وابن عباس وقال طاوس قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين في الجلوس فقال هي السنة.
قال قلنا إنا لنراه جفاء بالرجل فقال هي سنة نبيك رواه مسلم وأبو داود، والأول أولى لما ذكرنا وقد قال ابن عمر حين فعله لا تقتدوا بي فإني قد كبرت وفي حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفترش رجله اليسرى وينصب اليمنى وينهى عن قعية الشيطان (مسألة) (ويكره أن يصلي وهو حاقن) سواء خاف فوات الجماعة أو لا لا نعلم فيه خلافاً وهو قول مالك والشافعي وأصحاب الرأي لما روت عائشة قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان " رواه مسلم، ولأن ذلك يشغله عن خشوع الصلاة وحضور قلبه فيها فإن خالف وفعل صحت صلاته وهو قول أبي حنيفة والشافعي، وقال ابن أبي موسى إن كان به من مدافعة الأخبثين ما يزعجه ويشغله عن الصلاة أعاد في الظاهر من قوله، وقال مالك أحب
إلي أن يعيد إذا شغله ذلك لظاهر الخبر ولنا أنه إن صلى يحضرة الطعام أو قلبه مشغول بشئ من الدنيا صحت صلاته كذا ههنا وخبر عائشة أريد به الكراهة بدليل ما لو صلى بحضرة الطعام قال ابن عبد البر أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته إن صلاته تجزئه وكذلك إذا صلى حاقنا (مسألة) (أو بحضرة طعام تتوق إليه نفسه) وبهذا قال عمر وابنه وتعشى ابن عمر وهو يسمع
قراءة الإمام قال ابن عباس: لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شئ، وبهذا قال الشافعي وإسحاق وابن المنذر وقال مالك: يبدأ بالصلاة إلا أن يكون طعاما خفيفا.
ولنا حديث عائشة الذي ذكرناه.
وروى ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قرب عشاء أحدكم وأقيمت الصلاة فابدءوا بالعشاء ولا تعجلوا حتى يفرغ منه " رواه مسلم وغيره.
ولأنه إذا قدم الصلاة على الطعام اشتغل قلبه عن خشوعها.
إذا ثبت هذا فلا فرق بين أن يخشى فوات الجماعة أو لم يخش لعموم الحديثين.
هذا إذا كانت نفسه تتوق إليه أو يخشى فواته أو فوات بعضه إن تشاغل بالصلاة أو تكون حاجته إلى البداية به لوجه من الوجوه، فان لم يفعل وبدأ بالصلاة صحت في قولهم جميعاً حكاه ابن عبد البر لأن البداية بالطعام رخصة فإن لم يفعلها صحت صلاته كسائر الرخص (مسألة) (ويكره العبث في الصلاة) لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعبث في الصلاة فقال " لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه " ويكره التخصر وهو أن يضع يده على خاصرته لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلي الرجل متخصرا متفق عليه (مسألة) قال (والتروح وفرقعة الأصابع وتشبيكها) يكره التروح إلا من غم شديد لأنه من العبث وبذلك قال إسحاق وعطاء وأبو عبد الرحمن ومالك، ورخص فيه ابن سيرين ومجاهد والحسن ويكره فرقعة الأصابع وتشبيكها في الصلاة لما روي عن على أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا تفقع
أصابعك وأنت في الصلاة " رواه ابن ماجه، وعن كعب بن عجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً قد شبك
أصابعه في الصلاة ففرج رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصابعه، رواه الترمذي وابن ماجة (فصل) وإذا تثاءب في الصلاة استحب أن يكظم ما استطاع فان لم يقدر وضع يده على فيه لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم ما استطاع فان الشيطان يدخل " رواه مسلم، وللترمذي " فليضع يده على فيه " (فصل) ومما يكره في الصلاة أن ينظر إلى ما يلهيه أو ينظر في كتاب لما روي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في خميصة لها أعلام فقال " شغلتي أعلام هذه اذهبوا بها إلى أبي جهم بن حذيفة وائتوني بإنبجانيته " متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم لعائشة " أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي " رواه البخاري.
ويكره أن يصلي وهو معقوص أو مكتوف لما روي عن ابن عباس أنه رأى عبد الله ابن الحارث يصلي ورأسه معقوص من ورائه فقام إليه فحله فلما انصرف أقبل على ابن عباس فقال: مالك ورأسي فقال: أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إنما مثل هذا مثل الذي يصلي وهو مكتوف " رواه مسلم، ويكره أن يكف شعره أو ثيابه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعرا ولا ثوبا " متفق عليه.
ولا نعلم بين أهل العلم في كراهية هذا خلافا، ونقلت كراهة بعضه
عن ابن عباس وعائشة ويكره أن يكثر الرجل مسح جبهته في الصلاة لما روي عن ابن مسعود أنه قال من الجفاء أن يكثر الرجل مسح جبهته قبل الفراغ من صلاته رواه ابن ماجه.
ويكره النفخ وتحريك الحصى لما روت ام سلمة قالت: رأى النبي صلى الله عليه وسلم غلاما لنا يقال له أفلح إذا سجد نفخ فقال " يا أفلح ترب وجهك " رواه الترمذي، إلا أن فيه مقالا.
قال ابن عباس: لا تمسح جبهتك ولا تنفخ ولا تحرك الحصى.
ورخص فيه مالك وأصحاب الرأي، ويكره مسح الحصى لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فان الرحمة تواجهه " رواه أبو داود والترمذي، ويكره أن يعتمد على يده في الجلوس في الصلاة لما روى ابن عمر قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجلس الرجل في الصلاة وهو معتمد على يده، رواه الإمام أحمد وأبو داود، ويكره أن يغمض عينيه في الصلاة، نص عليه وقال: هو من فعل اليهود، وهو قول سفيان، وروي عن مجاهد والاوزاعي ورويت الرخصة فيه
من غير كراهة عن الحسن، وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يغمض عينيه " رواه الطبراني إلا أن فيه عبد الرحمن بن أبي حاتم وقال هذا منكر الحديث، ويكره الرمز بالعين والإشارة لغير حاجة لأنه يذهب بخشوع الصلاة ويكره إخراج لسانه وفتح فمه لأنه خروج عن هيئة الخشوع (مسألة) (وله رد المار بين يديه) ليس لأحد أن يمر بين يدي المصلي إذا لم يكن بين يديه
سترة وإن كان له سترة فليس له المرور بينه وبينها لما روى أبو جهم الأنصاري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " ولمسلم " لأن يقف أحدكم مائة عام خير له من أن يمر بين يدي أخيه وهو يصلي " وروي عن يزيد قال رأيت رجلا بتبوك مقعدا فقال مررت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا على حمار وهو يصلي فقال " اللهم أقطع أثره " فما مشيت عليها بعد، رواه أبو داود، وفي لفظ قال " قطع صلاتنا قطع الله أثره " وإن أراد أحد المرور بين يديه فله منعه يروي ذلك ابن مسعود وابن عمر وابنه سالم وهو قول الشافعي وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لما روى أبو سعيد قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا كان أحدكم يصلي إلى سترة من الناس فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان " ومعناه والله أعلم فليدفعه
فإن ألح فليقاتله أي يعنف في دفعه، وقوله فإنما هو شيطان أي فعله فعل شيطان أو الشيطان يحمله على ذلك، وقيل معناه أن معه شيطانا، وأكثر الروايات عن أبي عبد الله " أن المار بين يدي المصلي إذا ألح في المرور وأبى الرجوع فللمصلي أن يجتهد في رده ما لم يخرجه ذلك إلى إفساد صلاته بكثرة العمل فيها " وروي عنه أنه قال: يرد ما استطاع وأكره القتال فيها وذلك لما يفضي إليه من الفتنة وفساد الصلاة، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر برده حفظا للصلاة عما ينقضها فيعلم أنه لم يرد ما يفسدها بالكلية فيحمل لفظ المقاتلة على دفع أبلغ من الدفع الأول والله أعلم.
ويؤيد ذلك ما روت ام سلمة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي في حجرة أم سلمة فمر بين يديه عبد الله أو عمرو بن أبي سلمة فقال بيده
فرجع فمرت زينب بنت أم سلمة فقال بيده هكذا فمضت فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " هن أغلب " رواه ابن ماجه وهذا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يجتهد في الدفع (فصل) ويستحب له أن يرد ما مر بين يديه من كبير وصغير وبهيمة لما روينا من حديث أم سلمة وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهيمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من ورائه (فصل) فإن مر بين يديه إنسان فعبر لم يستحب رده من حيث جاء، وهذا قول الشعبي والثوري وإسحاق وابن المنذر، وروي عن ابن مسعود أنه يرده من حيث جاء وفعله سالم بن عبد الله لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر برده فيتناول العابر ولنا أن هذا مرور ثان فينبغي أن لا يتسبب إليه كالأول ولأن المار لو أراد أن يعود من حيث جاء لكان مأمورا بدفعه ولم يحل للعابر العود والحديث إنما يتناول من أراد المرور لقوله " فأراد أحد أن يجتاز بين يديه فليدفعه " وبعد العبور فليس هو مريدا للاجتياز (فصل) ولا يقطع المرور الصلاة بل ينقصها نص عليه وروي عن ابن مسعود: أن ممر الرجل ليضع
نصف الصلاة.
قال القاضي: ينبغي أن يحمل نقص الصلاة على من أمكنه الرد فلم يفعله، أما إذا لم تمكنه الرد فصلاته تامة لأنه لم يوجد منه ما ينقص الصلاة فلا يؤثر فيها ذنب غيره والله أعلم (مسألة) (وله عد الآي والتسبيح) لا بأس بعد الآي في الصلاة، فأما التسبيح فتوقف فيه أحمد، وقال أبو بكر: هو في معنى عد الآي، وقال ابن أبي موسى: لا يكره في أصح الوجهين وهذا قول الحسن والنخعي وسعيد بن جبير وطاوس وابن سيرين والشعبي وإسحاق، وكرهه أبو حنيفة والشافعي لأنه يشغل عن خشوع الصلاة ولنا إجماع التابعين فإنه حكي عمن سمينا من غير خلاف في عصرهم فكان إجماعا وإنما كره أحمد عد التسبيح دون الآي، لأن المنقول عن السلف إنما هو عد الآي، وكره الحسن أن يحسب شيئا سواه ولأن التسبيح يتوالى لقصره فيتوالى حسابه فيصير فعلا كثيرا
(فصل) ولا بأس بالإشارة في الصلاة باليد والعين لما روى ابن عمر وأنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة، روى الدارقطني حديث أنس بإسناد صحيح، ورواه أبو داود.
وروى الترمذي حديث ابن عمر وقال حسن صحيح (مسألة) (وله قتل الحية والعقرب والقملة ولبس الثوب والعمامة ما لم يطل) وهو قول الحسن والشافعي واسحاق وأصحاب الرأي.
وكرهه النخعي لأنه يشغل عن الصلاة، والأول أولى لأن النبي
صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة، الحية والعقرب.
رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح، ولا بأس بقتل القمل لأن أنسا وعمر كانوا يفعلونه.
وقال القاضي: التغافل عنها أولى، وقال الأوزاعي: تركه أحب إلي لأن ذلك يشغل عن الصلاة لأمر غير مهم يمكن استدراكه بعد الصلاة وربما كثر فأبطلها (فصل) ولا بأس بالعمل اليسير للحاجة لما روت عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي والباب عليه مغلق فاستفتحت فمشى ففتح لي ثم رجع إلى مصلاه، رواه أبو داود، ورواه أحمد عن عائشة وفيه ووصفت له الباب في القبلة، وروى أبو قتادة قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يؤم الناس وأمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم على عاتقه فإذا ركع وضعها، وإذا رفع من السجود ردها، رواه مسلم.
وصلى أبوبرزة ولجام دابته في يده فجعلت الدابة تنازعه وجعل يتبعها وجعل رجل من الخوارج يقول: اللهم افعل بهذا الشيخ فلما انصرف قال: إني سمعت قولكم وإني غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ست غزوات أو سبع غزوات أو ثمان وشهدت من تيسيره اني ان كنت أرجع مع دابتي أحب إلي من أن ترجع إلى مألفها فيشق علي، رواه البخاري.
قال لا بأس أن يحمل الرجل ولده في الصلاة الفريضة لحديث أبي قتادة.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه التحف بإزاره وهو في الصلاة، فلا بأس أن سقط رداء الرجل أن يرفعه لذلك، وإن انحل
إزاره أن يشده، وإن عتقت الأمة في الصلاة اختمرت وبنت على صلاتها، وقال من فعل كفعل أبي
برزة حين مشى إلى الدابة حين أفلتت منه فصلاته جائزة وهذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم هو المشرع فما فعله وأمر به فلا بأس به، وقد روى سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على منبره فإذا أراد أن يسجد نزل عن المنبر فسجد بالأرض ثم رجع إلى المنبر كذلك حتى قضى صلاته، وفي حديث جابر في صلاة الكسوف قال: ثم تأخر وتأخرت الصفوف حتى انتهينا إلى النساء ثم تقدم وتقدم الناس معه حتى قام في مقامه متفق عليه.
فكل هذا وأشباهه لا بأس به في الصلاة ولا يبطلها، وإن فعله لغير حاجة كره ولم يبطلها أيضا لما روى عمرو بن حريث قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ربما يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة وربما مسح لحيته وهو يصلي، رواه البيهقي (فصل) ولا يتقدر الجائز من هذا بثلاث ولا بغيرها من العدد لأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم الظاهر منه زيادته على ثلاث كتأخره حتى تأخر الرجال فانتهوا إلى النساء، وكذلك مشي أبي برزة مع دابته ولأن التقدير بابه التوقيف وهذا لا توقيف فيه لكن يرجع في الكثير واليسير إلى العرف فيما يعد كثيرا ويسيرا وما شابه فعل النبي صلى الله عليه وسلم فهو يسير (مسألة) (وإن طال الفعل في الصلاة أبطلها عمده وسهوه إلا أن يفعله متفرقا) متى طال الفعل في الصلاة وكثر أبطل الصلاة إجماعا عمدا كان أو سهوا إذا كان من غير جنس الصلاة إلا أن
يكون لضرورة فيكون حكمه حكم الخائف فلا تتبطل الصلاة به، وإن فعله متفرقا لم تبطل الصلاة أيضاً إذا كان كل عمل منها يسيرا بدليل حمل النبي صلى الله عليه وسلم إمامة ووضعها في كل ركعة فإن ذلك لو جمع كان كثيراً ولم تبطل به لتفرقه، فإن احتاج إلى الفعل الكثير لغير ضرورة قطع الصلاة فعله.
قال أحمد إذا رأى صبيين يتخوف أن يلقي أحدهما صاحبه في البئر فإنه يذهب إليهما فيخلصهما ويعود في صلاته وقال: إذا لزم رجل رجلا فدخلا المسجد وقد أقيمت الصلاة فإذا سجد الإمام خرج الملزوم فإن الذي كان يلزمه يخرج في طلبه يعني ويبتدئ الصلاة وهكذا لو رأى حريقا يريد إطفاءه أو غريقا يريد إنقاذه خرج إليه وابتدأ الصلاة.
فإن خاف على نفسه من الحريق ونحوه في الصلاة ففر منه بنى على صلاته فأتمها صلاة خائف على ما ذكرنا من قبل والله أعلم
(مسألة) (ويكره تكرار الفاتحة) لأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه لأنها ركن، وفي إبطال الصلاة بتكررها خلاف فكره لذلك (مسألة) (ويكره الجمع بين سور في الفرض ولا يكره في النفل) أما الجمع بين السور في النفل فلا يكره رواية واحدة لا نعلم فيه خلافا فإن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في ركعة سورة البقرة وآل عمران والنساء.
وقال ابن مسعود: لقد عرفت النظائر التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرن بينهن فذكر عشرين سورة من المفصل سورتين في كل ركعة، متفق عليه وكان عثمان يختم القرآن في كل
ركعة، وأما الفريضة فيستحب أن يقتصر فيها على سورة بعد الفاتحة من غير زيادة لأن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا كان يصلي أكثر صلاته، وهل يكره الجمع بين السورتين فيها؟ على روايتين (إحداهما) يكره لما ذكرنا (والثانية) لا يكره لأن حديث ابن مسعود مطلق، وروي أن رجلا من الأنصار كان يؤمهم وكان يقرأ قبل كل سورة (قل هو الله أحد) ثم يقرأ سورة أخرى معها فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " ما يحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ " فقال إني أحبها فقال " حبك إياها أدخلك الجنة " رواه البخاري تعليقا، ورواه الترمذي وقال حديث صحيح غريب، وروى الخلال بإسناده عن ابن عمر أنه كان يقرأ في المكتوبة بالسورتين في كل ركعة، رواه مالك في الموطأ، فأما قراءة السورة الواحدة في الركعتين يعيدها فلا بأس وقد ذكرناه (فصل) والمستحب أن يقرأ في الثانية سورة بعد السورة التي قرأها في الركعة الأولى في النظم، قال أحمد في رواية مهنا أعجب إلي أن يقرأ من البقرة إلى أسفل لأن ذلك المنقول عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (1) وروي عن ابن مسعود أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوسا فقال ذلك منكوس القلب
وفسره أبو عبيد بذلك، فإن قرأ كذلك فلا بأس به لأن أحمد قال حين سئل عن ذلك: لا بأس به أليس يعلم الصبي على هذا؟ وقد روي أن الأحنف قرأ الكهف في الأولى، وفي الثانية بيوسف، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح فقرأ بهما، استشهد به البخاري (مسألة) (ولا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها.
وعنه يكره) المشهور عن أحمد أنه لا يكره قراءة أواخر السور وأوساطها في الصلاة نقلها عنه جماعة لقول الله تعالى (فاقرءوا ما تيسر منه) ولان أبا سعيد قال: أمرنا أن نقرأ فاتحة الكتاب وما تيسر، رواه أبو داود، وروى الخلال بإسناده أن ابن مسعود كان يقرأ في الآخرة من صلاة الصبح آخر آل عمران وآخر الفرقان.
وقال أبو برزة: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بالستين إلى المائة فيه دليل على أنه لم يكن يقتصر على قراءة سورة، ولأن آخرها أحد طرفي السورة فلم يكره كأولها، وعن أحمد أنه يكره في الفرض نقلها عنه المروذي وقال: سورة أعجب إلي، وقال المروذي: وكان لأبي عبد الله قرابة يصلي به فكان يقرأ في الثانية من الفجر بآخر السورة فلما أكثر قال أبو عبد الله: تقدم أنت فصل، فقلت له هذا يصلي بكم منذ كم؟ قال دعنا منه يجئ بآخر السور وكرهه، قال شيخنا رحمه الله ولعل أحمد إنما أحب اتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما نقل عنه وكره المداومة على خلاف ذلك فإن المنقول عن النبي صلى الله عليه وسلم قراءة السورة أو بعض السور من أولها، ونقل عنه رواية ثالثة أنه يكره قراءة أوسط السورة دون آخرها لما روينا في آخر السور عن عبد الله بن مسعود ولم ينقل مثل ذلك في وسطها، قال الأثرم قلت لأبي عبد الله الرجل يقرأ آخر السورة في الركعة فقال أليس قد روي في هذا رخصة عن عبد الرحمن بن يزيد وغيره؟
(فصل) فأما قراءة أوائل السور فلا خلاف في أنه غير مكروه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ من سورة المؤمنين إلى ذكر موسى وهارون ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة الأعراف في المغرب فرقها مرتين، رواه النسائي (مسألة) (وله أن يفتح على الإمام إذا أرتج عليه في الصلاة وإن يرد عليه إذا غلط) لا بأس به
في الفرض والنفل روى ذلك عن عثمان وعلي وابن عمر وهو قول جماعة من التابعين، وكرهه ابن مسعود وشريح والثوري، وقال أبو حنيفة تبطل به الصلاة لما روى الحارث عن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يفتح على الإمام " وقال ابن عقيل إن كان في النفل جاز ذلك وإن كان في الفرض وارتج عليه في الفاتحة فتح عليه وإلا فلا ولنا ما روى ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة فقرأ فيها فلبس عليه فلما انصرف قال لأبي " أصليت معنا؟ " قال نعم، قال " فما منعك؟ " رواه أبو داود قال الخطابي اسناده جيد، وعن ابن عباس قال تردد رسول الله صلى الله عليه وسلم في القراءة في صلاة الصبح فلم يفتحوا عليه فلما قضى الصلاة نظر في وجوه القوم فقال " أما شهد الصلاة معكم أبي بن كعب؟ " قالوا لا فرأى القوم إنما فقده ليفتح عليه.
وروى مسور بن يزيد المالكي قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الصلاة فترك آية من القرآن فقيل يا رسول الله آية كذا وكذا تركتها فقال " فهلا أذكرتنيها؟ " رواه أبو داود،
ولأنه تنبيه في الصلاة بما هو مشروع فيها أشبه التسبيح، وحديث علي يرويه الحارث قال الشعبي كان كذابا، وقال أبو داود لم يسمع إسحاق من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا منها (فصل) فإن ارتج على الإمام في الفاتحة فعلى المأموم أن يفتح عليه كما لو نسي سجدة لزمهم تنبيهه بالتسبيح، فإن عجز عن إتمام الفاتحة فله أن يستخلف من يصلي بهم، وكذلك لو عجز في أثناء الصلاة عن ركن يمنع الائتمام به كالركوع فإنه يستخلف من يتم بهم كما لو سبقه الحدث، بل الاستخلاف ههنا أولى لأن من سبقه الحدث قد بطلت صلاته وهذا صلاته صحيحة، وإذا لم يقدر على إتمام الفاتحة فقال ابن عقيل يأتي بما يحسن ويسقط عنه ما عجز عنه وتصح صلاته لأن القراءة ركن من أركان الصلاة فإذا عجز عنه في أثناء الصلاة سقط كالقيام، فأما المأموم فإن كان أميا صحت صلاته أيضاً، وإن كان قارئا نوى مفارقته وصلى وحده ولا يصح له إتمام الصلاة خلفه لأن هذا قد صار في حكم الأمي، قال شيخنا والصحيح أنه إذا لم يقدر على قراءة الفاتحة تفسد صلاته لأنه قادر على الصلاة بقراءتها فلم تصح صلاته لعموم قوله عليه السلام " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب " ولا يصح قياس هذا على الأمي لأن الأمي لو قدر على تعلمها قبل خروج الوقت لم تصح صلاته بدونها وهذا يمكنه أن يخرج فيسأل عما وقف فيه ويصلي، ولا يصح قياسه على أركان الأفعال لأن خروجه من الصلاة لا يزيل عجزه عنها بخلاف هذا
(فصل) ويكره أن يفتح من هو في الصلاة على من هو في صلاة أخرى أو على من ليس في صلاة لأن ذلك يشغله عن صلاته وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " إن في الصلاة لشغلا " فإن فعل لم تبطل صلاته لأنه قرآن إنما قصد قراءته دون خطاب الآدمي أشبه مالو رد على إمامه.
وقال ابن عقيل في المصلي إذا رد على من ليس في الصلاة إن كان في النفل فلا بأس، وإن كان في الفرض فهل تبطل صلاته؟ يخرج على روايتين فأما غير المصلي فلا بأس أن يفتح على المصلي وقد روى النجاد بإسناده قال كنت قاعدا بمكة فإذا رجل عند المقام يصلي وإذا رجل قاعد خلفه يلقنه فإذا هو عمر رضي الله عنه (مسألة) (وإذا نابه شئ مثل سهو إمامه أو استئذان إنسان عليه سبح إن كان رجلا وإن كانت امرأة صفحت ببطن كفها على الأخرى) وجملته أنه إذا سها الإمام فأتى بفعل في غير موضعه لزم المأمومين تنبيهه، فإن كانوا رجالا سبحوا به، وإن كانوا نساء صفقن ببطون أكفهن على ظهر الأخرى وبه قال الشافعي، وقال مالك: يسبح الرجل والنساء لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نابه شئ في صلاته فليسبح الرجال ولتصفح النساء " متفق عليه ولنا ما روى سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا نابكم شئ في صلاتكم فليسبح الرجال، ولتصفح النساء " متفق عليه (فصل) وإذا سبح لتنبيه إمامه أو لاستئذان إنسان عليه وهو في الصلاة أو كلمه بشئ أو نابه
أمر في صلاته فسبح ليعلمه أنه في صلاة أو خشي على إنسان الوقوع في شئ فسبح به، أو خشي أن يتلف بشئ فسبح ليتركه أو ترك إمامه ذكرا فرفع صوته به ليذكره لم يؤثر في الصلاة في قول أكثر أهل العلم منهم الأوزاعي والشافعي وإسحاق.
وحكي عن أبي حنيفة: أن تنبيه الآدمي
بالتسبيح أو القرآن أو الإشارة يبطل الصلاة لأن ذلك خطاب آدمي فيدخل في عموم أحاديث النهي عن الكلام لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من أشار في الصلاة إشارة تفقه أو تفهم فقد قطع الصلاة " ولنا ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء " متفق عليه، ولما ذكرنا من حديث سهل بن سعد: وعن ابن عمر قال: قلت لبلال كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين كانوا يسلمون عليه في الصلاة؟ قال: كان يشير بيده.
وعن صهيب قال: مررت برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فسلمت فرد علي إشارة قال الترمذي كلا الحديثين صحيح.
وقد ذكرنا حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يشير في الصلاة رواه أبو داود.
وعن علي قال: كنت إذا استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم فان كان في صلاة سبح، وإن كان في غير صلاة أذن، وحديث أبي حنيفة يرويه أبو غطفان وهو مجهول فلا تعارض به الأحاديث الصحيحة (فصل) فإن عطس في الصلاة فقال: الحمد لله، أو لسعه شئ فقال بسم الله، أو سمع أو
رأى ما يغمه فيقول إنا لله وإنا إليه راجعون.
أو رأى ما يعجبه فقال سبحان الله - كره له ذلك ولم تبطل الصلاة، نص عليه أحمد في رواية الجماعة فيمن عطس فحمد الله لم تبطل صلاته.
ونقل عنه مهنا فيمن قيل له في الصلاة ولد لك غلام فقال: الحمد لله.
أو قيل احترق دكانك فقال: لا إله إلا الله، أو ذهب كيسك فقال لا حول ولا قوة إلا بالله فقد مضت صلاته وهذا قول الشافعي وأبي يوسف لما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال له رجل من الخوارج وهو في صلاة الغداة (لئن أشركت ليحبطن عملك) الآية قال فأنصت له حتى فهم ثم أجابه وهو في الصلاة (فاصبر إن وعد الله حق) الآية رواه النجاد بإسناده، واحتج به أحمد، وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته لأنه كلام آدمي، وقد روي نحو ذلك عن أحمد فإنه قال: فيمن قيل له ولد لك غلام فقال: الحمد لله رب العالمين، أو ذكر مصيبة فقال (إنا لله وإنا إليه راجعون) قال يعيد الصلاة قال القاضي هذا محمول على من قصد خطاب الآدمي، ووجه الأول ما ذكرنا من حديث علي، وروى عامر بن ربيعة قال عطس شاب من الأنصار
خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في الصلاة فقال: الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه حتى يرضى ربنا وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة.
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأسا ما تناهت دون العرش " رواه أبو داود، ولأن ما لا يبطل الصلاة ابتداء لا يبطلها إذا أتى به عقيب سبب كالتسبيح لتنبيه إمامه قال الخلال: اتفقوا عن أبي عبد الله
أن العاطس لا يرفع صوته بالحمد، وإن رفع فلا بأس لحديث الأنصاري.
قال أحمد: في الامام يقول لا إله إلا الله فيقول من خلفه لا إله إلا الله يرفعون بها أصواتهم قال: يقولون ولكن يخفضون.
وانما لم يكره أحمد ذلك كما كره القراءة خلف الإمام لأنه يسير لا يمنع الانصات كالتأمين.
قيل لأحمد فان رفعوا أصواتهم بهذا؟ قال: أكرهه قيل فينهاهم الإمام؟ قال لا.
قال القاضي: إنما لم ينههم لأنه قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الإخفات (فصل) قيل لأحمد اذا قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) هل يقول سبحان ربي الأعلى؟ قال إن شاء وإلا فيما بينه وبين نفسه ولا يجهر به، وقد روي عن علي أنه قرأ في الصلاة (سبح اسم ربك الأعلى) فقال سبحان ربي الاعلى.
ومن ابن عباس أنه قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) فقال: سبحانك وبلى، وعن موسى بن أبي عائشة قال: كان رجل يصلي فوق بيته فكان إذا قرأ (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال: سبحانك فبلى، فسألوه عن ذلك فقال سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، رواه أبو داود (فصل) فإن قرأ القرآن يقصد به تنبيه آدمي مثل أن يستأذن عليه فيقول (ادخلوها بسلام آمنين) أو يقولون لرجل اسمه يحيى (يا يحيى خذ الكتاب بقوة) فقد روي عن أحمد أنه يبطل الصلاة، وهو قول أبي حنيفة لأنه خطاب آدمي أشبه ما لو كلمه.
وروي عنه ما يدل على أنها لا تبطل فإنه احتج
بحديث علي مع الخارجي قال له (اصبر إن وعد الله حق) وروي نحو هذا عن ابن مسعود وابن أبي ليلى، فروى الخلال بإسناده عن عطاء بن السائب قال: استأذنا على عبد الرحمن بن أبي ليلى
وهو يصلي فقال (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) ولأنه قرآن فلم يفسد الصلاة كما لو لم يقصد به التنبيه، وقال القاضي: إن قصد التلاوة حسب لم تفسد صلاته، وإن حصل التنبيه، وإن قصد التنبيه حسب فسدت صلاته لأنه خاطب آدميا، وإن قصدهما ففيه وجهان (أحدهما) لا تفسد وهو مذهب الشافعي لما ذكرنا من الآثار والمعنى (والثاني) تفسد صلاته لأنه خاطب آدميا أشبه ما لو لم يقصد التلاوة.
فأما إن أتى بما لا يتميز به القرآن عن غيره كقوله لرجل اسمه إبراهيم يا إبراهيم ونحوه فسدت صلاته لان هذا كلام الناس ولم يتميز عن كلامهم بما يتميز به القرآن أشبه مالو جمع بين كلمات مفرقة من القرآن فقال يا إبراهيم خذ الكتاب الكبير (مسألة) (وان بدره البصاق بصق في ثوبه، وإن كان في غير المسجد جاز أن يبصق عن يساره أو تحت قدمه) لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى نخامة في قبلة المسجد فأقبل علي الناس فقال " ما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه، أيحب أحدكم أن يستقبل فينتخع في وجهه؟ فإذا تنخع أحدكم فليتنخع عن يساره أو تحت قدمه فان لم يجد فليقل هكذا " ووصف القاسم فتفل في ثوبه ثم مسح بعضه على بعض.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " البصاق في المسجد
خطيئة وكفارتها دفنها " رواه مسلم (1) (مسألة) (ويستحب أن يصلي إلى سترة مثل آخرة الرحل) يستحب للمصلي الصلاة إلى سترة فان كان في مسجد أو بيت صلى إلى الحائط أو إلى سارية، وإن كان في فضاء صلى إلى شئ شاخص بين يديه إما إلى حربة أو عصا أو يعرض البعير فيصلي إليه، لا نعلم في استحباب ذلك خلافا وسواه ذلك في الحضر والسفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم كانت تركز له الحربة فيصلي إليها، ويعرض البعير فيصلي إليه.
وفي حديث أبي جحيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم ركزت له عنزة فتقدم فصلى الظهر ركعتين يمر بين يديه الحمار والكلب لا يمنع، متفق عليه.
وعن طلحة بن عبيد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة الرجل فليصل ولا يبال من مر من وراء ذلك " رواه مسلم
(فصل) وقدر طولها ذراع أو نحوه يروي ذلك عن عطاء والثوري وأصحاب الرأي، وعنه أنها قدر عظم الذراع وهو قول مالك والشافعي وهذا ظاهر التقريب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدرها بمؤخرة الرحل وهي تختلف فتارة تكون ذراعا وتارة تكون أقل فما قارب الذراع أجزاء الاستتار به فأما قدرها في الغلط فلا نعلم فيه حدا فقد تكون غليظة كالحائط ورقيقة كالسهم فإن النبي صلى الله عليه
وسلم كان يستتر بالعنزة، وقال أبو سعيد كان يستتر بالسهم والحجر في الصلاة إلا أن أحمد قال ما كان أعرض فهو أعجب إلي لما روي عن سبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " استتروا في الصلاة ولو بسهم " رواه الأثرم، فقوله " ولو بسهم " يدل على أن غيره أولى منه (فصل) ويستحب أن يدنو من سترته لما روى سهل بن أبي حثمة يرفعه أنه قال " إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها لا يقطع الشيطان عليه صلاته " رواه أبو داود، وعن سهل بن سعد قال: كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين السترة ممر الشاة، رواه البخاري.
ولأن قربه من السترة أصون لصلاته وأبعد من أن يمر بينه وبينها شئ، وينبغي أن يكون مقدار ذلك ثلاثة أذرع فما دون قال أحمد أن ابن عمر قال: صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة فكان بينه وبين الحائط ثلاثة أذرع، وكان عبد الله بن مغفل يجعل بينه وبين سترته ستة أذرع، وقال عطاء أقل ما يكفيك ثلاثة أذرع وهو قول الشافعي لخبر ابن عمر، وكلما دنا فهو أفضل لما ذكرنا من الأخبار والمعنى، قال مهنا سألت أحمد عن الرجل يصلي كم ينبغي أن يكون بينه وبين القبلة؟ قال يدنو من القبلة ما استطاع (فصل) ولا بأس أن يستتر ببعير أو حيوان فعله ابن عمر وأنس، وقال الشافعي لا يستتر بدابة
ولنا ما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى بعير، رواه البخاري، وفي لفظ قال: قلت فإذا ذهب الركاب قال: كان يعرض الرحل ويصلي إلى آخرته، فإن استتر بإنسان فلا بأس
لأنه يقوم مقامه، وقد روي عن حميد بن هلال قال: رأي عمر بن الخطاب رجلا يصلي والناس يمرون بين يديه فولاه ظهره وقال بثوبه هكذا - وبسط يديه هكذا - وقال صل ولا تعجل، وعن نافع كان ابن عمر إذا لم يجد سبيلا إلى سارية من سواري المسجد قال لنافع ولني ظهرك، رواهما النجاد.
فأما الصلاة إلى وجه الإنسان فتكره لأن عمر أدب على ذلك، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حذاء وسط السرير وأنا مضطجعة بينه وبين القبلة، تكون لي الحاجة فأكره أن أقوم فأستقبله فأنسل انسلالا، متفق عليه (مسألة) (فإن لم يجد خط خطا وصلى إليه وقام ذلك مقام السترة) نص عليه أحمد وبه قال سعيد ابن جبير والاوزاعي، وأنكره مالك والليث وأبو حنيفة، وقال الشافعي بالخط بالعراق وقال بمصر لا يخط المصلي خط إلا أن يكون فيه سنة تتبع
ولنا ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً فإن لم يجد فلينصب عصا فإن لم يكن معه عصا فليخط خطا ثم لا يضره من مر أمامه (1) " رواه أبو داود وصفة الخط مثل الهلال.
قال أبو داود: سمعت أحمد غير مرة وسئل عن الخط فقال هكذا عرضا مثل الهلال قال وسمعت مسددا قال: قال ابن أبي داود الخط بالطول وقال في رواية الأثرم قالوا طولا وقالوا عرضا وأما أنا فأختار هذا ودور بأصبعه مثل القنطرة وكيفما خطه أجزأ لأن الحديث مطلق فكيفما أتى به فقد أتى بالخط والله أعلم (فصل) فان كا معه عصا لا يمكنه نصبها ألقاها بين يديه عرضا نقله الأثرم، وكذلك قال سعيد ابن جبير والاوزاعي، وكرهه النخعي ولنا أن هذا في معنى الخط الذي ثبت استحبابه بالحديث الذي رويناه (فصل) وإذا صلى إلى عود أو عمود أو نحوه استحب أن ينحرف عنه ولا يصمد له لما روى أبو داود عن المقداد بن الأسود قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى إلى عود أو إلى
عمود ولا شجرة إلا جعله على حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمدا؟ أي لا يستقبله فيجعله وسطا، ومعنى الصمد القصد (فصل) وتكره الصلاة إلى المتحدثين لئلا يشتغل بحديثهم، واختلف في الصلاة إلى النائم فروي أنه يكره روى ذلك عن ابن مسعود وسعيد بن جبير.
وعنه ما يدل على أنه إنما يكره في الفريضة خاصة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي من الليل وعائشة معترضة بين يديه كاعتراض الجنازة متفق عليه، وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، رواه أبو داود خرج التطوع منه لحديث عائشة وبقي الفرض على مقتضى العموم.
وقيل لا يكره فيهما لأن حديث عائشة صحيح، وحديث النهي ضعيف، قاله الخطابي، وتقديم قياس الخبر الصحيح أولى من الضعيف.
ويكره أن يصلي إلى نار قال أحمد: إذا كان التنور في قبلته لا يصلي إليه، وكره ابن سيرين ذلك.
قال أحمد في السراج والقنديل يكون في القبلة: أكرهه، وأما كره ذلك لأن النار تعبد من دون الله فالصلاة إليها تشبه الصلاة لها، وقال أحمد: لا تصل إلى صور منصوبة في وجهك
وذلك لأن الصورة تعبد من دون الله، وقد روي عن عائشة قالت: كان التابوت فيه تصاوير فجعلته بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فنهاني أو قالت كره ذلك، رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده، ولأن المصلي يشتغل بها عن صلاته.
قال أحمد: يكره أن يكون في القبلة شئ معلق مصحف أو غيره، ولا بأس أن يكون موضوعا إلى الأرض، وروى مجاهد قال: لم يكن ابن عمر يدع بينه وبين القبلة شيئا إلا نزعه لا سيفا ولا مصحفا، رواه الخلال.
قال أحمد: ولا يكتب في القبلة شئ لأنه يشغل قلب المصلي وربما اشتغل بقراءته عن الصلاة، وكذلك يكره التزويق وكل ما يشغل المصلي عن صلاته فإنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لعائشة " أميطي عنا قرامك فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي " رواه البخاري، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم
مع ما أيده الله به من العصمة والخشوع يشغله ذلك فغيره من الناس أولى، ويكره أن يصلي وأمامه امرأة تصلي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " أخروهن من حيث أخرهن الله " وإن كانت عن يمينه أو يساره لم يكره وإن كانت تصلي، وكره أحمد أن يصلي وبين يديه كافر، وروي عن إسحاق لأن المشركين نجس
(فصل) ولا بأس أن يصلي بمكة إلى غير سترة روى ذلك عن ابن الزبير وعطاء ومجاهد وقال الأثرم: قيل لاحمد الرجل يصلي بمكة ولا يستتر بشئ فقال: قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى ثم ليس بينه وبين الطواف سترة قال أحمد: لأن مكة ليست كغيرها لما روى الأثرم باسناده عن المطلب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من سبعة جاء حتى يحاذي الركن بينه وبين السقيفة فصلى ركعته في حاشية المطاف وليس بينه وبين الطواف أحد.
وقال عمار بن أبي عمار رأيت ابن الزبير جاء يصلي والطواف بينه وبين القبلة، تمر المرأة بين يديه فينتظرها حتى تمر ثم يضع جبهته في موضع قدمها، رواه حنبل في كتاب المناسك.
قال المعتمر: قلت لطاوس الرجل يصلي ركعتين بمكة فيمر بين يديه الرجل والمرأة فقال: أولا ترى الناس يبك بعضه بعضا وإذا هو يرى أن لهذا البلد حالا ليس لغيره، وذلك لا الناس يكثرون بها لأجل قضاء النسك ويزدحمون فيها ولذلك سميت بكة لان الناس يتباكون فيها أي يزدحمون ويدفع بعضهم بعضا فلو منع المصلي من يجتاز بين يديه لضاق على الناس.
وحكم الحرم كله حكم مكة في هذا بدليل قول ابن عباس: أقبلت راكبا على حمار
أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس إلى غير جدار، متفق عليه، ولأن الحرم كله محل المشاعر والمناسك فجرى مجرى مكة في ذلك (فصل) فإن صلى في غير مكة إلى غير سترة فلا بأس لما روى ابن عباس قال صلى النبي صلى الله عليه وسلم في قضاء ليس بين يديه شئ، رواه البخاري، قال أحمد في رجل يصلي في فضاء ليس بين يديه سترة ولا خط: صلاته جائزة فأحب إلي أن يفعل (مسألة) (فإن مر من ورائها شئ لم يكره حتى لو صلى إلى سترة فمر من ورائها ما يقطع الصلاة لم تنقطع وإن مر غير ذلك لم يكره) لما ذكرنا من الأحاديث وإن مر بينه وبينها قطعها إن كان مما يقطعها وكره إن كان مما لا يقطعها (مسألة) (وإن لم يكن سترة فمر بين يديه الكلب الأسود البهيم بطلت صلاته وفي المرأة والحمار روايتان) إذا مر الكلب الأسود بين يدي المصلي قريبا منه قطع صلاته بغير خلاف في المذهب، وهذا قول عائشة وروي عن معاذ ومجاهد والبهيم الذي ليس في لونه شئ سوى السواد لما روى أبو ذر
قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره مثل آخرة الرحل فإن لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل فإنه يقطع صلاته المرأة والحمار والكلب الأسود " قال عبد الله بن الصامت يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ فقال يا ابن أخي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني فقال " الكلب الأسود شيطان " رواه مسلم وأبو داود وغيرهما، وفي المرأة والحمار روايتان (إحداهما) لا يقطع الصلاة إلا الكلب الأسود نقلها عنه الجماعة وهو قول عائشة لما روى الفضل بن عباس قال: أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في بادية فصلى في صحراء ليس بين يديه سترة وحمار لنا وكلبة يعبثان بين يديه فما بالي ذلك.
رواه أبو داود.
وعن ابن عباس قال أقبلت راكبا على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمنى إلى غير جدار فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع فدخلت في الصف فلم ينكر علي أحد.
وقالت عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاته من الليل كلها وأنا معترضة بينه وبين القبلة، متفق عليهما وقد ذكرنا
حديث زينب بنت أبي سلمة حين مرت بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فلم تقطع صلاته، رواه ابن ماجه، (والثانية) أن المرأة والحمار يقطعان الصلاة لما ذكرنا من حديث أبي ذر: وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب " رواه مسلم.
فأما حديث عائشة فقد قيل ليس بحجة لأن حكم الوقوع يخالف حكم المرور بدليل كراهة المرور بين يدي المصلي بخلاف
الاعتراض.
وحديث ابن عباس ليس فيه إلا أنه مر بين يدي بعض الصف، وسترة الإمام سترة لمن خلفه.
روي هذا القول عن أنس لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي إلى سترة ولم ينقل أنه أمر أصحابه بنصب سترة أخرى.
وحديث الفضل بن عباس في إسناده مقال ويجوز أن يكونا بعيدين.
وقال مالك والثوري وأصحاب الرأي والشافعي لا يقطع الصلاة شئ لما ذكرنا من الأحاديث ولما روى أبو سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يقطع الصلاة شئ " رواه أبو داود
ولنا حديث أبي هريرة وأبي ذر، وقد أجبنا عن الأحاديث المتقدمة.
وحديث أبي سعيد يرويه مجالد وهو ضعيف فلا يعارض به الصحيح وهو عام وأحاديثنا خاصة فيجب تقديمها (فصل) ولا يقطع الصلاة غير ما ذكرنا لأن تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم لها بالذكر يدل على عدمه فيما سواها، وقال ابن حامد: هل يقطع الصلاة مرور الشيطان؟ على وجهين (أحدهما) يقطع وهو قول بعض أصحابنا لتعليل النبي صلى الله عليه وسلم قطع الكلب الصلاة بكونه شيطانا (والثاني) لا يقطع اختاره القاضي، ومتى كان في الكلب الأسود لون غير السواد لم يقطع الصلاة وليس ببهيم إلا أن يكون بين عينيه نكتتان تخالفان لونه فلا يخرج بهما عن اسم البهيم.
وأحكامه في قطعه الصلاة وتحريم صيده وإباحة قتله لأنه قد روي في حديث " عليكم بالأسود البهيم ذي القرنين فإنه شيطان " وإنما خصصنا قطع الصلاة بالأسود البهيم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سماه شيطانا في
حديث أبي ذر، وقال عليه السلام " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها فاقتلوا منها كل أسود بهيم فإنه شيطان " فبين أن الشيطان هو الأسود البهيم (فصل) ولا فرق بين الفرض والتطوع فيما ذكرنا لعموم الأدلة، وقد روي عن أحمد ما يدل على التسهيل في التطوع.
والصحيح التسوية لأن مبطلات الصلاة في غير هذا يتساوى فيها الفرض والتطوع، وقال أحمد يحتجون بحديث عائشة بأنه في التطوع وما أعلم بين الفريضة والتطوع فرقا إلا أن التطوع يصلي على الدابة
(فصل) فإن كان الكلب الأسود البهيم واقفا بين يديه أو نائما ولم يمر ففيه روايتان (إحداهما) يبطل قياسا على المرور ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقطع الصلاة المرأة والحمار والكلب " ولم يذكر مرورا، وقد قالت عائشة: عدلتمونا بالكلاب والحمر، وذكرت في معارضة ذلك ودفعه أنها
كانت تكون معترضة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم كاعتراض الجنازة (والثانية) لا تبطل به الصلاة لأن الوقوف والنوم مخالف لحكم المرور بدليل أن عائشة كانت تنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يكرهه ولا ينكره، وقد قال في المار " كان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه " وكان ابن عمر يقول لنافع: ولني ظهرك ليستتر ممن يمر بين يديه، وقعد عمر بين يدي المصلي يستره من المرور، وإذا اختلف حكم الوقوف والمرور فلا يقاس عليه وقول النبي صلى الله عليه وسلم " يقطع الصلاة " لابد فيه من اضمار المرور أو غيره فإنه لا يقطعها إلا بفعله، وقد جاء في بعض الأخبار فيتعين حمله عليه (فصل) والذي يقطع الصلاة مروره إنما يقطعها إذا مر قريبا والذي لا يقطع الصلاة إنما يكره له المرور إذا كان قريبا أيضا فأما البعيد فلا يتعلق به حكم، قال شيخنا ولا أعلم أحداً من أهل العلم
حد البعيد في ذلك ولا القريب إلا أن عكرمة قال: إذا كان بينك وبين الذي يقطع الصلاة قذفة بحجر لم يقطع الصلاة وروى أبو داود وعبد بن حميد عن ابن عباس قال: أحسبه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا صلى أحدكم إلى غير سترة فإنه يقطع صلاته الكلب والحمار والخنزير والمجوسي واليهودي والمرأة ويجزئ عنه إذا مروا وبين يديه قذفة بحجر " هذا لفظ رواية أبي داود وفي رواية عبد " والنصراني والمرأة الحائض " فلو ثبت هذا الحديث تعين المصير إليه غير أنه لم يجزم برفعه، وفيه ما هو متروك بالإجماع وهو ما عدا الثلاثة المذكورة ولا يمكن تقييد ذلك بموضع السجود كما قال بعضهم، فإن قوله عليه السلام " إذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل قطع صلاته الكلب الأسود " يدل على أن ما هو أبعد من السترة تنقطع فيه بمرور الكلب، والسترة تكون أبعد من موضع السجود.
قال شيخنا: والصحيح تحديد ذلك بما إذا مشى إليه المصلي ودفع المار بين يديه لا بطل
صلاته لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بدفع المار بين يديه فتقيد بدلالة الإجماع بما يقرب منه بحيث إذا مشى إليه لا تبطل صلاته، واللفظ في الحديثين واحد، وقد تعذر حملهما على الإطلاق، وقد تقيد أحدهما بالإجماع فينبغي أن يقيد الآخر به والله أعلم (فصل) وإذا صلى إلى سترة مغصوبة فاجتاز وراءها ما يقطع الصلاة قطعها في أحد الوجهين ذكرهما ابن حامد لأنه ممنوع من نصبها والصلاة إليها فوجودها كعدمها (والثاني) لا تبطل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " كفى ذلك مثل آخرة الرحل " وقد وجد واصل الوجهين إذا صلى في ثوب مغصوب وفيه روايتان (فصل) وسترة الإمام سترة لمن خلفه، نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر قال الترمذي: قال أهل العلم سترة الإمام سترة لمن خلفه وهو قول الفقهاء السبعة والنخعي ومالك والشافعي وغيرهم لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى سترة ولم يأمر أصحابه بنصب سترة أخرى وفي حديث ابن عباس
قال: أقبلت على حمار أتان والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان يرتع ودخلت في الصف فلم ينكر علي أحد، متفق عليه، ومعنى قولهم سترة الإمام سترة لمن خلفه أنه متى لم يحل بين الإمام وسترته شئ يقطع الصلاة لم يضر المأمومين مرور شئ بين أيديهم في بعض الصف ولا فيما بينهم وبين الإمام، وإن مر بين يدي الإمام ما يقطع صلاته قطع صلاتهم، وقد دل على ذلك ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع النبي صلى الله عليه وسلم من ثنية أذاخر فحضرت الصلاة يعني إلى جدار فاتخذه قبلة ونحن خلفه فجاءت بهمة تمر بين يديه فما زال يدارئها حتى لصق بطنه بالجدار فمرت من وراثه، رواه أبو داود فلولا أن سترته سترة لهم لم يكن بين مرورها بين يديه وخلفه فرق (مسألة) (ويجوز له النظر في المصحف) يجوز له النظر في المصحف في صلاة التطوع قال أحمد
لا بأس ان يصلي بالناس القيام وهو يقرأ في المصحف قيل له الفريضة؟ قال لم أسمع فيها بشئ وسئل
الزهري عن رجل يقرأ في رمضان في المصحف فقال: كان خيارنا يقرءون في المصاحف، روي عن عطاء ويحيى الأنصاري، ورويت كراهته عن سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد وابراهيم لأنه يشغل عن الخشوع في الصلاة، وقال القاضي: لا بأس به في التطوع إذا لم يحفظ، فإن كان حافظا كره لأن أحمد سئل عن الإمامة في المصحف في رمضان قال إن اضطر الى ذلك، وقال أبو حنيفة تبطل الصلاة إذا لم يكن حافظا لأنه عمل طويل، وروي عن ابن عباس قال: نهانا أمير المؤمنين إن نؤم الناس في المصاحف وأن يؤمنا إلا محتلم.
رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف ولنا أن عائشة كان يؤمها عبد لها في المصحف، رواه الأثرم، وقول الزهري: ولأنه نظر إلى موضع معين فلم نبطل الصلاة كالحافظ، وأما فعله في الفرض ففيه روايتان (إحداهما) يكره اختاره
القاضي لأنه يشغل عن خشوع الصلاة ولا يحتاج إليه (والثانية) لا يكره، ذكره ابن حامد.
وقال القاضي في المجرد: أن قرأ في التطوع في المصحف لم تبطل صلاته وان فعل ذلك في الفريضة فهل يجوز؟ على روايتين (فصل) وإذا قرأ في كتاب في نفسه ولم ينطق بلسانه فقد نقل المروذي عن أحمد أنه كان يصلي وهو ينظر إلى جزء إلى جانبه، فظاهره أن الصلاة لا تبطل.
وقال جماعة من أصحابنا تبطل الصلاة إذا تطاول: وكان ابن حامد يقول: إذا طال عمل القلب أبطل كعمل اليدين.
والمذهب أن الصلاة لا تبطل ذكره القاضي (مسألة) (وإذا مرت به آية رحمة أن يسألها أو آية عذاب أن يستعيذ منها، وعنه يكره ذلك في الفرض) لا بأس بذلك في صلاة التطوع لأن حذيفة روي أن النبي صلى الله عليه وسلم فعله.
فأما الفريضة فعنه إباحته فيها كالنافلة لأنه دعاء وخير.
وعنه الكراهة لأنه إنما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم
في النافلة فينبغي الاقتصار عليه والله أعلم (فصل) قال رحمه الله (أركان الصلاة اثنا عشر، القيام وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاعتدال منه، والسجود، والجلوس بين السجدتين، والطمأنينة في هذه الأفعال،
والتشهد الأخير، والجلوس له، والتسليمة الأولى، والترتيب، من ترك منها شيئا عمدا بطلت صلاته) المشروع في الصلاة قسمان.
واجب ومسنون، والواجب ينقسم إلى قسمين (أحدهما) لا يسقط في عمد ولا سهو، وهي الأركان التي ذكرها المصنف، إلا أن قراءة الفاتحة إنما تجب على الإمام والمنرد والقيام يسقط في النافلة، وفي وجوب بعضها اختلاف ذكرناه، وقد ذكرنا أدلتها في أثناء الباب سوى الترتيب ويدل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلاها مرتبة وقال " صلوا كما رأيتموني أصلي " وقد دل على وجوب أكثرها ماروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد فدخل رجل
فصلى ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال " ارجع فصل فانك لم تصل " ثلاثا فقال: والذي بعثك بالحق ما أحسن غيره فعلمني قال " إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن؟؟؟، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا.
ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " متفق عليه وزاد مسلم " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم إستقبل القبلة فكبر " فدل ذلك على أن هذه المسماة في الحديث لا تسقط بحال فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي لجهله، والجاهل كالناسي.
فأما أحكام تركها فان كان عمداً بطلت صلاته في الحال، وإن كان سهوا ثم ذكره في الصلاة أتى به على ما سنذكره إن شاء الله.
وإن لم يذكره حتى سلم وطال الفصل بطلت الصلاة وإن لم يطل الفصل بنى على ما مضى من صلاته نص عليه أحمد في رواية جماعة وهو قول الشافعي.
وقال بعض أصحابنا
متى لم يذكره حتى سلم بطلت صلاته.
وقال الأوزاعي فيمن نسي سجدة من صلاة الظهر فذكرها في صلاة العصر: يمضي في صلاته فإذا فرغ سجدها ولنا على أن الصلاة لا تبطل مع قرب الفصل أنه لو ترك ركعة أو كبر وذكر قبل طول الفصل أتى بما ترك ولم تبطل صلاته إجماعا وقد دل على ذلك حديث ذي اليدين، فإذا ترك ركنا واحدا فأولى أن لا تبطل.
والدليل على ان الصلاة تبطل بطول الفصل أنه أخل بالموالاة فبطلت صلاته كما لو ذكر
في يوم ثان والمرجع في طول الفصل إلى العرف وبه قال بعض الشافعية.
وقال بعضهم الفصل الطويل قدر ركعة وهو نص الشافعي.
وقال الخرقي في سجود السهو إذا تركه يسجد ما كان في المسجد لأنه محل للصلاة فيحد قرب الفصل وبعده به.
والأولى حده بالعرف لأنه لا حد له في الشرع فرجع فيه إلى العرف كسائر ما لاحد له ولا يجوز التقدير بالتحكم