الجامع لمسائل المدونةكتاب الضحايا من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب: الأول]

في وجوب الأضحية، ومن تلزمه، أو يلزمه أن يضحي عنه

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالذبح وهو لكم سنة".
قال مالك: والأضحية سنة واجبة لا ينبغي تركها لقادر عليها من أحرار المسلمين.

الجزء: 5 - الصفحة: 821

قال غيره: وليست واجبة وجوب الفرائض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هن على فرض، ولكم تطوع: الوتر والأضحية، والسواك".
ومن المدونة: قال مالك: إلا الحاج، فليست عليهم أضحية، وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يشهد الموسم فهم في ضحاياهم كالأجنبيين.
م: وإنما لم تكن على الحاج؛ لأن ما ينحر بمنى إنما هو هدي؛ لأنه يوقف بعرفة؛ ولأن الحاج لم يخاطبوا بصلاة العيد لأجل حجهم فكذلك هذا في الأضحية.
ومن المدونة: قلت: فشراء الأضحية احب إلى مالك أم الصدقة بثمنها؟ قال: قال مالك: لا أحب ترك الأضحية لمن قدر عليها.

الجزء: 5 - الصفحة: 822

قال مالك: وهي على الصغار والكبار من ذكر أو أنثى حاضر أو مقيم أو مسافر.
قال ابن المواز: تعظيماً لله وشكراً لما أكمل لهم من دينهم في يومهم ذلك، وهو يوم الحج الأكبر، وهو اليوم الذي قال الله عز وجل فيه: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا".
قال ابن حبيب: الأضحية سنة لا رخصة لأحدٍ في تركها، والفقير إن وجد ثمنها أو من يسلفه فليتسلف.
وقال غير واحد من أصحابنا البغداديين: إنها غير واجبة، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم هلال ذي الحجة وأراد أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يضحي"، فقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن يضحي" يقتضي التخيير، وليس هذا من شرط الواجب.
م: فإن أراد أصحابنا أنها ليست بواجبة وجوب الفرائض فنعم، وإن أرادوا ليست بواجبة أصلاً، فليس الأمر كذلك، ولا حجة لهم بقوله صلى الله عليه وسلم: "من أراد أن

الجزء: 5 - الصفحة: 823

يضحي"، ويكون معنى قوله "من اراد أن يضحي" أي من أراد أن يذبح أضحيته فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره حتى يذبحها، ويكون معنى قوله: "من أراد" أي من كان من أهل الضحايا إذ ثم من تسقط عنه، وهو الفقير الذي لا يجد ثمنها، والحاج، ومن فيه بقية رق.
والدليل على وجوبها: قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت بالنحر، وهو لكم سنة"، وقوله للذي ذبح أضحيته قبله: "عد أضحيتك" قال: ليس عندي إلا جذعة من المعز قال: "أذبحها ولن تجزي عن أحدٍ بعدك"، وهو أبو بردة بن نيار.
وقال ربيعة: هي من الأمر، اللازم، وهي افضل من صدقة سبعين ديناراً.
قال ابن حبيب: هي أفضل من العتق، ومن عظيم الصدقة؛ لأن إحياء السنن أفضل من التطوع.
وقال ابن القاسم، وابن حبيب: من تركه وهو قادر عليها/ فهو آثم.
قال في كتاب ابن المواز: من ترك ذبح أضحيته حتى زالت أيام مني فقد أساء في تعمده، وإن نسي فقد فاته خير كثير، فهذا كله يؤيد وجوبها إذ لا يأثم الإنسان إلا بترك الواجب: ابن المواز: وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فقال له: "يا جبريل كيف رأيتم سنتنا في يومنا هذا استقامت؟ فقال: نعم، فقد استبشر بذبحكم أهل السماء، وقال:

الجزء: 5 - الصفحة: 824

يا محمد: الجذع من الضأن خير من السيد من المعز، يعني: العظيم المسن، وخير من السيد من البقر، ولو يعلم الله عز وجل ذبحاً أعظم وأفضل من ذبح إبراهيم أعطاكه".
قال: وما كان من ذبح إبراهيم هو الذي قرب ابن آدم، فهذا كله يؤيد أنها سنة واجبة.
ابن المواز: وروي أن معاذ بن جبل قال "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا يوم العيد أن نلبس أجود ما نجد من الثياب، وأن نخرج وعلينا السكينة والوقار، ويأمرنا أن نظهر التكبير، ويأمرنا أن نضحي بأسمن ما نجد، ويأمرنا أن لا نذبح حتى نرجع من المصلى، وكان يأمرنا أن نختار السليم من الضحايا، وكان ينهانا أن نضحي بالجذع من المعز، وكان يأمرنا أن نطعم منها الجار والسائل من كان".
وكان أبو هريرة يقول: "من لم يضح وهو يقدر فلا يشهد المصلى".

الجزء: 5 - الصفحة: 825

[الباب: الثاني]

ما يستحب من الضحايا، وأيها أفضل، وذكر أسنانها وما يتقى فيها من العيوب

قال أبو هريرة: "وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يضحي بكبشين أملحين أقرنين ويسمي ويكبر، ولقد رأيته يذبحها بيده واضعاً على صفاحهما قدمه".
ابن المواز: قال أبو العالية: كانوا يستحبون الكبش على النعجة، والنعجة على المعز، والعنز على التيس.
قال ابن المواز: حسنه.
قال مالك في المختصر وغره: وفحول الضأن في الضحايا أفضل من إناثها، وإناثها أفضل من الإبل والبقر في الضحايا، فأما في الهدايا فالإبل والبقر أفضل.
ومن كتاب ابن القرطي: ثم ذكور الإبل في الضحايا ثم إناثها، ثم ذكور البقر،

الجزء: 5 - الصفحة: 826

ثم إناثها.
وقال عبد الوهاب: "أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإبل، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي في قولهما: إن الأفضل: الإبل، ثم البقر، ثم الغنم، لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين"، وقوله: "خير الأضحية الكبش"؛ ولأن المراعي طيب لحمه ورطوبته دون كثرته بدليل ما رويناه من تضحية بالغنم وعدوله إليها، ولأنه يختص بها أهل البيت دون الفقراء بخلاف الهدايا.
ومن الواضحة: روى ابن وهب عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يستحبون أن تكون الضحية بكبش عظيم سمين فحل أقرن أملح ينظر في سواد ويسمع بسواد ويشرب بسواد.

الجزء: 5 - الصفحة: 827

قال: والأملح: ما كان بياضه أكثر من سواده، والفحل أحب إليهم من الخصي، والخصي أحب إليهم من النعجة، والنعجة أحب إليهم من التيس والجليل السمين أحب إليهم من غيره.
وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستشراف العين والأذن، وقال: "دم عفراء أحب إلي من دم سواداوين"، ويقال: إن قربان ابني آدم كبشان فتقبل السمين، ولم يتقبل المهزول.
قال ابن حبيب: الخصي السمين أفضل من الفحل المهزول، والفحل السمين أفضل من الخصي.

الجزء: 5 - الصفحة: 828

وكره مالك في العتبية تغالي الناس في الأضحية، وقال: خير الهدي هدي محمد وأصحابه، وليشتر كاشتراء الناس وإن غلت، فأما أن يجد بعشرة، فيذهب يشتري بمائة فأنا أكرهه ويدخل على الناس مشقة.
فصل [1 - في السن المجزئ في الضحايا والهدايا] ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئ ما دون الثني من سائر الأنعام في الضحايا والهدايا إلا الضأن وحدها فإن جذعها يجزئ.
قال أبو محمد عبد الوهاب: أما الجذع من الضان فلا خلاف في جوازه، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا/ جذعة من الضأن"، فلا تجوز جذعة من غير الضأن لهذا الحديث؛ لأنه قصر الجذاع على جنس مخصوص فكان ما عداه مبقي على المنع، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار، وقال: ما عندي إلا جذعة من المعز: "تجزيك ولا تجزئ عن أحد بعدك".
قال ابن حبيب: والجذع من الضأن والمعز ابن سنة تامة.
أبو محمد: وقيل: ابن عشرة أشهر، وقيل: ابن ثمانية أشهر، وقيل: ابن ستة أشهر.
قال ابن حبيب: والثني من المعز: ابن سنين، والثني: ابن ست سنين.

الجزء: 5 - الصفحة: 829

وقال أبو محمد عبد الوهاب: الثني من المعز: ما له سنة ودخل في الثانية، ومن البقر: ما له سنتان ودخل في الثالثة، ومن الإبل: ما له ست سنين؛ لأنه يلقي ثنيته.
فصل [2 - في العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا] قال ابن المواز: روى مالك: أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل: ماذا من الضحايا؟ فقال: "أربع: العرجاء البين ضلعها، والعوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء التي لا تنقي".
ونهى صلى الله عليه وسلم أن نضحي بعضباء الأذن والقرن.
قال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: ما العضب؟ قال: النصف فما فوقه.
قال معمر: لا نرى بعضباء القرن بأساً، وكرهه في الأذن.

الجزء: 5 - الصفحة: 830

قال أبو محمد عبد الوهاب: وينبغي في الجملة أن يتقى العيب وتتوخى السلامة؛ لأنه ذبح مقصود به القربة، فيجب أن يكون سليماً من النقص، لقوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾.
وأما العوراء: فلا نعلم خلافاً في منع الأضحية بها، وفي حديث علي، والبراء أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها؛ ولأن المرض يفسد اللحم، ويضر بمن يأكله، وكذلك العجفاء التي لا شحم فيها ولا مخ في عظمها.
وفي الحديث: "ولا العرجاء البين ضلعها"، وعند أبي حنيفة: تجوز الأضحية بها ما دامت تمشي.
ومن المدونة: قال: وتجزئ في الهدايا والضحايا المكسورة القرن إلا أن يكون يدمي فلا تجزئ؛ لأنه مرض.

الجزء: 5 - الصفحة: 831

قال ابن حبيب: إنما هذا إذا انكسر القرن الخارج، وكان القرن الداخل صحيحاً، وهو يسمى أقصم، والأنثى قصماء، فأما إذا انكسر القرن الداخل والخارج فلا تجوز الأضحية بها وإن لم يدم، وهو يسمى أعضب، والأنثى عضباء، وقد نهى النبي أن يضحى بالأعضب القرن والأذن.
وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: لا بأس أن يضحي بالتي قد استؤصل قرناها من أصلهما حتى تصير كأنها جلحاء.
قال فيه، وفي المدونة: والشاة تخلق خلقاً ناقصاً لا تجزئ إلا أن تكون جلحاء، يريد: الجماء.
قال: أو سكاء، وهي الصغيرة الأذنين.
قال ابن القاسم: ونحن نسميها: الصمعاء، ولو خلقت بغير أذنين لم تجز.
قال مالك: وإذا كان في الأذن قطع صغير أو أثر الميسم أو شق يسير فلا بأس به، وما سمعت مالكاً يوقت في الأذن نصفاً من الثلث.
قال ابن المواز: والنصف عندي كثير من غير أن أحد فيه حداً.

الجزء: 5 - الصفحة: 832

وقال ابن حبيب: إذا قطع نصف الأذن، أو ثلثها لم تجز، وهي العضباء الأذن التي نُهي عنها والشق الكبير في الأذن لا تجزئ به، وهي تسمى الشرقاء، وتسمى- أيضاً-: القصواء.
والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير في مقدم الأذن أو مؤخرها، وربما ترك معلقا كأنه زنمة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس في الهدايا والضحايا بالبياض وغيره في العين إن لم يكن على الناظر.
قال: ولا تجزئ العرجاء البين ضلعها، كما قال النبي "إلا أن يكون الشيء الخفيف الذي لا ينقص مشيها ولا تعب عليها به في سيرها بسير الغنم، وأراه خفيفاً.
قال: ولا تجزئ المريضة البين مرضها، ولا الحمرة، قال ابن القاسم: وهي البشمة يعني التي أصابتها التخمة من الأكل، لأن ذلك مرض لها.
قال: وكذلك الجربة إن كان ذلك مرضاً لها.

الجزء: 5 - الصفحة: 833

قال ابن المواز:/ قال مالك: ولا بأس بالتي تسقط أسنانها من كبر أو هرم أو حفى، وأما لغير ذلك فهو عيب، فلا يضحى بها.
قال أصبغ: ما لم تكن بينة الهرم.
قال ابن القاسم: وإن كان من إثغار فلا بأس به.
قال مالك: ولا بأس أن يضحى بما سقطت له سن واحدة وإن لم يكن من كبر، وقال- في الكبش يطول ذنبه فيقطع منه قدر قبضة-: أرى أن يجتنب في الضحايا إذا وجد غيره.
قال ابن المواز: أما القطع البين فمكروه، وأما اليسير فجائز، والثلث عندي كثير.
قال ابن المواز: ولا خير في شطور الضرع كله، وقد أخبرت عن طاوس أنه قال: إذا كانت إحدى أطبائها تحلب فإنها تجوز، وكان يكره الجداء المصطلمة ضرعها، وهي المصرمة الأطباء، ويكره الهتماء، وهي الذاهبة الأسنان.

الجزء: 5 - الصفحة: 834

فصل [3 - فيمن اشترى أضحية فنزل بها عيب قبل ذبحها] ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أضحية سليمة فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا يجوز به في الضحايا لو اشتريت به عجفت أو عميت أو أعورت.
قال مالك: لا تجزئه وإن لم يصبها ذلك إلا بعد الشراء.
قال سحنون في التي أقعدها الشحم أنها تجزئ.
وأما من اشترى هدياً صحيحاً، يريد: فقلده وأشعره ثم عمي عنده فلينحره ويجزئه في الواجب والتطوع.
قال ابن القاسم: لأن الضحية لم تجب عليه كما وجب عليه الهدي، ألا ترى أن لو ضل هديه فأبدله، ونحر البدل، ثم وجد الأول لم يكن بد من نحره، ولم يكن ما أبدل يضع عنه نحره فات وقت الذبح أو لم يفت، ولو ضلت أضحيته فأبدلها ثم وجدها في أيام النحر لم يلزمه ذبحها، وكانت مالاً من ماله، ولو ضلت أضحيته فلم يبدلها ثم وجدها بعد أيام النحر فليصنع بها ما شاء، وليس على أحدٍ أن يضحي بعد أيام النحر، وهو بمنزلة من ترك الأضحية، وكذلك لو أشترى أضحيته فحبسها حتى مضت أيام النحر، فهذا والأول سواء، وهذا رجل آثم حيث لم يضح بها.

الجزء: 5 - الصفحة: 835

قال إسماعيل القاضي في المبسوط: والفرق بين الهدايا والضحايا: أن إشعار الهدي وتقليده وتجليله وسياقه إيجاب فيه بالنية والفعل فلا يجوز بدله، ولا يضره بعد ذلك عيب دخله، فإن عطب الواجب منه قبل بلوغ محله ونحوه كان عليه بدله، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، فكان عليه في الهدي أمران: أحدهما: إيجابه وهو مما يجوز أن يهدى، والآخر: أن يبلغ محله، والضحايا بخلاف ذلك؛ لأن صاحبها لم يؤمر أن يوجبها بشيء قبل ذبحها، وإنما هو رجل ينوي أن يضحي بها، فالنية لا توجبها، غير أنه يستحب له أن لا يبطل ما نوى فيها.
قال: ولو أن إنساناً اشترى أضحية، فقال بلسانه: قد أوجبتها لم يجز عندي أن يبدلها، يريد: ولا يضر عيب دخلها.
قال: لأنه أوجبها بالنية والقول.
م: قال نحوه غير واحدٍ من البغداديين، وهذا قول حسن، غير أن ظاهر كلام مالك خلافه، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز فيمن اشترى أضحية سليمة فأوجبها فلم يذبحها حتى نزل بها عيب لا تجوز به في الضحايا أنها لا تجزئه، بخلاف الهدي يحدث به عيب بعد التقليد والإشعار، وذلك أن الضحايا لا تجب إلا بالذبح، والهدايا تجب بالتقليد، فقد نفى مالك أن تجب بغير الذبح؛ لأن الذبح فعل كالتقليد، وذلك أقوى من القول، وما قاله مالك إلا السنة عنده فيهما، ولا علمت لأصحابه فيه اختلافاً.
م: وإن كان القياس عندي: أن لا تجزئ الهدايا أيضاً حتى تبلغ محلها ثم تنحر وهي سليمة؛ لأنه إذا كان هلاك جميعها بعد التقليد وقبل بلوغ محلها لا تجزئ ربها،

الجزء: 5 - الصفحة: 836

وعليه بدلها فكذلك هلاك بعضها، ويكون حكم البعض كحكم الجميع، ألا ترى أن من باع عبداً ودلس فيه بعيب فهلك بسبب ذلك العيب، أنه من البائع، وكذلك لو هلك بعضه بسبب العيب أنه منه، وإن لم يكن مدلساً أن هلاكه كله أو هلاك بعضه من المشتري، وكذلك كان يجب في الهدي أنه لما كان/ هلاك الجميع من ربه، وعليه بدله، فكذلك البعض، وهذا في أصولهم كثير، ولكن قد قال مالك وأصحابه ما علمت، وهم أئمة الدين وأهدى للصواب، فوجب اتباعهم.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أضجع أضحيته للذبح فاضطربت فانكسرت رجلها أو أصابت السكين عينها ففقأتها لم تجزه.
قال ابن حبيب: وعليه بدلها، وله بيعها، وإن تمادى فذبحها بعد الذي أصابها لم تجزه، ولكن لا يبيع لحمها؛ لأنه قصد بها النسك، فلا يجوز بيعها.
قال: ولو أصابها ذلك بعد أن فرى الأوداج وقطع الحلقوم أجزأته، ولم يلزمه بدلها؛ لأنه لم يصبها ذلك إلا بعد فراغه من ذكاتها.
ومن المدونة: قال مالك: ومن سرقت أضحيته قبل الذبح أو ماتت أو ضلت فعليه البدل.

الجزء: 5 - الصفحة: 837

[الباب الثالث]

في وقت ذبح الضحايا، وذكر الأيام المعلومات، والمعدودات

قال الله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فذكر الأيام دون الليالي، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "من ضحى بليل فليعد".
والأيام المعلومات: يوم النحر ويومان بعده، والمعدودات: أيام التشريق، وهي ثلاثة أيام بعد يوم النحر، وهي أيام منى التي ترمى فيها الجمار، ولذلك سميت: معدودات، أي: معدودات في الرمي، فيوم النحر معلوم خاصة، واليومان اللذان بعده معلومان معدودان، واليوم الرابع معدود خاصة لا ذبح فيه.
ابن حبيب: ورواه ابن وهب عن عمر، وابن عمر، وعلي، وابن مسعود، وأنس، رضي الله عنهم.
وأفضل الذبح في هذه الأيام في أولها بعد ذبح الإمام.
ومن المدونة: قال مالك: والأيام التي يضحى فيها يوم النحر، ويومان بعده إلى غروب الشمس من آخرها، فإذا غابت الشمس من اليوم الثالث فقد انقضى الذبح وفاته.
قال سحنون: فإن قيل: فإن اسم اليوم يقتضي اليوم والليلة لقوله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾.

الجزء: 5 - الصفحة: 838

قيل: لم يذبح النبي صلى الله عليه وسلم ليلاً ولا نحر ليلاً فكان في ذلك الفعل بيان ما أراده تعالى، وقد يقال: إن اسم اليوم الأخص به النهار وإن جاز أن يدخل فيه الليل مجازاً، فإذا لم يكن دليل يدل على دخوله بقي على النهار خاصة، ولا يضحي بليل في شيء من هذه الأيام.
قال ابن المواز: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر، وابن عباس، وأنس، وكثير من التابعين رضي الله عنهم.
وأما ما روي عن عمر بن عبد العزيز وعن الحسن أن الأضحى ثلاثة أيام بعد يوم النحر فقد عيب ذلك، وقد قال يونس إن الحسن كان يقول: الشهر كله.
والذي قاله مالك هو الأمر المجتمع عليه.
قال مالك: ويوم النحر هو يوم الحج الأكبر.
قال غيره: سمي الأكبر: لأن المشركين كان يقف بعضهم بعرفة، وبعضهم بالمشعر الحرام، ثم يأتي من بعرفة فيقف يوم النحر بالمشعر فصار فيه اجتماعهم فأمر أن ينذرهم

الجزء: 5 - الصفحة: 839

بسورة براءة في أكبر مجتمعهم، وشيء آخر: إن ليلة هذا اليوم من طلع عليه فجرها ولم يقف بعرفة فاته الحج، والليلة من اليوم.
قال ابن المواز: وأفضل الذبح في هذه الأيام الثلاثة اليوم الأول منها وقاله ابن عباس.
قال عبد الوهاب: ولأن النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده كانوا يضحون فيه.
وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه النحر ثلاثة أيام أفضلها أولها، وقد قيل في تأويل قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ صل العيد وانحر الأضحية.
قال ابن المواز: ووقت الذبح منه بعد صلاة العيد/ وبعد ذبح الإمام بيده، فمن ذبح قبل ذلك فلا اضحية له وتلزمه الإعادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للذي ذبح قبله: "أعد"، فقال: لا أجد إلا جذعة من المعز فقال: "أذبحها ولا تجزئ عن أحد بعدك".
وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يذبحن أحد قبل أن نذبح أو نصلي"، وقال: "أول ما نبدأ به في يومنا هذا نصلي

الجزء: 5 - الصفحة: 840

ثم ننحر، فمن نحر قبل الصلاة فإنما تعجل لحماً لأهله".
ابن المواز: ولا يراعى في اليوم الثاني والثالث ذبح الإمام ولا غيره ولكن إذا ارتفعت الشمس وحلت الصلاة جاز له الذبح، ولو فعل ذلك بعد الفجر أجزأه في هذين اليومين.
ومن الواضحة: قال مالك: ووقت ذبح الضحايا في اليوم الأول من ضحى إلى زوال الشمس، ويكون بعد ذلك إلى العشي، فمن جهل فذبح حينئذٍ أجزأه، وكذلك اليوم الثاني يذبح من ضحى إلى زوال الشمس، فإن فاته أمر بالصبر إلى ضحى اليوم الثالث، وإن لم يضح إلى عشي اليوم الثالث فهذا يؤمر أن يضحي حينئذٍ إلى غياب الشمس.
م: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين قال: سمعت أبا الحسن ينكر قول ابن حبيب هذا، وقال: بل اليوم الأول كله، الذبح فيه أفضل من الثاني، والثاني أفضل

الجزء: 5 - الصفحة: 841

من الثالث، ورواية ابن المواز واختياره أحسن من هذا، والذي عند ابن المواز هو المعروف.
ومن المدونة: قال مالك: وجه الشأن: أن يخرج الإمام أضحيته إلى المصلى فيبحها بعد الصلاة بيده، ثم يذبح الناس بعده.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لأنه قد ثبت أن على الناس الاقتداء به فوجب أن يظهر أضحيته ليصل إلى الناس العلم بوقت ذبحه، فإن لم يفعل تحروا ذلك؛ لأنهم لا يقدرون على أكثر من ذلك، فإن تحروا فسبقوه فلا شيء عليهم؛ لأنهم اجتهدوا كالاجتهاد في القبلة مع الغيبة.
قال ابن المواز: كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من خطبته ونزل من منبره أتي بكبشه فذبحه بيده، ثم يذبح الناس بعده في منازلهم.
قال: فإن أخره الإمام إلى داره جاز له، والصواب: في المصلى.
ولو أن غير الإمام ذبح أضحيته في المصلى بعد ذبح الإمام جاز وكان صواباً، وقد فعله ابن عمر، ولو لم يذبح الإمام في المصلى ثم ذهب إلى منزله ليذبح فذبح رجل قبل ذبح الإمام في

الجزء: 5 - الصفحة: 842

وقت لو ذبح الإمام في المصلى كان هذا ذابحاً بعده لم يجزه إلا أن يتوانى الإمام بعد وصوله إلى داره، فمن ذبح في وقت لو لم يتوانى الإمام وذبح في داره كان هذا ذابحاً بعده أجزأه.
وقال أبو مصعب: إذا أخطأ الإمام فترك أن يذبح في مصلاه، فمن ذبح بعد ذلك فذلك له جائز.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيته من أهل المدائن قبل صلاة الإمام أو بعد صلاته وقبل ذبحه لم تجزه وأعاد.
قال: وليتحر أهل البوادي ومن لا إمام لهم من أهل القرى صلاة أقرب الأئمة إليهم وذبحه فيذبحون بعده.
قال ابن القاسم: فإن تحروا فذبحوا قبله أجزأهم.
ابن المواز: وروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهم، وهو أحب إلينا.
قال ربيعة: من كان في غير جماعة حيث ليس ثم إمام يقتدى بذبحه فذبح قبل طلوع الشمس لم يجزه، فإن ذبح بعد طلوعها أجزأه وإن كان قبل ذبح الإمام.

الجزء: 5 - الصفحة: 843

ابن المواز: وإن ذبح عن المسافر أهله فإنما يراعى ذبح إمامهم لا ذبح إمام البلدة التي هو فيها.
ابن المواز: ولا يؤتم في الهدايا بالإمام، وله أن ينحر قبله.

الجزء: 5 - الصفحة: 844

[الباب الرابع]

في الاشتراك في الأضحية، ومن يلزمك أن تدخله في أضحيتك أو تضحي عنه

قال مالك رحمه الله: ولا يشترك في الضحايا إلا أن يشتريها رجل فيضحي بها عن نفسه وعن أهل بيته/ فذلك جائز.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، ولأن ذلك ليس بشركة في ملك اللحم، وإنما هي شركة في الثواب والبركة.
قال مالك: وإن ضحى بشاة أو بعير أو بقرة عنه وعن أهل بيته أجزأهم وإن كانوا أكثر من سبعة أنفس.
قيل لابن المواز: فما جاء في ذلك من الأحاديث أن ابن مسعود قال: تجزئ

الجزء: 5 - الصفحة: 845

البقرة عن سبعة أنفس، والجزور عن سبعة.
وقال ابن المسيب: الجزور عن عشرة والبقرة عن سبعة، وضحى حذيفة ببقرة عن سبعة، فقال: لا حجة في ذلك إذ ليس فيه أن ذلك بين الأجنبيين وينزل ذلك على الرجل في أهله.
قيل: فما روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: نحرنا يوم الحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ليشترك النفر منكم في الهدي"، قال: فما يؤمنك أن يكون ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته لأنهم عياله، وأبين من ذلك: أن رجلاً قال لعلي بن أبي طالب: اشتريت بقرة لأضحي بها فولدت فما ترى فيها وفي ولدها؟ فقال: لا تحلبها إلا فضلاً عن ولدها واذبحها وولدها يوم النحر عن سبعة من أهلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 846

قال ابن المواز: وهذا الشأن، وعليه العمل، غير أن ليس في ذلك توقيت عن سبعة ولا أكثر، وتجزئ الواحدة عنه وعن جميع أهل بيته.
قال عبد الوهاب: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن البدنة تجزئ عن سبعة والبقرة عن سبعة.
ودليلنا: أن البدنة والبقرة حيوان يضحى به فلك تجز إلا عن واحد كالشاة، ولأن كل إنسان مخاطب بفعل ما يسمى أضحية، وذلك لا ينطلق على البعض.
ومن المدونة: قال مالك: وأحب إلي إن قدر أن يذبح عن كل نفس شاة، وأستحب مالك حديث ابن عمر لمن قدر عليه دون حديث أبي أيوب الأنصاري.
ابن المواز: وكان ابن عمر يقول: البدنة عن إنسان واحد، والبقرة عن إنسان واحد لا أعلم فيها شركاً.
قال هو وابن عباس: لم أشعر أن نفساً واحدة تجزئ عن أكثر من واحدة.

الجزء: 5 - الصفحة: 847

م: وقال بعض أصحابنا: وحديث أبي أيوب الأنصاري ذكر فيه: كنا نضحي بالشاة الواحدة يذبحها الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس فصارت مباهاة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحيته عن نفسه ثم نوى أن يشرك فيها أهل بيته جاز ذلك بخلاف الهدي.
يريد: لحديث أبي أيوب الأنصاري، ولا حديث مفسر في الهدي.
قال مالك: وإن اشتراها فأراد أن يذبحها عنه وعن أجنبيين معه ولا يأخذ منهم ثمناً، يتطوع بذلك فلا ينبغي، وإنما ذلك لأهل البيت الواحد.
قيل لمالك: فإن كانوا رفقاء في سفر ونفقتهم واحدة قد تخارجوها فأرادوا أن يشتروا كبشاً من النفقة عن جميعهم؟ قال: لا يجزئهم ذلك.
قال مالك: وليس على الرجل أن يضحي عن زوجته بخلاف النفقة.
قال عنه ابن حبيب: إن أدخلها في أضحيته أجزأه وإياها، وإن لم يفعل فذلك عليها، بخلاف الفطرة.

الجزء: 5 - الصفحة: 848

قال بعض فقهائنا: والفرق: أن زكاة الفطر إنما هي زكاة أبدان فهي كالنفقة التي للأبدان فوجبت عليه لزوجته كوجوب نفقتها عليه.
والأضحية إنما هي قربة فلا يلزمه أن يتقرب عن زوجته، كما لا يلزمه أن يتصدق عنها، أو يعتق عنها.
قال ابن المواز: وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه بقرة.
قال ابن حبيب: وعلى الرجل أن يضحي عن نفسه وعن أولاده الصغار الفقراء الذكور حتى يحتملوا، والإناث حتى يدخل بهم أزواجهن، ولو كانوا أملياء لم يلزمه ذلك عنهم إلا أن يشاء، ولو أدخل من لا تلزمه نفقته من ولده في أضحيته أجزأ الولد فقيراً كان الولد أو غنياً إذا كان في نفقة أبيه وفي بيته.
قال: ولو أدخل في أضحيته من قد ضمه إلى عياله من أخ وابن أخ أو قريب فذلك يجزئ عنهم، ولا يجزئ إدخال الشريك والمرافق في السفر/ ونحوه من الأجنبيين في أضحيته.
ابن المواز: قال مالك: ولا يدخل يتيمه في أضحيته، ولا يشرك بين يتيمين في أضحيته وإن كانا أخوين.
قال ابن المواز: يضحي عن أبويه إن كانا محاويج، يريد: بشاة واحدة.

الجزء: 5 - الصفحة: 849

قال: وإن كانا أملياء ضحى عن كل واحد بشاة، وأما جده وجدته فكالأجنبيين لا يضحي إلا عن كل واحد بشاة إلا أن تكون الجدة زوجة الجد فيدخلهما في شاة واحدة كمل لو بعثها إلى الجد فذبحها هو عنه وعن زوجته.
قال ابن ميسر: وذلك بإذن الجد.
قال ابن المواز: وكذلك إن ذبح عن جده وعمومته وعماته الصغار الذين يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله يدخلهم الجد في أضحيته وهم من عياله فإنه يجزئه كما لو بعثها إلى الجد فضحى بها عنه وعن أولاده.
وهذا كله رأي محمد.
ومن المدونة: قال مالك: وليس على الحاج أضحية وإن كان من سكان منى بعد أن يكون حاجاً، ومن لم يكن حاجاً من أهل مكة أو منى فعليهم أن يضحوا.
قال: وليس على أمهات الأولاد أضحية.
قال ابن القاسم: والعبيد مما لا اختلاف فيه أنه ليس عليهم أضحية.
قال: ولا يضحي عن ما في البطن.
ابن المواز: وقاله ابن عمر.
قال: وليس العمل أن يضحي عن أبويه وقد ماتا، ولا يعجبني ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 850

[الباب الخامس]

في بدل الأضحية وبيعها وبيع لحمها والحكم في ولدها وصوفها ولبنها وما يرجع به من عيبها

قال ابن القاسم: ومن اشترى أضحية وأراد أن يبدلها، قال مالك: لا يبدلها إلا بخير منها.
قلت: فإن باعها واشترى دونها ما يصنع بها وبفضلة الثمن؟ قال: قال مالك: لا يجوز له أن يستفضل من ثمنها شيئاً، وذكرت له الحديث الذي جاء في مثل ذلك فأنكره، وقال: يشتري بجميع الثمن شاة.
قال ابن القاسم: فإن لم يجد بالثمن شاة فليزد من عنده حتى يشتري مثلها.
قال ابن حبيب: إن باعها واشترى بدون الثمن مثلها أو خيراً منها أو دونها فليتصدق بما استفضل، وكذلك لو أبدلها بدونها فليتصدق بما بين الثمنين، فإن شح في الوجهين جميعاً صنع بالفضل ما أحب، وكذلك قال من لقيت من أصحاب مالك، وفي حديث حكيم بن حزام الذي أعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ليشتري له أضحية فابتاعها بدينار ثم باعها بدينارين، واشترى له أخرى بدينار وأتاه بها وبالدينار فتصدق به النبي صلى الله عليه وسلم ودعى

الجزء: 5 - الصفحة: 851

له بالبركة.
قال ابن القاسم: أنكر مالك هذا الحديث.
وقال ابن المواز: إذا اشترى من ثمنها مثلها أو خيراً منها واستفضل من الثمن شيئاً تصدق به؛ لأنه جعله لله.
م: وذكر ابن المواز حديث ابن حزام المتقدم على طريق الحجة به، ولم يذكر ما روى ابن القاسم من إنكار مالك له.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن اشترى أضحيته فقام عليه غريمة فله بيعها عليه في دينه، ولو ضحى بها لم تبع.
ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن أضحيته قبل الذبح فإنها تورث، واستحب ابن القاسم أن يذبحها عنه الورثة ولا يلزمهم ذلك.
قال: وأنا اشتراؤه لغيره فإن أفرزه وأشهد عليه بتعمد الإشهاد فهي لمن أشهد

الجزء: 5 - الصفحة: 852

له بها، وكذلك إن حازها من اشتريت له في صحة المشتري.
قال ابن حبيب: فإن لم يكن إشهاد ولا حوز في صحة فهي تورث وتباع في دينه.
قال ابن المواز: قال مالك: وإن مات عن لحم أضحيته فلا يباع في دينه؛ لأنه نسك، وكل نسك/ سمى الله فلا يباع لغريم ولا غيره وليأكل اللحم ورثته ولا يقتسمونه على الميراث فيصير بيعاً.
وقال ابن حبيب: إذا أجمعوا على أكلها بعد أن يطعموا منها كما كان يطعم وإلا اقتسموها؛ لأنهم يرثون منها ما كان لهم، ثم ينهون عن بيع أنصبائهم، كذلك فسره مطرف، وابن الماجشون عن مالك.
فصل [1 - في حكم ولد الأضحية وصوفها ولبنها وبيع شيء منها] ومن المدونة: قال مالك: وإذا ولدت الأضحية فحسن أن يذبح ولدها معها، وإن تركه لم أر ذلك عليه واجباً؛ لأن عليه بدل أمه إن هلكت.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فقال: أمح واترك منها: إن ذبحه معها فحسن.

الجزء: 5 - الصفحة: 853

قال ابن القاسم: ولا أرى ذلك عليه واجباً.
ابن المواز: واستحب أشهب أن لا يذبحه معها.
قال ابن حبيب: ولو وجد في بطن الأضحية بعدما ذبحها جنيناً حياً وجب عليه ذبحه، كذلك البدنة بعد الإشعار.
ومن العتبية: قال أبو زيد: وقد ضحى ابن القاسم بنعجة حامل فركض ولدها في الذبح في بطنها فأمر بتركها حتى ماتت ثم شق عنه فأخرج فأمر السكين على حلقه فسال دمه فأمر أهله فشووا له منه.
قال عبد الوهاب: وكذلك إذا خرج ميتاً كامل الخلق نابت الشعر فهو ذكي بذكاة أمه، خلافاً لأبي حنيفة في منعه أكله.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ذكاة الجنين ذكاة أمه"، وفي بعض الحديث: وذلك إذا

الجزء: 5 - الصفحة: 854

نبت الشعر، ولذلك شرطنا نبات الشعر خلافاً للشافعي؛ ولأن ذلك علامة نفخ الروح فيه.
ومن العتبية وغيرها قال أشهب عن مالك في الذبيحة يخرج جنينها ميتاً، قال: يؤكل إذا تم خلقه ونبت شعره، قال: واستحب أن يمر السكين على حلقه ليخرج الدم من جوفه.
قال أبو محمد: لا يؤكل حتى يتم خلقه وينبت شعره فإن كان واحداً منهما لم يؤكل وإن خرج حياً.
وقال ابن حبيب في الجنين يخرج وبه حياة ضعيفة: يستحب ذبحه ويؤكل فإن لم يذبح أكل، وإن كان به من الحياة ما يرى أنه يعيش منها لو ترك، أو يشك في ذلك، فإن لم يذكى حتى مات فلا يؤكل.
قال أبو زيد عن ابن القاسم في بقرة أزلقت ولدها، فإن كان مثله يحي ويعيش فلا بأس بأكله إذا ذكي، قال ابن حبيب: إذا تم خلقه ونبت شعره.

الجزء: 5 - الصفحة: 855

قال ابن القاسم: وإن كان مثله لا يعيش لم يؤكل، وكذلك إن شك في ذلك لم يؤكل وإن ذكي.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز أن يجز صوف الأضحية قبل الذبح.
قال ابن المواز: إلا في الوقت البعيد الذي ينبت فيه مثله قبل الذبح.
قال عنه ابن القاسم في العتبية: وله أن يجزه بعد الذبح.
قال: فإن جزه قبل الذبح، يريد: بالقرب، ثم ذبحها أجزأته وقد أساء، ولا يبيعه ولينتفع به.
قال سحنون: ولو باعه لم أر بأساً بأكل ثمنه إلا أن يجزه بعد الذبح فلا يبعه.
ابن المواز: قال أشهب: له ان يجزها قبل الذبح، وينتفع به، ويبيعه، ويصنع به ما شاء؛ لأنه لم يجب قبل الذبح، وخفف أصبغ بيعه إن جزه قبل الذبح.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فجلد الأضحية وصوفها وشعرها هل يشتري به متاعاً للبيت أو يبيعه؟ قال: قال مالك: لا يشتري به شيئاً/ ولا يبيعه ولا يبدل جلدها بمثله ولا بخلافه ولكن يتصدق به، أو ينتفع به.

الجزء: 5 - الصفحة: 856

قال في الحج الثاني: ولا يعطي الجزار على جزره الهدايا والضحايا والنسك من لحومها ولا جلودها شيئاً، وكذلك خطمها وجلالها.
قال عبد الوهاب: وقال علي رضي الله عنه أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أعطي الجزار منها شيئاً.
ومن كتاب ابن المواز: ولا يتصدق بجلد أضحيته أو بلحمها على من يعلم أنه يبيعه، ومن تصدقت عليه به فلا يبعه ولا يبدله بمثله من جلد أضحيته أو غيرها، وكذلك لو وهبته لخادمك، قاله مالك.
وروى محمد: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا أهب الضحايا ولكن انتفعوا بها وتصدقوا".
قال أبو هريرة: من باع جلد أضحيته فلا أضحية له.
وروي عن سحنون فيمن باع جلد أضحيته أو شيئاً من لحمها أو صوفها فإن أدرك فسخ البيع وإلا فليجعل ثمن الجلد في ماعونه أو في طعامه، وثمن اللحم يشتري به

الجزء: 5 - الصفحة: 857

طعاماً يأكله.
وقال محمد بن عبد الحكم: من باع جلد أضحيته فليصنع بثمنه ما شاء.
قال ابن حبيب: وإن باعه جهلاً فلا يجوز أن ينتفع بثمنه وليتصدق به، وكذلك إن باعه عبده أو بعض أهله.
قال: ومن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً وكأنه رآه بيعاً.
قال ابن حبيب: له أخذ القيمة ويصنع بها ما شاء من أكل أو صدقة أو شراء ما يحتاج إليه، وكذلك جلدها يضيع عند الزقاق أو يستهلك، وليس كالبيع، ألا ترى أن من حلف أن لا يبيع ثوبه فغضبه منه غاصب، أو استهلكه أحد فله أخذ قيمته ولا يحنث، وله أخذ جلد مثله من الزقاق ينتفع به، كما يأخذ عن اللحم المستهلك ما شاء من حيوان أو طعام، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
قال ابن المواز: وإذا اختلطت رؤس الضحايا عند الشواء، كره لك اكل متاع غيرك، ولعل غيرك لا يأكل متاعك، أو متاعه خير، ولو اختلطت برؤس الشواء فهذا حفيف؛ لأنه ضامن كما يضمن لحم الأضاحي بتعد، وكما يضمن زرعاً لم يبد صلاحه، وقيمة كلب الغنم، وفطرة المسلمين بالتعدي.

الجزء: 5 - الصفحة: 858

م: فالمحصول من بيع الجلد ثلاثة أقاويل: قول سحنون: إن كان قائماً فسخ البيع، وإن فات جعل ثمنه في ماعونه أو طعامه، وقول ابن عبد الحكم: يصنع بها ما شاء، وقال ابن حبيب: لا يأكله ولتصدق به، وإن سرقت رؤس ضحاياه من الفرن فاستحب ابن القاسم أن لا يغرمه شيئاً؛ لأنه كالبيع، وقال ابن حبيب: له أن يغرمه القيمة وليس كالبيع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في لبن الأضحية شيئاً إلا أنه كره لبن الهدي، وقد روي في الحديث: لا بأس بالشرب منها بعد؟؟؟؟ فصيلها، فأرى إن لم يكن للضحية ولد أن لا يشربه إلا أن يضر بها فيحلبه ويتصدق به، ولو أكله لم أر عليه شيئاً، وإنما منعته أن ينتفع بلبنها قبل ذبحها كما منعه مالك من ان يجز صوفها قبل ذبحها أو ينتفع به.
قال سحنون: ترك اللبن في ضروعها مضرة لها، وأما الصوف والقرن فهو من جمالها وتمام خلقتها، واللبن يأكله كما يأكل لبن الهدي.

الجزء: 5 - الصفحة: 859

فصل [2 - فيمن وجد عيباً في أضحيته بعد ذبحها] قال أصبغ في العتبية: وإذا وجد بضحيته عيباً بعد الذبح فيرجع بقيمته فإن كان مما لا تجزئ به وكان في أيام الذبح أعاد، وإن فاتت فلا شيء عليه، ويصنع بها ما شاء، وإن كان عيباً تجزئ بمثله/ تصدق بما أخذ، وكذلك ذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم سواء.
قال: وذلك بخلاف ما يرجع به من قيمة عيب بعبد قد أعتقه، هذا يصنع به ما شاء وإن كان عيباً لا يجزئ بمثله.
م: يريد: إذا كان تطوعاً؛ لأنه يجوز عتق المعيب، ولا تجوز الضحية بالمعيب، وإنما فرق بين ما تجزئ به أو لا تجزئ إذا مضت أيام النحر؛ لأن الذي لا تجزئ به صار كمن لم يضح وإنما ذبح لأهله، فوجب أن يصنع بقيمة العيب ما شاء، والذي تجزئ به فقد تمت له أضحيته، وما يرجع به فهو كشيء منها، فوجب أن يتصدق به أو يأكله أو يشتري به ماعونه لينتفع به كما قال ابن حبيب فيما يرجع به على الفران من قيمة رؤس الضحايا.

الجزء: 5 - الصفحة: 860

[الباب السادس]

فيمن ذبح أضحية غيره بأمره أو بغير أمره أو غلطا

قال مالك: وليلي الرجل والمرأة ذبح أضحيته أو هديه بيده كما فعل النبي، وقد كان أبو موسى الأشعري يأمر بناته أن يذبحن نسكهن بأيديهن.
قال ابن المواز: لا يذبح له غير إلا من ضرورة أو ضعف قال مالك: وإن أمر مسلماً بذلك من غير عذر فبئس ما صنع، قال: ويجزئه.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن النبي صلى الله عليه وسلم استناب علياً رضي الله عنه في نحر الهدايا، ولا فرق بينها وبين الأضاحي.
قال ابن حبيب عن مالك: إذا أمر غيره فذبح له، فإن وجد سعة فأحب إليّ أن يعيد ويذبحها بنفسه صاغراً، وهو من التواضع لله سبحانه.
ومن المدونة: وإذا أمر بذلك ذمياً لم تجزه وأعاد.
وقال أشهب: تجزئه وبئس ما صنع.

الجزء: 5 - الصفحة: 861

م: فوجه قوله: إنها لا تجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي.
ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم.
ومن المدونة: قال مالك: ومن ذبح أضحيتك بغير أمرك، فأما ولدك، أو بعض عيالك، فمن فعله ليكفيك مؤنتها فذلك مجزيء عنك، وأما غير ذلك فلا يجزئك.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وكذلك إن ذبحها صديقه إذا وثق به أنه ذبحها عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذبحت أضحية صاحبك، وذبح هو أضحيتك غلطاً لم تجز واحداً منكما، ويضمن كل واحد لصاحبه القيمة.
قال ابن حبيب: إن عرف بذلك بعد فوات اللحم أجزأت عن ذابحها غلطاً وأدى لصاحبه القيمة، وإن لم يفت اللحم وكان قائماً لم يجزئ واحداً منهما، وخير ربها فإن أخذ اللحم فليبعه، وإن اختار أخذ القيمة لم يجز لذابحها بيع لحمها؛ لأنه ذبحها على أنها نسك.

الجزء: 5 - الصفحة: 862

وقال ابن المواز: إذا كان لحمها قائماً فاختار مستحقها أخذه لم تجز عن واحدٍ منهما، يريد: وله بيع لحمها، قال: وإن أسلمها وأخذ قيمتها، فابن القاسم يقول: لا تجزئ الذابح، ولا له بيع لحمها، وليأكله، أو يتصدق به، وقاله أصبغ.
قال ابن المواز: وهذه من كتب المجالس لم تتدبر.
وأحب إليّ أن تجزئ عن ذابحها إذا اختار ربها أخذ القيمة كعبد أعتقه عن ظهاره فشهد المعتوق بعد ذلك بشهادات وطلق ونكح ثم استحق فأجاز ربه عتقه فإنه يجزئ معتقه وتنفذ شهادته التي كان شهد بها وجميع أحكامه وإن نقضه سقطت تلك الشهادات وأموره ورجعت أموره إلى أمور العبيد، وكذلك أمة أو ولدها ثم جاء ربها فأخذ قيمتها فهي بهذا أو ولد، فكذلك الأضحية/ إن أجازها مستحقها أجزأت عن ذابحها وأخذ قيمتها، وإن اختار أخذها لم تجز عن واحدٍ منهما.
قال ابن المواز: واختلف فيه قول أشهب فقال مرة: تجزئ عن ذابحها ويغرم لصاحبها القيمة كمن ضحى بكبش ثم استحقه ربه.
قال ابن المواز: وذلك إذا أجاز مستحقه ذلك وطلب القيمة، وهو معنى قول أشهب عندي وإن لم يفسره كذلك.
ابن المواز: واختلفا في الهديين المقلدين يخطئ الرفيقان أو غيرهما فينحر كل واحدٍ هدي صاحبه، فروى أشهب عن مالك أنه لا يجزئهما، وروى عنه ابن القاسم

الجزء: 5 - الصفحة: 863

وابن وهب أنه يجزئ عن الذي قلده لا عمن نحره لوجوبه بالتقليد، وبهذا أخذ محمد.
قال أبو محمد: قد قيل في رواية أشهب: إنما روى هديين من الغنم فلذلك قال: لا يجزئ صاحبها؛ لأنها لا تقلد، وقد اختلف في تقليدها.
قال أبو محمد: روي عن بعض أصحابنا في شاتين لرجلين لكل واحدٍ شاة بعينها فذبحهما، ثم اختلطا بعد السلخ أنهما يجزئانهما ولا يأكلان لحماهما وليتصدقا به جميعاً.
م: إنما أجزأتاهما؛ لأنهما بالذبح وجبتا أضحية فأجزأتهما، واختلاطهما بعد الذبح لا يقدح في الإجزاء، وإنما لم يأكلا لحمهما؛ لأن كل واحدٍ قد يأخذ لحم شاة صاحبه فيصير بيعاً للحم أضحيته بلحم أضحية صاحبه، وفارق ذلك اقتسام الورثة للحم أضحية ورثوها؛ لأن كل واحد ورث منها جزءً معلوماً: ثلثاً، أو ربعاً فيأخذه منها، وهو تمييز حق هاهنا لا بيع.
وقال عبد الله ابن عبد الحكم: إذا اختلطت الضحايا فلا بأس أن يصطلحا فيها يأخذ كل واحد كبشاً فيضحي به ويجزئه.

الجزء: 5 - الصفحة: 864

وقال سحنون في العتبية في الرفيقين يشتركان في شراء الشاتين للأضحية فيقتسمانهما، فيقول هذا: خذ أنت هذه فضح بها، وأنا هذه أضح بها فذلك جائز إن استويا في السمانة، وإن لم يستويا كرهت ذلك لأخذ الدنية إلا أنها تجزئه، ولا يأخذ للأفضل شيئاً ولا يعود.
وقال أبو بكر بن محمد: قال غيره: تجزئه؛ لأنها بالقسم وجبت أضحية إذ كان له في كل شاة جزء.
م: قوله: بالقسم وجبت أضحية: مجاز، وإنما تجب الأضحية بالذبح.

الجزء: 5 - الصفحة: 865

[الباب: السابع]

في تفرقة لحوم الأضاحي والأكل منها

ومن كتاب محمد: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن ليس في الضحايا والبدن التطوع قسم موصوف ولا حد معلوم، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾، قال: والقانع: الفقير، والمعتر: الزائر، ولا بأس على الرجل أن لو لم يأكل من ذلك.
قال ابن حبيب: ينبغي أن يأكل منها ويطعم كما قال الله عز وجل، ولو أراد أن يتصدق بلحم أضحيته كله لغنائه عنه كان كأكله إياه كله ولم يتصدق منه بشيء حتى يفعل الأمرين كما قال الله سبحانه، قال: وكذلك قال مالك.
قال ابن المواز: وأحب إليّ أن يتصدق من لحم أضحيته، ولو تصدق به كله كان أعظم لأجره، ولو ادخره كله ولم يتصدق من لحمه ولا صوفه/ ولا قرونه ولا شيء منه لكان جائزاً، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك: "كلوا وتصدقوا وادخروا" في حديث مالك.

الجزء: 5 - الصفحة: 866

وقالت عائشة رضي الله عنها: دف أناس من اهل البادية حضرة الأضاحي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ادخروا لثلاث وتصدقوا بما بقي"، ثم قيل له: فقال: "إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم فكلوا وتصدقوا وادخروا" وفي الحديث غير هذا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قدم علينا علي بن أبي طالب من سفر فقدمنا له من لحم الأضاحي فقال: ما أكله حتى سأل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: "كله من عام إلى عام".
قال ابن حبيب: ويستحب أن يكون أول ما يأكل يوم النحر من أضحيته، قاله عثمان رضي الله عنه، وابن المسيب، وابن شهاب، قال ابن شهاب: يأكل من كبدها قبل أن يتصدق منه.

الجزء: 5 - الصفحة: 867

وكره مالك أن يطعم من لحم أضحيته جاره النصراني والظئر النصرانيه عنده، ونهى عنه.
قال ابن القاسم: وقد كان مالك يجيزه ثم رجع عنه، وما يعجبني أن يطعمهم، وما رأيت الناس إلا على تركه إلا أن يكون من العيال، وأما إن أهدى لهم فلا يعجبني.
قال أصبغ: وكان ابن وهب: يخففه، ويرى أن تفسير الحديث: "أن لا تطعموا المشركين من لحوم ضحاياكم" أنه في المجوس، وغير أهل الكتاب، ولهذا كان مالك يخففه، ثم رجع إلى الكراهية.
قال أصبغ: وتركه أحب إليّ على طريق الاستحسان.
قال ابن المواز: وأخبرت عن سعيد بن جبير قال: لا تطعموا اليهود ولا النصارى شيئاً من النسك.

الجزء: 5 - الصفحة: 868

[باب] في سنة العقيقة والعمل فيها

ومن الواضحة: قال مالك: العقيقة سنة، وإن لم تكن واجبة فمستحب العمل بها، وكانوا يكرهون تركها.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لقوله صلى الله عليه وسلم: "مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دماً"،

الجزء: 5 - الصفحة: 869

وقوله: "كل غلام مرتهن بعقيقته تعق عنه يوم سابعه، ويسمى".
قال ابن المواز: وهي مستحبة، وليست واجبة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من ولد له ولد فأحب أن ينسك عنه فليفعل".
وقد كانت في الجاهلية فأقرها النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام.
وإن كان ولد ولدان في بطن عق عن كل واحد بشاة، ولا يجمعهما في شاة واحدة؛ لأن الغرض به إراقة دم، والشركة فيه كأنه أخرج لحماً، فلا يجوز كالأضحية.
قال مالك: والذكر والأنثى في هذا سواء، وقاله ابن عمر.

الجزء: 5 - الصفحة: 870

وروت عائشة رضي الله عنها عن الذكر شاتين وعن الأنثى شاة، وبه أخذ أبو حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: أنه عق عن الحسن والحسين كبشاً، كبشاً؛ ولأنه ذبح يتقرب به فلم يفاضل فيه بين الذكر والأنثى، كالأضحية.
قال مالك: وتذبح العقيقة ضحى في اليوم السابع من المولود، وإن ولد نهاراً لم يحسب ذلك اليوم، وإن ولد قبل الفجر حسبت صبيحة ذلك اليوم.
قال: والليلة سابقة لليوم، وإنما تحسب سبعة أيام بليالها.
قال ابن حبيب: ولو عق عنه إلى مثل الحين الذي ولد فيه بعد أن يكون حيناً يذبح فيه نهاراً أجزأه ولم يعد، وإلغاء ذلك اليوم أحب إلينا، وقاله ابن الماجشون، وأصبغ.

الجزء: 5 - الصفحة: 871

قال مالك: ولا يعق بعصفور، ولا بشيء من الوحش، ولا يتقرب إلى الله في هذا إلا بالأنعام، وهي كالضحايا في الأسنان.
قال ابن حبيب: يعق بجميع الأنعام من ضأن أو معز أو بقر أو إبل.
قال ابن المواز: وغيره: لا يعق بالإبل ولا بالبقر، وليعق بالجذع من الضأن والثني من المعز.
قال سحنون- عن مالك-: وبه جاءت السنة.
قال ابن حبيب:/ ويسلك بالعقيقة مسلك الضحايا في اجتناب العيوب، وفي أسنانها، وفي النهي عن بيع شيء منها، ومن ذبح غير شاة العقيقة يريد بها التوسعة، فله بيع جلودها، ولا يبالي فيها بعيب؛ إذ ليست بعقيقة.
قال مالك: وتكسر عظام العقيقة، وكانت الجاهلية تقطعها من المفاصل، ولا تكسرها ويحلقون رأس الصبي، ويجعلون في رأسه من دمها في قطنة فذلك نهى مالك أن يمس الصبي بشيء من دمها خلافاً لهم.
قال أبو محمد عبد الوهاب: يجوز كسر عظامها، لا أنه مسنون ولا مستحب، لكن تكذيباً للجاهلية في تحرجهم من ذلك وتفصيلهم إياها من المفاصل.

الجزء: 5 - الصفحة: 872

قال: وليس على الناس حلاق رأس الصبي والصدقة عنه بوزن شعره ورقاً أو ذهباً، ولا بأس به على من فعله.
مالك: والصبي والصبية في حلق الرأس يوم السابع سواء، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يحلق رأس حسن وحسين ابني علي بن أبي طالب رضي الله عنهم يوم سابعهما ويتصدق بوزن شعرهما فضة، وأن يخلق رأسهما بعد الحلاق بخلوق أو زعفران بدلاً من الدم الذي كان يفعل به في الجاهلية، وروي عن عائشة رضي الله عنهما، وذلك مستحب، وليس بواجب، وكانت الجاهلية يجعلون في رأس المولود شيئاً من دم العقيقة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل مكان الدم خلوقاً.
ولا يسمى المولود إلا في اليوم السابع لأمره صلى الله عليه وسلم بذلك.
ومن فاته أن يعق في السابع فلا يعق في أسبوع ثانٍ، وقيل: يعق في الثاني، فإن فاته ففي الثالث، فإن فاته فلا يعق في الرابع، قاله ابن وهب عن مالك، وروى مثله

الجزء: 5 - الصفحة: 873

عن عائشة رضي الله عنها، واختاره ابن عبد الحكم.
قال ابن حبيب: وأهل العراق يعقون عن الكبير.
وقال مالك في سماع أشهب: لا يعق بعد السابع، ولا عن كبير، وهؤلاء الصحابة الذين لم يعق عنهم ما عقوا عن أنفسهم.
قال أبو محمد عبد الوهاب: هذا أقيس لفوات الوقت المقدر له بالنص كالأضحية.
قيل لمالك: فيعمل منها الطعام الطيب ويدعى إليه؟ قال: ما رأيتهم عندنا يفعلون ذلك، إنما يقطعونه ويأكلون منه ويطعمون ويبعثون إلى الجيران، ولا بأس أن يطعم نيئاً، وغير نيء، وذلك واسع، فإن شاءوا أن يطعموا طعاماً صنعوا من غيرها، ودعوا إليه الناس.
ومن مات ولده قبل السابع فلا عقيقة عليه، ولا تسمية عليه فيه.
قال ابن وهب: فذكر له الحديث في السقط يقول لأبيه يوم القيامة تركتني بغير اسم، فلم يعرفه.

الجزء: 5 - الصفحة: 874

قال ابن حبيب: وأحب إليّ إن مات قبل السابع أن يسمى، وكذلك السقط يسمى، لما روي من رجاء شفاعته.
والله أعلم.
قال معن عن مالك: إذا كان سابع ولده يوم الأضحى، وليس عنده إلا شاة، قال: يعق بها.
قال العتبي، وابن حبيب: إلا أن يكون يوم السابع آخر أيام النحر فليضح بها؛ لأن الأضحية أوجب.
قال ابن المواز: قيل لمالك: أيعق العبد عن ولده الحر ويضحي عنه؟ قال نعم: إذا أذن له سيده، وإلا فلا.
قال مالك- في غير ديوان-: إن الذبيح إسحاق.
قال ابن حبيب: إن الذبيح إسماعيل.
وها قول العراقيين.
والله عز وجل أعلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 875

[باب] في الاختتان والخفاض وإتيان الولائم

والختان سنة مؤكدة في الذكور والإناث، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عشر من الفطرة" فذكر "الختان"، والفطرة: هي السنة.
قال ابن حبيب: لم يكن الختان قبل نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهو من ملة الإسلام، قال الله تعالى: "ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل"، وأمر الله سبحانه بذلك إبراهيم عليه السلام، ونسخ به ما تقدم من ترك الاختتان وكل طاعة لله تعالى في وقته، فاختتن صلى الله عليه وسلم بالقدوم، وهو ابن عشرين ومائة، وعاش بعد ذلك

الجزء: 5 - الصفحة: 876

ثمانين سنة.
قال مالك: والاختتان من الفطرة، ومن تركه من غير عذر ولا علة لم تجز إمامته ولا شهادته.
قال ابن شهاب: ولا يتم إسلام من أسلم حتى يختتن.
قال ابن المسيب: كان إبراهيم عليه السلام أول من اختتن، وقص شاربه، وقلم أظفاره، ونتف إبطه، وحلق عانته، وفرق شعره، وأول من استاك،/ وضاف الضيف، وأول من رأى الشيب، فقال: يا رب ما هذا؟ قال: وقار، قال: رب زدني وقاراً.
وقال عطاء بن أبي رباح: عشر خصال من السنة فطر عليها إبراهيم، خمس في الرأس: المضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب، وفرق الرأس.
وفي الجسد خمس: قص الأظفار، ونتف الإبط، والاستحداد، والختان، والاستنجاء.

الجزء: 5 - الصفحة: 877

وروي عن الحسن: أنه تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
وروي أن إبراهيم ختن إسماعيل: ابن ثلاث عشرة سنة، وختن إسحاق: ابن سبعة أيام.
وروي أنه أطهر للمولود وأعفى من الآلام، يريد: العلة، والمرض والعبث.
وكره مالك الختان يوم يولد الصبي، وفي يوم سابعه، وقال: هو من فعل اليهود، ولم يكن من عمل الناس إلا حديثاً، وكان لا يرى بأساً أن يفعل، لعلة يخاف على الصبي.
قال مالك: وحد الختان من يوم يؤمر بالصلاة من سبع سنين إلى عشر.
ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "الختان سنة للرجال مكرمة للنساء".

الجزء: 5 - الصفحة: 878

قال يحي بن سعيد، وربيعة: والخفاض كالختان في الرجال في إلزامه؛ لأنه لا يقطع من أحدٍ شيء لا يلزمه، وكذلك هما في حلق العانة ونتف الإبط، وقاله كله مالك: وقال: إن إبراهيم عليه السلام أمر سارة أم إسحاق أن تفعله بها أم إسماعيل وكانت أمة لها وهبتها لإبراهيم عليه السلام، ثم غارت منها فحلفت لتغيرن منها ثلاثة أشياء، فأمرها إبراهيم أن تثقب أذنيها وتخفضها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأم عطية- وكانت تخفض-: "يا أم عطية أشمي ولا تنهكي؛ فإن ذلك أسرى للوجه، وأحظى عند الزوج"، يقول: لا تبالغ في القطع، ولكن تخفف، وقوله: "أسرى للوجه" يقول: أشرق وأنظر، وأكثر لماء الوجه ودمه، وإذا بالغت في القطع أذهب ماء وجهها، وأمات لونها.
وقوله: "أحظى عند الزوج" يقول: أحسن في جماعها.
وروي أن علي بن ابي طالب كره أن تخفض حتى تبلغ سبع سنين.

الجزء: 5 - الصفحة: 879

وليس من الشأن الإطعام عند مالك، بل الشأن عند الناس ستره وإخفاء ذكره.
وأما ختان الذكر فكانوا يدعون إليه، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يدعى إليه، وكان ابن عمر يدعو إليه، وإلى الولادة، وكذلك: نافع بن جبير بن مطعم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا وليمة إلا في خرس أو عرس أو إعذار"، فالعرس: البناء بالزوجة، والخرس: نفاسها، والإعذار: ختان المولود، يقال: أعذرت الغلام؛ فهو معذور: إذا ختنته، وطعام ذلك: عذيرة، وزيد في ذلك: طعام العشيرة، والنقيعة، فالعشيرة: الطعام الذي يبعث به لأهل الميت.
مالك: ويكره أن يرسل لمناحة.
والنقعية: طعام الإصلاح، كانت تفعله العرب في النائرة تقع بين القبيلتين

الجزء: 5 - الصفحة: 880

فتأتي قبيلة أخرى تصلح بينهم، فتنحر البقر، ويقدم الطعام بعد الصلح.
قال محمد بن عبد الله: وقولي: ومن لمدونة في كتاب المختلطة مجاز، لشهرة اسم الديوان به.
تم كتاب الضحايا والعقيقة من الجامع لابن يونس، بحمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 881

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليماً كتاب الجهاد

في فرض الجهاد وفضائله والرباط فيه قال الله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقال: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ [الأنفال:39] وقال في أهل الكتاب: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة:36] إلى قوله ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29].
قال سحنون: فالجهاد فرض على جميع المسلمين

الجزء: 6 - الصفحة: 35

يحمله بعضهم عن بعض لقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ [التوبة:122] وموضع الدليل في الآية؛ أنه جعل طائفة للتفقه، وأخرى للجهاد، والطائفة غير معلومة، فحصل الجهاد على غير معين، وهذا صفة الفرض على الكفاية إذ هو غير مختص بالأعيان.
قال عبد الوهاب: وأصله من السنة أيضاً قوله -صلى الله عليه وسلم- «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها» وفيه أخبار كثيرة.
ولا خلاف بين الأمة في وجوبه، وهو من فروض الكفايات دون الأعيان؛ فمن قام به سقط الفرض عن الباقين.
ووجه القيام به: أن تحرس الثغور وتعمر وتحفظ بالمنعة والعدد.

الجزء: 6 - الصفحة: 36

قال سحنون: وكان الجهاد في أول الإسلام فرضاً على جميع المسلمين لقوله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ [التوبة:41] وقوله: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [التوبة:120]. قال ابن زيد: فنسخ ذلك لما كثر المسلمون بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة:122] قال: والثقيل من له ضيعة والخفيف من لا ضيعة له.

الجزء: 6 - الصفحة: 37

قال: وإذا نزل العدوم بقوم ففرض عليهم قتالهم إذا كانوا مثلى/ عددهم فأقل لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾.
وإذا وقع النفير ورجل معتكف فإن حل بموضعه مالا قوة/ لمن حضر على دفعه خرج ثم ابتدأ إن رجع.
وقال مالك: يبني.
ولا ينفر العبد ولا المكاتب ولا من بقية رق بغير إذن سيده إلا من هو في نفير فغشيهم مالا قوة لمن حضر به فلينفر بغير إذن السيد وقاله الأوزاعي.
قال سحنون: ومن عليه دين قد حل وعنده به قضاء فلا ينفر ولا يرابط ولا يعتمر ولا يسافر حتى يقضيه، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «مطل الغني ظلم» وإن كان دين لم يحل أو

الجزء: 6 - الصفحة: 38

لا وفاء له به فله أن ينفر، ولا أحب لمن له والدان أن ينفر إلا بإذنهما أن ينزل بمكانه من العدو ما لا طاقة لمن حضر على دفعه فلينفر إليهم بغير إذنهما.
ولو نزل ذلك بساحل بغير موضعه ولا غوث عندهم أو كان الغوث بعيداً منهم فلينفر إليهم بغير إذن الأبوين.
قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله -عليه السلام-: «إذا كان العدو عند باب البيت فلا تذهب إلا بإذن أبويك».
ولأن طاعتهما من فروض الأعيان فهي أولى من فروض الكفايات.
وأما إذا تعين الفرض عليه فلا يمنع لأن منعهما له غير جائز لهما كمنعهما إياه من الصلاة والصوم الواجبين.
فصل ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب روي أنه قيل: يا رسول الله: أي الأعمال أفضل؟ قال: «إيمان بالله وجهاد في سبيل الله».
وفي حديث آخر: «وحج مبرور».

الجزء: 6 - الصفحة: 39

وروي أن الصحابة -رضي الله عنهم- قالوا يا رسول الله: وددنا لو علمنا أفضل الأعمال، فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَفَتْحٌ قَرِيبٌ﴾.
[وقال -عليه السلام- لرجل: «لو قمت الليل وصمت النهار ما بلغت نوم المجاهد».
وفي حديث آخر: «ما بلغت غبار شراكه».
وفي حديث آخر: «ما بعد الصلاة المكتوبة أفضل عند الله من الجهاد».
وقال: «مثل المجاهد كالصائم حتى يرجع إلى أهله».

الجزء: 6 - الصفحة: 40

وقال ابن عمر: لأن أقف موقفاً في سبيل الله مواجهاً للعدو ولا أضرب بسيف ولا أطعن برمح ولا أرمي بسهم أفضل من أن أعبد الله ستين سنة لا أعصيه.
وروى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الموقف ساعة في سبيل الله أفضل من شهود ليلة القدر عند الحجر الأسود».
وقال: «لغدوة أو روحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها».
وقال لرجل له ستة آلاف دينار: «لو أنفقتها في طاعة الله لم تبلغ غبار نعل المجاهد».

الجزء: 6 - الصفحة: 41

وقال: «من اغبرت قدماه في سبيل الله حرمه الله على النار».
وروي: «أنه لم يكن يتلثم من الغبار في سبيل الله».
وكره مكحول التلثم في سبيل الله.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «غزة بعد حجة الإسلام خير من ألف حجة ومن صيامها وقيامها».

الجزء: 6 - الصفحة: 42

قال ابن القاسم: وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- «ما جميع أعمال البر في الجهاد إلا كبصقة في بحر، وما جميع أعمال البر والجهاد في طلب العلم إلا كبصقة في بحر».
وروي عنه في الموطأ أنه قال: «تكفل الله عز وجل لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته بأن يدخله الجنة أو يرده إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر أو غنيمة».
وفضائل الجهاد كثيرة، وفيما ذكرنا كفاية.
فصل روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رباط ليلة في سبيل الله أفضل من ألف ليلة يقوم ليلها لا يفتر ويصوم نهارها لا يفطر».

الجزء: 6 - الصفحة: 43

وقال: «من رابط فوق ناقة حرمه الله على النار».
وقال ابن حبيب قوله: «فواق ناقة» هو قدر ما تحلب.
وقال أبو هريرة: لحرس ليلة أحب إلي من صيام ألف يوم أصومها وأقوم ليلها في المسجد الحرام وعند قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وروي في الرباط من الرغائب كثير.
قال ابن حبيب: وهو شعبة/ من شعب الجهاد، وبقدر خوف أهل ذلك الثغر وتحرزهم من عدوهم يكون كثرة ثوابهم.
وقال ابن عمر: فرض الجهاد لسفك دماء المشركين، والرباط لحق دماء المسلمين، وحقن دماء المسلمين أحب إلي من سفك دماء المشركين.

الجزء: 6 - الصفحة: 44

وقيل: إنما هذا حين دخل في الجهاد ما دخل.
قال عمر: اغزوا ما دام الغزو حلواً خضراً قبل أن يكون مراً عسراً ثم يكون ثماماً ثم يكون رماماً ثم يكون حطاماً فإذا انتاطت المغازي وكثرت الغزائم واستحلت الغنائم فخير جهادكم الرباط.
والتمام: الرطب من النبات، والرمام: اليابس، والحطام: الذي ينكسر ويتحطم وقوله: انتاطت: يعني تباعدت، وقوله: العزائم: يريد حمل السلطان شدة الأمر عليهم، والعزم فيما يشق عليهم لبعد المغزى وقلة عونه عليهم وغير ذلك.
وروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تمام الرباط أربعون ليلة».
وروي «إذا نزل العدو بموضع فهو مرابط أربعين سنة».
قال أبو محمد: هذا والله أعلم على الترغيب في الرباط.

الجزء: 6 - الصفحة: 45

وقد ضعف مالك أمر جدة إذ كان إنما نزل العدو بها مرة، وينبغي لكل قوم أن يرابطوا في ناحيتهم ويمسكوا سواحلهم إلا أن يكون مكاناً مخوفاً يخاف فيه على العامة؛ يريد: فليذهب إليه.
وسئل مالك عن سكان الثغور والسواحل بالأهل والولد؟ قال: ليسوا بمرابطين، وإنما الرباط لمن خرج من منزله معتقداً للرباط في موضع الموت.
فصل قال ابن حبيب: وجاءت الرغائب فيمن أنفق في سبيل الله أو أعان بماله.
قال: ونفقة الخارج أفضل.
قال: زيد بن أسلم.
في نفقة الخارجين: كمثل حبة أنبتت سبع سنابل.
وقال فيمن يقرون من خرج ولا يخرجون: ﴿ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُوا مَنًّا وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.

الجزء: 6 - الصفحة: 46

قال ابن حبيب: ولم يختلف العلماء في كراهية المسألة للغازي كان غنياً أو فقيراً والفقير يجلس ولا يتكلف مالا يطبق، قال: وما أعطى الغازي من غير مسألة فأكثر العلماء لا يرون بأخذه بأساً فإن احتاج إليه أنفقه وإلا فرقه في سبيل الله، وقالت طائفة: أفضل له أن لا يأخذه، وقبول الفقير لذلك أفضل من تركه فما فضل له بعد فعله فرقه في السبيل.
فصل قال ابن حبيب وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لو أن هذه الأمة انتهت عندما أمرت لأكلوا غير زارعين؛ لأن الله جعل أرزاقها في سنابك خيلها وأسنة رماحها».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله جعل رزقه في ظل رمحه ولم يبعثني تاجراً ولا زارعاً وإن من أشرار عباد الله التجار والزراعيين إلا من شح على دينه».
وقال عمر: (من زرع فامحه من الديوان فإن هذه الأمة جعلت أرزاقها في أسنة رماحها ما لم يزرعوا فإذا زرعوا كانوا من الناس).

الجزء: 6 - الصفحة: 47

وقال بعض الصحابة: إذا أدركت زماناً يغزو فيه الفقراء ويقعد فيه الأغنياء ويرغب الناس في الزرع والضرع فأولئك الذين يدلسون دين الله.
في الدعوى قبل القتال وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بدعوة أهل الكفر قبل القتال.
وروى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- حين خرج إلى خبير فأتاها ليلاً وكان إذا جاء قوماً ليلاً لم يغز حتى يصبح فلما أصبح خرجت يهود بمساحيهم ومكاتلهم فلما رأوه قالوا: محمد والله محمد والخميس فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين».

الجزء: 6 - الصفحة: 48

ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أمر أن يدعو إلى الإسلام والصلوات الخمس وصوم الشهر وحج البيت والزكاة فإن أجابوك وإلا فقاتلهم.
وأمر الصديق خالداً أن يقاتل من أبى واحدة من هذه الخمس منها الشهادة.
وروى ابن وهب أن علياً ابن أبي طالب -رضي الله عنه- لم يكن يقاتل أحداً من العدو حتى يدعوهم ثلاث مرات.
وأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك.
ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: ولا يقاتل المشركون حتى يدعوا ولا يبيتوا حتى/ يدعوا إلى الله ورسوله فيسلموا أو يعطوا الجزية.
قال: وكذلك إن أتوا إلى بلادنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 49

وفي المستخرجة قال أصبغ: وبلغني أن عمر بن عبد العزيز كتب ألا تقاتلوهم حتى تدعوهم فإنا إنما تقاتلوهم على الدين فإنه يخيل إليهم وإلى كثير منا إنما تقاتلوهم على الغلبة فلا تقاتلوهم حتى تبينوا لهم.
قال ابن المواز: وقال ابن نافع: إنما كانت الدعوة قبل ظهور الإسلام يقول: قبل أن يفشو وينتشر.
قال: وقد أغار النبي -صلى الله عليه وسلم- على بني المصطلق وهو غارون، وبعث في قتل ابن الحقيق وابن الأشرف، وصاحب بن الحيان، غيلة.
وبه احتج يحيى بن سعيد.

الجزء: 6 - الصفحة: 50

ومن المدونة وقال أيضاً مالك بن أنس: أما من قربت داره منا فلا يدعو لعلمهم بالدعوة ولتطلب غرتهم أي غفلتهم وأما من بعدت داره وخيف أن لا يكونوا كهؤلاء فالدعوة أقطع للشك.
ونحوه عن ربيعة.

الجزء: 6 - الصفحة: 51

وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بابتغاء غرة العدو بالليل والنهار لأن دعوة الإسلام قد بلغتهم إلا من ترجى إجابته من أهل الحصون فلابد من الدعوة.
وقيل لأصبغ في المستخرجة: أرأيت من دعي إلى الإسلام أو الجزية فأبوا فقوتلوا على هذا مراراً يدعو كلما غزوناهم؟ قال: أما الجيوش الغالبة الظاهرة فلا يقاتلوا قوماً ولا حصناً حتى يدعوهم لأنهم لم يخرجوا لطلب غرة ولا لانتهاز فرصة وإنما خرجوا ظاهرين قاهرين، وأما السرايا وشبهها التي تطلب الغرة وتنتهز الفرصة فلا دعوة عليهم لأن دعوتهم إنذار وتجليب عليهم مع ما في الدعوة من الاختلاف وقد قال جل الناس: إن الدعوة قد بلغت جميع الأمم.
قال ابن سحنون: اختلف في الدعوة على ثلاثة أوجه: فقيل: لا تلزم في كل أحد لبلوغ الدعوة وقاله الحسن وغيره.

الجزء: 6 - الصفحة: 52

وقيل: واجبة في كل أحد بعدت داره أو قربت وقاله عمر بن عبد العزيز ومالك وأكثر العلماء.
وقال ابن الماجشون: لا دعوة فيمن قرب منا مثل المصِّيصة ودبسة وطرطوس ويدعى من بعد.

الجزء: 6 - الصفحة: 53

وروى ابن حبيب نحوه.
وقال عن مالك: إذا وجبت الدعوة فإنما يدعو إلى الإسلام جملة من غير ذكر الشرائع إلا أن يسألوا عنها فلنبين لهم، وكذلك يدعو إلى الجزية مجملاً بلا توقيت ولا تحديد إلا أن يسألوا عن ذلك فلنبين لهم.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا بذلوا الجزية عاماً بعام على أن يقيموا بموضعهم فإن كانوا بموضع ينالهم سلطان الإسلام وحكمه قبلت منهم، وإن كانوا في بعد من سلطاننا أو حيث يمكنهم النكث ولا تجري أحكام المسلمين عليهم فلا تقبل منهم الجزية إلى أن ينتقلوا إلى حيث سلطاننا، وكذلك إن أجابوا إلى الإسلام إلا أن يكونوا بالقرب من دار

الجزء: 6 - الصفحة: 54

الإسلام ومن جماعتهم حتى لا تجري أحكام المشركين عليهم فيضطرونهم إلى الرجوع عن دينهم إلى دين المشركين فليس عليهم الانتقال من دارهم وموضوعهم، وإن كانوا في بعد من المسلمين وتحت أيدي المشركين بحيث تجري أحكامهم فعلى هؤلاء الانتقال إلى دار الإسلام.
وقال سحنون: في قوم من أهل الحرب ممن يرى أن الدعوة لم تبلغهم إذا قاتلوهم قبل أن يدعوهم فقتلوهم وغنموا أموالهم وأولادهم فلا شيء على المسلمين من دية ولا كفارة.
يريد: للاختلاف في ذلك؟ ومن المدونة وكان مالك: يفرق بين الروم في قتالهم وبين القبط، وقال: لا يقاتل القبط ولا يبيتوا حتى يدعوا ولم ير أن دعوة الإسلام قد بلغتهم؛ يريد: أنهم قوم لا يفقهون، فكأنه رأى أنهم لم يفهموا ما يدعون إليه فرأى أن يدعوا وتبين لهم الدعوة، لا كما قيل: إنما ذلك؛ لأن مارية القبطية أم ولد النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم، وقد أنكر ذلك بعض الناس وقال: القبط من أحذق الناس وإنما لعلة فيهم؛ أنهم كان لهم عهد فركبوا بالظلم وتداول/ الملوك ذلك من أهل الجور ونقضوا ما كانوا عليه العهد فلذلك لا يقتلوا حتى

الجزء: 6 - الصفحة: 55

يدعوا أو يخيروا أنهم يردون إلى ما كانوا عليه ويسار فيهم بالعدل وطريق الحق، وأما الروم فما كان لهم عهد قط، فلهذا فرق مالك بينهم.
ومن المدونة قال مالك: وينبغي أن يدعى اللص إلى أن يتقي الله ويدع ذلك، فإن أبى قوتل كان بطريق أو أتى إلى محلك.
وقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «من حمل علينا السلاح فليس منا ولا راصد بطريق».
قال مالك: وإذا نزل قوم بآخرين يريدون أنفسهم وأموالهم وحريمهم ناشدوهم الله عز وجل فإن أبوا فالسيف.
قال: ومن عاجلك على الدعوة من لص أو مشرك فقاتله.
قال ابن القاسم: وإن طلب السلابة الطعام أو الثوب أو الأمر الخفيف رأيت أن يعطوه ولا يقاتلوا.
وقال سحنون: لا يعطوه ولا يدعوا لأن الدعوة لا تزيدهم إلا إشلاء وجرأة وليقاتلوا بلا دعوة.
ومن المدونة قبل لربيعة: فمن عرض له لص ليغصبه ماله فرماه فنزع عينه هل عليه دية؟ قال: لا ولا نفسه.
قيل له: عمن تذكر هذا؟ فقال: كان سعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف يخبران أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من قتل دون ماله فأفضل شهيد قتل في الإسلام بعد أن يتعوذ بالله وبالإسلام ثلاث مرات، وإن قتل اللص فشر قتيل في الإسلام».

الجزء: 6 - الصفحة: 56

وفي حديث آخر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من قاتل دون ماله حتى يقتل فهو شهيد».
وقال محمد بن سيرين: ما علمت أن أحداً من الناس ترك قتال من يريد نفسه وماله تأثماً وكانوا يكرهون قتال الأمراء.
في الجهاد مع من لا يرضى من الولاة أو بغير إذن من الإمام أو بالنساء أو بالمصاحف قال مالك -رضي الله عنه-: ويجاهد العدو مع كل بر وفاجر من الولاة، وقد كان مالك يكره الجهاد مع هؤلاء الولاة ثم رجع عن ذلك لما كان زمن مرعش وما صنع الروم بالإسلام

الجزء: 6 - الصفحة: 57

وجرمهم وغارتهم على الإسلام فقال: لا بأس بالجهاد معهم، فقيل له: إنهم يفعلون ويفعلون؟ فقال: لا بأس على الجيوش، وما يفعل الناس لو ترك مثل هذا كان ضرراً على أهل الإسلام.
ابن سحنون: وقال الحسن: اغز معهم ما لم ترهم عاهدوا ثم غدروا.
ولم ير السلف بالغزو مع هؤلاء الجور بأساً.
قال أن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالغزو معهم وإن لم يضعوا الخمس موضعه وإن لم يوفوا بعهد وإن عملوا ما عملوا ولو ترك ذلك لاستبيح حريم الإسلام ولعلا أهل الشرك.
وقال الصحابة حين أدركوا من الظلم فكلهم قالوا: اغز معهم على حظك من الأجر ولا تفعل ما يفعلون من فساد وخيانة وغلول.

الجزء: 6 - الصفحة: 58

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الجهاد ماض منذ بعث الله نبيه إلى آخر عصابة تقاتل الدجال لا ينقضه جور من جار ولا عدل من عدل».
وقال ابن عمر: اغز مع أئمة الجور وليس عليك مما أحدثوا شيء.
وغزا أبو أيوب الأنصاري مع يزيد بن معاوية بعد أن توقف ثم ندم على توفقه.
فصل قال ابن المواز: ولا يجوز خروج جيش للغزو إلا بإذن الإمام وتوليته عليهم من يحيطهم ويسمعون منه ويطيعون وقد سهل مالك في الذين بقرب العدو ويجدون الفرصة من عدوهم ويبعد عليهم موضع الإمام ويخافون إن استأذنوا فواتها أو يخافون منعهم منها

الجزء: 6 - الصفحة: 59

فلا بأس أن ينالوها بغير إذنه، وأما سرية تخرج من عسكر فلا يجوز ذلك ولا يحل لهم إلا بإذن الإمام.
قال عبد الملك: وأراهم في ذلك غاصبين متعدين خرجوا ببدعة عما بين الرسول -صلى الله عليه وسلم- والأئمة بعده ولا أرى أن ينفل منهم أحد ولا ينفل إلا من أطاعه وليؤدبهم فإنهم مستخفون لذلك.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وأصحابنا يرون في سرية تخرج في قلة وغرر/ بغير إذن الإمام فغنموا فللإمام منعهم الغنيمة أدباً لهم.
قال سحنون: فأما جماعة لا يخاف عليهم فلا يحرمهم الغنيمة وإن لم يستأذنوه.
يريد: وقد أخطأوا.
وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.
فقال أبو هريرة أولو الأمر: أمراء السرايا.

الجزء: 6 - الصفحة: 60

وقال جابر بن عبد الله: هم أهل الفقه والدين.
قال بعض العلماء: وطاعة هاتين الطائفتين واجبة.
وقد نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- يوماً أصحابه عن القتال وهم مستقبلون العدو فقاتل رجل فقتل فأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- من ينادي: «لا تحل الجنة لعاص».
وقال -عليه السلام-: «وإن أمر عليكم عبد حبشي فاسمعوا له وأطيعوا».
وفي حديث آخر: «إلا أن يأمر بمعصية فلا سمع فيها ولا طاعة».
قال سحنون: وليؤمر الإمام على السرية يبعثها أميراً يتقدمون بأمره ويستأخرون ويكون من ذوي المراس في الحرب والحنكة ويستظهر بأهل الرأي ممن معه.

الجزء: 6 - الصفحة: 61

فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يخرج بالنساء إلى دار الحرب إلا أن يكن في عسكر عظيم لا يخاف من قلة عليهن فلا بأس.
ابن وهب: وقد كتب نجدة الحروري إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال؟ فقال ابن عباس: لولا إذا أخاف أن نكتم علماً ما كتبت إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 62

وقال في حديث آخر: لولا أن أرده عن شيء يقع فيه ما كتبت إليه ولا نعمة عين.
فكتب إليه نجدة أما بعد: فأخبرني هل كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ وهل كان يقتل الصبيان؟ وأخبرني متى ينقضي يتم اليتيم؟ وعن الخمس لمن هو؟ فكتب إليه ابن عباس: قد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغزو بالنساء فيداوين المرضى ويحرمن من الغنيمة ولا يسهم لهن، وأنه لم يكن يقتل الصبيان، وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم؟ ولعمري أن الرجل تشيب لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه، ضعف الإعطاء منها، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد انقطع عنه اليتم.
قال مالك: ولا بأس أن يخرج الرجل بأهله إلى الرباط على بعض السواحل.
قال سحنون: إلى المواضع المأمونة الكثيرة الأهل؛ كالإسكندرية، وتونس، وشك في سفاقس، وسوسة.

الجزء: 6 - الصفحة: 63

.......................

الجزء: 6 - الصفحة: 64

قال مالك: ورب ثغر فيه ألف رجل ليس بمأمون.
فصل ومن الموطأ روى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو».
قال مالك: أراه مخافة أن يناله العدو.
وقال ابن حبيب: لما يخشى من استهزائهم به، وتصغيرهم ما عظم الله منه.
وقال ابن الماجشون: ولو أن الطاغية كتب إلى السلطان أن يبعث إليه مصحفاً يتدبره ويدعو إليه؛ فينبغي أن يفعل، وليس هذا وجه الدعوة، وهم أنجاس، وأهل ضغنة

الجزء: 6 - الصفحة: 65

وبغض للإسلام وأهله، قال: وإن طلبك كافر أن تعلمه القرآن فلا تفعل، لأنه جنب ولا بأس أن تقرأ عليه القرآن تحتج به عليه.
قال ابن سحنون: قلت لسحنون: أجاز بعض العرافين الغزو بالمصاحف إلى أرض العدو في الجيش الكثير وأما السرية ونحوها فلا.
قال سحنون: لا يجوز ذلك لنهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك عاماً ولم يفصل، وقد يناله العدو من ناحية الغفلة عنه.
جامع ما يكره من قتل أو عذاب أو خراب وما لا يكره وروى مالك وابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل النساء والصبيان.
ابن سحنون في حديث آخر: والشيخ الهرم والرهبان.
قال ابن وهب في حديث أسنده: (ومر النبي -صلى الله عليه وسلم- بامرأة مقتولة مما أصابتها مقدمة العسكر فقال: هاه ما كانت هه تقاتل، ثم قال لرجل الحق بخالد بن الوليد/ وكان على المقدمة فلا تقتلن ذرية ولا عسيفاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 66

وقال حديث في آخر: أسنده كان الرسول -صلى الله عليه وسلم-[إذا بعث سرية قال: «بسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله لا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان» والأصل في ذلك قوله تعالى: (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم).
قال مالك: عن يحيى بن سعيد عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه: أنه بعث جيشاً إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان وكان أمير ربع تلك الأرباع فرغبوا أن يزيد قال].

الجزء: 6 - الصفحة: 67

لأبي بكر: إما أن تركب وإما أن أنزل.
فقال أبو بكر: ما أنت بنازل وما أنا براكب إذ أحتسب خطاي هذه في سبيل الله.
قال له: إنك ستجد قوماً زعموا أنهم حسبوا أنفسهم لله فدعهم وما حسبوا أنفسهم له، وستجد قوماً فحصوا أوساط رؤوسهم من الشعر فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، وإني موصيك بعشر: لا تقتلن امرأة، ولا صبياً، ولا كبيراً هرماً، ولا تقطعن شجراً مثمراً، ولا تخربن عامراً، ولا تعفرن شاه ولا بعيراً إلا لمأكله، ولا تحرقن نخلاً ولا تغرقنه، ولا تغلل، ولا تجبن.
ابن وهب عن ابن سمعان قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: لا تقتلوا هرماً ولا امرأة ولا وليداً وتوقوا قتلهم إذا التقى الزحفان وعند حمة النهضات وشن الغارات.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولا يقتل في أرض العدو النساء ولا الصبيان ولا الشيخ الكبير ولا الرهبان في الصوامع، وكان مالك يكره قتل الرهبان

الجزء: 6 - الصفحة: 68

المحبسين أنفسهم في الصوامع والديارات، وقال: يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به ولا تؤخذ كلها فيموتون.
قال في المستخرجة: يترك لهم قدر ما يصلحهم والبقرتان تكفيان الرجل ولو قيل قوله لادعى الشيء الكثير ولكن أرى أن يترك لهم ما يصلحهم.
قال سحنون: الذي يترك للراهب من ماله قدر ما يعيش به الأشهر، والشيخ الكبير بمنزلة الراهب فيما يترك له من العيش والكسوة، وإذا مر الجيش بعيد الرهبان وزرعهم وعلموا أنها لهم فلا يمسوا منها شيئاً ولا ينهبوه.
قال سحنون: ومن قاتل من امرأة أو هرم أو راهب؛ قتل، وكذلك الصبي إذا أطاق القتال وقاتل.
وقال ابن حبيب: إذا قاتلت امرأة بالسيف أو الرمح أو شبه ذلك فلتقتل؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المرأة المقتولة: «هذه ما كانت هذه تقاتل».

الجزء: 6 - الصفحة: 69

[قال ابن حبيب إلا أن يكون قتالها بالرمي من فوق الحصن وشبه ذلك فلا تقتل إلا أن تكون قتلت فتقتل، وإن أسرت إلا أن يرى الإمام استحياءها كما يستحي من شاء من الأسارى وكذلك الصبي المراهق.
قال سحنون: ومن قتل من نهي عن قتله من صبي أو امرأة أو شيخ هرم فإن قتله في دار الحرب قبل أن يصير في المغنم فليستغفر الله سبحانه وإن قتل بعد أن صار مغنماً فعليه قيمته يجعل ذلك الإمام في المغنم.
وقال ابن حبيب: إذا علم ذلك من الرهبان أن أحدهم دل على غرة سرية منا حلَّ قتله.
وفي «كتاب ابن سحنون»: وإذا مروا براهب فلا يستخبروه عن شيء من أمر عدوهم.
قال: وما وجد من النساء في الصوامع والديارات فلا بأس أن يسبيهنَّ بخلاف الرجال.
وروى أشهب عن مالك في «العتبية» قال: النساء والله ألا يهجن معنى أن يسبين إذا وجدوا في الصوامع والديارات مع الرهبان.

الجزء: 6 - الصفحة: 70

قيل: فرهبان الديارات والصوامع سواء.
قال: هاه، قال الله تعالى: (ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون).
قال سحنون: من ترهب ببلد في دار الإسلام ولحق بدار الحرب فسبيله سبيل الراهب.
قيل: تعرفون أنه راهب.
قال: لهم سيما يعرفون بها.
قال: وكذلك إذا وجد الراهب دار وأغار فهو كأهل الصوامع.
وقال ابن حبيب: رهبان الصوامع والديارات هم الذين نهي عن قتلهم، وأما رهبان الكنائس فيجوز قتلهم وسبيهم لأنهم لم يعتزلوا وهم الذين أمر أبو بكر الصديق رضي الله عنه يزيد بن أبي سفيان بقتلهم.
]

الجزء: 6 - الصفحة: 71

قال ابن حبيب: ولم ينه عن قتل رهبان الصوامع والديارات لفضل ترهبهم؛ بل هم أبعد من الله من غيرهم من أهل دينهم لشدة نصرهم/ في الكفر، ولكن لتركهم معونة أهل دينهم على محاربة المسلمين بيد أو رأي أو مال واعتزالهم؛ فلهذا نهى عن قتلهم وسبهم، فأما إن دل على غرة المسلمين فأنه يقتل.
قال ابن القاسم في المستخرجة: ومن ترهب في أرض الإسلام فلا تؤخذ منه الجزية إذا حبسوا أنفسهم في الصوامع.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولم يثبت الحديث في النهي عن قتل العسيف- وهو الأجير- وأجاز قتله.
قال ابن حبيب: وروى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن قتل الأكارين والفلاحين.
قال ابن حبيب: هم الحراثون الذين لا ينصبون حرباً ولا يخشى منهم غزوة ولا تدبير.

الجزء: 6 - الصفحة: 72

قال سحنون: ونحن نرى قتل الزارعين والحراث ببلد الحرب.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بتحريق قراهم وحصونهم وتغريقها بالماء وخرابها وقطع الشجر المثمر وغيره؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾.
وتأويل مالك في قطع الشجر: قوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً﴾ واللينة ما سوى العجوة من الثمار ومن الألوان، وقد قطع النبي -صلى الله عليه وسلم- نخل بني النضير.
وروى ابن وهب أنه -عليه السلام- أحرق نخل بني النضير وقطع وهي البوبرة، ولا يقول حسان بن ثابت.

الجزء: 6 - الصفحة: 73

[أهان على سرات بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير وقال في حديث آخر: «وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد حين بعثه نحو الشام أن يسير حتى يأتي إيلياء فيحرق فيها ويهريق دماً» لأن ذلك من التضييق عليهم وإضعاف أمرهم وتوهينهم وليس ذلك من إباحة قتلهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 74

قال سحنون: وأما نهي الصديق -رضي الله عنه- عن قطع الأشجار وأخراب العامر، إنما ذلك فيما يرجى مصيره للمسلمين نظراً لهم وما يرجى الظهور عليه فالنظر لهم خراجه.
في قتل الأسارى ومن أخذ ببلد الحرب أو ببلد الإسلام فقال: جئت أطلب الأمان، وما وجد بساحلنا من مراكبهم أوردته الريح: روى ابن وهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قتل سبعين أسيراً قبل الإثخان من يهود، وقتل عقبة بن أبي معيط أتى به أسيراً يوم بدر فذبحه، فقال: من المصيبة، فقال النار،]

الجزء: 6 - الصفحة: 75

"وقتل الزبير صاحب بني قريظة".
"وحيي بن أخطب صبراً".
وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى أمراء الجيوش بقتل من جرت عليه المواسي، وقال: لا تجلبوا لنا من علوجهم أحدأً، [فلما أصيب عمر قال: من أصابني؟ قالوا: غلام المغيرة.
فقال: قد نهيتكم أن تجلبوا لنا من علوجهم أحداً] فعصيتموني.

الجزء: 6 - الصفحة: 76

م: والأصل في قتل الأسارى قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾.
قيل: بالقتل الكثير.
وقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
قال مالك: يقتل كل مشرك ممن خيف منه.
قال سحنون: ألا ترى ما نال المسلمين من أبي لؤلؤة، فإذا كان ممن أبغض الدين وعادى عليه وأحب له وخيف أن لا تؤمن غيلته؛ فهو الذي يقتل، وأما الصغير

الجزء: 6 - الصفحة: 77

والشيخ الكبير فاتقى مالك قتلهم وهم الحشوة ولهم قوتل العدو فهم كالأموال وقوة عل الجهاد.
وفي المختصر الصغير: ومن استحياه الإمام من الأسارى فلا يقتل.
قال في المستخرجة: إلا أن يبقيهم الإمام ليرى فيهم رأيه فله قتل من رأى منهم.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في المرأة والصبي الذي لم يحتلم إذا قتلا ثم أسرا: فقتلهما جائز بعد ذلك كما كان جائزاً عند قتالهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 78

[وقال سحنون: إلا عند قتالهما، وأما بعد ذلك قال: وأما الراهب.
يريد: والشيخ الكبير يؤسر بعد أن قاتل فإنه يقتل.
ابن حبيب: وإن أسلم الأسير حرم دمه وسار مملوكاً.
ومن «كتاب محمد»: في علج أسر فأمر الإمام بالنداء عليه فبلغ ثمناً ثم أراد قتله، قال: ذلك له.
قال أصبغ: هذا إن عرضه منه يختبر ما يبلغ فيرى رأيه وإلا فلا.
قالوا: إذا ترك عن الأسير القتل لرجاء فداء أو بيع أو لدلالة أو لسبب سقط عنه القتل وكذلك إن أخذوا إنساناً يستخبرونه الخبر فلا يقتل وهو رقيق لهم لأنهم استبقوه للخبر كما لو استبقوه لصنعة ظنوها فيه فلم يكن كذلك.
فصل ومن «المدونة»: قال مالك: وإذا أخذ الرومي ببلد العدو وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فهذا أمر مشكل ويرد إلى مأمنه.]

الجزء: 6 - الصفحة: 79

قال ابن القاسم: وكذلك الرومي ينزل بساحلنا تاجراً قبل أن يعطى الأمان فيقول: ظننت أنكم لا تتعرضون لمن أتى تاجراً حتى يبيع فإما قبلت منهم ما قالوا أوردتهم إلى مأمنهم.
قال في المستخرجة: وإن أخذوا ببلدنا فيقول: جئت للإسلام.
فإن أخذ بفور دخوله وحدثان قدومه قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن لم يظهر عليه حتى طالت إقامته عندنا لم يصدق في قوله ولا يكون لمن وجده ويرى فيه الإمام رأيه ولا يقتل إلا أن يعلم الإمام أنه جاسوس للعدو فيقتل.
وقال سحنون: سواء أخذ بقرب دخوله أو بعد طول؛ فهو فيء ويرى فيه الإمام رأيه، إلا في الجاسوس فيقتل.
وأما إن أخذ ببلد الحرب: فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يرد إلى مأمنه.
وروى ابن نافع: أنه لا يقبل منه؛ لأنه يعلم قوله، وما ذلك بالبين، وكذلك قال أشهب في الواضحة: لا يقبل منه إذا ظهر عليه قبل أن يدعى ذلك.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن زعم بعد أن أخذ ببلد المسلمين أنه جاء لأمان أو لتجارة؛ لم يقبل منه إلا أن يكون رسولاً بعث لأمر بين المسلمين وبين عدوهم.
قيل لابن القاسم: فحربي دخل بلاد الإسلام بغير أمان فأخذه مسلم، أيكون لمن أخذه أم يكون فيئاً؟ قال: أرى ذلك فيئاً للمسلمين ويجتهد فيه الإمام.
وكذلك قال

الجزء: 6 - الصفحة: 80

مالك فيمن وجد بساحلنا من العدو فقالوا: نحن تجار ونحوه، فلا يقبل منهم، وليسوا لمن وجدهم، ويرى فيهم الإمام رأيه.
قال ابن القاسم: وأنا أرى ذلك فيئاً ويجتهد فيه الإمام.
وروى ابن وهب عن مالك فيمن وجدناهم بساحلنا من العدو فزعموا أنهم تجار لفظهم [البحر ولا يعلم صدقهم وقد تكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان إن ذلك للإمام يرى فيهم رأيه ولا يخمسون وإنما الخمس فيما أوجف عليه الخيل والركاب.
قال ربيعة: وإن كانوا من أرض متجر قد أتوا بالتجارة فينا فهم بمنزلة أمان، وإن لم يكن ذلك منهم قبل ذلك فلا عهد لهم ولا ذمة.
م: وتحصيل اختلافهم في هذه المسائل إذا أخذ الرومي ببلد الحرب وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان، فقيل: يقبل قوله أو يرد إلى مأمنه، وقيل: لا يقبل منه لأنه ظهر عليه قبل أن يدعي ذلك.
وإن أخذ ببلد الإسلام؛ فقيل: إن أخذ بقرب دخوله قبل منه أو يرد إلى مأمنه، وإن أخذ ببعد لم يقبل منه، وليس لمن وجده، ويرى الإمام فيه رأيه.
ولا خلاف في من أتى تاجراً فيقول: ظننت أنكم لا تعرضون لمن أتى تاجراً؛ فإما قبلت منه أو رددته إلى مأمنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 81

[ولا خلاف أيضاً إن لم تكن معهم تجارة وتبين كذبهم أو قد انكسرت مراكبهم ومعهم السلاح أو ينزلون للعطش بغير أمان أنهم فيء ويرى فيهم الإمام رأيه من بيع أو قتل أو فداء وليسوا لمن وجدهم ولا يخمسون.
قال ابن المواز: إذا انكسرت مراكبهم ولم يتبين أنهم تجار فهم ومن معهم فيء يرى فيهم الإمام رأيه من قتل أو بيع أو فداء وليس لمن وجدهم فيهم ولا فيما معهم شيء لأنهم صاروا بموضع لا ملجأ لهم إلا أن يوجد ما كسر من مراكبهم وحدها بغير رجال أن توجد لهم لمتعة وذهب وفضة أو يوجد من ذلك شيء يطرحه الروم خوف الغرق وذهبوا به ولمن وجده ولا خمس فيه إلا في الذهب والفضة ففيهما الخمس إلا أن يوجد ما سوى الذهب والفضة بجنب قرية من قراهم ففيه الخمس إلا أن يكون شيئاً يسيراً فلا شيء فيه.
ورواه أشهب عن مالك.
والفرق بين ما وجد من المتاع وحده أو وجد مع أصحابه: فلأن ما وجد مع أصحابه حكمه حكمهم وذلك تبع لهم وما وجد وحده فهو لمن وجده ولا خمس فيه لأنه لم يوجف عليه.
والفرق بين ذلك وبين الذهب والفضة: كالركاز لأنه مال كافر غنم وهي العلة في أن الركاز الخمس لأنه كمال كافر غنم.
وأما ما وجد من المتاع بقرب قراهم فله حكم قراهم ففيه الخمس كسائر الغنائم، والله أعلم.
قال ابن المواز: ولو أن الذين تكسرت مراكبهم قاتلوا حتى قتل منهم من قتل منهم وأسر من أسر منهم لم يكن لمن ظفر منهم فيهم شيء وهم كأسارى ببلد الإسلام قاتلوا ثم أخذوا والأمر فيهم إلى الإمام كما ذكرنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 82

قال ابن المواز: إلا أن يكون قد سلم للذين تكسرت مراكبهم مركب أو غيره مما يتحملون فيه إلى بلدهم فهم حينئذ رقيق لمن ظفر بهم ويكون فيهم الخمس، وكذلك إن كانوا بقرب بلدهم مما يمكنهم الهرب والنجاة إليها.
قال عبد الوهاب: ما يغنم من أموال المشركين على وجهين: فما غنم بقتال أو بإيجاف أو ركاب فهذا يخمس للإمام خمسه وللغانمين أربعة أخماسه.
والثاني: ما غنم بغير إيجاف ولا قتال وهو ممن ينجلي عنه أهله ويتركونه رهبة وفزعاً فهذا لا يخمس ويصرف جميعه في مصالح المسلمين كحكم الخمس من الغنيمة خلافاً لأبي حنيفة في أنه يخمس، والأصل فيه قوله تعالى: (فما أوجفتم [عليه] من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله) فأخبر الله تعالى أن القسم لا يكون إلا بالإيجاف.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم لما نزل على بني النضير فزعوا وهربوا فجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم الديار بما فيها فانتظر المسلمون أن يقسم لهم، فنزلت هذه الآية المتقدمة.
ومن «المدونة» قال مالك رحمه الله: وإذا نزل تجارهم بأمان فباعوا وانصرفوا فأين ما رمتهم الريح من بلاد الإسلام فالأمان ما داموا في تجرهم حتى يردوا إلى بلادهم.]

الجزء: 6 - الصفحة: 83

قال ابن المواز قال أصبغ: لهم الأمان ثابت على أنفسهم وأموالهم في كل بلد نزلوا بها حتى يفارقوا بلاد الإسلام.
قال ابن المواز: حتى ينالوا مأمنهم من بلدهم فإن رجع بعد ذلك فإن أعطوه أماناً ثبت عليه وإلا رجع ولم يؤسر ولم يبع.
قال: وإن هو وقع إذا رجع لغير سلطان كان أمته؛ فهو مثل الذي أمنه سواء، وإن لم يكن بلغ مأمنه؛ كان عليه إنزاله ولم يمنعه، وإن كان بلغ مأمنه كان عليه بالخيار؛ إن شاء أنزله وإن شاء رده.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا باعوا وانصرفوا فلهم الأمان حتى يصيروا من البحر إلى موقع يأمنون فيه من عدوهم فيحلون حينئذ لمن ظفر بهم من المسلمين، قيل: إنهم اليوم لا يأمنون حتى يردوا بلادهم ويخرجوا من البحر لكثرة مراكب المسلمين، قال: إذا كان هذا فلهم الأمان حتى يخرجوا من البحر إلى مأمنهم.
قال عبد الملك: فإن ردته الريح مغلوباً فهو على أمان وإن بلغ موضع نجاة لولا غلبة الريح فهو على أمانه حتى يصل إلى مأمن إن شاء أقام أو رجع فهذا إن رجع فإنه حل إلا أن يأتنف أماناً، قال: وإن ردته الريح إلى سلطان غير الذي أمنه فلا أمان له، وقال: أقام أو رجع فهذا إن رجع حل إلا أن يأتنف أماناً.
قال سحنون بقول مالك: إن له الأمان حتى يرجع إلى مأمنه.
قال ابن حبيب: إذا قلد من بلدنا فهو آمن حتى يبعد من بلد الإسلام ويقرب من حرزه ومأمنه فيصير كمن لا عهد له بعد ولا أمان فيمن لقيه من أهل ذلك السلطان

الجزء: 6 - الصفحة: 84

الذي أمنه وفي رجوعه إليه بربح غالبة أو رجع غير مغلوب أو نزل لماء وشبهه ويحل له، وأما إن لقيه من غير ذلك السلطان في البحر بقرب أو بعد من موضع قلد من بأمانه أو سقط بساحل غير ساحل السلطان الذي أمته فهو كمن لا أمان له، قال: وكذلك المستأمن في ثغور المسلمين في غير بحر إذا رجع فاشتدت عليه الطريق بثلج أو غيره فهو على أمانه ما كان في قرب المكان الذي أمن فيه.
قال في كتاب ابن سحنون: وحد ذلك أن يجاوز الدروب إلى سلطانه وحيث يأمن على نفسه وأما ما كان في الفيافي وحيث يخاف على نفسه فهو على أمانه.
وتحصيل هذا الاختلاف في هذه المسألة: إذا باعوا وانصرفوا فقيل: لهم الأمان حتى يصلوا بلادهم.
وقيل: حتى يقاربوا مأمنهم فإن رجعوا بعد بلوغهم إلى مأمنهم بربح غالية أو مختارين فقيل: الإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم،

الجزء: 6 - الصفحة: 85

وقيل: [إن رجعوا مغلوبين فالإمام مخير إن شاء أنزلهم وإن شاء ردهم وإن كانوا مختارين فهم حل، وإن هو وقع رجع بغير سلطان كان أمنه.
فقيل: هو مثل الذي أمنه سواء، وقيل: بل هو حل له ولا أمن له رجع إليه أو لقيه في البحر بقرب أو بعد من موضع قلع منه بأمانه، وإن لم يبلغ مأمنه فرجع إلى موضع كان أمن فيه كان عليه إنزاله ولم يمنعه.
في أقسام الغنائم وما يقع فيها من مال مسلم أو ذمي قال الله تعالى: (واعلموا أنما غنمتم فأن لله خمسه) إلى آخر الآية، وقال تعالى: (وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ...) إلى آخر الآية فكل ما أوجفت عليه بخيل أو ركاب فإن للإمام خمسه يضعه حيث أمر الله تعالى ويقسم أربعة أخماسه بين الذين غنموه، وروى ابن وهب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقفل من غزوة أصاب فيها مغنماً حتى يخمسه ثم يقسمه قبل أن يقفل.
ومن ذلك غزوة بني المصطلق وخيبر ثم لم يزل المسلمون على ذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 86

بعده في خلافة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى خلافة عمر بن عبد العزيز في البر والبحر إلى هلم جر حتى هاجت الفتنة.
قال ابن المواز: وصفة القسم: أن يقسم كل صنف على خمسة أجزاء يقسم الوجف وجيفاً وجيفاً إلى خمسة حتى يفرغوا، ثم النساء المسيبات كذلك، ثم الذكران كذلك فإذا اعتدلوا خمسة أجزاء واجتهدوا في ذلك برأي أهل النظر والمعرفة بالاقتسام والقيمة كتب في رقعة «هذا لرسول الله»، ثم يقرع، فحيث وقع سهم الخمس كان للإمام لا رجعة لأحد فيه.
وقاله عثمان بن عفان وابن عمر.
قال ابن المواز: ثم يبيع الإمام الأربعة أخماس الباقية ويوثق لهم ويقسمها عليهم وإن رأى بيع الجميع بالخمس فعل.
واختلف في السلع، فقيل: تجمع في القسم ابتداءً، وقيل: إن حمل كل صنف القسم بانفراده لم يجمع وإلا جمع وهو أحسن وأقل غرراً إذا كان متسعاً وقدر أن يجمع كل صنف بانفراده.
ومن «المدونة»: وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى سعد بن أبي وقاص حين افتتح العراق: أن اقسم ما جلب الناس إليك من كراع أو مال بين من حضر من المسلمين، واترك الأرصتين والأنهار لعمالها ليكون ذلك في أعطيات المسلمين لأنك لو قسمتها بين من حضر].

الجزء: 6 - الصفحة: 87

لم يكن لمن بقي بعدهم شيء، وتأول عمر -رضي الله عنه- قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.
قال مالك: والشأن قسم الغنائم وتباع ببلد الحرب وهم أولى برخصها.
قال في المستخرجة: وأما كل أرض افتتحت عنوة فالشأن فيها أن تترك كما فعل عمر -رضي الله عنه-.
قال: وبلغني أن بلالاً وأصحابه سألوا عمر في قسم الأرض التي أخذت عنوة فأبى ذلك عليهم، وكان بلالاً من أشد الناس عليه كلاماً فزعم من ذكر أن عمر دعا عليهم فقال: اللهم اكفينهم، قال: فلم يأت الحول وواحد منهم حي.
فصل وروى ابن وهب: أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال للذي وجد بعيره في المغنم: «إن وجدته لم يقسم فخذه وإن قسمت فأنت أحق به بالثمن إن أردته».
قال: وكتب عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- إلى أبي عبيدة بن الجراح ومعاوية: أن ما أخذه العدو من أموال المسلمين فاعترفه أصحابه قبل أن يقسم فهو مردود إليهم، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.

الجزء: 6 - الصفحة: 88

قال مال: فما أحزره المشركون من مال مسلم أو ذمي من عرض أو عبد أو غيره أو أبق إليهم ثم غنمناه فإن عرفه ربه قبل أن يقسم كان أحق به من غير شيء، وإن غاب أوقف له، وإن لم يعرف ربه بعينه وعرف أنه لمسلم أو ذمي/؛ قسم، ثم إن جاء ربه كان أحق به بالثمن ما بلغ ولا يجبر على فدائه، وهو مخير فإن أراد أخذه لم يكن لمن ذلك في يده أن يأبى عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 89

[قال ابن المواز: وإذا عرف ربه وكان غائباً فإن كان خيراً لربه أن يحمل إليه ويؤخذ منه كراء حمله فعل ذلك فإن لم يكن جعله إليه أرفق فإنه يباع وينفذ بيع الإمام فيه ولا يكون لربه غير الثمن.
قال أشهب: وإن كان مما يقدر على إيصاله إلى ربه مثل العبد والسيف وما ليس فيه مؤنة كثيرة فباعوه في الغنيمة لأنفسهم بعد معرفتهم فلربه أخذه بلا ثمن.
وهكذا قال ابن حبيب: أنه إذا وقع في المغانم مال رجل يعرف بعينه وهو غائب فبيع فذلك خطأ ولربه أخذه بلا ثمن.
وقال سحنون في «كتاب ابنه»: لا يأخذه ربه إلا بالثمن وهي قضية من حاكم وافقت اختلافاً بين الناس.
فقد قال الأوزاعي: إذا عرف ربه ولم يحضرانه يقسم ثم لا يأخذه ربه إلا بالثمن.
ومن «العتبية»: قال سحنون وأصبغ: في الفرس يوجد في المغنم في فخذه وسم حبس: فإنه لا يقسم ويكون حبساً في السبيل.
وقال أيضاً سحنون في «كتاب ابنه»: لا يمنعه ذلك من أن يقسم، لأن الرجل قد يوسم في فخذ فرسه حبس في سبيل الله ليمنعه ممن يريد منه.
قال ولمن فعل ذلك بفرسه أن يبيعه إذا زعم أنه لم يرد به الحبس.

الجزء: 6 - الصفحة: 90

ومن «المدونة»: قال مالك رحمه الله: وإذا سأل أهل الحرب ذمياً ثم غنماه لم يكن فيئاً ورد إلى ذمته ولم يقسم.
قال ابن القاسم: وأما إن أسلم أهل بلد على ما بأيديهم وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا إذا أسلموا عليهم وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها.
قال ابن وهب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أسلم على شيء فهو له».
قال مالك: ولا أحب أن يشترى من العدو ما أحرزوا من متاع مسلم أو ذمي فأتو به ليبيعونه.
ابن المواز: واستحب غيره ما بأيديهم للمسلمين ويأخذه ربه بالثمن.
ومن «المدونة»: قال مالك: ومن وقعت في سهمه أمة لمسلم أو ابتاعها من حربي فلا يطأها حتى يعرضها عليه فيأخذها بالثمن أو يدع، وكذلك عبداً وعرض فليعرضه عليه.
قال ابن القاسم: وما وجده السيد قد فات بعتق أو ولادة فلا سبيل له إليه ولا إلى رقه أخذهم من كانوا بيده من مغنم أو اشتراهم من حربي أغار عليهم أو أبقوا إليه.
يريد: وإن فاتوا ببيع مضى ذلك ولم يكن له نفضه ولكن له أخذ الثمن الذي يبيع به بعد أن يدفع ما وقع في المقاسم ويتقاضاه.
ابن المواز: وقال أشهب: له أن ينقض عتق العبد ويأخذه بالثمن في الوجهين.
]

الجزء: 6 - الصفحة: 91

وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: والأمة المستحقة يأخذها ربها ويأخذ قيمة ولدها، وقاله ابن القاسم ثم رجع عنه.
م: والفرق عند ابن القاسم بين هذا وبين الاستحقاق: أن المستحق يأخذ ذلك بغير ثمن وهذا لا يأخذه إلا بالثمن، فكان أضعف رتبة من الاستحقاق هن يد مشتريه من غير المغانم ونحوه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وجد آبقا في غير دار الحرب فليرده إلى ربه بخلاف ما قسم في المغانم لحيازة أهل الحرب للذي قسم.
قال سحنون في كتاب السير: وإن وقع في سهم رجل فباعه وتداوله الأملاك كان لربه أن يأخذه بأي ثمن شاء كالشفعة، ثم رجع فقال: لا يأخذه إلا بما وقع في المقاسم ورواه عن ابن القاسم.
بخلاف الشفعة إذ لو سلم الشفعة ثم باع المبتاع الشقص كان للشفيع القيام ولو سلم العبد ربه لمن وقع في قسمه ثم باعه الذي هو بيده من رجل لم يكن لربه أخذه بثمن ولا غيره؛ لأنه قد سلم حقه ولا شركة بينه وبين من سلم له ولا ضرر يلحقه في بيعه من آخر، والشفعة إذا سلمها المشتري الشقص فقد حل المشتري محل البائع وصار هو والشفيع شريكي من باع منهما فلصاحبه عليه الشفعة.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: ولو سبي العبد ثانية/ بعد أن تداولته الأملاك فليس لأحد فيه مقال إلا الذي سبي منه أو لا والذي سبي منه آخراً إلا أن المسبي منه آخراً أحق به من الأول بعد أن يدفع لمن هو بيده ما وقع به في المقاسم، وإن أخذه

الجزء: 6 - الصفحة: 92

فلربه الأول إن شاء أن يأخذه بما وقع به في المقاسم الثاني لا بما وقع به في الأول؛ لأنه جاء ملك ثاني أملك به وإن شاء تركه.
م: إذا كان للأول أن يأخذه من الثاني فلا معنى لقوله إن الثاني أحق به بل قد صار الأول أحق به.
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع عبداً من المغنم بمائة ولم يعرف ربه ثم سبي ثانية فاشتراه رجل بخمسين ثم قام ربه فإنه يقال له: ادفع مائة للأول وخمسين [للثاني وخذه فإن أبى فلا سبيل له إليه، ثمإن شاء الأول فداه من الثاني بخمسين وكان له، فإن أسلمه إليه فلربه الأول أن يعطيه خمسين ويأخذه، ولو أن مشتريه بالمائة فداه بخمسين] من الثاني فلا يأخذه الأول إلا أن يعطيه خمسين ومائة.
ولو كان قبل الأسر قتل رجلاً وغصب دابة ثم بيع في المقاسم فغنم في ذلك؛ فإنه يقال لربه: إن شئت فافده بما وقع به في الفيء وبما في رقبته من جناية وإلا فسلمه وبدئ بما ابتاعه من المغنم فقيل له: افده وإلا فأسلمه إلى الرجلين المجني عليهما يكون بينهما بالحصص.

الجزء: 6 - الصفحة: 93

قال ابن المواز: وقيل: إذا أسلمه ربه بولي المقول ورب الدابة فقيل لهما:؟؟؟؟؟؟؟؟ بما بيع في المنغم وكان بينهما بالحصص، وليس لأحدهما فداء قدر؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ على ما ابتاعه، وإن فداه أحدهما كله بعد إسلام صاحبه إياه فذلك له ويكون له وحده، وإن فداه بغير علم صاحبه فلصاحبه أن يشاركه فيه إن أعطاه حصته مما فداه به، وإن لم يعترفه ربه حتى فدياه ثم اعترفه ربه فلربه أن يفديه من هذين بما فدياه به من مشتريه وفدية المقتول وقيمة الدابة، وإن شاء فدى ممن شاء منهما مصابته بما صارت له تلك المصابة بحقه جميعاً وسواء كان مشتري من المغنم أو من أيدي العدو.
ومن كتاب ابن سحنون قال أشهب: ولو ابتاعه الأول من الغنم بمائة ثم سبي ثانية فغنم ثم ابتاعه الثاني بخمسين ثم سبي ثلثه فغنم ثم ابتاعه آخر بعشرة ثم قام ربه والآخران؛ فلربه إن شاء فداه بأكثر الأثمان وهي مائة فيرجع منها عشرة للثالث وخمسين وللثاني وأربعين للأول، ولو كان البيع الأول بعشرة والثاني بخمسين والثالث بمائة فليأخذ الثالث المائة ولا شيء لمن قبله، ولو أسلمه المستحق كان الثالث أحق به.
ولو كانت أم ولد لكان عليه الأقل من قيمتها أو من أكثر الأثمان.
قال سحنون في العبد المأذون يركبه الدين ويجني جناية ثم يأسره العدو فيغنم فيقع في سهم رجل: فلربه إن قام أن يفديه بالأكثر مما وقع به في المقاسم أو من أرش الجناية؛ فإن كان الأرش عشرين وثمنه في المقاسم عشرة أخذ من صار له عشرة وصاحب الجناية عشرة، وإن كان الأرش عشرة وثمنه في المقاسم عشرين أخذ ممن هو بيده العشرين

الجزء: 6 - الصفحة: 94

ولا شيء لصاحب الجناية، مثل لو سبي فغنم فابتاعه رجل ثم سبي ثانية وغنم لفداه ربه بالأكثر، كما ذكرنا هذا في قول سحنون.
وقد تقدم لابن القاسم جواب غير هذا، وذكر يحيى بن يحيى قولاً آخر، وفيما ذكرنا كفاية إن شاء الله عز وجل.
فيما اشترى ببلد الحرب أو في الغنيمة من عبد أو حر أو أم ولد أو مدبر أو مكاتب أو معتق إلى أجل وكيف إن باع العبد من اشتراه أوهب له قال ابن القاسم: وإن دخلت دار الحرب بأمان فابتعت عبداً لمسلم من حربي أسره أو أبق إليه أو وهبه لك الحربي فكافأته عليه؛ فلسيده أخذه بعد أن يدفع إليك ما أديت من ثمن أو عوض، وإن لم تثب واهبك أخذه ربه بغير شيء.
وبلغني عن بعض علمائنا أنه قال: وإن أدى في المكافأة عليه شيئاً مما يكال أو يوزن فلسيده أن يأخذه بمثل ذلك في دار الحرب إن كان الوصول إليها ممكناً كمن أسلف ذلك ولا يلزمه إلا مثله بموضع السلف إلا أن يتراضيا على ما يجوز.
قال بعض شيوخنا: وإن لم يكن الوصول إليها ممكناً فعليه هاهنا قيمة ذلك المكيل ببلد الحرب.
قال ابن القاسم: وإن باعه الذي وهب له من رجل آخر مضى البيع ويرجع صاحبه بالثمن على الموهوب فيأخذه بالثمن.
وقال ابن نافع: ينقض البيع ويرد إلى صاحبه بعد أن يدفع الثمن إلى المبتاع ويرجع به على الموهوب فيأخذه منه.

الجزء: 6 - الصفحة: 95

م: وهذا إذا لم يؤد فيه عوضاً وأما إن أدى فيه عوضاً فهو كالبيع ولا يخالف ابن القاسم في البيع أنه يمضي وإنما يخالفه في الهبة على ما في المدونة.
قال ابن القاسم: وأما إن ابتاعه ثم باعه فلربه أخذ الثمن الذي بيع به بعد أن يدفع إلى مشتريه من بلد الحرب ما أدى فيه.
قال في غير المدونة: ويقاصه به في ذلك فيرجع عليه بفضل إن بقي له.
م: وقول ابن القاسم هاهنا خلاف ما تقدم له في كتاب ابن سحنون الذي قال فيه: إذا باعه من وقع في سهمه وتداولته الأملاك أن لربه أن يأخذ بما كان وقع به في المقاسم، فإذا كان له أن يأخذه في البيع ففي الهبة أحرى.
وقول ابن نافع يجري على ما في كتاب ابن سحنون والله أعلم.
ولابن نافع في كتاب ابن سحنون في الموهوب له يعتق العبد وقد أثاب عليه: أن لربه أن يعطيه ما أثاب وينقض العتق.
وقاله أشهب في المشتري من المغانم يعتق: أن لربه نقض العتق.

الجزء: 6 - الصفحة: 96

فصار على هذا اختلف قول ابن القاسم في البيع والهبة، واختلف قول ابن نافع في البيع خاصة ولم يختلف قول أشهب أنه ينقض البيع والعتق والشراء والهبة.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اشتريت حراً مسلماً من أيدي العدو بأمره أو بغير أمره؛ فلترجع عليه بما اشتريته به على ما أحب أو كره؛ لأنه فداء.
وقد قال في العتبية: يؤخذ بذلك إن كره أو كان أضعاف قيمته شاء أو أبى.
قال في كتاب محمد: وإن لم يكن له شيء أتبع به في ذمته، ولو كان معه مال وعليه دين فالذي فداه أو اشتراه من العدو أحق به من غرمائه إلى مبلغ ما أدى فيه؛ لأن ذلك فداء له ولماله، كما لو فديت ماله من اللصوص أو فديت دابته من ملتقطها أو متاعاً له اكتريت عليه فليس لربه أخذه ولا لغرمائه حتى يأخذ هذا ما أدى فيه.
قال ابن المواز: وقال عبد الملك: مثله أن مشتريه من العدو أحق بماله من الغرماء.
قال ابن المواز: وهذا في ماله الذي أحرزه العدو مع رقبته؛ لأنه فداء لك كله.

الجزء: 6 - الصفحة: 97

م: وقال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: إنما كان الذي فداه أحق بماله من الدين؛ لأنه يفديه وهو كاره بأضعاف قيمته ويدخل ذلك في ذمته بغير طوعه فلهذا صار أولى من دينه الذي دخل فيه بطوعه.
م: فهذا أصح من علة محمد.
وقد قال عبد الملك في موضع آخر من كتب محمد في أم الولد: إن مشتريها من العدو أولى بما في يد سيدها من الغرماء.
قال محمد: قول عبد الملك صواب جيد، فهذا من قوله: يرد ما قال في المسألة الأولى؛ أنه إنما كان المشتري أولى بما في يده؛ لأنه كان افتداء الجميع، وفي مسألة أم الولد لم يفتدها بما في سيدها؛ فدل أن ليس علة عبد الملك افتداء الجميع، وإنما علته لأنه يفدى بغير أمره ويدخل ذلك في ذمته بغير طوعه، فهذا أقوى من الدين وهو أبين.
قال ابن المواز: ولو وهبه العدو هذا الحر المسلم لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكافئ عليه فأنه يرجع بما كافأ فيه وإن كثر، شاء المفدي أو أبى، كافأ فيه بأمره أو بغير أمره.
قال: وأما إن اشتراه من المغنم بسهمه أو بثمن أخرجه فلا شيء له عليه، ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه إلا شيء بلغني عن أشهب.

الجزء: 6 - الصفحة: 98

وقد قال عبد الملك: والحر الذمي كالمسلم في هذا لا يتبع بما وقع به في المقاسم ويتبعه بفدية من العدو أو يكون أحق بالفداء من غرمائه وسواء صار بأيدي العدو بأسر أو غصب.
قال ابن القاسم: ومن فدى أسيراً من بلد الحرب وقدم به فقال الأسير: ما فداني بشيء، أو قال: بشيء يسير، وقال الآخر: بكثير فالأسير يصدق في الوجهين، كأن يشبه ما قال الأسير أم لا.
يريد: مع يمينه [لأن مالكاً قال: لو قال: لم يفدني أصلاً لصدق مع يمينه] إلا أن يأتي الآخر ببينة.
ابن القاسم: وإن كان هو أخرجه من بلد الحرب قال: ولو ادعى كل واحد أنه فدى صاحبه لم يصدقا ولا يتبع كل واحد منهما صاحبه بشيء ويحلفان.
ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا نودي على الحر في المغنم للبيع وهو ساكت متعمد بلا عذر ولم ينكر فليرجع عليه مشتريه إن تفرق الجيش بالثمن إذا لم يجد على من يرجع.
قال أبو محمد: أعرفه حجة فيمن سكت فأوجب سكوته إتلاف شيء فإنه يضمن، وأما الحر الصغير أو الكبير القليل الفطنة الكثير الغفلة أو أعجمي أو من يظن أنه فدى رقة ذلك؛ فلا يتبع هؤلاء بشيء.
ولو كانت جارية فوطئت لم يكن عليها شيء لذا عذرت بما ذكرنا من الجهالة والتأويل.
وروى عن ابن القاسم في العتبية مثله.

الجزء: 6 - الصفحة: 99

وقال سحنون: هذه مصيبة نزلت بالمشتري كان ممن يجهل أو لا يجهل فلا شيء له عنده وقد سمعت من يقول: إن كانا ممن يجهلا فليرجع عليهما، وكذلك الحر يمكن نفسه ممن يبيعه، أنه يتبع بثمنه؛ لأنه عارف.
قال غيره: لا يتبع عليه وإن كان عالماً.
ابن المواز: ولو قالت الجارية التي بيعت من المغنم لسيدها: إني حرة.
فغصبها فوطأها فبئس ما صنع ولا شيء عليه إلا أن يكون علم أنها حرة فوطأها، وقد كره مالك لكل من اشترى جارية من العدو أن يطأها حتى يستبرئ أمرها.
ومن المدونة: روى ابن وهب عن عطاء وغيره في الحرة أو الذمية يبتاعهما الرجل من العدو: فلا يطؤها ولا يسترقها وليعطيها نفسها بالثمن الذي أخذت به.
فصل قال ابن حبيب: ومن فدى من أحد الزوجين صاحبه، يريد: أو ابتاعه فلا رجوع له عليه إلا أن يكون فداه بأمره أو يفديه وهو غير عارف به فليتبعه بذلك في عدمه وملائه.
قال ابن القاسم وقاله مطرف وابن الماجشون عن مالك.

الجزء: 6 - الصفحة: 100

وسبيل فداء القريب لقريبه كان ممن يعتق عليه أو لا يعتق عليه سبيل الزوجين إذا فداه وهو يعرفه أنه لا يرجع عليه، وأما إن فداه وهو لا يعرفه؛ فإن كان ممن يعتق عليه لم يرجع عليه، وإن كان ممن لا يعيق عليه رجع عليه، وأما إن فداه بأمره فإنه يرجع عليه؛ كان ممن يعتق عليه أو لا يعتق عليه.
م: فصار ذلك على ثلاثة أوجه: 1 - إن فداه وهو يعرفه: فإنه لا يرجع علينا كائناً من كان.
2 - وإن فداه بأمره: فإنه يرجع عليه كائناً من كان.
3 - وإن فداه وهو لا يعرفه: فلا يرجع على من يعتق عليه ويرجع على من سواه من القرابة الذين لا يعتقون عليه وعلى الزوجين.
قال سحنون: ومن فدى أحداً من ذوي رحمه أو اشتراه؛ فكل من لا يرجع عليه بثواب في الهبة فلا يرجع عليه في هذا إذا كان عالماً، وكذلك أحد الزوجين يفدي صاحبه.

الجزء: 6 - الصفحة: 101

إذ لا ثواب بينهما في الهبات، وإن كان لا يعلم: رجع عليه في ذلك كله، وكذلك في الأبوين والولد؛ لأنه لا يملكه بالفداء، ولو كان ملكاً لكان إذا فدى زوجته حرمت عليه.
ابن حبيب: ولو قالت الأسيرة لزوجها: افدني ولك مهري، أو لك كذا، فليس له إلا ما أدى كالأجنبي.
وقال ابن القاسم: إن وقتت له الفداء فالمهر موضوع؛ لأنه أمر بين لا خطر فيه، وجعله في التعبية: كالدين يكون لك على رجل تبعيه منه، فما جاز في بيع الدين جاز في المهر، وما لم يجز فيه لم يجز في المهر؛ لأنه دين ثابت.
وروى ابن نافع عن مالك في كتاب ابن سحنون: إذا قالت لزوجها: افدني وأضع عنك مهري وهو خمسون ديناراً، ففداها بعبد قيمته خمسون ديناراً؛ فلا شيء له من مهرها إلا أن يفديها وهو لا يعلم أنها امرأته.
فصل ومن المدونة: قال مالك: ويجب على المسلمين فداء أسرارهم بما قدروا عليه، كما عليهم أن يقاتلوا حتى يستنقذوهم، قال: وإن لم يقدروا على فدائهم إلا بكل ما يملكون فذلك عليهم.
ابن حبيب: وقاله الأوزاعي، وقد سمعت أهل العلم يقولون: يجب ذلك على الإمام وعلى العامة، فأما على الخاصة فمستحسن، وأمر عمر بن عبد العزيز أن يفدوا من هرب إليهم طوعاً من حر أو عبد.

الجزء: 6 - الصفحة: 102

وقال أشهب في العتبية: فإن طلبوا الخيل والسلاح فلا بأس أن يفدى به وأما الخمر فلا، ولا يدخل في نافلة بمعصية وقال.
سحنون في كتاب ابنه: يفدى بالخيل والسلاح والمؤمن أعظم حرمة، وإن طلبوا الخمر والخنزير والميتة أمر الإمام أهل الذمة أن يدفعوا ذلك إليهم وحاسبهم بقيمته في الجزية فإن أبوا ذلك لم يجبروا.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد وغيره: لا يفدوا بالخيل والخمر، والخمر أخف.
ومن كتاب ابن سحنون: ومن فدى مسلماً بخمر أو خنزير أو ميتة أو اشتراه بذلك أو هب له فكافأ عليه بذلك فلا رجوع له عليه بشيء من ذلك إلا أن يكون المعطي ذمياً فليرجع عليه بقيمة الخمر والخنزير، وإن كانت الميتة مما يملكون أخذ منه قيمتها.
قلت: فلم أرجعته بما كافأ فيه والمكافآت تطوع؟ قال: لأنه رأى أنهم أرادوا الثواب.
قال سحنون: ومن فدى خمسين أسيراً ببلد الحرب بألف دينار ومنهم ذو القدرة وغيرهم والمليء والمعدم، فإن كان العدو قد عرفوا ذا القدرة منهم وشحوا عليهم؛ فليقسم عليهم الفداء على تفاوت أقدارهم، وإن كان العدو جهلوا ذلك فذلك عليهم بالسوية، وكذلك إن كان فيهم عبيد فهم سواء والسيد مخير بن أن يسلمهم أو يفديهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 103

فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن اشترى أم ولد لمسلم من حربي ببلد الحرب فعلى سيدها أن يعطيه جميع ما أدى شاء أو أبى وإن جاوز قيمتها ولا خيار له بخلاف العبيد والعروض، فإن كان عديماً أتبع بذلك وأخذها، وكذلك قال مالك في أم الولد تقع في المقاسم قيل له: فيأخذها سيدها بالقيمة أم بالثمن الذي اشتراها به؟ قال: بل بالثمن وإن كان أكثر من قيمتها ويجبر السيد على أخذها بذلك، فإن لم يكن عنده ثمن؛ أخذها وأتبع به ديناً، ولا تقر في يد مشتريها يطؤها أو ينظر إلى ما لا يحل له منها.
وقال مالك في الموطأ: إذا وقعت في المقاسم فليفدها الإمام لسيدها، فإن لم يفعل فعلى سيدها أن يفديها.
ومن المدونة: قال ابن وهب وقال ابن شهاب: في رجل عرف أم ولد في دار الحرب وقد خمست وأعطى أهل النفل نفلهم والقوم الذي لهم؛ فليأخذها ربها بقيمة عدل من أجل ما فيها من الرق ولو كانت عتقت لم تؤخذ فيها فدية.

الجزء: 6 - الصفحة: 104

ابن المواز: وقال أشهب والمغيرة وعبد الملك: سيدها الأقل من قيمتها أو الثمن الذي اشتراها به من العدو أو من المغنم.
ابن المواز: وقول مالك أحب إلي أن عليه الثمن ما بلغ.
وقاله ابن القاسم، وابن وهب، وأصبغ، ولم يختلفوا في العبد أنه يؤخذ فيه الثمن.
قال أشهب: وإن كان مائة ألف.
وذكر ابن سحنون في أم الولد نحو ما ذكر محمد.
قال: وقال سحنون بقول مالك، وذكر أن سفيان يقول: إن لربها أخذها بلا ثمن وإن كانت قد قسمت وليس هذا قولنا.
قال سحنون: وإذا عرف قبل القسم أنها أم ولد فلا تدخل المقاسم.
قال سحنون: ولو صارت في سهم رجل بمائتي دينار ثم سبيت ثانية فغنمت فصارت في سهم آخر بمائه ثم سبيت ثالثة فغنمت فصارت في سهم آخر بخمسين فسيدها أولى

الجزء: 6 - الصفحة: 105

بها فيأخذها بالأكثر وهي المائتان فيأخذ منها من هي في يديه خمسين، والذي قبله مائة، وما بقي فللأول، ولو كانت في سهم الأول بخمسين والثاني بمائة والثالث بمائتين أخذها ربها من الثالث بمائتين وسقط الأولان، وكذلك لو كانت أمة.
وإلى هذا رجع سحنون في الأمة بعد أن قال: غيره.
م: وقد تقدم لابن المواز في العبد يسبي مراراً: أنه لا يأخذه سيده إلا أن يدفع جميع الأثمان.
قال سحنون: وإذا أعتق أم الولد من صارت في سهمه وهو يعلم أنها أم ولد؛ فكأنه وضع المال عن سيدها، ولسيدها أخذها بلا ثمن ويبطل العتق، ولو لم يعلم فعلى سيدها غرم ما فداها به ويبطل العتق.
م: وقد تقدم لابن شهاب: أنها إذا عتقت لم يؤخذ فيها فدية، واختلف في تأويل قوله هذا: فقيل: إن العتق ماض ولا شيء لربها.
وقال بعض المتأخرين: معناه أنها عتقت قبل الأسر فصارت كحرة سبيت فلا تتبع بشيء.
والذي عندي: إنما أعتقها من وقعت ف سهمه فكان لربها أن ينقض عتقه ويأخذها بغير شيء، إذ لا رق لمعتقها فيها، ولأن الولاء قد كان انعقد لربها، مع أن سفيان يقول: لربها أخذها بغير شيء وإن لم يعتق فكيف بهذه والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 106

م: وقول سحنون حسن الذي فرق بين عتقه إياها عالماً أو غير عالم، وهو معنى قول ابن شهاب إن شاء الله.
م: وقول ابن شهاب في الذي عرف أم ولده وقد خمست: أنه يأخذها بقيمة عدل؛ معناه: أنه أخذها الذي هي بيده في نفله أو قسم الرقيق أخماساً فوقعت في الأربعة الأخماس التي للجيش وأخذها هذا في سهمه فلذلك قال: يأخذها بالقيمة وهذا لا يخالفه ابن القاسم.
قال سحنون: ولو أولدها المبتاع لأخذها سيدها بالثمن ورجع عليه بقيمة ولد أم الولد.
قال: ولو مات سيدها قبل أن يعلم بها فهي حرة ولا يرجع على أم الولد بشيء ولا تركة سيدها.
قيل: فلم قلت في الجناية: إذا مات السيد ولم يفدها أنها تتبع؟ قال: لأن هذا فعلها وليس لها في الأول فعل.
قال: ولو ماتت بيد من صارت بيده لم يتبع سيدها بشيء، وكذلك في الجناية تموت قبل أن يفديها سيدها.

الجزء: 6 - الصفحة: 107

قال: ولو غلب أهل الحرب على أم ولد رجل ثم أسلموا عليها فليأخذها ربها ويؤدي إليهم قيمتها.
فصل في المدونة ومن كتاب المدبر قال ابن القاسم: وإذا ارتد المدبر ولحق بدار الحرب ثم ظفرنا بهم استتيب فإن تاب وإلا قتل، فإن تاب لم يقسم ورد إلى سيده إن عرف بعينه.
قال سحنون: وإن لم يعرف سيده بعينه لم يدخل في المقاسم إلا خدمته.
قال أبو محمد: يريد سحنون أنه يؤجر بمقدار قيمة رقبته فتجعل تلك القيمة في المقاسم أو يتصدق بذلك إن تفرق الجيش، فإذا استوفى المستأجر خدمته كان باقي خراجه موقوفاً كاللقطة.
قال ابن القاسم في المدونة: فإن جهلوا أنه مدبر حتى اقتسموا ثم جاء سيده فله أن يفديه بالثمن ويرجع مدبراً ثم لا يتبعه بشيء من ذلك هو ولا ورثته إن عتق في ثلثه وإن أبى أن يفديه خدم من صار إليه في الثمن الذي حسب به عليه؛ فإن أوفى وسيده

الجزء: 6 - الصفحة: 108

الأول حيّ رجع [إليه في الثمن الذي حسب به] عليه مدبراً، وإن هلك السيد وقد تركه بيد من صار في سهمه يخدمه في ثمنه فمات السيد قبل وفاء خرج من ثلثه حراً وأتبع بباقي الثمن، وإن لم يسعه الثلث؛ عتق منه ما وسع الثلث وأتبع ما عتق منه بما يقع عليه من بقية الثمن كالجناية في هذا، ولابد أن يضم قيمة المدبر عبداً إلى مال سيده ليعلم ما يحمل الثلث منه، وإن لم يترك السيد شيئاً غيره عتق ثلث المدبر ورق ما بقي لمشتريه؛ لأن سيده أسلمه فلا قول لورثته فيه، وأما في الجناية فإن الورثة يخيرون فيما رق منه أن يفدوه بما يقع عليه من بقي الجناية أو يسلمونه رقاً للمجني عليه.
م: والفرق بينهما: أن مشتريه من الغنائم إنما اشترى رقبته فلما أسلمه سيده فقد أسلم له ما اشترى مما يرق منه بعد موته، وفي الجناية: إنما أسلم المجني عليه خدمته فإذا مات ولم يحمله الثلث عتق منه محمله وصار كمعتق بعضه جنى فتخير الورثة مما رق منه كما ذكرنا.
م: ويحتمل: أن يكون هذا منه اختلاف قول؛ لأنه جعله في جميع أمره كالجاني؛ لأن لحوقه بدار الحرب من فعله، وسكوته حتى بيع في المقاسم ولم يعلمهم أنه مدبر فكان أيضاً كالجناية؛ فيجب أن يجرى مجرى الجاني في جميع أحكامه والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 109

وقال غير ابن القاسم في المدونة: إن حمله الثلث عتق ولم يتبع بشيء وإن حمل بعضه لم تتبع حصة البعض العتيق بشيء وكان ما بقي رقيقاً لمن اشتراه بخلاف الجناية التي هي فعله، هذا إذا عتق أتبع بما يقع عليه من الجناية؛ لأن ذلك فعله.
قال ابن المواز: وفرق ابن الماجشون بين المدبر يقع في المقاسم وبين الذي يشترى من بلد الحرب فقال: أما الذي يشترى من الغنيمة فسلم سيده خدمته ثم يموت السيد قبل أن يستوفي المشتري ما اشتراه به وحمله الثلث؛ فإنه يعتق ولا يتبع بشيء، [وإن حمل بعضه لم تتبع حصة البعض بشيء] كالحر يشترى من الغنيمة؛ فإنه لا يتبع بشيء، وأما المشترى من بلد الحرب: فإنه يتبعه مشتريه بما بقي له بعد أن يحاسب بما أخدمه به وما استغل منه؛ لأن الحر في هذا يتبع.
قال محمد: صواب؛ ولأنه لا يأخذ أكثر مما أعطى فيدخله الربا.
وذكر عنه ابن سحنون: أنه لا يحاسب بشيء مما اختدمه ويتبعه بجميع الثمن، ولم يأخذ به سحنون.
وقال: وإذا أسلم بعض أهل الحرب على مدبر فإنه يكون له جميع خدمته ولا يقاعوا فيه بشيء فإذا مات سيده عتق في ثلثه ولم يتبع ما عتق بشيء كحر أسلموا عليه

الجزء: 6 - الصفحة: 110

ولو حمل الثلث بعضه رق باقيه لمن أسلم عليه ولم يتبع ما عتق منه بشيء، ولو كان على السيد دين محيط بجميع ماله رق المدبر لمن أسلم عليه.
وقال: في مدبرة اشتريت من العدو أو من المقاسم أو أسلم عليها حربي ثم وطأها من صارت له فحملت: فإنها تكون له أم ولد ولا ترد إلى سيدها، ولو دبرها الذي اشتراها من العدو ولم يعلم سيدها فإن دفع سيدها إليه ما فداها به بطل تدبير الثاني وعادت إلى ربها على حالها، وإن أسلمها بقيت بيد مشتريها تخدمه ولا يبطل تدبيره فإن مات الأول وحملها ثلثه عتقت وأتبعها هذا بجميع ما فداها به، ثم إن مات هذا وثلثه يحملها لم يسقط ذلك ما فداها به، وهو حكم قد تم قبض ما فداها به أو لم يقبضه، ولو كان على الأول إذا مات دين يرقها بقيت للثاني وعتقت في ثلثه إن مات.
قال ابن سحنون: ويتبعها ورثته بما فداها به وإن لم يحمل ثلثه إلا بعضها أتبعوا ذلك البعض بحصته ورق ما بقي لهم، وإن حمل الثلث الأول نصفها عتق نصفها وأتبع مفديها ذلك النصف بنصف الفداء وبقى نصفها بيده بمال التدبير، فإن مات عتق في ثلثه وأتبع ببقية الفداء.

الجزء: 6 - الصفحة: 111

م: وهذا الذي ذكره ابن سحنون في الإتباع بجميع الفداء هو على رواه عن عبد الملك وأما على ما روى عنه ابن المواز: فإنه يحاسبه بالخدمة ويتبع بما بقي.
قال سحنون: وأما [الذي صارت له في السهمان ثم دبرها فتدبيره باطل فدارها ربها أو أسلمها؛ لأنه إنما أسلم إليه خدمتها تحسب عليه في ثمنها] فإذا تم رجعت إلى ربها.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: ولو أعتق المدبر مشتريه من المغنم لنفذ عتقه ولا يرد، وأما أم الولد والمعتق إلى أجل فلينقض عتق مبتاعهما ويأخذهما السيد وعليه قيمتهما، فإن لم يكن عنده شيء أتبع بذلك ديناً.
قال أصبغ: أما المعتق إلى أجل فليس لسيده نقض عتقه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: إن أعتقه ولم يعلم لم يجز عتقه ويخير سيده في فدائه أو إسلامه، وإن أعتقه وهو عالم أنه معتق إلى أجل؛ فإن كان ما أخذه به أكثر من قيمة خدمته مضى عتقه، وإن كان أقل لم يجز عتقه وخير سيده في أن يفديه ويبقى بحاله إلى أجله أو يسلمه فيتم عتقه.
فصل: في المعتق إلى أجل/ قال سحنون: والمعتق إلى أجل إذا سبي ثم غنمناه كالمدبر إذا عرف ربه أوقف له وإلا وقعت خدمته في المقاسم، ثم إن جاء سيده خير في فداء خدمته أو إسلامها لمشتريها

الجزء: 6 - الصفحة: 112

كالمدبر، ولو جهل أنه معتق إلى أجل فبيع في المقاسم؛ فإن فداه سيده بالثمن عاد إلى حاله، وإن أسلمه اختدمه هذا في الثمن، فإن استوفى قبل الأجل عاد إلى سيده، وإن تم الأجل ولم يف عتق ولم يتبع بشيء، ولو فداه رجل من العدو بمال فإن شاء سيده فداه بذلك [ولا يحاسبه بعد العتق، وإن شاء أسلمه صارت جميع خدمته للذي فداه] إلى الأجل فإذا عتق اتبعه بجميع ما فداه به.
وقال ابن المواز: يحاسبه بالخدمة فإن بقي له بعد عتقه ببلوغ الأجل شيء اتبعه به في شرائه من العدو ولم يتبعه في شرائه من الفيء وإن استوفى من خدمته كلما أدى قبل تمام الأجل رجع إلى سيده يختدمه إلى الأجل.
قال سحنون: ولو أسلم عليه حربي كان له خدمته إلى الأجل دون سيده فإذا عتق بتمام الأجل لم يتبع بشيء، ولو كانت معتقة إلى أجل فأسلم عليها حربي فأولدها كان عليه قيمة ولدها على أنهم يعتقون إلى الأجل مع أمهم.
قلت: ولم وهو قد ملك منها ما كان يملك السيد؟ قال: لأنه لم يملكها ملكاً تاماً، ولو قتلت كانت قيمتها للذي أسلم عليها، ولو ولدت من غيره كان ولدها معها في الخدمة إلى الأجل، ثم يعتقون أجمعون، ولو فداها

الجزء: 6 - الصفحة: 113

رجل من بلد الحرب ثم أولدها فإن أدى سيدها إلى الواطئ ما فداها به قاصه بقيمة الولد على أنه ولد أم ولد.
م: هكذا في النوادر على أنه ولد أم ولد، والصواب على أنه ولد معتقة إلى أجل.
قال: وإن أسلمها فعلى الواطئ قيمة ولده، وكذلك لو أخذها في المقاسم ثم أولدها فإن فداها السيد قاصه بقيمة الولد، وإن أسلمها أخذ منه قيمة الولد.
فصل: في المكاتب ومن كتاب المكاتب: وإن سبى العدو مكاتباً لمسلم أو لذمي أو أبق هذا المكاتب إليهم ثم غنمناه رد إلى ربه غاب أو حضر وإن لم يعرف ربه بعينه وعلم أنه مكاتب أقر على كتابته ويبعت كتابته في المقاسم مغنماً، ويؤدي إلى من صار إليه فإن عجز رق له وإن أدى عتق وولاؤه للمسلمين.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولا يجوز في أنه مكاتب أو مدبر شهادة السماع وإنما ينفعه أن تشهد بينة أن فلاناً وفلاناً أشهدهما أن مولاه كاتبه أو دبره ولم يسألاهما عن اسمه أو قالا: ذكر لنا اسمه فنسيناه.

الجزء: 6 - الصفحة: 114

قال سحنون: إن جاء سيده بعد أن بيعت كتابته ففداها عاد إليه مكاتباً، وإن أسلمها وعجز رق لمبتاعها.
م: قال بعض فقهائنا: فإن أتى سيده وقد قبض المبتاع بعض الكتابة وأحب افتكاكه؛ فإن كان قبض نصف الكتابة يريد بالقيمة لا بالعدد حسبها عليه بنصف الثمن ودفع إليه نصفه، وإن قبض الثلث حسب عليه بثلث الثمن ودفع إليه ثلثه، هكذا إذا قبض جزءا حط عنه ذلك الجزء من الثمن ودفع إليه ما بقي، وأعاب هذا بعض أصحابنا وقال: بل إذا شاء سيده افتكاكه دفع إليه ما أدى وأخذ منه جميع ما قبض من الكتابة؛ لأن الذي يملك سيده منه هذه الكتابة، وهي كمال مسلم بيع في المقاسم فلسيده أن يدفع الثمن ويأخذه كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، وسواء قبض بعض الكتابة أو كلها أو لم يقبض منها شيئاً.
[م: والأول أبين؛ لأنه إنما أدى مالاً معجلاً لما يرتجي من ربحه في المؤجل فإذا كان للسيد أن يأخذ منه مال الكتابة ويرجع إليه رأس ماله فقد أبطل عليه ما ارتجاه من الربح وظلمه، ويلزم على هذا الآخر أن لو مات المكاتب وترك مالاً أن يأخذ منه المشتري تمام رأس ماله وتكون الفضلة للمشتري وقال بعض أصحابنا، وليس ذلك بصواب،

الجزء: 6 - الصفحة: 115

والصواب: أن يأخذ المشتري بقية الكتابة حالة وتكون الفضلة للسيد؛ لأنه لو مات [ولم يترك شيئاً] ذهب مال المشتري باطلاً فلما كان عليه التوى كان له النماء، وقد قال مالك في المكاتب يبيع سيده كتابته ثم يموت قبل أدائها عن مال أن ماله للمشتري؛ لأنه لو عجز رق له فلو قاله قائل في المبيع في المقسم لم أعفه لأنه لو عجز رق له وقد فات ما اشترى فلا يكون السيد أحق به.
والله أعلم].
قال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن سحنون: وإذا بيع المكاتب في المقاسم - يريد ولم يعلموا أنه مكاتب - قال ابن القاسم: يقال للمكاتب أد ما اشتراك هذا به وتعود مكاتبنا إلى سيدك، فإن فعل فذلك له وإن لم يقدر وعجز وخير سيده بين أن يسلمه عبداً أو بين أن يفديه عبداً كالجناية، وإلى هذا رجع سحنون بعد أن قال: بفداء سيده فإن فداه بقي له مكاتباً وإن أسلمه قيل للمكاتب: أما أديت ما صرت به لهذا أو تمضي على كتابتك، فإ، لم يقدر فهو كمكاتب عليه دين فلس به فإنه يعجز.
وقال ابن المواز عن عبد الملك: أما إن اشترى المكاتب من العدو ولم يفده سيده فإنه يقال له رد لمشتريك الثمن الذي اشتراك به وتبقى على كتابتك تؤديها إلى سيدك وتخرج حراً فإن لم تفعل دفعت الساعة لمشتريك، وأما إن اشترى من الغنيمة فأسلمه سيده فلا يلزم المكاتب غير كتابته فقط يؤديها على نجومها ويخرج حراً ولا يتبع بشيء، فإن عجز رق لمشتريه ولم يكن لسيده فيه خيار ولا رجعة.
قال سحنون: وإذا أسلم حربي على مكاتب بيده لمسلم فإنه تكون له كتابته، فإن عجز رق له، وإن أدى فولاؤه لعاقدها، ولو كان مع المكاتب عبد آخر بيد السيد في عقد

الجزء: 6 - الصفحة: 116

واحد، فإنه يقال للذي أسلم على الواحد وللسيد: إما أن يتبع أحد كما من الآخر كتابته الذي بيده ليصير المكاتبان في ملك واحد وإلا فبيع كتابتهما جميعاً واقتسما الثمن بقدر قيمة المكاتبين وقوتهما على الأداء فإن أديا فالولاء للأول وإن عجزا رقاً لمبتاع كتابتهما.
ولو أن مكاتباً فداه رجل من العدو أو ابتاعه منهم فهو كما ذكرنا إذا وقع في المغانم في سهم رجل على قول ابن القاسم واختلاف قول سحنون كما تقدم.
فصل: في المخدم وقال سحنون في الموصى بخدمته لرجل سنين ثم هو لفلان فأخذه العدو في الخدمة فابتاعه رجل: فإنه يقال للمخدم: أفده بالثمن فإذا تمت خدمتك قيل لصاحب الرقبة: ادفع إليه ما فداه وإلا فأسلمه إليه رقاً.
في الحرية والذمية أو الأمة تسبي فتلد ثم تغنم وولدها وفي الحربي يسلم ثم يغنم ماله وولده قال ابن القاسم: وإذا سبى العدو حرة مسلمة أو ذمية فولدت عندهم أولاداً ثم غنمهم المسلمون فولدها الصغار بمنزلتها لا يكونون فيئاً وأما الكبار إذا بلغوا وقاتلوا فهم فيء.

الجزء: 6 - الصفحة: 117

م: وحكي عن أبي محمد أنه قال: وإذا بلغ ولدها ولم يقاتل لم يكن فيئاً حتى يقاتل بعد البلوغ.
وقال ابن شبلون: إذا بلغوا فهم فيء قاتلوا أو لم يقاتلوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كانت المسبية أمة كان كبير ولدها وصغيرهم لسيدها.
[قال ابن سحنون: وقال أشهب: جميع ولد الأمة فيء إلا أن تقول: تزوجت فولدت فهذا الولد لسيدها معها].
واختلف قوله في ولد الحرة المسلمة: فقال: ولدها فيء.
وقال: هم أحرار.
وقال سحنون بقول ابن القاسم في ذلك كله.
قال ابن حبيب: وكقول ابن القاسم روى مطرف عن مالك إلا في ولد الحرة الكبار فقال: هم تبع لها ويجبرون على الإسلام فإن أبوا قتلوا كالمرتد.
وقاله ابن وهب، وبه

الجزء: 6 - الصفحة: 118

أقول لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يعلو ولا يُعلى عليه»، ألا ترى المسلمة يغتصبها نصراني الإسلام فتلد منه فلا يكون الولد إلا مسلماً، ولو كان الذي اغتصبها عبداً لكان الولد حراً.
قال: وقال ابن الماجشون وأشهب: أولاد المسلمة والذمية والأمة صغارهم وكبارهم فيء.
م: وتحصيل هذا الاختلاف: أن في ولد الحرة المسلمة ثلاثة أقوال: قول: إنهم أحرار بمنزلتها.
وقول: إنهم فيء.
وقول: إن الصغار بمنزلتها والكبار فيء.
وفي ولد الأمة أيضاً ثلاثة أقوال: قول: إنهم عبيد لسيدها بمنزلتها.
وقول: إنهم فيء.
وقول: إن الصغار بمنزلتها والكبار فيء.
وفي ولد الأمة أيضاً ثلاثة أقوال: قول: إنهم عبيد لسيدها بمنزلتها.
وقول: إنهم فيء.
وقول: إن كانوا من زوج فهم لسيدها، وإن كانوا ممن ملكها بالسبي أو غيره فيء.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أسلم حربي ببلده ثم قدم إلينا وترك أهله وماله ثم غنمنا ذلك؛ فماله وأهله وولده فيء.

الجزء: 6 - الصفحة: 119

وقال غيره في كتاب النكاح: وولده الصغير تبع له وماله له أن يقسم فيستحقه بالثمن والمرأة فيء.
قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: قال مالك: وكذلك لو أسلم الكافر وأقام ببلده فدخلنا عليهم فإن ماله وأهله وولده فيء.
وقال أشهب وسحنون: إن ولده أحرار تبع له وماله له وامرأته فيء، وكذلك لو هاج وحده وترك ذلك كله بأرضه، أو رجل مسلم دخل أرضهم فتزوج وكسب مالاً وولد له فذلك كله سواء وامرأته فيء.
قال ابن المواز: وإذا قدم إلينا حربي بأمان فأسلم ثم غزا معنا بلاده فغنم ماله وولده وأهله؛ فأما ماله ورقيقه ودوابه وحريمه فهو له، وأما امرأته وولده الكبير فيء له ولأهل الجيش وينفسخ النكاح لشركته في ملك زوجته، وأما أولاده الصغار فأحرار مسلمون بإسلامه.
ومن المدونة قال ربيعة: ومن اشترى عبدأً من الفيء فدل سيده على مال له ألغيره بأرض العدو والعبد كافر أو قد أسلم أو قد عتق؛ فإن دله في جيش آخر فالمال لهذا الجيش دون الذين قفلوا ولا يكون للسيد ولا للعبد، وإن دله قبل أن يقفل الجيش الذين كانوا سبوه فهو لذلك الجيش الذين كان فيهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 120

فيمن أسلم على شيء في يديه للمسلمين أو نزل به معاهد والذمي ينقض العهد أو يحارب وقال مالك رحمة الله عليه: ومن أسلم على شيء في يديه للمسلمين فهو له حلال.
م: وقال الشافعي: هو على ملك السلم فيأخذه بغير ثمن.
ودليلنا ما روى ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم-[قال: «من أسلم على شيء فهو له»]، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يجب ما قبله».
ولأن للكافر شبهة ملك على ما حازه يدل عليه قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ فسماهم فقراء بعد هجرتهم وتركهم أموالهم وديارهم.
ولأنه لا خلاف أنهم لو استهلكوه في حال شركهم ثم أسلموا لم يضمنوه، ولو أتلفه مسلم على صاحبه لضمنه؛ فدل على ثبوب شبهة الملك لمشرك.
قال مالك وبلغني أن ابن عباس قال: ما خفر قوم العهد إلا سلط الله عليهم العدو.

الجزء: 6 - الصفحة: 121

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا نزل بنا حربي بأمان ومعه عبيد مسلمون قد أسرهم فلا يؤخذوا منه، ثم لو أسلم عندنا كانوا له دون سيدهم؛ لأنه كان ممتنعاً حتى أسلم من أهل الحرب على أموال في أيديهم للمسلمين قد أحرزوا عبيداً أو غير عبيدن فليس لأهل الإسلام أن يأخذوا من أيديهم شيئاً من ذلك لا بالثمن ولا بالقيمة إن كانوا قد تبايعوا ذلك بينهم، وكذلك من أسلم من أهل بلد على ما بأيديهم وبأيديهم أحرار ذمتنا فهم رقيق لهم كعبيدنا، وهم أحق بجميع الأمتعة من أربابها.
قال ابن القاسم: وإذا نزل الحربي بأمان ومعه عبيد لأهل الإسلام فباعهم من مسلم أو ذمي لم يكن لربهم أخذهم بالثمن إذ لم يكن يقدر على أخذهم من بائعهم في عهده بخلاف بيع الحربي إياهم في بلده؛ لأن الحربي لو وهبهم في بلد الحرب لمسلم ثم قدم بهم لأخذهم ربهم بغير ثمن وليس ذلك له لو وهبهم له معاهد.
ابن المواز قال ابن القاسم: إذا نزل الحربيون بأمان للتجارة فأسلم رقيقهم أو قدموا بهم مسلمين؛ فلا يمنعوا من الرجوع بهم إذا أدوا ما روضوا عليه، ولو كن إماء لم يمنعوا من وطئهن، ولقد أنكر هذا القول رجل من أهل المدينة يقال له داود فبلغ ذلك مالكاً فقال: ألم يعلم أن رسول الله صالح أهل مكة على أن يرد عليهم من جاء منهم فهرب أبو جندل بن سهيل وهو مسلم حتى أتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فطلبه أبوه من مكة فرده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: «إنا لا نخفر بالعهد».

الجزء: 6 - الصفحة: 122

قال مالك: فكذلك حجة الحربي أن يقول: عهدي لا ينقض.
وقال عبد الملك: بل يعطوا في كل مسلم أدبر قيمته وينزع منهم.
قال ابن حبيب: أما من أسلم من رقيق المستأمنين فليبع عليهم كما يفعل بالذمي ثم لا يكون ذلك نقضاً للعهد، وأما ما بأيديهم من سباية المسلمين فليؤخذوا منهم ويعطوا قيمتهم وإن كرهوا.
وهذا أشد من الأول ولا يكون هذا خفراً وأما ما بأيديهم من أموال للمسلمين أو رقيق على غير الإسلام أو أحرار ذمتنا ممن أخذوه وأسره فلا يعرض لهم في شيء من ذلك بثمن ولا بغير ثمن.
وقال مطرف وابن الماجسون وابن نافع وغيرهم ورووه عن مالك وانفرد ابن القاسم فقال: لا يعرض لهم فيما أسلم من رقيقهم أو ما بأيديهم من سبايا المسلمين وأساراهم ولا يعجبني.
قال ابن المواز: وإذا قدم إلينا حربي بأمان ومعه متاع لأهل الإسلام، وعبيدهم، وأحرار مسلمون، وأحرار ذميون، ومكاتبون، ومدبرون؛ فإن لم يسلم لم يعرض له في شيء

الجزء: 6 - الصفحة: 123

مما في يديه من ذلك كله وكان له أن يبيع كل ما سيمت ويأخذ ثمنه أو يرده إلى بلد بعد أن يغرم ما لزمه من العشر الذي نزل عليه.
قال: وأما إن أسلم هو فلا يكون له في الأحرار حق ويؤخذون منه ويخرجون أحراراً ذميون كانوا أو مسلمون.
وأما كل مال للمسلمين فلا يؤخذ منه شيء؛ لأن من أسلم على شيء في يديه فهو أحق به من أربابه ما لم يكن حراً أو أم ولد، وترد أم الولد إلى سيدها ويتبعه بقيمتها.
وأما المكاتب فتكون له كتابته فإن عجز بقي رقيقاً لهذا الحربي وإن أدى كان حراً وولاؤه لسيده الذي عقد كتابته.
والمدبر يختدمه ويؤاجره مادام سيده حياً، فإن مات وحمله ثلثه كان حراً، فإن رق أو رق منه شيء كان ما رق منه للحربي الذي أسلم عليه.
قال ابن حبيب: وأما إن أسلم المستأمن فمجمع عليه أن يطلق من بيده من أحرار المسلمين وأهل الذمة، وأما أموالهم فهي له إلا أن يتنزه عنها ولا يحكم عليه.
وقال ابن المواز: إذا أسلم وبيده أحرار ذمتنا فقال ابن القاسم: يكونون رقيقاً له.
وقال أشهب: لا يسترقون وهم أحرار.
وقول أشهب أحب إلينا.
ومن العتبية قال سحنون: ولو قدم إلينا معاهد ومعه مدبر أو مكاتب لمسلم فللمعاهد كتابة المكاتب فإن أداها عتق وولاؤه لسيده وإن عجز رق للمعاهد.

الجزء: 6 - الصفحة: 124

قال: وله خدمة المدبر، فإن مات سيده والثلث يحمله عتق أو ما حمل منه ورق باقيه للمعاهد.
قال ابن المواز: ولو كان معه عبد مسلم قد أرتد فلا يعرض له في قول ابن القاسم، ويبيعه إن شاء أو يرده، فإن باعه استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قال أبو محمد: انظر هل يجوز شراؤه.
ابن المواز: ولو اعترف الحربي المستأمن أنه عبد لمسلم أو لذمي وأنه مرتد قال: إذاً يحكم عليه وليس كمال الحربي المستأمن.
قال أصبغ عن أشهب: ولسيد العبد أخذه وكل ما معه ويحكم على المرتد بحكم الإسلام.
وقال عن ابن القاسم: لا يقتل المرتد، وروى عنه في الرسول يظهر أنه مرتد: أنه يقتل.
وقال أصبغ: الرسول وغيره سواء.

الجزء: 6 - الصفحة: 125

قال عيسى عن ابن القاسم: في المعاهدين ينزلون بأمان فإذا فرغوا سرقوا عبيداً لنا وأحراراً ثم قدموا ثانية بأمان ولم نعرفهم وهم معهم قال: يؤخذون منهم ولا يتركون يبيعون الأحرار ويطئون المسلمات.
قيل: أليس قد صاروا حرباً ثم أستأمنوا؟ قال: بل هم كمداينتهم للمسلمين ثم يهربون ثم ينزلون ثانية؛ أن الديون تؤخذ منهم، ثم رجع ابن القاسم فقال: لا يؤخذ منهم حر ولا عبد ولا ما داينوا به المسلمين من قبل.
وقال في كتاب ابن سحنون: إن عادوا بهم فلنأخذهم منهم ولو قدم بهم غيرهم لم نأخذهم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا خرج من أهل الذمة متلصصين فأخافوا السبيل وقتلوا حكم فيها بحكم الإسلام إذا حاربوا ويكون الإمام مخيراً إن شاء قتل وإن شاء قطع رجله ويده من خلاف، ولا يجمع عليه مع القتل قطع ولا

الجزء: 6 - الصفحة: 126

ضرب، ولا يضرب إذا قطع، وإذا قتل فلابد من قتله، وليس كل المحاربين سواء منهم من يخرج بعصا ونحوه فيؤخذ على تلك الحال بحضرة خروجة ولم يخف السبيل ولم يأخذ مالاً؛ فهذا لو أخذ بأيسر الحكم لم أر به بأساً وذلك الضرب والنفي ويسجن في الموضع الذي نفي إليه حتى تعرف توبته.
قال ابن القاسم: وإن خرج أهل الذمة نقضاً للعهد ومنعاً للجزية وامتنعوا من أهل الإسلام من غير أن يظلموا والإمام عدل فهم فيء ولا يردوا إلى ذمتهم إذا نقضوا من غير ظلم ركبوا به؛ بذلك مضت السنة فيمن نقض العهد والإمام عدل، من ذلك أهل الإسكندرية مثلهم عمرو بن العاص الثانية وسلطيس قوتلت ثانية وسبيت.
قال يريد بن أبي حبيب: في بلهيب وسلطيس أنهم سبوا بعد أن نقضوا ودخل سبيهم المدينة سباهم عمرو بن العاص في زمان عمر بن الخطاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 127

[قال أبو إسحاق: لم يجعل خروجهم للحرابة ولا قتل الأنفس نقضاً للعهد الذي بيننا وبينهم وهو يقول: إذا غصبوا مسلمة على نفسها فهو نقض للعهد، ويقتل فاعل ذلك، وفي هذا نظر؛ إلا أن يكونوا عوهدوا على هذا المعنى في حين عوهدوا، فإذا خرجوا ناقضين للعهد استرقوا لأنا إنما أقررناهم على عهد فمتى نقضوه رجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه من استباحة القتل والسبي؛ لأنا لم نوجب على أنفسنا ترك قتلهم وسبيهم إلا بشرائط متى تركوها بقوا على ما كانوا عليه من القتل والسبي ونقضهم إنما يكون بأن يرجعوا إلى ما كانوا من الحرب لنا والخروج علينا ويصير على هذا ما فعلوه على غير هذه الطريقة من غصبهم لأموالنا وقتلهم لما أقررناهم على أن يكونوا يحكم عليهم بحكم الإسلام لا على أن ذلك نقض للعهد الذي عاهدناهم عليه وهذا لعمري ظاهر إلا إكراههم للحرة فإن ذلك غشكالاً].
قال ابن القاسم: وإن كان ذلك من ظلم ركبوا به فأرى أن يردوا إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً.
قال سحنون: وقال أشهب: لا يعود الحر إلى رق أبدا ويريدون إلى ذمتهم ولا يكونون فيئاً.
قال ابن حبيب: وانفرد بهذا أشهب.

الجزء: 6 - الصفحة: 128

[وقال محمد بن مسلمة: إذا حارب الذمي قتل؛ لأنه نقض العهد ولا يؤخذ ولده؛ لأنه إنما نقض وحده وماله لا عهد له، وإن قطع السبيل لم يؤخذ ماله؛ لأنه بقي في ذمته قال الداودي: إذا كان ذلك عن ظلم ظلموا به فهو نقض؛ لأنهم لم يعاهدوا على أن يظلموا من ظلمهم.
قال بعض المتأخرين: وهو أبين؛ لأنهم رضوا بطوع ما عقد لهم وإسقاط حقهم فيهم.
وقول أشهب: إنه لا يعود إلى الرق ليس بحسن، وقد حاربت قريظة بعد أن عاهدهم النبي -صلى الله عليه ولم- وقتل الرجال وسبى الولدان].

الجزء: 6 - الصفحة: 129

جامع ما يعد من الذمي نكثاً وسبيهم وسبي ذراريهم وارتدادهم بعد الإسلام وخروج المسلم إلى دار الحرب وحربه معهم وفي الجاسوس وهذا الباب كله من غير المدونة.
ومن كتاب ابن حبيب روي عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: أن نصرانياً نخس بغلاً عليه امرأة مسلمة فوقعت وانكشفت عورتها فكتب أن يصلب في ذلك الموضع.
وقال: إنما عاهدناهم على إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون.
وفي يهودي دهش ناقة عليها امرأة مسلمة فوقعت فانكشف عورتها فضربه ابنها بالسيف فقتله فأهدر عمر -رضي الله عنه- دمه.
وقال: في نصراني اغتصب مسلمة أنه يقتل وهو كنقض العهد.
قال ابن حبيب: ولها الصداق من ماله والولد على دين أمه وهو مجذوذ النسب لا يلحق بأبيه، ولو أسلم الأب لم يقتل؛ لأنه إنما يقتل لنقض العهد لا للزنا، وقال أصبغ.
وقال في مسلمين لجؤوا إلى حصن لأهل الذمة وهم شاتون فلم يفتحوا لهم فباتوا خارجاً منه فمات بعضهم من البرد فاستباحهم عمر ورآه نقضاً للعهد.

الجزء: 6 - الصفحة: 130

فصل ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في أهل الذمة تنزع رجالهم فيحاربون فيظفر بهم هل تسبي نساؤهم وذراريهم؟ ومن زعم أنه مكره من صغار رجالهم، ومن يرى أنه مغلوب على أمره، قال: إن كان الإمام عدلاً قوتلوا وقتلوا وسبي نساؤهم وذراريهم وأبناؤهم المراهقون والأبكار وهم تبع لهم، وأما من يرى أنه مغلوب على أمره مثل الكبير والضعيف والزمن فلا يعرض لهم بقتل ولا رق ولا غيره، وإذا قاتلوا فظفرنا بالذرية قبل ظفرنا بهم فلا بأس أن نسبيهم إذا كان الإمام عدلاً ولم ينقموا ظلماً.
قال: ولو نقضوا ومضوا إلى بلاد الحرب وتركوا الذرية: لم يجز سبيهم ولو حملوهم معهم ثمظفرنا بهم جاز لنا سبيهم فأما إن لم يكن الإمام عدلاً ونقموا شيئاً لم يعرف؛ فلا يقتلوا ولو ظهر لهم في تلك الحال لم يسترقوا ولم تسب لهم نساء ولا ذرية وردوا إلى ذمتهم، وكذلك لو تحملوا بذراريهم إلى أرض العدو لم يستحل منهم شيء على هذا إلا أن يعينوا علينا المشركين بعد دخولهم إليهم ويقاتلوا معهم فيسلك بهم مسلك الحربي فيهم وفي ذراريهم ونسائهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 131

قال عنه ابن حبيب: وإذا حارب أهل الذمة والإمام عدل وله فليستحل بذلك نساؤهم وذراريهم، وأما من يرى أنه مغلوب عليه منهم أو من زعم من ضعفاء رجالهم من كبير أو من ذي زمانة أنه استكره فلا يستباحوا ولا يسترقوا.
وقال أصبغ: كلهم مستباحون لنقض أكابرهم كما صالحهم عليه صلح.
وقال الأوزاعي وابن الماجشون، وهو أحب إلي.
وقال ابن الماجشون: وكذلك فعل الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قريظة وغيرها سباهم وذراريهم وحاشيتهم؛ لأنه إنما يقوم بالأمر رجالهم وأكابرهم من حرب وعقد وصلح فيجزي ذلك على الجميع.
قال ابن القاسم عن مالك: وإن خرجوا عن ظلم فلا يقاتلوا وإن قتلوا المسلمين في مدافعتهم.
قال ابن الماجشون: وكذلك إن احتجزوا في دارهم فلا يقتلوا ما لم يخرج ذلك منهم إلى الفساد في الأرض والخروج على المسلمين فإن فعلوا هذا جوهدوا وصاروا فيئاً.
وقال مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وغيرهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 132

قال ابن المواز: وإذا حالفت قرية من أهل الذمة ونكثت وقاتلوا وقتلوا؛ فإنه تستباح نساؤهم وذرياتهم بنقض رجالهم وأكابرهم.
قال ابن سحنون وقال ابن القاسم: في أهل الذمة ببلد المسلمين قد ظفر بهم العدو وأقام بها أهل الذمة معهم وتليهم مدينة أخرى للمسلمين يغزونهم ويغيرون عليهم فذكروا أن أولئك الذميين يتجسسون عليهم ويطلبونهم مع العدو فيستفزوا ويقتلوا فإذا ظفرنا بأحدهم قالوا: نحن نؤمن بهذا ونقهر عليه ويخافوا القتل إن لم يفعلوا ولا يعلم ما ادعوه من القهر والغلبة والخوف إلا بقولهم، فما ترى فيمن ظفرنا به منهم؟ قال: أما من قتل منهم مسلماً فليقتل، وأما من لم يقتل ولكن يطلب مع العدو ويستفيد الغنيمة ونحو هذا فلا يقتل ويطال سجنه.
قال: وإذا أجل لهم أجلاً في الرحيل من عند العدو فجاوزوه وأغاروا معهم علينا وسبوا وأسروا وزعموا أنهم منعوا، ولا يعرف ذلك إلا بقولهم؟ قال: إن تبين ما قالوا لا يستحلوا.

الجزء: 6 - الصفحة: 133

قال: وإذا نقض أهل الذمة العهد بعد أن سرقوا لنا أموالاً وعبيداً وغير ذلك، فحاربوا وذلك في أيديهم ثم صالحونا على أن يعودوا لنا ذمة.
قال: يوفا لهم فإن لم يطلع على تلك السرقات إلا بعد الصلح فللإمام أن يخيرهم إما أن يردوها أو يرجعوا إلى حالهم من الحرب إلا أن يشترطوها في الصلح فلا كلام له، وأما ما أخذوا في حال حربهم فلا خيار للإمام فيه بعد الصلح.
فصل قال ابن حبيب قال ابن القاسم: في قوم أتونا بنسائهم وأولادهم فأسلموا ثم تركوا الإسلام ورجعوا إلى بلادهم فأدركناهم وأسرناهم أنهم كالمرتدين في المال والدم يستتاب كبارهم ويجبر صغارهم على الإسلام إذا بلغوا من غير استتبابة.
وقال أصبغ: ليسوا كالمرتدين وهم كالمحاربين لأنهم جماعة فهم كأهل النكث؛ لأن المرتد إنما هو كالواحد وشبهه.
وليس قول أصبغ بحسن؛ لأن أهل النكث إنما هم أهل الذمة ونحن نسترقهم إذا ظفرنا بهم، ولعمري أنه لأمر خالف فيه عمر أبا بكر في أهل الردة من العرب؛ جعلهم أبو بكر كالناقضين، فقتل الكبار وسبى النساء والصغار وجرت فيهم المقاسم في أموالهم، وسار فيهم عمر السيرة في المرتدين؛ فرد النساء والصغار من الرق إلى عشائرهم كذرية من ارتد فلهم حكم الإسلام إلا من تمادى بعد بلوغه والذين كانوا أيام عمر لم يأب أحد منهم الإسلام، وعلى هذا جماعة من العلماء وأئمة السلف إلا القليل منهم؛ فإنهم أخذوا في ذلك برأي أبي بكر -رضي الله عنه-، وبه قال أصبغ.

الجزء: 6 - الصفحة: 134

وذهب ربيعة وابن القاسم وابن الماجشون إلى فعل عمر وبه أقول.
ومن العتبية قال ابن القاسم فيمن لحق بأرض الحرب فتنصر وأصاب دماء المسلمين وأموالهم ثم أسلم: فإن ذلك يزيل عنه القتل وكلما أصاب، ولو كان أصاب ذلك قبل أن يرتد أقيد منه؛ يقتله الإمام ولا ينظر إلى أولياء من قتل؛ لأنه كالمحارب، ولا عفو فيه لولي الدم، ولا يستتاب استتابة المرت.
وذكر مثله سحنون وابن المواز.
قال سحنون عن ابن القاسم: إن ارتد أهل حصن عن الإسلام؛ فليقاتلوا ويقتلوا ولا تسبى ذراريهم ولا تكون أموالهم فيئا.
قال في كتاب محمد: وتجبر ذراريهم على الإسلام وما ولد لهم بعد الكفر فليردوا إلى الإسلام ما لم يكبروا على الكفر.
وكذلك قال عبد الملك: لا تسبى ذراريهم ولا نساؤهم؛ لأنهم يقولون: نحن لم نرتد، ولو كانوا أهل ذمة نكثوا وقاتلوا فظفرنا بهم لسبي نساؤهم وذراريهم واستحلت أموالهم بنقض رجالهم وكذلك فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- في بني قريظة وغيرهم سباهم وحاشيتهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 135

قال ابن حبيب: والسنة في المرتد يلحق بدار الحرب فيقتل المسلمين ويزني ويسرق ثم يتوب: أنه لا يؤخذ بشيء من ذلك، وإن فعل ذلك في دار الإسلام بعد ردته؛ فليؤخذ بذلك وإن أسلم.
وإن مجن مسلم بدار الإسلام ولحق بدار الحرب على مجونه فحارب معهم فقتل منا أو لم يقتل؛ أنه يحكم فيه بحكم المحارب في بلد الإسلام من القتل والصلب ويؤخذ فيه بأعظم عقوبة الله عز وجل في المحارب قتل أو لم يقتل، ولا تقبل توبته ولا عفو فيه وإن ادعى أنه كان في فعله ذلك مرتداً لم يصدق إلا ببينة فحينئذ يسن به سنة المرتدين في قبول التوبة وهدر ما كان فعل من ذلك وليس تركه الصلاة بدار الحرب وشربه الخمر بردة حتى يفصح بالردة.
وقاله ابن الماجشون، وقال أصبغ عن ابن القاسم.
ومن كتاب المحاربين قال عبد الملك: لا يجوز للإمام أن يؤمن المحارب وينزله على ذلك ولا أمن له بذلك؛ لأنه في سلطانك وعلى دينك إنما امتنع منك بعزة لا بدين.
قال سحنون: وإذا هرب المحارب ودخل حصناً من حصون الروم فحاصرنهم فنزل أهله بعهد وطلب المحارب العهد والأمان فأمنه أمير السرية قال: لا أمان له ولا يزيد حكم الحرابة عنه جهل من أمنه وقد ظفرنا به قبل التوبة.
محمد وقد اختلف فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 136

م: وفي كتاب المحاربين والمرتدين إيعاب هذا.
فصل ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: وإذا وجدنا بأرض الإسلام عينا لأهل الشرك وهو حربي دخل بغير أمان، أو كان ذمياً أو مسلماً يكاتبوهم بعورات المسلمين؛ فأما الحربي: فللإمام قتله واستحياؤه كمحارب ظفرنا به، وللإمام أخذ ماله ولا خمس فيه وهو فيء، فإن أسلم قبل أن يقتل فلا يقتل ويبقى رقيقاً كالأسير يسلم.
وأما المسلم يكاتبهم؛ فإنه يقتل ولا يستتاب وماله لورثته وهو كالمحارب والساعي في الأرض فساداً.
وقال بعض أصحابنا: يجلد جلداً منكلاً ويطال سجه وينفي من موضع كان فيه بقرب المشركين.
قال: وإن كان ذمياً قتل ليكون نكالاً لغيره.
ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: يقتل لجاسوس ولا تعرف لهذا توبة.
قال عنه ابن المواز: إن ظاهر على أمور المسلمين بأمر دل على عوراتهم قتل، فإن لم يكن فيما كان منه مظاهرة على عوراتهم سجن حتى تعرف توبته.

الجزء: 6 - الصفحة: 137

فيمن أسلم من عبيد الحربيين بعد خروجه إلينا أو قبل وكيف إن أقام ببلدنا مسلما روى ابن وهب أن المغيرة بن شعبة نزل وأصحاب له بأيلة وهم حينئذ كفار فشربوا خمراً وسكروا وناموا فقال إليهم المغيرة فذبحهم وأخذ ما كان معهم وقدم به على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأسلم ودفع إليه وأخبره الخبر فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنا لا نخمس مالاً أخذ غصباً» وترك المال في يد المغيرة بن شعبة.

الجزء: 6 - الصفحة: 138

قال ابن القاسم: وإذا قدم إلينا عبد لرجل من أهل الحرب بأمان فأسلم ومعه مال لسيده: فالمال للعبد ولا يخمس؛ كما فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمغيرة.
ابن حبيب وقال أصبغ: المال لسيده إلا أن يكون استأمن على الإسلام وعلى ما معه في أول نزوله فهذا يكون له؛ كما لو هرب به مسلماً، بخلاف إسلامه بعد أن استقر نزوله بالعهد، وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وقال أشهب في كتاب ابن سحنون: هو حر في حكم الإسلام ولا يعرض له في المال إلا أن عليه أن يفي لسيده لأنه خرج على أن يرجع إليه فليرجع إليه ويرد إليه المال وهو حر على سيده، ألا ترى أن لو بعث أسيراً مسلماً بتجارة فهو حر لا يكلف أن يرجع، ولا يمنع مما في يديه إلا أن عليه الوفاء لمن بعثه بما خرج إليه.
ومن المدونة قال ربيعة في قطبي فر من أرض العدو بمال: فهو حر وعليه الجزية والمال له، وإن جاء مسلماً فالمال له وهو من المسلمين.
قال يحيى بن سعيد: وإن أؤتمن أسير على شيء.
سحنون.
أو على ألا يهرب.

الجزء: 6 - الصفحة: 139

قال: فليؤد أمانته، وإن كان مرسلاً وقدر على أن يأخذ من أموالهم شيئاً لم يؤتمن عليه ويتخلص فليفعل.
ابن المواز: وإن خلوه على أيمان حلف لها بها؛ فأما مثل العهد والوعد فذلك يلزمه، وأما بالطلاق والصدة فلا يلزمه ولا حنث عليه؛ لأنه مكره.
وقال ابن القاسم.
ولو هرب بجارية أو غيرها وقد كان أسر من بلد الإسلام فلا خمس عليه فيه؛ لأنه مما لم يوجب عليه فيه.
قال: وإن كان إنما خرج إلى بلد الحرب غازياً فأسر؛ فعليه فيما هرب به الخمس ما لم يصل إلى بلد الحرب إلا بالإيجاف.
قال ابن القاسم: ولا يحل له وطء الجارية ما دام في بلد الحرب فإذا دخل بلاد الإسلام حل له وطؤها إذ قد صارت له فيئاً.
م: يريد التي لا خمس فيها.
قال: وللأسير أن يسرق من مال العدو ولا يعاملهم بالربا.
قال أشهب: وإن دفعوا إليه ثوباً يخيطه فلا يحل له أن يسرق منه.
م: لأنه أؤتمن عليه فلا يجوز.

الجزء: 6 - الصفحة: 140

قال ابن المواز: وما أقر به بعد تخلصه إلى بلد الإسلام أنه كان فعله من سرقة أو زنا أو خيانة أو ربا فلا شيء عليه في السرقة وأحب إليّ أن يتصدق بقدر ما أربى أو خان إذ لا يقدر على رد ذلك إلى أهله، واختلف في زناه: فقال ابن القاسم: يقام عليه الحد إن شهد أو أقر وأقام على إقراره ولم يرجع وقال أصبغ، وسواء زنا بحربية أو مملوكة.
وقال عبد الملك: لا حد عليه في زناه ولا في سرقته منهم.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسلم من عبيد الحربين لم يزل ملك سيده عنه إلا أن يخرج العبد إلينا أو ندخل بلادهم نحن فغنمه وهو مسلم وسيده مشرك فهو حر، ولا يرد إلى سيده إن أسلم سيده بعد ذلك.
واختلف: إذا لم يخرج حتى وقع الفتح ودخل المسلمون عليهم: فقال ابن القاسم: هو حر.
وقال ابن حبيب: هو رقيق لذلك الجيش.
وهو أقيس.

الجزء: 6 - الصفحة: 141

وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم- عبيداً لأهل الطائف لخروجهم مسلمين، وابتاع أبو بكر بلالاً إذ أسلم قبل مولاه فأعتقه، والدار يومئذ دار حرب وأحكام الجاهلية ظاهرة، فلو انتقل ملك ربه عنه كان ذلك فداء ولم يكن ولاؤه لأبي بكر.
وقيل: إلا بلالاً أعتقه أبو بكر قبل الهجرة وقبل ظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ وإنما يكون حجة لو كان بعد الهجرة وظهور أحكام النبي -صلى الله عليه وسلم/.
قال: هي الحجة حتى يأتي ما ينقضها.
قال ابن القاسم: وإن خرج العبد إلينا مسلماً وترك سيده مسلماً فهو له رق إن أتى.
وإن أسلم عبد الحربي بدار الحرب فدخل إليهم مسلماً بأمان فاشتراه فهو لمبتاعه لما صنع مولى بلال وشراء أبي بكر له؛ ولأن سيده لو أسلم قبل أن يخرج العبد إلينا بقي له

الجزء: 6 - الصفحة: 142

رقاً، ألا ترى أن مالكاً قال في عبد مسلم يأسره العدو فيبتاعه منهم رجل من المسلمين: أنه رقيق له فكذلك هذا أنه ملك لمن اشتراه.
وقال أشهب وغيره: إسلام العبد في دار الحرب يزيل ملك سيده عنه خرج إلينا أو أقام ببلده.
وإن اشترى كان كالحر المسلم يفدى يتبعه مشتريه بالثمن.
وتسترق العرب إذا سبوا كالعجم.
في المستأمن يموت عندنا ويترك مالاً والحكم في ديته إن قتل قال مالك -رضي الله عنه-: وإن مات عندنا حربي مستأمن وترك مالاً فليرد.
ماله إلى ورثته ببلده، وكذلك إن قتل فديته تدفع إلى ورثته ويعتق قاتله رقبة وكذلك في كتاب محمد.
وقال سحنون: يدفع ماله وديته إلى حكامهم وأهل النظر لهم حتى كأنهم تحت أيديهم وماتوا عندهم ونقلها أبو محمد: أن من مات رد ماله إلى من يرثه ببلده، وإن قتل دفعت ديته إلى حكامهم، ويعتق قاتله رقبة.

الجزء: 6 - الصفحة: 143

قال ابن حبيب: وإن ظهرنا على ورثته قبل أن يأخذوا ذلك فذلك فيء لذلك الجيش الذين ظهروا عليهم.
م: وإنما يرد ماله لورثته إذا مات عندنا إذا استأمن على أن يرجع أو كان شأنهم الرجوع، وأما لو استأمن على لمقام أو كان ذلك شأنهم فإن ما ترك يكون للمسلمين وكذلك في كتاب ابن سحنون، قال فيه: إذا مات المستأمن عندنا ولم يكن ذكر رجوعاً كان أكثر المستأمنين بذلك البلد إنما هو على المقام فميراثه للمسلمين ولم يكن لهذا أن يرجع، وإن كان شأنهم الرجوع فله الرجوع وميراثه إن مات يرد لورثته ببلده إلا أن تطول إقامته عندنا فليس له أن يرجع ولا يرد ميراثه، وإذا لم يعرف حالهم ولا ذكروا رجوعاً فميراثه للمسلمين.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أودع المستأمن عندنا مالاً ثم رجع إلى بلده فمات؛ فليرد ماله إلى ورثته وكذلك لو قتل في محاربة للمسلمين فإنا نبعث بماله الذي له عندنا إلى من يرثه وأما لو أسر ثم قتل صار ماله فيئاً لمن أسره وقتله؛ لأنهم ملكوا رقبته قبل قتله.
وقال ابن القاسم وأصبغ.
وكذلك قال ابن حبيب: إن قتل بعد أن أسر قال: وأما إن قتل في المعركة فهو فيء ولا خمس فيه؛ لأنه لم يوجف عليه.
وقال ابن الماجشون وابن القاسم وأصبغ.
[قال ابن المواز: ولو قتل المستأمن عندنا مسلماً أو ذمياً لقتل به في العمد، وإن كان خطأ فعلى قاتله الدية متى قدر على ذلك، وهو ما دام في عهده كالذمي في جميع أموره عند ابن القاسم وعبد الملك].

الجزء: 6 - الصفحة: 144

قال ابن المواز: وإذا داين المستأمن الناس عندنا ببيع أو سلف ثم عاد إلى بلده فدخلناها فغنمناه وماله وله عندنا ودائع دين، قال: فماله الذي ببلد الحرب لمن غنمه وماله الذي ببلد الإسلام لغرمائه، ولولا غرمائه لكان ذلك كله لمن غنمه.
وقال ابن القاسم وأصبغ.
وقال غيره في كتاب ابن سحنون: ماله الذي ببلدنا علينا فيه أمانة فليرد إلى أهله إذا لم يكن عليه دين.
قال فيه ابن القاسم: وإن وقع في سهمان رجل أو ابتاعه فأخرج لسيده مالاً بأرض الشرك فذلك فيء للذين غنموه وليس للسيد إلا ما أفاد عنده.
وقال ابن عبدوس: إذا أودع الحربي وديعة فغنم وصار في سهمان رجل فإن تلك الوديعة للعبد لا للجيش الذين سبوه.
قال ابن المواز: ولو سرق المستأمن من مسلم أو ذمي لقطع، ولو قذف مسلماً حراً؛ لحد.
وقال أشهب لا قطع على الحربي المستأمن في سرقته من مسلم أو ذمي، ولا على من سرقه منه، ولا حد عليه إن قذف مسلماً ولكن يعاقب.
وقد قال مالك: إن خصى عبده لا يعتق عليه وكأنه خصاه ببلده.

الجزء: 6 - الصفحة: 145

قال أشهب: بخلاف الذمي؛ لأن الذمي لو أخصى عبده لعتق عليه، وقد أعتق النبي -صلى الله عليه وسلم-/ على سندر غلاماً له حين خصاه وجدع أنفه وسندر يومئذ كافر.
وقال ابن القاسم: لا يعتق على الذمي ولا على الحربي المستأمن عبيدهما إذ مثلاً بهما، وأمرهما واحد ما دام الحربي في أمانه.
ابن المواز: وهذا رأينا وأوثق عندنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 146

قال ابن المواز: إن لم يقم على الحربي حتى هرب إلى دار الحرب ثم عاد إلينا بأمان ثان فليؤخذ بما تقدم ولا يزيله أمانه الثاني، ولا يؤخذ بما صنعه في بلده وفي غير عهده من قذف وقتل وغضب ونهب.
وفي كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم: نحوه إلا أنه قال في جناية المعاهد الخطأ: لا عاقلة له؛ لأن العواقل على ثلاثة أوجه: 1 - عشيرة الجاني.
2 - وأهل جزية النصراني.
3 - ومسلم لا عشيرة له ولا ولاء، كمن أسلم فعقله على بيت مال المسلمين وميراثه لهم.
والمعاهد ليس من هذه الأوجه فذلك في ماله وإلا ففي ذمته، وللإمام منعه من الرجوع حتى يؤديها أو يبعث إلى بلده في ذلك إلا أن الدية عليه في ثلاث سنين مؤجلة.
قال أشهب: فإن أبوا أن يبعثوا إليه شيئاً فإنما عليه بقدر ما يلزمه معهم لو أطاعوا على اجتهاد الإمام.
وقال سحنون: بل ذلك في ذمته.

الجزء: 6 - الصفحة: 147

في محاصرة حصون العدو وتحريقها وتغريقها ورميها بالمجانيق وفيها ذرية لهم أو أسارى مسلمين وتحريق مراكبهم وتحريقهم مراكبنا قال ابن القاسم: وإذا كان مسلم في حصن للعدو أو مركباً لم أر أن يحرق أو يغرق.
قال مالك والأوزاعي: إذا كان في مراكبهم مسلمون فلا تحرق قال مالك وقد قال الله تعالى في أهل مكة ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فإنما صرف النبي -صلى الله عليه وسلم- عن أهل مكة لما فيها من المسلمين.
قال ابن القاسم: ولو لم يكن فيها مسلم وكان فيها ذراري المشركين ونساؤهم لم يعجبني ذلك إلا أن تكون عارية من ذلك كله وإنما فيها الرجال المقاتلة فلا بأس بذلك.
وروى ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رمى أهل الطائف بالمجانيق، فقيل له: إن فيها النساء والصبيان؟ فقال: هم من آبائهم، وقال: ذلك أيضاً فيما أصيب منهم في غشم الغارة.

الجزء: 6 - الصفحة: 148

.................................................

الجزء: 6 - الصفحة: 149

قال ابن القاسم في المستخرجة: لا بأس أن ترمى حصونهم بالمجانيق ويقطع عنهم الميرة والماء وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية.
وقال أشهب.
قيل لابن القاسم: فهل ترمى حصونهم بالنار ومعهم الصبيان؟ قال: لا أحب ذلك، وأما المركب فبخلافه؛ لأنهم بدأونا برمي النار فلنا أن نرميهم بها.
قيل: فإن كان في مراكبهم مسلمون وبدأونا برمي النار؟ فقال: لا أرى أن يرموا بالنار لما معهم من المسلمين خوفاً أن يقتلوا مسلماً.
وقال أشهب: أرى أن يرموا بالنار، وكيف لا يرموا بالنار وهم رمونا بها.
[قال أبو إسحاق: وأما ما لا يقدر على صرفه لموته بين أرجل الخيل وشبه ذلك فموسع أيضاً كرمي المجانيق وانظر لو رمونا بالنار ما يجوز لنا أن نرميهم بها وفيهم المسلمون لننجي أنفسنا منهم ولو لم نفعل لقتلونا بها، وكيف إن كان إنما معهم الواحد والاثنان والذين رمونا لهم عدد كثير يقول المسلمون: إن كان لابد من موتنا أو موتهم أو موت من معهم من المسلمين بموت الواحد والاثنان خير للمسلمين من موت مائة].
ابن حبيب: لا بأس بتحريق حصونهم وتغريقها بالماء ويقطع عنهم مجراه، ويقطع عنهم الميرة، وإن كان فيهم النساء والذرية ما لم يكن فيها أسارى مسلمون وقاله مالك وأصحابه ونحوه في كتاب ابن سحنون عن سحنون.

الجزء: 6 - الصفحة: 150

م: وتحصيل ذلك: أنه لا خلاف إذا كان مسلم في حصن العدو أنه لا يحرق ولا يغرق.
واختلف إذا كان فيه ذرية مشركون: فقيل: هم كالمسلمين.
وقيل: بل يغرقون، ويقطع عنهم الميرة ولم نختلف في رمي حصونهم بالمجانيق وإن كان فيهم مسلمون أو ذرية مشركون.
واختلف في رمي مراكبهم بالنار وفيهم مسلمون أو ذرية: فقيل: لا يرمون.
وقيل: يرمون.
وقيل: إن كان فيهم مسلمون لم يرموا وإن كان فيهم ذرية رموا وكره مالك أن يقاتل العدو بالنبل المسموم والسلاح المسموم.
وقال: ما كان هذا في ما مضى.
م: لأن ذلك قد يعاد إلينا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أحرق العدو سفينة للمسلمين فلا بأس أن يطرحوا أنفسهم في البحر؛ لأنهم فروا من الموت إلى موت.
ابن وهب: ولم يرد ذلك ربيعة إلا لمن طمع بنجاة أو اختيار للأيسر ونحوه فلا بأس به وإن هلك في ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 151

وقال أيضاً ربيعة: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به، وإن احترقت سفينة فلا يقتل رجل نفسه ويثبت لأمر الله عز وجل.

الجزء: 6 - الصفحة: 152

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً كتاب الجهاد الثاني جامع القول في الفيء والخمس وأرض العنوة والصلح قال ابن حبيب: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي».
قال ابن حبيب: فكان يوم بدر استباح الصحابة الغنيمة قبل أن تنزل فيها إباحة إلا عمر، فعاتبهم الله سبحانه بقوله: ﴿لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ يقول: في تحليلها {لَمَسَّكُمْ

الجزء: 6 - الصفحة: 153

فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ} الآية، ثم تنازعت فيها طائفة غنموها وطائفة اتبعت العدو وطائفة أحدقت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فتنازعت الغنيمة كل طائفة منهم دون غيرها فنزلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ فسلموا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان هذا ببدر ثم نسخ بعد ذلك بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ والله تعالى غني عن الدنيا وما فيها وإنما يريد الله ورسوله الحكم فيه فكان حكم النبي -صلى الله عليه وسلم- في الخمس من حكم الله تعالى وأما الأربعة أخماس فالله تعالى حكم بها لمن غنمها ورد الحكم في الخمس إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فقال -صلى الله عليه وسلم-: مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود عليكم يعني على الغني والفقير والصغير والكبير والذكر والأنثى كالفيء الذي أنزل الله عز وجل فيه ما أنزل.

الجزء: 6 - الصفحة: 154

وتأول عمر قول الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ الآية: أنه أبقى لمن يأتي في ذلك حقاً، فأقر الأرض ولم يقسمها لتكون لنوائب المسلمين ومرافقهم، وطلب عمر في قسمها وامتنع فألح عليه بلال فقال: اللهم اكفي بلالاً وذوي بلال.
قال عبد الوهاب: ولم ينكر أحد من الصحابة عليه ذلك، وتلاه عثمان وعلي على مثل ذلك؛ ولأن النبي -صلى الله عليه وسلم- غنم غنائم وأراضي ولم ينقل أنه قسم منها إلا خيبر، وهذا إجماع من السلف والله أعلم.
قال: وإن أرى الإمام في وقت من الأوقات رأياً لم يمتنع أن يقال: أن له ذلك فيما يفتتحه من بعد.
قال الشيخ: كما قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- خيبر.
قال سحنون: وما روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «خمس الخمس في خاصة» فغير معروف عند أهل المدينة.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «والخمس مردود عليكم» لم يستثن منه شيئاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 155

قال ابن دينار: ولو كان الخمس على هذا التقدير لكان سهم ذوي القربى تجري فيه المواريث، وقد أجمع الخلفاء على خلاف ذلك وأن ليس لهم سهم راتب.
ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: والخمس والفيء سواء يجعلان في بيت المال ويعطي منه الإمام أقرباء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقدر اجتهاده ولا يعطونه من الزكاة لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لا تحل الصدقة لآل محمد» وهم: بنو هاشم.
والفيء ما لم يوجف عليه، وجزية الجماجم، وخراج الأرضين الصلح والعنوة والهدنة، وعشور أهل الذمة، ويسلك بالخمس مسلك الفيء.
ابن المواز: وقد قال الله سبحانه في قسمة الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾.

الجزء: 6 - الصفحة: 156

وقال في آية الخمس: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾] فالآيتان متفقتان.
واختلف في سهم ذوي القربى: فقيل: هم آل محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ قاله ابن عباس وغيره وهو الأصح.
وقيل: بل هم على قريش كلها.
قال سحنون وأصبغ: وليس في ذلك قسم محدود لكل نفس؛ وقد ساوى أبو بكر بين الناس كافة فيه.
وفضل عمر بقدر السابقة والهجرة والحاجة وكل صواب على الاجتهاد.
ومن المدونة وقد قال عمر: أيها الناس إني عملت عملاً وإن صاحبي عمل عملاً ولئن بقيت إلى قابل لألحقن أسفل الناس بأعلاهم.
قال مالك: وبلغني أن عمر قال: ما من أحد من المسلمين إلا وله في هذا المال حق أعطيه أو منعه حتى لو كان راعياً أو راعية بعدن فأعجبني ذلك.
قال ابن حبيب: قال أشهب: فما كان من خمس الغنائم، وجزية أهل الذمة، وما يؤخذ من أهل الصلح، ومن تجار أهل الذمة وأهل الحرب، وخمس الركاز؛ سبيله سبيل الفيء، ويبدأ فيه بالفقراء والمساكين واليتامى وابن السبيل ثم يساوي بين الناس فيما بقي غنيهم وفقيرهم وشريفهم ووضيعهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 157

ومن الفيء يرزق والي المسلمين وقاضيهم، ويعطي غازيهم، وتسد ثغورهم، وتبنى مساجدهم وقناطرهم، ويفك أسيرهم، وتقضي حوائجهم، ويقضي دين ذي الدين منهم، وتعقل جنايتهم، ويزوج عازبهم، ويعان حاجهم، وشبه ذلك من الأمور.
ولا يحل أن يعطي من العشور والصدقات في شيء من هذه الوجوه، ولكن على الفقراء والمساكين ومن سمي معهم في آية الزكاة، ولا تحل لغني إلا لغاز أوغارم وهو المديان، وابن السبيل يضعف وهو غني ببلده، أو عامل عليها، أو غني أهدى له منها جاره المسكين؛ قاله النبي -صلى الله عليه وسلم- بجميع ذلك، وفي كتاب الزكاة كثير من هذا.
ومن المدونة قال مالك: وأما جزية أرض العنوة فلا أدري كيف كان يصنع فيها؛ إلا أن عمر قد أقر الأرض ولم يقسمها، وأرى لمن نزل ذلك به أن يكشف عنه من يرضى فإن وجد عالماً يستفتيه وإلا اجتهد في ذلك هو ومن حضره من المسلمين.
قال ابن القاسم: وكل أرض افتتحتها أهل الإسلام فهذا فيء ولا يقسمها الإمام وأهلها على ما صولحوا عليه.
وأما الجماجم في خراجهم فلم يبلغيني عن مالك فيه شيئاً، وأنا أرى الجماجم تبعاً للأرض كانوا عنوة أو صلحاً.
وقيل له في موضع آخر: أرأيت جزية جماجم أهل الذمة وخراج الأرضين ما كان منها عنوة أو صلحاً ما يصنع بهذا الخراج؟ قال: قال مالك: هذه جزية، والجزية عند مالك فيء، وقد أعلمتك ما قال مالك في العنوة.

الجزء: 6 - الصفحة: 158

وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: لا يزاد عليهم في جزية جماجمهم على ما فرض عمر أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهماً علىهل الورق، وأما جزية الأرض فلا علم لي بها، فذكر نحو رواية ابن القاسم.
قال سحنون: هذه أصح من رواية ابن القاسم؛ أنه إنما شك في جزية الأرض ولم يشك في جزية الجماجم.
قال الشيخ: وبلغني أن أبا محمد قال: قول مالك لا علم لي بها ولا أدري كيف كان يصنع فيها: يعني أنه لم يدر هل على الأرض جزية دون جزية جماجمهم أو لا جزية عليها وتكون عوناً لهم وتكون الجزية على جماجمهم فقط دون الأرض.
ثم رجع أبو محمد فقال: قوله لا علم لي بها: يعني بمبلغ ما على الأرض؛ لأن جزية الجماجم معلومة والذي كان على الأرض مجهول والله أعلم.
وذكر ابن حبيب: أن عمر جعل ما افتتح عنوة من الأرض خراجاً، وجعل على كل علج من الذين أقروا لعمارته أربعة دنانير كل سنة غير خراج الأرض، وهذا نحو ما رجع إليه أبو محمد.
وقيل لابن المواز: أرأيت ما افتتح عنوة هل يخرج من تلك الدور أهلها الذين كانوا يملكونها أم يقرون لعمارتها؟ فقال: يقرون فيها على حالهم وتكون لهم الذمة ويكونون أحراراً ويكتفي منهم فيها بما يؤخذ من خراج جماجمهم.
قال عيسى: وتترك الأرض بأيديهم عوناً لهم كما فعل عمر.

الجزء: 6 - الصفحة: 159

قال الشيخ: وهذا نحو ما تأول أبو محمد أولاً.
قال عيسى: ومن أسلم منهم كان حراً وماله للمسلمين.
قال ابن الموز: ما كان لهم قبل الفتح.
قال عيسى: ونساؤهم كالحرائر؛ لا ينظر إلى شعورهن، ودية المرأة منهم كدية حرة ذمية، وإذا لم يقدر على الأرض لبعدها؛ فإن أهلها يباعون.
ومن المدونة: وكل ما يقسم مما يؤخذ من أوجه الفيء كلها فإنه ينظر إلى البلدان فإنه تكافت في الحاجة بدأ بالذين فيهم المال حتى يغنوا وما فضل أعطاه غيرهم أو يوقفه الإمام إن رأى ذلك لنوائب المسلمين.
ابن القاسم: وبذلك كتب عمر أن لا يخرج في قوم عنهم إلى غيرهم.
قال: وإن كان في غير ذلك البلد من هو أشد منهم حاجة أعطى البلد الذي به المال من ذلك ما يكفيهم ونقل أكثر ذلك إلى البلد المحتاج كما فعل في أعوام الرمادة الست.
قال مالك: ولا بأس أن يعطي الوالي للرجل يراه أهلاً للجائزة فيجيزه لقضاء دين عليه ونحوه، ولا بأس على ذلك الرجل بقبولها، ويعطي للمتقوسين يبدأ منهم بمن أبوه فقيراً، [وكان عمر يعرض للمقوس مائة درهم.
قال أبو إسحاق: يريد في السنة] وقد جرى هذا موعباً في كتاب الزكاة.

الجزء: 6 - الصفحة: 160

جامع القول في الأنفال وذكر السلب قال مالك -رضي الله عنه وأصحابه: النفل من الخمس.
قال بعضهم: لأن الله تعالى قال: ﴿{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية.
وجعل الأربعة أخماس لمن غنمها فلا يجوز أن يؤخذ لهم منها شيئاً بالاحتمال.
وقولنا: أن ما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- من السلب إنما هو من الخمس أولى من قول من قال: أنه من جميع الغنيمة؛ لأن الله سبحانه فرض للنبي -عليه السلام- أمر الخمس يجتهد فيه، وأما الأربعة أخماس فمملوكة لهؤلاء.
ودليل آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أعطاه لأبي قتادة بشهادة واحد بلا يمين؛ فلو كان من رأس الغنيمة لم يخرج من حق من غنم إلا بما تنتقل به الأملاك من البينات أو بشاهد ويمين.
قال ابن حبيب: وحديث ابن عمر في السرية التي كان فيها بعثها النبي -صلى الله عليه وسلم- فغنمت إبلاً فكان سهمانهم أحد عشر بعيراً أو اثني عشر بعيراً ونفلوا بعيراً بعيراً؛ فدل هذا أن النفل من غير حقوقهم وليس ذلك إلا من الخمس.

الجزء: 6 - الصفحة: 161

قال أبو محمد عبد الوهاب: وسئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الغنيمة؟ فقال: لله خمس، وأربعة أخماسها للجيش.
فقيل: فهل أحد أحق بها من أحد؟ فقال: لا، ولا السهم تستخرجه من جنب أخيك المسلم.
قال: والنفل كله من الخمس سلباً كان أو غيره.
والنفل هو: زيادة على السهم، أو هبة لمن ليس من أهل السهم يفضله الإمام لرأي يراه مما يؤديه اجتهاده إليه.
فصل من المدونة: قيل لابن القاسم: فمن قتل قتيلاً هل يكون له سلبه؟ قال: قال مالك: لم يبلغني أن ذلك كان إلا في يوم حنين وإنما هذا إلى الإمام يجتهد فيه.
قال الشيخ: مثل أن يرى ضعفاً من الجيش فيرغبهم بذلك في القتال [وقد فعله النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين من الخمس].
قال ابن القاسم: وإنما نفل النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم حنين بعد أن برد القتال.

الجزء: 6 - الصفحة: 162

قال: ومن قتل قتيلاً له عليه بينة فله سلبه.
ولم يبلغني أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك، ولا عمل به بعد حنين.
وذكر ابن وهب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- إنما نفل من نفل يوم حنين من الخمس.
قال ابن المسيب: إنما كان الناس يعطون النفل من الخمس.
مالك: وذلك أحسن ما سمعت.
قال ابن القاسم: ولا يجوز عند مالك النفل قبل الغنيمة.
قال مالك: ويجوز النفل في أول المغنم وآخره على وجه الاجتهاد من الإمام ولا يكون إلا من الخمس.

الجزء: 6 - الصفحة: 163

قال سحنون: وقال مكحول: لا سلب يوم هزيمة أو فتح، ولسنا نقول هذا، وللإمام أن ينفل الأسلاب يوم الهزيمة ويوم الفتح بالاجتهاد.
قال سحنون: وإذا قال الأمير في أول القتال: من قتل قتيلاً فله سلبه فنحن ننهي عن هذا فإن نزل مضى، فإذا قال هذا ثم لقي هو علجا فقتله فإن له سلبه، وكذلك إن قتله في مبارزة ولو قال من قتل قتيلاً منكم فله سلبه.
أو قال لما برز رجل من العدو: من قتله منكم فله سلبه، لم يكن له هو سلب من قتل، كان المبارز هو أو غيره؛ لأنه أخرج نفسه بقوله: منكم.
وإن قال الأمير: إن قتلت قتيلاً في سلبه؛ فلا شيء له لما خص نفسه.
وكذا لو قال بعد ذلك: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه فلا شيء له فيمن قتل.
وكذلك لو قال بعد أن خص نفسه: من قتل قتيلاً مجملاً فإنما له في المستقبل.

الجزء: 6 - الصفحة: 164

ولو قال: من قتل منكم قتيلاً فله سلبه؛ فمن قتل منهم اثنين أو ثلاثة فله سلبهم.
ولو قال لرجل: إن قتلت قتيلاً فلك سلبه، فقتل اثنين أحدهما بعد الآخر؛ فغيرنا يجيزه ويعطيه سلب الأول خاصة ونحن نكرهه، فإن نزل على وجه الاجتهاد مضى وكان له سلب الأول خاصة، فإن جهل سلب الأول؛ فقيل: له سلب نصفهما.
وقيل: أقلهما.
قال ابن المواز: وإن قتل قتيلين معاً: فقيل: له نصف سلبهما.
وقيل: له أكثرهما.
وإذا قال الأمير: من قتل قتيلاً فله سلبه فليس له سلب من قتل ممن لا يجوز له قتله من امرأة أو صبي أو زمن أو راهب إلا أن يقاتل هؤلاء فله سلبهم؛ لإجازة قتلهم وله سلب كل من يجوز قتله.
قال: وإذا قال الإمام بعد أن برد القتال أو قبل: من قتل قتيلاً فله سلبه، فلا شيء من السلب للذمي وإن ولي القتل إلا أن يقضي به الإمام وينفذه له فلا يتعقب.
يريد: لأن أهل الشام يرون ذلك للذمي، وكذلك لو قتلته امرأة فلا شيء لها إلا أن يحكم لها بذلك فيمضي.
وأشهب يرى أن يرضخ لأهل الذمة؛ ففي قياس قوله: له السلب من الخمس؛ لأنه نفل.
ونحن نقول: لا حظ له في الغنيمة، فكذلك النفل.
وكذلك لو قال: من قتل كافراً من المسلمين فله سلبه فقتله ذمي فلا شيء له بإجماع للشرط.

الجزء: 6 - الصفحة: 165

وإن قال: من قتل قتيلاً فله سلبه فسمع ذلك بعض الناس دون بعض فالسلب لمن قتل وإن لم يسمع.
ومن المدونة: وسئل ابن عباس عن الأنفال؟ فقال: السلب والفرس من النفل.
وقال سليمان بن موسى: لا نفل في عين ولا فضة.
قال سحنون: وقال أصحابنا، وأهل الشام قالوا: وإنما النفل في العروض: السلب والفرس والسلاح ونحوه.
وقال أهل العراق: وإذا نادى الإمام بنفل السلب للقاتل فإنه يكون له ما على المقتول من سوارين ومن طوق ذهب ودنانير ودراهم وحلية سيف ومنطقة.
وذكر عن مكحول في المبارزة: أنه جعل من السلب الطوق والسوارين بما فيها من جوهر.

الجزء: 6 - الصفحة: 166

قال سحنون: أما حلية السيف فتبع للسيف ولا شيء له في السوارين والطوق والعين كله، وكذلك إن كان عليه تاج وقرطان فلا شيء له في ذلك، يكون له فرسه وسرجه ولجامه وخاتمه ودرعه وبيضته وسيفه ومنطقته بما في ذلك من حليه وساعديه وساقيه ورايته.
قال مكحول: بما في ذلك من حلية وجوهر.
قال سحنون: ولا يكون الصليب في عنقه من النفل.
قال الوليد: وقال الأوزاعي: يدخل الصليب في السلب.

الجزء: 6 - الصفحة: 167

وهو أحب إلي.
قال سحنون والأوزاعي: وإنما يكون له سلب من قتل أو أنفذ مقاتله، لا ما أتى به إلى الإمام أسيراً فقتله الإمام؛ لأنه لم يقتله هو وإنما قال الإمام: من قتل قتيلاً فله سلبه.
قال سحنون: من أصاب ذهباً أو فضة فله منه الربع بعد الخمس أمضيناه على ما قال كقضاء نفذ بقول قائل، ولمن أصاب ذلك نفله كان مسكوكاً أو غير مسكوك.
ومن المدونة: وكره مالك للإمام أن يقول للناس: قاتلوا ولكم كذا، أو من قاتل مو ضع كذا أو تقدم إلى الحصن أو قتل قتيلاً له كذا أو نصف ما غنم.
وكره مالك أن يسفك أحد دمه على مثل هذا.
وما نفل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا بعد أن برد القتال فقال: من قتل قتيلاً تقوم له عليه ببينة فله سلبه وفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة.
ولم يبلغنا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال ذلك ولا عمل به بعد حنين ولو سن ذلك أو أمر به بعد حنين لكان ذلك أمراً فاشياً ليس لأحد فيه قول، وقد كان أبو بكر وعمر بعده فلم يبلغنا أنهما فعلا ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 168

قال سحنون: وإنما ينبغي أن يخرج المجاهد على إعزاز دين الله وإعلاء كلمته ثم إن عرض له رزق قبله، فأما أن يكون أصل جههاده على دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهذا فهذا يدخل في الحديث في قوله: «من كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه».
قال سحنون: فكل شيء يبذله الإمام قبل القتال لا ينبغي عندنا، إلا أنه إن نزل وقاله الإمام أمضيناه، وإن أعطاهم ذلك من أصل الغنيمة للاختلاف فيه، وكذلك الطائفة يبعثها أميرها على أن لهم الثلث بعد الخمس أو قال: قبل الخمس؛ فإنه يمضي، ويعطون ما قال، ويدخلون في السهام فيما بقي بعد الخمس.
قال: وإذا قال الأمير للسرية: ما غنمتم فلكم بلا خمس؛ فهذا لم يمض عليه السلف، وإن كان فيه اختلاف، فإني أبطله؛ لأنه كقول شاذ حكم به فلا يمضي.
قال ابن سحنون: إلا أن يكون مضى في هذا اختلاف من صدر الأمة مثل ما مضى في نفل حنين بعد الخمس فليمض، ويكون سبيله سبيل النفل: يساوي فيه بين الفارس والراجل.

الجزء: 6 - الصفحة: 169

وإن كان في السبي من يعتق على أحد من أهل السرية بالقرابة أو أعتق أحد منهم علجا: فإن يعتق عليه على قول سحنون.
ولا يعتق عليه على قول ابن القاسم وأشهب.
وفرق أهل العراق في ذلكبين الطليعة مثل الاثنين والثلاثة وبين السرية في عتق القرابة ولا فرق في ذلك.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وما قال أهل العراق لا يخالفه ابن القاسم؛ لأن علته جهل نصيبه مع الكثرة، والقلة لا يجهل نصيبه منها.
قال سحنون: وإذا بعث الإمام سريتين على أجزاء مختلفة على قدر صعوبة المواضع وسمى لكل سرية قوماً بأعيانهم فلا شيء لمن انتقل إلى غير سريته إلا أن يقول: يخرج في كل سرية من شاء فللذي دخل في غير سريته النفل مثل أصحابه.
قال: ولو ضل من السرية رجل فغنم ابقية ورجعوا ثم قدم الضال فلا نفل له بخلاف الغنيمة، ولو رجع الضال غانماً أيضاً فلهم نفلهم فيما غنموا وللضال نفله فيما غنم، وما بقي يجمع إلى ما غنم العسكر فيقسم بين الجميع، ولو رجعت جميع السرية غانمة فلم يأخذوا النفل حتى مات الوالي أو عزل وولي من يرى قولنا؛ فإن ذلك لا ينفذ؛ لأنه لم يقبض.

الجزء: 6 - الصفحة: 170

قال ابن سحنون: وأنا أراها قضية نافذة قبضت أو لم تقبض.
قال أصبغ إن ابن القاسم: وقول الإمام للسرية: لك ثلث ما يغنم أو جزء معلوم؛ أن ذلك مما يفسد النيات، ويصير عملهم للدنيا، ولا يجوز الخروج معهم على هذا، ومن خرج على هذا فلا يأخذ منه شيئاً، ولا بأس بالخروج معهم لمن لا يريد أن يأخذ من ذلك شيئاً.
قال أصبغ: وما أراه حراماً لمن أخذه.
قال ابن حبيب: وإذا فعل ذلك الأمير جهالة فليعرف قيمة ما يسمى لهم فيعطيهم ذلك من الخمس لمن رأس الغنيمة وهذا بخلاف قول سحنون.
قال ابن حبيب: وهذا مما يكرهه العلماء وقد استحقه بعضهم إذا احتاج إليه الإمام مثل أن يهزمه كثرة العدو ونحوه وقد فعله أبو عبيدة بن الجراح يوم اليرموك لما هزمه كثرة العدو حتى قاتل يومئذ نساء من قريش.
ومن المدونة قال مالك: ولا أرى للأسير المسلم أن يقاتل مع الروم عدواً لهم على أنهم يخلوه إلى بلد الإسلام ولا يحل له أن يسفك دمه على مثل هذا.

الجزء: 6 - الصفحة: 171

في سهمان الخيل والرجال ومن يسهم له ومن لا يسهم له روى ابن وهب أن الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «أسهم للفرس سهمين وسهماً لفارسه والراجل سهماً» وفعله عمر بن الخطاب، ومضت به السنة.
قال ابن سحنون: وما علمت من علماء الأمة من قال: أن للفرس سهماً ولفارسه سهماً غير أبي حنيفة وقد خالفه صاحباه أبو يوسف ومحمد.
وما أرى أن يجوز أن يدخل هذا في الاختلاف.
ومن المدونة قال مالك: ويسهم للفرس سهمان وسهم لفارسه وللراجل سهم.
قال: والراذين إن أجازها الوالي كانت كالخيل.
قال: ومن له أفراس فلا يزاد على سهم فرس واحد كالزبير يوم حنين.
قال ابن حبيب: اختلفت الرواية في السهم لفرسين: فروي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يسهم للزبير إلا لفرس واحد، وكان معه ثلاثة أفراس.

الجزء: 6 - الصفحة: 172

وروي: أنه أسهم له لفرسين؛ وأخذ به عمر بن عبد العزيز وغيره.
قال ابن سحنون: وكذلك في رواية ابن وهب وبه قال.
قال الشيخ: وقول مالك أولى؛ لأنه لا يمكن أن يقاتل العدو إلا على فرس واحد وما زاد على ذلك فزيادة عدة كزيادة رماح أو سيوف واعتباراً بالثالث والرابع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يسهم لبغل أو حمار أو بعير وصاحبه راجل، وقد غزا النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإبل فلم أسمع أنه أسهم إلا للخيل.
قال غيره: وكذلك الأئمة من بعده؛ وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «للفرس سهمان» فخصه بالإسهام.
ولأنه لا يتأتى القتال على غير الخيل وإنما تصلح للحمولة.

الجزء: 6 - الصفحة: 173

قال ابن القاسم: وإذا لقوا العدو في البحر ومعهم الخيل في السفن فإنه يسهم للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم، وكذلك إن أسرى أهل العسكر رجالة ولبعضهم خيلٌ فنغموا وهم رجاة فإنه يعطي لمن له فرس ثلاثة أسهم، وكذلك لو خرجت من العسكر سرية فغنمت؛ أن ذلك بين أهل العسكر وأهل السرية بعد الخمس للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم.
ومن دخل أرض العدو فارساً فمات فرسه قبل لقاء العدو فلقيهم راجلاً فإنما له سهم راجل.
ولو دخل راجلاً فأفاد فرساً قبل لقاء العدو فلقيهم فارساً؛ فله سهم فارس، كقول مالك فيمن دخل أرض العدو غازياً فمات قبل لقاء العدو ثم غنموا بعده: فلا سهم له، ولو مات بعد القتال ثم غنموا بعد موته؛ فله سهمه قاتل الرجل أو لم يقاتل إذا كان في حين القتال حياً.
قال عبد الوهاب: القتال سبب الغنيمة فمن قاتل أو حضر القتال أسهم له قاتل أو لم يقاتل: لأنه قد حضر سبب الغنيمة وهو القتال.
ولأنه ليس كل الجيش يقاتل؛ لأن ذلك خلاف مصلحة الحرب؛ لأنه يحتاج أن يكون بعضهم في الرد، وبعضهم يحفظون السواد، وبعضهم في العلوفة على حسب ما يحتاج إليه في الحرب، ولو قاتل كل الجيش لفسد التدبير؛ ولذلك قلنا: إن

الجزء: 6 - الصفحة: 174

المريض يسهم له؛ لأنه قد شهد الوقعة وحصل منه التكثير، وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا﴾ أي كثروا.
وروي: «أن الغنيمة لمن شهد الواقعة»، وأظن بعضهم رفعه؛ ولذلك قلنا: لا شيء لمن مات قبل القتال، وكذلك من جاء بعد القتال.
قال ابن حبيب: ومن أوجب راجلاً ثم افاد فرساً عند مشاهدة القتال بشراء أو كراء أو عارية أو بتعد فقاتل عليه؛ فله سهم الفرس.
وحد ذلك عند مالك: مشاهدة القتال.
وأما ابن الماجشون فبالإيجاف يجب عنده وإن لم يشاهد قتالاً فيوجب بالإيجاف لمن مات أو قتل من رجل أو فرس ما يوجبه بالمشاهدة، ومن أوجف عنده راجلاً ثم أفاد فرساً حتى يمكن كونه بيده بملك أو كراء أو تعد فله سهمان الفرس، فأما إن ألفي فرساً عند حمية القتال من خيل العدو أو من خيل المسلمين فركبه بأحد هذه الوجوه؛ فلا يأخذ سهميه، وسهماه لصاحب الفرس إلإ أن يكون من خيل العدو فلا سهمان له.

الجزء: 6 - الصفحة: 175

ابن حبيب: وقول ابن الماجشون أقيس، وبه أقول.
وقول مالك استحسان وبه قال أكابر أصحابه.
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: وسهم الفرس المحبس للغازي عليه، وكذلك من اكترى فرساً واستعاره فله سهم فارس.
قال ابن القاسم في فرس انفلت من ربه بأرض العدو فأخذه آخر فقاتل عليه حتى غنموا أو لما شد القوم على دوابهم للقتال عدا رجل على فرس آخر فقاتل عليه فغنموا: أن سهمان للفرس في ذلك كله لربه.
قال سحنون: بل السهمان للمتعدي، وعليه أجر مثل الفرس إلا أن يأخذه بعد انتشاب القتال؛ فيكون السهمان لربه.
قال ابن القاسم: ولو تعدى عليه في أرض الإسلام فغزا عليه أو في أرض العدو قبل حضور القتال فشهد عليه سرايا، أو قاتل عليه؛ فسهماه في هذا للمتعدي وهو له ضامن.

الجزء: 6 - الصفحة: 176

قال سحنون: هو كذلك في السهمين فأما الضمان فإن رده بحاله لم يضمن وعليه الإجارة، وإن رده وقد تغير أو عطب فربه مخير بين أن يضمنه قيمة الفرس، أو يأخذ منه أجرة فيما استعمله فيه.
قال سحنون: ومن صرع رجلاً من العدو عن فرسه وركبه وقاتل عليه فلا سهم له مما غنم في قتاله هذا ويسهم له فيما حضر عليه بعد ذلك من السرايا وغيرها.
قال: ومن حضر القتال على فرس فلم يفتح لهم في يومهم فباعه فقاتل عليه مبتاعه اليوم الثاني فلم يكن فتح فباعه الثاني فقاتل عليه الثالث يوماً ثالثاً ففتح لهم؛ إن سهم الفرس لبائعه الأول؛ لأنه قتال واحد كما، لو مات بعد أول يوم وقاتل عليه أحد ورثته في اليومين أو لم يقاتل أن سهمه لورثته.
قال الأوزاعي: ومن ابتاع فرساً وقد غنموا واشترط سهمه فجائز إن كان الثمن أكثر من السهم كمال العبد يشترط.
قال سحنون: لا يجوز إن كان السهم ذهباً والثمن ذهباً ويصير عرضاً وذهباً بذهب، ولو كان الثمن عرضاً والسهم معروفاً جاز وليس كالعبد، العبد يملك والفرس لا يملك.

الجزء: 6 - الصفحة: 177

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يسهم للصبيان ولا للعبيد ولا للنساء إذا قاتلوا ولا يرضخ لهم، وقد سألنا مالكاً عن النساء هل يرضخ لهن من الغنيمة؟ فقال: ما سمعت أن أحداً أرضخ لهن من الغنيمة؟ فقال: ما سمعت أن أحداً أرضخ لهن فالصبيان بمنزلة النساء، وقد قال مالك في العبيد: ليس لهم شيء.
وقال ابن حبيب: من قاتل من النساء كقتال الرجال فإنه يسهم لها ألا ترى أن المرأة من العدو إذا قاتلت قتلت، ولا يسهم للعبد وإن قاتل، ويستحب للإمام أن يجزيه من الخمس، ويجزي النساء والغلمان.
الذين لم يبلغوا ولم يقاتلوا.
قال: وإن لم يقاتل الأجير لم يسهم له وليجز من الخمس.
قال: وإن كان في العسكر نصارى من خدم أو أعوان فلا بأس أن يجزوا من الخمس؛ وقد روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أرضخ لناس من اليهود كانوا في المعسكر، وأرضخ لنساء وعبيد وغلمان لم يبلغوا الحلم ولم يكن يسهم لهم.
ابن المواز قال مالك: ويسهم لمن لم يبلغ الحلم من الصبيان إن أطاق القتال وقاتل.
ابن المواز: وإن حضر العسكر ولم يقاتل لشغل أو غيره فلا يسهم له حتى يقاتل.

الجزء: 6 - الصفحة: 178

وكذلك الأجراء والتجار إن قاتلوا أسهم لهم، وإن لم يقاتلوا فلا شيء لهم وإن حضروا القتال.
وأما من سواهم فليسوا له إن حضر القتال وإن لم يقاتل قاله مالك.
[والعبيد إذا كانوا في عسكر المسلمين فلا شيء لهم، وإن اجتمعوا فقاتلوا وحدهم: فقيل: يخمس من أصابوه.
وقيل: لا يخمس.
وأما أهل الذمة فلا يخمس ما أصابوه.
وقد اختلف في العبد والذمي إذا وجدا ركازاً.
فقيل: يخمس.
وقيل: لا يخمس.
قال أبو إسحاق: ولم يعلم نص خلاف في النساء والصبيان لو أصابوا ركازاً أنه يخمس، فانظر لو اجتمع النساء فقاتلن من غير جيش هل يخمس ما أصابوه أو يكونوا كالعبيد في الغنيمة أو كالركاز ففي ذلك نظر].
قال عبد الوهاب: وإنما لم يسهم للتجار والصبيان والصناع والأجراء المتشاغلين بأكسابهم خلافاً لمن قال يسهم لهم؛ لقوله تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأَرْضِ

الجزء: 6 - الصفحة: 179

يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} ففرق بين حكميهما؛ ولأنه لم يحصل منه الذي يستحق به السهم وهو القتال والمعاونة؛ لأنه إنما حضر لغرض نفسه ولخدمة من استأجره، وأما إن قاتل أسهم له خلافاً لمن قال لا يسهم له لأنه ممن خوطب بالجهاد وقاتل فيه والقتال سبب للغنيمة فليس إجارة نفسه تمنعه السهم إذا قاتل؛ كالذي يحج ومعه تجارة أو يؤاجر نفسه للخدمة أن ذلك لا يمنع صحة الحج.
[وقال أبو الحسن بن القصار: والأجير إذا خرج للجهاد والإجارة بغير خدمة كالخياطة فله سهمه حضر القتال أم لا.

الجزء: 6 - الصفحة: 180

وقال سحنون في كتاب ابنه: يسهم للأعمى، وأقطع اليدين، والأعرج، والمقعد، والمجذوم فارساً.
والصواب في الأعمى: أن لا شيء له؛ فإن كان يبري النبل دخل في جملة الخدمة الذين لا يقاتلون.
وكذلك أقطع اليدين: لا شيء له، وإن كان أقطع اليسرى أسهم له.
ويسهم للأعرج إن حضر القتال، وإن كان ممن تحذر عن القتال لأجل عرجه لم يسهم له إلا أن يقاتل فارساً.
ولا شيء للمقعد إذا كان راجلاً، وإن كان فارساً يقدر على الكر والفر أسهم له.
وكل من تقدم ذكره أن لا يسهم له يجوز أن يجزي.
ويسهم للأعرج والضعيف العقل.
يريد: إذا قاتل].
ولا يسهم لعبد ولا لامرأة ولا لصبي؛ لأن فرض الجهاد ساقط عنهم، ولا بأس أن يرضخ لهم للمعاونة الحاصلة منهم.
قال الشيخ: وكذلك في المدونة في الأجير والتاجر أنه إن قاتل: أسهم له.

الجزء: 6 - الصفحة: 181

يريد: أن التاجر إنما خرج للتجارة خاصة فهذا إن قاتل أسهم له وإن لم يقاتل فلا يسهم له، ويصير كالجير وإنما كان خروجه للغزو غير أن معه تجارة فهذا يسهم له قاتل أو لم يقاتل.
قال سحنون: وإذا قاتل الأجير فله سهمه، ويبطل من أجره بقدر ما اشتغل من الخدمة.
قال بعض القرويين: وليس لمن استأجره أن يأخذ منه السهمان عوضاً مما عطل من الخدمة؛ بخلاف أن لو آجر نفسه في خدمة أخرى؛ لأن ذلك قريب بعضه من بعض والسهمان ربما كثرت فكانت أكثر مما استأجره مراراً فإذا أسقط عنه حصة ما تعطل من الخدمة فلا حجة والله أعلم.
قال الشيخ: ولأن القتال لا يشابه الخدمة ولا يقارب أجرة أجرها؛ لأن فيه ذهاب نفسه وإنما يكون من استأجره مخيراً عليه فيما تقارب أمره؛ لأن ذلك العمل مستحق عليه لتقاربه، والأول غير مستحق عليه لتباعده منه والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 182

قال في كتاب ابن مزين: إذا قاتل الأجير أسهم له كانت الغنيمة قبل القتال أو بعده، وإن كان القتال مراراً فلم يشهد إلا مرة واحدة وعرف أنه حضر قسم له في جميع تلك الغنيمة وإن لم يحضر سوى ذلك المرة.
وقال ابن نافع: لا يسهم له إ أن يحضر أكثر من ذلك.
قال يحيى: هذه أحسن؛ إذا قاتل في الأكثر قسم له في الجميع، وإذا قاتل مرة قسم له في الذي حضر فقط.
وقال ابن حبيب: أحسن ما سمعت أن من شهد العسكر من الغلمان الذين راهقوا وأنبتوا أو بلغوا خمس عشرة سنة؛ فإنه يسهم لهم قاتلوا أو لم يقاتلوا؛ سبيلهم سبيل الرجال؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجاز ابن عمر يوم الخندق، وزيد بن ثابت، والبراء بن

الجزء: 6 - الصفحة: 183

عازب، وهم أبناء خمس عشرة سنة، ورد ابن عمر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة، وأجاز أبو بصرة الغفاري، وعقبة بن عامر يوم فتح الإسكندرية غلاماً قد أنبت.

الجزء: 6 - الصفحة: 184

قال ابن حبيب: فإذا بلغ هذا ألحق بالبالغين، وما كان دون ذلك مثل أربع عشرة سنة وما قاربها فإن قاتل أسهم له وإن لم يقاتل فلا شيء له.
وذكر أبو محمد حديث ابن عمر هذا قال: وقيل: عرض يوم بدر وهو ابن ثلاث عشرة سنة فلم يجزه، وعرض يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة فأجازه، وقيل إن هذا أصح.
قال أبو محمد: وهذا يدل على أنه لم يراع -عليه السلام- فيه البلوغ إذ لم يكشف عن ذلك، وإنما أجازه إذا رأى فيه طاقة القتال في رأي العين والله أعلم، لا على أن ابن خمس عشرة سنة له حكم البالغ وإن لم يبلغ.

الجزء: 6 - الصفحة: 185

قال عبد الوهاب: إذا راهق الصبي وأطاق القتال أسهم له؛ خلافاً لابي حنيفة والشافعي لحديث سمرة بن جندب قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرض عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه غلمان الأنصار فيلحق من أدرك منهم فعرضت عليه عاماً فردني وألحق ورددتني ولو صارعني لصرعته.
قال فصارعني فصرعنه فألحقني.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأنه وجد فيه ما لم يوجد في البالغ من القتال والمكابدة للعدو؛ وهو الجنس الذي يسهم له.
ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: ومن خرج غازياً فلم يزل مريضاً حتى شهد القتال وحازوا الغنيمة؛ فله سهمه ولذلك لو شهد القتال بفرس رهيص فله سهمه.
قال ابن حبيب: بخلاف الحطيم والكسير.

الجزء: 6 - الصفحة: 186

ابن سحنون قال مالك: يسهم للفرس الرهيص والرجل المريض.
وقال مالك: ما كل من حضر يقاتل، ولا كل فرس يقاتل عليه.
وروى عنه أشهب وابن نافع: أنه لا يسهم له.
وبالأول أخذ سحنون.
قال سحنون: وإن دخل دار الحرب بفرس لا يقدر أن يقاتل عليه من كبر أو مهر صعب؛ فهو راجل لم يكن للإمام أن يجيزه.
قال: وإذا دخل بفرس صغير فأقاموا حتى صار كبيراً يقاتل عليه فله من يومئذ سهم فرس لا فيما قبل ذلك.
ومن كتاب ابن المواز: ومن دخل دار الحرب فلم يبلغ العسكر حتى مرض فخلفوه في الطريق لعله يفيق فيلحق بهم فقاتلوا وغنموا ورجعوا فله سهمه، وكذلك إن كان تخلفه في بلد الإسلام قبل أن يدرب في بلد الحرب فله سهمه.

الجزء: 6 - الصفحة: 187

ابن المواز: ولو بعث الأمير قوماً من الجيش قبل أن يصل إلى بلد العدو في أمر من مصلحة الجيش من حشد أو إقامة سوق أو غير ذلك فاشتعلوا في ذلك حتى غنم الجيش فلهم معهم سهمهم، وقد قسم النبي -صلى الله عليه وسلم- لعثمان يوم بدر وقد خلفه على ابنته، وقسم لطلحة

الجزء: 6 - الصفحة: 188

وسعيد بن زيد وهما غائبان بالشام.

الجزء: 6 - الصفحة: 189

قال سحنون: وكذلك روى ابن وهب وابن نافع عن مالك.
وروى عن مالك: لا شيء له إن بعثه الإمام في بعض مصالح المسلمين ثم غنموا بعده.
وبالأول أقول.
ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك في المراكب تصل إلى أرض العدو ثم يرد بعضها الريح إلى بلد الإسلام ولم يرجع أهلها من قبل أنفسهم؛ فإن لهم سهمانهم مع أصحابهم الذين وصلوا إلى أرض العدو وغنموا.
ابن المواز: قال مالك: وإن خرجت مراكب من مصر غزاة فاعتل منها مركب فتخلفوا لإصلاحه فخافوا لما بقوا وحدهم فرجعوا إلى الشام؛ فلا شيء لهم فيما غنم أصحابهم، وكذلك لو مرضوا فرجعوا أو انكسرت مركبهم فرجعوا.
قلت: فإن أسهم لهم وأعطوهم؟ قال: فلا يرجع عليهم، قد فات ذلك وأنفقوه.

الجزء: 6 - الصفحة: 190

قلت: فلو ولجوا بلد العدو وجاوزوا قبرص ثم عرض لهم ما عرض فرجعوا إلى الشام خوفاً من العدو حتى رجع الجيش؟ قال: هذا عذر إذا بان خوفهم فهذا مشكل ويسهم لهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 191

قال ابن المواز: الرجوع عند مالك أشد إلا رجوع يتبين فيه العذر ولا يكون رجوعهم رغبة عن أصحابهم.
قال عبد الملك: فكل رجوع كان بأمر غالب فهو كمن لم يرجع وكالسرايا يغنم بعضهم دون بعض فذلك بين الجميع ولواليهم معهم سمهمه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ضل رجل من العسكر فلم يرجع حتى غنموا فله سهمه كقول مالك في الذين ردهم الريح.
قال عنه أصبغ: وكذلك لو ضل في بلد الإسلام في الطريق قبل بلوغهم فله سهمه.

الجزء: 6 - الصفحة: 192

قال ابن سحنون: وروى ابن نافع عن مالك فيمن ضل من العسكر حتى غنموا؛ أنه لا يسهم له.
وقال ابن نافع: له سهمه.
قال سحنون: واختلف في رجل ضل عن سرية فاجتمع مع أخرى فقاتل معها فأخذ سهماً ثم اجتمع مع الأولى؛ والذي أقول به: أنه يضم ما أخذ من السرية الآخرة إلى ما غنم أصحابه ويقسمون ذلك كله [وقد قال أشهب في الفرس المغصوبة: أن سهميه للغاصب.
قال أبو إسحاق: فانظر هل يمكن أن يقال: إن الضار لا يسهم له، أو يفرق بينهما؛ فإن المغصوب منه له إجارة فرسه فقامت مقام ما يأخذه من السهام لو قاتل عليه.
وقد فرق محمد؛ بين أن يغصب فرساً فيقاتل عليه إذا كان لمعين، واختار خلاف قول أشهب، وأنه كالضال.
وأما أن يقاتل على فرس من الغنيمة قال: فيكون له سهماه وعليه إجارة الفرس، وانظر على هذا في الخيل الموقوفة في سبيل الله، ينبغي أن يكون سهمانها لمن قاتل عليها؛ لأن موقفها على هذا أوقفها.
والله أعلم].

الجزء: 6 - الصفحة: 193

ومن كتاب ابن سحنون: وإذا أسر رجل ثم غنموا بعده ثم انفلت فجاءهم؛ فما غنموا في القتال الذي أسر فيه أو بسبب ذلك اللقاء فله فيه سهمه رجع أو لم يرجع، وما غنموا بعده في قتال مؤتنف فلا شيء له فيه إلا أن يأتي فيدخل فيما غنموا بعد مجيئه.
قال الشيخ: كأنه رأى أن أسره كموته لتعذر خلاصه، ففرق بينه وبين من ضل، لأن هذا لم يهلك ولا أيس من رجوعه إليهم والله أعلم.
ابن المواز قال مالك: ومن مات قبل القتال فلا سهم له، وإن مات بعد القتال قبل الغنيمة فله سهمه، ولو كانت غنيمة، فما كان متتابعاً فله سهمه في الجميع؛ مثل أن يفتحوا حصناً فيموت ثم يفتحوا آخر على جهة الأمر الأول.
قال أصبغ: وأما إن رجعوا قافلين ونحو ذلك من انقطاع الأمر الأول فلا شيء له فيما استؤنف بعده.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم.
قال سحنون: لا أعرف هذا، وإنما له سهمه فيما وقعت فيه المناشبة قبل موته، وأما ما ابتدأ قتاله من الحصون بعد موته فلا شيء له فيه، ولو كان للمدينة أرباض ولها أسوار

الجزء: 6 - الصفحة: 194

فمات أو قتل بعد أن أخذوا في قتال المدينة ففتح الربض الأول وصار الكفار في الربض الثاني ثم فتح الثاني وانتقل العدو إلى الثالث وتمادى الناس في فتالهم في غير فور واحد حتى فتحوا المدينة؛ فهذا قتال واحد حتى فتحوا المدينة؛ فهذا قتال واحد، ولمن مات في أول القتال سهمه في جميعه.
فيما غنمه العبد وحده ومن العتبية قال ابن القاسم في عبد أبق إلى أرض الحرب فخرج بعبيد استألفهم.
قال عيسى: على أن يكونوا له عبيداً.
قال ابن القاسم: فالرفيق لسيد العبد ولا خمس فيهم، وكذلك لو استألفهم حر فخرج بهم كانوا له ولا خمس فيهم.
قال: فإن قال الرقيق: إنما خرجنا معه على أننا أحرار وأنكر ذلك الخارج بهم؟ قال: القول قولهم، وعلى الإمام إن يفي لهم بعهد العبد أو يردهم إلى مأمنهم؛ فإن خرجوا بلا عهد فأمرهم إلى الوالي ولا يقبل قول العبد إلا أن يعلم أنه أخرجهم كرهاً أو يكونوا في حرزه في وثائق فهم عبيد له.

الجزء: 6 - الصفحة: 195

قيل: فإن ادعوا أنه أوثقهم في دار الإسلام؟ قال: إن استدل على صدقهم بسبب ظاهر؛ فالقول قولهم، وإن لم يعرفوا عند خروجهم إلا في وثاقه فهم له عبيد.
قيل: فالعبد يخرج متلصصاً إلى أرض العدو فيغنم؟ قال: يخمس ويكون فضل ذلك له.
والفرق بين العبد المتلصص والآبق: أن الخمس لا يكون إلا في تعمد الخروج لإصابته ما أوجب عليه.
قيل: فإن خرج حر وعبد متلصصين فغنما؟ قال: يخمس ما أصابا ثم يقسم بينهما ما بقي، وإن كان لا يسهم للعبد في الغزو فالمتلصص بخلاف الغزو.

الجزء: 6 - الصفحة: 196

قيل: فإن كان حر وذمي خرجا تلصصا فغنما؟ قال: يقسم بينهما ثم يخمس سهم المسلم الحر.
وقال سحنون: في الحر والعبد يقسم بينهما ثم يخمس سهم الحر خاصة كالمسلم والذمي.

باب ما ينتفع به قبل القسم من الغنيمة من طعام وغيره ما يفضل

وما لا يكون غلولا، وفيمن غل.

روى ابن وهب أن معاذ بن جبل قال: كان الناس بعهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأكلون مما غنموا من ماشية ولا يبيعونها وإذا لم يحتج إليها قسمها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخذ منها الخمس.
وقال في حديث آخر: أن رجلاً وجد مزود فيه شحم من شحوم يهود خيبر فمنعه صاحب المغانم فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خل بينه وبين جرابه يذهب به إلى أصحابه».

الجزء: 6 - الصفحة: 197

قال غيره: ولم ينقل أنه -صلى الله عليه وسلم- أنكر عليهم، ولا أحد من الأئمة بعده، ولا أنهم في طعام ولا علوفة، ووصى أبو بكر الصديق - رضي الله عنه- بذلك يزيد بن أبي سفيان وقال: لا تذبحن شاة إلا لمأكلة.
ومن المدونة قال مالك: وسنة الطعام والعلف في أرض العدو أنه يؤكل وتعلف منه الدواب، ولا يستأمر فيه الإمام ولا غيره.
ابن وهب: قال مكحول وسليمان بن موسى: إلا أن ينهى عنه الإمام فيترك لنهي الإمام ولا يترك لغير ذلك.
ابن حبيب: ولو نهاهم السلطان عن إصابة ذلك ثم اضطروا إليه لكان لهم أكله.
ومن المدونة قال مالك رحمة الله عليه: والبقر والغنم أيضاً لمن أخذها مثل الطعام ويأكل منها وينتفع بها، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفر من العسكر أصابوا غنماً كثيرة: «لو أطعمتم إخوانكم منها» قال: فرميناهم بشاة شاة حتى كان الذي معهم أكثر من الذي معنا.
قال معاذ: وإذا لم يكن المسلمون محتاجين إلى أكل الماشية فلتبع ويكون ثمنها مغنماً.

الجزء: 6 - الصفحة: 198

وكتب عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إلى صاحب جيش الشام يوم فتحت: أن دع الناس يأكلون ويعلفون فمن باع شيئاً من ذلك بذهب أو فضة فقد وجب فيه خمس الله تعالى وسهمان المسلمين.
سحنون: وقاله فضالة بن عبيد.
قال ابن القاسم: وإذا ضم الوالي ما فضل من ذلك إلى المغنم ثم احتاج الناس إليه فلا بأس أن يأكلوا منه بغير أمر الإمام.
قال مالك: ومن أخذ طعاماً فاستغنى عنه فليعطه إلى أصحابه بغير بيع ولا قرض.
قال ابن القاسم: فإن أقرضه فلا شيء على المستقرض.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: فإن جهل فرده إليه من طعام يملكه فليرجع بما دفع إن كان قائماً وإن أفاته المدفوع إليه فلا شيء عليه كمن عوض من صدقة وظن أن

الجزء: 6 - الصفحة: 199

ذلك يلزمه أن يرجع في عوضه إن كان قائماً وإن فات فلا شيء له؛ لأنه هو الذي سلطه عليه.
قال بعض المتأخرين من شيوخنا القرويين: المسألتان مفترقتان؛ لأن الأولى إنما دفع إليه العوض [للشرط الذي وقع بينهما ومسألة الصدقة يعوض فيها إنما دفع إليه العوض] بطوعه.
قال الشيخ: والأول أصوب.
ون رد إليه هذا من طعام أهل الحرب فلا شيء للدافع منه كان ذلك قائماً أو فائتاً.
ومن المدونة قال ابن وهب: وما فضل معه من طعام أهل الحرب بعد أن رجع إلى بلده: فقال القاسم وسالم: يأكله، وكرها بيعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 200

وقال بعض الصحابة: كنا نأكل الجزور في الغزو ولا نقسمها حتى إن كنا نرجع إلى رحالنا وأخراجنا منها مملاة.
ابن القاسم قال مالك: وإذا خرج إلى بلده ومعه منه فضلة؛ أكله إن كان يسيراً ويتصدق بالكثير.
ابن المواز: يتصدق منه حتى يبقى اليسير فيكون له أكله مع أهله.
ومن المدونة قال سليمان بن موسى: لا باس أن يحمل الرجل إلى أهله من بلد العدو الطعام مثل القديد وغيره، فإن باع ذلك بعد بلوغه إلى أهله صار مغنماً.
قال مالك: وإذا أخذ هذا عسلاً وهذا لحماً وهذا طعاماً يتبادلونه ويمنع أحدهم صاحبه حتى يبادله فلا بأس به وكذلك العلف.

الجزء: 6 - الصفحة: 201

ابن المواز: وذكر أشهب أن مالكاً كرهه.
ابن حبيب: وكره بعضهم التفاضل بين القمح والشعير في هذا، وخففه آخرون وهو خفيف؛ لأن عليهم المواساة فيه بينهم.
قال: ومن جهل فباع بثمن واشترى جنساً آخر من الطعام فهو مكروه؛ لأنه إذا صار ثمناً ابتغى أن يرجع مغنماً بخلاف المبادلة.
ومن المدونة قال مالك -رضي الله عنه-: ولا بأس بما يأخذون من جلود يعملونها نعالاً أو خفافاً أو لأكفهم أو لغير ذلك من حوائجهم.
قال: وللرجل أن يأخذ من المغنم دابة يقاتل عليها أو يركبها إلى بلده إن احتاجها ثم يردها إلى الغنيمة.
قال ابن القاسم: فإن كانت الغنيمة قد قسمت باعها وتصدق بثمنها وكذلك إن احتاج إلى سلاح يقاتل به أو ثياب من الغنيمة يلبسها حتى يرجع إلى أهله وذلك بمنزلة الدابة.
وروى علي وابن وهب أن مالكاً قال: لا ينتفع بدابة ولا بسلاح ولا ثوب ولو جاز ذلك لجاز أن يأخذ دنانير فيشتري بها.
وقال بعض الرواة ما قال ابن القاسم واستحسنوه ورأوه صواباً.

الجزء: 6 - الصفحة: 202

قال ابن القاسم: ولو حاز الإمام هذه الثياب أو هذه الجلود ثم احتيج إليها فلهم أن ينتفعوا بها كما كان ذلك لهم قبل أن يحوزها الإمام.
قال ابن القاسم: وكل ما أذن النفع به من المغنم فبيع فإن ثمنه يرجع مغنماً ويخمس.
فصل قال مالك: ومن نحت سرجاً أو برى سهماً أو صنع مشجباً ببلد العدو فهو له ولا يخمس.
سحنون: معناه إذا كان يسيراً.
وقيل: إن كان له قدر أخذ إجارة ما عمل والباقي يصير فيئاً.
وكذلك في كتاب ابن المواز: ومن المدونة قال مكحول: إلا أن يجده مصنوعاً فيدخل في المغانم وإن كان يسيراً.
ابن وهب: وقال القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله: وما اكتسبه الرجل في أرض العدو من صيد طير أو حيتان أو من صنعة عبده للفخار فهو له وله أكل ثمنه وإن كثر.

الجزء: 6 - الصفحة: 203

وقال عيسى عن ابن القاسم: ما صاده الرجل من الحيتان والطير فلا شيء عليه في أكله وإن باع منه شيئاً جعل ثمنه في المغانم.
ابن حبيب: كل ما صنعه بيده من سرج أو سهم أو مشجب أو قدح أو قصعة وشبه ذلك؛ فله إخراج ذلك كله لمنفعة أو بيع عليه في ثمنه وإن كثر.
قال الشيخ: هذا كقول القاسم وسالم.
قال ابن حبيب: وأما ما وجده مصنوعاً في بيوتهم فلا يستأثر به وإن دق.
قال: وكذلك ما صاد بأرضهم من طير ووحش وحوت فهو أحق به وبثمنه وله الخروج به إلى أهله ومواساته به أحب إلي وليس بلازم وهو شيء لم يملكه العدو، وأما البزاة وما يصاد به مما يعظم قدره فليرده في المقاسم وإن باعه رد الثمن، وهذا قول كثير من التابعين ومالك وأصحابه إلا ابن القاسم فقال: كل ما نض ثمنه من هذا صار مغنماً.
ابن حبيب: والكلب الصائد يباع في المقاسم فإن لم يوجد له ثمن أخذه من شاء أو يقتل كغير الصائد.
وفي العتبية قال ابن كنانة وعبد الملك في كلب الصيد: أنه يباع ويجعل ثمنه في المغنم.

الجزء: 6 - الصفحة: 204

وقال ابن القاسم وأصبغ: لا يباع وهو داخل في النهي وليس القضاء بقيمته كابتداء بيعه وليقتل أو يترك لمن يأخذه.
أصبغ: يقتل إن كان كثير الثمن أحب إلي.
فصل قال عبد الوهاب: ويعاقب من غل وذلك تأديباً له؛ وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «الغلول عار ونار وشنار على صاحبه».
وروي أن رجلاً مات فدعي النبي -صلى الله عليه وسلم- ليصلي عليه فامتنع وقد قال: «صلوا عليه صاحبكم فإنه قد غل» ففتشوا رحله فوجدوا خرزات لا تساوي درهمين.
قال: ولا يقطع؛ لأنه خائن وقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا قطع على خائن».
ولا يحرم سهمه؛ لأنه قد استحقه بحصول سببه من القتال والحضور.
وقوله -عليه السلام-: «من رأيتموه غل فاحرموه سهمه وأحرقوا رحله» إنما كان ذلك على وجه التغليظ.

الجزء: 6 - الصفحة: 205

ابن المواز قال مالك: إن ظهر عليه قبل أن يتوب؛ أدب وتصدق بذلك إن افترق الجيش، وإن لم يفترق رد في المغنم.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن جاء تائباً لم يؤدب.
قال سحنون: كالزنديق والراجع عن شهادته قبل أن يعثر عليه.
وقال مثله ابن حبيب.
قال: وإن انتصل منه عند الموت فإن كان أمراً قريباً ولم يفترق الجيش؛ فهو من رأس ماله، وإن كان أمراً قد طال أخرج من ثلثه.
فيما ضعف المسلمون عن حمله من الغنيمة أو من أموالهم من ماشية أو دواب أو متاع أو غير ذلك قال مالك -رضي الله عنه-: وما ضعف المسلمون عن النفوذ به من بلدهم من ماشية ودواب أو متاع مما غنموه أو كان من متاعهم أو قام عليهم من دوابهم فليعرقبوا

الجزء: 6 - الصفحة: 206

الدواب ويذبحوها، وكذلك جميع الماشية ولا تترك للعدو ينتفع بها، وأما المتاع والسلاح فإنه يحرق.
قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الدواب أنها تحرق بعد ما عرقبت.
ابن حبيب: قال المصريون: تعرقب أو تذبح أو يجهز عليها.
وقال المدنيون: يجهز عليها، وكرهوا أن تذبح أو تعرقب، وبه أقول؛ لأن الذبح مثلة والعرقبة تعذيب؛ وقد جاء النهي عن تعذيب الحيوان، أو يعذب بعذاب اللله وهو النار.
قال غيره: ويكره تحريق النحل وتغريقها لنهيه -صلى الله عليه وسلم- عن تعذيب الحيوان إلا لمأكلة.
وونهى عنه علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.

الجزء: 6 - الصفحة: 207

ولأنها تنتقل إلى ديارنا كحمام الأبرجة، فإن كانت بموضع يكثر نفعهم بها ويؤذيهم تلفها؛ جاز ذلك فيها لأنها ليست بأعظم حرمة من الخيل والأنعام.
[وبأثر كلام لأصبغ قيل: فإن أراد أخذ العسل فخاف أن تلدغه النحل فيريد أن يغرقها حتى تهلك.
قال: لا بأس بذلك.
وبأثر كلام أبي إسحاق: ولا ينبغي أن يترك من الغنيمة ماله قدر؛ كالجواهر وشهبه، وليترك إذا عجزوا عن حمله ولا ثمن له كثير، ويؤخذ ماله الأثمان].
ابن حبيب: وما عجز الإمام عن حمله من الأثاث والمتاع ولم يجد له ثمناً فلا بأس أن يعطيه لمن شاء؛ فإن لم يجد من يخذه فليحرقه، وإن لم يحرقه ثم حمله أحد فلا خمس عليه فيه ولا قسم، وكذلك من أعطاه له الإمام.
قال: ومن اشترى رقيقاً من السبي فعجز عن حملهم فتركهم ثم أخذهم أحد من أهل هذا الجيش، أو ممن دخل من غيرهم؛ فإن تركهم الأول في حوز الإسلام فهم له ويغرم للجائي بهم أجر مؤونتهم ومن كان فيهم من عجوز أو شيخ فهم أحرار؛ لأن ترك مثلهم كالتحرير لهم قاله من أرضي.
قال الشيخ: وقوله في العجوز والشيخ ليس على الأصل ولا يكونون أحراراً إلا أن يتركهم على ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 208

قال ابن حبيب: وإن تركهم في حوز العدو فهم لمن جاء بهم، ولا عتق للشيوخ منهم؛ لأنه لم يخلهم وهو يملكهم ملكاً تاماً.
م: وهذا أيضاً ليس على الأصل، وكيف لا يملكهم ملكاً تاماً وهو له أن يطأ ويبيع ولو أعتق لم يكن له فيه الرجوع؟ وقد قال محمد عن أشهب فيمن اشترى شيئاً من السبي فعجز عن بعضهم فتركه؛ فدخلت خيل أخرى فأخذته؛ فهو لصاحبه الأول.
محمد صواب؛ ما لم يكن رقيق أعتقهم فتركهم على العتق.
فصل ومن المدونة قال: ابن القاسم: ولا يستعان بالمشركين في القتال: لقوله -عليه السلام-: «لن أستعين بمشرك».
ولأن الأنصار قالوا يوم أحد: ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا حاجة لنا فيهم».
قال ابن القاسم: ولا باس أن يكونوا نواتية أو خدماً.
يريد: لأن النهي إنما ور فيما يستعان بهم في القتال.

الجزء: 6 - الصفحة: 209

قال ابن حبيب: في الزحف والصف وشبهه، فأما في هدم حصن أو رمي بالمجانيق أو صنعة أو خدمة فلا بأس به.
م: رميهم بالمجانيق قتال.
ابن حبيب: ولا باس للإمام أن يقوم بمن سالمه من الحربين على من لم يسالمه منهم بالسلاح ونحوه، ويأمرهم بنكايتهم، ولا بأس أن يكون من سالمه منهم بحذاء عسكره وقربه ومسايرين له يقوون بظله على من حاربه منهم ما لم يكونوا في داخل عسكره.
[قال بعض المتأخرين: وكل هذا انتصار بالكفار؛ والقرآن والحديث يؤيده].

باب في الأمان ومن يجوز أمانه أم لا

وقد أمر الله سبحانه رسوله -صلى الله عليه وسلم- بالوفاء بالعهود والأمان من ذلك.
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ويجير على المسلمين أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من سواهم».
وقال لأم هانئ: «قد أمنا من أمنت يا أم هانئ».

الجزء: 6 - الصفحة: 210

قال ابن حبيب: فأدناهم يقول: الدني من حر أو عبد أو امرأة أو صبي يعقل الأمان فإنه يجوز أمانه، ولا ينبغي للإمام أو غيره أن يغدره وليوف له بذلك أو يرده إلى مأمنه.
وقوله: «ويرد عليهم أقصاهم» أي: ما غنموا من أطرافهم يجعل خمسه في بيت المال.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وأمان المرأة جائز عنده، وكذلك عندي: أمان العبد والصبي إذا كان الصبي يعقل الأمان.
قال غيره: إنما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أم هانئ وفي ابنته زينب: «قد أمنا من أمنت» من بعد ما أنزل الأمان وقد يكون ذلك من إجازته هو النظر والحيطة للدين وأهله، ولم

الجزء: 6 - الصفحة: 211

يجعل ذلك أمراً يكون بيد أدناهم لا خروج للإمام عنه، ولكن الإمام ينظر فيما فعل بالاجتهاد.
قال عبد الوهاب: وقاله عبد الملك.
فوجه الأولى: قوله -صلى الله عليه وسلم- يجير على المسلمين أدناهم.
وهذا عام، وقد أجاز من أجارته أم هانئ، وكذلك العباس مع أبي سفيان.

الجزء: 6 - الصفحة: 212

ووجه الثانية: أنه لا يؤمن أن يكون في ذلك ضرر على المسلمين فكان موقوفاً على رأي الإمام.
ولأنهم لو أرادوا استرقاق الأسارى، أو المن عليهم وأبى الإمام كان ذلك له، فكذلك الأمان.

الجزء: 6 - الصفحة: 213

م: وأصحابنا يحملون قول الغير هذا ليس بخلاف لمالك؛ بخلاف ما تأول أبو محمد عبد الوهاب؛ وهو أصوب.
ومن المدونة قال إسماعيل بن عياش: سمعت أشياخنا يقولون: لا جوار للصبي ولا للمعاهد فإن أجارا فالإمام مخير؛ إن أحب أمضاه وإلا فليبعثه إلى مأمنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 214

وقال الليث والأوزاعي: في الذمي يكون من المسلمين فيعطي لمشرك أماناً فلا يجوز أمانه ويرد المشرك إلى مأمنه.
قال سحنون: لا يجوز أمان الذمي بحال، وأما الصبي فليس أمانه أماناً إلا أن يجيزه الإمام للقتال فيصير له سهم؛ فالإمام مخير في إجازة أمانه أو رده إلى مأمنه، فإن لم يجزه الإمام للقتال فأمانه باطل.
وذكر محمد في أمان المرأة والصبي والعبد مثل ما في المدونة.
قال: وأما أمان من ليس بمسلم فليس بشيء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يجير على المسلمين أدناه» يقول: من هو منهم.
فإن أمنهم الذمي فلا أمان لهم وهم فيء قاله مالك.

الجزء: 6 - الصفحة: 215

قال محمد: فإن قالوا: ظنناه مسلماً فقد اختلف فيه قول ابن القاسم: فاقل مرة: هم فيء.
وقال أيضاً يرون إلى مأمنهم.
محمد: وهو أحب إلينا.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن المواز: ولو قالوا: علمنا أنه ذمي وظننا أن أمانه يجوز لذمته منكم كما يجوز أمان أدناكم من عبدكم وصغيركم؛ فلا أمان لهم وهم فيء.
وقال ابن حبيب.
[قال ابن إسحاق: في هذا ضعف، والأشبه في هذا كله أن يردوا إلى مأمنهم لأن هذا فيه شك ولا تباع الذمي بالشك].
ابن سحنون: وإذا أمر أمير العسكر أن يؤمن فأمن فذلك جائز وهو رسول، وكان ينبغي أن يرسل مسلماً إلا أن يبعثه ليكلمهم بلغتهم، وإن أمنهم الذمي عن رجل مسلم من العسكر فقال: قد أمنكم فلانٌ المسلم، أو قال: فلان.
فإن علموا أنه ذمي فلا أمان لهم؛ لأنه لا أمان له على نفسه فكيف على غيره؟ وهم فيء فإن قالوا: ما علمنا أنه ذمي فهي شبهة.
ابن حبيب: ولا ينبغي لأحد من الجيش أن يؤمن أحداً غير الإمام وحده وذلك قدم وينبغي أن يتقدم إلى الناس بذلك ثم إن أمن أحدٌ قبل نهيه أو بعد، فالإمام مخير إما أمنه أو رده إلى مأمنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 216

ابن سحنون: ولو قال الإمام لأهل الحرب: من دخل إلينا بأمان فلان أو بأمان أحد من المسلمين فهو ذمة لنا لا ندعه يخرج أو فهو رقيق فهو على ما قال وذلك نافذ، وكذلك لو قال في حصار حصن: من خرج إلينا منكم بغير أمان الأمير فهو فيء أو مباح الدم؛ فهو كذلك.
ومن المدونة: ومما روي أن عمر -رضي الله عنه- كتب إلى سعيد بن عامر وهو يحاصر قيسارية أن من أمنه منكم حر أو عبد من عدوكم فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم

الجزء: 6 - الصفحة: 217

فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وإذا أمنه بعض ممن تستعينون به على عدوكم من أهل الكفر فهو آمن حتى يرد إلى مأمنه أو يقيم فيكم، وإذا نهيتم عن الأمان فأمن أحدٌ منكم أحداً منهم ناسياً أو عاصياً أو لم يعلم أو جاهلاً؛ رد إلى مأمنه ولا سبيل لكم عليه إلا أن

الجزء: 6 - الصفحة: 218

يشاء أن يقيم فيكم فيكون على الحكم في الجزية، وكذلك إن أشار أحد منكم إلى أحد أن هلم فإنا قاتلوك؛ فأتانا يظن أنه أمان ولم يفهم ما قال، وكذلك إن جاءكم رجل منهم مطمئناً تعلمون أنه جاء متعمداً فإن شككتم فيه فلا تردوه إلى مأمنه واضربوا عليه الجزية، ومن وجدتم في عسكركم منهم لم يعلمكم بنفسه حتى قدرتم عليه فلا أمان له ولا ذمة، واحكموا فيه بما هو أفضل للمسلمين.
قال سحنون في كتاب ابنه: قول عمر في هذا به يقول أصحابنا إلا قوله: فإن شككتم فإنهم إذا قدروا عليه ولم يبينوا ذلك فهم فيء ورقيق للمسلمين.
م: وقول سحنون هذا خلاف لما في المدونة.
وقد قال مالك في الرومي: يؤخذ وهو مقبل إلينا فيقول: جئت أطلب الأمان؛ فهذا الأمر مشكل، ويرد إلى مأمنه، فيصير في المسألة ثلاثة أقوال: قول مالك هذا، وقول عمر: إنه يضرب عليه الجزية، وقول سحنون: إنه فيء.
ومن كتاب ابن سحنون وابن حبيب: وذكر حديث عمر فيمن يقول للمشرك: لا تخف ثم يقتله؛ فمن فعل ذلك ضربت عنقه.
قال سحنون قال مالك: ليس هذا الحديث بالمجتمع عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 219

وقال ابن حبيب: قال مالك: ذلك تشديد من عمر ولا ينبغي أن يقتل.
قال ابن حبيب: وسمعت بعض أهل العلم يقولون فيمن رمى مشركاً بالقتل فتقاه المشرك.
فقال له المسلم لا تخف أو لا بأس عليك ثم أسره فأراد قتله؛ فإن كان أراد بقوله: لا تخف؛ تأمينه من الضربة لا من القتل؛ فله قتله.
وإن أراد تأمينه من القتل فلا سبيل له إلى قتله فإن قتله فعليه قيمته يجعلها في المغنم.
قال ابن سحنون: وقال ابن وهب عن مالك: والإشارة بالأمان كالكلام، وليتقدم الإمام إلى الناس في ذلك.
وذكر ما روي عن عمر في القائل للعلج.
مترس وهو بالفارسية: لا تخف.
قال سحنون: فهو أمان.
وكذلك إن نادوهم بالأمان بأي لسان من قبطية أو فارسية أو رومية أو غيرها فذلك أمان؛ كان ذلك على لسان يعرفه العدو أم لا يعرفه.
فصل قال سحنون: وأمان الخوارج لأهل الحرب جائز، وكذلك لرجل حربي ولا ينكث ذلك الإمام حتى ينبذ إلى الحربين إن كانوا في منعة وإلا فليبعثهم إلى مأمنهم ثم ينبذ إليهم

الجزء: 6 - الصفحة: 220

إذا رأى ذلك وكان عنده على غير نظر، وإن كان خوارج لهم منعة أمنوا قوماً حربيين على أن يخرجوا إليهم فيكونون معهم بدار الإسلام فقاتلوا فظهر على الجميع بعد قتال أو قبل فلا يستباح الحربيون لسبي ولا أخذ مال؛ لأنه انعقد لهم أمان الكون بدار الإسلام، ومن قتل منهم قتيلاً فليس له سلبه وإن كان الإمام قد نقل الأسلاب، وليسوا كالحربيين الذين أمنهم الخوارج على أن يخرجوا من دار الحرب ليقاتلونا معهم، هؤلاء على أصل الحرب ولم يذكروا أماناً فليس خروجهم أماناً.
فصل ومن كتاب ابن المواز وابن سحنون قال أشهب فمن شذ من سرية بدار الحرب فأسره العدو فلما أحسوا بالسرية طلبوا من الأسير الأمان فأمنهم؛ فإن كان آمناً على نفسه جاز أمانه وإن كان خائفاً لم يجز أمانه والأسير مصدق.
ابن المواز: وإن اختلف قوله أخذ بقوله الأول.

الجزء: 6 - الصفحة: 221

وقال سحنون: لا أرى أمانه أماناً، ولا أصدق أنه أمنهم غير خائف؛ لأن المسلمين قدروا عليهم وهذا ضرر على المسلمين، وهل يقدر الأسير إلا طلبوه في الأمان إلى يؤمنهم.
ابن المواز قال ابن القاسم: إذا أمنهم عن تهديد بالقتل فلا أمان لهم، وأما إن قالوا: نخليك وتأمننا.
فأمنهم فهو أمان جائز.
قيل له: أنه بأيديهم ويخاف إن لم يفعل قتلوه أو غنموه؟ قال: وما يدريه، بل أمانه جائز؛ إن كان ذلك منه بعد أن أشرف عليهم المسلمون ولو شاءوا أن ينقذوا قدروا على ذلك وتخلصوا.
ابن حبيب: إن هددوه بالقتل وقالوا له أمنا ونخلوك.
ففعل؛ فلا أمان لهم إلا أن يخلوه بغير شرط؛ فإن أمنهم وهو على نفسه آمن فذلك جائز ويقبل قول الأسير قاله من أرضاه.
وهذا الباب موعب في كتب أصحابنا وفيما ذكرنا منه كفاية.
[وإن أسر العدو مسلماً ثم أمنوه على أن لا يهرب لم يكن له أن يهرب ولذلك إن أعطاهم عهداً ألا يهرب وتركوه يتصرف لم يكن له أن يهرب؛ لأنه وإن كان مكرهاً على العهد فإن ذلك يؤدي إلى الضرر بالمسلمين والتضييق على ما في أيديهم من الأسارى، ويرون المسلمين لا يوفون بعهد، فإن خلوه على أن حلف بالطلاق أو العتق على أن لا يهرب جاز له الهروب بخلاف الأول؛ لأنهم في مسألة العهد لم يجعلوا له الهروب بوجه

الجزء: 6 - الصفحة: 222

وهذا جعلوا له ذلك ويقع عليه الطلاق والعتق، وأيضاً يرون أنه أبى طلاق زوجته وعتق عبده على المقام ثم لا يلزمه ذلك لأنه مكره].
في تكبير المرابطين وفي الديوان والجعائل قال مالك -رحمه الله-: ولا بأس بالتكبير في الرباط والحرس على البحر ورفع الصوت به بالليل والنهار وأنكر التطريب.
ومن كتاب الغضب قيل لمالك: إنا نكون في الثغور فيقال: نهى الإمام أن يحرس إلا بإذني.
قال: ويقول أيضاً: لا تصلوا إلا بإذني؛ فلا يلتفت إلى قوله، وليحرس الناس.
وفي الباب الأول ذكر فضل الرباط وثوابه مستوعباً.
فصل قيل لابن القاسم: فما قول مالك في الدواوين؟ قال: أما مثل ديوان مصر والشام والمدينة مثل دواوين العرب؛ فلم ير مالك به بأساً.
يري: لا بأس أن يكتب فيه.
قيل: فإن تنازع رجلان في اسم مكتوب في العطاء فأعطى أحدهما الآخر مالاً على أن يبرأ له من ذلك الاسم.

الجزء: 6 - الصفحة: 223

قال مالك: في رجل زيد في عطائه فأراد بيع تلك الزيادة بعرض أنه لا يجوز.
قال ابن القاسم: فكذلك ما اصطلحا عليه لا يجوز؛ لأن الذي أعطى الدراهم إن كان هو صاحب الاسم فقد أخذ الآخر ما لا يحل له، وإن كان الذي أخذ الدراهم هو صاحب الاسم لم يجز له؛ لأنه لا يدري ما باع قليل بكثير أو كثير بقليل ولا يدري ما مبلغ حياة صاحبه فهذا غرر لا يجوز.
[قال أبو إسحاق: وإنما أراد أن الطعام إنما خرج لزيد بن عمر بمائة دينار فجاء رجلان اسم كل واحد منهما زيد بن عمر فقال كل واحد منهما: أنا ذلك الرجل ولي يكون العطاء، فإذا لم يعلم ذلك تحالفا وقسماه، وأثبتها السلطان جميعاً، إن رأى ذلك، أو أحدهما.
ولو كانت المائة إنما هي لخروجه وليست بعطاء من الأعطية الثابتة للناس لنظر السلطان فأيهما رأى أن يخرجه ويعطيه المائة فعل وخلاه وأثبته وأسقط الآخر، لأنها إنما تعطى لمكان خروجه، فإذا لم يره أهلاً للخروج أخرج غيره، والذي أراد في الكتاب الأعطية الثابتة؛ فلذلك لم يجز أن يزيد أحدهما صاحبه شيئاً، ولا أن يشتري أحد الزيادة التي زيدت في العطاء؛ لأنها مؤبدة، وأما لو زيد في العطاء فأراد رجل أن يشتري تلك الزيادة منه سنة أو أعطاه كله سنة؛ لجاز ذلك.
وإذا سمى الإمام الخارجين فلا يجعل لرجل ممن سماه الإمام لرجل آخر أن يخرج عنه إلا بإذن الإمام؛ لأن الإمام يثق بخروج من سماه، فقد يأتي هو بمن هو دونه، أو من لا يقوم مقامه، أو يرى الإمام أن تسمية من سمى اولى عنده من خروج غيره، وأما إذا قال: يخرج من البعث الفلاني مائة وأعطى بعضهم لبعض على أن يخرج عنه، فقال للإمام: أنا أخرج؛ جاز ذلك؛ لأن الإمام لم يسم أحداً.
ولو قال: يخرج جملة أهل الصيف فأراد

الجزء: 6 - الصفحة: 224

بعضهم أن يجعل لمن بعثه في الربيع ما جاز إلا بإذن الإمام؛ لأنه قد عين من يخرج فلا يخرج غيرهم إلا بإذنه، وينبغي أنه إذا أتاه بمن يقوم مقامه ألا يكلفه الخروج إذ لا ضرر عليه في ذلك وهذا جائز إلا لمن أوقف نفسه لهذا يلتمس الزيادة فمتى وجدها خرج فيكره ذلك].
قال الأوزاعي أوقف عمر للصحابة الفيء وخراج الأرضين للمجاهدين ففرض منه للمقاتلة والعيال والذرية فصار ذلك سنة لمن بعده فمن افترض فيه ونيته الجهاد فلا بأس به.
قال ابن محيريز: أصحاب العطاء أفضل من المتطوعة؛ لما يروعون.
وقال مكحول: روعات البعوث تنفي روعات يوم القيامة.
فصل قال مالك: ولا بأس بالجعائل في البعوث، لم يزل الناس يتجاعلون عندنا بالمدينة بجعل القاعد للخارج، وربما خرج لهم العطاء وربما لم يخرج، وقد أدى القاعد للخارج مائة دينار في بعث في أيام عمر.

الجزء: 6 - الصفحة: 225

قال ابن القاسم: وهذا إذا كانوا أهل ديوان واحد؛ لأن عليهم سد الثغور، وإن جعل لمن ليس معه في ديوان ليغزو عنه فلا يعجبني، وقد كره مالك لمن في السبيل كعسقلان ونحوها أن يؤاجر فرسه لمن يغزو به أو يرابط عليه فهو إذا أجر نفسه أشد كراهية.
قال ابن عباس: لا بأس بالطوى من ماحوز إلى ماحوز إذا ضمنه الإنسان.
وقال يحيى بن سعيد: لا بأس بالطوى أن يقول: خذ بعثي وآخذ بعثك وأزيدك كذا.

الجزء: 6 - الصفحة: 226

قال شريح: يكره من قبل أن يكتتبا، فأما بعد الكتابة فجائز، إلا لمن انتصب من ماحوز إلى ماحوز يريد الزيادة في الجعل.
[قال أبو إسحاق: يريد أن الخروج حضور أن ذلك في هذه الخرجة وحدها، وأما أن يقول له ولم يحضر الخروج: خذ بعثي وآخذ بعثك، وما كان لي فهو لك وما كان لك فهو لي وأن يرد كذا فهذا الدين بالدين، ولهذا المعنى كره أن يعتقد الطوى قبل الكتبة، لعله يريد قبل حضور ما يأخذانه وحلوله، فأما إذا كان لم يتقدم لهما كتبة فلم يجب لهما شيئاً يخرجان فيه فلا فائدة في إعطاء أحدهما الآخر على شيء ليس هو ملزوم به ولا مجبور عليه].
قال ابن عمر ومكحول: من أجمع على غزو فلا بأس أن يأخذ ما أعطين وأما من لا يخرج إلا لما يعطى؛ فلا خير فيه.
قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: إن كان إنما يغزو من أجل الجعل فليس له أجر.
وقال الرسول -عليه السلام- للمجتعل أجر ما احتسب وللجاعل أجر الجاعل والمحتسب.

الجزء: 6 - الصفحة: 227

ومن كتاب ابن سحنون قال مالك: ولا بأس بالكراء في الغزو إلى القفل من بلد العدو، وفيه للناس توسعة، وكذلك على أن زوادهم إلى القفل؛ لأن وجه غزوهم معروف.
قيل: وقد تختلف الطريق ويكون المقام نحو الشهر وأكثر وأقل.
قال: وجه ذلك معروف.
م: وإذا غزا رجل عن رجل من أهل ديوانه بأجرة؛ فالسهمان للذي استأجره، وقد نزلت عندنا فأفتى شيوخنا بذلك، وكذلك حكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين.
جامع ما جاء في أخذ الجزية وقتال الخوارج قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أهل المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
قال ابن حبيب: يعني في أخذ الجزية.
قال الزهري: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- صالح أهل الأوثان على الجزية إلا من كان منهم من العرب.
وقال ابن وهب: لا يقبل من العرب إلا الإسلام إلا من دخل منهم في ملة.

الجزء: 6 - الصفحة: 228

وقال سحنون: ما أعرف هذا، وتؤخذ الجزية عن مجوس العرب وغيرها؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
وقد قال أشهب: في الأمم كلها إذا بذلوا الجزية قبلت منهم.
[قال أبو إسحاق: وما قاله أشهب هو ظاهر المدونة وهو الصواب؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب» وهذا لفظ عام، وكل من يتمسك بكتاب فاسم المجوسية واقع عليه، ولا فرق بين مال الكفر أنها راجعة إلى أن ذلك كفر، ولا فرق بين اعجمي وعربي.
ومن المدونة] قال مالك: وأخذ عثمان الجزية من مجوس العرب.
قال ابن القاسم: والأمم كلها عندي بمنزلة المجوس.
وقد قال مالك في الفزازنة -وهم جنس من الحبشة-: لا يقاتلوا حتى يدعوا إلى الإسلام، ففي قوله هذا إذا لم يجيبوا دعوا إلى إعطاء الجزية ويقروا على دينهم، وكذلك الصقالبة، والترك، والأبر، وغيرهم من الأعاجم ممن لا كتاب لهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 229

م: قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير دين الإسلام، إلا ما أجمع عليه من كفار قريش، فلا جائز أن يجري عليهم ذل ولا صغار، وهو إما الإسلام وإما السيف، ولا يرخص لهم على المقام بالكفر بأداء الجزية.
وفي كتاب القرويين: أن قريشاً أسلمت كلها يوم الفتح فإذا وجد كافر منهم كان مرتداً والمرتد لا تؤخذ منه الجزية لأنه لا يسترق.
م: وهو الصواب.

الجزء: 6 - الصفحة: 230

فصل قال مالك: ويستتاب أهل الأهواء من الإباضية والحرورية والقدرية وغيرهم؛ فإن تابوا وإلا قتلوا إذا كان الإمام عدلاً.
وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من غير دينه فاقتلوه».
وقال في قوم مرقوا ببدعتهم يمرقون من الدين، فكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أول من قاتلهم.
قال ابن القاسم: وإن خرجوا على إمام عدل فأرادوا قتاله ودعوى إلى ما هم عليه؛ دعوا إلى السنة والجماعة فإن أبوا؛ قاتلوا.
وسئل مالك عن أهل العصبية الذين كانوا بالشام؟ فقال: أرى للإمام إن يدعوهم إلى الرجوع إلى مناصفة الحق بينهم؛ فإن رجعوا وإلا قوتلوا.
[قال أبو إسحاق: وظاهر هذا أنهم وإن لم يلبثوا بدارهم ولا دعوا إلى بدعتهم لمخالفتهم الإجماع وقدحهم في الصفات وعند الفقهاء أنهم يتوارثون؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-:

الجزء: 6 - الصفحة: 231

«ويتمارى في الفوق» فكأنه أبقى لهم شيئاً فيكون قتلهم على هذا التأويل حداً كحد الزاني والزنديق إذا ظهر عليه وأنكر، كنا نصلي عليه ونورثه.
وقد اختلف المتكلمون في تكفيرهم بمآل قولهم الذي سد عليهم طريق المعرفة بالله تعالى.
فقيل: يكفرون بذلك وعلى هذا لا يتوارثون.
وقيل: لا يكفرون بمآل قولهم؛ لأنهم لم يقولوا، وهذا ظاهر الفقهاء.
وإن كان قد أطلق بعض أصحابنا على من قال: بخلق القرآن أنه كافر.
فهذا على القول الذي يكفر بمآل القول.
وقيل: يضربون ويسجنون ولا يقتلون إلا أن يبينوا بدارهم ويدعوا إلى بدعتهم، وكذلك فعل علي -رضي الله عنه- بالخوارج لم يقاتلهم حتى بانوا بدارهم ودعوى إلى بدعتهم فقاتلهم وقتلهم، ولا تستباح نساؤهم ولا أموالهم وما استهلكوه من الأموال فلا غرم عليهم فيه، وما كان قائماً أخذ من أيديهم، ولم يحدوا فيما وطئوا؛ لأنهم فعلوا ذلك بتأويل وعلى دين يرون أنه صواب، فليسوا كالمحاربين.
ومن رمى منهم امرأة بما استحلوا منها من وطء وقال لها يا زانية: حد.

الجزء: 6 - الصفحة: 232

قال ابن الجهم: تؤخذ الجزية من كل من دان بغير الإسلام إلا ما أجمع عليه من كفار قريس كما تقدم الكلام عليه].
ابن سحنون قال سحنون في الخوارج: إنما قاتلوا وقتلوا لبدعتهم وسماهم النبي -صلى الله عليه وسلم- مارقين قال: «ويتمارى في الفوق» ولم يسميهم كفاراً، وسن علي بن أبي طالب قتالهم بما كان عنده من النبي -صلى الله عليه وسلم- من العلم فيهم فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم ومواريثهم قائمة، ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك، وإنما قوتلوا بالسنة وبما أحثوا من البدعة؛ فكان ذلك كحد يقام وليس قتلهم يوجب تكفيرهم كما لم يوجب مثل المحارب تكفيره، ولا قتل المحصن تكفيره، وأموالهم لهم، ولهم حكم المسلمين في أمهات الأولاد وعدد النساء والمدبرين والوصايا، ويرد ما أخذوه للمسلمين إلى أربابه، ولا يتبعوا بما سفكوا من دم، ونالوا من فرج، ولا بقود، ولا بدية، ولا صداق، ولا حد، وما لم يعرف به من الأموال أوقف لأهله فإن أيس منهم تصدق به، ولم يثبت عندنا أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أجاز الانتفاع بسلاح الخوارج ما دامت الحرب قائمة.

الجزء: 6 - الصفحة: 233

ومن المدونة قال مالك -رحمه الله- في الخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا: وضعت الدماء عنهم ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه وما استهلكوه فلا يتبعون به، وإن كانوا أملياء؛ لأنهم متأولون بخلاف المحاربين؛ أولئك إذا تابوا إنما يسقط عنهم حد الحرابة ولا يوضع عنهم من حقوق الناس شيء قال ولا يصلي على القدرية ولا الإباضية ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم.
قال سحنون: أدباً لهم.
ابن وهب قال ابن شهاب: هاجت الفتنة الأولى فرأى جماعة من البدريين إسقاط القصاص والحدود عمن قاتل في تأويل القرآن فقتل، ولا حد على امرأة سبيت ولا بينها وبين زوجها ملاعنة ويحد قاذفها بها وترد إلى زوجها الأول بعد أن تنقضي عدتها من زوجها الآخر.
ابن وهب: ذكرت الخوارج واجتهادهم عند ابن عباس فقال ابن عباس: ليسوا بأشد اجتهاداً اليهود والنصارى ثم هم يضلون.

الجزء: 6 - الصفحة: 234

قال الشيخ: وإذا سبى الخارجي حرة فأولدها لحق الولد به إذ لا حد عليه في ذلك لما عذر بالتأويل، وكذلك إن سبى أمة فأولدها فلا حد عليه ويلحق به الولد ويكون حكمها كحكم المستحقة من يد مشتريها، ويدخله الاختلاف الذي دخلها.
وقاله بعض أصحابنا.
ابن وهب قال أبو سعيد الخدري: بينما نحن عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يقسم قسماً إذ أتاه ذو الخويصرة رجل من بني تميم فقال يا رسول الله: اعدل.
فقال رسول الله

الجزء: 6 - الصفحة: 235

-صلى الله عليه وسلم-: «ومن يعدل إذا لم أعدل خبت وخسرت إن لم أعدل» فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي أن أضرب عنقه.
فقال: «دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ينظر إلى نصله لا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نضيه فلا يوجد فيه شيء، وهو القدح، ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء، سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة أو مثل البعضة تدردر يخرجون على خير فرقة من الناس».
قال أبو سعيد: ولقد شهدت مع علي بن أبي طالب قتالهم فأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الذي نعت.
مسألة في قتال الخوارج لم أروها وقرأتها على شيخنا أبي الحسن القاضي فصوبها قال ابن سحنون: وافترض الله عز وجل قتال الخوارج فقال تبارك وتعالى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي

الجزء: 6 - الصفحة: 236

تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} فوجب على المسلمين جميعاً بهذه الآية قتال الخوارج وأهل العصبية وهذا إذا كان الإمام عدلاً، وأما إن لم يكن عدلاً وخرج عليه عدل فعليك الخروج مع العدل حتى يظهر دين الله، وإن كان الخارجي غير عدل فيسعك الوقوف إلا أن تراد نفسك ومالك فادفع عن نفسك ومالك وعن ظلم المسلمين إن قدرت، وإن كانوا يطلبون الوالي الظالم؛ فلا يجوز لك الدفع عنه، ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل كان هو القائم أو المقوم عليه، ولا يجب على المسلمين قتال الفئة الباغية إلا مع الولاة إن رأوا الفساد ظاهراً، ولا قيام لله بحق المسلمين إلا بالاجتماع والتولية على أنفسهم من يقوم بالحق، ولا يكون الإمام إلا من قريش لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تكون الأئمة إلا من قريش»؛ لأن الله لم يخل من

الجزء: 6 - الصفحة: 237

قريش عدلاً، ومن قام من غير قريش بالعدل والحق، يدعو إلى العدل؛ فحينئذ يجب على الناس نصرته، وإن لم يدع فلا نصرة له على الناس، قال ذلك مالك وغيره من أكابر أهل المدينة، وإنما منع مالك من القيام يومئذ لأنه لم يقم إمام عدل، وليس يرى القيام إلا مع العدل من قريش فهذه مذاهبنا وبالله التوفيق.
مسألة: روى عيسى عن ابن القاسم قال سئل مالك: عن الوالي إذا قام عليه قائم يطلب إزالة ما بيده هل يجب علينا أن ندفع عنه غيره؟ قال: أما مثل عمر بن عبد العزيز فنعم.
وأما غيره: فلا، ودعه وما يريد منه، ينتقم الله من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَاسٍ شَدِيدٍ﴾.
قال: وسئل مالك إذا بايع الناس رجلاً بالإمارة ثم قام رجل آخر ودعا الناس إلى البيعة فبايعه بعضهم؟ فقال: قد روى معاوية أن المبايع الثاني يقتل؛ وهذا عندي إذا

الجزء: 6 - الصفحة: 238

كان الأول عدلاً، وأما إن كان مثل هؤلاء فليس له بيعة إذا كانت بيعته على الخوف، والبيعة للثاني إذا كان عدلاً، وإلا فلا بيعة لهما تلزم.
قال مالك: ولابد من إمام بر أو فاجر.
قال أبو إسحاق: والحديث الذي رواه معاوية أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «إذا كان في الأرض خليفتان فاقتلوا أحدهما»، وقد بلغني أنه كان يقال: «لا تكرهوا الفتن فإن فيها حصاد المنافقين».
والله عز وجل أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 239

وهذا

باب جامع لوجوه شتى مما يتعلق بالجهاد

ومن كتاب ابن حبيب: روي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج في سفره يوم الخميس باكراً ويرجع يوم الاثنين باكراً.
بيد إذا رجع فيصلي ركعتين في المسجد ثم يحدث أصحابه ساعة ثم يدخل.
وروي أنه كان يصلي ركعتين قبل أن يخرج.
وكان -عليه السلام- يبعث السرايا أول النهار.
قال ابن مسعود: من خرج إلى سفر فليأت إخوانه يسلم عليهم ويرتجى بدعائهم خيراً فإذا قدم فليأتوه.
وكان النبي -صلى الله عليه وسلم-: إذا استوى على بعيره يريد سفراً كبر ثلاثاً

الجزء: 6 - الصفحة: 240

وقال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم يسر لنا في سفرنا هذا التقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم ازو لنا الأرض وهون علينا السفر واطو لنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل والمال، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنقلة وسوء المنظر في الأهل والمال».
وكان -صلى الله عليه وسلم- إذا بعث جيشاً أو سرية يوصيهم فيقول: اغزوا بسم الله وعلى عون الله وامضوا بتأييد الله بالنصر ولزوم الصبر، قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ولا تجنبوا عند اللقاء، ولا تمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، ولا تقتلوا هرماً، ولا امرأة، ولا وليداً، ولا تغلوا عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وأبشروا بالرباح في البيع الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم).

الجزء: 6 - الصفحة: 241

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «خير الصحابة أربعة، وخير الطلائع أربعون، وخير السرايا أربع مائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن تغلب اثنا عشر ألفاً من قلة إلا باختلاف كلمتهم».
«ونهى عن الوحدة في السفر وغيره».
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله تعالى العافية، فإذا لقيتموهم فاثبتوا واذكروا الله تعالى».
وفي حديث آخر: «فإذا صاحوا فعليكم بالصمت والسكينة، ولا تنازعوا

الجزء: 6 - الصفحة: 242

فتفشلوا، وإذا أتوكم فاثبتوا، وأكثروا ذكر الله تعالى، وعليكم بالأرض، وقولوا: اللهم أنت ربنا وربهم ونواصينا ونواصيهم بيدك وإنما تغلبهم أنت فاهزمهم بطولك، فإذا غشوكم فقوموا غضوا أبصاركم واحملوا على بركة الله تعالى».
وكان -صلى الله عليه وسلم-: يبرز إلى غزوه حين تزول الشمس، وكان يقول: «اللهم منزل الكتاب مجري السحاب هازم الأحزاب اهزمهم لنا وانصرنا عليهم وزلزل بهم».
وفي العتبية قيل لمالك: هل بلغك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يتحرى قتال العدو بعد الزوال؟ قال: ما بلغني ذلك، وما كان قتاله يوم خيبر ويوم أحد إلا أول النهار.

الجزء: 6 - الصفحة: 243

فصل قال ابن حبيب: ولم يزل الشعار من أمر الناس.
قال ابن عباس: كان الشعار يوم بدر: "يا منصور"، ويوم حنين: "حم لا ينصرون"، وشعارهم حين انهزموا: "يا أصحاب سورة البقرة تخضيضا".
فصل ومن العتبية من سماع ابن القاسم: وينبغي لإمام الجيش ألا يعجل على أصحابه ويكون في وسطهم.
وقال أيضاً مالك فيه وفي الواضحة: ينبغي أن يكون الإمام في آخرهم حتى يتقدمه الضعيف ويلحق به المنقطع.
وكان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- يفعل ذلك.
ابن حبيب وأوصى عمر بن العزيز صاحب الطائفة أن يركب أضعف دابة في الجيش يضبط سيرها.

الجزء: 6 - الصفحة: 244

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «عليكم بسير الليل، وإذا سرتم في الخصب فأمكنوا الدواب من أسنانها ولا تجاوزوا المنازل، وإن سرتم في الجدب فعليكم بالدلج، وإياكم والتعريس في جواب الطريق، والصلاة عليها، وإذا ضل أحدكم أو أخطأ فليتيامن، فإذا أعيا فليهرول، وادنوا من الماء وأقلوا المكث في المنازل».
فصل وينبغي لإمام الجيش أن يوكل بالساقية رجالاً في دخوله دار الحرب وفي خروجه يلحقون بمن تخلف ويقفون على الضعيف ومن معه دابة لا فضل فيها أمروه بتركها فإن أبى نزعوها منه وتركوها وألحقوه بالناس، ولا ضمان عليهم فيها، وكذلك إن كان معه بقر أو غنم اشتراها من المغنم فلم يقدر أن يلحق بالناس؛ فعلى أصحاب الساقة قتل ذلك إن خافوا على الرجل، وإن تركوها وألحقوا ربها بالناس ثم مرت بها سرية لحقوا العسكر بعد ساعة أو يوم أو يومين فقام ربها، فإن كان بقي خلف ربها بقية من المسلمين فليس لأهل الساقة أن يحولوا بينها وبين ربها، فإن فعلوا فهم ضامنون لما قتلوا أو هلك منها،

الجزء: 6 - الصفحة: 245

وإن فعلوا ذلك ولم يعلموا بمن خلفهم لم يضمنوا؛ ولربها أخذها ممن قام بها من خلفه، ويؤدي إليه ما أنفق عليها وإلا أسلمها إليه، والقول قوله فيما يشبه من النفقة، فإن اختلف في مدة النفقة: فقال المنفق: من وقت كذا، وقال ربها: من وقت كذا، أو قال: لا أدري.
فالمنفق مدعي؛ فإن جاء بالبينة وإلا فلا شيء له إلا ما أقر به ربها، ولو أنفقوا عليها وهم يظنون أنها للعدو غنيمة؛ فلا رجوع لهم بالنفقة على ربها؛ كما لو غنموا عبداً من أيدي العدو للمسلمين فلربه أخذه بغير نفقة ولو قسمت أخذها بالثمن فلا نفقة؛ لأنهم إنما أنفقوا على أموالهم.
م: والقياس إن أخذه ربه قبل القسمة أن عليه النفقة لأنه يأخذه بغير ثمن ولو هلك كان منه، ولو كانت له غلة كانت لسيده ممن عليه الضمان؛ فله الخراج وعليه النفقة، كقولهم: فيمن رد عبداً بعيب فلا رجوع له بالنفقة؛ لأن ذلك كان في ضمانه، وكان له خراجه، فكذلك عليه نفقته، وأما ما أنفق عليه بعد القسمة فلا رجوع لهم بالنفقة؛ لأنهم أنفقوا على أموالهم وما كان ضمانه منهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 246

فصل قال ابن حبيب: اختلف ي قول الله سبحانه: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ الآية فقيل -وهم الأكثر-: يعني ضعفاً في العدد لا في القوة والجلد؛ فلا يحل أن يفر الرجل من رجلين، ولا المائة من المائتين، وإن كانوا أشد منهم سلاحاً، وأظهر جلداً وقوة؛ إلا أن يكونوا بأرض العدو وموضع مادتهم؛ فلهم حينئذ في الانحياز عنهم التولية منهم سعة.
وقيل: إنما ذلك في القوة والجلد؛ فلو أن مائة مسلم لقوا ثلاثمائة أو خمسمائة ليسوا مثلهم في القوة والجلد لم يجز لهم التولية عنهم فإنما الضعف في القوة لا في العدد، وهذا قول ابن الماجشون وروايته عن مالك وبن أقول.
م: إنما ذلك إذا تساووا أو تقاربوا في العدد فتلقى المائة منا المعدة بالخيل والسلاح مائتين من الشرك معدين مثل عدتنا أو قريباً منها، وأما إن تلقى مائة منا غير معدة مائتين منهم معدة فلا؛ لأن الواحد المعد بكفاءة عشرة غير معدين؛ فإنما تحمل الآية على الاستواء في العدد والمقاربة فيه والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 247

قال ابن حبيب: لم يأخذ مالك بقول عمر: "أنا فئة لمن انحاز إلي" وهو بالمدينة، وإنما ذلك إلى رأس الجيش وولاته.
قال ابن المواز: إنما الانحياز إلى والي جيشه الأعظم الذي دخل معه وربما تكون سرية دون سرية فتنحاز المتقدمة إلى من خلفها ممن يليها، ثم تنحاز إذا ما جاءهما أكثر من مثلهما إلى من يليها حتى يبلغ الانحياز من الجيش الأعظم، ووليهم الأكبر.
وقاله عبد الملك: والله أعلم بما يخرج من سخطه.
وقال عن مالك: لا يجوز الانحياز إلا عن بين وضعف من السلطان ولهم السعة أن يثبتوا للقتال أكثر من الضعفين والثلاثة وأكثر من ذلك، وإن كانوا يجدون مصرفاً عنهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 248

قيل: فإن علموا أنهم مقتولون إن ثبتوا؟ قال: فأحب إلي أن ينصرفوا عنهم إن وجدوا إلى ذلك سبيلاً، فإن لم يجدوا: فلهم أن يقاتلوا حتى يقتلوا.
[فصل وسئل ربيعة عن مدينة حاصرها العدو فضعفوا عن قتالهم وليس عندهم ما يكفيهم؛ أيخرجون لقتالهم أم يصبرون حتى يموتوا جوعاً؟ قال: بل يخرجون للقتال أحب إلي.
قال ابن سحنون: ولو بلغ بهم من الجوع حتى لا يقدروا على القتال فإن طعموا أن في الإخراج منجاة ومفاداة قد عرف ذلك من العدو في غيرهم؛ فليخرج إليهم، وإن كانوا يقتلونهم فليصبروا للموت جوعاً.
وقال أبو إسحاق: لهم الخروج إلى القتال فلعل ذلك روح لهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 249

وقد اختلف في المركب من المسلمين [تلقى عليها النار]؛ هل [يثقل] الرجل نفسه ليغرق؟ فقيل: ذلك له؛ لأنه فر من موت إلى موت أيسر منه؛ وعلى هذا: إذا أيقن الإنسان بمثل هذه الأشياء التي هي تعذيب له وأيقن بالهلكة أنه يفر منها إلى موت هو أيسر منها فلا يكون قاتلاً لنفسه.
وقد قال ربيعة أيضاً: إن صبر فهو أكرم له، وإن اقتحم فقد عوفي، ولا بأس به إن شاء الله].
فصل ابن المواز: وسئل عن الرجل بين الصفين يدعو إلى المبارزة؟ قال: إن صحت نيته فلا بأس بذلك وقد فعل فيما مضى.
ابن حبيب: سمعت أهل العلم يقولون: لا بأس بالمبارزة وذلك على قدر النية.
ولا

الجزء: 6 - الصفحة: 250

يكون ذلك إلا بإذن الإمام، قرب ضعيفٍ يقتل؛ فيهد الناس، ولا بأس أن يعضد إذا خيف عليه، وقيل: لا يعضد؛ لأنه لم يوف بالشرط، ولا يعجبنا، لأن العلج إذا أسره يجب علينا أن نستنقذه إذا قدرنا، وقد برز يوم بدر حمزة

الجزء: 6 - الصفحة: 251

وعلي وعبيدة بن الحارث بن عبد المطلب إلى عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة

الجزء: 6 - الصفحة: 252

والوليد بن عتبة، فبرز حمزة لعتبة فقتله، وبرز علي للوليد فقتله، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فكر عليه حمزة وعلي فاستنفذاه من يده.
فصل ومن كتاب محمد بن عبد الحكم روى أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في قول الله سبحانه: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾ الآية.
أن القوة: الرمي.
قال ذلك ثلاث مرات، وكان يعجبه الرجل أن يكون فارساً رامياً سابحاً.
ابن حبيب: وقال ابن عباس: القوة السلاح كله والعدة في سبيل الله.
وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من تقلد سيفاً في سبيل الله ألبسه الله وشاح الكرامة».

الجزء: 6 - الصفحة: 253

وكان يأمر بالقوس العربية ويكره الفارسية، وأمر بالعمة وعمم علياً بعمامة سوداء أسدل منها بين كتفيه، وبعثه في سرية.
قال: «ومن أعد عدة في سبيل الله كانت له في ميزانه كل غداة».
وكتل عمر -رضي الله عنه- إلى أهل حمس: "علموا أولادكم السباحة والرماية والفروسية والاختفاء بين الأغراض".

الجزء: 6 - الصفحة: 254

وقال: "اختفوا وتجردوا واخشوشنوا وتمعددوا واقطعوا الركب، وانزوا على الخيل نزوا، وارموا الأغراض، إياكم ولباس العجم، البسوا الأزر والأردية، والقوى السراويلات، واستقبلوا حر الشمس بوجوهكم فإنها سامات العرب، واطرحوا الخفاف والبسوا النعال".
قال أسلم مولى عمر: رأيت عمر يمسك بإذن فرسه ثم يمسك بإذن نفسه ثم ينزو عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 255

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- «كل لهو يلهو به المؤمن باطل إلا في ثلاث: تأديبه فرسه، ورميه عن كبد قوسه، وملاعبته امرأته فإنهن حق».
وقال: «من ترك الرمي بعد أن تعلمه فقد عصاني».
وروي أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لهوان تحضرها الملائكة؛ الرمي واستباق الخيل».

الجزء: 6 - الصفحة: 256

وقال -صلى الله عليه وسلم-: «الخيل معقودة في نواصيها الخير إلى يوم القيامة».
وقال: «ارتبطوا فإن بطونها لكم كنز، وظهورها عز، وأصحابها معانون عليها».
ونهى عن جز نواصيها وأعرافها وأذنابها.
وقال: مثل الذي يرتبط فرساً كمثل الصائم نهاره القائم ليله الباسط بالصدقة كفه فلا يقبضها.
[والفضل في رباط الخيل والترغيب فيها والنفقة عليها كثير جداً].
وكره -صلى الله عليه وسلم- خصاء الخيل وشدد في ذلك ونهى عنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 257

قال: في الخيل: «خضرها أصلبها، وكمتها ديباجها، وشقرها جيادها.
وبارك في الشقر ثلاثاً».
وروي أنه قال: «خير الخيل الحر وكان يكره منها الشكال»، وهو الذي برجله اليمنى بياض وبيده اليسرى بياض أو في يده اليمنى ورجله اليسرى.
وروي أنه قال: «خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم المحجل ثلاثاً طلق اليمنى فإن لم يكن أدهم فكميت على هذا الشية».
ونهى عن إنزاء الحمر على الخيل.
ونهى عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وعمر بن العزيز.

الجزء: 6 - الصفحة: 258

وقال -عليه السلام-: «الخيل لرجل أجر، ولرجل ستر وعلى رجل وزر؛ فأما الذي هي له أجر: فرجل ربطها في سبيل الله فأطال لها في مرج أو روضة فما أصابت في طيلها ذلك في المرج أو الروضة كانت له حسنات ولو أنها قطعت طيلها ذلك فاستنت شرفاً أو شرفين كانت آثارها وأرواثها حسنات له ولو أنها مرت بنهر فشربت منه ولم يرد أن تسقى به كان ذلك له حسنات فهي له أجر، ورجل ربطها تغنياً وتعففاً ولم ينس حق الله في رقابها ولا ظهورها فهي لذلك ستر، ورجل ربطها فخراً ونواء لأهل الإسلام فهي على ذلك وزر».
فصل وسابق النبي -صلى الله عليه وسلم- بين الخيل التي قد أضمرت من الخفياء وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وأن عبد الله بن عمر كان ممن سابق بها.

الجزء: 6 - الصفحة: 259

وكانت القصوى ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا تدفع في سباق إلا سبقت حتى سبقت يوماً فاكتأب الناس لذلك فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا رفعوا شيئاً وضعه الله».
وسابق عمر بين الخيل، وكتب به ولم يزل يراهن بين الخيل منذ زمن النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الآن وهو جائز وإن جهل جري فرسه ومبلغ رمي الرامي إذا تناضلا بالسهام.
ومن كتاب ابن مزين وغيره: قال ابن المسيب: لا بأس برهان الخيل إذا كان فيها محلل، يتراهن الرجلان يخرج هذا سبقاً وهذا سبقاً ويدخل بينهما ثالث لا يخرج شيئاً فإن سبق المحلل أخذ وإن سبق لم يأخذ شيئاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 260

قال محمد بن عبد الحكم: إذا سبق المحلل أخذ سبق الرجلين وإن لم يسبق هو وسبق أحد الرجلين أخذ السابق سبق صاحبه ولا شيء على المحلل، وهذا لا يقوله مالك، وإنما يجوز عنده أن يجعل الرجل سبقه خارجاً بكل حال كسبق الإمام فمن سبق فهو له.
م: يريد أن يتسابق رجلان ويخرج ثالث سبقاً ولا يجري معهم فمن سبق من الرجلين أخذ ذلك السبق.
قال مالك: ولا بأس أن يجري معهم الذي جعل السبق فإن سبق هو كان السبق للمصلي إن كانت خيلاً كثيرة وإن لم تكن غير فرسين فسبق واضع السبق فالسبق طعم لمن حضر.
وروي عنه: أنه أجاز أن يشرط واضع السبق إن سبق أحد أخذ السبق وإن سبق هو أخذ سبقه وكذلك الرمي نَضَلَ أو نُضِلَ.
والمصلي: هو الثاني من السابق؛ سمي بذلك؛ لأن جحفلته على صلا السابق وهو أصل ذنبه، ويقال للعاشر: السكيت، ومن الثاني إلى العاشر لا يسمى إلا بتسمية العدد.
قال محمد: وكراهية مالك في المحلل إنما هو على قوله أنه يجب إخراج السبق بكل حال، وفي قياس قوله الآخر: أنه جائز وبه أخذ وهو قول ابن المسيب وابن شهاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 261

قال ابن شهاب: ويكون المحلل ممن لا يأمنان أن يذهب بالسبقة، فإن أدخلا من يأمنان ألا يذهب بها فهو كالرهان بلا محلل فلا يجوز، ولا بأس أن يخرج أحدهما خمسة والآخر عشرة إن كان بينهما محلل في الخيل والإبل، ولا بأس بسباق الخيل مع الإبل، يجري الفرس مع الجمل، ولا بأس أن يجعلا سرادقاً من دخله الأول كان السابق، أو يخطان خطاً من جازه أولاً فهو السابق، وإذا تراهنوا على الخيل فسقط فارس أو ألقاه فرسه في الطريق أو زاع عنها حتى سبق، أو سقط الفرس فانكسر فإن كانوا خيلاً جماعة؛ فالرهان بين ما بقي من الخيل قائمة، وإن كانا فارسين فالذي رأيت أهل الخيل أن يعد الذي بلغ الغاية سابقاً وما لهذا وجه، وهذه علة لا توجب السبق عندي، ورأيتهم إذا سقط الفارس وجرى فرسه عارياً ثم وثب عليه آخر فأجراه إلى الغاية فإنهم يعدونه سابقاً، وقد احتج من رأى هذا: أن هذا يدعوهم إلى التحفظ فيما يستقبل؛ ويقولون: لو جاز هذا لطرح من خاف السبق نفسه عن فرسه وقال: سقطت، وفي هذا فساد

الجزء: 6 - الصفحة: 262

الرهان، وقد يحتج من لا يراه مسبوقاً أن هذه الأمور لا بد أن ينزل مثلها فلا يحسب مسبوقاً.
قال محمد: ولم أر بين الرماة اختلافاً أن السبق بالرمي يبدأ في رمي سهمه ثم يرميان سهماً بينهما حتى يفرغا من الرشق ثم يبدأ المسبوق كذلك في الرشق الثاني هكذا حتى يفرغ الرمي إلا أن يشترطوا غير ذلك، ولا بأس أن يناضله على أنه إن نضله أعتق عنه عبده، أو عتقه عن نفسه، أو على أن يعمل له عملاً معروفاً، أو على أن يتصدق بالسبق، أو يفي له الغرض، أو يشتري له حصراً يجلسون عليها، ولا بأس أن يتراهن حزب وحزب أو واحد واحد أو اثنان اثنان أو أكثر، ويدخلان بينهما محللاً، إن نضل المحلل أخذ من الحزبيين، وإن نضل أحد الحزبيين أخذ من الحزب الآخر، ولا بأس أن يخرج هذا ديناراً وهذا دينارين، أو هذا شاة وهذا بقرة، وبينهما محلل وقد طعن فيه طاعن في دينار ودينارين، وهو عندي جائز؛ لدخول المحلل بينهما، كما بدخوله جاز في دينار ودينار عنده، وفيما ذكرنا كفاية، وبالله التوفيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 263

فصل

وهذا

باب في الأمور المحصنة من التغرير الداعية إلى الصبر والنصر

روي أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال لخالد بن الوليد حين وجه إلى قتال أهل الردة احرص على الموت يوهب لك الحياة.
ووجه أبو مسلم قوماً إلى العدو فقال لهم: اشعروا قلوبكم الجرأة عليهم؛ فإنها سبب الظفر، وأكثر ذلك الضغائن؛ فإنها تخص على الإقدام، والزموا الطاعة فإنها حصن المحارب.

الجزء: 6 - الصفحة: 264

وقالت الحكماء: على مقدار الصبر على المصائب تكون شجاعة النفس، واعلم أن عماد كل صناعة وثبات كل جماعة القيم العالم بالسياسة، المتحمل للرئاسة، فيجب أن يكون صاحب الجيش مطبوعاً في صناعته، شجاعاً في إقدامه، جباناً في تحرزه، صادقاً في نبته، مستيقظاً في حركته، ذكياً في بديهته رؤوفاً برعيته، فإذا اجتمع لمقدام الجيش ما ذكرناه تولد في فكره من أنواع الحيل ووجوه المكايد في حال يتصرف فيها من محاربة عدوه ما يكون مؤدياً إلى الظفر إن شاء الله فأقل هذه الصفات السياسة، [يريد: الرئاسة، يريد: لين في غير ضعف، وشدة في غير عنف، وحسن

الجزء: 6 - الصفحة: 265

السياسة تولد الرئاسة، قدم الخوف على الرجاء، احذر العجل تأمن الزلل، تقحم الحرب تشجع القلب، الهزيمة تحل العزيمة، الحيل أبلغ من العمل، الرأي السديد أجرأ من الأثر الشديد، أظهر خلاف عزمك مورياً عنه ... أخف من جواسيس عدوك، شدة الصبر فاتحة النصر، توق مشاورة الجاهل، لا تشاور من تميل به رغبته أو رهبته، خل العدو حتى يزحف إليك، أو تصد الفرص حتى يقال أيضاً: التأخر بعد التمكن هزيمة، والتسرع في غير قوة تورث النكد، يسير النكث يكسر معظم العسكر، داو القلوب بما يقويها قدر زحفك وزحف العدو إليك، قدم أهل الظن، احذر العدو الباطن، احذر الإخلال بالمراكز، لا تجرنك ورطة سلمت منها على معاودة مثلها، احذر كيد الجواسيس، أطع الكبير يطعك الصغير، احذر كيد المستأمنة إليك، اعمل على أن كل من في عسكرك عين عليك، خالف الإعجاب تجد الصواب، ألطف الأمر قبل إرهان المكر، قدم أهل الشجاعة أمامك، لا تنس وضع الكمين عند اللقاء، احذر كمين عدوك، في هذه الحال لا ترض بأن تأخذ من عدوك مثل الذي تعطيه، قوة النفس في الحرب أبلغ من قوة البدن، كن في عسكرك مجهولاً عند لقاء العدو، لا تستصعب العدو فتقهر، لا تستهزئ بأوليائك فتهون على أعدائك، إن بخلت بالمال على أعوانك جدت به على أعدائك، لا تدع المقدمة المنكوبة تدخل العسكر إلا في ستر، لا تحارب بمن لا يخافك، لا تحارب بمن لا يرجوك، لا تحارب بمن لا يحتاج إليك، لا تبلغ في آثار المنهزمين، احذر التعرض للنهب إلا بعد الإبلاغ في النكاية، تفقد نفسك عند المواقعة، لا تهمل التعبئة عند المناوشة فإن فساد التعبئة من أعظم الخلل، بذل الأمان عند دفعك على العدو فرصة، احذر اختلاف أصحابك، استمل رؤساء

الجزء: 6 - الصفحة: 266

عدوك، لا تجعل النهر وراءك عند الزحف، إذا حاربت عدوك فعده كفئا، بالغ في الهزيمة ثم تعرض للغنيمة، ومن خفر ضمانه بطل أمانه، أخر الحرب ما استطعت فإن النفقة فيها من النفوس، فإن لم يكن منها بد فاجعلها آخر النهار وليعظهم، وقد يلتقي الجمعات والموت فيهما فيقتل من ولي ويسلم من حمل.
وروي أن عمر -رضي الله عنه- سأل عمرو بن معدي كرب عن الحرب فقال: الحرب مر المذاق فإذا كشفت عن ساق من وقف فيها عرف، ومن هرب منها تلف، وهي كما قال القائل: الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوزاً غير ذات خليل شمطاء جزت رأسها وتنكرت ... مكروهة للشم والتقبيل

الجزء: 6 - الصفحة: 267

وحكي أن الأحنف بن قيس نظر إلى سيف مع رجل فأخذه فهزه ثم قال لصاحبه: إن سيفك لجيد لولا قصر فيه، فقال الرجل: يطيل قصره خطوة، فقال: يا ابن أخي المشي إلى الصين أسهل من تلك الخطوة.
تم كتاب الجهاد الثاني من الجامع لابن يونس بحمد الله وعونه وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم].

الجزء: 6 - الصفحة: 268

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم وسليما كتاب الأيمان والنذور في النذور والأيمان بالحج والعمرة ونذر المشي في ذلك وفي غيره وفي الاستثناء في المشي وغيره قال الله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ فلزم بذلك كل ما عقد من أعمال البر في يمين أو غيرها.
وقال: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.
وقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
وأمر بطرح ما ليس بطاعة الله.

الجزء: 6 - الصفحة: 269

وأمر الذي نذر أن يمشي القهقري إلى الكعبة أن يمشي لوجهه.
واللذين نذرا أن يمشيا في قران أن يحلا قرانهما.
وقال -عليه السلام-: «لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد -فذكر مسجده والمسجد الحرام ومسجد إيلياء-».
قال مالك -رحمه الله-: فمن أوجب على نفسه المشي إلى الكعبة في نذر أو يمين حنث بها فعليه الوفاء به، وقال ابن عمر وغيره.
قال ابن المواز: ولا كفارة في ذلك لقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فيلطع» ولم يجعل فيه كفارة؛ والحج والعمرة من الطاعات، فمن قال: فيه كفارة فقد خالف ما أمره الرسول -صلى الله عليه وسلم- به.

الجزء: 6 - الصفحة: 270

ومن المدونة قال مالك -رحمه الله-: فمن قال: علي المشي إلى مكة أو إلى بيت الله أو قال: إن فعلت كذا فعلي المشي إلى مكة إلى بيت الله فحنث؛ لزم المشي إلى مكة إلى شاء في حجة أو عمرة، وإحرامه في ذلك من ميقاته لا من موضعه.
قال: وقوله: أنا أحج إلى بيت الله، أو فعلي حجة، أو لله علي حجة؛ سواء ويلزمه الحج.
ابن المواز: إن شاء راكباً أو ماشياً إذا لم يقل علي المشي.
ومن المدونة قال مالك: وإن أكثر من النذور بالمشي إلى مكة ما لا يبلغه عمره؛ فلا يجزيه إلا أن يمشي ما قدر عليه من الزمان، ويتقرب إلى الله بما استطاع من خير.
قال بعض فقهائنا: فإن عجز هذا فركب فلا يرجع ثانية لأجل ركوبه وعليه الهدي لذلك ورجوعه إنما يكون لباقي نذره فأعلمه.
[قال أبو إسحاق: وما لم يبلغه عمره أو عجزت عنه مقدرته ساقط عنه.
وقوله يتقرب إلى الله تعالى بما استطاع إليه من الخير ندب؛ لأن من أوجب على نفسه ما قدرة له عليه سقط عنه.
قال]: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إن كلمت فلاناً، فكلمه؛ فعليه المشي إلى مكة، وله أن يجعله في حجة أو عمرة، فإن جعله في عمرة؛ مشى حتى يسعى بين الصفا

الجزء: 6 - الصفحة: 271

والمروة، فإن ركب بعد سعيه وقبل أن يحلق فلا شيء عليه، وإن جعله في حجة مشى حتى يقضي طواف الإفاضة، فإذا قضاه فله أن يركب في رجوعه من مكة إلى منى وفي رمي الجمار بمنى.
ابن المواز: وقد قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: آخر النسك الطواف بالبيت.
وقال ابن حبيب: إذا عجل طواف الإفاضة فلا يركب في رجوعه إلى منى ولا في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه.
ومن المدونة قال مالك: وإن أخر طواف الإفاضة حتى يرجع من منى فلا يركب في رمي الجمار، وله أن يركب في حوائجه، كما له إذا وصل إلى المدينة أو المناهل ماشياً أن يركب في حوائجه، أو تذكر في طريقه وهو سائر حاجة نسيها فليرجع وراءها راكباً.
قال أبو محمد: وإنما يعني ابن القاسم بقوله في الأم: وأنا لا أرى به بأساً: يريد في حوائجه لا في الجمار.

الجزء: 6 - الصفحة: 272

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو مشى في حجه كله وركب في الإفاضة فقط لم يعد ثانية وأهدى؛ لأن مالكاً قال: إذا مرض في طريقه فركب الأميال أو البريد أو اليوم -ابن المواز قال مالك-: أو اليومين ومشى البقية لم يعد ثانية وأهدى.
ومن المدونة قال مالك: ولو مشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ثم خرج إلى عرفات وشهد المناسك والإفاضة راكباً رجع قافلاً راكباً فركب ما مشى ومشى ما ركب.
م: لأنه ركب يوم التروية ويوم عرفة وأيام الرمي وفي الإفاضة وهذا كثير.
ولأن ركوبه وقع في مواضع أعمال الحج فهو أشد من مشى في الطريق اليوم واليومين فلذلك أوجب الرجوع عليه.
قال ابن المواز: قال مالك: ويهدي أحب إلي من غير إيجاب، ولم يره في الهدي مثل من عجز في الطريق.

الجزء: 6 - الصفحة: 273

م: يريد عجزاً يوجب عليه فيه العودة أم لا؟ قال ابن القاسم: لأن بعض الناس لم يوجب عليهم العودة في المشي إذا بلغ مكة وطاف ورأى أن مشيه قد تم وأرخص له في الركوب إلى عرفة فلذلك عندي لم يوجب عليه مالك الهدي.
قيل لابن المواز: فلم لم يقطع المشي إذا انتهى إلى البيت وهو إنما أوجب على نفسه المشي إلى البيت؟ قال: لأنه جعله في حج.
وقد قال الله تبارك وتعالى في البدن: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ وليس لها محل في الحج إلى بمنى.
[قال محمد: واجب لمن عليه المشي وهو صرورة أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج، ويمشي بعد قضاء حجة، وإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في عمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضة.
وقال مالك: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره، وقد] قال عمر: آخر النسك الطواف بالبيت.

الجزء: 6 - الصفحة: 274

ومن المدونة قال مالك: ويمشي الحالف من حيث حلف إلى أن ينوي موضعاً يمشي منه فله نيته وإن لم يحرك بذلك لسانه.
قال ابن المواز: فلو حلف بمصر وحنث بالمدينة؛ فليرجع إلى مصر حتى يمشي منها، ومن حلف بالمشي إلى مكة وهو بمكة فحنث فليخرج حتى يمشي من الحل؛ فأنه لا يحرم أحد بعمرة ويحل منها في الحرم فإن جهل فأحرم من مكة فليخرج راكباً ثم يرجع من الحل ماشياً.
قال: وكذلك لو نوى أن يحرم ساعة فحنث؛ فلا بد أن يخرج وغن كان الإحرام قد لزمه.
وروي عن مالك هذا الحالف إن حالف في غير المسجد الحرام فليمش إلى البيت من موضع حلف فإن حلف في المسجد فهذا يخرج إلى الحل.
قال عبد الملك: وإذا حلف وهو في مسجد بلده أو في موضع منه فحنث؛ فليمش من تلك المدينة من حيث شاء منها ويجزئه.
قال ابن المواز: وإذا حنث بغير البلد الذي حلف فيه وهو ممن لا يقدر على المشي فليرجع إلى ذلك البلد ثم يمشي منها ما قدر ثم يركب ويهدي.

الجزء: 6 - الصفحة: 275

قال أصبغ: إن كان قريباً ليس عليه فيه كبير مشقة رجع وإلا مشى من حيث حنث وأهدى.
م: وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عمن حلف بالمشي إلى مكة وهو بصقلية فحنث هل يمشي من أقرب بر إليها من الإسكندرية لأن عادتهم في السير إلى الحج إنما هو منها؟ فقال: إنما عليه أن يمشي من الإسكندرية؛ لأنه الغالب من فعلهم إذا أرادوا الحج إنما ينزلون بالإسكندرية، وأما بر إفريقية فإنما يأتون إليه على باب التجارة.
وقال أبو عمران: بل يلزمه المشي من بر إفريقية؛ لأنه أقرب بر إليها.

الجزء: 6 - الصفحة: 276

م: وهذا أبين لأن عادات [الناس بذلك يمشون من بر إفريقية إلا أن تكون له نية فيحمل على نيته، أو لا تكون له نية فيحمل على عادات] الحالفين.
ومن المدونة قال ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: من نذر مشياً من بلد فليحرم من ميقاته الذي وقت له لا من موضع نذره.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال إن كلمت فلاناً فأنا محرم بحجة أو بعمرة.؟ قال: أما الحجة فإن حنث قبل أشهر الحج لم يلزمه أن يحرم بها حتى تأتي أشهر الحج إلا أن ينوي أنه محرم من يوم حنث فيلزمه ذلك وإن كان في غير أشهر الحج.
وأما العمرة: فعليه أن يحرم بها وقت حنثه إلا أن لا يجد صحابه فليؤخر حتى يجد فيحرم حينئذ.
وقال سحنون: يحرم؛ وإن لم يجد صحابه أقام على إحرامه.

الجزء: 6 - الصفحة: 277

وحكي عن أبي محمد أنه قال: العمرة لا وقت لها؛ فلذلك وجب أن يحرم بها وقت حنثه، والحج له زمان وهي الأشهر؛ فمتى حنث قبلها لم ينبغ له أن يحرم بالحج حتى تدخل الأشهر، وهذا إذا كان يصل من بلده إلى مكة [في أشهر الحج، فأما إن كان لا يصل من بلده إلى مكة] حتى يخرج أشهر الحج؛ فإن هذا يلزمه الإحرام من وقت حنثه.
م: يريد: يلزمه الإحرام من وقت يصل فيه إلى مكة ويدرك الحج.
وحكي لنا عن أبي الحسن ابن القابسي أنه قال: بل يخرج من بلده غير محرم فأينما أدركته أشهر الحج أحرم.

الجزء: 6 - الصفحة: 278

م: وقول أبي محمد أولى، لأن معنى قوله: أنا محرم بحجة؛ أي إذا جاء وقت خروج الناس خرجت أنا محرماً، على ذلك يحمل قوله وعليه يدل لفظه.
وفي كتاب ابن المواز ما يؤيده.
قال فيه في موضع: يحرم في أشهر الحج.
وقال في موضع آخر: يحرم في أوان الحج؛ فهذا يدل على صحة تأويل أبي محمد، والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإحرامه في ذلك بحج أو بعمرة من موضعه لا من ميقاته إلا أن ينويه؛ فله نيته.
م: بخلاف من قال: علي المشي إلى مكة فهذا يحرم من ميقاته جعل مشيه في حج أو عمرة.
قال مالك: وإن قال: أنا محرم يوم أكلم فلاناً فإنه يوم يكلمه يحرم.
قال: وقوله: يوم أفعل كذا فأنا أحرم بحجة، كقوله فأنا محرم بحجة.
قال سحنون: قوله: فيأنا محرم؛ يوجب عليه الإحرام من حين حنث، وقوله: فأنا أحرم؛ لا يكون محرماً حتى يحرم ويقال له: أحرم.
وقال إبراهيم والشعبي: إن قال: إن فعل كذا فهو محرم بحجة؛ فليحرم إن شاء من عامه، أو متى ما تيسر عليه.
وإن قال: يوم إن أفعل؛ ففعل فهو يومئذ محرم.

الجزء: 6 - الصفحة: 279

فصل قال مالك: ومن لزمه المشي إلى مكة فخرج ماشياً فعجز في مشيه فليركب فيما عجز فإذا استراح نزل، وعرف أماكن ركوبه من الأرض، ثم يعود ثانية فيمشى أماكن ركوبه، ولا يجزيه أن يمشي عدة أيام ركوبه، إذ قد يركب موضع ركوبه أولاً، وليس عليه في رجوعه ثانية، وإن كان قوياً أن يمشي الطريق كله ولكني يمشي ما ركب فقط ويريق دماً، وقاله ابن عمر وابن عباس، قال ابن عباس: وهديه بدنة.
قال ابن المواز: فإن مشي الطريق كله في عودته فلا هدي عليه؛ لأنه لم يعرف مشيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 280

قال: وهذا إذا لم يكثر ركوبه، فأما من كثر ذلك منه فكان يمشي عقبة ويركب عقبة؛ فليرجع ويمشي الطريق كله ولا هدي عليه، قاله مالك.
قال مالك: وأما من ركب يوماً أو ليلة -قال في موضع آخر- أو يومين ومشي باقي ذلك؛ لم يرجع وليهد، فإن لم يجد صام عشرة أيام، [وليس كمن جعل فركب في المناسك؛ يرجع قابلاً حتى يمشي ما ركب ولا يلزمه هدي إلا أن يشاء، وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن وجب عليه مشي فمشى حتى بلغ المدينة فأقام بها شهراً ثم خرج ماشياً في عمرة حتى دخل مكة فطاف وسعى فقد فرغ من مشيه ولا شيء عليه.
م:] وإنما لزمه الهدي بخلاف من عجز في موضع المناسك؛ لأن هذا لم يوجب عليه العودة فجبر بعض مشيه بالهدي، والذي مشي في المناسك أوجب عليه العودة لمشيه في مواضع الحج، وخفف عليه في الهدي؛ لأن بعض الناس رأى: أن مشيه إذا بلغ مكة قد تم فلم يجمع عليه مالك مع العودة الهدي إيجاباً.

الجزء: 6 - الصفحة: 281

وقال ابن حبيب: من مشى في نذر لزمه فركب في بعض الطريق من غير ضرورة ولا ضعف يقتضي ذلك؛ فهذا يبتدأ في المشي بخلاف ذي العذر وجعله كمفطر في صوم متتابع، وحكاه عن بعض أصحاب مالك.
م: وهذا خلاف ظاهر المدونة ولا فرق على مذهب ظاهر المدونة بين من ركب لعذر أو لغير عذر.
وقد قال في كتاب محمد: من جهل فركب في المناسك فليرجع يمشي ما ركب، والجاهل عندنا كالعامد، وليس ذلك كصيام التتابع؛ لأنه لو لم يصل تتابع المشي ولكن كسر في كل منهل أياماً لا أجزأه ذلك المشي بإجماع.
قال ابن حبيب: ولا يرجع في ركوبه اليوم فأقل منه، ويرجع في أكثر منه.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: وإذا عجز فركب ثم رجع ثانية فلم يتم مشيه في المرة الثانية لم يعد ثالثة وأهراق دماً.
قال ابن المواز: وهدي واحد يجزيه في ذلك كله.
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ولو علم في الثانية أنه لا يقدر على تمام المشي قعد وأهدى؛ كانت حجة أو عمرة.

الجزء: 6 - الصفحة: 282

قال ابن حبيب: وهديه بدنة؛ فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام متى شاء، ولو أهدى في هذا شاة وهو واجد لبدنه أجزأه.
ومن المدونة قال: ولو علم أول خروجه أنه لا يقدر أن يمشي كل الطريق في ترداده إلى مكة مرتين لضعفه أو بعده بلده، أو كان شيخاً زمناً [أو امرأة ضعيفة أو مريضاً أيس] من البرء فلا بد أن يخرج أول مرة ولو راكباً ويمشي ولو نصف ميل، ثم يركب ويهدي ولا شيء عليه بعد ذلك وإذا رجا المريض إفاقة يقدر بعدها على أن يمشي تربص للإفاقة إلا أن يعلم أنه غير قادر في إفاقته أن يمشي فهو بمنزلة الشيخ الكبير يمشي ما أطاق ثم يركب ويهدي.
قال ابن القاسم: والمشي على الرجال والنساء فيما ذكرنا سواء.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن عليه مشي فأصاب طريقاً أخصر من طريق فليختصر.
قال مالك: ولمن حنث من الأندلس أن يركب البحار للحجاز؛ لأنه لابد له من ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 283

ومن المدونة قال مالك: ومن جعل مشيه في عمرة فعجز وركب فله أن يجعل الثانية في حج أو عمرة.
قال فيه وفي كتاب ابن المواز: وكذلك لو جعل مشيه الأول في حج فعجز فله أن يجعل مشيه الثاني في عمرة.
قال فيه وفي المدونة: لا تبال وإن خالف المشي الأول.
قال أبو محمد: لعله يريد إذا لم يكن ركوبه أولاً في حجته في المناسك بمنى وعرفة والمزدلفة.
وأما لو كان ركوبه في هذه الأماكن في حجته الأولى كيف ينبغي أن يجعل الثانية في عمرة وهو لا يصل أن يمشي ما ركب، وقد ذكر عن سحنون أنه قال: ليس له أن يجعل المشي الثاني في عمرة؛ لأن عمل العمرة أقصر من عمل الحج يريد وإن كان مشيه في غير المناسك.
م: قال بعض فقهائنا: إن قيل: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه يلزمه ما دخل فيه مثل إذا نذره فلم فرق بين ذلك في هذه المسألة؟ قال: قال بعض القرويين: إنما فرق بين ذلك لأنه إذا لم ينو حجاً ولا عمرة فجعل مشيه في حج وعمرة ورجع من أجل عجزه وركوبه فرجوعه إنما هو لوفاء النذر لا لأجل الحج والعمرة؛ فلذلك جاز أن يجعل الثاني خلاف الأول إذا كان ركوبه في غير المناسك،

الجزء: 6 - الصفحة: 284

وإذا نذر ذلك في حج أو عمرة فإنما رجوعه من أجل نذره فوجب أن لا يجعله خلاف الأول.
م: كأنه يقول: الأول نذر مشياً فرجع لوفائه، والثاني نذر حجاً مشياً فرجع لوفائه.
م: وإنما افترق ذلك لافتراق السؤال، وأما سؤاله: أليس من نوى شيئاً ودخل فيه مثل إذا نذره؛ فليس الأمر كما قال، وهذه المسألة تدل على خلافه؛ لأنه لو نوى مشياً في حج فله أن يجعله في عمرة، وقد قال ابن المواز: من أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه مشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذرٍ نذره.
م: وكذلك من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً، فله أن يصلها جالساً، أو نوى أن يقرأ فيها سورة كذا؛ فله أن يقرأ فيها غيرها، وإنما يلزم من هذا كله ما نذره نذراً على نفسه.

الجزء: 6 - الصفحة: 285

ولأبي عمران الفاسي نحو ذلك.
وإنما افترقت المسألة الأولى لافتراق السؤال فأعلمه.
ومن المدونة قال مالك إلا أن يكون نذر المشي الأول في حج فلا يجعل الثاني في عمرة، أو نذر الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حج.
وقال ابن حبيب: إذا نذر المشي الأول في عمرة فلا يجعل الثاني في حجة؛ لأنه زاد ولم ير ذلك.
ابن القاسم: وأجازه غيره من أصحاب مالك.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس له أن يجعل مشيه الأول ولا الثاني في فريضة عند مالك.
قال مالك: وإن جعل مشيه في عمرة فحل منها فله أن يحج الفريضة من مكة.
قال ابن القاسم: ويكون متمتعاً إن كانت عمرته في أشهر الحج ولو قرن، يريد بالعمرة المشي الذي عليه وبالحج فريضة، لم يجزه من الفرض وعليه دم القران.
قال ابن حبيب: ويجزيه ذلك عن مشيه الذي وجب عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم وقد قال مالك: فيمن نذر مشياً فحج ماشياً وهو صرورة ينوي بذلك نذره وفريضته؛ إنها تجزيه لنذره لا لفريضته وعليه قضاء الفريضة قابلاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 286

ابن المواز: وهذا إذا لم ينو بنذره حين نذره حجاً ولا عمرة وأما إن كانت يمينه بحجة فحنث فمشى في حج نوى به فرضه ونذره فهذا لا يجزيه عن واحد منها؛ لأن هذا ممن لم يكن يجزيه أو يحرم عن نذره بعمرة.
ولو مشى عن نذره في حج ففاته الحج لم يجزه إذا حل منها بعمرة عن مشيه، ولا بد أن يستأنف الحج عن مشيه من قابل، فكذلك إذا أشرك بينهما لم يجزه عن واحدة منهما؛ لأن كل واحدة قد نقصت عما وجبت عليه حين جعل لكل واحدة نصف حجة، وإما إذا لم ينو لنذره حين نذره حجاً ولا عمرة فمشى لنذره حتى بلغ ميقاته فأحرم بحجة نوى بها نذره وفرضه فهذه التي قال فيها مالك: تجزيه لنذره.
ويقضي الفريضة؛ لأنه نقض الفريضة لما جعل بعضها لنذره ولا تجزي فريضة غير تامة لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وذلك يجزيه لنذره، وإن لم تكن حجة النذر تامة، كما قال مالك فيمن أحرم لنذره بحجة ففاته الحج أن ذلك يجزيه لنذره إذا طاف وسعى وحلق، وإن كان أحرم له بحجة فلم تتم فكذلك لا يضره في نذره معه من مشاركة فريضته التي ألزمناه فيها القضاء، ولم يختلف في قضاء الفريضة وحدها قول مالك وأصحابه إلا عبد الملك فإنه روى لنا عن مالك: أنه يعيدها جميعاً استحساناً، وقال أصبغ.
قال عبد الملك وقال المغيرة: تجزيه عن الفريضة ويعيد النذر وبه أقول.

الجزء: 6 - الصفحة: 287

قال ابن المواز: والصواب قول مالك.
وكان حجة عبد الملك فيه قياساً على من طاف بالصبي ينوي عن نفسه وعن الصبي؛ أنه يجزيه عن نفسه ولا يجزيه عن الصبي.
وقد روى ابن القاسم عن مالك: أنه يجزي عن الصبي ويعيد عن نفسه وهو الصواب؛ لأن الطواف عن الصبي تطوع لا يضره نقصه وعن الكبير واجب فلا بد من تمامه.
قال: ولو أن رجلاً حمل رجلاً فطاع به طوافاً واحداً عنه وعن الرجل؛ لم يجزه عن واحد منهما كان المحمول صحياً أو مريضاً.
قيل لابن المواز: فالاعتكاف لا يكون إلا بصوم كما لا يكون المشي إلا في حج أو عمرة وأنت تجيز الاعتكاف وغيره في رمضان من الصيام الواجب، فلم لا تجيز المشي الذي نذر في الحج الواجب؟ قال: لأن الاعتكاف الذي يعتكفه في صوم واجب لم ينذره كما نذر المشي؛ وإنما يلزمه بالنية والدخول فيه، ولو نذر اعتكافاً لم يجز له اعتكافه في رمضان، ولا في صيام واجب من ظهار أو قتل نفس؛ لأن من نذر اعتكافاً فقد نذر صيامه فلا يجوز أن يقضيه في صيام واجب ويبطلان جميعاً كمن نذر مشياً بحج أو بعمرة لم يجزه أن يشرك معه فريضة.
م: وذكر بعض أصحابنا: أن بعض الناس قال: إن قول ابن المواز: إذا نذر أن يمشي في حج بمشى ينوي فرضه ونذره، أنه لا يجزيه عن واحدة منها، خلاف قول ابن القاسم،

الجزء: 6 - الصفحة: 288

وما جرى في كتاب الحج الأول من المختلطة في مسألة العبد يحرم بالحج فيحلله سيده ثم يعتقه؛ فبحجة ينوي القضاء وحجة الفريضة؛ أنه يجزيه للقضاء لا للفريضة، يدل على هذا خلاف ما قال ابن المواز: م: وليس الأمر كما قال؛ لأن العبد لم ينذر حجة الأول ماشياً كما نذر الحر وإنما أحرم بحجة تطوع فهو كمن نذر مشياً فمشاه في حج ينوي بذلك فرضه ونذره؛ فهذه تجزيه عن نذره لا لفرضه، ولو نذر العبد أن يمشي في حج فمشى في حج ثم حلله السيد منه ثم عتق فمشى في حج ينوي به القضاء والفريضة؛ لوجب ألا يجزيه عن واحد منهما على قول ابن القاسم، والحر والعبد في هذا سواء.
وأما سحنون وغيره فلا يلزم العبد في ذلك قضاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 289

قال الشيخ: ويجب على قول سحنون هذا إذا حج العبد يعد عتقه ينوي بذلك القضاء والفريضة أنه يجزيه عن الفريضة؛ لأنه أشرك مع الفريضة ما لا يلزمه؛ كمن مشى عن غيره في فريضته؛ أن فريضته تجزيه.
وقد قال ابن المواز قال مالك: وأما من مشى عن غيره وجعلها حجة عن نفسه وهو صرورة أجزأ عنه حجة الفريضة ولم يضره ما مشى عن غيره؛ إلا يجوز أن يمشي أحد عن أحد.
قال ابن المواز: ومن أحرم بحجة الفريضة ونوى مشيها؛ لم يلزمه المشي إلا أن يوجب ذلك على نفسه بنذر نذره.
م: يلزم على هذا أن من أحرم لنافلة ونوى أن يصليها قائماً أنه لا يلزمه وله أن يصليها جالساً وكذلك لو نوى أن يقرأ فيها أو في الفريضة سورة كذا؛ أن ذلك لا يلزمه وله أن يقرأ غيرها إلا أن ينذر ذلك كله فيلزمه، وكذلك من نوى أن يقرأ سورة فبدأ فيها فله أن لا يتمها، وكذلك من نوى جوار مسجد مثل جوار مكة لا يلزمه ولا اليوم الأول وإن دخل فيه بخلاف الاعتكاف والصلاة التي لا تتبعض.
قال ابن المواز: قال: فإن أوجب مشياً فعجز فركب فعليه أن يرجع حتى يمشي ما ركب في حجة أو عمرة وقاله عبد الملك.

الجزء: 6 - الصفحة: 290

قال ابن المواز: وإن حلف بالمشي ولم ينو حجاً ولا عمرة فحنث؛ فخرج من بلده لحنثه خاصة ماشياً فلما بلغ الميقات أحرم بالحج عن فرضه خاصة فأتمه ماشياً؛ فإنه يجزيه لفرضه، ويرجع فيمشي لنذره من ميقاته الذي أحرم منه؛ كما لو بدا له فرجع من هناك إلى مصره أو غيره؛ فإنه يرجع راكباً ثم يمشي من الميقات الذي كان بلغ مشيه إليه.
قال ابن المواز: وأحب لمن عليه المشي وهو صرورة: أن يبدأ بفرضه إذا كان في أشهر الحج ويمشي بعد قضاء حجه فإن أراد التخفيف بدأ بالمشي في العمرة فإذا حل منها أحرم بحج فريضته، وقاله مالك.
محمد: وإن كان في غير أشهر الحج فلا بأس أن يبدأ بنذره.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالمشي فحنث فمشى في حج ففاته الحج؛ أجزأه ما مشى وجعلها عمرة، ومشى حتى يسعى بين الصفا والمروة ويقضي الحج قابلاً راكباً ويهدي لفوات الحج.
قال مالك في كتاب محمد وغيره: فإذا حج قابلاً فليس عليه أن يمشي من مكة إلى منى لأن مشيه قد صار في عمرة فقد قضاه.
محمد: وقال ابن القاسم: يمشي المناسك في قضائه قابلاً، وقال سحنون.
قال الشيخ: قال شيخنا القاضي أو الحسن: قول مالك أولى؛ لأنه لما فاته الحج رجع إلى عمل العمرة فكأنه فيها مشى، وإنما أوجب عليه الحج قابلاً؛ لأنه دخل فيه ففاته.

الجزء: 6 - الصفحة: 291

وقد قال ابن القاسم: فيمن تعدى ميقاته وقد أحرم بحجة وفاته الحج؛ فلا دم عليه لتعدي الميقات لأنه عمله صار إلى عمرة.
م: أسقط الشيخ بعض احتجاج ابن القاسم وهو قوله: وإنما يقضي الحج قابلاً.
م: وكأن ابن القاسم إنما أسقط عنه الدم للوجهين، وظهر لي أن قول ابن القاسم وسحنون في مسألة النذور أصح؛ لأنه لما جعل مشيه في حج لزمه تمامه في حج كما جعل على نفسه، فلا فرق بينه وبين من جعل مشيه في حج فركب في المناسك فقد قال فيه: يحج قابلاً راكباً، ثم يخرج من مكة ماشياً حتى يقضي مناسكه ويفيض فهذه أمثلة.
ولأنه لما جعل مشيه في حج ففاته لزمه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه [لزمه المشي فيما بقي عليه، كمن نذر اعتكاف رمضان فمرضه فوجب عليه قضاؤه فلما وجب عليه قضاؤه] وجب عليه اعتكافه، بخلاف ما لو نذر اعتكاف شعبان فمرضه؛ هذا لا يجب عليه قضاؤه فلا يلزمه اعتكافه؛ فالمشي بمنزلة الاعتكاف وهذا بيّن.

الجزء: 6 - الصفحة: 292

قال يحيى بن عمر عن ابن القاسم: في الرجل يجب عليه المشي فيمشي في حجة فيفسدها بالوطء بعرفة؛ فإنه يتم حجة ويقضي، ويعيد المشي من الميقات، ويركب ما قبله؛ لأن المشي الذي وقع له فيه الوطء يجزيه، ولا يعيده، وعليه هدي للفساد، وهدي لتبعيض المشي.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى حافياً راجلاً فلينتعل، وإن أهدى فحسن، وإن لم يهد فلا شيء عليه، وهو خفيف.
ابن وهب: وقد رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- امرأة تمشي حافية ناشرة شعرها فاستتر منها بيده وقال: «ما شأنها؟» فقالوا: إنها نذرت أن تحج حافية ناشرة شعرها فقال -عليه السلام-: «فلتختمر ولتنتعل ولتمش».

الجزء: 6 - الصفحة: 293

ونظر -عليه السلام- في حج الوداع إلى رجلين نذراً أن يمشيا في قران، فقال لهما: «حلا قرانكما وامشيا إلى الكعبة وأوفيا نذركما».
ونظر -عليه السلام- إلى رجل نذر أن يمشي إلى الكعبة القهقري فقال: «مروه فليمش لوجهه».
قال ابن القاسم عن مالك: وإن قال إن فعلت كذا فأنا أحمل فلاناً إلى بيت الله تعالى فحنث؛ فإنه ينوي فإن أراد التعب بحمله على عنقه حج ماشياً وأهدى وليس عليه إن حج بالرجل، وإن لم ينو ذلك حج راكباً بالرجل معه ولا هدي عليه، فإن أبى الرجل أن يحج؛ حج الحالف وحده راكباً، ولا شيء عليه في الرجل.
قال علي عن مالك: وإن نوى إحجاجه من ماله فلا شيء عليه هو إلا إحجاج الرجل، فإن أبى الرجل الحج فلا حج على الحالف.
م: وقول علي هذا ليس بخلاف لابن القاسم؛ لأنه إذا نوى إحجاجه معه من ماله فقد بين أنه لم يجعل على نفسه حجة.

الجزء: 6 - الصفحة: 294

م: قال بعض شيوخنا: وإذا قال: أنا أحمله وأراد التعب بذلك على عنقه؛ أمرنا أن يحج ماشياً ويهدي، فالهدي في هذا مستحب كقول مالك فيمن حلف أن يمشي إلى بيت الله حافياً راجلاً قال فيه: إن أهدى فحسن وإن لم يهد فلا شيء عليه.
قال في الكتاب: وإن لم يرد حمله على عنقه فليحج راكباً ويحج بالرجل معه ولا هدي عليه.
م: قال بعض فقهائنا: إنما يصح أن يكون عليه الحج بنفسه إن قصد ذلك، وإن لم تكن له نية في الحج بنفسه فليس عليه إحجاج الرجل.
م: وأنا أقول: إن لم تكن له نية؛ أنه يلزمه هذا الحج؛ لأن ظاهر لفظه أنه أراد السير معه إلى بيت الله، ويدل على الحج يلزمه قوله في الكتاب: وقوله: أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أنا أحمله لا يريد على عنقه.
وقول علي أنه أيضاً إن نوى إحجاجه من ماله فليس عليه إلا إحجاج الرجل.

الجزء: 6 - الصفحة: 295

م: يدل قوله: إن لم ينو ذلك حج هو والرجل، وكذلك قول يحيى بن سعيد في التي قالت في جارية ابنها: إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله، فوطئها ابنها؛ أنها تحج وتحج بالجارية معها.
م: كأنهم حملوا قوله: أحمله؛ الذهاب معه، فإذا لم تكن له نية لزمه الذهاب أيضاً به والله أعلم.
قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أنا أحج بفلان إلى بيت الله؛ فإنه أوجب من قوله: أحمله لا يريد على عنقه، وحجه به طاعة فإن أبى الرجل الحج فلا شيء عليه فيه.
م: وحكي عن الشيخ أبي الحسن أنه قال: إنما قوله أنا أحج بفلان أوجب من قوله: أحمله، في إلزامه هو [الحج؛ لأن قوله: أنا أحمل فلاناً يحتمل أن يحمله من ماله ولا يخرج هو، وقوله: أنا أحج بفلان لا يحتمل ذلك، والجواب فيها واحد].
ومن المدونة قال مالك: فيمن قال: أحمل هذا العمود أو هذه الطنفسة ماشياً أو غيره إلى مكة، طلب بذلك المشقة على نفسه؛ فيحج ماشياً، أو يعتمر غير حامل شيئاً ويهدي.

الجزء: 6 - الصفحة: 296

ابن المواز قال مالك: فإن لم يقدر على المشي فركب لما عجز؛ فليس عليه غير هدي واحد وليس هذا من الأمور التي مضت فيها سنة.
قال: وإن كان ذلك الشيء مما يقوى على حمله؛ حج راكباً أو اعتمر ولا شيء عليه فيما ترك من الحمل وإن كان مليئاً.
ومن المدونة ابن وهب وقال يحيى بن سعيد: في امرأة قالت في جارية ابنها إن وطئها الابن فأنا أحملها إلى بيت الله فوطئها الابن.
قال: تحج بها وتذبح ذبحاً؛ لأنها لا تستطيع حملها.
م: لعله يريد إذا لم تكن بها نية في حملها أو إحجاجها؛ فلذلك أوجب عليها ما يجب في الوجهين الإحجاج والهدي لحملها وهو خلاف ما تقدم لمالك.
وقال إبراهيم النخعي: من قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني فليحجه ويهدي بدنة.
يريد: ولا يحج هو.

الجزء: 6 - الصفحة: 297

فصل قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله إلا أن يبدو لي وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ فعليه المشي ولا ينفعه استثناؤه.
يريد: إلا أن يضمن يمينه بفعل فينفعه.
قوله: إلا أن يبدو لي.
يريد: إلا أن يبدو لي في الفعل، وكذلك هذا في يمينه بالطلاق والعتاق.
[ولو قال: أنت طالق إن شئت فكان ذلك كله له جائز، إلا أن هذا لم يقع طلاقاً وإنما تقدير قوله: إن شئت فأنت طالق وهو لم يشأ بعد، فأشبه بع، فأشبه قوله: إن دخلت الدار فأنت طالق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يشاء؛ لأوجب عليه الطلاق، وكان مثل قوله: إلا أن يبدو لي لأنه أوقع طلاقاً وأبقى لنفسه رده متى أراد، وذلك لا يصح ولو على الطلاق والمشي بفعل يصح استثناؤه في الفعل].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: هذا الذي حكاه ابن القاسم أن مالكاً قال: الاستثناء في المشي إنما هو أن يقول: علي المشي إلا أن يشاء الله، ولا يشبه هذا قوله: علي المشي إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 298

م: واستحسن ذلك بعض فقهائنا وقال: وأما قوله: إلا أن يبدو لي، وإلا أن أرى خيراً من ذلك؛ إلا كقوله إلا أن يشاء فلان، أو إلا أن يرى فلان، فرد ذلك إلى نفسه كرده إلى فلان، فكما لا يرزمه إذا لم يشاء فلان فكذلك لا يلزمه إذا لم يشأ هو.

الجزء: 6 - الصفحة: 299

قال مالك: ولا ثنيا في طلاق ولا عتاق ولا صدقة ولا مشي.
ولو قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى إن شاء فلان؛ فلا شيء عليه حتى يشاء فلان، وكذلك هذا في الطلاق والعتاق.
[قال أبو إسحاق: لأن هذا أمر لا يحكم عليه به فالقول قوله فيما يدعي أنه أراده.
واختلف لو حلف به في حق أو وثيقة: فقيل: القول قوله أيضاً بكل حال؛ لأنه لا يقضى عليه.
وقيل: لا ينتفع بنيته التي يدعيها إذا كان في حق أو وثيقة، وإن كان لا يقضى عليه بالمشي؛ لأن يمين من حلف على هذا في حق أو وثيقة إنما يكون على نية المحلوف له، ولا على نية الحالف، وهو مذهب أصبغ؛ لأن المحلوف له قصد الاستئناف منه وأن يضيق عليه، فإذا قصد الحالف ما يسقط يمينه لم يلتفت إلى قصد على مذهب هذا القول؛ لأنه قد طاع فإعطاء الوثيقة، وما ذكره ليس بوثيقة للذي له الدين.
واختلف أيضاً: لو كانت يمينه في حق أو وثيقة بطلاق أو عتق: فقيل: ينوى فيه.
وقيل: لا ينوى.
والقياس لعمري في هذا: لا ينوى؛ لأن يمينه في حق، أو وثيقة، كشهادة البينة عليه بظواهر ألفاظ يدعي ما يسقطها فلا يقبل منه].

الجزء: 6 - الصفحة: 300

فصل قال مالك: ومن قال: علي المشي إلى بيت الله ينوي مسجداً من المساجد؛ فله نيته، وإن لم تكن له نية فعليه المشي إلى مكة.
قال ابن القاسم: وإن قال: علي المشي ولم يقل إلى بيت الله؛ فإن نوى مكة مشى إليها وإن لم ينو ذلك فلا شيء عليه.
وقال أشهب: عليه المشي قال مالك: ومن حلف بالمشي إلى مسجد الرسول أو مسجد بيت المقدس فحنث فليأتها راكباً، وإنما يمشي من قال: علي المشي إلى بيت الله تعالى.
قال إسماعيل القاضي: لأن الرجل إذا قال: علي المشي إلى بيت الله؛ فظاهر قوله يدل على أنه أوجب على نفسه الحج ماشياً أو العمرة، وإن لم يكن له نية في أحدهما بعينه فقد أوجب على نفسه أن يأتي البيت محرماً، والإحرام لا يكون إلا بأحدهما فله أي ذلك أحب؛ إن شاء كان مشيه في حج وإن شاء في عمرة، والمشي والركوب في الحج والعمرة طاعة، فإذا أوجب المرء على نفسه أحدهما لزمه ذلك، فإذا جعل الرجل على نفسه المشي إلى بيت المقدس أو مسجد المدينة؛ لزمه أن يأتي ذلك إن شاء راكباً وإن شاء راجلاً، ولم يلزمه المشي؛ لأن المبتغى في مسجد المدينة ومسجد بيت المقدس الصلاة فيهما؛ لما في ذلك الفضل على سائر مساجد البلدان إلى مسجد مكة، ولولا ذلك ما لزمه إتيانهما؛ فألزمناه ما جعل

الجزء: 6 - الصفحة: 301

على نفسه من فضيلة الصلاة التي هي طاعة، ولم يلزمه المشي إذ لا طاعة فيه.
ولو جعل على نفسه المشي إلى مسجد مكة يريد الصلاة فيه دون الإحرام؛ لكان كذلك، ويركب إن شاء.
ومن المدونة قال مالك: ولو قال له علي أن آتي المدينة أو بيت المقدس، أو علي المشي إلى المدينة إلى بيت المقدس؛ فلا يأتيهما حتى ينوي الصلاة في مسجديهما، أو يسميهما فيقول: إلى مسجد الرسول ومسجد بيت المقدس، وإن لم ينو الصلاة فيهما؛ فليأتهما راكباً ولا هدي عليه، وكأنه لما سماها قال: لله علي أن أصلي فيهما.
وابن وهي يرى أن يأتيهما ماشياً.
وقال غيره: إن كان بينه وبين الأميال اليسيرة؛ فليأتهما ماشياً والمشي -ضعيف، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال مالك: ولو نذر الصلاة في غير هذه الثلاثة مساجد لم يكن عليه أن يأتيه مثل قوله: علي المشي إلى مسجد البصرة، أو مسجد الكوفة فأصلي فيه أربع

الجزء: 6 - الصفحة: 302

.................................

الجزء: 6 - الصفحة: 303

ركعات؛ فليصل بموضعه أربع ركعات ولا يأتيه لقول الرسول عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد فذكر مسجده ومسجد إلياء والمسجد الحرام).
قال ابن المواز: وقد قيل: إلا أن يكون ذلك المسجد قريباً منه مثل الأميال اليسيرة فليأته ماشياً، يصلي فيه كما جعل على نفسه، والمشي في ذلك ضعيف.
وقال ابن حبيب: إن كان المسجد الذي نذر أن يأتيه ماشياً: معه في موضع، ومثل مسجد جمعته، أو مسجده الذي يصلي فيه الصلوات؛ فيلزمه أن يمشي إليه ويصلي فيه ما

الجزء: 6 - الصفحة: 304

نذر وقاله مالك، وألزم ابن عباس من جعل على نفسه مشياً إلى قباء وهو بالمدينة: أن يمشي إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 305

قال ابن حبيب: لأن النبي -عليه السلام- كان يأتيه ماشياً وراكباً ويصلي فيه وهو على ثلاث أميال من المدينة.
ومن المدونة قال مالك: ومن نذر أن يرابط أو يصوم بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله سبحانه كعسقلان والإسكندرية لزمه ذلك فيه وإن كان من أهل مكة والمدين'.
فصل قال ابن القاسم: لا يلزم المشي في قول مالك إلا لمن قال: علي المشي إلى مكة أو بيت الله أو المسجد الحرام والكعبة.

الجزء: 6 - الصفحة: 306

قال ابن القاسم: أو الحجر الأسود أو الركن، وأما غير ذلك كقوله: إلى الصفا والمروة أو منى أو عرفات أو المزدلفة أو ذي طوى أو الحرم أو إلى غير ذلك من جبال الحرم فلا يلزمه شيء.
م: وإنما لزم المشي من قال: إلى مكة، أو إلى المسجد الحرام؛ لأن ذلك يحتوي على البيت، والبيت لا يؤتى إليه إلا في حج أو عمرة، والمشي والإتيان في ذلك طاعة؛ وإنما لم يلزمه ذلك إذا قال: إلى الحرم؛ فإن كان ذلك يحتوي على البيت كما تحتوي عليه مكة؛ لأن الذي يقول: إلى مكة؛ جرت مقاصد الناس فيه أنهم يريدون بمكة: البيت، وإذا لم تكن له نية حمل أمره على قصد الناس ولو نرى بيوت مكة؛ لم يلزمه شيء إلا أن تكون يمينه على وجه التوثقة، فلا يجزيه النية حتى يسمي بيوت مكة؛ لأن يمينه على نية من استحلفه، وأما إذا قال: علي المشي إلى الحرم؛ فلا مقصد فيه للناس ولا عادة.
فإذا لم تكن له نية؛ أعطي اللفظ حقه في اللغة: فيحمل على أوائل الحرم؛ لأنه أقل ما يتناوله

الجزء: 6 - الصفحة: 307

الاسم؛ ولأن إلى للانتهاء عندهم؛ فلا يلزمه الإتيان إليه لقوله عليه السلام: (لا تعمل المطي إلا إلى ثلاث مساجد) وليس الحرم من ذلك ولا جباله إلا أن ينوي ما في الحرم من البيت فيلزمه، فهذا فرق ما بين ذلك عند ابن القاسم والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن قال علي المشي إلى الحجر أو إلى الحطيم أو زمزم؛ لم يلزمه ذلك عند ابن القاسم، ويلزمه عند أصبغ.
قال أبو محمد: إن قال: إلى الحطيم؛ لزمه ذلك على مذهب ابن القاسم في المدونة.
يريد: وكذلك الحجر الأسود.
قال أبو محمد: لاتصاله بالبيت، وأما إلى زمزم فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: إذا سمي من مكة موضعاً خارجاً من المسجد؛ فلا شيء عليه إلا أن يقول: مكة فيها، وهذا أصح ما روي لنا عن ابن القاسم.
وقال أصبغ: كل ما سمي من الحرم أو من مواضع مكة فإنه يلزمه.

الجزء: 6 - الصفحة: 308

ابن حبيب: ولا يلزمه في خارج الحرم خلا عرفات فإنه يلزمه فيها وإن كانت في الحل.
وقال أشهب: وإن قال علي المشي إلى الصفا والمروة أو ذي طوى أو عرفة فذلك عليه، إلا ينوي الموضع المسمى بعينه فلا شيء عليه.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: إن كلمت فلاناً فعلي أن أسير أو أذهب أو أنطلق أو آتي أو أركب إلى مكة فلا شيء عليه إلا أن ينوي أن يأتيها حاجاً أو معتمراً فليأتها راكباً إلا أن ينوي ماشياً.
وقال أيضاً ابن القاسم: من قال علي الركوب إلى مكة فذلك عليه.
قال في كتاب ابن المواز: ولا يأتيها إلا في حج أو عمرة.
محمد وقال أشهب: ولا أرى أن يأتيهما ماشياً؛ لأنه يخفف عن نفسه بترك الركوب نفقة وجبت عليه لله في طاعة.
م: قيل: فإن مشى على قول أشهب ولم يقم راحلة يركب؟ فحكي عن بعض شيوخنا: أنه يخرج قدر ما كان ينفقه في ركوبه فيجعله في هدايا.

الجزء: 6 - الصفحة: 309

وقال غيره: يدفع ذلك المقدار لمن ينفقه في الحج حسبما كان ينفقه هو فيه والله أعلم.
ومن المدونة قال سحنون: وأشهب يرى عليه إتيان مكة في هذا كله حاجاً أو معتمراً، وبه أخذ ابن المواز.
م: والفرق عند ابن القاسم بين قوله: علي أن أسير أو آتي إلى مكة، وبين قوله: علي المشي إلى مكة؛ أنه إذا قال: علي المسير ونحوه إلى مكة؛ يحمل أنه أراد بيوت مكة إذا لم تكن له نية؛ لأنه لم تجر به عادة.
وإذا قال: علي المشي إلى مكة لزمه؛ لأن هذا قد جاءت به السنة أن يحج أو يعتمر ولأن قصد الناس بذلك المشي إلى الكعبة، فيحمل على ذلك، ولو قال: علي أن أسير أو أذهب أو أنطلق إلى الكعبة لا ينبغي أن يلزمه أن يأتيها إن شاء ماشياً أو راكباً؛ ودليله من قال: أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أنه يلزمه عند ابن القاسم أن يحج أو يعتمر؛ كقوله: علي أن آتي المسجد الحرام، أن ذلك يلزمه؛ لأنه قد قصد الإتيان إلى البيت فهو بخلاف قوله: إلى مكة لما قدمنا.

الجزء: 6 - الصفحة: 310

م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين من قال: علي المشي إلى المسجد الحرام فيلزم المشي حاجاً أو معتمراً، وبين من قال: علي المشي إلى الحرم؛ لا يلزمه؛ والجميع يتضمن الكعبة؟ فقال: أما الذي يقول: علي المشي إلى الحرم فلو أخذ بمقتضى قوله لكان بوصوله إلى أوائل الحرم يسقط نذره فلم يكن في ذلك طاعة فيلزمه، وأما القائل: علي المشي إلى المسجد الحرام؛ فقد خصص الموضع الذي فيه فرض من فروض الحج والعمرة وهو الطواف والمسجد منصوب للطائفين والركع السجود وذلك كله طاعة فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن القائل: علي المشي إلى مسجد الرسول؛ أنه يلزمه أن يأتيه راكباً للصلاة فيه، ولو قال: علي المشي إلى المدينة؛ لم يلزمه أن يأتيها إلا أن ينوي الصلاة في مسجدها، وكذلك الحرم والمسجد الحرام، ولا يراعى أن ذلك يحتوي على البيت ويحدق بها، ولو روعي ذلك لروعي الحد المحدث بالحرم؛ لأن ذلك محدث بالكعبة.
وسئل أبو عمران الفاسي: لم اختلف قوله في الكتاب في ذاكر الركوب إلى مكة ولم يختلف قوله في الانطلاق والذهاب ونحوه؟ فقال: يحتمل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فذكر المشاة والركبان معاً فكان الركوب في اللفظ أخا المشي وجاز في

الجزء: 6 - الصفحة: 311

المخاطبات، وكقولهم: حافياً ومنتعلاً؛ فقيس ناذر الركوب على ناذر المشي في هذا القول، ويحتمل إنما وجد له الاختلاف في الركوب منصوصاً فذكره وتدخل باقي الألفاظ الأخرى في الاختلاف، وقد ذكر عن ابن القاسم الخلاف في الجمع كقول أشهب.
م: وفي كلام ابن عمران طول اختصرته وبالله التوفيق، والصلاة على سيدنا محمد وآله.
جامع ما يلزم من نذر أو يمين في الهدي والصدق والنحر وغيره وصلى الله على محمد روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: من قال لرجل أنا أهديك؛ فليهد شاة.
وقاله عطاء.
قال ابن القاسم قال مالك: ومن قال لحر: إن فعلت كذا فأنا أهديك إلى بيت الله فحنث؛ فعليه هدي.

الجزء: 6 - الصفحة: 312

وقد تقدم قول النخعي فيمن قال: أنا أهدي فلاناً على أشفار عيني؛ أنه يحجه ويهدي بدنة، وهو خلاف لقول مالك هذا.
ابن المواز قال أشهب: من نذر أن يهدي بدنة عوراء أو ما لا يجوز في الهدايا؛ فإن كان ذلك بعينه فليهده، وإن كان بغير عينه فيلهد ما يجوز؛ كمن نذر أن يهدي ابنه فإنه يهدي مكانه ما يجوز في الهدي.
قال ابن المواز: وكذلك الذي نذر أن يهدي [بدنة عوراء وهي بعينها أو ما لا يجوز أن يهدي] فليهد بقيمتها ما يجوز.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال عبد فلان أو داره أو شيء من ماله هدي إن فعلت كذا فحنث؛ فلا شيء عليه لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا نذر في معصية، ولا فيما لا يملك ابن آدم».
وأما إن قال: داري أو عبدي هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فإنه يبيع ذلك ويهدي ثمنه.
م: والفرق بين من قال: أنا أهديك أو قال ذلك لعبد غيره وهو لا ملك له على واحد منهما هو أن الحر قد جرت فيه سنة قياساً على ما جاء في إبراهيم مع ولده عليهما السلام، وقد روي أنه قال علي -رضي الله عنه- فيمن قال لرجل: أنا أهديك؛ فليهد عنه شاة.
وقال نحوه ابن عباس.

الجزء: 6 - الصفحة: 313

ولم يكن عليه في عبد غيره شيء لقوله عليه السلام: (لا نذر في معصية ولا فيما لا يملك ابن آدم) وأما في عبد نفسه فهو ملكه؛ فلما لم يصح أن يكون هدياً وصح أن يهدي عنه بثمنه جعلنا بذلك عوضاً وبالله التوفيق.
وفي الواضحة قال ربيعة: من جعل جاريته هدياً فإنه يهدي مكانها هدياً وقاله مالك والليث.
م: قال أبو محمد: لعله يريد أم ولده.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فعلي هدي فحنث؛ فإن نوى شيئاً فهو ما نوى، وإلا فعليه بدونة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد وقصرت نفقته؛ رجوت أن تجزي عنه شاة، وكان مالك يزحف بالشاة كرهاً، وقال: البقر أقرب شيء إلى الإبل.
وقال مالك في كتاب الحج: من قال لله علي هدي فالشاة تجزيه.
م: قيل: الفرق بين المسألتين أن هذه يمين، والتي في كتاب الحج بغير يمين، فلذلك كانت أخف.

الجزء: 6 - الصفحة: 314

وقيل: بل ذلك اختلاف قول، ولا فرق بين ما عقد بيمين أو كان نذراُ، وقد نقل أبو محمد هذه.
وإن قال: علي هدي، ثم ذكر الجواب؛ فدل أنه عنده سواء، وكذلك في كتاب محمد وهو الصواب.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال: لله علي أن أهدي بدنة فلينحر بعيراً؛ لأن البدن من الإبل، فإن لم يجد بعيراً فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعاً من الغنم، [ولا يجزيه شراء بقرة حتى لا تبلغ نفقته ثم بدنة، فإن لم يجد ثمن بقرة فسبع من الغنم]، وقاله خارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وكثير من العلماء.
وقال ابن المسيب: إذا لم يجد بقرة فعشراً من الغنم، وكذلك في كتاب محمد.

الجزء: 6 - الصفحة: 315

قال ابن القاسم في المدونة: فإن لم يجد الغنم لضيق وجده، فلا أعرف في هذا صوماً إلا أن يحب أن يصوم فليصم عشرة أيام، فإن أيسر يوماً ما كان عليه ما نذر.
ابن حبيب وقال مالك: إن لم يجد الغنم صام سبعين يوماً.
[وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إذا لم يجد الغنم صام سبعين يوماً] أو أطعم سبعين مسكيناً كل مسكين مدا، وإن وجد شاة أهداها وصام ستين يوماً.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك: فيمن نذر عتق رقبة فلم يستطعها؛ لأن الصوم لا يجزيه إلا أن يشاء أن يصوم فإن أيسر يوماً أعتق فهذا مثله.
قال ابن المواز: إن شاء الله صام عشرة أيام.
م: وقد قيل: بل يصوم شهرين إذا لم يستطع على الرقبة ولم أروه.
ومن المدونة قال مالك: ومن قال لله علي أن أنحر بدنة، أو قال لله علي هدي، فينحر ذلك بمكة أو بمنى يوم النحر، وقاله ابن عمر وابن عباس.
قال مالك: ومن قال: لله علي جزوراً أو أنحر جزوراً؛ فلينحرها بموضعه، ولو نوى موضعاً أو سماه فلا يخرجها إليه ولينحرها بموضعه الذي هو فيه.

الجزء: 6 - الصفحة: 316

قال مالك: وكذلك لو نذرها لمساكين البصرة، أو مصر وهو بغيرها؛ فلينحرها بموضعها وليتصدق بها على مساكين من عنده، كانت الجزور بعينها أو بغير عينها، وسوق البدن إلى غير مكة من الضلال.
قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل من نذر أن يصلي بمصر مائة ركعة وهو من أهل المدينة أو غيرها أنه لا يصلي إلا بموضعه.
قال: وقد قال مالك مرة أخرى: إنه ينحرها حيث نوى، وقاله أشهب.
قال أشهب: وإن لم تكن له نية نحرها بموضعه.
قال ابن حبيب: وإن نذر أن ينحر الجزور بمكة كان عليه أن ينحرها بها وليس بها.
ابن المواز: وقد قال ابن عمر: من نذر جزوراً من الإبل أو البقر فإنه ينحرها حيث شاء.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن قال: بعيري أو بقرتي أو شاتي هدي؛ فيبعث ذلك بعينه.

الجزء: 6 - الصفحة: 317

وإن قال: داري أو عبدي أو دابتي أو شيء من مالي مما لا يهدى هو هدي أو حلف بذلك فحنث؛ فليبعه، ويبعث بثمنه وبما أهدى من العين فيبتاع به هدياً.
قال ابن القاسم: فإن لم يبعه ويبعث به بعينه فلا يعجبني ذلك ويباع هناك فليشتر به هدياً، فإن لم يبلغ ذلك ثمن هدي وأدناه شاة أو فضل منه ما لا يبلغ ذلك، قال مالك: يبعثه إلى خزمة الكعبة ينفق عليها.
قال في كتاب محمد: فإن لم يحتج إليه الكعبة تصدف به.
وقال ابن القاسم في المدونة: أحب إلى أن يتصدق به حيث شاء؛ وذلك أن ابن عمر كان يكسو الكعبة بأجلة بدنة فلما كسيت تصدق بها.
وقال أصبغ: أحب إلي أن يتصدق بها على أهل مكة خاصة.
قال ابن القاسم في المدونة: وأعظم ملك أن يشرك مع الحجبة في الخزانة أحد؛ لأنها ولاية من النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دفع المفاتيح لعثمان بن طلحة.

الجزء: 6 - الصفحة: 318

وفي سماع ابن القاسم فيمن جعل شيئاً من ماله هدياً وهو مما لا يهدى: إن شاء باعه وأخرج ثمنه وإن شاء أخرج قيمته، وكذلك في كتاب محمد.
قال أبو محمد: ومن قولهم في الصدقة لا يحبسه ويخرج قيمته وذلك مكروه له، ويثبه أن يكون الفرق: أنه لا يقصد في هدي متاعه إلا إلى عوضه، وفي صدقة متاعه يحسن أن يتصدق بذلك بعينه، فكأنه تصدق به بعينه.
م: وحكي عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إذا تصدق الرجل بعرض تطوعاً لم يكن له حبسه ويتصدق بقيمته ولو حلف بذلك فحنث أجزأه إخراج قيمته.
والفقر بين ذلك: أن الحالف غير قاصد للقرية فلم يدخل في قول النبي -عليه السلام-: «العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه»، والمتطوع هو داخل في الحديث؛ لأنه قاصد للقربة به، والحديث إنما خرج في الفرس الذي حمل عليه عمر طوعاً فأمر ذلك مفترق.
م: والحالف أيضاً إنما قال: إن فعلت كذا فأنا أتصدق بكذا لله، فقد عقد على نفسه إن فعل ذلك القربة بصدقته فهما سواء والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 319

ومن المدونة قال مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فغنمي وإبلي أو بقري هدي فحنث فليبعثها من ذلك الموضع إن كانت تصل، وتقلد الإبل وتشعر، والبقر لا تصل من إفريقية إلا من مصر فإذا خاف على هذه الهدايا أن لا تبلغ لبعد سفر أو لغير ذلك باعها وابتاع بثمن الغنم غنماً وبثمن الإبل إبلاً وبثمن البقر بقراص، وجائز أن يبتاع بثمن البقر إبلاً؛ لأنها لما بيعت صارت كالعين، ولا أحب له أن يشتري به غنماً حتى يقصر عن ثمن بعير أو بقرة أو يشتري ذلك من مكة أو من موضع تصل، فإن ابتاعها من مكة فليخرجها إلى الحل ثم يدخل بها الحرم.
قال: وإن نذر هدي بدنة غير معينة أجزأه شراؤها من مكة أو المدينة فيتوقف بعرفة ثم ينحرها بمنى، فإن لم يتوقف بعرفة أخرجت إلى الحل إن اشتريت في الحرم ثم نحرت بمكة، فإن لم يجد ثمنها فذلك دين عليه.
فصل قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فلله علي أن أهدي مالي، أو قال جميع مالي فحنث، أو نذر ذلك بلا يمين أجزأه أن يهدي الثلث من ماله، وقد قال النبي -عليه السلام- لأبي لبابة حين انخلع من جميع ماله للذنب الذي أصابه يجزيك من ذلك الثلث.

الجزء: 6 - الصفحة: 320

ومن العتبية قال عيسى عبن ابن القاسم فيمن قال: مالي هدي.
قال: يهدي ثلثه وينفق عليه حتى يبلغ من غير الثلث.
وقال: مالك فيمن وجبت عليه صدقة ثلث ماله وهو بموضع ليس فيه مساكين: فيكر عليه من ماله، وكذلك إن قال: إبلي هدي فعليه أن يبلغها من ما له.
م: [وفيها قول آخر إذا قال: مالي هدي؛ أنه يهدي ثلثه وتكون النفقة من الثلث ولو قال: ثلثي هدي فهاهنا لا اختلاف أنه ينفق عليه من ماله حتى يبلغه].
م: الصواب ألا فرق بين ذلك، ووجه من أوجب النفقة على ذلك من ماله؛ لأن من أوجب على نفسه هدياً وجب عليه أن يبلغه من ماله، إذ لا يجوز أن يهدي بعضه ولا يشرك فيه، ووجه النفقة عليه من الثلث: فقياسها على الزكاة تجب عليه وليس بموضعه مساكين فينقلها إلى أقرب البلدان إليه؛ أن النفقة عليها منها قاله ابن حبيب.
ومن المدونة قال: مالك: وإن قال: إن فعلت كذا فعبدي هدي ولا مال له غيره فحنث؛ فعليه أن يهدي عبده يبيعه ويهدي ثمنه، وكذلك إذا سمي شيئاً من ماله بعينه

الجزء: 6 - الصفحة: 321

كقوله: داري أو دابتي أو ثوبي أو غيره هدي، أو حلف بذلك فحنث؛ أخرج ذلك فحنث كله وإن أحاط بماله كله، وكذلك إن قال: لله علي أن أهدي بعيري أو بقربي أو شاتي وهو جمع ماله فليهد جميع ما سمى، ولو قال: لله علي أن أهدي جميع مالي؛ أجزأه الثلث.
قال مالك: وإنما هذا كمن قال: كل امرأة أنكحها فهي طالق فلا شيء عليه، وإن سمى قبيلة أو امرأة بعينها لزمه ذلك.
م: وقال بعض المتأخرين من القرويين: من عم أو خص في الصدقة؛ أن الذي عين شيئاً من ماله فقد أبقى لنفسه شيئاً، ولو ثياب ظهره، أو ميراثاً لم يعلم به، والذي قال: مالي كله لم يبق لنفسه شيئاً وأدخل ثياب ظهره وما لا يعلمه من ماله، فكان ذلك من الحرج فوجب قصره على الثلث؛ لحديث أبي لبابة، ولولا ذلك لسقط عنه الجميع كما إذا عم في الطلاق أنه لا شيء عليه.

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: إن فعلت كذا فأنا أهدي عبدي هذا وجميع مالي فحنث؛ أدى العبد وثلث ما بقي، وكذلك هذا في الصدقة وفي سبيل الله.
قال مالك: ومن قال: مالي في المساكين صدقة أو في سبيل الله أو حلف بذلك فحنث؛ أجزأه من ذلك الثلث.

الجزء: 6 - الصفحة: 322

وروى ابن وهب أن رجلاً تصدق في زمن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بجميع ماله فأجاز له منه النبي -صلى الله عليه وسلم- الثلث.
وروي في كتاب محمد عن ابن عمر أنه يخرج ماله كله.
وعن ابن المسيب ثلث ماله، وقال ابن مالك.
وعن عائشة -رضي الله عنه-كفارة يمين.
وعن عبد العزيز بن أبي سلمة زكاة ماله.
ومن المدونة قال مالك: وإن سمي شيئاً من ماله فقال: داري أو دابتي أو ثوبي صدقة أو في سبيل الله ولا مال له غير ما سمى فحنث؛ فليخرج كل ما سمي ولا يجزيه منه الثلث.
وقال ابن نافع: من تصدق بشيء بعينه وهو ماله كله أنه يخرج الثلث، وكذلك قال ابن وهب عن مالك إذا سمي أكثر من ثلث ماله اقتصر على الثلث.

الجزء: 6 - الصفحة: 323

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قال فرسي ومالي في سبيل الله؛ أخرج الفرس وثلث ما بقي من ماله، وإن قال: نصف مالي أو ثلاثة أرباعه صدقة أو أكثر؛ فليخرج جميع ما سمى ما لم يقل مالي كله.
ومن الواضحة ولو قال: مالي كله صدقة إلا درهماً أن ذلك يلزمه وكذلك في جزء منه.
ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بصدقة ماله فحنث ثم حلف بصدقة ماله فحنث؛ فليخرج ثلث الأول ثم ثلث ما بقي، ثم قال: يخرج ثلثه مرة واحدة ويجزيه، وقاله ابن كنانة، وبالأول أخذ محمد وقاله أشهب.
قال مالك: ومن حلاف بصدقة ماله فحنث ونذر أداء ماله فعليه ثلثه يوم حلف، وإن نقص فثلثه يوم حنث، وإذا حنث ثم نموا ماله ثم حنث فيه يمين ثانية ثم نما ماله ثم حنث فيه يمين ثالثة ثم نما ماله؛ فليخرج ثلث ما معه الآن وهو ثلث الأول وثلث الزيادة ولو لم يزد ماله لم يخرج إلا ثلثاً واحداً، ولو حنث أولاً وماله مائة ثم حنث ثانية وماله ستون ثم حنث ثالثة وماله أربعوه؛ فليس عليه إلا ثلث المائة الأولى إلا أن يبقى بيده أقل من ثلثها فلا شيء عليه غير ما بيده إلا أن يذهب بإتلافه أو أكله فيلزمه ديناً، ولو تلف

الجزء: 6 - الصفحة: 324

بعضه بغير سببه لم يضمنه وإن فرط في إخراجه؛ لأنه كالشريك.
وقاله مالك في التلف وقاله أصبغ كله، وما نما بعد الحنث فلا شيء عليه فيه فرط أو لم يفرط.
قال ابن المواز: إذا حلف إن فعل أو لا أفعل؛ لم يضمن ما أكل أو أتلف قبل الحنث، ولو حلف لأفعلن أو إن لم أفعل فهو كتلفه بعد الحنث؛ يلزمه ما ذهب بسبب ولا يلزمه ما ذهب بغير سببه.
[من كتاب أبي إسحاق: من قال: إن كلمت فلاناً كل ما أكسب صدقة؛ فلا شيء عليه كعموم الطلاق، وإذا قال: ما أكسب إلى عشر سنين صدقة؛ لزمه إخراج جميع ما كسب في العشر سنين، وكذلك إن عين بلداً، وقيل يلزمه ثلث ما اكتسب، وقيل: لا شيء عليه فيما يكتسب سمى البلد أو ضرب أجلاً أو لم يسم].
ومن كتاب الهبات ومن قال: مالي صدقة أخرج ثلثه من عين ودين وعرض وثلث قيمة كتابة مكاتبيه؛ فإن عجزوا يوماً ما وكان في قيمة رقابهم فضل عن قيمة كتابتهم؛ أخرج ثلث الفضل ولا شيء عليه في أم ولده ولا يخرج ثلث قيمة هدي به إذ لا يملك بيعهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 325

قال سحنون: فيخرج ثلث قيمة خدمتهم، فإن لم يخرج ثلث ماله حتى ضاع ماله كله فلا شيء عليه فرط أو لم يفرط.
وقال سحنون: إن فرط ضمن كالمفرط في الزكاة وغيرها أنه ضامن لما ذهب بتفريطه.
م: قال بعض فقهائنا: وأرى ابن القاسم إنما لم يضمنه في اليمين بالصدقة؛ لاختلاف الناس فيها، وقول من قال: فيها بكفاءة يمين أو غير ذلك فلذلك لم يجعلها كالزكاة ونحوها من الواجبات.
قال في كتاب الطلاق: فإن لم يكن له يوم حلف مال فلا شيء عليه فيما أفاد بعد ذلك.
ومن الحمالة: ولا يجوز لذات الزوج في مالها هبة ولا صدقة ولا معروفة إلا قدر الثلث، فإن تصدقت بأكثر من ذلك فلم يجزه الزوج؛ بطل جميعه، وجعله المغيرة كالوصية يجوز منه الثلث.
قال سحنون: وإن حلفت ذات الزوج بصدقة مالها كله فحنثت؛ فلتتصدق بثلثه وليس للزوج منعها من ذلك.
وقال أصبغ: له منعها من ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 326

م: فوجه قول سحنون: فلأن من تصدق بماله كله إنما يلزمه منه الثلث؛ فكأن الزوجة إنما تصدقت بالثلث.
ووجه قول أصبغ: فلأنها تصدقت بمالها كله، فللزوج رده جميعه كما لو تصدقت ثلثها.
قال ابن القاسم: وإن أعتقت ذات الزوج ثلث عبد لا تملك غير ذلك العبد؛ جاز ولا يعتق منه غير ذلك، ورواه عن مالك.
وروي عن أشهب وعبد الملك: أن الزوج يخير؛ فإما أجاز فيعتق جميعه، أو يرد فلا يعتق منه شيء.
م: وهذا أحسن؛ لأن الحكم يوجب عليها عتق جميعه؛ فكأنها قصدت ذلك، فللزوج إجازته أو رده.
ووجه الأول: فلأنا لما كانت مقصورة على اثلث؛ فكأنه هو الذي تملك منه فلم يعتق عليها غيره ولم يكن للزوج حجة؛ لأنها لم ت دخل عليه ضرراً كهبة ذلك وصدقته.
قال ابن القاسم: وإن حنثت بعتقه أو أعتقته كله فرد الزوج عتقها إذ لا مال لها غيره ثم مات الزوج عنها أو طلقها؛ فإنه يعتق عليها الآن جميعه بغير قضاء.

الجزء: 6 - الصفحة: 327

وفي النكاح والحمالة إيعاب هذا.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل عبده صدقة أو في سبيل الله في يمين فحنث ولا مال له غيره؛ ففي الصدقة يبيعه ويتصدق بثمنه، وفي السبيل يدفع ثمنه إلى من يغزو به من موضعه إن وجد، فإن لم يجد فليبعث بثمنه، وإن كان فرساً أو سلاحاً أو شيئاً من آلات الحرب جعله في السبيل في يمين فحنث أو في غير يمين، فليبعث ذلك بعينه، فإن لم يجد من يقبله منه ولا من بلغه له؛ فليبعث بثمنه فيجعل في مثل المبيع من كراع أو سلاح وغيره، بخلاف البقر الهدي تباع إذا لم تبلغ فيجوز أن يشتري بثمنها إبلاً لأن تلك كلها للأكل، وهذا تختلف منافعه وإن جعل جميع هذه الأشياء صدقة في يمين فحنث أو في غير يمين؛ باع ذلك وتصدق بثمنه، وكذلك إن جعله هدياً فليبعه ويهدي ثمنه.
قال مالك: ومن جعل مالاً أو غيره في سبيل الله فسبل الله كثيرة؛ ولكن إنما يعطى ذلك في مواضع الجهاد والرباط من السواحل والثغور، وليس جدة من ذلك، وإنما كان الخوف ونزل العدو بها مرة واحدة فلم يرها مثل السواحل التي هي مرابط.

الجزء: 6 - الصفحة: 328

فصل قال مالك: ومن قال مالي في رتاج الكعبة فلا شيء عليه؛ لا كفارة يمين ولا غيرها.
والرتاج: هو الباب.
وقد سئل عن ذلك عمر بن الخطاب فقال: لا حاجة للكعبة بأموالكم، ونحوه عن عائشة.
ومن غير المدونة ابن وهب: وقالت عائشة عليه كفارة يمين، وقاله مالك والليث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال مالي في الكعبة، أو في حطيمها، فلا شيء عليه؛ لأن الكعبة لا تنقض فتبنى، والحطيم فيما قال لي بعض الحجبة: ما بين الباب إلى المقام.
قال ابن حبيب: الحطيم ما بين الركن الأسود إلى الباب إلى المقام عليه يتحطم الناس.
قال أبو محمد: فعلى تفسير ابن حبيب أن ذلك كله حطيم الجدار من الكعبة والفضاء الذي بين البيت والمقام الآن.

الجزء: 6 - الصفحة: 329

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال مالي في كسوة الكعبة أو طيبها دفع ثلث ماله إلى الحجبة لذلك.
فصل وإن قال: أن أضرب بمالي حطيم الكعبة أو رتاجها فعليه حجة أو عمرة، ولا شيء عليه في ماله، وكذلك إذا قال: أنا أضرب بكذا وكذا الركن الأسود؛ فليحج أو يعتمر، ولا شيء عليه إذا لم يرد حملان ذلك الشيء على عنقه.
قال ابن المواز: وإن أراد حملانه على ع نقه وكان يقوى على حمله فكذلك أيضاً يحج أو يعتمر راكباً ولا شيء عليه غيره، وإن كان ممكن لا يقوى على حمله مشى وأهدى.
قال ابن حبيب: إذا قال: أنا أضرب بكذا وذكر الشيء من ماله الركن الأسود أو الكعبة، وأراد حمله على عنقه؛ مشى إلى البيت في حج أو عمرة [وأهدى ولا يحمله ثم يدفع ما سمى] إن كان لا يبلغ ثمن هدي إلى خزنة الكعبة تصرفه في مصالحها، وقاله ابن القاسم.

الجزء: 6 - الصفحة: 330

م: ومعنى قوله أنا أضرب بمالي حطيم الكعبة: أني أسير به وأسافر به إلى الكعبة، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ أي سافرتم، ومنه قولهم: ضرب المقارض بالمال؛ لأنه يسير بالمال، أو يضرب به في الأرض لابتغاء الرزق ولم يرد به ما عند الناس من الضرب بماله للكعبة؛ لأن ذلك استخفافاً من فاعله وغير ما أمر به من التعظيم لها.
فصل ومن المدونة قال مالك: [ومن قال إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي فحنث فعليه كفارة يمين، وقاله ابن عباس، ثم رجع مالك] فقال: لا كفارة عليه ولا غيرها، إلا أن ينوي به وجه الهدي، ان يهدي ابنه لله فعليه الهدي.
قال ابن القاسم: وهذا أحب إلي من الذي سمعه منه، والذي سمعته منه: أنه لم يقل عند مقام إبراهيم فعليه كفارة يمين، وإن قال: عند مقام إبراهيم فليهد هدياً؛ لأن من قال: عند مقام إبراهيم قد أراد به الهدي.
قال ابن عباس: من نذر أن ينحر ابنه عند مقام إبراهيم؛ فليذبح كبشاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 331

وقال ابن عباس: فيمن جعل ابنه بدنة؛ فليهد ديته مائة من الإبل، ثم ندم بعد ذلك فقال: ليتني كنت أمرته أن يذبح كبشاً كما قال الله تعالى ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
ابن المواز: وقال ابن عباس: من نذر أن يذبح نفسه فليذبح كبشاً يهديه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال: أنا أنحر ولدي بين الصفا والمروة أو بمنى فعليه هدي.
وقد قال النبي -عليه السلام- عند المروة: «هذا منحر، وكل طرق مكة وفجاجها منحر» ومنى عندي منحر.
قال: ويلزمه من نحر أبويه ما يلزمه في نحر ولده.
ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لأجنبي: أنا أنحرك عند مقام إبراهيم؛ فليهد عنه هدياً وابنه والأجنبي في ذلك سواء.
قال ابن المواز: ولو قال لعدة من ولده أو غيرهم أنا أنحركم عند مقام إبراهيم؛ كان عليه أن يهدي عن كل واحد هدياً، وقد قيل: هدي واحد عن جميعهم، والأول

الجزء: 6 - الصفحة: 332

أحب إلينا وهو الحق والعلم، وقاله أصبغ، وكذلك الذي يقول لعبده: أنا أنحرك؛ عليه هدي.
ولو قال: أنا له أهديك؛ فليبعث بثمنه أو بقيمته إلى مكة يشتري به هدياً.
م: قال بعض فقهائنا القرويين في قوله: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي، [إنما يكون فيه الهدي إذا ضمن ذلك بفعل فقال: إن فعلت كذا فأنا أنحر ولدي]، فأما إن لم يقل ذلك وإنما قال: علي نحر ولدي، أو لله علي نحر ولدي فلا شيء عليه؛ لأنه نذر في معصية إلا أن يقصد به وجه القربة فيلزمه الهدي، قال وهكذا في كتاب الأبهري.
م: والأمر عندي سواء ضمن ذلك بفعل أو لم يضمنه، والصواب: أن لا شيء عليه إلا أن ينوي الهدي؛ لأن من قال: إن فعلت كذا فعلي أن أشرب الخمر، أو قال: لله علي أن أشرب الخمر؛ أنه سواء لا شيء عليه في ذلك، وقد قال ابن عباس في كتاب محمد: من نذر أن يذبح نفسه فليهد كبشاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 333

في اليمين الغموس واللغو وأوجه الاستثناء ونية الحالف قال الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ ثم ذكر الله تعالى الكفارة فدل أن غير اللغو فيما فيه الكفارة وهي اليمين بالله، وأن اللغو يمين غير منعقدة، ولا كفارة فيها، وإنما الكفارة في اليمين المنعقدة واتفق أن اليمين بالله داخلة في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهو اليمين التي أمر أن يحلف بها.
قال الرسول -عليه السلام-: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
ومن المدونة قال مالك: والأيمان بالله أربعة أيمان: يمين غموس، ولغو يمين، فلا كفارة في هذا، ويمين الرجل: والله لا أفعلن، والله لا فعلت ففي هذين القولين الكفارة، فإن رأى الحنث أفضل له أحنث نفسه، والغموس: الحلف على تعمد الكذب، أو على غير يقين، وهو أعظم من أن تكفره الكفارة؛ لقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ

الجزء: 6 - الصفحة: 334

بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا} إلى آخر الآية، ولقوله -عليه السلام-: (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار).
قال أبو محمد عبد الوهاب: وإنما قلنا لا كفارة في اليمين الغموس خلافاً للشافعي لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ وهذه يمين غير منعقدة؛ لأن المنعقد ما أمكن حله إذا انعقد، ولأنها يمين لا يتأتى فيها البر ولا الحنث كاللغو، ولأن الكفارة معنى يرفع حكم اليمين في الفعل المستقبل فلم يتعلق بالحلف على الماضي أصله الاستثناء.
[قال في الذي حلف: لقد لقي فلاناً أمس وهو شاك حين يمينه ثم تحقق أنه لقيه؟ قال: قد يرو إن لم يتحقق مع ذلك أو علم أنه لم يلقه فقد اتهم وفيه نظر؛ لأن أصل يمينه على الشك لا يجوز له وهو معصية، فإذا كشف الغيب أن الأمر كان كما حلف لم يسلم من إثم الجرأة على اليمين في أمر لا يتحققه وقت يمينه].
ابن حبيب: وقال عمر بن الخطاب: اليمين الغموس تدع الديار بلاقع.
ابن حبيب: وهي اليمين الكاذبة متعمداً، وهي من الكبائر، وليتب الحالف بها إلى الله سبحانه ويتقرب إلى الله بما قدر عليه من عتق أو صدقة أو صيام.

الجزء: 6 - الصفحة: 335

ومن المدونة قال مالك: ومن قال: والله ما لقيت فلاناً أمس هو لا يدري ألقيه أم لا ثم علم بعد يمينه أنه كما حلف؛ بر، وقد خاطر وسلم، وإن كان خلاف ذلك أثم وكان كتعمد الكذب وهي أعظم من أن تكفر، وتلا ابن عباس ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُوْلَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ﴾ وقال هي اليمين الكاذبة.
قال ابن القاسم: ولغو اليمين ليس كقول الرجل: لا والله، وبلى والله، وإنما اللغو عند مالك أن يحلف على أمر يوقنه ثم يتبين أنه خلاف ذلك فلا شيء عليه كقوله: والله لقد لقيت فلاناً أمس، وذلك يقينه وإنما لقيه قبل ذلك أو بعده، فهذا اللغو ولا شيء عليه.
وقالته عائشة وابن عباس وكثير من التابعين.
ابن المواز قال ابن عباس ومجاهد: واللغو أن يحلف الرجل على أمر يرى أنه فيه صادق ولا يكون صادقاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 336

قال بعض البغداديين: وقالت عائشة: هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وهو في مثل معنى هذا؛ لأنه لا يعني تعمد الكذب ولكن على ما يظنه.
م: يريد بالظن هاهنا اليقين وهذا يرجع إلى قول مالك وأما قولهم في الغموس هو أنه يحلف على أمر يظنه، يريد: وهو لا يوقنه، وقاله أبو محمد.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في قول الرجل لا والله، وبلى والله: فقال ابن القاسم عن مالك: ليس بلغو.
وقال إسماعيل ابن إسحاق وشيخنا أبو بكر وغيرهما: أنه من خير اللغو؛ لأنه لا يتأتى فيه البر ولا الحنث ولا يمكن الاحتراز منه.
ومن المدونة قال مالك: ولا لغو في طلاق ولا عتاق ولا مشي ولا صدقة ولا غيره، وإنما يكون اللغو والاستثناء والكفارة في اليمين بالله أو بشيء من أسمائه أو صفاته أو نذر لا مخرج له، وكذلك العهد والميثاق.

الجزء: 6 - الصفحة: 337

قال ابن المواز: وقد يكون من النذر والعهد ما لا يكفر مثل ما خرج مخرج العقد والعهد، وكيمين البيعة ونحوه، يريد: فيلزم من غير تقية ولا إكراه.
ابن المواز: وأما من حلف لبعض أهله يتهددهم بذلك وهو مجمع على أن يكفر ولا يريد الوفاء بيمينه؛ فلا يأثم بذلك إن شاء الله وتلزمه الكفارة.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بطلاق أو عتق أو غيره من الأيمان سوى اليمين بالله على شيء يوقنه ثم تبين له أنه خلاف ذلك فقد حنث وكذلك إن استثنى من شيء في هذا فحنث لزمه ما حلف عليه.
فصل قال مالك: ولا استثناء إلا في اليمين بالله تعالى.
قال ابن المواز: وقد روي عن مالك أن ابن عمر قال: من قال: والله لا فعلت كذا، ثم قال: إن شاء الله، ثم فعل ما حلف عليه؛ لم يحنث، وروى مثله ابن وهب عن ابن مسعود وابن عباس وجماعة من التابعين.
قال عبد الوهاب: والأصل في الاستثناء قوله -صلى الله عليه وسله-: «من حلف واستثنى رجع غير حانث» ولا خلاف في ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 338

ومن المدونة قال مالك: وكذلك من حلف بنذر لا مخرج له إلا فعل كذا، أو حلف بعهد الله أو ميثاقه أو بشيء من أسمائه أو صفاته، فقال: إن شاء الله فلا شيء عليه إن نوى به الاستثناء، وإن أراد به معنى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ غير مريد الاستثناء فليس يثنيا.
ابن المواز: وكذلك إن قال: إن شاء الله سهواً أو استهتاراً، وقاله أشهب عن مالك.
قال أشهب عن مالك في العتبية: وكذلك إن قالها لهجاً فلا ينفعه حتى ينوي بها الاستثناء.
قال ابن المواز: ولا يكون الاستثناء إلا فيما فيه الكفارة فإذا استثنى سقطت عنه الكفارة.

الجزء: 6 - الصفحة: 339

قيل له: فكيف يسقط الاستثناء عنه الكفارة وإنما استثنى مشيئة من لا ينتهي إلينا علم مشيئته جل وعز؟ قال: هذا في اليمين بالله خاصة لما سبق فيه من الأثر، وأما غير ذلك من المشي والصدقة والعتق فقد ألزمه الرسول -عليه السلام- وجوب الفعل فيما نذر من الطاعة بقوله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه»، وألزم الله تعالى الطلاق لموجبه على نفسه لقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فإذا ألزم ذلك نفسه واستثنى مشيئة الله فقد أظهر ما حلف عليه، وغاب عنا علم المشيئة إلا أن الظن ظناً، ولا يحل العمل في الدين بظن ونحن إذا ألزمناه ما حلف عليه علمنا أن الله شاء ذلك، وليس ما جعل من المشيئة إلى أحد من العباد مثل مشيئة الله؛ لأنه إذا قال: أنت طالق إن شاء فلان؛ فذلك تمليك وليس يملكه العباد دون الله الطلاق والعتاق ويعد ذلك ندماً حين استثنى مشيئة من لا يدري كيف مشيئته فلا يقبل استثناؤه.

الجزء: 6 - الصفحة: 340

م: واختصار ذلك أن الأصل فيمن أوجب على نفسه فعل شيء بيمين من الأيمان فلم يفعله أو حلف ألا يفعله ففعله؛ أن يلزمه ما حلف به ولا ينفعه الاستثناء بمشيئة الله فيه إذ لا علم لنا بمشيئته فخرج الاستثناء في اليمين بالله من ذلك بالسنة وبقي ما عداه على أصله.
ومن المدونة قال مالك: ولا استثناء إلا واصل بيمينه محركاً به لسانه، فإما في نفسه أو تلفظ به بعد صمات فلا.
قال مالك: وإن حدثت له نية الاستثناء قبل تمام لفظه باليمين أو بعد إلا أنه لم يصمت حتى وصل بها الاستثناء أجزأه.
قال في كتاب ابن المواز: وهو مثل الذي يريد أن يحلف بالبتة فيقول: امرأتي طالق البتة ثم يبدو له فسكت عن تمام اليمين.
م: يريد أن ذلك لا يلزمه؛ لأن الحكم لآخر اليمين، وقد أجمعوا أو من نسق الطلاق بفعل؛ أن الحكم لآخر الكلام فكذلك يكون الاستثناء.

الجزء: 6 - الصفحة: 341

وقال ابن المواز من رأيه: إن نوى الاستثناء بعد لفظه بآخر حرف من حروف يمينه لم ينفعه وإن وصله حتى يبدو له في الاستثناء قبل انقضاء آخر حرف من حروف يمينه؛ فيكون ذلك له إذا لم يكن بين ذلك صمات إلا النفس، كقوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة فإذا لم يلفظ بالهاء من الشهادة حتى أجمع على الاستثناء نفعه وإذا لم يجمع على ذلك حتى لفظ بالهاء لم ينفعه.
قال ابو محمد وذكر ابن القاسم في المدونة خلاف ما ذكر محمد في هذا وقال: إن ذلك ينفعه إذا نسقه يمينه.
قال ابن حبيب: إذا بدأ في يمينه لا يريد الاستثناء ثم عرض له في قلبه فأتبعه يمينه نسقاً قبل أن يقطع كلامه فذلك له، قاله مالك وأصحابه.
ابن حبيب: ولا ينفع الاستثناء بالقلب دون اللسان وإن حرك به شفتيه أجزأه، وإن لم يجهر به وإن كان مستحلفاً لم يجزه إلا الجهر.
قال ابن المواز: وأوجه الاستثناء التي لا تجزئ النية بها دون تحريكم اللسان ثلاثة: أن يستثني "بأن" و "بإلا إن" و "بإلا"؛ فأما "إن" فكقوله: إن شاء الله أو إن شاء فلان

الجزء: 6 - الصفحة: 342

إن فعل فلان ونحوه، وكذلك "إلا أن" مثل قوله: إلا أن يكون كذا، إلا أن يفعل فلان، إلا أن أرى غير ذلك ونحوه، وأما "إلا" فمثل يمينه إن صحبت اليوم قرشياً إلا فلاناً وما أكلت اليوم طعاماً إلا لحماً، ولو حرك "بإلا" لسانه ونوى في نفسه وفلاناً أجزأه؛ لأن الواو بخلاف ما ذكرنا من أحرف الاستثناء.
وقد اختلف في "إلا" خاصة: فقيل: تجزئه بها النية كما تجزئه في محاشاة امرأته إذا قال: الحلال على حرام ونوى: إلا امرأتي، وقد قاله ابن أبي حازم.

الجزء: 6 - الصفحة: 343

م: وفي النوادر وقد قال ابن أبي سلمة: لا تنفعه المحاشاة في الحرام؛ لأنها نية في القلب.
يريد: والنية لا تنفع في "إلا".
واختلف فيها قول أشهب في العتبية.
وقال في المجمعة: إذا قال الحلال عليه حرام وحاشى امرأته؛ فلا شيء عليه، ولو قال: الحلال كله علي حرام ونوى في نفسه إلا امرأته؛ لم ينفعه وهو مدع حتى يستثنيه متكلماً به.
قال أبو محمد: كأنه يقول: إذا قال: الحلال علي حرام وحاشى امرأته، فمخرجه أنه جعل في نيته الحلال من الأشياء التي لم يدخل فيها امرأته ولم يستثنها، وإذا قال: الحلال كله عليه حرام ثم أخرج امرأته؛ فهذا استثناء، ولا ينفعه الاستثناء إلا باللفظ.
قال ابن المواز: وما كان من الاستثناء في يمين بوثيقة حق، أو شرط في نكاح، أو عقد بيع، أو فيما استحلفه آخر عليه؛ فلا يجزيه حركة اللسان به حتى يظهر ليسمع منه.

الجزء: 6 - الصفحة: 344

ومنه ومن العتبية قال مالك فيمن استحلف رجلاً أن لا يخبر أحداً بما يخبر به فحلف لا أخبرت أحداً واستثنى في نفسه إلا فلاناً فلا ينفعه حتى يحرك به لسانه.
قال ابن القاسم: فينفعه وإن لم يسمعه المحلوف له في هذا.
وقال سحنون: لا ينفعه حتى يسمع الذي حلفه؛ لأن اليمين له، وتأول سحنون أنه لم يتطوع أن يخبره حتى حلفه فإنه حق له.
قال ابن المواز: ولو [استحلفه أن لا يخبر إلا فلاناً فحلف له ونوى في نفسه: وفلاناً؛ فلا يحنث إن أخبر به من] نواه إلا أن يكون على يمينه بالطلاق بينة.
قال: ومن أعطي في سلعته عشرة فحلف أنها قامت عليها بعشرة وقد قامت عليه بدون عشرة؛ فهو حانث إلا أن ينوي بالكراء والمؤونة، فذلك مخرج له وإن لم يسمعه.
فصل وإذا عطف الاستثناء بالمشيئة على الفعل ويمينه بطلاق أو عتق؛ فقيل: ينفعه.
وقيل: لا ينفعه.
وذلك كقوله: إن فعلت كذا، أو إن أفعل كذا فامرأتي طالق أو عبده حر إن شاء الله، أو إلا أن يشاء الله: فقال ابن القاسم: لا ينفعه.

الجزء: 6 - الصفحة: 345

وقال ابن الماجشون وأصبغ: ينفعه إن نوى به الفعل وإن نوى به ما ذكر من طلاق أو عتق لم ينفعه.
قال أصبغ: ولا شك في هذا.
وكذلك هذا في جميع الأيمان سوى اليمين بالله وما جرى مجراه، ولا خلاف إذا رد إلى مشيئة نفسه؛ أنه ينفعه، كقوله: إن فعلت كذا، وإن لم أفعل كذا؛ فامرأته طالق، وعبده حر، إلا أن يبدو لي، وإلا إن أراد غير ذلك، يريد: يبدو لي في الفعل أو يرى غيره.
قال ابن القاسم: وكذلك قوله: أو يريني الله غير ذلك، وأما إن قال: إلا أن يقضي الله، أو يريد الله؛ فهو كقوله: إن شاء الله، وإن لم يضمن يمينه بفعل لم ينفعه قوله إلا أن يبدو لي كقوله: علي المشي إلى مكة، أو امرأتي طالق إلا أن يبدو لي؛ فهو حانث بلا خلاف.

الجزء: 6 - الصفحة: 346

فصل قال ابن المواز: وهو مأخوذ من قول مالك: والنية مفترقة على ثلاثة أوجه: 1 - فمنها لا يقبل فيه نية في قضاء ولا فتيا.
2 - ومنها ما يقبل في الفتيا والقضاء.
3 - [ومنها ما يقبل في الفتيا دون القضاء].
فمها لا يقبل في قضاء ولا فتيا: كل يمين على وثيقة حق أو شرط أو لتأخير أجل دين مما كان يقضي فيه السلطان من طلاق أو عتق فلا تقبل فيه نية، وما كان لا يقضي به كيمين بصدقة أو مشي ونحوه فلا يلزمه، ويدين في نيته؛ مثل أن يقول: نويت المشي إلى المسجد نحوه، وقاله أشهب.
قال أصبغ: وهذا إن لم يحكم عليه فيه، فيلزمه بينه وبين الله ولا ينفعه النية حلف أو استحلف وكذلك في العتبية.
ابن المواز قال مالك: وإذا حلف بالحلال عليه حرام على حق لم ينفعه محاشاته زوجته.
قال ابن القاسم: سواء استحلفه الطالب أو شيق عليه حتى بدر باليمين، أو خاف أن لا يتخلص منه إلا باليمين، فأما إن ابتدأه باليمين من غير أن يستحلفه أو يحرجه؛ فله

الجزء: 6 - الصفحة: 347

نيته، وإن [كان عن يمينه وقد قال مالك: إن ذلك سواء؛ لأنها وثيقة على كل حال فلا ينوي، وإنما النية والمحاشاة فيما حلف عليه من أمور يقينه] كان على يمينه بينة أو لم تكن.
قال أشهب: وقد قيل في يمينه بالحرام: ليقضينه حقه إلى أجل كذا.
فقال: حاشيت امرأتي، إن ذلك له، وإن كان على يمينه بينة، وكذلك روى ابن حبيب للاختلاف في هذه اليمين.
م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال: قول: أنه لا تنفعه المحاشاة بوجه.
وقول: أنه تنفعه.
وقول: فرق بين أن يكون فيه مستحلفاً أو متبرعاً فحنث؛ فيحنث المستحلف دون المتبرع.
ومنه: ومن حلف للأمير طوعاً بطلاق امرأته في أمر كذب فيه وقال: أردت بذلك امرأتي الميتة أو المطلقة فلا ينوي في قضاء ولا فتيا؛ لأنه قال: امرأتي.
م: وهذا في كتاب التخيير والتمليك من المدونة.

الجزء: 6 - الصفحة: 348

قال ابن المواز: وأما ما يقبل منه في الفتيا دون القضاء؛ فهو كل من حلف ألا يفعل شيئاً ولم يذكر تأبيداً ثم قال: نويت شهراً، أو حتى يقدم فلان، وذلك أنه أظهر يميناً تدل على التأبيد فادعاء، ما يقطع التأبيد؛ فيصدق في الفتيا ولا يصدق في القضاء، وكذلك لو حلف ألا يأكل سمناً وقال: نويت سمن ضأن، أو حلف لزوجته في جارية له إن كان وطأها وهو يريد بقدميه فله نيته في هذا وشبهه في الفتيا دون القضاء، وكذلك من قال لامرأته: أنت طالق وأنت طالق البتة إن راجعتك فأراد أن يرتجعها بنكاح جديد وقد خرجت من العدة وقال: إنما نويت ما كانت في عدتها، فإن كانت على يمينه بينة لم أدينه وإن لم تكن عليه بينة دينته، وقيل: إنما معنى هذا إذا جاء مستفتياً بلا مخاصمة ولا مرافعة، وأما إذا جاءت المرافعة فسواء كانت على أصل يمينه بينة أو لم يكن فإقراره بها كالبينة؛ لأنه ظاهر الإقرار مدع فيما يطرحه، فتطلق عليه، ولا يقبل قوله، وكذلك من قال: حكمة طالق، وله جارية وزوجة تسميان كذلك وقال: نويت جاريتي فله نيته في الفتيا وأما في القضاء إن قامت عليه بذلك بينة أو حلف به على وثيقة حق؛ فلا تنفعه بينته، وأكثر هذا في المدونة.
قال ابن المواز: وأما ما يقبل فيه نيته في القضاء والفتيا مثل: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج في حياتها أو يكون ذلك شرط في أصل نكاحها فتبين منه، ثم يتزوج ويقول نويت ما كانت تحتي فيصدق.
ومثل الذي يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها

الجزء: 6 - الصفحة: 349

فتحلف بالحرية لا دخل علي من أهلي أحد، فلما مات قالت: نويت ما كانت حياً؛ فذلك لها في القضاء وإن قامت عليها بينة.
م: وكذلك مسألة العاشر والذي تعجب من عمل عبده، فيقول: ما أنت إلا حر، وذلك في العتق مذكور.
م: واختصار هذه الوجوه: إن كل من حلف بطلاق أو عتاق على توثقه حق، أو تأخير به، أو يحلف بذلك طوعاً في أمر كذب فيقول: نويت امرأتي أو جاريتي الميتة؛ فهذا لا ينفعه نيته في قضاء ولا فتيا.
واختلف هل تنفعه المحاشاة في يمينه على ذلك بالحلال عليه حرام: فقيل: إن ذلك لا ينفعه حلف متبرعاً أو استحلف.
وقيل: ينفعه.
وقيل: ينفع المتبرع دون المستحلف.
والثاني: أن يحلف بالطراق والعتاق لا يفعل كذا وقال: نويت شهراً، أو لا يأكل سمناً، فيقول: نويت سمناً ضأن، أو لا يلبس ثوباً وقال: نويت وشياً؛ فهذا ينفعه في الفتيا لا في القضاء.
والثالث: أن يحلف لزوجته بطلاق من يتزوج عليها في حياتها فيفارقها ثم يتزوج فيقول: نويت ما كانت تحتي، أو يعاتب زوجته في دخول بعض قرابتها إليها فتحلف

الجزء: 6 - الصفحة: 350

بالحرية ألا دخل عليها منهم أحد فلما مات قالت: نويت ما كان حياً فذلك لها في القضاء والفتيا.
جامع الأيمان وما يكره منها فيما يلزم من الحلف بها أم لا قال الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ﴾.
ابن حبيب قال زيد بن أسلم: نهاهم أن يكثروا الحلف به وإن كانوا بررة مصلحين بين الناس.
وفي كتاب ابن المواز قال: قال: هو أن يحلف على ما لا يصلح من أن لا يصل رحمه، ولا يصلح بين اثنين فقال الله تعالى: ﴿أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ فهو خير مما يمضي على ما لا يصلح فينبغي أن يكفر ويأتي ما هو خير.
ابن حبيب: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: [«شر الفجار من كثرت أيمانه وإن كان صادقاً».
ومن العتبية: روي أن موسى -عليه السلام- قال]: (لا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون).

الجزء: 6 - الصفحة: 351

قال عيسى -عليه السلام-: (وأنا أنهاكم أن تحلفوا بالله لا صادقين ولا كاذبين قولوا: لا ونعم).
وروى محمد وابن حبيب أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تحلفوا بذمة الله ولا بعهوده ولا بالكعبة ولا بآبائكم ولا بحدود الله ولا بالطواغيت، ومن كان حالفاً فليحلف بالله ومن حلف بالله فليصدق ومن حلف له بالله فليرض ومن لم يرض فليس منا».
[قال في كتاب محمد: ومن حلف بغير الله فليس منا].
ابن حبيب وقال -عليه السلام-: «لا تحلفوا بالطلاق ولا بالعتاق فإنها من أيمان الفساق».
وقال ابن عباس: لأن أحلف بالله فآثم أحب إلي من أن أضاهي، فقيل: معناه الحلف بغير الله، وقيل: يعني الإلغاز والخديعة بربه أنه حلف ولم يحلف.
والأول أولى؛

الجزء: 6 - الصفحة: 352

لأنه عظم غير الله تعالى بالحلف به، كقوله عز وجل: ﴿يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ﴾ أي ما يشبه قوله وقد بينه ابن عباس فقال: لأن أحلف بالله تعالى مائة مرة فآثم خير من أن أحلف بغيره مرة فأبر.
ونحوه عن ابن مسعود.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والحلف بجميع أسماء الله تعالى وصفاته أنه لازم كقوله: والعزيز والسميع والعليم والخبير واللطيف فهي كلها أيمان.
قال ابن المواز: غير أن كفارة واحدة تجزيه مثل قوله: والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة لا فعلت كذا فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة.

الجزء: 6 - الصفحة: 353

قال م: وكتكرير اليمين بالله مثل: والله والله والله لا فعلت كذا؛ فحنث فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأنها كلها أسماء الله فذكرها كتكرير واحد منها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: وعزة الله وكبريائه وقدرته وعظمته وأمانته فهي كلها أيمان.
قال ابن حبيب: وكفارة واحدة تجمعها كمن حلف بالله مراراً؛ لأن ذلك لله ومن نعت الله.
م: وذهب بعض المتأخرين من أصحابنا: أن الحلف بصفات كثيرة يجمعها في يمينه فحنث؛ أن عليه لكل صفة كفارة بخلاف اليمين بأسماء الله كثيرة وهو قول حسن.
م: قال بعض فقهائنا: وذلك يجري على قولين: فقول: أن من حلف بصفات جمعها في يمينه إنما يكفر كفارة واحدة كيمينه بأسماء الله عز وجل وهو ما تقدم لابن حبيب وغيره.
وقول آخر: أنه إذا أطلق ذلك ولا نية له فعليه لكل صفة كفارة بخلاف إذا كرر اسم الله.
ووجه هذا: أنه لما كان الاسم هو المسمى والمسميات عبارة عنه، فإنما هو حالف بشيء واحد وإن كرر التسمية، فكانت عليه كفارة واحدة، وأما الصفات إذا حلف بها

الجزء: 6 - الصفحة: 354

فهي أشياء فعليه لكل صفة كفارة واحدة، وليست الصفة هي الموصوف ولا هي غيره في الباري تعالى ولا كل صفة هي غير الصفة الأخرى على مذاهب أهل الحق.
وقد اختلف أهل الحق في الصفات: هل يطلق فيها القول بأنها مختلفة؟ وإن كان فيها معنى الاختلاف عندهم ولم يختلفوا أنه لا يقال في الصفات أنها أغيار ولا أنها متماثلة ولا أنها متضادة؛ فبان بهذا الذي وصفناه أن الحالف بصفات جمعها في يمينه لا يكون كمن حلف بأسماء الله وجمعها في يمينه، والصفات يطلق عليها أنها أشياء، وإن كان لا يطلق فيها أنها متغايرة ولا متضادة ولا متماثلة على ما ذكرنا.
قال: وينبغي عندي أن يكون الحالف بالعزة والجلال والعظمة إنما يكفر إذا حنث كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى صفة واحدة وهي القدرة، وكذلك الحالف بالعهد والميثاق إنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك يرجع إلى الكلام، وكذلك من حلف بغضب الله ورضاه وسخطه ورحمته؛ لأن هذا ونحوه إنما يرجع إلى الإرادة وليس هذا كمن حلف بالعلم والكلام والقدرة ونحو ذلك؛ لأن هذا لا يرجع إلا صفة واحدة فينبغي

الجزء: 6 - الصفحة: 355

أن يميز هذا.
فهذا أصل إذا ركب كان قولاً حسناً وإن كان لا يقتضيه ما في بعض الروايات ولكن هو النظر والله أعلم.
وهذا الذي ذكرنا إنما هو في صفات الذات لا في صفات الأفعال؛ لأن الصفات على ضربين: صفات ذات، وصفات أفعال.
فصفات ذاته: فعلى نحو ما قدمنا ذكره في العلم والقدرة والكلام.
وصفات أفعاله: نحو الخلق والرزق والإحياء والأمانة فلا كفارة على من حلف بشيء من صفات أفعاله.
وأما لو قال: والخالق والرازق والمحيي والمميت؛ فهذا حالف بالله فعليه الكفارة وإن كانت تسمية تقتضي صفات الفعل؛ لأن الأسماء على مذاهب أهل الحق على ضروب: فمنها: ما يقتضي صفات الذات.
ومنها: ما يقتضي صفات الفعل.
ومنها: ما يقتضي إثبات وجود الباري وحقيقته.
وهذا مبسوط في كتب أصحاب الأصول، وفيما ذكرنا منه كفاية وبالله التوفيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 356

قال ابن المواز: وقد استعظم بعض الناس اليمين بأمانة الله وذكر لنا أن النبي -عليه السلام- نهى عن ذلك ونحن نكره اليمين بها فإن حلف بها ففيها الكفارة مثل العهد والذمة.
قال أشهب: إن حلف بأمانة الله التي هي صفة من صفاته فهي يمين، وإن حلف بأمانة الله التي هي بين العباد فلا شيء عليه، وكذلك قال: في عزة الله التي هي صفة اذته، وأما بالعزة التي جعلها الله في خلقه فلا شيء عليه، وكذلك تكلم ابن سحنون في معنى قول الله سبحانه: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُون﴾ إنها العزة التي هي غير صفاته التي جعلها في خلقه.
قال ابن المواز: ويمينه بالمصحف أو بالكتاب أو بالقرآن أو بما أنزل الله تعالى يمين؛ وفيها كفارة اليمين.
قال هو وابن حبيب: كفارة وحدة تجمعها.
ابن المواز: ولم ير عطاء [على من حلف بكتاب الله كفارة.
قال أبو إسحاق: لعل عطاء أراد أنه حلف باللوحين اللذين فيهما الكتابة ولم يحلف بكلام الله القائم بذاته الذي هو صفة ذاته.

الجزء: 6 - الصفحة: 357

قال غيره: إن الناقل عن عطاء] شك فقال: سئل عن اليمين بالكتاب أو بالكعبة وهذا أشبه أن يجعل الوهم على الناقل.
وذكر علي بن زياد عن مالك في العتبية: أن الحالف لا والقرآن لا والمصحف لا يكفر.
أو محمد: وهي رواية منكرة والمعروفة عند غيرها.
قال سحنون: ومن حلف بالتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة.
م: وكذلك لو حلف بالقرآن والتوراة والإنجيل في كلمة واحدة فإنما عليه كفارة واحدة؛ لأن ذلك كله كلام الله سبحانه وهو صفة من صفات ذاته فكأنه حلف بصفة واحدة فعليه كفارة واحدة واتفاق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: لعمر الله لأفعلن كذا؛ فهي يمين.
قال عنه ابن المواز: وذلك بمنزلة: وحق الله، ولا يعجبني أن يحلف بذلك أحد.
قال فيه وفي المدونة: وقوله: لعمري ليس بيمين.

الجزء: 6 - الصفحة: 358

ابن المواز: وهي تشبه: وحياتي؟: وقيل: إن ذلك في لغة النساء واليمين بذلك مكروهة.
ومن المدونة قال مالك: وإن قال: علي عهد الله، أو كفالته، أو ميثاقه، وقال علي عشر كفالات، أو عشر مواثيق، أو عشر نذور، أو أقل أو أكثر؛ لزمه عدد ما ذكر من كفارة.
قال مالك: وقوله علي نذر، أو لله علي نذر؛ سواء، وعليه إن حلف بذلك فحنث كفارة يمين إلا أن ينوي بنذره ذلك: صوماً أو صلاة أو حجاً أو شيئاً من أعمال البر فيلزمه ما نوى، وإن لم يكن له نية فكفارته كفارة يمين.
[ابن وهب وقال الرسول -عليه السلام-: «ومن نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين»] وقال جماعة من الصحابة والتابعين.
وإن قال: علي يمين إن فعلت ولا نية له؛ فعليه كفارة يمين كقوله علي نذر أو عهد.
ابن وهب: وقال ابن عباس وجماعة من الصحابة التابعين: من قال علي عهد الله؛ فعليه كفارة يمين.
ابن المواز وإن قال: علي نذر لا يكفره صيام ولا صدقة، أو قال: علي نذر لا كفارة له؛ فليستغفر الله ويكفر كفارة اليمين، وقاله الليث.

الجزء: 6 - الصفحة: 359

ابن المواز ولو قال: علي نذر إن فعلت كذا فحنث؛ فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي عهود، ولو قال: علي عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته [وأشد ما أخذ أحد على أحد فعليه في قوله عهد الله وغليظ ميثاقه وكفالته] ثلاث كفارات، وأما قوله: أشد ما أخذ أحد على أحد فإن لم تكن نية فليطلق نساءه ويعتق رقبة ويمشي إلى بيت الله ويتصدق بثلث ماله.
[ولابن وهب في العتبية: في قوله: وأشد ما أخذ أحد على أحد، قال في ذلك: كفارة يمين].
وفي العتبية: وإن لم يرد الطلاق ولا العتاق وعزله عن ذلك فإنما عليه كفارة يمين.
م: وهذا خلاف ما في كتاب محمد.
ومن المدونة ومن قال: أقسم أو أشهد أو حلف أو لا أفعل كذا؛ فإن أراد بالله فهي يمين وإلا فلا شيء عليه.
وإن قال: أعزم ألا أفعل كذا؛ لم يكن هذا يمين، إلا أن يقول: أعزم بالله، فهذه يمين.
وإن قال الرجل: أعزم عليك بالله إلا ما فعلت كذا، فيأبى؛ فهو كقوله: أسألك بالله لتفعلن كذا، فامتنع؛ فلا شيء على واحد منهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 360

ابن حبيب: وينبغي له أن يجيبه ما لم يكن معصية وهو من قول الله سبحانه ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ يريد: أن يسأل الله وبالرحم فإن لم يفعل فلا كفارة على واحد منهما.
وأما قوله: أقسمت عليك بالله لتفعلن كذا فهذا يحنث الذي أقسم إن لم يجبه الآخر، وهذا كقوله: حلفت عليك بالله.
قال سحنون: ومن قال: علم الله إن فعلت كذا، فإن أراد العلم فهي يمين كالحالف بصفة من صفات الله، وإن لم يرد العلم فليس فيه شيء.
قال أشهب في العتبية: ومن قال لغريمه: الله يعلم إذ لا أضع لك من حقيق شيئاً فوضع له.
قال: لو كفر بإطعام عشرة مساكين.
قال أبو محمد: قال بعض أصحابنا: في معاذ الله؛ ليست يمين إلا أن يريد بها اليمين.
وقيل في معاذ الله وحاشا لله: ليست يمين بحال.

الجزء: 6 - الصفحة: 361

ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن قال: علي حرام إن فعلت كذا، قال: قال مالك: لا يكون الحرام في شيء؛ لا في طعام ولا في شراب ولا في أم ولد إن حرمها على نفسه ولا في خادم ولا عبد ولا في غيره إلا أن يحرم امرأته فيلزمه الطلاق.
ابن وهب: وذكر زيد بن أسلم أن النبي -عليه السلام- قال لأم ولده: «أنت علي حرام والله لا أمسك» فكر عن يمينه ولا يكفر لتحريمه.
قال مسروق: عاتبه الله في التحريم وأمره بالكفارة في اليمين.
فصل قال مالك: ومن قال: إن فعلت كذا فهو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو كافر بالله أو بريء من الإسلام؛ فليست هذه أيمان، وليستغفر الله مما قال، ولا يكون كافراً حتى يكون قلبه مضمراً على الكفر وبئس ما قال.
قال في العتبية: قال ابن مسعود: ما أحب أن أحلف: ألا أعبد هذا، إن البلاء موكل بالقول.

الجزء: 6 - الصفحة: 362

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: والصلاة والصيام والزكاة والحج لا أفعل كذا ففعله، لم يكن شيء من هذا يميناً.
وإن قال: إن فعلت كذا فهو زانٍ أو سارق أو يأكل لحم الخنزير أو الميتة أو يشرب الخمر أو الدم أو يترك الصلاة وعليه لعنة الله أو غضبه أو أحرمه الله دخول الجنة أو أدخله النار وكل ما دعا به على نفسه لم يكن شيئاً من هذا يميناً.
وكذلك قوله: وأبي وأبيك وحياتي وحياتك وعيشي وعيشك، قال مالك: هذا من كلام النساء وضعفاء الرجال.
قال: وأكره اليمين بهذا أو بغير الله تعالى.
ابن وهب: وسمع النبي -صلى الله عليه وسلم- من يقول: لا وأبي، فقال النبي -عليه السلام-: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت».
قال مالك وبلغني أن عمر بن عبد العزيز قال: رغم أنفي لله، الحمد لله الذي لم يمتني حتى قطع مدة الحجاج.
قال مالك: وما يجعبني أن يقول أحد: رغم أنفي لله، ومن كان حالفاً فليحلف بالله.

الجزء: 6 - الصفحة: 363

ابن حبيب: كره ذلك مالك، ولا بأس أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز في مثل هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ذمي بالله فحنث بها بعد إسلامه فلا كفارة عليه عند مالك.
وقد تقدم أن الاستثناء واللغو جائز في النذر والعهد والميثاق كاليمين بالله.
فيمن نذر طاعة أو معصية، أو حلف: لا فعلت كذا، أو ليفعله قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه».
ابن وهب: ورأى النبي -عليه السلام- وهو يخطب أبا إسرائيل رجلاً من بني عامر قائماً في الشمس فقال: «ما شأنه؟» قالوا: نذر ألا يتكلم ولا يستظل ولا يجلس وأن يصوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروه فليتكلم وليستظل وليجلس وليتم صومه».

الجزء: 6 - الصفحة: 364

قال مالك: فأمره أن يتكلم، ويتم ما كان لله فيه طاعة، وأن يترك ما كان فيه معصية، ولم يأمره بكفارة.
وقال النبي -عليه السلام-: «من نذر نذراً ولم يسمه فكفارته كفارة اليمين».
وقال ابن عمر وابن عباس فيمن نذر ألا يدخل على أخيه: لا نذر في معصية؛ كفر عن يمينك وادخل على أخيك.
م: يريد أنه قال: علي نذر إن دخلت على أخي فلذلك أمره بالكفارة، وأما لو نذر أن لا يدخل عليه فهذا يدخل ولا يكفر والله أعلم.
قال ابن المواز: ومن قال: إن شفاني الله من مرضي فعلي أن لا أقرب امرأتي حتى أحج أو أغزوا أو أصوم؛ فإنه يطأ امرأته ويحج أو يغزو أو يصوم وليس في تركه وطء امرأته طاعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن نذر أن يطيع الله في صلاة أو صوم أو حج أو غزو أو رباط أو عتق أو صدقة شيء يسميه أو فعل شيئاً من الخير تطوع بذلك الخير أو حلف به فحنث؛ فلا يجزيه إلا الوفاء به.

الجزء: 6 - الصفحة: 365

وإن قال: علي نذر إن لم أعتق رقبة أو لم أفعل كذا من البر، فإن شاء فعله فبر، وإن شاء تركه وكفر كفارة يمين.
وإن ضرب لفعله أجلاً فجاوزه ولم يفعل ما حلف عليه؛ فعليه كفارة يمين إلا أن جعل لنذره مخرجاً من البر؛ مثل قوله: علي نذر صدقة دينار أو عتق رقبة أو صيام شهر إن لم أحج العام أو أغزو العام أو نوى ذلك وما أشبهه فيفوت الأجل ولم يفعل ذلك؛ فيجب عليه ما نذر وسمى.
ابن المواز وإن قال: علي نذر أن أصوم العام رمضان بالمدينة فإن لم يفعل لشغل أو نسيان؛ لزمه ذلك من قابل، وإن حبسه عن ذلك مرض فلا شيء عليه، وكذلك إن قال: علي نذر أن أحج العام، فهو مثل الذي يقول: علي صيام شهر كذا،

الجزء: 6 - الصفحة: 366

فإن ترك صومه لمرض أو إغماء أو حيض فلا شيء عليه، وإن تركه لشغل أو تعمد فعليه قضاء ذلك.
قيل: فإن تركه حتى كبر وأيس من الصوم؟ قال: يطعم عن كل يوم مسكيناً لأنه مفرط.
ومن المدونة: وإن قال علي نذر إن لم أشرب الخمر أو أقتل فلاناً ونحوه من المعاصي؛ فلا يفعل ذلك ويكفر كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيؤمر أن يفعل ما سمى من البرد ولا يركب معاصي الله، فإن اجترأ وفعل ما قال من المعصية؛ فقد أثم وسقط عنه النذر كان له مخرج أو لم يكن.
وإن قال: علي نذر شرب الخمر أو أن أشرب الخمر أو أن لا أشربها؛ فلا يشربها ولا كفارة عليه شربها أو لم يشربها.
وإن قال: علي نذر إن شربت الخمر فلا يشربها ولا كفارة عليه، وهو على بر، فإن شربها فعليه كفارة يمين إلا أن يجعل لنذره مخرجاً من البر فيلزمه.
م: فهذه خمسة أوجه ترجع إلى أربعة معان: الأول: جعل على نفسه نذراً إن لم يشربها.
والثاني: جعل عليه نذراً إن شربها.
والثالث: نذر شربها.
والرابع: نذر أن لا يشربها.

الجزء: 6 - الصفحة: 367

قال ابن القاسم: ومن نذر ما ليس فعله بطاعة ولا تركة معصية مثل: المشي إلى السوق ونحوه فإن شاء فعل وإن شاء ترك.
فصل ومن قال: والله لأضربن فلاناً أو لأقتلنه؛ فليكفر عن يمينه ولا يفعل، وإن فعل ما حلف عليه فلا كفارة عليه.
وإن قال: امرأته طالق، أو عبده حر، أو عليه المشي إلى بيت الله إن لم أقتل فلاناً أو إن لم أضربه؛ فليمش إلى بيت الله ولا يضربه ولا يقتله، وأما العتق والطلاق: فينبغي للإمام أن يطلق عليه ويعتق إن دفع إليه ذلك بالقضاء ولا ينتظر به فيئته، فإن اجترأ ففعل ذلك قبل النظر فيه زالت عنه أيمانه ولا حنث عليه، وإن ضرب لفعله بالطلاق والعتق والمشي أجلاً فهو على بر، وإنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ذلك.
م: ولا يطلق عليه الإمام يعتق عبد بغير عينه؛ لأنه لا ينفع تعجيل الحنث فيما هو فيه على بر إذ ذاك غير معين؛ وقد قال

الجزء: 6 - الصفحة: 368

فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن لم أتزوج عيك إلى شهر: أنه على بر وله وطأها وليس له أن يحنث نفسه قبل الأجل؛ لأنه إنما يحنث إذا حل الأجل ولم يفعل ما حلف عليه ولو كانت يمينه في المسألة الأولى بالثلاث أو ببقية الثلاث أو يعتق عبداً بعينه لعجل الحنث عليه؛ لأن ذلك معين يصح تعجيل الحنث فيه وأن لا يترك للبر بقتل المحلوف عليه، ألا ترى أن من حلف بطلاق امرأته ألا يطأ امرأة له أخرى؛ فأراد تعجيل الحنث لزوال الإيلاء إنما ينفعه ذلك إذا كانت يمينه بالثلاث أو ببقية الثلاث قاله محمد فكذلك هذا.
وإذا لم يضرب أجلاً ي هذه المسألة نفع تعجيل الواحدة؛ لأنه على حنث، كمن حلف بطلاق امرأته واحدة ليتزوجن عليها؛ فله أن يحنث نفسه ويطلقها واحدة ولا يتزوج عليها؛ لأنه في يمينه على حنث وهذا الصحيح من المذهب، وإن كان قد وقع لمالك في كتاب الظهار: فيمن حلف بعتق رقبة أن لا يطأ امرأته فأخبر أن الإيلاء وقع عليه فأعتق رقبة إرادة إسقاط الإيلاء قال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث وإن أعتق قبله أجزأه ولا إيلاء عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 369

م: قال ابن المواز: وقد قال أيضاً مالك: لا يجزيه ذلك إلا في رقبة معينة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
وفي أول باب الكفارة إيعاب هذا.
وفي كتاب الأيمان بالطلاق مسألة: الذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك؛ أنه حانث وهناك تمامها.
ابن حبيب: ومن زم ثوب رجل فقال: له أرسله، فامرأته طالق لو شققته لشققت جوفك، قال مالك: فليحلف بالله إن فعل لفعل ثم لا شيء عليه.
وقال ابن القاسم: لا يعجبني، وهو حانث كالذي حلف لو كنت حاضر الشرك مع أخي لفقأت عينك.
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لامرأته: والله لأطلقنك؛ فليس بمولي ولا يمنع من الوطء فإن شاء طلق فبر في يمينه وإن لم يطلق لم يحنث إلا بموته أو موتها ولا يجبر على الكفارة.

الجزء: 6 - الصفحة: 370

وإن قال لها: أنت طالق إن لم أفعل كذا حيل بينه وبينها حتى يفعل ذلك وإلا دخل عليه الإيلاء، وإن كانت يمينه: لا فعلت؛ لم يحل بينه وبينها حتى يفعل ذلك؛ لأنه على بر حتى يفعل ذلك فيحنث.
وكذلك إن قال: والله لا أضرب فلاناً فلا يحنث حتى يضربه.
وأصل هذا: أن كل من حلف على شيء ليفعلنه فهو على حنث حتى يفعله لأنا لا ندري أيفعله أم لا، وإن من حلف على شيء أن لا يفعله فهو على بر حتى يفعله.
قال بعض البغداديين: وإنما كان ذلك لأن الأيمان مترددة بين البر والحنث؛ فالبر بالموافقة، والحنث بالمخالفة؛ لأنه إذا حلف لا فعلت كذا فهو وقت حلفه غير فاعل فهو على بر؛ لأنه موافق لما حلف عليه، وإنما الحنث مترقب، فإذا فعل حنث؛ لأنه المخالفة حينئذ وجدت وكذلك قوله: إن فعلت، وأما قوله: إن لم أفعل أو لأفعلن فالمخالفة موجودة وقت الحلف لأنه إن قال: إن لم أضرب عبدي فهو في الحال غير ضارب فهو على حنث؛ لأنه مخالف لحلفه والبر مترقب فإذا فعل بر.

الجزء: 6 - الصفحة: 371

في اليمين على أشياء متفقة أو مختلفة ففعل بعضها فالكفارة في ذلك في تكرير اليمين، ومن حلف لأقضينك حقك إلى حين أو زمان أو دهر قال ابن القاسم: ومن قال لنسائه الأربع والله لا أجامعكن فجامع واحدة منهن حنث وله أن يطأ البواقي قبل أن يكفر كما كان له وأن يطأهن كلهن قبل أن يكفر.
قال مالك: وإنما يلزمه إذا وطئ إحداهن أو كلهن كفارة واحدة، وكذلك لو قال: [والله لا أكلم فلاناً ولا أدخل دار فلان ولا أضرب فلاناً ففعل ذلك كله أو بعضه فإنما عليه كفارة واحدة وكأنه قال: والله لا أقرب شيئاً من هذه الأشياء و] لو قال: والله لا أكلم فلاناً والله لا أدخل دار فلان والله لا أضرب فلاناً فعليه هاهنا لكل صنف فعله كفارة؛ لأن هذه ثلاثة أيمان بالله على أشياء مختلفة ولو كانت يمينه على شيء واحد لكانت عليه كفارة واحدة كمن قال: لامرأته والله لا أجامعك والله لا أجامعك، والله لا أجامعكم فحنث؛ فإنما عليه كفارة واحدة.
[قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم رد فحنث فإنما عليه كفارة واحدة].

الجزء: 6 - الصفحة: 372

قال ابن القاسم: فكل من حلف بالله ألا يفعل كذا ثم ردد اليمين في ذلك مراراً في مجلس واحد أو في مجالس ثم فحنث فكفارة واحدة تجزئه عن ذلك نوى باليمين الثانية غير الأولى والثالثة غير الأولى والثانية أو لم ينو شيئاً، فهي يمين واحدة إلا أن ينوي أن عليه ثلاثة أيمان كالنذور فتلزمه ثلاث كفارات سواء قال في يمينه: لله علي أم لا.
قال ابن المواز: وذلك أن ينوي ثلاث كفارات فيلزمه ذلك، وأما من قال: لله علي ثلاث نذور فحنث فعليه ثلاث كفارات، وكذلك إن قال: علي نذر إن فعلت كذا، ثم قال: علي نذر إن فعلت كذا، ففعل؛ فعليه كفارتان إلا أن يريد بقوله الآخر النذر الأول فتلزمه كفارة واحدة.
م: وهذا كاليمين بالطلاق لو قال: إن كلمت فلاناً فامرأته طالق ثم قال: إن كلمته فامرأته طالق ثم كلنه؛ لزمه طلقتان إلا أن يريد واحدة، وذلك أن الطلقة الأولى غير الثانية وكذلك النذر الأول غير الثاني، فلذلك لزماه جميعاً وفي اليمين بالله تعالى المحلوف به أولاً هو المحلول به آخراً فهذا فرق ما بينهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 373

قال ابن المواز: ومن حلف بالله لا فعلت كذا، فقيل له: إنك ستحنث، فقال: والله لا أحنث، ثم حنث فعليه كفارتان.
قال: ومن حلف لا باع سلعته هذه من فلان فقال له آخر: فأنا، فقال: لا والله لا أنت، فباعها منها جميعاً فعليه كفارتان، وفي الطلاق طلقتان، ولو باعها من أحدهما ثم ردها عليه فباعها من الثاني فعليه كفارتان قاله مالك وابن القاسم.
ولو قال: والله لا بعتها من فلان ولا من فلان فكفارة واحدة تجزيه، باعها منهما أو من أحدهما أو ردها عليه فباعها أيضاً من الآخر فهو سواء.
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال والله لا أكلم فلاناً، ثم قال: علي حجة أو عمرة إن كلمته فهما يمينان إن حنث لزمتاه جميعاً.
قال: ومن حلف ألا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها فحنث ثم كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر أو بعد؛ لم تلزمه إلا كفارة واحدة.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: [ومن قال: والله لا كلمتك غداً أو والله لا كلمتك بعد غد فكلمه في اليومين فعليه كفارتان وإن كلمه في أحدهما فكفارة واحدة]، ولو قال:

الجزء: 6 - الصفحة: 374

والله لا كلمتك غداً والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه غداً لزمته كفارتان ثم إن كلمه بعد غد فلا شيء عليه ولو لم يكلمه غداً وكلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة.
م: ووجه ذلك أنه لما حلف ألا يكلمه [غداً فقد انعقدت عليه في غد يمين فيها، ثم لما حلف ألا يكلمه] في غد ولا بعد غد فقد انعقدت عليه في بعد غد يمين غير اليمين الأولى؛ لأنه لما أضافها مع بعد غد ويمينه في بعد غد منعقدة وجب انعقادها عليهما جميعاً؛ لأنه لا يكون يمين منعقدة غير منعقدة، وهذا كمن قال لامرأته: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال لها ولنساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق فإنه إن تزوجها لزمته طلقتان ولا ينوي؛ لأن اليمين الثانية انعقدت عليها مع غيرها فهي غير الأولى فلا ينوي أنه أراد الأولى بها، كما لو قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم قال: لها إن كلمت زيداً فأنت طالق فحنث؛ ففيهما طلقتان، ولا ينوي أنه أراد باليمين الثانية الأولى، وكذلك يلزمه في اليمين بالله كفارتان.
ووجه قولنا: ثم إن كلمة بعد غد فلا شيء عليه لأني عجلت حنثه في ذلك بكلامه في غد، كما لو كانت يمينه: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد فعليه كفارة ثم إن

الجزء: 6 - الصفحة: 375

كلمة بعد غد فلا شيء عليه؛ لأني قد عجلت حنثه فيهما فلا يتكرر عليه الحنث في يمين واحدة؛ [وهذا بين.
ووجه قولنا: ولو لم يكلمه غداً وإنما كلمه بعد غد فإنما عليه كفارة واحدة]؛ لأنه حلف ألا يكلمه فيها وقد كلمه فوجب حنثه.
م: ولو كان إنما قال: والله لا كلمتك غداً أو بعد غد، ثم قال: والله لا كلمتك غداً وكلمه في غد؛ فهذا إنما عليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما كرر اليمين في كلامه في غد فهو كما لو كرره فيهما جميعاً فقال: والله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فكلمه في غد أو بعد غد؛ فإنما عليه كفارة واحدة، فهو بخلاف أن لو قال: والله لا كلمتك غداً ووالله لا كلمتك غداً ولا بعد غد فاعرفه وقيس عليه ما يرد عليك منه فإنه خفي من العلم، وقد اختلف في الوجه الأول أصحابنا؛ والذي اتفق عليه الحذاق والمحققون للمسائل ما قدمت لك وبالله التوفيق.

الجزء: 6 - الصفحة: 376

فصل ومن المدونة: قال مالك: ومن قال: والله لأقضينك حقك إلى حين وزمان أو دهر فذلك كله سنة.
وقال ابن وهب: إن مالكاً شك في الدهر أن يكون سنة.
وقال ابن عباس فيمن حلف ألا يكلم فلاناً حيناً قال: الحين سنة، وتلا: ﴿تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾.
وقاله ربيعة وابن حبيب.
وقال ابن المسيب: الحين ستة أشهر من طلوع النحل إلى حين ترطب.
وروى مطرف عن مالك أن الدهر: أكثر من سنة.
وقال مطرف: وسنتان قليل، وما أوقت فيه وقتاً.
تم كتاب النذور الأول بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على محمد وآله.

الجزء: 6 - الصفحة: 377

كتاب النذور الثاني بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على محمد وآله وسلام جامع القول في كفارة اليمين بالله تعالى للحر والعبد قال الله تعالى في كفارة اليمين بالله وهي التي أذن في اليمين بها: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ إلى قوله ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ فجاز أن يطعم في الكفارة الوسط من المشبع وهو مد بمدة النبي عليه السلام، ولم يذكر في الظهار وسطاً، فعملنا فيه على الغاية وذلك مد بمد هشام وهو مدين إلا ثلث.
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير».
وروي: «فليأت الذي هو خير وليكفر».
قال ابن وهب: وكان ابن عمر ربما قدم الكفارة ثم حنث وربما حنث ثم كفر

الجزء: 6 - الصفحة: 378

قال ابن القاسم وابن وهب: وهذا الذي استحب مالك أن يكفر بعد حنثه وإن كفر قبل أجزأه.
قال ابن القاسم: واختلفنا في الإيلاء أيجزئ عنه إذا كفر قبل الحنث أم لا، فسألنا مالكاً عن ذلك؟ فقال: أعجب إلي أن يكفر بعد الحنث، وإن كفر قبله أجزأه، واليمين بالله أيسر من الإيلاء فهو أحرى أن يجزئ.
قال ابن القاسم: وإن كفر بالصوم معسر قبل حنثه ثم حنث بعد يسره فلا شيء عليه وهو مجزئ عنه.
ابن المواز قال ابن القاسم: ومن حلف بالله فأراد أن يكفر قبل الحنث فأما في يمينه لا أفعل كقوله: والله لا أكلم فلاناً؛ فأحب إلي أن يكفر بعد الحنث، فإن كفر قبله أجزأه لما جاء فيه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وعن ابن عمر وذكر الحديث.
قال: وأما في يمينه لأفعلن كذا كقوله: والله لأضربن فلاناً، أو لأكلمنه فإن لم يضرب أجلاً فله أن يكفر ولا يفعل، وإن ضرب أجلاً فلا يكفر حتى يمضي الأجل،

الجزء: 6 - الصفحة: 379

كقول مالك فيمن قال: امرأته طالق واحدة إن لم يتزوج عليها أنه يطلقها واحدة ويرتجعها ولا شيء عليه، وإن ضرب أجلاً فقال لها: أنت طالق إن لم أتزوج عليك إلى شهر؛ فهو على بر ويطؤها ولا يطلقها حتى يأتي الأجل بحنثه.
وقد قيل في يمينه والله لأفعلن سواء ضرب أجلاً أو لم يضربه، إن له أن يكفر قبل الأجل ولا يفعل كيمينه لا أفعل كذا الذي هو فيه على بر، وكذلك من قال لامرأته: انت طالق طلقة إن لم أتزوج عليك وسواء وقت أجلاً أو لم يوقته، وكذلك في يمينه بالمشي أو بالعتق أو بالصدقة له أن يحنث نفسه ضرب أجلاً أو لم يضربه.
وقال ابن المواز: ولا يجوز أن يحنث نفسه إذا ضرب أجلاً؛ لأن الأجل يأتي بحنثه وقال لي عبد الملك وأصبغ، وهو قول ابن القاسم إلا أن يكون يمينه بالله فله أن يكفر قبل الحنث، والمستحب أن يكفر بعده، لأن الأشياء لا تقضي إلا بعد وجوبها وقاله مالك.
فصل ومن المدونة قال مالك: وإذا حنث العبد في اليمين بالله تعالى فالصوم له أحب إلى، وإن كسا أو أطعم بإذن سيده بما هو بالبين وفي قلبي منه شيء.

الجزء: 6 - الصفحة: 380

قال ابن القاسم: فإن فعل رجوت أن يجزئ عنه.
م: إنما استحب مالك للعبد الصوم لأنه غير مستقر الملك إذ للسيد انتزاع ماله ومنعه من التصرف فيه بالهبة والصدقة فهو بخلاف الحر في ذلك فلذلك منعه من الإطعام وإنما قال: وإن أطعم بإذن سيده فما هو بالبين، فلأن السيد أملك بماله عند كأنه هو المكفر عنه إذ لم يمكنه من ذلك إلا إلى الكفارة وتدخل هذه الكراهية فيمن كفر عن رجل بإذنه؛ لأنه لم يخرجه عن ملكه إلى بشرط كونه للمساكين فضارع ذلك شراء الرقبة بشرط العتق وإنما أجاز ابن القاسم الكفارة عن الرجل بإذنه؛ لأن النبي -عليه السلام- أعطى الواطئ في رمضان عرقاً من تمر فقال: «خذ هذا وتصدق به» وكان عديماً فكأنه لم يملكه إياه إلا ليتصدق به.
قال ابن حبيب: إذا أذن السيد لعبده أن يكفر بالإطعام أو الكسوة فترك ذلك وصام ولم يجزئه لأنه بالإذن خرج من أهل الصيام.
قال أبو محمد: وذلك يجزئه على مذهب المدونة، وإذن السيد ضعيف.
م: قال بعض شيوخنا: وإن أذن السيد لعبده في الإطعام ثم بدا له قبل أن يطعم كان له ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 381

م: لأنه باق في ملكه حتى يخرجه؛ لأنه لو ضاع ماله كانت الكفارة باقية عليه، فلما كان ذلك باقياً في ملكه جاز للسيد انتزاعه ومنعه من التصرف فيه، وسواء عندي كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة أم لا للعلة التي قدمنا.
وقال بعض فقهائنا: إذا كان العبد قد حنث ووجبت عليه الكفارة لم يكن له منعه منه بعد الإذن ويصير ذلك كالنذر ينذره فيأذن له السيد أن يفعله فليس له أن يمنعه.
م: إن كان نذراً بصدقة فله منعه منه والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما العتق فلا يجزئه في شيء من الكفارات وإن أذن له سيده إذ الولاء لسيده وصومه وفعله في كل كفارة كالحر.
م: لأن الله تعالى قال: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ ولم يفضل بين حر ولا عبد ولا رجل ولا امرأة فكان ذلك على عمومه فتساووا فيها وإنما يختلف أمرهما في الحدود والطلاق والأجل في الإيلاء والاعتراض والفقر فله في ذلك كله نصف ما للحر وذلك أن الله تعالى قال في الحدود: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والطلاق

الجزء: 6 - الصفحة: 382

من معنى الحدود، ويجر إلى ما يجر إليها، وأجل المولى وغيره يجر إلى الطلاق، وإنما ألزم العبد طلقتين والأمة في العدة حيضتين؛ لأن الواحدة من ذلك لا تنقسم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو حنث العبد في رقة ثم كفر بالعتق بعد أن عتق أجزأه.
فصل قال مالك: وليس عليه أن يغربل الحنطة في ك فارة اليمين بالله إلا أن تكون مغلوثة بتبن أو تراب فتغرب.
والإطعام في ذلك مد قمح لكل مسكين عندنا بالمدينة؛ لأنه وسط عيشهم فأما سائر البلدان فإن لهم عيشاً غير عيشنا فليخرجوا وسطاً من عيشهم؛ كما قال الله تعالى.
وقال ابن القاسم: حيث ما أخرج مداً بمد النبي -عليه السلام 0 - أجزأه.
وكان ابن عمر يكفر عن يمينه [بإطعام عشرة مساكين لكل مسكين مد من حنطة] وكان يعتق المرار إذا وكد اليمين.
ابن وهب: وكان يطعم مداً لكل مسكين: ابن عمر وابن عباس وابن عياش بن أبي ربيعة وجماعة من الصحابة والتابعين.

الجزء: 6 - الصفحة: 383

ابن المواز: وهذا بالمدينة لقصدهم ولبركة دعوة النبي -عليه السلام- في مدهم وصاعهم، ولو كفر به أحد في سائر الأمصار رجوت أن يجزيه.
وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف، وأفتى أشهب بمد وثلث.
وقال ابن المواز: بمد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء.
قيل لمحمد: فما جاء أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أعطى أكثر من ذلك؟ فقال: وإن كان فلم يقل عمر أنه لا يجزئ إلا هذا، وإنما يقتدي بالأقل في مثل هذا، كمن كان عليه صيام ثلاثة أيام فصام ستة فكذلك من أطعم أكثر مما وجب عليه، فمد لكل مسكين يجزئه، وما فضل ثوابه له إن شاء الله.
قال ابن المواز: ولا يعطي الذرة وهو يأكل الشعير ولا الشعير وهو يأكل البر ولو أعطى الشعير وهو يأكل الذرة أجزأه، وليس الذرة كالشعير ولا الشعير كالبر، وليعط من ذلك قدر ما بين ذلك وبين البر في الشبع، فإن أطعم خمسة مساكين البر ثم إلا السعر، أو انتقل إلى بلد عيشهم الشعير فأطعم خمسة من الشعير أجزأه.

الجزء: 6 - الصفحة: 384

ومن المدونة: ولا يجزئه عند مالك أن يخرج قيمة الطعام عرضاً.
قال مالك: وإن غدا أو عشا في كفارة اليمين بالله أجزأه.
وقاله القاسم وسالم.
قال مالك: ولا يجزئ غداً دون عشاء ولا عشاء دون غداء، قال: ويطعم الخبز مأدوماً بزيت ونحوه.
قال ابن حبيب: ولا يجزئه الخبز قفاراً ولكن بإدام زيت أو لبن أو لحم.
قال ابن عباس: أعلاه اللحم وأوسطه اللبن وأدناه الزيت.
قال: وإذا أعطي من الخبز؛ يريد: قفاراً قدر ما يخرج من كيل الطعام أجزأه في الفطرة والكفارة التي يطعم فيها طعاماً مصنوعاً وأما في الظهار وفدية الأذى فلا يجزيه.
ومن المدونة قال مالك: ويعطي الفطيم من طعام الكفارة.
قال ابن القاسم في كتاب الظهار ويعطي ما يعطى للكبير، وكذلك قال في العتبية يعطي الصغار من الطعام والكسوة مثل ما يعطي الكبير.
ومن المدونة قال مالك: ومن عليه يمينان فأطعم عن واحدة مساكين فأراد أن يعطيهم أيضاً عن يمينه الأخرى مكانه أو بعد أيام فلا يعجبني ذلك وإن لم يجد غيرهم فليطلب سواهم.

الجزء: 6 - الصفحة: 385

قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه إذا لم يجد غيرهم.
م: حكي عن أبي عمران الفاسي أنه قال: قال أبو محمد: إنما ذلك لئلا تختلط النية في الكفارتين، وأما لو صحت النية في كل كفارة وخلصت كل كفارة من الأخرى لجاز، وصوبه أبو عمران.
ومن المدونة قال يونس بن عبيد: إلا أن تحدث عليه اليمين الثانية بعد ذلك؛ فليعطهم في غد إن شاء الله.
قال ابن القاسم: ولا يعطي شيئاً من الكفارات لذمي أو عبد أو أم ولد لرجل وإن كان سيدهم محتاجاً فإن فعل وأعطي منها لمن فيه بقية رق ولم يعلم لم يجزه، وكذلك

الجزء: 6 - الصفحة: 386

الكسوة ولا يعطي إلا لحر مسلم فقير وإن أعطي لغني ولم يعلم به لم يجزه.
وفي الأسدية: إذا أعطى غنياً زكاة أو كفارة وهو لا يعلم به أنه يجزيه.
ومن المدونة قال مالك: ويعطى منها من له دار وخادم لا فضل في ثمنها عن سواهما كما يعطى من الزكاة.
قال مالك: ولا يعجبني أن يعطي منها لذي قرابة منه لا تلزمه نفقته فإن فعل أجزأه إن كان محتاجاً، وكذلك الزكاة وجميع الكفارات.

الجزء: 6 - الصفحة: 387

قال حماد بن زيد: يعطي منها أخاه إن لم يكن في عياله، ويعطي لقرابته إلا الغني منهم، وأما الأب -يريد: ومن تلزمه نفقته- فلا يعطيه.
فصل قال مالك: ومن حلف بالله فحنث فهو مخير في إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو عتق رقبة مؤمنة ولا تجزئه الصوم وهو قادر على شيء من هذا كما قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ وقال ذلك يحي بن سعيد وابن شهاب.

الجزء: 6 - الصفحة: 388

قال ابن عباس وابن المسيب وغيرهما: كل شيء في القرآن فيه أو فصحابه مخير أي ذلك شاء فعل.
قال ابن عباس: وما كان فمن لم يجد يبدأ بالأول فالأول.
قال مالك: وإذا لم يقدر وكان من أهل الصوم صام ثلاثة أيام فإن تابعها فحسن وإن فرقها أجزأه، وكان أبي ابن كعب يقرأ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَات﴾.

الجزء: 6 - الصفحة: 389

ابن مهدي: وكذلك في قراءة عبد الله، وكان عطاء وغيره لا يرى بتفريقهن بأساً.
قال مالك: وإن أكل أو شرب في صومها ناسياً قضاه، وإن حاضت فيه امرأة بنت إذا طهرت.
قال ابن القاسم: ولا يجزئه صوم الكفارة في أيام التشريق إلا أن يصوم آخر يوم منها فعسى أن يجزئه وما يعجبني أن يصومه، فإن صامه أجزأه، وذلك كناذر صومها أنه لا يصوم إلا اليوم الرابع منها.
قال ابن المواز: لا يجوز صومها وعليه قضاؤها، وقد سماها النبي -عليه السلام- أيام أكل وشرب.
وقال أشهب قال: وقد نهى النبي -عليه السلام- عن صيام أيام منى.

الجزء: 6 - الصفحة: 390

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجزئه الصوم وله مال غائب وليتسلف.
قال ابن المواز: قال أشهب: وقيل: إن كان مجيء الدين قريب انتظر، وإن وجد من يسلفه تسلف، وإن كفر بالصيام ولم ينتظر دينه؛ أجزأه الصوم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان له مال وعليه دين مثله؛ أجزأه الصوم ولا يجزيه الصوم إن كان يملك داراً أو خادماً وإن قل ثمنهما كالظهار.
ابن المواز قال مالك: لا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيها.
وقال ابن مزين عن ابن القاسم: إن كان له فضل عن قوت يوم ما يطعم أطعم إلا أن يخاف الجوع وهو في بلد لا يعطف عليه فيها فليصم.

الجزء: 6 - الصفحة: 391

فصل ومن المدونة قال مالك: وإن كسا في الكفارة لم يجزئه إلا ما تحل الصلاة فيه ثوب للرجل، ولا يجزئ عمامة وحدها.
ابن مهدي: وقال سعيد بن المسيب: عمامة يلف بها رأسه وعباءة يلتحف بها.
ابن حبيب: يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً.
ومن المدونة قال مالك: وتكسى المرأة درعاً وخماراً.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كسا صغار الإناث فليعط درعاً وخماراً كالكبيرة والكفارة واحدة لا ينقص منها الصغير ولا يزاد فيها الكبير.
قال عنه ابن المواز: ولا يعجبني كسوة المراضع على حال، وأما من أمر منهم بالصلاة فلا بأس أن يكسوه قميصاً بما يجزيه.
محمد: يعطيه كسوة رجل.
وقال أشهب: يعطي الإناث منهن إذا لم يبلغن الصلاة؛ ثوب رجل لكل واحدة فإذا بلغن وحضن فمثل النساء درعاً وخماراً.

الجزء: 6 - الصفحة: 392

فصل ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق في شيء من الكفارات إلا رقبة مؤمنة سليمة، ولا يجزئ من ليس بمسلم، ولم يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- القائل: علي رقبة بعتق السوداء حتى قال: لها «أتشهدين أن لا إله إلا الله؟» فقالت: نعم، فقال: «أتشهدين أني محمد رسول الله؟» قالت: نعم، قال: «أفتوقنين بالبعث بعد الموت؟» قالت: نعم، قال: «اعتقها».
وسئل -عليه السلام-: أي الرقاب أفضل؟ قال: «أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها».
وسئل مالك عمن أعتق صغيراً في كفارة اليمين بالله؟ فقال: عتق من صلى وصام أحب إلي فإن أعتق فطيماً أو رضيعاً لقصر النفقة رجوت أن يجزئه، وكذلك إن أعتق أعجمياً.
قال سحنون: بعد إجابة الأعجمي إلى الإسلام.
قال ابن المواز في كتاب العتق: وروي عن ابن القاسم: إن أعتق أعجمياً قبل أن يسلم؛ فإن كان ممن يجبر على الإسلام أجزأه.
وقال أشهب: لا يجزئه حتى يجيب إلى الإسلام.

الجزء: 6 - الصفحة: 393

قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا وهو مع ما روي عن مالك في عتق الأعجمي من قصر النفقة.
قيل: يعتق الصغير أبواه كافران ولم يبلغ أن يصلي ويصوم؟ قال: أجاز ابن القاسم إذا كان يريد أن يدخله في الإسلام.
ومن المدونة قال: ويجزئ في عتق كفارة اليمين بالله تعالى ما يجزئ في الظهار، وواجب الرقاب.
قال النخعي: يجزئ الرضيع في كفارة القتل.
قال ابن القاسم: ولا يجزئ مدبر ولا مكاتب ولا أم ولد ولا معتق إلى أجل عند مالك، ولا يجزئ أقطع اليد أو الرجل الواحد، وأما الأعرج فقد كرهه مالك مرة وأجازه مرة أخرى، وآخر قوله: لا يجزئ إلا أن يكون عرجاً خفيفاً.
قال ابن شهاب: ولا يجوز عتق الأعمى ولا مجنون ولا أبرص.
قال عطاء: ولا أشل ولا صبي لم يولد في الإسلام.
قال هو وربيعة: ولا يجزئ إلا رقبة مؤمنة صحيحة سليمة.
ومن كتاب الظهار: ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبعين أو أصبح أو الإبهامين أو الأذنين أو الأجذم أو الأبرص أو الأصم أو الأعمى ولا مفلوج يابس الشق، وأجاز غيره مقطوع الأصبع الواحدة أو من به برص خفيف، وأجاز مالك عتق الأعور في الظهار، وقاله النخعي والحسن.

الجزء: 6 - الصفحة: 394

ابن المواز: وقال عبد الملك: لا يجزئ الأعور.
قال ابن المواز: وأجاز أشهب عتق الأصم.
محمد: واختلف في عتق الخصي: فقيل: يجوز.
وقيل: لا يجوز.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يعجبني عتق الخصي في شيء من الكفارات.
قال مالك: ولا يجزئ أن يعتق أباه أو ولده أو من يعتق عليه إذا ملكه من ذوي القرابة كولد الولد والأجداد والأخوة؛ لأنه لا يقع عليه ملك، إنما يعتق عليه باشترائه إياه.
قال مالك: ولا أحب أن يعتق في واجب إلا ما كان يملكه بعد ابتياعه ولا يعتق عليه.
قال في كتاب الظهار: وكذلك عبد قال: إن اشتريته فهو حر فاشتراه فأعتقه عن ظهاره فلا يجزئه.
قال ابن المواز: ولو قال: إن اشتريته فهو حر عن يميني أو عن ظهاري أجزأه إن اشتراه لما ذكرنا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى زوجته وهي حامل منه فأعتقها قبل أن تضع في شيء من الكفارات لم يجزئه؛ لأن مالكاً قد جعلها أم ولد بهذا الحمل حين اشتراها.

الجزء: 6 - الصفحة: 395

ومن كفر عن أحد يعتق عن أمره أو بغير أمره أجزأه؛ لأن مالكاً قال فيمن مات وعليه كفارة في ظهاره أو غيره فكفر عنه أهله أو غيرهم: أنه جائز.
وقال أشهب: لا يجزيه بغير أمره.
وفي كتاب محمد قال أشهب وقيل: لا يجزئه أمره أو لم يأمره وليس كالميت؛ لأن الميت لا يقدر له على أكثر من ذلك فلابد من النظر له فيما يتخوف عليه منه.
ومن المدونة قال مالك: أحسن ما سمعت في الرقبة الواجبة أنه لا يشتريها الذي يعتقها بشرط العتق؛ لأن تلك ليست رقبة تامة لما وضع عنه من ثمنها ولا بأس أن تشترى للتطوع، وقاله ابن عمر وفي كتاب الظهار أكثر معاني هذا الباب.
فصل قال مالك: ومن كسا وأطعم وأعتق عن ثلاثة أيمان بالله عليه ولم ينو لأحد الأيمان بعينه صنفا من ذلك أجزأه، وكذلك إن أعتق عبد عن أحد الأيمان بغير عينه أجزأه، وإن نوى بعتقه عن جميعهم لم يجزه.

الجزء: 6 - الصفحة: 396

ابن المواز: ولو نوى بالكسوة وبالإطعام وبالعتق عن جميع الأيمان أجزأه من الإطعام عن ثلاثة مساكين ومن الكسوة عن ثلاثة وليطعم سبعة ويكسو سبعة ويكفر عن اليمين الثالثة التي أشرك فيها العتق.
ومن المدونة: ولا يجزيه أن يكفر عن يمينه بإطعام خمسة مساكين وكسوة خمسة.
قال ابن المواز: اختلف فيه قول ابن القاسم فقال مرة: يجزيه، ومرة: لا يجزيه.
وقال أشهب: لا يجزيه.
قال ابن المواز: ويضيف إلى أيهم شاء من يتمه ويجزيه؛ لجواز التفرقة فيه، وقاله ابن القاسم.
م: وهذا أصوب لقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ فلا تكون إلا إطعاماً كلها أو كسوة كلها.
ومن المدونة قال: ولا يجزيه عند مالك إخراج قيمة الكسوة عيناً ولا إخراج الكفارة في بناء مسجد أو كفن ميت أو قضاء دين عليه أو معونة في عتق ولا يجزيه إلا فيما قال الله تعالى: ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.
وكره مالك أن يقبل الرجل هبة صدقته، أو يشتريها.

الجزء: 6 - الصفحة: 397

قال ابن القاسم: والذي يشتري كفارته أو توهب له أو يتصدق بها عليه أشد كراهية من ذلك.
قال في كتاب ابن المواز: وقيل: لا يفسخ شراؤه كفارته ولا زكاته ولا صدقته التطوع، وإن كان لا نحب له ذلك ولا الرجوع في شيء وجب لله أو تطوع به.
قال ابن المواز: إلا أن يرجع ذلك كله إليه بميراث فيجو.
فيمن حلف ليفعلن شيئاً أو لا يفعله هل يبر أو يحنث بفعل بعضه أو ما تولد منه أو ضارعه أو وقع عليه اسمه قال أبو محمد: ولما حرم الله ما نكح الآباء والأبناء حرمنا بأقل ما وقع عليه اسم نكاح وهو العقد دون الوطء، وكأن إباحة نكاح المبتوتة لمن أبتها إذا نكحت زوجاً غيره لا يحلها العقد دون ذوق العسيلة فدل بذلك أن ما يباح به الشيء أقوى مما يحظر به فكأن البر والحنث في عقد الأيمان مفترقاً؛ فمن حلف ألا يفعل شيئاً حنث بفعل بعضه؛ لأن ذلك البعض قد حلف عليه أن لا يفعله ففعله، وإن حلف ليفعلنه لم يبرأ إلا بفعل جميعه؛ لأن ما أبقى قد حلف عليه ليفعلنه فلم يفعله، وكذلك من حلف على فعل

الجزء: 6 - الصفحة: 398

شيء أو تركه دخل في اليمين ما وقع عليه اسم المذكور إلا أن تقع النية فيفعل ما يجب قبوله، وذلك مذكور في مواضعه.
فصل والأيمان في الفتوى على أربعة أقسام: فأول ذلك أن ينظر إلى نية الحالف إن لم تكن له نية نظر إلى بساط يمينه على ما جرت؛ فإن عدما جميعاً نظر إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم فحمل على ذلك، فإن لم يكن ذلك كله أعطي لفظ يمينه حقه في اللغة وحمل على ذلك.
قال ابن الماجشون في الواضحة: ينبغي صرف اللفظ إلى معنى مخارجه وإلا بطلت الأمور؛ قال الله سبحانه ﴿فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ وقال: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ فهذا أمر، والأول نهي واللفظ سواء، وهذا في القرآن كثير.
ومن المدونة قال مالك فيمن حلف ألا يأكل من هذا الرغيف: حنث بأكل بعضه، وإن حلف ليأكلنه لم يبر إلا بأكل جميعه.
قال ابن القاسم: وإن حلف ليأكلنه اليوم فأكل اليوم نصفه وفي غد نصفه حنث.
وإن حلف ألا يهدم هذه البئر حنث بهدم حجر منها إلا أن ينوي هدم جميعها، وإن حلف

الجزء: 6 - الصفحة: 399

ألا يفعل فعلين حنث بفعل أحدهما: وإن حلف ألا يأكل خبزاً وزيتاً أو خبزاً وجبناً حنث بأكل أحدهما إلا أن ينوي جميعهما فلا يحنث.
وفي كتاب الن المواز: قال: أشهب: وقيل: لا بأس بأكل أحدهما.
م: إنما يستقيم هذا إذا نوى ألا يجمع بينهما، فإن لم تكن له نية؛ فالصواب أن يحنث بأكل أحدهما.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يأكل طعاماً كذا أو لا يشرب شرباً كذا فذاقه فإن لم يصل إلى جوفه لم يحنث.
ومن كتاب ابن المواز قال: ابن القاسم ومن حلف ألا يشرب خمراً فما شرب من الأنبذة الني يسكر كثيرها مثل السكركة والمطبوخ وغيره؛ فهو حانث، ولا ينفعه ألو حلف ألا يشرب الخمر بعينها قال مالك: كل ما خمر فهو خمر.
ابن المواز: وقد كان ابن القاسم قديماً يقبل نيته إذا جاء مستفتياً وليس ذلك بشيء، ولو كانت النية تنفعه لنفعه لفظه بإفصاحه بالخمر بعينها.

الجزء: 6 - الصفحة: 400

قال مالك: وكذلك لو حلف ألا يشرب الخمر وقال: أردت خمر العنب.
وقاله ابن القاسم، نحن نقوله حتى يقول: خمر العنب إفصاحاً ولفظاً فيدين في يمينه.
قال: ومن حلف أن لا يحضر عرساً أبداً فعرس بعض إخوانه وفرغ من عرسه وصنيعه فصنع بد ذلك طعاماً فدعاه إليه فإن كان ذلك الطعام من أجل ذلك العرس أو كان إنما صنعه لمكان ما لم يحضر من عرسه أو صنيعه بحداثة العرس، وإن لم يكن لذلك سبب فلا يدخله، وإن كان إنما صنعه لغير ذلك ولا بحدثان العرس فلا بأس به.
قال: ومن حلف بحرية عبده ألا يبعه فغصب منه فنقص عند الغاصب بأمر من الله، أو بجناية من الغاصب فأغرمه قيمة العبد فهو حانث، وإن أخذ العبد وأخذ ما نقصه لم يحنث.
م: يريد: وكذلك لو هلك بيد الغاصب وكانت يمينه بعتق عبده أو بطلاق امرأته فأخذ منه قيمته لم يحنث؛ لأن ذلك ليس بيع، كأخذه قيمة أم الولد والمدبر إذا قتلا ولا يجوز بيعهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 401

قال ابن المواز: ومن حلف ألا يبيع دابته حتى تأكل الربيع فأكلت منه يوماً أو يومين فلا شيء عليه في بيعها إلا أن تكون له نية.
وقال أصبغ: ليس هذا الذي أراد بيمينه وهو حانث حتى يكون له الأمر الذي له القدر والبال والنفع به إلا أن تكون له نية في مثل اليوم واليومين وهو كمن حلف ليهدمن البئر فهدم منها حجرين أو ثلاثة فلا يبر إلا بهدم جميعها، أو هدم فساد وبطلان لها إلا أن تكون له نية.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل هذا الدقيق أو هذه الحنطة [أو من هذه الحنطة فأكلهما بحالهما، أو أكل خبزاً منهما أو سويق الحنطة] حنث؛ لأن هذا هكذا يؤكل، ولا يؤكل ما اشترى من ثمنهما من طعام ولا ما أنبتت الحنطة إن نوى وجه المن، وإن كان لشيء في الحنطة من رداءة أو سوء صنعة في الطعام لم يحنث بأكل ما ذكرنا.
ابن المواز وقيل: لا شيء عليه في ثمنهما ولا ما أنبتت.

الجزء: 6 - الصفحة: 402

ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل من هذا الطلع فأكل بسره أو رطبه أو تمره؛ حنث إلا أن ينوي الطلع بعينه.
ابن المواز وقال أشهب: أستحسن في الطلع ألا يحنث بأكل بسره لبعد البسر والرطب من الطلع في الطعم والاسم والمنفعة.
م: كالخل من العنب.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل من هذا اللبن فأكل من زبده أو جبنه حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل بسر هذه النخلة أو بسراً منها فأكل من بلحها لم يحنث.
ابن المواز: وكذلك لو حلف ألا يأكل رطباً لم يحنث بأكل البسر وهذا لا اختلاف فيه وإنما الاختلاف في أن يأكل مما يخرج من الذي حلف عليه فلم يره ابن القاسم إلا في خمسة: في الشحم من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب، والعصير من العنب، والمرق من اللحم، والخبز من القمح، وأما سوى ذلك فلا شيء عليه فيما يخرج من المحلوف عليه إلا أن يقول: منه فيلزمه ذلك، هذا مذهب ابن القاسم وروايته.

الجزء: 6 - الصفحة: 403

ابن المواز: فيمن حلف ألا يأكل زبيباً ولا تمراً فشرب نبيذهما فهو حانث إلا أن تكون له نية، وكذلك العنب لا يشرب عصيره ولا بأس بخل ذلك كله.
ومن حلف ألا يأكل لحماً فلا يشرب مرقه ولا تنفعه فيه نية إن ادعاها؛ لأن المرق لحم بما قد صار فيه من اللحم وذب وتقطع وتهرأ.
ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم من قرب اسمه ومنافعه.
قال: وقد قيل في القمح مثل ذلك أن من حلف ألا يأكل قمحاً فلا يأكل خبز قمح ولا سويقه لقربهما من القمح، وليس يراد من القمح إلا الخبز وما يصرف إليه وهو الغالب إلا أن تكون له نية؛ أي؛ لأنه ينبت التالول ونحوه، وقيل: ليس القمح من ذلك وأن من حلف ألا يأكل هذا القمح فأكل منه خبزاً فلا شيء عليه إلا أن يقول: من هذا القمح أو من هذا الدقيق فيأكل من ذلك خبزاً أو سويقاً فيكون حانثاً.
قال محمد: وهذا أجود.
قال: وأما من حلف ألا يأكل هذا اللبن، أو قال: لبناً؛ فلا بأس أن يأكل من زبده وسمنه وجبنه إلا أن يقول: من هذا اللبن فيحنث بأكله لما تولد منه، وكذلك لو

الجزء: 6 - الصفحة: 404

حلف ألا يأكل رطباً فليأكل تمراً، [أو حلف ألا يأكل عنباً فليأكل زبيباً] أو حلف ألا يأكل عسلاً فليأكل رُبّه، إلا أن يقول: من هذا الرطب أو من هذا العسل فيحنث بأكل ما تولد منه.
[وفي كتاب محمد فيمن حلف ألا يأكل قصباً فلا بأس أن يأكل عسل قصب.
قال أبو إسحاق: فما الفرق بين هذا وبين من حلف ألا يأكل تمراً فشرب نبيذ تمر؟].
وكذلك إن حلف: ألا يشرب لبن هذه الشاة فليأكل من زبدها وسمنها إلا أن يقول: من لبنها فلا يأكل ما تولد منه وسواء خرج ذلك من اللبن قبل يمينه أو بعد يمينه فإنه يحنث بأكله إلا أن يكون له سبب فيحمل على ذلك.
قال أحمد بن ميسر: وقد اختلف في الحالف ألا يأكل من هذه الشاة فأكل من نسلها.

الجزء: 6 - الصفحة: 405

قال ابن المواز: وإن قال: لا أكلت من هذه الشاة فأكل من زبدها أو لبنها فلا شيء عليه إلا أن يكون نوى ذلك.
م: يريد: لأنه إنما حلف ألا يأكل من لحمها ولحمها لا يتولد منه لبناً ولا زبداً، فهو كمن حلف ألا يأكل من اللحم فلا بأس أن يأكل من اللبن والزبد، وهو بخلاف ألو قال: لا أكلت من لبنها؛ وهذا كله مذهب ابن القاسم، أن لا يحنث بأكل ما تولد عمها حلف عليه إلا أن يقول: منه إلا في الشحم والمرق من اللحم والنبيذ من التمر والزبيب والعصير من العنب والخبز من القمح فإنه يحنث وإن لم يقل منه.
وقال ابن وهب في الحالف على البسر يأكل الرطب أو التمر أو على الزبيب فيأكل السمن أنه حانث وإن لم يقل منه بمنزلة الشحم من اللحم.
يريد: وكذلك كل متولد عن المحلوف عليه فإنه يحنث بأكله عنده وإن لم يقل منه.
وقال ابن حبيب: إذا حلف ألا يأكل رطباً أو زهوراً فله أكل التمر، وكذلك إن قال: عنباً فله أكل الزبيب، وأما إن قال: هذا الرطب أو رطب هذه النخلة؛ فإنه

الجزء: 6 - الصفحة: 406

يحنث بأكل تمره، وكذلك هذا العنب أو عنب هذا الكرم؛ فإنه يحنث بأكل زبيبه، وسواء قال: من هذا الرطب أو قال: هذا الرطب ولم يقل منه، ولو قال: من هذه النخلة رطباً فليأكل منها تمراً، وكذلك من هذا الكرم عنباً لا يحنث بأكل زبيبه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يشرب هذا السويق فأكله؛ حنث إلا أن ينوي الشرب لما يعرض منه من نفخ وغيره فلا يحنث إذا أكله، وإن حلف ألا يأكل هذا اللبن فشربه؛ حنث إلا أن تكون له نية، وإن حلف ألا يأكل سمناً فأكل سويقاً لت بسمن؛ حنث وجد طعمه وريحه أم لا إلا أن ينويه خالصاً.
ابن المواز قال أشهب: وقيل: ينظر إلى سبب يمينه فإن كان لمضرة السمن له فهو حانث؛ لأنه يتقي منه ما يتقي من الخالص، وإن كان إنما قيل له: إنك تشتهي السمن ولا تصبر عنه، فحلف عن ذلك فلا شيء عليه إن أكل سويقاً لت به.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يأكل خلاً فأكل مرقاً فيه خلٍ؛ فلا يحنث إلا أن يكون أراد ألا يأكل طعاماً دخله الخل.

الجزء: 6 - الصفحة: 407

ابن المواز: وقاله أشهب.
قال ابن المواز: وأحب إلي أن يحنث إلا أن تكون له نية، وقاله سحنون وأصبغ.
[قال أبو إسحاق: والأشبه أنه حانث؛ لأن غايته أن يؤكل مطبوخاً ونيئاً].
قال إسماعيل القاضي في المبسوط: إنما فرق ابن القاسم بين السمن والخل؛ لأن السمن الملتوت به السويق هو على حالته وإنما ألزق بالسويق إلزاقاً.
قال غيره: ألا ترى أنه يقدر على استخراجه بالماء الحار؛ لأنه يصعد فوقه فيجمع ولا يقدر على استخراج الخل أبداً.
قال إسماعيل: وأما الخل فقد انتقل عن الخل بما خالطه من الصنعة وصار اسمه غير اسمه ومعناه غير معناه ولكن لو حلف ألا يأكل هذا الخل بعينه فإنه متى أكل منه شيئاً في قدر أو غيرها وقد استحال أو لم يستحل فهو حانث.

الجزء: 6 - الصفحة: 408

قال سحنون: ومن حلف ألا يأكل زعفراناً فأكل طعاماً فيه زعفران حنث ولم ينو؛ لأن الزعفران لا يؤكل إلا هكذا ولا يؤكل وحده.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل شحماً حنث؛ لأن الشحم يخرج من اللحم مع قرب اسمه ومنافعه إلا أن تكون له نية في اللحم دون الشحم.
قال: وسواء كان شحم ثرب أو غيره.
وإن حلف ألا يأكل شحماً لم يحنث بأكل اللحم؛ لأن اللحم لا يخرج من الشحم [ولا يدخل اللحم في اسم الشحم].
قال أبو محمد: اللحم مع الشحم يقع عليه اسم لحم فقد دخل الشحم في اسم اللحم ولا يدخل اللحم في اسم الشحم منفرداً ولا مجتمعاً معه، وقد حرم الله سبحانه لحم الخنزير، يريد فناب ذكره للحمه عن ذكره لشحمه؛ لأنه يدخل تحت اسم اللحم، وحرم الله سبحانه على بني إسرائيل الشحوم بقوله تعالى: {حَرَّمْنَا

الجزء: 6 - الصفحة: 409

عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا} فلم يقع عليهم بهذا تحريم اللحم ولم يدخل في اسم الشحم، فلهذا فرق مالك بين الحالف في الشحم والحالف في اللحم.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: والحالف على اللحم يحنث بكل ما أكل من الشاة من رأس أو كرش أو معا أو دماغ أو غيره وإن حلف على الرأس أو على الكرش لم يحنث بأكل اللحم، والحالف على اللحم يحنث بأكل القديد، والحالف على القديد لا يحنث بأكل اللحم.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لحماً فأكل لحم حوت،- محمد: أو لحم طير-؛ حنث؛ لأن الاسم يجمع ذلك قال الله تعالى: ﴿لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ إلا أن تكون له نية فله ما نوى، وإن حلف ألا يأكل رؤوساً أو بيضاً فأكل رؤوس السمك أو بيض السمك أو بيض الطير سوى الدجاج؛ حيث إلا أن تكون له نية أو ليمينه باسطاً فيحمل عليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 410

وقال أشهب في المجموعة: لا يحنث في اللحم والرؤوس إلا أن يأكل لحم الأنعام الأربع ورؤوسها؛ لأن عليها يقع أيمان الناس إلا أن ينوي اللحوم كلها من طير وحوت وغيره، وأما البيض فيحنث بكل بيض أكله استحساناً وليس بقياس.
والفرق بين ذلك بعد ما بين رؤوس الضأن والطير وقرب ما بين بيض الدجاج والطير ومنه ما يشبهه في الخلق والطعم.
وقال ابن حبيب: لا يحنث في الرؤوس بأكل رؤوس الحيتان والجراد إلا أن ينوي ذلك، وفي البيض يحنث بأكل بيض الطير، ولا يحنث ببيض الحوت حتى ينويه.
م: وقول ابن حبيب هذا أقيس؛ لأنا إذا عدمنا النية والبساط نظرنا إلى عرف الناس ومقاصدهم في أيمانهم، والمعهود في الرؤوس عند الناس رؤوس الأنعام، وكذلك في البيض بيض الطير لا رؤوس السمك وبيضها.
وقول ابن القاسم ومالك أحوط، ولأن الاسم يقع على جميع ذلك وبه أقول.
م: ورأى أن النية تنفعه على قول مالك هذا إذا قال: لم أرد لحم السمك ولا رؤوسها ولا بيضها ولا رؤوس الطير، وإن كانت على يمينه بالطلاق بينة للمعهود من مقاصد الناس.
قال أبو محمد: ومن حلف ألا يأكل إداماً فما ثبت في معرفة الناس أنه إدام فلا يأكله، قال: ولا أرى الملح من الإدام، وإن كان قد قاله بعض العلماء وأحنثه به.

الجزء: 6 - الصفحة: 411

قال ابن حبيب: ومن حلف ألا يأكل فاكهة ولا نية له فلا يأكل رطباً منها ولا يابساً ومن الفاكهة تمر النخل والأعناب والرمان وشبهه وخص الفواكه من قثاء وبطيخ وخريز وقصب وأخضر الفول والحمص والجلبان إلا أن تكون له نية خص بها نوعاً أو بساط يدل على ما ذكر.
وذكر ابن المواز نحو قول ابن حبيب في الفاكهة، وقال: إذا حلف على يابسها ورطبها.
م: وهذا أجود إنما يحنث في اليابس والرطب إذا ذكره والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن حلف ألا يأكل خبزاً حنث بأكل الكعك، وإن حلف ألا يأكل كعكاً لم يحنث بأكل الخبز؛ لأن هذا أخص، والأول أعم.
ومن كتاب ابن المواز وغيره: ومن حلف ألا يأكل غنماً حنث بأكل الضأن والمعز؛ لأن الاسم يجمعهما، وإن حلف على أحدهما من معز أو ضأن لم يحنث بأكل الآخر؛ للاسم الخاص به، وكذلك من حلف ألا يأكل دجاجاً فأكل دجاجة أو ديكاً حنث للاسم الجامع، وإن خص أحدهما فحلف ألا يأكل ديكاً لم يحنث بأكل دجاجة، أو حلف الا يأكل دجاجة لم يحنث بأكل ديك.

الجزء: 6 - الصفحة: 412

قال ابن المواز: ومن حلف ألا يأكل كباشاً أو لحم كباش فلا يأكل لحم النعاج صغارها وكبارها؛ لأنها داخلة في الاسم، ولو حلف ألا يأكل كبشاً ولم يقل كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ذكوراً أو إناثاً؛ لأنه لا يقال للصغير كبش.
قال م: وكذلك عندنا لو قال: كباشاً لم يحنث بأكل الصغار ولا الإناث الكبار لأن الاسم الأخص عندنا في الكباش كبار الذكور وذلك جمع كبش، وإنما حنثه محمد فيما يرى؛ لأنه اسم جامع عندهم والله أعلم.
وأما عرف بلدنا فبخلافه.
قال ابن المواز: وإن حلف ألا يأكل نعجة أو نعاجاً فلا بأس بصغار الذكور والإناث وكبار الذكور، وإن حلف ألا يأكل خروفاً فلا بأس بلحم الكبش الذي خرج من حد الخرفان، وإن حلف ألا يأكل خرفاناً فلا يأكل العتدان؛ لأنها عند الناس خرفاناً، ووقف عنها محمد.
م: والاسم الأخص عندنا في الخرفان صغار الضأن.

الجزء: 6 - الصفحة: 413

قال ابن المواز: وإن حلف ألا يأكل تيساً أو تيوساً فلا يأكل عتوداً [ولا صغار ذكور المعز، وأما إن حلف ألا يأكل عتوداً] فلا بأس أن يأكل تيساً كبيراً أو كبار إناث المعز، وأما إناث صغارها فلا يأكله؛ لأنه من العتدان.
م: وإنما ينظر في هذا الأصل إلى عرف الناس في الأسماء عند كل بلد فيعمل فيه على ما أصلنا وفيما ذكرنا من هذا كفاية وبالله التوفيق.
فيمن حلف ألا يكلم رجلاً أو ليكلمنه قال مالك: ومن حلف ألا يكلم زيداً فأم قوماً فيهم زيد فسلم من الصلاة عليهم فلا يحنث.
وقال ابن المواز: إن سلم اثنتين فأسمه الثانية حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 414

وقال أحمد ابن ميسر: لا يحنث.
قال ابن المواز: وإن تعايا الحالف فلقنه المحلوف عليه لم يحنث، قال: وأما إن تعايا المحلوف عليه فلقنه الحالف فقد حنث.
ومن المدونة قال مالك: ولو صلى الحالف خلف زيد وهو عالم به فرد عليه السلام حين سلم من صلاته لم يحنث، وليس مثل هذا كلاماً.
ابن المواز وقيل: إن أسمعه رده حنث، قاله ابن القاسم وأشهب، وأما إن تعايا فرد عليه الحالف فقد حنث.
ومن المدونة قال مالك: ولو سلم الحالف على جماعة وفيهم المحلوف عليه في ليل أو نهار حنث، علم به أو لم يعلم إلا أن يحاشيه.
قال ابن المواز: ولو مر بالمحلوف عليه وحده في ليل فسلم عليه وهو ينوي إن كان غيره فقد حنث ولا ينفعه ما نوى إلا أن يكون جماعة فيحاشيه.
قال: ولو رأى بعض القوم فسلم على من رأى منهم أو سلم عليهم ولم ير معهم المحلوف عليه لم يحنث؛ لأنه إنما سلم على من عرف، وأما إن لم يعرفهم أو لم يعرف إلا بعضهم فسلم على الجميع ولم يحاشه؛ فقد حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 415

ومن العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ولو مر بالمحلوف عليه وهو نائم، فقال له: الصلاة يا نائم فرفع رأسه فعرفه فقد حنث، وكذلك يحنث إن لم يسمعه وهو مستقل نوماً وهو كالأصم، وكذلك إن كلمه وهو مشغول يكلم رجلاً ولم يسمعه.
محمد وقال أصبغ: إن أيقن باستثقاله ولم ينتبه لكلامه وأيقن أنه لم يسمعه؛ فلا يحنث، كمن كلم ميتاً وقد جعله الله أحد الميتين بقوله: ﴿وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾ أو كمن ناداه من مكان بعيد لا يسمعه منه.
محمد: ولو حلف ألا يكلم رجلاً فكلم رجلاً يظنه هو قاصداً للحنث فإذا هو غيره لم يحنث، ولو كلمه يظنه غيره حنث.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: ومن حلف ألا يكلم رجلاً إلا ناسياً فكلمه وهو لا يعرفه غير ناس فهو حانث، ومن حلف ألا يكلمه إلا ألا يعرفه فكلمه وهو يعرفه ناسياً ليمينه حنث أيضاً.

الجزء: 6 - الصفحة: 416

قال مالك: ولو حلف ألا يكلمه إلا ناسياً فكلمه وزعم أنه كلمه ناسياً قال ذلك إليه.
م: وسواء كانت على يمينه بالطلاق بينة أولم تكن فإنه يصدق لاشتراطه النسيان والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو حلف ألا يكلمه فأشار إليه فلا يحنث، ولا أحب أن يفعل ذلك.
وقال غيره في المجموعة: يحنث؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: يحنث في الإشارة التي يفهم عنه بها وإن لم تكن الإشارة في الصلاة كلاماً فهذا النفخ فيها كالكلام ولا يبر به الحالف على الكلام ولا يحنث به.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يكلم فلاناً فأرسل إليه رسولاً أو كتب إليه كتاباً؛ حنث، إلا أن ينوي مشافهته.
يريد: ويحلف، والكتاب أشد، قاله مالك، وهذا في

الجزء: 6 - الصفحة: 417

أيمان الطلاق والعتاق، ثم رجع مالك فقال: لا ينوي في الكتاب ويحنث إلا أن يرتجع الكتاب قبل وصوله فلا يحنث.
م: وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا﴾ فجعل تعالى كل ذلك كلاماً؛ فلذلك حنثه مالك بالرسول والكتاب.
وفي كتاب ابن المواز قال مالك: يحنث في الكتاب ولا ينوي، واختلف قوله في الرسول: فقال: يحنث إلا أن ينوي مشافهته.
وقال: لا شيء عليه.
ابن المواز وقال أشهب: لا يحنث بالرسول ولا بالكتاب إلا أن يسمع ذلك الكلام الذي أرسل به الرسول فيحنث؛ لأنه لو حلف ليكلمنه فكتب إليه لم يبر.
قال أشهب: ولو ارتجع الكتاب بعد أن وصل إلى الرجل وقرأ منه بقلبه ولم يقرأه بلسانه فلا شيء عليه؛ لأن من حلف ألا يقرأ ضهراً فقرأ بقلبه لم يحنث.
ابن المواز: ولو كتب المحلوف عليه إلى الحالف فقرأ كتابه لم يحنث عند أشهب.
واختلف فيه قول ابن القاسم: فقال مرة: لا يحنث.
وقال أيضاً: يحنث.
وما هو بالبين.

الجزء: 6 - الصفحة: 418

قال ابن المواز: والصواب ألا يحنث الحالف بقراءة كتاب المحلوف عليه، وقد أنكر هذا غير واحد من أصحاب ابن القاسم.
ومن المجموعة قال ابن الماجشون: وإن حلف ليكلمنه لم يبر بالكتاب ولا بالرسول وإن سمع المرسل إليه ما قال الرسول والحالف لا يعلم فلا يبر بذلك ولا يبر إلا بأعلى الأمور مما لا شك فيه.
وفي كتاب ابن حبيب: ولو أمر الحالف من يكتب عنه إلى المحلوف عليه بكذا فكتب ولم يقرأه على الحالف ولا قرأه الحالف فوصل الكتاب فلا يحنث، ولو قرأ الكتاب على الحالف أو قرأه الحالف أو أملاه لحنث إذا قرأه المحلوف عليه أو قرأ عنوانه وإن لم يقرأ ذلك المحلوف عليه أو قطعه ولم يقرأه أو سقط من الرسول فلا يحنث حتى يعلم أنه وصل إليه وقرأه، ولو قال الحالف للرسول: اقطع كتابي ولا تقرأه أو ورده علي فغطاه وأعطاه للمحلوف عليه [فقرأه فلا يحنث كما لو رماه راجعاً بعد أن كتبه فقرأه المحلوف عليه].

الجزء: 6 - الصفحة: 419

قال: ومن حلف على امرأته إن لم تفعل كذا لأهجرنك فلم تفعل ذلك فليهجرها ثلاثة أيام، وقال ابن الماجشون وأصبغ وقاله ابن القاسم في العتبية وسحنون في كتاب ابنه.
قال سحنون: وأحب إلي أن لو زاد على ثلاثة أيام وإن كان الثلاثة تجزئه.
وفي كتاب ابن المواز: ومن حلف ليهجرن زوجته، قال: يهجرها شهراً، ولو قال: لأطيلن هجرانك فليهجرها سنة.
وقال ابن أبي مطر: الهجران ثلاثة أيام في الحديث، والطول عندي شهر.

الجزء: 6 - الصفحة: 420

فيمن حلف ألا يساكن رجلاً أو لا يجاوره أو لا يسكن هذه الدار أو لينتقلن منها أو لا يسكن دار فلان أو لا يدخل عليه بيتاً أو آكل من طعامه، وكيف إن أكره على ذلك كله؟ قال مالك: ومن حلف ألا يساكن فلاناً فسكن كل واحد منهما مقصورة في دار جمعتهم فإن كانا إذ حلف هذا في دار واحدة وكل واحد في منزله منها حنث.
قال ابن القاسم: وإن كانا في بيت فلما حلف انتقل عنه إلى منزل في الدار يكون مدخله ومخرجه ومرفقه في حوائجه على حدة لم يحنث.
وكذلك قال مالك فيمن حلف ألا تساكن أخته امرأته وكانتا ساكنتين في حجرة واحدة فانتقلا في دار فسكنت هذه في سفلها وهذه في علوها، وكل مسكن مستغن عن الآخر بمرافقة إلا أن سلم العلو في الدار ويجمعهما باب واحد؛ أنه لا يحنث.
ومن حلف ألا يساكن فلاناً في دار فساكنه في قرية أو مدينة لم يحنث إلا أن يساكنه في دار، وإن كانا أولاً فلي قرية وليس في دار فساكنه في قرية أخرى حنث إلا أن ينوي في دار، وإذا كانا من أهل العمود فحلف ألا يجاوره أو لينتقلن عنه فانتقل إلى قرية والمضرب واحد فلا يجزيه إلا نقله بنية.

الجزء: 6 - الصفحة: 421

ابن المواز: حتى ينقطع ما بينهما من خلطة العيار والصبيان حتى لا ينال بعضهم بعضاً في العارية والاجتماع إلا بالكلفة والتعب ويكون رحله كرحلة جماعتهم من مكان إلى مكان.
قال مالك في المجموعة: يتنحى عنه حيث لا تلتقي عبيدهم وأغنامهم في الرعي.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف الا يساكنه فزاره فليست الزيارة بسكنى، وينظر إلى ما كانت عليه يمينه؛ فإن كان لما يدخل بين العيال والصبيان فهو أخف وإن أراد التنحي فهو أشد.
قال في كتاب محمد: والزيادة تختلف ليس زيارة الحاضر كزيارة من انتقل من قرية هذا يقيم اليوم واليومين والثلاثة وإذا كانت يمينه لما يقع بين العيار فنحاهم وأقام ببدنه فهو أخف.
وقال أشهب: ليست الزيارة مساكنة وإن طالت إذا صح أن ليس القصد فيها السكنى.
وقال أصبغ في الواضحة: إذا أكثر الزيارة نهاراً في الحضر أو أكثر المبيت والمقام في شخوصه إليه -يعني- في غير الحضر؛ فهو حانث.

الجزء: 6 - الصفحة: 422

ومن المدونة: وإن حلف ألا يساكنه في دار سماها أم لا فقسمت وضرب بين النصيبين بحائط وجعل لكل نصيب مدخل على حدة فسكن هذا في نصيب وهذا في نصيب؛ فكرهه مالك وقال: لا يعجبني ذلك.
وقال ابن القاسم: لا أرى به بأساً ولا حنث عليه.
ابن المواز وقال أشهب: إن كان حلف وهو ساكن في هذا الموضع الذي هو فيه فهو حانث، وإن كان على ما وصفت إلا أن يكون قد باعد ما بينهما حتى انقطع ما كانت له اليمين فلا حنث عليه، وإن كان إنما كان ساكناً في غير هذا الموضع مما لا يشبه قرب هذا الآن فلا حنث عليه.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: إذا حلف ألا يساكنه وكانا في دار فقسماها بجدار من جريد وسكن كل واحد في مسكنه وخرج على باب نصيبه فلا يعجبني ذلك إلا بجدار وثيق بالبناء فلا يحنث إذا ضرباه بينهما إلا أن ينوي ألا يجاوره فليبعد عنه ولا يجمعهما مقابلة ولا طريق، وسواء قال: إن ساكنتك فقط، أو قال: في هذه الدار فلا يساكنه فيها ولا في غيرها.
ومن كتاب ابن المواز: ومن آذاه جاره فحلف لا ساكنتك، أو قال: لا جاورتك في هذه الدار أبداً، فلا بأس أن يساكنه في غيرها ولا يحنث إذا لم تكن له نية، وأما إن كره

الجزء: 6 - الصفحة: 423

مجاورته أبداً فإنه يحنث، وكذلك إن قال: لا ساكنتك بمصر أبداً فساكنه بغيرها مثل ذلك سواء، ولو حلف: ألا يجاوره فأما في أمهات القرى فليتنح عن طريقه التي تجمعهما في الدخول والخروج، وأما في البادية فإن افترقا في الشرب والمورد والمجتمع فلا شيء عليه.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يسكن هذه الدار وهو فيها خرج مكانه وإن كان في جوف الليل وإن أخر إلى الصباح حنث إلا ينوي ذلك فليجتهد إذا أصبح في مسكن وينتقل وإن تغالى عليه في الكراء، أو وجد منزلاً لا يوافقه فلينتقل إليه حتى يجد سواه فإن لم يفعل حنث.
وقال أشهب في المجموعة: يخرج ساعة حلف ولكن لا يحنث في إقامة أقل من يوم وليلة.
وكذلك قال في كتاب محمد: لا يحنث في إقامة أقل من يوم وليلة إلا أن ينوي تعجيل الخروج قبل ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 424

[وقد قال ابن القاسم في الذي حلف لأقضينك حقك في الهلال: إن له يوماً وليلة ولم يجعل له القضاء في جملة ما يسماها ولا أوجب عليه الحنث بعد نذر القضاء، وانظر إذا حلف ألا يساكنه فابتدأ بالنقلة فأقام يومين أو ثلاثة ينقل قشة لكثرته ولأنه لا ينتهي نقله في يوم واحد ينبغي ألا شيء عليه لأنه كالمقصود باليمين وانظر لو كان له في الدار مطامير وقد أكرى الدار هل ينقل ما في المطمر وينبغي إذا كانت المطامر لا تدخل في الكراء إلا بالشرط وإن الناس يكرون المطامر وحدها لخزن الطعام فيها الا تدخل في اليمين وإن له تركها إذا كان قد أكرى المطامر على الانفراد ثم سكن أو سكن ثم أكرى المطامر إلا ألا يتق بالمطامر إلا لمكان سكناه فينبغي أن ينقلها مع قشة].
ابن المواز وقال أصبغ: حد المسكانة عندنا يوم وليلة بعد اليمين فإن زاد أكثر من ذلك حنث وإن انتقل فلا يرجع أبداً بخلاف يمينه لأنتقلن.
قال يحيى: قل عبيد: لا أعلم أحداً يقول بقول ابن القاسم الذي ذكر عن مالك أنه إن لم يخرج ساعة حلف أنه حانث.
قال أبو الحسن ابن القابسي: لا أدري ما قول عبيد هذا؟ قد قال ابن حبيب: لم يكن مالك يوسع عليه في تأخير ذلك، ولا علمنا أحداً وسع عليه في تأخير ذلك.
لا ابن

الجزء: 6 - الصفحة: 425

القاسم ولا ابن الماجشون ولا غيرهما إلا أشهب وأصبغ، وكان أبو الحسن ربما استحسن قول أشهب وأفتى به.
ومن المدونة قال مالك: ويرتحل بجميع أهله وولده وجميع متاعه وإن أبقى متاعه حنث.
ابن المواز قال ابن القاسم: إلا أن يبقي متاعه صدقة على صاحب الدار أو غيره فلا يحنث.
قال: وإن ترك من السقط مثل الوتد والمسمار والخشبة مما لا يحتاجه أو ترك ذلك نسياناً فلا شيء عليه.
م: وحكي عن بعض فقهائنا أنه قال: هذا إن ترك ذلك على ألا يعود لأخذه لخفة أمره وأما إن تركه ليرجع إلى أخذه حنث.
م: وقول ابن القاسم: إن ترك ذلك نسياناً يدل على خلاف ما قال، وإنما رأى أن مثل ذلك لا يعد به ساكناً لخفته، أو لا ترى أنه لو ترك متاعه على ألا تعود إلى أخذه أبداً

الجزء: 6 - الصفحة: 426

صدقة على صاحب الدار وغيره لم يحنث، فلا فائدة إذاً لذكره الوتد والسقاطة؛ إذ لا فرق بينهما عنده.
وقد قال محمد عن أشهب أنه قال: لا يخلف شيئاً من متاعه، فإن فعل وخلف متاعه كله لم يحنث، وإن خلف أهله وولده حنث؛ لأنه ساكن بعد.
م: فكيف بمن يحنثه بترك الوتد والسقاطة، وهذا إنما هو مذهب ابن وهب روى عنه عبد الملك بن الحسن في العتبية: أنه إن ترك مثل الزير الوتد والفخار وهو لا يريد الانصراف فيه لم يحنث وإن كان إنما نسيه حنث.
م: وكذلك الجواب إذا حلف لينتقلن من هذه الدار؛ أنه ينتقل بأهله وولده وجميع متاعه، والخلاف فيه كما ذكرنا إذا حلف ألا يسكنها، وهذا في النقلة خاصة وأما في مقامه بعد اليمين ورجوعه إلى المساكنة فبخلاف ذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 427

قال ابن حبيب: في الحالف بالطلاق: لينتقلن فلا يحنث إن أخر انتقاله ولكن لا يمس امرأته حتى ينتقل.
قال ابن المواز: فإن رفعته ضرب له أجل المولي من يوم ترفعه.
قال محمد: وتعجيل النقلة أحب إلي.
قال ابن حبيب: إلا أن يضرب للنقلة أجلاً فله مسها فيه، فإن جاوز ولم ينتقل حنث، قال: وإذا انتقل وأقام قدر الشهر فله أن يرجع.
قال ابن الماجشون: ولكن لا أحب له أن ينتقل على نية شهر، ولينتقل على نية من غير توقيت ثم إن بدا له بعد شهر رجع.
ابن المواز قال ابن القاسم: ولو رجع بعد خمسة عشر يوماً لم يحنث والشهر أحب إلي.

الجزء: 6 - الصفحة: 428

قال ابن الماجشون: وكذلك إن حلف ليخرجن فلاناً من داره فأخرجه فله رده بعد شهر.
ابن المواز: ومن سكن منزلاً لامرأته فمنت به عليه فحلف بالطلاق لينتقلن ولم يؤجل؛ فأقام ثلاثة أيام يطلب منزلاً فلم يجد فأرجو ألا شيء عليه.
قيل: فإن أقام قال: إن توانى في الطلب خفت أن يحنث.
قال: ومن حلف ليخرجن من المدينة فإن لم ينو إلى بلد بعينه؛ فليخرج إلى ما تقر فيه الصلاة فيقيم نحو الشهر، قاله مالك استحساناً ولا يحمله القياس.
وقيل فيه: يخرج إلى موضع لا يجب عليه فيه إتيان الجمعية فيقم فيه ما قل أو كثر ثم يرجع إن أحب، والأول أحب إلي وأحسن وأبرأ من الشك وهو رأيي إلا أن يكون ليمينه سبب فتقع اليمين له وعليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 429

قيل: فإن حلف أن يسافر؟ قال: يسافر إلى ما تقصر فيه الصلاة ويقيم بها شهراً أحب إلي.
وقيل: أما سفر القصر فلابد منه إلا أن ينوي دونه، وأما إقامته الشهر وأكثر فهو أحب إلي إلا أن يرى ليمينه وجه يريد به التغرب الطويل وإلا فعل ما ذكرنا كالانتقال، وإن رجع دون الشهر لم يحنث إذا صحت النقلة والمقام بعد النقلة إلى الغاية في الحضر والسفر.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يسكن هذه الدار أو قال: دار فلان هذه فباعها فلان فسكنها في غير ملكه حنث إلا أن ينوي ما دامت في ملك المحلوف عليه، ولو

الجزء: 6 - الصفحة: 430

قال: دار فلان ولم يقل: هذه، فباعها فلان فسكنها الحالف في غير ملكه لم يحنث إلا أن يكون نوى ألا يسكنها أبداً.
م: لأنه إذا قال: هذه الدار فكأنه إنما كره سكنى تلك الدار فلا يسقط عنه اليمين انتقال الملك إلا أن ينوي: ما دامت في ملك فلان، وإذا قال: دار فلان فبالبيع قد صارت غير دار فلان فوجب ألا يحنث إلا أن يريد عين الدار.
قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يسكن دار فلان فسكن داراً بين فلان ورجل آخر حنث، وقد قال مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق إن كسوتك هذين الثوبين ونيته أن لا يكسوها إياهما جميعاً فكساها أحدهما حنث، يعني: أن نيته ألا يكسوها إياهما لا مجتمعين ولا مفترقين.
وقال أشهب: إذا نواهما جميعاً إما لحاجته لأحدهما أو لغير ذلك فلا حنث عليه، وإن لم تكن له نية فإنما أحنثه استحساناً.
قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل دار فلان فقام على ظهر بيت منها حنث، وإن دخل بيتاً سكنه فلان بكراء حنث وهي كملكة، وقاله عنه أشهب في المجموعة.

الجزء: 6 - الصفحة: 431

قال: والبيت ينسب إلى ساكنه.
قال أشهب: وإن حلف ألا يدخل منزل فلان فدخل على رجل يسكن بكراء في منزل فلان فلا شيء عليه، وإنما منزل الرجل حيث هو نازل.
قال غيره: ومن حلف ألا يدخل بيت فلان فدخل داره دون البيت فإن كانت الدار لا تدخل إلا بإذن، ومن سرق منها قطع؛ حنث.
وقال غيره: لا يحنث إلا أن يكون يقول: الدار، أو يقول: منزل فلان، فالدار هي المنزل.
قالا: وإن كانت الدار مشتركة تدخل بغير إذن فهي كالطريق فلا حنث عليه.
قال ابن حبيب: إذا حلف ألا يدخل دار فلان فلا يدخل حانوته ولا قرته ولا جنانه ولا موضعاً له فيه اهل أو متاع، وإن لم يملكه إلا أن يكره عين الدار لوجه ما فلا يحنث فيما ذكرنا، وهو قول مالك وما فسر لي أصبغ.
م: لا يحنث عندي إذا دخل حانوته أو جنانه إذا لم تكن له نية؛ لأن داره ليست هي جنانه ولا حانوته.

الجزء: 6 - الصفحة: 432

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل هذه الدار فهدمت أو خربت حتى صارت طريقاً فدخلها لم يحنث.
قال في كتاب محمد: إن كانت يمينه من أجل صاحبها وكراهية فيه؛ فلا شيء عليه في المرور، وإن كانت كراهية في الدار خاصة فلا يمر بها.
قال فيه وفي المدونة: فإن بنيت بعد ذلك فلا يدخلها.
قال ابن المواز: فإن دخلها حنث وإن حولت مسجداً لم يحنث بدخوله.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يدخل من باب هذه الدار أو من هذه الباب فحول الباب عن حاله وأغلق وفتح غيره، فإن دخل منه حنث إلا أن يكره الباب دون الدار إما لجواره على أحد أو لضيقه فلا يحنث.
فصل قال مالك: وإن حلف ألا يدخل دار فلان فدخلها مكرهاً لم يحنث.
م: يريد أن أجهد نفسه ولم يقعد بعد أن قدر أن يخرج.

الجزء: 6 - الصفحة: 433

قال ابن القاسم: وإن قال لهم: احملوني وأدخلوني ففعلوا فهذا حانث لا شك فيه.
قال في العتبية: ولو كان واقفاً على دابته بقرب باب الدار فنفرت لشيء فاقتحمت به فدخلتها؛ فإن كان يقدر أن يمسك راسها ويملكها أو يثني رجله فينزل أو يترامى من غير عنت يصيبه فلم يفعل؛ حنث، وإن لم يقدر على شيء من ذلك لم يحنث.
قال سحنون: وإن قال لزوجته: أنت طالق إن دخلت أنت هذه الدار؛ فأكرهها هو أو غيره على الدخول؛ فلا يحنث بإكراه غيره، وأما هو فأخاف أن إكراهه لها رضى منه بالحنث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يأكل هذا الرغيف فأكره على أكله لم يحنث، وإن أكره على اليمين فحلف ألا يأكل ثم أكل لم يحنث.
قال مالك: والمكره على اليمين ليس يمينه بشيء.
ابن المواز قال مالك: وكل من حلف على خوف من العذاب إلا أن في حق عليه حلف وهو يعلم أنه آثم فهو حانث ولا ينفعه الخوف.
ابن المواز: كأنه يريد على شيء قد فعله أنه لم يفعله فهذا لا ينفعه ويحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 434

قال: ومن استغاث برجل مخافة القتل فأغاثه فطلبه عنده الذي يريد قتله وهو ظالم له، فقال: ما هو عندي، قال: فاحلف لي بالطلاق، فحلف له أنه ما هو عندي، قال: قد أجر وأحيا نفساً ولزمه الطلاق.
وقال أشهب: لا شيء عليه.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يسكن بيتاً فسكن بيت شعر وهو بادي أو حضري حنث؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ﴾.
ابن المواز: إلا يكون ليمينه معنى يستدل به عليه مثل أن يسمع بقوم انهدم عليهم المسكن فقتلهم فحلف عند ذلك فلا يحنث بسكن بيت الشعر.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالطلاق ماله مال وقد ورث قبله يمينه مالاً لم يعلم به حنث إلا أن ينوي في يمينه أني أعلمه فلا يحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 435

ابن المواز: وقيل: إن استثنى علمه بحركة اللسان وإلا لم تنفعه النية.
قيل: فإن كانت له عمرى ترجع غليه يوماً ما قال: هو حانث؛ لأنها ماله.
قيل: فلو تصدق عليه بصدقة وهو لا يعلم فلم يقبلها؛ قال: لا شيء عليه، وإن قبلها حنث.
وقيل: لا يحنث وإن قبلها؛ لأنها بالقبول صارت ماله.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يدخل على فلان بيتاً فدخل عليه المسجد لم يحنث وليس على هذا حلف.
قال ابن المواز: وكذلك إذا حلف ألا يجتمع معه تحت سقف فلا شيء عليه كالحلف على الدخول.
قال عن ابن القاسم: ولو دخل معه الحمام لحنث؛ لأنه لو أراد ألا يدخله قدر.
محمد: وليس هذا عنده بمنزلة المسجد.
قال: ولو حلف ألا يأويه وإياه سقف بيت فمرا بسقيفة تحتها طريق، فإن كانت طريقاً نافذة يمر فيها بغير إذن فإنه ينوى ولا حنث عليه فيها.

الجزء: 6 - الصفحة: 436

وقال ابن حبيب: في الحالف لا يجمعه وفلان سقف؛ إن أراد اجتناب الجلوس معه وغيره، أو لا نية له فلا يجامعه في بقعة ولا موقف لا تحت سقف ولا صحراء فإن فعل حنث.
م: يريد: ولا يحنث إن مر به ماراً ولم يقف معه، والقياس: ألا يحنث في مجامعته في [غير تحت سقف إذا لم تكن له نية.
قال ابن حبيب: وإن لم يرد إلا مجامعته في] البيوت المسكونة فلا بأس أن يجلس معه في الدار والصحراء وحيث ما شاء عدا السقف.
من: يريد: وينوى هاهنا وإن كانت على يمينه بالطلاق بينة لأنه لم نفس ما حلف عليه.
قال ابن حبيب: ولا شيء عليه إن دخل معه في المسجد للصلاة والجلوس وليفترقا فيه ولا يجتمعان في مجلس، ويحنث في الحمام وأما في السجن فإن سجن الحالف لم يحنث بدخول المحلوف عليه طوعاً أو بسجن.

الجزء: 6 - الصفحة: 437

م: لأنه كالمكره.
قال: وإن كان الحالف غير مسجون فكيفما دخل عليه المحلوف عليه حنث.
وقال ابن الماجشون وأصبغ.
وقال أصبغ في العتبية: إنه حانث وإن حبسه الإمام كرهاً إلا أن ينوي ألا جامعه طائعاً.
قال ابن حبيب: وإذا حلف لا جامعه تحت سقف فدخل عليه المحلوف حنث، ولا ينفعه أن خرج مكانه إلا في يمينه: لا دخل علي فلان، وقاله أصبغ وغيره.
قال مالك في العتبية: فيمن حلف بطلاق امرأته لا يأويهما سقف بيت حتى تأتي وتقبل رأسي وتعتذر، قال: إن دخلت عليه فقبلت رأسه واعتذرت برئ، وإن خرجت قبل أن تفعل ذلك حنث.
وقال في التي بات زوجها عند ضرتها ليالي فحلفت بالحرية: إن بت معك تحت سقف حتى تبين معي مثل ما بت معها؛ قال مالك: يبيت معها في غير سقف ويدع الأخرى حتى تفرغ تلك الليالي.

الجزء: 6 - الصفحة: 438

[وقال أصبغ: يحنث حينما بات معها إذا مسها؛ لأنها قصدت الاجتناب ولكن يبيت معها في الحجرة مثل تلك الليالي] ولا يمسها فيها ثم يبيت في البيت إلا أن تنوي هي المصاب في الحجرة فلا يبر إلا به في تلك الليالي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يدخل على فلانٍ بيتاً فدخل الحالف عند جاره فوجد المحلوف عليه عنده حنث، وإن دخل المحلوف عليه على الحالف فخاف مالك عليه الحنث.
وقال ابن القاسم: لا يحنث إلا أن ينوي أن يجامعه في بيت فيحنث.
قال ابن المواز: وقيل: لا شيء عليه إلا أن يقيم معهم بعد دخوله عليه.
قال بعض أصحابنا: وكذلك ينبغي على قول ابن القاسم: لا يجلس بعد دخول المحلوف عليه؛ فإن جلس وتراخى حنث، ويصير كابتداء دخوله هو عليه؛ كما قال في الحالف ألا يأذن لامرأته في الخروج فخرجت بغير إذنه فعلم بها فجعل تركه لها بعد علمه بخروجها كابتداء إذن.
م: صواب، وذلك بين في كلام محمد وابن حبيب.

الجزء: 6 - الصفحة: 439

قيل لابن المواز: فإن احتمل الحالف فدخل به على المحلوف عليه كرهاً؛ قال: لا حنث عليه إذا لم يتراخ وأجهد نفسه، وكان إذا قدر على الخروج خرج مكانه، فإن أقام وهو لو شاء أن يخرج فخرج فقد حنث.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن حلف لا أدخل على فلان بيتاً فدخل عليه وهو ميت حنث.
ابن سحنون: وقاله عبد الملك.
وقال سحنون: لا يحنث.
قال أصبغ وإن حلف لا أدخل بيت فلان ما عاش أو قال: حتى يموت فدخل بيته وهو ميت قبل أن يدفن أن حنث.
م: ويجب أن يكون على قول سحنون: لا يحنث وهو في هذه أقوى من الأول؛ لأنه اشترط ما عاش أو حتى يموت فقد دخل بعد حلول الشرط فكان يجب ألا يحنث باتفاق، وقول من حنث بذلك ضعيف.

الجزء: 6 - الصفحة: 440

فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف لا آكل من طعام فلان فباع فلان طعامه ثم أكل منه الحالف لم يحنث إلا أن يقول: من هذا الطعام؛ فلا يأكل منه وإن خرج من ملك المحلوف عليه وتداولته الأملاك فإن فعل حنث إلا أن يكون نوى ما دام في ملك فلان، وإن حلف لا أكلت من طعام فلان ولا ألبس من ثيابه ولا أدخل داره ثم ملك أشياء فلان هذه بشراء منه فأكل ولبس ودخل بعد الشراء فلا شيء عليه إلا أن يكره تلك الأشياء لأعيانها فيحنث، ولو وهبها له المحلوف عليه أو تصدق بها عليه فقبلها ثم أكل ولبس ودخل حنث إن كان ما كره من ناحية المن.
ومن كتاب ابن المواز: إذا قبلها فأكل ولبس ودخل الدار فقيل: لا شيء عليه.
وقال محمد: هو حانث، وقاله المخزومي وابن دينار وابن كنانة.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يأكل لرجل طعاماً فدخل ابن الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزاً فخرج به الصبي لأبيه فأكل منه الأب ولم يعلم به حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 441

[قال أبو إسحاق: ولم يجعل ملك ابنه تقرر على "ما أعطاه" فيصير الأب أكل من مال ابنه لا مال المحلوف عليه ولعله أراد أن ذلك يسير "للأب" يرده، وأما لو وهبه هبة كثيرة لها بال "لا يقدر الأب على ردها" فأكل منها الأب لانبغى ألا يحنث؛ لأنه مال لابنه لا يقدر على رده على الوهاب].
قال سحنون: وأما أنا فيتبين لي أنه لا يحنث؛ لأن الابن قد ملك الطعام دون الأب.
م: قال بعض أصحابنا: إن كان الأب موسراً حتى يكون له رد ما وهب لابنه من طعام ولا ينتفع إلا بأكله في الوقت كالكسرة ونحوها؛ لأنه يقول: نفقة ابني علي فليس لأحد أن يحمل عني منها شيئاً فهذا إن أكل مما أعطي الصبي حنث ويعد ذلك قبولاً منه لخبز المحلوف عليه، وإن كان الأب معدماً حتى لا تلزمه نفقة ابنه وكان عيش الابن من عند غير الأب من الصدقات ونحوها فأعطاه ذلك الرجل خبزاً فأكل منه الأب لم يحنث.
قال: وهذا معنى قول مالك والله أعلم.

الجزء: 6 - الصفحة: 442

قال: ولو دخل عبد الحالف على المحلوف عليه فأطعمه خبزاً فأكل منه الحالف ولم يعلم لحنث أيضاً، وعبده وابنه في هذا سواء؛ لأنه له رد ما وهب لعبده قل أو كثر إلا أن يكون على العبد دين فليس له رد ما وهب له من مال.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يأكل من طعام اشتراه فلان فأكل من طعام اشتراه فلان وآخر معه حنث.
[وكذلك إن حلف ألا يلبس ثوباً غزلته فلانة فلبس ثوباً غزلته فلانة وأخرى معها حنث].
م: قال سحنون: فيمن حلف ألا يأكل من مال فلان ولا ينتفع منه بشيء فانتفع بشيء من ماله بعد موته قبل جمع ماله أو بعد [قبل أن يدفن أو بعد]؛ فإن كان عليه دين فهو حانث، كان ديناً محيطاً أو غير محيط، وأما إن لم يكن عليه دين وقد أوصى بوصايا فلا يحنث؛ لأن ما تركه بموته لأهل الميراث ولأهل الوصايا وما جرى فيه من حادث فمنهم.
قال: وقد أخطأ من ساوى بين الدين والوصية.

الجزء: 6 - الصفحة: 443

ومن سماع أشهب: ومن حلف ألا أخذ لفلان مالاً فمات فأخذ من تركته؛ فلا يحنث إلا أن يكون عليه دين أو أوصى بوصايا.
قال سحنون: وكذلك قوله لا أكلت من طعامه، فأكل قبل قسم ماله فإن كان عليه دين أو أوصى بوصايا حنث.
وقال أشهب في المجموعة: سواء كان عليه دين أم لا دين عليه.
وقال ابن القاسم أيضاً في المجموعة: كان عليه دين محيط أو غير محيط.
وقال ابن المواز: وقد قيل: لا يحنث وإن أحاط به الدين.
قال أبو القاسم ابن الكاتب: في قولهم: يحنث إذا أوصى بوصايا، قال: معناه عندي: إذا أوصى له بمال معلوم فيحتاج فيه إلى بيع مال الميت ليعطى منه الموصى له؛ لأن ذلك المال لو ضاع قبل أن يعطاه لرجع الموصى له في ثلث ماله الذي بقي؛ لأنه لا

الجزء: 6 - الصفحة: 444

يتعين كما قال فيمن أوصى أن يشتري عبد [فلان فيعتق عنه فيموت بعد الشراء وقبل عتقه أن عليهم أن يشتروا غيرهم من] بقية الثلث، بخلاف عبد بعينه، وأما إن كانت الوصية بجزء من ماله كالثلث والربع ونحو ذلك؛ فهاهنا يكون الموصى له شريكاً للورثة كأحدهم ساعة يموت الميت فلا حنث على الحالف في هذا والله أعلم.
قال مالك: ومن حلف بالطلاق ألا آكل من طعام فلان فسافر معه فاشتريا طعاماً فأكلاه فليحلف ما أراد إلا طعامه خالصا ولا شيء عليه.
قال ابن القاسم: إذا علم أنه لا يأكل أكثر من صاحبه وكره أن يقربا سفرتيهما من غير شراء فيأكلان من الطعام وإن كان ذلك كفافاً.
وقال أصبغ: لا يحنث وهو كالاشتراء إذا أكل مثل طعامه فدون.
فيمن حلف على زوجته إن خرجت إلا بإذنه أو حلف إلا بإذنه لها وكيف إن خرجت كرهاً أو لأمر غالب قال ابن القاسم ومن قال لزوجته: أنت طالق إن خرجت إلا بإذني؛ فأذن لها في سفر أو حيث لا تسمعه، وأشهد بذلك، فخرجت بعد إذنه وقبل علمها بالإذن فهو حانث.

الجزء: 6 - الصفحة: 445

قال مالك في غير/ كتاب: وإن حلف لها لا خرجت سنة إلا بإذني فمر بأمها فسألته أن يأذن لها إليها، فقال: نعم أنا آذن لها وأبعثها غليك فبعثت الأم إليها أن قد أذن لك: فجاءتها قبل مجيء الزوج وإذنه فإن أراد بما قال للأم إذناً إني قد أذنت لها وتلك نيته فلا شيء عليه، وإن لم يرد ذلك فقد حنث.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ألا يأذن لها إلا في عيادة مريض فخرجت في العيادة بإذنه ثم مضت بعد ذلك إلى حاجة أخرى لم يحنث؛ لأن ذلك بغير إذنه وهي في كل ما خرجت بغير إذنه من حمام أو غيره لا يحنث إلا أن يتركها بعد علمه فيصير ذلك كابتداء إذن وإن هو حين علم بذلك لم يتركها فلا يحنث، وإن لم يعلم بذلك حتى رجعت فلا شيء عليه.
ابن المواز وقال أشهب: وإن حلف ألا تخرج إلا غير عيادة مريض إلا بإذني فأذن لها في العيادة فذهبت منها إلى غيرها فقد حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 446

م: يريد: لأن ذلك بغير إذنه وهو في كل ما خرجت إليه سوى العيادة بغير إذنه حانت، وكذلك قال أصبغ في العتبية: إن حلف لا خرجت إلا بإذني فأذن لها في موضع فذهبت منه إلى غيره فقد حنث.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإذا أذن لها إلى موضع فخرجت ثم رجعت من الطريق لحاجة ذكرتها، مثل ثوب ذكرته تتحمل به ثم خرجت؛ فلا شيء عليه إلا أن ترجع إلى الدار تركاً لمخرجها الذي أذن لها فيه ثم تذكر فتخرج على الإذن الأول فهذا حانث.
ابن المواز: وقاله ابن وهب.
وقال ابن القاسم: إنه حانث على كل حال، وكذلك ذكر عنه ابن حبيب: وعن أصبغ وذكر عن مطرف وابن الماجشون: أنها إن رجعت لما ذكرت قبل بلوغ الموضع الذي خرجت إليه فلا شيء عليه، فأما لو بلغت الموضع ثم رجعت؛ فلا بد من تجديد إذن وإلا حنث، وبه قال ابن حبيب.

الجزء: 6 - الصفحة: 447

م: ورواية أبي زيد عن ابن القاسم أبينها.
فصل قال ابن حبيب: ومن حلف لا خرجت امرأته إلا بإذنه فأراد سفراً فأذن لها أن تخرج كلما شاءت وحيث شاءت؛ فابن القاسم يقول: إذن واحد يكفيه إلا أن يقول: لا خرجت إلا موضع من المواضع، أو يقول: إلى موضع فقط، فإن قال ذلك؛ لم يجزه حتى يجدد الإذن في كل موضع عن علم منه بالموضع الذي تخرج إليه وحكاه عن مالك وقاله مطرف وأصبغ.
وقال ابن الماجشون وأشهب: إذن واحد يجزيه في الوجهين، وقول ابن القاسم أحب إلي، فأنزل نزل ذلك لم أبلغ به الحنث وأخذت بقول أشهب وعبد الملك.
وذكر ابن المواز وابن عبدوس عن مالك وابن القاسم مثل ما ذكر ابن حبيب.
محمد: وقال ابن الماجشون في الحالف: إن خرجت إلا بإذني: إنه لابد من إحداث الإذن في كل مخرج إلا أن يقول نويت هذا الأمر جملة بعينه، وأن نويت إذناً واحداً فيحلف وينوي.

الجزء: 6 - الصفحة: 448

ابن المواز: وإن حلف لا أعارت امرأته شيئاً من بيته إلا بإذنه ثم يقول لها: قد أذنت لك أو تعيري كل ما شئت فلا ينفعه ذلك حتى يعرف كل ما تعير كمن قال: إن خرجت من موضع كذا إلا بإذني، وقيل: ليس هذا مثله، وليس بشيء حتى يقول: إن أعرت شيئاً من الأشياء فيكون مثل قوله: إن خرجت إلى موضع كذا، وأما يمينه: إن أعرت، فمثل قوله: إن خرجت.
م: فصار في قوله: إن خرجت إلا بإذني قولان: قول: إن إذناً واحداً يجزيه.
وقول: إن لابد من تجديد الإذن، وكذلك قوله: إن خرجت إلى موضع من المواضع الجواب سواء.

الجزء: 6 - الصفحة: 449

فصل قال ابن المواز: ومن حلف بطلاق امرأته البتة إن خرجت إلى أهلها إلا بإذنه إن لم يضربها، فخرجت مرة فضربها فلا شيء عليه إن هي خرجت بعد ذلك بغير إذنه إلا إن يكون نوى ذلك، ألا ترى أنها لو خرجت مراراً لم يكن عليه أن يضربها إلا مرة واحدة؛ فإن ضربها فقد بر في يمينه وسقطت كما لو حنث مرة لسقطت عند اليمين وليس يبر أحد ولا يحنث إلا مرة واحدة.
م: يريد: وكذلك لو قال لها أنت طالق واحدة إن خرجت إلا بإذني فخرجت مرة بغير إذنه فوقعت عليها طلقة ثم إن خرجت ثانية لم يلزمه شيء؛ لأنها يمين حنث فيها فلا يتكرر الحنث إلا أن ينوي كلما خرجت.
ابن المواز: ومن حلف إن نام حتى يوتر فعليه صدقة دينار، فنام ليلة قبل أن يوتر؛ فلزمه صدقة دينار ثم نام بعد ذلك.
قال مالك: ما رأيت أحداً يفعل هذا، يريد بذلك مرة واحدة وما أراه إلا أن عليه في كل ماي فعل إلا أن ينويه.
وقاله ابن القاسم وأصبغ.
قال أشهب: وإن حلف على زوجته ألا تدخل الدار إلا بإذنه فأذن لها فلم تدخل حتى قال لها: لا تدخلي وإن دخلت حنث؛ لأنها دخلت بغير إذنه.

الجزء: 6 - الصفحة: 450

فصل قال ابن حبيب: وللرجل منع زوجته من الخروج إلى بيت أبويها ولا يحكم به عليه إن امتنع وإن لم يحلف ولكن يحكم عليه بالإذن لهما في الدخول إليها المرة بعد المرة، وليس له منع الوجهين ويقطع ما أمر الله به أن يوصل، فلا بد أن يتركها أن تخرج إليهما أو يدخلان إليها، يقضي عليه بأحد الأمرين إن طلبته هي ذلك أو أحد أبويها وهو حق لها أو لهما فإن حلف بالطلاق لا دخلا إليها ولا خرجت إليهما قضي بإحناثه بأحد الأمرين إن خوصم، وكذلك قال: من كاشفت قال: ويقضى عليه ألا يمنع أخاها وعمها وخالها وابن أخيها وابن أختها من دخولهم إليها أو خروجها إليهم فإن حلف في الوجهين فقد أساء وظلم ولا يبلغ بعد الحنث وكذلك سمعت.

الجزء: 6 - الصفحة: 451

ومن العتبية قال أشهب عن مالك: ومن حلف بطلاق أو عتق ألا تخرج امرأته أبداً فلا يقضى عليه بالخروج في جنازة أبيها وأمها، وأن تزورهما، قال: وإن لم يحلف قضي عليه أن تشهد جنازة أبيها وأمها وان تزورهما في الأمر الذي فيه الصلة والصلاح، فأمر الجنائز واللعب والعبث فليس ذلك عليه، قال: ويقضى عليه أن تخرج إلى الحج إن شاءت وكانت صرورة [وإن حلف ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث في هذا يحلف بالأمس ويقول:] أنا أحج اليوم ولعله يؤخر ذلك سنة بسنة.
قال: وإذا حلف لا خرجت إلا أن يقضي علي به سلطان فأراد أن يقضى به عليه سلطان، فأرجو إذا أخبر الإمام غيره فقضى عليه إلا أن يكون عليه شيء، وليس على السلطان بأس أن يفعل إذا علم أنه يجب ذلك.
ابن المواز قيل لابن عبد الحكم: فإن جهل فأخبر هو بذلك الإمام، قال: ما أشبهه أن يحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 452

قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا أخبر الإمام غيره قضى عليه فيما يلزم من جنازة أمها ولا ينبغي فأرجو ألا شيء عليه، وأما إن قضى عليه بغير الحق فأذن لها بحكم منه فلا شيء عليه، وأما إن أخبر بذلك الرجل فمضى الرجل إلى الإمام فأخبره فحكم عليه بغير الحق فهو حانث.
قال أبو محمد: يريد إذا لم يقصد الحالف تحليل يمينه بما لا يجب فهو بار حتى إذا قصد القضاء عليه بذلك وكان بسببه فقد حنث؛ لأنه ليس من وجه القضاء الذي حلف عليه.
فصل قال مالك في العتبية وكتاب محمد: فيمن حلف بالطلاق لا خرجت امرأته من الدار أبداً، فأتاها سيل أو هدم أو أمر لا قرار معه أو خرجها أهل الدار وهي بكراء قد انقضى فلا شيء عليه في خروجها هذا واليمين عليه في الدار التي انتقلت إليها وكذلك إن رجعت إلى الدار التي انتقلت منها.
قال ابن القاسم: فإن ضرب أجلاً فحتى تبلغ إليه.

الجزء: 6 - الصفحة: 453

قال ابن سحنون عن أبيه: وكذلك لو أخرجها السلطان في يمين تحلفها عند المنبر لم يحنث.
قال مالك في كتاب محمد: ولو انتقل الزوج ولم يخرجه رب الدار فلا شيء عليه إذا كان على سبيل النقلة، واليمين باقية حيث انتقل، وكذلك إذا انتقل لخوف سقوط البيت أو خرج إلى بادية وما كان مما يغشاه من أمر السماء فيغلبه فلا شيء عليه.
م: لأن الأيمان في هذا إنما يقصد بها منع خروج التصرف لما يتقى عليه فيه من الفساد، وقد قيل: ما شيء أضر عليهن من الخروج فإذا كان المقصد ذلك لم يجب أن يحنث، لخروج الانتقال أو أمر غالب والله أعلم.
وقال عنه ابن نافع في المجموعة: فيمن حلف بطلاق امرأته إن خرجت من باب بيتها حتى أصدر فغاب ونزلت بموضعها فتنة فخافت المرأة وخرجت من خوفها من دبر البيت إلى أمها ولم تخرج من بابه قال: أراه قد حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 454

م: وهذا خلاف لقوله في العتبية وكتاب محمد: إذا خافت على نفسها الهلاك والاغتصاب من أمر الفتنة، ولا فرق بين ذلك وبين السيل والهدم وهو كالإكراه على الخروج.
فصل ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن حلف على زوجته ألا يأذن لها إلى أهلها فأذن لها إليهم فلم تذهب فقد حنث سارت أو لم تسر.
ابن المواز وإن قال لها: أنت طالق إن خرجت إلى أهلك فخرجت فلم تبلغ أهلها حتى أدركها فردها فقد حنث، وإن قال: لها إن حجبت فأنت طالق فخرج هو إلى سفر فخرجت تريد الحج فأدركها وقد أحرمت فردها فقد حنث، فإن لم تحرم حتى ردها لم يكن عليه شيء، ولو أحرمت ولم تخرج لكان حانثاً؛ لأن الإحرام هو الحج.
قال ابن المواز: ولو قال لها: إن خرجت إلى الحج فخرجت تريد الحج فأدركها قبل أن تخرج فقد حنث، بخلاف قوله: إن حججت.

الجزء: 6 - الصفحة: 455

باب جامع

لمسائل مختلفة من الأيمان

قال ابن القاسم: ومن حلف ليقضين فلاناً حقه غداً فقضاه اليوم بر، ولو حلف ليأكلن هذا الطعام غداً فأكله اليوم حنث، إذ الطعام قد يخص به اليوم، والغريم إنما القصد فيه القضاء.
قال أشهب في المجموعة: إن سئل في أكله الآن فقال: دعوني الآن فأنا والله آكله غداً فلا حنث عليه إن أكله اليوم لأن قصده لا تعيين اليوم وإن كان على غير ذلك حنث.
[قال مالك في عبد سأله سيده عن خرجٍ فقال العبد: بعته من أخيك فخشي السيد أن يكون كذبه، قال: فاحلف لي بطلاق زوجتك ثلاثاً فقال العبد: امرأتي طالق ثلاثاً إن لم يكن أخوك أرسل لي فيه وبعته إياه وانتقدت ثمنه ثم ذكر [بعد ذلك فإذا أخو الرجل هو الذي لقيه في الخرج وباعه وانتقد ثمنه] وأنه لم يجئه فيه رسول، قال مالك: لا أرى عليه حنثاً إنما أراد وجه الكتمان].
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يشتري ثوباً فاشترى وشيئاً أو صنفاً سواه فإن خص بنيته ذلك النصف فله نيته في الفتيا، وأما في القضاء: إن قامت عليه بنية.

الجزء: 6 - الصفحة: 456

فيما يقضى به عليه من طلاق أو عتق فلا ينوى، وكذلك إن حلف ألا يدخل هذه الدار ثم دخلها بعد شهر وقال: نويت شهراً فله نيته في الفتيا ولا ينوي في القضاء.
قال ابن المواز: وإن حلف ألا يلبس ثوباً ونوى وشياً فله نيته، وإن نوى إلا وشياً فقيل: ينفعه كما يحاشي زوجته إذا قال: الحلال عليه حرام، وينوى إلا امرأتي وقيل: لا ينفعه حتى يحرك بها لسانه كأحرف الاستثناء، وأما: إن، وإلا أن؛ فهي أحرف الاستثناء لا اختلاف فيهما أن النية لا تنفعه إلا بتحريك لسانه بها كيمينه: إن شاء فلان [أو إلا أن يشاء فلان] وقد تقدم هذا.
فصل ومن المدونة: وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو لابسه أو لا يركب هذه الدابة وهو عليها فإن نزل عنها أو نزع الثوب مكانه وإلا حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 457

قال في المجموعة: وإن قال لزوجته وهي في الدار: إن دخلت هذه الدار فأنت طالق فلا شيء عليه في تماديها وإنما اليمين على أمر مستقبل، وكذلك لو قال لحامل: إن حملت فأنت طالق لم تطلق عليه بذلك الحمل، ولكن بأمر مستقبل.
ابن المواز وقال أشهب في يمينه: إن دخلت هذه الدار وهو فيها أنه إن لم يخرج فكأنه حنث.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب فقطعه قباءً أو قميصاً أو سراويل أو جبة فلبسه حنث إلا أن يكون كره الأول لضيفه أو لسوء عمله فحوله فلا يحنث.
وإن حلف ألا يلبس هذا الثوب وهو قميص أو قباء أو ملحفة فأتزر به أو لف به رأسه أو طرحه على منكبيه؛ حنث، ولو أصاب من الليل هراقة البول فجعله على فرجه ولم يعلم لم يحنث، وليس هذا لبساً ولو أداره عليه فهو لبس ويحنث.
وقاله مالك.
ومن العتبية من سماع أشهب: ومن حلف في فراش ألا يضطجع عليه ففتق فالتحف به مع امرأته حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 458

م: إن كان الفراش محشواً فكره سوء حشوه وأنه أذاه ذلك في الرقاد عليه ففتقه وأزال حشوه وجعله إزاراً لم يحنث في الالتحاف به.
وقال أصبغ: فيمن حلف ألا يجلس على بساط فمشى عليه فإن أراد اجتنابه أو كره النفع به والجلوس عليه حنث إلا أن تكون له نية أو بساط.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يركب دابة فلان فركب دابة عبده حنث إلا أن تكون له نية لأن ما في يد العبد لسيده ألا ترى أن العبد لو اشترى من يعتق على سيده لعتق عليه.
[وخالفه أشهب ورأى: أن الحالف لا حنث عليه في دابة العبد ولا يعتق من يعتق على السيد إذا ملكه عبده، وقال غيره: يحنث لأن ملك العبد له حتى ينتزعه سيده، وعلى مذهب ابن القاسم أن مال العبد لما كان ... فكأنه مال السيد سيما إن قصد المنة فهو من عليه بما أخذ من مال عبده إذ لو شاء لمنع عبده من ذلك].
وقال أشهب: لا يحنث في دابة عبده.
قال عنه ابن المواز: كما لو ركب دابة لولده مما للأب اعتصارها لا يحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 459

فصل قد تقدم قول مالك فيمن حلف بالطلاق ماله مال وقد ورث قبل يمينه مالاً لم يعلم به؛ أنه حانث إلا أن ينوي، أي يعلمه فلا يحنث.
قال بعض القرويين: ينوي في هذا وإن قامت على يمينه بينة؛ لأن نيته لما ذكر ممكنة غير مستبعدة.
م: ولو كانت يمينه في ذلك بالله لم يحنث لأنها لغو.
وقد قال ابن عباس: اللغو أن يحلف الرجل على أمرٍ يرى أنه فيه صادق فلا يكون صادقاً، فهذا مثله، وإنما يحنث في يمينه بالطلاق إذ لا لغو فيه.
ومن المدونة قال مالك: ومن حلف بالله ماله مال وله دين عرض أو غيره أو له شواء أو خادم ولا ناض له حنث إلا أن تكون له نية.
قال ابن القاسم: لأن العروض أموال، ألا ترى أن في الحديث: (فلم تغنم ذهباً ولا ورقاً إلا الأموال: المتاع والخرثي).
قال: وإن استعير منه ثوباً فحلف بالطلاق: ما يملك إلا ثوباً هو عليه وله ثوبان مرهونان وهما كفاف دينه؛ لم يحنث إن كانت تلك نية.
ابن المواز قال مالك: ويحلف أنه أراد ما يقدر عليهما للعارية وذلك نيته.
قال فيه وفي المدونة: وإن لم تكن له نية؛ حنث كان فيهما فضل أم لا.

الجزء: 6 - الصفحة: 460

وقال يحيى بن عمر: إن كانت له نية لم يحنث كان فيهما فضل أم لا، يريد إذا حلف متبرعاً، وأما إن حلف لغريم فهو حانث إن كان فيهما فضل ولا تنفعه هاهنا نية.
فصل ومن المونة قال مالك: ومن حلف ألا يكلم فلاناً عشرة أيام فكلمه فيها حنث ثم إن كلمه فيها مراراً قبل أن يكفر أو بعد لم يلزمه إلا كفارة واحدة.
قال في العتبية: فيمن حلف بطلاق أو غيره لا يكلم أخاه عشرة أيام؛ فأحب إلي أن يلقي ذلك اليوم ولا يعتد به وقاله ابن القاسم.
وروى عنه سحنون فيمن حلف ضحى لا كلم فلاناً يوماً، قال: يكف عن كلامه إلى مثل تلك الساعة من الغد.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف لرجل إن علم كذا ليعلمنه أو ليخبرنه فعلماه جميعاً لم يبر حتى يعلمه أو يخبره وإن كتب به إليه أو أرسل إليه رسولاً بر.
قال مالك: ولو أسر إليه رجلٌ سراً فأحلفه ليكتمنه ثم أسره المسر لآخر فذكره الآخر للحالف، فقال له الحالف: ما ظننت أنه أسره لغيري حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 461

فصل وقال مالك: وإن حلف ألا يتكفل بمال أبداً فتكفل بنفس رجل حنث؛ لأن الكفالة بالنفس كالكفالة بالمال إلا أن يشترط وجهه بلا مال فلا يحنث، ومن حلف ألا يتكفل لفلانٍ بكفالة فتكفل لوكيل له ولم يعلم أنه وكيله فإن لم يكن الوكيل من سبب فلان وناحيته لم يحنث.
قال ابن المواز: إذا لم يعلم أنه من وكلائه أو من سببه؛ لم يحنث، وإن علم بذلك حنث.
فصل ومن الدونة قال مالك: ومن حلف ليضربن عبده مائة سوط فجمعها وضربه بها ضربة واحدة لم يجزه واستأنف ضربه مائة سوط ولم تجزه تلك الضربة؛ لأنها غير مجانسة لضرب السوط المحلوف عليه فخاف ما لو جمع سوطين وضربه بهما خمسين [لعدت له خمسون] يتم عليها خمسين ويبر؛ لأن هذا يشبه ضرب السوط وجمعها كلها لا يكون كذلك.

الجزء: 6 - الصفحة: 462

[ومن كتاب أبي إسحاق] أو أخذ سوطاً له رأسين أو جمع سوطين فضربه بهما خمسين جلدة لم يبر، ولو ضربه بسوط مائة جلدة جلداً خفيفاً لم يبر إلا بضرب مؤلم، وإن حلف ألا يضرب عبده فأمر غيره فضربه حنث إلا إن ينوي بنفسه، [وإن حلف ليضربن عبده فأمر غيره فضربه بر إلا أن ينوي بنفسه].
ومن حلف ألا يشتري عبداً فأمر غيره فاشتراه له حنث، وكذلك لو حلف ألا يبيع سلعته فأمر غيره فباعها حنث، ولا يدين في شيء من هذا.
قال ابن المواز: إذا كانت له نية في الشراء أو في البيع ألا يليه؛ لأنه قد غبن غير مرة فله نيته، وأما إن كره شراءه أصلاً؛ فقد حنث، وقاله أشهب، ولم يره ابن القاسم.
فصل ومن المدونة قال مالك: ومن حلف ألا يبيع لفلان شيئاً فرفع فلان ثوباً لرجل فأعطاه الرجل للحالف فباعه ولم يعلم أنه ثوب فلان؛ فإن كان الرجل من سبب فلان وناحيته

الجزء: 6 - الصفحة: 463

مثل الصديق الملاطف أو من في عياله ونحوه حنث، وإلا لم يحنث، وكذلك إن حلف ألا يبيع منه فباع ممن اشترى له ولم يعلم؛ فإن كان المشتري من سبب فلان وناحيته حنث وإلا لم يحنث، ولو قال له عند البيع: إني حلفت ألا أبيع فلاناً فقال له: إنما أبتاع لنفسي، ثم صح بعد البيع أنه إنما ابتاع لفلان لزم الحالف البيع ولم ينفعه ذلك وحنث إن كان المشتري من ناحية فلان.
وقال أبو إسحاق: وانظر إن قال: إنما أبيع منك بشرط أنك لو اشتريت لفلان فلا بيع بيني وبينك، فثبت أنه اشترى لفلان؛ لا ينبغي ألا يحنث، وأن لا ينعقد البيع، وانظر لو اشترى لنفسه ثم ولى المحلوف عليه بحضرة البيع في الموضع الذي يكون عهده المولى على البائع هل يحنث البائع لأن المحلوف عليه هو يطلب بعده استحقاق السلعة أم لا يحنث؛ لأن البائع الحالف لو حلف لا يطلب بثمنه إلا المولى، فكأنه وإن كانت العهدة عليه للمحلوف عليه فليس هو الطالب له بالثمن، وقد قيل فيمن حلف: ألا يشتري لامرأته ثياباً فاشترى لنفسه فسألته امرأته أن يوليه إياه قال: سمعت مالكاً يستثقل أن يوليها.

الجزء: 6 - الصفحة: 464

قال ابن القاسم: فإن فعل لم أر عليه حنثاً؛ لأن التولية هاهنا بيع إلا أن يكون عند مواجهة البيع وبحضرة البيع الأول، فكأنه حينئذ إنما اشتراها له.
[قال أبو إسحاق: وهذا بين لأنه هاهنا هو القابض منه الثمن، كما يقبضه إذا وكلته على الشراء والعهدة لنا على من اشترى هو منه فأشبه الوكالة في الأمرين].
قال ابن المواز عن مالك: إذا كان المشتري من ناحية المحلوف عليه أو رسوله وقد عرف بذلك البائع حنث، وإن لم يعلم أنه من سببه لم يحنث في ذلك كله، وقاله أشهب في المجموعة.
م: وهذا وفاق للمدونة.
وقال ابن حبيب قوله: من ناحيته هو وكيله أو من يدبر أمره أو أب أو أخ ممن يلي أمره، فأما الصديق والجار والجلساء فلا، وإذا كان ممن ذكرنا أنه من ناحيته فلا يبالي علم به الحالف أو لم يعلم فإنه يحنث، وإن كان خليطاً أو جاراً أو صديقاً فلا يحنث علم به أو لم يعلم أنه إنما ابتاعه له إلا الخليط المعامل القائم ببعض أموره فهو يحنث، وهو كمن يسببه وقاله كله مالك.

الجزء: 6 - الصفحة: 465

ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: فيمن حلف ألا باع بمائة دينار: فإنه يبر بزيادة الدينار فيه المائة وبنصف الدينار في الخمسين إلا أن تكون نية فيما يزاد.
قال أصبغ: ولا يبر بخمس دينار في عشرين ولا بخمسين ونصف في ثلاثين، وإذا جزأ الدينار هكذا لم يقع لمثل هذا منه بال.
قال: قال ابن سحنون قلت لسحنون: قال بعض الناس: إن ربع دينار يبر به في المائة لأنه يجب فيه القطع، قال: لا يبر بذلك ويحنث إن فعل.
ومن كتاب آخر: أن محمد بن عبد الحكم يقول: يبر بأقل من ذلك.
م: والرباعي عندنا في المائة رباعي يبر به عندنا كالدينار في المائة دينار عند غيرنا.
في اليمين على قضاء الحق أو اقتضائه قد تقدم القول فيمن حلف لأقضين فلاناً حقه إلى حين أو زمان أو دهر: أن ذلك كله سنة، وأن من حلف ليقضين حقك غداً فقضاك اليوم؛ أنه بار.

الجزء: 6 - الصفحة: 466

قال مالك: ومن حلف لأقضين فلاناً حقه إلى أجل فقضاه إياه ثم وجد فيها صاحب الحق درهماً زائفاً نحاساً أو رصاصاً أو ناقصاً بين النقصان أو بما لا يجوز أو استحقت من يده فقام عليه بعد الأجل فهو حانث.
[ولو كان له طعام من سلم فحلف ليقضينه ذلك إلى أجل فأحاله على من عليه طعام من سلم قبل الأجل فقبضه ومضى الأجل فوجب نقضه ورده إلى يد من كان عليه حتى يكتاله ثانية؛ فقيل: يحنث؛ لأن القضاء لم يتم لما نقص، وقيل: يبر؛ لأن الأجل قد مضى بالدين بيعاً يجب نقضه ... البيع فنقض بعد الأجل لكان كما قدمنا، ولو استحق ما قضاه لكان من هذا المعنى، أو رد بعيب وقد اختلف فيمن حلف ليبيعن ... إلى أجل فباعه وانقضى الأجل فرد بعيب فقيل: قد بر، وذهبت عنه اليمين ... مضى وكان قبل أن يرد بيعاً، وقيل: يحنث؛ لأنه لما انتقض فكأنه لم يبعه وقد ... الأجل فلا يقدر على بيعه إلا أن

الجزء: 6 - الصفحة: 467

يرد عليه قبل مضي الأجل فليبعه في بقية ... ، وقيل: إن كان عالماً بعيب حنث إن مضى الأجل، يريد: لأنه لما دلس دخل على هذا البيع لم يتقدر لخلاء ... بر].
قال مالك: ولو أعطاه قضاء من حقه عرضاً يساوي ما عليه أن لو يبيع لبر، ثم استثقله مالك.
قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إذا كان يساوي ذلك.
قال: وكذلك من حلف ألا يفارق غريمه إلا بحقه فأخذ منه حقه ثم وجد فيه ما ذكرنا بعد أن فارقه فهو حانث.
قال أشهب في المجموعة: إلا أن تكون نويت جهدك وقد اجتهدت فلا تحنث في الفتيا وإن قامت عليك بينة لم يقبل منك ذلك.
قال ابن سحنون: عن أبيه ولو أعطاه ديناراً أفضل عيناً من ديناره الذي يسأله فبعد الأجل طلب منه فضل عينه فضة فإن كان على هذا أعطاه فقد حنث ويرد الدينار إليه

الجزء: 6 - الصفحة: 468

ويعطيه ما عليه وإن لم يكن بينهما وأيٌ ولا عادة وأعطاه متطوعاً فلا شيء عليه في يمينه وإن أعطاه الدينار كله.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يفارق غريمه إلا بحقه ففر منه أو أفلت أو غصب الحالف نفسه فربط فهو حانث إلا أن يكون قوله: لا فارقتك كالقائل لا أتركه إلا أن يفر أو أغلب عليه.
وإن قال لزوجته: أنت طالق إن ضاجعتك أو قبلتك فقبلته من ورائه وهو لا يعلم أو ضاجعته وهو نائم لم يحنث إلا أن يكون منه في القبلة استرخاء، وإن كانت يمينه: إن ضاجعتني أو قبلتني حنث بكل حال.
قال ابن المواز: أما قوله: إن فارقتك وفي المرأة إن قبلتك أو ضاجعتك فلا يحنث إلا بطوعه ويحلف بالله ما هاذ الذي أراد إذا أكره.

الجزء: 6 - الصفحة: 469

وإن قال: إن فارقتني أو قبلتني أو ضاجعتني حنث، وإن أكره إلا أن يريد بقوله: إن فارقتني يريد: إن فارقتك أو ينوي إلا أن يغلب فلا يحنث.
قال: وأما قوله: إن افترقنا مثل قوله: إن فارقتني.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف لغريمه ألا يفارقه حتى يستوفي حقه فأحاله على غريم له لم يبر.
قال بعض فقهائنا: وإذا حلف ألا يفارقه وله عليه حق فأحاله بحقه ثم افترقا فلا حنث عليه؛ لأنه فارقه ولا حق له عليه للحوالة الواقعة بينهما، قال: وهو منصوص لأهل المذهب وليس كمن حلف ألا يفارق غريمه حتى يستوفي حقه.
م: والظاهر أنهما سواء لأنه إذا فارقه ولا حق عليه فقد استوفى حقه، فانظر.
قال مالك: وإن حلف ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر أو عند رأس الشهر أو إذا استهل الشهر فله يوم وليلة من أول الشهر، وإن قال: إلى استهلال الشهر أو إلى رمضان.
فإذا انسلخ شعبان واستهل رمضان ولم يقضه حنث.
ابن المواز قال ابن القاسم: وكذلك كلما ذكر فيه "إلى" فهو يحنث بغروب الشمس من آخر يوم هو فيه كقوله: إلى الهلال، أو إلى مجيئه أو إلى رؤيته ونحوه، وإن لم

الجزء: 6 - الصفحة: 470

يذكر "إلى" وذكر "اللام" أو "عند" أو "إذا" فله ليلة يهل الهلال ويومها، كقوله: لرؤية الهلال لدخوله لاستهلاله أو عند استهلاله أو عند رؤيته أو إذا استهل أو إذا دخل ونحوه.
وأما إن قال: إلى انسلاخ الهلال أو لانسلاخه أو في انسلاخه فيحنث بالغروب.
وإذا قال: عند انسلاخه أو إذا انسلخ فله ليلة ويوم.
وقوله: في انقضائه أو في آخره كقوله: في انسلاخه سواء.
وقال ابن وهب عن مالك: إن الانسلاخ والاستهلال أو إلى رؤيته أو إلى رمضان ذلك كله واحد وله ليلة ويوم.
قال ابن القاسم: وإن قال: ليقضينك في رمضان فلا يحنث إلا بغروب الشمس من آخره.
قال أشهب: وإن قال في نصفه فخاف أن ينقضي فليقضه يوم أربعة عشر فإن قضاه يوم خمسة عشر أول النهار أو آخره حنث.
وقيل: لا شيء عليه وهو النصف المتعارف عند الناس.

الجزء: 6 - الصفحة: 471

ابن المواز وقال أيضاً أشهب: لا يحنث فإن قضاه يوم خمسة عشر وإن نقص الشهر.
قال ابن القاسم: وإن قال: لأقضينك غداً يوم الجمعة أو قال: يوم الجمعة غداً وذلك ظنه فإذا هو يوم الخميس فإن لم يقضه غداً يوم الخميس إلى غروب الشمس وإلا حنث.
وإن قال: لأقضينك غدوة أو بكرة فليوفه ما بينه وبين نصف النهار وإن زالت الشمس حنث.
وكذلك إن قال: إلى الظهر، فإن قال: عند صلاة الظهر فله أن يصير ظل كل شيء مثله.
وإن قال قبل أن أصلي فإذا انصرف الناس من الجامع ولم يقضه حنث، وإن لم يصل هو وإن قال: نويت حتى أصلي أنا لم ينفعه وإن لم يكن لهم مسجد جماعة لم يحنث حتى يخرج آخر الوقت.
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف لك غريمك ليقضينك حقك رأس الشهر فوهبت له حقك أو وضعته عنه صدقة أو صلة لم يبر.

الجزء: 6 - الصفحة: 472

قال ابن حبيب: إذا وهبه الحق أو تصدق به عليه قبل الأجل فإن قلبه حنث مكانه ولا ينفعه أن يقضيه إياه قبل الأجل ليتحلل من يمينه؛ لأن الحق سقط بالقبول وإن لم يقبله ثم قضاه بر، ثم لا قيام له فيما رد من الهبة والصدقة، وإن لم يظهر منه ردٌ ولا قبولٌ وقضاه عند الأجل أو قبل ذلك بر، ثم له القيام في أخذ ما وهب له أو تصدق به عليه ويقضى له به، وكذلك فسر لي أصبغ.
قال مالك في غير كتاب: وأما إن ورثه الحالف فلا يحنث إذ لا يقدر على دفع الميراث.
واستحسن في العتبية أن يأتي الإمام بالحق فيقضيه إياه ثم يرده عليه وإن لم يفعل لم يحنث.
وقد قال ربيعة ومالك في المجموعة: إن الوراثة كالقضاء.
ومن المدونة قال مالك: ولو باعك بالحق سلعة تسوى الدين لبر، ثم كرهه مالك.
قال ابن القاسم: وقوله الأول أعجب إلي.

الجزء: 6 - الصفحة: 473

ولو حلف ليقضينك دنانيرك ولم يقل: حقك فذلك سواء ويبر إن دفع لك عرضاً يساوي دنانيرك إذا كانت يمينه على وجه القضاء ولم تكون على أعيان الدنانير ولو كانت يمينه على أعيان الدنانير لم يبر إلا بدفعها.
يريد: وكذلك إن لم تكن له نية.
ابن المواز: وإن حلف ليقضينه حقه إلى شهر أو رهناً بحقه فدفع إليه نصف الحق [ورهناً بنصف الحق الباقي فلا شيء عليه ولو قال: لأعطينك حقك] أو أرهنك داري فقضاه نصف الحق وأرهنه نصف داره بالباقي يحنث.
محمد: جيدة.
ومن المدونة قال مالك: وإن مات رب الحق قبل الأجل فقضى الغريم ورثته أو وصيه أو السلطان قبل الأجل بر.
قال مالك: ومن حلف؛ يريد: بطلاق امرأته أو عتق ليقضين فلاناً حقه رأس الشهر فغاب فلان فليقض وكيله أو السلطان ويخرجه ذلك من يمينه، وأن احتجب عنه السلطان فلم يجده أو كان بقرية لا سلطان فيها أو خاف إن خرج إلى السلطان حل

الجزء: 6 - الصفحة: 474

الأجل قبل بلوغه، وإن جاء بالحق على شرطه إلى عدول فأشهدهم على ذلك بعد اجتهاده في طلبه بعلمهم فلم يجده لتغيبه أو سفر فلا شيء عليه إن شهدوا له بذلك.
قال ابن سحنون عن أبيه: إذا لم يستطع الوصول إلى السلطان فلم يرفع إليه وأشهد عدولاً على إحضار الحق فذلك يبرئه، ولو جاءه الطالب يقتضيه فيه بعد الأجل فمطله به فلا شيء عليه في يمينه، وأما إن كان يصل إلى السلطان ولا يحتجب منه فتركه فلا يبرئه ذلك وإن أشهد.
ومن المدونة قال مالك: وإن قضى وكيلاً له في ضيعته ولم يوكله رب الحق فتقاضى دينه أجزأه.
قال في كتاب محمد وغيره: إذا لم يجد وكيلاً على الحق ولا سلطاناً مأموناً ودفع إلى ثقةٍ من أهل الطالب أو وكيل ضيعته أو إلى أجنبي؛ بر، ولكنه يضمنه حتى يصل إلى ربه.
قال: وإن وجد وكيلاً بالحق أو سلطاناً مأموناً لم يبر بالدفع إلى غيرهما وقاله أشهب.
وقد قال أيضاً مالك: يبر بالدفع إلى وكيل ضيعته.
قال ابن المواز وقد قيل: لو دفع إلى بعض الناس بغير عذر من سلطان وأشهد بذلك لم يحنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 475

قال مالك: وإن دفع إلى إمام غير عدل ممن يتلفها أو يأكلها وهو عالم بذلك ضمن، وإن لم يعلم بذلك لم يضمن، واليمين ساقطة عنه على كل حال، علم أنه غير عدل أو لم يعلم إذا صح دفعه.
قال بعض فقهائنا: وإنما بر بدفعه إلى السلطان وإن كان السلطان لا يقبل ديناً لغائب إلا أن يكون مفقوداً؛ لأن ذلك حقاً للحالف لبراءة ذمته وبره في يمينه كما أن له ذلك في حضوره وإن لم يقبله منه.
ابن حبيب: فإن كان الحالف هو الغائب وأراد بعض أهله أن يقضي عنه من ماله أو من مال نفسه فذلك يبر في الحالف من الحق ولا ينجيه من الحنث إلا أن يبلغه قبل الأجل فيرضى بذلك.
وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
قال ابن القاسم في العتبية: وكذلك إن كان له وكيل على الشراء والبيع والتقاضي لم يبر بقضائه عنه إلا أن يكون أمره بذلك.
ابن حبيب: ولو حلف لأقضين فلاناً حقه إلى أجل فجن الحالف عند الأجل فإن الإمام يقضي عنه ويبر، فإن لم يفعل حتى مضى الأجل فلا حنث عليه كما لو حلف حينئذ لم يلزمه.
وقال أصبغ: هو حانث.
والأول أحب إلي.

الجزء: 6 - الصفحة: 476

قال عيسى عن ابن القاسم: في الحالف على القضاء لو كان الحق ثمن عبد فاستحق العبد أو وجد البيع حراماً أو رده بعيب فلا تزول يمينه حتى يوفيه ما حلف عليه ثم يرده إليه وكذلك لو أسلفه درهماً بدرهمين وحلف ليوفيه لم يبر حتى يدفع إليه الدرهمين ثم يرد إليه الزائد.
[ومن حلف ألا يضع لفلان فأنظره؛ هو حانث، وقيل: لا حنث عليه.
وقد وقع في كتاب محمد أيضاً فيمن له على رجل مائة أردب شعير وعليه يمين بالطلاق ليوفينها إلى أجل فلما دنا ... قال له: قد تهيأ طعامك ولم أجد دواباً ... فقال المشتري: أنا أعيرك دواباً تحمله عليها، قال: لا شيء على الحالف من يمينه ... لا يعجبني وهو عندي بار].
ومن المدونة قال مالك: وإن حلف بعتق أو طلاق لأقضينك حقك إلى أجل إلا أن تشاء ولم تؤخرني فمات الطالب فإنه يجزيه تأخير ورثته إذا كانوا كباراً أو وصية إن كانوا صغاراً ولا دين عليه.
ابن المواز: كما لا يسقط اليمين موت المحلوف له إذا مات قبل الأجل ويبر الحالف بالدفع إلى ورثته فكذلك للورثة أن يؤخروه إذا صاروا في ذلك بمثابة ميتهم وكذلك الوصي.
ومن المدونة قال مالك: وإن كان عليه دين لم يكن لوصي ولا وارث تأخير مع الغرماء.

الجزء: 6 - الصفحة: 477

قال ابن القاسم: ويجزئه تأخر الغرماء إن أحاط دينهم بماله على أن تبرأ ذمة الميت.
قال ابن المواز: وقال أشهب: يجزئه تأخير الوصي إذا كان الورثة صغاراً، وإن كان الميت مدياناً ثم إن قام عليه الغرماء قبل أجل تأخير الوصي قضي لهم بقبض دينهم ويسقط التأخير.
ومن المدونة قال: ومن حلف ليقضين فلاناً حقه إلى أجل وقد مات فلان والحالف لا يعرف فليقض ورثته ولا يحنق؛ لأن أصل يمينه إنما وقعت على الوفاء بورثة الغريم مقامه، وإنما يحنث إن مضى الأجل ولم يقضهم فهو بخلاف من حلف ليضربن عبده إلى أجل فمات العبد قبل الأجل؛ لأن ورثة هذا مقامه ألا ترى ألو غاب فقضى وكيله لبر، ولو ضرب عبده غيره لم يبر.

الجزء: 6 - الصفحة: 478

قال مالك: وإن حلف بعتق أو طلاق يقضين فلاناً حقه إلى رمضان فمات الحالف في شعبان لم يحنث لأنه مات على بر.
وقاله ابن أبي سلمة.
قال ابن القاسم: وديونه التي عليه تحل بموته فإن لم يقض ورثته ذلك الحق إلا بعد الأجل لم يلحق الميت حنث وليس على الورثة يمين ولا حنث في يمين صاحبهم.
فيمن حلف ألا يكسو امرأته أو رجلاً أو لا يهبهما وصلى الله على محمد قال مالك: ومن حلف ألا يهب فلاناً هبة فتصدق عليه حنث، وكل هبة لغير ثواب فهي كالصدقة، وكذلك كل ما ينفعه به من عارية أو غيرها فإنه يحنث؛ لأن أصل يمينه على المنفعة إلا أن تكون له نية في العارية.
ابن حبيب قال ابن الماجشون: ومن حلف ألا يصل رجلاً فإنه يحنث بالسلف والعارية وبكل منفعة نوى قطع النفع عنه أو لم ينو.
ولو قال: نويت الصلة بالدنانير والدراهم لم ينفعه إلا بتحريك لسانه؛ لأن الصلة اسم جامع فلا يتحول منه شيء إلا بحركة اللسان.

الجزء: 6 - الصفحة: 479

قال أبو محمد: والمعروف من قول أصحابنا: أن الذي لا يجزيه إلا حركة اللسان به إنما هو فيما ينوي فيه "إن" و "إلا أن" وفي "إلا" اختلاف.
فأما إن حلف ألا يصله ونوى في نفسه بالدنانير والدراهم أو بشيء يخصه به فلا شيء عليه.
وكذلك لو حلف ألا يكلمه ونوى في نفسه شهراً وأما إن نوى إلا شهراً ففيه اختلاف: قيل: ينفعه، يريد في الفتيا، وقيل: لا ينفعه.
قال ابن حبيب: وإن حلف ألا يسلفه فلا يحنث إن أعاره أو وصله أو نفعه بمنفعة غير السلف فقد يكره السلف للعطل وغيره إلا أن ينوي قطع منافعه عنه فيحنث، وقاله عنه ابن الماجشون، وأصبغ.
قال سحنون وابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن حلف الا ينفع فلاناً ما عاش فمات فلان فكفنه: إنه حانث وكان الكفن من أمور الحياة ومما يخصه وهو من رأس المال، وكذلك لو حلف ألا يدخل عليه ما عاش فدخل عليه ميتاً فقد حنث.
وقال سحنون: أما الدخول عليه ميتاً فلا يحنث وترجح في الكفن ثم رأى أنه يحنث به.
قال ابن الماجشون: وإن حلف ألا ينفعه بنافعة فوجده مع رجل؟؟؟؟؟ فنهاه عنه فلا يحنث، وإ، وجده متشبثاً به فخلصه منه حنث.
قال ابن المواز: وإن أوصى له بوصية ثم رجع عنها أو صح فقد حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 480

ومن المدونة قال مالك: وإن حلف ألا يكسو فلاناً فوهبه دنانير، وحلف ألا يكسو امرأته فأعطاها ما اشترت به ثوباً حنث.
قال مالك: وإن حلف إلا يكسوها فافتك لها ثيابها من الرهن حنث، ثم عرضت المسألة عليه فأنكرها وقال: امحها، وأبى أن يجيب فيها.
وقال ابن القاسم: ينوى فإن كان نيته ألا يهب لها ثوباً ولا يبتاعه لها لم يحنث، وإن لم تكن له نية حنث.
وأصل هذا عند مالك إنما هو على وجه المنافع والمن.
قال مالك: وإن حلف ألا يهب لأجنبي أو لامرأته دنانير فكساها أو أعطى الرجل فرساً أو عرضاً حنث، فإن نوى الدنانير دون غيرها لم ينوى في الرجل ونوى في الزوجة إذ قد يكره هبتها العين لسوء نظرتها فيه.
م: وكذلك ينوي عندي في الرجل إذا كان يعلم من حاله وسوء نظره في العين ما يعلم من الزوجة ولا فرق بينهما.
قال أبو محمد: وإنما يعني في الزوجة أنه كساها غير ثياب المهنة التي تلزمه فأما إن كانت ثياباً تلزمه فليست بهبة فلا يحنث.
قال مالك في المدونة: وإن وهبه رجل شاة ثم من عليه فحلف ألا يشرب من لبنها ولا يأكل من لحمها فباعها وأكل مما اشتراه بثمنها أو اكتسى منه حنث.

الجزء: 6 - الصفحة: 481

قال: ولا بأس أن يعطيه ما شاء غير تلك الشاة مما لا يكون ثمناً لها ولا عوضاً منها إلا أن يكون نوى ألا ينتفع منه بشيء أبداً.
فيمن حلف لرجل ألا يفعل كذا إلا بإذنه أو إن رأى أمراً ليرفعنه إليه فيموت ذلك الرجل أو حلف ليفعلن كذا فيموت ما حلف عليه أو يدعي أنه قد فعله قال ابن القاسم: ومن حلف بطلاق أو عتق ألا يدخل دار زيد أو لا يعطي فلاناً حقه إلا بإذن فلان فمات فلان لم يجزئه إذن ورثته غذ ليس بحق يورث فإن دخل أو قضاه حنث.
قال ابن المواز: وإن أذن له فلان فدخل فلا يدخل ثانية إلا بإذن ثان فإن مات فقد انقطع الإذن، وصرت ممن حلف لا يدخل الدار مبهما إلا أن يقول لك: قد أذنت لك أن تدخل كلما شئت، فيكون ذلك كذا.
فإن أذن له أن يدخل فلم يدخل حتى نهاه: قال أشهب: فقد قيل: لا يدخل، فإن دخل حنث؛ لأنه دخل بغير إذنه.
ابن المواز: وإن زوجت امرأة مملوكتها لعبد امرأة فعلمت سيدته ففرقت بينهما فحلفت سيدة الجارية بحريتها الا زوجتها إياه ثانية إلا برضى سيدته فهلكت سيدته

الجزء: 6 - الصفحة: 482

وورثها ورثتها؛ فلها أن تزوجها الغلام برضى الورثة الذين ملكوه لأن هذا حق لهم ورثوه فهم كميتهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حلف رجل للأمير طوعاً لئن رأى أمراً كذا ليرفعنه إليه فعزل ذلك الأمير أو مات فإن كان ذلك نظراً للمسلمين أو عدلاً فعليه أن يرفعه إلى من ولي بعده.
وكذلك قال مالك في الأمير يحلف قوماً ألا يخرجوا إلا بإذنه فعزل؛ فلا يخرجوا حتى يستأذنوا من ولي بعده؛ يريد: إذا كان ذلك نظراً.
قال سحنون: وإنما يلزم الرجوع إليه إذا كان الذي استحلفهم عليه فيه مصلحة للمسلمين، وإن كان ليس فيه شيء من مصالح المسلمين إنما هو شيء لنفسه فليس عليهم في أ] مانهم شيء أرأيت لو أن قاضياً كتب إلى قاض في شيء من مصالح المسلمين ثم

الجزء: 6 - الصفحة: 483

عزل ذلك القاضي أو مات الذي كتب إليه لم يجب على القاضي الثاني أن ينقص مما كتب به إليه إلا أن يكون ليس فيه مصلحة للمسلمين فكذلك هذا.
قال أشهب في المجموعة: إن كان ذلك مما يخص المعزول في نفسه فإذا رآه بعد عزله ليعلمه به وإلا حنث، وإن لم ير ذلك حتى مات فلا شيء عليه وليس عليه دفع ذلك إلى وارثه ولا إلى وصيه ولا إلى الأمير بعده.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف ليضربن عبده أو زوجته أو ليركبن دابته غداً فهلكوا قبل غد، فلا شيء عليه؛ لأنه كان على بر بالتأجيل.
وإن حلف ليأكلن هذا الطعام غداً أو ليلبسن هذا الثوب في غد فسرق ذلك قبل غد حنث إذا لم يقدر عليهما في غد إلا أن ينوي إلا أن يسرقا لا أحدهما.

الجزء: 6 - الصفحة: 484

قال ابن المواز: لا يحنث في موت ولا سرقة لأنه ضرب أجلاً بقوله: غداً ولو لم يقل: غداً ولا ضرب أجلاً فإن أمكنه الفعل فلم يفعل حتى هلك الرقيق أو سرقت الثياب فهو حانث، وقاله أشهب في المجموعة.
قال ابن المواز: ومن حلف ليذهبن إلى قباء فيقطع منه عذق كذا فخرج من ساعته فوجد ذلك العذق قد قطع فلا حنث عليه ولو توانى قدر ما لو سار حتى حلف بلغ قباء فقطه لزمه الحنث وإن وجده قد قطع قبل أن يحلف فلا حنث عليه أصلاً توانى أو لم يتوانى.
وكذلك من حلف على ابنته إن وضعت عن زوجها صداقها فثبت أنها وضعته قبل يمينه؛ فلا حنث عليه إلا أن يريد إن كنت فعلت.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأخبرني ابن دينار أن رجلاً حلف ليذبحن حمامات ليتيمه وهو يظنها حية ثم قام مكانه فألفاها ميتة فلم يبق عالم بالمدينة إلا رأى أنه لا يحنث؛ لأنه لم يفرط، وأن وجه يمينه إن أدركها حية: قال ابن القاسم: وهو رأيي.
م: لأن الأيمان إنما تقع على ما يتأتى من الأفعال وأما ما لا يمكن فلا يلزم به لأن الحالف لم يحلف عليه، ولو حلف على فلان لا فعل كذا فإذا فلان قد فعله أيضاً؛ لأن تقدير يمينه لا فعل فلان كذا إن كان لم يفعله فأما إذا تقدم فعله لم يحنث إذا لم يحلف الفاعل على ما قد فات مثل أن يقول: لا باع فلان سلعته فإذا فلان قد باعها قبل يمينه، ولو حلف هو لا بعت سلعتي فإذا بيعه قد تم بمثله لا حنث عليه إلا أن يكون

الجزء: 6 - الصفحة: 485

قصده الامتناع من تنفيذ ما باع فيحنث إذا حكم عليه بالبيع؛ لأنه كأنه قال: لأمتنعن من انعقاد البيع لك فيحنث.
قال م: قال بعض أصحابنا: وإنما فرق ابن القاسم بين الموت والسرقة في المسألة المتقدمة؛ لأن الأجل إذا تم والدابة والعبد ميتان استحال أن يفعل فيه ما حلف عليه، وفي السرقة لو أمكنه السارق من ذلك عند الأجل أمكنه هو فعل ما حلف عليه فكونها عند السارق أمر لا يعذر به؛ لأن من أصل ابن القاسم: إن الحالف: ليفعلن؛ لا يعذر بالإكراه والغلبة إلا أن ينوي ذلك.
قال: ومسألة الحمامات إنما لم يحنثه فيها؛ لأن الفعل فيها مستحيل، وهي بخلاف مسألة الحالف ليبيعن أمته فباعها فألفيت حاملاً منه، وقد ناقصه سحنون فيها بمسألة الحمامات، وقد ذهب إلى أنه لا يحنث الحالف على البيع إذا وجدها حاملاً كمسألة الحمامات وذلك لا يلزم ابن القاسم لافتراق المسألتين وذلك أن الأمة فعل البيع الذي حلف عليه فيها غير مستحيل لولا منع الشرع منه فصار منع الشرع له من البيع كمنع آدمي منعه من ذلك فهو كالسرقة فلا يعذر بالإكراه والغلبة كما قدمنا، ونحو هذا لأبي عمران قال: لأن إخفاء السارق لها كمنع غاصب من ركوبها أو مستحق استحقها أو ربط

الجزء: 6 - الصفحة: 486

أو سجن حتى فات الأجل، وهذا كمن حلف ليأخذن حقه من غريمه اليوم فمطله أو لد به حتى انقضى اليوم أو مرض أو حلف ليدخلن دار نفسه فحصر عن دخولها.
وقد اختلف في الحالف على وطء الأمة الليلة فألفاها طامثاً فقيل: لا شيء عليه، وقيل: إن وطئ بر وأثم، وقيل: لا يبر، وإن وطئ، وهذه فروع يغلب فيها تارة دليل على دليل وربما تقاومت الأدلة وتقاربت في الاشتباه، وقد ذكر مسائل كثيرة من هذا اختصرتها.
فصل ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حلف بعتق عبده ليضربن فلاناً ولم يضرب أجلاً منع من بيعه حتى يبر أو يحنث، فإن مات المحلوف عليه والحالف صحيح قبل أن يضربه عتق العبد من رأس المال وإن مات والحالف مريض ثم مات الحالف من مرضه ذلك عتق العبد من ثلثه وهذا كله إذا عاش المحلوف عليه مدة لو أراد الحالف أن يضربه فيها ضربة ولو ضرب أجلاً فمات الحالف أو المحلوف عليه قبل الأجل لم يحنث لأنه على بر بالتأجيل.
فصل ومن سماع ابن القاسم: ومن حلف بطلاق امرأته أو عتق عبده ليضربن امرأته أو عبده كذا وكذا ثم يقول: قد فعلت ذلك وأكذبه العبد أو المرأة؛ فالحالف مصدق مع يمينه.

الجزء: 6 - الصفحة: 487

قال مالك: ولو حلف على قضاء فلان حقه إلى أجل فحل الأجل فقال: قد قضيته فإن لم يقم بينة بأنه قد قضاه طلق عليه بالبينة التي على أصل الحق.
م: والفرق بينهما أن ليس من شأن الناس أن يشهدوا في ضرب عبدهم ونسائهم وشأنهم الإشهاد في قضاء الحقوق فلما تركه لم يصدق عليه إلا ببينة؛ ولأن رب الدين لم يصدقه فلم يقبل قوله في قضاء الدين فوجب حنثه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قال الطالب: بعد الأجل قد قضاني فإن كان من أهل الصدق حلف حلف مع شهادة صاحب الحق ولا شيء عليه، وإن كان من أهل التهم لم يقبل منه حتى يأتي بشاهدين أنه قد قضاه.
قال سحنون في كتاب ابنه: لا أعرف هذا كان الحالف عدلاً أو غير عدل، وقوله: إذا قال الطالب قد قضاني برئ الحالف من يمينه.
ومن العتبية وروى ابن وهب عن مالك: أنه قال: إنما هذا لم يكن على أصل يمينه بينة إلا إقراره أنه حلف وقد قضاه وأقر له رب الحق؛ فالقول قوله بلا بينة، وكذلك/

الجزء: 6 - الصفحة: 488

[قوله: حلفت بالطلاق لأضربن فلاناً وقد ضربته أو لأعطيته كذا وقد أعطيته فهو مصدق بلا بينة حين لم تكن على أصل يمينه بنية أما إذا كان على أصل يمينه بينة فيكون عليه المخرج بالبينة وقاله أصبغ.
وقال ابن كنانة: إذا قال رب الحق: قد قضاني عند الأجل لم تقبل شهادته في ذلك، قال: وكل من كان بينه وبين رجل معاملة ومخالطة فشهد عليه أنه قد كان حلف له فبر فيها أو حنث لم تقبل شهادته في ذلك له أو عليه إلا أن يشهد بها غيره والله أعلم].

الجزء: 6 - الصفحة: 489

بسم الله الرحمن الرحيم اللهم عونك وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل