الجامع لمسائل المدونةكتاب كراء الرواحل والدواب
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الرواحل والدواب

من الجامع لابن يونس قال رحمه الله: كتاب كراء الرواحل والدواب

[الباب الأول]

في الكراء المضمون, والمعين, والنقد, والخيار فيه, وفي المكري يبيع الدابة المكتراة.

[الفصل 1 - الكراء المضمون والمعَّين] والمتكاريان كالمتبايعين فيما يحل ويحرم؛ لأنها بيع منافع فهي كبيع الأعيان.
قال ابن القاسم: وكراء الدواب على وجهين: مضمونة في ذمة, أو دابة بعينها, وقد قضى عمر رضي الله عنه أن الدابة المعينة إذا هلكت انفسخ الكراء, ولا يأتي بغيرها إلا أن يشترط البلاغ وهو المضمون, وقاله علي رضي الله عنه.
م/ كراء الدابة المعينة كشراء السلعة من المكيل والموزون؛ لأن على البائع أن

الجزء: 16 - الصفحة: 29

يوفيه كيله أو وزنه كما على المكري أن يوفيه ركوبه أو حمله, وكراء المضمون كشراء السلع المضمونة, فكما كان هلاك هذه السلعة المعينة قبل القبض يوجب فسخ الشراء ولا يقال للبائع ائت بمثلها, فكذلك كراء الدابة المعينة إذا هلكت قبل الركوب, أو قبل تمام الغاية المكتراة انفسخ الكراء, أو بقيته.
وكما كان هلاك السلع المضمونة قبل القبض أو استحقاقها بعد القبض لا يوجب فسخ الشراء, ويقال للبائع: ائت بمثلها فكذلك الكراء المضمون, الأمر في ذلك كله متفق, وهذا بين فاعلمه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شرك في المعينة: إن ماتت أتاه بغيرها لم يجز, وإن لم يشترط ذلك جاز, ويفسخ الكراء بموتها, وليس كرعاية الغنم المعينة فتلك لا يجوز فيها الرعاية إلا باشتراطه خلف ما مات منها؛ لأنها مستأجر عليها, والدابة ههنا كالراعي الذي لا يجوز أن يشترط عليه إن مات أو مرض أن يؤتي ببديل من ماله, وتنفسخ الإجارة بموته, وإذا استؤجر لغنم يرعاها أو دواب يقوم عليها فماتت الغنم أو الدواب لم تنفسخ الإجارة.
وإنما تنفسخ الإجارة بموت الأجير لا بموت المستأجر عليه.
قال ابن المواز: لا يجوز في شخص بعينه اشتراط ضمان عمله ونفعه, لا راعي, ولا راحلة بعينها, ولا حر, ولا عبد, ولا مركب, ولا مسكن على أنه إن هلك ذلك أتاه بمثله, كما لا يجوز بيع شيء بعينه على أنه إن هلك قبل أن يصل إلى المشتري ضمن البائع مثله لا في حيوان ولا في طعام ولا عرض يكال أو يوزن أو لا يكال ولا يوزن, فأما ما استؤجر فيه على عمله أو حله أو رعايته فلا يصلح أن يشترط أنه ذلك بعينه لا غير فيصير رب تلك الأشياء لا يقدر أن يبيعها أو يأتي بغيرها قبل تمام المدة وإن هلكت لم يقدر أن يأتي بغيرها إلا أن يشترط إن احتاج إلى بيعها وأخذها أو تلفت كان عليه حمل

الجزء: 16 - الصفحة: 30

مثلها أو عمل مثلها, فيجوز مثل الغنم المعينة التي لا تجوز فيها الرعاية إلا باشتراط خلف ما مات أو باعه أو أكله منها, ويصير قد وقعت إجارته على غير معين, وإنما يجوز في الراحلة والأجير أن يكون بعينه فإذا مات وقعت المحاسبة.
فأما ما استؤجر عليه الأجير فلا يكون إلا على أمر مبهم لا على معين, ولكن على ما يجب على الكري أو الأجير من تمام الحمل أو الرعي والعمل بخلف ما هلك أو ببدله إن شاء, ولو أراه حين العقد ما يعمله أو يحمله أو يرعاه, فإن ذلك كالصفة لما يحمل أو يعمل أو يرعى, فإن شرط أنه بعينه لا يعدوه لم يجز, فإن عمل على ذلك فله كراء مثله.
قال: ولو اكترى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها ولم يقل له تحملني على دابتك هذه أو سفينتك هذه فهلكت بعد أن ركب, فعلى المكري أن يأتيه بدابة أو سفينة غيرها, ويحمله, وذلك مضمون حتى يشترط شرطاً إنما أكري منك هذه بعينها فينفسخ الكراء بهلاكها.
ابن المواز: أو يكري منه نصف السفينة أو ربعها فيكون كشرط التعيين.
فصل [2 - النقد في الكراء] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى عبداً أو أكترى راحلة بعينها إلى مكة بمائة دينار صفقة واحدة جاز ذلك إن لم يشترط خلف الراحلة إن هلكت, فإن شرط ذلك لم يجز إلا أن يكون الكراء مضموناً في أصل الصفقة.
قال بعض فقهاء القرويين: وإذا لم يشترط خلف الراحلة المعينة إن هلكت ثم

الجزء: 16 - الصفحة: 31

هلكت, فيفرق هل هي وجه الصفقة أم لا, فإن كانت وجه الصفقة انفسخ البيع, وإن لم تكن وجه الصفقة لزمه العبد بحصته من الثمن يعمل في ذلك كما يعمل في البيوع إذا استحقت بعض السلع.
م/ ولو كان المكري اشترى العبد بكراء راحلة بعينها وبعشرة دنانير دفعها لرب العبد فهلكت الراحلة قبل الركوب أو بعد يسير من الركوب فإن كانت الراحلة وجه الصفقة رد الدنانير وقيمة ما ركب وأخذ عبده إن لم يفت فإن فات نظرت كم قيمة كراء الراحلة جميع الطريق إن لم يركب, أو بقيمتها إن ركب فإن كانت ثلث الصفقة أو ثلثيها رجع بحصة ذلك في قيمة العبد لا في عينه.
م/ والصواب أن لا يراعي في هذا فوات العبد, وينفسخ البيع إذا كانت الراحلة وجه الصفقة؛ لأن ما معها من الدنانير لا فوت فيها.
فهو كما او اكتراها واشترى عبدا معها بمائة دينار فهلكت وهي وجه الصفقة أن البيع ينفسخ ويرد العبد ويأخذ مئته, وقد قالوا فيمن اشترى غنماً وعليها صوف تام بمائة دينار فجز الصوف, ثم رد الغنم بعيب أنه يرد الصوف معها ويأخذ ثمنه, فإن فات الصوف رد مثله إذا علم وزنه وأخذ دنانيره, وكذلك إذا كان مع الراحلة عين أو ما يكال أو يوزن فهلكت وهي وجه

الجزء: 16 - الصفحة: 32

الصفقة أنه يرد ما كان معها أو مثله إن فات ويأخذ عبده أو قيمته إن فات.
وأما إن كان الذي معها عرض لا يكال ولا يوزن ففات فهاهنا يراعى فوات العبد وغير فواته، وتكون كمسألة من اشترى عبداً بثوبين فهلك بيده أحدهما ووجد بالباقي عيباً، وهو وجه الصفقة، وقد تقدم شرحها في كتاب العيوب.
ووجه الأولى أنا لما وجدنا القيمة فيما يقوم، كالمثل فيما له مثل في فوات أعيان المستحقات وفي فوات أعواضها، ومتى وجب غرم المثل، فيجب أيضاً متى لم يجب إغرام القيمة لم يجب إغرام المثل، ووجدنا من ابتاع عبداً بثوبين فهلك أدنى الثوبين واستحق الأرفع أو وجد به عيب أن يرد قيمة الأدنى مع العيب ويأخذ عبده إن لم يفت وجب إذا كان مع هذا الثوب المعيب عين أو ما يكال أو يوزن أن يرده مع المعيب ويأخذ عبده، ولما وجدنا إذا فات العبد لم ينتقض البيع كله ورجع بحصة المعيب في قيمة العبد ولم يرد قيمة الهالك مع المعيب ويأخذ جميع القيمة وجب كذلك إذا كان مع المعيب عين أو ما يكال أو يوزن ففات أن يرد المعيب وحده بحصته مما معه ويرجع به في القيمة ليمضي التغابن فيما فات، ولا ينتقض البيع فيه في الوجهين.
هذا هو القياس في هذا وما يشابهه، والله أعلم.
م/ وإن هلكت الراحلة وقد سار أكثر الطريق أو لم يسر شيئاً وكانت ليست بوجه الصفقة والعبد قائم لم يفت رجع بحصة ذلك في قيمة العبد لا في عينه لضرر الشركة عند ابن القاسم.
وعلى مذهب أشهب يرجع في عين العبد.

الجزء: 16 - الصفحة: 33

م/ قيل: ومعنى المسألة أنه اشترط نقد المائة أو كان سنة الكراء على النقد، فأما إن كان يتأخر، أو لا سنة لهم حتى لا يلزمه من النقد إلا بقدر ما سار، فإنه يصير ما يخص العبد من النقد لا يعلم وما يخص الكراء من المتأخر لا يدري ما هو، فلا يجوز هذا إلا عند من يجيز جمع السلعتين لرجلين فعساه، وهذا أشد؛ لأنه فيه نقد ومؤخر مجهولان.
فصل [3 - في بيع الدابة واستثناء منفعتها يوماً أو يومين] ومن المدونة قال مالك: ومن باع دابة واستثنى ركوبها يوماً أو يومين أو يسافر عليها اليوم، أو إلى المكان القريب جاز ذلك، ولا ينبغي فيما بعد إذ لا يدري المبتاع كيف ترجع إليه، وضمانها من المبتاع فيما يجوز استثناؤه، ومن البائع فيما لا يجوز استثناؤه.
فصل [4 - في اكتراء الراحلة على أن يركبها في الزمن القريب والبعيد] قال ابن القاسم: ومن اكترى راحلة بعينها على أن يركب إلى اليوم واليومين وما قرب جاز ذلك، وجاز فيه النقد، وإن كان الركوب إلى شهر أو شهرين جاز ما لم

الجزء: 16 - الصفحة: 34

ينتقد، وقال غيره: لا يجوز بحال.
م/ فوجه قول ابن القاسم أنه لما لم ينقده لم يدخله تارة بيعاً إن سلمت الراحلة، وتارة سلفاً إن هلكت، فوجب جواز الكراء إذ لا غرر فيه؛ لأن هلاكها من ربها.
ووجه قول غيره: أنه لما لم يجز بيعها على أن تقبض إلى ذلك الأجل فكذلك كراؤها.
والفرق عند ابن القاسم بين الشراء والكراء أنا لو أجزنا الشراء كان ضمانها من المشترى كقريب الاستثناء فيدخله الغرر وكأنه اشترط على البائع ما يجب عليه ضمانه، وفي الكراء الضمان من ربها فافترقا.
م/ وبقول ابن القاسم أقول.
[مسألة: النقد في كراء الخيار] ومن المدونة قال مالك: ولا يصلح النقد في كراء الخيار إلا أن يشترطا الخيار في مجلسهما ذلك قبل أن يفترقا.
ولا يصلح التطوع بالنقد في كراء الخيار على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يصير إذا اختار إمضاء الكراء أخذ من دين له كراء راحلة، وهذا لا يجوز عنده ويجوز عن أشهب.
فصل [5 - في وجوب النقد في الكراء المضمون إلى أجل] ابن المواز: قال ابن القاسم: قال مالك: من تكارى كراء مضموناً إلى أجل مثل الحج في غير إبانه فلا يجوز أن يتأخر النقد، ولكن يعجل مثل الدينارين ونحوهما،

الجزء: 16 - الصفحة: 35

وكان يقول: لا ينبغي إلا أن ينقد مثل ثلثي الكراء في مثل هذا المضمون إلى أجل، ثم رجع فقال: قد اقتطع الأكرياء أموال الناس فلا بأس أن يؤخروهم بالنقد ويعربنوهم الدينار وشبهه.
قال أبو محمد: يريد ولو كان مضموناً بغير أجل وشرع في الركوب جاز بغير نقد؛ لأنه قبض أوائل الركوب كقبض جميعه إذ هو أكثر المقدور عليه في قبضه.
م/ يريد أنه إن اكترى كراء مضموناً لا يركب فيه إلا إلى أجل فالنقد فيه جائز، بل لا يجوز تأخير النقد كله، بشرط في هذا المضمون، كتأخير رأس مال السلم، وإنما أجازة مالك إذا أخر بعض النقد؛ لأن الأكرياء قد اقتطعوا أموال الناس فأجاز فيه تأخير الثمن لهذه الضرورة بخلاف تأخير بعض رأس مال السلم.
فصل [6 - في بيع الدار المكتراة أو وهبها أو التصدق بها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اكتريت من رجل دابة بعينها أو دار فباعها ربها أو وهبها أو تصدق بها لم يجز ذلك؛ لأن المكتري أحق بها في الموت والفلس بقية مدته، كطعام بعينه مات بائعه أو فلس قبل كيله، فمبتاعه أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه.
وإن ذهب مبتاع الدابة بها فلم يوجد، فسخ الكراء، وترجع بما نقدت، ولو قدم المبتاع وربها غائب فأقمت عليه بينة على كرائك كنت أحق بها، وينقض البيع، قال: وللمبتاع الرضا بتأخيرها إلى تمام مسافتك إن قربت، وإن بعدت لم يجز.
م/ قال بعض القرويين، ولو لم يفطن لذلك إلا بعد انقضاء المدة، وكانت كثيرة، فالأشبه أن يرجع المشتري بقيمة عيب حبسها هذه المدة، ولا ينتقض البيع.

الجزء: 16 - الصفحة: 36

الباب الثاني]

في الكراء بعين أو عرض بعينه وإبهام نقده والضمان فيه

[الفصل 1 - في الكراء بعين أو عرض بعينه] قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة لركوب أو حمل أو اكترى دارا أو استأجر أجير! بشيء بعينه من عرض أو حيوان أو طعام فتشاحا في النقد ولم يشترطا شيئاً فإن كانت سنة الكراء بالبلد بالنقد جاز وقضى بنقدها، وإن لم تكن سنتهم بالنقد لم يجز الكراء وإن عجلت هذه الأشياء، إلا أن يشترط النقد في العقد، كما لا يجوز بيع ثوب أو حيوان بعينه على أن يقبض إلى شهر، ويفسخ ذلك.
وقال ابن حبيب: الكراء بهذا كله جائز كان سنة الناس التأخير فيه أو غيره، فهو على تعجيله حتى يشترط تأخيره تصريحاً أو تلميحاً.
وقاله من أرضي من أصحاب مالك.
م/ وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن العرف كالشرط وإن لم تكن لهم سنة راتبة وكانوا يكرون بالنقد والنسيئة وأبهموا الكراء، فأصل ابن القاسم أنه على التأخير؛ لأن عقد الكراء لا يوجب نقد ثمنه إلا أن يكون عرفاً أو شرطاً وإلا لم يلزمه أن ينقد إلا بقدر ما ركب أو سكن بخلاف شراء السلع المعينة، هذه بتمام عقد شرائها يجب عليه نقد ثمنها؛ لأنه ينتقدها منه فوجب عليه نقد ثمنها.

الجزء: 16 - الصفحة: 37

والركوب والسكنى لم ينتقده فوجب أن لا ينقد إلا ثمن ما قبض منه، فلما كان عقد الكراء لا يوجب انتقاد ثمنه فكأنهما دخلا في الكراء بهذه المعينات على التأخير فوجب فساد الكراء.
وأصل ابن حبيب فيما يفسد الكراء بتأخيره أن يحملهم على الأمر الجائز من انتقاده حتى يشترط التأخير.
م/ وقول ابن القاسم أقيس، وبه أقول.
[الفصل 2 - في الكراء بدنانير معينة] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى ما ذكرنا بدنانير معينة ثم تشاحا في النقد فإن كان الكراء بالبلد بالنقد قضى بنقدها وإلا لم يجز الكراء إلا أن يشترطا تعجيلها في العقد كقول مالك فيمن ابتاع سلعة بدنانير له ببلد آخر عند قاض أو غيره، فإن شرط ضمانها إن تلفت جاز، وإلا لم يجز البيع، فأرى إن كان الكراء لا ينقد في مثله إلا أن يشترط في الدنانير إن تلفت فعليه مثلها ولا يجوز اشتراط هذا في طعام أو عرض في بيع ولا كراء لأنه مما يبتاع لعينه فلا يدري المبتاع أي الصفقتين ابتاع ولا يراد من المال عينه.
وقال غيره في الدنانير: هو جائز، وإن تلفت فعليه الضمان.
م/ وحُكي عن بعض فقهاء القرويين في قوله لا يجوز البيع بالدنانير الغائبة إلا أن يشترط ضمانها إن تلفت، إنما ذلك إذا اشترط قبض السلعة المبيعة المعينة؛ لأنه يصير كنقد في غائب، فتصير الدنانير الغائبة كسلعة اشتريت نقد فيها سلعة حاضرة.
قال: وكذلك وقع لابن المواز، وهو تفسير.

الجزء: 16 - الصفحة: 38

قال غيره ولابد من الخروج إليها كالغائب.
ولهذا استغنى عن ضرب الأجل؛ لأنها لو كانت متعلقة بالذمة خاصة على أن تقبض ببلد آخر لوجب ألا يجوز البيع كمن باع بدنانير على أن يقبضها ببلد آخر ولم يضرب لها أجلاً أنه لا يجوز.
قال في كتاب محمد: وإن لم يشترط خلفها جاز البيع وأوقفت السلعة الحاضرة كمن اشترى سلعة حاضرة بغائبة فتوقف السلعة الحاضرة وتخرج، فإن وجد الدنانير تم البيع، وإن لم توجد بطل إلا أن يرضى المشتري أن يعطيه غيرها.
[الفصل 3 - في الكراء بشيء معين مؤجل، ويرغب المكتري في تعجيله] ومن المدونة، قال ابن القاسم: من اكترى إلى مكة بعرض أو طعام بعينه أو دنانير معينة والكراء عندهم ليس على النقد، فقال المكتري: أن أعجل الدنانير والعروض والطعام ولا أفسخ الكراء فلابد من فسخه لفساد العقد.
وقال غيره مثله إلا في الدنانير فإنه جائز عنده.
وقال ابن القاسم: ومن اكترى بهذه المعينات من عرض ونحوه وشرط عليه أن لا ينقده ذلك إلا بعد يومين أو ثلاثة لم يعجبني ذلك إلا لعذر من ركوب دابة، أو لبس ثوب، أو خدمة عبد، أو توثق حتى يشهد، فذلك جائز، فإن لم يكن لعذر كرهته، ولا أفسخ به البيع، ولا أحب أن يعقد الكراء على هذا.
[مسألة: تأخير الكيل يومين للمشتري من صبرة معينة] وقد أجاز مالك رحمه الله تعالى تأخير الكيل اليومين للمشترى من صبرة معينة ورأى المشترط إن لم يأت بالثمن إلى أيام فلا بيع له، إنفاذ البيع وسقوط الشرط عجل النقد أم أخره، ويقضى عليه بالنقد.

الجزء: 16 - الصفحة: 39

م/ يريد يقضى عليه بالنقد بعد اليومين أو الثلاثة المشترط له تأخيره بها، ويفسخ شرطه إن لم يأت بالثمن فلا بيع له.
[الفصل 4 - تأخير الدنانير المعينة اليوم واليومين في الكراء] قال ابن القاسم: قال ابن القاسم: وأما الدنانير المعينة فلا يعجبني تأخيرها اليوم واليومين إلا أن يشترط المكترى ضمانها أو يضعها رهناً بيد غيره، ولم يكرهه غيره ولو بقيت بيده؛ لأنه لو ابتاع بها بعينها فاستحقت لقضي عليه بمثلها والبيع تام.
م/: واختلف شيوخنا في اشتراطه تأخير الدنانير اليوم واليومين بغير عذر ولا شرط ضمانها إن تلفت، كيف يكون الحكم إن نزل ذلك على مذهب ابن القاسم؟.
فقال بعضهم الكراء فاسد بخلاف العرض.
وقال بعضهم الدنانير والعرض في ذلك سواء، اشتراط تأخير ذلك لغير عذر مكروه.
فإن نزل مضى وإن ضاعت الدنانير أبدلها.
م/ وهو أبين.
وقال بعض فقهاء القرويين: قوله في الدنانير لا يعجبني إلا أن يشترط خلفها أو يضعها رهناً، كلام فيه إشكال؛ لأن الدنانير لا غرض في أعيانها وإنما يجب البيع والكراء بما على الذمة، ولو لزم تعيينها فاستحقت لم يلزمه بدلها إلا ـن يشاء؛ إذ تعيينها على هذا التأويل إنما هو ليخرجها إلا أن يتعلق بالذمة غيرها.
م/ ظاهر قول ابن القاسم أنها متعلقة بالذمة ولذلك أجاز اشتراط ضمانها إن هلكت،

الجزء: 16 - الصفحة: 40

وإنما سامح في تعيينها لغرض المكترى أو المكرى في ذلك إما لرغبته في حلها أو في عينها، ولم ينقلها مع ذلك عن أصلها أنها متعلقة بالذمة وقول الغير أشبه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك هذا العرض المعين بيد المكترى به وهو رفيق أو حيوان وقد شرط حبسه للوثيقة أو للمنفعة فهو من المكرى؛ لأنه أمر يعرف هلاكه، ولو كان مما يغاب عليه فحبسه المكترى للوثيقة فهلك بيده كان منه إن لم يعرف هلاكه وانتفض الكراء ولا يقال له ائت بمثله.
م/ يعني ويحلف أن ذلك هلك أو تلف فإن نكا المكترى كان للمكري أن يغرمه قيمته ويثبت الكراء أو لا يغرمه ويفسخ الكراء، وليس في هذا رد يمين؛ لأنه إنما اتهمه في حبسه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن استحق في هذا أو كان رأس مال السلم وكذلك، في البيع يحبسه البائع للثمن فهو منه، إلا أن تقوم بينة بهلاكه فيكون كالحيوان ضمانه من المبتاع والبيع تام، ولا يجوز ضمان ما هلك مما يتأخر قبضه اليوم واليومين إلا في العين وحده.
وقال غيره في الثياب والحيوان وما لا يكال ولا يوزن من العروض يحبسها البائع لركوب دابة أو لباس ثوب أو غير ذلك فشرط يوماً أو يومين فالنقد في ذلك جائز؛ لقربه وضمانها من المبتاع؛ لأنه كأنه قبضه وتلف في يده، وكذلك لو اكترى بها دابة أو

الجزء: 16 - الصفحة: 41

دارًا فحبسها لذلك.
م/ ومعنى قول أنه لما اشترط ركوب الدابة ولباس الثوب فكأن البائع لذلك باعه واستثنى الانتفاع به فهو كمكتري ذلك من المشترى، والشيء المكترى ضمانه من ربه، والدليل على أن الاستثناء كالشراء أو الكراء من المبتاع أن من ابتاع امة حاملاً لا يجوز له استثناء جنينها؛ لأن الحكم يوجبه للمبتاع فاستثناء البائع له كشرائه منه فلم يجز؛ لأنه من بيع الأجنة، وكذلك من باع نخلاً وفيها ثمر لم يؤبر أنه لا يجوز للبائع استثناؤه؛ لأنه كشرائه من المبتاع.
فاستثناء المشترى أو المكترى في مسألتنا كاكترائه من مشتريه فلذلك كان ضمانه منه.
هذا وجه قول غيره والله أعلم.
فإن قيل فإذا كان ذلك كاكتراء البائع له انبغي أن لا يفرق بين قليل الاستثناء وكثيره، وأنه يجوز استثناء ركوب الدابة شهراً أو شهرين؛ لأنه قبضه ثم أكراه من البائع.
قيل: فلو أجيز مثل لدخله بيع شيء بعينه لا يقبض إلا إلى أجل بعيد فلما دخل علينا الفساد من هذا الوجه حملناهم على أنهم قصدوه.
وأما استثناء اليومين ونحوهما فإن حملته على أنه باعه على أن يقبض إلى يومين جاز، وإن حملته على أنه باعه ثم أكراه جاز.
وهذا كقولهم فيمن باع قمحاً على أن على البائع طحنه، أو نعلين على أن يحذوهما، فما كان خروجه معروفاً جاز؛ لأنه إن حملته على أنه بيع وإجازة جاز، وإن حملته أنه

الجزء: 16 - الصفحة: 42

ابتاع ما يخرج منه جاز؛ لأنه معروف.
وأما إن ابتاع قمحاً في سنبله على أن يدرسه له ويصفيه، أو غزلاً على أن ينسجه له لم يجز؛ لأنه يحمل أمره على أنه ابتاع ما يخرج منه وذلك مجهول، فلما دخل عليه الفساد في وجه منع منه في الوجهين، فكذلك هذه المسألة وهذا أبين.

الجزء: 16 - الصفحة: 43

[الباب الثالث]

ما يحل وما يحرم في الكراء من عقد وشرط

[الفصل 1 - الكراء كالبيع فيما يحل ويحرم، والعرف في الكراء كالشرط] والكراء يجري مجرى البيع فيما يحل ويحرم منه، والمتعارف من الأكرية وغيرها كالمشترط.
وقد أجاز العلماء أن يكري إلى مدينة كذا، وإن لم يسم أين ينزل منها، وكم من منزلة ينزل فيه، وكيف صفة مسيره، وكم ينزل في طريقه، واجتزوا بالمتعارف بين الناس من ذلك.
قال ابن القاسم فيمن اكترى دابة إلى موضع كذا بثوب مروي ولم يصف رقعته وذرعه لم يجز؛ لأن مالكاً لا يجيز هذا في البيع، ولا يجوز في ثمن الكراء إلا ما يجوز في ثمن المبيع.
ولا بأس أن تكتري إبلاً من رجل على أن عليك رحلتها وتكتري دابة بعلفها أو أجبرا بطعامه، أو إبلاً على أن عليك علفها أو طعام ربها، أو على أن عليه هو طعامك ذاهباً وراجعاً فذلك كله جائز وإن لم تصف النفقة؛ لأنه أمر معروف.
قلت: أرأيت المرأة إذا تزوجها الرجل أيحد لها نفقة؟ قال مالك: لا ولا يكون بذلك كله بأس.
وقد قال مالك: لا بأس أن يؤاجر الحر أو العبد أجلاً معلوماً بطعامه في الأجل أو

الجزء: 16 - الصفحة: 44

بكسوته فيه، وكذلك إن كان مع الكسوة أو الطعام دنانير أو دراهم أو عروض بعينها معجلة فلا بأس به.
فإن كانت عروضاً مضمونة بغير عينها جاز تأخيرها إن ضرباً لذلك أجلاً كأجل السلم.
م/ فإن وجد الأجير الذي استؤجر بطعامه أكولا خارجاً عن عادات الناس في الأكل فقال في المبسوط: له أن يفسخ إجارته.
م/ لأنه كعيب وجده به إلا أن يرضى الأجير بطعام وسط، وليس للذي استأجره أن يطعمه طعاماً وسطاً إذا لم يرض الأجير؛ لأن ذلك يؤدي إلى هلاكه وهو قد اشترط عليه طعامه فإما رضيه أو رده.
م/ قال بعض أصحابنا: ويحتمل أن يطعمه طعاماً وسطاً كمن استؤجر على حمل رجلين لم يرهما فأتاه بفادحين أن لا يلزمه حملهما، ويأتيه بالوسط.
والأول أبين.
والفرق بينهما أن الشيء المحمول لا يتعين، وإنما تعيينه كالصفة ألا ترى أنه إذا مات أو تلف لم ينفسخ الكراء فلما لم يتعين فعليه أن يأتي بالوسط وذلك عدل بين المتكاريين.
والأجير كالدابة المعينة ينفسخ الكراء بموته أو بموتها، فأما إن وجد به عيباً فإما رضيه

الجزء: 16 - الصفحة: 45

أورده، وليس له أن يسقط حصة ذلك العيب، كما ليس له أن يحط حصة العيب من ثمن الشيء المشتري.
وأما إن تزوج امرأة فوجدها أكولة خارجة عن الناس فليس له فسخ النكاح فإما أشبعها أو طلق؛ لأن المرأة لا ترد إلا من العيوب الأربعة فهو كما لو وجدها عوراء أو سوداء، ولو شاء لاستثبت.
ومن أكرى إبله بطعام مضمون ولم يضرب له أجلاً ولا ذكر موضع قبضه ولم يكن للناس عندهم سنة يحملون عليها فالكراء فاسد، وكذلك بغلام مضمون أو بثوب مضمون وليس لهم سنة يحملون عليها فالكراء فاسد، إلا أن يتراضوا بعد فسخ الأول على أمر جائز فينفذ بينهم.
فصل [2 - في تعيين عمل الدابة المكتراه] ومن اكترى دابة ليركبها في حوائجه شهراً فإن كان على ما يركب الناس الدواب جاز، وكذلك إن اكتراها لطحين قمح شهراً بعينه، ولم يذكر كم يطحن كل يوم جاز؛ لأن طحين الناس معروف.
قال مالك: ومن استأجر دواب لرجل واحد في صفقة ليحمل عليها مائة إردب قمحاً ولم يسم ما يحمل على كل دابة جاز، ويحمل على كل دابة بقدر قوتها، وإن كانت الدواب لرجال شتى وحملها مختلف لم يجز؛ إذ لا يدري كل واحد بما أكرى دابته كالبيوع.
ولا يجوز كراء دابة ليشيع عليها رجلاً حتى يسمى منتهى موضع التشييع.
قال غيره: إلا أن يكون موضع التشييع بالبلد معروفاً فلا بأس به.

الجزء: 16 - الصفحة: 46

قال ابن القاسم: ومن اكترى دابتين واحدة إلى برقة والأخرى إلى إفريقية وهما لرجل واحد لم يجز حتى يعين التي إلى برقة والتي إلى إفريقية.
م/ وإنما لم يجز ذلك لاختلاف أغراض المتكاريين؛ لأن المكتري قد يرغب في ركوب القوية إلى إفريقية ورب الدواب قد يرغب في ركوبه إلى هناك على الضعيفة لئلا يضعف القوية ولو بين ذلك لهما لم يرضيا بذلك، فإذا لم يبين ذلك دخله التخاطر لاختلاف الأغراض.
وفارقت هذه المسألة مسألة الذي اكترى دواب لرجل ليحمل عليها مائة إردب ولم يسم ما يحمل على كل واحدة لاختلاف السؤالين، لأنه لم يقل يحمل على واحدة إردباً وعلى الأخرى إردبين كما قال واحدة إلى برقة وأخرى إلى إفريقية.
ولو قال ذلك لم يجز حتى يسمى التي يحمل عليها الإردبين من التي يحمل عليها إردباً فإذا اتفق السؤال اتفق الجواب، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم قد عرف حملهم فذلك لازم على ما عرفوا به من الحمل.
قال غيره: ولو سمى جمل الطعام أو بز أو عطر جاز، وحملها حمل مثلها.
ولو قال: احمل عليها حمل مثلها مما شئت لم يجز؛ لاختلاف الطرق بالسهولة والوعورة، وكذلك الحوانيت والدور، وكل ما يتباعد الاختلاف فيه؛ لأن في ذلك ما هو أضر

الجزء: 16 - الصفحة: 47

بالجدران؛ ولأن رب الدابة والمسكن باع من منافعها ما لا يدري، ألا ترى أنه إن حمل ما ليس بأضر مما شرط لم يضمن، كمن اكترى ليحمل حنطة فحمل مكانها شعيراً مثله، أو سما لم يضمن إن عطبت الراحلة، وكذلك إن اكتراها ليحمل عليها شطوياً فحمل عليها بغدادياً أو بصرياً وما أشبهه من نحوه وخفته أو ثقله لم يضمن، ولو حمل حجارة أو رصاصاً بوزن ذلك لضمن؛ لاختلاف ما بين ذلك.
قال ابن القاسم: ومن تكارى من رجل إلى مكة بمثل ما يتكارى الناس لم يجز، وإن اكترى مشاة على أزوادهم وعلى أن لهم حمل من مرض منهم لم يجز، ومن اكترى من رجل دابة على أنه إن بلغه موضع كذا يوم كذا، وإلا فلا كراء له لم يجز، وكذلك على أنه إن بلغك إلى مكة في عشرة أيام فله عشرة دنانير، وإن أدخلك في أكتر من ذلك فله خمسة دنانير لم يجز، ويفسخ قبل الركوب، فإن نزل وبلغك إلى مكة فله كراء مثله في سرعة السير وإبطائه ولا ينظر إلى ما سمياً، وكل من ركب أو حمل أو سكن في كراء فاسد فعليه كراء المثل.
م/ يريد وكذلك لو قبض الدابة أو الدار فلم يحمل ولم يسكن حتى انقضت مدة الكراء فعليه كراء مثلها على أنها مستعملة.
وقال بعض أصحابنا المتأخرين: بل على أنها معطلة في قول ابن القاسم، كمن اكترى ذلك مدة فحبسها بعد المدة أياماً لم يحمل ولم يسكن أن عليه كراء مثلها على أنها معطلة عند ابن القاسم، فكذلك هذا.
م/ وهذا خطأ، والفرق عندنا أن الذي حبس ذلك بعد المدة متعد في حبسه لم يؤذن

الجزء: 16 - الصفحة: 48

له فيه، ولا في الانتفاع به، فوجب عليه كراء ما استعملها فيه.
والذي اكترى ذلك كراء فاسداً إنما أخذها على الانتفاع بها، فليس الذي صنع من التعطيل يبطل حق ربها، كمن اكترى ذلك كراء صحيحاً فعطلها، وكمن اكترى داراً بثوب وتقابضا فلم يكن حتى انقضت المدة، ثم استحق الثوب أن عليه كراء مثلها على أنها مسكونة.
وقد وافقنا في هذا من خالفنا.
ولا فرق بين الكراء الفاسد إذا فات بانقضاء المدة وبين الكراء الصحيح بعرض فيستحق العرض بعد فوات المدة أن في ذلك كراء المثل لفواته.
وقد قال مالك في كتاب العتق فيمن اشترى عبداً شراء فاسداً ثم أعتقه أن عليه قيمته، كمن اشترى عبداً بثوب فأعتقه فاستحق الثوب أن عليه قيمة العبد.

الجزء: 16 - الصفحة: 49

[الباب الرابع]

في إلزام الكراء وفسخه بعيب أو عذر والتحول في الكراء

[الفصل 1 - إلزام الكراء العاقد به باللفظ] ومن القضاء إلزام الكراء العاقد به باللفظ كالبيع إلا أن يرد بعيب ونحوه أو يتقايلا.
قال ابن المواز: ويوم يقع الكراء يجب الركوب إلا أن لا يمكن لليل غشيهم أو غيره فيؤخر إلى مكانه إلا أن يسميا أجلاً معروفاً جائزاً فينفذ بينهما.
ومن المدونة، قال مالك: وإذا تكارى قوم دابة ليزفوا عليها ليلتهم عروساً، فلم يزفوها تلك الليلة، فعليهم الكراء، وإن اكترى دابة ليشيع عليها رجلاً إلى موضع معلوم أو ليركبها إلى موضع سماه، فبدا له أو للرجل لزمه الكراء، وليكري الدابة إلى الموضع في مثل ما اكترى، وإن اكتراها ليركب يومه بدرهم فمكن منها فتركها حتى مضى اليوم لزمه الكراء، وإن اكتراها إلى الحج، أو إلى بيت المقدس، أو إلى مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فعاقه مرض، أو مات، أو عرض له غريم حبسه في بعض الطريق فالكراء له لازم، وله أو لورثته كراء الدابة في مثل ما اكترى من مثله، ويكون صاحب الإبل أولى بما على إبله من الغرماء حتى يقبض كراءه، وللغرماء أن يكروها في مثل ما اكترى.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا مات المكترى في الطريق، فلم يجد وليه كراء فأراد أن يطرح في شقه حجارة فليس له ذلك، وهذا مضار، إلا أن يكون له في تلك الحجارة

الجزء: 16 - الصفحة: 50

منفعة، ولو شرط عليه في أول الكراء أنه إن مات في الطريق قاصه بما ركب، فلا خير فيه.
وقال في الذي يكري الدابة إلى موضع فيقطع عليه اللصوص أو يسرق له متدع أو قطع له شيء لا يقدر معه على المسير، فالكراء لرب الدابة واجب، فإن شاء المكتري سار أو أقام، ويكريها في مثل ذلك.
وقاله سحنون.
[الفصل 2 - فسخ الكراء لضرر أو عيب] وأما من تكارى دابة إلى موضع فبلغه شيء لا يقدر معه على دخوله ولا التخلص إليه، فالكراء يفسخ بينهما.
قال ابن حبيب: وإذا أصاب المرأة طلق في الطريق لم يجبر كريهاً على المقام عليها في الحج، وتقيم هي إن أحبت وتكري ما تكارته، وإنما يحبس عليها كريهاً في الحج إذا نفست قبل تمام حجها؛ لأنه كأنه أكرى إلى أن يتم حجها.
وقاله مطرف وابن الماجشون.
قال: وإن سار المتكاريان بعض الطريق، والكراء مضمون أو معي، فبلغهم فساد الطريق أو انغلاقه بينا لا يرجى كشفه إلى أيام فيها مضرة على أحدها أو عليهما، فلمن شاء منهما فسخ الكراء، فإن كان في موضع غير مستعتب، فعلى المكري أن يرده

الجزء: 16 - الصفحة: 51

إلى المستعتب والمكان المأمون كان بين يديه أو خلفه، فإن كان بين يديه فله بحساب كرائه، وإن كان خلفه فبكراء مثله والأول بحسابه.
قاله أصبغ.
ومن المدونة قال: وإن اكتريت دابة أو بعيراً بعينه فإذا هو عضوض أو جموح أو لا يبصر بالليل، أو دبر تحتك دبرة فاحشة يؤذيك ريحها فما أضرمن ذلك براكبها فلك فيه الفسخ؛ لأنها عيوب، والكراء غير مضمون.
[الفصل 3 - التحول في الكراء] ابن المواز: فإن قال له ربها اركبها، فإن لم تواتك فعلى بدلها حتى أبلغك، فإن كانت مما يقضي له بردها فلا خير في شرطه أن يبلغه؛ لأن الكراء في معينة، فإن نزل فعليه كراء ما ركب، ولا خير أيضاً في أن يحوله إلى غيرها، وإن لم يضمن له.
وإن كانت الأولى في خفة أمر الدبرة لا يقضي بردها، فإن الكراء الأول لازم، والشرط الثاني باطل.
قال ابن القاسم وعبد الملك: ومن اكترى دابة بعينها إلى بلد، ثم أراد أن

الجزء: 16 - الصفحة: 52

يتحول منها إلى دابة أوطأ منها لم يجز لا بزيادة ولا بغيرها، فإن فعل فعليه في الثانية كراء مثلها ما بلغ، ويبقى كراء الأولى قائماً بينهما.
م/ ويجوز هذا على قول من يجيز أن يأخذ من دين له كراء دابة بعينها.
قال مالك: ولو هلكت الدابة المعينة ببعض الطريق.
م/ يريد وهو قد نقده فلا ينبغي أن يعطيه دابة أخرى يركبها بقية سفره إلا أن يصيبه ذلك بفلاة من الأرض وموضع لا يجد فيه كراء، فلا بأس به للضرورة إلى موضع مستعتب فقط.
وسواء تحول من كراء مضمون أو معين إذا كان الكراء الأول معيناً، وكذلك في العتبية والواضحة.
قال في الواضحة: ولو شرط في أول كرائها إن ماتت فدابته الأخرى بعينها مكانها إلى غاية سفره، أو شرط أن باقي كرائه مضمون عليه فلا خير فيه.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن سأله أن يحوله من محمل إلى زاملة ويرد عليه ديناراً، أو يرده من زاملة إلى محمل ويزيده ديناراً وقد ركب أو لم يركب فذلك جائز.
م/ لأن ذلك ليس بانتقال من دابة إلى دابة، إنما انتقل إلى صفة ركوب في تلك الدابة المعينة.
قال: إلا أن يكون قد نقده فلا يزيده الحمَّال شيئاً إلا أن يكون قد سار بعض الطريق،

الجزء: 16 - الصفحة: 53

فتزول تهمة السلف، وأما زيادة الراكب ويتحول إلى محمل فلا بأس به، ركب أو لم يركب، نقد أو لم ينقد.
قال عنه أصبغ: وأما إن تكارى على حمل أعكام فأراد أن يتحول إلى محمل ويزيده فلا يجوز.
قال أصبغ: لتباعد هذا من هذا.
قال أشهب عن مالك: ومن اكترى من مصر إلى الحج، ولم يشترط الممر بالمدينة فيريد ذلك ويأبى الكري، فذلك على الكري إلا أن يخاف فوات الحج.
قال ابن ميسر: ولا يراعى سهولة الطريق؛ ولأنه واجب عليه بدءاً بالإحرام.
ومن المدونة: وإذا مرض العبد في مدة الإجارة سقط عنك كراء أيام مرضه فإذا صح في بقية المدة عاد إلى عمله.
قال غيره في كتاب الإجارة إلا أن يتفاسخا قبل ذلك.
قال ابن القاسم: وإذا اعتلت الدابة المكتراه في الطريق يريد وهي بعينها فسخ الكراء وإن صحت بعد ذلك لم يلزمه كراؤها بقية الطريق بخلاف العبد للضرورة في صبر المسافر عليها، وهي إن صحت بعده لم تلحقه، وإن لحقته فلعله قد اكترى غيرها.

الجزء: 16 - الصفحة: 54

يريد: وكذا لو كان كراؤه للعبد في السفر؛ لأنه يلحقه فيه من الضرورة ما يلحقه في الدابة، وإنما اختلفا؛ لأن مسألة العبد في الحضر.
قاله بعض فقهائنا.
قال مالك: ولو رضي المكتري بالمقام على الدابة وأبى ربها إذا مرضت إلا بيعها فإن كان مرضاً يرجى برؤه إلى ما قرب كاليومين ونحوهما مما لا ضرر فيه على ربها حبس لذلك، وإن كان فيه ضرر فسخ.

الجزء: 16 - الصفحة: 55

[الباب الخامس]

في زيادة المكري والمكتري على الدابة وإردافه وكراؤه من غيره.
والقضاء أن الكراء كالشراء، وأن المتعدي ضامن، وقد أجاز غير واحد من التابعين الربح في الكراء، ولم يروه تعدياً.

[الفصل 1 - زيادة المكري على الدابة] قال مالك: وإن اكتريت دابة بعينها فليس لربها أن يحمل تحتك متاعاً ولا يردف رديفاً وكأنك ملكت ظهرها، وكذلك السفينة.
وإن حمل في متاعك على الدابة متاعاً بكراء أو بغير كراء، فلك كراؤه إلا أن تكون اكتريت منه حمل أرطال مسماة فالزيادة للمكري، وقد كان للمكتري منعه من الزيادة عليها.
م/ قال غير واحد من أصحابنا: وقول أشهب هذا وفاق لابن القاسم.
وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: وإن اكترى الدابة ليحمل عليها حمل مثلها من شيء معلوم فحمل عليها ربها شيئاً مع ذلك، فإن كان المكتري حمل عليها أقل من حمل مثلها فكراء ما حمل عليها ربها للمكتري.
يريد إلا أن يجاوز ذلك حمل

الجزء: 16 - الصفحة: 56

مثلها فتكون الزيادة لربها، وقد كان للمكتري منعه، فإذا قد استوفى شرطه فلا كلام له.
فصل [2 - في المكتري يكري من غيره وفي ربح الكراء] ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى دابة ليركبها فحمل مكانه مثله في الخفة والأمانة لم يضمن، وإن أكرها ممن هو أثقل منه أو من غير مأمون ضمن.
قال ابن القاسم: وإن أكرى من غير مأمون فادعى تلف الدابة لم يضمن الثاني إلا أن يأتي من سببه التلف أو يتبين كذبه، ويضمن المكتري الأول لربها بتعديه.
قال: ولا يعجبني لمن اكترى دابة أن يكريها من غيره؛ لأن ربها قد يكري منه لحاله وحسن ركوبه، ولعله يجد من هو أخف منه، وهو أخرق في الركوب منه.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يضمن إن حمل مثله في الثقل والحال والركوب، وأما في موته فلورثته حمل مثله.
وأكثر قول مالك أن له في حياته أن يكريها من مثله في حاله وخفته.
قال ابن المواز: قال مالك: لم يختلف من أدركت من العلماء في إجازة ربح الكراء في الدور والدواب والسفن والمتاع والصناعات في مثل ما اكترى.
وقد استثقلت مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت، ولم يختلف قوله في الأحمال.
ابن المواز: والأول جائز.
قال ابن حبيب: ومعنى إجازة مالك في الحمل والمحامل للمكتري أن يكريها في مثل

الجزء: 16 - الصفحة: 57

ذلك إنما هو إذا كان رب الدابة معها يتولى سوقها والحط عنها والحمل عليها، فأما لو كان إنما أسلمها للمكتري يتولى ساقها فذلك مثل ركوبها بسرجها، فله منعه من أن يكريها من غيره؛ لاختلاف سوق الناس ورفقهم، إلا أن يكون المكتري ممن لا يتولى سوقها بنفسه، قد علم بذلك المكري، فلا حجة له في منعه أن يكريها من غيره في مثل حملها؛ لعلمه أنه لا يتولى سوقها بنفسه.
فصل [3 - في الرجل يكتري من آخر على حمولة إلى بلد، ثم يصرفها إلى بلد آخر] ومن المدونة: ومن اكترى من رجل على حمولة إلى بلد فليس له إصرافها إلى غير البلد الذي اكترى إليه، وإن ساواه في المسافة والصعوبة والسهولة إلا بإذن المكري، ولم يجزه غيره.
وإن رضيا؛ لأنه فسخ دين في دين إلا بعد صحة الإقالة.
يريد وبعد رد النقد إن كان نقده على قول غيره.
وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إن كان مثل الموضع الذي تكارى إليه في السهولة والحزونة فذلك له.
ومثله لابن القاسم في كتاب محمد.
م/ وهذا أحسن الأقوال؛ لأنه إن كان مثله في السهولة والوعورة والقرب والبعد فكأنه هو، وهو كمن اكتراها ليحمل عليها بغدادياً فحمل مثله شطوياً أو مكان قمح شعيراً فليس في ذلك تعد ولا فسخ دين في دين.

الجزء: 16 - الصفحة: 58

وقول ابن القاسم والمدونة أضعفها؛ لأنه إذا تساوت الأماكن فلا يلتفت إلى رضا ربها، وإن اختلفت لم يجز رضاه؛ لأنه فسخ دين في دين، وبالله التوفيق.
فصل [4 - في زيادة المكتري في الحمل على الدابة] ومن المدونة قال مالك: وإذا زاد المكتري على الدابة في الحمل الذي اشترط فعطبت، فإن زاد ما تعطب في مثله خير ربها بين أخذ المكتري بقيمة كراء ما زاد على الدابة بالغاً ما بلغ مع الكراء الأول، أو قيمة الدابة يوم التعدي ولا كراء له.
م/ يريد إذا زاد ذلك في أول الحمل، فإن زاد بعد أن سار نصف الطريق، واختار أخذ قيمة الدابة، فله أخذ قيمة الدابة يوم التعدي ونصف الكراء الأول، وكذلك في ثلث الطريق أو ربعها ثلث الكراء أو ربعه مع قيمة الدابة.
قال مالك: وإن زاد ما لا تعطب في مثله فله كراء الزيادة فقط مع الكراء الأول.
م/: لأن عطبها ليس من أجل الزيادة، وذلك بخلاف مجاوزة المسافة؛ لأن مجاوزة المسافة تعد كله، فيضمن إذا هلكت في قليله وكثيرة، والزيادة على الحمل المشترط اجتمع فيه إذن وتعد، فإن كانت الزيادة لا يعطب في مثلها علم أن هلاكها مما أذن له فيه.
وقد قال المشيخة السبعة: إذا بلغ المسافة ثم زاد كراء الزيادة إن سلمت

الجزء: 16 - الصفحة: 59

الدابة، وإن هلكت ضمن.
م/ وصفة كراء الزيادة في الحمل إذا وجب لربها أو اختاره فيما تعطب فيه أن يقال: كم يسوى كراء هذه الزيادة على هذه الدابة المحملة حسب ما تعدى عليها المكتري، فيكون ذلك لربها مع كرائه الأول.
وقال بعض أصحابنا: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن اكتراها لحمل شيء فحمل أضر منه، وأثقل فإنه يكون له فضل الضرر.
م/ وليس الأمر كذلك؛ لأن الذي زاد في الحمل حمل ما أذن له فيه، وزاد عليه، فإنما يكون عليه كراء الزيادة، وهو في هذا كمن زاد في المسافة التي أذن له فيها، فإنما عليه كراء الزيادة مع الكراء الأول، والذي حمل غير اكتراها له كمن ركبها في غير الطريق الذي أذن له فيها، فهذا له فضل الضرر، والله أعلم.
وكل محتمل؛ لأن الذي أردف حمل أضر مما اكتراها له، فوجب أن يكون كمن اكتراها لحمل بز فحمل رصاصاً، فوجب أن يكون له فضل الضرر، يقال: كم يسوى كراء ركوبه خاصة؟ فيقال: عشرة.
ثم يقال: كم يسوى بالرديف؟.
فإن قيل: خمسة عشر.
كان له الكراء الأول المسمى وزيادة خمسة.
قال بعض فقهاء القرويين: وإن زاد ما لا تعطب في مثله فعطبت فلم يضمنه ابن القاسم، والأشبه أن يضمن؛ لأنه سيرها على غير ما أذن له فيه، فأشبه الزيادة في المسافة

الجزء: 16 - الصفحة: 60

المأذون له فيها.
م/ وقد ذكرنا الفرق بينهما، وهو أبين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن اكتراها لركوبه فأردف خلفه رديفاً، أو اكتراها ليشيع عليها رجلاً، فأردف خلفه رجلاً فعطبت، ينظر إن عطبت لذلك كما ذكرنا.
وأما زيادة الحاج في وزن الزاملة أكثر من شرطه مما تعطبت في مثله.
فقال مالك: وليس الحاج كغيره.
وقد عرفت للحاج زيادات من السفر والأطعمة لا ينظر فيه للمكري ولا يعرف ما حمل، فلا ضمان عليه في ذلك.
قال: وذلك إذا كان المكري قد رأى ذلك وحمله فالضمان ساقط.
م/ يريد ولو لم يره الجمال لضمن؛ لأنه زاد ما تعطب في مثله.
فصل [5 - في مكتري الدابة يبلغ غايته ثم يزيد ميلاً أو أميالاً أو يحبسها عنده أياماً] قال ابن القاسم: وإذا بلغ المكتري الغاية التي اكترى إليها، ثم زاد ميلاً أو نحوه أو أميالاً أو زيادة كثيرة، فعطبت الدابة، فلربها كراؤه الأول، والخيار في أخذ قيمة كراء الزيادة بالغاً ما بلغ، أو أخذ قيمة الدابة يوم التعدي.
ابن المواز: وقيل: إنه ضامن ولو زاد خطوة.
وقال ابن القاسم عن مالك: يضمن في زيادة الميل ونحوه، وأما مثل ما يعدل الناس

الجزء: 16 - الصفحة: 61

إليه في المرحلة فلا يضمن.
ومن المدونة قال: ولو ردها بحالها بعد زيادة الميل أو الأميال أو بعد أن حبسها اليوم ونحوه.
قال ابن حبيب عن مالك: أو أياماً يسيرة لم يضمن إلا كراء الزيادة.
قال ابن القاسم: وأما إن كثرت الزيادة أو حبسها أياماً أو شهراً.
قال ابن حبيب: أياماً كثيرة مثل الشهر ونحوه وردها بحالها فلربها كراؤه الأول والخيار في أخذ قيمتها يوم التعدي أو كرائها فيما حبسها فيه من عمل أو حبسه إياها بغير عمل بلغ ذلك ما بلغ، وإن لم تتغير.
وقال غيره: إن كان ربها حاضراً معه في المصر فإنما له فيما حبسها بحساب الكراء الأول، وكأنه رضي به؛ لأنه كان قادراً على أخذها، وتمادى المكتري رضا منه بالمسمى، وإن كان غائباً عنه ورد الدابة بحالها فله في الزيادة الأكثر من قيمة كراء الزيادة أو من حساب الكراء الأول، حمل عليها شيئاً أولاً، وإن شاء فقيمة الدابة يوم حبسها، وكراؤه الأول له في كل حال.
وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين أنه إذا حبس الدابة أياماً بعد فراغ كرائه، وربها حاضر ولم ينكر عليه فهلكت الدابة أنه لا يضمن على قول ابن القاسم.
وإن أوجب عليه كراء المثل؛ لأن ربها كان قادراً على أخذها منه، ولم ينه المكتري عن حبسها.
وأما على قول غيره فذلك أبين أنه لا يضمن، ولا يختلفون في الغائب أنه له أن يضمنه القيمة.
قال في كتاب الغصب: ومن استعار دابة أو اكتراها ليشيع عليها رجلاً إلى ذي

الجزء: 16 - الصفحة: 62

الحليفة فبلغها، ثم تنحى قريباً منها فنزل، ثم رجع فهلكت الدابة في رجوعه، فإن كان ما تنحى إليه مثل منازل الناس لم يضمن، وإن جاوز منازلهم ضمن.
وذكر ابن حبيب عن سحنون أنه رد مسألة ابن القاسم.
وقال سحنون: إذا رد الدابة إلى الموضع الذي أمر بالبلوغ إليه، ثم ماتت في الطريق فلا ضمان عليه، وجعله كمن رد ما تسلف من الوديعة ثم ذهبت بعد رده، وكمكتري الدابة ليحمل عليها وزناً معلوماً فزاد عليها ما تعطب في مثله، ثم نزع الزيادة، ثم ماتت أنه لا يضمن الدابة، وإنما عليه كراء الزيادة.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت يسيرة أو جاوز الأمد الذي تكارى فيه بيسير مما لا خيار فيه لربها إذا سلمت، ثم رجع بها سالمة إلى موضع تكاراها إليه فماتت، أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها إليه فليس لربها إلا كراء الزيادة كرده لما تسلف من الوديعة، ولو زاد كثيراً مما فيه مقام الأيام الكثيرة التي يتغير في مثله سوقها، فهو ضامن لها كما لو ماتت في مجاوزة الأمد أو المسافة.
م/ وهذا القول أحسنها وبه أقول؛ لأنها إذا كانت زيادة يسيرة مما يعلم أن ذلك لم يعن على قتلها فهلاكها بعد ردها إلى موضعها المأذون فيه كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة، وإن كانت الزيادة كثيرة، فتلك الزيادة قد أعانت على قتلها.
والله أعلم.

الجزء: 16 - الصفحة: 63

فصل [6 - في المكتري يستعمل في غير ما اكترى لأجله أو يوقفه المكتري حتى ينتهي من كرائه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة لحمل محمل، فحملها زاملة فعطبت، فإن كان ذلك أقل ضرراً من المحمل أو مساوياً له لم يضمن، وإن كان أضر ضمن، وكذلك حمله مكان كتان صوفاً أو مكان بز دهناً أو مكان دهن رصاصاً فربما تساوى الوزن وتفاوت الضرر، إما لأن ما حمل أضر لجفائه أو لأنه أضغط لظهور الدواب كالرصاص ونحوه، وكذلك إن اكترى ليركب فحمل غيره أثقل أو أضر منه فما ضمنته به من ذلك كله، فإن لرب الدابة إن شاء كراء الفضل في الضرر والتغير، أو قيمة الدابة وكذلك إن اكترى رحى ليطحن حنطة فطحن شعيراً أو عدساً أو غير ذلك من القطنية فانكسرت الرحى، فإن كان طحن ذلك ليس بأضر من الحنطة لم يضمن، وإن كان أضر ضمن، وكذلك إن اكترى دابة ليحمل عليها حنطة فحمل شعيراً أو ثياباً أو دهناً، فله أن يحمل غير ما سمى إن لم يكن ذلك أضر ولا أثقل ولا أتعب، ورب زاملة أثقل من محمل وهي أرفق بالإبل، والحديد أضغط لظهورها.
وصفة كراء فضل الضرر أن يقال: كم قيمة كرائها على حمل ما شرط حمله؟ فيقلل: عشرة دراهم.
ويقال له: كم قيمة كرائها على حمل ما حمل؟ فيقال: خمسة عشر.

الجزء: 16 - الصفحة: 64

فيكون له الكراء الأول المسمى وزيادة خمسة، وإن قالوا قيمة الكراء الثاني عشرون كان له الكراء الأول وزيادة عشرة، ثم على هذا.
وقال بعض شيوخنا: بل يكون له قيمة الكراء الثاني بالغاً ما بلغ، ويسقط الأول، وليس ذلك بصواب؛ لأنه ربما تغابنوا في الكراء حتى يكون قيمة الذي هو أضر أقل من المسمى أو مثله في الذي هو أخف.
م/: وأظنه إنما رأى كلام ابن المواز في الذي أكرى دابة في أيام بأعيانها فاستعملها في غير ما اكتراها له بغير إذن ربها، أو أوقفها حتى زال الوقت.
فقال ابن القاسم: إذا قبضها فأوقفها حتى زال الوقت لزمه الكراء كاملاً، وإن استعملها في غير ما اكتراها له بغير إذن ربها وقيمة ذلك أكثر من قيمة ما اكتراها له، فالفضل لرب الدابة، وإن كان أقل لم يكن له غيره.
فقال ابن المواز: تفسيره عندي أن يسقط الكراء الأول، وتكون له قيمة الثاني كان أكثر أو أقل.
قال: ولم يعجبني ذلك، بل يكون له الأكثر من الكراء الأول أو الثاني.
ومعنى قول ابن القاسم عندي: وإن كان أقل لم يكن له غيره يريد غير الكراء الأول وهو يقول: لو أوقفها كان له الكراء الأول كله فكيف إذا استعملها عمدا؟، فالأشبه بالأصول إذا استعملها في غير ما اكتراها له وكان أضر أن يكون لرب الدابة كراء فضل الضرر مع الكراء الأول المسمى حسب ما بيننا، وإن كان ما استعملها فيه أقل فعليه الكراء الأول المسمى كما لو أوقفها، وكأنه رضي أن يحمل أخف مما شرط، ولا فرق عندي في هذا بين يوم معين أو غير معين.
م/ وفرق محمد بين اليوم المعين وغيره.

الجزء: 16 - الصفحة: 65

وقال في غير المعين: عليه مثل ما حمل بالغاً ما بلغ، ويلزمه حمل ما شرط عليه بالمسمى، وإن كره رب الدابة.
وحجته: لأن حمله غير ما أذن له فيه تعد، فلا يفسخ تعديه كراءه الأول، وليس له أن يغرمه كراء فضل الضرر بخلاف المعين.
م/ وظاهر هذا خلاف المدونة، وله عندي أن يأخذ منه كراء فضل الضرر، أو يغرمه قيمة كراء ما حمل ويحمل له الأول بالمسمى، ولرب الدابة أن يحمل غير ما أذن له فيه إذا تساوى ضررهما وكأنه أذن له فيه في ذلك، ودليلنا أنه لو زاد في حمل ما شرط حمله لوجب عليه كراء الزيادة في المعين وغيره، فكذلك إذا حمل غير ما شرط أضر منه أن يكون له كراء فضل الضرر في المعين وغيره؛ لأنه إذا أخذ كراء فضل الضرر فكأنما حمل ما أذن له فيه وزيادة عليه.
ولأن رب الدابة يقول: إنما أكريت دابتي لحمل شيء خفيف فحمل عليها أثقل منه وأضر بها فتكفلونني أن أحمل عليها حملاً ثانياً، وذلك يهلك دابتي، ويضرني، والظالم المتعدي أحق أن يحمل عليه وبالله التوفيق.
وقال أحمد بن ميسر: إذا اكترى الدابة أياماً بأعيانها، فقبضها، وأوقفها، أو استعملها في دون ما اكتراها له، فالكراء الأول كامل لربها، وإن تعدى فاستعملها في أكثر منه فقد انفسخ الكراء الأول بمضي الأيام المعينة، ويكون له كراء مثلها في شدة ذلك العمل الذي استعملها فيه.
م/ يريد ما لم يكن أقل من المسمى.
فصل [7 - في تجاوز المكتري إلى بلد لم يكتر إليه] ومن المدونة، قال ابن القاسم: ومن اكترى دابة من مصر إلى برقة ذاهباً وراجعاً إلى مصر فتمادى إلى إفريقية، وعاد إلى مصر، فرب الدابة مخير في أخذ قيمة

الجزء: 16 - الصفحة: 66

كرائها من برقة إلى إفريقية ذاهباً وراجعاً إلى برقة مع كرائه الأول ما بلغ، أو نصف الكراء الأول مع قيمتها ببرقة يوم العداء ردها بحالها أو تغيرت؛ لأن سوقها قد تغير، وقد حبسها المكتري عن نفعه بها وعن أسواقها.
قال مالك: وإن اكتراها إلى بلد ذاهباً وراجعاً فعطبت يوم وصولها إلى البلد لم يضمن المكتري، ولربها نصف الكراء فقط، وإن جاوزها.
م/ يريد بزيادة كثيرة، أو أعطبت في اليسيرة.
قال: فلربها قيمتها يوم تعدية مع كرائه إلى ذلك الموضع، وإن شاء أخذ دابته وكراء ما تعدى فيه.
م/ يريد مع كرائه الأول.
ومن اكترى ثوراً ليطحن عليه كل يوم إردباً، فطحن عليه إردبين، فعطب الثور، فلربه إن شاء أخذ كراء الإردب الأول وقيمة الثور يوم ربطه في الثاني، وإن شاء قيمة طحن الثاني ما بلغ مع الكراء الأول.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن اكترى بعيراً ليحمل عليه ثلاثمئة رطل، فحمل عليه أربعمئة.
ابن المواز: وهو مما يعطب في مثله، فقدم به وقد أعجفه، فخاف عليه ربه فنحره، ولم يعلم بالزيادة، ثم علم، فرب البعير مخير بين أن يأخذ منه كراء ما زاد فقط أو يأخذ ما بين قيمته يوم تعدى عليه وبين قيمته يوم قدم به ونحره.

الجزء: 16 - الصفحة: 67

[الباب السادس]

فيمن اكترى دابة إلى بلد كذا على أنه إن زاد أو نقص فبحسابه

[الفصل 1 - في تحديد موضع تقدم المكتري عن البلد المكتري إليه] ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: ومن تكارى دابة إلى بلد كذا بدينار على أنه إن تقدم بها فبحساب ما تكارى منه، فذلك جائز إذا سمى موضع التقدم، أو عرف نحوه وقدره، وإن لم يسمه مثل أن يقول: عبدي الآبق بذي المروة فأكر مني إليها بدينار، فإن تقدمت فبحساب ذلك.
أو يقول: اكترى منك إلى الشجرة أتلقى الأمير فما تقدمت فبحسابه، فهذا لا بأس به، كأنه أمر قد عرف وجهه فهو كتسمية الموضع الذي يتقدم إليه، فأما إن تكارى منه إلى موضع بدينار على أنه أينما بلغ من الأرض كلها فبحسابه، فلا خير فيه، مرة يذهب إلى العراق، ومرة يذهب إلى الغرب، فلا يجوز حتى يكون موضع التقدم معلوماً مسمى، أو أمر له وجه يعرف قدره، وإن لم يسمه.
[الفصل 2 - في نقد كراء الغاية الأولى والحكم في نقد كراء الغاية الثانية] قال ابن المواز: ثم لا ينقذه إلا كراء الغاية الأولى، فإن نقده الكراءين دخله بيع وسلف.
قال مالك فيمن اكترى دابة في طلب ضالة أو آبق فلا يجوز حتى يسمى موضعاً، فإن سماه فقال: إن وجدت حاجتي دون ذلك رجعت، وكان علي من الكراء بحسابه، فذلك

الجزء: 16 - الصفحة: 68

جائز إن لم ينقده.
قال ابن المواز: ومن اكترى إلى مكة بخمسة عشر ديناراً على أنه إن شاء الرجوع فبذلك الكراء فجائز إن استوى الوزن والحمولة، وكان الكراء واحداً غير مختلف.
قال أصبغ: ما لم ينقذه شيئاً من كراء الرجعة.
قال ابن القاسم: ولو قال إلى مكة بعشرة، فإن بدا لي إلى اليمين فبخمسة عشر لم يجز وهو من بيعتين في بيعة، إلا أن يقول: فبحساب ذلك، فيجوز.
قال ابن المواز: وإن قال فإذا بلغت إلى مكة ووضعت أحمالها أو بعضها ثم أردت الكراء إلى اليمن فبحساب ذلك لم يجز إذا كان ينقص من الحمولة ببيع أو غيره أو يزيد فيها.
وقال مالك فيمن اكترى من مصر إلى مكة بدينارين على أنه إن بلغ الطائف فبأربعة لم يجز.
قال ابن القاسم: وهو من بيعتين في بيعة.
قال مالك: وإن قال: فإن بلغت إلى الطائف فبحساب ذلك جاز، إن لم ينقده إلا كراء مكة فقط، وذلك لازم للمكري إن أراد المكتري التقدم، وقاله عبد الملك.
قال عبد الملك: ولو قال: أكريها إلى مكة بدينار، وإلى الطائف بأربعة جاز؛ لأنه

الجزء: 16 - الصفحة: 69

إنما وقعت الصفقة إلى الطائف بخمسة، وصار ذكر مكة لغواً، وإنما يفسد إذا قال: على أنه إن بلغ الطائف فبأربعة، ولو لم يجعل الطائف واجباً.
قال عبد الملك: وهذا إن لم تكن الوجيبة الأولى أقل من الذي فيه للمكتري الخيار أو تكون الثانية كثيرة، وإن استويا، خوفاً أن يرخص له في الوجيبة الأولى لطمعه بكثرة الكراء الثاني، فهذا فاسد في المسافة الأولى والثانية، ولو قال له بعد تمام العقد في المسافة الأولى: إن بلغت بلد كذا بحساب ذلك لكان جائزاً، وإن كثرت الوجيبة الثانية؛ لأنه سلم من الخديعة بذكر الزيادة على الوجيبة في العقد.
وذكر عنه ابن حبيب أنه لا يجوز من ذلك بعد الصفقة إلا ما يجوز فيها من أن يكون الكراء الثاني أقل، ويكون له حد معلوم، ويكون بحسابه.
[مسألة: الكراء في الدابة المعينة لا يكون إلا مشروعاً فيه] قال: لا يجوز لغير المكتري أن يقول لرب الدابة: دابتك التي أوجبتها لفلان إلى مكة هي لي بعد بلوغه إلى مكة أركبها إلى الطائف بحساب ما اكترى؛ لأن الكراء في الدابة المعينة لا يكون إلا مشروعاً فيه، وإنما جاز ذلك للمكتري الأول؛ لأنه بيده قد شرع فيه.
[الفصل 3 - استزادة المكتري في مدة الطريق ومسافته، وتغيير الطريق الأولى] قال: وإذا استزاده المتكاري في مدة الطريق ومسافته فذلك له ما لم يدع الطريق الأولى إلى غيرها، فلا يجوز له، بزيادة ثمن، ولا بغير زيادة، اتفقت المسافة أو اختلفت، ويصير كغيره ممن لا معاملة بينه وبينه.
م/ وإذا كانت مثل المسافة الأولى في البعد والسهولة والوعورة، ولم يزده على الكراء

الجزء: 16 - الصفحة: 70

الأول شيئاً فهو جائز على قول ابن القاسم، ولا يجوز على قول غيره.
وقد تقدم هذا.
قال ابن حبيب: ولو كانت وجيبة كراؤها إلى مكة ذاهباً وراجعاً فقال له لما وصل إلى مكة: ارجع بنا في طريق غير التي جئنا منها، وهي مثل تلك في المسافة أو أقرب أو أبعد، فإن كان رجوعه إلى البلد الذي اكترى منه، فذلك جائز بزيادة أو بغير زيادة من أحدهما، ولو أراد لما بلغ مكة أن يفسخ رجعته إلى بلد آخر في سفر يبتديه من مكة بزيادة أو بغير زيادة أو بوضعية لم يجز على حال كان الكراء في ذلك كله معيناً أو مضموناً، وقاله عبد الملك وابن الماجشون.

الجزء: 16 - الصفحة: 71

[الباب السابع]

في اختلاف المتكاريين في الدواب والمتكاريان كالمتبايعين والقضاء في اختلافهما كالقضاء في اختلاف المتبايعين، وأصل هذا وإيعابه قد تقدم في كتاب البيوع.

[الفصل 1 - في اختلاف المتكاريين قبل الركوب أو بعد المسير القريب] قال مالك: وإذا اختلف المتكاريان قبل الركوب أو بعد مسير لا ضرر في رجوعه فقال: المكري أكريتك إلى برقة بمئة، وقال المكتري: إنما اكتريت منك إلى إفريقية تحالفاً وتفاسخا نقد الكراء أو لم ينقده.
قال غيره: إذا انتقد الجمال الكراء، وكان يشبه ما قال فالقول قوله؛ لأنه مدعى عليه.
ألا ترى لو قال: بعتك بهذه المئة التي قبضت منك مئة إردب إلى سنة.
وقال المبتاع: بل اشتريت بها منك مئتي إردب إلى سنة وكان ما قال البائع يشبه فالقول قوله والمشتري مدعى عليه.
م/ وهذا الذي احتج به الغير يخالف فيه مالك ويرى أن يتحالفا ويتفاسخا للحديث.
م/ وقول الغير هاهنا جارٍ على رواية ابن وهب فيما إذا قبض المبتاع السلعة في بيع النقد، ثم اختلفا في ثمنها، فجعل قبض الدنانير هاهنا كقبض المبتاع السلعة في بيع النقد، وصار البائع هاهنا مطلوباً في زيادة المثمون كما كان المبتاع في قبض السلعة مطلوباً بزيادة

الجزء: 16 - الصفحة: 72

الثمن فيجعل القول قول المبتاع في الوجهين.
قال ابن المواز: اختلف في اختلاف المتكاريين في الدواب، والذي أختار أنهما إذا اختلفا في البلد أو بعد المسير القريب كبئر عميرة وكان ذلك في قلة الكراء أو كثرته أو في المسافة فإنهما يتحالفان ويتفاسخان في كراء الدابة بعينها وكذلك إن كان مضموناً لقرب العقد في المضمون لم يمض الشهر ونحوه ويبدأ صاحب الظهر باليمين، وإن اختلفا بعد طول السفر في المعينة أو بعد طول المدة في المضمون وإن لم يشرعا فيه فالقول قول المكري في المسافة وقول المكتري في الثمن إن لم ينقد وجاء بما يشبه بعد التحالف ويبلغ من المسافة ما يقول المكري لا يزيد ويغرم له الراكب حصة ذلك من الثمن على ما يدعى الراكب، وكأنهما في القرب سلعتهما بأيديهما لم تفت، وإذ فاتت ببعد السفر فهو كقبض المشتري وفوت ما في يديه وفات رد البيع وصار ما يطلب بالثمن فهو يدعي عليه فيه ويبدأ البائع باليمين، ثم يحلف المبتاع.
[الفصل 2 - اختلاف المتكاريين بعد بلوغ الغاية المكتري إليها في دعوى أحدهما] ومن المدون قال مالك: وإن اختلفا بعد أن بلغا برقة فقال المكري: إنما أكريتك إلى برقة بمئة درهم، وقال المكتري: إلى إفريقية بمئة درهم فإن انتقد المكري الكراء فهو مصدق إن أشبه أن يكون كراء الناس إلى برقة بمئة درهم ويحلف.
قال ابن القاسم: وإن لم يشبه إلا قول المكتري كان للجمال حصة مسافة برقة على دعوى المكتري بعد أن يتحالفا، ولا يلزمه التمادي، وإن لم ينتقد وأشبه ما قالا؛

الجزء: 16 - الصفحة: 73

لأن ذلك مما يتغابن الناس فيه تحالفا وفض الكراء، فيأخذ الجمال حصة مسافة برقة ولم يتماد، وأيهما نكل قضي عليه لمن حلف، وإن أقاما بينة قبل الركوب أو بعده أي بعده أي بعد أن بلغا برقة بأعدل البينتين، فإن تكافأتا تحالفا، وإن لم يركب فسخ الكراء كله.
وقال غيره: يقضي بالبينة التي زادت وليس بتهاتر.
وقاله ابن القاسم في اختلاف المتبايعين قبل القبض في الثمن أنه يقضي ببينة البائع إذا زادت.
قال بعض فقهاء القرويين: اختلف في الزيادة إذا كانت في مجلس واحد مثل أن تشهد إحدى البينتين بمائة وتشهد الأخرى بخمسين فقيل يحكم بالزيادة وقيل إنه تكاذب وهو الأشبه في القياس لأن كل بينة لم تقل القول الذي قالته الأخرى فقد كذبت كل واحدة صاحبتها.
م/ تلخيص هذه المسألة وبيانها على أصل ابن القاسم، أن ينظر فإن أشبه قول المكري خاصة فالقول قوله انتقد الكراء أو لم ينتقده، وإن أشبه قول المكتري خاصة فالقول قوله نقد الكراء أو لم ينقده.
وإن أشبه ما قالاه جميعاً نظرت، فإن انتقد الكراء فالقول قوله، وإن لم ينتقد فالقول قول المكتري، وإذا كان القول قول المكري فليحلف ويكون له جميع الكراء، وإن كان القول قول المكتري حلف ولزم الجمال ما قال إلا أن يحلف على ما ادعى فتكون له حصة مسافة برقة على دعوى المكتري ويفسخ عنه الباقي.
وإن لم يشبه قول واحد منهما تحالفا وتفاسخا وكان له كراء المثل فيما مشى وأيهما نكل قضي لمن حلف عليه وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 74

[الفصل 3 - اختلاف المتكاريين بعد مسير نصف الطريق] قال بعض فقهاء القرويين: وإن كان اختلافهما بعد أن سارا نصف طريق برقة وقد نقده المئة فالقول قول المكري إذ أشبه ويبلغه إلى برقة بالمئة؛ لأن التفاسخ هناك فيه ضرر لعدم الكراء هناك بخلاف سكنى الدار، وقد سكن بعض السكنى؛ إذ لا ضرورة في التفاسخ في الدار فيجب أن يتحالفا ويتفاسخا في البقية.
قال مالك: وكذلك لو لم ينقده المائة في الرواحل لأتم له المسافة إلى برقة التي اتفقا عليها على حساب ما يقر به المكتري أنه اكترى إلى إفريقية بمائة إذا أشبه ولم يصل به إلى إفريقية لأن رب الدابة لم يقر بذلك.
[الفصل 4 - اختلاف المتكاريين في الغاية وفي مقدار الكراء] قال ابن القاسم: ولو المكري: أكريتك إلى المدينة بمئتين، وقد بلغاها، وقال المكتري: بل إلى مكة بمئة، فإن نقده المئة، فالقول قول الجمال فيما يشبه.
م/ معناه إذا أشبه ما قالاه حميعاً.
قال ابن القاسم: ويحلف له المكتري في المائة الباقية ويحلف الجمال أنه لم يكره إلى مكة بمئة ويتفاسخان.
وإن لم ينقده صدق الجمال في المسافة، وصدق المكتري في حصتها من الكراء الذي يذكر بعد أيمانها ويفض الكراء على ما يدعي المكتري.
وإن أقاما بينة قضي بأعدلهما وإن تكافأتا سقطتا.

الجزء: 16 - الصفحة: 75

قال هو وغيره: وذلك إذا أشبه ما قالاه حميعاً أو ما قال المكتري خاصة.
وأما إن أشبه قول المكري خاصة فالقول قوله ويحلف على دعوى المكتري ويأخذ المائتين.
وقال غيره: إذا أقاما بينة قضيت ببينة كل واحد منهما إذا كانت عادلة؛ لأن كل واحد ادعى فضلة أقام عليها بينة فيقضي بأبعد المسافتين وبأكثر الثمنين، وليس هذا من التهاتر وسواء انتقد أو لم ينتقد إذا أقاما البينة وكانت عادلة.
[الفصل 5 - القول قول المكتري في المسير إلى الحج إذا كانت غايته مكة] قال ابن المواز: وإذا انتقد المكري المئة وبلغا المدينة فقال إلى هاهنا أكريتك بمئتين وقال الراكب: بل إلى مكة فليتحالفا ويفسخ ما بقى، ولا يكون له غير ما قبض ولا يرد منه شيئاً لحيازته إياه ولا يكون عليه التمادي إلا أن يكون في الحج فعليه أن يبلغه مكة لأن الحاج إليها يكرون.
قال محمد: فيلزمه التمادي إلى مكة بما انتقد ولو لم ينقده فبالكراء الذي يقر به المكتري.
قال مالك: وسواء اكترى على حمل رجل أو حمل أحمال فالمكري مصدق في الغاية إلا في أيام الحج، وكأنه يقول القول قول المكتري.
وفي العتبية من سماع عيسى القول قول المكتري في الحج إن كانت حمولته

الجزء: 16 - الصفحة: 76

محامل أو زوامل وإن كانت أعكاما فالقول قول المكري إذا انتقد ويحلف.
[الفصل 6 - اختلاف المتكاريين بعد أن سارا ما في رجوعه ضرر في غير الحج، وكانت غاية المكتري مكة] م/ وإذا اختلفا بعد أن سارا من الطريق ما في رجوعه ضرر وقبل أن يصلا إلى المدينة فقال المكري: أكريتك إلى المدينة بمئتين.
وقال المكتري: بل إلى مكة بمئة وذلك في غير حج وقد نقده المئة وأشبه ما قالاه فإنك تفض المئتين على قول المكتري، وإن وقع لما سار من الطريق مئة فأكثر لم يكن للجمال غير المئة لأنه قبضها فيصدق في حصتها ويتحالفان ويتفاسخان.
وإن وقع لما سار أقل من مائة فاستحسن أن يلزم الجمال التمادي إلى مقدار ما يخص المئة من الطريق على دعواه إن شاء ذلك المكتري؛ لأن الجمال قد قبض المئة وأشبه قوله ويتحالفان ويتفاسخان.
م/ وهذا إذا كان يجد الكراء هناك، فإن لم يجد كراء هناك لزمه التمادي إلى المدينة، ويعطي في حصة البقية إلى المدينة على دعوى المكتري؛ لأنه لم ينقد في ذلك شيئاً، وأشبه قوله، وإن لم ينقده شيئاً، وأشبه ما قالاه لزم الجمال التمادي إلى المدينة التي ادعى أن الكراء إليها وكان له حصة ذلك من الكراء على دعوى المكتري، ويتحالفان ويتفاسخان في بقية الطريق.
وإنما لزم الجمال التمادي إلى المدينة؛ لأنها مسافة اتفقا أنها داخلة في الكراء وقبض بعضها، واختلف فيما يخصها من الكراء فالمكتري مدعى عليه؛ لأنه لم ينقده.

الجزء: 16 - الصفحة: 77

هكذا ظاهر كلام محمد أنه يلزم التمادي إلى المسافة التي أقر بها، ووجهه ما ذكرناه وكاختلافها في ثمن الكراء.
وهو ظاهر كلام غير ابن القاسم في اختلافهما في كراء الأرض.
وظاهر رواية ابن القاسم في المدونة ورواية عيسى في العتبية أنهما يتحالفان ويتفاسخان بالموضع الذي بلغا إليه، ويكون للجمال حصة ذلك من الكراء على دعوى المكتري.
م/ ووجه ذلك أن الجمال سلعته التي هي بقية المسافة بيده لم تقبض منه.
وقد اختلفا فيها فوجب أن يتحالفا ويتفاسخا.
م/ يريد إلا ألا يجد هناك كراء فيلزمه التمادي على القولين، والله أعلم.
م/ وإن كان إنما نقده خمسين فلما بلغا المدينة اختلفا فإنك تفض المئة على دعوى المكتري فإن وقع إلى المدينة أكثر من خمسين لزم المكتري أن يدفع تلك الزيادة إلى الجمال فإن وقع لها أقل من خمسين لم ينقص الجمال من الخمسين التي قبض ويتحالفان ويتفاسخان في بقية المسافة.
[الفصل 7 - اختلاف المتكاريين في ثمن الكراء بعد مسير بعض الطريق] ومن المدونة قال ابن القاسم: إذا تكارى منه من مصر إلى مكة فاختلفا في الكراء بأيلة، يريد اختلفا في ثمن الكراء فالقول قول المكتري إن أتى بما يشبه.
قال ابن القاسم: وسواءً كان الكراء في راحلة بعينها أو مضموناً؛ لأن مالكاً قال إذا حمل الجمال المكتري على بعير من إبله لم يكن للجمال نزعه من تحته إلا أن يشاء

الجزء: 16 - الصفحة: 78

المكتري، ولو فلس الجمال كان هذا المكتري أحق بما تحته من الغرماء ومن أصحابه حتى يستوفي حقه وإن كان الكراء مضموناً لأنه بحوزه إياه صار كالمعين.
قال ابن القاسم: فهذا يدلك أن الكراء المضمون والمعين سواء في اختلافهما في الكراء كما وصفنا.
وقال غيره: ليس الراحلة بعينها مثل المضمون.
م/ واختلف في تأويل قول غيره.
فقال ابن حبيب: الدابة بعينها كأكريه الدور إذا اختلفا في ثمن الكراء تحالفا وتفاسخا في بقية المسافة.
قال ابن أبي زمنين: وهو معنى قول الغير في المدونة أنه إذا كانت دابة بعينها تحالفا وتفاسخا كأكريه الدور.
وقال غيره: معنى قول الغير أن المضمون يتفاسخان فيه.
م/ يريد: لأن حقه إنما هو في ذمة المكري فهي كسلعة لم تقبض اختلفا في ثمنها أو كالسلم المضمون وإن كانت دابة بعينها فحقه فيها وقد حازت وأفات بعضها كفوت بعض السلعة فهو المدعى عليه في زيادة ثمنها.
ولو هلكت الدابة أي المضمونة على هذا

الجزء: 16 - الصفحة: 79

القول لاتفق جواب ابن القاسم وغيره أنهما يتحالفان ويتفاسخان لأن المكتري لم يجز شيئاً هو بيده فيصدق من أجله، وإنما هو يطلب ذمة المكري والمكري عليه في ثمنه أكثر مما يقر به المكتري فيجب التفاسخ عندهما على قوله، وبالله التوفيق.
فصل [8 - اختلاف المتكاريين في كون الكراء مضموناً أو معيناً بعد موت الدابة في بعض الطريق] ومن العتبية قال مطرف: ومن اكترى من مصر إلى مكة فلما بلغا المدينة ماتت الدابة فقال الراكب اكتريت منك تلك الدابة بعينها فاردد علي بقية الكراء، وقال المكري كان الكراء مضموناً وإنما لك ركوب، أو قال الراكب كان الكراء مضموناً وقال ربها بل كان معيناً، فالقول من ادعى التعيين، وكأن مدعى المضمون قال: اكتريت هذه الدابة ودابة أخرى، فهو المدعي.

الجزء: 16 - الصفحة: 80

[الباب الثامن]

جامع الدعوى في الكراء وفي نقده وتأخيره وزيادة الحمل ونقصه وما أشبه.
والقضاء أن العرف في الأكرية وغيرها كالشرط.

[الفصل 1 - اختلاف المتكاريين في نقد الكراء بعد بلوغ الغاية] قال مالك: وإذا قال المكتري دفعت الكراء، وأكذبه الجمال، وقد بلغا الغاية فللقول قول الجمال مع يمينه إذا كانت الحمولة بيده أو بعد أن أسلمها بيوم أو يومين وما قرب، وعلى المكتري البينة؛ لأن الكراء مخلد في ذمته فعليه البينة بزواله منها، وكذلك الحلج إن قام المكري بقرب بلوغهم ما لم يبعد فيصدق مع يمينه وإن تطاول ذلك فكله فالمكتري مع يمينه.
م/ يريد لأن من شأن الأكرياء انتقاد أكريتهم ببلوغهم الغاية المكترى إليها أو بعد يوم أو يومين وما قرب من ذلك، فإذا بعد صاروا مدعين لغير العرف والمكتري مدع للعرف فكان القول قوله، إلا أن يكون المكري لم يسلم المتاع إلى ربه فيكون القول قول المكري مع يمينه.
وكذلك إذا اختلفا في ثمن الحمولة ولم يدفعها المكري لوجب أن يكون القول قوله إن أتى بما يشبه، وإن كان قد قبضت منه المنافع؛ لأن المحول في يده كالرهن فأشبه الخياط

الجزء: 16 - الصفحة: 81

إذا خاط الثوب ولم يسلمه.
ولأن الجمال أحق بالمتاع في الموت والفلس حتى يقبض كراءه فصار غير مجبور على دفعه كالرهن.
قال مالك: إلا أن يقيم المكري بينة يريد: على إقرار المكتري أنه لم يدفع إليه شيئاً فيقضي بها.
قال مالك: وكذلك قيام الصناع بالأجر بحدثان رد المتاع فإن قبض المتاع ربه وتطاول ذلك فالقول قول المتاع وعليه اليمين.
[الفصل 2 - اختلاف المتكاريين في بلوغ الغاية المكترى إليها] قال ابن القاسم: وإن آجرت رجلاً على أن يبلغ كتاباً من مصر إلى إفريقية بكذا فقال بعد ذلك أوصلته فأكذبته فالقول قوله مع يمينه في أمد يبلغه في مثله لأنك ائتمنته عليه فعليك دفع كرائه إليه، وكذلك الحمولة كلها يكريه على توصيلها إلى بلد كذا فيدعى بعد ذلك أنه وصلها فالقول قوله مع أمد يبلغ في مثله.
وقال غيره: على المكري البينة أنه قد أوفاه حقه وقد بلغه غايته.
م/ وكوكيل البيع يقول بعت ويقول الموكل لم تبع فالقول قول الوكيل.
وقال بعض فقهاء القرويين: لعل ابن القاسم إنما أراد أن مثل هذا لا يحتاج فيه إلى إثبات لأنه عرف عندهم أو لتعذر ذلك فصار كالمشترط أن يصدق في قوله أو صلته وإلا فهو إدخال في ذمة الذي أرسله بقول الأجير.

الجزء: 16 - الصفحة: 82

فصل [3 - العادة محكمة في نقد الكراء وتأخيره] ومن المدونة قال مالك: وإذا طلب الجمال قبض الكراء قبل الركوب أو بعد المسير القريب، وقال المكتري: لا أدفع شيئاً حتى أبلغ إلى الموضع الذي اكتريت إليه، ولم يكونا شرطاً شيئاً، حملاً على سنة في نقد الكراء وتأخيره.
قال ابن القاسم: فإن لم تكن لهم سنة في ذلك كان كالسكنى لا يعطيه إلا بقدر ما سكن وكذلك الركوب لا يعطيه إلا بقدر ما ركب.
قال: وإن عجل الكراء من غير شرط فلا رجوع له فيه.
[الفصل 4 - القضاء بنقد بلد التعاقد عند الاختلاف، والصرف في نقد الكراء] قال مالك: وإن أراد أحدهما نقد البلد الذي بلغا إليه وطلب الآخر نقد بلد التعاقد قضي بنقد البلد الذي تعاقدا فيه الكراء؛ لأنه يومئذ تقرر الدين في ذمته بسكة ذلك الموضع.
وإن أكريت بدراهم ولم تشترط نقدها وكراء الناس مؤخر.
م/ يريد إلى الغاية.
أو لم يكن مؤخراً وشرطت تأخيرها لم يجز أن تعطى بها دنانير نقداً قبل الركوب أو بعده ما لم تحل الدراهم ببلوغ الغاية، وكذلك لو دفعت دراهم عن دنانير.
م/ يريد وكذلك لو لم يكن عرف ولا شرط لم يجز أن ينقد أحد العينين عن الآخر؛ لأن عقد الكراء لا يوجب نقد جميعه بل لا ينقد إلا بحساب ما سكن أو ركب فتعجيل

الجزء: 16 - الصفحة: 83

خلاف ما عقد عليه من العين صرف مستأخر.
قال ابن القاسم: ولو شرطتما النقد أو كان كراء الناس بالنقد جاز دفعك عن الدراهم دنانير نقداً، كان الكراء معيناً أو مضموناً، ثم إن هلكت الراحلة بعينها في بعض الطريق رجعت بحصة ما بقي دنانير كما نقدت، ولو كنت دفعت عن الدراهم عرضاً لكنت رجعت بدراهم كما عليه عقدت؛ لأنك إنما اكتريت منه بدراهم فباعها هو قبل قبضها بعرض، وذلك جائز، فإذا هلكت الدابة ببعض الطريق رجعت بحصة ما بقي دراهم؛ لأنها ثمن الكراء، ولم يجز ذلك إذا دفعت عن الدراهم دنانير أن ترجع بالدراهم التي عقدت؛ لأنك تصير دفعت دنانير وترجع بدراهم فيدخله تأخير الصرف.
وكذلك فسره سحنون.
قال مالك: ولا تأخذ من ذهب لك إلى أجل فضة نقداً، ولا من فضة إلى أجل ذهباً نقداً؛ لأنه فضة بذهب ليس يداً بيد، ومن أكرى بعيراً بطعام بعينه كيلاً، أو بطعام إلى أجل فلا يبيعه حتى يقبضه، وإن كان الذي بعينه مصبراً فلا بأس بيعه قبل قبضه.
فصل [5 - في زمن الخروج إلى الحج إذا اختلف المتكاريان في ابتدائه وفي نقص الحمل المشترط وزيادته على الدابة] قال مالك: ومن اكترى إلى مكة، فأراد تعجيل الخروج، وأباه الجمال، فإن كان في الزمان بقية لم يجبر إلا إلى خروج الحاج، وإذا انتقصت زاملة الحاج أو نفدت فأراد تمامها وأباه الجمال حملاً على ما يتعارفه الناس.

الجزء: 16 - الصفحة: 84

قال غيره: فإن لم تكن له سنة فله حمل الوزن الأول المشترط إلى تمام غاية الكراء.
ومن كتاب الأقضية لسحنون: وسئل عمن تكارى دابة على حمل فيه خمسمائة رطل فحمله، وصار في بعض الطريق، فأصابه مطر، فصار أكثر من خمسمئة رطل، فقال الجمال: لا أحمله؛ لأنه قد زاد، وقال ربه: هو المتاع بعينه.
قال سحنون: إذا زاد فكأنه ليس بعينه، فليس عليه أن يحمل أكثر من خمسمئة رطل، فإن نقص منه حتى صار خمسمئة لزمه حمله، وإلا لم يلزمه.
ومن المدونة: ومن اكترى دابة أو بعيراً إلى الفسطاط فله النزول بمنزله، وإن كان بأقصى الفسطاط.

الجزء: 16 - الصفحة: 85

[الباب التاسع]

جامع القول في ضمان المتكاريين

[الفصل 1 - فيما يضمنه المكري وما لا يضمنه] والقضاء أن الأكرياء والجراء فيما أسلم إليهم الناس كالأمناء عليه لا يضمنون إلا الصناع إذ لا غنى عنهم، فضمنوا لصلاح العامة، وكذلك الأكرياء على حمل الطعام والشراب والإدام خاصة؛ إذ لا غنى عنهم، فضمنوا لمصلحة العامة كالصناع، إلا أن تقوم بينة بهلاكه بغير سببهم، أو يكون معه أربابه لم يسلموه إليهم فلا يضمنون، وسواء حملوه على سفينة أو دابة أو رجل.
قال ربيعة: ولا يضمنون المال والعروض ولا يحل لأحد أن يأخذ لضمانه أجراً.
قال ابن عمر: لا يجوز كراء وضمان.
قال السبعة من فقهاء التابعين: وإن شرط عليهم ضمان العروض لم يلزم إلا أن يخالفوا في شرط يجوز كشرطه عليه أن لا يسري بليل ولا ينزل بلد كذا أو وادي كذا

الجزء: 16 - الصفحة: 86

ففعل ما نهي عنه فهلك المتاع فإنه ضامن.
ابن المواز، قال مالك: وإذا شرط الحمالون على صاحب الطعام ألا ضمان عليهم في الطعام، أو أن عليهم ضمان العروض، وما لا يضمن، فالشرط باطل والعقد فاسد، فإن فات ضمنوا الطعام ولا يضمنون غيره، ولهم كراء مثله من غير شرط.
قال ابن حبيب: والذي يضمنونه من الطعام والإدام ما كان قوتاً خاصة، فمن ذلك القمح والشعير والدقيق والسلت والذرة والدخن والعلس والكرسنة، وليس الأرز من ذلك؛ لأنه مما يتفكه به.
قال أبو محمد: لعل هذا في بلد غير بلد الأرز، وإلا فبعض البلدان هو جل قوتهم.
قال ابن حبيب: ويضمنون الفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان، ولا يضمنون الترمس لأنه تفكه ولا يضمنون من الإدام إلا الزيت، والعسل والسمن والخل، وأما المرى والرب والأشربة الخلال والجبن والشيراز واللبن والزبد وسائر اللحم والبيض والأبزار فلا يضمنونه، ولا يضمنون من خضر الفواكه ورطبها

الجزء: 16 - الصفحة: 87

ويابسها إلا التمر والزبيب والزيتون، ويضمنون الملح ولا يضمنون شيئاً من الأدهان، وكل ما وصفنا أنهم لا يضمنونه فهم مصدقون في تلفه كسائر العروض.
م/ هذا الذي ذكر ابن حبيب استحسان.
وظاهره خلاف المدونة.
والذي يدل عليه ما في المدونة أنهم يضمنون سائر الطعام والإدام، وهل الترمس والزبد واللبن واللحم إلا أقوات وإدام!.
[الفصل 2 - في دعوى المكري أن العروض سرقت أو هلكت] ومن المدونة، قال ابن القاسم: وإذا قال المكري في كل عرض أنه هلك أو سيق أو عثرت به الدابة فانكسرت القوارير فذهب الدهن، صدق إلا أن يستدل على كذبه ولا يصدق في الطعام.
قال مالك: ومن استأجرته يحمل لك على دوابه دهناً أو طعاماً إلى موضع كذا، فعثرت الدواب، ثم سقطت القوارير، فانكسرت، فذهب الدهن، أو هلك الطعام، أو انقطعت الحبال فسقط المتاع ففسد لم يضمن المكري قليلاً ولا كثيراً إلا أن يغر من عثار أو ضعف الحبال عن حمل ذلك، فإنه يضمن حينئذ.
قال ابن حبيب: يضمن قيمته بموضع هلك فيه، وله من الكراء بحسابه إلى ذلك الموضع.
م/ وعلى قول غيره إن شاء أن يضمنه قيمته يوم تعدى أو يوم هلك.
فوجه قول ابن حبيب في الضمان وهو قول ابن القاسم فلأنه أمر قد يسلم فيه وليس بتعد صريح فوجب ألا يضمن إلا بصحة وجه تعديه.
ووجه قول غيره أنه لما صح تعديه بكون العثار صار كأنه متعد من يوم العقد فإن

الجزء: 16 - الصفحة: 88

شاء أخذه بذلك وإن شاء يوم صحة التعدي.
ولم يكن كالغاصب لا يضمن إلا يوم الغصب؛ لأن هذا ليس بتعد صريح إذ قد يسلم فيه، فإذا لم يسلم صح تعديه فإن شاء أخذه بالعقد لصحة تعديه وإن شاء أخذه بما أوجب تضمينه، والغاصب هو متعد صريح من يوم الغصب فوجب ألا يضمن إلا يوم تعديه.
[الفصل 3 - في ضمان ما هلك بسبب حامله من دابة أو غيرها والكراء في ذلك] قال ابن القاسم: وإن لم يغره من شيء كان ما جاء من قبل الدواب هدراً لأن فعل العجماء جبار ما لم يفعل بها رجل شيئاً عثرت لأجله فيضمن الفاعل.
قال: وكل ما عطب من سبب حامله من دابة أو غيرها من عثار أو غيره فلا كراء فيه إلا على البلاغ ولا يضمن الجمال إلا أن يغر وكذلك ما حمله رجل على ظهره فعطب فلا كراء له ولا ضمان عليه ولا على المكتري أن يأتي بمثل ذلك ليحمله الجمال.
وكذلك هروب الدابة وكذلك السفينة إذا غرقت في ثلثي الطريق وغرق ما فيها من طعام وغيره فلا كراء لربها ولا ضمان عليه في شيء من ذلك؛ لأنه من أمر الله تعالى ورأى مالك أن ذلك كله على البلاغ.
وقال غيره: ليس الدواب كالسفن فيما هلك بسبب حامله إذ لا يضمنون بسبب العثار إن لم يغروا فلهم جميع الكراء فيما هلك عن العثار ولربه حمل مثله إلى غايته كالذي هلك بلصوص أو سيل وإن غروا ضمنوا.

الجزء: 16 - الصفحة: 89

وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
م/ فوجه قول مالك أن كل ما هلك بسبب حامله لا كراء له لأنه إنما دفع إليه الكراء ليحصل له غرضه فلم يحصل له شيء فأشبه ذلك الجعل الذي بطلان تمامه من أجل الأجير وأيضاً فإن العرف قد جرى بين الناس أن الكراء في ذلك على البلاغ فكأن المكري دخل عليه إلا أن يشترط أنه كلما سار شيئاً أخذ بحسابه فذلك له.
قال بعض البغداديين: ووجه قول ابن نافع أن هذه إجارة فيجب أن يكون سبيلها سبيل الإجارة كسكنى الدار ونحوه لا يراعى انتفع المكتري أو لم ينتفع ألا ترى أنه لو اكترى داراً سنة فقبضها وأغلقها شهراً ثم احترقت أن عليه كراء ذلك الشهر وكذلك مكتري السفينة.
م/ وقول مالك أولى؛ لأنه عرف قد دخل عليه؛ ولأن سكنى المكتري تعمد ترك الانتفاع وهو يقدر أن ينتفع كل يوم بسكناه ويتم له انتفاعه والسفن ونحوها لا يتم انتفاعه إلا ببلوغ الغاية المكترى إليها وكالخياط إذا خاط نصف القميص فليس له أخذ نصف الأجر إذ لا ينتفع بها إلا بالتمام.

الجزء: 16 - الصفحة: 90

فصل [4 - الكراء فيما هلك من غير سبب حامله] قال ابن القاسم: وما استحملت في السوق على رجل أو دابة من كل شيء إلى بيتك أو من بلد إلى بلد فعطب أو سرق أو غصب أو كان ذلك طعاماً فهلك ذلك كله ببينة فللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله.
قال ابن المواز: من موضع هلك فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك الدواب والإبل إذا هلك ما حملت من طعام بعينه أو متاع بأمر من الله تعالى من غير سبب الدواب والإبل فالكراء قائم بينهما لا ينفسخ وللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله، وللمكتري أن يأتي بمثل ذلك فيحمله أو يكتري الإبل في مثل ذلك وإلا فلا شيء له على الجمال، وللجمال الكراء كاملاً فإن لم يكن مع الجمال صاحب الطعام ولا خليفته رفع ذلك الجمال إلى العامل بالموضع فيكري له الإبل فإن لم يجد كراء فليطلب ذلك الجمال أمامه فإن لم يجد فله جميع الكراء؛ لأن مالكاً قال في الرجل يتكارى إلى الحج فيهلك في الطريق فإنه يكري للميت شقصه ويطلب ذلك في الطريق فإن وجد من يكتري أكرى له وإلا كان على الميت لرب الإبل الكراء كله كاملاً وإن كان رب الطعام مع المكاري فأصاب الطعام تلف من السماء أو من غير السماء لم يلزم المكاري شيء لأن رب الطعام معه لم يأتمنه عليه وكذلك إن كان في السفينة مع طعامه فنقص فلا شيء على صاحب السفينة.
قال: وإن كان المكري وحده فلا يصدق في الطعام والإدام إذا قال سرق مني، حمله على نفسه أو على دوابه او على سفينته، إلا أن تقوم له بينة في ذلك أنه هلك من غير سببه فلا يضمن.

الجزء: 16 - الصفحة: 91

الفصل [4 - في ضمان الطعام إذا صحبه ربه أو وكيله ولم يسلماه للحمال أو غابا عنه في بعض الطريق] ابن المواز: قال أصبغ: ومن اكترى على طعام فركب معه أو أرسل معه رسولاً فكان يسلمه في بعض الطريق ويصحبه في بعضها فنقص فلا ضمان على حامله.
ابن المواز: يريد لأن أصل حمله على غير التسليم للحمال.
م/ وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال: إذ أكرى على حمل طعام وهو معه، فذهب عنه في بعض الطريق، فإن كان ذهب على ألا يعود إليه أو لمرض أصابه ولا يرجى أن يدركه فإن الجمال يضمن إذا قال: هلك أو سرق، ويرجع إلى أصل الضمان.
وإن كان على أن يرجع إليه فلا ضمان على الجمال.
قال: وهذا كقوله في الأكرياء إذا بلغوا المسافة وحازوا العروض حيازة الرهن ليقبضوا كراهم أنهم يضمنونها، فكما نقل هؤلاء إلى الضمان بفعلهم، فكذلك ينقل هؤلاء إلى الضمان، ويردهم إلى أصلهم، وكأنه اليوم ابتداء كرائه منهم.
وحكي عن أبي الحسن القابسي فيمن دفع طعاماً بالساحل إلى صاحب مركب وكاله عليه وانصرف فوسقه رب المركب بغير حضرة ربه، فإذا جاء وقت الإقلاع ركب معه رب الطعام أن رب المركب ضامن لما نقص، ولو لم يفارقه ربه حتى أوسقه في المركب بحضرته ثم غاب عنه فأتى وقت الركوب فركب معه فلا يضمن رب المركب

الجزء: 16 - الصفحة: 92

كمن صحب طعامه ثم تخلف عنه في الطريق؛ لأنه لم يسلمه إلى الحمال من أول ما حمله.
م/ ولا فرق عندي بين أن يسلمه إليه في الساحل أو في المركب لأنه أسلمه إليه وغاب عنه ثم عاد فركب معه فأما أن يضمن لغيبته عليه أو لا يضمن لأنه عاد فركب معه والصواب أن يضمن.
[الفصل 5 - فيمن اكترى من رجل على حمل طعام وبعث معه ما لا يشتري به له فادعى ضياع المال أو سرقة الطعام أو ضياعه بعد شرائه] ابن المواز قال مالك: ومن اكترى من رجل على حمل طعام وبعث معه مالاً يشتريه له به فادعى ضياع المال فلا ضمان عليه ولا أجر له فيما عنى وعليه اليمين لقد ضاع.
ابن المواز: وإن اشترى الطعام وادعى أنه ضاع أو سرق، فإن حمله في سفينته ضمن، وإن حمله في غيرها صدق.
قال أبو محمد: يريد محمد إذا حمله في غيرها بإذن ربه.
[مسألة: فيمن اكترى سفينة على حمل قمح وكان الكراء ذهباً ودفعه إليه فنقص القمح، فهل يأخذ مكانه ذهباً؟] روى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن اكترى من نوتي على قمح بذهب ودفعه إليه فنقص

الجزء: 16 - الصفحة: 93

الطعام فأراد أن يأخذ في نقصانه ذهباً فلا خير فيه.
م/ ويدخله البيع والسلف.
قال: إلا أن يكون لم ينقده فلا بأس به ولا بأس أن يأخذ منه إذا نقده قمحاً أو شعيراً.
[مسألة: فيمن استأجر نواتية في سفينة يحملون الناس فيها ويكرونها] قال ابن حبيب: ومن استأجر نواتية في سفينة يحملون فيها الناس ويكرونها فذلك جائز والضمان عليهم فيما حملوا من الطعام.
وقاله مالك.
[الفصل 6 - في دعوى الجمال هلاك العروض أو سرقتها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ويصدق الجمال في كل عرض إذا قال هلك أو سرق أو قد عثرت الدواب فانكسرت القوارير إلا أن يستدل على كذبه.
قال يحيى بن سعيد: ويضمن ما ضيع.
ابن المواز قال مالك: وإذا ادعى الجمال فيما حمل من العروض أنه هلك صدق، وكان له الكراء كله، وعليه حمل مثله لصاحبه بقية الطريق، أو يكري ذلك في مثله.

الجزء: 16 - الصفحة: 94

وقال ابن حبيب: له من الكراء بحسابه إلى الموضع الذي ادعى فيه تلفه.
قال: وكذلك إن كان تلفه بسببه مثل أن يغر من عثار دابته أو ضعف أحبله.
قال: وأما ما يدعي هلاكه من الطعام ببعض الطريق فيلزمه الضمان، إما لأن هلاكه مجهول، أو علم أنه من سبب عثار أو حبال غر منها، أو استهلكه هو، فإنما يضمنه بالبلد الذي أكرى السلعة إليه، وله الكراء كاملاً.
وإن لم يغر في ذلك وهلك بينة أو كان معه ربه فسقط عنه الضمان، والكراء أيضاً يسقط عن المكتري.
[مسألة: في الحمال يبيع الطعام ببعض الطريق بدون حضور صاحبه] ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم ويحيى بن يحيى: أنه قال: وإذا باع الجمال الطعام أو صاحب السفينة ببعض الطريق ولم يحضر ربه فلربه أخذ الثمن إن شاء، وليس له أخذ القيمة، فإن لم يأخذ الثمن فله مثله بموضع يحمله إليه.
قال عنه يحيى: وإن أخذ الثمن فله أن يستحمله مثله من الموضع الذي باعه فيه حتى يبلغه إلى البلد الذي أكرى إليه، ويؤدي الكراء كاملاً.
م/: قال بعض فقهاء القرويين المتأخرين في الطعام يدعي الجمال ضياعه، أنه إنما يضمن مثله في الموضع الذي يوصله إليه إذا أمكن أن يكون وصل إلى الموضع بالطعام، فإن لم يمكن ذلك فإنما يضمن مثله في موضع ضاع فيه.

الجزء: 16 - الصفحة: 95

م/ وهذا خلاف لما قدمنا فاعرفه.
م/ والصواب أن يضمن مثله بالموضع الذي أكرى إليه، وسواء أمكن أن يصل إليه أو لم يمكن؛ لأنك إن ضمنته مثله بموضع ضاع فيه كان عليه حمله إلى الموضع الذي اكتراه ليوصله إليه فلا وجه لتفرقته.
[مسألة: في منع الحمالين العروض من أهلها حتى يقبضوا كراءهم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وللحمالين منع العروض من أهلها حتى يقبضوا كراءهم، فإن حازوها لذلك حيازة الرهن فإنهم يضمنونها كالرهن، ولهم الكراء كله إن بلغوا ذلك غايته ضمنوه أو لم يضمنوه.
[الفصل 7 - خلاصة فيما يضمنه الحمالون] م/ وتحصيل ما يضمنه الحمالون أم لا، على خمسة أوجه: فالأول: ما هلك بسبب حامله ولم يغر.
والثاني: ما غر فيه.
والثالث: ما ثبت هلاكه من عرض أو طعام بأمر الله تعالى.
والرابع: ما هلك من الطعام بأمر الله تعالى، لكن بقولهم.
والخامس: ما هلك من العروض بقولهم.
فالأول: كل ما هلك بسبب حامله بعثار أو ضعف أحبل لم يغر منها أو ذهاب دابة أو سفينة بما عليها.
فقال مالك: لا ضمان عليه في ذلك كله ولا كراء ولا على ربه أن يأتي بمثله ليحمله له ويرجع بالكراء إن دفعه.
وقال غيره: ما هلك بسبب حامله بعثار مثل ما هلك بأمر من الله تعالى.

الجزء: 16 - الصفحة: 96

وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
والثاني: ما غر فيه من عثار أو ضعف أحبل فهلك، فإنه يضمن قيمة تلك العروض بموضع هلكت فيه، وله من الكراء بحسابه، وقيل: قيمته بموضع حمل منه إن أراد؛ لأنه منه تعدى.
والثالث: ما هلك بأمر من الله تعالى بالبينة من عرض وغيره فللمكري الكراء بأسره وعليه حمل مثله من موضع هلك فيه.
والرابع: ما هلك بقولهم من الطعام فلا يصدقون فيه.
قال ابن المواز: ويضمنون مثله بموضع حملوه إليه ولهم جميع الكراء.
والخامس: ما هلك بقولهم من العروض فهم مصدقون فيه.
قال ابن المواز: ولهم الكراء بأسره وعليهم حمل مثله من موضع هلك فيه إلى موضع يحمل إليه كالذي ثبت هلاكه بأمر من الله تعالى.
وقال ابن حبيب: لهم من الكراء بحساب ما بلغوا من الطريق ثم ينفسخ الأمر بينهم.
م/ فوجه قول ابن المواز أنهم لما كانوا مصدقين في تلف العروض أشبه ذلك ما قامت البينة بتلفه من غير سببهم، وهذا مما لا اختلاف فيه أن لهم جميع الكراء وعليهم حمل مثله إلى غايته.
ووجه قول ابن حبيب: أنه لما لم يعلم ذلك إلا من ناحيتهم أشبه ما هلك بسببهم من عثار ونحوه.
م/: وقول ابن المواز أصوب لما قدمنا.
والله الموفق.

الجزء: 16 - الصفحة: 97

[الباب العاشر]

جامع مسائل مختلفة من ضمان المكري والمكتري وغير ذلك

[الفصل 1 - في الرجل يحمل طعاماً فيزيد أو ينقص] قال ابن القاسم: وإذا حمل لك رجل طعاماً فزاد أو نقص ما يشبه زيادة الكيل ونقصه فلا شيء له ولا عليه من ضمان ولا حصة كراء، وإن زاد ما لا يشبه فلم يدع الجمال تلك الزيادة وقال زيدت على غلطا قال أبو إسحاق: إذا كانت الزيادة من زيادة الكيل أو نقصانه، وقال الجمال: ليست لي هذه الزيادة، وإنما غلطتم علي في خير رب الطعام في أن يأخذها لأن الكراء ربما اغترق الطعام وزيادة على ثمن الطعام، ويحلف رب الطعام أني ما زدتها إذا كان هو الذي كال ذلك الطعام للجمال، وتباع الزيادة، فإن نقصت عن كرائها لم يكن للجمال غير ذلك، وإن كانت مثل كرائها أخذ ذلك، وإن كانت أكثر أوقفت البقية الزائدة على كيل الجمال، فما سبق إلى دعواها منهما أخذها، وإن لم يدعياها وطال الزمان تصدق بها عمن هي له، وإن ادعى الجمال أنها له، وقال صاحب الطعام: بل هي لي زدتها فالقول قول الجمال مع يمينه؛ لأن دعوى صاحب الطعام

الجزء: 16 - الصفحة: 98

الغلط غير مقبول مع أن الجمال حائز لها.
فإن صدقته أخذتها وغرمت كراءها، وإن أنكرت الغلط لم يصدق الجمال، وربما اغترق ثمنه كراءه إلا أن تشاء أنت أخذها وغرم كرائها فذلك لك، وإن زاد الكيل فقال رب الطعام: أنا آخذ طعامي ومقدار زيادة كيلي فليس له أن يأخذ إلا كيل طعامه خاصة، إلا أن تكون زيادة الكيل أمراً معروفاً عند الناس.
م/ قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: وإذا كان في الطعام زيادة كثيرة وكان الجمال هو الغالط فحمل الزيادة فلرب الطعام أخذ الزيادة ودفع كرائها أو يضمنه مثلها في الموضع الذي حمل منه الطعام، وهذا بخلاف من غصب طعاماً فحمله إلى بلد آخر فأراد ربه أخذه ودفع أجر الحمل فليس له ذلك؛ لأنه يصير بيع طعام ودراهم بطعام.
وفي مسألة الجمال الطعام إنما يحمله لربه.
م/ والقياس أنهما سواء، لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
ألا ترى أن له تضمين الجمال مثل تلك الزيادة بموضع حملها منه كالغاصب؛ لأن رب الطعام لم يأمره بحمله فالحكم فيهما سواء والله أعلم.
فصل [2 - فيمن اكترى على حمل متاع من بلد إلى آخر فأخطأ الحمال فحمل غيره] ومن العتبية من سماع أبي زيد عن ابن القاسم: ومن اكترى على حمل متاع من

الجزء: 16 - الصفحة: 99

طرابلس إلى مصر فأخطأ الجمال فحمل غيره إلى مصر فربه مخير إن شاء ضمنه قيمة متاعه في البلد الذي حمله منه يأخذها حيث لقيه أو يأخذ متاعه.
قال أشهب: ولا كراء له.
وقال ابن القاسم وابن وهب ومطرف: بل يعطيع الكراء قالوا كلهم: وليس له أن يكلفه رده ولا للجمال أن يفعل ذلك إذا شاء ربه أخذه، والكراء الأول قائم بينهما وعليه أن يرجع فيحمل الحمل الآخر.
وقال ابن حبيب عن اصبغ على الجمال رده إلى طرابلس ثم هو في ضمانه في ذهابه به وفي رده إلى طرابلس، وإن شاء ربه أخذه بغير غرم كراء ورده ليأتيه بالحمل الذي أبقى.
قال: إلا أن يكون بعينه حمل هذا الذي غلط به إلى مصر، فعليه كراؤه حينئذ إن اختار صاحبه أخذه بمصر وذلك قيمة كرائه ليس على الكراء الأول، ولا بد أن يرجع في مجيب الحمل الذي ترك، ابن حبيب: وهو قول حسن.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن حمله تعدياً فربه مخير بين تضمينه قيمته أو يأخذ متاعه بالبلد الذي حمله إليه ولا كراء عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولكل حامل على ظهر أو سفينة أو صانع منع ما حمل

الجزء: 16 - الصفحة: 100

أو عمل حتى يأخذ أجره.
فإن هلك ذلك بأيديهم في منعهم فالصناع ضامنون ولا أجر لهم إلا أن تقوم بينة لهم على الضياع فلا ضمان عليهم ولا أجر لهم لأنهم لم يسلموا ما عملوا لأربابه.
وقال ابن المواز: لهم الأجر كاملاً، وقد تقدم هذا.
فصل [3 - في الدابة المكتراة تتلف ما اكتريت لأجله] قال ابن القاسم: ومن اكتريت منه دابة أو ثوراً للطحن فكسر المطحنة لما ربطته فيها وأفسد آلتها لم يضمن إلا أن يغرك وهو يعلم ذلك منه فيضمن؛ لأن مالكاً قال فيمن أكرى دابته من رجل وهي ربوض أو عثور وهو عالم بذلك فلم يعلمه به فحمل عليها فربضت أو عثرت فانكسر ما عليها أن ربها ضامن.
ومن اكترى من رجل دابة ليحمل عليها دهناً من مصر إلى فلسطين فغره منها فعثرت بالعريش ضمن قيمة الدهن بالعريش.
م/ يريد إذ لا يعرف كيله.
وقال غيره: قيمته بمصر إن أراد؛ لأنه منها تعدى.
قال ابن حبيب: وإذا غرم قيمته بالعريش كان له من الكراء بحسابه إلى ذلك الموضع.

الجزء: 16 - الصفحة: 101

قال ابن القاسم: ومن حمل على ظهره أو دابته دهناً أو طعاماً بكراء فزحمه الناس فانكسرت الآنية وهلك ما فيها من الطعام أو الدهن فالذي زحمه ضامن.
وقد قال مالك في الرجلين يحملان جرتين أو غير ذلك على كل واحدة جرة فيصطدمان في الطريق.
قال: فإن انكسرت إحداهما ضمن الذي سلم للذي لم يسلم، وإن انكسرتا جميعاً ضمن كل واحد منهما لصاحبه، وإذا اصطدم فارسان فمات الفرسان والراكبان ففرس كل واحد في مال الآخر ودية كل واحد منهما على عاقلة الآخر، وإن سلم احدهما بفرسه ففي ماله فرس الآخر، وعلى عاقلته دية راكبه، وأما اصطدام السفينتين فلا شيء عليهم إذا كان الأمر غالباً من الريح لا يقدر على دفعه، ولو علم أن النوتي يقدر على أن يصرفها، قال: فلم يفعل لضمن، وإذا كان الفرس في رأسه اعترام فحمل بصاحبه فصدم فراكبه ضامن؛ لأن سبب فعله وجمحه من راكبه وفعله به إما أذعره فخاف منه أو غير ذلك، إلا أن يكون إنما نفر من شيء مر به في الطريق من غير سبب راكبه فلا ضمان عليه، وإن كان غيره فعل به ما جمح له فذلك على الفاعل، والسفينة لا يذعرها شيء والريح هي الغالب فهذا فرق ما بينهما.
وإذا غرقت السفينة من مد النواتية فإن صنعوا ما يجوز لهم من المد والعمل فيها لم يضمنوا وإن تعدوا فأخرقوا في مد أو علاج ضمنوا ما هلك فيها من الناس والحمولة.
محمد: يريد في أموالهم، وقيل: إن الديات على عواقلهم.
قال ابن القاسم: وذلك كتعدي من استعملته في بيتك من صانع أو طبيب أو غير

الجزء: 16 - الصفحة: 102

ذلك.
وإيعاب هذا في كتاب الديات.
قال ابنالقاسم: ومن اكتريت منه لحمل صبي مملوك إلى موضع من المواضع وأسلمته إليه فساق بع فعثرت الدابة فسقطت فمات لم يضمن إلا أن يخرق في سوقه وكذلك البيطار إذا طرح الدابة لا يضمن إذا طرحها كما يطرح البياطرة الدواب إلا أن يتجاوز في طرحها فيضمن.
وإذا ضرب المكتري الدابة أو كبحها فأذهب عينها أو كسر لحييها ضمن، والرائض مثله، ولو ضربها كضرب الناس لم يضمن، وكل شيء صنعه الراعي مما لا يجوز له فعله فأصاب الغنم من فعله عيب فهو ضامن، وإن صنع ما يجوز له أن يفعله فتعيبت الغنم فلا ضمان عليه.
فصل [4 - في العرف يحدد الغاية والحمل ووطاء الدابة عند الاختلاف] قال ابن القاسم: ومن اكترى من مكة أو من إفريقية إلى مصر جاز وهو إلى الفسطاط، وإن لم يذكراه؛ لأنه المتعارف، وليس كمن اكترى إلى الشام أو إلى خراسان لأنها كور وأجناد فلا يجوز حتى يسمى أي كورة أو مدينة، وأما إلى فلسطين فإن كان المتعارف عندهم الرملة كان إليها وجاز الكراء.

الجزء: 16 - الصفحة: 103

ومن اكترى من رجل على حمل رجلين أو امرأتين ولم يرهما جاز لتساوي الأجسام إلا الخاص، فإن أتاه بفادحين لم يلزمه ذلك.
م/ يريد لا يلزمه حملهما والكراء قائم بينهما ويأتي بالوسط من ذلك، أو يكري الإبل في مثل ذلك.
قال: ويجوز كراء محمل لا يذكر وطاؤه، ويحمل كوطاء الناس، وكذلك على زاملة لا يخبره بما فيها، ويحملان على المتعارف من الزوامل لحاج أو غيره، وعليه حمل المتعارف من معاليق وغيرها، ولو شرط عليه حمل هدايا مكة، فإن كان أمراً عرف وجهه جاز وإلا لم يجز.
وأجاز مالك للمكتري أن يحمل في غيبته ثوباً أو ثوبين لغيره ولا يخبر بذلك الجمال، وهو من شأن الناس، ولو بين هذه الأشياء ووزنها كان أحسن.
وإذا ولدت المكترية في الطريق جبر الحمال على حمل الولد وإن لم يشترطوا ذلك.
م/ يريد لأنه العرف.

الجزء: 16 - الصفحة: 104

قال: ولا بأس أن تكتري محملاً وتشترط عقبة الجير.
م/ يريد لأنه معروف.
قال: وإن اكترى مشاة على أزوادهم على أن لهم حمل من مرض منهم لم يجز.
م/ يريد؛ لأن ذلك غرر مجهول.

الجزء: 16 - الصفحة: 105

[الباب الحادي عشر]

في المتكاريين يهرب أحدهما أو يغيب

[الفصل 1 - في هروب الجمال بدون إبله أو معها أو تغيبه يوم الخروج] قال مالك: وغن اكتريت من رجل إبله إلى بلد ثم هرب الجمال وتركها في يديك فأنقت عليها فلك الرجوع بذلك، وكذلك إن اكتريت من يرحلها رجعت بكرائه، ولو هرب بإبله والكراء إلى مكة أو غيرها تكارى لك الإمام عليه، ورجعت عليه بما اكتريت به.
ابن المواز: إنما يكري عليه إذا كان له مال معروف.
ومن المدونة: وإذا تغيب الجمال يوم خروجك فليس لك عليه إن لقيته بعد ذلك إلا الركوب أو الحمل وله كراؤه، وهذا في كل سفر في كراء مضمون إلا الحاج فإنه يفسخ، وإن قبض الكراء رده لزوال إبانه.
ابن المواز: لأن أيام الحج معينة فإذا فاتت انفسخ الكراء، وكذلك كل مكتر في

الجزء: 16 - الصفحة: 106

أيام بعينها، ولا يتمادى، وإن رضيا.
م/ وهذا إذا نقده الكراء؛ لأن بذهاب الأيام المعينة يجب فسخ الكراء ورد ما انتقد فلا يجوز أن يأخذ في ذلك ركوباً؛ لأنه فسخ دين في دين.
ومن المدونة قال مالك في الدابة بعينها يكتريها ليركبها إلى غد فيغيب بها ربها، ثم يأتي بها بعد اليومين أو الثلاثة فليس له إلا ركوبه.
م/ يريد لأنه لم يقصد تعيين اليوم، وإنما قصد تعيين الركوب.
وقال غيره: ولو رفع إلى الإمام نظر وفسخ ما آل إلى الضرر كمن اكترى دابة بعينها فاعتلت في سفره.
قال ابن القاسم: والذي أرى أنه إن اكتراها بعينها إلى بلد ليركبها في غد فأخلفه المكري فليس له إلا ركوبه، أو يكري الدابة من مثله إلى البلد.
ابن المواز: وذلك كشراء سلعة بعينها يدفعها من الغد أو مضمونة فمطله بذلك حتى فاته ما يريد فلا حجة له، وإنما له السلعة.
وقال مالك في الأضاحي يسلم فيها فيؤتى بها بعد أيام النحر أنها تلزمه.
م/ وإنما لزمه ذلك لإحضاره ما ابتاع منه ولا حجة له لفوات ماله أراده؛ لأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى الإمام فيفسخ ذلك عنه فلما تركه بقي البيع منعقداً بينه

الجزء: 16 - الصفحة: 107

وبينه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أكراها أياماً معينة انتقض الكراء فما غاب منها كالعبد يستأجره شهراً بعينه فيمرضه أو يؤبقه فإنه تنتقض الإجارة، وكذلك شهراً بعينه في الراحلة بعينها لركوب أو لطحن أو غير ذلك، وذلك بخلاف المضمون.
فصل [2 - في هروب المكتري قبل ركوبه] وإذا هرب المكتري في كرائه إلى مكة أو غيرها رفع الجمال ذلك إلى الإمام فيكري الإبل للهارب ويقضى للجمال من ذلك كراؤه، وإن لم يجد له كراء تركها وأتبعه بجميع الكراء.
وقاله مالك فيمن اكترى على حمل متاع أو طعام عند وكيله ببلد آخر فلم يجد الجمال الوكيل فإن الإمام يتلوم له بغير ضرر، فإن جاء وإلا أكرى الإبل للمكتري وكان الكراء له، فإن لم يجد تركها وكان للجمال جميع كرائه، وإن رجع ولم يرفع ذلك إلى السلطان وبالبلد سلطان فليرجع ثانية فيحمل، وإن لم يكن بها سلطان فتلوم وانتظر وأشهد كان له ذلك عذراً وله الكراء الأول فلا يرجع.
قال ابن وهب عن مالك: ولو واعد المكتري الجمال إلى موضع فجاء الجمال فلم يجده دخل على إمام البلد إلا أن يجد الكراء، فإن انصرف ولم يكر ولم يعلم الإمام وكان الكراء ممكناً إلى البلد الذي أكرى إليه فلا شيء له.
قال أبو محمد: وينفسخ الكراء في رواية ابن وهب في قوله ولا شيء له.

الجزء: 16 - الصفحة: 108

م/ ووجه هذا فلأن الجمال قد بلغ الموضع الذي واعد المكتري فيه فلم يجده فلم يكن للمكتري حجة بإلزام الجمال الرجوع ثانية؛ لأن ذلك ظلم له، ولم يكن للجمال الكراء؛ لأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى إمام البلد، فيكري الإبل للمكتري أو يكريها له هو بنفسه فلما ترك ذلك ورجع فارغاً فقد أبطل حقه.
ووجه قول ابن القاسم إلزامه الرجوع ثانية فلأنه كان قادراً على رفع ذلك إلى الإمام فيكري الإبل للمكتري أو يفسخ ذلك عنه فيكريها ربها بنفسه، فلما ترك ذلك بقي الأمر قائماً بينهما كما لو تغيب الجمال فلم يرفع المكتري ذلك إلى الإمام فيكري له عليه أو يفسخ ذلك حتى أتاه الجمال فليس له إلا الركوب فكذلك هذا.
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: فإن لم يكن الكراء موجوداً أو جهل إعلام الإمام لم أر أن يبطل عمله.
وقال في رواية أخرى: ويكون له الكراء ولا يرجع.
وكذا في كتاب محمد عن مالك إذا لم يكن الكراء موجوداً بالبلد ورجع ولم يرفع إلى الإمام فلا يبطل عمله بجهله أن يدخل على الإمام.
قال أحمد: هو يدعي الاجتهاد ولا بينة له ولو دخل على السلطان بان عذره.

الجزء: 16 - الصفحة: 109

م/: نحن لا نقبل من الجمال أن الكراء غير موجود إلا ببينة على ذلك فيكون ذلك عذراً له كإعلام الإمام.
ابن المواز قال مالك: ولو أكرى الإمام الإبل أو المكتري وقد اجتهد إن لم يكن سلطان، يريد وأشهد فذلك للمكتري قل أو كثر، وعليه الكراء الأول.
ابن المواز: ولو أكراها الجمال للمكتري بغير تلوم، فإن رضي به المكتري وقد نقده فإن كان هذا أكثر لم يجز له أخذ الفضل، وإن لم ينقده فله أخذ الفضل، وإن لم يرض فالكراء الأول قائم بينهما.
قال: ولو أكراها الجمال لنفسه ولم يرفع إلى السلطان وهناك سلطان فله الكراء وليرجع ثانية.
وكذلك في العتبية وكتاب ابن حبيب.
قال في العتبية: ولو تلوم وكلم الإمام وأشهد فليس عليه أن يرجع ثانية.
وقال ابن حبيب: ذلك سواء، وإن تلوم الوكيل وأشهد على ذلك ثم أكرى لنفسه؛ لأنه كان عليه أن يكري للمتكاري كما كان للسلطان أن يفعل فلما أكرى لنفسه كان المكتري مخيراً إن شاء سلم له الكراء أو رده فحمل متاعه، وإن شاء أخذ الكراء إن كان مثل الأول أو أقل، وإن كان فيه فضل فالفضل للمكري أكرى لنفسه أو للمكتري ولو كان السلطان هو الذي أكرى كان ذلك للمكتري قل أو كثر.

الجزء: 16 - الصفحة: 110

وكله قول مالك ومنهاجه.
م/ وقد تقدم أن من أكرى إلى الحج أو غيره فمات في الطريق فإنه يكري للميت شقه، ويطلب ذلك في الطريق، فإن وجد من يكتري وإلا كان على الميت لرب الإبل الكراء كله كاملاً.

الجزء: 16 - الصفحة: 111

[الباب الثاني عشر]

في الإقالة في الكراء والتفليس فيه

[الفصل 1 - في الإقالة في الكراء] قال مالك: ومن أكرى إلى الحج أو غيره، ثم تقابلا برأس المال أو بزيادة وقد نقده أو لم ينقده، فإن كان قبل الركوب وقبل النقد أو بعده وقبل غيبته عليه فلا بأس بالزيادة ممن كانت، وإن نقده وتفرقا جازت الزيادة من المكتري قصاصاً؛ لأنه يأخذ أقل مما دفع فلا تهمة في ذلك، ولم تجز من المكري؛ لأنه رد أزيد مما أخذ فهو سلف جر منفعة وصار الكراء محللاً، وكذلك بعد سيرهما يسيراً من المسافة للتهمة أن يكون ذلك محللاً، وأما بعد المسير الكثير من الطريق مما لا يتهمان فيه فجائز أن يزيده المكري إذا عجل الزيادة، وهذا بخلاف البيوع وأكرية الدور.
قال في غير المدونة: ولا يجوز تأخير الزيادة في الكراء المضمون.
قال في المدونة: ويدخل في تأخير الزيادة الدين بالدين.
م/ لأنه كان له ركوب مضمون ففسخه فيما لا يتعجله.

الجزء: 16 - الصفحة: 112

قال: ولا بأس أن يزيده المكتري وإنما تجوز زيادة المكتري بعد النقد قصاصاً، وإلا لم يجز ركبا أو لم يركبا.
م/ لأنه إذا لم يقاصه يصير كأنه دفع الدنانير الزائدة وركوبا في دنانيره التي نقده.
وقال غيره: لا يزيده الكري إن غاب على النقد قبل الركوب أو بعد يسير الركوب أو كثيره، وهو سلف جر منفعة وبيع وسلف.
م/ يريد سلفاً جر منفعة إن لم يركب؛ لأنه رد أزيد مما أخذ، وبيعاً وسلفاً إن ركب بعض الطريق، حصة ما ركب بيع وما يرد إليه سلف.
وكذلك قال سحنون في غير المدونة: إن لم يركب فهو سلف جر منفعة، وأما لو تقابلا بعد أن سار على أن يسترجع حصة بقية المسافة فهو بيع وسلف.
م/ جعل الغير كراء الرواحل إن زاده الكري كأكرية الدور، ويدخله البيع والسلف، ما مضى من المسافة بيع وما يرد عليه من الكراء مما كان نقده سلف، وأما إذا تقابلا بغير زيادة فجائز عنده؛ لأنه معروف صنعه.
وخالف بينه وبين أكرية الدور في هذا للضرورة التي تلحق المتكاريين، إما أن تدبر إبله أو لسوء عشرته، ولا ضرر يلحقه في الدار، وجعله سحنون كأكرية الدور سواء.
م/ والقياس ما قاله مالك وابن القاسم أن الإقالة بعد المسير الكثير بزيادة من المكاري

الجزء: 16 - الصفحة: 113

أو بغير زيادة جائزة إذا عجل الزيادة بخلاف أكرية الدور.
قال ابن المواز: لأنه قد يكره عشرة الجمال، أو تدبر إبله فلا يتهمان على قصد البيع والسلف، ولا عذر له في الدار؛ لأنه إن كان لها جيران سوء فهو عيب له به الرد إن لم يعلم.
م/ وذهب بعض أصحابنا إلى أن الباقي من المسافة هو البيع بالذي زاده بالكرى على ما كان أعطاه، والسلف هو المأخوذ مما كان أعطاه، وليس ذلك بشيء؛ لأن صورة البيع والسلف مما يقدر أن يكون في عقد، وأما أن يقدر البيع اليوم والسلف يوم العقد فهو بعيد من أصولهم.
والذي ذكرت أنا رأيت نحوه لأشهب، وأراه هو الغير مذكور.
قال ابن المواز: واختلف قول مالك في الأجير يقيله بعد النقد وبعد مضي بعض العمل.
فقال مرة: لا يعجبني ذلك، ثم قال إن صح فلا بأس به، وقال ابن القاسم، وقد يكرهه لخيانة أو غدر.
وخففه ابن القاسم أيضاً في الخياط والطحان يقدم إليه على عمل شيء معلوم ثم يتقايلان في بعضه، ولم يجزه في اللحم والرطب وسائر البيوع المضمونة.
قال: وكراء الدور كالسلع المضمونة إن هو أقاله بعدما سكن على أن يرد عليه حصة ما بقي من الكراء لم يجز وهو بيع وسلف، ولو لم ينقد أو انتقد ولم يسكن ولم يمض من المدة شيء لجاز.

الجزء: 16 - الصفحة: 114

ابن المواز: ويجوز تأخير الثمن إذا أقاله ولم يسكن؛ لأنه كراء حادث بخلاف الحمولة؛ لأن ذلك كراء مضمون، فهو دين فسخه في دين.
وكذلك قال ابن القاسم في العتبية.
وقاله ابن حبيب فيمن اكترى ظهرا ونقده الكراء ثم أقاله المكري على أن يؤخره بالثمن لم يجز سار أو لم يسر.
قال ابن حبيب: وإن اكترى منه كراء مضموناً ونقده الثمن وتفرقا ولم يسر فتقايلا على إن زاده المكتري عرضاً نقداً أو إلى أجل جاز.
م/ لأنه يصير دفع عرضاً نقداً أو مؤجلاً والركوب أو الحمل الذي له في الدنانير التي كان نقده إياها فذلك جائز.
قال ابن حبيب: وإن لم يكن نقده وكان الكراء عليه إلى انقضاء المسافة أو إلى أجل فزاده عرضاً معجلاً جاز ولا يجوز إلى أجل.
م/ لأنه يصير الجمال قد فسخ كراءه المؤجل في عرض مؤجل وذلك فسخ دين في دين.
[الفصل 2 - في تعجيل المسلم فيه قبل أجله مقابل زيادة في ثمنه] ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن أسلف في حمولة مضمونة إلى شهر ثم سأل

الجزء: 16 - الصفحة: 115

المكري أن يعجل له الحمولة قبل الشهر ويزيده فلا يجوز ذلك؛ لأنه من باب سلف جر منفعة ومن باب ضع وتعجل، ولو كان قد حل فقال للجمال وخره عليك وأزيدك لم يجز؛ لأنها زيادة على ضمان.
وقال في كتاب محمد: كعرض لك من سلم قد حل فزدته على أن أخرته عليه.
قال أصبغ: وإنه لضعيف وما أحب العمل به، فإن نزل لم أفسخه إلا أن يطول الأمر مثل شهر أو شهرين.
ابن المواز: فيكون أقوى في الكراهية لخوف المراباة.
قال: وقول ابن القاسم هو الفقه والصواب.
قال ابن القاسم: ولو سار بعض الطريق ثم سأله أن يقيم عليه أياماً ويزيده لجاز.
قال أصبغ: وهذا مثل الأول وهذا بين ضعفه.
قال ابن المواز: ليس كالأول، وقد فرق مالك بين أن يقيله قبل الركوب بزيادة وبين أن يقيله بعد أن سار وتباعد فأجاز هذا في الرواحل دون الدور.
[الفصل 3 - في المكري يطلب من المكتري أن يبيعه ما حمل له من الطعام بنقد أو بتأخير ويفاسخه الكراء] ومن العتبية قال أصبغ: ومن اكترى على حمل طعام إلى بلد، فلما كال الطعام على

الجزء: 16 - الصفحة: 116

المكري، قال له المكري: بعه مني بنقد أو بتأخير وفاسخني الكراء.
فإن كان الكراء بنقد ولم ينتقد حتى باعه بنقد وفاسخه فذلك جائز.
م/ يريد لأن رب الطعام يصير قد دفع الطعام والحمل الذي له على الجمال في الدنانير التي نقده وفيما ينقده من ثمن القمح، وذلك طعام وحمل في دنانير فذلك جائز.
قال: وإن كان الكراء بتأخير لم يجز؛ لأنه باع عرضاً معجلاً وهو الطعام وكراء مؤجلاً بدنانير معجلة ودنانير مؤجلة، وللعرض المؤخر وهي الحمولة من الدنانير المؤخرة حصة فدخله الكالئ بالكالئ، وإن كان الكراء بنقد وانتقد.
م/ يريد وغاب على النقد، فهو الزيادة في السلف فلا يجوز كان البيع بنقد أو بتأخير؛ لأن ما يزيده من ثمن الطعام فيه الزيادة، والسلف هو الكراء الذي يرد، وإن كان البيع بتأخير فهو أشد.
فصل [4 - في تفليس المكتري] ومن المدونة قال مالك: وإذا فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع حتى يقبض كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل كرائه.
قال ابن القاسم: كان قد سار قليلاً أو كثيراً ركب أو لم يركب بعد، إذا كان قد قبض المتاع، وكطذلك الصناع إذا قبضوا المتاع فهم أولى به حتى يستوفوا جميع كرائهم

الجزء: 16 - الصفحة: 117

فيه، ويكون العمل عليهم للغرماء.
قال ابن المواز: وإن لم يقبض الأكرياء ولا الصناع المتاع إلا أنهم قد أكروا على حمله بعينه أو على صنعته فقام الغرماء قبل أن يحوزوه فإنه يباع ذلك المتاع للغرماء ويكون الكراء قائماً بينهما للغرماء.
م/ يريد إذا دفع الغرماء للمكري جميع الكراء، وإن لم يدفع الغرماء الكراء خير الجمال، فإن شاء فسخ الكراء؛ لأن الحمل كسلعة له قائمة فهو أولى بها من الغرماء، وإن شاء لم يفسخه وحاصهم في ثمن المتاع وكان للغرماء كراء الإبل في مثل ذلك، وكذلك الصناع.
[الفصل 5 - في تفليس الحمالين] قال ابن المواز: وإن فلس الحمالون فقام غرماؤهم، فإن كانت إبلاً بأعيانها فالمكترون أولى بها قبضوها أو لم يقبضوها كالشراء، وكذلك إن لم تكن بأعيانها قد قبضوا إبلاً يحملون عليها أو يركبونها، وإن لم يقبض المكترون شيئاً في غير المعينة فالغرماء والمكترون أسوة في مال المكري يحاص المكترون بقيمة كرائهم على ما يساوي يوم الحصاص، وليس على ما اكتروا، فما صار لهم اكترى لهم به، وإن بقي لهم شيء أتبعوا به المكري ديناً.
قال: وسواء نقدوا كراءهم أو لم ينقدوه، إلا أنهم إن لم ينقدوه غرموا الكراء وتحاصوا فيه وفي سائر ماله هم والغرماء فإن صار لهم نصف الكراء اتبعوا المكري

الجزء: 16 - الصفحة: 118

بنصف الحمولة وليس بثمن.
قال: وإذا كانت الإبل في المضمون بيد المكترين وكان الجمال يديرها عليهم للحمل أو للركوب فيفلس المكري فكل واحد من المكترين أولى بما بيده من صاحبه ومن الغرماء.
قال سحنون في العتبية: وإذا أراد الجمال أن يدير بينهم الإبل وأبى ذلك أصحاب الأحمال والمحامل فليس ذلك للجمال إلا عن رضى منهم.
والمحامل وغيرها في الكراء المضمون سواء هم أولى بما في أيديهم.
قيل له: فإن احتاج الجمال فتسلف من بعضهم وأرهنه ما في يده من الإبل.
قال: ذلك جائز وهو رهن مقبوض.
تم الكتاب بحمد الله وحسن عونه، وقد جرى في بعض المسائل من أكرية السفن فيها تقصير فرأيت أن أذكر من أكرية السفن ما ينبغي ذكره، ولا يسع جهله تتميماً لكتابنا هذا، والله الموفق.

الجزء: 16 - الصفحة: 119

[الباب الثالث عشر]

جامع القول في أكرية السفن

[الفصل 1 - في الكراء يكون جزءاً من الطعام المحمول في السفينة] ومن قول مالك في الرجل يكتري من صاحب سفينة على حمل طعام من بلد إلى بلد بجزء منه، فإن شرط رب السفينة قبض كرائه مكانه فذلك جائز، وإن شرط تأخيره إلى الموضع الذي يحمله إليه لم يجز؛ لأنه شيء بعينه لا يقبض إلا إلى أجل، فإن لم يشترط تأخيره ولا تعجيله وسكتا عن ذلك فالكراء فاسد عند ابن القاسم حتى يشترط رب السفينة أخذ جزئه معجلاً.
واجازه غيره حتى يشترط أن لا يقبضه إلا بعد البلوغ؛ لأن رب السفينة لم يمنع من أخذ جزئه، فإن غرقت السفينة في الطريق وذهب ما فيها فادعى رب الطعام أن معاملتهما وقعت على أن رب السفينة قبض جزءه بالموضع الذي ركبوا منه وطلب تضمينه ذلك، وقال رب السفينة بل اشترطت عليه قبضه بعد البلاغ، فرب الطعام مصدق مع يمينه؛ لأنه مدع للحلال، وعلى رب السفينة البينة على ما ادعى وإلا ضمن مثل مكيله ذلك الجزء في الموضع الذي ركبوا منه؛ لأن مصيبته منه ولا كراء له إلا على البلاغ.

الجزء: 16 - الصفحة: 120

م/ يريد وهذا إذا لم تكن لهم سنة يحملون عليها فإذا كانت لهم سنة جارية فالقول قول من ادعاها وإن كانت فاسدة.
وقاله كثير من شيوخنا.
[الفصل 2 - في نقد كراء السفن قبل الإقلاع] وروي أن مالكاً وابن القاسم كرها النقد في كراء السفن من أجل أن الكراء لا يجب إلا بعد البلوغ.
وقال ابن نافع: النقد جائز وله من الكراء بحساب ما بلغ.
قال محمد بم إبراهيم بن عبدوس: وإن عطب المركب قبل الإقلاع، فزعم الركاب أنهم نقدوا الكراء، وأنكر ذلك رب المركب فهو مصدق مع يمينه، ولا تجوز شهادة بعضهم لبعض في ذلك؛ لأنه ليس بموضع ضرورة، ولو أرادوا أن يشهدوا غيرهم على نقد الكراء لفعلوا.
وفي العتبية: أن شهادة بعضهم لبعض في ذلك جائزة، كالذين تقطع عليهم الطريق فيشهد بعضهم لبعض.

الجزء: 16 - الصفحة: 121

فصل [3 - في كراء السفن في وقت لا يصلح فيه ركوب البحر] قال بعض أصحابنا: ولا يجوز كراء السفن على أن يركب في وقت لا يصلح فيه ركوب البحر في الشتاء وشبهه، ويفسخ إن نزل لأنه غرر، ولو شرط في العقد أن يصبر إلى وقت يصلح فيه ركوب البحر وكانت سفينة بعينها جاز ذلك ما لم ينقده، فإن نقده وكان صلاح الركوب قريباً مثل نصف شهر ونحوه جاز ذلك، وإن بعد كالشهرين ونحوهما لم يجز النقد، ولو كان الكراء مضموناً جاز حينئذ النقد وإن بعد أوان الركوب.
فصل [4 - في فسخ الكراء إذا تعذر ركوب البحر] ومن اكترى سفينة في وقت يصلح فيه ركوب البحر، فتعذرت الريح، أو منع الركوب لوجه ما حتى صار الوقت لا يصلح فيه ركوب البحر، فمن طلب الفسخ فذلك له، وكذلك لو كان الركوب ممكناً إلا أن في البحر خوفاً من قطع لصوص أو روم وثبت ذلك، فإن الكراء يفسخ لمن أراده.
ابن المواز قال مالك: وإذا اكترى قوم سفينة فحبسهم الريح عشرين يوماً، فأراد الركاب الفسخ، فليس لهم ذلك وليس ذلك للنوتي إن طلبه.
يريد إذا كان في أوان ركوب البحر.

الجزء: 16 - الصفحة: 122

فصل [5 - متى يستحق رب السفينة الكراء؟] ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى سفينة فغرقت في ثلثي الطريق وغرق ما فيها من طعام وغيره فلا كراء لربها ورأى أن ذلك على البلاغ.
وقال ابن نافع: لرب السفينة بحساب ما بلغت.
وقال يحيى بن عمر الأندلسي: إن كان كراؤهم على قطع البحر مثل السفر إلى صقلية من إفريقية أو إلى الأندلس فلا شيء له من الكراء، وإن كان كراؤهم مع الريف مثل كرائهم من مصر إلى إفريقية وشبهه فله بحساب ما سار.
بهذا كان أصبغ يقول: وقال يحيى بن عمر: وإذا بلغ المركب البلد الذي قصدوا إليه وأرسى فركبه هول البحر حين بلوغه، ولم يمكنهم التفريغ من أجل الهول حتى عطب المركب فذهب ما فيه فلا كراء لصاحب المركب، وحكمه حكم ما لم يبلغ، إلا أن يكونوا أرسوا واشتغلوا بغير تفريغ المركب، وكانوا قادرين على تفريغه، فتوانوا حتى

الجزء: 16 - الصفحة: 123

حين أرسوا أخذوا في التفريغ من غير تفريط فأخرجوا بعض الشحنة، ثم ركبهم الهول وحال بينهم وبين تفريغ ما بقي في المركب حتى عطب، فإن على من سلم متاعه الكراء، ولا شيء على من عطب متاعه.
قال أصبغ: وإذا عطبت السفينة ببعض الطريق وسلم ما فيها، فإنه يحاسب بما سار من الطريق؛ لأنه انتفع بحملاته، ولا يكون عليه أن يحمله كرهاً في غيره إذا كان مركباً بعينه.
وكذلك قال سحنون عن ابن القاسم في العتبية فيمن اكترى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في بعض الطريق، فاستخرج نصف القمح فحمله في غيرها، فلرب السفينة الأولى أن يأخذ من الكراء بحسب ما خرج من القمح بقدر ما انتفع به ربه ببلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه.
قال سحنون في موضع آخر: وهي كمسألة مالك في الجعل في البئر يحفر بعضها ويتركها، ثم يجعل ربها لآخر فيتمها، فليعط الأول بقدر ما انتفع به رب البئر، وكذلك يعطى رب المركب بقدر ما انتفع به رب القمح.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تكارى من نوتي إلى الإسكندرية فلما بلغ الملعدس وقف المركب من قلة الماء.
قال: يحاسبه بقدر ما بلغ.
قيل: فإن ظن أنه يلزمه حملانه فأكرى عليه فبلغه الإسكندرية قال: لا شيء للنوتي؛ لأنه لو شاء لم يفعل ويخاصم فيه.
قيل: فلو كان

الجزء: 16 - الصفحة: 124

الإسكندرية قال: لا شيء للنوتي؛ لأنه لو شاء لم يفعل ويخاصم فيه.
قيل: فلو كان وقوف المركب في موضع ليس فيه أحد ولا يوجد فيه سلطان فخشي هلاك المتاع فأكرى عليه.
قال: لعل هذا، ولا يشبه هذا الأول.
فصل [6 - في كراء ما ابتل في المركب من المتاع أو الطعام] قال يحيى بن عمر: وروى أبو زيد عن ابن القاسم في المركب يبتل فيه بعض المتاع، فإنه يقوم صحيحاً، ثم يقوم مبلولاً، فإن نقص نصف قيمته طرح عن صاحبه نصف كرائه، وكذلك فيما قل أو كثر.
قال أبو سعيد بن أخي هشام: ما ابتل في أعلى المركب من أمواج متراكبة أو أمر غالب، أو من عمل المركب للماء مما لا صنع لصاحب المركب فيه، ولا تغرير من سوء عمل أو قلفطة إلا من هول البحر وشدته، فإن ابتل بللاً كثيراً حتى صار لا قيمة له فالكراء يبطل، ولا يلزم منه شيء.
وإن تغير حتى نقص نقصاناً بيناً فإنه ينقص من الكراء بقدر ما نقص من قيمته، وأما إن كان غر من سوء عملها وقلفطتها حتى لا يشك أنها عملت الماء لأجل

الجزء: 16 - الصفحة: 125

ذلك وفسد ما فيها فساداً بيناً فربها ضامن؛ لأنه غر منها، وأما ما ناله من ذلك من رش خفيف ونداوة ليست بفساد بين فلا ينقص لذلك من الكراء شيء، ولا يضمنه صاحب السفينة.
فصل [7 - في المركب يطرح بعض ما فيه رجاء النجاة] قال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم في المركب يخاف أهلها الغرق فيطرح بعض ما فيها لتخف رجاء النجاة أن أهل المتاع المطروح شركاء بثمنه في المتاع السالم في النماء والنقصان حتى يكون ما طرح وما سلم كأنه لجميعهم وتكون شركتهم في جميع ذلك بأثمانه من موضع اشتروه إن كان اشتروه من موضع واحد شراء لا محاباة فيه، وإن كان شراؤه من مواضع شتى، أو فيهم من اشترى وفيهم من لم يشتر، أو طال مكث شرائه حتى حال سوقه، فإنه يقوم السالم والذاهب بالموضع الذي ركبوا منه يوم ركبوا، ثم يكونون بتلك القيمة شركاء في السالم، وسواء طرح الرجل متاعه أو متاع غيره بإذنه أو بغير إذنه.
وقاله جميع أصحاب مالك.
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم، واختلف قول مالك في المختصر في تقويم ذلك فقال قيمته من موضع حمل.
وقال في موضع يحمل إليه.
وقال في موضع طرح في البحر.
وهي رواية أشهب عنه.
قال أبو محمد بن أبي يزيد: وإنما يكون الذين رمي لهم شركاء لكل واحد ممن لم يرم له فيما في أيديهم وكذلك من لم يرم له شريك لكل من رمى له فيما رمي، ولا يكون من لم يرم له شركاء بعضهم لبعض، فإن كان قيمة ما رمى مثل نصف قيمة ما سلم كان لرب ما رمى نصف السالم، وإن كان قيمة ما رمى مثل نصف قيمة ما سلم كان لرب ما رمى

الجزء: 16 - الصفحة: 126

ثلث السالم، وإن كان إنما رمى نصف متاعه فليأخذ من لم يرم له نصف متاعه، ولا تراجع بينهما فيه، ويكون شريكاً لهم في النصف الآخر بقدر قيمة متاعه من قيمة متاعهم على هذا الشرح، وكذلك لو رمى جميع متاعه ثم أخرج من البحر وقد أذهب نصف قيمته، فإنما يشاركهم في نصف متاعهم مثل ما لو رمى نصف متاعه فقط، وإذا شاركهم من رمى متاعه كان عليه من كراء السالم بقدر ما حكم له به فيه، وإذا خرج نصف متاعه وقد نقص كان عليه حصة كراء ما خرج على نقصه، وإخراج هذا المتاع على ربه، وإنما تعتبر قيمته صحيحاً من قيمته معطوباً في أمر الكراء الذي يغرمه في الموضع الذي خرج فيه.
قال أبو محمد: وإذا رمى بعض المتاع ثم ابتل ما بقي منه بللاً أذهب بعض ثمنه فإن الذين يرمى متاعهم شركاء لأصحاب المتاع المعيب بقدر ثمنه صحيحاً وقدر ثمن المتاع الذي رمي بموضع أشحنوا ذلك كله منه؛ لأن العيب الذي حدث في الباقي كأنه حدث على جميعه، وهذا إذا كان المعيب وقت الرمي صحيحاً، فأما إن كان دخله العيب قبل الرمي فلا يحسب لأهله إلا قيمته معيباً بموضع أشحنوه.
قال أبو محمد: قال يحي بن عمر وإذا طرح أهل المركب ما نجوا به حسب ذلك على جميع ما في المركب مما يراد به التجارة من جوهر وغيره مما تقل مؤنة حمله أو تكثر.
قال ابن حبيب: وليس على صاحب المركب شيء ولا على أبدان من لا متاع لهم ولا على خدمة المركب وقومته أحراراً كانوا أو مماليك إلا أن يكون العبيد للتجارة فتحسب قيمتهم مسلمين كانوا أو كفاراً.
قال ابن حبيب: ومن كان معه دنانير أو دراهم ناضة كثيرة يريد بها التجارة فهي

الجزء: 16 - الصفحة: 127

داخلة في الشركة إلا ما كان من نفقته لسفره أو لا يريد بها التجارة فلا يحسب.
وذكر عن ابن ميسر أنه قال من كان معه عين فلا يلزمه شيء من قيمة ما طرح من المركب.
وقاله ابن أبي مطرف ومحمد بن عبد الحكم.
م/ والصواب ما قاله ابن حبيب.
قال محمد بن عبد الحكم: وأجمع أصحابنا أن المركب لا يدخل في شيء من حكم الطرح.
وقاله ابن حبيب.
وذكر حبيب عن سحنون أن جرم المركب يدخل في قيمة ما طرح منه.
م/ وهو أقيس.
وسئل أبو محمد عن مركب كان مرسياً بالمهدية فأخذه هول فنقد بقاعه قاع البحر فخيف عليه أن يهلك من ذلك فرمى منه التجار بعض ما فيه ليخف ولا يصل إلى

الجزء: 16 - الصفحة: 128

قاع البحر فذهب الهول وخلص المركب، وأراد أصحاب الحمولة أن يدخلوا المركب في قيمة ما طرح منه وأبى صاحب المركب.
فقال أبو محمد إذا رمى من شحنته خوفاً عليه أن يهلك من نقده بقاعه فإنه يدخل في القيمة ويحسب عليه من قيمة ما رمي ما ينوبه من ذلك.
وقال محمد بن عبد الحكم: وأهل العراق يقولون إن المركب وعبيده وجميع ما فيه للتجارة أو للقنية يدخل في قيمة ما طرح منه.
م/ وأنه القياس لأنه بذلك الطرح سلم الجميع فيجب أن يكون على كل ما بقي حصته مما طرح.
قال ابن عبد الحكم: وقال بعض أصحابنا: لم يختلف قول مالك وأصحابه أم كل ما اشترى للقنية عبيداً كانوا أو كسوة أو حلياً أو جوهراً أو مصحفاً للقنية فإنه لا يدخل منه شيء في حساب ما طرح، وما طرح مما اشترى للقنية مصيبته من صاحبه دون غيره قليلاً كان أو كثيراً؛ لأنه زائل من حكم التجارة، وصاحب المركب كسائر التجار فيما اشتراه للقنية أو للتجارة فيما يحسب أو لا يحسب.
فصل [8 - فيمن يرجع إليه عند تقدير ثمن المتاع المطروح] ومن الواضحة قال ابن القاسم: وإذا طرح من المركب شيء عند الخوف فكل واحد من أهل المركب مصدق مع يمينه في ثمن متاعه المطروح أو السالم ما لم يأت بما يستنكر ويتيقن فيه كذبه.
وقال سحنون في العتبية يقبل قول كل واحد في مبلغ ثمن طعامه المطروح بلا بينة ولا يمين إذا ظهر صدقه إلا أن يتهم فيحلف.

الجزء: 16 - الصفحة: 129

قال بعض أصحابنا: وإذا طرح من المركب متاع عند الهول فادعى من طرح له أنه كان متاعاً كثيراً، وقال صاحب المركب: لم يشحن عندي إلا أقل مما ادعى.
فإنه يرجع في هذا إلى ما في الشرنبيل فإنه قد جرى أمر الناس عليه، وما كان في داخل المتاع مما يخفى ذكره في الشرنبيل فالقول قول صاحب المتاع فيه مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يملك مثله.
م/ وما لم يكن في الشرنبيل فهو مدع فيه، وهو ظلم إذا لم يكتبه فيجب أن لا يصدق.
وقال أبو محمد: وإذا ادعى صاحب المتاع أن صفة متاعه كذا وكذا، وكذبه الباقون، وادعوا أن صفته كذا فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن جهلوا ذلك فالقول قول صاحب ذلك الشيء مع يمينه.
قال ابن أخي هشام إذا زعم رب السفينة أنه رمى بعض شحنتها لهول أصابه وكذبه أصحاب ذلك، ولم يكونوا معه في المركب، فهو مصدق في العروض في قول ابن القاسم، ولا يصدق في الطعام إلا بالبينة.
فصل [9 - في مصالحة من رمي له شيء على دنانير على أن يبقي لهم متاعهم] قال أبو محمد: وإذا صالح أهل المركب من رمى له شيء على دنانير دفعوها إليه على أن يبقي لهم متاعهم فالصلح جائز إذا عرفوا ما يلزمهم في القضاء، ثن اصطلحوا بعد ذلك على إقرار أو إنكار.
قيل: وإن صالحوه على شيء ثم خرج متاعه من البحر سالماً أو أذهب البحر نصف قيمته، قال: إن خرج سالماً فهو له وينتقض الصلح وتزول الشركة، ولو خرج وقد ذهب نصف قيمته انتقض نصف الصلح، ويرد عليهم نصف ما أخذ،

الجزء: 16 - الصفحة: 130

ويكون هذا الخارج له خاصة، وعليه فيه الكراء على ما ذكرنا فيه الكراء على ما ذكرنا، وإن قيل: إن خرج متاعه سالما لم يكن له أخذه دونهم بل يشركونه فيه؛ لأنه بيع مضى، وقيل يكون لهم دونه لأنه بيع مضى.
واحتج بمسألة ابن القاسم في الدابة يتعدى عليها المستعير أو المكتري فتضل فيصالحه ربها على قيمتها ثم توجد أن ربها لا يأخذها وهي للمعتدي، قيل له ليس ذلك سواء؛ لأن مسألة الدابة فيها تعد موجب تضمينها في الذمة، والرمي في البحر ليس بتعد إنما هو شيء توجبه الضرورة فما سلم منه فهو لمالكه، وما هلك أوجب هلاكُه الشركةَ فيما سلم.
وإذا خرج متاعه وقد أذهب البحر نصف قيمته فكأنه هلك له نصف متاعه.
فصل] 10 - في ضمان رب المركب الطعام الذي سلم إليه وغاب صاحبه عنه [. وقيل فيمن اكترى سفينة على حمل طعام من سوسة إلى سفاقس وكان رب الطعام يوصله إلى المركب شيئا فشيئا وينصرف عنه حتى تم وسقه أو حمله إلى المركب في حمله ما وسقه صاحب المركب، ثم غاب عنه رب الطعام إلى يوم الإقلاع، فأتى فركب مع طعامه فساروا بعض الطريق ثم ردتهم الريح إلى سوسة، فأراد صاحب الطعام السير في البر فأبى عليه صاحب المركب إلا أن يركب مع طعامه خيفة أن يضيع منه شيء

الجزء: 16 - الصفحة: 131

فيضمنه صاحب المركب، فليس ذلك لصاحب اللوح، وليس ركوبه معه مما يسقط عنه الضمان؛ لأنه قد سلم ذلك إليه وحازه وصار في ضمانه، وإنما ركب معه لما أتى وقت إقلاعه، وإنما الذي لا يضمن الذي لم يسلم إليه الطعام ولا اؤتمن عليه، وكان ربه معه من وقت وسقه إلى وقت إقلاعه.
فصل] 11 - في القوم يحملون الطعام في السفينة مخلوطا فيريد أحدهم بيع حصته في الطريق، أو ينزلها عندما يمر بمنزله [. ومن العتبية قال أشهب: عن مالك في القوم يحملون الطعام في السفينة مخلوطا، فأراد بعضهم بيع حصته في الطريق، فليس ذلك له إلا برضي أصحابه؛ لأنه ربما فسد أسفل الطعام أو أصاب أعلاه مطر فيقسم بينهم الجيد والفاسد إلا أن يسلموا له حقه فذلك لهم، ثم لا تباعه لهم إن وجدوا القمح فاسدا.
ومن سماع أبي زيد قال مالك: وإذا فسد بعض الطعام فإن كان طعام كل واحد على حدة في شكائر، أو قد حجزوا بحواجز فمن ابتل له شيء أو فسد فهو منه، والسالم لربه لا شيء عليه فيه، وإن انخرقت الحواجز حتى اختلط القمح فهم في جميعه شركاء فيما فسد وفيما سلم.
قال مالك في نفر حملوا طعامهم في سفينة فأحب أول من يمر بمنزلة أخذ طعامه فذلك له، ثم إن غرقت السفينة بعد ذلك فلا رجوع لأصحابه عليه أذنوا له في ذلك أم لا، وليس عليه أن يبلغ معهم بطعامه ثم يرجع إلا أنه إن نقص الكيل وثبت ذلك فلهم الرجوع عليه

الجزء: 16 - الصفحة: 132

بحصته.
م/ يريد وكذلك إن ابتل وعلم أنه أدركه ذلك البلل قبل نزوله عنهم، وقيل فيمن اكترى سفينة إلى موضع فأراد نزول رحله دونه فله ذلك إلا أن يكون في ذلك على أصحابه ضرر مثل أن يكون رحله تحت رحالهم ولا يخلص له إلا بإدخال الضرر عليهم فلهم منعه من ذلك.
فصل] 12 - في كيفية إنزال الزيادة إذا حملوا المركب فوق حمله [. قال أبو محمد وأبو سعيد بن أخي هشام في قوم أشحنوا طعاما في لوح، لكل واحد كيل معلوم، فلما أرادوا أن يقلعوا تبين لهم أنهم أشحنوا فيه فوق حمله، فأنزلوا منه كيلا فقبضه أحدهم في حصته بإذن أصحابه، وكان بعضهم غائبا، ثم أقلع المركب فعطب، فلمن كان غائبا أن يدخل على الذي قبض ذلك الكيل.
بمقدار حصته منه، وإن كان الذي قبض القمح باعه فلمن غاب أن يجيز البيع ويأخذ ثمن مقدار ما يخصه، أو لا يجيزه ويغرمه مثل كيله في جنسه وصفته.
م/ وسئلت أنا عن قوم أوسقوا في مركب متاعا، فلما أقلعوا أصابهم هول وخافوا الغرق وبان لهم أنهم أوسقوه فوق حمله، فأرادوا أن ينزلوا بعض وسقه في البر فاختلف أصحاب المتاع في ذلك، فقلت: إن علم الأول فالأول في الوسق فإنه ينزل وسق الآخر فالآخر؛ لأنه من حين أخذ المركب حقه في الوسق كان وسق من أوسق بعد ذلك غير جائز، وإن لم يعلموا من هو أول ولا آخر فينزل من رحل كل واحد ما يخصه، مثل أن

الجزء: 16 - الصفحة: 133

ينزلوا عشر وسقه فينزل كل واحد عشر ما أوسق وإن خمسا فخمسا.
وقاله بعض أصحابنا.
فصل] 13 - في الشريكين في السفينة يجد أحدهما الحمل وليس للآخر ما يحمل، والمركب يصلحه أحد الشريكين بغير إذن الآخر [. ومن العتبية قال سحنون في رجلين لهما سفينة فأراد أحدهما أن يحمل في نصيبه متاعا له وليس لصاحبه شيء يحمله، فقال الذي ليس له شيء للآخر: لا أدعك تحمل فيها شيئا إلا بكراء، وقال الآخر: أنا أحمل في نصيبي.
قال: فله أن يحمل في نصيبه، ولا يقضي لشريكه عليه بكراء، فإما أن يحمل مثل ما حمل صاحبه من الشحنة والمتاع، وإلا بيع المركب عليهما.
وقال أبو محمد في مركب بين رجلين نصفين خرب أسفله حتى لا ينتفع به إلا بإصلاحه، فأصلحه أحدهما بغير إذن شريكه، ثم طلب شريكه بنصف النفقة، فأبى الشريك من ذلك، وقال: أنت أنفقت بغير إذني.
قال: فالشريك بالخيار إما أن يعطيه نصف ما أنفق ويكون المركب بينهما، أو يأخذ من شريكه نصف قيمته خرابا إذا شاء ذلك شريكه، فإن أبيا من ذلك فالمركب بينهما يكون للذي أنفق بقدر ما زادت نفقته فيه مع حصته الأولى، مثل أن تكون قيمته خرابا مائة وقيمته مصلوحا مائتين فيكون للذي عمل ثلاثة أرباعه ولشريكه ربعه.

الجزء: 16 - الصفحة: 134

م/ والذي أرى أن يكون شريكه مخيرا بين أن يعطيه الأقل من نصف ما أنفق، أو من نصف ما زادت نفقته في المركب، أو يكونا شريكين فيه بقدر ما زادت نفقته فيه؛ لأن له أن يقول له: بعه الآن وخذ ما زادت نفقتك.
فلما كان له ذلك كان له أن يعطيه نصف ما زادت نفقته فيه، ويكون المركب بينهما.
وله أن يعطيه أيضا نصف ما أنفق إذا كان ذلك أقل ويكون بينهما.
ومن مسائل لابن عبدوس في قوم اكتروا مركبا من الإسكندرية إلى طرابلس فردتهم الريح إلى سوسة، ومع المتاع ربه أو وكيله، وهو من أهل طرابلس أو غيرها فذلك سواء، فإن شاء أخرج متاعه بسوسة ولا كراء عليه لزيادة المسافة، وإن شاء الرجوع إلى طرابلس بالمتاع أو بنفسه خاصة أو بالأمرين فذلك له؛ لأنه شرطه، ولا ينظر إلى غلاء المتاع بسوسة ولا رخصة.
م/ وذكر البراذعي لأبي سعيد بن أخي هشام خلافه، وما ذكر ابن عبدوس أصوب.
م/ ومن اكترى دابة لحمل أو ركوب فأكراها من غيره في مثل ما تعطب في مثله، ولم

الجزء: 16 - الصفحة: 135

يعلم الثاني أنها لغيره فركبها الثاني أو حمل عليها ما شرط حمله فعطبت.
فذهب جماعة من أصحابنا أن لربها أن يضمن من شاء منهما كما لو قتلها الثاني.
وظهر لي ولغيري من أصحابنا أنه لا يضمن إلا الأول؛ لأنه المتعدي.
فأما الثاني فقد حمل ما شرط له وأبيح، كما لو اشترى دارا فهدمها ثم استحقت فليس لربها أن يضمنه؛ لأنه صنع ما هو مباح له.
وذلك بخلاف من اشترى عبدا فقتله ثم استحق فلربه تضمينه؛ لأنه متعد في قتله فافترقا، والله أعلم.
تم كتاب الرواحل والدواب.

الجزء: 16 - الصفحة: 136

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل