واليتامى والوقوف)
والنظر في ذلك بالنظر في أمر الأوصياء ونظار الوقوف لأنهم يكونون ناظرين في أموال اليتامى والمجانين وتفرقة الوصية بين المساكين لأن المنظور عليه إن كان من الأيتام والمجانين لم تمكنهم المطالبة لأنهم لا قول لهم وإن كانوا مساكين لم يتعين الاخذ منهم فإذا قدم إليه الوصي فإن كان الحاكم قبله نفذ وصيته لم يعزله لأن الحاكم ما نفذ وصيته إلا بعد معرفته أهليته في الظاهر ولكن نراعيه فإن تغيرت حاله بفسق أو ضعف اضاف إليه امينا قويا يعينه وإن كان الأول ما نفذ وصيته نظر فيه فإن كان أمينا قويا أقره، وإن كان أمينا ضعيفا ضم إليه من يعينه، وإن كان فاسقاً عزله وأقام غيره، وعلى قول الخرقي يضم اليه أمين ينظر عليه فإن كان قد تصرف أو فرق الوصية وهو أهل الوصية نفذ تصرفه، فإن كان ليس بأهل وكان الموصى لهم بالغين عاقلين معينين صح الدفع إليهم لأنهم قبضوا حقوقهم، وإن كانوا غير معينين كالفقراء والمساكين ففيه وجهان (أحدهما) عليه الضمان ذكره القاضي وأصحاب الشافعي لأنه ليس له التصرف (والثاني) لا ضمان عليه لأنه أوصله إلى أهله، وكذلك إن فرق الوصية غير الموصى إليه بتفريقها فعلى الوجهين (فصل) وينظر في أمناء الحاكم وهم من رد إليهم الحاكم النظر في أمر الأطفال وتفرقة الوصايا
التي لم يتعين لها وصي فإن كانوا بحالهم أقرهم لأن الذي قبله ولاهم، ومن تغير حاله عزله إن فسق، وإن ضعف ضم إليه أميناً (فصل) ثم ينظر في أمر الضوال واللقطة التي يتولى الحاكم حفظها فإن كانت مما يخاف تلفه كالحيوان أو في حفظه مؤنة كالأموال الحافية باعها وحفظ ثمنها لأربابها، وإن لم تكن كذلك كالأثمان حفظها لأربابها ويكتب عليها ليعرفها
* (مسألة) * (ثم ينظر في حال القاضي قبله فإن كان ممن يصلح للقضاء لم ينقض من أحكامه إلا
ما خالف نص كتاب أو سنه أو إجماعا) ولا يجب على الحاكم تتبع قضايا من كان قبله لأن الظاهر صحتها وصوابها وأنه لا يتولى القضاء إلا من هو من أهل الولاية فإن تتبعها نظر في الحاكم قبله فإن كان ممن يصلح للقضاء فما وافق من أحكامه الصواب أو لم يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً لم يجز نفضه، وإن كان مخالفاً لأحد هذه الثلاثة وكان في حق الله تعالى كالعتاق والطلاق نقضه لأن له النظر في حقوق الله تعالى، وإن كان يتعلق بحق آدمي لم ينقضه إلا بمطالبة صاحبه لأن الحاكم لا يستوفي حقاً لمن لا ولاية عليه بغير مطالبته فإن طلب صاحبه ذلك نقضه وبهذا قال الشافعي وزاد إذا خالف قياساً جلياً نقضه وعن مالك وابي حنيفة أنهما قالا لا ينقض الحكم إلا إذا خالف الإجماع ثم ناقضا قولهما فقال مالك إذا حكم بالشفعة للجار نقض حكمه، وقال أبو حنيفة اذا حكم ببيع متروك التسمية أو حكم بين العبيد بالقرعة نقض حكمه، وقال محمد بن الحسن إذا حكم بالشاهد واليمين نقض حكمه وهذه
مسائل خلاف موافقة للسنة، واحتجوا على أنه لا ينقض ما لم يخالف الإجماع بأنه يسوع فيه الخلاف فلم ينقض حكمه كما لا نص فيه وحكي عن أبي داود انه ينقض جميع ما بان له خطؤه لأن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى لا يمنعك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع، وحكي عن مالك أنه وافقهما في قضاء نفسه ولنا على نقضه إذا خالف نصاً أو إجماعاً أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو خالف الإجماع وبيان مخالفته للشرط.
إن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ، ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الإجماع أو كما لو حكم بشهادة كافرين وما قالوه يبطل بما حكيناه عنهم فإن قيل إذا صلى بالاجتهاد إلى جهة ثم بان له الخطأ لم يعد قلنا القرق بينهما من ثلاثة أوجه
(أحدها) أن استقبال القبلة يسقط حال العذر في حال المسايفة، والخوف من عدو أو سبع أو نحو مع العلم ولا يجوز له ترك الحق إلى غيره مع العلم بحال الثاني إن الصلاة من حقوق الله تعالى تدخلها المسامحة (الثالث) أن القبلة يتكرر فيها الإشتباه فيشق القضاء وههنا إذا بان له الخطاء لا يعود الاشتباه بعد ذلك.
وأما إذا تغير اجتهاده من غير أن يخالف نصاً ولا إجماعاً أو خالف اجتهاده اجتهاد من قبله لم ينقضه لمخالفته لأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على ذلك فإن ابا بكر حكم في مسائل
باجتهاده وخالفه عمر فلم ينقض أحكامه وعلي خالف عمر في اجتهاده فلم ينقض أحكامه وخالفهما علي فلم ينقض أحكامهما فإن ابا بكر سوى بين الناس في العطاء وأعطى العبيد وخالفه عمر ففاضل بين الناس وخالفهما علي فسوى بين الناس وحرم العبيد ولم ينقض أحد منهم ما فعله من قبله وجاء أهل نجران إلى علي فقالوا يا أمير المؤمنين كتابك بيدك وشفاعتك بلسانك فقال ويحكم إن عمر كان رشيد الأمر ولن ارد قضاء قضى به عمر رواه سعيد وروي ان عمر حكم في المشركة بإسقاط الأخوة من الأبوين ثم شكر بينهم بعد وقال تلك على ما قضينا هذه على ما قضينا، وقضى في الجد بقضايا مختلفة، ولم يرد الأولى ولأنه يؤدي إلى نقض الحكم بمثله وهذا يؤدي إلى أن لا يثبت الحكم أصلاً لأن الحكم الثاني يخالف الذي قبله والثالث يخالف الثاني فلا يثبت الحكم فإن قيل فقد روي أن شريحاً حكم في ابني عم أحدهما أخ للأم أن المال للأخ فرفع ذلك إلى علي رضي الله عنه فقال: علي بالعبد فجئ به فقال في أي كتاب الله وجدت ذلك؟ فقال قال الله تعالى (وألو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) فقال له علي قد قال الله تعالى (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس) ونقض حكمه قلنا لم يثبت عندنا أن علياً نقض حكمه ولو ثبت فيحتمل أن يكون على اعتقاد أنه خالف نص الكتاب في الآية التي ذكرها فنقض حكمه لذلك (فصل) إذا تغير اجتهاده قبل الحكم فإنه يحكم بما تغير اجتهاده إليه ولا يجوز أن يحكم بإجتهاده الأول
لأنه إذا حكم به فقد حكم بما يعتقد أنه باطل وهذا كما قلنا فيمن تغير اجتهاده في القبلة بعدما صلى لا يعيد وإن كان قبل أن يصلي صلى إلى الجهة التي تغير اجتهاده إليها وكذلك إذا بان فسق الشهود قبل الحكم بشهادتهم لم يحكم بها ولو بان بعد الحكم لم ينقضه
* (مسألة) * (وإن كان ممن لا يصلح نقض أحكامه وإن وافقت الصحيح ويحتمل أن لا ينقض الصواب منها)
أما إذا كان القاضي قبله لا يصلح للقضاء نقض قضاياه كلها ما أخطأ فيها وما أصاب ذكره أبو الخطاب وهو مذهب الشافعي لأن وجود قضائه كعدمه، قال شيخنا تنقض قضاياه المخالفة للصواب كلها سواء كانت مما يسوغ فيه الاجتهاد أو لا يسوغ لأن حكمه غير صحيح وقضاؤه كلا قضاء لعدم شرط القضاء فيه وليس في نقض قضاياه نقض الاجتهاد بالاجتهاد، لأن الأول ليس باجتهاد ولا ينقض ما وافق الصواب لعدم الفائدة في نقضه فإن الحق وصل إلى مستحقه ولو وصل الحق إلى مستحقه بطريق القهر من غير حكم لم يغير ذلك فكذلك إذا كان بقضاء وجوده كعدمه
* (مسألة) * (وإن استعداه أحد على خصم له أحضره وعنه لا يحضره حتى يعلم أن لما ادعاه أصلا)
هذه المسألة فيها روايتان (إحداهما) أنه يلزم القاضي أن يعديه ويستدعي خصمه سواء عما بينهما معاملة أو لم يعلم وسواء كان المستعدي ممن يعامل المستعدى عليه أو لا يعامله كالفقير يدعي على ذي ثروة وهيئة نص على هذا في رواية الأثرم في الرجل يستعدي على الحاكم أنه يحضره ويستحلفه، وهذا اختيار أبي بكر ومذهب
أبي حنيفة والشافعي لأن في تركه تضييعاً للحقوق وإقراراً للظلم فإنه قد يثبت له الحق على من هو أرفع منه بغصب أو يشتري منه شيئاً ولا يوفيه أو يودعه شيئاً أو يعيره إياه فلا يرده ولا تعلم بينهما معاملة فإذا لم يعد عليه سقط حقه وهذا أعظم ضرراً من حضور مجلس الحاكم فإنه لا يقبضه وقد حضر عمر وأبي عند زيد وحضر هو وآخر عند شريح وحضر المنصور عند رجل من ولد طلحة بن عبيد الله (والثانية) لا يستعديه إلا أن تعلم بينهما معاملة ويبين أن لما أعاده أصلا روى ذلك عن علي رضي الله عنه هو مذهب مالك لأن في أعدائه على كل احد بتذيل أهل المروءات وإهانة ذوى الهيآت فإنه لا يشاء أحد أن يتبذلهم عند الحاكم إلا فعل وربما فعل هذا من لا حق له ليفتدي المدعى عليه من حضوره وشر خصمه بطائفة من ماله والأولى أولى لأن ضرر تضييع الحق أعظم من هذا وللمستعدى عليه أن يوكل من يقوم مقامه إن كره الحضور.
* (مسألة) * (وإن استعداه على القاضي قبله سأله عما يدعيه فإن قال لي عليه دين من معاملة أو رشوة راسلة بذلك، فإن اعترف أمره بالخروج منه وإن أنكر وقال إنما يريد تبذيلي فإن عرف أن لما ادعاه أصلاً أحضره وإلا فهل يحضره؟ على روايتين) وجملة ذلك أنه إذا استعدي على الحاكم المعزول لم يعده حتى يعرف ما يدعيه فيسأله عنه صيانة للقاضي عن الامتهان فإن ذكر أنه يدعي عليه حقاً من دين أو غصب اعداه عليه وحكم بينهما كغير القاضي وكذلك إن ادعى أنه أخذ منه رشوة على الحكم لأن أخذ الرشوة عليه لا يجوز فهي كالغصب وإن ادعى عليه الجور في الحكم وكان المدعي بينة أحضره وحكم بالبينة وإن لم تكن معه بينة ففيه
وجهان (أحدهما) لا يحضره لأن في إحضاره وسؤاله امتهاناً له وأعداء القاضي كثير وإذا فعل هذا معه لم يؤمن أن لا يدخل في القضاء أحد خوفاً من عاقبته (والثاني) يحضره لجواز أن يعترف فإن حضر واعترف حكم عليه وإن أنكر فالقول قوله من غير يمين لأن قول القاضي مقبول بعد العزل كما تقبل ولايته، وإن ادعى عليه أنه قتل ابنه ظلماً فهل يستحضره من غير بينة؟ فيه وجهان فإن أحضره فاعترف حكم عليه وإلا فالقول قوله، وإن ادعى أنه أخرج عيناً من يده بغير حق فالقول قول الحاكم من غير يمين ويقبل قوله للمحكوم له على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
* (مسألة) * (وإن قال حكم علي بشهادة فاسقين فالقول قوله بغير يمين)
لأن القول قوله في حكمه فلو قال حكمت على فلان بكذا قبل قوله بغير يمين فكذا في هذه المسألة لأنه شاهد على فعل نفسه أشبه المرضعة إذا شهدت بالرضاع لم يلزمها يمين وكذلك القاسم إذا شهد بالقسمة لأن الشاهد لا يمين عليه.
- (مسألة) * (وإن قال الحاكم المعزول كنت حكمت في ولايتي لفلان على لفلان بحق قبل قوله وبه قال إسحاق ويحتمل أن لا يقبل قوله) . ذكره أبو الخطاب قال شيخنا وقول القاضي في فروع هذه المسألة يقتضي أن لا يقبل قوله ههنا وهو قول أكثر الفقهاء لأن من لا يملك الحكم لا يملك الإقرار به كمن أقر بعتق عبد بعد بيعه، ثم اختلفوا فقال الأوزاعي وابن أبي ليلى هو بمنزلة الشاهد إذا كان معه شاهد آخر قبل
وقال أصحاب الرأي لا يقبل إلا شاهدان سواه يشهدان بذلك، وهو ظاهر مذهب الشافعي لأن شهادته على نفسه لا تقبل.
ولنا أنه لو كتب إلى غيره ثم عزل ووصل الكتاب بعد عزله لزم المكتوب إليه قبول كتابه فكذلك هذا ولأنه أخبر بما حكم به وهو غير متهم فيجب قبوله كحال ولايته.
(فصل) فأما إن قال في ولايته كنت حكمت لفلان بكذا قبل قوله سواء قال قضيت عليه بشاهدين عدلين أو قال سمعت بينته وعرفت عدالتهم أو قال قضيت عليه بنكوله أو قال أقر فلان عندي لفلان بحق فحكمت به، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي وأبو يوسف، وحكي عن محمد بن الحسن أنه لا يقبل حتى يشهد معه رجل عدل، لأنه إخبار بحق على غيره فلم يقبل فيه قول واحد كالشهادة.
ولنا أنه يملك الحكم فملك الإقرار به كالزوج إذا أخبر بالطلاق والسيد إذا أخبر بالعتق ولأنه لو أخبر أنه رأى كذا وكذا فحكم به قبل كذا ههنا وفارق الشهادة فإن الشاهد لا يملك إثبات ما أخبر به فأما إن قال حكمت بعلمي أو بالنكول أو بشاهدين ويمين في الأموال فإنه يقبل أيضاً وقال الشافعي لا يقبل قوله في القضاء بالنكول وينبني قوله حكمت عليه بعلمي على القولين في جواز القضاء بعلمه لأنه لا يملك الحكم بذلك فلا يملك الإقرار به.
ولنا أنه أخبر بحكمه فيما لو حكم به لنفذ حكمه فوجب قبوله كالصور التي تقدمت ولأنه حاكم أخبر يحكمه في ولايته فوجب قبوله كالذي سلمه ولأن الحاكم إذا حكم في مسألة يسوغ فيها الاجتهاد لم يسغ
نقض حكمه ولزم غيره امضاؤه والعمل به فصار بمنزلة الحكم بالبينة العادة ولا نسلم ما ذكره وإن قال حكمت لفلان على فلان بكذا ولم يضف حكمه إلى بينة ولا غيرها وجب قبوله وهو ظاهر ما ذكره شيخنا في الكتاب المشروع وظاهر قول الخرقي لأنه لم يذكر ما ثبت به الحكم وذلك لأن الحاكم متى ما حكم بحكم يسوغ فيه الاجتهاد وجب قبوله وصار بمنزلة ما اجتمع عليه.
(فصل) فإن أخبر القاضي بحكمه في غير موضع ولايته قبل وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه إذا قبل قوله بحكمه بعد العزل وزوال ولايته بالكلية فلأن يقبل مع بقائها في غير موضع ولايته أولى وقال القاضي لا يقبل قوله وقال لو اجتمع قاضيان في غير ولايتهما كقاضي دمشق وقاضي مصر اجتمعا في بيت المقدس فأخبر أحدهما الآخر بحكم حكم به أو شهادة ثبتت عنده لم يقبل أحدهما قول صاحبه ويكونان كشاهدين أخبر أحدهما صاحبه بما عنده وليس له أن يحكم به إذا رجع إلى عمله لأنه خبر من ليس بقاض في موضعه، وإن كانا جميعاً في عمل أحدهما كأنهما اجتمعا في دمشق فإن قاضي دمشق لا يعمل بما يخبره به قاضي مصر لأنه يخبره في غير عمله وهل يعمل قاضي مصر بما أخبره به قاضي دمشق إذا رجع إلى مصر؟ فيه وجهان بناء على القاضي هل له أن يحكم بعلمه؟ على روايتين لأن قاضي دمشق اخبره به في عمله ومذهب الشافعي في هذا كقول القاضي ههنا.
- (مسألة) * (فإن ادعى على أمراة غير برزة لم يحضرها وامرها بالتوكيل فإن وجبت عليها اليمين أرسل إليها من يحلفها) . إذا كان المدعى عليه امرأة فإن كانت برزة وهي التي تبرز لقضاء حوائجها امرت بالتوكيل فإن
توجهت اليمين عليها بعث الحاكم أميناً معه شاهدان فيستحلفها بحضرتهما، فإن أقرت شهدا عليها، وذكر القاضي أن الحاكم يبعث من يقضي بينها وبين خصمها في دارها وهو مذهب الشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " واغد يا أنيس الى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها " فبعث إليها ولم يستدعها، وإن أحضروا عندها كان بينهم وبينها ستر تتكلم من ورائه فإن اعترفت للمدعي أنها خصمه حكم بينهما وإن أنكرت ذلك جئ بشاهدين من ذوي رحمها يشهدان أنها المدعى عليها ثم يحكم بينهما وإن لم تكن بينة التحفت بجلبابها وأخرجت من وراء الستر لموضع الحاجة وما ذكرناه أولى إن شاء الله لأنه أستر لها وإذا كانت خفرة منعها الحياء من النطق بحجتها والتعبير عن نفسها سيما مع جهلها بالحجة وقلة معرفتها بالشرع وحججه
* (مسألة) * (وإن ادعى على غائب عن البلد في موضع لا حاكم فيه كتب إلى ثقات من أهل ذلك البلد ليتوسطوا بينهما فإن لم يقبلوا قيل للخصم حقق ما تدعيه ثم يحضره وإن بعدت المسافة) إذا استعدى على غائب وكان الغائب في غير ولاية القاضي لم يكن له أن يعدي عليه فإن كان في ولايتة وله في بلده خليفة فإن كانت له بينة ثبت الحق عنده وكتب إلى خليفته ولم يحضره وإن لم تكن بينة حاضرة نفذ إلى خصمه ليحاكمه عند خليفته وإن لم يكن له فيه خليفة وكان فيه من يصلح للقضاء قيل له حرر دعواك لأنه يجوز أن يكون ما يدعيه ليس بحق عنده كالشفعة للجار وقيمة الكلب أو خمر الذمي فلا يكلف الحضور لما لا يقضي عليه به مع المشقة فيه بخلاف الحاضر فإنه لا مشقة في
حضوره فإذا تحررت بعث فأحضر خصمه بعدت المسافة أو قربت وبهذا قال الشافعي وقال أبو يوسف إن كان يمكنه أن يحضر ويعود فيأوي إلى موضعه أحضره وإلا لم يحضره ويوجه من يحكم بينهما، وقيل إن كانت المسافة دون مسافة القصر أحضره وإلا فلا ولنا أنه لابد من فصل الخصومة بين المتخاصمين فإذا لم تمكن إلا بمشقة فعل ذلك كما لو امتنع من الحضور فإنه يؤدب ولأن الحاق المشقة به أولى من إلحاقها بمن ينفذه الحاكم ليحكم بينهما وإن كانت امراة برزة لم يشترط في سفره هذا محرم نص عليه أحمد لأنه حق آدمي وحق الآدمي مبني على الشح والضيق ﴿باب طريق الحكم وصفته﴾ إذا جلس إليه خصمان فله أن يقول من المدعي منكما؟ وله أن يسكت حتى يبتدئا ويستحب أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن يجلس الخصمان بين يدي الحاكم رواه أبو داود وروى سعيد بإسناده عن الشعبي قال كان بين عمر بن الخطاب وأبي بن كعب مداراة في شئ فجعلا بينهما زيد بن ثابت فاتياه في منزله فقال له عمر أتيناك لتحكم بيننا في بينة تؤتي الحكم فوسع له زيد عن صدر فراشه فقال ههنا يا أمير المؤمنين فقال له عمر جرت في أول القضاء لكن أجلس مع خصمي فجلسا بين يديه فادعى أبي فأنكر عمر فقال زيد لأبي أعف أمير المؤمنين
من اليمين فحلف عمر ثم أقسم لا يدرك زيد باب القضاء حتى يكون عمر ورجل من عرض المسلمين عنده سواء وقال علي رضي الله عنه حين خاصم اليهودي على درعه إلى شريح لو أن خصمي مسلم لجلست معه بين يديك ولأن ذلك أمكن للحاكم في العدل بينهما والإقبال عليهما والنظر في خصومتهما (فصل) فإذا جلسا بين يديه فإن شاء قال من المدعي منكما؟ لأنهما حضرا لذلك، وإن شاء سكت ويقول القائم على رأسه من المدعي منكما؟ إن سكتا جميعا ولا يقول الحاكم ولا صاحبه لأحدهما تكلم لأن في إفراده بذلك تفضيلاً له وتركا للانصاف قال عمرو بن قيس شهدت شريحا إذا جلس إليه الخصمان ورجل قائم على رأسه يقول أيكما المدعي فليتكلم؟ فإن ذهب الآخر يشغب نهره حتى يفرغ المدعي ثم يقول تكلم فإن بدأ أحدهما فادعى فقال خصمه أنا المدعي لم يلفت إليه وقال أجب عن دعواه ثم ادع بما شئت فإن ادعيا معاً فقياس المذهب أن يقرع بينهما وهو قياس قول الشافعي لأن أحدهما ليس بأولى من الآخر وقد تعذر الجمع بينهما فيقرع بينهما كالمرأتين إذا زفتا في ليلة واحدة واستحسن ابن المنذر أن يسمع منهما جميعا وقيل يرجئ أمرهما حتى يتبين من المدعي منها؟ وما ذكرناه أولى لأنه لا يمكن الجمع بين الحكم في القضيتين معاً وارجاء أمرهما إضرار بهما وفيما ذكرناه دفع للضرر بحسب الإمكان وله نظير في مواضع من الشرع فكان أولى * (مسألة) * (ثم يقول للخصم ما تقول فيما ادعاه) لأن شاهد الحال يدل على طلب المطالبة لأن إحضاره والدعوى إنما يراد ليسأل الحاكم المدعى عليه فقد أغنى ذلك عن سؤاله ويحتمل ألا يملك سؤاله عن ذلك لأنه حق المدعي فلا يتصرف فيه بغير إذنه كالحكم له
* (مسألة) * (وإن أقر لم يحكم له حتى يطالبه المدعي بالحكم)
إذا أقر المدعي عليه لزمه ما ادعي عليه وليس للحاكم أن يحكم عليه إلا بمسألة المقر له لأن الحكم
عليه حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة هكذا ذكره أصحابنا قال شيخنا: ويحتمل أن يجوز له الحكم قبل مسألة المدعي لأن الحال تدل على إرادته ذلك فاكتفى بها كما اكتفى في مسألة المدعى عليه الجواب ولأن كثيراً من الناس لا يعرف مطالبة الحاكم بذلك فيترك مطالبته به لجهله فيضيع حقه فعلى هذا يجوز له الحكم قبل مسألته، وعلى القول الأول أن سأله الخصم الحكم له حكم على المقر والحكم أن يقول ألزمتك ذلك أو قضيت عليك له أو يقول اخرج إليه منه فمتى قال له أحد هذه الثلاثة كان حكما بالحق * (مسألة) * (وإن أنكر مثل أن يقول المدعي أقرضته ألفاً أو بعته فيقول ما أقرضني ولا باعني أو ما يستحق على ما ادعاه ولا شيئاً منه أو لا حق له علي صح الجواب)
* (مسألة) * (وللمدعي أن يقول لي بينة؟
وهذا موضع البينة فإن لم يقل قال الحاكم ألك بينة؟ لما روى أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم حضرمي وكندي فقال الحضرمي يا رسول الله إن هذا غلبني على أرض لي فقال الكندي هي أرضي في يدي ليس له فيها حق فقال النبي صلى الله عليه وسلم للحضرمي " ألك بينة؟ - قال لا قال - فلك يمينه " وهو حديث حسن صحيح وإن كان المدعي عارفاً بأنه موضع البينة فالحاكم مخير بين أن يقول ألك بينة؟ وبين أن يسكت فإذا قال لي بينة حاضرة أمره بإحضارها ذكره شيخنا في الكتاب المشروح وذكر في كتاب المغني أن المدعي إذا قال لي بينة لم يقل له الحاكم أحضرها لأن ذلك حق له فله أن يفعل ما يرى فإذا أحضرها لم يسألها الحاكم عما عندها حتى يسأله المدعي ذلك لأنه حق له فلا يتصرف فيه
من غير إذنه فإذا سأله المدعي سؤالها قال من كانت عنده شهادة فليذكر إن شاء ولا يقول لهما اشهدا لأنه أمر وكان شريح يقول للشاهدين ما أنا دعوتكما ولا أنهاكما أن ترجعا وما يقضي على هذا المسلم غيركما وإني بكما أقضي اليوم وبكما أتقي يوم القيامة
* (مسألة) * (وإذا سمع الحاكم الشهادة وكانت صحيحة حكم بها إذا سأله المدعي)
فيقول للمدعي عليه قد شهدا عليك فإن كان عندك ما يقدح في شهادتهم فبينه عندي فإن لم يظهر ما يقدح فيهما حكم عليه إذا سأل الحاكم لأن الحكم بالبينة حق له فلا يستوفيه إلا بمسألة مستحقة * (مسألة) * (ولا خلاف في أنه يجوز له الحكم بالإقرار والبينة في مجلسه إذا سمعه معه شاهدان فإن لم يسمعه معه أحد أو سمعه معه شاهد واحد فله الحكم نص عليه) لأن الإقرار أحد البيتين فجاز الحكم به في مجلسه كالشهادة وقال القاضي لا يحكم به حتى يسمعه معه شاهدان لأنه إذا لم يسمعه معه أحد كان حكما بعلمه * (مسألة) * (وليس له الحكم بعلمه فيما رآه أو سمعه في غير مجلسه نص عليه وهو اختيار الأصحاب وعنه ما يدل على جواز ذلك سواء كان في حد أو غيره) ظاهر المذهب أن الحاكم لا يحكم بعلمه في حد ولا غيره وسواء في ذلك ما علمه قبل الولاية أو بعدها وهذا قول شريح والشعبي ومالك وأسحاق وأبي عبيد ومحمد بن الحسن وهو أحد قولي الشافعي وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي يوسف وأبي ثور وهو القول للشافعي واختيار المزني لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قالت له هند أن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من
النفقة ما يكفيني وولدي قال " خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف " فحكم لها من غير بينة ولا إقرار لعلمه بصدقها وروى ابن عبد البر في كتابه إن عروة ومجاهد رويا أن رجلا من بني مخزوم استعدى عمر ابن الخطاب على أبي سفيان بن حرب أنه ظلمه حداً في موضع كذا وكذا فقال عمر إني لأعلم الناس بذلك وربما لعبت أنا وأنت فيه ونحن غلمان فاتي بأبي سفيان فأتاه به فقال عمر يا أبا سفيان انهض بنا إلى موضع كذا وكذا فنهضوا ونظر عمر فقال يا أبا سفيان خذ هذا الحجر من ههنا فضعه ههنا فقال والله لا أفعل فقال والله لتفعلن فقال والله لا أفعل فعلاه بالدرة وقال خذه لا أم لك فضعه ههنا فإنك ما علمت قدم الظلم فأخذ أبو سفيان الحجر فوضعه حيث قال عمر ثم أن عمر استقبل القبلة فقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى غلبت أبا سفيان على رأيه وأذللته لي بالإسلام فاستقبل القبلة أبو سفيان وقال اللهم لك الحمد حيث لم تمتني حتى جعلت في قلبي من الإسلام ما أذل به لعمر قال فحكم بعلمه ولأن الحاكم يحكم بالشاهدين لأنهما يغلبان على الظن فما تحققه وقطع به كان أولى ولأنه يحكم في تعديل الشهود وجرحهم فكذلك في ثبوت الحق قياساً عليه وقال أبو حنيفة ما كان من حقوق الله تعالى لا يحكم فيه بعلمه لأن حقوق الله تعالى مبينة على المساهلة والمسامحة وأما حقوق الآدميين فما علمه قبل ولايته لم يحكم به، وما علمه في ولايته حكم به لأن ما علمه قبل ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود قبل ولايته، وما علمه في ولايته بمنزلة ما سمعه من الشهود في ولايته ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه " فدل على أنه لم يقضي بما يسمع لا بما يعلم وقال النبي
صلى الله عليه وسلم في قضية الحضرمي والكندي " شاهداك أو يمينه ليس لك منه إلا ذاك " وروي عن عمر رضي الله عنه أنه تداعى عنده رجلان فقال له احدهما انت شاهدي فقال أن شئتما شهدت ولم أحكم أو أحكم ولا أشهد وذكر ابن عبد البر عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا جهم على على الصدقة فلاحاه رجل في فريضة فوقع بينهما شجاج فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم الأرش ثم قال " إني خاطب الناس ومخبرهم أنكم قد رضيتم أرضيتم؟ قالوا نعم فصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر القصة وقال - أرضيتم؟ - قالوا لا وهم بهم المهاجرون فنزل النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ثم صعد فخطب الناس فقال - أرضيتم؟ " قالوا نعم وهذا يبين أنه لم يأخذ بعلمه وروي عن أبي بكر رضي الله عنه قال لو رأيت حداً على رجل لم آخذه حتى تقوم البينة ولأن تجويز القضاء بعلمه يفضي إلى تهمته والحكم بما اشتهى ويحيله على علمه فأما حديث أبي سفيان فلا حجة فيه لأنه فتيا لا حكم بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم أفتى في حكم أبي سفيان من غير حضوره ولو كان حكما عليه لم يحكم عليه في غيبته وحديث عمر الذي رووه كان إنكارا لمنكر رآه لا حكم بدليل أنه ما وجدت منهم دعوى ولا إنكار بشروطهما ودليل ذلك ما رويناه عنه ثم لو كان حكما كان معارضاً بما رويناه عنه ويفارق الحكم بالشهادة فإنه لا يفضي إلى تهمة بخلاف مسئلتنا، وأما الجرج والتعديل فإنه يحكم فيه بعلمه بغير خلاف لأنه لو لم يحكم فيه بعلمه لتسلسل فإن المزكيين يحتاج إلى معرفة عدالتهما وجرحهما فإذا لم يعمل بعلمه احتاج كل واحد منهما إلى مزكيين ثم كل واحد منهما يحتاج إلى مزكيين فيتسلسل وما نحن فيه بخلافه * (مسألة) * (وإن قال المدعي مالي بينة فالقول قول المنكر مع يمينه فيعلمه أن له اليمين على خصمه فإن سأله إحلافه أحلفه)
لأن الحق له فإذا أحلفه خلى سبيله وليس له استحلافه قبل مسألة المدعي لأن اليمين حق له فلم يجز استيفاؤها قبل مطالبة مستحقها كنفس الحق وسقطت الدعوى لما روى وائل بن حجر أن رجلا من حضرموت ورجلاً من كندة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الحضرمي إن هذا غلبني على أرض لي ورثتها من أبي وقال الكندي أرضي وفي يدي لا حق له فيها فقال النبي صلى الله عليه وسلم " شاهداك أو يمينه " قال إنه لا يتورع من شئ قال " ليس لك إلا ذلك " رواه مسلم بمعناه
* (مسألة) * (وإن أحلفه أو حلف من غير سؤال المدعي لم يعتد بيمينه)
لأنه أتي بها في غير وقتها فإن سألها المدعي أعادها له لأن الأولى لم تكن يمينه وإن أمسك المدعي عن إحلاف خصمه الدعي عليه ثم اراد إحلافه بالدعوى المتقدمة جاز لأنه لم يسقط حقه منها وإنما أخرها وإن قال أبرأتك من هذه اليمين سقط حقه منها في هذه الدعوى أوله أن يستأنف الدعوى لأن حقه لا يسقط بالإبراء من اليمين وإن استأنف الدعوى وأنكر المدعى عليه فله أن يحلفه لأن هذه الدعوى غير الدعوى التي أبرأه بها من اليمين فإن حلف سقطت الدعوى ولم يكن للمدعي أن يحلفه يمينا أخرى لا في هذا المجلس ولا في غيره * (مسألة) * (وإن نكل قضي عليه بالنكول) نص عليه واختاره عامة شيوخنا فيقول له أن حلفت وإلا قضيت عليك ثلاثاً فإن لم يحلف قضى عليه إذا سأل المدعي ذلك لما روى أحمد أن ابن عمر باع زيد بن ثابت عبداً فادعى عليه زيد انه باعه إياه عالما بعيبه فأنكره ابن عمر فتحاكما إلى عثمان رضي الله عنه فقال عثمان احلف بانك ما علمت به عيباً فأبى ابن عمر أن يحلف فرد عليه العبد ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اليمين على المدعي عليه "
فحصرها في جنبته فلم تشرع لغيره وهذا مذهب أبي حنيفة واختار أبو الخطاب أنه لا يحكم بالنكول ولكن يرد اليمين على خصمه وقال قد صوبه أحمد وقال ما هو ببعيد يحلف ويستحق فيقول الحاكم لخصمه لك رد اليمين على المدعي فإن ردها حلف المدعي وحكم له لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رد اليمين على صاحب الحق رواه الدارقطني وروي أن المقداد اقترض من عثمان مالا فقال عثمان هو سبعة آلاف وقال المقداد هو أربعة آلاف فقال المقداد لعثمان احلف أنه سبعة آلاف فقال له عمر انصفك فإن حلف حكم له * (مسألة) * (فإن نكل أيضاً صرفهما) إذا نكل المدعي سئل عن سبب نكوله لأنه لا يجب بنكوله لغيره حق بخلاف المدعى عليه فإن قال امتنعت لأن لي بينة أقيمها أو حساباً أنظر فيه فهو على حقه من اليمين ولا يضيق عليه في اليمين لأنه لا يتأخر بتركه إلا حقه بخلاف المدعى عليه وإن قال لا أريد أن أحلف فهونا كل فإن عاد أحدهما فبذل اليمين لم يسمعها في ذلك المجلس لأنه اسقط حقه منها حتى يحتكما في مجلس آخر فإذا استأنف الدعوى أعيد الحكم بينهما كالأول * (مسألة) * (وإن قال المدعي لي بينة بعد قوله مالي ببينة لم يسمع ذكره الخرقي) لأنه أكذب بينته لكونه أقر أنه لا يشهد له أحد فإن شهد له إنسان كان تكذيباً له ويحتمل أن يقبل لأنه يجوز أن ينسى ويكون الشاهدان سمعا منه وصاحب الحق لا يعلمه فلا يثبت ذلك أنه كذب نفسه
* (مسألة) * (وإن قال لا أعلم لي بينة ثم قال علمت لي بينة سمعت) لأنه يجوز أن تكون له بينة لم يعلمها ثم علمها
* (مسألة) * (وإن قال شاهدان نحن نشهد لك فقال هذان بينتي سمعت) قاله أبو الخطاب لما ذكرنا * (مسألة) * (وإن قال ما أريد أن تشهد الي لم يكلف إقامة البينة) لأنه أسقط حقه منها * (مسألة) * (وإن قال لي بينة وأريد يمينه فإن كانت غائبة فله إحلافه وإن كانت حاضرة فهل له ذلك؟ على وجهين)
إذا قال المدعي لي بينة غائبة قال الحاكم لك يمينه فإن شئت فاستحلفه وإن شئت أخرته إلى أن تحضر بينتك وليس لك مطالبته بكفيل ولا ملازمته حتى تحضر البينة نص عليه أحمد وهو مذهب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك " فإن أحلفه ثم حضرت بينته حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق لأن اليمين إنما يصار إليها عند عدم البينة فادا وجدت البينة بطلت اليمين وتبين كذبها، فإن قال لي بينة حاضرة وأريد يمينه ثم أقيم بينتي لم يملك ذلك في أحد الوجهين وفي الآخر له إحلافه وهو قول أبي يوسف كما لو كانت البينة غائبة ولنا قوله عليه الصلاة والسلام " شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك " وأو للتخيير بين شيئين فلا يكون الجمع بينهما لأنه أمكن فصل الخصومة بالبينة فلم يشرع غيرها معها مع إرادة المدعي إقامتها وحضورها كما لو يطلب يمينه ولأن اليمين بدل فلم يجب الجمع بينها وبين مبدلها كسائر الأبدال مع مبدلاتها وإن قال المدعي لا أريد إقامتها وإنما أريد يمينه اكتفي بها واستحلف لأن البينة حقه فإذا رضي بإسقاطها وترك إقامتها فله ذلك كنفس الحق فإن حلف المدعى عليه ثم أراد المدعي إقامة
بينة لم يملك ذلك في أحد الوجهين لأنه قد اسقط حقه من إقامتها ولأن تجويز إقامتها يفتح باب الحيلة لأنه يقول لا أريد إقامتها ليحلف خصمه ثم يقيمها (والثاني) له ذلك لأن البينة لا تبطل بالاستحلاف كما لو كانت غائبة فإن كان له شاهد واحد في المال عرفه الحاكم أن له أن يحلف مع شاهده ويستحق فإن قال لا أحلف أنا وأرضى بيمينه استحلف فإذا حلف سقط الحق عنه فإن عاد المدعي بعدها وقال أنا أحلف مع شاهدي لم يستحلف ولم يسمع منه ذكره القاضي وهو مذهب الشافعي لأن اليمين فعله وهو قادر عليها فأمكنه أن يسقطها بخلاف البينة وإن عاد قبل أن يحلف المدعي عليه فبذل اليمين لم يكن له ذلك في هذا المجلس وكل موضع قلنا يستحلف المدعى عليه فإن الحاكم يقول له أن حلفت وإلا جعلتك ناكلاً وقضيت عليك ثلاثاً فإن حلف وإلا حكم عليه بنكوله إذا سأله المدعي ذلك
* (مسألة) * (فإن سكت عن جواب المدعي فلم يقر ولم ينكر حبسه الحاكم حتى يجيب ولا يجعله بذلك ناكلا)
ذكره القاضي في المحرر وقال أبو الخطاب يقول له الحاكم إن أجبت وإلا جعلناك ناكلا وحكمت عليك ويكرر ذلك ثلاثا فإن أجاب وإلا جعله ناكلا وحكم عليه لأنه ناكل عما توجه الجواب فيه فيحكم عليه بالنكول عنه باليمين * (مسألة) * (وإن حلف المنكر ثم أحضر المدعي بينة حكم بها ولم تكن اليمين مزيلة للحق) وجملة ذلك أن المدعي إذا ذكر أن له بينة بعيدة ولا يمكنة إحضارها أو لا يريد إقامتها فطلب اليمين من المدعى عليه احلف له فإذا حلف ثم أحضر المدعي بينة حكم له وبهذا قال شريح والشعبي ومالك والثوري والليث والشافعي وابو حنيفة وأبو يوسف وإسحاق وحكي عن ابن أبي ليلى وداود
أن بينته لا تسمع لأن اليمين حجة المدعى عليه فلا تسمع بعدها حجة المدعي كما لا تسمع يمين المدعى عليه بعد بينة المدعي ولنا قول عمر رضي الله عنه البينة الصادقة أحب إلي من اليمين الفاجرة، وظاهر هذه البينة الصدق ويلزم من صدقها فجوز اليمين المتقدمة فتكون أولى ولأن كل حالة يجب عليه الحق فيها بإقراره يجب عليه بالبينة كما قبل اليمين وما ذكراه لا يصح لأن البينة الأصل واليمين بدل عنها ولهذا لا تشرع إلا عند تعذرها والبدل يبطل بالقدرة على المبدل كبطلان التيمم بالقدرة على الماء ولا يبطل الأصل بالقدرة على البدل ويدل على الفرق بينهما أنهما حال اجتماعهما وإمكان سماعهما تسمع البينة ويحكم بها ولا تسمع اليمين ولا يسأل عنها (فصل) فإن طلب المدعي حبس المدعى عليه واقامة كقيل به إلى إقامة ببيته البعيدة لم يقبل منه ولم تكن له ملازمة خصمه نص عليه أحمد لأنه لم يثبت له قبله حق يحبس به ولا يقيم به كفيلاً ولأن الحبس عذاب فلا يلزم معصوماً لم يتوجه عليه حق ولو جاز ذلك لتمكن كل ظالم من حبس من شاء من الناس بغير حق وإن كانت ببيته قريبة فله ملازمته حتى يحضرها لأن ذلك من ضرورة إقامتها فإنه لو لم يتمكن من ملازمته لذهب من مجلس الحاكم ولا تمكن إقامتها إلا بحضرته ولأنه لما تمكن من إحضاره مجلس الحكم حتى يقيم فيه البينة تمكن من ملازمته فيه حتى تحضر البينة ويفارق البينة البعيدة ومن لا يمكن حضورها فإن إلزامه الإقامة إلى حين حضورها يحتاج إلى حبس أو ما يقوم مقامه ولا سبيل إليه (فصل) ولو أقام المدعي شاهداً واحداً ولم يحلف معه وطلب يمين المدعي عليه احلف له ثم أن أحضر شاهداً آخر بعد ذلك كملت بينته وقضي بها لما ذكرنا في التي قبلها والله أعلم
- (مسألة) * (وإن قال لي مخرج مما ادعاه لم يكن مجيباً) لأن الجواب أحد أمرين إقرار أو إنكار وليس هذا واحداً منهما * (مسألة) * (وإن قال لي حساب أريد أن أنظر فيه لم يلزم المدعي إنظاره) لأن حق الجواب يثبت له حالا فلم يلزمه أنظاره كما لو ثبت عليه الدين وذكر شيخنا في كتاب الكافي أنه ينظر ثلاثا ولا يهمل أكثر منها لأنه كثير وهو الصحيح إن شاء الله تعالى لأنه يحتاج إلى ذلك لمعرفة قدر دينه أو يعلم أهل عليه شئ اولا والثلاث مدة يسيرة * (مسألة) * (وإن قال قضيته أو ابرأني ولي ببينة بالقضاء أو الإبراء وسأل الأنظار أنظر ثلاثا) لأنها قريبة وللمدعي ملازمته لئلا يهرب أو يتغيب ولا يؤخر الحق عن المدة التي انظر فيها فإن عجز عن إقامة البينة حلف المدعي على نفي ما ادعاه واستحق لأنه يصير منكراً واليمين على المنكر (فصل) فإن شهدت البينة للمدعي فقال المدعى عليه احلفوه أنه يستحق ما شهدت به البينة لم يحلف لأن في ذلك طعنا على البينة * (مسألة) * (وإن ادعى عليه عيناً في يده فاقربها لغيره جعل الخصم فيها وهل يحلف المدعى عليه على وجهين فإن كان المقر له حاضراً مكلفاً سئل فإن ادعاها لنفسه ولم تكن بينة وأخذها وإن أقر بها للمدعي سلمت إليه وإن قال ليست لي ولا أعلم لمن هي؟ سلمت إلى المدعي في أحد الوجهين في الآخر لا تسلم إليه إلا ببينة ويجعلها الحاكم عند أمين، وإن أقر بها لغائب أو صبي أو مجنون سقطت عنه الدعوى، ثم إن كان للمدعي بينة سلمت إليه وهل يحلف؟ على وجهين وإن لم تكن له بينة حلف المدعى عليه أنه لا يلزمه
تسليمها إليه وأقرت في يده إلا أن يقيم بينة أنها لمن سمى فلا يحلف وجملة ذلك أن الإنسان إذا ادعى داراً في يد غيره فقال الذي هي في يده ليست لي إنما هي لفلان وكان المقر بها له حاضراً سئل عن ذلك فإن صدقه صار الخصم فيها وكان صاحب اليد لأن من هي في يده اعترف أن يده بائنة عن يده وإقرار الإنسان بما في يده إقرار صحيح فيصير خصماً للمدعي فإن كانت للمدعي بينة حكم له بها، وإن لم تكن له بينة فالقول قول المدعى عليه مع يمينه، وإن قال المدعي احلفوا المقر الذي كانت العين في يده أنه لا يعلم أنها لي فعليه اليمين لأنه لو أقر بها لزم الغرم كما لو قال هذه العين لزيد ثم قال هي لعمرو فانها تدفع إلى زيد ويغرم قيمتها لعمرو ومن لزمه الغرم مع الإقرار لزمته اليمين مع الإنكار، وفيه وجه أنه لا يحلف لأنه أقام المقر له مقام نفسه فيقوم مقامه في اليمين وتجزئ اليمين عنهما فإن رد المقر له الإقرار فقال ليست لي وإنما هي للمدعي حكم له بها، وإن لم تكن له بينة ففيه وجهان (أحدهما) تدفع إلى المدعي لأنه يدعيها ولا منازع له فيها ولأن من هي في يده لو ادعاها ثم نكل قضينا له بها فمع عدم ادعائه لها أولى (والثاني) لا تدفع اليه لأنه لم يثبت لها مستحق لأن المدعي لا يد له ولا بينة وصاحب اليد معترف أنها ليست له فيأخذها الإمام فيحفظها لصاحبها وهذا الوجه الذي ذكره القاضي والأول أصح لما ذكرنا من دليله ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين ووجه ثالث أن المدعي يحلف أنها له وتسلم إليه ويتخرج لنا مثله
بناء على القول برد اليمين إذا نكل المدعى عليه وإن قال المقر له هي لثالث انتقلت الخصومة اليه وصار بمنزلة صاحب اليد لأنه أقر له بها من له اليد حكما * (مسألة) * (وإن أقر بها الغائب أو لغير مكلف معين كالصبي والمجنون صارت الدعوى عليه فإن لم تكن للمدعي بينة لم يقض له بها) لأن الحاضر يعترف أنها ليست له، ولا يقضى على الغائب بمجرد الدعوى ويقف الأمر حتى يقدم الغائب ويصير غير المكلف مكلفاً وتكون الخصومة معه، فإن قال المدعي احلفو الى المدعى عليه أحلفناه لما تقدم، وإن أقر بها للمدعي لم تسلم اليه لأنه اعترف أنها لغيره ويلزمه أن يغرم له قيمتها لأنه فوتها عليه بإقراره بها لغيره، وإن كان مع المدعي بينة سمعها الحاكم وقضى بها وكان الغائب على خصومته متى خطر له أن يقدح في بينة المدعي وإن يقيم بينة تشهد بانتقال الملك اليه من المدعي، وإن أقام بينة أنها ملكه فهل يقضي به؟ على وجهين بناء على تقديم بينة الداخل والخارج فإن قلنا تقدم بينة الخارج فأقام الغائب بينة تشهد له بالملك والنتاج أو لسبب من أسباب الملك فهل تسمع بينته ويقضي بها؟ على وجهين فإن كان مع المقر بينة تشهد بها للغائب سمعها الحاكم ولم يقض بها لأن البينة للغائب والغائب لم يدعها هو ولا وكيله وإنما سمعها الحاكم لما فيها من الفائدة وهو زوال التهمة عن الحاضر وسقوط اليمين عنه إذا ادعى عليه أنك تعلم أنها لي ويتخرج أن يقضى بها إذا قلنا بتقديم بينة الداخل وان للمودع المحاكمة في الوديعة اذا غصبت لانها بينة مسموعة فيقضى بها كبينة المدعي اذا لم تعارضها بينة أخرى فإن ادعى من هي في يده أنها معه بإجارة أو عارية وأقام بينة بالملك للغائب لم يقض بها لوجهين (أحدهما) أن ثبوت الإجارة والعارية يترتب على ثبوت الملك للمؤجر ولا يمكن ثبوت الملك
للمؤجر بهذه البينة فلا تثبت الإجارة المترتبة عليها (والثاني) أن بينة الخارج مرتبة على بينة الداخل ويتخرج القضاء بها على تقديم بينة الداخل وكون الحاضر له فيها حق ومتى عاد المقر بها لغيره فأعادها لنفسه لم تسمع دعواه لأنه أقر بأنه لا يملكها فلا يسمع منه الرجوع عن إقراره والحكم في غير المكلف كالحكم في الغائب على ما ذكرناه.
* (مسألة) * (وإن أقر بها لمجهول قيل له إما إن تعرفه وإما أن نجعلك ناكلا وقضينا عليك فإن أصر قضي عليه بالنكول) .
لأنه لا تمكن الدعوى على مجهول فيضيع الحق بإقراره هذا فيجب ان لا يقبل كما لو يسكت.
- (فصل) * قال رحمه الله (ولا تصح الدعوى إلا محررة تحريراً يعلم به المدعي إلا في الوصية والإقرار فإنه يصح بالمجهول) أما في غير ذلك فلا يصح لأن الحاكم يسأل المدعى عليه عما ادعاه المدعي فإن اعترف به لزمه ولا يمكن أن يلزمه مجهولا ويفارق الاقرار فإن الحق عليه فلا يسقط بتركه اثباته وإنما صحت الدعوى في الوصية مجهولة فإنها تصح مجهولة فإنه لو وصى له بشئ أو سهم صح فلا يمكنه أن يدعيها إلا مجهولة
كما يثبت وكذلك الاقرار لما صح أن يقر بمجهول صح لخصمه ان يدعى عليه أنه أقر له بمجهول.
إذا ثبت هذا فإن كان المدعى أثمانا فلابد من ذكر ثلاثة أشياء الجنس والنوع والقدر فيقول عشرة دنانير مصرية وإن اختلفت بالصحاح والمكسرة. - (مسألة) * (فإن كان المدعى عيناً حاضرة عينها بالإشارة لأنها تعلم بذلك وإن كانت غائبة ذكر صفاتها إن كانت تنضبط بها وإلا ذكر قيمتها) لإنها لا تتميز ولا تصير معلومة إلا بذلك فإن تعذر ذلك رجعنا إلى القيمة كما لو تلفت العين.
* (مسألة) * (وإن كانت تالفة من ذوات الأمثال ذكر قدرها وجنسها وصفتها) .
لأن المثل واجب في ذوات الأمثال فوجبت فيه هذه الصفات لأنه لا يتحقق المثل بدونها وإن ذكر قيمتها كان أولى لأنه أحصر، وإن كان مما لا مثل له كالنبات والحيوان ذكر قيمته لأنها تجب بتلفه وكذلك إن كان جوهراً تعين ذكر قيمته لأنها تجب بتلفه لأنها لا تنضبط إلا بذلك فإن كان المدعى دارا فلابد من بيان موضعها وحدودها فيدعي إن هذا بحدودها وحقوقها لي وأنها في يده ظلماً وأنا أطالبه بردها وإن ادعى عليه أن هذه الدار لي وأنه يمنعني منها صحت الدعوى وإن لم يقل أنها في يده لأنه يجوز أن ينازعه ويمنعه وإن لم تكن في يده وإن ادعى جراحة فيها أرش معلومة كالموضحة من الحر لم يحتج إلى ذكر أرشها لأنه معلوم وان كانت من عبد أو كانت من حر لا مقدر فيها فلابد من ذكر أرشها وإن ادعى على ابيه ديناً لم تسمع الدعوى حتى يدعي أن أباه مات وترك في يده مالا لأن الولد لا يلزمه قضاء دين والده ما لم يكن كذلك ويحتاج أن يذكر تركة أبيه ويحررها ويذكر قدرها كما يصنع في قدر الدين هكذا ذكره القاضي، قال شيخنا والصحيح أنه يحتاج إلى ذكر ثلاثة أشياء قدر دينه وموت أبيه وأنه وصل إليه من تركة أبيه ما فيه وفاء لدينه إن قال ما فيه وفاء لبعض دينه احتاج أن يذكر ذلك القدر والقول قول المدعي عليه في نفي تركة الأب مع يمينه وكذلك أن أنكر موت أبيه ويكفيه أن يحلف على نفي العلم لأنه على نفي فعل الغير وقد يموت ولا يعلم به ابنه، ويكفيه أن يحلف أنه ما وصل إليه من تركة أبيه شئ ولا يلزمه أن يحلف أن أباه لم يخلف شيئاً لأنه قد يخلف تركة لا تصل إليه فلا يلزمه الايفاء منه.
- (مسألة) * (وإن ادعى نكاحا فلابد من ذكر المرأة بعينها إن حضرت وإلا ذكر اسمها ونسبها وذكر شروط النكاح وأنه تزوجها بولي مرشد وشاهدي عدل ورضاها في الصحيح من المذهب إن كانت ممن يعتبر رضاها) .
وهذا منصوص الشافعي وقال أبو حنيفة ومالك لا يحتاج إلى ذكر شرائطه لأنه نوع ملك فأشبه ملك العبد إلا أنه لا يحتاج أن يقول وليست معتدة ولا مرتدة.
ولنا أن الناس اختلفوا في شرائط النكاح فمنهم من يشترط الولي والشهود ومنهم من لا يشترط إذن البكر البالغ لأبيها في تزويجها ومنهم من يشترطه وقد يدعي نكاحاً يعتقده صحيحاً والحاكم لا يرى صحته ولا ينبغي أن يحكم بصحته مع جهله بها ولا يعلمها ما لم يذكر الشروط وتقوم البينة بها ويفارق المال فإن أسبابه لا تنحصر وقد يخفى على المدعي سبب ثبوت حقه والعقود تكثر شروطها ولذلك اشترطنا لصحة البيع شروطاً سبعة فربما لا يحسن المدعي عددها ولا يعرفها والأموال مما يتساهل فيها ولذلك افترقا في اشتراط الولي والشهود في عقوده فافترقا في الدعوى وأما الردة والعدة فالأصل عدمهما ولا يختلف الناس فيه ولا تخ؟ لف به الأغراض فإن كانت المرأة أمة والزوج حراً فقياس ما ذكرناه أنه يحتاج إلى عدم الطول وخوف العنت لأنهما من شرائط صحة نكاحهما فأما ان ادعى استدامة الزوجية ولم يدع العقد لم يحتج إلى ذكر شروطه في أحد الوجهين لأنه يثبت بالإستفاضة ولو اشترط ذكر الشروط لاشترطت الشهادة به ولا يلزم ذلك في شهادة الاستفاضة وفي الثاني يحتاج إلى ذكر الشروط لأنه دعوى نكاح أشبه دعوى العقد.
* (مسألة) * (وإذا ادعى بيعاً أو عقداً سواه فهل يشترط ذكر شروطه؟ يحتمل وجهين)
أما سائر العقود من البيع والإجارة والصلح وغيرها فلا يفتقر إلى الكشف وذكر الشروط في أصح الوجهين لأنه لا يحتاط لها ولا يفتقر إلى الولي والشهود فلم يفتقر إلى الكشف كدعوى العين وسواء كان المبيع حارية أو غيرها لأنها مبيع فأشبهت العبد وكذلك إذا كان المدعى عبداً أو ديناً لم يحتج إلى ذكر السبب لأن أسباب ذلك تكثر ولا تنحصر وربما خفي على المستحق سبب استحقاقه فلا يكلف بيانه ويكفيه أن يقول استحق هذه العين التي في يده وأستحق كذا وكذا في ذمته ويقول في البيع إني اشتريت هذه الجارية بألف درهم أو بعتها منه بذلك ولا يحتاج أن يقول وهي ملكه أو وهي ملكي ونحن جائز الأمر وتفرقنا عن تراض، وذكر أبو الخطاب في العقود وجهاً آخر أنه يشترط ذكر شروطها قياساً على النكاح وذكر أصحاب الشافعي هذين الوجهين ووجهاً ثالثاً إن كان المبيع جارية اشترط ذكر شروط البيع لأنه عقد يستباح به الوطئ أشبه النكاح، وإن كان المبيع غيرهما لم يشترط لعدم ذلك والأول أولى لأنها دعوى فيما لا يشترط فيه الولي والشهود أشبه دعوى العين وما لزم ذكره في الدعوى فلم يذكر سأله الحاكم عنه لتصير الدعوى معلومة فيمكن الحاكم الحكم بها.
- (مسألة) * (وإن ادعت المرأة نكاحاً على رجل وادعت معها نفقة أو مهراً سمعت دعواها وإن لم تدع سوى النكاح فهل تسمع دعواها؟ على وجهين) إذا ذكرت المرأة مع دعوى الزوجية حقاً من حقوق النكاح كالمهر والنفقة ونحوها فإن دعواها تسمع بغير خلاف نعلمه لأنها تدعي حقا لها تضيفه إلى سببه فتسمع دعواها كما لو ادعت اضافته إلى الشراء
وإن افردت دعوى النكاح فقال القاضي تسمع دعواها أيضاً لأنه سبب لحقوق لها فتسمع دعواها كالبيع وقال أبو الخطاب فيه وجه آخر أنه لا تسمع دعواها لأن النكاح حق للزوج عليها فلا تسمع دعواها حقاً لغيرها وإن قلنا بالأول سئل الزوج فإن أنكر ولم تكن بينة فالقول قوله بغير يمين لأنه إذا لم تستحلف المرأة والحق عليها فلألا لا يستحلف من الحق له وهو ينكره أولى ويحتمل أن يستحلف لأن دعواها إنما سمعت لتضمنها دعوى حقوق مالية تشرع فيها اليمين وإن أقامت البينة بالنكاح ثبت لها ما تضمنه النكاح من حقوقها وأما إباحتها فتبنى على باطن الأمر فإن علم أنها امرأته حلت له لأن إنكاره النكاح ليس بطلاق ولا نوى به الطلاق وإن علم أنها ليست امرأته إما العدم العقد أو لبينونتها لم تحل له وهل يمكن منها في الظاهر؟ يحتمل وجهين (احدهما) يمكن منها لأن الحاكم قد حكم بالزوجية (والثاني) لا يمكن منها لإقراره على نفسه بتحريمها عليه فيقبل قوله في حق نفسه دون ما عليه كما لو تزوج امرأة ثم قال هي أختي من الرضاعة فإذا ثبت هذا فإن دعواها النكاح كدعوى الزوج فيما ذكرناه من الكشف عن سبب النكاح وشرائط العقد ومذهب الشافعي قريب مما ذكرنا في هذا الفصل