الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 362-401
أهل الأثرالأرشيف العلمي

واتصل إنبنى على المتيمم يجد الماء في الصلاة ذكره ابن حامد، وإن عاودها الدم فهو كما لو إنقطع خارج الصلاة على ما مضى وإن توضأت وهو منقطع ثم عاد قبل الصلاة أو فيها وكانت مدة إنقطاعه تتسع للطهارة والصلاة بطلت طهارتها بعوده لأنها صارت بهذا الإنقطاع في حكم الطاهرات فصار عود الدم كسبق الحدث.
وإن لم يتسع لم يؤثر هذا الإنقطاع وهذا قول للشافعي، وقد ذكرنا أن ظاهر كلام أحمد رحمه الله أنه لا عبرة بهذا الإنقطاع بل متى كانت مستحاضة أو من في معناها فتحرزت وتطهرت فطهارتها صحيحة ما لم تبرأ أو يخرج الوقت أو تحدث حدثاً آخر وهو أولى لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة من غير تفصيل فالتفصيل يخالف مقتضى الخبر ولأن هذا

لم يرد الشرع به ولا سأل عنه النبي صلى الله عليه وسلم المستحاضة التي إستفتته ولم ينقل عنه ولا عن أحد من أصحابه هذا التفصيل وذلك يدل ظاهراً على عدم إعتباره ولأن إعتبار هذا يشق.
والعادة في المستحاضة ونحوها أن الخارج يجري وينقطع.
وإعتبار مدة الإنقطاع بما يمكن فيه فعل العبادة بشق وإيجاب الوضوء به حرج منفي بقوله تعالى (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وكذلك فيما إذا كان لها عادة بإنقطاعه زمناً لا يتسع للطهارة والصلاة على ما مضى من الخلاف فيه (فصل) فإن كان للمستحاضة عادة بإنقطاع الدم زمناً لا يتسع للطهارة والصلاة فتوضأت ثم إنقطع

لم نحكم ببطلان طهارتها ولا صلاتها ان كانت فيها لأن هذا الإنقطاع لا يحصل به المقصود وإن إتصل الانقطاع وبرأت وكان قد جرى منها دم بعد الوضوء بطلت الطهارة والصلاة لأنا تبينا أنها صارت في حكم الطاهرات بالإنقطاع وإن إتصل زمناً يتسع للطهارة والصلاة فالحكم فيه كالتي لم يجر لها عادة بإنقطاعه على ما ذكرنا، وإن كانت لها عادة بإنقطاعه زمناً يتسع للصلاة والطهارة لم تصل حال جريان الدم وتنتظر إنقطاعه إلا أن تخشى خروج الوقت فتتوضأ وتصلي فإن شرعت في الصلاة في آخر الوقت بهذه الطهارة فأمسك الدم عنها بطلت طهارتها لأنها أمكنتها الصلاة بطهارة صحيحة أشبهت غير المستحاضة، وإن كان زمن إمساكه يختلف فتارة يتسع وتارة لا يتسع فهي كالتي قبلها إلا أن تعلم أن هذا الإنقطاع لا يتسع.
قال شيخنا: ويحتمل أنها إذا شرعت في الصلاة ثم إنقطع

الدم لم تبطل صلاتها لأنها شرعت فيها بطهارة متيقنة وإنقطاع الدم يحتمل أن يكون متسعاً فتبطل ويحتمل أن يكون ضيقاً فلا تبطل فلا تزول عن اليقين بالشك وإن إتصل الإنقطاع تبينا أنه كان مبطلاً فبطلت الصلاة.
(فصل) (ويستحب للمستحاضة أن تغتسل لكل صلاة) وذهب بعض العلماء إلى وجوبه روى ذلك عن علي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير وهو أحد قولي الشافعي في المتحيرة لأن أم حبيبة إستحيضت سبع سنين فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم فكانت تغتسل عند كل صلاة وروى أبو داود أن امرأة كانت تهراق الدماء على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تغتسل عند كل صلاة، وقال بعضهم تغتسل كل يوم غسلاً روى ذلك عن عائشة وابن عمر وأنس وقال بعضهم تجمع بين كل صلاتي جمع بغسل وتغتسل للصبح لأن النبي صلى الله عليه وسلم

قال لحمنة " فإن قويت أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين - الظهر والعصر حين تطهرين وتصلين الظهر والعصر جميعاً ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين وتغتسلين للصبح فافعلي وصومي إن قويت على ذلك " فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وهو أعجب الأمرين إلي " وأمر به سهلة بنت سهيل وبه قال عطاء والنخعي وأكثر أهل العلم على أنها تغتسل عند إنقضاء الحيض ثم عليها الوضوء لكل صلاة لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة فإذا أقبلت فدعي الصلاة فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي وتوضئي لكل صلاة " وقد ذكرنا حديث عدي بن ثابت وهذا يدل على أن الغسل المأمور به أمر استحباب جمعاً بين الأحاديث والغسل لكل صلاة أفضل لأنه أحوط، وفيه خروج من الخلاف، ويليه في الفضل الجمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بغسل والغسل للصبح ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم " وهو أعجب الأمرين إلي " ويليه الغسل

كل يوم مرة ثم بعده الغسل عند إنقطاع الدم والوضوء لكل صلاة وذلك مجزئ إن شاء الله تعالى (مسألة) (وهل يباح وطئ المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت على روايتين) (إحداهما) لا يباح إلا أن يخاف على نفسه الوقوع في المحظور وهو مذهب ابن سيرين والشعبي لأن عائشة يروي عنها أنها قالت: المستحاضة لا يغشاها زوجها ولأن بها أذى فيحرم وطؤها كالحيض لأن الأذى علة لتحريم الوطئ لأن الشارع ذكره عقيبة بفاء التعقيب فكان علة له كقوله تعالى (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) والأذى موجود في الإستحاضة فمنع وطؤها كالحائض (والثانية) يباح وطؤها مطلقاً وهو قول أكثر أهل العلم لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامها، وقال أن أم حبيبة كانت تستحاض وكان زوجها يغشاها، وقد كانت حمنة تحت طلحة وأم حبيبة تحت عبد الرحمن بن عوف وقد سألتا النبي صلى الله عليه وسلم عن أحكام المستحاضة فلو كان حراماً لبينه لهما، فأما إن خاف على نفسه العنت أبيج على الروايتين لأن حكمه أخف من حكم الحيض ومدته

تطول فإن وطئها لغير ذلك وقلنا بالتحريم لم يكن عليه فكفارة لأن الشرع لم يرد بها وقد فرقنا بينه وبين الحيض فإن إنقطع دمها أبيح وطؤها قبل الغسل لأنه غير واجب عليها أشبه سلس البول (فصل) قال أحمد لا بأس ان تشرب المرأة دواء يقطع عنها الحيض إذا كان دواء معروفاً والله أعلم (فصل) قال (وأكثر النفاس أربعون يوماً) هذا قول أكثر أهل العلم روي ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وعثمان بن أبي العاص وعائذ بن عمر وأنس وأم سلمة رضي الله عنهم وبه قال الثوري واسحاق وأصحاب الرأي، وقال الحسن البصري النفساء لا تكاد تجاوز الأربعين فإن جاوزت الخمسين فهي مستحاضة، وقال مالك والشافعي أكثره ستون وحكاه ابن عقيل رواية عن أحمد لأنه روي عن الأوزاعي أنه قال عندنا امرأة ترى النفاس شهرين، وروي نحو ذلك عن عطاء، والمرجع في ذلك إلى الوجود قال الشافعي وغالبه أربعون يوماً ولنا ما روى أبو داود والترمذي عن مسة الأزدية عن أم سلمة رضي الله عنها قالت كانت النفساء

تجلس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين يوماً قال الترمذي لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث أبي سهل وهو ثقة.
قال الخطابي أثنى محمد بن إسماعيل على هذا الحديث ولأنه قل من سميناه من الصحابة ولم يعرف لهم مخالف في عصرهم فكان إجماعاً.
قال الترمذي أجمع أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي.
قال أبو عبيد وعلى هذا جماعة الناس.
وما حكوه عن الاوزاعي يحنمل أن الزيادة كانت حيضاً أو إستحاضة كما لو زاد دمها على الستين، فعلى هذا إن زاد دم النفساء على أربعين وصادف عادة الحيض فهو حيض وإلا فهو إستحاضة نص عليه أحمد لأنه لا يخلو من أحدهما والله أعلم.
(مسألة) قال (ولا حد لأقله) وبه قال الثوري والشافعي، وقال أبو الخطاب أقله قطرة وقال

محمد بن الحسن وأبو ثور أقله ساعة، وقال أبو عبيد أقله خمسة وعشرون يوماً، وقال يعقوب أدناه أحد عشر يوما ولنا أنه لم يرد في الشرع تحديده فيرجع فيه إلى الوجود وقد وجد قليلاً وكثيراً وقد روي أن امرأة ولدت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم تر دماً فسميت ذات الجفوف ولأن اليسير دم وجد عقيب سببه فكان نفاساً كالكثير (مسألة) (أي وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي إذا كان الطهر أقل من ساعة فينبغي أن لا تلتفت إليه لما ذكرنا من قول ابن عباس في الحيض وإن كان أكثر من ذلك فظاهر قوله ههنا أنها تغتسل وتصلي لحديث ابن عباس وهذا قول أكثر أصحابنا لقول علي رضي الله عنه: لا يحل للنفساء

إذا رأت الطهر ألا أن تصلي.
وقد روي عن أحمد أنها إذا رأت النقاء أقل من يومين لا يثبت لها أحكام الطاهرات رواه يعقوب عنه فعلى هذا لا يثبت لها حكم الطاهرات إلا أن ترى الطهر يوماً كاملاً لأن الدم يجري تارة وينقطع أخرى فلم يمكن اعتبار مجرد الانقطاع فلابد من ضابط للإنقطاع المعدود طهراً واليوم يصلح أن يكون ضابطاً فتعلق الحكم به والله أعلم (مسألة) (ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين) . متى طهرت النفساء في مدة الأربعين أكثر من يوم لزمها الصوم والصلاة بعد أن تغتسل، وإن كان أقل من يوم فقد ذكرنا الخلاف فيه، ويستحب لزوجها أن لا يطأها في الفرج وهي طاهرة حتى تتم الأربعين.
قال احمد ما يعجبني أن يأتيها زوجها على حديث عثمان بن أبي العاص أنها أتته قبل الأربعين فقال لا تقربيني ولأنه لا يأمن عود الدم في زمن الوطئ فيكون واطئا في نفاس ولا يحرم وطؤها لأنها في حكم الطاهرات

ولذلك تجب عليها العبادات، وذكر القاضي في تحريمه روايتين في المجرد والصحيح أنه لا يحرم لما ذكرنا (مسألة) (فإن إنقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها فهو نفاس وعنه إنه مشكوك فيه تصوم وتقضي الصوم المفروض) متى إنقطع دمها في مدة الأربعين إنقطاعاً تجب عليها فيه العبادات ثم عاد في مدة الأربعين ففيه روايتان (إحداهما) هو نفاس تدع له الصوم والصلاة نقلها عنه أحمد بن القاسم وهذا قول عطاء والشعبي لأنه دم في مدة النفاس أشبه مالو إتصل (والثانية) هو مشكوك فيه وهي أشهر نقلها عنه الأثرم وغيره فعلى هذا تصوم وتصلي لأن سبب العبادة متيقن وسقوطها بهذا الدم

مشكوك فيه.
ويجب عليها قضاء الصوم احتياطا لان الصوم واجب عليها بيقين وسقوطه بهذا الفعل مشكوك فيه.
ولا يقربها زوجها إحتياطاً بخلاف الناسية إذا جلست ستاً أو سبعاً فإنه لا يجب عليها قضاء الصوم الذي صامته مع الشك فيه، والفرق بينهما أن الغالب من عادات النساء ست أو سبع وما زاد عليه نادر بخلاف النفاس ولأن الحيض يتكرر فيشق ذلك فيه وكذلك الدم الزائد عن العادة في الحيض، وقال مالك إن رأت الدم بعد يومين أو ثلاثة فهو نفاس وإن تباعد فهو حيض، ولاصحاب الشافعي فيما إذا رأت الدم يوما وليلة بعد طهر خمسة عشر هل هو حيض أو نفاس؟ قولان.
وقال القاضي: إن رأت الدم أقل من يوم وليلة بعد طهر خمسة عشر فهو دم فساد تصوم وتصلي ولا تقضي وهو قول أبي ثور، وإن كان الدم الثاني

يوماً وليلة فهو مشكوك فيه ذكرنا حكمه، ولنا أنه دم صادف زمن النفاس فكان نفاساً كما لو استمر أو رأته قبل مضي يومين وينبغي أن لا يفرق بين قليله وكثيره لما ذكرنا، ومن قال هو حيض فهو نزاع في عبارة لإستواء حكم الحيض والنفاس، فأما ما صامته في زمن الطهر فلا يجب قضاؤه لأنه صوم صحيح (فصل) إذا رأت المرأة الدم بعد وضع شئ يتبين فيه شئ من خلق الإنسان فهو نفاس نص عليه وإن رأته بعد إلقاء نطفة أو علقة فليس بنفاس، وإن كان جسماً لا يتبين فيه شئ من خلق الإنسان ففيه وجهان (أحدهما) هو نفاس لأنه بدء خلق آدمي أشبه مالو تبين (والثاني) ليس بنفاس لأنه لم يتبين أشبه النطفة والعلقة والله أعلم

(مسألة) (وإن ولدت توأمين فأول النفاس من، الأول وآخره منه وعنه أنه من الأخير والأول أصح) ذكر أصحابنا عن أحمد رحمه الله في هذه المسألة روايتين (إحداهما) إن أول النفاس وآخره من الأول وهذا قول مالك وأبي حنيفة، فعلى هذا متى انقضت مدة النفاس من حين وضع الأول لم يكن ما بعده نفاساً لأن ما بعد الأول دم بعد الولادة أشبه المنفرد، وإذا كان أوله منه كان آخره منه كالمنفرد (والرواية الثانية) اختلف فيها أصحابنا.
فقال الشريف أبو جعفر وأبو الخطاب في رءوس المسائل هي أن أوله من الأول وآخره من الثاني.
وذكره القاضي في كتاب الروايتين لأن الثاني ولد فلا تنقضي مدة النفاس قبل إنتهائها منه كالمنفرد.
فعلى هذا تزيد مدة النفاس على أربعين في حق من ولدت توأمين، وقال القاضي أبو الحسين وأبو الخطاب في الهداية: هي أن أول النفاس وآخره من الثاني حسب.
وهو قول زفر لأن مدة النفاس تتعلق بالولادة فكان ابتداؤها وإنتهاؤها من الثاني كمدة المدة

فعلى هذا ما تراه من الدم قبل ولادة الثاني لا يكون نفاساً، ولأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه كالأقوال الثلاثة وقال القاضي في المجرد النفاس عنهما رواية وإنما الروايتان في وقت الإبتداء هل هو عقيب إنفصال الأول أو الثاني قال شيخنا وهذا ظاهره إنكار لرواية من روى أن آخره من الأول والله أعلم (كتاب الصلاة) الصلاة في اللغة عبارة عن الدعاء قال الله تعالى (وصل عليهم) أي أدع لهم، وقال صلى الله عليه وسلم " إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم وإن كان صائماً فليصل " وفي الشرع عبارة عن الأفعال المعلومة فإذا ورد في الشرع أمر بصلاة أو حكم معلق عليها إنصرف إلى الصلاة الشرعية في الظاهر (والأصل) في وجوبها الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء.
ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة " ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم " بني الإسلام على خمس: شهادة ان لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاء، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا " متفق عليه والأخبار في ذلك كثيرة وأجمع المسلمون على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض

والنفساء لما ذكرنا ولقول الله تعالى (أن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا) فأما الحائض والنفساء فلا تجب عليهما الصلاة لما ذكرنا في باب الحيض (مسألة) قال (وتجب على النائم ومن زال عقله بسكر أو إغماء أو شرب دواء) لا نعلم خلافاً في وجوب الصلاة على النائم بمعنى أنه يجب عليه قضاؤها إذا استيقظ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " رواه مسلم بمعناه ولو لم تجب عليه في حال نومه لما وجب عليه قضاؤها كالمجنون وكذلك السكران ومن شرب محرماً يزيل عقله لأنه إذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم بطريق الأولى وحكم المغمى عليه حكم النائم في وجوب قضاء العبادات عليه من الصلاة والصوم يروي ذلك عن عمار وعمران بن حصين وسمرة بن جندب.
وروي عن ابن عمر وطاوس والحسن والزهري قالوا: لا يقضي الصلاة، وقال مالك والشافعي لا يلزمه قضاء الصلاة إلا أن يفيق في جزء من وقتها لأنه يروى أن عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يغمى عليه فيترك الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليس من ذلك قضاء إلا أن يغمى عليه فيفيق في وقتها فيصليها " وقال أصحاب الرأي إن اغمي عليه أكثر من خمس صلوات لم يقض شيئاً وإلا قضى الجميع لأن ذلك يدخل في التكرار فاسقط القضاء كالمجنون.
ولنا أن الإغماء لا يسقط فرض الصيام ولا يؤثر في ثوبت الولاية ولا تطول مدته غالباً أشبه

النوم وحديثهم يرويه الحكم بن عبد الله بن سعد وقد نهى أحمد عن حديثه، وقال البخاري تركوه وقياسه على المجنون لا يصح لأنه تطول مدته غالباً وتثبت عليه الولاية ويسقط عنه الصوم ولا يجوز على الأنبياء عليهم السلام بخلاف الاغماء ولان مالا يؤثر في إسقاط الخمس لا يؤثر في إسقاط الزائد عليها كالنوم (فصل) فأما شرب الدواء المباح الذي يزيل العقل فإن كان لا يدوم كثيراً فهو كالإغماء وإن تطاول فهو كالمجنون، وأما ما فيه السموم من الأدوية فإن كان الغالب من إستعماله الهلاك أو الجنون لم يجز وإن كان الغالب منه السلامة ويرجى نفعه أبيح شربه في الظاهر لدفع ما هو أخطر منه كغيره من الأدوية ويحتمل أن يحرم لأن فيه تعرضاً للهلاك أشبه ما لو لم يرد به التداوي، والأول أصح فإن قلنا يحرم شربه فهو كالمحرمات من الخمر ونحوه وإن قلنا يباح فهو كالمباحات فيما ذكرنا والله أعلم (مسألة) (ولا تجب على كافر ولا مجنون ولا تصح منهما) اختلف أهل العلم في خطاب الكفار بفروع الإسلام وعن أحمد رحمه الله فيه روايتان مع إجماعهم على أنها لا تصح منه في حال كفره ولا يجب عليه قضاؤها بعد إسلامه إذا كان أصلياً وقد قال تعالى (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) ولأنه قد أسلم خلق كثير في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبعده فلم يأمر أحداً بقضاء ولأن في إيجاب القضاء عليه تنفيراً عن الإسلام فعفي عنه، وأما المرتد فذكر أبو إسحاق بن شاقلا في وجوب القضاء عليه روايتين (إحداهما) لا يلزمه وهو ظاهر كلام الخرقي فعلى هذا لا يلزمه قضاء ما ترك

في حال كفره ولا في حال إسلامه قبل ردته وإن كان قد حج لزمه استئنافه لأن عمله قد حبط بكفره بدليل قوله تعالى (لئن أشركت ليحبطن عملك) فصار كالكافر الأصلي في جميع أحكامه (والثانية) يلزمه قضاء ما ترك من العبادات في حال كفره وإسلامه قبل ردته ولا يجب عليه إعادة الحج لأن العمل إنما يحبط بالإشراك مع الموت لقوله تعالى (ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم) وهذا مذهب الشافعي ولأن المرتد أقر بوجوب العبادات عليه واعتقد ذلك وقدر على التسبب إلى آدائها فلزمه كالمحدث، وذكر القاضي رواية ثالثة أنه لا قضاء عليه لما ترك في حال ردته وعليه قضاء ما ترك في إسلامه قبل الردة لأنه كان واجباً عليه قبل الردة فبقي الوجوب.
قال وهذا المذهب هو اختيار ابن حامد وعلى هذا لا يلزمه استئناف الحج لأن ذمته برئت منه بفعله قبل الردة فلم تشتغل به بعد ذلك كالصلاة ولأن الردة لو أبطلت حجه أبطلت سائر عباداته المفعولة قبل ردته وهذا أولى إن شاء الله تعالى.
فأما المجنون فلا تصح منه الصلاة لأنه ليس من أهل التكليف أشبه الطفل ولا تجب عليه في حال جنونه ولا يلزمه قضاؤها إلا أن يفيق في وقت الصلاة لا نعلم في ذلك خلافا.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن لصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن

(مسألة) (وإذا صلى الكافر حكم بإسلامه) لقوله صلى الله عليه وسلم " من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، فله مالنا وعليه ما علينا " وقال صلى الله عليه وسلم " بيننا وبينهم الصلاة " فجعل الصلاة حدا فمن أتى بها ينبغي أن يدخل في حد الإسلام ولأنها أحد مباني الإسلام المختصة به فإذا فعلها حكم بإسلامه كالشهادتين (مسألة) (ولا تجب على صبي وعنه أنها تجب على من بلغ عشراً) ظاهر المذهب أن الصلاة لا تجب على الصبي حتى يبلغ لما ذكرنا من الحديث، وفيه رواية أخرى أنها تجب على من بلغ عشراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم " مروا الصبي بالصلاة لسبع واضربوه عليها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع " رواه أبو داود - أمر بعقوبته ولا تشرع العقوبة إلا لترك الواجب ولأن حد الواجب ما عوقب على تركه، والأول أصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم " رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يبلغ " ولأنه صبي فلم تجب عليه كالصغير ولأن الصبي ضعيف العقل والبنية ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله فإنه يتزايد تزايداً خفي التدريج فلا يعلم بنفسه.
والبلوغ ضابط لذلك ولهذا تجب به الحدود ويتعلق به أكثر أحكام التكليف فكذلك الصلاة، فأما التأديب ههنا فهو كالتأديب على تعلم الخط والقرآن والصناعة ليعتادها ويتمرن عليها.
ولا فرق بين الذكر والأنثى فيما ذكرنا، ولا خلاف في أنها تصح من الصبي العاقل ويشترط لصحة صلاته من يشترط لصحة صلاة الكبير إلا في السترة فإن قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يدل على صحتها بدون الخمار

(مسألة) (ويؤمر بها لسبع ويضرب على تركها لعشر) وهذا قول مكحول والاوزاعي وإسحاق وابن المنذر للخبر، وقال ابن عمر وابن سيرين إذا عرف يمينه من يساره لأنه يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن ذلك فقال " إذا عرف يمينه من شماله فمروه بالصلاة " رواه أبو داود وقال مالك والنخعي: يؤمر إذا ثغر، وقال عروة إذا عقل، قال القاضي يجب على ولي الصبي تعليمه الطهارة والصلاة وأمره بها إذا بلغ سبع سنين وتأديبه عليها إذا بلغ عشر سنين لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك وظاهر الأمر الوجوب وهذا الأمر والتأديب في حق الصبي لتمرينه عليها كي يألفها ويعتادها فلا يتركها عند البلوغ (مسألة) (فإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها لزمه إعادتها) وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي لا تلزمه في الموضعين لأنه أدى وظيفة الوقت فلم تلزمه إعادتها كالبالغ ولنا أنه صلاها قبل وجوبها وسببه فلم تجزه عما وجد سبب وجوبها كما لو صلى قبل الوقت ولأنها نافلة في حقه لم تجزه كما لو نواها نفلاً، ولأنه بلغ في وقت العبادة بعد فعلها فلزمه إعادتها كالحج (مسألة) (ولا يحل لمن وجبت عليه الصلاة تأخيرها عن وقتها إلا لمن ينوي الجمع أو لمشتغل بشرطها) وذلك لما روى أبو قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى " أخرجه مسلم فسماه تفريطا.
وعن سعد

أنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن (الذين هم عن صلاتهم ساهون) قال " إضاعة الوقت " توعدهم على ذلك فدل على وجوبه هذا إذا كان ذاكراً لها قادراً على فعلها، فأما من نوى الجمع لعذر جاز له تأخير الأولى إلى وقت الثانية لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعله وكذلك المشتغل بشرطها لا يأثم لأن الصلاة لا تصح بدونه إذا قدر عليه فمتى كان شرطاً مقدوراً عليه وجب عليه الإشتغال بتحصيله ولم يأثم بالتأخير في مدة تحصيله كالمشتغل بالوضوء والغسل (مسألة) (فمن جحد وجوبها كفر) متى جحد وجوب الصلاة نظرنا فإن كان جاهلاً به وهو ممن يجهل مثله ذلك كحديث الإسلام والناشئ ببادية عرف وجوبها لم يحكم بكفره لأنه معذور، وإن كان ممن لا يجهل ذلك كالناشئ بين المسلمين في الأمصار لم يقبل منه إدعاء الجهل وحكم بكفره لأن أدلة الوجوب ظاهرة في الكتاب والسنة والمسلمون يفعلونها على الدوام فلا يخفى وجوبها عليه فلا يجحدها إلا تكذيباً لله ورسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع الأمة فهذا يصير مرتداً حكمه حكم سائر المرتدين عن الإسلام، قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا، وإن تركها لمرض أو عجز عن أركانها أعلم أن ذلك لا يسقط الصلاة وإنه يجب عليه أن يصلي على حسب طاقته (مسألة) (وإن تركها تهاوناً لا جحوداً دعي إلى فعلها، فإن أبى حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله وعنه لا يجب حتى يترك ثلاثاً ويضيق وقت الرابعة) وجملته أن من ترك الصلاة تهاوناً وكسلا مع اعتقاد وجوبها دعي إلى فعلها وهدد فقيل له: صل وإلا قتلناك فإن لم يصل حتى تضايق وقت

التي بعدها وجب قتله في إحدى الروايتين واختيار ابن عقيل وهو ظاهر كلام الخرقي لأنه إذا ترك الأولى لم نعلم أنه عزم على تركها إلا بخروج الوقت فإذا خرج علمنا أنه تركها ولا يجب قتله بها لأنها فائتة فإذا ضاق وقت الثانية وجب قتله، وقال ابو إسحاق بن شاقلا إن كان الترك للصلاة إلى صلاة لا تجمع معها كالفجر إلى الظهر والعصر إلى المغرب وجب قتله، وإن كانت تجمع معها كالظهر إلى العصر والمغرب إلى العشاء فلا يقتل لأن وقتهما وقت واحد في حال العذر ولأن الوقتين كالوقت الواحد عند بعض العلماء، قال شيخنا وهذا قول حسن (والرواية الثانية) لا يقتل حتى يترك ثلاث صلوات ويضيق وقت الرابعة.
قال أحمد رحمه الله لئلا تكون شبهة لأنه قد يترك الصلاة والصلاتين والثلاث لشبهة فإذا رأيناه ترك الرابعة علمنا أنه عزم على تركها وانتفت الشبهة فيجب قتله، والصحيح الأول وقد نص أحمد فيمن ترك صلاة الفجر عامداً حتى وجبت عليه أخرى يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه لأنه قد وجد الترك وليس تقديرها بثلاث أولى من تقديرها بأربع وخمس وهو مذهب مالك والشافعي، وقال الزهري يسجن ويضرب، وقال أبو حنيفة لا يقتل لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لا يحل دم امرئ مسلم إلا باحدى ثلاث كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان أو قتل نفس بغير حق " ولم يوجد من هذا أحد الثلاثة وقال صلى الله عليه وسلم " أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فاذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم الا بحقها " متفق عليهما ولأنه أحد الفروع فلا يقتل بتركه كالحج ولأن الأصل تحريم الدم فلا تثبت الإباحة إلا بنص أو معناه والأصل عدمه

ولنا قوله تعالى (اقتلوا المشركين - إلى قوله - فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم) فأباح قتلهم حتى يتوبوا من الكفر ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فمتى ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فتبقى إباحة القتل وقال صلى الله عليه وسلم " من ترك الصلاة متعمداً برئت منه ذمة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم " رواه الإمام أحمد وهذا يدل على إباحة قتله وقال صلى الله عليه وسلم " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه مسلم وقال " نهيت عن قتل المصلين " ولأنها ركن من أركان الإسلام لا تدخله النيابة فوجب أن يقتل تاركه كالشهادة وحديثهم حجة لنا لأن الخبر الذي رويناه يدل على أن تركها كفر والحديث الآخر إستثنى منه " إلا بحقها " والصلاة من حقها ثم أن أحاديثنا خاصة تخص عموم ما ذكروه وقياسهم على الحج لا يصح لإختلاف الناس في جواز تأخيره (مسألة) (ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قتل بالسيف) لا يقتل تارك الصلاة حتى يستتا ثلاثة أيام ويضيق عليه ويدعى في وقت كل صلاة إلى فعلها لأنه قتل لترك واجب فتقدمته الاستتابة كقتل المرتد ويقتل بالسيف لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا قتلتم فأحسنوا القتلة " الحديث (مسألة) (وهل يقتل حداً أو لكفره؟ على روايتين) إحداهما يقتل لكفره كالمرتد فلا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن بين المسلمين اختارها أبو إسحاق بن شاقلا وابن عقيل وابن حامد وبه قال الحسن والنخعي والشعبي والاوزاعي وابن المبارك واسحاق ومحمد بن الحسن لقول رسول الله

صلى الله عليه وسلم " بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة " رواه مسلم.
وعن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر " رواه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح، وقال صلى الله عليه وسلم " أول ما مفقدون من دينكم الأمانة وآخر ما تفقدون الصلاة " قال أحمد كل شئ ذهب آخره لم يبق منه شئ.
وقال عمر رضي الله عنه لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وقال علي رضي الله عنه: من لم يصل فهو كافر، قال عبد الله بن شقيق لم يكن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يرون شيئاً من الأعمال تركه كفر غير الصلاة.
ولأنها عبادة يدخل بفعلها في الإسلام فيخرج بتركها منه كالشهادة (والرواية الثانية) يقتل حداً مع الحكم بإسلامه كالزاني المحصن وهذا اختيار أبي عبد الله بن بطة وأنكر قول من قال إنه يكفر وذكر أن المذهب على هذا لم يجد خلافاً فيه وهو قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة ومالك والشافعي لقول البني صلى الله عليه وسلم " ان الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله " وعن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وأن الجنة حق وأن النار حق أدخله الله الجنة على ما كان من عمل " وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وكان في قلبه من الخير ما يزن برة " متفق عليهن.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لكل

نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وأني أختبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً " رواه مسلم.
وعن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة.
ومن لم يأت بهن لم يكن له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة " ولو كان كافراً لم يدخله في المشيئة، وروي عن حذيفة أنه قال: يأتي على الناس زمان لا يبقى معهم من الإسلام إلا قول لا إله إلا الله.
فقيل له وما ينفعهم؟ قال ينجيهم من النار لا أبا لك.
وقال صلى الله عليه وسلم " صلوا على من قال لا إله إلا الله " رواه الخلال ولأن ذلك إجماع المسلمين فاننا لا نعلم في عصر من الأعصار احدا من تاركي الصلاة ترك تغسيله والصلاة عليه ولا منع ميراث موروثه ولا فرق بين الزوجين لترك الصلاة من أحدهما مع كثرة تاركي الصلاة ولو كفر لثبتت هذه الأحكام ولا نعلم خلافاً بين المسلمين أن تارك الصلاة يجب عليه قضاؤها مع اختلافهم في المرتد، وأما الأحاديث المتقدمة فهي على وجه التغليظ والتشبيه بالكفار لا على الحقيقة كقوله صلى الله عليه وسلم " سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر " وقوله " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما " وقوله " من حلف بغير الله فقد أشرك " وقوله صلى الله عليه وسلم " كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق " وأشباه هذا مما أريد به التشديد في الوعيد، (قال شيخنا) رحمه الله وهذا أصوب القولين والله أعلم (فصل) ومن ترك شرطاً مجمعاً عليه أو ركنا كالطهارة والركوع والسجود فهو كتاركها حكمه

حكمه لأن الصلاة مع ذلك وجودها كعدمها فإما الأركان المختلف فيها كإزالة النجاسة وقراءة الفاتحة والإعتدال عن الركوع فإن تركه معتقداً جوازه فلا شئ عليه وإلا لزمته الإعادة ولا يقتل بحال لأنه مختلف فيه فلم يتعلق به حد كالمتزوج بغير ولي وسارق مال فيه شبهة وقال ابن عقيل لا بأس بوجوب قتله كما نحده بفعل ما يوجب الحد على مذهبه والله أعلم (باب الأذان والإقامة) أصل الأذان في اللغة الإعلام.
قال الله تعالى (وأذان من الله ورسوله) أي إعلام وقال الشاعر * آذنتنا ببينها أسماء * أي أعلمتنا والأذان للصلاة إعلام بوقتها والأذان الشرعي هو اللفظ المعلوم المشروع في أوقات الصلاة (فصل) وفيه فضل عظيم لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه " متفق عليه، وعن معاوية ابن أبي سفيان قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " المؤذنون أطول الناس أعناقاً يوم القيامة " رواه مسلم وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من أذن سبع سنين محتسباً كتب

الله له براءة من النار رواه ابن ماجه وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة رجل أم قوماً وهم به راضون، ورجل يؤذن في كل يوم خمس صلوات وعبد أدى حق الله وحق مواليه " رواه أحمد والترمذي، وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول المقدم والمؤذن يغفر له بمد صوته ويصدقه من سمعه من رطب ويابس وله مثل أجر من صلى معه " رواه الإمام أحمد والنسائي (فصل) قال القاضي الآذان أفضل من الامامة وهذاحدى الروايتين عن أحمد وهو اختيار ابن أبي موسى وجماعة من أصحابنا وهذا مذهب الشافعي لما ذكرنا من الأخبار في فضيلته ولما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة وأغفر للمؤذنين " رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والأمانة أعلى من الضمان والمغفرة أعلى من الإرشاد (والرواية الثانية) الإمامة أفضل لأن النبي صلى الله عليه وسلم تولاها بنفسه وخلفاؤه من بعده ولا يختارون إلا الأفضل ولان الامامة يختار لها من هو أكمل حالاً وأفضل وإعتبار فضلته دليل على فضيلة منزلته ومن نصر الرواية الأولى قال إنما لم يتوله النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه لضيق وقتهم عنه ولهذا قال عمرو: لولا الخليفاء لأذنت والله أعلم (مسألة) (وهما مشروعان للصلوات الخمس دون غيرها للرجال دون النساء) أجمعت الأمة على أن الأذان والإقامة مشروع للصلوات الخمس ولا يشرعان لغير الصلوات الخمس لأن المقصود منه الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان وهذا لا يوجد في غيرها، والأصل في الآذان ما روي عن أنس

ابن مالك رضي الله عنه قال: لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا لوقت الصلاة بشئ يعرفونه فذكروا أن يوروا ناراً أو يضربوا ناقوساً فأمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، متفق عليه وعن عبد الله ابن زيد بن عبد ربه رضي الله عنه قال ما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناقوس يعمل ليضرب به لجمع الناس للصلاة طاف بي وأنا نائم رجل يحمل ناقوساً في يده فقلت يا عبد الله أتبيع الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟ قلت ندعوا به إلى الصلاة قال أفلا أدلك على ما هو خير من ذلك؟ فقلت بلى قال فقال تقول: الله اكبر، الله اكبر، الله اكبر، الله أكبر، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله اكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، ثم أستأخر عني غير بعيد ثم قال ثم تقول إذا أقمت الصلاة، الله اكبر الله أكبر، أشهد ان لا إله إلا الله أشهد أن محمداً رسول الله، حي عى الصلاة حي على الفلاح، قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله، فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته بما رأيت فقال " أنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألق عليه ما رأيت فليؤذن به فإنه أندى صوتاً منك " فقمت مع بلال فجعلت ألقيه عليه ويؤذن به، قال فسمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو في بيته فخرج يجر رداءه يقول والذي بعثك بالحق يا رسول الله لقد رأيت مثل الذي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلله الحمد " أخرجه الإمام أحمد وأبو داود وهذا لفظه وابن ماجة وأخرج الترمذي بعضه وقال حديث حسن صحيح

(فصل) وليس على النساء اذان ولا إقامة كذلك قال ابن عمر وأنس وسعيد بن المسيب والحسن وابن سيرين والثوري ومالك وأصحاب الرأي ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
واختلفوا هل يسن لهن ذلك؟ فروي عن أحمد أن فعلن فلا بأس وإن لم يفعلن فجائز.
وقال القاضي هل تستحب لها الإقامة؟ على روايتين، وعن جابر أنها تقيم وبه قال عطاء ومجاهد والاوزاعي، وقال الشافعي إن أذن وأقمن فلا بأس، وعن عائشة أنها كانت تؤذن وتقيم وبه قال إسحاق وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن لأم ورقة أن يؤذن لها ويقام وتؤم نساء أهل دارها إلا أن هذا الحديث يرويه الوليد بن جميع وقد قال ابن حبان لا يحتج بحديثه ووثقه يحيى بن معين، وروي عنه لا يشرع لها ذلك لما روى النجاد بإسناده عن أسماء بنت يزيد قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " ليس على النساء اذان ولا إقامة " ولأن الأذان يشرع له رفع الصوت ولا يشرع لها ولا تشرع لها الإقامة لأن من لا يشرع له الأذان لا تشرع له الإقامة كغير المصلي وكالمسبوق (مسألة) قال (وهما فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد على تركهما قاتلهم الإمام) كذلك ذكره أبو بكر بن عبد العزيز وهو قول أكثر الأصحاب وبعض أصحاب مالك وبه قال عطاء ومجاهد، قال إبن المنذر الأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه والأمر يقتضي الوجوب.
وداوم عليه هو وخلفاؤه وأصحابه

ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فكان فرضاً كالجهاد فعلى هذا إذا قام به من تحصل به الكفاية سقط عن الباقين كسائر فروض الكفايات وإن اتفقوا على تركه أثموا كلهم، ولأن بلالاً كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم فيكتفي به، وإن اتفق أهل البلد على تركه قاتلهم الإمام عليه لأنه من شعائر الإسلام الظاهرة فقوتلوا عليه كصلاة العيدين، وظاهر كلام الخرقي أن الأذان سنة غير واجب لأنه قال فإن صلى بلا اذان ولا إقامة كرهنا له ذلك فجعله مكروهاً وهو قول أبي حنيفة والشافعي لأنه دعاء إلى الصلاة فأشبه قوله: الصلاة جامعة، وقال ابن أبي موسى الأذان سنة في إحدى الروايتين إلا أذان الجمعة حين يصعد الإمام فإنه واجب، وعلى كلا القولين إذا صلى بغير اذان ولا إقامة كره له ذلك لما ذكرنا وصحت صلاته لما روي عن علقمة والاسود أنهما قالا دخلنا علي عبد الله فصلى بنا بلا اذان ولا إقامة.
رواه الأثرم قال شيخنا ولا أعلم أحداً خالف في ذلك إلا عطاء قال من نسي الإقامة يعيد ونحوه عن الأوزاعي، والصحيح إن شاء الله قول الجمهور لما ذكرنا ولأن الإقامة أحد الأذانين فلم يفسد تركها كالأخر (فصل) ومن أوجب الأذان من أصحابنا إنما أوجبه على أهل المصر فأما غير أهل المصر من المسافرين فلا يجب عليهم كذلك ذكره القاضي، وقال مالك انما يجب النداء في مساجد الجماعة التي يجتمع فيها للصلاة، وذلك لأن الأذان إنما شرع في الأصل للإعلام بالوقت ليجتمع الناس إلى الصلاة

ويدركوا الجماعة، ويحتمل أن يجب في السفر للجماعة وهو قول ابن المنذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به بلالاً في السفر وقال لمالك بن الحويرث ولابن عم له " إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكبركما " متفق عليه وهذا ظاهر في وجوبه، ويكفي مؤذن في المصر إذا كان يسمعهم ويجتزئ بقيتهم بالإقامة، قال أحمد في الذي يصلي في بيته يجزئه أذان المصر وهو قول أصحاب الرأي، وقال مالك والاوزاعي تكفيه الإقامة، وقال الحسن وابن سيرين إن شاء أقام لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي علمه الصلاة " إذا أردت الصلاة فأحسن الوضوء ثم استقبل القبلة وكبر " وفي لفظ رواه النسائي " فأقم ثم كبر " وقد ذكرنا حديث ابن مسعود (فصل) والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم إلا أنه إن كان يصلي قضاء أو في غير وقت الأذان لم يجهر به، وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها إستحب له الجهر بالأذان لقول أبي سعيد: إذا كنت في غنمك أو بادينك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم رواه البخاري.
وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير إذا طلع الفجر.
وكان إذا سمع أذاناً أمسك والا أغار فسمع رجلاً يقول: الله اكبر الله أكبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " على الفطرة " فقال أشهد أن لا إله إلا الله أشهد ان لا إله إلا الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " خرجت من النار " فنظر فإذا صاحب معز: رواه مسلم

(فصل) ويستحب الآذان في السفر وللراعي وأشباهه في قول أكثر أهل العلم وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة إقامة إلا الصبح فإنه يؤذن لها ويقيم وكان يقول إنما الأذان على الإمام والأمير الذي يجمع الناس (وعنه) أنه كان لا يقيم الصلاة في أرض تقام فيها الصلاة.
وعن علي رضي الله عنه أن شاء أذن وأقام وإن شاء أقام وبه قال الثوري، وقال الحسن تجزئه الإقامة وقال إبراهيم في المسافرين وإذا كانوا رفاقاً أذنوا وأقاموا وإن كان وحده أقام الصلاة ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤذن له في الحضر والسفر وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه وما نقل عن السلف في هذا فالظاهر أنهم أرادوا وحده كما قال إبراهيم النخعي في كلامه والأذان مع ذلك أفضل لما ذكرنا من حديث أبي سعيد وحديث أنس وروى عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " يعجب ربك من راعي غنم في رأس الشظية للجبل يؤذن بالصلاة ويصلي فيقول الله عز وجل إنظروا إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة يخاف مني قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة " رواه النسائي.
والصلاة في الأذان على أربعة أضرب ما يشرع لها الأذان والإقامة وهي الفرض المؤداة من الصلوات الخمس، وصلاة يقيم لها ولا يؤذن وهي الثانية من صلاتي الجمع وما بعد الأولى من الفوائت، وصلاة لا يؤذن لها ولا يقيم لكن ينادي لها: اللاة جامعة: وهي العيدان والكسوف والاستسقاء، وصلاة لا يؤذن لها أصلاً وهي صلاة الجنازة

(مسألة) (ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما في أظهر الروايتين) وهو قول ابن المنذر وكرهه القاسم ابن عبد الرحمن والاوزاعي وأصحاب الرأي لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعثمان بن أبي العاص " وإتخذ مؤذنا لا يأخذ على أذانه أجراً " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن ولأنه قربة لفاعله لا يصح إلا من مسلم فلم يجز أخذ الأجرة عليه كالإمامة وروى عن أحمد أنه يجوز أخذ الأجرة عليه ورخص فيه مالك وقال لا بأس به لأنه عمل معلوم يجوز أخذ الرزق عليه أشبه سائر الأعمال (مسألة) (فإن لم يوجد متطوع بهما رزق الامام من بيت المال من يقوم بهما) لا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق عليه وهو قول الأوزاعي والشافعي لأن بالمسلمين إليه حاجة وقد لا يوجد متطوع به فإذا لم يدفع الرزق فيه تعطل ويرزقه الإمام من الفئ لأنه المعد للمصالح فهو كأرزاق القضاة والغزاة وقال الشافعي لا يرزق المؤذن إلا من خمس الخمس سهم النبي صلى الله عليه وسلم حكاه ابن المنذر فأما إن وجد متطوع به لم يرزق غيره لعدم الحاجة إليه والله أعلم (مسألة) (وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً أميناً عالماً بالأوقات) وجملة ذلك أنه يستحب أن يكون المؤذن صيتاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن زيد " ألقه على بلال فإنه أندى صوتاً منك " واختار أبا محظورة للأذان لكونه صيتاً ولأنه أبلغ في الإعلام المقصود بالأذان (قال شيخنا) ويستحب أن يكون حسن الصوت لأنه أرق لسامعه وأن يكون عدلاً أميناً لأنه مؤتمن يرجع إليه

في الصلاة والصيام فلا يؤمن أن يغرهم بأذانه إذا لم يكن كذلك.
وقد روي عن أبي محذورة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أمناء الناس على صلاتهم وسحورهم المؤذنون " رواه البيهقي من رواية يحيى بن عبد الحميد وفيه كلام ولأنه يؤذن على موضع عال فلا يؤمن منه النظر إلى العورات، وأن يكون عالماً بالأوقات ليتحراها فيؤذن في أولها ولأنه إذا لم يكن عالماً لا يؤمن منه الغلط والخطأ.
ويستحب أن يكون بصيراً لأن الأعمى لا يعرف الوقت فربما غلط.
وكره أذان الأعمى ابن مسعود وابن الزبير وعن ابن عباس أنه كره إقامته وإن أذن صح أذانه لأن ابن أم مكتوم كان يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم قال ابن عمر وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى قال له أصبحت أصبحت رواه البخاري، ويستحب أن يكون معه بصير كما كان ابن أم مكتوم يؤذن بعد بلال، وإن أذن الجاهل أيضا صح لانه ذا صح أذان الأعمى فالجاهل أولى.
(مسألة) (فإن تشاح فيه نفسان قدم أفضلهما في ذلك، ثم أفضلهما في دينه وعقله) متى تشاح نفسان في الأذان قدم أفضلهما في الخصال المذكورة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قدم بلالاً علي عبد الله ابن زيد لكونه أندى صوتاً منه وقدم أبا محذورة لصوته، وقسنا عليه سائر الخصال فإن إستويا في هذه الخصال قدم أفضلهما في دينه وعقله لما روى ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ليؤذن لكم خياركم وليؤمكم أقرؤكم " رواه أبو داود وابن ماجة.
فإن استويا قدم من يختاره الجيران

لأن الأذان لاعلامهم فكان لرضاهم أثر في التقديم ولأنهم أعلم بمن يبلغهم صوته ومن هو أعف عن النظر فإن تساويا من جميع الجهات أقرع بينهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم " لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لأستهموا " ولما تشاح الناس في الأذان يوم القادسية أقرع بينهم سعد (مسألة) (والأذان خمسة عشر كلمة لا ترجيع فيه) هذا اختيار أبي عبد الله رحمه الله كما جاء في حديث عبد الله بن زيد الذي رويناه، وبهذا قال الثوري وأصحاب الرأي وإسحاق وابن المنذر وقال مالك والشافعي ومن تبعهما من أهل الحجاز: الأذان المسنون أذان أبي محذورة وهو كما وصفنا في حديث عبد الله بن زيد ويزيد فيه الترجيع وهو أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين يخفض بذلك ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته إلا أن مالكا قال التكبير في أوله مرتان حسب، فيكون الأذان عنده سبعة عشر كلمة وعند الشافعي تسعة عشر كلمة واحتجوا بما روي أبو محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم لقنه الأذان وألقاه عليه فقال له " تقول أشهد ان لا إله الله، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، تخفض بها صوتك ثم ترفع صوتك بالشهادة أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله " ثم ذكر سائر الأذان أخرجه مسلم، واحتج مالك قال: كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذورة: الله اكبر الله أكبر، أشهد ان لا إله إلا الله.
رواه مسلم

ولنا ما ذكرنا من حديث عبد الله بن زيد وهو أولى لأن بلالاً كان يؤذن به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حضراً وسفراً وأقره النبي صلى الله عليه وسلم عليه بعد أذان أبي محذورة، قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسئل إلى أي الأذان تذهب؟ قال إلى أذان بلال، قيل له أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زبد لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة؟ فقال أليس قد رجع النبي صلى الله عليه وسلم الى المدينة فأقر بلالاً على أذان عبد الله بن زيد؟ ويحتمل أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أمر أبا محذورة بذكر الشهادتين سراً ليحصل له الإخلاص بهما فإنه في الإسرار أبلغ، وخص أبا محذورة بذلك لأنه لم يكن مقراً بهما حينئذ فإن الخبر أنه كان مستهزئاً يحكي أذان مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم صوته فدعاه فأمره بالأذان قال ولا شئ عندي أبغض من النبي صلى الله عليه وسلم ولا مما يأمرني به، فقصد النبي صلى الله عليه وسلم نطقه بالشهادتين سراً ليسلم بذلك وهذا لا يوجد في غيره، ودليل هذا الإحتمال كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر به بلالاً ولا غيره ممن هو ثابت الإسلام (مسألة) (والإقامة إحدى عشرة كلمة فإن رجع في الاذان أوثنى في الإقامة فلا بأس) وجملة ذلك أن الإقامة المختارة عند إمامنا رحمه الله إقامة بلال التي ذكرنا في حديث عبد الله بن

زيد وهي الله اكبر، الله أكبر، أشهد ان لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله وبهذا قال الأوزاعي وأهل الشام ويحيى بن يحيى وأبو ثور وإسحاق والشافعي وأصحابه وأهل مكة، وقال الثوري وأصحاب الرأي: الإقامة مثل الأذان وتزيد " قد قامت الصلاة مرتين " لما روي عن عبد الله بن زيد قال كان أذان رسول الله صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة رواه الترمذي، وعن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وقال مالك الإقامة عشر كلمات يقول قد قامت الصلاة مرة واحدة لقول أنس أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة متفق عليه ولنا ما روى عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال انما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة إلا أنه يقول قد قامت الصلاة قد قامت الصلاة، رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وفي حديث عبد الله بن زيد أنه وصف الإقامة كما ذكرنا والحديث الذي احتجوا به من حديث عبد الله بن زيد رواه عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى وقد قال الترمذي عبد الرحمن لم يسمع من عبد الله بن زيد وقال الصحيح ما روينا.
والذي احتج به مالك حجة لنا لأنه ذكره مجملاً وقد فسره عبد الله بن عمر في حديثه وبينه فكان الأخذ به أولى، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع لأن الشافعي لا يعمل به في الإقامة وأبو حنيفة لا يعمل به في الأذان فكان الأخذ بحديث عبد الله بن زيد أولى ولأنا قد بينا ترجيحه في الأذان كذا في الإقامة والإختلاف ههنا

في الأفضلية مع جواز كل واحد من الأمرين نص عليه الإمام أحمد، وبه قال إسحاق لكون كل واحد من الأمرين قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم (مسألة) (ويقول في آذان الصبح الصلاة خير من النوم مرتين) وهذا مستحب في صلاة الصبح خاصة بعد قوله حي على الفلاح ويسمى هذا التثويب وبه قال ابن عمر والحسن ومالك والثوري واسحاق والشافعي في الصحيح عنه، وقال أبو حنيفة التثويب بين الأذان والإقامة في الفجر أن يقول " حي على الصلاة " مرتين " حي على الفلاح " مرتين ولنا ما روى النسائي وأبو داود عن أبي محذورة: فإن كان صلاة الصبح قلت الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم الله اكبر الله أكبر لا إله إلا الله.
وما ذكروه قال إسحاق هذا شئ أحدثه الناس.
وقال الترمذي وهو التثويب الذي كرهه أهل العلم، ويكره التثويب في غير الفجر سواء ثوب في الأذان أو بعده لما روي عن بلال قال: أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أثوب في الفجر ونهاني أن أثوب في العشاء رواه الإمام أحمد وابن ماجة، ودخل ابن عمر مسجدا يصلي فيه فسمع رجلاً يثوب في أذان الظهر فخرج فقيل له إلى أين؟ فقال أخرجتني البدعة ولان صلاة الفجر وقت ينام فيه عامة الناس فاختص بالتثويب لإختصاصه بالحاجة إليه (فصل) ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، قال الترمذي وعلى هذا العمل

من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أن لا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، قال أبو الشعثاء كنا قعوداً مع أبي هريرة في المسجد فأذن المؤذن فقام رجل من المسجد بمشي فأتبعه أبو هريرة بصره حتى خرج من المسجد.
فقال أبو هريرة أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم رواه مسلم وأبو داود والترمذي، وقال حديث حسن صحيح، وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدركه الأذان في المسجد، ثم خرج لم يخرج لحاجة وهو لا يريد الرجعة فهو منافق.
رواه ابن ماجه.
فأما إن خرج لعذر كفعل ابن عمر حين سمع التثويب فجائز وكذلك من نوى الرجعة لحديث عثمان والله أعلم (مسألة) (ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة) الترسل التمهل والتأني من قولهم جاء فلان على رسله - والحدر ضد ذلك وهو الإسراع وهو من آداب الأذان ومستحباته وهذا مذهب ابن عمر وبه قال الثوري والشافعي واسحاق وأبو ثور وأبو حنيفة وصاحباه وابن المنذر ولا نعلم عن غيرهم خلافهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم لبلال " إذا أذنت فترسل وإذا أقمت فاحدر " رواه الترمذي وقال في إسناده مجهول، وروى أبو عبيد بإسناده عن عمر رضي الله عنه انه قال للمؤذن " إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فأحذم وأصل الحذم في المشي الإسراع ولأنه يحصل به الفرق بين الأذان والإقامة فاستحب كالإفراد ولأن الأذان إعلام الغائبين فالتثبت فيه أبلغ في الإعلام والإقامة إعلام الحاضرين فلا حاجة إليه فيها، وذكر أبو عبد الله بن بطة أنه في الأذان والإقامة لا يصل الكلام بعضه ببعض معزباً بل

حزماً وحكاه ابن الأعرابي عن أهل اللغة، وروي عن إبراهيم النخعي أنه قال: شيئان مجزومان كانوا لا يعربونهما الأذان والإقامة وهذا إشارة إلى جميعهم (مسألة) (ويؤذن قائماً متطهراً على موضع عال مستقبل القبلة) قال إبن المنذر أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن من السنة أن يؤذن المؤذن قائماً.
وروي في حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال " قم فأذن " وكان مؤذنو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذنون قياماً، فإن أذن قاعداً لعذر فلا بأس، قال الحسن العبدي رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعداً وكانت رجله أصيبت في سبيل الله.
رواه الأثرم، وإن فعله لغير عذر فقد كرهه أهل العلم ويصح لأنه ليس آكد من الخطبة وتصح من القاعد (فصل) ويجوز الأذان على الراحلة.
قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن الأذان على الراحلة فسهل فيه، قال إبن المنذر ثبت أن ابن عمر كان يؤذن على البعير وينزل فيقيم، ولأنه إذا جاز التنفل على الراحلة فالأذان أولى به.
قاله سالم بن عبد الله وربعي بن خراش ومالك والاوزاعي والثوري وأصحاب الرأي إلا أن مالكاً قال لا يقيم وهو راكب (فصل) ويستحب أن يؤذن متطهراً من الحدثين الأصغر والأكبر لما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لا يؤذن إلا متوضئ " رواه الترمذي، وروى موقوفاً على أبي هريرة والوقوف أصح فإن أذن محدثاً جاز لأنه لا يزيد على قراءة القرآن والطهارة لا تشترط لها وهو قول الشافعي والثوري وأبي

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل