والاوزاعي والشافعي وأبو عبيد وابن المنذر ولا نعلم فيه خلافا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من نذر أن يطيع الله فليطعه - وقال - لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " ولا يجزئه المشي إلا في حج أو عمرة وبه يقول الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً وذلك لأن المشي إليه في الشرع هو المشي في حج أو عمرة فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي ويلزمه المشي لنذره أياه فإن عجز عن المشي ركب وعليه كفارة يمين وعن أحمد رواية أخرى أنه يلزمه دم وهو قول الشافعي وبه قال عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم إن تركب وتهدي هدياً رواه أبو داود وفيه ضعف لأنه أخل بواجب في الإحرام فلزمه هدي كتارك الاحرام من المقيات وعن ابن عمر وابن الزبير قالا يحج من قابل ويركب ما مشى ويمشي ما ركب ونحوه قال ابن عباس وزاد ويهدي وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة وعن النخعي روايتان (إحداهما) كقول ابن عمر (والثانية) كقول ابن عباس وهذا قول مالك وقال أبو حنيفة يلزمه هدي سواء عجز عن المشي أو قدر عليه وأقل الهدي شاة وقال الشافعي لا تلزمه مع العجز كفارة بحال إلا أن يكون النذر إلى بيت الله فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان وأما غيره فلا يلزم مع العجز شئ ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأخت عقبة بن عامر لما نذرت المشي إلى بيت الله " لتمش ولتركب
ولتكفر يمينها " وقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفارة النذر كفارة اليمين " ولأن المشي مما لا يوجبه الاحرام فلم يجب الدم يتركه كما لو نذرت صلاة ركعتين فتركتهما وحديث الهدي ضعيف وهذا حجة على الشافعي حيث أوجب الكفارة عليها من غير ذكر العجز فإن قيل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب عليه الكفارة من غير ذكر العجز قلنا يتعين حمله على حالة العجز لأن المشي قربة لكونه مشيا إلى عبادة والمشي إلى العبادة أفضل ولهذا روي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يركب في عيد ولا جنازة فلو كانت قادرة على المشي لأمرها به ولم يأمرها بالتكفير ولأن المشي المقدور عليه لا يخلو من أن يكون واجباً أو مباحاً فإن كان واجباً لزم الوفاء به وإن كان مباحاً لم تجب الكفارة بتركه عند الشافعي وقد أوجب الكفارة ههنا وترك ذكره في الحديث إما لعلم النبي صلى الله عليه وسلم بحالها وعجزها وإما لأن الظاهر من حال المرأة العجز عن المشي إلى مكة أو يكون قد ذكر في الخبر فترك الراوي ذكره وقول أصحاب أبي حنيفة أنه أخل بواجب في الحج قلما المشي لم يوجبه الإحرام ولا هو من مناسكه فلم يجب بتركه هدي كما لو نذر صلاة ركعتين في الحج فلم يصلهما فأما أن ترك المشي مع إمكانه فقد أساء وعليه كفارة لتركه صفة النذر وقياس المذهب أن يلزمه استئناف الحج ماشياً لتركه صفة المنذور كما لو نذر صوماً متتابعاً فأتى به متفرقاً، فإن عجز عن المشي بعد الحج كفر واجزأه وإن مشى بعض الطريق وركب بعضاً فعلى هذا القياس يحتمل أن يكون كقول
ابن عمر وهو أن يحج فيمشي ما ركب ويركب ما مشى ويحتمل أن لا يجزئه إلا حج يمشي في جميعه لأن ظاهر النذر يقتضي هذا ووجه القول الأول وهو ألا يلزمه بترك المشي المقدور عليه أكثر من كفارة أن المشي ليس بمقصود في الحج ولا ورد الشرع باعتباره في موضع فلم يلزمه بتركه أكثر من كفارة كما لو نذر النحفي وشبهه وفارق التتابع في الصيام فإنه صفة مقصودة فيه اعتبرها الشرع في صيام كفارتي الظهار والقتل * (مسألة) * (فإن نذر الركوب فمشى فعلى الروايتين) إذا نذر الحج راكباً لزمه الحج كذلك لأن فيه انفاقاً في الحج فإن ترك الركوع فعليه كفارة وقال أصحاب الشافعي يلزمه دم لترفهه بترك الإنفاق وعن أحمد مثل ذلك وقد بينا أن الواجب بترك النذر الكفارة دون الهدي إلا أن هذا إذا مشى ولم يركب مع إمكانه لم يلزمه أكثر من كفارة لأن الركوب في نفسه ليس بطاعة ولا قربة، وكل موضع نذر المشي فيه أو الركوب فإنه يلزمه الإتيان بذلك من ديرة أهله إلا أن ينوي موضعاً بعينه فيلزمه من ذلك الموضع لأن النذر محمول على اصله في الفرض، والحج المفروض يجب كذلك ويحرم للمنذور من حيث يحرم للواجب وقال بعض الشافعية يجب الإحرام من دويرة أهله لأن إتمام الحج كذلك ولنا أن المطلق محمول على المعهود في الشرع، والإحرام الواجب إنما هو من الميقات ويلزمه
المنذور من المشي أو الركوب في الحج والعمرة إلى أن يتحلل لأن ذلك انقضاء الحج والعمرة.
قال أحمد يركب في الحج إذا رمى وفي العمرة إذا سعى لانه لو وطئ بعد ذلك لم يفسد حجة ولا عمرته، وهذا يدل على أنه إنما يلزمه في الحج التحلل الأول (فصل) وإذا نذر المشي إلى البيت الحرام أو بقعة منه كالصفا والمروة وأبي قبيس، أو موضع من الحرم لزمه حج أو عمرة نص عليه أحمد وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة لا يلزمه إلا أن ينذر المشي إلى الكعبة أو إلى مكة، وقال أبو يوسف ومحمد إن نذر المشي إلى الحرم أو المسجد الحرام كقولنا وفي باقي الصور كقول أبي حنيفة ولنا أنه نذر المشي إلى موضع من الحرم أشبه النذر إلى مكة فأما إن نذر المشي إلى غير الحرم
كعرفة ومواقيت الإحرام وغير ذلك لم يلزمه ذلك ويكون كنذر المباح وكذلك إن نذر اتيان مسجد سوى المساجد الثلاثة لم يلزمه اتيانه، وإن نذر الصلاة فيه لزمه الصلاة دون المشي ففي أي موضع صلى أجزأه لأن الصلاة لا تختص مكانا دون مكان فلزمته الصلاة دون الموضع ولا نعلم في هذا خلافاً إلا عن الليث فإنه قال لو نذر صلاة أو صياما بموضع لزمه فعله في ذلك الموضع ومن نذر المشي إلى مسجد مشى إليه قال الطحاوي ولم يوافقه على ذلك أحد من الفقهاء لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى " متفق عليه ولو لزمه المشي إلى مسجد بعيد لشد الرحل إليه وقد ذكرناه في الاعتكاف
(فصل) فإن نذر المشي إلى بيت الله ولم ينو شيئاً ولم يعينه انصرف إلى بيت الله الحرام لأنه المخصوص بالقصد دون غيره، وإطلاق بيت الله ينصرف إليه دون غيره في العرف فينصرف إليه في النذر (فصل) إذا نذر المشي إلى بيت الله والركوب إليه ولم يرد بذلك حقيقة المشي إنما أراد اتيانه لزمه اتيانه في حج أو عمرة وعن أبي حنيفة لا يلزمه شئ لأن مجرد اتيانه ليس بقربة ولا طاعة ولنا أنه علق نذره بوصول البيت فلزمه كما لو قال لله علي المشي إلى الكعبة إذا ثبت هذا فإنه مخير في المشي والركوب، وكذلك إذا نذر أن يحج البيت أو يزوره لأن الحج يحصل بكل واحد من الأمرين فلم يتبين أحدهما وإن قال لله علي إن آتي البيت الحرام غير حاج ولا معتمر لزمه الحج أو العمرة وسقط شرطه وهذا أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأن قوله لله علي إن آتي البيت يقتضي حجا أو عمرة وشرط سقوط ذلك يخالف نذره فسقط حكمه.
(فصل) إذا نذر المشي إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم أو المسجد الأقصى لزمه ذلك وبهذا قال مالك والاوزاعي وابو عبيد وابن المنذر وهو أحد قولي الشافعي وقال في الآخر لا يتبين لي وجوب المشي اليهما لأن البر بإتيان بيت الله فرض والبر بإتيان هذين نفل ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا
والمسجد الأقصى " ولأنه أحد المساجد الثلاثة فيلزم النذر بالمشي إليه كالمسجد الحرام ولا يلزم ما ذكروه فإن كان قربة تجب بالنذر، وإن لم يكن لها أصل في الوجوب كعيادة المرضى وشهود الجنائز ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه ركعتين لأن القصد بالنذر القربة والطاعة وإنما يحصل ذلك بالصلاة فتضمن ذلك نذره كما يلزم ناذر المشي إلى بيت الله الحرام أحد النسكين ونذر الصلاة في أحد المسجدين كنذر المشي إليه كما أن نذر أحد النسكين في المسجد الحرام كنذر المشي وقال أبو حنيفة لا تتعين عليه الصلاة في موضع بالنذر سواء كان في المسجد الحرام أو غيره لأن مالا أصل له في الشرع لا يجب بالنذر بدليل نذر الصلاة في سائر المساجد ولنا ما روى أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله إني نذرت إن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال " أوف بنذرك " متفق عليه، روى عنه عليه الصلاة والسلام " صلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة " وإن كانت فضيلة وقربة لزمت بالنذر كما لو نذر طول القراءة وما ذكروه ويبطل بالعمرة فإنها تلزم بالنذر وهي غير واجبة عندهم (فصل) إذا نظر الصلاة في المسجد الحرام لم تجز الصلاة في غيره لأنه أفضل المساجد واكثرها ثوابا للمصلي فيها وإن نذر الصلاة في المسجد الأقصى اجزأته الصلاة في المسجد الحرام لما روى جابر أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك أن أصلي في بيت المقدس
ركعتين قال " صل ههنا " ثم اعاد عليه قال " صل ههنا " ثم اعاد عليه قال " صل ههنا " ثم اعاد عليه قال " شأنك " رواه الإمام أحمد ولفظه " والذي نفسي بيده لو صليت ههنا لأجزأ عنك كل صلاة في بيت المقدس " وقد سبق هذا في باب الاعتكاف (فصل) وإن أفسد الحج المنذور ماشياً وجب القضاء مشياً لأن القضاء يكون على صفة الأداء وكذلك إن فاته الحج لكن إن فاته الحج سقط توابع الوقوف من المبيت بمزدلفة ومنى والرمي وتحلل للعمرة ويمضي في الحج الفاسد ماشياً حتى يحل منه * (مسألة) * (فإن نذر رقبة فهي التي تجزئ عن الواجب إلا أن ينوي رقبة بعينها) إذا نذر رقبة فهي التي تجزئ في الكفارة وهي المؤمنة السليمة من العيوب المضرة بالعمل على ما ذكرنا في بابا الظهار لأن النذر المطلق تحمل على المعهود في الشعر والواجب بأصل الشرع كذلك وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي (والثاني) تجزئه أي رقبة كانت صحيحة أو معيبة مسلمة أو كافرة لأن الاسم يتناول جميع ذلك ولأن المطلق يحمل على معهود الشرع وهو الواجب في الكفارة وما ذكروه يبطل بنذر المشي إلى بيت الله الحرام فإنه لا يحمل على ما تناوله الاسم فأما إن نوى رقبة بعينها أجزأة عتقها أي رقبة كانت لأنه نوى بلفظه ما يحتمله، وأن نوى ما يقع عليه الاسم الرقبة أجزأه ما نواه لما ذكرنا فإن المطلق يتقيد
بالنية كما يتقيد بالقرينة اللفظية، وقال أحمد فيمن نذر رقبة معينة فمات قبل أن يعتقها تلزمه كفارة يمين ولا يلزمه عتق عبد لأن هذا شئ فاته على حديث عقبة بن عامر وإليه ذهب في الفائت وما عجز عنه (فصل) ومن نذر حجاً أو صياما أو صدقة أو عتقاً أو إعتكافاً أو صلاة أو غيرها من الطاعات ومات قبل فعله فعله الولي عنه وعن أحمد في الصلاة لا يصلى عن الميت لأنها لا بدل لها بحال وأما سائر الاعمال فيجوز أن ينوب الولي عنه فيها وليس بواجب عليه لكن يستحب له ذلك على سبيل الصلة له والمعروف وافتى بذلك ابن عباس في امرأة نذرت أن تمشي إلى قباء فماتت ولم تقضه أن تمشي ابنتها عنها، وروى سعيد عن سفيان عن عبد الكريم بن ابي أمية أنه سأل ابن عباس عن نذر كان على أمه من اعتكاف قال صم عنها واعتكف عنها وقال ثنا أبو الاحوص عن إبراهيم بن مهاجر عن عامر ابن شعيب أن عائشة اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن بعدما مات وقال مالك لا يمشي أحد عن أحد ولا يصوم عنه ولا يصلي وكذلك سائر أعمال البدن قياساً على الصلاة، وقال الشافعي يقضي عنه الحج ولا يقضي الصلاة قولا واحداً ولا يقضي الصوم في أحد الوجهين ويطعم عنه في كل يوم مسكين لأن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مات وعليه صيام شهر فليطعم عنه عن كل يوم مسكين " أخرجه ابن ماجة
وقال أهل الظاهر يجب القضاء على وليه بظاهر الاخبار الواردة فيه وجمهور أهل العلم على أن القضا ليس بواجب على الولي إلا أن يكون حقاً في المال ويكون للميت تركة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم في هذا محمول على الندب والاستحباب بدليل قرائن في الخبر منها أن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقضاء الدين عن الميت لا يجب على الوارث ما لم يخف تركة يقضي منها، ومنها أن السائل سأل النبي صلى الله عليه وسلم هل يفعل ذلك أولا؟ وجوابه يختلف بإختلاف مقتضى سؤاله فإن كان مقتضاه السؤال عن الاباحة فالامر في جوابه يقتضي الاباحة وان كان السؤال عن الاجزاء فأمره يقتضي الاجزاء كقولهم أنصلي في مرابض الغنم؟ قال " صلوا في مرابض الغنم " وان كان السؤال عن الوجوب فأمره يقتضي الوجوب كقولهم انتوضأ من لحوم الابل؟ قال " نعم توضئوا منها " وسؤال السائل في مسئلتنا كان عن الاجزاء فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالفعل يقتضيه لا غير ولنا على جواز الصيام عن الميت ما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من مات
وعليه صيام صام عنه وليه " وعن ابن عباس قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ قال " لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها؟ " قال نعم قال " فدين الله أحق أن يقضى " وفي رواية قال جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم أفأصوم عنها؟ قال " أرأيت لو كان على أمك دين فقضيته أكان يؤدي ذلك عنها؟ " قالت نعم قال " فصومي عن أمك " متفق عليهن وعن ابن عباس أن سعد بن عبادة استفتى النبي صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه فأفتاه إن يقضيه فكانت سنة بعد وعنه أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أمي نذرت أن تحج وإنها ماتت فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ "
قال نعم قال " فاقض الله فهو أحق بالقضاء " رواه البخاري وهذا صريح في الصوم والحج ومطللق في النذر وما عدا المذكور في الحديث فمقاس عليه وحديث ابن عمر في الواجب بأصل الشرع ويتعين حمله عليه جميعا بين الحديثين ولو قدر التعارض لكانت أحاديثنا أصح وأكثر وأولى بالتقديم.
إذا ثبت
هذا فإن الأولى أن يقضي النذر عنه وارثه وإن قضاه غيره أجزأ عنه كما لو قضى عنه دينه فإن النبي صلى الله عليه وسلم شبهه بالدين وقاسه عليه ولأن ما يقضيه الوارث إنما هو تبرع منه وغيره مثله في التبرع وإن كان النذر في مال تعلق بتركته * (مسألة) * (وإن نذر أن يطوف على أربع طاف طوافين) نص عليه قال ذلك ابن عباس لما روى معاوية ابن خديج الكندي أنه قدم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم
ومعه أمه كبشة بنت معدي كرب عمة الأشعث بن قيس فقالت يا رسول الله إني آليت أن أطوف بالبيت حبواً فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم " طوفي على رجليك سبعين سبعا عن يديك وسبعا عن رجليك " أخرجه الدارقطني بإسناده وقال ابن عباس في إمرأة نذرت أن تطوف بالبيت على أربع قال تطوف عن يديها سبعاً وعن رجلها سبعا رواه سعيد والقياس إن يلزمه طواف واحد على رجليه ولا يلزمه على يديه لأنه غير مشروع فسقط كما أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج غير مختمرة فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم
أن تحج وتختمر وروى عكرمة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في سفر فحانت منه نظرة فإذا امرأة ناشرة شعرها قال " فمروها فلتختمر " ومر برجلين مقرونين فقال " أطلقا قرانكا وقد ذكرنا حديث أبي اسرائل الذي نذر أن يصوم ويفعل أشياء فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصوم وحده ونهاه عن سائر نذوره وهل تلزمه كفارة؟ يخرج فيه وجهان بناء على ما تقدم وقياس المذهب لزوم الكفارة لا خلاله بصفة نذره وإن كان غير مشروع كما لو كان أصل النذر غير مشروع وأما وجه الأول فإن من نذر الطواف على أربع فقد نذر الطواف على يديه ورجليه فأقيم الطواف الثاني مقام طوافه على يديه
كتاب القضاء الأصل في القضاء ومشروعيته الكتاب والسنة والإجماع أما الكتاب فقول الله تعالى (وإن احكم بينهم بما أنزل الله) وقوله (وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) وقال تعالى (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم خرجا مما قضيت) وأما السنة فروى عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر " متفق عليه في آي وأخبار سوى ذلك كثيرة وأجمع المسلمون على مشروعية نصب القضاء والحكم بين الناس * (مسألة) * (وهو فرض كفاية) لأن أمر الناس لا يستقيم بدونه فكان واجباً عليهم كالجهاد والأمامة قال أحمد رحمه الله لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟ وفيه فضل عظيم لمن قوي على القيام به وأداء الحق فيه ولذلك جعل الله فيه اجرا على الخطأ واسقط عنه حكمه ولأن فيه أمرا بالمعروف ونصرة للمظلوم وأداء الحق إلى مستحقه ورد الظالم عن ظلمه واصلاحاً بين الناس وتخليصا لبعضهم من بعض وذلك من أبواب القرب ولذلك تولاه النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء قبله فكانوا يحكمون لأممهم وبعث عليا إلى اليمن قاضيا وبعث معاذاً قاضيا، وعن عقبة بن عامر قال جاء خصمان يختصمان إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم فقال " اقض بينهما " قلت أنت أولى بذلك قال " وإن كان " قلت علام أقضي؟ قال " اقض فان صبت فلك عشرة أجور وإن أخطأت فلك أجر واحد " رواه سعيد في سننه، وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكعب بن سور قضاء البصرة (فصل) وفيه خطر عظيم ووزر كبير لمن لم يؤد الحق فيه ولذلك كان السلف يمتنعون منه أشد الامتناع ويخشون على أنفسهم خطره قال خاقان بن عبد الله أريد أبو قلابة على قضاء البصرة فهرب إلى اليمامة فأريد على قضائها فهرب إلى الشام فأريد على قضائها وقيل ليس هناك غيرك قال فأنزلوا الأمر على ما قلتم فإن مثلي مثل سابح وقع في البحر فسبح يومه فانطلق ثم سبح اليوم الثاني فمضى أيضاً فلما كان اليوم الثالث فترت يداه، وكان يقال أعلم الناس بالقضاء أشدهم له كراهة ولعظم خطره قال النبي صلى الله عليه وسلم " من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين " قال الترمذي هذا حديث حسن قيل في هذا الحديث إنه لم يخرج مخرج الذم للقضاء وإنما وصفه بالمشقة فكأن من وليه قد حمل على مشقة كمشقة الذبح
* (مسألة) * (فيجب على الإمام أن ينصب في كل إقليم قاضيا ويختار لذلك أفضل من يجد وأورعهم)
لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث علياً قاضيا إلى اليمن وبعث معاذا قاضيا أيضا وقال " بم تحكم؟ " قال بكتاب الله قال " فإن لم تجد؟ " قال بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " فإن لم تجد؟ " قال اجتهد رأيي قال " الحمد
لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم " وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكتب إلى أبي عبيدة ومعاذ يأمرهما بتولية القضاء في الشام ولأن أهل كل بلد يتحاجون إلى القاضي ولا يمكنهم المصير إلى الإمام ومن أمكنه ذلك شق عليه فوجب اغناؤهم عنه
* (مسألة) * (ويختار لذلك أفضل من يجد وأورعهم ويأمر بتقوى الله تعالى وإيثار طاعته في سره وتحري العدل والاجتهاد في إقامة الحق) إذا أراد الإمام تولية قاض فإن كان له خبرة بالناس ويعرف من يصلح للقضاء ولاه وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس واسترشدهم عنما يصلح وإن ذكر له رجل لا يعرف احضره وسأله فإن عرف عدالته وإلا بحث عن عدالته فإذا عرفها ولاه قال علي رضي الله عنه لا ينبغي للقاضي أن يكون قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الرأي، ويكتب له الإمام عهداً يأمره فيه بتقوى الله والتثبت في القضاء ومشاورة أهل العلم وتصفح حال الشهود وتأمل الشهادات وتعاهد اليتامى وحفظ أموالهم وأموال الوقوف وغير ذلك مما يحتاج إلى مراعاته وإن يستخلف في كل صقع أصلح من يقدر عليه ليكون قيما بما يتولاه * (مسألة *) (وهل يجب على من يصلح له إذا طلب ولم يوجد غيره الدخول فيه وعنه أنه سئل هلى يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره ممن يوثق به؟ قال لا يأثم وهذا يدل على أنه ليس بواجب) الناس في القضاء على ثلاثة أضرب (منهم) من لا يجوز له الدخول فيه وهو من لا يحسنه ولم
تجتمع فيه شروطه فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " القضاة ثلاثة " ذكر منهم رجالا قضى بين الناس بجهل فهو في النار ولأن من لا يحسنه لا يقدر على العدل فيه فيأخذ الحق من مستحقه ويدفعه إلى غيره (ومنهم) من يجوز له ولا يجب عليه وهو من كان من أهل العدالة والاجتهاد ويوجد غيره مثله فله أن يلي القضاء بحكم حاله وصلاحيته ولا يجب عليه لأنه لم يتعين له فظاهر كلام أحمد أنه لا يستحب له الدخول فيه لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوقي وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه وقال أبو عبد الله ابن حامد أن كان رجلا خاملا يرجع إليه في الأحكام فالأولى له توليه ليرجع إليه في الأحكام ويقوم به الحق وينتفع به المسلمون، وإن كان مشهوراً في الناس بالعلم يرجع إليه في تعليم العلم والفتوى فالأولى الاشتغال بذلك لما فيه من النفع مع الأمن من الغرر هذا قول أصحاب الشافعي وقالوا أيضاً إذا كان ذا حاجة وله في القضاء رزق فالأولى له الاشتغال به فيكون أولى من سائر المكاسب لأنه قربة وطاعة (والثالث) من يجب عليه وهو من يصلح للقضاء ولا يوجد سواه فهذا يتعين عليه لأنه فرض كفاية لا يقدر على القيام به غيره فيتعين عليه كغسل الميت وتكفينه وقد نقل عن أحمد ما يدل على أنه لا يتعين عليه فأنه سئل هل يأثم القاضي إذا لم يوجد غيره؟ قال لا يأثم فهذا يحتمل أن يحمل على ظاهره في أنه لا يجب عليه لما فيه من الخطر فلا يلزمه الإضرار بنفسه لنفع غيره ولذلك امتنع أبو قلابة منه وقد قيل له ليس ههنا غيرك ويحتمل أن يحمل على من لم يمكنه القيام بالواجب لظلم السلطان أو غيره فإن أحمد قال لابد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟
- (مسألة) * (وإن وجد غيره كره له طلبه بغير خلاف في المذهب) . لأن أنساً روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من ابتغى القضاء وسأل فيه الشفعاء وكل إلى نفسه ومن أكره عليه أنزل الله عزوجل ملكا يسدده " قال الترمذي حديث حسن غريب وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بن سمرة " يا عبد الرحمن لا تسأل الامارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها " متفق عليه.
- (مسألة) * (وإن طلب فالأفضل ألا يجيب في ظاهر كلام أحمد) . وقال ابن حامد الأفضل الإجابة إذا أمن نفسه وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أن الأفضل والأولى له ألا يجيب إذا طلب ووجد غيره لما فيه من الخطر والغرر وفي تركه من السلامة ولما ورد فيه من التشديد والذم ولأن طريقة السلف الامتناع منه والتوفي لذلك وقد أراد عثمان تولية ابن عمر القضاء فأباه وقد ذكرنا قول ابن حامد مفصلا وهو قول أصحاب الشافعي.
- (مسألة) * (ولا تثبت ولاية القضاء إلا بتولية الإمام أو نائبه لأنها من المصالح العامة فلم تجز إلا من جهة الإمام كعقد الذمة) .
- (مسألة) * (ومن شرط صحتهما معرفة المولي كون المولى على صفة تصلح للقضاء) . لأن مقصود القضاء لا يحصل إلا بذلك فإن كان يعرف صلاحيته للقضاء ولاه وإن لم يعرف ذلك سأل أهل المعرفة بالناس واسترشدهم فإن عرف ذلك ولاه.
* (مسألة) * (ويعين ما يوليه الحكم فيه من الأعمال والبلدان ومشافهته بالولاية أو مكاتبته بها وإشهاد شاهدين على توليته وقال القاضي تثبت بالاستفاضة إذا كان بلده قريباً يستفيض فيه أخبار بلد الإمام) يشترط تعيين ما يوليه من الأعمال والبلدان ليعلم محمل ولايته فيحكم فيه ولا يحكم في غيره وقد ولى النبي صلى الله عليه وسلم علياً قضاء اليمن وولى عمر شريحا قضاء الكوفة وكعب بن سور قضاء البصرة وبعث في كل مصر قاضياً ووالياً، ويشافهه الإمام بالولاية إن كان حاضراً أو يكاتبه بها إن كان غائباً لأن التولية تحصل بالمشافهة في الحضرة وبالمكاتبة في الغيبة كالتوكيل فإن كان البلد الذي لا قضاة فيه غير بلد الإمام كتب له العهد بما ولاه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كتب لعمر وبن حزم حين بعثه إلى اليمن وكتب عمر إلى أهل الكوفة، أما بعد فاني قد بعثت عليكم عماراً أميراً وعبد الله قاضياً فاسمعوا لهما وأطيعوا، فإن كان البلد الذي ولاه بعيداً لا يستفيض إليه الخبر بما يكون في بلد الإمام احضر شاهدين عدلين وقرأ عليهما العهد وأشهدهما على توليته ليمضيا معه إلى بلد ولايته فيقيما له الشهادة ويقول لهما اشهدا على إني قد وليته قضاء البلد الفلاني وتقدمت إليه بما يشتمل هذا العهد عليه، وإن كان البلد قريباً من بلد الإمام يستفيض إليه ما يجري في بلد الإمام نحو أن يكون بينهما خمسة أيام أو ما دونها جاز أن يكتفي بالاستفاضة دون
الشهادة، لأن الولاية تثبت بها وبهذا قال الشافعي إلا أن عنده في ثبوت الولاية بالاستفاضة في البلد القريب وجهين، وقال أصحاب أبي حنيفة تثبت بالاستفاضة ولم يفرقوا بين البلد القريب والبعيد
لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى علياً قضاء اليمن وهو بعيد من غير شهادة وولى الولاة في البلدان البعيدة وفوض اليهم الولاية والقضاء ولم يشهد وكذلك خلفاؤه ولم ينقل عنهم الأشهاد على تولية القضاء مع بعد بلدانهم.
ولنا أن القضاء لا يثبت إلا بأحد أمرين وقد بعدت الاستفاضة في البلد البعيد لعدم وصولها إليه فيتعين الأشهاد ولا نسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشهد على توليته، فإن الظاهر أنه لم يبعث والياً إلا ومعه جماعة الظاهر أنه أشهدهم وعدم نقله لا يلزم منه عدم فعله، وقد قام دليله فيتعين وجوبه.
* (مسألة) * (وهل تشترط عدالة المولي على روايتين) .
(إحداهما) تشترط كما تشترط في المتولي (والثانية) لا تشترط لأن ولاية الإمامة الكبرى تصح من كل بر وفاجر فصحت ولايته كالعدل ولأننا لو اعتبرنا العدالة في المولي أفضى إلى تعذرها بالكلية فيما إذا كان الإمام غير عدل.
- (مسألة) * (وألفاظ التولية الصريحة سبعة وليتك الحكم وقلدتك أو استنبتك واستخلفتك ورددت إليك وفوضت إليك الحكم فإذا وجد لفظ منها والقبول من المولى انعقدت الولاية) لأنها لا تحتمل إلا ذلك فمتى أني بواحدة منها واتصل بها القبول صحت الولاية كالبيع والنكاح وغير ذلك والكناية أربعة اعتمدت عليك وعولت عليك ووكلت اليك واسندت إليك الحكم فلا
تنعقد حتى يقترن بها قرينة نحو فاحكم أو تول ما عولت عليك فيه وما أشبهه نحو وانظر فيما اسندت إليك واحكم فيما وكلت إليك، ولان هذه الألفاظ تحتمل التولية وغيرها من كونه يأخذ برأيه وغير ذلك فلم تنصرف إلى التولية إلا بقرينة تنفي الاحتمال.
(فصل) قال الشيخ رضي الله عنه وإذا ثبتت الولاية وكانت عامة اسنفاد بها النظر عشرة أشياء: فصل الخصومات واستيفاء الحق ممن هو عليه ودفعه إلى ربه والنظر في أموال اليتامى والمجانين والسفهاء والحجر على من يرى الحجر عليه لسفه أو فلس والنظر في الوقوف في عمله باجرائها على شرط الواقف وتنفيذ الوصايا وتزويج النساء اللاتي لا ولي لهن وإقامة الحدود وإقامة الجمعة والنظر في مصالح عمله بكف الأذى عن طرقات المسلمين وافنيتهم وتصفح حال شهوده وأمنائه والاستبدال بمن يثبت جرحه منهم وإنما تثبت هذه الولايات له لأن العادة من القضاة توليها فعند إطلاق تولية القضاء تنصرف إلى ولاية ما جرت العادة بولايته لها فأما جباية الخراج وأخذ الصدقة فعلى وجهين (أحدهما) تدخلان فيه قياساً على سائر الخصال المذكورة وفي الآخر لا يدخلان فيه لأن العادة لم تثبت بتولية القضاء لهما لأن الأصل عدم ذلك فلا يثبت
* (مسألة) * (وله طلب الرزق لنفسه وأمنائه وخلفائه مع الحاجة فأما مع عدمها فعلى وجهين)
يجوز للقاضي أخذ الرزق ورخص فيه شريح وابن سيرين والشافعي وأكثر أهل العلم وروي
عن عمر رضي الله عنه أنه استعمل زيد بن ثابت على القضاء وفرض له رزقا ورزق شريحاً في كل شهر مائة درهم وبعث إلى الكوفة عماراً وابن مسعود وعثمان وكان ابن مسعود قاضيهم ومعلمهم وكتب إلى معاذ بن جبل وأبي عبيدة حين بعثهما إلى الشام ان انظرا رجالاً من صالحي من قبلكم فاستعملوهم على القضاء واوسعوا عليهم وارزقوهم واكفوهم من مال الله وقال أبو الخطاب يجوز له أخذ الرزق مع الحاجة فأما مع عدمها فعلى وجهين، وقد روي عن أحمد أنه قال ما يعجبني أن يأخذ على القضاء أجراً وإن كان فبقدر عمله مثل مال اليتيم وكان ابن مسعود والحسن يكرهان الأجر على القضاء وكان ابن مسعود وعبد الرحمن بن القاسم بن عبد الرحمن لا يأخذان عليه أجراً وقالا لا نأخذ أجراً على أن نعدل بين اثنين وقال أصحاب الشافعي إن لم يكن متعيناً جاز له أخذ الرزق وإن تعين لم يجز إلا مع الحاجة والصحيح جواز الأخذ عليه مطلقاً لأن أبا بكر رضي الله عنه لما ولي الخلافة فرضوا له رزقاً كل يوم درهمين ولما ذكرنا أن عمر رزق زيدا وشريحا وابن مسعود وأمر بفرض الرزق لمن ولي من القضاة ولأن بالناس حاجة إليه ولو لم يجز فرض الرزق لتعطل وضاعت الحقوق فأما الاستئجار عليه فلا يجوز قال عمر رضي الله عنه لا ينبغي لقاضي المسلمين ان يأخذ على القضاء أجراً وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً لأنه قربة يختص فاعله أن يكون من أهل القربة فأشبه الصلاة ولأنه لا يعمله الإنسان عن غيره وإنما يقع عن نفسه فأشبه الصلاة ولأنه عمل غير معلوم فإن لم يكن القاضي رزق فقال للخصمين لا أقضي بينكما حتى تجعلا لي عليه جعلاً جاز ويحتمل ألا يجوز
(فصل) قال رضي الله عنه ويجوز أن يوليه عموم النظر في عموم العمل ويجوز أن يوليه خاصا في أحدهما أو فيهما ويوليه النظر في بلد أو محلة خاصة فينفذ قضاؤه في أهله ومن طرأ إليه ويجعل إليه الحكم في المداينات خاصة أو في قدر من المال لا يتجاوزه أو يفرض إليه عقود الأنكحة دون غيرها لأن ذلك جميعه إلى الإمام وله الاستنابة في الكل فتكون له الاستنابة في البعض فإن من ملك في الكل ملك في البعض وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستنيب أصحابه كلا في شئ فولى عمر القضاء وبعث عليا قاضيا على اليمين وكان يرسل أصحابه في جمع الزكاة وغيرها وكذلك الخلفاء بعده ولأنه نيابة فكان على حسب الاستنابة * (مسألة) * (فإن جعل إليهما عملا واحداً جاز) وعند أبي الخطاب لا يجوز وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي لأنه يؤدي إلى إيقاف الأحكام والخصومات لأنهما يختلفان في الاجتهاد ويرى أحدهما مالا يرى الآخر (والثاني) يجوز وهو قول أصحاب أبي حنيفة وهو أصح إن شاء الله تعالى لأنه يجوز أن يستخلف في البلد الذي هو فيه فيكون فيه قاضيان فجاز أن يكون فيها قاضيان أصلبان لأن الغرض فصل الخصومات وإيصال الحق إلى مستحقه وهذا يحصل فأشبه القاضي وخلفاءه ولأنه يجوز للقاضي أن يستخلف خليفتين في موضع واحد فالإمام أولى لأن توليته أقوى وقولهم يفضي إلى إيقاف الأحكام لا يصح فإن كل حاكم يحكم بإجتهاده بين المتحاكمين إليه وليس للآخر الاعتراض عليه ولا نقض حكمه فيما خالف اجتهاده
(فصل) ولا يجوز أن يقلد القضاء لواحد على أن يحكم بمذهب بعينه وهذا مذهب الشافعي ولا نعلم فيه خلافاً لأن الله تعالى قال (فاحكم بين الناس بالحق) والحق لا يتعين في مذهب وقد يظهر له الحق في غير ذلك المذهب فإن قلده على هذا الشرط بطل الشرط وفي فساد التولية وجهان بناء على الشروط الفاسدة في البيع (فصل) إذا فرض الإمام إلى إنسان تولية القاضي جاز لأنه يجوز أن يتولى ذلك فجاز له التوكيل فيه كالبيع فإن فوض إليه اختيار قاض جاز ولا يجوز له اختيار نفسه ولا والده ولا ولده كما لو وكله في الصدقة بمال لم يجز له اخذه ولا دفعه إلى هذين ويحتمل أن يجوز له اختيارهما إذا كانا صالحين للولاية لأنهما يدخلان في عموم من أذن له في الاختيار منه مع أهليتهما أشبها الأجانب * (مسألة) * (إذا مات المولي أو عزل المولى مع صلاحيته لم تبطل ولايته في أحد الوجهين وتبطل في الآخر) إذا ولى الإمام قاضياً ثم مات لم ينعزل القاضي لأن الخلفاء رضي الله عنهم ولو أحكاما في زمنهم فلم ينعزلوا بموتهم ولأن في عزله بموت الامام ضربرا على المسلمين فإن البلد يتعطل من الحكام وتقف أحكام الناس إلى أن يولي الإمام الثاني حاكما وفيه خطر عظيم وكذلك لا ينعزل القاضي إذا عزل الإمام لما ذكرنا فأما إن عزله الإمام الذي ولاه أو غيره ففيه وجهان (أحدهما) لا ينعزل وهو مذهب الشافعي لأنه عقد لمصلحة المسلمين فلم يملك عزله مع سداد حاله كما لو عقد النكاح على موليته لم يكن له فسخه (والثاني) ينعزل لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال لأعزلن أبا مريم
وأولين رجلاً إذا رآه الفاجر فرقه فعزله عن قضاء البصرة وولى كعب بن سور مكانه، وولى علي رضي الله عنه أبا الأسود ثم عزله فقال له لم عزلتني وما خنت قال إني رأيتك يعلو كلامك على الخصمين ولأنه يملك عزل امرائه وولاته على البلدان فكذلك قضاته وقد كان عمر رضي الله عنه يولي ويعزل فعزل شر حبيل ابن حسنة عن ولايته في الشام وولى معاوية فقال له شر حبيل أمن جبن عزلتني أو خيانة؟ قال من كل لا ولكن أردت رجلا أقوى من رجل وعزل خالد بن الوليد وولى أبا عبيدة وقد كان يولي بعض الولاة الحكم مع الإمارة فولى أبا موسى البصرة قضاءها وإمارتها ثم كان يعزلهم هو ومن لم يعزله عزله عثمان بعده إلا القليل منهم فعزل القاضي أولى ويفارق عزله بموت من ولاه أو عزله لأن فيه ضرراً وههنا لا ضرر فيه لأنه لا يعزل قاضياً حتى يولي آخر مكانه ولهذا لا ينعزل القاضي بموت الإمام وينعزل بعزله وقد ذكر شيخنا في عزله بالموت في الكتاب المشروح وجهين وحكاهما أبو الخطاب والأولى إن شاء الله ما ذكرنا فاما أن تغيرت حال القاضي بفسق أو زوال عقل أو مرض يمنعه من القضاء أو أختل فيه بعض شروطه فإنه ينعزل بذلك ويتعين على الإمام عزله وجهاً واحداً، وأما إذا استخلف القاضي خليفة فإنه ينعزل بموته وعزله لانه نا؟؟ اشبه الوكيل
* (مسألة) * (وهل ينعزل قبل العلم بالعزل على روايتين بناء على الوكيل)
وقد مضى ذلك في كتاب الوكالة
(فصل) وللإمام تولية القضاء في بلده وغيره لأن النبي صلى الله عليه وسلم ولى عمر بن الخطاب القضاء وولى علياً ومعاذاً وقال عثمان لابن عمر إن أباك كان يقضي وهو خير منك فقال إن أبي قد كان يقضي فإن اشكل عليه شئ سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكر الحديث رواه عمرو بن شيبة في قضاة البصرة وروى سعيد في سننه عن عمرو بن العاص قال: جاء خصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لي " يا عمرو اقض بينهما " قال قلت أنت أولى بذلك مني يا رسول الله قال " إن أصبت القضاء بينهما فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة " وعن عقبة بن عامر مثله، ولأن الإمام يشتغل بأشياء كثيرة من مصالح المسلمين فلا يتفرع للقضاء بينهم فإذا ولى قاضياً استحب أن يجعل له أن يستخلف لأنه قد يحتاج إلى ذلك فإذا أذن له في الاستخلاف جاز له بلا خلاف نعلمه، وإن نهاه لم يكن له أن يستخلف لأن ولايته بإذنه فلم يكن له ما ذكرناه كالوكيل، وإن أطلق فله الاستخلاف، ويحتمل أن لا يكون له ذلك لأنه يتصرف بالإذن فلم يكن له ما لم يأذن فيه كالوكيل ولأصحاب الشافعي في هذا وجهان ووجه الأول أن الغرض من القضاء الفصل بين المتخاصمين إذا فعله بنفسه بخلاف الوكيل فإن استخلف في موضع ليس له الاستخلاف فحكمه حكم من لم يول
* (مسألة) * (وإذا قال المولي من نظر في الحكم في البلد الفلاني من فلان وفلان فهو خليفتي
أو قد وليته لم تنعقد الولاية لمن ينظر) لأنه علقها على شرط ولم يعين بالولاية أحداً منهم، ويحتمل أن تنعقد لمن نظر لأن النبي صلى الله عليه وسلم
قال " زيد فإن قتل فأميركم جعفر فإن قتل فأميركم عبد الله بن رواحة " فعلق ولاية الامارة بعد زيد على شرط فكذلك ولاية الحكم
* (مسألة) * (وإن قال وليت فلانا وفلانا فمن نظر منهما فهو خليفتي انعقدت الولاية) لمن ينظر منهما
لأنه عقد الولاية لهما جميعاً (فصل) قال الشيخ رحمه الله ويشترط في القاضي عشر صفات أن يكون بالغاً عاقلاً حراً ذكراً مسلماً عدلا سميعا بصير متكلماً مجتهداً وهل يشترط كونه كاتباً؟ على وجهين وجملة ذلك أنه يشترط للقاضي أن يكون بالغاً عاقلاً مسلماً لأن هذه شروط العدالة فأولى أن تشترط للقضاء (الرابع) الذكورية فلا تصح تولية المرأة، وحكي عن ابن جرير أن الذكورية لا تشترط لأن المرأة يجوز أن تكون مفتية فيجوز أن تكون قاضياً، وقال أبو حنيفة يجوز أن تكون قاضية في غير الحدود لأنه يجوز أن تكون شاهدة فيه ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " لا أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " ولأن القاضي يحضره محافل الخصوم والرجال ويحتاج فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل ضعيفة الرأي ليست من أهل الحضور في محافل الرجال ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله سبحانه (أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى) ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان ولهذا لم يول النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من خلفائه
ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان غالباً (الخامس) الحرية فلا تصح تولية العبد لأنه منقوص برقه مشغول بحقوق سيده لا تقبل شهادته في جميع الأشياء فلم يكن أهلا للقضاء كالمرأة [السادس] أن يكون سميعاً (السابع) أن يكون بصيراً [الثامن] أن يكون متكلماً لأن الأصم لا يسمع قول الخصمين والأعمى لا يعرف المدعي من المدعي عليه والمقر من المقر له، والأخرس لا يمكنه النطق بالحكم ولا يفهم الناس جميع إشارته وقال بعض أصحاب الشافعي يجوز أن يكون أعمى لأن شعيباً عليه السلام كان أعمى ولهم في الأخرس الذي تفهم إشارته وجهان ولنا أن هذه الحواس تؤثر في الشهادة فيمنع فقدها ولاية القضاء كالسمع وهذا لأن منصب الشهادة دون منصب القضاء، والشاهد يشهد في أشياء يسيرة يحتاج إليه فيها وربما أحاط بحقيقة علمها والقاضي ولايته عامة فيحكم في قضايا الناس عامة فإذا لم تقبل منه الشهادة فالقضاء أولى، وما ذكر عن شعيب عليه السلام فممنوع فإنه لم يثبت أنه كان أعمى ولو ثبت فيه ذلك فلا يلزم ههنا فإن شعيباً عليه السلام كان من آمن معه من الناس قليلاً، وربما لا يحتاجون إلى الحكم بينهم لقلتهم وتناصفهم فلا يكون حجة في مسئلتنا (التاسع) العدالة فلا يجوز تولية فاسق ولا من فيه نقص يمنع الشهادة وسنذكر ذلك في الشهادة إن شاء الله تعالى، وحكي عن الأصم أنه قال يجوز أن يكون القاضي فاسقاً لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " سيكون بعدي أمراء يؤخرون الصلاة عن أوقاتها فصلوها لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم سبحة "
ولنا قول الله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا) فأمر بالتبيين عند قول الفاسق ولا يجوز أن يكون الحاكم ممن لا يقبل قوله ويجب التبيين عند حكمه، ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهداً فلئلا يجوز أن يكون قاضياً أولى فأما الخبر فاخبر بوقوع ذلك مع كونهم أمراء لا بمشروعيته والنزاع في صحة توليته لا في وجودها (العاشر) أن يكون مجتهداً وبهذا قال مالك والشافعي وبعض الحنفية، وقال بعضهم يجوز أن يكون عامياً فيحكم بالتقليد لأن الغرض منه فصل الخصومات فأما إذا أمكنه ذلك جاز كما يحكم بقول المقومين ولنا قول الله تعالى (وأن احكم بينهم بما أنزل الله - وقال - وان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) وروى بريدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل علم الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار ورجل جار في الحكم فهو في النار " رواه ابن ماجه والعامي يقضي على جهل ولأن الحكم آكد من الفتيا لأنه فتيا وإلزام ثم المفتي لا يجوز أن يكون عامياً مقلداً فالحكم أولى فإن قيل فالمفتي يجوز أن يخبر بما يسمع قلنا نعم إلا أنه لا يكون مفتياً في تلك الحال وإنما هو مخبر فيحتاج أن يجبر عن رجل بعينه من أهل الإجتهاد فيكون معمر لا بخبره لا بفتياه ويخالف قول المقومين لأن ذلك لا تمكن الحاكم معرفته بنفسه بخلاف الحكم * (مسألة) * (وليس من شرط الحاكم أن يكون كاتبا وفيه وجه آخر أنه يشترط ذلك ليعلم ما يكتبه كاتبه ولا يتمكن من إخفائه عنه)
ولنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أمياً وهو سيد الحكام وليس من ضرورة الحكم الكتابة فلا تعتبر شرطا فإن احتاج إلى ذلك جاز توليته لمن يعرفه كما أنه قد يحتاج إلى القسمة بين الناس وليس من شرطه معرفة المساحة ويحتاج إلى التقويم وليس من شروط القضاء أن يكون عالماً بقيم الأشياء
* (مسألة) * (والمجتهد من يعرف من كتاب الله تعالى وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الحقيقة والمجاز والأمر
والنهي والمجمل والمبين والمحكم والمتشابه والخاص والعام والمطلق والمقيد والناسخ والمنسوخ والمستثنى والمستثنى منه ويعرف من السنة صحيحها من سقيمها وتواترها من آحادها ومرسلها ومتصلها ومسندها ومنقطعها مما له تعلق بالأحكام خاصة وهي في كتاب الله تعالى نحو خمسمائة آية ولا يلزمه معرفة سائر القرآن، ومن السنة ما يتعلق بالأحكام دون سائر الأخبار ومن خبر الجنة والنار ونحوهما مما يتعلق بالأحكام وإنما كان المجتهد من يعرف هذه الأشياء المذكورة لأن المجتهد هو من يمكنه تعرف الصواب بدليله كالمجتهد في القبلة ومن لا يعرفه بدليله يكون مقلدا لكون يقبل قول غيره من غير معرفة بصوابه كالذي يقبل قول الدليل على الطريق من غير معرفة بصوابه وقول من يعرف جهة القبلة من غير معرفة.
وأدلة الأحكام الكتاب والسنة والإجماع والقياس وجهة دلالة الكتاب والسنة من هذه الوجوه فالكلام بإطلاقه يحمل على الحقيقة دون المجاز والعام الخاص إذا تعارضا قدم الخاص ويجوز تخصيص العام ولا يدخل الخاص تخصيص، والمطلق يحمل على المقيد والمقصود أن لكل واحد مما ذكرنا دلالة لا تمكن
معرفتها إلا بمعرفته فوجب معرفة ذلك ليعرف دلاله ووقف الاجتهاد على معرفته لذلك ومثاله أن المجتهد في القبلة يحتاج في معرفة النجوم إلى معرفتها باعيانها وجهاتها فإذا عرف القطب احتاج إلى معرفة كونه في الجهة الشمالية وكذلك إذا عرف الشمس احتاج إلى معرفة الجهة التي تكون فيها في حال طلوعها وحال غروبها وتوسطها وهذا كذلك والمسند من السنة والمتصل واحد والمرسل الذي يكون بين الراوي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل غير مذكور والمنقطع الذي يكون بينهما أكثر من واحد وقيل الذي يرويه من لم يدرك الصحابة عنهم.
* (مسألة) * (ويعرف ما أجمع عليه مما اختلف فيه والقياس وحدوده وشروطه وكيفية استنباط الأحكام من أصناف علوم الكتاب والسنة) وقد نص أحمد على اشتراط ذلك للفتيا والحكم في معناه، وإنما اشترطوا معرفة ما أجمع عليه لأن الاجتهاد إنما شرع فيما اختلف فيه أما المجمع عليه فيجب الرجوع إلى ما أجمع عليه دون غيره فيجب معرفة ذلك ليرجع في المجمع عليه إلى الإجماع وفي غيره إلى الاجتهاد وأما معرفة استنباط القياس وهو أحد أدلة الأحكام فإنه لا يمكن معرفتها إلا بذلك فكان معرفة ذلك من ضرورة معرفة الأحكام وأما معرفة اللغة والعربية فإن أدلة الأحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله والكتاب عربي مبين نزل به الروح الأمين بلسان عربي مبين والسنة قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يقوم مقامه وقد قال الله سبحانه (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فيعتبر معرفة اللغة التي هي لسان الكتاب والسنة ليعرف
مقتضاها فإن قيل فهذه الشروط لا تجتمع في أحد فكيف يجوز اشتراطها؟ قلنا ليس من شرطه أن يكون محيطاً بهذه المعلوم إحاطة تجمع أقصاها وإنما يحتاج أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا فقد كان أبو بكر الصديق وعمر ابن الخطاب خليفتا رسول الله صلى الله عليه وسلم ووزيراه وخير الناس بعده في حال امامتهما يسئلان الحكم فلا يعرفان ما فيه من السنة حتى يسألا الناس فيخبرا فسئل أبو بكر عن ميراث الجدة فقال مالك في كتاب الله شئ ولا أعلم لك في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً ولكن ارجعي حتى أسأل الناس ثم قام فقال أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجدة فقام المغيرة بن شعبة فقال أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعطاها السدس وسأل عمر عن املاص المرأة فأخبره المغيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى فيه بفرة ولا تشترط معرفة المسائل التي عرفها المجتهدون في كتبهم فإن هذه فروع فرعها الفقهاء بعد حيازة منصب الاجتهاد فلا تكون شرطاً له وهو سابق وليس من شرط الاجتهاد في مسألة أن يكون مجتهداً في كل المسائل بل من عرف أدلة مسالة وما يتعلق بها فهو مجتهد فيها وإن جهل غيرها كمن عرف الفرائض وأصولها ليس من شرط اجتهاده فيها معرفته بالبيع ولذلك ما من أمام إلا وقد توقف في مسائل، وقيل من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله وحكي عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة فقال في ستة وثلاثين لا أدري ولم يخرجه ذلك عن كونه مجتهداً وإنما المعتبر أصول هذه الأمور وهو مجموع مدون في فروع الفقه وأصوله فمن عرف ذلك ورزق فهمه كان مجتهداً وصلح للفتيا والقضاء وبالله التوفيق.
- (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (وإذا تحاكم رجلان إلى رجل يصلح للقضاء وحكماه بينهما جاز ذلك ونفذ حكمه عليهما وبهذا قال أبو حنيفة وللشافعي قولان (أحدهما) لا يلزمه حكمه إلا بتراضيهما لأن حكمه إنما يلزم بالرضى به فلا يكون الرضى إلا بعد المعرفة بحكمه.
ولنا ما روى أبو شريح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له " أن الله هو الحكم فلم تكنى أبا الحكم؟ " قال إن قومي إذا اختلفوا في شئ أتوني فحكمت بينهم فرضي علي الفريقان " قال ما أحسن هذا فمن أكبر ولدك؟ " قال شريح قال " فأنت أبو شريح " أخرجه النسائي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل بينهما فهو ملعون " ولولا أن حكمه يلزمهما لما لحقه هذا الذم، ولأن عمر وأبياً تحاكما إلى زيد وحاكم عمر أعرابياً إلى شريح قبل أن يوليه القضاء وتحاكم عثمان وطلحة إلى جبير بن مطعم ولم يكونوا قضاة فإن قيل فعمر وعثمان كانا إمامين فإذا ردا الحكم إلى رجل صار قاضياً؟ قلنا لم ينقل عنهما إلا الرضا بتحكيمه خاصة وبهذا لا يعتبر قاضياً وما ذكروه يبطل بما إذا رضي بتصرف وكيله فإنه يلزمه قبل المعرفة به إذا ثبت هذا فإنه لا يجوز نقض حكمه فيما لا ينقض فيه حكم من له ولاية، وبهذا قال الشافعي وقال أبو حنيفة للحاكم نقضه إذا خالف رأيه، لأن هذا عقد في حق الحاكم فملك فسخه كالعقد الموقوف في حقه.
ولنا أن هذا حكم صحيح لازم فلم يجز فسخه لمخالفة رأيه كحكم من له ولاية وما ذكروه لا يصح فإن حكمه لازم للخصمين فكيف يكون موقوفاً؟ ولو كان كذلك لملك فسخه وإن لم يخالف رأيه ولا نسلم الوقوف في العقود إذا ثبت هذا فإن لكل واحد من الخصمين الرجوع عن تحكيمه قبل شروعه
في الحكم لأنه لا يثبت إلا برضاه فأشبه ما لو رجع عن التوكيل قبل التصرف، وإن رجع بعد شروعه ففيه وجهان.
(أحدهما) له ذلك لأن الحكم لم يتم أشبه قبل الشروع (والثاني) ليس له ذلك لأنه يؤدي إلى أن كل واحد منهما إذا رأى من الحكم مالا يوافقه رجع فبطل المقصود به واختلف أصحابنا فيمن يجوز فيه التحكيم فقال أبو الخطاب ظاهر كلام أحمد أن تحكيمه يجوز في كل ما يتحاكم فيه الخصمان قياساً على قاضي الإمام وقال القاضي يجوز حكمه في الأموال خاصة فأما النكاح واللعان والقذف والقصاص فلا يجوز التحكيم فيها لأن لهذه الأحكام مزية على غيرها فاختص حاكم الإمام بالنظر فيها كالحدود وذكر صاحب المحرر فيها روايتين ولأصحاب الشافعي وجهان كهذين، وإذا كتب هذا القاضي بما حكم به كتاباً إلى قاض من قضاة المسلمين لزمه قبوله وتنفيذ كتابه لأنه حاكم نافذ الأحكام فلزم قبول كتابه كحاكم الإمام
- (باب أدب القاضي) * ينبغي أن يكون قوياً من غير عنف لينا من غير ضعف لا يطمع القوي في باطله ولا ييأس الضعيف من عدله ويكون حليماً متأنياً ذا فطنة وتيقظ لا يؤتى من غفلة ولا يخدع لغرة صحيح السمع والبصر عالماً بلغات أهل ولايته عفيفاً ورعاً نزهاً بعيداً من الطمع صدوق اللهجة ذا رأي ومشورة لكلامه
لين إذا قرب وهيبة إذا أوعد ووفاء إذا وعد ولا يكون جباراً ولا عسوفاً فيقطع ذا الحجة عن حجته قال علي رضي الله عنه لا ينبغي أن يكون القاضي قاضياً حتى يكون فيه خمس خصال عفيف حليم عالم بما كان قبله يستشير ذوي الألباب لا يخاف في الله لومة لائم، وقال عمر بن عبد العزير ينبغي للقاضي أن يكون فيه سبع خلال أن فاتته واحدة كانت فيه وصمة: العقل، والعفة، والورع، والنزاهة، والصرامة، والعلم بالسنين، والحلم، ورواه سعيد وفيه ويكون فهما حليماً عفيفاً صلباً سآلاً عما لا يعلم وفي رواية محتملاً للأئمة ولا يكون ضعيفاً مهيناً لأن ذلك يبسط المتخاصمين إلى التهاتر والتشائم بين يديه قال عمر رضي الله عنه لأعزلن فلانا عن القضاء ولأستعملن رجلا إذا رآه الفاجر فرقه.
(فصل) وله أن ينتهر الخصم إذا التوى ويصيح عليه وأن استحق التعزير عزره بما يرى من أدب أو حبس وإن افتات عليه بأن يقول حكمت علي بغير حق وارتشيت فله تأديبه وله وان يعفو
وإن بدأ المنكر باليمين قطعها عليه وقال البينة على خصمك فإن عاد نهره فإن عاد عزره إن رأى وأمثال ذلك مما فيه اساءة الأدب فله مقابلة فاعله وله العفو.
- (مسألة) * (وإذا ولي في غير بلده سأل عمن فيه من الفقهاء والفضلاء والعدول وينفذ عند مسيره من يعلمهم يوم دخوله ليتقوه) وجملة ذلك إذا ولي في غير بلده فأراد المسير إلى بلد ولايته بحث عن قوم من أهل ذلك البلد ليسألهم عنه ويتعرف منهم ما يحتاج إلى معرفته فإن لم يجد سال في طريقه فإن لم يجد سال إذا دخل عن أهله ومن به من العلماء والفضلاء وأهل العدالة والسير وسائر ما يحتاج إلى معرفته وإذا قرب من البلد بعث من يعلمهم بقدومه ليتلقوه.
- (مسألة) * (ويجعل دخوله يوم الاثنين أو الخميس أو السبت إن أمكنه لقوله عليه الصلاة السلام بورك لأمتي في سبتها وخميسها) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا قدم من سفر قدم يوم الخميس ويكون لابساً أجمل ثيابه فيأتي الجامع فيصلي فيه ركعتين كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل إذا دخل المدينة ويستقبل القبلة لأنه روي " أفضل المجالس ما استقل به القبلة " * (مسألة) * (فإذا اجتمع الناس أمر بعهده فقرئ عليهم ليعلموا توليته وأمر من ينادي من له حاجة فليحضر يوم كذا ثم ينصرف إلى منزله الذي قد أعد له)
وأول ما يبدأ به أن يبعث إلى الحاكم المعزول فيأخذ منه ديوان الحكم وهو ما فيه وثائق الناس من المحاضر وهو نسخ ما يثبت عند الحاكم والسجلات نسخ ما حكم به وما كان عنده من حجج الناس ووثائقهم مودعة في ديوان الحكم وكانت عنده بحكم الولاية فإذا انتقلت الولاية إلى غيره كان عليه تسليمها إليه فتكون مودعة عنده في ديوانه
* (مسألة) * (ثم يخرج في اليوم الذي وعد الجلوس فيه على اعدل أحواله غير غضبان ولا جائع ولا شبعان ولا حاقن ولا مهموم بأمر يشغله عن الفهم) كالعطش الشديد والفرح الشديد والحزن الكبير والهم العظيم والوجع المؤلم والحر المزعج والنعاس الذي يغمر القلب ليكون أجمع لقلبه واحضر لذهنه وأبلغ في تيقظه للصواب وفطنته لموضع الرأي ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان " فنص على الغضب ونبه على ما في معناه مما ذكرنا ويسلم على من يمر به ثم يسلم على من هو في مجلسه وبصلى تحية المسجد إن كان في المسجد ويجلس على بساط ولا يجلس على التراب ولا على حصر المسجد لأن ذلك يذهب بهيبته من أعين الخصوم وهذه الآداب المذكورة في هذه المسألة ليست شرطاً في الحكم إلا الخلو من الغضب وما في معناه وفي اشتراطه روايتان وما ذكر ههنا من الجلوس على بساط ولا يجلس على التراب ولا حصر المسجد لم نعلم أنه نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من خلفائه والإقتداء بهم أولى إن شاء الله تعالى فيكون وجوده وعدمه سواء
* (مسألة) * (ويستعين بالله تعالى ويتوكل عليه ويدعوه سراً أن يعصمه من الزلل ويوفقه للصواب ولما يرضيه من القول والعمل ويجعل مجلسه في مكان فسيح كالجامع والقضاء الواسع في وسط البلدان
أمكن ليساوي فيه الناس) (فصل) ولا يكره القضاء في الجامع والمساجد فعل ذلك شريح والحسن والشعبي ومحار ابن دثار ويحيى بن يعمر وابن أبي ليلى وابن خلدة قاض لعمر بن عبد العزيز، وروي عن عمر وعلي وعثمان أنهم كانوا يقضون في المسجد قال مالك القضاء في المسجد من أمر الناس القديم وبه قال مالك وإسحاق وابن المنذر، وقال الشافعي يكره ذلك إلا أن ينفق خصمان عنده في المسجد لما روي أن عمر كتب إلى القاسم بن عبد الرحمن لا تقض في المسجد لأنه يأتيك الحائض والجنب والذمي وتكثر غاشيته ويجري بينهم اللغط والتكاذب والتجاحد وربما أدى إلى السب وما لم تبن له المساجد ولنا إجماع الصحابة بما قد روينا عنهم وقال الشعبي رأيت عمر مستنداً إلى القبلة يقضي بين الناس ولأن القضاء قربة وطاعة وانصاف بين الناس ولا نعلم صحة ما رووه وقد روي عنه خلافه وأما الحائض فإن عرضت لها حاجة إلى القضاء وكلت أو أتته في منزله والجنب يغتسل ويدخل والذمي يجوز دخوله بإذن مسلم وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس في مسجده مع حاجة الناس إليه للحكومة والفتيا وغير ذلك من حوائجهم وكان أصحابه يطالب بعضهم بعضا بالحقوق في المسجد وربما رفعوا أصواتهم فقد روي عن كعب أبن مالك قال تقاضيت ابن أبي حدرد دينا في المسجد حتى ارتفعت أصواتنا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فأشار إلي ضع من ديتك الشطر فقلت نعم يا رسول الله فقال " قم فاقضه "
- (مسألة) * (ولا يتخذ حاجباً ولا بواباً يحجب الناس عن الوصول إليه) لما روى القاسم بن مخيمرة عن أبي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " من ولي من أمور الناس شيئاً واحتجب دون حاجتهم احتجب الله دون حاجته وفاقته وفقره " رواه الترمذي ولأن حاجبه ربما قدم المتأخر وأخر المتقدم لغرض له وربما كسرهم بحجبهم والاستئذان لهم ولا بأس باتخاذ حاجب في غير مجلس القضاء لأنه يحتاج إلى الخلوة بنفسه * (مسألة) * (ويعرض القصص فيبدأ بالأول فالأول) لأن الأول سبق فقدم كما لو سبق إلى موضع مباح ولا يقدم السابق في أكثر من حكومة واحدة لئلا يستوعب المجلس بدعاويه فيضر بغيره فإن حضروا دفعة واحدة وتشاحوا أقرع بينهم فقدم من تقع له القرعة ويعدل بين الخصمين في لحظه ولفظه والدخول عليه إلا أن يكون أحدهما كافراً فيقدم المسلم عليه في الدخول ويرفعه في الجلوس لحرمة الإسلام فإن الله تعالى قال (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون) ووجه وجوب العدل بين الخصمين فيما ذكرنا ما روى عمرو بن شبة في كتاب القضاة بإسناده عن أم سلمة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه سلم قال " من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لفظه وإشارته ومقعده ولا يرفعن صوته على أحد الخصمين ولا يرفعه على الآخر " وفي رواية " فليسو بينهم في النظر والمجلس والاشارة " ولأنه إذا ميز أحد الخصمين عن الآخر حصر وانكسر وربما لم يقم حجته فادى ذلك إلى ظلمه وقيل يسوي بين المسلم والكافر لأن العدل يقتضي ذلك ولا يسار
(احداهما) ولا يلقنه حجته لما فيه من الضرر ولا يضيفه لأنه يكسر قلب صاحبه وروي مثل ذلك عن علي إلا أن يضيف صاحبه معه لما روي عن علي كرم الله وجهه أنه نزل به رجل فقال له إنك خصم قال نعم قال تحول عنا فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا تضيفوا أحد الخصمين إلا وخصمه معه
" * (مسألة) * (ولا يعلمه كيف يدعي في أحد الوجهين لما ذكرنا وفي الآخر له تحرير الدعوى إذا لم يحسن تحريرها) .
لأنه لا ضرر على خصمه وله أن يشفع إلى خصمه لينظره أو يضع عنه ويزن عنه لأن النبي صلى الله عليه وسلم شفع إلى كعب بن مالك في أن يحط عن ابن أبي حدرد بعض دينه وله أن يزن عن المدعي عليه ما وجب عليه لأنه نفع لخصمه ولا يكون إلا بعد انقضاء الحكم * (مسألة) * (ويحضر مجلسه الفقهاء من كل مذهب) حتى إذا حدثت حادثة يفتقر إلى سؤالهم عنها سألهم ليذكروا ادلتهم فيها وجوابهم عنها فإنه اسرع لاجتهاده وأقرب لصوابه وأن حكم بإجتهاده فليس لأحد منهم الإعتراض عليه وإن خالف اجتهاده ولان فيه افتياتا عليه إلا أن يحكم بما يخالف نصا أو اجماعا ويستحب ان يشاورهم فيما يشكل عليه لقول الله سبحانه (وشاورهم في الأمر) قال الحسن أن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنياً عن مشورتهم وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر وفي مصالحة الكفار يوم الخندق وشاور ابو بكر رضي الله عنه الناس في ميراث الجدة وعمر في دية الجنين وشاور