الشرح الكبير على متن المقنعصفحات 197-236
أهل الأثرالأرشيف العلمي

ووجه قولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك كله بما روينا من الأخبار، وروي عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد الجمعة ركعتين متفق عليه، وفي لفظ وكان لا يصلي في المسجد حتى ينصرف فيصلي ركعتين في بيته، وهذا يدل على أنه مهما فعل من ذلك كان حسناً.
وقد قال أحمد في رواية عبد الله ولو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى صلى العصر كان جائزاً فقد فعله عمران بن حصين * (فصل) * فأما الصلاة قبل الجمعة فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يركع قبل الجمعة أربعاً أخرجه ابن ماجة (1) وروي عن عمرو بن سعيد بن العاص عن أبيه قال كنت أبقي.
(2) أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا زالت الشمس قاموا فصلوا أربعاً، وعن عبد الله بن مسعود أنه كان يصلي قبل الجمعة أربع ركعات رواه سعيد " 1 " لكن قال في الزوائد ان حديثه هذا مسلسل بالضعفاء، وذكر منهم بشر ابن عبيد وقال انه كذاب والآثار الواردة في ذلك صريحة في أنها قبل الزوال فلا تعد سنة قبلية للجمعة " 2 " أي أنتظر يقال فيه أبقي مثل أرمي، وأبقى مثل أعطى، لان ماضيه يستعمل ثلاثيا ورباعيا، ذكره الجوهري اه.
من هامش المغنى المخطوط

  • (فصل) * ويستحب لمن أراد الركوع بعد الجمعة أن يفعل بينها وبينه بكلام أو انتقال من مكانه أو خروج لما روى السائب عن يزيد قال صليت مع معاوية الجمعة في المقصورة فلما سلم الامام قمت في مقامي فصليت فلما دخل أرسل إلي فقال لا تعد لما فعلت إذا صليت الجمعة فلا تصلها بصلاة حتى تتكلم أو تخرج فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا بذلك أن لا نوصل صلاة حتى نتكلم أو نخرج.
    أخرجه مسلم * (فصل) * قال الشيخ رحمه الله (ويستحب أن يغتسل للجمعة في يومها والأفضل فعله عند مضيه إليها) لا خلاف في استحباب غسل الجمعة وفيه أحاديث صحيحة منها ما روى سلمان الفارسي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم

الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " رواه البخاري.
ومنها قوله عليه السلام " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم " وقوله " من أتى منكم الجمعة فليغتسل " متفق عليهما، وليس الغسل واجباً في قول أكثر أهل العلم.
قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر وحكاه ابن عبد البر إجماعاً، وعن أحمد أنه واجب روى ذلك عن أبي هريرة وعمرو بن سليم.
وقاول عمار بن ياسر رحلا فقال: أنا اذاً أشر ممن لا يغتسل يوم الجمعة، ووجهه ما ذكرنا من النصوص ولنا ما روى سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل " رواه النسائي والترمذي وقال حديث حسن، وعن أبي هريرة قال

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة واستمع وأنصت غفر له ما بينه وبين الجمعة وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " متفق عليه وحديثهم محمول على تأكيد الندب، وكذلك ذكر في سياقه " وسواك وأن يمس طيباً " كذلك رواه مسلم، والسواك ومس الطيب لا يجب، وقالت عائشة رضي الله عنها وعن أبيها: كان الناس مهنة أنفسهم وكانوا يروحون الى الجمعة بهيئتهم فتظهر لهم رائحة فقيل لهم " لو اغتسلتم " رواه مسلم بنحو هذا المعنى، والأفضل أن يفعله عند مضيه إليها لأنه أبلغ في المقصود وفيه خروج من الخلاف * (فصل) * ومتى اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأ وإن اغتسل قبله لم يجزئه وهذا قول مجاهد

والحسن والنخعي والثوري والشافعي وإسحق.
وحكي عن الأوزاعي أنه يجزيه الغسل قبل الفجر، وعن مالك لا يجزيه الغسل إلا أن يتعقبه الرواح ولنا قوله صلى الله عليه وسلم " من اغتسل يوم الجمعة " واليوم من طلوع الفجر وإن اغتسل ثم أحدث أجزأه الغسل وكفاه الوضوء وهذا قول الحسن ومالك والشافعي، واستحب طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير اعادة الغسل.
ولنا أنه اغتسل في يوم الجمعة أشبه من لم يحدث والحدث انما يؤثر في الطهارة الصغرى ولأن المقصود من الغسل التنظف وإزالة الرائحة وذلك لا يؤثر فيه الحدث ولانه غسل فلم يؤثر فيه الحدث الأصغر كغسل الجنابة * (فصل) * ويفتقر الغسل الى النية لأنه عبادة فافتقر إلى النية كتجديد الوضوء، وإن اغتسل للجمعة والجنابة غسلاً واحداً ونواهما أجزأه بغير خلاف علمناه لأنهما غسلان اجتمعا فأشبها غسل الحيض والجنابة، وإن اغتسل للجنابة ولم ينو غسل الجمعة ففيه وجهان أحدهما لا يحزيه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " وإنما لأمرئ ما نوى " وروي عن ابن لابي قتادة أنه دخل عليه يوم الجمعة مغتسلاً فقال للجمعة اغتسلت؟ قال لا ولكن للجنابة.
قال فأعد غسل الجمعة.
والثاني يجزيه لانه مغتسل

فيدخل في عموم الحديث ولأن المقصود التنظيف وقد حصل ولأنه قد روي في الحديث " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " * (فصل) * ومن لا يأتي الجمعة لا غسل عليه، قال أحمد ليس على النساء غسل يوم الجمعة وعلى قياسهن الصبيان والمسافرون، وكان ابن عمر لا يغتسل في السفر وكان طلحة يغتسل.
وروي عن مجاهد وطاوس استدلالا بعموم الأحاديث المذكورة ولنا قوله عليه السلام " من أتى الجمعة فليغتسل " ولأن المقصود التنظيف وقطع الرائحة لئلا يتأذى غيره به وذلك مختص بحضور الجمعة والأخبار العامة تحمل على هذا، ولذلك يسمى غسل الجمعة، ومن لا يأتيها فليس غسله غسل الجمعة، فإن أتاها من لا تجب عليه استحب له الغسل لعموم الخبر ووجود المعنى فيه

* (مسألة) * (ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ثيابه)

التنظف والتطيب والسواك مندوب اليه لقول النبي صلى الله عليه وسلم " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم وسواك وأن يمس طيباً " ويستحب أن يدهن ويتنظف ما استطاع بأخذ الشعر وقطع الرائحة لحديث سلمان الذي ذكرناه، ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين لما روى عبد الله بن سلام أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الجمعة يقول " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم جمعته سوى ثوبي مهنته " رواه مسلم.
وعن أبي أيوب قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان له، ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى أتى المسجد فيركع إن بدا له ولم يؤذ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة الأخرى " رواه الإمام أحمد.
وأفضلها البياض لقوله عليه الصلاة والسلام " خير ثيابكم البياض ألبسوها أحياءكم، وكفنوا فيها موتاكم " والامام في هذا ونحوه آكد لأنه المنظور إليه من بين الناس * (مسألة) * (ويبكر إليها ماشيا ويدنوا من الإمام) للسعي الى الجمعة وقتان: وقت وجوب ووقت فضيلة وقد ذكرنا وقت الوجوب.
وأما وقت الفضيلة فمن أول النهار فكلما كان أبكر كان أولى وأفضل.
وهذا مذهب الأوزاعي والشافعي وأصحاب الرأي وابن المنذر، وقال مالك لا يستحب التبكير قبل الزوال لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من راح إلى الجمعة " والرواح بعد الزوال والغد قبله، قال النبي صلى الله عليه وسلم " غدوة في سبيل الله، أو روحة خير من الدنيا وما فيها " قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) ولنا ما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن

راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر " متفق عليه.
وقال علقمة خرجت مع عبد الله إلى الجمعة فوجد ثلاثة قد سبقوه فقال رابع أربعة وما رابع أربعة ببعيد، أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إن الناس يجلسون من الله عزوجل يوم القيامة على قدر رواحهم إلى الجمعة " رواه ابن ماجه.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " من غسل يوم الجمعة واغتسل وبكر وابتكر كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " أخرجه الترمذي وقال حديث حسن ورواه ابن ماجة والنسائي وفيه " ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام واستمع ولم يلغ " وقوله " بكر " أي خرج في بكرة النهار وهو أوله.
وقوله " وابتكر " أي بالغ في التبكير أي جاء في أول البكرة على ما قال امرؤ القيس (تروح من الحي أم تبتكر) وقيل معناه ابتكر العبادة مع بكورة وقيل " ابتكر الخطبة " أي حضر الخطبة مأخوذ من باكورة الثمرة وهي أولها وغير هذا أجود لأن من جاء في بكرة النهار لزم أن يحضر أول الخطبة وقوله " غسل " أي جامع ثم اغتسل يدل على هذا قوله في الحديث الآخر " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة " قال الامام أحمد قوله " غسل واغتسل " مشددة يريد يغسل أهله.
وغير واحد من التابعين عبد الرحمن بن الأسود وهلال بن يساف يستحبون أن يغسل الرجل أهله يوم الجمعة يريدون أن يطأ لأن ذلك أمكن لنفسه وأغض لطرفه في طريقه.
وقال الخطابي المراد به غسل رأسه واغتسل في بدنه.
وحكي ذلك عن ابن المبارك فعلى هذا يكون معنى قوله " غسل الجنابة " أي كغسل الجنابة.
فأما قول مالك فمخالف

للآثار لأن الجمعة مستحب فعلها عند الزوال وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبكر بها، ومتى خرج الامام طويت الصحف فلم يكتب من أتى الجمعة بعد ذلك، فأي فضيلة لهذا؟ فان آخر بعد ذلك شيئاً دخل في النهي والذم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " أرأيتك؟ أنيت وآذيت " أي أخرت المجئ، وقال عمر لعثمان حين جاء والامام يخطب أية ساعة هذه؟ على وجه الانكار فكيف يكون لهذا بدنة أو بقرة أو فضل؟ فعلى هذا معنى قوله راح الى الجمعة أي ذهب اليها لا يحتمل غير هذا * (فصل) * ويستحب أن يمشي ولا يركب في طريقها لقوله عليه الصلاة والسلام " ومشى ولم يركب " لأن الثواب على الخطوات بدليل ما ذكرناه من الحديث ويكون عليه السكينة والوقار في مشيه، ولا يسرع لأن الماشي الى الصلاة في صلاة ولا يشبك بين أصابعه، ويقارب بين خطاه لتكثر حسناته.
وقد روينا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خرج مع زيد بن ثابت إلى الصلاة فقارب بين خطاه ثم قال " إنما فعلت ذلك لكثرة خطانا في طلب الصلاة " وروي عن عبد الرحمن بن رواحة أنه كان يمشي الى الجمعة حافياً ويبكر ويقصر في مشيه رواهما الأثرم، ويكثر ذكر الله ويغض طرفه ويقول ما ذكرنا في أدب المشي إلى الصلاة ويقول اللهم اجعلني من أوجه من توجه إليك، وأقرب من توسل اليك وأفضل من سألك ورغب اليك، وروينا عن بعض الصحابة أنه مشى الى الجمعة حافياً

فسئل عن ذلك.
فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمهما الله على النار " * (فصل) * ويجب السعي الى الجمعة سواء كان من يقيمها عدلاً أو فاسقاً سنياً أو مبتدعا نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وقد سئل عن الصلاة خلف المعتزلة فقال أما الجمعة فينبغي شهودها قال شيخنا ولا أعلم في هذا خلافا وذلك لعموم قوله تعالى (إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " فمن تركها في حياتي أو بعد مماتي وله إمام جائر أو عادل استخفافاً بها فلا جمع الله له شمله " ولأنه إجماع الصحابة رضي الله عنهم.
فإن عبد الله بن عمر وغيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يشهدونها مع الحجاج ونظرائه ولم يسمع عن أحد منهم التخلف عنها ولأن الجمعة من اعلام الدين الظاهرة ويتولاها الأئمة أو من ولوه، فتركها خلف من هذه صفته يفضي الى سقوطها.
إذا ثبت هذا فإنها تعاد خلف من تعاد خلفه بقية الصلوات نص عليه الامام أحمد في رواية عباس بن عبد العظيم، وعنه رواية أخرى أنها لا تعاد لأن الظاهر من حال الصحابة رضي الله عنهم أنهم لم يكونوا يعيدونها لأنهم لم ينقل ذلك عنهم، وقد ذكرنا ذلك في باب الامامة

  • (فصل) * ويستحب الدنو من الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ودنا من الإمام فاستمع ولم يلغ " وعن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " احضروا الذكر وادنوا من الإمام فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة " رواه أبو داود ولأنه أمكن له من السماع * (مسألة) * (ويشتغل بالصلاة والذكر ويقرأ سورة الكهف في يومها ويكثر الدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم) إذا حضر قبل الخطبة اشتغل بالصلاة وذكر الله تعالى لقول النبي صلى الله عليه وسلم " واعلموا أن من خير أعمالكم الصلاة " ويقرأ سورة الكهف في يوم الجمعة لما روي عن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة فهو معصوم إلى ثمانية أيام من كل فتنة وإن خرج الدجال عصم منه " رواه زيد بن علي في كتابه بإسناده، وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة سطع له نور من تحت قدمه

إلى عنان السماء يضئ به إلى يوم القيامة وغفر له ما بين الجمعتين " ويستحب أن يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم لما روي عن أبي الدرداء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أكثروا الصلاة علي يوم الجمعة فإنه مشهود تشهده الملائكة " رواه ابن ماجه، وعن أوس بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق آدم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة علي " قالوا يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ (أي بليت) قال " إن الله عزوجل حرم على الأرض أجساد الأنبياء عليهم السلام " رواه أبو داود * (فصل) * ويستحب الإكثار من الدعاء يوم الجمعة لعله يوافق ساعة الإجابة لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر يوم الجمعة فقال " فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه " وأشار بيده يقللها وفي لفظ " وهو قائم يصلي " متفق عليه.
واختلف في تلك الساعة فقال عبد الله ابن سلام وطاوس هي آخر ساعة في يوم الجمعة وفسر عبد الله بن سلام الصلاة بانتظارها بقول النبي صلى الله عليه وسلم " إن العبد المؤمن إذا صلى ثم جلس لا يجلسه إلا الصلاة فهو في صلاة " رواه ابن ماجه، وروي هذا القول مرفوعاً، فعلى هذا يكون القيام بمعنى الملازمة والاقامة كقوله تعالى

إلا مادمت عليه قائما) وعن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " التمسوا الساعة التي ترجى في يوم الجمعة بعد العصر إلى غيبوبة الشمس " أخرجه الترمذي، وقيل هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة لما روى أبو موسى قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الإمام الصلاة " رواه مسلم، وعن عمرو بن عوف المزني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن في الجمعة ساعة لا يسأل الله العبد فيها شيئاً إلا آتاه الله إياه " قالوا يا رسول الله أية ساعة هي؟ قال " حين تقام الصلاة إلى الانصراف منها " رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب.
فعلى هذا تكون الصلاة مختلفة فتكون في حق كل قوم في وقت صلاتهم وقيل هي ما بين الفجر إلى طلوع الشمس، ومن العصر الى غروبها وقيل هي الساعة الثالثة لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم لأي شئ سمي يوم الجمعة؟ قال " لأن فيها طبعت طينة أبيك آدم، وفيها الصعقة والبعثة وفيها البطشة، وفي آخر ثلاث ساعات منها من دعا الله

فيها استجيب له " رواه الإمام أحمد.
وقال كعب لو قسم الانسان جمعه في جمع أتى على تلك الساعة وقيل هي متنقلة في اليوم، وقال ابن عمر أن طلب حاجة في يوم ليسير، وقيل أخفى الله تعالى هذه الساعة ليجتهد العباد في طلبها وفي الدعاء في جميع اليوم، كما أخفي ليلة القدر في رمضان وأولياءه في الناس ليحسن الظن بجميع الصالحين

* (مسألة) * (ولا يتخطى رقاب الناس إلا أن يكون إماماً أو يرى فرجة فيتخطى إليها وعنه يكره)

يكره تخطي رقاب الناس لغير الإمام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " فلا يفرق بين اثنين " وقوله صلى الله عليه وسلم " ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً " وقوله صلى الله عليه وسلم للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " من تخطى رقاب الناس يوم الجمعة اتخذ جسراً الى جهنم " رواه أبو داود والترمذي وقال لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد وقد ضعفه بعض أهل العلم من قبل حفظه.
فأما الإمام فإذا لم يجد طريقاً فلا يكره له التخطي لأنه موضع حاجة * (فصل) * إذا رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي ففيه روايتان: إحداهما له التخطي قال أحمد يدخل الرجل ما استطاع ولا يدع بين يديه موضعاً فارغا، وذلك لأن الذي جلس دون الفرجة ضيع حقه بتأخره عنها وأسقط حرمته فلا بأس بتخطيه وبه قال الأوزاعي، وقال قتادة يتخطاهم الى مصلاه

وقال الحسن يخطو رقاب الذين يجلسون عى أبواب المسجد فانه لا حرمة لهم وعنه يكره لما ذكرنا من الأحاديث، وعنه إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس فإن كثر كرهناه وكذلك قال الشافعي إلا أن لا يجد سبيلاً الى مصلاه الا بالتخطي فيسعه التخطي إن شاء الله.
قال شيخنا ولعل قول أحمد ومن وافقه في الرواية الأولى فيما إذا تركوا مكاناً واسعاً مثل الذين يصفون في آخر المسجد ويتركون بين أيديهم صفوفاً خالية فهؤلاء لا حرمة لهم كما قال الحسن لأنهم خالفوا أمر النبي صلى الله عليه وسلم ورغبوا عن الفضيلة وخير الصفوف وجلسوا في شرها فتخطيهم مما لابد منه.
وقوله الثاني في حق من لم يفرط وإنما جلسوا في مكانهم لامتلاء ما بين أيديهم، فأما إن لم تمكن الصلاة الا بالتخطي جاز لأنه موضع حاجة

* (مسألة) * (ولا يقيم غيره فيجلس في مكانه إلا من قدم صاحباً له فجلس في موضع يحفظه له)

ليس له أن يقيم إنساناً ويجلس في موضعه سواء كان المكان لشخص يجلس فيه أو موضع حلقة لمن يحدث فيها أو حلقة يتذاكر فيها الفقهاء أو لم يكن لما روى ابن عمر قال نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم الرجل (يعني أخاه) من مقعده ويجلس فيه متفق عليه ولأن المسجد بيت الله تعالى والناس فيه سواء العاكف فيه والبادي فمن سبق الى مكان منه فهو أحق به لقول النبي صلى الله عليه وسلم " من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق به " فإن قدم صاحباً له فجلس حتى إذا جاء قام صاحبه

وأجلسه فلا بأس لأن النائب يقوم باختياره.
وقد روي عن محمد بن سيرين أنه كان يرسل غلاماً له يوم الجمعة فيجلس في مكان فاذا جاء قام الغلام وجلس فيه محمد فإن لم يكن نائباً فقام باختياره ليجلس آخر مكانه فلا بأس لأنه قوم باختيار نفسه أشبه النائب.
وأما القائم فان انتقل الى مثل مكانه الذي آثر به في القرب وسماع الخطبة فلا بأس وإلا كره له ذلك لأنه يؤثر على نفسه في الدين، ويحتمل أن لا يكره إذا كان الذي آثره من أهل الفضل لأن تقديمهم مشروع لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ليلني منكم أولو الأحلام والنهى " ولو آثر شخصاً بمكانه فليس لغيره أن يسبقه اليه لأنه قام مقام الجالس في استحقاق مكانه أشبه ما لو تحجر مواتاً ثم أثر به غيره، وقال ابن عقيل يجوز لأن القائم أسقط حقه بالقيام فبقي على الأصل فكان السابق اليه أحق به كمن وسع لرجل في طريق فمر غيره والصحيح الاول، ويفارق التوسعة في الطريق لأنها جعلت للمرور فيها فمن انتقل من مكان فيها لم يبق له حق يؤثر به، والمسجد جعل للإقامة فيه وكذلك لا يسقط حق المنتقل منه اذا انتقل منه لحاجة، وهذا إنما انتقل مؤثراً لغيره فأشبه النائب الذي يعينه إنسان ليجلس في موضع يحفظه له، ولو كان الجالس مملوكاً لم يكن لسيده أن يقيمه لعموم الخبر ولأن هذا ليس بمال وإنما هو حق ديني فاستوى فيه العبد وسيده كالحقوق الدينية

  • (مسألة) * (وإن وجد مصلى مفروشة فهل له رفعها؟ على روايتين) إحداهما ليس له ذلك لأن فيه افتئاتاً على صاحبها وربما أفضى إلى الخصومة ولأنه سبق إليه أشبه السابق إلى رحبة المسجد ومقاعد الأسواق.
    والثاني يجوز رفعه والجلوس موضعه لأنه لا حرمة له ولأن السبق بالابدان هو الذي يحصل به الفضل لا بالأوطئة، ولأن تركها يفضي إلى أن يتأخر صاحبها ثم يتخطى رقاب الناس ورفعها ينفي ذلك * (مسألة) * (ومن قام من موضعه لعارض لحقه ثم عاد إليه فهو أحق به) اذا جلس في مكان ثم بدت له حاجة أو احتاج الى الوضوء فله الخروج لما روى عقبة قال صليت وراء النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة العصر فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى حجر بعض نسائه فقال " ذكرت شيئاً من تبر عندنا فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته " رواه البخاري.
    واذا قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به رواه مسلم، وحكمه في التخطي الى موضعه حكم من رأى بين يديه فرجة * (فصل) * ويستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من موضعه لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " إذا نعس أحدكم يوم الجمعة في مجلسه فليتحول إلى غيره " رواه الإمام أحمد ولأن ذلك يصرف عنه النوم * (فصل) * وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى نص عليه أحمد، وروي عن ابن عمر أنه كان إذا حضرت الصلاة في المقصورة خرج وكرهه الاحنف وابن محير؟ والشعبي وإسحق ورخص فيه

أنس والحسن والحسين رضي الله عنهم والقاسم وسالم لأنه من الجامع كسائر المسجد، ووجه الأول أنه يمنع الناس من الصلاة فيه فصار كالمغصوب فكره لذلك، فإن كانت لا تحمى احتمل أن لا تكره الصلاة فيها لعدم شبه الغصب واحتمل أن تكره لأنها تقطع الصفوف فأشبه الصلاة بين السواري، فعلى هذا إنما تكره الصلاة فيها اذا قطعت الصفوف * (فصل) * واختلفت الرواية عن أحمد في الصف الأول فقال في موضع هو الذي يلي المقصورة لأنها تحمى.
وقال ما أدري هل الصف الاول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه؟ قال شيخنا والصحيح أنه الذي يقطعه المنبر لأنه الصف الاول حقيقة، ولو كان الأول ما دونه أفضى الى خلو ما يلي الامام ولأن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يليه فضلاؤهم، ولو كان الصف الاول وراء المنبر لوقفوا فيه

* (مسألة) * (ومن دخل والإمام يخطب لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما)

وبه قال الحسن وابن عيبنة والشافعي وإسحق وأبو ثور وابن المنذر، وقال شريح وابن سيرين والنخعي وقتادة والثوري ومالك والليث وأبو حنيفة يكره له أن يركع لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للذي جاء يتخطى رقاب الناس " اجلس فقد أنيت وآذيت " رواه ابن ماجه، ولأن الركوع يشغله عن استماع الخطبة فكره كغير الداخل ولنا ما روى جابر قال جاء رجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب قال صليت يا فلان؟ قال لا.

قال قم فصل ركعتين " متفق عليه.
وفي لفظ لمسلم " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوز فيهما " فان جلس قبل أن يركع استحب له أن يقوم فيركع لما روى جابر أن سليكا الغطفاني جاء يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم قاعد على المنبر فقعد سليك قبل أن يصلي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم " اركعت ركعتين؟ قال لا.
قال قم فاركعهما " رواه مسلم، وفي لفظ جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس فقال " يا سليك قم فاركع ركعتين وتجوز فيهما " وحديثهم قضية في عين يحتمل أنه أمره بالجلوس لضيق المكان أو لكونه في آخر الخطبة بحيث لو تشاغل بالصلاة فاتته تكبيرة الاحرام.
والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم إنما أمره بالجلوس ليكف أذاه عن الناس فان خشي أن يفوته أول الصلاة اذا تشاغل بهما لم يستحب له التشاغل بهما لذلك * (فصل) * وينقطع التطوع بجلوس الإمام على المنبر فلا يصلي أحد غير الداخل يصلي تحية المسجد روي عن ابن عباس وابن عمر لما روى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا في زمن عمر بن الخطاب رضي الله يوم الجمعة يصلون حتى يخرج عمر ولأنه يشتغل عن سماع الخطبة المندوب اليه * (فصل) * ويكره التحلق يوم الجمعة قبل الصلاة لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة رواه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي

* (مسألة) * (ولا يجوز الكلام والإمام يخطب إلا له أو لمن كلمه)

يجب الانصات من حين يأخذ الامام في الخطبة فلا يجوز الكلام لمن حضرها، نهى عن ذلك

عثمان وابن عمر وقال أبو مسعود: اذا رأيته يتكلم والامام يخطب فأقرع رأسه بالعصا، وكره ذلك عامة أهل العلم منهم مالك وأبو حنيفة والاوزاعي.
وعن أحمد لا يحرم الكلام، وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي وأبو بردة يتكلمون والحجاج يخطب، وقال بعضهم إنا لم نؤمر أن ننصت لهذا، وللشافعي قولان كالروايتين.
واحتج من أجازه بما روى أنس قال بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاء فأدع الله أن يسقينا.
وذكر الحديث متفق عليه.
وروى أن رجلاً قام والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقال يا رسول الله متى الساعة؟ فأعرض النبي صلى الله عليه وسلم وأومأ الناس إليه بالسكوت فلم يقبل وأعاد الكلام.
فلما كان الثالثة قال له النبي صلى الله عليه وسلم " ويحك ماذا أعددت لها؟ قال حب الله ورسوله.
قال إنك مع من أحببت " فلم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم كلامه ولو حرم لا نكره ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت " متفق عليه، وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً، والذي يقول له أنصت ليس له جمعة " رواه الإمام أحمد.
وعن أبي بن كعب أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ يوم الجمعة تبارك وهو قائم فذكرنا بأيام الله - وأبو الدرداء وأبو ذر يغمزني - فقال متى أنزلت هذه السورة إني لم أسمعها إلا الآن

فأشار إليه (1) أن أسكت فلما انصرفوا قال سألتك متى أنزلت هذه السورة فلم تخبرني فقال أبي ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت.
فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك وأخبره بالذي قال أبي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " صدق أبي " رواه عبد الله بن أحمد وابن ماجة (2) وما احتجوا به فالظاهر أنه مختص بمن كلم الامام أو كلمه الامام لأنه لا يشتغل بذلك عن سماع خطبته وكذلك سأل النبي صلى الله عليه وسلم الذي دخل " هل صليت " فأجابه.
وسأل عمر عثمان فأجابه فتعين حمله على ذلك جمعاً بين الأخبار، ولا يصح قياس غيره عليه لأن كلام الامام لا يكون في حال خطبته بخلاف غيره، ولو قدر التعارض ترجحت أحاديثنا لأنها قول النبي صلى الله عليه وسلم ونصه وذلك سكوته والنص أقوى * (فصل) * ولا فرق بين القريب والبعيد لعموم ما ذكرناه، وقد روي عن عثمان رضي الله عنه أنه قال من كان قريباً يسمع وينصت ومن كان بعيداً ينصت فان للمنصت الذي لا يسمع من الحظ ما للسامع، وقد روى عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يحضر الجمعة ثلاثة نفر " 1 " أي أبي " 2 " وهو صحيح السند

رجل حضرها بلغو فهو حظه منها، وجل حضرها بدعاء فهو رجل دعا الله عزوجل إن شاء أعطاه وإن شاء منعه، ورجل حضرها بإنصات وسكوت ولم يتخط رقبة مسلم ولم يؤذ أحداً فهو كفارة إلى الجمعة التي تليها وزيادة ثلاثة أيام وذلك بأن الله عزوجل يقول (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) رواه الإمام أحمد وأبو داود.
وقال القاضي يجب الانصات على السامع ويستحب لمن لا يسمع لأن الانصات إنما وجب لأجل الاستماع والأول أولى لعموم النصوص، وللبعيد أن يذكر الله تعالى ويقرأ القرآن ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ولا يرفع صوته.
قال أحمد لا بأس أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم فيما بينه وبين نفسه ورخص له في القراءة والذكر عطاء وسعيد بن جبير والشافعي وليس له رفع صوته ولا المذاكرة في الفقه ولا الصلاة ولا أن يجلس في حلقة، قال ابن عقيل له صلاة النافلة والمذاكرة في الفقه ولنا عموم الأحاديث المذكورة وأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق يوم الجمعة قبل الصلاة ولأنه اذا رفع صوته منع من هو أقرب منه من السماع وآذاه بذلك فيكون عليه إثم من يؤذي المسلمين وصد عن ذكر الله تعالى، وهل ذكر الله سراً أفضل أو الانصاف؟ فيه وجهان: أحدهما الانصات أفضل لحديث عبد الله بن عمرو وقول عثمان.
والثاني الذكر أفضل لأنه لا يحصل ثواب الذكر من غير ضرر فكان أفضل كقبل الخطبة

  • (فصل) * فأما الكلام على الخطيب أو من كلمه فلا يحرم لأن النبي صلى الله عليه وسلم سأل سليكاً الداخل وهو يخطب أصليت؟ قال لا، وسأل عمر عثمان حين دخل وهو يخطب فأجابه عثمان ولأن تحريم الكلام عليه لاشتغاله بالأنصات الواجب وسماع الخطبة ولا يحصل ها هنا، وسواء سأله الخطيب فأجابه أو كلم بعض الناس الخطيب لحاجة ابتداء لما ذكرنا من الحديثين قبل * (فصل) * واذا سمع متكلماً لم ينهه بالكلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " ولكن يشير إليه ويضع اصبعه على فيه كما روينا عن أبي.
    وهذا قول زيد بن صوخان وعبد الرحمن بن أبي ليلي والثوري والاوزاعي وكره الاشارة طاوس.
    ولنا أن الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم متى الساعة أومأ اليه الناس بالسكوت بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فلم ينكر عليهم ولأن الاشارة تجوز في الصلاة للحاجة التي يبطلها الكلام فجوازها في الخطبة أولى * (فصل) * فأما الكلام الواجب كتحذير الضرير من البئر ومن يخاف عليه ناراً أو حية ونحو ذلك فلا يحرم لأن هذا يجوز في نفس الصلاة مع فسادها به فهنا أولى.
    فأما تشميت العاطس ورد السلام ففيه روايتان: إحداهما يجوز.
    قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل يرد الرجل السلام يوم الجمعة ويشمت العاطس؟ فقال نعم والامام يخطب.
    وقال أبو عبد الله قد فعله غير واحد، قال ذلك غير مرة.
    وممن يرخص فيه الحسن والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وإسحق لأن هذا واجب فوجب الإتيان به في الخطبة لحق الآدمي فهو كتحذير الضرير.
    والرواية الثانية أن كان لا يسمع در

السلام وشمت العاطس، وإن كان يسمع فليس له ذلك نص عليه أحمد في رواية أبي داود.
قلت لأحمد يرد السلام والامام يخطب ويشمت العاطس؟ قال إذا كان لا يسمع الخطبة فيرد وإذا كان يسمع فلا.
قال الله تعالى (فاستمعوا له وأنصتوا) قيل له الرجل يسمع نغمة الامام بالخطبة ولا يدري ما يقول أيرد السلام؟ قال لا.
وروي نحو ذلك عن عطاء وذلك لأن الانصات واجب فلم يجز الكلام المانع منه من غير ضرورة كالأمر بالانصات بخلاف من لا يسمع، وقال القاضي لا يرد ولا يشمت، وروي نحو ذلك عن ابن عمر وهو قول مالك والاوزاعي وأصحاب الرأي واختلف فيه عن الشافعي فيحتمل قول القاضي أن يكون مختصاً بمن يسمع فيكون مثل الرواية الثانية، ويحتمل أن يكون عاماً في الجميع لأن وجوب الانصات شامل لهم فأشبهوا السامعين، ويجوز أن يرد على المسلم بالإشارة ذكره القاضي في المجرد لأنه يجوز في الصلاة فها هنا أولى

* (مسألة) * (ويجوز الكلام قبل الخطبة وبعدها وعنه يجوز فيها)

يجوز الكلام قبل الخطبة وبعد فراغه منها من غير كراهة وبهذا قال عطاء وطاوس والزهرى النخعي ومالك والشافعي وإسحق ويعقوب ومحمد وروي عن ابن عمر وكرهه الحكم، وقال أبو حنيفة إذا خرج الإمام حرم الكلام، قال ابن عبد البر: ابن عمر وابن عباس كانا يكرهان الكلام والصلاة بعد خروج الامام ولا مخالف لهم في الصحابة ولنا ما روى ثعلبة بن مالك أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة وعمر جالس على المنبر فاذا سكت المؤذن وقام عمر لم يتكلم أحد حتى يقضي الخطبة فاذا قامت الصلاة ونزل عمر تكلموا.
وهذا يدل

على شهرة الأمر بينهم ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم " إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب فقد لغوت " يدل على تخصيصه بوقت الخطبة ولأن الكلام؟ إنما حرم لأجل الانصات للخطبة ولا وجه لتحريمه مع عدمها، وقولهم لا مخالف لهما في الصحابة قد ذكرنا عن عمومهم خلاف ذلك * (فصل) * فأما الكلام في الجلسة بين الخطبتين فيحتمل جوازه لما ذكرنا وهذا قول الحسن ويحتمل المنع وهو قول مالك والشافعي والاوزاعي وإسحق لأنه سكوت يسير في أثناء الخطبتين أشبه السكوت للتنفس.
واذا بلغ الخطيب الى الدعاء فهل يجوز الكلام؟ فيه وجهان: أحدهما الجواز لأنه فرغ من الخطبة أشبه ما لو نزل.
والثاني لا يجوز لأنه تابع للخطبة فيثبت له ما ثبت لها كالتطويل في الموعظة ويحتمل أنه إن كان دعاء مشروعاً كالدعاء للمؤمنين والمؤمنات، والامام العادل أنصت وإن كان لغيره لم يلزم الانصات لأنه لا حرمة له * (فصل) * ويكره العبث والامام يخطب لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ومن مس الحصى فقد لغا " قال الترمذي هذا حديث صحيح.
واللغو الاثم قال الله تعالى (والذين هم عن اللغو معرضون) ولأن العبث يمنع الخشوع ويكست الاثم ويكره أن يشرب والامام يخطب اذا كان يسمع وبه قال مالك والاوزاعي ورخص فيه مجاهد وطاوس والشافعي لأنه لا يشتغل عن السماع، ووجه الأول أنه فعل يشتغل به أشبه مس الحصى فإن كان لا يسمع لم يكره نص عليه لأنه لم يسمع فلا يشتغل به * (فصل) * قال الامام أحمد لا يتصدق على السؤال والامام يحطب لانهم فعلوا مالا يجوز فلا يعينهم عليه، قال الامام أحمد وإن حصبه كان أعجب إلي لأن ابن عمر رأى سائلاً يسأل والامام يحطب يوم الجمعة فحصبه قيل للامام أحمد فإن تصدق عليه إنسان فناولته والامام يحطب؟ قال لا.
قيل فان سأل

قبل خطبة الامام ثم جلس فأعطاني رجل صدقة أناوله إياها قال نعم.
هذا لم يسأل والامام يخطب * (فصل) * ولا بأس بالاحتباء يوم الجمعة والإمام يخطب روى ذلك عن ابن عمر وجماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وإليه ذهب عامة أهل العلم منهم مالك والثوري والشافعي وأصحاب الرأي، وقال أبو داود لم يبلغني ان أحداً كرهه إلا عبادة بن سنى لان سهل بن معاذ روي أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب رواه أبو داود ولنا ما روى يعلى بن شداد بن أوس قال شهدت مع معاوية ببيت المقدس فجمع بنا فنطرت فاذا جل من في المسجد أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيتهم محتبين والامام يحطب، وفعله ابن عمر وأنس ولا نعرف لهما مخالفا فكان إجماعا والحديث في إسناده مقال قاله ابن المنذر والأولى تركه لأجل الحديث وإن كان ضعيفاً لأنه يصير به متهيئاً للنوم والسقوط واسقاط الوضوء، ويحمل النهي في الخبر على الكراهة وأحوال الصحابة الذين فعلوه على أنه لم يبلغهم الخبر * (فصل) * قال الامام أحمد إذا كان يقرؤن الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب الي أن يسمع اذا كان فتحاً من فتوح المسلمين أو كان فيه شئ من أمور المسلمين، وان كان شئ إنما فيه ذكرهم فلا يستمع، وقال في الذين يصلون في الطرقات إذا لم يكن بينهم باب مغلق فلا بأس وسئل عمن صلى خارج المسجد يوم الجمعة والأبواب مغلقة قال أرجو أن لا يكون به بأس، وسئل عن الرجل يصلي يوم الجمعة وبينه وبين الامام سترة قال إذا لم يقدر على غير ذلك يعني يجزيه

  • ﴿باب صلاة العيدين﴾ * وهي مشروعة والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع.
    أما الكتاب فقوله عزوجل (فصل لربك وانحر) المشهور في التفسير إن المراد بها صلاة العيد.
    وأما السنة فثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم بالتواتر أنه كان يصلي العيدين.
    قال ابن عباس شهدت صلاة الفطر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر فكلهم يصليها قبل الخطبة متفق عليه.
    وعنه إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بغير اذان ولا إقامة، وأجمع المسلمون على صلاة العيدين * (مسألة) * (وهي فرض على الكفاية إن اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الإمام) صلاة العيد فرض على الكفاية في ظاهر المذهب إذا قام بها من يكفي سقطت عن الباقين وبه قال بعض أصحاب الشافعي.
    وقال أبو حنيفة هي واجبة على الأعيان وليست فرضاً، وقال ابن أبي موسى وقد قيل أنها سنة مؤكدة وهو قول مالك وأكثر أصحاب الشافعي لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم للأعرابي حين ذكر خمس صلوات قال هل علي غيرهن قال " لا إلا أن تطوع " ولأنها صلاة ذات ركوع وسجود لا يشرع لها أذان فلم تكن واجبة كصلاة الاستسقاء، ثم اختلفوا فقال بعضهم إذا امتنع جميع الناس من فعلها قاتلهم الامام عليها.
    وقال بعضهم لا يقاتلهم ولنا على أنها لا تجب على الاعيان أنها صلاة لا يشرع لها الأذان فلم تجب على الاعيان كصلاة الجنازة ولأن الخبر الذي ذكره مالك ومن وافقه يقتضي نفي وجوب صلاة سوى الخمس، وإنما خولف بفعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن صلى معه فيختص بمن كان مثلهم ولأنها لو وجبت على الأعيان لوجبت خطبتها والاستماع لها كالجمعة

ولنا على وجوبها في الجملة قوله تعالى (فصل لربك وانحر) والأمر يقتضي الوجوب ولأنها من اعلام الدين الظاهرة فكانت واجبة كالجمعة والجهاد ولأنها لو لم تجب لم يجب قتال تاركيها لأن القتال عقوبة فلا يتوجه الى تارك مندوب كالقتل والضرب وقياساً على سائر السنن.
فأما حديث الاعرابي الاعرابي فليس لهم فيه حجة لأن الاعراب لا تلزمهم الجمعة فالعيد أولى على أنه مخصوص بالصلاة على الجنازة المنذورة فكذلك صلاة العيد، وقياسهم لا يصح لأن كونها ذات ركوع وسجود أثر له فيجب حذفه فينتقض بصلاة الجنازة وينتقض على كل حال بالصلاة المنذورة (فصل) وإذا اتفق أهل بلد على تركها قاتلهم الامام لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة فقوتلوا على تركها كالأذان ولأنها من فروض الكفايات فقوتلوا على تركها كغسل الميت والصلاة عليه إذا اتفقوا على تركه

* (مسألة) * (وأول وقتها إذا ارتفعت الشمس وآخره إذا زالت)

أول وقت صلاة العيد اذا خرج وقت النهي وارتفعت الشمس قيد رمح من طلوع الشمس وذلك ما بين وقتي النهي عن صلاة النافلة.
وقال أصحاب الشافعي أول وقتها إذا طلعت الشمس لما روى يزيد بن حمير قال خرج عبد الله بن بشر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى فأنكر ابطاء الامام وقال إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح.
رواه أبو داود وابن ماجة ولنا ما روى عقبة بن عامر قال ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن وأن نقبر فيهن موتانا حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع ولأنه وقت نهي عن الصلاة فيه فلم

يكن وقتاً للعيد كقبل طلوع الشمس ولأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت الشمس بدليل الإجماع أن فعلها في ذلك الوقت أفضل ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعل إلا الأفضل، ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكماً بغير نص ولا معنى نص، ولا يجوز التوقيت بالتحكم.
وأما حديث عبد الله بن بشر فيحتمل على أنه أنكر ابطاء الامام عن وقتها المجمع عليه لأنه لو حمل على غير هذا لم يكن ابطاء، ولا يجوز أن يحمل ذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل الصلاة في وقت النهي لأنه مكروه بالاتفاق والأفضل خلافه، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يداوم على المفضول ولا المكروه فتعين حمله على ما ذكرنا

* (مسألة) * (فإن لم يعلم بالعيد إلا بعد الزوال خرج من الغد فصلى بهم)

وهذا قول الأوزاعي والثوري وإسحق وابن المنذر.
وحكي عن أبي حنيفة أنها لا تقضى.
وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس كقولنا وإن علم بعد الزوال لم يصل لأنها صلاة شرع لها الاجتماع والخطبة فلا تقضى بعد فوات وقتها كالجمعة وإنما يصليها اذا علم بعد غروب الشمس لأن العيد هو الغد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون وعرفتكم يوم تعرفون " (1) ولنا ما روى أبو عمير بن أنس عن عمومة له من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ركباً جاؤا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس فأمرهم أن يفطروا فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم رواه أبو داود.
وقال الخطابي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن تتبع، وحديث ابن عمير صحيح والمصير اليه واجب ولأنها صلاة مؤقتة فلا تسقط بفوات الوقت كسائر الفروض: فأما الجمعة فانها معدول بها عن الظهر بشرائط منها الوقت فإذا فات واحد منهما رجع إلى الأصل " 1 " رواه الشافعي والبيهقي عن عطاء مرسلا بسند ضعيف وروى أبو داود والبيهقي الجملتين في العيدين بسند صحيح عن أبي هريرة وله تتمة أخرى

(فصل) فأما الواحد اذا فاتته حتى تزول الشمس وأحب قضاءها قضاها متى أحب.
وقال ابن عقيل لا يقضيها إلا من الغد كالمسألة قبلها وهذا لا يصح لأن ما يفعله تطوع فمتى أحب أتى به وفارق إذا لم يعلم الناس لأنهم تفرقوا على أن العيد في الغد فلا يجتمعون إلا الى الغد، ولا كذلك ها هنا لأنه يحتاج إلى اجتماع الجماعة ولأن صلاة الامام هي الواجبة التي يعتبر لها شروط العيد ومكانه، فاعتبر لها العيد بخلاف هذا

* (مسألة) * (ويسن تقديم الأضحى وتأخير الفطر والأكل في الفطر قبل الصلاة والامساك في الأضحى حتى يصلي)

يستحب تقديم الأضحى ليتسع وقت التضحية لأن التضحية لا تجوز إلا بعد الصلاة وتأخير الفطر ليتسع وقت اخراج صدقة الفطر لأن السنة اخراجها يوم العيد قبل الصلاة وهذا مذهب الشافعي ولا أعلم فيه خلافا.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى عمرو بن حزم " أن أخر صلاة الفطر وعجل الأضحى وذكر الناس " الحديث مرسل رواه الشافعي (فصل) ويستحب الأكل في الفطر قبل الصلاة وأن لا يأكل في الأضحى حتى يصلي، روى ذلك عن علي وابن عباس وهو قول مالك والشافعي ولا نعلم فيه خلافا لما روى أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات وقال مرجأ بن رجاء حدثني عبيد الله قال حدثني أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم ويأكلهن وترار رواه البخاري، وعن بريدة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي رواه الإمام أحمد والترمذي وهذا لفظه ورواه الأثرم ولفظ روايته حتى يضحي.
ويستحب أن يفطر على تمرات ويأكلهن وتراً لما ذكرنا من الحديث، وأما في الأضحى فإن كان له أضحية استحب أن يفطر على شئ منها.
قال أحمد والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح لأن النبي صلى الله عليه وسلم

أكل من ذبيحته، وروى الدارقطني حديث بريدة وفيه وكان لا يأكل يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحتيه وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل * (مسألة) * (ويستحب الغسل والتبكير إليها بعد الصبح ماشياً على أحسن هيئة إلا المعكتف يخرج في ثياب اعتكافه أو إماماً يتأخر إلى وقت الصلاة) يستحب الغسل للعيد وكان ابن عمر يغتسل يوم الفطر رواه مالك في الموطأ، وروي ذلك عن علي رضي الله عنه وبه قال علقمة وعروة وعطاء والنخعي والشعبي ومالك والشافعي وابن المنذر لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى رواه ابن ماجه إلا أنه من رواية جنادة بن مغلس وهو ضعيف، وروى أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في جمعة من الجمع " ان هذا يوم جعله الله عيداً للمسلمين فاغتسلوا، ومن كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه، وعليكم بالسواك " علل بكونه عيداً ولأنه يوم يشرع فيه الاجتماع للصلاة فاستحب الغسل فيه كيوم الجمعة، وان توضأ أجزأه لأنه إذا أجزأ في الجمعة مع الامر بالغسل لها فها هنا أولى، ووقت الغسل بعد طلوع الفجر في ظاهر كلام الخرقي.
قال الآمدي ان اغتسل قبل الفجر لم يصب سنة لاغتسال، وقال ابن عقيل المنصوص عن أحمد أنه قبل الفجر وبعده ولأن زمن العيد أضيق من وقت الجمعة فلو وقف على طلوع الفجر ربما فات ولأن المقصود منه التنظيف وذلك يحصل بالغسل في الليل القربة من الصلاة، والأولى أن يكون بعد الفجر ليخرج من الخلاف ولأنه أبلغ في النظافة لقربه من الصلاة والغسل لها غير واجب.
قال ابن عقيل ويتخرج وجوبه بناء على غسل الجمعة لأنها في معناها (فصل) ويستحب التبكير الى العيد بعد صلاة الصبح والدنو من الامام ليحصل له أجر التبكير وانتظار الصلاة ويحصل له فضل الدنو من الامام من غير تخطي رقاب الناس ولا أذى أحد.
قال عطاء بن السائب كان عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن مغفل يصليان الفجر يوم العيد وعليهما

ثيابهما ثم يتدافعان الى الجبانة أحدهما يكبر والآخر يهلل، فأما الامام فانه يتأخر إلى وقت الصلاة لما روى أبو سعيد قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج يوم الفطر والأضحى إلى المصلى فأول شئ يبدأ به الصلاة رواه مسلم، قال مالك مضت السنة أن يخرج الامام من منزله قدر ما يبلغ المصلى وقد حلت الصلاة، وروي عن ابن عمر أنه كان لا يخرج حتى تطلع الشمس، ويستحب أن يخرج ماشياً وعليه السكينة والوقار كما ذكرنا في الجمعة وهذا قول عمر بن عبد العزيز والنخعي والثوري والشافعي وغيرهم لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يركب في عيد ولا جنازة، وروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحرج إلى العيد ماشياً ويرجع ماشياً رواه ابن ماجه، وإن كان بعيداً فلا بأس أن يركب نص عليه أحمد لما روي أن عمر بن عبد العزيز قال على المنبر يوم الجمعة ان الفطر غداً فامشوا الى مصلاكم فإن ذلك كان يفعل، ومن كان من أهل القرى فليركب فاذا جاء الى المدينة فليمش الى الصلاة.
رواه سعيد (فصل) ويستحب أن يتطيب ويتسوك ويلبس أحسن ثيابه كما ذكرنا في الجمعة لما ذكرنا من الحديث، وروى ابن عبد البر باسناده عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتم ويلبس

برده الأحمر في العيدين والجمعة.
وعن ابن عباس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلبس في العيدين برد حبرة وباسناده عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما على أحدكم أن يكون له ثوبان سوى ثوبي مهنته لجمعته وعيده " والامام بذلك أحق لأنه المنظور إليه من بينهم إلا

أن المعتكف يستحب له الخروج في ثياب اعتكافه ليبقى عليه أثر العبادة والنسك.
قال أحمد في رواية المروذي: طاوس كان يأمر بزينة الثياب.
وعطاء قال هو يوم تخشع واستحسنهما جميعاً

(فصل) ويستحب أن يكون في خروجه مظهراً للتكبير يرفع به صوته.
قال أحمد يكبر جهراً إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى، وروي ذلك عن علي وابن عمر وأبي أمامة وناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول عمر بن عبد العزيز وفعله ابن أبي ليلى والنخعي وسعيد بن جبير وهو قول الحكم وحماد ومالك وإسحق وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة يكبر يوم الأضحى ولا يكبر يوم الفطر لأن ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال ما شأن الناس؟ فقيل يكبرون.
فقال أمجانين الناس؟ ولنا أنه فعل من سمينا من الصحابة وقولهم، فأما ابن عباس فكان يقول يكبرون مع الامام ولا يكبرون وحدهم وهذا خلاف مذهبهم، إذا ثبت هذا فانه يكبر حتى يأتي المصلى لقول أبي جميلة رأيت علياً رضي الله عنه خرج يوم العيد فلم يزل يكبر حتى انتهى إلى الجبانة.
قال الأثرم قيل

لأبي عبد الله في الجهر بالتكبير حتى يأتي المصلى أو حتى يخرج الامام؟ قال حتى يأتي المصلى.
وقال القاضي فيه رواية أخرى حتى يخرج الامام (فصل) ولا بأس بخروج النساء يوم العيد الى المصلى.
وقال ابن حامد يستحب ذلك، وروي عن أبي بكر وعلي رضي الله عنهما أنهما قالا حق على كل ذات نطاق أن تخرج إلى العيدين، وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله إلى العيدين، وروت أم عطية قالت أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نخرجهن في الفطر والأضحى والعواتق ذوات الخدور فأما الحيض فيعتزلن الصلاة ويشهدن الخير ودعوة المسلمين.
قلت يا رسول الله إحدانا لا يكون لها جلباب؟ قال " لتلبسها أختها من جلبابها " متفق عليه وهذا لفظ رواية مسلم.
وقال القاضي ظاهر كلام أحمد أن ذلك جائز غير مستحب، وكرهه النخعي ويحيى الأنصاري وقالا لا يعرف خروج المرأة في العيدين عندنا، وكرهه سفيان وابن المبارك، ورخص أهل الرأي للمرأة الكبيرة وكرهوه للشابة لما في خروجهن من الفتنة.

وقول عائشة رضي الله عنها لو رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن المساجد كما منعت نساء بني اسرائيل ولنا ما ذكرنا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم وهي أحق أن تتبع، وقول عائشة مختص بمن أحدثت دون غيرها، ولا شك في أن تلك يكره لها الخروج وانما يستحب لهن الخروج غير متطيبات ولا يلبسن ثوب شهرة ولا زينة ويخرجن في ثياب البذلة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم " وليخرجن تفلات " ولا يخالطن الرجال بل يكن ناحية منهم * (مسألة) * (وإذا غدا من طريق رجع في أخرى) الرجوع في غير الطريق التي غدا منها سنة وبه قال مالك والشافعي لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
قال أبو هريرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خرج يوم العيد في طريق رجع في غيره.
قال الترمذي هذا حديث حسن، قال بعض أهل العلم إنما فعل هذا قصداً لسلوك الأبعد في الذهاب ليكثر ثوابه وخطواته الى الصلاة ويعود في الأقصر لأنه اسهل، وقيل كان يحب أن يشهد له الطريقان، وقيل كان يحب المساواة بين أهل الطريقين في التبرك بمروره بهم وسرورهم برؤيته وينتفعون بمسئلته، وقيل لتحصل الصدقة ممن صحبه على أهل الطريقين من الفقراء، وقيل ليشترك الطريقان بوطئه عليهما.
وفي الجملة الاقتداء به سنة لاحتمال بقاء المعنى الذي فعله لأجله ولأنه قد يفعل الشئ لمعنى ويبقى في حق غيره سنة مع زوال المعنى كالرمل والاضطباع في طواف القدوم فعله هو وأصحابه لإظهار الجلد للكفار وهي سنة.
قال عمر رضي الله عنه فيم الرملان الآن ولمن نبدي مناكبنا وقد نفى الله المشركين؟ ثم قال مع ذلك لا ندع شيئاً فعلناه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

  • (مسألة) * (وهل من شرطها الاستيطان وإذن الامام والعدد المشروط للجمعة؟ على روايتين) يشترط لوجوب صلاة العيد ما يشترط لوجوب صلاة الجمعة من الاستيطان لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يصلها في سفره ولا خلفاؤه، وكذلك العدد المشترط لصلاة الجمعة لأنها صلاة عيد فأشبهت الجمعة، وفي اشتراط أذن الامام روايتان أصحهما أنه لا يشترط كما قلنا في الجمعة، ولا يشترط شئ من ذلك لصحتها لأن انسا كان إذا لم يشهد العيد مع الامام جمع أهله ومواليه ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما ولأنها في حق من انتفت فيه شروط الوجوب تطوع فلم يشترط لها ذلك كسائر التطوع.
    وقد ذكر شيخنا ها هنا روايتين وكذلك ذكره أبو الخطاب.
    وقال القاضي كلام أحمد يقتضي أن في اشتراط ذلك روايتين: إحداهما لا يقام العيد إلا حيث تقام الجمعة وهذا مذهب أبي حنيفة إلا أنه لا يرى ذلك إلا في المصر لقوله لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
    والثانية يصليها المنفرد والمسافر والعبد والنساء وهذا قول الحسن والشافعي لما ذكرنا إلا أن الإمام إذا خطب مرة ثم أرادوا أن يصلوا لم يخطبوا ثانياً وصلوا بلا خطبة كيلا يؤدي الى تفريق الكلمة.
    وهذا التفصيل الذي ذكرناه أولى ما قيل به إن شاء الله تعالى (فصل) قال ابن عقيل إذا قلنا من شرطها العدد وكانت قرية الى جانب قرية أو مصر يصلى فيه العيد لزمهم السعي الى العيد سواء كانوا بحيث يسمعون النداء أم لا لأن الجمعة إنما لم يلزم إتيانها مع عدم السماع لتكررها بخلاف العيد فانه لا يتكرر فلا يشق إتيانه * (مسألة) * (وتسن في الصحراء وتكره في الجامع إلا من عذر) السنة أن يصلي العيد في المصلى أمر بذلك علي رضي الله عنه واستحسنه الأوزاعي وأصحاب

الرأي وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي إن كان مسجد البلد واسعاً فالصلاة فيه أولى لأنه خير البقاع وأطهرها ولذلك يصلي أهل مكة في المسجد الحرام ولنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج الى المصلى ويدع مسجده وكذلك الخلفاء الراشدون بعده ولا يترك النبي صلى الله عليه وسلم الأفضل مع قربه، ويتكلف فعل المفضول مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل ولأنا قد أمرنا باتباع النبي صلى الله عليه وسلم والاقتداء به، ولا يجوز أن يكون المأمور به هو الناقص ولأن هذا إجماع فان الناس في كل عصر يخرجون الى المصلى فيصلون فيه العيدين مع سعة المسجد وضيقه ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى العيد بمسجده إلا من عذر مع شرف مسجده، وروينا عن علي رضي الله عنه أنه قيل له قد اجتمع في المسجد ضعفاء الناس وعميانهم فلو صليت بهم في المسجد؟ فقال أخالف السنة إذاً، ولكن أخرج الى المصلى واستخلف من يصلي بهم في المسجد أربعاً، وصلاة النفل في البيت أفضل منها مع شرفه، ويستحب للإمام إذا خرج أن يستخلف في المسجد من يصلي بضعفة الناس في الجامع لأن علياً رضي الله عنه استخلف أبا مسعود البدري يصلي بضعفة الناس في المسجد رواه سعيد، وهل يصلي المستخلف ركعتين أم أربعا على روايتين: إحداهما يصلي أربعا لما ذكرنا من قول علي، والثانية يصلى ركعتين وروي انه صلى أربعاً فان كان عذر من مطر أو نحوه صلى في المسجد لما روى أبو هريرة قال أصابنا مطر في يوم عيد فصلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد.
رواه أبو داود (فصل) ولا يشرع لها اذان ولا إقامة ولا نعلم في هذا خلافاً إلا أنه روي عن ابن الزبير أنه

أذن وأقام، وقيل أول من أذن في العيدين ابن زياد، وهذا يدل على انعقاد الإجماع قبله أنه لا يسن ذلك وبه يقول مالك والشافعي وأصحاب الرأي، وقد روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى العيدين بغير اذان ولا إقامة وعن جابر مثله متفق عليهما، وعن عطاء قال أخبرني جابر أن لا أذان للصلاة يوم الفطر حين يخرج الامام ولا بعد ما يخرج الامام ولا إقامة ولا نداء ولا شئ، لا نداء يومئذ ولا إقامة رواه مسلم، وقال بعض أصحابنا ينادى لها الصلاة جامعة وهو قول الشافعي والسنة أحق أن تتبع * (مسألة) * (ويبدأ بالصلاة فيصلي ركعتين) وجملة ذلك أنه يبدأ في العيد بالصلاة قبل الخطبة لا نعلم في ذلك خلافاً إلا ما روي عن بني أمية وقيل أنه يروى عن عثمان وابن الزبير أنهما فعلا ذلك ولا يصح عنهما، وخلاف بني أمية مسبوق بالإجماع فلا يعتد به ولأنه مخالف لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيحة ولخلفائه الراشدين فان ابن عمر قال أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم كانوا يصلون العيدين

فصول الكتاب · 12 فصل · 807 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الشرح الكبير على متن المقنع · 807 صفحة
المقدمة
كتاب الجنائز
كتاب الزكاة
كتاب الإقرار
كتاب العارية
كتاب الغصب
كتاب النكاح
كتاب العدد
كتاب الرضاع
كتاب الأطعمة
كتاب الأيمان
كتاب العتق
جارٍ التحميل