الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 643-682
أهل الأثرالأرشيف العلمي

(فصل) ومتى كان المتروك سالما أتى به فحسب، وإن كان تشهدا أتى به وبالسلام، وإن كان غيرهما أتى بركعة كاملة.
وقال الشافعي يأتي بالركن وما بعده لا غير.
ويأتي الكلام عليه إن شاء الله وتختص تكبيرة الإحرام من بين سائر الأركان لأن الصلاة لا تنعقد بتركها لأنها تحريمها فلا يدخل في الصلاة بدونها، ويختص السلام بأنه إذا نسيه أتى به وحده وقد ذكرناه (مسألة) (وواجباتها تسعة: التكبير غير تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود مرة مرة، والتسميع والتحميد في الرفع من الركوع، وسؤال المغفرة بين السجدتين مرة، والتشهد الأول، والجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير في رواية) هذا هو القسم الثاني من الواجبات، وفي وجوبها روايتان (إحداهما) هي واجبة وهو قول إسحاق (والرواية الثانية)

أنها غير واجبة وهو قول أكثر الفقهاء إلا أن الشافعي قال بوجوب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وجعلها من الأركان وهو رواية عن احمد لحديث كعب بن عجرة، ودليل عدم وجوبها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلمها المسئ في صلاته ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقد روى أبو داود باسناده عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه، ثم يكبر ويحمد الله ويثني عليه، ويقرأ بما شاء من القرآن، ثم يقول الله أكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول سمع الله لمن حمده حتى يستوي قائما

ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يقول الله أكبر ويرفع رأسه حتى يستوي قاعدا ثم يقول الله أكبر ثم يسجد حتى تطمئن مفاصله، ثم يرفع رأسه فيكبر، فإذا فعل ذلك فقد تمت صلاته " وفي رواية " لا تتم صلاة أحدكم حتى يفعل ذلك " وهذا نص في وجوب التكبير وقد ذكرنا

أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتسبيح في الركوع والسجود، ولأن مواضع هذه الأركان أركان فكان فيها ذكر واجب كالقيام وقد أشرنا إلى أدلة الباقي منها.
فأما حديث المسئ في صلاته فلم يذكر فيه جميع الواجبات بدليل أنه لم يعلمه التشهد ولا السلام، فلعله اقتصر على تعليم ما أساء فيه ولا يلزم

من التساوي في الوجوب التساوي في الأحكام بدليل واجبات الحج.
وقد ذكر في الحديث الذي رويناه تعليم التكبير وهو زيادة يجب قبولها (مسألة) قال (ومن ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته، ومن تركه سهوا ترك للسهو.
وعنه أن هذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها) وحكم هذه إذا قلنا بوجوبها أنه إن تركها عمدا بطلت صلاته لأنها واجبة أشبهت الأركان، وإن تركها سهوا جبرها بسجود السهو لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما قام إلى الثالثة وترك التشهد الأول سجد سجدتين قبل أن يسلم في حديث ابن نجيه ولولا أنه سقط

بالسهو لرجع إليه، ولولا أنه واجب لما سجد لجبره لأنه لا يزيد في الصلاة زيادة محرمة لجبر ما ليس بواجب، وغير التشهد من الواجبات مقيس عليه، ولا يمتنع أن يكون لعبادة واجب يجبر إذا تركه وأركان لا تصح إلا بها كالحج، ويختص التسميع لسقوطه عن المأموم.
وذكر ابن عقيل رواية فيمن

ترك شيئاً من الواجبات ساهيا أن صلاته تبطل كالأركان.
قال والأول أصح وهو أنها تنجبر بسجود السهو (مسألة) وسنن الأقوال اثنا عشر، الاستفتاح، والتعوذ، وقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقول آمين، وقراءة السورة، والجهر، والإخفات، وقول ملء السموات (1) بعد التحميد، وما زاد على

التسبيحة الواحدة في الركوع والسجود، وعلى المرة في سؤال المغفرة، والتعوذ في التشهد الأخير، والقنوت في الوتر، فهذه سنن لا تبطل الصلاة بتركها ولا يجب السجود لسهوها لأن فعلها غير واجب فجبرها أولى وهل يشرع؟ على روايتين (إحداهما) يشرع وهو مذهب مالك وأبي حنيفة في الإمام إذا ترك الجهر.
وقال الحسن والثوري والاوزاعي وأصحاب الرأي واسحاق: عليه سجود السهو إذا ترك قنوت

الوتر ناسيا لقوله عليه السلام " لكل سهو سجدتان " (والثانية) لا يشرع لأن تركها عمدا يبطل الصلاة فلم يشرع لسهوها سجود كسنن الأفعال وهذا قول الشافعي

(مسألة) (وما سوى هذا من سنن الأفعال لا تبطل الصلاة بتركها ولا يشرع السجود لها)

فأما سنن الأفعال فهي رفع اليدين عند الافتتاح والركوع والرفع منه ووضع اليمنى على اليسرى

وجعلها تحت السرة على ما ذكرنا من الاختلاف فيه، والنظر إلى موضع سجوده، ووضع اليدين على

الركبتين في الركوع، والتجافي في السجود، ومد ظهره معتدلا وجعله حيال رأسه، والبداءة بوضع

الركبتين قبل اليدين في السجود ووضع يديه حذو منكبيه وأذنيه فيه ونصب قدميه وفتح أصابعهما

فيه، والجلوس والافتراش في الجلوس بين السجدتين، وفي التشهد الأول، والتورك في الثاني،

ووضع اليد اليمنى على الفخذ اليمنى مقبوضة محلفة، والإشارة بالسبابة، ووضع اليد اليسرى على الفخذ

اليسرى مبسوطة، والالتفات عن اليمين والشمال في التسليمتين، والسجود على الأنف، وجلسة

الاستراحة ونية الخروج من الصلاة في سلامه على ما ذكرنا من الخلاف فيها، فهذه لا تبطل الصلاة بتركها عمدا ولا سهوا ولا يشرع السجود لها بحال لأنه لا يمكن التحرز من تركها فلو شرع السجود لها

لم تخل صلاة من سجود في الغالب، وقال أبو الخطاب فيها روايتان وقال ابن عقيل يخرج في مشروعية السجود لسهوها روايتان بناء على سنن الأقوال والأول أولى

(القسم الثالث) من السنن ما يتعلق بالقلب وهو الخشوع في الصلاة، ونية الخروج وقد ذكرناه والله أعلم

(باب سجود السهو) قال الامام أحمد يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء، سلم من اثنتين فسجد، وسلم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد.
وقال الخطابي: المعتمد عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة، حديثا ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة (مسألة) قال (ولا يشرع في العمد وهو قول أبي حنيفة) وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمدا لأن ما تعلق الجبر بسهوه تعلق بعمده كجبرانات الحج ولنا أن السجود يضاف إلى السهو فدل على اختصاصه به.
والشرع إنما ورد به فيه ولا يلزم من انجبار السهو به انجبار العمد لوجود العذر في السهو، وما ذكروه يبطل بزيادة ركن أو ركعة أو قيام في موضع جلوس (مسألة) (ويشرع السهو في زيادة ونقص وشك لأن الشرع إنما ورد به في ذلك) فأما حديث النفس فلا يشرع له سجود لأن الشرع لم يرد به، ولأنه لا يمكن التحرز منه وهو معفو عنه (مسألة) (للنافلة والفرض) لا فرق بين النافلة والفرض في سجود السهو أنه يشرع فيهما في قول عوام أهل العلم، وقال ابن سيرين: لا يشرع في النافلة ولنا عموم قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " وقوله " إذا نسي أحدكم فزاد أو نقص فليسجد سجدتين " ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود فشرع لها السجود كالفريضة

(فصل) ولا يشرع سجود السهو في صلاة الجنازة لأنها لا سجود في صلبها ففي جبرها أولى ولا في سجود تلاوة لأنه لو شرع كان الجبر زائدا على الأصل ولا في سجود السهو، نص عليه أحمد ولأنه إجماع حكاه إسحاق لأنه يفضي إلى التسلسل، ولو سها بعد سجود السهو لم يسجد لذلك والله أعلم (مسألة) (فمتى زاد فعلا من جنس الصلاة قياما أو قعودا أو ركوعا أو سجودا عمدا بطلت الصلاة، وإن كان سهوا سجد له) الزيادة في الصلاة تنقسم إلى قسمين، زيادة أقوال وزيادة أفعال وزيادة الأفعال تتنوع نوعين (أحدهما) زيادة من جنس الصلاة مثل أن يقوم في موضع جلوس أو يجلس في موضع قيام أو يزيد ركعة أو ركنا، فإن فعله عمدا بطلت صلاته إجماعا، وإن كان سهوا سجد له قليلاً كان أو كثيرا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " رواه مسلم (مسألة) (فإن زاد ركعة فلم يعلم حتى فرغ منها سجد لها) لما روى عبد الله بن مسعود قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خمسا فلما انفتل توشوش القوم بينهم فقال " ما شأنكم " قالوا يا رسول الله هل زيد في الصلاة؟ قال " لا " قالوا فإنك صليت خمسا فانفتل ثم سجد سجدتين ثم سلم ثم قال " إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين " وفي رواية قال " إنما أنا بشر أذكر كما تذكرون، وأنسى كما تنسون " ثم سجد سجدتي السهو، وفي رواية قال " إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين " رواه بطرقه مسلم

(مسألة) (وإن علم فيها جلس في الحال فتشهد إن لم يكن تشهد وسجد وسلم) متى قام إلى خامسة في الرباعية أو إلى رابعة في المغرب أو إلى الثالثة في الصبح لزمه الرجوع متى ذكر ويجلس فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته سجد للسهو ثم، وإن كان تشهد ولم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليه ثم سجد للسهو وسلم، وإن لم يكن تشهد تشهد وسجد للسهو ثم سلم وإن لم يذكر حتى فرغ من الصلاة سجد عقيب ذكره وتشهد وسلم وصحت صلاته، وبهذا قال علقمة والحسن وعطاء والزهري والنخعي ومالك والشافعي واسحاق.
وقال أبو حنيفة: إن ذكر قبل أن يسجد جلس للتشهد، وإن ذكر بعد السجود وكان جلس عقيب الرابعة قدر التشهد صحت صلاته ويضيف إلى الزيادة أخرى لتكون نافلة.
وإن لم يكن جلس بطل فرضه وصارت صلاته نافلة ولزمه إعادة الصلاة، ونحو قال حماد بن أبي سليمان، وقال قتادة والاوزاعي فيمن صلى المغرب أربعا: يضيف إليها أخرى فتكون الركعتان تطوعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد " فإن كان صلى خمسا شفعن له صلاته " رواه مسلم ولنا حديث عبد الله بن مسعود الذي تقدم والظاهر منه أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة لأن الظاهر أنه لو فعله لنقل، ولأنه قام إلى الخامسة يعتقد أنه قام عن ثالثة لم تبطل صلاته بذلك ولم يضف إلى الخامسة أخرى.
وحديث أبي سعيد حجة عليهم أيضا لأنه جعل الزيادة

نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس وجعل السجدتين يشفعها بها ولم يضم إليها ركعة أخرى وهذا كله يخالف ما قالوه فقد خالفوا الخبرين جميعاً (فصل) ولو قام إلى الثالثة في صلاة الليل فهو كما لو قام إلى ثالثة في الفجر نص عليه أحمد، وقال مالك: يتمها أربعا ويسجد للسهو في الليل والنهار وهو قول الشافعي بالعراق.
وقال الأوزاعي في صلاة النهار كقوله وفي صلاة الليل إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة كقولنا وإن ذكر قبل ركوعه كقول مالك ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " صلاة الليل مثنى مثنى " ولأنها صلاة شرعت ركعتين أشبهت صلاة الفجر، فأما صلاة النهار فيتمها أربعا (فصل) إذا جلس للتشهد في غير موضعه قدر جلسة الاستراحة فقال القاضي: يلزمه السجود سواء قلنا باستحباب جلسة الاستراحة أو لم نقل لأنه لم يردها بجلوسه إنما أراد التشهد سهوا.
قال الشيخ ويحتمل أن لا يلزمه لأنه فعل لا يبطل عمده صلاة فلم يسجد لسهوه كالعمل اليسير من غير جنس الصلاة (مسألة) (وإن سبح به اثنان لزمه الرجوع) متى سبح به اثنان يثق بقولهما لزمه الرجوع إليه سواء غلب على ظنه صواب قولهما أو خلافه.
وقال الشافعي: إن غلب على ظنه خطؤهما لم يعمل بقولهما ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع إلى قول ابي بكر وعمر في حديث ذي اليدين حين سألهما " أحق ما يقول ذو اليدين؟ " قالا نعم.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المأمومين بالتسبيح ليذكروا

الإمام ويعمل بقولهم.
وقال في حديث ابن مسعود " فإذا نسيت فذكروني ". فأما إن كان الإمام على يقين من صواب نفسه لم يجز له متابعتهم، وقال أبو الخطاب: يلزمه الرجوع كالحاكم يحكم بالشاهدين ويترك يقين نفسه، قال شيخنا: وليس بصحيح لأنه علم خطأهم فلا يتبعهم في الخطأ، وكذا نقول في الشاهدين متى علم الحاكم كذبهما لم يجز له الحكم بقولهما لعلمه أنهما شاهدا زور، ولا يحل الحكم بقول الزور لأن العدالة اعتبرت في الشهادة ليغلب على الظن صدق الشهود وردت شهادة غيرهم لعدم ذلك فمع يقين الكذب أولى أن لا يقبل (مسألة) (فإن لم يرجع بطلت صلاته وصلاة من اتبعه عالما، وإن فارقه أو كان جاهلا لم تبطل) متى سبح المأموم بالإمام فلم يرجع في موضع يلزمه الرجوع بطلت صلاته، نص عليه أحمد لأنه ترك الواجب عمدا، وليس للمأمومين اتباعه لان صلاته باطلة، فإن اتبعوه عالمين بتحريم ذلك بطلت صلاتهم لأنهم تركوا الواجب عمدا، وإن فارقوه وسلموا صحت، وهذا اختيار الخلال لأنهم فارقوه لعذر أشبه من فارق إمامه إذا سبقه الحدث، وذكر القاضي رواية ثانية: أنهم يتبعونه في القيام استحبابا، وذكر رواية ثالثة: أنهم ينتظرونه ليسلم بهم اختارها ابن حامد، والأول أولى لأن الإمام مخطئ في ترك متابعتهم فلا يجوز اتباعه على الخطأ، وإن كانوا جاهلين فصلاتهم صحيحة لأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم تابعوه في الخامسة في حديث ابن مسعود ولم تبطل صلاتهم، وتابعوه أيضا في السلام

في حديث ذي اليدين (فصل) فإن سبح به واحد لم يرجع إلى قوله إلا أن يغلب على ظنه فيعمل بغلبة ظنه لا بتسبيحه لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول ذي اليدين وحده، وإن سبح به فساق فكذلك لأن قولهم غير مقبول وإن افترق المأمومون طائفتين وافقه قوم وخالفه آخرون؟ سقط قولهم كالبينتين إذا تعارضتا ويحتمل أن يرجع إلى قول ما عنده (1) لأنه قد عضده قول اثنين فترجح، ذكره القاضي ومتى لم يرجع وكان المأمومون على يقين من خطأ الإمام لم يتابعوه لأنهم إنما يتابعونه في أفعال الصلاة وليس هذا منها إلا أنه ينبغي أن ينتظروه ههنا لأن صلاته صحيحة لم تفسد بزيادته فينتظرونه كما ينتظرهم الإمام في صلاة الخوف (مسألة) (والعمل المستكثر في العادة من غير جنس الصلاة يبطلها عمده وسهوه ولا تبطل باليسير ولا يشرع له سجود) وجملته أن العمل ينقسم إلى عمل من جنس الصلاة وقد ذكرنا، وعمل من غير جنس الصلاة كالحك والمشي والتروح فهذا تبطل الصلاة بكثيره عمدا كان أو سهوا بالإجماع وإن كان متفرقا لم تبطل لأن النبي صلى الله عليه وسلم حمل أمامة في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها وهذا لو اجتمع كان كثيراً، وإن كان يسيراً لم يبطلها لما ذكرنا والمرجع في الكثير واليسير إلى العرف وقد ذكرناه فيما مضى ولا يشرع له سجود لأنه لا يكاد تخلو منه صلاة ويشق التحرز عنه

(مسألة) (وإن أكل أو شرب عمدا بطلت صلاته، قل أو كثر، وإن كان سهوا لم تبطل إذا كان يسيراً) إذا أكل أو شرب عامدا في الفرض بطلت صلاته لا نعلم فيه خلافاً.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المصلي ممنوع من الأكل والشرب.
وأجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من أكل أو شرب في صلاة الفرض عامدا أن عليه الإعادة، وإن فعله في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء، لأن ما أبطل الفرض أبطل التطوع كسائر المبطلات وعن أحمد: أنه لا يبطلها ويروى عن ابن الزبير وسعيد بن جبير أنهما شربا في التطوع وهذا قول إسحاق لأنه عمل يسير أشبه غير الأكل، فأما إن كثر فإنه يفسدها بغير خلاف لأن غير الأكل من الأعمال يبطل الصلاة إذا كثر، فالأكل والشرب أولى، فإن كان سهوا وكثر أبطل الصلاة أيضاً بغير خلاف لما ذكرنا، وإن كان يسيرا لم يبطل به الفرض ولا التطوع وهو قول عطاء والشافعي.
وقال الأوزاعي: يبطل الصلاة لأنه فعل من غير جنس الصلاة يبطل عمده فأبطل سهوه كالعمل الكثير.
ولنا عموم قوله عليه السلام " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان " ولأنه يسوي بين قليله وكثيره حال العمد فعفي عنه في الصلاة إذا كان سهوا كالعمل من جنسها (فصل) إذا ترك في فيه ما يذوب كالسكر فذاب منه شئ فابتعله أفسد الصلاة لأنه أكل

وإن بقي بين أسنانه أو في فيه من بقايا الطعام يسير يجري به الريق فابتعله لم تبطل لأنه يشق الاحتراز منه، وإن ترك في فيه لقمة ولم يبتلعها كره لأنه يشغله عن خشوع الصلاة، وعن الذكر والقراءة فيها ولا يبطلها لأنه عمل يسير فهو كما لو أمسك شيئا في يده والله أعلم (مسألة) (وإن أتى بقول مشروع في غير موضعه كالقراءة في السجود والقعود، والتشهد في القيام وقراءة السورة في الأخريين لم تبطل الصلاة بعمده) لأنه مشروع في الصلاة ولا يجب السجود لسهوه لأن عمده لا يبطل الصلاة فلم يجب السجود لسهوه كسائر مالا يبطل عمده الصلاة وهل يشرع؟ فيه روايتان (إحداهما) يشرع لعموم قوله عليه السلام " إذا نسي أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس " رواه مسلم (والثانية) لا يشرع لأن عمده لا يبطل الصلاة فلم يشرع السجود لسهوه كترك سنن الأفعال (فصل) فإن أتى فيها بذكر أو دعاء لم يرد به الشرع فيها كقوله آمين رب العالمين وقوله في التكبير الله أكبر كبيرا ونحوه لم يشرع له سجود لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سمع رجلاً يقول في الصلاة الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى فلم يأمره بالسجود (مسألة) (وإن سلم قبل إتمام صلاته عمدا أبطلها لأنه تكلم فيها عامدا، وإن كان سهوا ثم ذكر قريبا أتهما وسجد، وإن طال الفصل أو تكلم لغير مصلحة الصلاة بطلت) وجملته أن من سلم قبل إتمام صلاته ساهيا ثم علم قبل طول الفصل ولم ينتقض وضوؤه فصلاته صحيحة لا تبطل بالسلام وعليه

أن يأتي بما بقي منها ثم يتشهد ويسلم ويسجد سجدتين ويتشهد ويسلم، فإن لم يذكر حتى قام فعليه أن يجلس لينهض إلى الإتيان بما بقي عن جلوس لأن هذا القيام واجب في الصلاة ولم يأت به لها فلزمه الإتيان به مع النية ولا نعلم في جواز الإتمام في حق من نسي ركعة فما زاد خلافا - والأصل في هذا ما روى ابن سيرين عن أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء قال ابن سرين: سماها لنا أبو هريرة ولكن أنا نسيت - فصلى ركعتين ثم سلم فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فوضع يده عليها كأنه غضبان وشبك بين أصابعه ووضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى وخرجت السرعان من المسجد فقالوا: قصرت الصلاة، وفي القوم أبو بكر وعمر فهاباه أن يكلماه وفي القوم رجل في يديه طول يقال له ذو اليدين فقال: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال " لم أنس ولم تقصر " فقال " أكما يقول ذو اليدين " قالوا نعم، قال فتقدم فصلى ما ترك من صلاته ثم سلم، ثم كبر وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر، وسجد مثل سجوده أو أطول، ثم رفع رأسه فكبر قال فربما سألوه ثم سلم قال: ثبت أن عمران بن حصين قال ثم سلم متفق عليه ورواه أبو داود وزاد قال: قلت فالتشهد؟ قال لم أسمع في التشهد وأحب إلي أن يتشهد.
وروى عمران بن حصين قال: سلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاث ركعات من العصر ثم قام فدخل الحجرة فقام رجل بسيط اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله؟ فخرج مغضبا فصلى الركعة التي كان ترك ثم سلم ثم سجد

سجدتي السهو ثم سلم.
رواه مسلم (فصل) فأما إن طال الفصل أو انتقض وضوءه استأنف الصلاة كذلك قال الشافعي، وإن ذكر قريبا مثل فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين ونحوه بنى.
وقال مالك نحوه.
وقال الليث ويحيى الانصاري والاوزاعي بنى ما لم ينتقض وضوءه.
ولنا أنها صلاة واحدة فلم يجز بناء بعضها على بعض مع طول الفصل كما لو انتقض وضوءه والمرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة ولأصحاب الشافعي في ذلك خلاف قد ذكرناه فيما إذا ترك ركنا في الباب قبله.
والصحيح أنه لا حد له إذ لم يرد بتحديده نص فيرجع فيه إلى العادة والمقاربة لمثل حال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ذي اليدين (فصل) فإن لم يذكره حتى شرع في صلاة أخرى فإن طال الفصل بطلت الأولى لما ذكرنا وإن لم يطل الفصل عاد إلى الأولى فأتمها وهذا قول الشافعي.
وقال الشيخ أبو الفرج في المبهج: يجعل ما شرع فيه من الصلاة الثانية تماما للأولى فيبني إحداهما على الأخرى ويصير وجود السلام كعدمه لأنه سهو معذور فيه وسواء كان ما شرع فيه نفلا أو فرضا.
وقال الحسن وحماد بن أبي سليمان إن شرع في تطوع بطلت المكتوبة.
وقال مالك أحب إلي أن يبتدئها.
وروى عن أحمد مثل قول الحسن فإنه قال في رواية أبي الحارث: إذا صلى ركعتين من المغرب وسلم ثم دخل في التكلم أنه بمنزلة الكلام استأنف الصلاة.
ولنا أنه أهمل عملا من جنس الصلاة سهوا فلم تبطل صلاته كما لو زاد خامسة

وأما إتمام الأولى بالثانية فلا يصح لأنه قد خرج من الأولى بالسلام ونية الخروج منها ولم ينوها بعد ذلك ونية غيرها لا تجزئ.
عن نيتها كحالة الابتداء (فصل) فإن تكلم في هذه الحال - يعني إذا سلم يطن أن صلاته قد تمت - لغير مصلحة الصلاة كقوله يا غلام اسقني ماء ونحوه بطلت صلاته نص عليه أحمد في رواية يوسف بن موسى وجماعة سواه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " رواه مسلم، وعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه وهو إلى جنبه حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام، رواه مسلم.
وفيه رواية ثانية أن الصلاة لا تفسد بالكلام في تلك الحال بحال وهو مذهب مالك والشافعي لأنه نوع من النسيان ولذلك تكلم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبنوا على صلاتهم (مسألة) (وإن تكلم لمصلحتها ففيه ثلاث روايات (إحداها) لا تبطل (والثانية) تبطل (والثالثة) تبطل صلاة المأموم دون الإمام اختارها الخرقي) وجملة ذلك أن من سلم عن نقص في صلاته كما ذكرنا ثم تكلم لمصلحتها ففيه ثلاث روايات (إحداها) أن الصلاة لا تفسد لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه تكلموا في صلاتهم في حديث ذي اليدين وبنوا على صلاتهم.
وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم

لنا أسوة حسنة، وهذا مذهب مالك والشافعي ونص عليه أحمد في رواية جماعة من أصحابه وممن روي أنه تكلم بعد أن سلم وأتم صلاته الزبير وابناه، وصوبه ابن عباس وهو الصحيح إن شاء الله تعالى (والثانية) تفسد صلاتهم وهو قول الخلال ومذهب أصحاب الرأي لعموم أحاديث النهي (والثالثة) أن صلاة الإمام لا تفسد لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إماما فتكلم وبنى على صلاته، وصلاة المأمومين تفسد لأنه لا يصح اقتداؤهم بأبي بكر وعمر لأنهما تكلما مجيبين للنبي صلى الله عليه وسلم وإجابته واجبة عليهما ولا بذي اليدين لأنه تكلم سائلا عن نقص الصلاة في وقت يمكن ذلك فيها، وهذا غير موجود في زماننا، وهذا اختيار الخرقي وربما خصصناه بالكلام في شأن الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما تكلموا في شأن الصلاة (مسألة) قال (وإن تكلم في صلب الصلاة بطلت، وعنه لا تبطل إذا كان ساهياً أو جاهلاً ويسجد له) متى تكلم عامدا عالما أنه في الصلاة مع علمه بتحريم ذلك لغير مصلحة الصلاة ولا لأمر يوجب الكلام بطلت صلاته إجماعا حكاه ابن المنذر لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شئ من كلام الناس " وعن زيد بن أرقم قال: كنا نتكلم في الصلاة يكلم أحدنا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت (وقوموا لله قانتين) فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام، رواهما مسلم.
وعن ابن مسعود قال: كنا نسلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من

عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد فقلنا يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصباح فترد علينا؟ قال " إن في الصلاة لشغلا " متفق عليه.
ولأبي داود " إن الله يحدث من أمره ما يشاء وقد أحدث أن لا تتكلموا في الصلاة " (فصل) فأما إن تكلم جاهلاً بتحريم ذلك في الصلاة فقال القاضي في الجامع: لا أعرف عن أحمد نصا في ذلك.
وقد ذكر شيخنا فيه ههنا روايتين (إحداهما) تبطل صلاته لأنه ليس من جنسه ما هو مشروع في الصلاة أشبه العمل الكثير ولعموم أحاديث النهي (والثانية) لا تبطل لما روى معاوية ابن الحكم السلمي قال: بينا أنا أصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم إذ عطس رجل من القوم فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبصارهم فقلت: واثكل أمياه (1) ما شأنكم تنظرون إلي؟ فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت (2) فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليما منه فوالله ما كهرني (3) ولا ضربني ولا شتمني ثم قال " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه مسلم.
فلم يأمره بالإعادة فدل على صحتها، وهذا مذهب الشافعي وفي كلام الناسي روايتان (إحداهما) لا تبطل وهو قول مالك والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم تكلم في حديث ذي اليدين، وقد ذكرنا حديث معاوية، وما عذر فيه بالنسيان عذر فيه بالجهل

(والثانية) تفسد صلاته وهو قول النخعي وأصحاب الرأي لعموم أحاديث المنع من الكلام وإذا قلنا إنه لا يبطل الصلاة سجد لعموم الأحاديث، ولأن عمده يبطل الصلاة فوجب السجود لسهوه كترك الواجبات والله أعلم (فصل) فإن تكلم في صلب الصلاة لمصلحة الصلاة مع علمه أنه في الصلاة بطلت صلاته لعموم الأحاديث.
وذكر القاضي في ذلك الروايات الثلاث التي ذكرناها في المسألة التي قبلها ويحتمله كلام الخرقي لعموم لفظه، وهو مذهب الأوزاعي فانه قال: لو أن رجلاً قال للإمام وقد جهر بالقراءة في العصر: إنها العصر، لم تفسد صلاته، ولأن الإمام يطرقه حال يحتاج إلى الكلام فيها وهو ما لو نسي القراءة في ركعة فذكرها في الثانية فقد فسدت عليه ركعة فيحتاج أن يبدلها بركعة هي في ظن المأمومين خامسة ليس لهم موافقته فيهاو لا سبيل إلى إعلامهم بغير الكلام، وقد يشك في صلاته فيحتاج إلى السؤال (1) قال شيخنا: ولم أعلم عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته ولا عن الإمام نصا في الكلام في غير الحال التي سلم معتقدا تمام صلاته ثم تكلم بعد السلام، وقياس الكلام في صلب الصلاة عالما بها على هذه الحال ممتنع لان هذه حال نسيان لا يمكن التحرز من الكلام فيها وهي أيضا حال يتطرق الجهل

إلى صاحبها بتحريم الكلام فيها فلا يصح قياس ما يفارقها في هذين الأمرين عليها، وإذا عدم النص والقياس والاجما امتنع ثبوت الحكم لأنه بغير دليل ولا سبيل إليه والله أعلم (فصل) فإن تكلم مغلوبا على الكلام فهو ثلاثة أنواع (أحدها) أن يخرج الحروف من فيه بغير اختياره مثل أن يتثاءب فيقول هاه أو يتنفس فيقول آه أو يسعل فينطق بحرفين أو يغلط في القرآن فيأتي بكلمة من غير القرآن أو يغلبه البكاء فلا تفسد صلاته في المنصوص عنه فيمن غلبه البكاء وقد كان عمر يبكي حتى يسمع له نشيج.
وقال مهنا: صليت إلى جنب أبي عبد الله فتثاءب خمس مرات وسمعت لتثاؤبه هاه هاه وهذا لأن الكلام ههنا لا ينسب إليه ولا يتعلق به حكم من أحكام الكلام، وقال القاضي فيمن تثاءب فقال هاه تفسد صلاته، وهذا محمول على أن من فعل ذلك غير مغلوب عليه لما ذكرنا.
وذكر ابن عقيل فيه احتمالين (أحدهما) تبطل صلاته لان لا يشرع جنسه في الصلاة أشبه الحدث (والثاني) لا تبطل لما ذكرنا (النوع الثاني) أن ينام فيتكلم فقد توقف أحمد عن الكلام فيه والأولى إلحاقه بالفصل الذي قبله لان القلم مرفوع عنه، وكذلك ليس لعتقه ولإطلاقه حكم، وقال ابن عقيل في النائم إذا تكلم بكلام الآدميين انبنى على كلام الناسي في أصح الروايتين (النوع الثالث) أن يكره على الكلام فيحتمل أن يكون ككلام الناسي لأن النبي صلى الله عليه وسلم جمع

بينهما في العفو بقوله " عفي لأمتي عن الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " قال القاضي وهذا أولى بالعفو وصحة الصلاة لأن الفعل غير منسوب إليه، ولهذا لو أكره على إتلاف مال لم يضمنه، والناسي يضمن ما اتلفه قال شيخنا والصحيح إن شاء الله أن صلاته تفسد لأنه أتى بما يفسد الصلاة عمدا أشبه مالو أكره على صلاة الفجر أربعا وقياسه على الناسي لا يصح لوجهين (أحدهما) أن النسيان يكثر بخلاف الإكراه (الثاني) أنه لو نسي فزاد في الصلاة أو نقص لم تفسد صلاته ولم يثبت مثله في الاكراه.
والصحيح عند أصحاب الشافعي إن الصلاة لا تبطل بشئ من هذه الأنواع (فصل) فإن تكلم بكلام واجب كمن خشي على ضرير أو صبي أو رأى حية ونحوها تقصد غافلا أو يرى نارا يخاف أن تشتعل في شئ ونحو هذا ولم يمكن التنبيه بالتسبيح فقال أصحابنا تبطل الصلاة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لما ذكرنا من كلام المكره قال شيخنا: ويحتمل أن لا تبطل الصلاة، وهو ظاهر كلام أحمد لأنه قال في حديث ذي اليدين: إنما كلم النبي صلى الله عليه وسلم القوم حين كلمهم لأنه كان عليهم أن يجيبوه فعلل صحة صلاتهم بوجوب الكلام عليهم، وهذا كذلك وهو ظاهر مذهب الشافعي والحصيح عند أصحابه (فصل) وكل كلام حكمنا بأنه لا يفسد الصلاة فإنما هو اليسير منه، فإن كثر وطال أفسد الصلاة وهذا منصوص الشافعي.
قال القاضي في المجرد: كلام الناسي إذا طال يفسد رواية واحدة، وقال في

الجامع لا فرق بين القليل والكثير في ظاهر كلام أحمد، لأن ما عفي عنه بالنسيان استوى قليله وكثيره كالأكل في الصيام وهو قول بعض الشافعية.
ووجه الأول أن دلالة الأحاديث المانعة من الكلام عامة تركت في اليسير بما ورد فيه من الأخبار فتبقى فيما عداه على مقتضى العموم، ولا يصح قياس الكثير عليه لعدم إمكان التحرز من اليسير، ولأن اليسير قد عفي عنه في العمل من غير جنس الصلاة بخلاف الكثير والكلام المبطل ما انتظم حرفين فصاعدا، هذا قول أصحابنا وأصحاب الشافعي لأن الحرفين يكونان كلمة كقوله أب وأخ ويد ودم وكذلك الأفعال والحروف لا تنتظم كلمة من أقل من حرفين ولو قال " لا " فسدت صلاته لأنها حرفان لام وألف (مسألة) (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من خشية الله تعالى، وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك، وقد روي عن أبي عبد الله أنه كان يتنحنح في الصلاة ولا يراها مبطلة للصلاة) إذا ضحك فبان حرفان فسدت صلاته، وكذلك إن قهقه ولم يتبين حرفان وهو قول الشافعي واصحاب الرأي، وكذلك ذكره شيخنا في المغني.
وقال القاضي في المجرد: إن قهقه فبان حرف واحد لم تبطل صلاته، فإن كان حرفان القاف والهاء فهو كالكلام تبطل إن كان عامدا وإن كان ساهياً أو جاهلاً خرج على الروايتين وهو ظاهر قول الشيخ في هذا الكتاب.
قال إبن المنذر اجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة، وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها، وقد روى الدارقطني

في سننه عن جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم انه قال " القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء " (فصل) فأما النفخ فمتى انتظم حرفين أفسد الصلاة لأنه كلام وإلا لم يفسدها، وقد قال أحمد: النفخ عندي بمنزلة الكلام.
وروي عن ابن عباس أنه قال: من نفخ في الصلاة فقد تكلم.
وروي عن أبي هريرة - إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عن ابن عباس ولا أبي هريرة.
وروى عن أحمد أنه قال: أكرهه ولا أقول يقطع الصلاة ليس كلاما.
روي عن ابن مسعود وابن عباس وابن سيرين والنخعي وإسحاق، وجمع القاضي بين قولي أحمد فقال: الموضع الذي قال أحمد يقطع الصلاة إذ انتظم حرفين، والموضع الذي قال لا يقطع الصلاة إذا لم ينتظم منه حرفان.
وقال أبو حنيفة: إن سمع فهو بمنزلة الكلام وإلا فلا يضر.
قال شيخنا: والصحيح أنا لا يقطع الصلاة ما لم ينتظم منه حرفان لما روى عبد الله بن عمرو قال: انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث إلى أن قال ثم نفخ فقال: أف أف.
وأما قول أبي حنيفة: فان أراد مالا يسمعه الإنسان من نفسه فليس ذلك بنفخ، وإن أراد مالا يسمعه غيره فلا يصح لأن ما أبطل الصلاة إظهاره أبطلها إسراره كالكلام (فصل) فأما البكاء والتأوه والأنين فما كان مغلوبا عليه لم يؤثر لما ذكرنا من قبل وما كان غير ذلك، فإن كان لغير خشية الله أفسد الصلاة، وإن كان من خشية الله فقال القاضي وأبو الخطاب: التأوه والبكاء لا يفسد الصلاة وكذلك الانين.
وقال القاضي: التأوه ذكر مدح الله تعالى إبراهيم به

فقال (إن إبراهيم لأواه حليم) والذكر لا يفسد الصلاة، ولأن الله سبحانه وتعالى مدح الباكين فقال (خروا سجدا وبكيا) وروى مطرف عن أبيه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل، رواه الخلال.
قلت: رواه أحمد وأبو داود.
وقال عبد الله بن شداد سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف، وقال شيخنا: لم أر عن أحمد في البكاء ولا في الأنين شيئا والأشبه بأصوله أنه متى فعله مختارا فسدت صلاته فإنه قال في رواية مهنا في البكاء: لا يفسد الصلاة ما كان من غلبة، ولأن الحكم لا يثبت إلا بنص أو قياس أو إجماع وعموم النصوص تمنع من الكلام كله، ولم يرد في الأنين والتأوه نص خاص، والمدح على التأوه لا يخصصه كتشميت العاطس، ورد السلام، والكلمة الطيبة (فصل) فأما النحنحة فقال أصحابنا: هي كالنفخ إن بان منها حرفان بطلت صلاته.
وقد روى المروذي قال: كنت آتي أبا عبد الله فيتنحنح في صلاته لأعلم أنه يصلي.
وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في الصلاة فقال أصحابنا: وهذا محمول على أنه لم يأت بحرفين.
قال شيخنا: وظاهر حال أحمد أنه لم يعتبر ذلك لأنها لا تسمى كلاما وتدعو الحاجة إليها.
وقد روي عن علي رضي الله عنه قال: كان لي ساعة في السحر أدخل فيها علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فان كان في صلاة يتنحنح فكان ذلك إذني، رواه الخلال.
واختلفت الرواية عن أحمد في كراهية تنبيه المصلي بالنحنحة فقال في موضع لا يتنحنح في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا نابكم شئ في صلاتكم فالتسبيح للرجال، والتصفيق

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل