الجامع لمسائل المدونةكتاب الهبة والهبات
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الهبة

الباب الأول: في ما يلزم من الهبة والعدة وما لا يلزم

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)).
قال ربيعة: ومن قال: اشهدوا أن لفلان في مالي صدقة مئة دينار لزمه ذلك إن حملها ماله، وإلا لم يتبع بما عجز به.
ورأى ابن شهاب: أن من وهب لرجل من عطائه وكتب له بذلك كتابًا فلا رجوع له فيما أعطى.
وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (ومن وهب هبة لصلة رحم أو على وجه الصدقة فإنه لا يرجع فيها).
وقضى عمر بن عبد العزيز: أن الصدقة ليس لصاحبها أن يرجع فيها.

الجزء: 19 - الصفحة: 583

[(1) فصل في رجوع الذمي عن هبته لذمي قبل دفعها، وكيف إن كان أحدهما مسلمًا وفي صدقة النصراني] ومن المدونة: وإذا وهب ذمي لذمي هبة فلم يدفعها حتى بدا له فذلك له؛ لأنها عطية لم تحز، وقد قال غير واحد من العلماء ممن يؤخذ بقوله: إن ذلك لا يُقضى به بين المسلمين فيما لم يحز فكيف بأهل الذمة.
قال ابن القاسم: ولو كان أحدهما مسلمًا لقُضي على المعطي بدفعها للمعطى.
وكان أشهب يضعف صدقة النصراني وإن كانت على مسلم إن كان من أهل العنوة، وإن رجع فيها قبل أنه تحاز عنه فذلك له.
[(2) فصل فيما يؤمر به للسائل فيوجد قد ذهب وكيف إن لم يقبله، وفيمن وعد شخصًا بمال إلى أمد فذهب فلم يجده] [المسألة الأولى: فيما يؤمر به للسائل فيوجد قد ذهب وكيف إن لم يقبله] ومن كتاب محمد ابن المواز قال مالك: في السائل يقف بالباب فيؤمر له بالكسرة أو بالدراهم فيوجد قد ذهب، فأرى أن تُعطى لغيره، وما هو بالواجب، ومن خرج إلى مسكين بشيء، فلم يقبله فليعطه لغيره، وهو أشد من الأول.

الجزء: 19 - الصفحة: 584

[المسألة الثانية: فيمن وعد شخصًا بمال إلى أمد فذهب فلم يجده] ومن سأل رجلاً شيئًا فوعده إلى غد فيأتيه فلا يجده، فإن أراد بذلك وجه الله تعالى فلينفذه إلى غيره، وكذلك لو سأله بعض أقاربه بصلة فوعده ثم ذهب إليه فلم يجده، فأحب إلي أن يُنفذه إلى غيره، وليس بواجب.
[(3) فصل في الرجوع عن الوعد، وفيمن أدخل غيره بوعد في أمر لازم، وفيمن سأل غيره عارية دابته إلى حاجة كذا، وكيف إن لم يبين الحاجة] [المسألة الأولى: في الرجوع عن الوعد] قال مالك: ومن قال لمديان أو غيره: أنا أسلفك، أنا أعيرك، أنا أهبك، فلا يلزمه.
وقد رغب عن مكارم الأخلاق، ولا أدري كيف ذلك فيما بينه وبين الله تعالى.
[المسألة الثانية: فيمن أدخل غيره بوعد في أمر لازم] قال ابن القاسم: ومن أدخله بوعد في لازم فذلك الوعد يلزم، كقوله: بع عبدك من فلان أو زوجة ابنتك والثمن أو الصداق علي، فذلك عليه دون فلان في الحياة والممات.
قال مالك: يلزمه إذا أشهد إلا أن يموت المعطي قبل القبض، فيبطل إلا أن يضمنها لمن زوجه أو باع منه.
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن قال لرجل: احلف لي أنك ما شتمتني ولك كذا هبة مني فحلف له، قال ابن القاسم: تلزمه الهبة.
قال سحنون: والذي يلزم من العدة في السلف والعارية أن يقول رجل لرجل:

الجزء: 19 - الصفحة: 585

اهدم دارك وأنا أسلفك أو اخرج إلى الحج، أو اشتر دار كذا أو تزوج وأنا أسلفك وشبه هذا مما يدخله فيه بوعده، فهذه العدة التي تلزم، وأما إن قال له: أنا أسلفك، أنا أهبك، أنا أعطيك بغير شيء ألزمه المأمور نفسه بأمر الآمر فلا يلزمه، وقال نحوه أصبغ.
قال أصبغ: إذا قال له: إني أريد النكاح فأسلفني مئة دينار إلى أجل كذا، فقال: أنا أسلفك فانكح، فنكح فإنه يُقضي عليه بالسلف، ولو لم ينكح حتى قال له: لا تنكح فقد بدا لي، قال: لا رجوع له في ذلك نكح أو لم ينكح ويلزمه السلف بالحكم إذا شاء النكاح.
[المسألة الثالثة: فيمن سأل عارية دابة يركبها وبين حاجته وكيف إن لم يبين] وكذلك لو سألك عارية دابتك أن يركبها في غد إلى حاجة كذا فأنعمت له بذلك ثم بدا لك، لم يكن لك ذلك ويُقضى عليك بعاريته، وكذلك لو قال لك: أسلفني مئة دينار فإني أريد شراء جارية فلان أو دابة فلان أو سلعة فأنعمت له فليس لك أن يبدو لك، وسواء ذكر في هذا كله للمال أجلاً أو لم يذكره، فإن لم يذكر الأجل فقلت: أنا آخذه منك حالاً فليس ذلك لك حتى ينتفع به المستسلف، ويمضي لذلك قدر ما يرى أن مثله يتسلف إلى مثل ذلك الأجل، ويُنظر إلى حال المستسلف إن كان غنيًا يقدر على رد ذلك في مثل الأجل القريب اجتهد في ذلك السلطان بقدر ما يرى من حال الرجلين.

الجزء: 19 - الصفحة: 586

قال: وإنما ألزمته مثل هذا وإن لم يدخله بوعده في أمر؛ لأنه روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: ((وأي المؤمن واجب))، وقضى به عمر بن عبد العزيز في قوم وعدوا من أعطيتهم ثم نكصوا.
قال أصبغ: والعدة التي لا يُحكم بها أن يقول لك: أعرني دابتك أو أسلفني كذا بغير سبب يذكره من حاجة نزلت به أو نكاح أو قضاء دين فوعدته، فذلك لا يلزمك.
وفي كتاب الحمالة والمديان والخلع شيء من هذا.

الجزء: 19 - الصفحة: 587

الباب الثاني] فيمن وهب من مال ولده شيئًا [وفيمن وهب] مشاعًا أو مجهولاً أو دينًا، وفي موت الموهوب قبل القبض

[(1) فصل: فيمن وهب شيئًا من مال ابنه الصغير لغير الثواب] قال ابن القاسم: ومن وهب شيئًا من مال ولده الصغير لغير ثواب لم يجز وتُرد الهبة إن كانت قائمة فإن فاتت ضمنها الأب.
[(2) فصل في هبة المشاع] [المسألة الأولى: فيمن وهب نصفًا له في دار أو عبد] ومن تصدق على رجل أو وهبه نصفًا له في دار أو عبد فذلك جائز، كما يجوز بيع ذلك، ويحل المعطى محل المعطي فيه فيكون ذلك حوزًا.
قال ابن المواز: ولا أعلم من أنكر هبة المشاع إلا بعض أهل المشرق، وما لكراهيتهم لذلك وجه ولا حجة.
[المسألة الثانية: في حوز المشاع من الهبة] ومن تصدقت عليه بنصف عبدك فالحوز فيه أن يخدمك يومًا ويخدمه يومًا أو عشرة أيام وعشرة أيام، فإن مت فهو حوز تام، كان العبد حينئذ بيد المعطي أو المعطى، وإن كان عبدًا لغلة، واجراه جميعًا واقتسما الغلة، فأما إن تصدق بشقص له في عبد فلا يجوز أن يبقى بيد المتصدق منه شيء، ولكن يكون جميعه إما بيد الشريك وإما بيد المعطى أو بأيديهما.

الجزء: 19 - الصفحة: 588

قال: وإن أسلم مصابته وتكارى مصابة شريكه بطلت صدقته إلا أن يخرج عنها.
[المسألة الثالثة: فيمن تصدق على رجل بمورثه المشاع] ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن تصدق على رجل بمورثه من قرية مشاعًا، فعمل المعطى في القرية وعمر بقدر حصة المعطي، ثم هلك المعطي فاقتسم إخوته بعد موته فصار للمعطى مثل ما لكل أخ، فقال ورثة المعطي: إنك لم تحز، قال ابن القاسم وابن وهب: إن عمله حيازة؛ لأنه إنما أسلم إليهم حقه بما أسلموا إليه من حقوقهم، فهذه حيازة.
وقال ابن القاسم: في امرأة تصدقت على رجل بمورثها من دار مشاع فبنى في ناحية منها، وسكن فيها بلا مقاسمة حتى ماتت المرأة، فهذه الصدقة رد إلا أن يكون شركاؤه صالحوه، يرتفقون هم بناحية وهو بناحية، فيكون ذلك حيازة.
قال أصبغ: إلا الموضع الذي بنى فيه وحازه فإن حصة المعطي من عرضة ذلك البينان له، وذلك فيه حيازة.
م: وهذه مثل الأولى الذي سلم لهم حقه بما سلموا إليه.
قال ابن المواز: أما إن لم يكن بقي للمرأة فيها حق فهي حيازة؛ لأنها خرجت منها وانقطع الذي لها، وإن بقي لها فيها شيء فكما قال ابن القاسم.

الجزء: 19 - الصفحة: 589

م: وهذا على مذهب أشهب أن قبض الغاصب قبض؛ لأنه إنما يراعى زوال الهبة من يد الواهب.
وقال ابن القاسم في الكتابين: فيمن تصدق بسهم له في أرض فيعمد المعطى إلى قدر حق المعطي منها فيعمره أو أقل منه بمحضر الباقين أو في غيبتهم وهم مستغنون عنها أو ضعفوا عن عملها، قال: لا يكون له إلا نصبه فيما عمر وعمل.
م: لأنهم لم يُسلموا ذلك له بما سلم إليهم.
[المسألة الرابعة: في صدقة بعض الورثة بناحية بعينها من الأرض قبل القسم] قال يحيى عن ابن القاسم: إذا تصدق بعض الورثة بناحية بعينها من الأرض على رجل قبل قسمتهم، قال: تُقسم الأرض كلها، فإن وقع للمتصدق تلك الناحية كانت للمعطى وإن وقع له غيرها بطلت الصدقة، وليس عليه أن يعوضه، وإن وقع له بعضها كان ذلك البعض للمعطى، ولو قال المعطى: أُقاسمكم هذه الأرض التي أعطاني بعينها- وهي تحمل القسم- دون سائر أرض القرية وأبى ذلك الورثة، قال: يُنظر، فإن كانت في كرمها أو ردائتها لا تضاف إلى سائر الأرض قُسمت وحدها فيأخذ المعطى منها حصة المعطي فيها، وإن كانت تضاف إلى غيرها في القسم فيما يوجبه الحكم بين الورثة قُسم الجميع وكان ما ذكرناه أولاً.
[المسالة الخامسة: فيمن وهب لرجل عشرة أقساط من دهن] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وهب لرجل عشرة أقساط من دُهن

الجزء: 19 - الصفحة: 590

جلجلانه هذا، جاز ذلك؛ لأن مالكًا أجاز أن يهب له ثمره حائطه قابلاً، فهبة دهن الجلجلان أجوز، ويلزم الواهب عصره.
وفي كتاب ابن المواز: إن عصره عليهما بالحصاص على ما يخرج، فإن لم يخرج إلا عشرة أقساط فالعصر على المعطي.
م: وما في المدونة أولى؛ لأنه إنما وهبه دُهنًا، فالعصر عليه حتى يصير دهنًا، قال في المدونة: فإن قال له: أنا أعطيك من غيره زيتًا مثل مكيلة زيته، لم يعجبني؛ لأني أخاف أن يدخله طعام بطعام مستأخر، ولعل ذلك الجلجلان الذي وهب له من زيته يتلف قبل أن يعصره فيكون قد أعطاه زيته باطلاً.
[(3) فصل: في هبة المجهول] [المسألة الأولى: فيمن وهب لرجل مورثه ولا يدري كم هو، وكيف إن كانت دارًا فوهبها ولا يدري كم نصيبه منها؟] قال مالك: ومن وهب لرجل مورثه من فلان ولا يدري كم هو ربع، أو خمس، أو سدس، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وكذلك إن وهبه نصيبه من هذه الدار ولا يدري كم هو؟ فهو جائز، ويجوز أن يهبه نصيبه من جدار، وإن وهبه نصيبه من دار ولم يُسمه قيل للواهب: قر بما شئت مما يكون نصيبًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 591

[المسألة الثانية: فيمن وهب مجهولاً ثم أراد الرجوع فيما وهب] ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: فيمن تصدق على رجل بما ورث عن أبيه وأشهد له وقبل ذلك منه، ثم بدا للمعطي وقال: كنت لا أدري ما أرث نصفًا أو ربعًا؟ ولا أدري عدد الدنانير والرقيق، ولا مبلغ الأرض والشجر، فلما تبين لي مبلغه استكثرته وكنت أظنه أقل من ذلك، قال: إن كان تبين ما قال إنه لم يكن يعرف يُسر أبيه ولا وفره لغيبة كانت عنه، حلف ما ظن ذلك، ويكون القول قوله، وإن كان عارفًا بأبيه ويُسره جاز ذلك عليه وإن لم يعلم قدر ذلك ومبلغه.
[(1) فرع: فيمن نقل جواز هبة المجهول عن ابن القاسم، وفيمن نقل المنع] قال أبو محمد: وأعرف لابن القاسم في غير موضوع أن هبة المجهول جائزة.
وقال محمد بن عبد الحكم: هبة المجهول جائزة وإن ظهر له أنها كثيرة بعد ذلك.
وروى عيسى عن ابن القاسم: فيمن تصدق على رجل بما يرث من أبيه إذا مات، قال: لا يجوز ذلك ولا أقضي به عليه، وهو لا يدري ما هو يقل أو يكثر؟ فلا أدري ما هذا؟ وكذلك عنه في الواضحة.
[(2) فرع: فيمن قال: تصدقت عليك بجميع ميراثي إلا كذا، وفي التركة أمور لم يذكرها] ومن العتبية قال أصبغ: في الرجل يتصدق بميراثه يقول: تصدقت عليك بميراثي أو بجميع ميراثي وهو كذا من البقر والرمك والرقيق والعروض والدور إلا الأرض البيضاء وفي التركة جنان لم يذكرها أو غير ذلك، هل يكون له ما نص

الجزء: 19 - الصفحة: 592

وما لم ينص إلا ما استثنى؟ قال: أرى له كل شيء إلا ما استثنى إذا كان يعرفه، كان جنانًا أو غيره.
[(4) فصل: في هبة الدين وفي موت الموهوب قبل القبض] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وهبت دينك لأحد ورثة غريمك كان له دونهم، وإن وهبت هبة لحر أو عبد فلم يقبض ذلك حتى مات الموهوب فلورثة الحر أو سيد العبد قبضها، وليس لك أن تمتنع من ذلك.
وقد تقدم إيعاب هذا.

الجزء: 19 - الصفحة: 593

[الباب الثالث] فيمن وهب عبدًا مديانًا أو بعد أن جنى أو بعد أن باعه أو رهنه أو آجره أو أخدمه أو أعاره أو أودعه أو كان بيد غاصب أو وكيل، وفي هبة الذمي، وهبة الوديعة والدين والثمار وما تلد الأمهات، والحوز في ذلك كله

[(1) فصل: فيمن وهب عبدًا مديانًا أو بعد أن جنى أو بعد أن باعه أو رهنه أو آجره أو أخدمه أو أعاره أو أودعه أو كان بيد غاصب أو وكيل] [المسألة الأولى: في هبة العبد المديان أو بعد أن جنى] قال ابن القاسم: ومن وهب لرجل عبدًا له مأذونًا وقد اغترقه الدين جاز، ويجوز بيعه إياه إذا بين أن عليه دينًا، ومن باع عبدًا أو وهبه أو تصدق به بعد أن جنى العبد والسيد بجنايته عالم لم يجز إلا أن يتحمل الجناية، فإن أبى حلف أنه ما أراد حملها ورد، وكانت الجناية أولى به في رقبته.
م: أما في البيع فصواب، وأما في الهبة والصدقة فما أدري ما يمنع من ذلك؟ [لأن] الموهوب إن شاء أسلمه في الجناية ولا ضرر عليه في ذلك، أو افتكه بدية الجناية إن شاء.
[المسألة الثانية: فيمن باع عبده بيعًا فاسدًا ثم وهبه لرجل آخر] قال ابن القاسم: ومن باع عبده بيعًا فاسدًا ثم وهبه البائع لرجل آخر قبل تغيره في سوق أو بدن، فإن قام الموهوب له قبل أن يدخله فوت قُضي له به وفسخ البيع، وجبر البائع على رد الثمن، وإن فات العبد بحوالة سوق فأعلى أو مات البائع فذلك باطل.

الجزء: 19 - الصفحة: 594

محمد: وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال محمد: إن قام قبل أن يفوت فهذا أحق به، وإن مات الواهب وإن لم يقم حتى فات، فالهبة باطلة.
قال في المدونة: ولو مات الواهب قبل تغير سوق العبد وقبل قبض الموهوب إياه بطلت هبته، ولو كان إنما وهب العبد بعد تغير سوقه لم تجز الهبة؛ لأنه قد صار للمشتري ولزمته فيه القيمة، ولو أن البائع أعتق عبدًا قبل تغيره في سوق أو بدن جاز عتقه وكان حرًا ويرد البائع الثمن؛ لأن البيع كان بينهما مفسوخًا لم يفت العبد.
محمد: قاله ابن القاسم، وقال أشهب: لا يعتق العبد إلا بعد وقوع الفسخ؛ لأن ضمانه من غيره.
قال أشهب: ولو فسخ بيعه بعد عتقه لم يجز العتق إلا أن يأتنف العتق.
وقول ابن القاسم أحب إلي.
[المسألة الثالثة: فيمن رهن عبده ثم وهبه] ومن المدونة: ومن رهن عبده ثم وهبه جازت الهبة ويقضى على الواهب بافتكاكه إن كان له مال، وإن لم يقم الموهوب حتى افتكه الواهب فله أخذه ما لم يمت الواهب فتبطل الهبة، وليس قبض المرتهن قبضًا للموهوب له إن مات الواهب؛ لأن للمرتهن حقًا في رقبة العبد بخلاف من أخدم عبده رجلاً سنين، ثم قال بعد ذلك: هو هبة لفلان بعد الخدمة، فقبض المخدم قبض للموهوب له، وهو من رأس المال إن مات الواهب قبل ذلك؛ لأن المخدم لم يجب له في رقبة العبد

الجزء: 19 - الصفحة: 595

حق.
وقال مثله أشهب في قبض المرتهن والمخدم.
قال أشهب في كتاب محمد: إلا أن يقبضه الموهوب قبل أن يحوزه المرتهن فهو أحق إن كان الواهب مليًا، ويعجل له حقه إلا في هبة الثواب فتنفذ الهبة بكل حال ويعجل للمرتهن حقه من الثواب كالبيع، وإن كانت الهبة لغير ثواب فقبضها الموهوب قبل حوز المرتهن، والواهب ملئ ثم أُعدم فليتبع بالدين وتمضي الهبة.
[المسألة الرابعة: فيمن غصب منه عبد ثم وهبه] ومن المدونة: ومن اغتصبه رجل عبدًا، فوهبه سيده لرجل آخر والعبد بيد الغاصب جازت الهبة إن قبضها الموهوب قبل موت الواهب، وليس قبض الغاصب قبضًا للموهوب له، قيل له: ولم والهبة ليست في يد الواهب؟ قال: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب له ولا أمره الواهب بذلك فيجوز إذا كان غائبًا، وكذلك من استخلف خليفة على دار له ثم تصدق بها على رجل وهي في يد الخليفة لم يكن قبض الخليفة حيازة للموهوب له ولا للمتصدق عليه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إن قبض الغاصب قبض وحيازة للموهوب.
قال محمد: وهو أحسن؛ لأن الغاصب ضامن فهو كدين عليه فيجوز إذا أشهد، وكذلك قال سحنون: إن قبض الغاصب قبض.
وأنكر ذلك يحيى.

الجزء: 19 - الصفحة: 596

[المسألة الخامسة: فيمن أجر دابته أو عبده ثم وهبه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن آجر دابته أو عبده من رجل ثم وهبها لآخر فليس حوز المستاجر حوزًا للموهوب إلا أن يُسلم إليه إجارة ذلك معه فيتم الحوز، وأما العبد المخدم أو المعار إلى رجل فقبض المستعير والمخدم له قبض للموهوب وهو من رأس المال.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إن قبض المستأجر والمودع قبض نافذ للموهوب إذا أشهد الواهب على هبته، مثل ما إذا أعمر رجلاً حائطًا حياته ثم قال بعد ذلك: هو هبة لفلان بتلاً، فإن ذلك لفلان نافذ عاش الواهب أو مات.
محمد: وهو أحب إلي وقول ابن القاسم أصوب.
[(2) فصل في هبة العارية والدين والحوز في ذلك] [المسألة الأولى: في هبة العارية لمن هي بيده] قال ابن القاسم وأشهب فيه وفي المدونة: وأما لو وهبك ما قد أعاركه أو أودعكه أو آجره منك وهو بيدك، فقولك: قد قبلت حيازة وإن كنت ببلد والهبة ببلد آخر.
قال ابن القاسم: وإذا وهبك وديعة له في يدك فلم تقل: قبلت حتى مات الواهب فذلك لورثته.
وقال أشهب: ذلك قبض لمن كانت في يده؛ لأن كونها في يده أجوز للحوز.

الجزء: 19 - الصفحة: 597

قال في كتاب محمد: إلا أن يقول: لا أقبل.
محمد: وهو أحب إلي.
قال محمد: ولو وهب الوديعة ربها لغير المستودع وجمع بينهما وأشهد كانت جائزة وإن لم يقبضها الموهوب له حتى مات الواهب.
وقال سحنون عن ابن القاسم في العتبية: إن رب الوديعة إذا أشهد بينة أنه تصدق بها على رجل ولم يأمره بقبضها، ثم مات المتصدق قبل قبض المتصدق عليه، فإن علم الذي هي عنده فتلك حيازة تامة، وإن لم يعلم فذلك باطل؛ لأنه إذا علم صار حائزًا للمعطى ثم ليس للمعطي أخذها، ولو دفعها المودع إلى المعطى قبل علمه ضمنها.
[المسألة الثانية: في هبة الدين لمن هو عليه] ومن المدونة: ومن وهبك دينًا له عليك فقولك: قد قبلت: قبض، وإذا قبلت سقط الدين، وإن قلت لا أقبل بقي الدين بحاله.
قال ابن المواز: وقال أشهب: هو له وإن لم يعلم به حتى مات الواهب، وأنا أحب أن لو أعلمه؛ وقد قال مالك: في الذي بعث بثوب أو دابة صدقة على غائب وأشهد له، فإنه حوز وإن لم يصل حتى مات المتصدق أو المتصدق عليه.
قال فيه وفي المدونة: ولو كانت دينه على غيرك فوهب لك، فإن أشهد لك وجمع بينك وبين غريمه، ودفع إليك ذكر الحق إن كان حقه

الجزء: 19 - الصفحة: 598

بكتاب فهو أقبض، وإن لم يكن كتب عليه ذكر حق وأشهد لك وأحالك عليه كان ذلك قبضًا، وكذلك إن أحالك به عليه في غيبته وأشهد لك وقبضت ذكر الحق كان ذلك قبضًا؛ لأن الدين هكذا يقبض، إذ ليس هو شيئًا بعينه.
[(3) فصل فيمن وهب هبة إلى أمد ثم هي صدقة وفي حوز ذلك، وفي هبة الذمي] [المسألة الأولى: فيمن وهب هبة إلى أمد ثم تصدق بها على آخر وفي حوز ذلك] ومن العتبية قال سحنون: فيمن أعطى غلة كرمه أو سكنى داره لرجل سنين أو حياته، ثم تصدق بذلك على ابنه الصغير، فذلك جائز وحوز للابن، وإنه لحسن أن يُشهد أنه جعل المعمر لابنه قابضًا، وإن لم يشهد فذلك حوز للابن، وأحب إلي أن لو كان ذلك كله في فور واحد: أن يشهد أنه منح السكنى أو الغلة لفلان كذا وكذا سنة، ثم الرقبة لفلان، وهو أقوي عندي؛ لأن أصحابنا اختلفوا فيها، فإن لم يكنفي فور واحد فذلك جائز نافذ كله.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: ومن منح رجلاً أرضًا حياته ثم تصدق بها على آخر، فأن كان ذلك في فور واحد منح هذا وتصدق على هذا فهي إذا مات رجعت للمتصدق عليه؛ لأنها عطية محوزة بحوز المعمر كالقائل: عبدي يخدم فلانًا ثم هو لزيد بتلاً فهي حيازة لزيد، حتى لو قُتل العبد كانت قيمته لزيد، وأما إن تقدم الامتاع ثم بعد ذلك تصدق بها، فإن رجعت والمعطي حي كانت للمعطى، وإن رجعت وقد مات المعطي أو هو مريض أو مفلس فلا

الجزء: 19 - الصفحة: 599

شي للمعطى، وكذلك يقول في إبتاله العبد لرجل بعد أن كان أخدمه آخر.
وقال مطرف وابن القاسم وأصبغ: ذلك كله حيازة في الوجهين، وبالأول أقول.
[المسألة الثانية: في هبة الذمي] ومن المدونة: وقد تقدم أنه يُقضى بين المسلم والذمي في الهبات بحكم المسلمين، وإن كانا ذميين فامتنع الواهب من دفع الهبة لم أعرض لهما، وليس هذا من التظالم الذي أمنعهم منه.
[(4) فصل: في هبة ما سيحدث من زرع أو ثمر أو ولد، والحوز في ذلك وفي غيره] قال ابن القاسم: ولا بأس بهبة ما لم يبد صلاحه من زرع أو ثمر أو ما تلد غنمه أو أمته أو ما في ضروعها من لبن أو على ظهورها من صوف أو وبر أو ما في شجرة من ثمر قد طاب، والحوز في ذلك كله: حوز الأرض في الزرع، والشجر في الثمار، والأمهات في هبة ما ولدت، وعلى الواهب تسليم ذلك كله إليه بالقضاء، والسقى فيما يسقى على الموهوب.
قال ابن المواز: وقاله أشهب: في الصوف واللبن والثمرة والزرع، وأما في بطون الأمهات فالهبة جائزة، ولا يتم الحوز إلا بعد أن تضع، لا بحوز الأم؛ لأن العتق فيه ليس بحوز حتى يخرج، وقد تُباع الأمة قبل ذلك في الدين يُستحدث،

الجزء: 19 - الصفحة: 600

بخلاف الثمرة والزرع، ذلك يجوز أن يرهن ولا يرهن الجنين، ويباع الأصل وتبقى له الثمرة أو الزرع ولا يكون له الجنين.
قال محمد: هذا أصوب.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن قبض الأمة في صحة المعطي فذلك حوز ولدت بعد موت المعطي أو قبله، وليس للورثة بيعها في دين على الميت ولا إدخالها في القسم، فإذا ولدت كان الولد للمعطى ويتقاوونها هي وولدها حتى يصير عند واحد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أخدمه رجل عبده شهرًا فقبض الغلام فهو قابض للخدمة، أو أسكنه داره سنة فقبض الدار قبض للسكنى.
قال مالك: ومن وهب لرجل ثمرة نخلة عشرين سنة أو أقل أو أكثر جاز ذلك إذا حاز الموهوب النخل أو جعلت على يد من يحوزها له.
[(5) فصل في هبة ما تلد الأمهات، والحوز في ذلك، وفي أنواع من الحوز] قال ابن القاسم: وكذلك لو وهبه ما تلد جاريته عشرين سنة، فإن قبض الجارية وحازها أو جُعلت له على يد من يحوزها له مثل النخل، فذلك جائز، وإن لم يحزها هو أو تحز له حتى مات الواهب، فالهبة باطل، والصدقة في هذا والحبس والهبة والنحل بمنزلة واحدة إذا قبض فهو جائز.

الجزء: 19 - الصفحة: 601

ولا يُقضى بالحيازة إلا بمعاينة البينة لحوزها في حبس أو رهن أو صدقة، ولو أقر المعطي في صحته أن المعطى قد حاز وقبض وشهدت عليه بإقراره بينة ثم مات لم يُقض بذلك إن أنكر ورثته أن يكون حاز حتى تعاين البينة الحوز.
وقد تقدم هذا.
ومن تصدق عليه بأرض فقبضها حيازتها، فإن كان لها وجه تحاز به من كراء يكرى أو حرث يحرثه أو غلق يُغلق عليها، فإن أمكنه شيء من ذلك فلم يفعله حتى مات المعطي فلا شيء للمعطى، وإن كانت أرضًا قفارًا مما لا تحاز بغلق، ولا فيها كراء تكراه، ولا أتى لها إبان تُزرع فيه أو تُمنح أو يحوزها بوجه يعرف حتى مات المعطي فهي نافذة للمعطى، وحوز هذه: الإشهاد، وإن كانت دارًا حاضرة أو غائبة فلم يحزها حتى مات المعطي فلا حق للمعطى فيها وإن كان لم يفرط في قبضها؛ لأن لها وجهًا تحاز به فإذا لم يحزها فهي ميراث، وإذا قلت في الأرض الغائبة قبلت وقبضت لم يكن ذلك حوزًا، وذلك كالإشهاد على الإقرار بالحوز، وإن كان له في يديك أرض أو دار او رقيق بكراء أو عارية أو وديعة وذلك ببلد آخر فوهبك ذلك، فإن قولك قبلت حوز، وإن لم تقل: قبلت حتى مات الواهب فذلك لورثته.
وقال غيره: ذلك حوز لمن ذلك في يديه.
قلت: فالعبيد والحيوان والحلى كيف يكون قبضه، قال: بالحيازة.

الجزء: 19 - الصفحة: 602

[الباب الرابع] فيمن وهب لابنه الصغير وأجنبي، أو لحاضر وغائب، أو وهب لكبير وصغير وجعل من يحوزها له، وما يبطل الهبة من الشروط

. [(1) فصل: فيمن وهب لابنه الصغير وأجنبي] قال ابن القاسم: ومن وهب عبدًا لابنه الصغير ولأجنبي فلم يقبض الأجنبي حتى مات الواهب فذلك كله باطل، كقول مالك فيمن حبس على ولده الصغار والكبار فلم يقبض الكبار الحبس حتى مات الأب أنه يبطل كله؛ لأن الكبار لم يقبضوا الحبس.
قال مالك: ولا يُعرف إنفاذ الحبس للصغار ها هنا إلا بحيازة الكبار، بخلاف ما حبس على ولده وهم صغار كلهم، هذا إن مات كان الحبس لهم جائزًا.
قال سحنون: وروى ابن نافع وعلي بن زياد عن مالك: فيمن تصدق على ولده الصغير مع الكبير أو أجنبي أن نصيب الصغير جائز ويبطل ما سواه، ولو كان حبسًا بطل جميع الحبس؛ لأنه لا يقسم ولا يملك أصله والصدقة يملكونها وتقسم بينهم وقد حازها للصغير من يجوز حوزه، فذلك جاز منها نصيب الصغير.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا قال: غلة حائطي لابني الصغير ولفلان منه خمسة أوسق، وكان الحائط في يديه يليه ويُخرج منه للأجنبي خمسة أوسق حتى مات الأب، فهي صدقة جائزة لهما، ولو قال: غلة حائطي لفلان وللمساكين وكان في يديه يُخرج غلته للمساكين ولفلان حتى مات فذلك باطل.
[(2) فصل: فيمن وهب لحاضر ولغائب] ومن المدونة قال ابن القاسم عن مالك: ومن وهب لحاضر وغائب أرضًا

الجزء: 19 - الصفحة: 603

فقبض الحاضر جميعها فقبضه حوز للغائب وإن لم يعلم ولا وكله، وكذلك إن وهب لغائب أو تصدق عليه بشيء وأخرجه من يده وجعل من يحوز له فذلك نافذ.
قال غيره: ويدل على جواز ذلك أن أحباس السلف كان قابضها يحوز قبضه على الغائب والحاضر الكبير المالك لأمره وعلى الصغير وعلى من لم يولد بعد.
[(3) فصل: فيمن وهب لصغير هبة وجعل من يحوزها له] ومن وهب لصغير هبة وجعل من يحوزها له إلى أن يبلغ وتُرضى حاله فيدفع إليه ويُشهد له بذلك، فذلك حوز كان له أب أو وصي حاضر أو لم يكن، فإذا بلغ فله أن يقبض، وأما إن وهب لحاضر غير سفيه ولا صغير ولا عبد هبة وجعلها على يد غيره وأمره أن لا يدفعها إليه لم تكن هذه حيازة؛ لأن الموهوب له قبلها وهو حاضر مرضي فلم يسلمها إليه، وإنما يجوز مثل هذا إذا حبس الأصل وجعل الغلة له واستخلف من يجريها عليه.
قلت: فما الفرق بين الصغير إذا كان له أب وبين الكبير إذا وهبه وجعلها على يد غيره؟ قال: إنما جازت للصغير لخوف أن يأكلها الأب، ويفسدها فيحوزها له من جعلت على يديه إلى أن يبلغ الصغير ويقبضها، وأما الكبير المرضي فعلى أي وجه حازها هذا له أو إلى أي أجل يدفعها إليه؟ فلذلك لم يجز إلا أن يكون على وجه الحبس يجري عليه غلتها، فهذا فرق ما بينهما.

الجزء: 19 - الصفحة: 604

[(4) فصل: فيما يبطل الهبة من شروط] [المسألة الأولى: فيمن وهب لرجل هبة على أن لا يبيع ولا يهب] ولقد قال مالك: فيمن وهب لرجل هبة على أن لا يبيع ولا يهب أن هذه الهبة لا تجوز، قيل لمالك: فالأب في ابنه إذا اشترط هذا الشرط، فقال: لا يجوز إلا أن يكون صغيرًا أو سفيهًا فيشترط ذلك عليه- مادام في ولاية- فيجوز، وإن شرط ذلك عليه بعد زوال الولاية لم يجز كان ولدًا للواهب أو أجنبيًا.
قال في العتبية: في الذي يشترط عليه أن لا يبيع ولا يهب، قال: لا تجوز الهبة والصدقة على هذا، ويقال له: إما بتلتها، وإلا فخذ صدقتك، قال مالك: إلا في السفيه والصغير يشترط ذلك عليه إلى البلوغ والرشد، فذلك جائز.
محمد: وقاله ابن القاسم.
وروى أشهب عن مالك أنه قال: أراها بتلاً وأراها صدقة ضعيفة.
قال أشهب: هي حبس عليه وعلى عقبه، فإذا انقرضوا رجعت حبسًا على أقرب الناس بالمعطي يوم المرجع.
وقال سحنون مثله في العتبية.
[المسألة الثانية: فيمن تصدق واشترط أحقية الشراء إن أراد المتصدق عليه البيع] قال سحنون عن ابن القاسم: ومن تصدق بشيء على رجل ويقول: إن

الجزء: 19 - الصفحة: 605

أردت بيعه فأنا أحق، قال: ليست هذه الصدقة بشيء.
وقال ابن وهب عن مالك: إنه جائز؛ لأنه ليس ببيع.
[المسألة الثالثة: فيمن تصدق على رجل بعبد بتلاً واشترط عليه إن مات فالعبد يُرد إليه] وروى أشهب عن مالك: فيمن تصدق على رجل بعبد بتلاً على أنك إن مت أنت فالعبد إليّ رد، وإن مت أنا فهو لك بتلاً، فمات المعطى أولاً فإن العبد يرجع إلى المعطي.
قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن أعطاه أخوه منزلاً وشرط مثل ذلك ثم مات المعطي أولاً، قال ذلك: مثل الوصية تكون للمعطى من الثلث حيزت أو لم تُحز.
قال أصبغ: وليس للمعطي أن يبيعها أو يُحولها عن حالها، فإن مات المعطى أولاً رجعت إلى المعطي كالعمرى، وإن مات المعطي أولاً فهي كالوصية تكون من الثلث ولا تكون كالوصية في الرجوع فيها.
[المسألة الرابعة: فيمن قال لابنه إن ضمنت عني كذا فداري صدقة عليك] قال ابن القاسم: فيمن قال لابنه إن ضمنت عني الخمسين الدينار التي لفلان علي فداري صدقة عليك، قال: لا صدقة عليه وللابن أن يرجع عن الضمان.

الجزء: 19 - الصفحة: 606

وقال: فيمن قالت لزوجها إن حملتني إلى أهلي فمهري عليك صدقة وكانت مريضة فوضعته على هذا، ثم بدا له أن يحملها فخرجت هي من غير إذنه فصارت إلى أهلها، فإن خرجت مبادرة لتقطع ما جعلت لزوجها فلا شيء عليه، وأما إن بدا له وأبى أن يسير بها وعرف ذلك رجعت عليه بما وضعت عنه.
قال أبو محمد: يريد: إن كانت بينة على هذا، ضمن.
[المسألة الخامسة: فيمن تصدق على رجل بجارية على أن يتخذها أم ولد] ومن تصدق على رجل بجارية على أن يتخذها أم ولد فلا يحل له وطؤها على هذا، فإن وطئها فحملت فهي له أم ولد ولا قيمة عليه؛ لأنه اتخذها كما شرط، وليس كالتحليل في القيمة؛ لأن المحلل لم يعط الرقبة والمتصدق قد أعطاه رقبتها وإن لم تحمل فهي للواطئ ولا تُرد الصدقة؛ لأنه على الوطء وطلب الولد أعطيها، وقد طلب الولد بالوطء ولا قيمة عليه حملت أو لم تحمل.
[المسألة السادسة: فيمن قال لابنه: أصلح نفسك وتعلم القرآن ولك قريتي ثم يموت الأب قبل الحوز] وعمن قال لابنه: أصلح نفسك وتعلم القرآن ولك قريتي فلانة فيُصلح نفسه ويتعلم القرآن، ثم يموت الأب وهو لم يبلغ الحوز والمنزل في يد أبيه، فليس ذلك بنافذ إذا كان إنما هو قول هكذا، وأخاف أن يكون ذلك منه على وجه التحريض، إلا أن يكون حقق ذلك بالإشهاد، يُشهد قومًا أنه إن قرأ القرآن فقد تصدق عليه بقريته أو بعبده، فذلك جائز إذا كان صغيرًا في ولايته، ويكون حوزًا له.

الجزء: 19 - الصفحة: 607

[المسألة السابعة: فيمن أعطى امرأته النصرانية داره على أن تُسلم فتُسلِم] ابن حبيب: قال مطرف: فيمن أعطى امرأته النصرانية داره التي هو بها على أن تُسلِم فَتُسلِم: إنه بمنزلة البيع لا يحتاج إلى حيازة ويجزئها الإشهاد وإن مات في الدار بخلاف العطية.
وقال أصبغ: هو كالعطية ولا يتم إلا بالحيازة، وبالأول أقول.

الجزء: 19 - الصفحة: 608

[الباب الخامس] فيمن تجوز حيازته لما تصدق به من أبوين أو قريب أو أجنبي، ومن تصدق على ابنه فبلغ ورشد فلم يحُز حتى مات الأب، والحيازة بين الزوجين فيما تواهباه، وفيما يهبه الرجل لأم ولده

[(1) فصل: فيمن تجوز حيازته لما تصدق به من أبوين أو قريب أو أجنبي] [المسألة الأولى: في حيازة الأب] وقضى عثمان وغيره فيمن نحل ابنه الصغير نحلة أن له أن يلي ذلك له، ويحوزه.
قال مالك: يليه بوجه النظر له والتوفير عليه، وكذلك من يُولى عليه من بالغ أو بكر.
[المسالة الثانية: في حيازة الأم لما تصدقت أو وهبت لصغار بنيها] قال مالك: ولا تكون الأم حائزة لما تصدقت أو وهبت لصغار بنيها وإن أشهدت، بخلاف الأب إلا أن تكون وصية للوالد أو وصية وصي الوالد فيتم حوزها لهم.
[المسألة الثالثة: في حيازة الأم لابنها اليتيم] محمد: قال ابن القاسم وأشهب: في اليتيم إن لم تكن الأم وصية فلا حيازة لها بما تصدقت به على الولد، والسلطان يحوز لهم أو من يوليه أو تخرجه الأم من يدها إلى يد غيرها فيتم ذلك لهم، وإن كانت وصية جازت حيازتها لهم قالا: ولا تحوز الأم ولا غيرها صدقة على ابن أو غيره إلا أن تكون وصية من أب أو وصي، ورواه أشهب عن مالك.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: حيازة الأم على اليتيم الصغير حيازة فيما وهبته أو وهبه له أجنبي، وكذلك من ولى يتيمًا على وجه

الجزء: 19 - الصفحة: 609

الحسبة من الأجنبي أو على وجه القرابة من القريب، فحيازته له حيازة فيما وهبه له هو أو غيره، وإن كان وإنما ابتدأوا ولايته من يوم الصدقة فذلك باطل.
وقال ابن نافع وأصبغ.
وأباه ابن القاسم فيهما إلا أن يكونا وصيين.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن وهب: أنه سُئل عمن تصدق على يتيم له صغير في حجره هل يكون حيازته له حيازة؟ قال: لا تكون حيازته له فيما أعطاه حيازة إلا أبًا أو وصيًا، والأم وإن لم تكن وصية، والأجداد كالأب والجدات كالأم إذا كان في حجر أحد من هؤلاء، فأما غيرهم فلا يحوز إلا أن يبرأ منه إلى الرجل يليه للصغير.
وقال ابن القاسم: لا تجوز حيازة أحد فيما تصدق به إلا الأب أو الوصي أو وصي الوصي، ولا يحوز له إلا من يزوجه أو يباري عنه أو يشتري له ويبيع، ولا تجوز حيازة الأم عليه ما وهبت له إلا أن تكون وصية وكذلك سائر القرابات وذوي الأرحام.
[المسألة الرابعة: في الأم تحوز ما نحلت لابنها الصغير ولابنها مال بيد أبيه أو وصيه] قال مالك: في امرأة نحلت ابنًا لها صغيرًا غلامًا لها، وللصبي مال بيد أبيه أو وصيه والغلام معها، فإن كان للغلة والخراج فليس ذلك بحوز حتى يحوزه أب أو وصي، وإن كان لخدمة الصبي ليكون معه وهو مع أمه، فذلك جائز.
[المسالة الخامسة: في امرأة تصدقت بدارها على ولدها، ومن يحوز له ساكن بالدار] وقال أصبغ: في امرأة تصدقت بدارها على ولدها الصغير والأب ساكن بها معها حتى ماتت الأم، أو تتصدق بها على ابنها الكبير البائن

الجزء: 19 - الصفحة: 610

فيكريها من أبيه قبل أن يحوزها أو يسكنه إياها ثم ماتت، قال: الصدقة جائزة إذا مكنت الأب في صدقة الصغار من الدار حتى أن لو شاء أن يُخرجها فعل ولكن أقرها تسكن معه، فأما إن لم يكن قبض معروف له ولا للكبير فهي باطل، وكذلك لو تصدقت بها على الزوج نفسه وأمكنته فسكنها كما كانا فهو حوز.
قال ابن القاسم: وهو حوز؛ لأن عليه أن يسكنها حيث شاء فقد صارت له وأسكنها، وصدقتها عليه تفترق من صدقته عليها بالمنزل الذي هما فيه، فإن كان هو المتصدق فلم تخرجه منها فليست بحيازة.
[المسألة السادسة: فيمن يحوز للبنت البالغة البكر] ومن المدونة قال مالك: وما وهبت الأم لابنتها البكر وقد حاضت وليس لها والد والأم وصيتها وهي في حجرها، فهي حائزة، وكذلك الوصي.
قال: وما دامت البكر في بيت أبيها وإن حاضت وهي مرضية فالأب يحوز لها صدقة نفسه.
قال ابن القاسم: وإن دخلت بيتها وحسنت حالها وجاز أمرها ولم تقبض صدقتها حتى مات الأب فلا شيء لها، وإن كانت بحال سفه جاز ذلك لها؛ لقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وبلوغ النكاح: الاحتلام والحيض، فقد منعهم الله تعالى أموالهم مع الأوصياء بعد البلوغ إلا بالرشد، فكيف مع الآباء الذين هم

الجزء: 19 - الصفحة: 611

أملك بهم من الأوصياء، وإنما الأوصياء بسبب الآباء.
قال: وإن كانت سفيهة في عقلها ومالها فدخلت على زوجها وقد طمثت أو لا، أو ولدت أولادًا فتصدق عليها الأب بصدقة فهو الحائز لها حتى يُؤنس منها الرشد بعد الدخول فتنقطع حيازة الأب عنها.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: في البكر يحوز لها أبوها وإن عنست.
وقال أيضًا: إلا أن تكون عنست ورضيت.
وقال ابن عبد الحكم: يحوز لها أبوها ما لم تبلغ التعنيس الكثير كالخمسين سنة أو الستين فهذه تحوز لنفسها وتلي مالها، فإن لم تحز لنفسها فلا شيء لها، ولا يزوجها أبوها إلا برضاها، فإن فعل بغير رضاها أجزته ولم أفسخه.
وقاله أصبغ عن ابن القاسم.
وقال ابن القاسم عن مالك: تجوز حيازته عليها وإن رضي حالها وجاوزت الثلاثين.
قال ابن القاسم: ما لم تعنس جدًا فتبلغ الستين ونحوها، فإن لم تحز لنفسها فلا شيء لها.

الجزء: 19 - الصفحة: 612

[(2) فصل: فيمن تصدق على ابنه فبلغ ورشد ولم يحز حتى مات الأب] ومن المدونة: وإن وهب الأب لولده الصغار وأشهد لهم فهو الحائز عليهم، فإن بلغوا ورشدوا فلم يقبضوا صدقتهم حتى مات الأب فلا شيء لهم، وما داموا بحال السفه وإن بلغوا فحوز أبيهم لهم حوز؛ لأنهم بمنزلة الصغار.
ومن العتبية قال ابن القاسم: في غلام في حجر أبيه لا يُعرف بصلاح ولا بفساد، تصدق عليه أبوه بحداثة احتلامه وأشهد له بذلك، فلم يقبض صدقته حتى مات الأب بعد شهرين أو ثلاثة فحوز أبيه له حوز، وليس احتلامه يخرجه من ولاية أبيه حتى تُرضى حاله ويشهد العدول على صلاح أمره، وقد قال مالك: يحوز الأب على ابنه المحتلم إذا كان في حجره وولايته حتى يُؤنس منه الرشد.
ومن كتاب محمد قال ابن القاسم: ومن تصدق على ابنه الصغير بصدقة وأشهد أنه دفعها إلى فلان يحوزها له من أخ أو أجنبي، فلم يقبضها حتى مات الأب أو فلس فهي باطل، وإن كانت بيد الأب؛ لأنه جعل غيره الحائز ولم يُسلمها إليه ولم يُبقها على حيازة الأب، ولو لم ينسب الحيازة إلى أحد كانت نافذة بحوز الأب، ولو حبس حبسًا على صغار ولده ودفع ذلك إلى عبده أو أم ولده تحوزها لهم، فلم ير ابن الماجشون ذلك حوزًا؛ لأنهما تحت مقدرته فلا هي حيزت عنه ولا أبقى حيازته لهم.
وقال محمد: بل هي حيازة تامة، ومن يقوم له غير مماليكه.
[المسألة الأولى: فيمن وهب لابنه الصغير العبد هبة وأشهد له] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وهب لابنه الصغير العبد هبة وأشهد

الجزء: 19 - الصفحة: 613

له لم يكن الأب حائزًا له؛ لأن سيده يحوز ماله دون أبيه، ولا تكون صدقة مقبوضة إلا أن تزول من يد معطيها، إلا أن يكون والدًا أو وصيًا لمن يليا عليه، وهذا الأب لا يلي على ولده العبد، فلذلك لم يكن حائزًا له صدقة نفسه.
قال ابن القاسم: وإذا أخرج الهبة والد الصبي العبد فجعلها بيد أجنبي يحوزها للصبي، جاز ذلك وكان حوزًا رضي بذلك سيده أو كره.
[(3) فصل في الحيازة بين الزوجين فيما تواهباه] ومن تزوج جارية بكرًا وقد طمثت أو لم تطمث، فتصدق عليها بشيء أو وهبه لها قبل البناء بها أو بعد، وهي سفيهة أو مجنونة جنونًا مطبقًا وأشهد على ذلك ولم يخرجه من يده، فلا يكون الزوج حائزًا لها إلا أن يُخرج ذلك من يده ويجعله على يد من يحوزه لها، ولا يكون التصدق حائزًا إلا أبًا أو وصيًا لمن في ولايته، والزوج لا يجوز أمره على امرأته ولا بيعه لمالها، وأبوها الحائز لها وإن دخل بها زوجها مادامت سفيهة أو في حال لا يحوز لها أمر.
[المسألة الأولى: فيمن تصدق على امرأته التي معه في البيت بخادمه] ومن كتاب محمد والعتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن تصدق على امرأته بخادمه وهي معه في البيت، فكانت تخدمها بحال ما كانت، فذلك جائز.
قال سحنون في العتبية: وكذلك لو وهبها إياها، فهو حوز.
وقال أشهب عن مالك في الكتابين: إذا أشهد لها بهذه الخادم فتكون

الجزء: 19 - الصفحة: 614

عندهما كما كانت في خدمتها أو وهبت هي له خادمها فكانت على ذلك أو متاعًا في البيت فأقام ذلك على حاله بأيديهما فهي ضعيفة.
قال ابن المواز: وقال لي ابن عبد الحكم عن ابن القاسم وأشهب: إن ذلك فيما تواهبا جائز، وهي حيازة وكذلك متاع البيت، وبه أقول.
[المسألة الثانية: في الفرق بين ما تواهبه الزوجان وبين أن يتصدق عليها بالمسكن الذي هما به] محمد قال ابن القاسم: وليس كذلك السكن الذي هما به يتصدق هو به عليها فأقاما فيه حتى مات، فإن ذلك ميراث، ولو قامت عليه في صحته قُضي لها.
قال أصبغ: يعني أن يُسكنها غيرها حتى تحوز المسكن.
قال ابن القاسم: وأما لو تصدقت هي عليه بالمنزل وهما فيه فذلك حوز؛ لأن عليه أن يُسكن زوجته، فسكناه بها فيه حوز وقد تقدم هذا.
[المسألة الثالثة: فيمن تصدق على زوجته في مرضه فقبضتها ثم ماتت] ومن العتبية قال سحنون: فيمن تصدق على زوجته في مرضه بمئة دينار فقبضتها منه ثم ماتت قبله، فإن حملها ثلثه فهي حيازة تورث عنها ويُقضى بها دينها.
[المسألة الرابعة: فيمن تصدقت بمهرها على زوجها بكتاب ثم سخط بعد أيام فرد عليها الكتاب فقبلته ببينة ثم توفي الرجل] قال عيسى عن ابن القاسم: وفي امرأة تصدقت بمهرها على زوجها وأعطته كتابها فقبله، ثم سخط بعد أيام فرد عليها الكتاب، فقبلت بشهادة بينة، ثم توفي

الجزء: 19 - الصفحة: 615

الرجل فلا شيء لها، بمنزلة عطية لم تُقبض، وكذلك لو منت به عليه فجدد لها كتابًا يكون عليه حالاً أو إلى موته، فإن لم تقبضه في صحته فهو باطل.
[(4) فصل فيما يهبه الرجل لأم ولده] [المسألة الأولى: في حوز ما يهبه الرجل لأم ولده] قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن تصدق على أم ولده بخادم أو آنية أو ما أشبه ذلك- مما لا يزايلها حيث انتقل بها سيدها- فالإشهاد والإعلان بالصدقة حوز، وذلك أنها لا تقدر على حوزها بأكثر من ذلك، وحالها في ذلك كحال الحرة فيما يتصدق به عليها زوجها، وأما لو تصدق عليها بالعبد يخارج والدار تُسكن والمزرعة والشجر وما هو بائن عنها وقبضه يمكن، فعليها أن تحوزه بقبض خراج العبد وإخراج السيد من الدار وتعمر المزرعة أو تكريها وتجني الشجر ونحو هذا مما يحاز به العبيد والعقار، قال: وأما الحلي والثياب فالقبض فيها اللبس والعارية وشبه ذلك مما تصنعه المرأة بمتاعها إذا عُرف ذلك من صُنعها به، وإلا فلا شيء لها.
قال أصبغ: والإشهاد حوز إن كان ذلك في يديها وإن لم يُعرف لبس ولا عارية.
[المسألة الثانية: فيمن كسا أم ولده أو حلاها ثم مات] قال مالك: ومن كسا أم ولده أو حلاها ثم مات فذلك لها إذا كان يُشبهه

الجزء: 19 - الصفحة: 616

ويشبه ماله، ولو ادعت متاع البيت كُلفت البينة وإن كان من متاع النساء بخلاف الحرة، وأما ما كان من اللحاف والفراش والحلي والثياب التي على ظهرها فذلك لها.
[المسالة الثالثة: فيمن تصدق على أم ولده في صحته بالأعطيات الكثيرة وصيرها في يديها] قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: فيمن تصدق على أم ولده في صحته بالأعطيات الكثيرة، وصيرها في يديها فذلك بقدر ما يشبه يُسره قرب مليء يعطيها الكثير من الحلي والثياب فينفذ ذلك، وأما القليل الوفر يُسرف بما لا يعطيه مثله لمثلها فهذا يُرى أنه توليج، فيُرد منه ما جاوز عطية مثله لمثلها، ويمضي ما لا يكون من مثله سرفًا، سواء كانت العطية في مرة واحدة أو شيئًا بعد شيء.
وقال أصبغ: إن كانت العطية في مرة فلترد كلها، كزيادة ذات الزوج على ثلثها، وإن كان شيئًا بعد شيء مضى ما لا سرف فيه، ورُد الآخر الذي يُرى أنه توليج إليها.
قال ابن حبيب: ويقول مطرف وابن الماجشون أقول.

الجزء: 19 - الصفحة: 617

[الباب السادس] جامع القول في الاعتصار

قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه)).
وروي أنه قال: ((لا يحل لأحد أن يهب هبة ثم يعود فيها إلا الوالد)).
قال مالك رحمه الله: فكل صدقة فلا اعتصار فيها للأبوين، وأما الهبة والعطية والعمرى والنحل فلهما الاعتصار في ذلك، وأما الحبس فإن كان بمعنى الصدقة لم يُعتصر، وإن كان بمعنى الهبة يكون سكنى أو عمرى فإنه يعتصر.
قال أبو محمد: يريد: إذا حبس عليه وعلى عقبه لم يعتصر؛ لأنه يصير يعتصر من ولد الولد.
قال محمد: وإن كانت العمرى بمعنى الصدقة لم يعتصر.
[(1) فصل: في اعتصار الأم لما وهبت] ومن المدونة قال مالك: وللأم أن تعتصر ما وهبت أو نحلت لولدها الصغار في حياة أبيهم ما لم يستحدثوا دينًا أو ينكحوا.
قال عمر بن عبد العزيز: أو يموتوا.
قال ابن القاسم: وكذلك إن وهبت لولدها الكبار هبة فلها أن تعتصر

الجزء: 19 - الصفحة: 618

ذلك ما لم يستحدثوا دينًا أو ينكحوا أو يُحدثوا فيها حدثًا.
ابن حبيب: وقال ابن دينار: إذا نكح الذكر لم يقطع نكاحه الاعتصار، وأما الأنثى فنكاحها يقطع العصرة؛ لأن الذكر دخل فيما مخرجه بيده ودخلت الأنثى فيما مخرجه بيد الزوج.
[المسألة الأولى: في اعتصار الأم ما وهبته لابنها اليتيم] ومن المدونة قال مالك: وما وهبت أو نحلت لولدها الصغار ولا أب لهم فليس لها أن تعتصر؛ لأنه يتيم ولا يعتصر من يتيم، ويعد ذلك كالصدقة عليه، وإن وهبتهم وهم صغار لا أب لهم ثم بلغوا ولم يُحدثوا في الهبة شيئًا فليس لها أن تعتصر هبتها؛ لأنها وهبت لهم وهم يتامى وهي بمنزلة الصدقة.
قال محمد: فإن وهبت لولدها الصغير فبلغ قبل أن يموت الأب، ثم مات أبوه كان للأم أن تعتصر ما وهبته، فأما إن مات الأب قبل بلوغ الولد ثم كبر الولد فليس للأم أن تعتصر؛ لأن بموت الأب قبل البلوغ انقطع الاعتصار فلا يعود بعد ذلك.
قال: وإذا وهبت الأم لولدها اليتامى إلا أنهم مياسير فقال أشهب: لها أن تعتصر كما تعتصر من الكبار.

الجزء: 19 - الصفحة: 619

قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: في هبة الأم للولد في حياة الأب إنه إن قبضها الأب فلا تعتصر؛ لأنها لا تعتصر ما صارت ولايته لغيرها، ولو أعطت ابنها الذي ليس في ولاية الأب فلا تعتصره.
م: هذا خلاف في الوجهين.
قال: ويعتصر الأب ما أعطاه؛ لأن أصل العصرة للأب، وما أعطت لابنها الصغير بعد موت أبيه وهو في ولاية وصي فحاز له العطية فلا تعتصرها وهو كالأب، ولو كانت الأم تلي الصبي كان لها أن تعتصر، كان له أب أو لم يكن.
وقال ابن القاسم ومطرف عن مالك: لا يُعتصر من يتيم.
وقاله ابن القاسم وأصبغ، وبه أقول.
[المسألة الثانية: لو وهبت الأم لبنيها وأبوهم مجنون جنونًا مطبقًا] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو وهبتهم والأب مجنون جنونًا مطبقًا فهو كالصحيح في وجوب الاعتصار لها.
[(2) فصل: في اعتصار الأب] [المسألة الأولى: في اعتصار الأب ما وهبه لبنيه الصغار] قال مالك: وللأب أن يعتصر ما وهب أو نحل لبنيه الصغار والكبار- وإن لم يكن للصغار أم؛ لأن اليتم إنما هو من قبل الأب- ما لم ينكحوا أو يستحدثوا دينًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 620

محمد: لأنه إنما أُنكح لغنائه ولما أعطي وعليه داينه الناس، وكذلك يُرغب في الابنة ويُرفع في صداقها فلذلك مُنع الاعتصار، وذلك إن كانت الهبة كثيرة مما يُزاد في الصداق من أجلها، فأما الثوب ونحوه فلا.
[المسألة الثانية: في اعتصار الأب ما وهبه لبنيه الصغار ثم بلغوا] قال ابن القاسم: وكذلك إن وهب لأولاده الصغار ثم بلغوا فيه أن يعتصر هبته ما لم ينكحوا أو يُحدثوا دينًا أو تتغير الهبة عن حالها، وقضى عمر بن عبد العزيز فيمن نحل ابنه أو ابنته ثم نكحا على ذلك فلا رجوع له، وإن نحلهما بعد النكاح فذلك له ما لم يتداينا أو يموتا.
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن نحل ابنته نخلة فتزوجها رجل على ذلك ثم مات أو طلق فقد انقطع الاعتصار في النكاح فلا يعود، بنى بها أو لم يبن، وكذلك من نكح من الذكور والإناث أو داين ثم زال الدين أو زالت العصمة فلا اعتصار.
[المسالة الثالثة: في اعتصار ما وهبه الأب لابنه في مرض أحدهما] قال يحيى بن عمر: وأما إن مرض الأب أو الابن فلا اعتصار في مرض أحدهما، فإن زال المرض فله أن يعتصر بخلاف النكاح والدين؛ لأنه لم يُعامل عليه في المرض.

الجزء: 19 - الصفحة: 621

وقال سحنون مثله في الأب، قال: ولا يشبه المعتصر المعتصر منه في ذلك.
وقال أصبغ: إذا امتنع الاعتصار بمرض أحدهما أو بنكاح الولد أو بدين ثم زال المرض والدين والنكاح فلا اعتصار، وإذا زالت العصرة يومًا فلا تعود.
وقاله ابن حبيب عن مالك، قال: وقال المغيرة وابن دينار: إذا صح المعطي والمعطى رجعت العصرة كما تنطلق يده فيما كان ممنوعًا منه.
[(3) فصل: فيما يفوت به الاعتصار] محمد: وإذا وهبه أبوه أو أمه بعد تزويجه فله أن يعتصر ما لم يتداين الولد أو تنم الهبة أو يطؤها إن كانت جارية فيفوت الاعتصار وإن لم تكن بكرًا أو لم تحمل، قاله مالك وابن القاسم وأشهب وابن وهب.
وقال المخزومي: لا يفيت الوطء الاعتصار.
ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون، قال: وتُوقف الجارية، فإن استمرت حاملاً فلا عصرة له، وبه أقول.

الجزء: 19 - الصفحة: 622

وقال ابن القاسم: لا عصرة بعد الوطء، ويصدق الابن في دعواه الوطءز قال يحيى بن عمر- رحمه الله-: وذلك إذا غاب عليها الولد.
قال مالك في المدونة: إذا نحل ابنه الكبير أمة فوطئها الابن لم يكن للأب اعتصارها.
قال أصبغ في العتبية: إذا وهبه والابن متزوج أو مديان أو مريض فله أن يعتصر في تلك الحال حتى يحول إلى غيره، وكذلك عنه في كتاب ابن حبيب.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ليس له أن يعتصر كما لو تقدمت العطية هذه الحوادث.
وفي المدونة: وقضى عمر بن عبد العزيز نحل ابنه بعد أن نكح أن للأب أن يعتصر ذلك.
قال عيسى عن ابن القاسم: في الابن البائن التاجر وهو ذو مال ولا يُولى عليه يهبه أبوه ثم يتزوج ويعلم الناس أنه لم يتزوج لتلك الهبة، قال: فليعتصر منه إلا أن يأتي من ذلك من زيادة اليسر بها ما يُعلم أنه نكح لذلك، فأما أن ينحله عبدًا ثمن عشرين دينارًا وهو رب ألف دينار فليعتصر من

الجزء: 19 - الصفحة: 623

هذا إذا تزوج، وكذلك ما يشبه هذا مما يُعلم أنه لم ينكح لذلك.
ابن حبيب: إذا كانت قليلة لا يرى أن من أجلها ادان أو زوج لقلتها فله أن يعتصر.
ورواه مطرف عن مالك، وقال به وقاله أصبغ، وبه أقول.
وقال ابن الماجشون عن مالك: ذلم يمنع الاعتصار وهو قد قوي بها.
قال سحنون: فيمن نحل ابنه الصغير دنانير جعلها له بيد رجل ثم صاغها له حليًا فليس له اعتصار؛ لأنه قد غيره عن حاله، كما لو اشترى له بها جارية ثم أراد اعتصارها، وكذلك روى ابن وهب عن مالك.
قال سحنون: ومن وهب لابنه هبة يريد بها الصلة فلا يجوز أن يعتصرها منه كان الابن صغيرًا أو كبيرًا؛ لأنها كالصدقة، وذلك مثل أن يكون ابنه أو ابنته محتاجين، وإنما يعتصر منه إذا كان الابن في حجره أو بائنًا عنه وله أموال كثيرة.
قال ابن الماجشون: وإذا وهب لولده لله عز وجل أو لوجه الله تعالى أو لطلب الآخرة أو لصلة رحم فلا يعتصرها، وإنما يعتصر إذا وهب أو نحل نحلة مرسلة ولم يقل صلة رحم ولا لوجه الله تعالى ولا لطلب الثواب من الله سبحانه فهذا يعتصر، وقاله أصبغ.

الجزء: 19 - الصفحة: 624

[(4) في اعتصار الوالد صدقته على ابنه وهبته له] [المسألة الأولى: في اعتصار الأب صدقته على ابنه وفي اعتصار الولد من الوالد] ومن المدونة قال ربيعة ومالك: ولا يعتصر الأب صدقته على ابنه وإن عقه، قال ربيعة: ولا يعتصر الولد من الوالد.
[المسالة الثانية: في اعتصار غير الأبوين] قلت: فهل يجوز لغير الأبوين من جد أو جدة أو عم أو عمة أو خال أو خالة أو غيرهم اعتصار هبتهم؟ قال: لا يجوز الاعتصار في قول مالك إلا للوالد والوالدة ولا يجوز لأحد غيرهم.
محمد: قال مالك: وللأم من الاعتصار ما للأب، واختلف قوله في الجد والجدة: فروى عنه ابن وهب أنه لا يعتصر وهو لا تلزمه النفقة، ويرث معه الإخوة، ولا يكون بيده بضع بنات الابن.
وروى عنه أشهب: أن الجد والجدة يعتصران كالأبوين.
وقاله ابن عبد الحكم.
قال: وقد قيل أن ليس لأحد أن يعتصر إلا الأبوان.
[المسالة الثالثة: هل للأبوين طلب الثواب فيما ليس لهما اعتصاره؟] قال: ولا ثواب للأبوين فيما ليس لهما أن يعتصرا، وما كان له اعتصاره

الجزء: 19 - الصفحة: 625

فأثابه الابن منه فليس فيه اعتصار، وهو كالبيع، وكذلك إن أثابه عنه غيره.
[المسالة الرابعة: في اعتصار الهبة إذا نمت في بدنها قال: وإذا نمت الهبة في بدنها فلا اعتصار للأب، وإذا نقصت في هبة الأجنبي: فقال أشهب: للأجنبي الواهب أخذها بنقصها كما للموهوب له ردها بزيادتها.
وقال ابن القاسم: قد وجبت القيمة ولا ترد إلا باجتماعها.
[المسألة الخامسة: في اعتصار الأب في حوالة السوق، وهل له إذا ادان دينًا أن يعتصر؟ وفي اعتصار الأب في مرض الابن] وللأب أن يعتصر في حوالة الأسواق، وذلك في الأجنبي فوت يوجب القيمة، وليس للأب إذا ادان دينًا أن يعتصر، ولا لغرمائه أخذ ذلك منه، وإن مرض الأب فلا اعتصار له، وإن مرض الابن فلا أدري.

الجزء: 19 - الصفحة: 626

[الباب السابع] في هبة الثواب وقبضها بغير أمر الواهب وهي

لثواب أو غيره، وما لا ثواب فيه من الهبات

[(1) فصل: في هبة الثواب] وفي حديث عمر رضي الله عنه: (ومن وهب هبة يرى أنها للثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها) وقد جرى في غير وجه من الأحكام أن المتعارف كالمشترط والهبة للثواب كالبيع في أكثر الحالات، وإن لم يسم العوض عند الهبة أجازه العلماء على ما روي عن عمر وغيره، وخالفت البيع في هذا كخلاف نكاح التفويض لنكح التسمية وكلاهما نكاح فيه عوض، ولا بأس باشتراط الثوب عند الهبة وإن لم يوصف، وأبى ذلك عبد الملك إذا اشترط الثواب، وبعد ذلك تأتي الحجة فيه.
[(2) فصل: في قبض الهبة بغير أمر الواهب] قال مالك: ومن وهب لرجل هبة لغير الثواب فقبضها الموهوب بغير أمر الواهب جاز قبضه، إذ يُقضى على الواهب بذلك إذا منعه إياها، فأما هبة الثواب فللواهب منعها حتى يقبض العوض كالبيع، ولو قبضها الموهوب قبل الثواب وقف، فإما أثابه أو ردها، ويتلوم لها تلومًا لا يضر بهما فيه، وإن مات الواهب للثواب والهبة بيده فهي نافذة كالبيع، وللموهوب قبضها إن دفع

الجزء: 19 - الصفحة: 627

العوض للورثة، وإن مات الموهوب قبل أن يثيب الواهب فلورثته في الهبة ما كان له وعليهم من الثواب ما كان عليه.
[(3) فصل فيما لا ثواب فيه من الهبات التي تكون بين الناس] قال مالك: ولا ثواب في هبة الدنانير والدراهم وإن وهبها فقير لغني، وما علمته من عمل الناس.
قال ابن القاسم: إلا أن يشترط الثواب فيثاب عرضًا أو طعامًا.
قال في كتاب ابن المواز: فإن اشترط في ذلك الثواب فهي هبة مردودة.
وقاله أشهب.
قال محمد: إنما لم يكن في العين ثواب؛ لأن العين هي الأثمان المرجوع بالقيمة إليها، فكأنها بيعت بما لا يُعرف من أصناف العروض.
قال فيه وفي العتبية: ولا ثواب في ذهب ولا فضة غير مسكوك ولا في التبر والسبائك والنقار والحلي المكسور.
قال فيه وفي المدونة: وأجاز مالك هبة الحلي المصوغ للثواب، والعوض عليه يعاوض عروضًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 628

قال في كتاب محمد: أو يعاض عن الذهب ورقًا، وعن الورق ذهبًا.
قال محمد: لا يجوز هذا بحال، وكذلك في المدونة لا يُعاوض من ذلك عينًا ولا ذهبًا أو فضة.
[المسألة الثانية: في هبة الفواكه والرطب وشبهه] قال مالك: وإذا قدم غني من سفره فأهدى له جاره الفقير الفواكه والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب، وقال إنما أهديت إليه رجاء أن يكسوني أو يصنع بي خيرًا فلا شيء فيه لغني أو فقير.
قال ابن القاسم: ولا له أخذ هديته وإن كانت قائمة بعينها.
محمد: وقاله كله أشهب أيضًا.
قال أبو محمد: وذكر أبو بكر بن محمد أن بعض أصحابنا يرى له أخذها ما لم تفت.
محمد: وأما القمح والشعير يوهب للثواب ففيه الثواب.
[(4) فصل فيما لا ثواب فيه من الهبات بين الزوجين والولد والوالد والأقارب، وهبة السلطان للثواب] [المسالة الأولى: في هبة الزوجين والولد والوالد] ومن المدونة: ولا يُقضى بين زوجين بالثواب في الهبة ولا بين ولد ووالده

الجزء: 19 - الصفحة: 629

إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم، مثل أن تكون للمرأة جارية فارهة يطلبها منها زوجها، وهو موسر فأعطته إياها تريد بذلك استغزارًا لصلته وعطيته، والرجل كذلك يهب لامرأته، والابن لأبيه مما يُرى أنه أراد بذلك استغزار ما عند أبيه، فإذا كان مثل منهما في هبته، فإن لم يكن وجه ما ذكرنا فلا ثواب بينهما.
وقال ربيعة: ما أعطى أحد الزوجين لصاحبه من عطية أو صدقة بت فلا ثواب بينهما، ولا لأحدهما أن يرجع فيما أعطى صاحبه إلا أن يشترطا ثوابًا فيلزمهما، وقاله مالك.
[المسالة الثانية: في هبة الأقارب وذوي الرحم] قال ابن القاسم: وما وهبت لقرابتك وذوي رحمك وعلم أنك أردت ثوابًا فذلك لك إن أثابوك، وإلا رجعت فيها، وما عُلم أنه ليس لثواب كصلتك لفقيرهم وأنت غني فلا ثواب لك، ولا تُصدق أنك أردته، ولا رجعة لك في هبتك، وكذلك هبة غني لأجنبي فقير أو فقير لفقير ثم يدعي أنه أراد الثواب فلا يُصدق إذا لم يشترط ولا رجعة له في هبته، وأما إن وهب فقير لغني أو غني لغني، فهو مصدق أنه أراد الثواب، فإن أثابوه وإلا رجع في هبته.
[المسالة الثالثة: في هبة السلطان للثواب] محمد: قال أشهب: إلا ما وهب ذو سلطان لغني فلا ثواب له، إذ لا يُعلم ذلك من السلاطين.

الجزء: 19 - الصفحة: 630

[الباب الثامن] فيما له أن يرجع فيه من هبة الثواب وما لا رجوع له فيه

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (من وهب هبة يرى أنه أراد بها الثواب فهو على هبته يرجع فيها إن لم يرض منها، وإن هلكت فله شراؤها بعد أن يحلف بالله تعالى ما وهبها إلا رجاء أن يثيبه عليها) قال ابن حبيب قال مطرف: في هبة الثواب إذا أثابه قبل فوتها القيمة أو أكثر فالواهب مخير في قبول ذلك أو ردها على ظاهر حديث عمر رضي الله عنه- فهو على هبته إن لم يرض منها- إلا أن تفوت بموت أو وطء- وإن لم تحمل- وشبه ذلك، ولا يفيتها زيادة سوق ولا نقصه، ولا زيادة بدن ولا نقصه.
وقال ابن الماجشون: إذا أثابه القيمة فلا حجة له وإن لم تفت وهو معنى حديث عمر لقوله: ما لم يرض منها، فجعل رضاه بيد الموهوب، فإذا أثابه القيمة فلا حجة له، وكذلك قال ابن القاسم ورأى أن النماء والنقص فوت.
[المسألة الأولى: فيمن وهب عبدًا لرجلين فعوضه أحدهما] ومن المدونة: ومن وهب عبدًا لرجلين فعوضه أحدهما من حصته فله الرجوع في حصة الآخر إن لم يعوضه، كقول مالك: فيمن باع عبدًا من رجلين في صفقة، فنقده أحدهما حصته من الثمن وفلس الآخر أن بائعه أحق بنصيب الآخر من الغرماء إلا أن يدفعوا إليه حصته من الثمن.
[المسألة الثانية: إذا عوض الواهب أجنبي عن الموهوب بغير أمره] وإذا عوض الواهب أجنبي عن الموهوب بغير أمره، ثم أراد أن يرجع على

الجزء: 19 - الصفحة: 631

الواهب في عوضه لم يكن له ذلك، ولكن إن رأى أنه أراد ثوابًا من الموهوب رجع بقيمة العوض- يريد: يرجع عليه بالأقل من قيمة الهبة أو قيمة العوض- إلا أن يكون العوض دنانير أو دراهم فلا يرجع عليه بشيء إلا أن يريد به سلفًا فله اتباعه بذلك، وإن لم يُرد ثوابًا ولا سلفًا فلا شيء له.
قال محمد: وإن أثاب عنه قبل تغير الهبة خير الموهوب، فإن شاء رد الهبة على الواهب، ورجع المثيب بما أثاب على من أعطاه، وإن شاء حبس الهبة ودفع إلى المثيب الأقل من قيمة الهبة أو العوض.

الجزء: 19 - الصفحة: 632

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل