كتاب الحج الثاني من الجامع
[الباب الأول]
في الخروج إلى منى والمبيت بها، والخروج إلى عرفة والوقوف بها، والدفع منها
وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم في حجته معالم الحج وشعائره، فمن ذلك: الخروج إلى منى يوم التروية، والمبيت بها تلك الليلة، ثم الغدو إلى عرفات، وجمع الصلاتين بها، والخطبة والوقوف بها، والدفع منها، والمبيت بمزدلفة، وجمع الصلاتين بها، وصلاة الصبُح، وصفة الوقوف بالمشعر، الدّفع إلى منى، والرّمي، وصفة التعجيل، وعدد الرّمي، وغير ذلك، ثم جعل الله سبحانه محل الشعائر كلها إلى البيت العتيق وآخر إحلال المحرم طوافه بالبيت للإفاضة.
[فصل- السنّة: الخروج يوم التروية من مكة إلى منى بمقدار أن يصلي الظهر بها]
قال مالك رحمه الله: ومن السنة الخروج يوم التروية من مكة إلى منى بمقدار أن يصلي بها الظهر، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ينزل بها
الجزء: 5 - الصفحة: 521
حيث شاء، وكذلك بعرفة والمزدلفة، فيبيت بمنى تلك الليلة وهي عرفة، ثم يصلي بها الصبح ويدفع منها إلى عرفة.
قال ابن المواز: بعد طلوع الشمس، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بأس للضعيف ومن بدابته عِلّة أن يغدو قبل ذلك.
قال ابن حبيب، وغيره: إذا مالت الشمس يوم التروية فطف بالبيت سبعًا واركع، ثم اخرج إلى منى وأنت تلبي، وإن خرجت قبل ذلك فلا حرج، فإذا بلغت منى فصل بها الظهر ولا تصلها بمكة ولا بالطريق، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم تصلي العصر، والمغرب والعشاء، والصبح مع الإمام، كل صلاة لوقتها، ثم تغدو إلى عرفة إذا طلعت الشمس، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم في ذلك كله.
ومن المدونة: قال مالك: ومن بات ليلة عرفة بمكة وغدى منها إلى عرفة فقد أساء، ولا شيء عليه.
قال ابن القاسم، وغيره: وكره له مالك أن يدع المبيت مع الناس بمنى ليلة عرفة، كما كره أن يبيت ليالي منى إذا رجع من عرفة في غير منى، ورأى على من بات
الجزء: 5 - الصفحة: 522
ليلة كاملة أو جُلّها في غير منى ليالي منى الدم، وإن كان بعض ليلة فلا شيء عليه، ولم ير في ترك المبيت بمنى ليلة عرفة دمًا.
وكره مالك التقديم إلى منى قبل يوم التروية، أو إلى عرفة قبل يوم عرفة، أو أن يقدم الناس أبنيتهم إليها، كره البنيان الذي أحدثه الناس بمنى، وبنيان مسجد عرفة، قال: وما كان بعرفة مسجد مذ كانت عرفة، وإنما أحدث مسجدها بعد بني هاشم بعشر سنين، وكان الإمام يخطب منها بموضع يخطب اليوم متوكئًا على شيء، ويصلي بالناس فيه، ويقطع التلبية هو والناس إذا زالت الشمس وراح يريد الصلاة.
وقد تقدم في الحج الأول ذكر قطع التلبية، والحجة فيه.
قال ابن المواز: وفي الحج ثلاث خطب: الأولى: قبل يوم التروية بيوم في المسجد الحرام بعد الظهر، ولا يجلس فيها، يعلّم الناس فيها مناسكهم من حيث يخرجون إلى منى إلى غُدوّهم إلى عرفة.
والثانية: بعرفة قبل الظهر يجلس في وسطها، وهي تعليم للناس ما بقي من مناسكهم من صلاتهم بعرفة إلى أن يطوفوا طواف الإفاضة.
الجزء: 5 - الصفحة: 523
والثالثة: بمنى أول يوم من أيام التشريق بعد يوم النحر، وهي بعد الظهر لا يجلس فيها، يعلّمهم كيفية الرمي وبقية المناسك، وكلها تعليم للمناسك، ولا يجهر بالقراءة في شيء من صلواتها.
ومن المدونة: قال مالك: فإذا زالت الشمس خطب الإمام بعرفة، ثم جمع بين الظهر والعصر بأذانين وإقامتين، وكذلك كل ما وليه الأئمة من الصلاة.
ابن حبيب: وروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم بأذان واحد وإقامتين، وبهذا أخذ ابن الماجشون، وقاله القاسم، وسالم.
قال ابن المواز: قال مالك:/ ومن صلى في رحله كفته الإقامة لكل صلاة، ومن فاته أن يجمع بين الصلاتين بعرفة مع الإمام، وهو قوي على ذلك فليجمع بينهما في رحلة إذا زالت الشمس، ويتبع في ذلك السنة، وكان القاسم ربما صلى في رحله، وربما
الجزء: 5 - الصفحة: 524
صلى مع الإمام.
وقال ابن حبيبك لا ينبغي لأحد أن يترك جمع الصلاتين بعرفة مع الإمام.
ومن المدونة: قال مالك: ويؤذن المؤذن إن شاء في الخطبة أو بعد فراغها.
قال في كتاب الصلاة: إذا فرغ الإمام منها جلس ثم أذن، فإذا أقام نزل الإمام فصلى.
وفي الواضحة، وغيرها: أنه إذا جلس بين الخطبتين أذّن المؤذّن، فإذا تمت الخطبة أقيمت الصلاة وصلى بالناس.
ومن المدونة: ابن القاسم: ولا يجهر بالقراءة فيها، وإن وافق يوم جمعة، قال: وهي صلاة إقصار.
قال ابن حبيب: السنة أن تقصر الصلاة بمنى، وعرفة، والمزدلفة، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وعمر.
الجزء: 5 - الصفحة: 525
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذكر إمام عرفة صلاة نسيها بعد أن سلم من الظهر استخلف من يصلي بهم العصر، وقضي هو التي ذكر، ثم أعاد الظهر وصلى العصر، ولو ذكرها وهو في الظهر أو في العصر قطع وقطعوا، بخلاف من ذكر أنه غير متوضئ.
وقال سحنون: بل يستخلف كمن أحدث.
قال ابن القاسم: وإذا قطع الظهر استخلف من يصلي بهم الصلاتين، وإن قطع العصر استخلف من يصلي بهم العصر، وأحب إلي أن يعيدوا ما صلوا معه في الوقت.
وقال سحنون: لا يعيدون.
قال ابن القاسم: فإذا قضى هو التي ذكر ابتدأ الظهر والعصر.
قال: فإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإمام فلهم أن يدفعوا إلى عرفات، يريد: إلى موقفها، قال ابن القاسم: فلا ينتظرونه؛ لأن خليفته موضعه، فإذا فرغ الخليفة دفع إلى موقف عرفة، ودفع الناس بدفعه.
قال يحى- عقيب قوله: فإذا فرغ الناس من صلاتهم قبل الإمام دفعوا إلى عرفات- قال يحى: يريد: من منى.
م: وليس ذلك بشيء، والصواب: ما قدمنا.
الجزء: 5 - الصفحة: 526
قال أشهب، وسحنون، وابن حبيب: فإذا تمت الصلاة بعرفة فخذ في التهليل وفي التكبير والتحميد، قال ابن حبيب: ثم استند إلى الهضاب من سفح الجبل، وحيث يقف الإمام أفضل، وحيث ما وقفت من عرفات أجزأك، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة».
قال ابن حبيب: فمن دفع من عُرَنة فلا حج له؛ لأن عرنة في الحرم، وعرفة
الجزء: 5 - الصفحة: 527
في الحل، فبطن عرنة الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالارتفاع منه وهو بطن الوادي الذي فيه مسجد عرفة فلا يوقف في ذلك الوادي، وهي ثلاث مسايل يسيل منها الماء إذا كان المطر، يقال لها: الجبال، أقصاها مما يلي الموقف.
قال مالك: ولم يصب من وقف بمسجد عرفة، قيل: فإن فعل حتى دفع؟ فقال: لا أدري.
وقال أصبغ: لا حجّ له، ورآه من بطن عرنة.
ابن عبدوس: قال أشهب: وأحب موقف عرفة إلي ما قرب من عرفة، ومن مزدلفة ما قرب من الإمام.
قال: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه بالدعاء عشية عرفة، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له».
الجزء: 5 - الصفحة: 528
واستحب مالك أن يقف راكبًا كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، فأما الماشي فأحب إليّ أن يدعو قائمًا، فإذا أعيي جلس، وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن حبيب: فإذا رغبت وسألت فأبسط يديك، فإذا رهبت واستغفرت وتضرعت فحولها، فلا تزال كذلك مستقبل الكعبة بالخشوع والتواضع والتذلل والتحميد وكثرة الذكر بالتهليل والتكبير والتحميد والتسبيح والتعظيم والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء لنفسك ولأبويك والاستغفار إلى غروب الشمس، فيدفع الإمام وتدفع معه، فإذا دفعت فارفع يديك إلى الله تعالى وادفع وعليك السكينة والوقار، وامش الهوينا، وإن كنت راكبًا فالعنق، وإن وجدت فرجة فلا بأس أن حرك شيئًا، وأكثر من
الجزء: 5 - الصفحة: 529
ذكر الله وتهليله وتحميده في مسيرك وفي مبيتك بمزدلفة ومقامك بمنى، كما كنت تفعل بالتلبية من رفع الصوت.
م: قال بعض البغداديين: وإنما قلنا: يجمع بين الظهر والعصر بمسجد عرفة، ثم يقف بالموقف، لما روى جابر، وغيره: أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وفعله الأئمة بعده.
وإنما استحببنا له أن يقف راكبًا: لأنه صلى الله عليه وسلم وقف راكبًا على راحلته القصواء؛ ولأن الركوب أعون/ له على الوقوف، وأمكن له في الدعاء.
وإنما قلنا يقف حيث شاء سوى بطن عرنة: لقوله صلى الله عليه وسلم: «عرفة كلها موقف، وارتفعوا عن بطن عرنة».
وإنما قلنا يقف إلى الغروب: لأنه صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فإن دفع قبل الغروب ولم يرجع فيقف جزء من الليل فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج،
الجزء: 5 - الصفحة: 530
خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه صلى الله عليه وسلم دفع حين غابت الشمس، وقال: «خذوا عني مناسككم»، وروى عطاء عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك عرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج»، وروى عطاء، ونافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من وقف بعرفات بليل فقد أدْرك الحج، ومن فاته عرفات بليل فقد فاته الحج، فليحل بعمرة، وعليه الحج قابلاً»، فورد هذا الخبر نصًا في صحة ما قلناه؛ ولأنه لم يقف جزء من الليل، وإنما وقف آخر النهار، فكان كالوقوف قبل الزوال، وذلك لا يجزئه باتفاق، ولما كان الليل أوله وآخره سواء ويجزي فيه الوقوف، كان كذلك النهار آخره كأوله الذي لا يجزي فيه الوقوف.
ابن المواز: ومن أتى قرب الفجر وقد نسي صلاة فإن صلاها طلع الفجر وفاته الوقوف، فإن كان قريبًا من جبال عرفة وقف وصلى، وإن كان بعيدًا بدأ بالصلاة وإن
الجزء: 5 - الصفحة: 531
فاته الحج، وبلغني أن محمد بن عبد الحكم قال: إن كان من أهل مكة وما حولها فليبدأ بالصلاة، وإن كان من أهل الآفاق مضى إلى عرفة فوقف وصلى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن دفع من قبل الغروب، فإن لم يرجع فيقف قبل الفجر فقد فاته الحج ويحج قابلاً ويهدي وإن رجع فوقف قبل الفجر أجزأه ولا هدي عليه؛ لأنه كالذي يأتي مفاوتًا.
وقال أصبغ: أحبّ إليّ أن يهدي من غير إيجاب لتعمده ترك انتظار دفع الإمام.
وقد جعل ابن القاسم، وأشهب الهدي على من ترك الوقوف مع الإمام ووقف ليلاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تعمد ترك الوقوف بعرفة حتى دفع الإمام أجزأه أن يقف ليلاً، وقد أساء وعليه الهدي.
وقال سحنون: لا يهدي.
م: فوجه قول ابن القاسم: أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف نهارًا حتى غربت الشمس، فمن لم يقف كذلك فقد خالف، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «خذوا عني مناسككم» فوجب أن يهدي.
ووجه قول سحنون: فلأنه إنما ترك الفضيلة، وقد أتى بالواجب وهو الوقوف ليلاً فلا هدي عليه، كمن دفع قبل الغروب ثم رجع فوقف ليلاً.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن دفع من عرفة قبل الغروب فلم يخرج منها حتى غابت الشمس أجزأه وعليه هدي.
الجزء: 5 - الصفحة: 532
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن دفع حين غربت الشمس قبل دفع الإمام أجزأه الوقوف؛ لأنه إنما دفع وقد حلّ الدفع، ولو دفع بدفع الإمام كانت السنة، وكان ذلك أفضل.
فصل [منْ أُغمى عليه قبل الزوال، وكان أَحْرم قبل ذلك بالحج فوقف به أصحابه أجزأه ذلك]
قال مالك: ومن أغمي عليه قبل أن يأتي عرفة فوقف به بعرفة مغمى عليه حتى دفعوا منها أجزأه، ولا دم عليه.
وقال ابن المواز عن أشهب: لا يجزئه، وقد ذكرناه في الكتاب الأول.
ومن الثاني: قيل لابن القاسم: فمن مرّ بعرفة مارًا بعدما دفع الإمام ولم يقف بها أيجزئه ذلك من الوقوف؟ قال: قال مالك: من جاء ليلاً وقد دفع الإمام أجزأه أن يقف قبل طلوع الفجر، زاد في رواية الدباغ: قال ابن القاسم: وأنا أرى إن مرّ بعرفة مارًا ينوي بمروره بها وقفًا أن ذلك يجزئه.
وقال ابن المواز: يجزئه ذلك وإن تعمده إذا نوى به الوقوف وذكر الله، ولو كان وقوفه بها وهو لا يعرفها لم يجزه، وبطل حجه.
الجزء: 5 - الصفحة: 533
قال ابن المنذر في كتابه: الإشراف عن مالك وغيره من العلماء: إنْ مر بعرفة ليلاً قبل الفجر وهو لا يعرفها أن ذلك يجزئه.
وحكي عن أبي محمد أنه سئل لم قال ابن القاسم: من طاف بالبيت الطواف الواجب بلا نية، ثم رجع إلى بلده أجزأه، وقال ابن المواز: من مرّ بعرفة مارًا فإن عرفها ونوي الوقوف بها وإلا بطل حجه فما الفرق بين هذا وبين الأول؟، ولم لا يجزئه وإن لم ينوها؟
فقال: الفرق- والله أعلم- أني أصبت الطواف يفعل واجبًا، وتطوعًا، والوقوف بعرفة لا يفعل إلا واجبًا، فكان أقوى ألا يجزئ إلا بنية، قال: ويحتمل عندي أن يجزي الوقوف بعرفة بلا نية/ على ما قال ابن القاسم في المغمى عليه بعرفة أنه يجزئه الوقوف، ويكون من الحجة لابن القاسم في الطواف بلا نية أن الإحرام بالحج إذا عقده عقد من النية في أوائله ما يجزئ عن تجديد النية في سائر عمله، كما يجزئ في الصلاة إذا ابتدأها بنية أنه ليس عليه أن يستديم النية في سائرها، والنية في الصلاة والصوم تقطعها الحوادث، وفي الحج لا تقطعها الحوادث، ألا ترى أنه إذا أفسد حجه أنه لابد من إتمامه، فكان الحج أقوى في استدامة النية فيه.
والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 534
م: هذا صواب جيد، وأما تفرقته أولاً فلو عكس ذلك لكان أولى؛ لأن ما يُفعل واجبًا وتطوعًا يحتاج الواجب منه إلى نية تخلصه من التطوع، أصله الصلاة، وما لا يفعل إلا واجبًا لا يحتاج إلى نية؛ لأن النية لا تخلصه من غيره ولا تميزه.
م: والفرق بينهما: أن الطائف بلا نية قصد بطوافه القربة، وفعل فعل الطواف الواجب فأجزأته لذلك نية الإحرام بالحج، إذ لا يلزمه أن يجدد لكل ركن نية، كالصلاة، والمار بعرفة لم يفعل فعل الوقوف الواجب، ولا قصد بمروره قربة وإنما مر كمروره بها لحاجة، فلم يجزه، ولو فعل فعل الحاج: من جمع الصلاة، والوقوف بها، والدفع بعد الغروب بغير نية لأجزأ كالطواف، وكذلك لو قصد بمروره بها ليلاً القربة لأجزأه ذلك وإن لم تكن له نية، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال.
والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن وقف على غير وضوء أو جنبًا من احتلام فقد أساء ولا شيء عليه، ووقوفه طاهر أحب إليّ وأفضل.
فصل [في الهدي الذي يجب أن يوقف به بعرفة]
قال سحنون: قلت لابن القاسم: أيّ هدي يجب علي أن أقف به بعرفة؟
قال: كل هدي لا يجوز لك أن تنحره إذا اشتريته في الحرم حتى تخرجه إلى الحل فتدخله الحرم، أو تشتريه من الحل فتدخله الحرم، فهذا الذي يوقف به بعرفة، وإنْ فاتك الوقوف به بعرفة نحرته بمكة إنْ كنت اشتريته من الحل.
الجزء: 5 - الصفحة: 535
م: كل هدي وجب عليك قبل يوم عرفة أو تطوعت به فلك أن توقفه بعرفة، ثم تنحره بمنى، إلا فدية الأذى؛ لأنها نُسك.
قال مالك: ولا يجزئك ما أوقفه غيرك من الهدي حتى توقفه أنت بنفسك، ولو اشتريته بعرفة وأوقفته بها أجزأك، وتوقف الإبل والبقر والغنم.
قال ابن القاسم: وما وقف به من الهدي بعرفة فحسن أنْ يبيت به بالمشعر الحرام، فإن لم يبت به فلا شيء عليه.
قيل: فهل يخرج بالهدي يوم التروية إلى منى، ثم يدفع به إلى عرفة؟ قال: لم أسمع من مالك أكثر من أن يقف به بعرفة، ولا يدفع بها قبل غروب الشمس، فإن دفع بها قبل الغروب لم يكن ذلك وقفًا، ولا يُنحر إلا بمكة.
الجزء: 5 - الصفحة: 536
الباب الثاني]
جامع ما جاء في الصلاة بالمزدلفة والوقوف بها والدفع منها إلى منى
قال الله سبحانه: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾، وجمع الرسول صلى الله عليه وسلم بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى بها الصبح، وبيّن صفة الوقوف بالمشعر الحرام والدفع منه إلى منى.
قال عبد الوهاب: والجمع بين الصلاتين بالمزدلفة سنّة مؤكدة، فإن صلى المغرب بعرفة في وقتها والعشاء في وقتها فقد ترك السُنة والاختيار، ويجزئه، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: لايجزئه.
ودليلنا: لأنهما صلاتان سُن الجمع بينهما في وقت إحداهما فلم يمنع ترك الجمع بينهما جوازهما، أصله: الظهر والعصر بعرفة.
م: ومذهب أبي حنيفة: أنه يعيدهما أبدًا، وبه أخذ ابن حبيب، وقال ابن القاسم يعيدهما في الوقت، وقال أشهب: لا يعيد.
الجزء: 5 - الصفحة: 537
ومن المدونة: قال مالك: ومن لم تكن به علة ولا بدابته وهو يسير بسير الناس فلا يصلي المغرب والعشاء إلا بالمزدلفة.
قال ابن القاسم: فإن صلى قبلها أعاد إذا أتاها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة أمامك».
قال ابن المواز: وقال أشهب: لا يعيد، وبئس ما صنع، إلا أن يكون قد صلى قبل غيبوبة الشفق فليعد العشاء أبدا.
ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وهذا لمن وقف مع الإمام، فأما من وقف بعده فليصل كل صلاة لوقتها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من به علة أو بدابته فلم يستطع المضي مع الناس أمهل حتى يغيب الشفق، ثم يجمع بينهما حيث كان، ويجزئه.
قلت: فإن أدرك الإمام المزدلفة قبل مغيب الشفق؟.
قال: هذا ما لا أظنه يكون، ولو كان: ما أحببت أن يصلوا حتى يغيب الشفق.
الجزء: 5 - الصفحة: 538
قال مالك في العتبية: ومن وصل إلى المزدلفة فليبدأ بالصلاة قبل أن يحط رحله وزوامله، إلا مثل الرجل الخفيف فليحطه قبل الصلاة.
وفي الموطأ: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب بها، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها، ولم يصل بينهما شيئًا.
وروي أن ابن مسعود لما نزل بالمزدلفة صلى بهم المغرب؛ ثم وضعوا رحالهم وتعشوا، ثم صلى العشاء.
قال أشهب: هذا فيما خف من العشاء، وأما عشاءٌ فيه طول فليصل العشاء قبله أحب إلي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكبر دبر الصلاة في المشعر الحرام في المغرب والعشاء والصبح.
ومن بات بالمشعر الحرام فلم يقف حتى دفع الإمام، فلا يقف بعده، ولا يتخلف عنه، وإن كان لم يبت معه وإنما ذهب إلى عرفات فوقف بها ليلاً، ثم أتى وقد طلعت
الجزء: 5 - الصفحة: 539
الشمس فلا وقف له بالمشعر، وقاله مالك.
واستحسن ابن القاسم: إن أتى قبل طلوع الشمس أن يقف ما لم يُسْفِر.
ابن المواز: قال أشهب: إن لم يُعرس بها قبل الفجر فعليه دم.
فصل [1 - وقت الوقوف بالمشعر]:
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والوقوف بالمشعر بعد طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح، قال سحنون: ووجهك إذا وقفت أمام البيت.
قال ابن القاسم: ومن وقف بعد الفجر، وقبل أن يصلي الصبح، فهو كمن لم يقف.
م: إنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح، ثم ركب حتى أتى المشعر فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلله، ولم يزل واقفًا حتى أسفر جدًا، ثم دفع قبل طلوع الشمس، وفي حديث آخر: قال: «وكان أهل الشرك يدفعون بعد طلوعها
الجزء: 5 - الصفحة: 540
حين تعتم بها رؤس الجبال، وأنا أدفع قبل طلوعها، هدينا مخالف هدي الشرك والأوثان».
ابن المواز: ويستحب ليلة المزدلفة كثرة الصلاة والذكر، وكان ابن عمر يطيل بها التهجد.
وكان الناس يستحبون الوقوف على الجبل الذي عليه الإمام، وقال سعيد بن جبير: وما بين الجبلين موقف، وقال ابن أبي نجيح: ما صب من محسر في المزدلفة فهو منها، وما صب منه في منى فهو منها.
قال ابن حبيب: المشعر: ما بين جبلي المزدلفة، ويقال لها أيضًا: جمع، وكلها موقف، ويرتفع عن بطن محسر، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 541
قال: ويقف الإمام حيث المنارة التي على قزح، قال: وترفع يديك بالدعاء والذكر والرغبة إلى الله، وتكثر من التهليل.
قال ابن القاسم: ومزدلفة في الحرم.
قال مالك: والحديبية في الحرم، وفي كتاب ابن القصار: أن الحديبية بعضها حل، وبعضها حرم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أتى المزدلفة مغمى عليه أجزأه، ولا دم عليه.
ابن المواز: ولم يختلف في ذلك، وإنما اختلف ابن القاسم، وأشهب في عرفة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن مرّ بالمزدلفة مارًا ولم ينزل بها فعليه دم، وإن نزل بها، ثم دفع منها في أوّل الليل، أو في وسطه، أو في آخره، وترك الوقوف مع الإمام أجزأه، ولا دم عليه.
م: لأنه أتى بالواجب عليه، وإنما ترك الاستحباب، فلذلك لم يكن عليه هدي.
الجزء: 5 - الصفحة: 542
فصل [2 - وقت الدفع من المزدلفة]
واستحب مالك للرجل/ أن يدفع مع المشعر بدفع الإمام، ولا يتعجل قبله.
قال: وواسع للنساء، والصبيان أن يتقدموا أو يتأخروا.
م: وقد أرخص النبي صلى الله عليه وسلم في تقديم الضعفاء، ورعاة الإبل؛ لأن في ذلك رفقًا بهم وتخفيفًا عنهم.
قال مالك: ولا يقف أحدٌ بالمشعر إلى طلوع الشمس أو الإسفار ولكن يدفعوا قبل ذلك، فإذا أسفر ولم يدفع الإمام دفع الناس وتركوه.
قال ابن القاسم: ومن لم يدفع من المشعر حتى طلعت الشمس أساء ولا شيء عليه عند مالك.
قال ابن حبيب: وتفعل في الدفع من المشعر من الذكر والسكينة مثل فعلك في الدفع من عرفة، وتهرول في بطن محسر، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر الناس بفعله وفعله الأئمة بعده، وهي السنة، فقد روي لنا عن علي بن أبي طالب: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما دفع من المزدلفة أخذ يسير العنق والناس يزحفون، وهو يلتفت يمينًا وشمالاً وهو يقول:
الجزء: 5 - الصفحة: 543
السكينة أيها الناس، حتى وقف على محسر فقرع راحلته فَخَبّت حتى جاوزه، ثم سار بسيره الأول حتى رمى الجمرة، زاد في حديث آخر: أنه صلى الله عليه وسلم لما أتى محسرًا ركض راحلته برجليه قدر رمية بحجر.
قال ويستحب في ذلك ذكر الله والرغبة إليه، وكان عروة يقول فيه:
(لا إله إلا أنْتَا ... وأنت تُحيْى بعد مَا أَمتا)
وقال غيره:
(إنْ تَغْفِر اللهم تغفر جَمًا ... وأيُّ عَبْدٍ لك إلا ألما)
وكان عمر بن الخطاب يقول:
(إليك تَعُدُوا قَلِقا وَضيْنُها ... مُخالفا دِين النصارى دينُها)
(معترضًا في بطنها جنينُها ... قدْ ذَهبَ الشحْمُ الذي يُزيْنُها)
الجزء: 5 - الصفحة: 544
الباب الثالث
ما يفعل بمنى يوم النحر من الرمي والنحر والحلق والإفاضة، وكيف إن وطيء في خلال ذلك
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
قال مالك: ومحل ما وقف به بعرفة منى، وبها الحلق، بينه الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله، وقال تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فهذه أيام النحر الثلاثة.
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، فهذه أيام الرمي، وهي ثلاثة بعد يوم النحر.
ومن المدونة: قال مالك- رحمه الله-: الشأن أنْ يرمي جمرة العقبة يوم النحر ضحوة راكبًا، كما يأتي الناس على دوابهم.
قال عنه ابن المواز: تستقبلها، ومنى عن يمينك، والبيت عن يسارك، وأنت ببطن الوادي، ولا تقف عندها بعد الرمي، وكذلك كان ابن مسعود يفعل.
الجزء: 5 - الصفحة: 545
قال مالك: وأما في غير يوم النحر فيرمي ماشيًا.
قال ابن القاسم: فإن مشى يوم النحر في رمي العقبة، أو ركب في رمي الجمار في الأيام الثلاثة فلا شيء عليه.
قال مالك: ومن رمى جمرة العقبة قبل طلوع الشمس وبعد الفجر أجزأه، وبطلوع الفجر يوم النحر يحل الرمي والنحر بمنى، وإن رمى قبل الفجر أعاد الرمي، ولم يبلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص في الرمي قبل الفجر.
قال: والرجال، والنساء، والصبيان في هذا سواء.
قال مالك: ويرمي العقبة يوم النحر بسبع حصيات، ويكبر مع كل حصاة يرميها، وأحب إلي أن يرميها من أسفلها، وتفسير حديث القاسم: أنه كان يرميها من حيث تيسر، معناه: مِنْ أسفلها من حيث تيسر.
قال مالك: وإن رماها من فوقها أجزأه.
واستحب مالك أن يكون حصى الجمار أكبر من حصى الخذف قليلاً.
الجزء: 5 - الصفحة: 546
قال غيره: وقدر حصى الجمار قدر الفولة ونحوها.
قال مالك: وليأخذها من حيث شاء.
قال عنه ابن المواز: ولقْطُها أحب إلي من كسرها، وليس عليه غسلها، وإن ألجئ إلى أن يكسرها من حجر فلا بأس به.
قال ابن حبيب: واستحب القاسم، وسالم: أخذها من مزدلفة، ولا بأس بأخذها من غيرها إذا اجتنب ما رُمي به.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يُرمى بحصى الجمار لأنه قد رُمي به.
قال عبد الوهاب: وإنما قال: يرمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا بسبع حصيات قدر حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة: لما روى جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع من المزدلفة حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة يرميها، والحصى كحصى الخذف.
قال: وإنما استحب أنْ يرميها من أسفلها لما روي عن عمر بن الخطاب أنه فعل ذلك، وعن عبد الله نحوه.
الجزء: 5 - الصفحة: 547
قال أبو بكر الأبهري: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رميتم الجمرة فارموها بمثل حصى الخذف» وجعل هذا المقدار لئلا تؤذي الإنسان إن أصابته، وإنما استحب مالك أن تكون أكبر من حصى الخذف قليلاً؛ فلأن حصى الخذف ليس محدودًا، لكنه يزيد وينقص في الكبر والصغر، فاحتاط مالك أن يكون أكبر ليكون قد أتى بما أُمِرَ به وأزيد.
م: وكنت أسمع في المجالس: إنما لم يرم بحصى الجمار؛ لأن ما تُقُبِّل منه رُفع وما لم يتقبل لم يرفع، فلذلك كره مالك أنْ يرمى به، والله أعلم.
وأصح منه: أنها قد تُعبّد بها مرة فلا يُتعبد بها ثانية كالعتق في الكفارات ونحوها.
فصل [1 - فيمن ترك رمي جمرة العقبة حتى الليل]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر حتى الليل فليرمها وعليه دم.
الجزء: 5 - الصفحة: 548
قال ابن القاسم: وإنْ نسي بعضها فليرم عدد ما ترك ولا يستأنف جميع الرمي، واختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، قال ابن القاسم: وأحب قوله إليّ أن يكون عليه الدم.
م: لم يختلف قول مالك في تركة جمرة العقبة إلى الليل أن عليه الدم، وإنما اختلف قوله في إذا ترك بعضها، وقاله غير واحد من القرويين وقال بعضهم: يدخله الاختلاف.
م: والأول أبين، وأما يوم ثاني النحر فسواء ترك جمرة واحدة، أو الجمار الثلاثة أن اختلاف قول مالك يدخله في وجوب الدم أم لا، وهو في الأمهات أبين، وما وقع في بعض المختصرات إنما اختلف قوله في ترك جمرة واحدة فقط.
قال: وإذا رمى جمرة العقبة نحر هديًا إن كان معه، ثم حلق.
م لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ..
قال مالك: ولا يذبح حتى يرمي، فإنْ ذبح قبل الرمي، أو حلق بعد الرمي قبل أن يذبح أجزأه، ولا شيء عليه.
م: وإنما قال: يرمي، ثم ينحر، ثم يحلق؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل كذلك: رمى الجمرة ثم نحر البُدْن، ثم حلق.
الجزء: 5 - الصفحة: 549
وإنما قال: إذا قدم النحر على الرمي، أو الحلاق على النحر جاز، لما روى ابن عمر: أنه صلى الله عليه وسلم جاءه رجل فقال: يا رسول الله لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح، فقال: «اذبح، ولا حرج»، وجاء آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر حتى نحرت قبل أن أرمي، فقال: «إرم ولا حرج».
وقال ابن الماجشون: إذا حلق قبل أن يذبح فليهد، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وما روي من قول النبي صلى الله عليه وسلم إذْ سئل: «افعل، ولا حرج» يعني: أن حجه تام.
م: وليس ذلك بشيء، وقول مالك، وأصحابه أولى، ولو كان الأمر كما قال ابن الماجشون لأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالهدي؛ لأنه استفتاه وسأله البيان، فقال له: «اذبح ولا حرج».
ومن المدونة: قال مالك: وإن حلق قبل أنْ يرمي افتدى، قال عنه ابن المواز:
الجزء: 5 - الصفحة: 550
ويمر الموسى على رأسه بعد أن يرمي.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا شيء عليه.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والرمي قبل النحر؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم رمى، ثم نحر، ثم حلق؛ ولأنه حلق في إحرام لم يتحلل منه فأشبه أن لو حلق قبل النحر.
ومن المدونة: قال مالك: وحد الذبح والنحر ضحوة، فإن ذبح قبل الفجر أعاد الذبح.
[فصل- 2 الوطء في الإحرام]
قال مالك، وأصحابه: من وطئ قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، ولا خلاف في ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 551
قال مالك: وكذلك إن وطئ يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض، فحجه فاسد.
وقيل: لا يفسد، وهو قول أبي حنيفة، فالعلة لمالك: بقاء الإحرام، وعدم التحلل منه، كالوطء قبل الوقوف، والعلة للقول الآخر: أمن الفوات، كالوطء بعد الرمي والطواف.
قال سحنون: قيل لمحمد بن إبراهيم بن دينار: لم قلتم إذا وطئ يوم النحر قبل رمي جمرة العقبة والإفاضة فسد حجه، وقد جاء الحديث: «أن من أدرك الوقوف بعرفة قبل الفجر فقد أدرك الحج»، فقال: ألم يقل صلى الله عليه وسلم: «من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها»؟ قالوا: نعم، قال: أرأيتم إن أفسد شيئًا مما بقي عليه أليس يفسد صلاته؟ قالوا: نعم، قال: فكذلك هذا، إنما يتم حجه إذا أتم ما بقي عليه على حاله وهيئته، وهو مذكور في كتاب الاتفاق والاختلاف.
واختلفوا أذا وطئ ليلة المزدلفة: فقال يحيى بن عمر: سألت عن ذلك أبا
الجزء: 5 - الصفحة: 552
المصعب، فقال لي: كان مالك يقول: يفسد حجه، وعليه إعادته بعد إتمام هذه، قال: ثم رجع فقال: عليه العمرة والهدي.
قال: وقال أبو المصعب: إن وطئها بعد الفجر فعليه العمرة والهدي، وإن كان قبل طلوع الفجر فقد فسد ويعيد من قابل بعد إتمام هذه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن وطئ يوم النحر يعدما رمى جمرة العقبة وقبل الإفاضة قبل أن يحلق أو بعده فحجه تام، وعليه هدي وعمرة ينحر الهدي فيها، وقاله ابن عباس، وربيعة.
قال مالك: ويعتمر من الميقات أحب إليّ، وإنْ اعتمر من التنعيم أجزأه، وهديه بدنة، فإنْ لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك، وإن شاء فرق بينهما أو جمع.
وقال ابن عمر والحسن، وابن شهاب يحج قابلاً.
وقال ابن المسيب، والقاسم، وسالم: إنما عليه هدي.
الجزء: 5 - الصفحة: 553
م: فوجه قول مالك: فلأنه وطء في إحرام متحلل، كالوطء بعد التحلل الكامل، وهي علة من لم يوجب عليه إلا الهدي، وإنما أوجب عليه مالك العمرة والهدي؛ لأن ذلك مروي عن ابن عباس؛ ولأن عليه أن يأتي بالطواف والسعي في إحرام لا وطء فيه.
وعلة من أفسد حجه: فلأن كمال التحلل لم يحصل له، فحرمة الإحرام مبقاة كقبل الرمي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن وطئ في يوم ثاني النحر بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة فعليه عمرة وهدي.
م: ويوم النحر في هذا وبعده سواء؛ لأنه وطئ قبل ركن من أركان الحج وهو طواف الإفاضة، فعليه أن يطوفه، ثم يعيده في إحرام ولا وطء فيه، كما يفعل إذا أفسد حجه، والإحرام: سبيله أن يُجمع له حل وحرم، وطواف وسعي، وذلك عمل العمرة، فلذلك جعل عليه العمرة والهدي، كمن أفسد حجه أنه يتمه، ثم يعيده قابلاً في إحرام لا وطء فيه ويهدي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن وطئها يوم النحر بعد الرمي وبعد الإفاضة، ثم ذكر أنه طاف للإفاضة ستة أشواط، أو ترك ركعتي الطواف، فليطف سبعًا ويركع، ثم يعتمر ويهدي، وكذلك لو وطئ بعد يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض،
الجزء: 5 - الصفحة: 554
فحجه تام ويعتمر ويهدي، وعليه هدي آخر لتأخير الرمي.
م: بخلاف وطئه قبلهما في يوم النحر.
والفرق بينهما: أن الرمي والإفاضة في يوم ثاني النحر قضاء عن يوم النحر، والقضاء في الأصول أخف من المقضي، ألا ترى أن من أفطر في رمضان متعمدًا، عليه القضاء والكفارة، وإذا أفطر في قضاء رمضان فإنما عليه القضاء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم ولو وطئ يوم النحر قبل الرمي وبعد الإفاضة، فإنما عليه الهدي، وحجه تام، ولا عمرة عليه.
قال ابن المواز: وهو كتارك رمي جمرة العقبة، وقاله: ابن كنانة.
وقال أشهب، وابن وهب: يفسد حجه.
قال أصبغ: وهو قول ابن القاسم، وابن كنانة أحب إلينا.
قال أصبغ: وأحب إليّ أن يعيد الإفاضة بعد أن يرمي.
قال ابن المواز: لا يعيد الإفاضة، ولو لم يجزه لفسد حجه، كما قال أشهب، وابن وهب.
م: وقال ابن حبيب: إنما عليه عمرة وهدي.
الجزء: 5 - الصفحة: 555
والتعليل لكل قول كالتعليل في الذي وطئ يوم النحر بعد الرمي وقبل الإفاضة، وإنما لم يوجب مالك عليه في هذه العمرة، وأوجبه في الذي وطئ بعد الرمي وقبل الإفاضة؛ لأن الإفاضة آكد من الرمي، وقد أتى بها في إحرام ولا وطء فيه، فلم تكن عليه عمرة، وكان عليه الهدي كتارك رمي جمرة العقبة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو وطئ بعد يوم النحر قبل الرمي وبعد الإفاضة فإنما عليه الهدي- أيضًا-، ولم يختلف في هذا، لأنه قضاء، والقضاء أخف من المقضي.
م: وتلخيص ما في المدونة من مسائل الوطء هذه: هو أنه إذا وطئ يوم النحر قبل أن يرمي ويفيض فحجه فاسد، وإن وطئ بعدهما فلا شيء عليه، وإن وطئ بعد الرمي وقبل الإفاضة يوم النحر أو بعده فعليه عمرة وهدي، وإن وطئ قبل الرمي وبعد الإفاضة فعليه هدي.
وتلخيص ما في غير المدونة من الاختلاف في ذلك: أنه إن وطئ قبلهما فسد حجه، وقيل: لا يفسد، وإن وطئ بعدهما فلا شيء عليه بإجماع، وإن وطئ بعد أحدهما وقبل الآخر فثلاثة أقوال: قيل: يفسد حجه، وقيل: عليه عمرة وهدي، وقيل: إنما عليه هدي.
فصل [3 - في ما يحل برمي جمرة العقبة من محظورات الإحرام].
قال مالك: ومن رمى جمرة العقبة يوم النحر فقد حلّ له كل شيء إلا النساء، والصيد، والطيب، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
الجزء: 5 - الصفحة: 556
قال مالك: وإذا أفاض بعد الرمي حل له كل شيء من النساء، والصيد، والطيب، وإذا أفاض قبل الرمي لم يجزه، وليرم ثم يحلق ثم يفيض ثانية، وإن رمى ولم يحلق ثم أفاض فأحب إليّ قول ابن عمر: أن يحلق بمنى ثم يعيد الإفاضة، فإن لم يعد الإفاضة أجزأه.
قال مالك: والتعجل بطواف الإفاضة أفضل ولا رمل فيه.
وكره مالك لمن رمى جمرة العقبة أن يتطيب حتى يفيض، فإن فعل فلا شيء عليه لما جاء فيه.
قال: وإذا رمى العقبة فبدأ فقلم أظفاره، وأخذ من لحيته وشاربه، واستحد أو أطلى بالنورة قبل يحلق رأسه فلا بأس بذلك.
واستحب مالك إذا حلّ من إحرامه أن يأخذ من لحيته وشاربه وأظفاره من غير إيجاب وفعله ابن عمر.
قال مالك: والحلاق يوم النحر بمنى أحبّ إلي وأفضل، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم وإن حلق بمكة في أيام التشريف أو بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه، وإن أخر الحلاق حتى رجع إلى بلده جاهلاً أو ناسيًا، حلق أو قصر وأهدى.
الجزء: 5 - الصفحة: 557
وقال أشهب: إن حلق في أيام الرمي فلا شيء عليه، وإن حلق بعدها أحببت له أن يهدي.
قال غيره: والحلاق أفضل من التقصير؛ لأنه صلى الله عليه وسلم فعل، وقال: «رحم الله المحلقين، رحم الله المحلقين، رحم الله المحلقين» قالها ثلاثًا، قيل: يا رسول الله: والمقصرين؟ قال: «والمقصرين»، وهذه المبالغة بتكرار الدعاء تدل على الفضيلة، وقال صلى الله عليه وسلم: «ليس على النساء إلا التقصير»، وقاله عمر، وابن عمر، ولا مخالف لهما.
ومن المدونة: وكان مالك يأمر من ظفر أو عقص أو لبد بالحلاق للسنة يريد: ولا يجزئه التقصير.
الجزء: 5 - الصفحة: 558
قلت: فما معنى هذا القول عندكم: ولا تشبهوا بالتلبيد؟ قال: معناه: أن السنة جاءت فيمن لبد أن عليه الحلاق، فقيل لمن عقص أو ظفر: فلتحلقوا ولا تشبهوا به، أي: لا تشبهوا علينا فإنه مثل التلبيد.
قال مالك: ومن ضلت بدنته يوم النحر أخر الحلاق وطلبها ما بينه وبين الزوال، فإن أصابها وإلا حلق وفعل ما يفعل من لم يهد من الإفاضة، ووطء النساء، وحلق الرأس، ولبس الثياب، كانت هذه البدنة مما عليه بدنها أم لا.
قال: ويمر الأقرع الموسى على رأسه عند الحلاق.
قال ابن القاسم: من حلق رأسه بالنورة عند الحلاق أجزأه.
وقال أشهب: لا يجزئه.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه حلق بعد رمي جمرة العقبة، كالحلق بالحديد.
ووجه قول أشهب: فلأنه خالف سنة الحلق.
قال مالك: ومن أخر الطواف والسعي من مراهق وشبهه فليحلق إذا رمى جمرة العقبة ولا يؤخر حتى يطوف.
قال في المختصر: ويحل له من كل شيء ما يحل لمن طاف وسعى.
الجزء: 5 - الصفحة: 559
ومن المدونة: قال: وإذا قصر الرجل فليأخذ من جميع شعر رأسه، وما أخذ من ذلك أجرأه، وكذلك الصبيان، وليس على النساء إلا التقصير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولتأخذ من جميع قرونها في الحج والعمرة الشيء القليل، وما أخذت من ذلك أجزأها.
وفي الموازية: تجز ذلك جزًا، وهو خلاف ما في المدونة: والمرأة تأخذ يسيرًا من جميع القرون، وكانت عائشة رضي الله عنها تجز قدر التطريف.
ولا يجزئهما أن يقصر بعضًا ويبقيا بعضًا، وإن جامعها بعد أن قصر أو قصرت بعضًا وأبقيا بعضًا فعليهما الهدي، يريد، وقد أفاضا ورميا.
قال مالك: وإذا طاف المعتمر وسعى ولم يقصر فأحب إليّ أن يؤخر لبس الثياب حتى يقصر، فإن ليس قبل أن يقصر فلا شيء عليه، فإن وطئ قبل أن يقصر أو بعد أن أخذ من بعض شعره فعليه الهدي, وبالله تعالى التوفيق.
الجزء: 5 - الصفحة: 560
الباب الرابع]
في رمي الجمار أيام منى، ومن نسي شيئًا منها، أو تعجل في يومين
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾.
قال مالك: هي أيام الرمي الثلاثة التي بعد يوم النحر، يرمي في كل يوم منها الثلاث جمرات ماشيًا بعد الزوال، وقبل الصلاة، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وفعله عمر ابن الخطاب، وأمر بذلك.
قال مالك: فيرمي كل جمرة بسبع حصيات، ولو رمى قبل الزوال أعاده بعد الزوال.
قال ابن المواز: وإن رمى بعد أن صلى الظهر أجزأه.
قال في الواضحة: وقد أساء.
الجزء: 5 - الصفحة: 561
قال ابن القاسم في العتبية: الرمي أيام منى من حين تزول الشمس إلى أن تصفر، فإذا اصفرت فقد فات الرمي إلا لمريض أو ناسي.
وأما يوم النحر فمن طلوع الشمس إلى الزوال، فإذا زالت فات الرمي إلا لعليل أو ناسي، ولو رمى بعد الزوال فلا شيء عليه، ولكن في صدر النهار أصوب.
ومن المدونة: قال مالك: ويرمي الجمرتين جميعًا من فوقهما، والعقبة من أسفلها.
قال ابن المواز: ومن لم يصل لزحام الناس فلا بأس أن يرميها من فوقها، فقد فعله عمر لزحام الناس، ثم رجع مالك فقال: لا يرميها إلا من أسفلها، وإن فعل فليستغفر الله عز وجل.
ومن المدونة: قال مالك: ويقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يرفع يديه، فإن لم يقف فلا شيء عليه، ثم يرمي جمرة العقبة ولا يقف.
قال ابن المواز: يبدأ بالأولى التي تلي مسجد منى، فإذا رماها تقدم أمامها فوقف وأطال الوقوف للدعاء، ثم يرمي الوسطى وينصرف منها ذات الشمال في بطن المسيل،
الجزء: 5 - الصفحة: 562
فيقف أمامها مما يلي يسارها، ووجهه إلى البيت فيفعل كما يفعل في الأولى، ثم يرمي جمرة العقبة وينصرف لا يقف عندها، وكان القاسم، وسالم يقفان عند الجمرتين قدر ما يقرأ الرجل السريع سورة البقرة، وكذلك روى ابن حبيب عن ابن عمر.
وقال: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يطيل عند الأولى القيام، ويقوم عند الوسطى دون ذلك، ولا يقوم عند العقبة، وكان ابن مسعود يقف في الأولى للدعاء قدر قراءة سورة البقرة مرتين، وعند الثانية قدر قراءتها مرة، وكان كلما رمى أو فعل شيئًا من أمر الحج قال: اللهم اجعله حجًا مبرورًا وذنبًا مغفورًا.
وأيام منى أيام ذكر كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾، وليعلن الحاج التكبير والتهليل والذكر لله تعالى فيها.
قال: وأفضل ذلك أن يقول: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، ومن قال غير هذا من الذكر فحسن، وكان عمر بن الخطاب يكبر أول النهار في قبته أو حيث ما كان من منى رافعًا صوته، ويكبر الناس بتكبيره، ثم
الجزء: 5 - الصفحة: 563
يكبر إذا ارتفع النهار كذلك، ثم إذا زالت الشمس كذلك حتى ترتج منى بالتكبير حتى يبلغ ذلك مكة وبينهما ستة أميال، ثم يكبر بالعشي هكذا أيام منى كلها.
قال عبد الوهاب: وإنما قال: يرمي الجمار أيام منى بعد الزوال: لما روى جابر قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى/ يوم النحر ضحى، فأما بعد ذلك فبعد الزوال»، ورواه ابن عباس، وعائشة.
وإنما قال يرميها ماشيًا: لأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وإنما قال: يقف عند الجمرتين للدعاء، ولا يقف عند العقبة، فكذلك في حديث عائشة، وعبد الله بن عمر، وروي عن عمر، وابنه: أنهما فعلا ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 564
ومن المدونة: قال مالك: وإن رمى بسبع حصيات في مرة لم تجزه، وتكون كواحدة، ويرمي بعدها بست حصيات، ويوالي بين الرمي.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك: لأنه صلى الله عليه وسلم رماها بسبع رميات.
وقال أبو حنيفة: يجوز رميها في مرة.
ومن المدونة قال مالك: ويكبر مع كل حصاة، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القاسم: فإن لم يكبر أجزأه.
قلت: فإن سبح وهلل مع كل حصاة؟ قال: السنة التكبير.
قال ابن القاسم: وإن وضع الحصاة وضعًا، أو طرحها لم يجزه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رماها رميًا.
قال: وإن رمى حصاة فوقعت قرب الجمرة، فإن وقعت موضع حصى الجمرة وإن لم تبلغ الرأس أجزأه، وإن سقطت في محمل رجل فنفضها صاحب المحمل فسقطت في الجمرة لم يجزه، ولو أصابت المحمل ثم مضت بقوة الرمية الأولى حتى وقعت في
الجزء: 5 - الصفحة: 565
الجمرة أجزأه، وقد تقدم أنه لا يرمي بحصى الجمار؛ لأنه قد رُمي به.
قال ابن القاسم: ومن نفد حصاه فأخذ ما بقي عليه من حصى الجمار فرمى به أجزأه.
قال ابن القاسم: سقطت مني حصاة فلم أعرفها، فرميت بحصاة من حصى الجمار، فقال لي مالك: إنه لمكروه، وما أرى عليك شيئًا.
محمد: وقال أشهب: لا يجزئه.
فصل [1 - فيمن ترك رمي الجمار حتى غابت الشمس، أو تركها حتى مضت أيام منى]
قال ابن القاسم: ومن ترك رمي جمرة من هذه الجمار.
م: يريد: أو الجمار كلها حتى غابت الشمس رماها ليلاً، واختلف قول مالك في وجوب الدم عليه، وأحب إلي أن يلزمه الدم، وإن ترك رمي جمرة، أو الجمار كلها حتى مضت أيام منى فحجه تام، وعليه بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة، فإن لم يجد صام، وأما في حصاة فعليه دم.
ابن المواز: قال مالك: من ذكر بعد أيام منى حصاة ذبح شاة، وإن كانت جمرة ذبح بقرة.
ابن المواز: وإن كانت الجمار كلها فبدنة.
الجزء: 5 - الصفحة: 566
وقال عبد الملك: من ترك جمرة العقبة أول يوم ورماها من الليل، أو من الغد بغير نية لقضاء ما نسي فإنه يجزئه.
قال: وإن لم يرم العقبة في شيء من أيام الرمي بطل حجه، وخالف في ذلك أصحابه.
وقال عنه ابن حبيب: إن لم يرمها يوم النحر حتى أمسى فعليه دم، ويرميها في ليلته، وإن ذكرها في اليوم الثاني، أو قبل انقضاء أيام منى رماها، وعليه بدنة، فإن لم يذكرها حتى زالت أيام منى بطل حجه.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مضت أيام التشريق فلا رمي لمن لم يكن رمى.
قال: ومن رمى يوم ثاني النحر الجمار الثلاث بخمس، خمس، ثم ذكر من يومه رمى الأولى التي تلي مسجد منى بحصاتين، ثم الوسطى بسبع، ثم العقبة بسبع، ولا دم عليه، ومن ذكرها من الغد رمى هكذا، وعليه دم على أحد قولي مالك، ولو ذكرها بعد رميه لغده رمى هكذا، ثم يعيد رمي يومه؛ لأنه في بقية من وقته، وعليه دم للأمس، وإن ذكر ذلك بعد مغيب الشمس من اليوم الثاني رمى عن أمس بما ذكرنا، وعليه دم، ولا يعيد رمي يومه، وإن لم يذكر إلا بعد رمي يومين وذكر قبل مغيب الشمس من آخر أيام التشريف رمى الأولى بحصاتين، والاثنتين بسبع، سبع عن أول يوم، وأعاد رمي يومه هذا فقط إذ عليه بقية من وقته، ولا يعيد رمي اليوم الذي بينهما؛ لأن وقت رمي يومه ذلك قد مضى.
قال مالك: وإن ذكر أنه نسى حصاة من أول يوم لا يدري من أي جمرة هي فليرم الأولى بحصاة، ثم يرمي الوسطى والعقبة بسبع، سبع، ثم قال مالك: يرمي كل جمرة
الجزء: 5 - الصفحة: 567
بسبع، سبع، وبقوله الأول أخذ ابن القاسم.
وكذلك قال الأبهري فيمن بقيت بيده حصاة فلم يدر من أي جمرة هي.
قال: فوجه قوله الأول: فلجواز أن تكون الحصاة من الأولى، ولا يجوز رمي ما بعدها إلا بتمامها فاحتاط وجعلها منها ليكون على يقين.
ووجه قوله: إنه يستأنفهن: فلأنه قد انقطع بين رمي الأولى للحصاة التي بقيت عليه فوجب أن يبتدي رميهن حتى يوالي الرمي.
والأول أحب إلينا.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن رمى الآخرة، ثم الوسطى، ثم الأولى أعاد الوسطى، ثم الآخرة، ولو رمى الأولى، ثم الآخرة، ثم الوسطى أعاد الآخرة.
ابن المواز: وإن رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة كل جمرة حتى أنمها بسبع، سبع، فليرم الثانية بست، ثم الثالثة بسبع.
م: وحُكي عن ابن القابسي فيمن رمى عن نفسه حصاة، وعن صبي معه حصاة حتى أتم الرمي فليعد عن نفسه ولا يعتد من ذلك إلا بحصاة واحدة، ولو رمى جمرة عن نفسه، ثم رماها عن الصبي حتى أتم فذلك يجزئه.
م: وقوله في الأولى غير صحيح؛ لأنه تفريق يسير، وليست كمسألة محمد في الذي رمى الجمار كلها بحصاة، حصاة حتى أتم؛ لأن رمي الثانية لا يصح إلا بعد استيعاب
الجزء: 5 - الصفحة: 568
رمي الأولى، وكذلك رمي الثالثة لا يصح إلا بعد استيعاب رمي الأولى والثانية، ويدل على صحة رميه عن نفسه في مسألة رميه عن نفسه وعن الصبي: قوله في مسألة ابن المواز: أنه يعتد بالرمية الأولى ولا يضره تأخير الثانية عنها، وقوله في الكتاب: إذا رمى الجمار بخمس، خمس أنه يعتد بالخمس الأولى، ولا يضره ذلك التفريق، وهو أطول من تفريق رميه عنه وعن الصبي، وهذا أبين.
فصل [2 - رمي الجمار ليس من شرطه الطهارة]
ابن المواز: قال ابن وهب: وليس على من رمى الجمار على غير وضوء إعادة، ولكن لا يتعمد ذلك، ولم ير عطاء، والشعبي به بأسًا، وكان ابن عمر يغتسل لرمي الجمار، وقال ابن شهاب: لا يرمي إلا وهو طاهر.
قال عطاء، ومجاهد: وتتوضأ الحائض إذا توجهت إلى شيء من ذلك.
فصل [3 - العاجز يستنيب في الرمي إذا كان الظاهر من حاله أنه لا يزول عجزه في وقت الرمي]
ومن المدونة: قال مالك: والمريض إذا كان يستطاع حمله ويطيق الرمي ويجد من يحمله فليحمل حتى يرمي الجمرة، وإن كان ممن لا يستطاع حمله، أو لا يقدر على من يحمله، أو لا يستطيع الرمي رمى عنه غيره.
قال في كتاب محمد: ممن قد رمى عن نفسه.
قال في المدونة: ثم يتحرى المريض ذلك الرمي فيكبر لكل حصاة تكبيرة وعليه الدم؛ لأنه لم يرم وإنما رمى عنه غيره.
قال ابن القاسم: ولا يرمي المريض الحصاة في كف غيره ليرميها ذلك عنه.
الجزء: 5 - الصفحة: 569
قال: وليقف الرامي عنه عند الجمرتين للدعاء وحسن أن يتحرى المريض ذلك الوقوف فيدعو.
واختلف قول ابن القاسم في كتاب محمد في وقوف الرامي عن المريض للدعاء، وقال أشهب يقف عنه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن صح المريض ما بينه وبين غروب الشمس من آخر أيام الرمي أعاد ما رمي عنه كله في الأيام الثلاثة، وعليه الدم.
ابن المواز: وقال أشهب: لا دم عليه إذا أعاد ما رمى عنه، وقاله عطاء.
قال في المدونة: وإنما وقت مالك لهذا المريض إذا صح أن يعيد الرمي إلى مغيب الشمس من آخر أيام التشريق.
قال ابن القاسم: ولو رمى عنه العقبة يوم النحر، ثم صح آخر ذلك اليوم أعاد الرمي، ولا دم عليه، وإن صح ليلاً فليرم ما رُمي عنه، وعليه الدم.
قال مالك: وأحب إلي للمريض إن طمع بصحة أن ينتظر بالرمي آخر أيام الرمي، فإن لم يرج ذلك فلا يُؤخر وليرم عنه ويهدي.
قال: والمغمى عليه في رمي الجمار كالمريض.
ويرمي عن الصغير من رمى عن نفسه، كالطواف، وإن كان الصبي كبيرًا قد
الجزء: 5 - الصفحة: 570
عرف الرمي فليرم عن نفسه، وإن ترك الرمي أو لم يرموا عن الذي لا يقدر على الرمي، فالدم على من من أحجهما.
فصل [4 - السنة لإمام الحاج أن لا يتعجل]
ومن كتاب ابن المواز: قال أصبغ: والسنة للإمام أن يرمي الجمرة الآخرة عند الزوال ويتوجه فاصلاً وقد أعد رواحله قبل ذلك، أو يأمر من يلي ذلك له، ولا يرجع إليه ثانية.
قال مالك: فإذا تم الرمي في اليوم الثالث فلا يقيم مع أحد بعد رميه ولينفر ويُصل في طريقه، ولا يصلي ذلك اليوم بمسجد منى غير صلاة الصبح.
قال: وإذا كان له ثقل وعيال فله أن يؤخر ما لم تصفر الشمس.
[فصل 5 - يشترط في التعجيل أن يخرج من منى قبل الغروب من اليوم الثاني من أيام التشريق]
قال مالك: وللحاج التعجل في يومين بعد أن يرمي لليوم الثاني من أيام التشريق، وهو ثالث يوم النحر.
محمد: يرمي بإحدى وعشرين حصاة، كل جمرة بسبع حصيات، فيصير جميع رميه بتسع وأربعين حصاة، ويسقط رمي اليوم الثالث، وذلك ما لم تغرب الشمس من اليوم الثاني، فإن غربت وهو بمنى أقام حتى يرمي من الغد، فإن جهل فتعجل في ليلته أساء، وعليه الهدي.
الجزء: 5 - الصفحة: 571
قال ابن المواز: وكره مالك لإمام الحاج التعجيل.
قال ابن القاسم: ولو تعجل قبل الغروب فخلف العقبة، ثم غربت الشمس لجاز ذلك، ويطوف من الليل إن شاء وينصرف، وقاله أصبغ.
[فصل 6 - من تعجل في يومين هل له أن يقيم بمكة؟]
قال: ومن تعجل في يومين فلا يضره أن يقيم بمكة حتى يمشي ما بدى له.
وقال عبد الملك: إن بات بمكة فعليه دم، يريد: ويرجع إلى منى، ويرمي من الغد، وليس كذلك أهل مكة؛ لأن المكي قد تعجل إلى بيته، ولو أفاض في يومين وليس شأنه التعجيل فبدى له من مكة أن ينفر فذلك له ما لم تغب عليه الشمس بمكة، فإذا غابت لم يبرح حتى يرمي من الغد.
قال: وإن أفاض وليس شأنه التعجيل فطاف ورجع إلى منى ثم بدى له بمنى قبل الغروب أن يتعجل كان ذلك له، وهي السنة.
وذهب ابن حبيب إلى أن للمتعجل في يومين رمي جمار يومه ذلك، ثم يرمي في فوره جمار اليوم الثالث مكانه.
قال أبو محمد: وليس هذا قول مالك، ولا أصحابه.
قال ابن حبيب: فإذا أتم رميه نفر لوجهه حتى يأتي مكة، ولا ينزل بالمُحصب، فيصلي بمكة الظهر، فإن كان قد أفاض يوم النحر طاف للوداع وركع ركعتيه، ثم مضى
الجزء: 5 - الصفحة: 572
إلى بلده، وإن لم يكن أفاض طاف للإفاضة وللوداع، وإن أحب جمعهما في طواف واحد، وأجزأه من الأمرين، وإن أحب طاف لكل واحد وركع لكل طواف ركعتين، ثم مضى صادرًا إلى بلده، وقد قضى حجه وتم أمره.
ويستحب أن يكون آخر عهده عند خروجه استلام الركن ثم يمضي.
قال: ولا يجوز لمن تعجل في يومين أن يقيم بمكة في يومه ذلك ويبيت، فإن فعل فقد خرج من سُنّة التعجيل، ووجب عليه إذا أصبح بمكة أن يرجع إلى منى حتى يرمي مع الناس وينفر معهم، ولا يعتد بالرمي الذي كان قدمه؛ لأنه حين أصبح بمكة صار غير متعجل؛ لأن المتعجل إنما أرخص له ليتعجل إلى بلده وأهله، وإن هو حين أصبح بمكة جهل أن يرجع إلى منى ويرمي ومضى إلى بلده وجب عليه الهدي الذي يجب على من لم يرم، وأما من تعجل من أهل مكة فلا شيء عليه؛ لأنه إنما أقام في أهله وبيته ولم يبق عليه سفر يتعجل إلى الخروج له.
م: وهذا قول عبد الملك ابن الماجشون.
قال مالك: ولا أرى لأهل مكة أن يتعجلوا في يومين إلا أن يكون لهم عذر من مرض، أو تجارة يرجع إليها، قيل له: فالرجل منهم تكون له المرأة الواحدة يريد أن يتعجل إليها؟ قال: لا أرى ذلك ما جُلّ الناس إلا له المرأه الواحدة.
قال ابن القاسم: وقد قال لي مالك قبل ذلك: لا بأس لأهل مكة أن يتعجلوا، وهم كغيرهم، وهو أحب قوله إلي؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، فهذه الآية لأهل مكة وغيرهم.
الجزء: 5 - الصفحة: 573
قال مالك: وأرخص لرعاة الإبل أن يرموا يوم النحر العقبة ثم يخرجون فإذا كان اليوم الثاني من أيام منى يوم نفر المتعجل أتوا فرموا الجمار لليوم الماضي ولليوم، ثم لهم أن يتعجلوا، فإن أقاموا رموا للغد مع الناس.
ابن المواز: قال فإن رعوا النهار ورموا الليل أجزأهم، وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم أرخص لهم في ذلك.
الجزء: 5 - الصفحة: 574
الباب الخامس]
في الاشتراك في الهدي، وصفة النحر ومن ذبح هدي غيره وأحكام الهدايا، وجامع القول فيها
قال الله سبحانه: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُم﴾ فكان للقارن حكمه في السنة، ودخل في ذلك: كل من انثلم من حجه شيء، ثم ليس في شيء من ذلك إطعام، وإنما ذكر الله الإطعام في جزاء الصيد وفدية الأذى، وسمي الجزاء هديًا، والفدية نسكًا، وجعل محل الهدي الذي وقف به بعرفة منى بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، والحلق بمنى، لقوله تعالى: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وما لم يوقف به بعرفة فمحله مكة، لقوله في الجزاء: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ولم يذكر للفدية محلاً، ولا سماها هديًا، فأينما ذبحت أجزأت.
قال مالك: ولا يشترك في هدي واجب، أو تطوع، أو نذر، أو جزاء صيد، أو فدية، ولا في شيء من الهدي.
ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: لا بأس أن يشترك في هدي العمرة التي يتطوع بها الناس، وأما الواجب فلا.
قال ابن المواز: لا يشترك في تطوع، ولا غيره، وقاله مالك، ومن فعله في التطوع
الجزء: 5 - الصفحة: 575
فهو خفيف، قال: ومعنى حديث جابر: «نحرنا البدنة عن سبعة» إن ذلك في التطوع، وكانوا معتمرين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن يلزمه الهدي هو أهل بيته، فلزم كل واحد منهم شاة فاشتركوا في بعير لم يجزئهم، وأهل البيت والأجنبيون في هذا سواء، ولو ابتاع هو هديًا تطوعًا لم ينبغ أن يشرك فيه أهل بيته.
قال مالك في موطأه: أحسن ما سمعت: أن الرجل ينحر عنه وعن أهل بيته بدنة، أو يذبح بقرة أو شاة هو يملكها ويشركهم فيها، فأما أن يشترك فيها ناس في نسك أو أضحية ويخرج كل واحد منهم حصته من ثمنها فإن ذلك يكره.
فصل [1 - في صفة نحر البدن]
ومن المدونة: قال مالك: الشأن أن تُنْحر البدن قيامًا، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال ابن القاسم: فإن امتنعت فلا بأن أن تعقل ليتمكن من نحرها.
قال ابن حبيب في قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾:
الجزء: 5 - الصفحة: 576
وذلك أن تصف أيديها بالقيود عند نحرها، وقرأ ابن عباس: "صوافن"، وهي المعقولة من كل بدنة يد واحدة، فتقف على ثلاثة قوائم، وقرأ الحسن: "صوافي" أي صافية لله.
قال: والإبل تنحر ولا تذبح بعد النحر، والبقر تذبح ولا تنحر بعد الذبح.
وفي كتاب الضحايا إيعاب هذا.
قال مالك: والهدايا كلها إذا نحرها قبل الفجر من يوم النحر لم يجزه، قال: ومن قلد نسك الأذى وأوقفه بعرفة فلا ينحره إلا يوم النحر بمنى بعد طلوع الفجر، قال: ولا تُذبح الهدايا والضحايا إلا في أيام النحر نهارًا، ولا تذبح ليلاً، فإن ذبحت ليلاً لم تجزه، وأعادها؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، فإنما ذكر الأيام ولم يذكر الليالي.
وكره مالك للرجل أن ينحر هديه أو أضحيته غيره، وليل ذلك بنفسه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك فعل، فإن نحر له غيره أجزأه.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليًا بنحر الهدايا.
الجزء: 5 - الصفحة: 577
قال مالك: وإن نحر له غير مسلم لم يجزه، وعليه البدل.
وقال أشهب: يجزئه إذا كان ذميًا، وقيل: إنه رواه عن مالك.
م: فوجه قول مالك أنه لا يجزئه: فلأنه مشرك كالمجوسي؛ ولأنها قربة متعلقة بالبدن فلا يجوز نيابة المشرك فيها، كالحج.
ووجه قول أشهب: فلأنه من أهل الذبح كالمسلم، واعتبارًا بتوليته العتق وتفرقة الزكاة ولحم الأضحية.
قال مالك: ومن ذبح فقال: بسم الله والله أكبر، اللهم تقبل من فلان، فذلك حسن، وإن لم يقله وسمى الله أجزأه.
فصل [3 - في الهدي يدخله عيب بعد التقليد والإشعار]
وكل هدي واجب، أو تطوع، أو جزاء صيد دخله عيب بعد أن قلده وأشعره وهو صحيح مما يجوز في الهدي فحمله صاحبه، أو ساقه حتى أوقفه بعرفة فنحره بمنى أجزأه، وإن فاته أن يقف به بعرفة فساقه إلى منى فلا ينحره بها ولكن بمكة، ولا يخرجه إلى الحل ثانية إن كان قد أدخله من الحل، فإن هلك هذا الهدي في سيره به إلى مكة لم يجزه؛ لأنه لم يبلغ محله، وكل هدي فاته الوقوف بعرفة فمحله مكة لا منى.
قال في كتاب محمد: ولا يُنحر حتى تذهب أيام منى وتحل العمرة زاد ابن الكاتب القروي في مناسكه: فإن نحره بمكة في أيام منى أجزأه.
قال ابن القاسم: ومن أوقف هدي جزاء صيد، أو مُتْعة، أو غيره بعرفة ثم قدم به مكة فتحره بها جاهلاً وترك منى متعمدًا أجزأه.
الجزء: 5 - الصفحة: 578
وقال أشهب: لا يجزئه.
م: فوجه قول ابن القاسم: أنه يجزئه: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ولأنه إنما ترك الاختيار، وقد نحره في موضع منحر له، وكما لو تعمد ترك وقوفه به بعرفة.
ووجه قول أشهب: إن ما وقف به بعرفة إنما محله منى، وبها نحر النبي صلى الله عليه وسلم، فمن نحره في غيرها فقد نحره في غير محله، وقد قال مالك في كتاب ابن المواز: إن ما وقف به يعرفة إن نحر بغير منى في أيام منى لم يجزه.
قال: وكل ما محله من الهدي مكة فلم يقدر أن يبلغ به داخل بيوت مكة، ونحره في الحرم لم يجزه، وإنما محله مكة، أو ما يلي بيوتها من منازل الناس.
قال في العتبية: ولا يجزئه أن ينحره عند ثنية المدنيين، وقد نحر النبي صلى الله عليه وسلم هديه بالحديبية، والحديبية في الحرم، فأخبر الله تعالى أن ذلك الهدي لم يبلغ مَحِله.
ابن المواز: قال مالك: ومنى كلها منحر إلا ما خلف العقبة، وأفضل ذلك عند الجمرة الأولى، وكل ما كان من هدي فلا ينحر إلا بمكة بعد أيام منى.
الجزء: 5 - الصفحة: 579
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ضل هديه الواجب بعدما أوقفه بعرفة، فوجده بعد أيام منى فلينحره بمكة، قال لي مالك مرة: لا يجزئه، وعليه الهدي الذي كان عليه، وقد قال مالك قديمًا فيما بلغني: أنه يجزئه، وبه أقول.
م: وهذه مثل التي قبلها، فوجه قوله: أنه لا يجزئه: لأن هذا هدي قد وقف به بعرفة فلا يجوز أن ينحر إلا بمنى، ومن نحره بغيرها فقد نحره في غير محله، ووجه قوله: أنه يجزئه: فلأن مكة أيضًا محل للهدايا؛ ولأنه لو تعمد ترك إيقافه بعرفة لكانت مكة محلاً له، واختلاف قول ابن القاسم وأشهب في الأولى على اختلاف قول مالك في هذه.
وفي كتاب محمد: إذا ساق هديًا فضل قبل أن يقف به بعرفة، ثم وجده بمنى، قال: اختلف فيه قول مالك، فقال: لا يجزئه وينحره ويهدي سواه، وقال: يجزئه وينحره بمكة.
م: وهذا أبين، ووجه الأول: أنه لما ضل قبل بلوغه محله وجب عليه بدله، فلا يسقط ذلك وجوده.
ومن المدونة: ومن قلد هديه وأشعره، ثم ضل فأصابه رجل فأوقفه بعرفة، ثم وجده ربه يوم النحر، أو بعده أجزأه ذلك التوقيف؛ لأنه قد وجب هديًا، ولا يرجع في ماله.
م: معناه: وإن أوقفه الأجنبي عن نفسه.
الجزء: 5 - الصفحة: 580
قال: ولا يجزيء ما أوقفه التجار؟ لأن توقيفهم لا يوجبها هديًا؛ لأنهم إنما أوقفوها للبيع، ولهم ردها وبيعها.
ولو اشترى رجل منهم هديًا بعرفة وسأل بائعه أن يوقفه له أجزأه ذلك التوقيف، ومن أوقف هديه بعرفة ثم ضل منه فوجده رجل فنحره بمنى؛ لأنه رآه هديًا فوجده ربه منحورًا أجزأه.
قال يحيى: هذا إذا أوقفه بعرفة ثم ضل منه بعد غروب الشمس، فأما إن ضل منه قبل الغروب ثم وجده بمنى فنحره بها لم يجزه.
قال ابن القاسم: وإذا أخطأ الرفقاء يوم النحر فنحر كل واحد منهم هدي صاحبه أجزأهم، ولو كانت ضحايا لم تجزئهم، وعليهم بدلها، ويضمن كل واحد منهم لصاحبه أضحيته التي ذبحها بغير أمره.
والفرق بينهما: أن الهدي إذا قُلد وأُشعر لم يرجع في مال صاحبه، ومن نحره بعد أن بلغ محله أجزأ صاحبه؛ لأنه قد وجب هديًا، والضحايا لا تجب إلا بالذبح، ولربها بدلها بخير منها.
فصل [3 - المرأة إذا خافت فوات الحج بسبب الحيض فأردفت الحج على العمرة أجزأها هدي التطوع لقرانها]
قال مالك في امرأة دخلت مكة بعمرة ومعها هدي فحاضت بعد دخولها مكة قبل أن تطوف فإنها لا تنحر هديها حتى تطهر ثم تطوف وتسعى وتنحر وتقصر، فإن كانت ممن تريد الحج وخافت الفوات ولم تستطع الطواف لحيضتها أهلت بالحج وساقت
الجزء: 5 - الصفحة: 581
هديها وأوقفته بعرفة ولا تنحره إلا بمنى وأجزأها لقرانها، وسبيلها سبيل من قرن.
قال عبد الوهاب: ثم يُستحب لها أن تستأنف عمرة بعد الإحلال، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم بعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.
ومن المدونة: قال مالك: ومن اعتمر في أشهر الحج، وساق معه هديًا فطاف لعمرته، وسعى فلينحره إذا تم سعيه، ثم يحلق أو يقصر ويحل، ولا يؤخره إلى يوم النحر، فإن أخره فلا يثبت حرامًا ويحل من عمرته، فإذا كان يوم التروية أحرم بالحج، واستحب له مالك أن يحرم في أول العشر.
قال مالك: وإن كان لما حل من عمرته أخر هديه إلى يوم النحر فنحره لم يجزه عن متعته؛ لأنه قد لزمه أن ينحره أولاً، ثم قال: أرجو أن يجزئه، وقد فعله أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأحب إلي أن ينحره ولا يؤخره.
الجزء: 5 - الصفحة: 582
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: ما ساقه الرجل من الهدي لعمرته فنحره بمنى فلا يجزئه وإن وأقفه بعرفة.
قال: وجزاء الصيد إذا ساقه معه في عمرته فلا ينحره إلا بمكة لا بمنى.
قال أشهب: وإن ساقه في حج لم ينحره إلا بمنى بعد وقوفه به بعرفة، فإن نحره بمكة في أيام منى لم يجزه إلا أن ينحره بها بعد أيام منى.
فصل [4 - فيمن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اعتمر وساق هديًا تطوعًا فهلك قبل بلوغ محله فليتصدق به ولا يأكل منه؛ لأنه ليس بمضمون، وليس عليه بدله، وإن أكل منه فعليه بدله.
قال بعض البغداديين: وإنما لم يجز له أن يأكل منه؛ لأنه يُتهم أن يكون أعطبه ليأكل منه فإن أكل منه أبدله لقوة التهمة.
قال ابن القاسم: وإن استحق هذا الهدي التطوع فعليه بدله، ويجعل ما يرجع به من ثمنه في هدي كما يفعل فيما يرجع به من عيب هدي التطوع.
قال مالك: ومن هلك هديه التطوع ألقى قلائدها في دمها، ورمى عندها جُلها وخطامها وخلى بين الناس وبينها، ولا يأمر من يأكل منها فقيرًا ولا غنيًا، فإن أكل، أو أمر من يأكل، أو يأخذ شيئًا من لحمها فعليه البدل، وسبيل الجل والخطام سبيل اللحم.
الجزء: 5 - الصفحة: 583
قال ابن القاسم: وإن بعث بها مع رجل فعطبت فسبيل الرسول سبيل صاحبها، هو الذي ينحرها، أو يأمر من ينحرها، ويفعل فيها كفعل ربها لو كان معها، ولا يأكل منها الرسول، فإن أكل لم يضمن، ولا يأمر ربها الرسول إن عطبت أن يأكل منها، فإن فعل ضمن، ألا ترى أن صاحب الهدي حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ما أصنع بما عطب من الهدي؟ قال: «انحرها، وألق قلائدها عندها وخل بين الناس وبينها».
قال ابن القاسم: وإن أمر ربها الرسول إن عطبت أن يخلي بين الناس وبينها فعطبت فتصدق بها الرسول لم يضمن وأجزأت صاحبها، كمن عطب هديه التطوع فخلى بين الناس وبينها، فأتى أجنبي فقسمها بين الناس فلا شيء عليه، ولا على ربها.
قال مالك: له أن يأكل من الهدي كله واجبه وتطوعه إذا بلغ محله ونُحِرَ إلا ثلاثة: جزاء الصيد، وفدية الأذى، وما نذره للمساكين.
قال ابن المواز: وله أن يأكل من الهدي النذر، والبدنة النذر إلا أن ينذر ذلك للمساكين.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل من جزاء الصيد، وفدية الأذى ما قل أو كثر بعد محله فعليه البدل.
قال ابن القاسم: وإن أكل مما نذره للمساكين فلا أدري ما قول مالك فيه، وأرى
الجزء: 5 - الصفحة: 584
أن يطعم للمساكين قدر ما أكل لحمًا، ولا يكون عليه البدل؛ لأن هدي نذر المساكين لم يكن عند مالك في ترك الأكل منه بمنزلة جزاء الصيد، وفدية الأذى، وإنما استحب مالك ترك الأكل منه.
م: يعني ها هنا: إن نذر المساكين بعينه ولو كان مضمونًا لكان عليه بدله كله إن أكل منه.
م: وإنما قال: يؤكل من الهدي كله: لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾.
وإنما قال: لا يؤكل من جزاء الصيد: لأن الله تعالى جعله للمساكين بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وكذلك نُسك الأذى، لقوله صلى الله عليه وسلم: «أو إطعام ستة مساكين»، وما سماه هو للمساكين فقد نذره لهم، فلا يجوز له الرجوع فيه.
ابن المواز: وقال ابن الماجشون: إذا ضل جزاء الصيد فأبدله، ثم وجد الأول فلينحرهما إن كان قلد الآخر أيضًا، ولا يأكل من الأول، ويأكل من الثاني إن شاء.
محمد: ولو أكل من الثاني بعد أن بلغ محله قبل أن يجد الأول فليبدله إلا أن يجد الأول فيجزئه، ويصير الثاني كهدي تطوع أكل منه بعد أن بلغ محله.
الجزء: 5 - الصفحة: 585
وذكر ابن حبيب المسألة من أولها عن ابن الماجشون، وقال في سؤاله: إن ضل هديه الواجب فأبدله؟.
والذي ذكر محمد من جزاء الصيد أصح.
قال ابن حبيب- عن ابن الماجشون-: ومن معه هدي تطوع، وهدي واجب.
م: يريد: جزاء صيد، ونذر المساكين فاختلطا فلا يأكل من واحد منهما، وإن ضل أحدهما، ولا يدري أيهما هو، فلا يأكل من الباقي، ولا يجزئه الباقي إذ لعله التطوع، وليبدل الواجب، ولا يأكل من البدل، إذ لا يدري أيهما التطوع.
ابن المواز: وإن ضل هدي تمتعه وهو مُقلَد بعد أن بلغ فأبدله فعطب البدل قبل أن يبلغ محله فله أن يأكل منه، وعليه بدله لتمتعه، فإن وجد الأول نحره عن تمتعه، ولابد له من بدل الثاني؛ لأنه صار تطوعًا أكل منه قبل محله.
قال ابن المواز: وكان الحسن يقول: يؤكل من الهدي كله، وقال سعيد بن جبير: لا يؤكل من الهدي، ولا من الجزاء، والفدية، وقال طاوس: لا يؤكل من الجزاء، والفدية.
ومن المدونة: قال مالك: وكل هدي مضمون هلك قبل محله فلصاحبه أن يأكل منه ويطعم من شاء من غني أو فقير؛ لأن عليه بدله، فلا فائدة في منعه أكله.
قال مالك: ولا يبيع من ذلك لحمًا ولا جِلْدًا ولا جُلاً، ولا خِطامًا ولا قلائد،
الجزء: 5 - الصفحة: 586
ولا يستعين بذلك في ثمن البدل.
م: لأنه قد أخرج ذلك كله لله، فلا يرجع فيه.
قال مالك: ومن الهدي الذي هو مضمون ما إن عطب قبل محله جاز أن يأكل منه؛ لأن عليه بدله، وإن بلغ محله لم يجز له أن يأكل منه، وإن أكل منه لم يجزه، وعليه البدل وهو جزاء الصيد، وفدية الأذى، ونذر المساكين.
يعني: إن نذر المساكين ها هنا مضمون غير معين، فلذلك كان عليه بدل جميعه.
قال مالك: والهدي المضمون: هو الذي إذا هلك قبل محله، أو استحق كان عليه بدله، والهدي الذي ليس بمضمون: هو هدي التطوع وحده، وكل هدي ساقه رجل لا لشيء وجب عليه من أمر الحج، أو يجب عليه في المستقبل فهذا تطوع، ومن قلد بدنه، أو أهدى هديًا تطوعًا، ثم مات الرجل قبل أن يبلغ الهدي محله، فلا يرجع ميراثًا؛ لأنه قد أوجبه على نفسه.
والمبعوث معه بالهدي يأكل منه إلا من الجزاء، والفدية، ونذر المساكين فلا يأكل منه شيئًا، إلا أن يكون الرسول مسكينًا فجائز له الأكل منه.
ومن أطعم الأغنياء من الجزاء والفدية فعليه البدل، جهلهم أو علم بهم، كالزكاة ولا يطعم منها ولا من جميع الهدي غير مسلم، فإن فعل أبدل الجزاء والفدية، ولا يُبْدل غيرها، وهو خفيف وقد أساء، وروي عن ابن القاسم أنه قال: أرجو أن يجزئه الجزاء والفدية إن لم يتعمد.
م: وإنما قال: يُبدل الجزاء والفدية دون غيرهما من الهدي؛ لأن الجزاء
الجزء: 5 - الصفحة: 587
والفدية إنما هي للمساكين، كالزكاة، فلم يجب أن يعطى منها إلا من يُعطي من الزكاة.
ومن المدونة: وإن هو أطعم ذميًا كفارة عليه لم يجزه، ولا يتصدق بشيء من الهدي على فقراء أهل الذمة ولا يُطعم من جزاء الصيد أبويه، وزوجته، أو ولده، أو مدبره، أو مكاتبه، أو أم ولده، كما لا يُعطيهم من زكاته.
فصل [5 - فيمن بعث بهدي، ثم خرج بعده حاجًا او معتمرًا]
ومن بعث بهدي مع رجل حرام ثم خرج بعده حاجًا أو معتمرًا، فإن أدرك هديه لم يُنحر فليؤخر نحره إلى أن يحل، وإن لم يُدركه فلا شيء عليه، ومن وجب عليه هدي في حج أو عمرة فله أن يبعثه مع غيره.
فصل [6 - من ضل هديه التطوع أو أضحيته فوجدهما بعد أيام النحر]
وإذا ضل هدي التطوع، ثم وجده بعد أيام النحر نحره بمكة، ولو ضلت منه أضحيته فوجدها بعد أيام النحر فلا يذبحها وليصنع بها ما شاء، وإن أصابها في أيام النحر نحرها إلا أن يكون قد ضحى ببدلها فلا شيء عليه، ولو ضل منه هدي واجب، أو جزاء صيد فنحر غيره يوم النحر ثم وجده بعد أيام النحر نحره أيضًا؛ لأنه أوجبه هديًا، فلا يرده في ماله، وكل هدي واجب ضل من صاحبه أو مات قبل أن ينحره فلا يجزئه، وعليه بدله، وكل هدي تطوع مات، أو سُرق، أو ضل فلا بدل على صاحبه فيه، ومن سُرق هديه الواجب بعدما ذبحه أجزأه.
الجزء: 5 - الصفحة: 588
فصل [7 - الوقت المعتبر في سلامة الهدي هو حين تقليده وإشعاره]
ومن قلد هديًا وأشعره وهو لا يجزئه لعيب به فلم يبلغ محله حتى زال ذلك العيب لم يجزه، وعليه بدله إن كان مضمونًا، ولو قلده سليمًا، ثم حدث به ذلك قبل محله أجزأه.
قال أبو بكر الأبهري: القياس: أن لا يجزئ؛ لأن وجوبه لم يتناهى عند مالك، وهو مراعى، ألا ترى أنه لو عطب قبل أن ينحره لم يجزه، وعليه بدله، فكذلك يجب إذا حدث به عيب لا يجوز في الهدي إلا يجزئه.
قال ابن حبيب: وإذا قلد هديًا سمينًا، ثم نحره فوجده أعجفًا، فإن كان العجف يحدث في مثل مسافته أجزأه، وإن كان لا يعجف في مثلها لم يجزه في الواجب، ولو أشعره أعجفًا، ونحره سمينًا، فإن كان لا يسمن في مثل مسافته أجزأه، وإن كان يسمن في مثلها فأحب إلينا أن يبدله لما يخشى أن يكون حدث سمنه، قاله ابن الماجشون.
ومن المدونة: وما أصاب الضحايا من عيب بعد شرائها فعلى صاحبها بدلها؛ لأن له أن يبدل أضحيته بخير منها، وليس لمن قلد هديًا بدله بخير منه، ولا له بيعه.
قال ابن القاسم: فإن باعه رُد إن وجد، فإن لم يعرف مكانه فعليه البدل بثمنه ولا ينقص منه وإن وجده بدونه، وإن لم يجد بالثمن فليزد عليه؛ لأنه قد ضمن الهدي.
وجلود الهدايا في الحج والعمرة، وجلود الضحايا يُصنع بها ما يصنع بلحومها، ولا يعطى الجازر على جزره الهدي والأضحية والنسك شيئًا من لحومها ولا جلودها، وكذلك خِطامها وجلالها.
الجزء: 5 - الصفحة: 589
فصل [8 - السن المجزئ في الضحايا والهدايا والنذر والفدية]
قال مالك: والذي يجزئ من الأسنان في الضحايا والهدايا والنذر والفدية: الجذع من الضأن، والثني من سائر الأنعام، وكان ابن عمر يقول: لا يجزئ إلا الثني من كل شيء.
قال مالك: إلا أنه صلى الله عليه وسلم قد أرخص في الجذع من الضأن.
والبُدْن عند مالك من الإبل وحدها، والذكور والإناث بُدْنٌ كلها، لعموم قول الله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ﴾، ولم يقل: ذكرًا ولا أنثى، وتعجب مالك ممن قال: لا تكون إلا في الإناث.
قال ابن القاسم: وتجوز الإناث والذكور من الغنم، وغيرها في الهدايا والضحايا.
فصل [9 - العيوب المانعة من الإجزاء في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية]
قال مالك: ولا يجوز في الضحايا والهدايا والنذر والجزاء والفدية شيء من ذوات العوار، ولا يجوز في الفدية إلا ما يجوز في الضحايا والنذر.
الجزء: 5 - الصفحة: 590
قال مالك: وتجزئ المكسورة القرن في الهدايا والضحايا إذا كان قد بريء، وإن كان يُدمي فلا يصلح، ولا بأس في الهدايا والضحايا باليسير من قطع أو شق في الأذن كالسمة، ونحوها، ويجوز الخصي في الهدايا والضحايا، ووسع مالك في الكوكب يكون في العين إذا كان يُبْصر بها ولم يكن على الناظر، ولا تجوز العرجاء البين عرجها ولا المريضة البين مرضها، وكذلك جاء في الحديث ولا يجوز الدبر من الإبل في الهدايا، ولا المجروح، وذلك في الدبرة الكبيرة والجرح الكبير.
م: ولأن ذلك مرض.
وفي الضحايا إيعاب هذا.
فصل [10 - من نذر بدنة فهي من الإبل، ومن نذر هديًا وأطلق فالشاة تجزئه]
قال ابن القاسم: ومن نذر بدنة فهي من الإبل، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبعًا من الغنم، الذكور والإناث في ذلك سواء.
قال ابن المواز: وقاله سالم، وخارجة، وعبيد الله، ومحمد بن علي.
الجزء: 5 - الصفحة: 591
قال ابن المسيب: إن لم يجد بقرة فعشر من الغنم.
ومن المدونة: قال: وإن نذر هديًا، ولا نية له فالشاة تجزئه، لأنها هدي، وقال في كتاب النذور فيمن حلف إن لم يفعل كذا فعليه هدي فليهد بدنة، فإن لم يجد فبقرة، فإن لم يجد فشاة تجزئه.
م: حُكي عن أبي الحسن: أن الفرق بين المسألتين: إنه إذا نذر هديًا فهو متطوع به فخفف عنه، والحالف به في يمين، ذلك يلزمه، وهو غير متطوع به، فغلظ عليه فيه، فهما مسألتان مفترقتان، وليس باختلاف قول.
والله أعلم.
ونحى أبو محمد في مختصره إلى أنه اختلاف.
م: وهو أبين؛ لأن ما أوجبه على نفسه بغير يمين آكد مما أوجبه بيمين؛ لأن من قال: داري صدقة على فلان، جبره السلطان على ذلك، ولو قال: إن فعلت كذا فداري
الجزء: 5 - الصفحة: 592
صدقة على فلان فحنث لم يجبره السلطان على ذلك، فبان أن ما كان بغير يمين آكد مما كان بيمين على مذهب المدونة، وإن كان قد قيل: إنهما سواء كالعتق، وهو أقيس.
والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أهدى ثوبًا فليبعه ويشتري بثمنه هديًا ما حمل من بدنة، أو بقرة، أو شاة، ويشتري ذلك من الحل فيسوقه إلى الحرم، ولا يشتري إلا ما يجوز في الهدي.
فصل [11 - فيمن قلد هديًا تطوعًا أو واجبًا ثم اطلع فيه على عيب]
ومن اشترى هديًا تطوعًا فلما قلده وأشعره أصاب به عيبًا يجزيء به الهدي، أو لا يجزيء فليمض به هديًا ولا بدل عليه، ويرجع على البائع بما بين الصحة والداء فيجعله في هدي آخر إن بلغ، فإن لم يبلغ تصدق به.
قال ابن المواز: إذ لا يشترك فيه ملك.
وإن كان واجبًا فأصاب به عيبًا لا يجزي به الهدي فعليه بدله، ويلزمه سوق هذا المعيب أيضًا؛ لأنه كعبد عتق في واجب وبه عيب لا يجزي، وما رجع به من قيمة عيب هذا الهدي فليستعن به في البدل إن شاء، والرقبة الواجبة مثله، ولو كان عيب الرقبة يجزي بمثله أعان بقيمة العيب في رقبة أو قطاعة مكاتب، وإن كانت الرقبة تطوعًا صنع بالقيمة ما شاء.
ابن المواز: قال ابن القاسم يصنع بقيمة عيب رقبة التطوع ما شاء كان عيب يجزي به الرقاب الواجبة أم لا يجزي بخلاف هدي التطوع.
وروى أشهب عن مالك أنه يصنع بقيمة عيب هدي التطوع ما شاء، وقاله ابن
الجزء: 5 - الصفحة: 593
القاسم في المجالس وهو خلاف قوله في الأسدية.
م: يريد- والله أعلم-: إن بلغ قيمة العيب ثمن بدنة وليس عليه أن يزيد من عنده.
قال أصبغ: هذا إن كان عيبًا يجوز في الهدي وإلا أبدله كله وإن كان تطوعًا.
قال ابن المواز: قوال أصبغ صواب إلا أنه يعتق الأعمى والمعيب طوعًا مما لا يجزي في واجب، ولا يهدي في التطوع إلا ما يهدي في الواجب، قال مالك: وذلك أنه لو استحق هدي التطوع بعد التقليد فأخذه ربه لأمرت هذا أن يرجع بثمنه فيجعله في هدي آخر، ولا آمره بذلك في عتق التطوع.
م: والفرق في هذا عندي: لأنه في العتق إنما أعتق ذلك العبد بعينه، فلما بطل العتق فيه لم ينتقل العتق إلى غيره؛ لأنه لم يرده، وفي الهدي التطوع ليس المقصود به عين الهدي، إنما قصد ثوابه وصدقته على المساكين، فلا يرجع إليه شيء من ثمنه؛ لأن المساكين المقصود لهم الهدي قيام.
م: ويحسن هذا الفرق على مذهب ابن القاسم فيما يرجع به من قيمة العيب أيضًا؛ لأنه إنما أخرج ثمنًا ليهدي به هديًا يكون للمساكين، فلا ينبغي أن يرجع إليه من ذلك الثمن شيء والمساكين قيام، وفي عيب العبد المقصود بالعتق قد عتق وهو لم يرد غيره، فلا شيء عليه فيما يرجع إليه من قيمة عيبه، ولو كان إنما أخرج دنانير ليعتق بها فاشترى بها عبدًا وأعتقه، ثم أصاب به عيبًا، فإنه يجعل ما يرجع إليه من قيمة العيب في رقبة إن بلغ، أو قطاعة مكاتب يتم بها عتقه؛ لأنه أخرج ذلك الثمن للعتق فلا
الجزء: 5 - الصفحة: 594
يعود إليه منه شيء، ويستوي العتق والهدي في هذا.
والله أعلم.
وحكى نحوه بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا من القرويين، قال: إنما فرق بين الهدي المعيب وبين الرقبة المعيبة إذا كان ذلك تطوعًا لأن محمل مسألة الرقبة المتطوع بعتقها أنها لم تكن في الأصل مشتراة للعتق، فلذلك ساغ له قيمة العيب، وأما لو أخرج ثمنًا فاشتراها به للعتق كانت كهدي التطوع سواء لا يسوغ له قيمة العيب، ولو كان أيضًا الهدي لم يشتره وإنما أهدى شيئًا تقدم له ملكه أو اشتراه لغير الهدي، كان كالرقبة إذا لم تكن في الأصل مشتراة للعتق إن قيمة العيب تسوغ له، وإنما افترقت المسألتان لافتراق السؤال.
قال: وهكذا كان يقول أبو موسى بن مناس، ونحوه في المستخرجة، وهذا أحسن من تفرقة ابن المواز: أنه يتطوع بعتق المعيب، ولا يهدي المعيب.
قال أبو محمد: إنما يُبْدل الهدي الواجب إذا وجد به عيبًا قديمًا لم يحدث به بعد الإشعار، والهدي الواجب: ما لزم من مُتعة، أو قران، أو لنقص من أمر الحج، أو جزاء أو فدية أهداها، أو نذر هديًا للمساكين ليس بعينه، فأما لو نذر أن يهدي هذا البعير بعينه فقلده وأشعره ثم ظهر له به عيب قديم فلا بدل عليه؛ لأن نذره لم يتعد إلى غيره.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما جُني على الهدي التطوع فأخذ له صاحبه
الجزء: 5 - الصفحة: 595
أرشًا فليصنع به ما يصنع من رجع بعيب أصابه في الهدي المقلد.
قال ابن المواز: وأحب إلي في الجناية أن يتصدق به في التطوع والواجب.
قال أبو محمد: يريد محمد: إن لم يكن فيه ثمن هدي، وكلام محمد هذا لم أروه.
م: يريد: ولا يلزمه بدله في الواجب إذا كانت الجناية لا يجزي بها الهدي، لأنها إنما طرأت عليه بعد الإشعار فهي كالعيب يطرأ بعد الإشعار وإن كان القياس فيهما ألا يجزيان؛ لأن الهدي الواجب لو هلك بعد الإشعار قبل أن يبلغ محله لم يجزه، فكذلك كان ينبغي إذا هلك بعضه يحكم للبعض بحكم الجميع، وكذلك قال الأبهري: أن القياس ألا يجزيء.
م: ولكن قد قاله مالك وأصحابه فلا معدل عنهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وجد بالضحايا عيبًا ردها وأخذ ثمنها واشترى به بدلها، بخلاف الهدي المقلد، ولو جنا على الضحايا أحد أخذ منه صاحبها عقل ما جنا عليها واشترى بدلها ولم يذبح المعيبة.
فصل [12 - في حكم ولد الهدية]
وإذا نتجت الناقة، أو البقرة، أو الشاة وهي هدي فليحمل ولدها معها إلى مكة إن وجد محملاً على غيرها، فإن لم يجد حمله عليها، فإن لم يكن في أمه ما يحمله عليها
الجزء: 5 - الصفحة: 596
تكلف حمله.
م: يريد: من ماله، قال أشهب: ولا محل له دون البيت، وإن باعه، يريد: أو نحره في الطريق فعليه بدله هديًا كبيرًا تامًا، وقاله ربيعة وابن القاسم.
قال ابن القاسم: وكذلك من أضر بولد بدنته في لبنها حتى مات فعليه بدله مما يجوز في الهدي، وذكر عن أبي عمران أنه إذا لم يستطع أن يتكلف حمله على حال نحره في ذلك الموضع ويصير كهدي التطوع إذا عطب قبل محله إذا كان في فلاة أو في حضر ولا يجد من يوكل عليه ولا يرتجي حياته.
قال: ولا يشرب من لبن الهدي شيئًا ولا ما فضل عن ولدها، قال ابن القاسم: فإن فعل فلا شيء عليه؛ لأن بعض من مضى أرخص فيه بعد ري فصيلها.
قال: ومن احتاج إلى ظهر هديه فليركبه وليس عليه أن ينزل بعد راحته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اركبها ويحك» في الثانية، أو الثالثة، وإنما استحسن الناس أن لا يركبها حتى يحتاج إليها.
الجزء: 5 - الصفحة: 597
فصل [13 - في الهدي إذا ضل بعد التقليد والإشعار ثم وجد أيام منى، أو بعدها]
قال: وإذا ضل الهدي بعد التقليد والإشعار فوجد بعد أيام منى نحره بمكة، وإن وجد خارجًا من مكة بعد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن لم يوقف به بعرفة فوجد أيام منى سيق إلى مكة فنحر بها، وإن وقف به بعرفة، ثم وجد في أيام منى نحر بمنى.
ومن كان عليه هدي من جزاء صيد فلم ينحره حتى مضت أيام التشريق فاشتراه في الحرم ثم خرج به إلى الحل فليدخل حلالاً ولا بأس أن يبعث بهديه مع حلال من الحرم ثم يقفه في الحل ثم يدخله مكة فينحره عنه.
ولا يجزي ذبح جزاء الصيد أو كان كان هديًا إلا بمكة أو بمنى، وإن أطعم لحمه المساكين، وذلك يبلغ سُبعُ عدد قيمة الصيد من الأمداد أن لو أطعم الأمداد، فإنه لا يجزئه.
وما كان من هدي في عمرة وجب بشيء نقصه منها، أو هدي نذر، أو تطوع، أو جزاء صيد فذلك سواء ينحره إذا حل من عمرته، فإن لم يفعل لم ينحر إلا بمكة أو بمنى إلا ما كان من هدي الجماع في العمرة فإنه لا ينحره إلا في قضائها أو بعد قضائها بمكة.
ومن اشترى يوم النحر شاة، أو بقرة، أو بعيرًا ولم يوقفه بعرفة ولم يخرجه إلى الحل فيدخله الحرم وينوي به الهدي، وإنما أراد أن يضحي بذلك فليذبحها ضحوة وليست بضحية؛ لأن أهل منى ليس عليهم أضاحي، وكل شيء في الحج فهو هدي؛ وما ليس في
الجزء: 5 - الصفحة: 598
الحج فهو أضاحي.
م: يريد: ولا هو هدي؛ لأنه لم ينو به الهدي ولا جمع له حل وحرم كالهدايا.
فصل [14 - من وجب عليه الهدي فعجر عنه انتقل إلى الصوم]
ومن وجب عليه الدم في حج أو عمرة فلم يجده فالصوم يجزئه منه، ولا إطعام فيه، وليس الطعام في الحج والعمرة مكان الهدي إلا في جزاء الصيد، وفدية الأذى.
وكل هدي وجب على من تعدى ميقاته، أو تمتع، أو قرن، أو أفسد حجه، أو فاته الحج، أو ترك الرمي، أو النزول بالمزدلفة، أو نذر مشيًا فعجز عنه، أو ترك شيئًا من الحج فجبره بالدم فله إذا لم يجد هديًا صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع، وله أن يصوم الأيام الثلاثة ما بينه وبين يوم النحر، فإن لم يصمها قبل النحر أفطر يوم النحر وصام الثلاثة التي بعده وهي أيام التشريق ويصل السبعة بها إن شاء، وقول الله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ يقول: من منى، وسواء أقام بمكة أم لا، وإن كان قد صام قبل يوم النحر يومًا أو يومين فليصم ما بقي عليه في أيام التشريق، فإن لم يصم الثلاثة الأيام حتى مضت أيام التشريق صام بعد ذلك إن شاء وصل الثلاثة بسبعة أو لم يصل، وإنما يصوم ثلاثة أيام في الحج كما ذكرناك المتمتع، والقارن، ومن تعدى ميقاته، أو أفسد حجه، أو فاته الحج.
م: لأن هذا الدم إنما لزم قبل الحج، فإذا لم يجده صام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة بعد ذلك.
قال ابن القاسم: وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بالمزدلفة فليصم متى
الجزء: 5 - الصفحة: 599
شاء، وكذلك الذي يطأ أهله بعد رمي جمرة العقبة وقبل الإفاضة؛ لأنه إنما يصوم إذا اعتمر بعد أيام منى، أو من مشى في نذر إلى مكة فعجز فليصم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فكيف لا يصوم في غير حج.
قال: وما صنع في عمرته من ترك ميقات أو وطء، أو ما يلزمه به هدي فلم يجده فليصم ثلاثة أيام، وسبعة بعد ذلك.
يريد: بصوم ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك.
ابن المواز: قال مالك: ومن لزمه هديان، مثل أن يقرن، ويفوته الحج، فإن وجد واحدًا صام ثلاثة أيام في إحرامه، وسبعة بعد ذلك، وإن لم يجد صام ستة أيام في إحرامه، وأربعة عشر إذا رجع.
ومن المدونة: وكل من لم يصم ممن ذكرنا حتى رجع إلى بلده وله بها مال فليبعث بهدي، ولا يجزئه الصوم، وكذلك من أيسر قبل صيامه، ومن وجد من يسلفه فلا يصوم وليستلف إن كان موسرًا ببلده.
ابن المواز: فإن لم يجد من يسلفه فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع ولا يؤخر الصيام ليهدي ببلده، فإذا صام أجزأه.
الجزء: 5 - الصفحة: 600
وقال مالك فيمن لم يجد هدياً فتصدق بثمنه فلا يجزيه.
ومن دفع الهدى حياً إلى المساكين بعد أن بلغ محله وأمرهم بنحره ورجع إلى بلده لا فاستحيوه فعليه بدله، كان واجباً أو تطوعاً، وإنما يجزئه: أن يدفعه إليهم بعد أن ينحره.
[فصل 15 - في المتمتع إذا لم يجد الهدي]
وقال مالك في المتمتع إن لم يجد الهدي: فليصم الثلاثة أيان في الحج من يوم يُحْرِم إلى يوم عرفة، وقال أيضاً: يصومها قبل يوم عرفة، فإن لم يفعل صام أيام منى، ثم له وطء أهله في ليالي أيام صيامه بمنى.
قيل لمالك: أيصوم السبعة إذا رجع إلى مكة؟ قال: إذا رجع إلى أهله أجب إلىّ إلاّ أن يقيم بمكة ويجزئه إن صام في طريقه.
قال مالك: فإن نسي الثلاثة حتى صام السبعة؟ قال: فإن وجد هدياً فأحب إلىّ أن يهدي وإلا صام.
قال أصبغ: يعيد حتى يجعل السبعة بعد الثلاثة.
م: لعله يريد: أن يعيد صوم سبعة أيام ويحتسب من السبعة الأولى بثلاثة كمن قدم السور قبل أم القرآن فإنما يعيد السورة، وكمن أطعم في كفارة الصوم ثلاثين مسكينًا مُدَّين مُدَّين فإنه يجزئه أن يطعم ثلاثين غيرهم مُدّاً مُدّاً ويحتسب بمد مما أطعم الأولين.
قال مالك: ويصوم القارن ثلاثة في الحج مثل المتمتع، ولا يجوز له أن يؤخر رجاء أن يجد هديًا، وأحبَ إليّ أن يؤخر إلى عشر ذي الحجة، أو بعده إن رجى هديًا، فإن لم يرج ذلك فليصم.
الجزء: 5 - الصفحة: 601
[الباب السادس]
في تقديم الناس أثقالهم من منى إلى مكة ووقت العمرة
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقدم الناس أثقالهم من منى إلى مكة.
وقال مالك: وإذا رجع الناس من منى نزلوا بأبطح مكة وهو معروف حيث المقبرة فيصلّوا فيه الظهر والمغرب والعشاء ثم يدخلون مكة بعد العشاء أول الليل، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم، وأحب إلي أن يفعل ذلك الأئمة.
واستحب مالك لمن يقتدي به أن لا يدع النزول بالأبطح، ووسع لمن لا يقتدي به في ترك / النزول به وكان يفتي به سراً، ويفتي في العلانية بالنزول في الأبطح لجمي الناس.
قال مالك: ومن أدركه وقت شيء من هذه الصفوات قبل أن يأتي أبطح مكة صلاها.
فصل [في وقت العمرة]
قال مالك: وتجوز العمرة في أيام السنة كلها إلا الحاج فيكره لهم أن يعتمروا حتى تغيب الشمس من آخر أيام الرمي، وكذلك من تعجل في يومين أو خرج حين زالت الشمس من آخر أيام الرمي.
الجزء: 5 - الصفحة: 602
قال ابن القاسم: وإنما سألنا مالكاً عن ذلك حين رأينا من يفعل ذلك ويزعم أن بعض الناس أفتاهم بذلك.
وقال ابن القاسم: ومن أحرم من الحاج بعمرة في أيام الرمي لم تلزمه إلا أن يحرم بعد أن تم رميه من آخر أيام الرمي وحل من إفاضته فيلزمه.
قال ابن المواز: إلا أنه لا يحل منها إلا بعد مغيب الشمس، وقال ابن القاسم، وإحلاله منها قبل ذلك باطل وهو على إحرامه، وإن وطء بعد ذلك الإحلال أفسد عمرته ويقضيها بعد تمامها ويهدي.
ومن المدونة: ومن لم يكن حاجًا من أهل الآفاق فجائز أن يعتمر في أيام التشريق؛ لأنه ليس من الحاج وإنما إحلاله منها بعد أيام منى.
قال ابن القاسم: وسواء عندي كان إحلاله منها بعد أيام منى أو في أيام منى.
قال مالك: والعمرة في السنة إنما هي مرة واحدة، ولو اعتمر بعدها لزمته، كانت الأولى من أشهر الحج أم لا، أراد الحج أم لا، أراد الحج من عامه ذلك أم لا.
قال ابن المواز: وأرجو أن لا يكون بالعمرة مرتين في السنة بأساً، وقد اعتمرت عائشة رضي الله عنها مرتين في عام واحد، فلعله ابن عمر، وابن المنكدر.
الجزء: 5 - الصفحة: 603
وكرهت عائشة عمرتين في شهر، وكرهه القاسم بن محمد.
وفرطت عائشة في العمرة سبع سنين فقضتها في عام واحد.
وروى عن علي في كل شهر مرة.
قال ابن حبيب: ولم ير مطرف بأساً بالعمرة مراراً في السنة.
وقال غير ابن حبيب: وإنما اختار مالك العمرة في السنة مرة استناناً بالنبي صلى الله عليهم وسلم لأنه اعتمر ثلاث في كل عام مرة.
وقد كره كثير من السلف العمرة في السنة مرتين.
قال مالك: العمر في ذي الحجة أفضل منها قبل الحج في أشهر الحج، ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج، وقد اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحج.
الجزء: 5 - الصفحة: 604
[الباب السابع]
جامع القول في المحصر بعدو أو مريض
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
فقيل: إن هذا إحصار مرض، ولو كان حصار العدو لقال: "حصرتم"، ومن قال إنه حصار العدو فلا حجة له بأهل الحديبية؛ لأن ما كان معهم من الهي لم يكونوا ساقوه لما عرض من حصر العدو فهو هدي قد نفذ ووجب لقوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فلم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بهدي لحصرهم.
وقال أشهب في المحصر بعدو إنه يهدي.
وقال ابن القاسم: لا يهدي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر من لم يكن معه هدي عام الحديبية أن يهدي.
قال ذلك: جابر بن عبد الله.
الجزء: 5 - الصفحة: 605
قال مالك: والمحصر بعدو غالب، أو فتنة في حج، أو عمرة يتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا أيس أن يصل إلى البيت فليحل بموضعه حيث كان من البلاد في الحرم أو غيره، ولا هدي عليه إلا أن يكون معه هدي فينحره هناك، ويحلق أو يقصر، ويرجع إلى بلده.
م: لأن النبي صلى الله عليه فعل ذلك عام الحديبية.
قال عبد الوهاب: وإنما كان لا هدي عليه: خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي؛ لأنه تحلل مأذون له فيه بغير تفريط فيه وخفيف ذلك عنه كما خفف عنه التحلل من الإحرام.
قال مالك في المدونة: ولا قضاء عليه لحج ولا عمرة إلا أن يكون صرورة فلا يجزئه ذلك من حجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام من قابل.
م: قال عبد الوهاب: وإنما قال: لا قضاء عليه خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه ممنوع من فعل المناسك بيد غالبة فلم يلزمه قضاء / أصله إحرام العبد بغير إذن سيده؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم تحلل هو وأصحابه ولم يأمر أحداً منهم بالقضاء ولا روي عنهم أنهم قضوا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخر حلاق رأسه حتى رجع إلى بلده حلق ولا
الجزء: 5 - الصفحة: 606
دم عليه.
قال ابن القاسم في موضع آخر في المحصر بعدو قبل أن تمضي أيام الحج لا يكون محصراً حتى يفوته الحج أو يصير إن خلي لم يدرك الحج فيما بقي من الأيام فيكون محصراً ويحل مكانه ولا ينتظر ذهاب الحج.
م: وهذا والأول سواء، ومعنى قوله: إذا يئس أن يصل: معناه: فيفوت الحج، أو إن خلي لم يدركه، وقاله بعض شيوخنا.
وقال غيره: بل ذلك اختلاف قول، والأول أبين.
قال بعض شيوخنا: والريح إذا تعذر على أصحاب السفن ليس هو كحصار العدو، وهو مثل المرض لأنهم يقدرون على الخروج في البر فيمضون لحجهم.
فصل [1 - فيمن أحصر بعد أن وقف بعرفة]
قال ابن القاسم: ومن أحصر بعد أن وقف بعرفة، قال سحنون: يريد: أحْصر بمرض، وكذلك لمالك في كتاب ابن حبيب أنَه أُحْصر بمرض.
قال أبو محمد: يريد: وتم وقوفه إلى غروب الشمس فقد تم حجه، ويجزئه من حجة الإسلام، ولا يحله إلا طواف الإفاضة، وعليه لجميع ما فاته من رمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى هدي واحد، كمن ترك ذلك ناسياً حتى زالت أيام منى.
قال ابن المواز: ولو كان بعدو لم يهد.
الجزء: 5 - الصفحة: 607
م: وقع في كتاب ابن المواز عن ابن القاسم في هذه المسألة في موضع: أنه أحصر بمرض، وفي موضع آخر: أنه بعدو، وحكي عن أبي محمد أنه قال: قوله بعدو: أصوب، ويكون عليه هدي واحد لجميع ما فاته.
وأما المصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة فإنه يحل ولا دم عليه عند ابن القاسم.
والفرق بينهما: أن المصدود بعدو بعد وقوفه بعرفة يجزئه من حجة الإسلام، يريد: إذا رجع فطاف للإفاضة ويرجع حلالًا إلاّ من النساء والصيد والطيب، قال أبو محمد: والمصدود بعدو قبل وقوفه بعرفة لا يجزئه من حجة الإسلام فافترقا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وإذا أحرم مكي بالحج من مكة أو دخل مكة معتمرًا ففرغ من عمرته ثم أحرم بالحج من مكة فأحصر قال سحنون بمرض - حتى فاته الحج فلابد له من الحل ويعمل على العمرة ويحج قابلًا ويهدي.
قال ابن المواز: وأما من دخل مفردًا بالحج أو قارناً ثم فاته الحج بعد أن طاف وسعى أو قبل فلا يخرج إلى الحل لأنه منه دخل بذلك الإحرام الذي يفسخه في عمرة فيحل بأن يطوف ويسعى ثانية ويحلق، وإنما يخرج إلى الحل من دخل أولاً بعمرة ثم قرن في الحرم أو بمكة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تمتع فأحرم بالحج من مكة، ثم فاته الحج فإنه يخرج إلى الحل ويعمل فيما بقي عليه ما يعمل المعتمر ويحل.
الجزء: 5 - الصفحة: 608
قال: والمحصر بمرض إذا فاته الحج لا يقطع التلبية حتى يدخل أوائل الحرم ولا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنين ويقيم حتى يصح ويفسخ ذلك في عمرة.
م: والفرق بين المحصر بعدو أنه يحل مكانه، والمحصر بمرض لا يحله من إحرامه إلا البيت وإن تطاول ذلك به سنينًا: لأن الواجب على من أحرم بحج أو عمرة إتمام ما دخل فيه لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، إلا أن يأتي ما لا يمكن الوصول معه إلى البيت وهو خوف العدو فيحل مكانه، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فأما المرض ونحوه فإنه يمكنه معه الوصول إلى البيت، لأن المرض لا يحول بينه وبين الذهاب إلى البيت كما يحول العدو بينه وبين البيت.
ولأن خوف العدو يرفعه ورجوعه عنه، ولا يرفع المرض تحلله، فلا فائدة فيه، وهو إن احتاج إلى دواء فيه طيب، أو إلى حلق، أو لباس فعل ذلك وافتدى، فوجب لذلك إلا يحلله إلا البيت، وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾.
قيل: محل الشعائر من الإحرام وغيره من شعائر الحج والخروج منها بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة، فكان ذلك مفارقاً لإحصار العدو.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تمادى مرضه إلى حج قابل فمضى على إحرامه الأول وحج به أجزأه من حجة الإسلام ولا دم عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 609
قال: وإذا كان مع المحصر بمرض هدي حبسه حتى يصح فينطلق به معه إلا أن يصيبه من ذلك مرض فتطاول عليه ويخاف على الهدي فليبعث به ينحر بمكة ويقيم هو على إحرامه، فإذا صح مضى، ولا يحل دون البيت، وعليه إذا حل وقد فاته الحج هدي آخر مع حجة القضاء، ولا يجزي عنه هدية الذي بعث به.
قال مالك: ولو لم يبعث به ما أجزأه ذلك الهدي الذي وجب عليه من فوات الحج.
م: لأن ذلك الهدي قد كان أوجبه هدياً فلا يجزئه لما فاته، ويجب عليه في المستقبل.
قال مالك: ومن دخل مكة مفرداً بالحج فطاف وسعى، ثم خرج إلى الطائف / في حاجة له قبل أيام الموسم، ثم أحصر بمرض، أو كان لما دخل مكة وطاف وسعى بين الصفا والمروة أحصر بمكة ولم يحضر الموسم مع الناس لم يجزه الطواف الأول والسعي من إحصاره، ولا يحل إلا بطواف وسعي مؤتنفين، وكذلك من أحصر بمرض ففاته الحج وقدم مكة فطاف فعليه أن يسعى ولا يحل أحد ممن احصر بمرض إلا بعد السعي ثم يحلق.
وانحصر بمرض إذا أصابه أذى فلحق فلينحر الأذى حيث أحب.
الجزء: 5 - الصفحة: 610
قال ابن القاسم: كنت عند مالك سنة خمس وستين ومائة فسئل عن قوم اتهموا بدم وهم محرمون فحبسوا بالمدينة فقال: لا يحلهم إلا البيت ولا يزالوا محرمين في حبسهم حتى يقتلوا أو يخلوا فيحلون بالبيت.
م: وهذا بحصار العدو أشبه منه بإحصار المرض، ولو قاله قايل لم أعبه.
قال ابن القصار: هؤلاء إما أن يكونوا حُبِسُوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم مفرطون فذلك كالفوات، وإن كانوا مظلومين فلا أعرف فيهم نصاً فيحتمل أن يحلو من إحرامهم ولا قضاء عليهم، كمن منعه العدو، وهذا هو القياس.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهم وبين حصر العدو من وجهين:
أحدهما: إن هذا قد حصر حصراً خاصاً لم يعدم معه ما هو شرط في وجوب الحج وهو سلوك الطريق لأن الطريق مسلوكة.
والوجه الثاني: إن الحصر إذا كان خاصًا فليس في إيجاب القضاء مشقة شديدة، وإذا كان عامًا ففي إيجاب القضاء مشقة شديدة فلم يجب فيه القضاء.
م: والصواب عندي: أنهم إن حبسوا بظلم أنهم بحصار العدو أشبه؛ لأنه حبس من قبل آدمي، وإن حبسوا بحق فمن قبلهم أوتوا فهم كالمفرطين حين فاتهم الحج فيجب عليهم القضاء، وهو معنى قول مالك، والله أعلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 611
فصل [3 - فيمن أخذ مالًا ليحج به عن ميت فصده عن البيت عدو]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت فصدّه عن البيت عدو، فإن كان أخذه على البلاغ ردّ ما فضل عن نفقته ذاهباً ورجعاً.
وإن كان أجيراً كان له من الأجر بحساب مسيره إلى الموضع الذي صدّ فيه ورد ما بقي.
قال مالك: ولو مات الأجير في الطريق فإنه يحاسب، فيكون له من الأجر بقدر ما بلغ من الطريق ويردّ ما فضل.
قال ابن حبيب: وإن أحصر الأجير بمرض فنفقته على نفسه ما أقام مريضاً حتى يصل إلى البيت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أُحْصِر صاحب البلاغ بمرض فلا شيء عليه وله نفقته من مال الميت ما أقام مريضاً، وإن أقام إلى حج قابل أجزأ ذلك عن الميت، وإن لم يقم إلى حج قابل وقوي على الذهاب قبل ذلك إلى البيت فله نفقته.
الجزء: 5 - الصفحة: 612
قال ابن حبيب: وإن مات في الطريق فله ما أنفق إلى أن مات أنفق قليلاً أو كثيراً.
فصل [3 - في خروج المرأة إلى الحج]
ومن المدونة قال مالك: وتحج المرأة مع وليها فإن أبى أو لم يكن لها ولي ووجدت من تخرج معه من رجال أو نساء مأمونين فلتخرج.
م: إنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا تسافر المرأة سفر يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم منها»، والضيعة نصيبها أو كما قال: فإذا لم يكن لها ذو محرم فوجدت رجالاً ونساء مأمونين فقد أمنت مما يخاف عليها كأنها مع ذي محرم.
الجزء: 5 - الصفحة: 613
[الباب الثامن]
جامع القول في الوصية بالحج
قال أبو محمد: ولما لم يأت عن الرسول صلى الله عليه وسلم ولا عن سلف الأمة أن أحداً صلى عن أحد حيّ أو ميت كان الحج عنهما ضعيفاً إذ فيه صلاة وعمل بدون سيما في الفريضة.
والقائلة للنبي صلى الله عليه وسلم: إن فريضة الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يثبت على الراحلة فأذن لها أن تحج عنه ليس بأصل لهذا؛ لأن أباها لم تكن وجبت عليه الفريضة قط، والآخر: إنما يحج عن من وجبت عليه مرة مع احتمال سؤالها أنه بعد موت أبيها، وفي غيره من الأحاديث تبين أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما أذن أن يحج عن قد مات.
قال مالك: ولا ينبغي أن يحج أحد حي زمن، أو غيره، ولا أن يتطوع به عن ميت، صرورة كان المحجوج عنه أم لا، / ويتطوع عنه بغير ذلك أحب إلي،
الجزء: 5 - الصفحة: 614
يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق.
قال في كتاب ابن المواز: وهذه دار الهجر لم يبلغنا أن أحداً فيها منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم حج عن أحد ولا أمر بذلك ولا أذن فيه.
قال فيه وفي المدونة: إلا أن يوصى به فينفذ عنه من ثلثه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يلزم الحج عنه من رأس ماله أوصى به أولم يوص إذا مات قبل أن يحج.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ معناه: أن يحجوا البيت، وذلك ممتنع بعد الموت، وقوله صلى الله عليه وسلم: «من مات قبل أن يحج فليمت إن شاء يهودياً، وإن شاء نصرانياً»، فلو لزم الحج عنه من ماله لم يغلظه هذا التغليظ، ولأنها عبادة على البدن، فلم يلزم أداؤها عنه في المال كالصلاة؛ ولأنها عباد تدخلها الكفارتان فلم تلزم بعد الموت كالصيام.
الجزء: 5 - الصفحة: 615
قال أشهب: وإذا دفع رجل صحيح إلى رجل ليحج عنه لزمهما ذلك، وإنما يكر بدء فإذا نزل لم يرد لما فيه من الاختلاف.
قال عبد الوهاب: وتصح الإجازة عندنا على الحج خلافاً لأبي حنيفة؛ لأنها عبادة تتعلق بالمال، وتصح النيابة فيها، فيصح أخذ الأجرة عليها، ولأنه لما صحت النيابة فيها بغير أجر جازت بالأجر، وقياساً على أخذ الأجر على القضاء وبناء القناطر والمساجد.
قال ابن وهب: يحج عن الأبوين، أو عن ولده، أو عن أخيه، أو عن غيرهم من القرابة القريبة.
قال أبو محمد: يريد: عن الموتى تطوّعاً.
قال ابن حبيب: وقد جاءت الرخصة في ذلك في الحج عن الكبير الذي لا منهض فيه ولا يحج، أو عن من مات ولم يحج أن جائزاً لابنه أن يحج عنه وإن لم
الجزء: 5 - الصفحة: 616
يوص ويجزئه إن شاء الله، والله أوسع بعباده وأحق بالتجاوز.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أوصى رجل أن يحج عنه فليحج عنه من قد حج عن نفسه أحبّ إليّ، قال ابن القاسم: فإن جهلوا فاستأجروا من لم يحج أجزأه عنه، وكذلك إن أوصى بعمرة أنفذ أيضاً.
ابن المواز: وقال أشهب: لا بأس أن يستأجر له صرورة ممن لا يجد السبيل إلى الحج، فأما من يجد السبيل إليه فلا ينبغي أن يعان على ذلك، فإن أحجّوه عنه أساءوا ويجزئه.
قال عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يحرم عن غيره: «حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة».
فإن حج عن غيره كانت لمن حج عنه، خلافاً للشافعي في قوله: إنها تنقلب فتكون له دون من أحرم عنه.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته أن تحج عن أبيها، فقال: «أرأيت لو كان على أبيك
الجزء: 5 - الصفحة: 617
دين فقضيتيه أكان ينفع؟» قالت: نعم، فقال: «فكذلك هذا»، ولم يشترط أن تكون قد حجت عن نفسها.
ولأن بقاء الفرض عليه لا يمنعه أن يتطوع، أصله إذا صام تطوعاً وعليه قضاء رمضان، ولأنه إذا أحرم من غيره لم ينقلب عن نفسه، أصله إذا كان قد حج.
ابن المواز: وقال مالك في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، فإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ثلثها الحج، قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزيء ذلك عن الميت، وعليه أن يحج أخرى عن الميت كما استؤجر.
م: وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: ويلزمه أن يحج عنه من الموضع الذي استؤجر فيه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه إنما خرج لذلك.
م: والذي أرى: أنه إن رجع فأحرم من ميقات الميت فإنه يجزئه؛ لأنه منه تعدى فأحرم عن نفسه، وكان الواجب عليه أن يحرم منه عن من استأجره فإذا رجع فأحرم منه عنه فلم ينقصه مما شرط عليه.
وقد قال مالك في كتاب محمد فيمن شرط عليه أن لا يقدم قبل الحج عمر فقدن عمرة وتمتع فذلك يجزي عنه ولا حجة عليه.
الجزء: 5 - الصفحة: 618
وقال ابن القاسم: عليه أن يوفيهم ما شرطوا أو يرد عليهم ما قبض منهم، ثم رجع إلى قول مالك أن يجزي عنه.
قال في الأسدية: إن اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه إلا أن يشترط عليه أن يحرم عنه من أفق من الآفاق أو من المواقيت فليرجع ثانية.
وقال في العتبية: سواء اشترطوا عليه أن يُحرِم عنه من ذي الحليفة أو لم يشترطوا، وأراه ضامناً للحج؛ لأن من استؤجر على الحج عن ميت فعليه أن يحرم من ميقات الميت.
قال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت وأحرم عن الميت من الميقات أجزأ ذلك، وإن حج عن الميت من مكة فعليه البدل.
ومن المدونة قال: ولو قرن ونوى بالعمرة عن نفسه، والحج عن الميت ضمن المال؛ لأنه أشرك في عملهم غير ما أمروه به، وعليه دم القران.
قال ابن المواز: رجع ابن القاسم عن قوله يرد المال، وقال: يضمن حتى يحج ثانية.
م: وحكي عن أبي الحسن بن القابسي أنه قال: الفرق بين هذه المسألة وبين
الجزء: 5 - الصفحة: 619
المسألة التي اعتمر فيها عن نفسه وحج عن الميت من مكة على قوله في هذه يرد المال؛ لأن الذي يحج عن الميت من مكة قد حج عن الميت لا شك فيه، وإنما أخطأ في العمل حين أحرم من مكة فأمر بالعودة، والذي قرن خائن؛ لأن القران إنما هو في القلب، فيقال له: أنت قد خنت في نّيتك فلا يبقى المال بيدك حين ظهرنا على خيانتك وفساد عملك.
وقال ابن حبيب: إذا أخذ المال على البلاغ فقرن أو تمتع فقد أساء ولا يضمن وعليه في ماله هدي.
ولو اعتمر عن نفسه، ثم حج عن الميت، أو قرن ينوي العمرة فقط عن نفسه لضمن المال في الوجهين.
م: فصار في الذي اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة ثلاثة أقوال: قول: إنه يجزئه، وقول: إنه يعيد عن الميت، وقول: إنه يضمن المال.
وإن قرن ونوى بالعمرة عن نفسه فقولان: قول: إنه يضمن المال، وقول: إنه يعبد عن الميت.
قال ابن المواز: روى أبو زيد عن ابن القاسم أنه قال في الذين جهلوا فاستأجروا صرورة ممن لا يجد السبيل لحج ونوى بالحجة عن نفسه وعن الميت فإنه يجزئه عن نفسه، ويعيد عن الميت.
وروى عنه أصبغ: أنه لا يجزئه عن واحد منهما، وقاله أصبغ، وليرجع ثانية الميت، وبه أخذ محمد.
قال ابن القاسم: وإن استؤجر لحج عن ميت فوطأ في الحج فليرد النفقة ويتم ما هو
الجزء: 5 - الصفحة: 620
فيه من ماله ويحج ثانية للفساد من ماله ويهدي، ثم يحج عن الميت بتلك النفقة إن شاء الورثة، وإن شاءوا استأجروا غيره، وقالوا أشهب.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أفسد حجه بإصابة أهله فعليه القضاء بحجة صحيحة من ماله، وسواء استؤجر عليها، أو أخذ المال على البلاغ.
م: وهذا يجري على اختلافهم فيمن أفسد حجة القضاء، أو أفسد يوماً من قضاء رمضان.
قال في العتبية: وإن كان إنما أصابه أمر من الله تعالى ليس من قبله مثل أن يمرض أو ينكسر فإنه يقضي ذلك الحج عن الميت أحبّ إلي، وسواء كان استؤجر مقاطعة، أو أخذ المال على البلاغ.
وكذلك الذي يحصر حتى يفوته الحج أو يختفي عليه الهلال حتى يفوته الحج.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز في الذي يحصر عن الميت بعدوّ: أنه إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته حتى يحل بموضعه وحتى يرجع، ويرد ما فضل، وإن كان أجيراً حوسب وكان له من الأجر بقدر مسيره وردّ ما فضل وهو رأيي.
وقال مالك في أجير الحج يموت في الطريق فإنه يحاسب بقدر ما سار ويرد ما فضل.
قلت: فإن أحصر بمرض؟
الجزء: 5 - الصفحة: 621
قال: إن أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت وإن أقام إلى حج قابل ويجزئ ذلك عن الميت، وذلك إن لم يقدر على الذهاب إلى البيت، وإن قدر أن يذهب إليه فليذهب حتى يحل بعمرة ولابد له من ذلك وله نفقته، وكذلك إذا أغمى عليه حتى فاته الحج.
ابن المواز: وإن أخذ المال على الإجارة فذلك لازم له أبداً.
فصل [1 - يصح حج المرأة عن الرجل والعكس ولا يجزئ أن يحج عبد أو صبي عن من لم يحج].
قال في كتاب الوصايا: وتحج المرأة الحرة عن الرجل، والرجل الحر عن المرأة، ولا يجزي أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق ويضمن الدافع إليهم إلا أن يظن أن العبد حر، وقد اجتهد ولم يعلم فإنه لا يضمن.
وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله به.
قال: وإن أوصى غير الصرورة أن يحج منه عبد أو صبي بمال فذلك نافذ ويدفع إليه ذلك ليحج عنه إن أذن السيد للعبد أو الوصي للصبي وذلك أنه كتطوع أوصى به فهو لو لم يكن صرورة وأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد، فهذا مثله، وإن كان على الصبي فيه مشقة أو ضرورة فلا يأذن له فيه وصيه، وكذلك إن لم يستطع، أو كان ليس بنظر له، وذلك كإذنه له في سفر لتجارة.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن له في هذا.
الجزء: 5 - الصفحة: 622
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال لبلوغه، فإن حج به وإلا رجع ميراثاً؛ لأنه قصد التطوع إذا أوصى بحج الصبي والعبد.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو كان صرورة حتى يعلم أنه للفريضة لأنفذ ذلك لغيرهما مكانه، ولا ينتظر به عتق العبد ولا بلوغ الصبي، لأن العبد، والصبي ممن احج لهما.
وكذلك إن أوصى بعتق عبد فلم يبعه، فإن كان في واجب / جعل في غيره، وإن كان تطوّعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
قال ابن القاسم: ولو أوصى الصرورة أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه فليحج عنه غيره، بخلاف المتطوع الذي قد حج، هذا إن أبى الرجل رجع المال ميراثاً، كالموصى له بمال فردّه، أو يوصي بشراء عبد بعينه للعتق فلا يبعه ربه.
وقال غيره: لا يرجع ميراثاً، وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه، بخلاف الوصية لمسكين بعينه بمال فرده، أو بشراء عبد بعينه للعتق.
وإن أوصى أن يحج عنه وارث بثلثه أنفذ الحج ولم يزد على النفقة والكراء شيئاً، يريد: ذاهباً وراجعاً.
الجزء: 5 - الصفحة: 623
ومن كتاب الحج قال مالك: ومن حج عن ميت فالني تجزئه وإن لم يقل لبيك عن فلان.
ومن حج عن ميت فترك من المناسك شيئاً يجب فيه الدم، فإن كانت الحجة لو كانت عن نفسه أجزأته فهي تجزيء عن الميت.
وكل ما لم يتعمد من ذلك أو فعله لضرورة فوجب به عليه هدي، أو أغمى عليه أيام منى حتى رمى عنه غيره، أو أصابه أذى فأماطه فلزمه فدية، كانت الفدية، والهدي في مال الميت، وهذا كله في أخذه المال على البلاغ، وما وجب في ذلك بتعمده فهو في ماله.
ومن أخذ مالاً ليحج به عن ميت على البلاغ فسقطت منه نفقته رجع من سقطت منه، ونفقته في رجوعه عليهم.
وفي رواية أخرى: عليه، وقال ابن حبيب.
والرّواية: أنها عليهم أحسن، وكذلك ذكر ابن المواز عن ابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو كان في الثلث بقية ما كان عليهم أن يحجوا غيره.
وقال أشهب: عليهم أن يحجوا غيره من بقية الثلث، كالوصية بالعتق يموت العبد بعد أن يشتري قبل العتق فيعتق من بقية الثلث عبد آخر.
ومن المدونة: قال مالك: وإن تمادى هذا الذي سقطت نفقته ولم يرجع فهو متطوع ولا شيء عليهم في ذهابه، قال ابن اللباد: ولا في رجوعه إلى موضع سقوطها منه، وله من ذلك الموضع إلى بلوغه.
الجزء: 5 - الصفحة: 624
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن تسقط نفقته بعد إحرامه فليمض؛ لأنه لما أحرم لم يستطع الرجوع، وينفق في ذهابه ورجوعه ويكون ذلك على الذي دفع إليه المال ليحج به عن الميت.
وقال ابن حبيب: يكون ذلك في مال الميت ذاهباً وراجعاً، فإن لم يكن له مال فعلى من دفع المال إلى هذا الحاج.
وقال ابن شبلون وابن القابسي: الصواب أن يكون المال على الوصي الذي دفع إليه المال على البلاغ؛ لأنه غرر في الدفع إليه على البلاغ وكان الصواب أن يدفعه إليه على الإجارة ولا يكون شيء من ذلك في مال الميت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أخذه على الإجارة فسقطت فهو ضامن للحج أحرم أو لم يحرم.
ابن المواز: قال مالك: ومن أخذ مالاً على البلاغ فله أن يُنْفِقَ ما لابد له منه مما يصلحه من الكعك والزيت والخل واللحم المرّة بعد المرّة وشبه ذلك والوطاء واللحاف والثياب، فإذا رجع ردّ ما فضل من ذلك كله.
والكراء على البلاغ والإجازة في الكراهية سواء، وأحبّ إلينا أن يؤاجر نفسه بشيء مسمى لأنه إذا مات حوسب بما سار وأخذ من تركته ما بقي وكان هذا أحوط من البلاغ وليس له أن يؤاجر من ماله غيره؛ لأنه شرط عليه أن يحج بنفسه فانفسخ ذلك بموته إلا أن يكون إنما جعله في ذمته.
الجزء: 5 - الصفحة: 625
م: قال بعض شيوخنا: وإذا استؤجر على الحج مطلقاً كان ذلك محمولاً على أنه في ذمته حتى يشترط أنه بعينه يحج.
م: وهذا كقول ابن المواز إذا أكرى منه على أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة وقد أحضرها ولا يعلم له غيرها أن ذلك في ذمته حتى يقول له: تحملني على دابتك هذه فيكون قد عيّن.
وقال غيره من القرويين في المكري عن الحج: بل ذلك يقتضي التعيين إذا وقع مطلقاً، كمن يؤجر داره، أو نفسه في خدمة أن ذلك على الفور ويقتضي التعيين، واستحسنه بعض أصحابنا.
وحكي عن أبي محمد فيمن استؤجر أن يحج عن ميت ولم يذكر له متى يخرج: أنا إجازة لا تجوز؛ لأن يصير كأنه متى شاء خرج، إلا أن يشترط عليه الشروع فيجوز.
وذكر عن أبي الحسن بن القابسي فيمن دفع إليه مال ليحج به عن ميت فصدّ عن البيت / أو مات في الطريق فأعطي بقدر إجارته إلى ذلك الموضع فإنما يستأجرون للميت مرّة أخرى من ذلك الموضع الذي صد فيه أو مات.
وسئل أبو محمد فيمن استؤجر ليحج عن ميت فصدّ عن الطلوع، فأراد المقام إلى قابل لوفاء ما استؤجر عليه، هل ترى حجه قابلاً مجزئاً عن الميت؟.
فقال: الحج مجزيء عن الميت، وليس ينتهي إلى ما قيل لكم إنه فسخ الدين في الدين إذا لم يعملا عليه، وقد قال أصحابنا: إن عليه الحج ويصير مطلوباً، فكيف بهذا؟ ولكن لو تحاكما لوجبت المحاسبة، فإن لم ينظر في ذلك حتى أجزأ عن الميت.
الجزء: 5 - الصفحة: 626
فصل [3 - في الموصي يسمي قدراً معلوماً ليحج به عنه فتفضل منه فضلة]
ومن أوصى أن يحج عنه بهذه الأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل ليحج على البلاغ ففضلت منها عشرون ديناراً فليرد إلى الورثة ما فضل كمن قال: أعتقوا عني عبد فلان بها فيبيعه بثلاثين.
قال ابن المواز: إذا سمي ما يعطى فذلك كله للموصى له إلا أن يرضى بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يحج عني فلان بهذه الأربعين فدفعوها إليه على البلاغ ففضلت عشرون ديناراً، أو قال: يحج بها رجل فيرضى بدون ذلك بعد علمه بالوصية، فأما إن قال: حجوا بها عني، أو قال: يحج بها عني فها هنا تنفذ كلها في حجتين، أو ثلاث، أو أكثر، ولو جعل ذلك في حجة واحد كان أحسن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستأجروه بثلاثين فحج، فالعشرة الفاضلة ميراثاً؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى أن يشتري له غلام بمائة دينار فيعتق فاشتروه بثمانين أن البقية ميراث.
قال ابن المواز: إنما هذا إذا عرف صاحب الغلام والذي يحج بما أوصى له به من الثمن فيرضى بدونه وإلا فالوصية نافذة.
الجزء: 5 - الصفحة: 627
ومن المدونة: قال مالك: ومن دفع إليه رجل أربعة عشر ديناراً يتكارى بها من المدينة من يحج عن ميت فاكترى له بعشرة فليرد الأربعة إلى من دفعها إليه ولا يردها على الذي حج عن الميت.
ابن المواز: قال أشهب فيمن أوصى أن يحج عنه بثلثه ولم يقل حجة واحدة، والثلث كثير، وهو صرورة فليدفع الثلث كله في حجة واحدة، وإن كان غير صرورة فأستحسن أن يدفع الثلث كله في حجة أيضاً، وإن حج به عنه حججاً لم أر بذلك بأساً.
وقال ابن القاسم في العتبية: يعطى الثلث إن كان كثيراً في حجج لرجال يحجون به حججاً.
ابن المواز: قال أشهب: ويحج عن الميت من موضع أوصى كالحالف يحنث إن لم تكن له نّية فليمش من موضع حلف عنه من أمام ذلك إلى مكة ضمنوا وليحجوا عنه من موضع مات.
ومن استؤجر ليحج عن ميت ثم بدى له لما بلغه ذلك من الكراهية فقال ابن القاسم: إن الإجازة تلزمه.
قال ابن القاسم: ومن أوصى أن يحج عنه بمال فلم يوجد من يحج به من مكانه لقلته فليدفع من موضع يوجد، ولو سمى الميت فقال: من الأندلس أو من بلد كذا فلم
الجزء: 5 - الصفحة: 628
يوجد من يحج بها عنه رجعت ميراثاً، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتيبة أنه فَرَّق بينه إذا سمى وإذا لم يسم.
ابن المواز: قال أشهب: بل يتقدم بها إلى بلد يوجد من يحج بها منه يلزم ذلك الورثة.
قال ابن المواز: إن كان صرورة فقول أشهب أحسن، وإن لم يكن صرورة فهو ميراث إذا عرفت عزيمة الميت أنه أراد من موضع سمى.
وقال أصبغ كقول أشهب أن ذلك سواء سمى الميت بلداً أو لم يسم، وليتقدم بها من موضع يبلغ، قال أصبغ إلا أن يستثني الميت ألاّ يحج إلا من البلد الذي ذكره ويعلم ذلك من مذهبه.
فصل [3 - فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها]
ابن المواز: قال مالك فيمن أوصى أن يمشي عنه في يمين حنث فيها فليهد عنه هذيين وإن لم يجد فهدي واحد، ولا يمشي أحد عن أحد.
قيل: فإن أوصى بذلك ولده فوعده الابن أن يمشي عنه؟ قال: فليتم له ما وعده، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية إذا أوصى أن يمشى عنه فليهدي عنه هديين، فإن لم يجد فهدي واحد، وقال سحنون: لا يلزمه الهدي إلا أن يوصي به.
الجزء: 5 - الصفحة: 629
قال ابن القاسم: وقال مالك فيمن مشى عن أحد وحج عن نفسه وهو صرورة: أجزأت عنه حجة الفريضة ولم يضره مشيه الذي مشى عن أحد، قال ابن القاسم: لأنه لا يمشي أحد عن أحد بخلاف أن لو مشى عن نفسه وعن حجة الفريضة/ هذا يجزئه مشيه لنذره وعليه حجة الإسلام.
قال ابن القاسم فيمن عليه أن يمشي حافياً وأوصى أن يُسْأل عن يمينه فينفذ عنه ما يلزمه قال: ينظر إلى كفاف النفقة والكراء إلى مكة فيهدي عنه به هدايا.
فصل [4 - الحج واجب على الفور]
ومن المدونة قال مالك: وينبغي للأعزب يفيد مالاً أن يحج به قبل أن يتزوج، وحجه به أولى من قضائه ديناً على أبيه.
م: إنما قال ذلك؛ لأن الحج عندنا على الفور ولا يجوز تأخيره للقادر عليه إلا من عذر.
وقال الشافعي: هو على التراخي فإن شاء فعله وإن شاء تركه طول عمره بشرط العزم على أدائه من غير وقت معين ولا إثم عليه إن مات ولم يحج.
ودليلنا: أن الأمر عندنا على الفور؛ لأن الأمر لما اقتضى إيقاع الفعل، وكان الفعل لابد له من زمان يقع فيه ولا ذكر له في اللفظ بتقديم ولا تأخير وكانت الأفعال تختلف
الجزء: 5 - الصفحة: 630
أحكامها باختلاف أوقاتها فيكون الفعل في وقتٍ طاعة وفي وقتٍ معصية وأجمعوا على أنه إذا وقع في الوقت الأول فقد أُوْقع فلم يثبت ما عداه وقتاً إلا بدليل، ولأن الأمر لما اقتضى الإيقاع ولم يقع للترك ذِكْر، وجب فعله عقيب الأمر، ولأنّ تأخيره لو جاز لم يخل أن يكون إلى غاية أو إلى غير غاية، فإن كان إلى غاية فذلك توقيت وخلاف التراخي، وإن كان لا إلى غاية لم يخل المكلف إذا مات قبل الفعل أن يكون آثما أو غير آثم، وفي القول بأنه آثم وجوب المنع من جواز الترك، وفي القول بأنه غير آثم إخراج الفعل عن الوجوب إلى الندب الذي يكون للمكلف تركه إلى غير غاية ثم لا يأثم إذا كات قبل أن يفعله ولا يعصمه عن هذا إثبات العزم على الإيقاع في المستقبل لأن في ذلك إيجاب لما لم يوجبه الأمر وإسقاط ما أوجبه من العمل.
ولأن أهل اللغة يستحسنون ذم العبد إذا أمره سيده بفعل فتركه وتراخى فيه ولا يذمون السيد على ذمه وضربه له ويعللونه بتراخيه وينسبونه إلى الونى والتقصير وذلك على أنه عندهم على الفور.
ودليلنا في نفس المسألة قوله صلى الله عليه وسلم: «حجوا قبل أن لا تحجوا» وقوله: «من أمكنه الحج ثم مات ولم يحج فليمت إن شاء الله يهودياً أو نصرانياً» هكذا علله
الجزء: 5 - الصفحة: 631
حذَّاق البغداديين.
فصل [5 - هل يلزم الأجير الإشهاد عند إحرامه بأنه أحرم عن فلان؟]
وسئل أبو عمران الفاسي عن الأجراء على الحج هل عليهم أن يشهدوا أنهم أحرموا عن من استأجرهم؟ فقال: ليس ذلك عليهم، قال: فإن لم يشهدوا، وذكروا أنهم قد حجوا عنه قال: يدخل ذلك اختلاف مسألتي كتاب الأكرية فيمن استؤجر على توصيل كتاب إلى موضع فيدعي أنه قد وصله.
فرأى أن هذين القولين يدخلان هذه المسألة.
وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: يلزمه الإشهاد؛ لأن عرف الناس قد جرى على الإشهاد في ذلك فهو كالشرط عليهم إذ عليه يدخلون بخلاف ما قال ابن القاسم في كتاب الأكرية.
ثم كتاب الحج الثاني من الجامع بحمد الله وعونه، وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
الجزء: 5 - الصفحة: 632