الجامع لمسائل المدونةكتاب الجنائز من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[باب]-1 - في الصلاة على الجنازة والدعاء لها

. [فصل -1 - في حكم الصلاة على الجنازة] قال الله تعالى - في المنافقين -: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا ولا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ الآية.
فدل ذلك أنه مأمور بالصلاة على غيرهم، وقاله غير واحد من أصحابنا البغداديين.
وقال صلى الله عليه وسلم:/ "صلوا على موتاكم"، وقال: "صلوا على من قال لا إله إلا الله".
فالصلاة على الميت المسلم فريضة على الكفاية يحملها من قام

الجزء: 3 - الصفحة: 963

بها، وقاله سحنون، وقال: فإن لم يحضروا جميعاً كانوا تاركين لفرض، وقاله ابن عبد الحكم.
وقال أصبغ: الصلاة على الموتى سنة واجبة، وقال أشهب: الصلاة على موتى المسلمين واجبة، وقال ابن عيشون الطليطلي ليست في قولي فرض ولا سنة.
م فوجه قول سحنون دليل الآية قوله: ﴿ولا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا﴾.
ووجه قول أصبغ أن ليس في الآية كبير دليل، وإنما ثبت ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره.
[فصل -2 - في العمل في صلاة الجنازة].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أخلصوه بالدعاء".
وكبر صلى الله عليه وسلم على الجنازة أربعاً

الجزء: 3 - الصفحة: 964

وسلم.
قال مالك: وليس العمل على القراءة في ذلك.
وروي عن عمر وعلي وابن عمر وجماعة من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أنهم لم يكونوا يقرؤون على الميت.
م وهذا حجتنا على الشافعي في قوله: يقرأ عليه، ولأنها صلاة لا ركوع فيها، كسجود التلاوة والطواف.
ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: هل وقت مالك ثناء على.
النبي صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين في الصلاة على الجنازة؟ قال: ما أعلمه، قال: إلا الدعاء للميت فقط.

الجزء: 3 - الصفحة: 965

وفي حديث عوف بن مالك للنبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اللهم اغفر له، وارحمه، واعف عنه وعافه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلا خيراً من أهله، وزوجاً خيراً من زوجه، وقه فتنة القبر وعذاب النار".
قال عوف:/ فتمنيت أن لو كنت أنا الميت؛ لدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الميت.
وقيل لأبي هريرة: كيف تصلي على الجنازة؟ فقال: أنا لعمر الله أخبرك أتبعها من أهلها فإذا وضعت كبرت، وحمدت الله تعالى، وصليت على نبيه عليه السلام، ثم أقول: اللهم إنه عبدك [وابن عبدك] وابن أمتك كان يشهد أن لا إله إلا أنت وأن محمداً عبدك ورسولك، وأنت أعلم به.
اللهم إن كان محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عنه.
اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده.
قال مالك: هذا أحسن ما سمعت في الدعاء على الجنازة.
وكان ابن

الجزء: 3 - الصفحة: 966

مسعود إذا أتي بجنازة استقبل الناس فقال: أيها الناس إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كل مئة أمة، ولن تجتمع مئة لميت فيجتهدون له في الدعاء، إلا وهب الله ذنوبه لهم، وإنكم جئتم شفعاء لأخيكم فاجتهدوا له في الدعاء، ثم يستقبل القبلة، فإن كان رجلا قام عند وسطه، وإن كانت إمرأة قام عند منكبيها ثم قال: "اللهم إنه عبدك وابن عبدك وابن امتك أنت خلقته وأنت هديته للإسلام، وأنت قبضت روحه، وأنت أعلم بسريرته وعلانيته، جئنا شفعاء له.
اللهم إنا نستجير بحيل جوارك له، إنك ذو وفاء وذمة.
اللهم أعذه من فتنة القبر وعذاب جهنم.
اللهم إن كان/ محسناً فزد في إحسانه، وإن كان مسيئاً فتجاوز عن سيئاته.
اللهم نور له في قبره، وألحقه بنبيه.
قال: تقول هذا/ كلما كبرت، فإذا كانت التكبيرة الآخرة قلت مثل ذلك، ثم تقول: اللهم صل على محمد وآل محمد، وبارك على محمد وآل محمد، كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد.
اللهم صل على أسلافنا وأفراطنا، اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين الأحياء منهم والأموات.
ثم تسلم.
وكان ابن مسعود يعلم الناس هذا الدعاء.

الجزء: 3 - الصفحة: 967

م قال ابن القابسي: وما ذكر عن ابن مسعود إن كانت امرأة فليقم عند منكبيها، حديث في سنده نظر.
وفيه رجل مجهول عن إبراهيم، وإبراهيم لم يدرك ابن مسعود، وهو مخالف للحديث الذي خرج أهل الصحيح، وإنما كتبه سحنون في المدونة لما روى فيه من غير وجه.
قال أبو إسحاق: ولابن القرطي حيث ما وقف الإمام في الرجل والمرأة فواسع؛ لما روى ابن غانم عن مالك أنه يقوم في/ المرأة في وسطها أيضاً، ورأيته في حديث لأبي هريرة، وقال: يستر موضع سوأتها من الناس.
م وروى البخاري "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على امرأة ماتت من نفاس فقام

الجزء: 3 - الصفحة: 968

عند وسطها".
ومن المدونة قال ابن مسعود: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقف على القبر فإذا فرغ منه قال: "اللهم نزل بك صاحبنا وخلف الدنيا وراء ظهره ونعم المنزول به أنت، اللهم ثبت عند المسألة منطقه ولا تبتله في قبره بما لا طاقة له به.
اللهم نور له في قبره، والحقه بنبيه.
م وأنا استحسن أن يكبر ثم يقول: الحمد لله الذي أمات وأحيا، والحمد لله الذي يحيي الموتى، له العظمة والكبرياء والملك والقدرة والثناء، وهو على كل شئ قدير.
اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمداً وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، ثم تدعو بدعاء عوف ابن مالك، ثم تكبر الثانية، ثم تحمد الله وتصلي على نبيه كما فعلت في الأولى، ثم تدعو بدعاء أبي هريرة، ثم تكبر الثالثة فتحمد الله وتصلي على نبيه، كما قد فعلت، ثم تدعو بدعاء ابن مسعود، ثم تكبر الرابعة، فتقول بعد التحميد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر لحينا وميتنا وحاضرنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا إنك تعلم منقلبنا ومثوانا، ولوالدينا ولمن سبقنا بالإيمان اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على

الجزء: 3 - الصفحة: 969

الإسلام، وأسعدنا بلقائك، وطيبنا للموت، واجعل فيه راحتنا.
ثم يسلم.
وإن كانت امرأة قلت: اللهم إنها أمتك، ثم تتمادى بذكرها على التأنيث غير أنك لا تقول: وأبدلها/ زوجاً خيراً من زوجها؛ لأنها قد تكون زوجاً في الجنة لزوجها في الدنيا، ونساء الجنة مقصورات على أزواجهن لا يبغين بهم بدلاً، والرجل يكون له زوجات كثيرة في الجنة ولا يكون للمرأة أزواج.
وإن كان طفلاً فإنك تثني على الله تعالى وتصلي على نبيه، ثم تقول: اللهم إنه عبدك وابن عبدك/ أنت خلقته ورزقته، وأنت أمته، وأنت تحييه.
اللهم أجعله لوالديه سلفاً وذخراً وفرطاً وأجراً، وثقل به موازينهم، وأعظم به أجورهم، ولا تحرمنا وإياهم أجره، ولا تفتنا وإياهم بعده.
اللهم الحقه بصالح سلف المؤمنين في كفالة أبيه إبراهيم، وأبدله داراً خيراً من داره، وأهلاً خيراً من أهله، وعافه من فتنة القبر وعذاب جهنم، تقول ذلك في كل تكبيرة، وتقول في الرابعة: اللهم اغفر لأسلافنا وأفراطنا ومن سبقنا بالإيمان.
اللهم من أحييته من فأحيه على الإيمان، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام، واغفر للمسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات.
ثم تسلم.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا والى بين التكبير ولم يدع فلتعد الصلاة عليها.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون بينهما دعاء، وإن قل فلا تعاد.

الجزء: 3 - الصفحة: 970

ابن القاسم إن توار فأستحسن الصلاة, وليس بواجب, وقال سحنون: لا تعاد.
قال سحنون: ويدعو بعد الرابعة كما يدعو بين كل تكبيرتين ثم يسلم.
قال أبو محمد: وفي غير كتاب لأصدابنا إذا كبر الرابعة يسلم.
وكذلك في كتاب ابن حبيب وغيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 971

[باب-2 -] جامع ما جاء في التكبير على الجنازة

قال مالك رحمه الله: ويكبٌر علي الجنازة أربع في كل تكبيرة, ولا يرفه يديه إلا في الأولي, وروى عنه ابن وهب أنه يُعجبه الرفع في كل تكبيرة, وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وعروة بن الزبير, وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضي الله عنهم.
قال أبو إسحاق: وروى ابن جبيب عن ابن القاسم أنه لا يرفع في الأولي.
قال عبد العزيز بن أبي سلمة: وكل تكبيرة في صلاة الجنازة كركعة من صلاة الفريضة.
قال ابن حبيب وغيره: وقد كبر النبى صلى الله عليه وسلم على النجاشي أربعاَ, وكذلك هلي قبر السوداء, ثم استقر / فعله عبي أربع تكبيرات, ومضى به عمل

الجزء: 3 - الصفحة: 972

الصحابة.
قال مالك في العتبية: وإن كان الإمام ممن يكبر خمساَ فليقطع المأموم بعد الرابعة ولا يتبعه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: يسكت فإذا كبر الخامسة سلم بسلامه, وقاله مالك في الواضحة.
م ولها تحريم وتسليم, لأن كل صلاة افتتحت بتكبير ختمت بتسليم.

الجزء: 3 - الصفحة: 973

[باب-3 -] جامع ما جاء في حمل السرير والمشي امام الجنازة

. [فصل-2 - في حمل سرير الجنازة] قال مالك رحمه الله: ولا بأس بحمل الجنازة من أي جوانب السرير شئت بدأت, ولك أن تحمل بعض الجوانب وتدع بعضاَ, وان شئت لم تحمل.
وقول من.
قال: يبدأ باليمين بدعه.
ابن وهب: وقال ابن مسعود: واحملوا الجنازة من جوانبها الأربع فإنها سنة, ثم إن شئت فتطوع, وإن شئت فدع.
قال اين حبيب: يستحب ان يحمل السرير من جوانبه الأربع, ثم إن شاء حمل أو ترك, ويبدأ بمقدم السرير الأيسر -وهو يمين الميت- فيضعه على منكبه الأيمن, ثم يختم بمقدمه الأيمن-وهو يسار الميت-, وروي / ذلك عن غير واحد من الصحاية والتابعين, وكان مالك يوسع أن يبدأ بما شاء, ويحمل كيف شاء, ويحمل بعض جوانيه ويدع يعضاَ, والفضل فيما ذكرت لك.
ومن العتبية: وكره مالك لمن علي غير وضوء أن يحمل الجنازة بينصرف إذا بلغت, ولم ير به في روايه أشهب بأسَا.
أبو محمد: قال بعض أصحابنا: وما جاء "أن يتوضأ من حمله" أي.

الجزء: 3 - الصفحة: 974

ليكون متوضئَا حتى إذا بلغت صلي عليها, لا ان حمله يوجب الوضوء, ولكن يكره أن ينصرف ولا يصلي عليها.
قال أشهب: وحمل جنازة الصبي علي الأيدى احب إلى من الدابة والنعش, فإن حمل علي الداية لم أر يه بأسَا.
ابن حبيب: ولا بأس بحمل الجنازة علي الدايه إن لم يجد من يحملها.
فصل-2 - [في بعض الأحكام المتعلقة بنعش الميت].
قال ابن حبيب: ويكره إعظام النعش, وأن يُفْرش تحت الميت قطيفة حرير أو خز, ولا يكره ذبك في المرأة, ولا يفرش إلا ثوب طاهر.
ولا باس أن يستر الكفن بثوب ساج ونحوه/ , وينزع عند إلحاده, ولا بأس أن يجعل على نعش المرأة البكر أو الثيب الساج او الرداء الموشى أو البياض, ما لم يجعل مثل.

الجزء: 3 - الصفحة: 975

الأخمرة الملونة فلا احبه.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا يترك ستر نعش المرأة بقبة في حضر أو سفر إذا وجد ذلك, وقد استحسنه عمر حين فعل بزينب زوج النبي صلى الله عليه وسلم, ولا حد لطولها.
ويكره ما احدث من المباهاة والفخر فيه حتى صار عندهم يتزين يه.
قال مالك: وأول من فعل به ذلك زينب.
قال ابن حبيب: وقال الواقدى: أول من قبب عليها النعش فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم.
فصل-3 - : [في اتباع الجنازة] ومن المدونة: وكره أبو هريرة وعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن يتيع الميت بنار.
وقالت عائشة رضي الله عنها: لا يكون اخر زاده أن يتبعوه بالنار.
قالابن جبيب: وإنما كره أن يتبع بنار تفاؤلآ بالنار في هذا المقام.
قال مالك: وأكره أن يتبع الميت بمجمرة, أو تقلم أظفاره, أو تحلق

الجزء: 3 - الصفحة: 976

عانته, ولكن يترك على حاله, وارى ذلك بدعة ممن فعله, خلافَا للشافعي.
ودليلنا أن الأصل أن لا يفعل في الميت شيء ألا بشرع, ولم يرد شرع بذلك, ولأنه إزالة شيء/ متصل به من خلفة بدنه فأشبه الختان.
ولا يصاح خلف الجنازة.
وسمع سعيد بن جبير الذى يقول: إستغفروا له, فقال: لا غفر الله لك.
ولا يمشي بالجنازة الهوينا, ولكن مشية الرجل الشاب في حاجته.
قال النخعي: كانوا يقولون: انبسطوا بها ولا تدبوا بها دبيب اليهود.
م قيل ايضّا: وإنما أمر بالعجلة به، لآنه إن كان خيراَ عجلوا به إلبه, وإن كان شراَ وضعوه عن أعناقهم.
قال مطرف عن مالك: ولم يزل من شأن الناس الازدحام على حمل

الجزء: 3 - الصفحة: 977

جنازة الرجل الصالح, ولقد انكسر تحت سالم بن عبد الله نعشان, / وانكسر تحت علئشة تلاتة أنعش, و 1 لك حسن مالم يكن فيه أذى.
ومن المدونة قال مالك: والمشي أمام الجنازة هو السنة.
وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء/ بعده أبو بكر وعمر وعثمات, وغيرهم رضى الله عنهم.
ابن حبيب: وروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المشي خلفها أفضل, وأراه واسعَا للاختلاف فيه, وأكره أن يشيعها راكب يتقدمها أو يتأخرها, وقاله النخعي: ابن حبيب ولا بأس أن يرجع راكبَا بعد الدفن.
قال مالك في المجموعة: ومشي الرجال أمام الجنازة أفضل, وأما النساء فخلف الجنازة, ولا يكن, بين يديها في أعقاب الرجال, لأن حملتها رجال من خلفهن.
قال ابن القرطى: يكون الرجال المشاة أمامها, والركبان من خلفها, والنساء من وراء ذلك, ولا بأس أن يشهدنها ما لم يكثرن الترداد.
قال: ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 978

توضع على الرقاب حتى يتكامل من يشيعها.
ابن حبيب: وكره مالك: التحسر في الجنازة, ونزع الأردية, وقد استخف ذلك للقريب الخاص, وقد يفعل ذلك في العالم والفاضل الخاص من أصحابه.
[فصل-4 - في الجلوس قبل أن توضع الجنازة عن الرقاب] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسبق وينتظر, ولا بأس بالجلوس عند القبر قبل أن توضع عن أعناق الرجال.
وقد روي ان علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: فام النبى صلى الله عليه وسلم مع الجنازة حتي توصع, وقام الناس معه, ثم أنه قعد بعد ذلك, وأمرهم بالقعود.
ابن وهب: ز أخبرت عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة وكان يتشبه بأهل الكتاب, فلما نُهي انتهى.
قال سحنون: وكان اب عمر وأصحاي النبي صلى الله عليه وسلم يجلسون قبل أن توضع الجنازة/.

الجزء: 3 - الصفحة: 979

[باب]-4 - جامع ما جاء فى الصلاة علي الجنازة فى المسجد

قال مالك رحمه الله: وأكره أم توضع الجنازة في المسجد, فإن وضعت قرب المسجد للصلاة عليها فلا بأس أن يصلي من في المسجد عليها بصلاة الإمام إذا ضاق خارج المسجد بأهله.
قال ابن حبيب: ولو صلي فيه ما كان ضيقًا , لما روى من الصلاة علي سهيل فيه وعلى / عمر فيه.
وقال إسماعيل القاضي: لا بأس به أن احتيج إلي ذلك.
وقال أبن سحنون: صلاة النبي صلى الله عليه وسلم على سهيل فبه أمر قد تركه, وفعل غيره حين خرج في النجاشي إلي المصلي, وهذا الحق.
ومع ذلك أن حديث سهيل منقطع.

الجزء: 3 - الصفحة: 980

قال غيره: وقد قيل كثر الناس فى جنازته فضاق بهم الموضع, ثم لم يفعله بعد ذلك, واستدام الصلاة في المصلي حتى أنكر الناس علي عائشة ما أمرت به من إدخال جنازة سعد فيه لتصلي هي عليها, ومع ذلك فهو ذريعة إلي صرف المسجد إلي غير ما جعل له من الصلوات, وقد يتفجر فيه الميت, أو يخرج منه شيء فترك ذلك أولي من غير وجه, كما/ تركه النبي صلىي الله عليه وسلم واستدام علي غيره, وعمر إنما صلي عليه فيه, لأنه فيه دفن مع النبي لي الله عليه وسلم ومع أبي بكر رضي الله عنه.
قال أبو أسحاق: وقد اختلف في نجاسة الميت, واختار ابن القصار أنه طاهر, بخلاف غيره من سائر الحيوان, لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) , ولا يكون المكرم كالمهان, وقوله تعالى (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا).

الجزء: 3 - الصفحة: 981

وقد قبّل النبي صلي الله عليه وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت.
ولو كان نجساَ ما قَبّله.

الجزء: 3 - الصفحة: 982

باب -5 - في الصلاة علي قاتل نفسه ومن مات من حد وعلي الإعجمي والسقط وولد الزنا والمرتد وقتلي الخوارج. وعلى بعض الجسد

. [فصل-1 - في حكم الصلاة علي قاتل نفسه.
واهل البدع.
ومن قتله الإمام] قال مالك رحمه الله: ويصلي علي قاتل نفسه, ويصنع به ما يصنع بموتي المسلمين, ويورث, وإثمه على نفسه, وقال في المستخرجة: يصلي علي كل مسلم, ولا يخرجه من الإسلام حدث أحدثه, ولا جرم اجترمه.
م لقوله صلي الله عليه وسلم: "صلوا علي كل من قال: لا إله إلا الله", إلا أنه يكره للإمام وأهل الفضل أن يصلوا علي البغاة وأهل البدع, لأن الله تعالي نهيتبيه صلي الله عليه وسلم أن يصليعلي المنافقين تأديبا لهم وردعَا, فكان ذلك أصلا في كل من كان علي غير الطريق من فساد الاعتقاد أن الإمام وأهل الفضل يجب أن لا يصلوا عليهم, ويصلون علي سائر الناس.
ابن حبيب: قال ابن سيرين: ما حرم الله الصلاة علي أحد من أهل القبلة إلا علي/ ثمانية عشر رجلاَ من المنافقين.
قال أبو إسحاق: والصلاة علي اهل الكبائر جائزة, للأنهم مسلمون يتوارثون, فمن قتل في قصاص او رجم في زنا فلا يصلي عليه الإمام ولا أهل

الجزء: 3 - الصفحة: 983

الفضل على باب الردع, ويصلي عليهم الناس, وكذا من قتل نفسه هو قاتل, وجرمه كجرم من قتل غيره, والمشتهر بالمعاصي.
وقد ورى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أثني علي الميت خيرأَ صلي عليه, وإن أثني عليه شراَ أو قالوا عليه الدين, قال: "صلوا علي صاحبكم", وذلك للردع, ولو خرج من الإسلام ما امر النبي صلىي الله عليه وسلم بالصلاة عليه.
/ وإذا بغي قوم على قوم فقتلوهم صلي عليهم, وكذلك من قتله المحاربون يصلي عليه.
قال ابن حبيب: وإنما ذلك, ليعلم أن الصلاة عليهم لا تترك لجرمهم.
قال: فأما الرجل في خاصته فإنما يبتغي ان يرغب في شهود من يرتجي بركة شهوده.
قال مالك في المدونة: وكل من قتله الإمام في قصاص أو رجم أو حد

الجزء: 3 - الصفحة: 984

من الحدود فلا يصلي عليه الإمام, ولكن يغسل ويكفن ويحنط, ويصلي عليه الناس غير الإمام, لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يصل علي ماعز والغامدية لما رجمهما, وكذلك الأئمة بعده في من أقاموا عليه حدا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك محارب قتله الناس دون الإمام, لان حده القتل, فاما من جلده الإمام في زنا فمات منه, فلإن الإمام يصلي عليه, لأن حدهه الجلد لا القتل, وانما مات من مرض أصابه من وجع السياط.
فصل -2 - [في الصبي الذمي يملكه المسلم هل يصلي عليه إذا مات] قال مالك: ومن اشترى صغيراَ ذمياَ من العدو أو وقع في سهمه من المغنم فمات صغيراَ لو يصل عليه, وإن نوى به سيده الإسلام, إلا أن يجيب إلي الإسلام بأمر يعرف أنه عقله, إذا كان كبيراَ يعقل الإسلام, ويعرف ما أجاب إليه.
قال: وكذلك عنه في المجموعة.
وقال ابن الماجشون: إذالم يكن معه أبواه ولم يتنبه إليى ان يتدين او يدعى وقد ابتاعه رجل مسلم فله حكم المسلم

الجزء: 3 - الصفحة: 985

في الصلاة عليه والدفن والموارثة والعتق والقود والمعاقلة.
قال سحنون: وروى نحوه معن بن عيسى عن مالك أنه يصلى عليه.
قال ابن عبدوس: ورواية ابن القاسم أولى؛ لأن لهم حكم الكفر، وهو الأكثر والغالب؛ لأنه قد ولد في دار الكفر مع أبويه فلا ينتقل عنه إلا بإسلام أبيه أو يجيب إلى الإسلام وقد عقله.
فإن قيل: فأنت لا تبيعهم من أهل الذمة ولا تفاديهم بالمال؟ قلت: لا أفعل ذلك؛ لأني أجبرهم على الإسلام إذا لم يكن معهم أحد أبويهم، وقد قال سحنون: أما مفاداة مسلم بهم فنعم، وأما بالمال فلا.
وفي كتاب ابن حبيب: لا يلتفت إلى أمه.
[فصل -3 - في حكم الصلاة على الصغير إذا أسلم أحد أبويه] قال مالك في العتبية: وإن اشترى الصغير/ ومعه أحد أبويه فأسلم من معه منهما أنه يصلى عليه/ إن مات، وفي كتاب النكاح من المدونة: لا يكون مسلمًا إلا بإسلام الأب.
قال في العتبية: وإن اشترى وحده فصلى قبل أن يبلغ الحلم ثم مات صلى عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 986

ومن المدونة قال مالك: ومن زوج عبده من أمته وهما نصرانيان فحدث لهما ولد فليس للسيد أن يدخل الولد في الإسلام جبرًا.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: إن كان مع الصبي الكتابي أحد أبويه أم أو أب كان تبعًا له في دينه وله حكمه، وكذلك الذمية تزني فولدها على دينها، وكذلك المسبية منهم معها ولدها فهو على دينها، وتصدق أنه ولدها في التفرقة والدين، ولا تصدق في الأنساب والمواريث.
وفي كتاب ابن حبيب: لا يلتفت إلى أمه وإنما يراعى الأب، فإن كان أبوه معه فحكمه حكمه في الإسلام والكفر كانا في ملك واحد أو في ملكين.
قاله مطرف وابن الماجشون.
وروياه عن مالك.
وفي السليمانية وروى عيسى عن ابن القاسم في الرجل يتزوج النصرانية أو اليهودية فتلد منه ثم يغيب

الجزء: 3 - الصفحة: 987

الرجل فيموت ولده منها فيدفنه أقارب أمه في مقبرة اليهود فيعلم بذلك، فقال: إن كان بقرب ذلك ولم يتغير أخرج ودفن في مقبرة المسلمين، وإن خيف عليه التغير ترك.
ومن المدونة قال مالك:/ ومن اشترى جارية مجوسية من السبي فلا يجامعها حتى تجيب إلى الإسلام بأمر يعرف والإسلام الذي إذا أجابت إليه الجارية حل وطؤها والصلاة عليها أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، أو صلت فقد أجابت، أو تكون أجابت -أيضًا- بأمر يعرف أنها قد دخلت في الإسلام فتوطأ بعد الاستبراء، إلا أن تكون من أهل الكتاب فيجامعها بعد الاستبراء إن أحب.
ابن عبدوس وقال ابن القاسم في صبية مجوسية لم تحض: فلا يطئها من ملكها حتى يجبرها على الإسلام إذا كانت تعقل ما يقال لها، فجعل إسلامها حينئذ يبيح وطئها، وأنكره سحنون وقال: يحتاط/ في الوطء إلى أن تبلغ وتثبت على الإسلام.

الجزء: 3 - الصفحة: 988

فصل -4 - [في الصلاة على المولود] ومن المدونة قال مالك: ولا يصلى على المولود ولا يغسل ولا يحنط ولا يرث ولا يورث ولا يسمى حتى يستهل صارخًا بالصوت.
ابن حبيب: وإن كان خفيًا، وليس العطاس باستهلال، ولا الحركة ولا الرضاع، وإن أقام يومًا يتحرك ويتنفس ويفتح عينيه حتى يسمع له صوت فيجب له حكم الموارثة والصلاة عليه، وإلا فهو كالسقط.
ومن كتاب آخر ابن وهب يرى الرضاع كالاستهلال بالصراخ.
قال أبو إسحاق: وهذا أشبه؛ لأنها حال لم تكن في الميت فأشبه الصراخ.
وما أدري لم يحكموا له بحكم الحياة إذا ظهر منه ما يقطع به أنه لا يكون إلا من حي.
قال ابن الماجشون: قال في المجموعة: ولا يرضع ولا تبين له حياة إلا بالصراخ قبلها، فأما العطاس فيكون من الريح يدخله ليس بفعله، والبول

الجزء: 3 - الصفحة: 989

من استرخاء المواسك، ويكون من الميت، والصراخ لا يكون إلا من فعل الحي.
قال غيره: وليس الحركة دليل على الحياة البينة، وقد كان يتحرك في البطن.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: السنة أن لا يصلى على السقط، ولا بأس أن يدفن مع أمه.
وكره مالك أن يدفن السقط في الدور، وقال سحنون: أنه قد أبيح دفنه في الدور.
قال ابن حبيب عن سحنون: ودفنه في المقبرة أفضل، فإن دفن في المنزل فجائز غير مكروه.
قال أبو العباس الأبياني: وجائز أن يدفن الرجل في داره.
قال ابن سحنون: وسئل مالك عن الرجل يشتري الدار فيجد فيها قبرًا قد كان البائع دفنه؟ قال: أرى أن يرد البيع؛ لأن موضع القبر لا يجوز بيعه ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 990

الانتفاع به؛ لأنه حبس.
قيل لمالك: فإن وجد فيها المشتري قبر سقط؟ قال: لا أرى السقط عيبًا؛ لأن السقط ليس له حرمة الموتى؛ لأنه لا يصلى عليه، ولا يوارث، ألا ترى أنه قد أبيح دفنه في الدور.
قيل له: فيجوز الانتفاع بموضع قبر السقط؟ قال: أكره ذلك.
قال ابن سحنون: والقياس جواز الانتفاع به لجواز بيعه.
قال ابن حبيب: ولا بأس/ أن يغسل عنه الدم، لا كغسل الميت، ويلف في خرقة.
فصل -5 - [يصنع بأولاد الزنا كما يصنع بأولاد الرشدة] ومن المدونة: قال مالك: ويصنع بأولاد الزنا إذا ماتوا/ صغارًا أو كبارًا ما يصنع بأولاد الرشدة.
وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم/ على امرأة هلكت من نفاس ولد الزنا وعلى ولدها، وقاله ابن عمر وابن عباس.

الجزء: 3 - الصفحة: 991

فصل -6 - [في الغلام يرتد] قال ابن القاسم: وإذا ارتد الغلام قبل البلوغ إلى أي دين كان لم تؤكل ذبيحته ولم يصل عليه في قول مالك.
فصل -7 - [في الصلاة على قتلى الخوارج والقدرية والإباضية] قال مالك: ولا يصلى على القدرية والإباضية وقتلى الخوارج، ولا تتبع جنائزهم ولا تعاد مرضاهم.
قال سحنون: أدبًا لهم، إلا أن يضيعوا فيصلى عليهم.
قال أبو إسحاق: إن لم يكفروا عنده بمآل القول؛ لأنهم مسلمون يذنبون، وإن كانت ذنوبهم عظيمة بابتداعهم، ويرثهم ورثتهم المسلمون على هذا.
وأما من كفرهم بمآل القول الذي يؤديهم إلى الجهل بالله تعالى فلا يصلى عليهم بحال ضاعوا أو لم يضيعوا، ولا يرثهم ورثتهم المسلمون؛ لأن المسلم لا يرث الكافر.
فصل -8 - [الصلاة على بعض الجسد] قال مالك: ولا يصلى على يد أو رجل أو رأس، ولا على الرأس مع

الجزء: 3 - الصفحة: 992

الرجلين، فإن بقي أكثر البدن صلى عليه، يريد بعد أن يغسل.
وقال ابن أبي سلمة: يصلى على ما وجد منه وينوون بذلك الميت.
م ربه أقول.
قال: وإن استُوقن أنه غرق أو قتل أو أكلته السباع ولم يوجد منه شيء صلى عليه، كما صلى النبي صلى الله عليه وسلم على النجاشي، وبه قال ابن حبيب.
قال غيره: وهذا من خواص النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك أن الأرض رفعت له، وعلم يوم مات فيه، ونعاه لأصحابه يوم موته، وخرج بهم فأمهم في الصلاة عليه قبل أن يوارى -والله أعلم- ولم يفعل هذا أحد من بعده، ولا صلى أحد على النبي صىل الله عليه وسلم بعد أن ووري، وفي الصلاة عليه أعظم الرغبة فهذه أدلة الخصوص.
وبالله التوفيق/.

الجزء: 3 - الصفحة: 993

[باب]-6 - في من فاته بعض التكبير أو نسيه أو نسي شيئًا من أمر دفنه وكيف إن كان الإمام يكبر خمسًا؟

[فصل -1 - : في من فاته بعض التكبير على الجنازة] قال مالك رحمه الله: ومن فاته بعض التكبير انتظر حتى يكبر الإمام فيكبر معه، ثم يقضي إذا فرغ الإمام ما فاته متتابعًا قال في المجموعة: ويدعو في انتظاره تكبير الإمام، فإذا كبر كبر معه، وقال أيضا: يكبر ولا ينتظره.
قال ابن عبد الحكم: والأول أحب إلينا.
قال عنه أشهب: يكبر الآن واحدة/ ثم يقف عما سبق به، كما يحرم في المكتوبة وقد سبق بتكبير سوى تكبيرة الإحرام فلا يكبر غيرها، فإذا سلم الإمام قضى هذا ما بقي عليه من التكبير تباعًا، ولا يدع.
قال ابن حبيب: وإن دعا فبدعاء/ خفيف، إلا أن يتأخر رفعها، فيتمهل في دعائه، وإذا قضى التكبير اجتزأ بالتكبيرة التي أحرم بها ولا يلغيها.

الجزء: 3 - الصفحة: 994

م فوجه رواية ابن القاسم: أن كل تكبيرة بمثابة ركعة من الصلاة، فكما كان في الصلاة لا يقضي ما فاته إلا بعد سلام الإمام، فكذلك هذا لا يقضي إلا بعد سلام الإمام.
وقد وجه أشهب روايته فجعله كمن فاته بعض المكتوبة، إنه يحرم ولا ينتظره، فكذلك هذا.
وقول ابن القاسم أصوب.
[فصل -2 - : في عمل المأموم في التكبير إذا كان الإمام يكبر خمسًا] ومن العتبية قال أصبغ: فإذا فاته تكبيرتان والإمام يكبر خمسًا فليكبر معه الثلاث، ويحتسب بالخامسة، فإذا سلم الإمام كبر واحدة.
قال سحنون: وقال أشهب: لا يكبر معه الخامسة، فإن كبرها معه فلا يعتد بها، وليقض كل ما فاته.
قال ابن حبيب: وإذا ترك بعض التكبير عليها مع الناس جهلاً أو نسيانًا فإن كان بقرب ما رفعت أنزلت فأتم بقية التكبير عليها مع الناس ثم يسلم، فإن تطاول ذلك ولم تدفن ابتدأ الصلاة عليها، وإن دفنت تركت ولم تكشف، ولا تعاد الصلاة عليها، وقاله مالك في العتبية.

الجزء: 3 - الصفحة: 995

[فصل -3 - : في حكم الجنازة تدفن بغير صلاة أو يصلى عليها إلى غير القبلة ونحو ذلك] وقال عيسى في العتبية عن ابن القاسم في التي دفنت بغير صلاة: أنها تخرج بحضرة ذلك فيصلى عليها، فإن خيف/ أن تكون تغيرت صلوا على قبرها.
قال في المجموعة: وإذا صلوا عليه إلى غير القبلة ثم دفن فلا شيء عليهم، وإن لم يوار فاستحسن أن يصلى عليه، وليس بواجب.
قال في العتبية: إذا صلوا عليه لغير القبلة ودفن فلا شيء عليهم، وإذا جعل الرأس موضع الرجلين في الصلاة لم تعد الصلاة وأجزأهم، وإن لم يدفن، وإذا جعل في اللحد لغير القبلة، أو على شقه الأيسر فإن ألقوا عليه يسيرًا من التراب فيحول إلى ما ينبغي، وإن فرغوا من دفنه ترك.

الجزء: 3 - الصفحة: 996

قال مالك في/ المبسوط لإسماعيل: وإن صلوا على الجنازة فظنها امرأة وهي رجل أو رجل وهي امرأة فدعا لها على ما يظنه فصلاته تامة، ولا شيء عليه.
قال أبو إسحاق: وذلك صواب؛ لأنه نوى بالصلاة الشخص الذي صلى عليه فلا يضره جهله بذلك.
وروي عن مالك في من فاته التكبير كله أيكبر: قال: لا أعلمه، وروي عنه أنه يكبر أربعًا.
م والأول أصوب؛ لأنه لم يدخل فيها فيقضي ما فاته.
قال أبو إسحاق في الذي صلى على الجنازة ولا يدري أرجل أو امرأة: أن صلاته تامة مجزأة، وذلك صواب؛ لأنه نوى بالصلاة الشخص الذي صلى عليه فلا يضره جهله/.

الجزء: 3 - الصفحة: 997

[باب]-7 - في اجتماع الجنائز في صلاة، وكيف إن نوى الإمام واحدة؟

. [فصل -1 - : العمل في اجتماع الجنائز في الصلاة] قال ابن القاسم: وإن اجتمعت جنائز لم ينبغ للإمام أن يصلي على بعضها ويؤخر بعضها.
قال مالك: ولو أتي بجنازة والإمام يصلي على غيرها تمادى على الأولى، ولا يدخل الثانية معها، فإذا فرغ صلى على الثانية.
قال ابن القاسم: ولو جيء بها بعد تمام الصلاة على الأولى فلا بأس أن ترفع الأولى، ويصلي على الثانية، وهذا خفيف.
م وإنما قال ذلك؛ لأن من تمام/ الصلاة على الجنازة الوقوف عليها حتى تدفن؛ لما جاء أن في الصلاة عليها قيراطًا من الأجر، وفي الصلاة والدفن قيراطان، فاستخف ابن القاسم الصلاة على الثانية قبل دفن الأولى؛ لأنه قريب، وأظن أن سحنونًا يقول: لا يصلي على الثانية حتى يفرغ من دفن

الجزء: 3 - الصفحة: 998

الأولى؛ لأن من أصله إذا دخل في عمل لا يدخل في غيره حتى يتم الأول.
[فصل -2 - في ترتيب الجنائز في الصلاة إذا كثرت] قال مالك: وإذا اجتمعت جنائز رجال ونساء جعل الرجال مما يلي الإمام، وجُمعوا في صلاة واحدة.
قال أبو إسحاق: فإن قيل: ألا كان الرجال للقبلة؛ لأنها أشرف كما أن الصف الأول في الصلاة أشرف؟ قيل: إنما جعل الإمام كالقبلة، فمن وليه كان أقرب للقبلة وأشرف.
م ألا ترى أن الصلاة في الصف الأول أشرف؛ لأنه يلي الإمام، فكذلك من يلي الإمام من الجنائز أشرف.
ابن حبيب: وحدثني ابن الماجشون أن أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب امرأة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم ماتت هي وابنها زيد بن عمر في فور واحد ولم يُدر أيهما مات قبل، فكان فيها ثلاث سنن: لم يورث أحدهما من الآخر، وصلي عليهما جميعًا فجعل الغلام مما يلي الإمام، وولى الحسن بن علي وهو أخو أم كلثوم الصلاة عليها لعبد الله بن عمر، وهو أخو ولدها زيد فصلى عليهما، فكان ولي الرجل أولى بالصلاة من ولي المرأة إذا اجتمعا، وكان

الجزء: 3 - الصفحة: 999

الرجل أولى بأن يلي الإمام/ من المرأة.
قال غيره: ودفنا في قبر واحد، وجعل الغلام مما يلي القبلة، فكان فيهما خمس سنن.
قال الزهري: السنة أن يلي الإمام الرجل، فإذا قبرا في قبر واحد جعل الرجل أمام المرأة.
ومن المدونة قال مالك: وإن كانوا صبيانًا ونساء جعل الصبيان في الصلاة مما يلي الإمام.
قال أبو إسحاق: لمكان أنهم ذكور فهم أشرف، وإن كان الصبيان غير مكلفين.
وكذلك العبيد يلون الإمام؛ لما فيهم من التذكير/، وإن عدموا الحرية، كما عدم الصبيان التكليف.
قال مالك: وإن كن نساء كلهن أو رجالاً كلهم جعل أهل السن والفضل مما يلي الإمام، ثم قال مالك: واسعًا أن يجعلوا صفًا واحدًا ويقف الإمام وسطهم، أو يجعل بعضهم خلف بعض، ويلي الإمام أفضلهم.
قال ابن حبيب: وإن اجتمع رجل وصبي وعبد وامرأة فالرجل يلي الإمام، ثم الصبي، ثم العبد، ثم المرأة، وإن كانا رجلين جعل أفضلهما مما

الجزء: 3 - الصفحة: 1000

يلي الإمام، وإن كان أصغر سنًا، وإن استويا في الحال جعل الأسن مما يلي الإمام.
وروي ذلك عن كثير من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
قال أشهب في العتبية: أحب إلي في القليل الاثنين والثلاثة أن يجعلوا واحدًا خلف واحد، وإن كثروا جعلوا صفين أو ثلاثة وذلك كله واسع.
ابن حبيب: إن كثروا مثل العشرين والثلاثين فلا بأس أن يجعلوا صفين وثلاثة ممدودة عن يمين الإمام ويساره، ويقدم الأفضل والأسن إلى الإمام وقربه.
قال في العتبية: إذا اجتمع جنازة رجل وامرأة لم ينظر إلى ولي أحدهما/ ولكن يقدم للصلاة عليهما أهل الفضل والسن منهما.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: ولي الرجل أولى، واحتج

الجزء: 3 - الصفحة: 1001

بتقديم الحسين لعبد الله بن عمر في الصلاة على أم كلثوم وابنها زيد.
قال في العتبية: وإن جهل الإمام فنوى بالصلاة أحدهما ونواهما من خلفه جميعًا، فلتعاد الصلاة على التي لم يصل عليها الإمام، دفنت أو لم تدفن، إلا أن تتغير فيصلى على قبرها/.

الجزء: 3 - الصفحة: 1002

[باب]-8 - جامع القول في الشهيد

[فصل -1 - : الشهيد لا يغسل ولا يكفن ولا يحنط ولا يصلى عليه] قال مالك رحمه الله: والشهيد في المعترك لا يغسل، ولا يكفن، ولا يحنط، ولا يصلى عليه، ويدفن بثيابه، وكذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((زملوهم/ بثيابهم)).
ومن سماع ابن وهب: قيل لمالك: أبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى على حمزة حين استشهد فكبر عليه سبعين تكبيرة؟ قال: ما سمعت ذلك، ولا بلغني أنه صلى على أحد من الشهداء.
قال أصبغ: هي السنة من فعل الرسول صلى الله عليه وسلم.
قال أشهب: وإذا قتل في المعترك وهو جنب فلا يغسل، ولا يصلى عليه.
أصبغ: وقد قتل حنظلة بن عامر الأنصاري يوم أحد وهو جنب فلم يصنع به

الجزء: 3 - الصفحة: 1003

شيء فغسلته الملائكة بين السماء والأرض.
[فصل -2 - : لا ينزع عن الشهيد شيء مما هو عليه إلا السلاح.
وهل يزاد شيء في كفنه؟] ومن المدونة قال ابن القاسم: يصنع بقبورهم ما يصنع بقبور الموتى من الحفر واللحد، ولا ينزع عنه شيء من ثيابه، ولا فرو ولا خف ولا قلنسوة.
قال مطرف: ولا خاتمه، إلا أن يكون نفيس الفص، ولا منطقته، إلا أن يكون لها خطب.
قال ابن القاسم في المدونة: وينزع عنه الدرع والسيف وجميع السلاح.
قال مالك: وما علمت أنه يزاد في كفنه شيء أكثر مما عليه.
قال أشهب في المجموعة: إلا أن يكون فيما لا يواريه، أو سلب ما كان عليه.
قال أصبغ في المستخرجة: وإن كان عليه ثيابه فشاء وليه أن يزيد عليها فذلك واسع.

الجزء: 3 - الصفحة: 1004

[فصل -3 - : من جرح في المعركة ثم عاش حياة مستقرة فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه] ومن المدونة قال مالك: وأما من عاش وأكل وشرب أو عاش حياة بينة فهو كالمجروح يموت بعد أيام فهذا يغسل ويكفن، ويصلى عليه، وليس كحال من به رمق وهو في غمرة الموت.
ابن سحنون: وقال أشهب: الذي لا يغسل من مات في المعركة، فأما من حمل إلى أهله فمات فيهم، أو مات في أيدي الرجال أو بقي في المعركة حتى مات، فإنه يغسل، ويصلى عليه.
سحنون: قوله: ((إذا بقي في المعركة)) يقول: في الحياة البينة الذي لا يقتل قاتله إلا بالقسامة.
ابن وهب: وقد صلى الرسول صلى الله عليه وسلم على ثابت بن شماس بن عثمان يوم أحد بعد أن عاش يومًا وليلة.
قال ابن القاسم: ومن قتله العدو بحجر أو بعصا أو خنقوه حتى مات، أو قتلوه أي قتلة كانت في معركة أو في غير معركة فهو كالشهيد/ في المعركة، ولو أغار العدو على قرية من قرى الإسلام فدافعوهم عن أنفسهم كان من قتل منهم

الجزء: 3 - الصفحة: 1005

كالشهيد في المعركة.
قال عنه أصبغ في العتبية: ولو قتلوهم في منازلهم في غير ملاقاة ولا معترك فإنهم يُغَسلون ويصلى عليهم/، بخلاف من قتل في المعترك.
وقال ابن وهب: هم كالشهداء في المعترك حيثما نالهم القتل منهم.
م وبه أقول، وسواء كانت امرأة أو صبية أو صبيًا.
وقاله سحنون.
وهو وفاق لما في المدونة.
ومن المدونة قال مالك: فأما من قتل مظلومًا أو قتله اللصوص في المعترك أو مات بغرق أو هدم فإنه يغسل، ويصلى عليه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قتله اللصوص في المعترك، أو مات في دفعه إياهم عن حريمه.
ابن سحنون: ولو قتل المسلمون في المعترك مسلمًا ظنوا أنه من العدو أو ما درست الخيل من الرجالة فإن هؤلاء يغسلون ويصلى عليهم.
وروى ابن وهب في المدونة: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في قبر واحد، ثم يقول: أيهما أكثر أخذًا للقرآن، فإذا أشير له

الجزء: 3 - الصفحة: 1006

إلى أحدهما قدمه في اللحد، وقال: أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة، وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم، ولم يغسلوا.
ومن كتاب الغصب: وإذا دفن الرجل والمرأة في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة، والمرأة من ورائه.
قيل: فهل يجعل بينهما حاجز من صعيد أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت عن مالك فيه شيئًا.
قال أشهب في غير المدونة: يفعل ذلك بالرجلين للضرورة، ويقدم في اللحد أفضلهما، ولا يجعل بينهما من الصعيد حاجز وكفى بالأكفان بينهما حاجز، وكذلك إن فعل ذلك بهما لغير ضرورة، ولمن فعل ذلك حظه من الإساءة.
قال ابن القاسم: في الرجال والصبيان والنساء جمعوا في قبر واحد من ضرورة، قال: يكون الرجال مما يلي القبلة والصبيان من خلفهم والنساء من ورائهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1007

[باب -9 -] في غسل الميت وحنوطه وكفنه

/ قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((للنسوة في ابنته اغسلنها ثلاثًا أو خمسًا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورًا أو شيئًا من كافور.
قال الشيخ أبو الحسن: قولهك إن رأيتن ذلك، يحتمل أن يريد [إن] رأيتن أن تزدن، ويحتمل أن يكون توسعة فيما حد من ذلك إن رأيتن أن تفعلن كذا، وإلا فالانقاء يكفي.
والله أعلم.
وكُفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سَحُولية، ليس فيها قميص ولا عمامة، وأُلحد له في دفنه صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1008

م قال بعض أصحابنا: واختلف إذ غسل في القميص هل بقي عليه أو نزعوه عنه؟ بعض الناس يروي أنه إنما ترك عليه في الغسل للستر لما سمعوا قائلا يقول: لا تنزعوا القميص، ثم لما فرغوا من غسله وكفنوه نزعوا القميص، وأن عبد الرحمن بن أبي بكر أخذه وأراد أن يكفن فيه تبريكًا بذلك، ثم قال: قيمص لم يرضه الله لرسوله لا أحب أن أكفن فيه فبدى له عما أراد.
والله أعلم.
والحديث يدل أنهم نزعوه عنه، وهو قولهم: ((وكفن في ثلاثة أثواب بيض سَحولية، ليس فيها قميص ولا عمامة)).
[فصل -1 - في غسل الميت] م فغسل الميت وتكفينه وتحنيطة/ سنة من الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن السلف بعده، وأما دفنه ففرض على الكفاية، ولأنه من باب ستر العورة، وقد كان

الجزء: 3 - الصفحة: 1009

ذلك متعينًا عليه فلما مات وجب على المسلمين ستره ومواراته؛ لأن حرمته ميتًا كحرمة الحي فيحمل ذلك من قام به.
م وقيل: إن غسل الميت والصلاة عليه ومواراته فرض على الكفاية يحملها بعض الناس عن بعض، كالجهاد وطلب العلم.
ومن المدونة قال مالك: وليس في غسل الميت حد لازم، ولكنه ينقى.
واستحب مالك: في رواية ابن وهب وترًا، كما جاء في الحديث ((بماء وسدر وفي الآخرة كافور أو شيء من كافور)) ((وكفن الرسول عليه السلام في ثلاثة أثواب)).
قال ابن حبيب: السنة أن يكون الغسل وترًا، وكذلك غسل النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1010

قال النخعي: غسله وتر، وتجميره وتر، وكفنه وتر.
وقال ابن سيرين: يغسل ثلاثًا، فإن خرج من شيء غسل خمسًا، فإن خرج منه شيء غسل سبعًا لا يزاد.
وغسل ابن عمر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل ثلاثًا في الأولى صب عليه الماء قراحًا، والثانية غسل رأسه ولحيته وجسده بالماء والسدر، بدأ برأسه ولحيته ثم بشقه الأيمن ثم بشقه الأيسر، ثم الثالثة بماء وشيء من كافور.
وقال مثله النخعي: إلا أنه قال: يبدأ فيوضأ.
ابن حبيب: كما يوضأ الحي.
أبو إسحاق: أنكر سحنون تكرير وضوئه.
وقال أشهب: في ترك وضوئه أصلاً سعة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1011

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن وضئ الميت فحسن، والغسل يجزئ لا بأس أن يعرى من القميص/ للغسل، وتستر عورته، ويجعل الغاسل على يده خرقة، ويفضي بها إلى فرجه، وإن احتاج إلى مباشرة الفرج بيده فعل، ويعصر بطنه عصرًا رقيقًا.
م لأنه لا يأمن أن يخرج منه شيء فيلطخ أكفانه، وتنهتك بذلك صيانته، ويزول المعنى المطلوب بتكرار غسله، والمبالغة في تنظيفه.
وقد روى ذلك عن السلف.
ابن سحنون وقال أشهب: إذا عصر بطنه فليأمر بصب الماء عليه، ولا يقطع مادام يفعل ذلك.
ومن كتاب ابن القرطي: ولا يؤخر غسل الميت بعد خروج روحه، ولا يغسل بماء زمزم ميت، ولا نجاسة، وإنما يكره غسل الميت بماء الورد والقرنفل من ناحية السرف، وإلا فهو جائز إذ لا يغسل للتطهير، وهو أكرم للقاء الملكين.
قال أبو محمد: وما ذكر ابن القرطي في ماء زمزم لا وجه له عند مالك

الجزء: 3 - الصفحة: 1012

وأصحابه.
فإن كان يعني في قوله: بماء الورد والقرنفل أنه لا يغسل بغيره من الماء القراح فليس هذا قول أهل المدينة.
م وهو الذي أراد؛ لأنه قال إذا لا يغسل لتطهير.
م قال أبو إسحاق: وما قاله ابن القرطي: من منع غسل الميت من ماء زمزم وإزالة النجاسة به ليس بظاهر، لاسيما إذا قلنا: إن الميت طاهر ليس بنجس، وأما إجازته غسل الميت بماء الورد والقرنفل فنحا بذلك إلى أن الميت لا عبادة عليه، وإنما يراد بالغسل تنظيفه.
م وقد يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((اغسلنها بماء وسدر)).
وإذا خالط الماء السدر صار الماء مضافًا، فإذا/ جاز أن يغسل بماء السدر وماء الكافور جاز أن يغسل بماء الورد والقرنفل، وبهذا قال كثير من الناس، والأولى أن يكون بماء القراح مع أن قوله عليه السلام: ((أغسلنها بماء وسدر)) يجوز عندنا أن لا يخلط السدر بالماء، وأن يحك الميت بالسدر، ويصب عليه الماء فيحصل حينئذ طهارته بالماء وحده؛ إذ لا يغسل لتطهير.

الجزء: 3 - الصفحة: 1013

ومن المدونة: قال مالك: ويُغسل أحد الزوجين صاحبه، وإن أصاب غيره من نساء أو رجال، ويستر كل واحد عورة صاحبه.
قال أشهب وسحنون: مجردين، فأما العورة فتستر، كما يفعل بالموتى.
قال سحنون: في كتاب ابنه سواء كان الرجل قد دخل بامرأته أم لا.
قال ابن القاسم: وإن وضعت الزوجة حملها بعد موته وقبل غسله فجائز أن تغسله، وإن كانت عدتها قد انقضت/ ولا يلتفت إلى العدة، ألا ترى أن الرجل يغسل امرأته، وليس في عدة منها.
وقد غسلت أسماء أبا بكر، وغسل علي فاطمة ومن غير كتاب أجمع أهل العلم على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات، واختلفوا في الرجل يغسل زوجته فكان علقمة وجابر بن زيد وعبد الرحمن وسليمان بن يسار

الجزء: 3 - الصفحة: 1014

وأبو سلمة ابن عبد الرحمن وقتادة وحماد بن أبي سليمان ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون: يغسلها وكره ذلك الشعبي، وقال الثوري وأصحاب الرأي لا يغسلها.
قال ابن المنذر: فالقول الأول أنه يغسلها؛ لأن عليًا غسل فاطمة.
وأم الولد في الغسل كالزوجة تغسل سيدها ويغسلها، ومنع الحسن من ذلك، وقال: لا تغسل أم الولد سيدها.

الجزء: 3 - الصفحة: 1015

قال في العتبية: وكذلك كل من يحل له وطؤها، مثل: أمته وأم ولده ومدبرته، وأما مكاتبته: سحنون: أو معتقته إلى أجل، أو معتق بعضها، أو أمة له فيها شرك فلا تغسله ولا يغسلها.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولو مات الزوج وامرأته حامل فولدت قبل غسله فلها أن تتزوج غيره وتغسله، وإن ماتت هي وتزوج أختها فله/ أن يغسلها.
قال ابن حبيب: وأحب إليّ إذا نكح أختها أن لا يغسلها، واختلف فيه قول ابن القاسم في المجموعة.
م وكذلك عندي إذا ولدت المرأة وتزوجت غيره أحب إليّ أن لا تغسله؛ لأنه قد حرم عليه تزويجها كما لو كان ذلك طلاقًا، وكان حيًا، كما لو طلقها فولدت، ثم تزوج أختها فينبغي أن يكون الجواب فيهما سواء في الغسل بعد الموت، والله أعلم.
قال ابن الماجشون: وللمرأة إذا غسلت زوجها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ لأنها حاد، إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملاً، أو تكون

الجزء: 3 - الصفحة: 1016

بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس بالطيب إلا الميت.
قال سحنون: وإذا مات أحد الزوجين فظهر أن النكاح بينهما كان فاسدًا لا يقران عليه، مثل: أن تكون أخته من الرضاعة، أو تزوجها شغارًا، أو كان أحدهما محرمًا أو مريضًا فلا يغسل الحي الميت، وإن كان فساده في الصداق، كا/ لنكاح بخمر أو خنزير أو نحوه، فله أن يغسلها وتغسله؛ إن كان قد دخل بها، وإن لم يدخل بها فلا يغسل أحدهما صاحبه وإن ظهر بأحدهما جنون أو جذام أو برص فللباقي منهما أن يغسل صاحبه؛ لأنه نكاح حلا يتورثان فيه قبل البناء وبعده، وكذلك إن زوجها وليّ وثم أولى منه، وأما بعقد أجنبي وهي من ذروات القدر ووليها حاضر فلا، وكذلك إن عقدت هي على نفسها، وإما إن غرته أنها حرة، وفيها بقية رق فإن ولي العقد من يجوز عقده فالغسل بينهما؛ إذ يجوز للزوج المقام عليه، وإن وليه من لا يجوز عقده فلا غسل بينهما.
ولو غرها الزوج أنه حر وهي حرة فالغسل

الجزء: 3 - الصفحة: 1017

بينهما.
م والأصل في هذا أن كل موضع كانا مغلوبين فيه على فسخ النكاح فلا يغتسلان وكل ما كان لأحد الزوجين أو للولي إجازته أو فسخه فإنهما يتغاسلان.
وقال ابن القابسي: الأصل في ذلك والعلة التي لا تخزم هي إذا كان له النظر في محاسنها والاستمتاع بها في حياتها فللحي منهما أن يغسل الميت، وإذا كان ممنوعًا من ذلك فهو ممنوع من/ غسله.
قال سحنون: وإذا اختلف الأولياء في الغسل قضى للزوج بغسل زوجته وإدخالها في قبرها، ولا يقضي للزوجة بغسل زوجها إذا أبى ذلك الأولياء.
قال محمد عن ابن القاسم: تغسل المرأة زوجها والرجل زوجته، وهو أو هي أحق بذلك وأولى من غيره.
قال أبو محمد: وهو أحسن من قول سحنون.
قال سحنون: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ولا تغسله هي إلا

الجزء: 3 - الصفحة: 1018

بحضرة المسلمين.
قال: وللأمة غسل سيدها العبد، وإن ولدت منه، وللعبد غسل زوجته الأمة، ولها أن تغسله من غير أن يقضي بذلك لواحد منهما، إلا أن تكون زوجته حرة، ويأذن له السيد في/ غسلها فيقضي له بذلك.
ومن المدونة: والمطلقة واحدة لا تغسل زوجها قبل انقضاء العدة، ولا يغسلها؛ لأن مالكًا قال: لو سألته أن تبيت في أهلها فأذن لها قبل أن يرتجعها لم يكن إذنه إذنًا، ولا قضاء له عليها حتى يراجعها.
وقال مالك في كتاب أبي الفرج: أنها تغسله.
م وهذا يجري على اختلاف قول مالك في روايتها في الطلاق الرجعي.
قال بعض البغداديين: وجه قوله يجوز له غسلها؛ فلأن أحكام الزوجية قائمة بينهما، من الطلاق والظهار والإيلاء والنفقة والتوارث، ووجه منعه؛ فلأن الاستمتاع بها والنظر إليها ممنوع منه، ولم يحصل ما يزيله من الارتجاع فأشبهت المبتوتة.
فصل -2 - : [في الرجل يموت وليس معه إلا نساء أو العكس] قال مالك: ومن مات في سفر ولا رجال معه، ومعه نساء فيهن

الجزء: 3 - الصفحة: 1019

ذوات محرم منه، أم أو أخت أو عمة أو خالة أو غيرهن فليغسلنه ويسترنه.
قال سحنون: يغسلنه وعليه ثوب.
وقال عيسى بن دينار: ينزع ثوبه، ويستر عورته.
قال مالك: وإن لم يكن فيهن ذات محرم منه يمن وجهه ويديه/ إلى المرفقين.
قال سحنون: فإن يمينه وصلين عليه صلين صفًا واحدًا أفذاذًا، وتمت الصلاة، ثم جاء رجال قبل أن يدفن ومعهم الماء فلا يغسل، ولا يصلى عليه ثانية، وقد أجزأ ما فعل النساء في وقت يجوز لهن فعله، ولو غسله/ الرجال ودفن بلا صلاة غير صلاة النساء لم أر بذلك بأسًا، والأول أحب إلينا.
قال مالك في المدونة: وإن ماتت امرأة مع رجال ولا نساء معها فإن كان فيهم ذو محرم منها غسلها من فوق الثوب، وإن لم يكن فيهم ذو محرم منها يمم وجهها ويديها إلى الكوعتين.
قال ابن سحنون: وقال أشهب: وأحب إلي في أمه وأخته أن ييممها، وكذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 1020

المرأة في ابنها.
سحنون: ولا أعلم من يقوله غيره من أصحابنا، وقول مالك: أحب إلي، ولو فعلوا ذلك رجوت أن يكون ذلك واسعًا.
قال ابن حبيب: وإذا غسلها ذو محرم منها من فوق الثوب فليصب الماء من تحته ولا يلصقه بجسدها فيصف إذا ابتل عورتها، ولكن يجافيه ما قدر، فإن لم يجد الماء يممها إلى المرفق، وإنما تيمم إلى الكوعين إذا لم يحضرها إلا رجال من غير محارمها، كان معهم ماء أو لم يكن، ولو كان معهم امرأة كتابية فليعلموها الغسل فتغسلها، وكذلك رجل مات بين نساء ليسوا بمحارمه ومعهم رجل نصراني أو يهودي فليعلمنه الغسل فيغسله.
قال ذلك كله مالك والثوري.
وقال أشهب في المجموعة: لا يلي ذلك كافر ولا كافرة، وإن وصف لهما الغسل، ولا يؤمنوا على ذلك؛ لأني أخاف أن لا يغسلوه.
قال سحنون: يدع الكافر يغسله، وكذلك الكافرة في المسلمة، ثم يحتاطوا بالتيمم فيهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 1021

فصل -3 - : [في غسل الصبي أو الصبية] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغسل النساء الصبي ابن سبع سنين وشبهه.
قال أشهب في المجموعة: ما لم يؤمر مثله بستر العورة.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين: ولا يغسل الرجل الصبية، وإن صغرت جدًا.
قال عيسى: إذا صغرت جدًا فلا بأس أن يغسلها الأجنبي.
وقاله مالك في الواضحة.
وقال أشهب: إذا كانت من الصغر لم يبلغ مثلها أن تشتهي فلا بأس أن يغسلها؛ لأنه يتقي ذلك منها مثل اتقائه من الصبي.
فصل -4 - : [في غسل الميت يكون ببدنه الجراح أو نحوها] ومن المدونة قال مالك: وإذا مات جريح أو مجدور أو مجروب وخيف عليه أن يتزلع إن غسل فليصب عليه الماء صبًا رقيقًا بقدر طاقتهم،

الجزء: 3 - الصفحة: 1022

ولا ييمموه، ومن قول مالك: إنه لا ييمم ميت إلا/ رجل مع نساء أو امرأة مع رجال.
قال مالك في المجموعة: ومن وجد تحت الهدم وقد تهشم رأسه وعظامه والمجدور المتسلخ فيغسلان ما لم يتفاحش ذلك منهما.
قال ابن حبيب: ولا بأس عند الوباء وما يشتد على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزؤوا فيه بغسلة واحدة بغير وضوء يصب الماء عليهم صبًا ولو نزل الأمر الفظيع فكثر فيه الموتى فلا بأس أن يدفنوا بغير غسل/ إذا لم يوجد من يغسلهم/ ويجعل منهم في قبر واحد.
وقاله أصبغ وغيره.
فصل -5 - : [في حكم غسل المسلم الميت الكافر] ومن المدونة قال مالك: ولا يغسل المسلم أباه الكافر ولا يتبعه ولا يدخله قبره، إلا أن يخاف أن يضيع فيواريه التراب.
م إنما لم يغسله؛ لأن الغسل تابع للصلاة، فلما لم يصل عليه لقطع الولاية بينهما لم يغسله؛ ولأن الغسل تطهير له، والكافر ليس من أهل التطهير.

الجزء: 3 - الصفحة: 1023

وقاله بعض أصحابنا من البغداديين.
قال ابن حبيب: لا بأس أن يحضره ويلي أمر تكفينه حتى يخرجه ويبرأ منه إلى أهل دينه، فإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدم إلى قبره، فإن لم يخش ضيعة وأحب أن يحضر ذفنه فليتقدم أما جنازته معتزلا منه وممن يحمله.
وقد روى أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في ذلك.
وقال عطاء: نحوه.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وأشهب: وإن مات الابن المسلم فلا يُكل إلى أبيه الكافر في شيء من أمره من غسل ولا غيره، فأما مسيره معه ودعاؤه له فلا يمنع منه.
قال مالك: ولا يعزى المسلم بابنه الكافر؛ لقول الله تعالى: (مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا).

الجزء: 3 - الصفحة: 1024

وفي كتاب ابن سحنون: ويعزى الذمي في وليه إن كان له جوار، يقول: "أخلف الله لك المصيبة، وجزاء أفضل ما جزي به أحدًا من أهل دينه".
ومن المدونة قال مالك: وإذا مات كافر بين مسلمين لا كافر معهم لفوه في شيء ورواه/ التراب.
وقال الليث وربيعة: ولا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم.
قال ابن حبيب: وإذا ماتت ذمية حامل من/ مسلم فلتدفن مع أهل دينها، وإنما ولدها عضو منها حتى يزايلها.
ومن العتبية قال ابن القاسم: في نفر مسلمين فيهم كافر لا يعرف ماتوا تحت هدم فليغسلوا ويصلي عليهم وينووا بالصلاة المسلمين، وقاله أشهب.
قال أشهب: وأما الجماعة فيهم مسلم واحد فلا يصلي عليهم حتى يعرف المسلم الواحد بعينه فيصلي عليه.
وقال سحنون: يصلي عليهم، وإن لم يكن فيهم إلا مسلم واحد، وينووا بالصلاة والدعاء للمسلم.
وإن مات

الجزء: 3 - الصفحة: 1025

مسلم ويهودي تحت هدم ولأحدهما مال ولم يعرف المسلم ولا ذو المال فليقدر ويكفنا من ذلك المال، ويصلى عليهما، والنية بالدعاء للمسلم ويدفنان، ويبقى ذلك المال موقوفًا.
فصل -6 - : [في حنوط الميت] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحنط الميت بالمسك والعنبر.
قال ابن عمر لما حنط سعيد بن زيد: "وأيّ شيء أطيب من المسك".
وقال عطاء: والكافور أحب إلي منه.
ومن الواضحة: ونحوه لأشهب.
في المجموعة قال: وإذا فرغت من غسل الميت نشفت بلله في ثوب وعورته مستورة وقد أجمرت ثيابه قبل ذلك وترًا، وإن أجمرتها شفعًا فلا حرج، ثم تبسط الثوب الأعلى، وتجعل الأوسع ثم الأوسع فالأوسع من باقيها، ثم تجعل الحنوط بين أكفانه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجعل الحنوط على جسده وبين أكفانه،

الجزء: 3 - الصفحة: 1026

ولا/ تجعل من فوقه.
قال يزيد بن أبي حبيب: يذر حنوطه على مواضع السجود السبعة.
قال عطاء: وتجعل في مراقه وإبطيه ومراجع رجليه ومأبضيه، ورفغيه، وما هنالك وفي أنفه وفمه وعينيه وأذنيه.
قال أشهب: وإن جعل الحنوط في لحيته ورأسه فواسع.
قال أبو بكر بن محمد: قوله: مراقه يعني مخرج الأذى، ورفغيه ما بين الأنثيين والفخذين، ومأبضيه ما بين الساق والفخذ عند الركبتين.
وقيل عن أبي عمران: أن مراقه يعني ما تحت كل ما رق وانخفظ مثل: الأعكان والجلد ينثني، قال: وهو بتشديد القاف.
قال سحنون: وليسد دبره بقطنة، يجعل فيها ذريره، ويبالغ/ فيها برفق.
قال ابن حبيب: وتُسد أذناه ومنخراه بقطن فيه الكافور، ثم يعطف

الجزء: 3 - الصفحة: 1027

الثوب الذي يلي بدنه يضم الأيسر إلى الأيمن، ثم الأيمن إلى الأيسر كما يلتحف في حياته أشهب: وإن عطف الأيمن أولاً فلا بأس به، ويفعل هكذا في كل ثوب، ولا يجعل الحنوط إلا على الثوب الآخر، وأما/ ظاهر كفنه فلا يجعل عليه شيء.
قال ابن القرطي: ثم يخاط كفنه.
فصل -7 - : [في الكفن] قال النبي صلى الله عليه وسلم في الكفن: "البسوا البياض، وكفنوا فيه موتاكم، فإنها من خير ثيابكم".
قال ابن حبيب: والقصد في الكفن أحب إلينا من المغالاة فيه، وروي ذلك عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
أشهب: والكفن الجديد والخلق سواء.

الجزء: 3 - الصفحة: 1028

ومن المدونة قال مالك: وأحب إلي أن لا يكفن الميت في أقل من ثلاثة أثواب، إلا أن لا يوجد ذلك.
قال ابن حبيب: أحب إلى مالك في الكفن خمسة أثواب تعد فيها العمامة، والمئزر والقميص، ويلف في ثوبين، وذلك في المرأة ألزم؛ لأنها تحتاج إلى مئزر، وتشد بعصابة من حقويها إلى ركبتيها، ودرع وخمار وثوبين.
ابن حبيب: وثوبان أحب إلينا من ثوب واحد، وثلاثة أحب إلينا من أربعة.
قال أبو محمد: يريد الوتر، ويريد في الأول الستر.
قال ابن القرطي: والمرأة في عدة أثواب الكفن أكثر من الرجل، وأقله لها خمسة، وأكثره سبعة.
قال: ولا ينقص الرجل الذي يجد من ثلاثة أثواب، ويكفن في مثل هيئته في حياته، إن تشاح الورثة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1029

قال ابن القاسم في المجموعة: والصبي والصبية إذا لم يبلغا الحلم بمنزلة الكبير في الكفن.
قال سحنون: هذا إن كان قد رهق الحلم، فأما إن كان صغيرًا فالخرقة وشبه ذلك تجزئ، وقاله أشهب.
ومن المدونة قال مالك: ومن شأن الميت عندنا أن يعمم، وذلك أحب إليّ.
وذكر عن أبي العباس الأبياني قال: الذي استحب مالك أن يكفن الميت في ثلاثة أثواب، يريد غير العمامة والمئزر.
قال: ولم يؤزر النبي صلى الله عليه وسلم ولا عمم، وإنما كفن في ثلاثة أثواب أدرج فيها إدراجًا/.
قال ابن القاسم في العتبية: أحب الكفن إلى ما كفن النبي صلى/ الله عليه وسلم فيه، ثلاثة أثواب بيض لا يكون فيها قميص ولا عمامة ولا يؤزر ويدرج فيها إدراجًا.
قال: وأحب إلي أن تؤزر المرأة وتخمر

الجزء: 3 - الصفحة: 1030

وذلك سواء ثلاثة أثواب تدرج فيها إن وجد لذلك سعة.
قال مالك في المدونة: وكره مالك في أكفان الرجال والنساء الخز والمعصفر، وإنما كره الخز؛ لأن سداه حرير، وكره في الأكفان الحرير محضًا، وأجاز مالك الكفن في العصب وهو الحبر وما أشبهه.
قال عنه علي: ولا بأس بالمعصفر والمزعفر للرجال والنساء.
وقال ابن حبيب عن مالك: ولا بأس أن تكفن المرأة في الحرير والخز والمعصفر وما جاز لها وللرجال له في الحياة فالكفن لها أوله فيه مباح ما لم يرد بذلك السمعة والنفج؛ لأنه ليس في محل ذلك، ولا بأس في كفن الرجل بالعلم الحرير، ولا بأس بالثوب الذي يغسل ويبقى فيه أثر زعفران أو عصفر أو مشق.
قال: والحبرة مستحب لمن قوى عليه.
وقد كفن النبي صلى الله عليه وسلم في

الجزء: 3 - الصفحة: 1031

ثلاثة أثواب، قيل إنها بيض.
وقيل: إن أحدها حبرة.
فصل -8 - : [في مؤن الميت] ومن المختصر وغيره: قال مالك: والحنوط وجميع موأن البيت في إقباره إلى أن يواري من رأس ماله، قال: والرهن أولى من الكفن، والكفن أولى من الدين.
م إنما قال: إن مؤن الميت إلى أن يوارى من رأس ماله؛ لأن ستر الميت وصيانته حق لله فهي مقدمة إذ لا يجوز تركها ولا التراخي بإسقاطها؛ ولأنه لو لم يُخلف كفنًا لوجب على المسلمين تكفينه؛ لأن حرمته كحرمة الحي، وإنما قال: إذا كان الكفن مرهونًا فالرهن أولى به من الكفن؛ لأن المرتهن قد حازه عن عوض والعين إذا تعلق به عن عوض أولى، كالدين مع الزكاة، أو مع الوصية، وإنما

الجزء: 3 - الصفحة: 1032

قال: والكفن أولى من الدين؛ فلأن حرمة الميت كحرمة الحي فلما كان في حياته أولى الناس بماله فيما يحتاج إليه إذا أفلس فكذلك بعد موته/.
قال مالك: ومن أوصى أن يكفن في سرف وأوصى بمثل ذلك في حنوطه وقبره فلا يجاز في رأس ماله إلا ما يجوز لمثله لو لم يوص، وقاله ابن القاسم وأشهب.
وقال سحنون: الزائد يكون في ثلثه.
وروى عن مالك في المجموعة أنه لا يجوز من ذلك إلا ما يكفن فيه مثله.
قال ابن القرطي: والزائد على السداد ميراث، وهذا هو المستعمل.
قال أبو إسحاق: وهو الأشبه؛ لأنه القاصد إلى إتلاف ماله فلا يجوز ذلك.
قال: وإذا أوصى بشيء يسير في كفنه وحنوطه لم يكن لبعض الورثة للزيادة فيه بغير ممالاءة من جميعهم.
قال سحنون: في العتبية إذا أوصى أن يكفن في ثوب واحد فزاد بعض الورثة ثوبًا آخر فقام في ذلك بقية الورثة فإن كان في التركة محمل لذلك فلا ضمان على الذي فعله/.
فصل -9 - : [في الميت إذا نبش هل يكفن وتعاد الصلاة عليه؟] قال يحيى عن ابن القاسم: وإذا نبش الميت وعرِّي لم تعد الصلاة عليه،

الجزء: 3 - الصفحة: 1033

وعلى ورثته أن يكفنوه ثانية من بقية تركته، وإن كان عليه دين محيط فالكفن الثاني أولى به.
قال سحنون: فإن قسم ماله فليس ذلك على ورثته، وإن كان قد أوصى بثلثه فلا يكفن في ثلث ولا في غيره.
قال ابن سحنون: فإن وجدوا الكفن الأول بعد أن دفن فهو ميراث.
قال ابن حبيب عن أصبغ: ومن نبش فلا يلزم ورثته تكفينه ثانية في بقية ماله، إلا أن يشاءوا أو يحتسب فيه محتسب.
فصل -10 - : [في من يلزم الرجل أن يكفنه ويقبره] قال ابن الماجشون: ويلزم الرجل تكفين من تلزمه نفقته، من زوجة وولد وأبوين وعبيد، كالنفقة كانت الزوجة فقيرة أو مليئة، ورواه عن مالك في الواضحة.
وروي عنه في العتيبة: إنما ذلك عليه في فقرها.
قال ابن حبيب: وكما لا ينقطع حقه بموته من ماله في كفن نفسه كذلك في كفن من ذكرنا.
وقال أصبغ وسحنون: لا يلزمه في أحد ممن ذكرنا إلا في

الجزء: 3 - الصفحة: 1034

عبيده.
قال سحنون: مسلمين كانوا أو كفارًا؛ لأن نفقتهم لا تزول إلا بزوال الملك، ونفقة الوالدين أمر يحدث، ونفقة الولد تزول، وهذا القياس، ويستحسن أن يجبر في/ الولد الصغار والأبكار والزوجة الفقيرة.
وروى عيسى عن ابن القاسم في الزوجة إن كانت بكرًا فعلى أبيها، فإن دخلت فليس ذلك على الأب ولا على الزوج.
وإن كان لها ولد فذلك على ولدها في عدمها.
فصل -11 - [في الخلاف في ابن آدم هل ينجس بالموت؟ وما يترتب على ذلك].
قال سحنون في المجموعة: ولا ينجس الثوب الذي ينشف به الميت.
وقال محمد بن عبد الحكم: إنه ينجس.
قال ابن القصار: اختلف في ابن آدم إذا مات هل ينجس أم لا؟ وليس لمالك فيه نص، والذي عندي أنه طاهر، وقد قَبَّل النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن مظعون لما مات، وجرت دموعه على خد عثمان، ولو كان نجسًا ما فعل ذلك به.
قال مالك في العتبية وغيرها: وأرى أن يغتسل غاسل الميت، وعليه أدركت الناس، واستحسنه ابن القاسم وأشهب، وقال ابن حبيب: لا غسل عليه

الجزء: 3 - الصفحة: 1035

ولا وضوء، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين، وقاله مالك.
وقال: فإن اغتسل من غير إيجاب فحسن.
وقال غيره: إنما يستحب له أن يغتسل، ولما روي أن الروسول صلى الله عليه وسلم قال: "من غسل ميتًا فليغتسل"، وأمر عليًا رضي الله عنه أن يغتسل لما غسل أياه، ومن طريق المعنى أن الغاسل ربما يخاف أن ينتضح عليه من الماء الذي

الجزء: 3 - الصفحة: 1036

يصيب بدن الميت فيقطعه ذلك عن الانبساط والمبالغة في غسله، فإذا وُطِّن على الغسل تمكن منه وزال ما كان يتقيه، وإنما قيل: "من حمله فليتوضأ" يعني ليصلي عليه إذا بلغ، وقد تقدم هذا.
قال مالك في المجموعة: لا أحب للجنب/ أن يغسل الميت، وذلك جائز للحائض.
قال ابن القرطي: اختلف في غسل الجنب للميت، وإجازته أحب إلينا.
قال أشهب: ومن أصابه شيء من الماء الذي غُسِّل به الميت فغسل ذلك أحب إليّ، فإن لم يفعل وصلى به ولم يعلم أن ذلك الماء أصابه شيء من أذى الميت فلا شيء عليه.
فصل -12 - : [في من هو أولى بالصلاة على الميت من أوليائه].
قال ابن عبدوس: ومن قول مالك وأصحابه أن الابن وابن الابن أولى بالصلاة على الجنازة من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ أولى من ابن الأخ، وابن الأخ أولى من الجد، والجد أولى من العم، والعم أولى من ابن العم، وابن/ العم وإن بعد أولى من مولى النعمة، وكلهم أولى من الزوج.
ومن المدونة قال: وإنما ينظر في هذا إلى من هو أقعد بالميت، فهو أولى بالصلاة عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1037

قال مالك: والعصبة أولى بالصلاة على المرأة من زوجها، وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.
قال مالك: وزوجها أولى بإدخالها في قبرها من عصبتها.
سحنون: ويغسلها إن شاء.
قال: ومن كانت إليه الصلاة من وال أو قاضٍ أ, صاحب الشرط فهو أحق بالصلاة على الميت إذا حضر من أوليائه.
قال ابن القاسم: وصاحب الشرط إذا ولاه الوالي الشرط فهو مستخلف على الصلاة.
قال سحنون في العتبية: وإنما يكون صاحب الصلاة والمنبر أحق من الأولياء إذا كان إليه سلطان الحكم من قضاء أو شرطة، وإلا فهو كسائر الأولياء.
م وإنما كان الإمام أولى بالصلاة/ على الميت من أوليائه؛ لأن طريقها الولاية، وقد قال عليه السلام: "ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا في بيته إلا بإذنه"؛ ولأن الحسين بن علي رضي الله عنهما قدم سعيد بن العاصي- وكان الأمير- فصلى على الحسن رضوان الله عليهم، وقال له: أنت الأمير، ولولا السنة ما قدمتك؛ ولأنها صلاة تفعل في اجتماع فكانت في الأئمة، كالجمعة

الجزء: 3 - الصفحة: 1038

والعيدين.
وقال ابن القاسم: عن مالك في المجموعة: وإمام المصر أحق بالصلاة من الولي والقاضي وصاحب الشرطة وإن كانت إليهم الصلاة.
ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال عن ابن القاسم: إن ذلك لمن كانت غليه الخطبة.
قال مالك في العتبية: وإذا أوصى الميت أن يصلي عليه رجل ووليه حاضر فالموصى إليه أحق، ومازال الناس يختارون لجنائزهم أهل الفضل من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وينبغي لولي الميت إذا حضر رجل له فضل أن يقدمه، وينبغي أن يفعل ذلك من سُئِل فيه.
قال ابن حبيب: والموصى إليه أحق بالصلاة من الوالي، وقاله مالك.
قال سحنون: ومن الولي.
وقد قال مالك: وإذا أوصى على خير ولم يكن لعداوة بينه وبين وليه فذلك نافذ، وإن كان لعداوة بينهما لم تجز، والولي أحق.

الجزء: 3 - الصفحة: 1039

قال ابن حبيب: وإذا أراد الأقعد من الأولياء أن يوكل بالصلاة أجنبيًا فذلك له، وليس لمن تحته من الأولياء كلام، كالنكاح يوكل به.
قال ابن الماجشون وأصبغ في السليمانية: ليس له ذلك إن أراد أن يصلي هو بنفسه، وإلا فالذي معه من الولاة أولى بذلك، وحكاه عن محمد بن الحكم.
م واحتج لهذا بعض الناس بالحضانة، قال: وذلك أشبه من عقد النكاح؛ لأن طريق ذلك الرأفة والشفقة.
والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1040

[باب -10 -] في صلاة النساء وخروجهن مع الجنائز وذكر النياحة والبكاء

[فصل -1 - في كيفية صلاة النساء على الجنازة] قلت: فهل تصلي النساء على الجنائز في قول مالك؟ قال: نعم.
قال ابن القاسم: وإن مات رجل مع نساء لا رجل معهن صلين عليه أفذاذًا ولا تؤمهن إحداهن، ومن غير المدونة وأشهب يقول: تؤمهن واحدة منهن تقوم وسطهن.
[فصل -2 - في حكم خروج النساء مع الجنازة] قال ابن القاسم: وكان مالك يوسع للنساء أن يخرجن مع الجنازة، قال مالك: ولا بأس أن تتبع المرأة جنازة ولدها ووالدها، ومثل زوجها وأخيها إذا عرف أن مثلها تخرج على مثله، وإن كانت شابة، وأكره أن تخرج على غيرهم من أقاربها ممن لا يكون لها الخروج عليهم.
م كذا في الأم ممن لا يكون، وفي نقل أبي محمد وغيره ممن لا ينكر وهو أصوب، فيحتمل أن يكون معنى ما في الأم أن كل امرأة منصرفة ليست من ذوات القدر اللائي لا يخرجن يجوز لها أن تخرج على كل من يخرج عليه في الحياة، ولا تحتجب منه، ولا تخرج على من تحتجب منه من أقاربها، وأما على نقل أبي محمد فيكون المعنى أن المتصرفة تخرج على الولد والوالد والأخ والزوج

الجزء: 3 - الصفحة: 1041

لا غير، ويكون معنى قوله: ممن لا ينكر الذين لا ينكر.
كأنه قال: ولا تخرج على غير هؤلاء الذين لا ينكر عليها الخروج عليهم من الولد والوالد والأخ والزوج، وكذلك وقعت في المبسوط.
والله أعلم، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.
ومن العتبية: سئل مالك عن/ النساء يخرجن إلى الجنازة على الرحائل ومشاة قال: قد كن يخرجن قديمًا، وقد خرجت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل، وقال: وما أرى به بأسًا إلا في الأمر المستنكر.
وقال ابن حبيب: يكره خروج النساء إلى الجنائز، وإن كن غير نوائح ول ابواكي في جنائز الخاص من قرابتهن وغير الخاص وينبغي للإمام/ منعهن من ذلك.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمن رأي منهن: "ارجعن مأزورات غير مأجورات".
[فصل -3 - في النياحة والبكاء على الميت] ويكره اجتماع النساء للبكاء سرًا وعلانية، وقد نهى عمر النساء في موت أبي

الجزء: 3 - الصفحة: 1042

بكر أن يبكين، وفرق جمعهن، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لطم الخدود، وشق الجيوب، وضرب الصدور والدعاء بالويل والثبور، وقال: "ليس منا من حلق ولا خرق ولا دلق ولا سلق"، وذلك حلاق الرأس وتخريق الثياب، والدلق ضرب الخدود وتمريش الوجه، والسلق الصياح في البكاء والقبيح من القول، ومنه (سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ)، وفي الحديث "لعنت

الجزء: 3 - الصفحة: 1043

النائحة، والسامعة والشاقة جيبها، واللاطمة وجهها".
والنياحة من بقايا أمر الجاهلية، ونهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وأغلظ فيها، وينبغي أن ينهى عن ذلك، ويضرب عليه، وقد ضرب عمر نائحة بالّدرة حتى انكشف رأسها، وضرب من جلس إليها من النساء.
وقوله تعالى: (وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ) قال الحسن: لا ينحن، ولا يشققن ثوبًا ولا يخمشن وجهًا، ولا/ ينشدن شعرًا، ولا يدعون ويلاً.
قال ابن حبيب: وقد أبيح البكاء قبل الموت وبعده، ما لم يرتفع به الصوت، أو يكون معه كلام يكره، أو باجتماع من النساء.
وبكى النبي صلى الله عليه وسلم وابنه إبراهيم يجود

الجزء: 3 - الصفحة: 1044

بنفسه، فقيل له في ذلك، فقال: "تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول ما يسخط الرب، يا إبراهيم لولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وقضاء مقضي، وسبيل مأتي، وأن الآخر منا لاحق بالأول لحزنا عليك، ووجدنا بك أشد من وجدنا وحزننا، هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون"، ثم استرجع/ النبي صلى الله عليه وسلم وأكثر من حمد الله عز وجل، ومر النبي صلى الله عليه وسلم بجنازة يبكى عليها من غير نياحة فانتهرهن عمر، فقال عليه السلام: "دعهن يا ابن الخطاب؛ فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد حديث".

الجزء: 3 - الصفحة: 1045

[باب-11 -] في السلام والحدث في صلاة الجنازة

[فصل-1 - في السلام في صلاة الجنازة] قال مالك: ويسلم إمام الجنازة واحدة يسمع ومن يليه، ويسلم المأموم واحدة يسمع نفسه فقط، وإن أسمع من يليه فلا بأس.
قال مالك في الواضحة: ولا يرد عليه إلا من يسمعه، وكذلك عنه في العتيبة.
وروى ابن وهب عن ابن عباس وغيره من الصحابة أن سلام الجنازة تسليمة خفيفة.
[فصل-2 - في استخلاف الإمام في صلاة الجنازة لحدث أصابه] قال ابن القاسم: وإذا أحدث إمام الجنازة استخلف من يتم بهم باقي التكبير ثم إن توضأ فإن شاء رجع فصلى ما أدرك مأمومًا وقضى ما بقي عليه، وإن شاء لم يرجع.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وكذلك إن رعف فليستخلف من يتم بهم كان وليًا لها/ أم لا، وإن خرج ولم يستخلف بهم فليتقدم بهم أحدهم فيتم بهم، وأما إن أحدث متعمدًا أو قهقه فإنهم يقطعون جميعًا ويبتدؤون، وقاله سحنون، قال: وكذلك إن تكلم عامدًا، ولا سجود

الجزء: 3 - الصفحة: 1046

سهو عليه في صلاة الجنائز، وقال أشهب: إذا قهقه إمام الجنازة أو تكلم عامدًا فليقدموا من يتم بهم بقية التكبير، ويبتدئ هو خلف المستخلف.
قال أشهب: وإذا صلوا على الجنازة وهم جلوس أو ركوب فلا يجزئهم وليعيدوا.
قال ابن القاسم: وإذا ذكر الإمام بعد أن صلى على الجنازة أنه جنب أجزأت الصلاة كالفريضة وأن القوم لا يعيدون، وإذا قهقه الإمام قطع وقطعوا وأعادوا الصلاة، وإن أحدث أو رعف قدم من يتم بهم، كالفريضة في هذا، وإن ذكر صلاة نسيها تمادى.
قال أبو إسحاق: وهذا هو الأشبه في المتكلم عامدًا وإن كان غلبه من غير شيء أدخله على نفسه فهو الذي فيه الاختلاف فقد يمكن أن يقال: إنه لا يفسد الصلاة وقد وقع لابن القاسم أنه لا يرجع إلى الصلاة ويتم بهم غيره، ويعيدون صلاة الفريضة.
وأما قول أشهب في الذي ذكر صلاة نسيها أنه يتمادى فإن قدر أن بقية الدعاء كان يسير كان صوابًا كمن ذكر بعد أن صلى ركعة من النافلة أنه يضيف إليها أخرى على أحد القولين، وإن كان الدعاء يطول فكيف ترك الوقت الواجب عليه؟ وهو يقول: إذا ذكر فريضة في فريضة بعد ركعة أنه يقطع ففي الجنازة إذا طالت أحرى أن يقطع ويستخلف على القول الثاني، إلا أن يقال إن الجنازة حضر وقتها والمذكورة فائتة فإدراكه التي حضر وقتها خير من أن يصلي الفائتة وتفوته هذه فلا يقدر على قضائها، ألا ترى أن محمد بن عبد الحكم يقول: إذ كان في خناق من وقت الصلاة فذكر صلاة فائتة أنه يبدأ بالتي حضر وقتها؛ لأنه إن ابتدأ بالفائتة فاتتاه جميعًا فكان مصليا لها في غير وقتها فالآن يصلي التي حضر وقتها فيدركها ثم يصلي الفائتة خير من أن يفوتاه جميعًا فهذا على القول أن يتمادى على صلاة الجنازة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1047

[فصل-3 -] في الصلاة على الجنائز بعد الصبح وبعد العصر قال مالك رحمه الله: ولا بأس بالصلاة على الجنازة بعد الصبح ما لم يسفر بالضياء، وبعد العصر ما لم تصفر الشمس، وفعله ابن عباس.
قال مالك: فإذا أسفر أو اصفرت فلا يصلوا عليها حينئذ ويؤخروها/ إلى الطلوع أو إلى الغروب، وفعله عمر بن عبد العزيز.
قال مالك: إلا أن يخافوا عليها فليصلوا عليها حينئذ.
قيل لمالك: فإن غابت الشمس بأي ذلك يبدأ أبالمكتوبة أو بالجنازة؟ قال: أي ذلك فعلوا فحسن.
وقال عنه ابن وهب: إن صلوا عليها/ بعد المغرب فهو أصوب، وإن صلوا عليها قبل المغرب فلا بأس بذلك، وقال يحيي بن سعيد.
قال أشهب: في غير المدونة يبدؤون بالمغرب؛ لأنها أوجب ووقتها ضيق.
وأما العصر والصبح فأحب إلي أن يبدأوا بالجنازة، وأما الظهر والعشاء فليبدأوا بما شاءوا إلا أن يخافوا في ذلك كله على الجنازة فسادًا أو فوات الصلاة فليبدأوا بما يخافوا

الجزء: 3 - الصفحة: 1048

عليه، وإن صلوا على الجنازة عند طلوع الشمس أو عند غروبها فلا إعادة عليهم.
قال ابن القاسم: وإن دفنت فلا يعيدوا عليها، وقد أرخص مالك أن: يصلوا عليها في هذه الساعات إن خيف عليها.
م وإنما استحب أن يصلى عليها قبل العصر وقبل الصبح، لمنع جواز التنفل بعدهما، فرأى أن الصلاة عليها حينئذ كالتنفل؛ لقول من قال: إن الصلاة على الميت سنة، وأما الظهر والعشاء فالتنفل قبلهما وبعدهما جائز، فلذلك أمرهم أن يبدأوا بما شاءوا.
قال علي عن مالك: ولا بأس بالصلاة عليها بالليل، ولا يصلي عليها إلا في وقت صلاة.
قال أشهب: لا أكره الصلاة عليها نصف النهار، كما لا أكره التنفل حينئذ، ولم يثبت النهي عن الصلاة حينئذ، وقد ثبت النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها.

الجزء: 3 - الصفحة: 1049

باب-12 - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها

[فصل-1 - في حكم تجصيص القبور والبناء عليها] وكره مالك رحمه الله تعالى تجصيص القبور، والبناء عليها، وهذه الحجارة التي تبنى عليها.
م وإنما كره ذلك؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن تجصيص القبور، والقصة الجص؛ ولأن ذلك/ من زينة الدنيا وتفاخرها والميت غير محتاج إلى ذلك.
قال في العتبية: وأكره المساجد المتخذة على القبور.
ومن المدونة: روى ابن وهب عن بكر بن سوادة أن القبور كانت تسوى بالأرض وأن أبا زمعة صاحب النبي صلى الله عليه وسلم "أمر بتسوية قبره إذا مات".

الجزء: 3 - الصفحة: 1050

قال ابن حبيب: وروى جابر "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ترفع القبور، أو يبنى عليها، أو يكتب فيها، أو تقصص"، ويروى تجصص يعني تبيض بالجير أو بالتراب الأبيض، وأمر بهدمها وتسويتها بالأرض، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
قال ابن حبيب: ولا بأس أن يوضع في طرف القبر الحجر الواحد؛ لئلا يخفى موضعه إذا عفا أثره.
قال ابن القاسم في العتبية: لا بأس به في الحجر والعود يعرف الرجل به قبر وليه، ما لم يكتب عليه، ولا أرى قول/ عمر: ولا تجعلوا على قبري حجرًا أبدًا، إلا أنه أراد من فوقه على معنى البناء.
[فصل-2 - في حكم الجلوس على القبور والمشي عليها والسلام عليها وزيارتها] ابن حبيب: ولا بأس بالجلوس على القبور، وإنما نهى عن الجلوس عليها

الجزء: 3 - الصفحة: 1051

للمذاهب للغائط والبول؛ كذلك فسره مالك وخارجة بن زيد.
وقد روى ذلك مفسرًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وكان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يتوسدها ويجلس عليها.
ولا بأس بالمشي على القبر إذا عفا، فأما وهو مسنم والطريق دونه فلا أحب ذلك؛ لأن في ذلك تكسير تسنيمه وإباحته طريقًا.
وقد روي للنبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
ومن المجموعة سئل مالك عن زيارة القبور، فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، ثم أذن فيه، فلو فعل ذلك أحد، ولم يقل إلا خيرًا لم أر به بأسًا، وليس من عمل الناس.
قال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرور بها، وقد فعل ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وكان يقول: السلام عليكم يا أهل الديار من

الجزء: 3 - الصفحة: 1052

المؤمنين والمسلمين، فيرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون.
اللهم ارزقنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم.
ويدل على السلام على القبور ما مضى من السنة في السلام على قبر النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما.
وقد قدم ابن عمر من سفره وقد مات أخوه عاصم فذهب إلى قبره ودعا له واستغفر له.
قال غيره ورثاه فقال: فإن تك أحزان وفائض دمعة ... جرين دمًا من داخل الجوف منقعا تجرعتها في عاصم واحتسبتها ... وأعظم منها ما احتسا وتجرعا فليت المنايا كن خلفن عاصما ... فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معا دفعنا بك الأيام حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1053

[باب-13] في المرأة تموت حاملًا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟

قال ابن القاسم: ولا يبقر بطن الميتة إذا كان جنينها يضطرب في بطنها.
قال ابن القرطي: يدل على ذلك قول الله تعالى: (وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا).
ولو قدر النساء على إخراجه برفق من مخرج الولد كان حسنًا.
م وهذا من قوله: يرد ما استدل به؛ لأنه إذا كان الواجب أن يترك جنينها في بطنها حتى تضعه يوم القيامة فلا يخرج منها بوجه.
وقال سحنون: سمعت أن الجنين إذا استوقن بحياته، وكان معقولًا معروف الحياة فلا بأس أن يبقر بطنها، ويستخرج الولد منها.
قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلًا مبقورًا على رمكة مبقورة.
قال سحنون: وكذلك يبقر على/ دنانير في بطن الميت.
وقال مثله أصبغ في

الجزء: 3 - الصفحة: 1054

العتبية.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا ابتلع جوهرًا لنفسه/ أو وديعة عنده لخوف اللصوص ثم مات فإنه يشق جوفه، ويستخرج ذلك منه.
قال ابن حبيب: وهذا عندي غلط شديد، ولا يشق على حال.
قال: وإن كان جوهرة تساوي، ألف دينار وأضعاف ذلك.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كسر عظم المؤمن ميتًا ككسره حيًا، يعني في الإثم والحرمة، ولقد سألتهم عن المرأة تموت بجمع وولدها يضطرب في بطنها أيشق لاستخراج جنينها.
فكلهم قال: لا، ولكن يستأني بها حتى يموت فكيف يشق بجوهرة أو دنانير.؟ م والصواب عندي ما قاله سحنون وأصبغ؛ لأن الميت لا يؤلمه ذلك، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقد رأى أهل العلم قطع الصلاة لخوف وقوع صبي أو أعمى في بئر وقطعها من غير هذا فيه إثم، ولكن أبيح ذلك/ لإحياء نفس مؤمنة، فكذلك يباح بقر الميتة لإحياء ولدها الذي يتحقق موته لو ترك،

الجزء: 3 - الصفحة: 1055

والواقع في بئر قد يحي لو ترك إلى فراغ الصلاة، فكان البقر أولى.
وأما احتجاجه بقول عائشة رضي الله عنها فيحمل ذلك إذا فعله عبثا، وأما لما هو أوجب منه فلا، ألا ترى أن الحي لو أصابه أمر في جوفه يتحقق أن حياته باستخراجه لبقر عيه ولم يكن إثما في فعل ذلك بنفسه، ولا الأب في ولده ولا السيد في عبده إن فعله بهم جبرًا مع أن حرمة الحي أعظم من حرمة الميت والله أعلم بالصواب.
[فصل - 3 - في الجماعة في البحر يموت أحدهم ماذا يعمل به؟ يلقى في البحر أو ينتظر به البر] وإذا مات الميت في البحر فقال ابن القاسم: إن طمعوا بالبر في يومهم وشبه ذلك أمسكوه حتى يدفنوه في البر من يومهم، وإن يئس من ذلك غسل وكفن وصلوا عليه وألقوه في البحر، ولا يحبسوه.
قال ابن حبيب: يلقونه في أكفانه مستقبل القبلة على شقه الأيمن.
قال ابن الماجشون وابن القاسم: ولا يثقلوا/ رجليه ليغرق كما يفعل من لا يعرف، وحق على من وجده على ضفة البحر أن يدفنه، وقد قيل: يثقل بشيء إذا رمي في الماء.

الجزء: 3 - الصفحة: 1056

تم كتاب الجنائز من الكتاب الجامع من المدونة وما يتعلق بها من غيرها من أمهات الدواوين بحمد الله تعالى وتوفيقه.
وبقي من مسائل الجنائز أبواب لا يستغنى عن قرائتها ومعرفتها.
وأنا أذكرها ليكمل الكتاب بها إن شاء الله تعالى.

الجزء: 3 - الصفحة: 1057

[فصل - 4 - في حكم نبش القبر لاستخراج المال ونحوه].
قال أبو إسحاق: إذا ذكروا بعد الدفن أنهم نسوا في القبر كيسا أو ثوبا لرجل فإن كان يحدثان ذلك فتحوا القبر وأخرجوا ذلك، وإن طال ذلك وشاءوا أن يعطوا لصاحب الثوب قيمته فذلك لهم، وإلا فلهم أن ينبشوه.
قال سحنون: ولو ادعى رجل أن الثوب الذي على الكفن له وقد دفن أو كان خاتما أو دنانير ادعاها فإن كان ذلك يعرف، أو أقر به أهل الميت ولم يدعوه لهم ولا للميت جعل له سبيل إلى إخراج ثوبه، وكذلك الخاتم والدنانير، وإن كان الثوب للميت فإن كان نفيسا فليخرج، وإن لم يكن كثير الثمن فليترك، وإن كان لغير الميت فلصاحبه كشفه عنه، وأخذ ثوبه نفيسا كان أو غيره.
قال عيسى عن ابن القاسم: إذا دفن في ثوب ليس له، فلينبش لاستخراجه ثوبه، إلا أن يطول أمره ويروح الميت فلا يرى إلى ذلك سبيلا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1058

[باب - 14 -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته

[فصل -1 - في توجيه الميت إلى القبلة وتلقينه وإغماضه] ومن الواضحة قال مالك: ولا أحب ترك توجيه الميت إلى القبلة إن استطيع ذلك.
ابن حبيب: وروي ذلك عن عي بن أبي طالب رضي الله عنه، وجماعة من السلف.
وقال مالك في المجموعة: وما علمته من الأمر القديم ينبغي أن يوجه إلى القبلة على شقه الأمن فإن لم يقدر فعلى ظهره ورجلاه إلى القبلة.
ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلى القبلة، إلا أن يغلب أو يعاين، وذلك عند إحداد نظره وشخوص بصره، وينبغي أن يلقن لا إله إلا الله ويغمض/ بصره إذا قضى.
وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) أمر بذلك، وروي أنه قال: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله حرم على النار"، ويستحب أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1059

يقال عنده حين يحتضر سلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، لمثل هذا فليعمل العاملون، وعد غير مكذوب.
قال غيره: الإغماض سنه، أغمض النبي (صلى الله عليه وسلم) أبا سلمة، وأغمض أبو بكر رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
قال مالك/: ولا بأس أن تغمضه الحائض والجنب.
ابن حبيب: ويستحب أن يقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقياك، واجعل ما خرج إليه خيرا مما خرج منه.
ويستحب أن لا يجلس عنده إذا احتضر إلا أفضل أهله وأحسنهم هديا وكلاما، وأن يكثروا من الدعاء، فإن الملائكة يحضرونه، ويؤمنون على دعاء الداعي له، وأكره أن تحضره الحائض والكافر،

الجزء: 3 - الصفحة: 1060

أو يكون عليه أو قربه ثوب غير طاهر.
ويستحب أن يقرب منه رائحة طيبة من بخور أوغيره، ولا بأس أن يقرأ عند رأسه بسورة "يس" أو غيرها.
وقد سئل عنه مالك: فلم يكرهه، وقال: إنما أكره أن يعمل بذلك استنانًا وقال في المجموعة والعتبية: ليس القراءة والإجمار من عمل الناس.
فصل -2 - [صفة وضع الميت في قبره] ويجعل الميت في قبره على شقه الأيمن مستقبل القبلة؛ لقوله عليه السلام: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة".
وقد روي عن السلف أنهم أمروا أن يفعل ذلك بهم عند احتضارهم؛ ولأن الميت كان يعظم هذه الجهة في حياته فيوجه إليها / بعد وفاته، فإن لم يقدر جعلت رجلاه إلى القبلة واستقبلها بوجهه، كالمريض الذي يوجه إلى الصلاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1061

[فصل - 3 - اللحد أفضل من الشق] واللحد أفضل من الشق إلا لضرورة؛ لقوله عليه السلام: "اللحد لنا والشق لغيرنا".
وألحد له (صلى الله عليه وسلم)، وكذلك السلف، وعليه عمل الأمة.
م وهو أن يحفر له تحت الجرف في حائط القبلة.
[فصل - 4 - في فضل التعزية وما يقول المعزي] قال ابن حبيب: قد جاء في تعزية المصاب ثواب كثير، وجاء أن الله تعالى يلبس الذي عزاه لباس التقوى.
وروي أن النبي (صلى الله عليه وسلم): كان إذا عزى قال: "بارك الله لك في الباقي، وآجرك في الفاني"، وعزى عليه السلام امرأة في ابنها، فقال: "إن لله ما أخذ وإن له ما أبقى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ وكل إليه راجعون، فاحتسبي واصبري فإنما الصبر عند أول الصدمة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1062

وكان ابن سيرين يقول: أعظم الله أجرك وأعقبك عقبانًا لدنياك / وأخراك.
وقال مكحول: أعظم الله أجرك، وجبر مصيبتك، وأحسن عقباك، وغفر لمتوفاك.
وكل واسع.
قال غيره: وأحسن التعزية ما جاء به الحديث "آجركم الله في مصيبتكم، وأعقبكم منها خيرًا، إنا لله وإنا إليه راجعون".
وأصيب عمر بن عبد العزيز بامرأة من أهله فلما دفنت ورجع معه القوم فأرادوا أن يعزوه عند منزله فدخل وأغلق الباب، وقال: إنا لا نعزي في النساء، وفعله عبد الملك في وفاة ابنته، ولغير ابن حبيب: عن مالك أنه قال: إن كان فبالأم، قال غيره: وكل واسع.
وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): "ليعز المسلمين في مصائبهم المصيبة بي".
وجعل المصيبة بالزوجة

الجزء: 3 - الصفحة: 1063

الصالحة والقرين الصالح مصيبة.
قال النخعي: كانوا يكرهون التعزية عند القبر.
قال ابن حبيب: ذلك واسع في الدين فأما في الأدب فيعز الرجل في منزله.

الجزء: 3 - الصفحة: 1064

[باب - 15 -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر

[فصل - 1 - في بقاء الروح وذكر النفس والروح] قال أبو محمد: ومن قول أهل السنة وأئمة الدين في الأرواح أنها باقية فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم يبعثون.
قال الله تعالى في الشهداء: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾.
وهذا في الذين من خلفهم بعد في الدنيا، وقال في آل فرعون: (النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا)، وهذا قبل قيام الساعة (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ)، وقال تعالى: (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
ولم يقل فيميت التي قضى عليها/ الموت فوفاة النفوس والأرواح توفى قبض، لا توفى تلاشى.
قال الله عز وجل: (تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا)، وذلك في زوال الروح عن الجسد.
وقال في الكفار: (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ

الجزء: 3 - الصفحة: 1065

اليوم) ولم يقل إنهم يميتون أنفسهم.
وقال الله تعالى في قول من قال من الموتى (رَبِّ ارْجِعُونِ) فهذا قول/ الروح، وإذا كان الشهداء قبل يوم القيامة أحياء يرزقون فكذلك لا يمنع من سعد بطاعته أن تكون روحه منعمة ويتفاضلون في الدرجات.
وقد تظاهرت الأحاديث بتنعيم أرواح المؤمنين بعد الموت قبل يوم القيامة وأنها تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش، وأنها تعلق في شجر الجنة يقول تأكل، كما قال في الشهداء: (يُرْزَقُونَ)، وهذا لا يدفعه إلا زائغ ملحد.
وأما حديث في

الجزء: 3 - الصفحة: 1066

حواصل طير خضر فليس بصحيح، والصحيح ما ذكرت، ومما يؤيده القرآن؛ ولأن الروح لا ترجع إلا إلى جسده الذي كان فيه، وكذلك جاء الأثر في النفخ في الصور لتخرج منه الأرواح كل روح إلى جسده.
واختلف في النفس والروح، فقيل: إنهما اسمان بمعنى واحد، وإليه ذهب غير واحد من أصحابنا، منهم: سعيد بن محمد الحداد، وذكر أصبغ عن

الجزء: 3 - الصفحة: 1067

ابن القاسم في العتبية وغيرها أنه سمع عبد الرحيم بن خالد يقول بلغني أن الروح له جسد ويدان ورجلان ورأس وعينان يسل من الجسد سلا.
وفي رواية ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم عن عبد الرحمن أن النفس هي التي جسد مجسد.
قال ابن حبيب: وهي في الجسد كخلق مركب عليه خلق، وكخلق في جوف خلق تسل من الجسد بصورتها، ويبقى الجسد جثة، والروح هو النفس الجاري الداخل والخارج ولا حياة للنفس إلا به، فالنفس هي التي تلذ وتفرح وتألم وتحزن وتعقل وتسمع وتبصر وتتكلم، والروح لا تلذ ولا تألم ولا تعرف شيئا، والنفس هي التي ترى في المنام وتقبض عند النوم، ومن انقضى أجله اتبع روحه نفسه في المنام فكان ذلك توفية، ثم تصير الأرواح والأنفس بعد الموت شيئًا واحدًا وإنما تميز في الأجساد فإذا انقضى الأجل تبع الروح النفس فصارت كلها أرواحا عند الله تعالى، قال: (وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) هي التي ترجع إلى جسدها إلى تمام أجلها، ومنه قول النبي (صلى الله عليه وسلم) عند/ المضطجع: "اللهم إن أمسكت نفسي فاغفر لها وارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك"، ومنه قول الله تعالى:

الجزء: 3 - الصفحة: 1068

(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى).
فليست تموت الأنفس والأرواح، وإنما تموت الأجساد، وتخرج النفس ثم هي حية عند الله تعالى إلى يوم الدين.
/ والله أعلم.
فصل - 2 - [في فتنة القبر] قال ابن حبيب: وفتنة القبر وعذابه قوي عند أهل العلم والسنة، وإنما يكذب به زنديق ومن لا يؤمن بالبعث بعد الموت.
وقد روي أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا قبضت الروح عرج بها إلى السماء حتى توقف بين يدي الجبار فإن كانت من أهل السعادة أمر الله تعالى ملائكته يذهبون بها فيرونها مقعدها من الجنة وما أعد الله لها من النعيم، وإن كانت من أهل الشقاء أروها مقعدها من جهنم وما أعد الله لها فيها من العذاب، ثم يذهبون بها قدر ما فرغ من

الجزء: 3 - الصفحة: 1069

غسل الجسد وكفنه فيدخلون ذلك الروح بين الجسد والكفن فما يتكلم أحد بشيء إلا وهو يسمعه إلا أنه منع من المراجعة فإذا وضع في قبره وواروه سمع خفق نعالهم ونفضهم أيديهم من التراب ثم يأتيه فتانا القبر منكر ونكير ملكان/ أسودان أزرقان يطآن في شعورهما وينحتان الأرض بأنيابهما معما إرزبة من حديد لو اجتمع عليها أهل منى لم يطيقوها.
قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): وهي أهون عليهما من هذا ورفع شيئًا من الأرض فيسألانه عن ربه وعن نبيه وعن دينه، فيثبت الله الذين آمنوا ويضل الله الظالمين.
قال ابن حبيب: ثم يذهب بروح المؤمن بعد فتنته في قبره إلى عليين، وفيها تجتمع أرواح المؤمنين، فهي باقية في صورة طير بيض تذهب في الجنة

الجزء: 3 - الصفحة: 1070

حيث شاءت وتصيب من ثمارها، وترى مقعدها ومثواها من الجنة إلى يوم القيامة بالغداة والعشي، ثم تأوي إلى جنة المأوى في ظل العرش إلى / قناديل من نور معلقة بالعرش وإنما سميت جن المأوى؛ لأن أرواح المؤمنين تأوي إليها ويبقى جسد المؤمن في قبره رميما إلا من كرم الله من المؤمنين، كما كرم أنبياءه فلا تنقض الأرض من أجسادهم شيئًا.
والأنبياء عليهم السلام أول من يخرج من الأرض يوم البعث، وأما الكافر فترد روحه بعد عذابه في قبره إلى سجين وهي شجرة سوداء على شفير جهنم فيها تجتمع أرواح الكفار والأشقياء الفجار في جوف طيور سود تعرض على النار بالغداة والعشي إلى يوم البعث، ويبقى جسده في قبره رميما.
ومنهم من حفر عنه فوجد رمادًا في قبره قد احترق.
وأرواح المؤمنين خاصة تطلع على قبورهم ومواضع رميم أجسادها ذاهبة وراجعة ثم تأوي إلى جنة المأوى مكرمة من الله تعالى لها، ولذلك أمر النبي (صلى الله عليه وسلم) بالسلام على القبور وزيارتها، وأما أرواح الأشقياء فمحبوسة في سجين لا يؤذن لها باطلاع قبورها تضييقًا من الله تعالى عليها فإذا كان يوم القيامة جمعت الأرواح/ كلها فأدخلت في الصور، والصور مثقب على عدد الأرواح كلها، فإذا نفخ فيه نفخة البعث خرج كل روح من ثقبه في فور واحد فتنتشر ما بين

الجزء: 3 - الصفحة: 1071

السماء والأرض كأنها النحل، ثم تذهب إلى أجسادها، وقد أنبتها الله تعالى فيأتي كل روح إلى جسده، وقد ألهمه الله سبحانه وتعالى إلى معرفته فتدخل فيه من منخريه ويدب في الجسد، فإذا هم أحياء فيتنهون صوت نفخة الصور وهو قوله تعالى: (يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ)، فذلك البعث والحشر إلى الله عز وجل لفصل القضاء، وهو قوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ * وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) هنا كمل كتاب الجنائز، وبتمامه تم الجزء الأول من الجامع لابن يونس، ويتلوه في الصاني كتاب الصيام بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه الجزيل عشية الثلاثاء الثاني والعشرين من شهر الله جمادي الثاني من عام ثمانية وتسعون ومئة وألف بالبلاد المباركة، اللهم تقبله وانفع وارحم كاتبه وآمره بالكتاب دنيا وأخرى إنك جواد كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا.
أ. هـ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1072

كتاب الصوم

الجزء: 3 - الصفحة: 1073

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامع
[باب]-1 - في الصلاة على الجنازة والدعاء لها[باب-2 -] جامع ما جاء في التكبير على الجنازة[باب-3 -] جامع ما جاء في حمل السرير والمشي امام الجنازة[باب]-4 - جامع ما جاء فى الصلاة علي الجنازة فى المسجدباب -5 - في الصلاة علي قاتل نفسه ومن مات من حد وعلي الإعجمي والسقط وولد الزنا والمرتد وقتلي الخوارج. وعلى بعض الجسد[باب]-6 - في من فاته بعض التكبير أو نسيه أو نسي شيئًا من أمر دفنه وكيف إن كان الإمام يكبر خمسًا؟[باب]-7 - في اجتماع الجنائز في صلاة، وكيف إن نوى الإمام واحدة؟[باب]-8 - جامع القول في الشهيد[باب -9 -] في غسل الميت وحنوطه وكفنه[باب -10 -] في صلاة النساء وخروجهن مع الجنائز وذكر النياحة والبكاء[باب-11 -] في السلام والحدث في صلاة الجنازةباب-12 - في تجصيص القبور والبناء عليها والجلوس والمشي والسلام عليها وزيارتها[باب-13] في المرأة تموت حاملًا هل يبقر بطنها على جنينها أو يبقر بطن من ابتلع مالا ثم مات؟[باب - 14 -] في توجيه الميت وتلقينه وإغماضه ووضعه في قبره والتعزية بمصيبته[باب - 15 -] في بقاء الروح وذكر النفس والروح وفتنة القبر
كتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل