الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 82-121
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(مسألة) (ويعتمد على رجله اليسرى) لما روى سراقة بن مالك قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى.
رواه الطبراني في المعجم (مسألة) قال رحمه الله (ولا يتكلم) لما روى عبد الله بن عمر قال: مر بالنبي صلى الله عليه وسلم رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه.
رواه مسلم ولا يذكر الله تعالى على حاجته بلسانه.
روي كراهة ذلك عن ابن عباس وعطاء، وقال ابن سيرين والنخعي لا بأس به.
ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرد السلام الذي يجب رده فذكر الله أولى فإن عطس حمد الله بقلبه ولم يتكلم، وقال ابن عقيل فيه رواية أخرى أن يحمد الله بلسانه والأول أولى لما ذكرناه، وروى أبو سعيد الخدري قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك " رواه أبو داود وابن ماجه

(مسألة) قال (ولا يلبث فوق حاجته) لأنه يقال أن ذلك يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور (مسألة) قال (فإذا خرج قال غفرانك، الحمدالله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال " غفرانك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن أنس بن مالك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: " الحمدلله الذي أذهب عني الأذى وعافاني " رواه ابن ماجه (فصل) ويستحب أن يغطي رأسه لما روت عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء غطى رأسه وإذا أتى أهله غطى رأسه.
رواه البيهقي من رواية محمد بن يونس الكديمي وكان يتهم بوضع الحديث، ولا بأس أن يبول في الإناء قالت أمية بنت رقية كان للنبي صلى الله عليه وسلم قدح من عيدان يبول فيه ويضعه تحت السرير رواه أبو داود والنسائي

(مسألة) قال (وإن كان في الفضاء) أبعد لما روى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد رواه أبو داود (مسألة) قال (واستتر وارتاد مكانا رخوا) لما روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أتى الغائط فليستتر فان لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود.
ويرتاد مكانا رخوا لما روى أبو داود قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال ثم قال " إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله " رواه الإمام أحمد وأبو داود من رواية أبي التياح عن رجل كان يصحب ابن عباس لم يسمه عن أبي موسى ولئلا يترشش عليه البول ويستحب أن يبول قاعدا لئلا يترشش عليه ولأنه أستر وأحسن، قال ابن مسعود من الجفاء أن تبول وأنت قائم قالت عائشة من

حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه ما كان يبول إلا قاعدا.
قال الترمذي هذا أصح شئ في الباب وقد رويت الرخصة فيه عن عمر وعلي وابن عمر وزيد بن ثابت لما روى حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما رواه البخاري ومسلم والأول أولى لما روى عمر بن الخطاب قال رآنى النبي صلى الله عليه وسلم وأنا أبول قائما فقال " يا عمر لا تبل قائما " فما بلت قائما بعد.
رواه ابن ماجه (1) وعن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول قائما رواه ابن ماجه، وأما حديث حذيفة فلعل النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك ليبين الجواز أو كان في موضع لا يتمكن من الجلوس فيه وقيل فعل ذلك لعلة كانت بمأبضه ليستشفي به والمأبض ما تحت الركبة من كل حيوان (مسألة) قال (ولا يبول في شق ولا سرب ولا طريق ولاظل نافع ولا تحت شجرة مثمرة) البول في هذه المواضع كلها مكروه منهي عنه ومثلها موارد الماء لما روى عبد الله بن سرجس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يبال في الجحر رواه أبو داود قالوا لقتادة ما يكره من البول في الجحر؟ قال كان يقال أنها مساكن الجن رواه الإمام أحمد، وقد حكي عن سعد بن عبادة أنه بال في جحر ثم استلقى ميتا فسمعت الجن تقول نحن قتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة * ورميناه بسهمين فلم نخط فؤاده ولأنه لا يأمن أن يكون فيه حيوان يلسعه، وروى معاذ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " اتقوا الملاعن

الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " رواه أبو داود وابن ماجة، والبول تحت الشجرة المثمرة ينجس الثمرة فيؤذي من يأكلها (فصل) ويكره البول في الماء الراكد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن البول في الماء الراكد متفق عليه، فأما الجاري فلا يجوز التغوط فيه لأنه يؤذي من مر به، فأما البول فيه وهو كثير فلا بأس به لأن تخصيص النهي بالماء الراكد دليل على أن الجاري بخلافه، ولا يبول في المغتسل لما روى الإمام أحمد وأبو داود عن رجل صحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله، وقد روي أن عامة الوسواس منه، رواه

أبو داود وابن ماجة وقال سمعت علي بن محمد يقول إنما هذا في الحفيرة فأما اليوم فمغتسلاتهم الجص والصاروج والقير فإذا بال وأرسل عليه الماء فلا بأس به، وقال الإمام أحمد إن صب عليه الماء وجرى في البالوعة فلا بأس وقد قيل إن البصاق على البول يورث الوسواس وإن البول على النار يورث السقم، ويكره أن يتوضأ على موضع بوله أو يستنجي عليه لئلا يتنجس به وتوقي ذلك كله أولى (مسألة) قال (ولا يستقبل الشمس ولا القمر) لما فيهما من نور الله وقد روي أن معهما ملائكة فإن استتر عنهما بشئ فلا بأس ولا يستقبل الريح لئلا يتنجس باالبول (مسألة) (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء) وهذا قول أكثر أهل العلم لما روى أبو أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا " قال أبو أيوب فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو

الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله.
متفق عليه ولم يقل البخاري ببول ولا غائط (1) وعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم، وقال عروة وداود وربيعة يجوز استقبالها واستدبارها لما روى جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها قال الترمذي هذا حديث حسن غريب، وهذا دليل على النسخ.
ولنا أحاديث النهي وهي صحيحة وحديث جابر يحتمل أنه رآه في البنيان أو مستترا بشئ فلا يثبت النسخ بالاحتمال ويتعين حمله على ما ذكرنا ليكون موافقاً لما ذكر من الأحاديث (مسألة) (وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان) وجملة ذلك أن استدبار الكعبة بالبول والغائط فيه ثلاث روايات (إحداها) يجوز في الفضاء والبنيان جميعا لما روى ابن عمر

قال رقيت يوما على بيت حفصة فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبرا للكعبة.
متفق عليه (والثانية) لا يجوز ذلك فيهما لحديث أبي أيوب ولما روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جلس أحدكم على حاجته فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " رواه مسلم (والثالثة) يجوز ذلك في البنيان ولا يجوز في الفضاء وهو الصحيح روي جواز استقبال القبلة واستدبارها في البنيان عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر لحديث جابر، ولما روت عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر له إن قوماً يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أقد فعلوها؟ استقبلوا بمقعدتي القبلة " رواه أصحاب السنن، قال أبو عبد الله أحسن ما روي في الرخصة حديث عائشة فإن كان مرسلا فإن مخرجه حسن إنما سماه أبو عبد الله مرسلا لأن عراك بن مالك رواه عن عائشة، قال أحمد ولم يسمع عنها، وروى مروان الأصفر قال رأيت ابن عمر أناخ ناقته (راحلته) مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت أبا عبد الرحمن: أليس نهي عن هذا؟ قال بلى إنما نهى عن هذا في الفضاء أما إذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس.
رواه أبو داود وهذا تفسير لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم العام وفيه جمع بين الأحاديث بحمل أحاديث النهي على الفضاء وأحاديث الرخصة على البنيان فيتعين المصير إليه، وأما

استقبالها في البنيان ففيه روايتان (إحداهما) يجوز لما ذكرنا وبه قال مالك والشافعي (والثانية) لا يجوز وهو قول الثوري وأبي حنيفة لعموم أحاديث النهي والأول أولى (مسألة) قال (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه ثم ينتره ثلاثا) فيجعل يده على أصل الذكر من تحت الأنثيين ثم يسلته إلى رأسه فينتر ذكره ثلاثا برفق لما روى يزداد اليماني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات " رواه أحمد (مسألة) (ولا يمس ذكره بيمينه ولا يستجمر بها) لما روى أبو قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه " متفق عليه فإن كان يستجمر من غائط أخذ الحجر بيساره فمسح به.
وإن كان من البول أمسك ذكره بشماله ومسحه على الحجر فإن كان الحجر، صغيرا وضعه بين عقبيه أو بين أصابعه ومسح عليه إن أمكنه وإلا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره الذكر عليه، وقيل يمسك الذكر بيمينه ويمسحه بيساره والأول أولى لما ذكرنا من الحديث ولأنه إذا أمسك الحجر بيمينه ومسح بيساره لم يكن ماسحا

بيمينه ولا ممسكا للذكر بها، فإن كان أقطع اليسرى أو بها مرض استجمر بيمينه للحاجة.
فأما الاستعانة بها في الماء فلا يكره لأن الحاجة داعية إليه (فإن استجمر بيمينه لغير حاجة أجزأه) في قول أكثر أهل العلم وحكي عن بعض أهل الظاهر أنه لا يجزئه لأنه منهي عنه أشبه مالو استنجى بالروث والرمة والأول أولى لأن الروث آلة الاستجمار المباشرة للمحل وشرطه فلم يجز استعمال الآلة المنهي عنها فيه واليد ليست المباشرة للمحل ولا شرطاً فيه إنما يتناول بها الحجر الملاقي للمحل فصار النهي عنها نهي تأديب لا يمنع الاجزاء (مسألة) (ثم يتحول عن موضعه لئلا يتنجس بالخارج منه ثم يستجمر ثم يستنجي بالماء) الجمع بين الحجر والماء أفضل لأن الحجر يزيل ما غلظ من النجاسة فلا تباشرها يده.
والماء يزيل ما بقي قال أحمد: إن جمعهما فهو أحب إلي لما روي عن عائشة أنها قالت للنساء: مرن أزواجكن أن يتبعوا الحجارة الماء من أثر الغائط والبول فإني أستحبهما وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله قال الترمذي هذا حديث صحيح (مسألة) قال (ويجزئه أحدهما) في قول أكثر أهل العلم، وحكي عن سعد بن أبي وقاص وابن الزبير أنهما أنكرا الاستنجاء بالماء قال سعيد بن المسيب: وهل يفعل ذلك إلا النساء؟ وقال عطاء غسل الدبر

محدث، والأول أولى لما روى أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء متفق عليه ولما ذكرنا من حديث عائشة وروى ابو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " نزلت هذه الآية في أهل قباء (فيه رجال يحبون أن يتطهروا) قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيه هذه الآية " رواه أبو داود وروي عن ابن عمر أنه كان لا يفعله ثم فعله وقال لنافع إنا جربناه فوجدناه صالحا ولأنه يطهر النجاسة في غير محل الاستنجاء فجاز في محل الاستنجاء قياساً عليه، فأما الاقتصار على الاستجمار فهو جائز بغير خلاف بين أهل العلم لما يذكر من الأخبار وهو إجماع الصحابة رضي الله عنهم، ومتى أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لما روينا من الأحاديث ولأنه يزيل العين والأثر ويطهر المحل وأبلغ في التنظيف (مسألة) قال (ألا إن يعدوا الخارج موضع الحاجة فلا يجزئ إلا الماء) مثل أن ينتشر إلى الصفحتين أو يمتد إلى الحشفة كثيرا وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر لأن الاستجمار في المحل المعتاد رخصة لأجل المشقة في غسله لتكرر النجاسة فيه فما لا يتكرر لا يجزئ فيه إلا الماء كساقية ولذلك قال علي رضي الله عنه - إنكم كنتم تبعرون بعرا وأنتم اليوم تثلطون ثلطا فأتبعوا الماء الأحجار فأما قوله عليه السلام " يكفي أحدكم ثلاثة أحجار " يحمل على ما إذا لم يتجاوز موضع العادة لما ذكرنا (فصل) والمرأة البكر كالرجل لأن عذرتها تمنع انتشار البول، فأما الثيب فإن خرج البول بحدة ولم ينتشر فكذلك وإن تعدى إلى مخرج الحيض فقال أصحابنا يجب غسله لأن مخرج الحيض غير مخرج البول، قال شيخنا ويحتمل أن لا يجب لأن هذا إعادة في حقها فكفى فيه الاستجمار كالمعتاد في غيرها ولأن الغسل لو لزمها لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لأزواجه لكونه مما يحتاج إلى معرفته، وإن شك في انتشار الخارج لم يجب الغسل لأن الأصل عدمه والأولى الغسل احتياطا

(فصل) والأقلف إن كانت بسرته لا تخرج من قلفته فهو كالمختتن وإن كان يمكنه كشفها كشفها فإذا بال واستجمر أعادها، وإن تنجست بالبول لزمه غسلها كما لو انتشر إلى معظم الحشفة (فصل) وإن انسد المخرج المعتاد وانفتح آخر لم يجز فيه الاستجمار، وحكي عن بعض أصحابنا أنه يجزئه لأنه صار معتادا - ولنا أن هذا نادر بالنسبة إلى سائر الناس فلم يثبت فيه أحكام الفرج ولأن لمسه لا ينقض الوضوء ولا يتعلق بالإيلاج فيه شئ من أحكام الوطئ أشبه سائر البدن (فصل) والأولى أن يبدأ الرجل بالاستنجاء في القبل لئلا تتلوث يده إذا شرع في الدبر لأن قبله بارز فأما المرأة فهي مخيرة في البداية بأيهما شاءت لعدم ذلك فيها وإذا استنجى بالماء ثم فرغ استحب له دلك يده بالأرض لما روت ميمونة أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك رواه البخاري

ويستحب أن يمكث قليلا قبل الاستنجاء حتى ينقطع أثر البول فإن استنجى عقيب انقطاعه جاز لأن الظاهر انقطاعه، وقد قيل إن الماء يقطع البول ولذلك سمي الاستنجاء انتقاص الماء ويستحب أن ينضح على فرجه وسراويله بعد الاستنجاء ليزيل عنه الوسواس قال حنبل سألت أحمد قلت أتوضأ وأستبرئ وأجد في نفسي أني قد أحدثت بعد؟ قال: إذا توضأت فاستبرئ ثم خذ كفا من ماء فرشه في فرجك لا تلتفت إليه فإنه يذهب إن شاء الله، وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " جاءني جبريل فقال يا محمد إذا توضأت فانتضح " حديث غريب (فصل) وإذا استنجى بالماء لم يحتج إلى التراب لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه استعمل التراب مع الماء في الاستنجاء ولا أمر به (مسألة) قال (ويجوز الاستجمار بكل طاهر ينقي كالحجر ونحوه الخشب والخرق) أما الاستجمار بالاحجار فلا خلاف فيه فيما علمنا وذلك لما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه " رواه أبو داود، فأما الاستجمار بما سواها كالخشب والخرق وما في معناها مما ينقي فهو جائز في الصحيح من المذهب وقول أكثر أهل العلم وعنه لا يجزئ إلا الأحجار اختارها أبو بكر وهو مذهب داود لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالأحجار وأمره يقتضي الوجوب ولأنه موضع رخصة ورد الشرع فيها بآلة مخصوصة فوجب الاقتصار عليها كالتراب في التيمم وقياسا على رمي الجمار، ولنا ما روى طاوس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا أتى أحدكم البراز فلينزه قبلة الله فلا يستقبلها ولا يستدبرها وليستطب بثلاثة أحجار أو ثلاثة أعواد أو ثلاث حثيات من تراب " رواه الدارقطني قال وقد روي عن ابن عباس مرفوعا والصحيح أنه مرسل وفي حديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لينهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار وأن نستنجي برجيع أو عظم رواه مسلم.
وتخصيص هذين بالنهي يدل على أنه أراد الحجارة وما قام مقامها وإلا لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى، ولأنه متى ورد النص بشئ لمعنى معقول

وجب تعديته إلى ما وجد فيه المعنى، والمعنى ههنا إزالة عين النجاسة وهذا يحصل بغير الأحجار كحصوله بها فأما التيمم فإنه غير معقول (فصل) ويشترط فيما يستجمر به أن يكون طاهرا كما ذكر، فإن كان نجسا لم يجزئه الاستجمار به وبهذا قال الشافعي، وقال أبو حنيفة يجزئه لأنه يجففه كالطاهر، ولنا أن ابن مسعود جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحجرين وروثة ليستجمر بها فأخذ الحجر وألقى الروثة وقال " هذا ركس " يعني نجسا، رواه الترمذي وهذا تعليل من النبي صلى الله عليه وسلم يجب المصير إليه، ولأنه إزالة نجاسة فلا تحصل بالنجس كالغسل، فإن استجمر بنجس احتمل أن لا يجزئه الاستجمار بعده لأنها نجاسة من خارج فلم يجز فيها غير الماء كما لو تنجس المحل بها ابتداء، ويحتمل أن يجزئه لأن هذه النجاسة تابعة لنجاسة المحل فزالت بزوالها، ويشترط أن يكون مما ينقي لأن الإنقاء شرط في الاستنجاء فإن كان زلجا كالزجاج والفحم الرخو وشبههما أو نديا لا ينقي لم يجز في الاستجمار لأنه لا يحصل به المقصود (مسألة) قال (إلا الروث والعظام والطعام وما له حرمة وما يتصل بحيوان) وجملة ذلك أنه لا يجوز الاستجمار بالروث ولا العظام ولا يجزئ في قول أكثر أهل العلم وبهذا قال الثوري والشافعي واسحاق، وقال أبو حنيفة يجوز الاستجمار بهما لأنهما يجففان النجاسة وينقيان المحل فهما كالحجر، وأباح مالك الاستنجاء بالطاهر منهما، ولنا ما روى مسلم عن ابن مسعود قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن " وروى الدارقطني أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث أو عظم وقال " إنهما لا يطهران " وقال إسناد صحيح، وروى أبو داود عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال لرويفع بن ثابت " أخبر الناس أنه من استنجى برجيع أو عظم فهو برئ من محمد " وهذا عام في الطاهر منهما وغيره، والنهي يقتضي الفساد وعدم الإجزاء، وكذلك الطعام يحرم الاستنجاء

به بطريق التنبيه لأن النبي صلى الله عليه وسلم علل النهي عن الروث والرمة بكونه زاد الجن فزادنا أولى لكونه أعظم حرمة، فإن قيل فقد نهى عن الاستجمار باليمين كنهيه عن الاستجمار بهذين ولم يمنع ذلك الإجزاء فعنه جوابان (أحدهما) أنه قد بين في الحديث أنهما لا يطهران (الثاني) الفرق بينهما وهو أن النهي ههنا لمعنى في شرط الفعل فمنع صحته كالنهي عن الوضوء بالماء النجس وثم لمعنى في آلة الشرط فلم يمنع كالوضوء من إناء محرم وكذلك ماله حرمة مثل كتب الفقه والحديث لما فيه من هتك الشريعة والاستخفاف بحرمتها فهو في الحرمة أعظم من الروث والرمة وكذلك ما يتصل بحيوان كعقبه ويده وذنب البهيمة وصوفها المتصل بها لأن له حرمة فهو كالطعام (مسألة) (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات إما بحجر ذي شعب أو بثلاثة) أما الاستجمار بثلاثة أحجار فيجزئ إذا حصل بها الإنقاء بغير خلاف علمناه لما ذكرناه من النص والإجماع فأما الحجر الذي له ثلاث شعب فيجوز الاستجمار به في ظاهر المذهب وهو اختيار الخرقي ومذهب الشافعي واسحاق وأبي ثور، وعن أحمد رواية أخرى لا يجزئ أقل من ثلاثة أحجار وهو قول أبي بكر وابن المنذر لقوله صلى الله عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم ولا يكفي أحدكم دون ثلاثة أحجار ولأنه إذا استجمر بالحجر تنجس فلم يجز الاستجمار به ثانيا كالصغير.
ولنا أنه استجمر ثلاثا منقية بما وجد فيه شروط الاستجمار فأجزأه كما لو فصله ثلاثة أحجار واستجمر بها فإنه لا فرق بينهما إلا فصلة ولا أثر لذلك في التطهير والحديث يقتضي ثلاث مسحات بحجر كما يقال ضربته ثلاثة اسواط أي ثلاث ضربات بسوط وذلك لأن معناه معقول ومراده معلوم والحاصل من ثلاثة أحجار حاصل من ثلاث شعب، ومن مسحه ذكره في صخرة عظيمة بثلاثة مواضع منها فلا معنى للجمود على اللفظ مع وجود ما يساويه، وقولهم إن الحجر يتنجس قلنا إنما يمسح بالموضع الطاهر أشبه مالو تنجس جانبه بغير الاستجمار ولأنه لو استجمر به ثلاثة حصل لكل واحد منهم مسحة وقام مقام ثلاثة أحجار فكذلك إذا استجمر به الواحد (فصل) ولو استجمر ثلاثة بثلاثة أحجار لكل حجر ثلاث شعب استجمر كل واحد بشعبة

من حجر أو استجمر بحجر ثم غسله وكسر ما تنجس منه ثم استجمر به ثانيا ثم فعل ذلك واستجمر به ثلاثا أجزأه لحصول المعنى والإنقاء، ويحتمل على قول أبي بكر ان لا يجزئه جمودا على اللفظ وهو بعيد والله أعلم (فصل) ويشترط للاستجمار الإنقاء وكمال العدد ومعى الإنقاء في الاستجمار إزالة عين النجاسة وبللها بحيث يخرج نقيا ليس عليه أثر إلا شيئا يسيرا، ومعنى الإنقاء في الاستنجاء ذهاب لزوجة النجاسة وآثارها، فإن وجد الإنقاء ولم يكمل العدد لم يجزي وهذا مذهب الشافعي، وقال مالك يجزي وبه قال داود لحصول المقصود وهو الإنقاء ولقوله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " ولنا قول سلمان لقد نهانا يعني النبي صلى الله عليه وسلم إن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار.
فأما قوله " فلا حرج " في حديثهم يعني في ترك الوتر لا في ترك العدد لأن المأمور به في الخبر الوتر فيعود نفي الحرج اليه (مسألة) (فإن لم ينق بها زاد حتى ينقي) لان المقصود إزالة آثار النجاسة فإذا لم ينق لم يحصل مقصود الاستجمار (مسألة) قال (ويقطع على وتر) لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من استجمر فليوتر " متفق عليه، وهو مستحب غير واجب لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه الإمام أحمد وأبو داود " فليستجمر ثلاثا أو خمسا أو سبعاً أو تسعا " فإن أنقى بشفع أجزأ لما ذكرنا (فصل) وكيفما حصل الإنقاء في الاستجمار أجزأ، وذكر القاضي أن المستحب أن يمر الحجر الأول من مقدم صفحته اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يصل به إلى الموضع الذي بدأ منه ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أو لا يجد أحدكم حجرين للصفحتين وحجرا للمسربة، " رواه الدارقطني وقال إسناد حسن،

وذكر الشريف أبو جعفر وابن عقيل أنه ينبغي أن يعم المحل بكل واحد من الأحجار لأنه إذا لم يعم كان تلفيقا فيكون مسحة واحدة وقالا معنى الحديث البداية بهذه المواضع، قال شيخنا ويحتمل أن يجزئه لكل جهة مسحة لظاهر الخبر والله أعلم (فصل) ويجزي الاستجمار في النادر كأجزائه في المعتاد، ولأصحاب الشافعي وجه أنه لا يجزئ في النادر قال ابن عبد البر يحتمل أن يكون قول مالك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الذكر من المذي وظاهر الأمر الوجوب ولأن النادر لا يتكرر فلا يشق اعتبار الماء فيه فوجب كغير هذا المحل - ولنا أن الخبر عام في الكل ولأن الاستجمار في النادر إنما وجب لما صحبه من بلة المعتاد، ثم إن لم يشق فهو في محل المشقة فيعتبر مظنة المشقة دون حقيقتها كما جاز الاستجمار على نهر جار.
وأما المذي فمعتاد كثير وربما كان في بعض الناس أكثر من البول ولهذا أوجب مالك منه الوضوء وهو لا يوجبه من النادر فيجزئ فيه الاستجمار قياساً على سائر المعتاد والأمر محمول على الاستحباب جمعاً بينه وبين ما ذكرناه والله أعلم (مسألة) قال (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح) سواء كان معتادا كالبول والغائط أو نادرا كالحصى والدود والشعر رطبا أو يابسا، فلو وطئ امرأته دون الفرج فدب ماؤه إلى فرجها ثم خرج منه وجب عليهما الاستنجاء هذا ظاهر كلام الخرقي وصرح به القاضي وغيره، ولو أدخل الميل في ذكره ثم أخرجه لزمه الاستنجاء لأنه خارج من السبيل فأشبه الغائط المستحجر، والقياس أن لا يجب الاستنجاء من ناشف لا ينجس المحل وهو قول الشافعي، وهذا الحكم في الطاهر وهو المني إذا حكمنا بطهارته لأن الاستنجاء إنما شرع لإزالة النجاسة ولا نجاسة ههنا، ولأنه لم يرد به نص ولا هو في معنى المنصوص والقول بوجوب الاستنجاء في الجملة قول أكثر أهل العلم، وحكي عن

ابن سيرين فيمن صلى بقوم ولم يستنج لا أعلم به بأسا وهذا يحتمل أن يكون فيمن لم يلزمه الاستنجاء كمن توضأ من نوم أو خروج ريح، ويحتمل أنه لم ير وجوب الاستنجاء وهذا مذهب أبي حنيفة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " رواه أبو داود ولأنها نجاسة يجزئ المسح فيها فلم يجب إزالتها كيسير الدم - ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه " رواه أبو داود، وقال صلى الله عليه وسلم " لا يستنج أحدكم بدون ثلاثة أحجار " رواه مسلم أمر والأمر يقتضي الوجوب وقال فإنها تجزئ عنه والإجزاء إنما يستعمل في الواجب، ونهى عن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار والنهي يقتضي التحريم وإذا حرم ترك بعض النجاسة فالجميع أولى فأما قوله " لا حرج " يعني في ترك الوتر وقد ذكرناه وأما الإجتزاء بالمسح فيه فلمشقة الغسل لتكرر النجاسة في محل الاستنجاء.
فأما الريح فلا يجب لها استنجاء لا نعلم فيه خلافا، قال أبو عبد الله ليس في الريح استنجاء في كتاب الله ولا في سنة رسوله وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من استنجى من ريح فليس منا " رواه الطبراني في المعجم الصغير، وعن زيد بن أسلم في قوله تعالى (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) إذا اقمتم من النوم ولم يأمر بغيره فدل على أنه لا يجب، ولأن الوجوب من الشرع ولم يرد فيه نص ولا هو في معنى المنصوص ولأنها ليست نجسة ولا يصحبها نجاسة فلا يجب غسل المحل منها كسائر المحال الطاهرة (مسألة) (فإن توضأ قبله فهل يصح وضوؤه على روايتين) يعني إن توضأ قبل الاستنجاء (إحداهما) لا يصح لأنها طهارة يبطلها الحدث فاشترط تقديم الاستنجاء عليها كالتيمم (والثانية) يصح وهي أصح وهي مذهب الشافعي لأنها إزالة نجاسة فلم تشترط لصحة الطهارة كالتي على غير الفرج فعلى هذه الرواية إن قدم التيمم خرج على الروايتين (إحداهما) يصح قياساً على الوضوء (الثانية) لا يصح لأنه لا يرفع الحدث وإنما تستباح به الصلاة ولا تباح مع قيام المانع كما لو تيمم قبل الوقت، وقيل في التيمم لا يصح وجها واحداً لما ذكرنا، وإن كانت النجاسة على غير الفرج فهو كما لو كانت على الفرج ذكرها ابن عقيل لما ذكرنا من العلة.
قال شيخنا: والأشبه التفريق بينهما كما افترقا في طهارة الماء، ولأن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعا منه بخلاف سائر النجاسات

(باب السواك وسنة الوضوء) (مسألة) قال (والسواك مسنون في جميع الأوقات) لا نعلم خلافاً في استحبابه وتأكده وذلك لما روى عن أبي بكر الصديق رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " السواك مطهرة للفم مرضاة للرب " رواه الإمام أحمد، وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل بيته بدأ بالسواك.
رواه مسلم، وروى ابن ماجة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إني لأستاك حتى لقد خشيت أن أحفي مقادم فمي " (مسألة) قال (إلا الصائم بعد الزوال فلا يستحب) قال ابن عقيل لا يختلف المذهب أنه لا يستحب للصائم السواك بعد الزوال لما نذكره، وهل يكره؟ على روايتين (إحداهما) يكره وهو قول الشافعي وإسحاق وأبي ثور لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يستاك ما بينه وبين الظهر ولا يستاك بعد ذلك.
ولأن السواك إنما استحب لإزالة رائحة الفم وقد قال صلى الله عليه وسلم " لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك " رواه الترمذي وقال حديث حسن وإزالة المستطاب عند الله مكروه كدم الشهداء وشعث الإحرام (والثانية) لا يكره وهو قول النخعي وابن سيرين وعروة ومالك وأصحاب الرأي وروي ذلك عن عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم لعموم الأحاديث المروية في السواك ولقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " من خير خصال الصائم السواك " رواه ابن ماجه وقال عامر بن ربيعة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مالاً أحصي يتسوك وهو صائم رواه الترمذي وقال حديث حسن

(فصل) أكثر أهل العلم يرون السواك سنة غير واجب.
ولا نعلم احدا قال بوجوبه إلا إسحاق وداود لأنه مأمور به والأمر يقتضي الوجوب.
وروى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرا وغير طاهر فلما شق ذلك عليه أمر بالسواك عند كل صلاة، ووجه الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " متفق عليه وروى الإمام أحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لولا أن أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك كما فرضت عليهم الوضوء " وهذان الحديثان يدلان على أنه غير واجب لأن المشقة إنما تلحق بالواجب ويدل على أن الآمر في حديثهم أمر ندب واستحباب، ويحتمل أن يكون ذلك واجباً في حق النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص جمعا بين الخبرين (مسألة) قال (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع عند الصلاة للخبر) الأول ولما روى زيد بن خالد قال " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة " قال فكان خالد يضع السواك موضع القلم من أذن الكاتب كلما قام إلى الصلاة استاك رواه الترمذي وقال حديث صحيح (وعند القيام من النوم) لما روى حذيفة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك، متفق عليه يعني يغسله يقال شاصه وماصه إذا غسله.
وعن عائشة قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ رواه الإمام أحمد ولأنه إذا نام ينطبق فوه فتغير رائحته (وعند تغير رائحة الفم) بمأكول أو غيره لأن

السواك مشروع لتطييب الفم وإزالة رائحته، وقال الشيخ أبو الفرج يتأكد استحبابه عند قراءة القرآن والانتباه من النوم وتغير رائحة الفم (فصل) (ويستاك على أسنانه ولسانه) قال أبو موسى أتينا النبي صلى الله عليه وسلم فرأيته يستاك على لسانه متفق عليه (مسألة) (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه) كالأراك والعرجون لما روي عن ابن مسعود قال كنت أجتني لرسول الله صلى الله عليه وسلم سواكا من أراك رواه أبو يعلى الموصلي وقد رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود أنه كان يجتني سواكا من الأراك ولا يستاك بعود الرمان ولا الآس ولا الأعواد الذكية لأنه روي عن قبيصة بن ذؤيب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تخللوا بعود الريحان ولا الرمان فإنهما يحركان عرق الجذام " رواه محمد ابن الحسين الأزدي الحافظ بإسناده وقيل السواك يعود الريحان يضر بلحم الفم (مسألة) (فإن استاك بأصبعه أو خرقة فهل يصيب السنة على وجهين) (أحدهما) لا يصيب السنة لأنه لا يحصل الإنقاء به حصوله بالعود (والثاني) يصيب من السنة بقدر ما يحصل من الإنقاء ولا يترك القليل من السنة للعجز عن كثيرها وهو الصحيح لما روى أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يجزئ من السواك الأصابع " رواه البيهقي قال الحافظ محمد بن عبد الواحد المقدسي هذا إسناد لا أرى به بأسا

(مسألة) (ويستاك عرضا ويدهن غبا ويكتحل وترا) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا " ولأن السواك طولا ربما أدمى اللثة وأفسد الأسنان وروي الطبراني بإسناده عن بهز قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يستاك عرضا، فإن استاك على لسانه أو حلقه فلا بأس أن يستاك طولا لما روى أبو موسى قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يستاك وهو واضع طرف السواك على لسانه يستن إلى فوق فوصف حماد كأنه يرفع سواكه قال حماد ووصفه لنا غيلان قال كأنه يستاك طولا رواه الإمام أحمد.
وروى الخلال بإسناده عن عبد الله بن مغفل قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الترجل إلا غبا.
قال أحمد معناه يدهن يوما ويوما، وروى جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عليكم بالائمد فإنه يجلو البصر وينبت الشعر " وروى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج " والوتر ثلاث في كل عين وقيل ثلاث في اليمنى واثنان في اليسرى ليكون الوتر حاصلا في العينين معا (فصول في الفطرة) روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط " متفق عليه.
وروى عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عشر من الفطرة قص الشارب وإعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الاظفار وغسل البراجم ونتف الأبط وحلق العانة وانتقاص الماء " قال بعض الرواة ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة قال وكيع: انتقاص الماء يعني الاستنجاء رواه مسلم، الاستحداد حلق العانة وهو مستحب لأنه من الفطرة ويفحش بتركه وبأي شئ أزاله فلا بأس لأن المقصود إزالته قيل لأبي عبد الله ترى أن يأخذ الرجل سفلته بالمقراض وإن لم يستقص؟ قال أرجو أن يجزئ إن شاء الله، قيل ما تقول في الرجل إذا نتف عانته؟ قال وهل يقوى على هذا أحد؟

وإن اطلى بالنورة فلا بأس ولا يدع أحدا بلي عورته إلا من يحل له الاطلاع عليها لما روى الخلال بإسناده عن نافع قال كنت أطلي ابن عمر فإذا بلغ عانته نورها هو بيده وقد روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم والحلق أفضل لموافقته الحديث الصحيح (فصل) ونتف الإبط سنة لأنه من الفطرة ويفحش بتركه وإن أزال الشعر بالنورة أو الحلق جاز والنتف أفضل لموافقته الخبر (فصل) ويستحب تقليم الاظفار لما ذكرنا ولأنها تتفاحش بتركها وربما مكث الوسخ فيجتمع تحتها من المواضع المنتنة فيصير رائحة ذلك في رءوس أصابعه وربما منع وصول الماء في الطهارة إلى ما تحته، ويستحب أن يقلمها يوم الخميس لما روى علي رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقلم أظفاره يوم الخميس ثم قال " يا علي قص الظفر ونتف الأبط وحلق العانة يوم الخميس، والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة " وروي في حديث " من قص أظفاره مخالفا لم ير في عينيه رمدا " (1) وفسره أبو عبد الله بن بطة بأن يبدأ بخنصره اليمنى ثم الوسطى ثم الإبهام ثم البنصر ثم السبابة ثم بإبهام اليسرى ثم الوسطى ثم الخنصر ثم السبابة ثم البنصر، ويستحب غسل رءوس الأصابع بعد قص الاظفار لأنه قيل إن الحك بالأظفار قبل غسلها يضر بالجسد، ويستحب دفن ما قلم من أظفاره أو أزال من شعره لما روى الخلال بإسناده عن ثميل بنت مشرح الأشعرية قالت رأيت أبي يقلم أظفاره ويدفنها ويقول رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك، وخرجه عنها البزار والطبراني والبيهقي في الشعر كذلك والحيكم الترمذي والبيهقي عن عبد الله بن بسر وأخرجه البيهقي وابن

عدي عن ابن عمر يعني مشروعية الدفن، وعن ابن جريج عن النبي صلى الله عليه وسلم قال كان يعجبه دفن الدم قال مهنا سألت أحمد عن الرجل يأخذ من شعره وأظفاره أيدفنه أو يلقيه؟ قال يدفنه، قلت بلغك فيه شئ؟ قال كان ابن عمر يدفنه (فصل) ويستحب قص الشارب لأنه من الفطرة ويفحش إذا طال ولما روى زيد بن أرقم قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من لم يأخذ من شاربه فليس منا " رواه الترمذي وقال حديث صحيح، ويستحب إعفاء اللحية لما ذكرنا من الحديث، وهل يكره أخذ ما زاد على القبضة، فيه وجهان (أحدهما) يكره لما روى ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خالفوا المشركين احفوا الشوارب واعفوا اللحى " متفق عليه (والثاني) لا يكره يروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وروى البخاري قال كان عبد الله بن عمر إذا حج أو اعتمر قبض على لحيته فما فضل أخذه، ولا ينبغي أن يتركها أكثر من أربعين يوماً لما روى أنس بن مالك قال وقت لنا في قص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الأبط وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين رواه مسلم (فصل) واتخاذ الشعر أفضل من إزالته قال إسحاق سئل أبو عبد الله عن الرجل يتخذ الشعر قال سنة حسنة لو أمكننا اتخذناه، وقال كان للنبي صلى الله عليه وسلم جمة وقال في بعض الحديث أن شعر النبي صلى الله عليه وسلم كان إلى شحمة أذنه وفي بعض الحديث إلى منكبيه، وروى البراء بن عازب قال ما رأيت من ذي لمة في حلة حمراء أحسن من النبي صلى الله عليه وسلم له شعر يضرب منكبيه متفق عليه، ويستحب أن يكون شعر الإنسان على صفة شعر النبي صلى الله عليه وسلم إذا طال فإلى المنكب وإذا قصر فإلى شحمة الأذن وإن طوله فلا بأس نص عليه أحمد، وقال أبو عبيدة: كان له عقيصتان وعثمان كان له عقيصتان، ويستحب ترجيل الشعر وإكرامه لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من كان له شعر فليكرمه " رواه أبو داود، ويستحب فرقه لأن النبي صلى الله عليه وسلم فرق شعره وذكره في الفطرة

(فصل) وهل يكره حلق الرأس في غير الحج والعمرة؟ فيه روايتان (إحداهما) يكره لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الخوارج " سيماهم التحليق " وقال عمر لصبيغ: لو وجدتك محلوقاً لضربت الذي فيه عيناك بالسيف، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " لا توضع النواصي إلا في حج أو عمرة " أخرجه الدارقطني في الأفراد (والثانية) لا يكره لكن تركه أفضل، قال حنبل كنت أنا وأبي نحلق رؤوسنا في حياة أبي عبد الله فيرانا ونحن نحلق فلا ينهانا وذلك لما روى عن عبد الله بن جعفر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء نعي جعفر أمهل آل جعفر ثلاثا أن يأتيهم ثم أتاهم قال " لا تبكوا على أخي بعد اليوم - ثم قال - ادعوا بي أخي - فجئ بنا قال - ادعوا لي الحلاق " فأمر بنا فحلق رؤوسنا.
رواه أبو داود الطيالسي، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود، ولأنه لا يكره استئصال الشعر بالمقراض وهذا في معناه، قال ابن عبد البر أجمع العلماء في جميع الامصار على إباحة الحلق وكفى بهذا حجة، فأما أخذه بالمقراض واستئصاله فغير مكروه رواية واحدة قال أحمد إنما كرهوا الحلق بالموسى وأما بالمقراض فليس به بأس لأن أدلة الكراهة تختص الحلق (فصل) وحلق المرأة رأسها مكروه رواية واحدة من غير ضرورة لما روى الخلال بإسناده عن قتادة عن عكرمة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تحلق المرأة رأسها فإن كان لضرورة جاز، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يسئل عن المرأة تعجز عن شعرها وعن معالجته أتأخذه على

حديث ميمونة؟ فقال لاي شئ تأخذه؟ قيل له لا تقدر على الدهن وما يصلحه تقع فيه الدواب فقال إذا كان لضرورة فارجو أن لا يكون به بأس (فصل) ويكره نتف الشيب لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نتف الشيب وقال " إنه نور الإسلام " رواه الخلال في جامعه (فصل) ويكره حلق القفا لمن لم يحلق رأسه ولم يحتج إليه.
قال المروذي سألت أبا عبد الله عن حلق القفا قال هو من فعل المجوس ومن تشبه بقوم فهو منهم وقال لا بأس ان يحلق قفاه في الحجامة فأما حف الوجه فقال أحمد: ليس به بأس للنساء وأكرهه للرجال (فصل) وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لعن الواصلة والمستوصلة والنامصة والمنتمصة والواشرة والمستوشرة فهذه الخصال محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لعن فاعلها، وفاعل المباح لا تجوز لعنته.
والواصلة هي التي تصل شعرها أو شعر غيرها بغيره والمستوصلة الموصول شعرها بأمرها فوصله بالشعر محرم لما ذكرنا، فأما وصله بغير الشعر فإن كان بقدر ما تشد به رأسها فلا بأس للحاجة وإن كان أكثر من ذلك ففيه روايتان (إحداهما) أنه مكروه غير محرم لما روي عن معاوية أنه أخرج كبة من شعر وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن مثل هذا وقال " إنما هلك بنو إسرائيل حين اتخذ هذا نساؤهم " فخص التي تصله بالشعر فيمكن جعل ذلك تفسيرا للفظ العام في الحديث الذي ذكرناه ولأن وصله بالشعر فيه تدليس بخلاف غيره (والثانية) أنه قال لا تصل المرأة برأسها الشعر ولا القرامل ولا الصوف وذلك لما روى الامام أحمد في مسنده عن جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصل المرأة برأسها شيئا قال شيخنا والظاهر أن المحرم إنما هو وصل الشعر بالشعر لما فيه من التدليس واستعمال الشعر المختلف في نجاسته.
وغير ذلك لا يحرم لعدم ذلك فيه وحصول المصلحة من تحسين المرأة لزوجها من غير مضرة وتحمل أحاديث النهي على الكراهة والله أعلم، فأما النامصة فهي التي تنتف الشعر من الوجه والمنتمصة المنتوف شعرها بأمرها فلا يجوز للخبر، وإن حلق الشعر فلا بأس لأن الخبر ورد في النتف نص عليه أحمد، وأما الواشرة فهي التي تبرد

الأسنان لتحددها وتفلجها وتحسنها والمستوشرة المفعول بها ذلك بإذنها، وفي خبر آخر لعن الواشمة والمستوشمة - والواشمة التي تغرز جلدها أو جلد غيرها بإبرة ثم تحشوه كحلا والمستوشمة التي يفعل بها ذلك بإذنها (فصل) ويستحب الطيب لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجبه الطيب ويتطيب كثيرا ويستحب النظر في المرآة قال حنبل: رأيت أبا عبد الله وكانت له صينية فيها مرآة ومكحلة ومشط فإذا فرغ من قراءة حزبه نظر في المرآة واكتحل وامتشط، وروى أبو أيوب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أربع من سنن المرسلين الحياء والتعطر والسواك والنكاح " رواه الإمام أحمد (فصل) ويستحب خضاب الشيب بغير السواد قال أحمد إني لأرى الشيخ المخضوب فأفرح به وذلك لما روى أن أبا بكر الصديق جاء بأبيه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه ولحيته كالثغامة بياضا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " غيروهما وجنبوه السواد " ويستحب بالحناء والكتم لما روى الخلال وابن ماجة بإسنادهما عن تميم بن عبد الله بن موهب قال دخلت على أم سلمة فأخرجت إلينا شعرا من شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضوبا بالحناء والكتم.
وخضب ابو بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم ولا بأس بالورس والزعفران لان أبا مالك الأشجعي قال: كان خضابنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الورس والزعفران.
ويكره الخضاب بالسواد، قيل لأبي عبد الله تكره الخضاب بالسواد، قال إي والله لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وجنبوه السواد " في حديث أبي بكر ولما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يكون قوم في آخر الزمان يخضبون بالسواد كحواصل الحمام لا يربحون رائحة الجنة " ورخص فيه اسحاق بن راهويه للمرأة تتزين به لزوجها والله أعلم (مسألة) (ويكره القزع وهو حلق بعض الرأس) لما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن القزع وقال " احلقه كله أو دعه كله " رواه أبو داود.
وفي شروط عمر رضي الله عنه على أهل الذمة أن يحلقوا مقادم رؤوسهم ليتميزوا عن المسلمين فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم وقد نهى عن التشبه بهم

(مسألة) قال (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه) وجملة ذلك أن الختان واجب على الرجال ومكرمة للنساء وليس بواجب عليهن وهذا قول كثير من أهل العلم قال أحمد والرجل أشد وذلك أنه إذا لم يختتن فتلك الجلدة مدلاة على الكمرة فلا ينقى ماثم والمرأة أهون، وفيه رواية أخرى أنه يجب على المرأة كالرجل.
قال أبو عبد الله وكان ابن عباس يشدد في أمره، وروي عنه لا حج له ولا صلاة يعني إذا لم يختتن.
ورخص الحسن في تركه قال قد أسلم الناس الأسود والأبيض لم يفتش أحد منهم ولم يختتنوا.
والدليل على وجوبه ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل أسلم " ألق عنك شعر الكفر واختتن " رواه أبو داود وفي الحديث " اختتن إبراهيم خليل الرحمن بعد ما أتت عليه ثمانون سنة " متفق عليه واللفظ للبخاري وقال تعالى (وأوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم) ولأنه من شعائر المسلمين فكان واجبا كسائر شعائرهم، ولأنه يجوز كشف العورة والنظر إليهم لأجله ولو لم يكن واجبا لما جاز النظر إلى العورة من أجله، وهذا ينتقض بالمرأة إذا قلنا لا يجب عليها فإنه ليس واجبا عليها ويجوز كشف عورتها من أجله، فأما إن خاف على نفسه منه سقط لأن الغسل والوضوء وما هو آكد منه يسقط بذلك فهذا أولى (فصل) ويشرع الختان في حق النساء لأن قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا التقى الختانان وجب الغسل " فيه بيان أن النساء كن يختتن.
وروى الخلال بإسناده عن شداد بن أوس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " الختان سنة للرجال ومكرمة للنساء (فصل) اختلف العلماء في وقت الختان فقال مالك: يختن يوم أسبوعه وهو قول الحسن، وقال أحمد

لم أسمع في ذلك شيئاً، وقال الليث الختان للغلام مابين سبع سنين إلى العشرة وروى مكحول وغيره أن إبراهيم عليه السلام ختن إسحاق لسبعة أيام وإسماعيل لثلاث عشرة سنة، وروي عن أبي جعفر أن فاطمة عليها السلام كانت تختن ولدها يوم السابع، قال إبن المنذر ليس في باب الختان خبر حتى يرجع إليه ولا سنة تتبع والأشياء على الإباحة.
قلت ولا يثبت في ذلك توقيت فمتى ختن قبل البلوغ كان مصيبا والله أعلم (مسألة) (ويتيامن في سواكه وطهوره وانتعاله ودخوله المسجد) لما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمنى، وإذا خلع فليبدأ باليسرى " رواه الطبراني في المعجم الصغير ولأن عثمان وعليا وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ باليمنى قبل اليسرى.
رواه أبو داود (مسألة) (وسنن الوضوء عشرة السواك) لما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم مع كل وضوء بسواك " رواه الإمام أحمد (والتسمية وعنه أنها واجبة مع الذكر) وجملته أن التسمية فيها روايتان (إحداهما) أنها واجبة في طهارات الحدث كلها الغسل والوضوء والتيمم وهذا اختيار أبي بكر ومذهب الحسن وإسحاق لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا وضوء لمن لا يذكر اسم الله عليه " رواه أبو داود والترمذي ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه منهم أبو سعيد.
قال أحمد حديث أبي سعيد أحسن حديث في الباب وهذا نفي في نكرة يقتضي أن لا يصح وضوؤه بدون التسمية (والثانية) أنها سنة وهذا ظاهر المذهب، قال

الخلال: الذي استقرت الروايات عليه أنه لا بأس به يعني إذا ترك التسمية وهذا قول الثوري ومالك والشافعي وابن المنذر وأصحاب الرأي واختيار الخرقي لأنها طهارة فلا تفتقر إلى التسمية كالطهارة من النجاسة أو عبادة فلا تجب فيها التسمية كسائر العبادات.
والأحاديث قال أحمد ليس يثبت في هذا حديث ولا أعلم فيها حديثا له إسناد جيد وإن صح ذلك فيحمل على تأكيد الاستحباب ونفي الكمال بدونها كقوله " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " (فصل) فإذا قلنا بوجوبها فتركها عمدا لم تصح طهارته قياساً على سائر الواجبات، وإن نسيها فقال بعض أصحابنا لا تسقط قياسا لها على سائر الواجبات والصحيح أنها تسقط بالسهو نص عليه أحمد في رواية أبي داود فإنه قال سألت أحمد إذا نسي التسمية في الوضوء قال أرجو أن لا يكون عليه شئ وهذا قول إسحاق ووجه ذلك قوله صلى الله عليه وسلم " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " ولأن الوضوء عبادة تتغاير أفعالها فكان في واجباتها ما يسقط بالسهو كالصلاة ولا يصح قياسها على سائر واجبات الطهارة لتأكد وجوبها بخلاف التسمية فعلى هذا إذا ذكرها في أثناء طهارته سمى حيث ذكر لأنه إذا عفي عنها مع السهو في جملة الوضوء ففي البعض أولى، وإن تركها عمدا حتى غسل عضوا لم يعتد بغسله لأنه لم يذكر اسم الله عليه، وقال الشيخ أبو الفرج إذا سمى في أثناء الوضوء أجزأه يعني على كل حال لأنه قد ذكر اسم الله على وضوئه والتسمية قول بسم الله لا يقوم غيرها مقامها كالتسمية المشروعة

على الذبيحة وعند الأكل والشرب وموضعها بعد النية لتكون شاملة لجميع أفعال الوضوء ولتكون النية شاملة لها كما يسمى على الذبيحة قبل ذبحها (مسألة) قال (وغسل الكفين إلا أن يكون قائما من نوم الليل ففي وجوبه روايتان) وجملة ذلك أن غسل اليدين إلى الكوعين سنة في الوضوء سواء قام من النوم أو لم يقم لأن عثمان وعليا وعبد الله بن زيد وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكروا أنه غسل كفيه ثلاثا ولأنهما آلة نقل الماء إلى الأعضاء ففي غسلهما احتياط لجميع الوضوء وليس بواجب إذا لم يقم من النوم بغير خلاف علمناه فأما عند القيام من نوم الليل فاختلفت الرواية عن أحمد في وجوبه فروي عنه وجوبه وهو الظاهر عنه واختيار أبي بكر وهو مذهب بن عمر وأبي هريرة والحسن لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " متفق عليه.
والأمر يقتضي الوجوب، وروي عنه أن ذلك مستحب وهو اختيار الخرقي وقول مالك والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي وابن المنذر لأن الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية وقال زيد بن أسلم في تفسيرها إذا قمتم من نوم.
أمر بغسل الوجه عقيب القيام إلى الوضوء ولم يذكر غسل الكفين والامر بالشئ يقتضي حصول الإجزاء به ولأنه قائم من نوم أشبه القائم من نوم النهار والحديث محمول على الاستحباب لأنه علل وهم النجاسة وطريان

الشك على يقين الطهارة لا يؤثر فيها كما لو تيقن الطهارة وشك في الحدث وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى والله أعلم (مسألة) قال (والبداية بالمضمضة والاستنشاق والمبالغة فيهما إلا أن يكون صائما) البداية بالمضمضة والاستنشاق قبل غسل الوجه مستحب لأن عثمان وعليا وعبد الله بن زيد ذكروا ذلك في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والمبالغة فيهما سنة - والمبالغة في المضمضة إدارة الماء في أعماق الفم وأقاصيه ولا يجعله وجورا ثم يمجه وإن ابتلعه جاز لأن الغسل قد حصل - ومعنى المبالغة في الاستنشاق اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف ولا يجعله سعوطا وذلك لما روى لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله أخبرني عن الوضوء قال " أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
ثبت بذلك استحباب المبالغة في الاستنشاق وقسنا عليه المضمضة، ولأنه من جملة إسباغ الوضوء المأمور به وقال أبو حفص العكبري هي واجبة في الاستنشاق على غير الصائم للحديث المذكور.
فأما الصائم فلا يستحب له المبالغة فيهما لا تعلم فيه خلافاً لما ذكرناه من الحديث (فصل) ويستحب المبالغة في غسل سائر الاعضاء بالتخليل ودلك المواضع التي ينبو عنها الماء ويستحب مجاوزة موضع الوجوب بالغسل لما روى نعيم المجمر أنه رأى أبا هريرة يتوضأ فغسل

وجهه ويديه حتى كاد يبلغ المنكبين ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل " متفق عليه، ولمسلم عنه سمعت خليلي صلى الله عليه وسلم يقول " تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء " (مسألة) قال (وتخليل اللحية وهو سنة) وممن روي عنه أنه كان يخلل لحيته ابن عمر وابن عباس، ووجهه ما روى عثمان عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخلل لحيته رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فجعله تحت حنكه وخلل به لحيته وقال " هكذا أمرني ربي " رواه أبو داود، وصفة التخليل أن يشبك لحيته بأصابعه ويعركها وكما روى ابن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ عرك عارضه بعض العرك ثم شبك لحيته بأصابعه من تحتها، رواه الدارقطني وقال الصواب أنه موقوف على ابن عمر، قال يعقوب سألت أحمد عن التخليل فأراني من تحت لحيته فخلل بالأصابع، وقال حنبل من تحت ذقنه من أسفل الذقن يخلل جانبي لحيته جميعا بالماء.
ويستحب أن يتعهد بقية شعور وجهه ويمسح مآقيه لما روى أبو داود قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح الماقين (1) (مسألة) (وتخليل الأصابع) تخليل أصابع اليدين والرجلين في الوضوء مسنون لقول النبي صلى الله عليه وسلم للقيط بن صبرة " وخلل بين الأصابع " وهو في الرجلين آكد قال المستورد بن شداد رأيت

النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ دلك أصابع رجله بخنصره رواه أبو داود ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها إلى إبهامها وفي اليسرى من إبهامها إلى خنصرها ليحصل له التيامن في التخليل.
وذكر ابن عقيل في استحباب تخليل أصابع اليدين روايتين (إحداهما) يستحب لما ذكرناه ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك " رواه الترمذي وقال حديث حسن (والثانية) لا يستحب لأن تفريقها يغني عن التخليل والأولى أولى (مسألة) قال (والتيامن) لا خلاف بين أهل العلم فيما علمنا في استحباب البداية باليمنى وأجمعوا على أنه لا إعادة على من بدأ بيساره قبل يمينه ووجه استحبابه حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه التيامن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله.
متفق عليه.
وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم " رواه ابن ماجه (مسألة) (وأخذ ماء جديد للأذنين) يعني أنه مستحب قال أحمد أنا أستحب أن يأخذ لأذنه ماء جديدا يروي ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والشافعي وقال ابن المنذر ليس بمسنون وحكاه أبو الخطاب رواية عن أحمد لأن الذي قالوه غير موجود في الأخبار وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " الأذنان من الرأس " رواه ابن ماجه وروت الربيع بنت معوذ والمقدام بن معد يكرب أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه وأذنيه مرة واحدة رواه أبو داود ووجه الأول ما روي عن ابن عمر، وقد ذهب الزهري إلى أنهما من الوجه وقال الشعبي ما أقبل منهما من الوجه وظاهرهما من الرأس، وقال الشافعي وأبو ثور ليستا من الرأس ولا من الوجه ففي إفرادهما بماء جديد خروج من الخلاف فكان أولى فإن مسحهما بماء الرأس أجزأه لما ذكرناه من الحديث (مسألة) قال (والغسلة الثانية والثالثة) وذلك لما روى علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ

ثلاثا ثلاثا رواه الإمام أحمد والترمذي وقال هذا أحسن شئ في الباب وأصح وليس ذلك بواجب لما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم مره مرة رواه البخاري وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماء فتوضأ مرة مرة فقال " هذا وظيفة الوضوء - أو قال - وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة " ثم توضأ مرتين مرتين ثم قال " هذا وضوء من توضأه أعطاه الله كفلين من الأجر " ثم توضأ ثلاثا ثلاثا فقال " هذا وضوئي ووضوء المرسلين من قبلي " رواه ابن ماجه (باب فروض الوضوء وصفته) (وفروضه ستة - غسل الوجه) وهو فرض بالإجماع والأصل فيه قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية (مسألة) قال (والفم والأنف منه) لدخولهما في حده على ما يأتي: (مسألة) قال (وغسل اليدين) وهو الفرض الثاني لقوله تعالى (وأيديكم إلى المرافق) (مسألة) قال (ومسح الرأس) وهو الفرض الثالث (وغسل الرجلين) وهو الفرض الرابع لقوله تعالى (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) لا نعلم خلافاً بين العلماء في وجوب غسل الوجه واليدين لما ذكرنا من النص، وكذلك مسح الرأس واجب بالإجماع في الجملة مع اختلاف الناس في قدر الواجب منه، فأما غسل الرجلين فهو فرض في قول أكثر أهل العلم، قال عبد الرحمن بن أبي ليلى اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين، وروي عن علي أنه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد ثم خلع نعليه ثم صلى، وحكي عن ابن عباس أنه قال ما أجد في كتاب الله إلا غسلتين ومسحتين وحكي عن الشعبي

أنه قال الوضوء ممسوحان ومغسولان فالممسوحان بسقطان في التيمم وعن أنس بن مالك أنه ذكر له قول الحجاج اغسلوا القدمين ظاهرهما وباطنهما وخللوا بين الأصابع فانه ليس شئ من ابن آدم أقرب إلى الخبث من قدميه فقال أنس صدق الله وكذب الحجاج وتلا هذه الآية (فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وحكي عن ابن جرير أنه قال هو مخير بين المسح والغسل ولم نعلم احدا من أهل العلم قال بجواز مسح الرجلين غير من ذكرنا واحتجوا بظاهر الآية، وبما روى ابن عباس قال توضأ النبي صلى الله عليه وسلم فأدخل يده في الإناء فتمضمض واستنشق مرة واحدة ثم أدخل يده فصب على وجهه مرة واحدة وصب على يديه مرة مرة ومسح برأسه وأذنيه مرة ثم أخذ كفا من ماء فرش على قدميه وهو منتعل: رواه سعيد، وروى سعيد عن هشيم أنبأنا يعلى بن عطاء عن أبيه قال أخبرني أوس بن أوس الثقفي أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم أتي كظامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه قال هشيم كان هذا في أول الإسلام ولنا أن عبد الله بن زيد وعثمان وصفا وضوء النبي صلى الله عليه وسلم وقالا فغسل قدميه وفي حديث عثمان ثم غسل كلتا رجليه ثلاثاً متفق عليه وحكي علي وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ثم غسل رجليه إلى الكعبين ثلاثا ثلاثا وعن عمر رضي الله عنه أن رجلاً توضأ فترك موضع ظفر من قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ارجع فأحسن وضوءك " فرجع ثم صلى رواه مسلم وعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى قوما يتوضؤن وأعقابهم تلوح فقال " ويل للأعقاب من النار " رواه مسلم.
وقد ذكرنا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتخليل وأنه كان يعرك أصابعه

بخنصره بعض العرك وهذا كله يدل على وجوب الغسل لأن الممسوح لا يحتاج إلى الاستيعاب والعرك، وأما الآية فقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وأرجلكم) قال عاد إلى الغسل وروي ذلك عن علي وابن مسعود والشعبي قراءتها كذلك وهي قراءة بن عامر فتكون معطوفة على اليدين ومن قرأ بالجر فللمجاورة كقوله تعالى (إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم) جر أليما وهو صفا للعذاب على المجاورة.
وقول الشاعر: فظل طهاة اللحم من بين منضج * صفيف شواء أو قدير معجل فجر قديرا مع العطف للمجاورة.
وإذا احتمل الأمرين وجب الرجوع إلى فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه مبين يبين بفعله تارة وبقوله أخرى ويدل على صحة هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عنبسة ثم غسل رجليه كما أمره الله فثبت بهذا أن الله تعالى إنما أمره بالغسل لا بالمسح ويحتمل أنه أراد بالمسح الغسل الخفيف، قال أبو علي الفارسي: العرب تسمي خفيف الغسل مسحا فيقولون تمسحت للصلاة أي توضأت، فإن قيل فعطفه على الرأس يدل على أنه أراد حقيقة المسح.
قلنا قد افترقا من وجوه (أحدها) إن الممسوح في الرأس شعر يشق غسله والرجلان بخلاف ذلك فهما أشبه بالمغسولات (الثاني) أنهما محدودان بحد ينتهي إليه أشبها اليدين (الثالث) إنهما معرضتان للخبث لكونهما يوطأ بهما على الأرض، وأما حديث أوس بن أوس فيحمل على أنه أراد الغسل الخفيف وكذلك حديث ابن عباس وكذلك قال أخذ ملء كف من ماء فرش على قدميه والمسح يكون بالبلل لا برش الماء والله أعلم

(مسألة) قال (والترتيب على ما ذكر الله تعالى) وهو الفرض الخامس وجملة ذلك أن الترتيب في الوضوء كما ذكر الله تعالى واجب في قول أحمد، قال شيخنا لم أر عنه فيه اختلافا وهو مذهب الشافعي وأبي ثور وأبي عبيد واسحاق وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية أخرى أنه غير واجب وهو مذهب مالك والثوري وأصحاب الرأي واختاره ابن المنذر لأن الله تعالى أمر بغسل الأعضاء وعطف بعضها على بعض بواو الجمع وهي لا تقتضي الترتيب فكيفما غسل كان ممتثلا، وروي عن علي أنه قال: ما أبالي إذا أتممت وضوئي بأي أعضائي بدأت.
وعن ابن مسعود لا بأس ان تبدأ برجليك قبل يديك في الوضوء، ووجه الأول أن في الآية قرينة تدل على الترتيب فإنه أدخل ممسوحا بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره والعرب لا تفعل ذلك إلا لفائدة والفائدة هي الترتيب.
فإن قيل فائدته استحباب الترتيب قلنا الآية ما سيقت إلا لبيان الواجب ولهذا لم تذكر السنن فيها ولأنه متى اقتضى اللفظ الترتيب كان مأمورا به ولأن كل من حكى وضوء رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاه مرتبا وهو مفسر لما في كتاب الله تعالى وتوضأ مرتبا وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " أي بمثله وقولهم إن الواو لا تقتضي الترتيب ممنوع فقد اقتضت الترتيب في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا) وما روي عن علي قال أحمد إنما عنى به اليسرى قبل اليمنى لأن مخرجهما في الكتاب واحد ويروي الإمام أحمد بإسناده أن عليا سئل فقيل له أحدنا يستعجل فيغسل شيئا قبل شئ فقال لا حتى يكون كما أمر الله تعالى وروايتهم عن ابن مسعود لا نعرف لها أصلا، فأما ترتيب اليمنى على اليسرى فلا يجب بالإجماع حكاه ابن المنذر لأن الله تعالى ذكر مخرجه واحدا فقال (وأيديكم وأرجلكم) وكذلك الترتيب بين المضمضة والاستنشاق والفقهاء يعدون اليدين عضوا والرجلين عضوا ولا يجب الترتيب بين العضو الواحد والله أعلم

(فصل) فإن نكس وضوءه فبدأ بشئ من أعضائه قبل وجهه لم يحتسب بما غسله، قبله وإن بدأ برجليه وختم بوجهه لم يصح إلا غسل وجهه، وإن توضأ منكسا أربع مرات صح وضوؤه إذا كان متقاربا يحصل له من كل مرة غسل عضو ومذهب الشافعي نحو هذا ولو غسل أعضاءه دفعة واحدة لم يصح إلا غسل وجهه وإن انغمس في ماء جار فلم يمر على أعضائه إلا جرية واحدة فكذلك وإن مر عليه أربع جريات وقلنا الغسل يجزئ عن المسح أجزأه كما لو توضأ أربع مرات، وإن كان الماء راكدا فقال بعض أصحابنا إذا أخرج وجهه ثم يديه ثم مسح رأسه ثم خرج من الماء أجزأه لان الحديث إنما يرتفع بانفصال الماء عن العضو.
ونص أحمد في رجل أراد الوضوء فاغتمس في الماء ثم خرج من الماء فعليه مسح رأسه وغسل رجليه وهذا يدل على أن الماء إذا كان جاريا فمرت عليه جرية واحدة أنه يجزئه مسح رأسه ثم يغسل رجليه.
وإن اجتمع الحدثان سقط الترتيب والموالاة على ما سنذكره إن شاة الله تعالى (مسألة) قال (والموالاة على إحدى الروايتين) الموالاة هي الشرط السادس وفيها روايتان (إحداهما) هي واجبة نص عليها أحمد في مواضع وهو قول الأوزاعي وقتادة وأحد قولي الشافعي، قال القاضي وفيها رواية أخرى أنها غير واجبة وهو قول النخعي والحسن والثوري وأصحاب الرأي والقول الثاني للشافعي واختاره ابن المنذر لأن المأمور به غسل الأعضاء فكيفما غسل فقد أتى بالمأمور به، وقد ثبت أن ابن عمر توضأ بالسوق فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه ثم دعي لجنازة فمسح على خفيه ثم صلى عليها ولأنها إحدى الطهارتين فلم تجب فيها الموالاة كالكبرى.
وقال مالك إن تعمد التفريق بطل وإلا فلا.
ووجه الأولى ما روى عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم إن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبو داود (1) ولو لم تجب الموالاة لأجزأه غسل اللمعة حسب ولأنها عبادة يفسدها الحدث فاشترطت لها الموالاة كالصلاة والآية دلت على وجوب الغسل وبين النبي صلى الله عليه وسلم كيفيته بفعله فانه لم ينقل عنه أنه توضأ إلا متواليا وغسل الجنابة بمنزلة العضو الواحد، وحكى بعض اصحابنا فيه منعا ذكره الشيخ أبو الفرج وفعل ابن عمر ليس فيه دليل على أنه أخل بالموالاة المشترطة

(مسألة) قال (وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله) في الزمان المعتدل اعتبار الزمن الحار الذي يسرع فيه النشاف ولا بالزمن البارد الذي يبطئ فيه، ولا يعتبر ذلك بين طرفي الطهارة، وقال ابن عقيل التفريق المبطل في إحدى الروايتين ما يفحش في العادة لأنه يحد في الشرع فرجع فيه إلى العادة كلاحراز والتفرق في البيع (فصل) فإن نشفت أعضاؤه لاشتغاله بفرض في الطهارة أو سنة لم يبطل كما لو طول أركان الصلاة، وإن كان لوسوسة تلحقه فكذلك ويحتمل أن يبطل الوضوء لأنه غير مفروض ولا مسنون وإن كان ذلك لعبث أو شئ زائد على المسنون وأشباهه عد تفريقا (مسألة) قال (والنية شرط لطهارة الحدث كله) الغسل والوضوء والتيمم، والنية هي القصد يقال نواك الله بخير أي قصدك ومحلها القلب لأن محل القصد القلب فمتى اعتقد بقلبه أجزأ وإن لم يلفظ بلسانه، وإن لفظ بلسانه ولم يقصد بقلبه لم يجزه، ولو سبق لسانه إلى غير ما اعتقده لم يمنع صحة ما قصده بقلبه.
ولا خلاف في المذهب في اشتراط النية لما ذكرنا، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وهو قول مالك وربيعة والليث والشافعي واسحاق وأبي عبيد وابن المنذر، وقال الثوري وأصحاب الرأي تشترط النية في التيمم دون طهارة الماء لأن الله تعالى قال (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) الآية ولم يذكر النية ولو كانت شرطاً لذكرها، ولأن مقتضى الأمر حصول الإجزاء بفعل المأمور به فتقتضي الآية حصول الإجزاء بما تضمنته ولأنها طهارة بالماء فلم تفتقر إلى النية كغسل النجاسة ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " متفق عليه فنفى أن يكون له عمل شرعي بدون النية، ولأنها طهارة عن حدث فلم تصح بغير نية كالتيمم فأما الآية فهي حجة لنا فإن قوله (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم) أي للصلاة كما يقال إذا لقيت الأمير فترجل أي له، وقولهم لو كانت النية شرطا لذكرها، قلنا إنما ذكر الأركان ولم يذكر الشرائط كآية التيمم، وقولهم مقتضى الأمر حصول الإجزاء به قلنا بل مقتضاه وجوب الفعل ولا يمنع أن

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل