كتاب الشركة
[الباب الأول]
في جواز الشركة وبيان وجوهها
[الفصل 1 - في
الأصل في جواز الشركة]
والأصل في جواز الشركة قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ [الكهف:19].
وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال:41].
فدل أن الأربعة الأخماس للغانمين تقسم بينهم.
والشركة على ثلاثة وجوه: شركة بالأموال، وشركة بالأبدان، وشركة بالذمم لا بمال ولا بعمل بدن، فشركة المال وشركة الأبدان جائزتان.
فشركة المال من قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾.
وشركة الأبدان من قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.
الجزء: 16 - الصفحة: 266
والأربعة أخماس للغانمين تقسم بينهم، وهم نالوا ذلك بعمل أبدانهم.
وأما شركة الذمم فإنها غير جائزة؛ لأنها ذمة بذمة، وهي من وجه الدين بالدين، والشركة تلزم بالعقد كالبيع لا رجوع لأحدهما فيها بخلاف القراض والجعل.
[الفصل -2 - في
وجوه الشركة الجائزة]
ومن المدونة قال مالك: ولا تجوز الشركة إلا بالأموال، أو على عمل الأبدان إذا كانت صنعة واحدة.
فأما بالذمم بغير مال على أن يضمنا ما ابتاع كل واحد منهما فلا تجوز، كانا في بلد واحد أو في بلدين يجهز كل واحد منهما لصاحبه تفاوضا، وكذلك في تجارة الرقيق أو في جميع التجارات أو في بعضها.
وكذلك إن اشتركا بمال قليل على أن يتداينا؛ لأن كل واحد يقول لصاحبه: تحمل عني بنصف ما اشتريت على أن أتحمل عنك بنصف ما اشتريت، إلا أن يجتمعا في شراء سلعة معينة حاضرة أو غائبة فيبتاعاها بدين فيجوز ذلك إذا كانا حاضرين؛ لأن العهدة وقعت عليهما.
وإن ضمن أحدهما عن صاحبه فذلك جائز.
وقال بعض أصحابنا: وإنما يجوز ذلك إذا كانت أنصباؤهما متفقة.
وأما إذا كانت مختلفة يكون لأحدهما الثلث والآخر الثلثان، فلا يصلح أن يضمن الذي له الثلث إلا مثل ما يضمن عنه صاحبه لا أكثر.
قال بعض فقهاء القرويين: ويتبع البائع كل واحد منهما بنصف الثمن إذا لم يعلم
الجزء: 16 - الصفحة: 267
أنهما اشتركا على الثلث والثلثين، ويتراجعان فيما بينهما، وإن علم بأجزائهما في الشركة أتبع كل واحد منهما بما ينوبه، وإنما يجوز حمالة أحدهما لصاحبه إذا تساويا؛ لأن كل واحد منهما تحمل بمثل ما تحمل عنه صاحبه، ولا يجوز ذلك في سلعتين يختص كل واحد منهما بسلعة وتحمل أحدهما عن صاحبه على أن يتحمل عنه الآخر، كما لا يجوز أسلفني بشرط أن أسلفك، وإنما أجيز في اشتراكهما في البيع؛ لأنه من عمل الناس فيما مضى.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: إذا وقعت الشركة بالذمم كان ما اشتريا بينهما على ما عقدا، وتفسخ الشركة بينهما من الآن.
قال ابن القاسم في باب المتفاوضين: وأكره أن يخرجا مالاً على أن يتجرا به وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى كل واحد بينهما، وإن جاوز رؤوس أموالهما.
قال بعض فقهائنا القرويين: وإنما لزم كل واحد منهما ما اشترى صاحبه في الشركة بالذمم؛ لأنه كأنه عنده من باب الوكالة الفاسدة.
الجزء: 16 - الصفحة: 268
والأشبه كان على مذهب ابن القاسم أن يكون ما اشترى كل واحد له، وهذا تأويل سحنون عليه؛ لأنه لما قال له: اشتر أنت فما اشتريت لزمني نصفه، وما اشتريت أنا لزمك نصفه أشبه المفاوضة في السلعتين اللتين يشتريان فلم يلزم ذلك شريكه، كما إذا تشاركا بسلعتين شركة فاسدة لم يكن البيع فيها فوتاً يوجب على كل واحد نصف قيمة سلعة صاحبه؛ لأن يد كل واحد على سلعته.
فكذلك الشراء ها هنا وقع أن يشتري كل واحد له ولصاحبه بشرط أن ما اشترى صاحبه لازم له، فليس كالوكالة الفاسدة للمفاوضة الداخلة هاهنا فأشبه المفاوضة في السلعتين، والله الموفق.
الجزء: 16 - الصفحة: 269
[الباب الثاني]
في شركة الصناع
[الفصل 1 - في
وجه العمل في شركة الأبدان]
قال ابن القاسم: وجه العمل في شركة الأبدان أن يكون الربح بينهما بقدر أعمالهما تساويا في ذلك أو تفاضلا، وكذلك في شركة الأموال يكون الربح والوضعية بقدر المال والعمل وإلا كانت إجارة مجهولة، ولا يلتفت في شركة الأموال إلى اختلاف تجارتهما مثل أن يكون واحد عطاراً والآخر بزازاً، ولا إلى اجتماعهما، بل جائز أن يكون في بلدين يجهز كل واحد منهما على صاحبه.
وأما شركة الأبدان فلا يجوز أن يكونا في حانوتين، ولا أن تكون صنعتهما مختلفة مثل خياط وصباغ.
قال ابن القاسم: شركة أهل الصنعة جائزة بوجهين أحدهما أن تكون الصنعة متحدة، وأن يعملا في حانوت واحد وموضع واحد.
وأجاز في العتبية أن يكونا في حانوتين في صنعة واحدة.
م/: لعله يريد في موضع واحد أو في موضعين نفاقهما واحد، وتكون أيديهما تجول في الحانوتين جميعاً، وأجاز لو كانا ذوي صنعتين أن يكونا في حانوت واحد يعملانهما جميعاً.
الجزء: 16 - الصفحة: 270
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقعدت صانعا في حانوت على أن تتقبل المتاع عليه, فما رزقكم الله فبينكما نصفين لم يجز.
قال بعض أصحابنا: وذلك على ثلاثة أوجه إن كان صاحب الحانوت هو الذي يتقبل المتاع وعهدته عليه, فالغلة له والضمان عليه, وللصانع أجر مثله فيما عمل, وإن كان الصانع هو الذي يتقبل وعليه العهدة فالغلة له, ولصاحب الحانوت كراء حانوته.
فإن كانا يتقبلان جميعا فالضمان عليهما والغلة بينهما.
م/: وللعامل على رب الحانوت نصف إجارة مثله, ولرب الحانوت على الصانع نصف كراء حانوته.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن قال لرجل: اجلس في هذا الحانوت, وأنا آخذ المتاع بوجهي, والضمان عليَّ وعليك.
قال: الربح بينهما على ما تعاملا عليه, ويرجع من له فضل عمل على صاحبه.
ولو قال له: اجلس وأنا آخذ لك متاعا فتبيعه ولك نصف ما ربحت ولم يصلح, فإن نزل فللذي في الحانوت أجر مثله, وللذي أجلسه الربح كله.
م/: لأن الأولين اشترطا الضمان عليهما فوجب قسمة الربح بينهما على ذلك, ويرجع العامل بفضل عمله.
وفي الثانية إنما أجَّر العامل إجارة فاسدة فله فيها إجارة مثله.
الجزء: 16 - الصفحة: 271
ومن المدونة قال: وإنما تجوز الشركة في عمل الأبدان إذا كان عملهما نوعا واحدا كالصباغين والخياطين, ويعملان في حانوت واحد, وإن فضل أحدهما الآخر في العمل وهذا ما لابد منه.
قال سحنون: ما لم يتفاحش ذلك.
قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يشتركا على أن يتفرقا في قريتين أو في حانوتين, وإن اتفقت الصنعة.
ولا يشترك ذوا صنعتين, وإن كانا في موضع واحد كقصار مع حداد ونحوه.
وإنما قال: لا يجوز إذا افترقا في موضعين وإن كانت صنعتهما واحدة؛ لاختلاف نفاق الأعمال في المواضع, فربما عمل أحدهما لكثرة العمل بموضعه, ويبطل الآخر فيكون ذلك تفاضلا في الشركة, ومن سنتها المساواة, وذلك في شركتهما في عمل الأبدان, فأما إن كانا يتجران في موضع بأموالهما فذلك جائز.
قال ابن المواز عن أشهب: لا بأس أن يخرجا مالاً متساوياً على أن يُقْعِدَ هذا بزازا وهذا عطارا.
م/ لأن الربح للمال وقد تساويا فيه.
الجزء: 16 - الصفحة: 272
[الفصل 2_ في
اشتراك ذوي صنعة على عمل أبدانهما مع اختلاف قدر ما على كل واحد من
العمل وماله من الربح]
ومن المدونة: وإن اشترك ذوا صنعة على عمل أبدانهما, ولا يحتاجان إلى رأس مال على أن على أحدهما ثلث العمل, وله ثلث الكسب, وعليه ثلث الضياع, وعلى صاحبه ثلثا ذلك, وله ثلثا الكسب فذلك جائز كالأموال, وكذلك شركة الجماعة على ما وصفنا.
وما احتاج إليه شريكا الصنعة من رأس المال أخرجاه جميعا بينهما بالسوية وعملا جميعا, وإن أخرج أحدهما ثلث رأس المال والآخر الثلثين على أن العمل عليهما جميعا والربع بينهما نصفين لم تجز هذه الشركة.
وإن كان بقدر ما أخرج كل واحد من رأس المال في عدد أو وزن يكون له من الربح وعليه من الوضيعة والعمل فذلك جائز.
وإن اشترك قصَّاران لأحدهما الحانوت وللآخر الأداة, والكسب بينهما لم يجز, كقول مالك فيما إذا جاء أحد منهما برحى, والآخر بدابة, والكسب بينهما نصفين, أنه لا يجوز إذا كانت إجارتهما مختلفة.
فكذلك مسألتك.
قال ابن المواز: لأن أحدهما لم يضمن لصاحبه ثمنا ولا كراء, ولو أكرى هذا من هذا, وهذا من هذا بشيء معلوم, وتساويا في ذلك لجاز.
الجزء: 16 - الصفحة: 273
[الفصل 3_ في اشتراك ذوي صنعة وتفاضلهما بشيء تافه مما يحتاجان إليه في
صنعتهما]
ومن المدونة قال مالك: وإن تطاول أحد القصارين بشيء تافه على صاحبه من الماعون لا قدر له في الكراء مثل قصرية ومدقة ونحوها جاز, كأرض لا بال لها بين المتزارعين, وأما أن تطاول أحدهما على صاحبه بأداة لا يلغى مثلها لكثرتها لم يجز حتى يشتركا في ملكها, أو يكتري من الآخر نصفها كالمتزارعين يشتركان فيخرج أحدهما أرضا لها قدر من الكراء فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر فلا يجوز ذلك, إلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض, ويكون جميع البذر والعمل بينهما بالسوية, أو تكون أرضا لا بال لها في الكراء خاصة كأرض المغرب وغيرها, فيجوز أن يلغي الكراء لصاحبه ويخرجان ما بعد ذلك بالسوية.
[الفصل 4_ في الاشتراك في الآلة ورأس المال في شركة الأعمال]
واختلف في الشركة بالأعمال إذا احتاجوا إلى الآلة, فقيل: لا يجوز حتى يشتركوا في الآلة ليضمناها جميعا, أو يكري بعضهم من بعض.
وقيل: جائز إذا ساوى كراء ما يخرج أحدهما كراء ما يخرج الآخر, كالاختلاف في الشركة في الحرث, وإذا احتاج الصانعان إلى رأس مال أخرجاه برأس أعمالهما, فلا يفترقان بخلاف التجر؛ لأن الصانعين وإن اختلفا أو احتاجا إلى رأس مال فالمقصود منهما الصنعة لا ما يخرجانه من رأس المال, ولو كانت صنعة لا قدر لها والمبتغى منها التجر لجاز أن يفترقا.
وقد أجاز ابن حبيب: إذا اشتركا في رقاب الدواب وعلى أن يحتشا عليها أن يفترقا, وهو ظاهر كتاب محمد.
الجزء: 16 - الصفحة: 274
م: فلعله أراد لأن الأغلب رؤوس أموال الدواب فأشبه الشركة في المال, وأما إذا كانا يحتشان فلا يجوز إلا أن يتعاونا في موضع واحد.
قاله كله بعض الفقهاء القرويين.
قال: وأما لو احتش هذا في ناحية وهذا في ناحية والموضع واحد إلا أنهما لا يتعاونان لم يجز.
فصل [5_ في ثلاثة يشتركون في عمل أبدانهم ويأتي أحدهم بدابة والآخر برحى
والثالث بالبيت]
قال ابن القاسم: وإذا اشترك ثلاثة نفر أتى أحدهم بدابة والآخر برحى, والثالث بالبيت على أن يعملوا بأيديهم, والكسب بينهم أثلاثا, فعملوا على ذلك وجهلوا أنه لا يجوز, فإن ما أصابوه يقسم بينهم أثلاثا إن كان كراء الرحى والبيت والدابة معتدلا, وتصح الشركة؛ لأن كل واحد أكرى متاعه بمتاع صاحبه, ألا ترى أن الرحى والبيت والدابة لو كان ذلك لأحدهم فأكرى ثلثي ذلك من صاحبه, ثم عملوا جازت الشركة.
قال: وإن كان كراء ما أخرجوه مختلفا قسم المال بينهم أثلاثا؛ لأن رؤوس أموالهم عمل أيديهم وقد تكافأوا فيه, ويرجع من له فضل كراء على أصحابه, فيترادون ذلك فيما بينهم وإن لم يصيبوا شيئا؛ لأن ما أخرجوه مما يكرى, وقد اكترى كراء فاسدا, ولم يتراجعوا في عمل ايديهم لتساويهم فيه, فجعلت ذلك كرؤوس أموالهم.
قال أبو محمد: وتفسير ما قال ابن القاسم في تراجعهم في اختلاف أكرية ذلك مثل أن يكون يساوي كراء البيت ثلاثة دراهم, والدابة درهمين, والرحى درهما,
الجزء: 16 - الصفحة: 275
فقد تساووا في درهم فلا يتراجعون فيه, وصاحب البيت له فضل درهمين له منهما ثلثا درهم على كل واحد من صاحبيه, وصاحب الدابة له فضل درهم له منه ثلث درهم على كل واحد من صاحبيه, فإذا طلب صاحب البيت صاحب الدابة بثلثي درهم طلبه صاحب الدابة بثلث درهم له قِبَلَهُ فيتقاصان, ويبقى لصاحب البيت ثلث درهم على صاحب الدابة, ولصاحب الدابة ثلث درهم على صاحب الرحى, ولصاحب البيت ثلثا درهم على صاحب الرَّحى أيضا, فآخر الأمر أن يغرم صاحب الرحى لصاحب البيت ثلثي درهمٍ, ولصاحب الدابة ثلثَ درهمٍ فيدفعه صاحب الدابة إلى صاحب البيت فيحصل له درهم ويتساوون, وإن لم يجد له شيئا وداه من عند نفسه.
م/ إذا حضروا كلُّهم وهم أملياء وطلبوا المحاسبة فيدفع صاحب الرحا لصاحب البيت درهما ثلثه عن صاحب الدابة وثلثاه عن نفسه وينصرفون؛ لأن جميع إجارة البيت والرحا والدابة ستة دراهم فلصاحب الدابة كراء دابته درهمان فلا شيء له ولا عليه, ويرجع صاحب البيت على صاحب الرحا بدرهم فيعتدلون, وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: إذا نزل ذلك وفات بالعمل قسموا مالهم أي ما أصابوه على قدر إجارة ما لكل واحد منهم, فإن فضل شيء قسموا ما فضل على قدر ذلك.
م/: وبيان ذلك أن يعلم جميع ما أصابوه فكأنه ثمانية عشر درهما, ثم يقال كم كراء كل واحد منهم؟ فيقال: كراء البيت ثلاثة دراهم, والدابة درهمان, والرحى درهم, فيأخذ كل واحد كراء شيئته, ثم يقال: ما أجرة كل واحد؟ فكأنه قيل: درهم درهم فيأخذه أيضا فيحصل لصاحب البيت أربعة, ولصاحب الدابة ثلاثة, ولصاحب الرحى درهمان, فذلك تسعة, ويبقى ما أصابوه تسعة, فيقسمون ذلك على التسعة التي صارت لهم, فيصير لصاحب البيت ثمانية, ولصاحب الدابة ستة, ولصاحب الرحى أربعة.
الجزء: 16 - الصفحة: 276
وقال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يكون عمل أيديهم وكراء آلتهم رؤوسَ أموالهم, فيضيف كل واحد كراء عمل يده إلى كراء ما أخرج, ويجمع ذلك كله, ويقسم ما أصابوه على ذلك, فلا يختص برأس المال عمل اليد دون الآلة؛ لأن ذلك كله رأس مال, ولو عجز ما وجوده عن كراء الآلة لا نبغى أن لا يتراجعوا في الذمم بما فضل لبعضهم على بعض؛ لأن يد كل واحد على ما أكراه كراء فاسدا, فلا يضمن شريكه ما زاد على ما وجدوه من الأكرية كما لو اشتركوا في سلعتين شركة فاسدة فباعوا لم يضمن واحد لصاحبه قيمة نصيب صاحبه, وإنما تكون رؤوس أموالهم ما باعوا به سلعتهما على ما قدما.
م/: وهذا قول حسن؛ لأن عمل أيديهم, وما أخرجوه من الآلة من جنس ما يكرى, فيكون ذلك كله رأس مال تقع القسمة عليه, كان ما أصابوه قليلا أو كثيرا, فهو يرجع إلى قول محمد إذا كان ما أصابوه قدر كراء آلتهم وعمل أيديهم فأكثر لا يختلف ذلك في القسمة, فإن كان أقل من ذلك اختلف ووقع الظلم بينهم إذا بدئ بأكرية الآلة أو بأكرية الأيدي إذ قد يكون كراء آلة أحدهم عشرة دراهم وأجرة يده درهمين, وتكون أجرة آلة الآخر درهمين وأجرة يديه عشرة دراهم, فإن أصابوا قدر أجرة الآلة وبدئ بالقسمة عليهم ظُلِمَ من أجرة آلته قليلة وأجرة يده كثيرة, وإن بدأوا بالقسمة على أجرة الأيدي ظُلِمَ هاهنا صاحب الآلة, وبان بذلك أن أعدل الأقوال أن تجمع أكرية
الجزء: 16 - الصفحة: 277
الجميع ويقسموا ما أصابوا عليه, فلا يقع ظلم على واحد منهم؛ ولأن ما أخرجوه مما يكرى فوجب أن يكون كراء رأس المال كثمن السلعتين في الشركة الفاسدة, فهما إنما تكون رؤوس أموالهما ما بيعت به سلعتهما, فكذلك أكرية أيديهما وآلاتهما, وهذا أبينها وبالله التوفيق.
[مسألة: في ثلاثة يأتي أحدهم بالبيت والآخر بالرحى والثالث بالدابة ويكون
العمل على صاحب الدابة لوحده]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شرط صاحب البيت والرحى أن العمل على رب الدابة فعمل على هذا فكان الربح والوضيعة لصاحب الدابة, وعليه الضمان؛ لأن عمله كأنه رأس المال, وعليه أجرة الرحى والبيت, وإن لم يصب شيئا, كالدابة يعمل عليها الرجل على نصف ما يكسب.
فصل
[6_ في أحد شريكي الصنعة يغيب يوما أو يومين ويعمل صاحبه حال غيابه]
قال: وإذا مرض أحد شريكي الصنعة فغاب يوما أو يومين فعمل صاحبه فالكسب بينهما؛ لأن هذا أمر جائز بين الشركاء إلا ما تفاحش من ذلك وطال, فإن العامل إن أحب أن يُعطيَ لصاحبه نصف ما عمل جاز ذلك إن لم يعقدا على ذلك في أصل الشركة أن من مرض منهما أو غاب غيبة بعيدة فما عمل الآخر فبينهما, فإن عقدا على هذا لم تجز الشركة, فإن ترك ذلك كان ما اجتمعا فيه من العمل بينهما على قدر عملهما, وما
الجزء: 16 - الصفحة: 278
انفرد به أحدهما له خاصة.
م/ يريد: قل أو كثر.
م/ قال بعض الفقهاء القرويين: فإن لم يعقدا على ذلك انبغى أن يكون القدر الذي لو صح هذا كان بينهما, ويكون الزائد على ذلك للعامل وحده, ويسمح في الشركة الصحيحة عن التفاصل اليسير, فأما إذا فسدت الشركة لم يسمح بذلك.
قال ابن حبيب: وهذا في عمل شركة الأبدان, فأما بالشركة في المال فللذي عمل نصف أجرته على صاحبه, والفضل بينهما؛ لأن المال جره.
[الفصل 7_ في أحد شريكي الصنعة يتقبل شيئا بعد طول غيبة صاحبه, أو
يتقبلان شيئاً ثم يغيب أحدهما غيبة طويلة]
قال بعض الفقهاء القرويين: وإذا تقبل أحدهما شيئا بعد طول غيبة صاحبه أو مرضه فهو له, وإذا تقبلا جميعا ثم غاب أحدهما غيبة طويلة كانت الأجرة بينهما, ويرجع العمل على شريكه بإجارة مثله؛ لأنه كان حميلا عن صاحبه بالعمل بخلاف حافِرَيِ البئر يستأجران فيمرض أحدهما, فالثاني لا يلزمه أن يعمل ما وجب على صاحبه, فإن عمل فابن القاسم يجعله متطوعا لصاحبه, كمن خاط لإنسان ثوبا من غير إذنه فلا غرم على صاحبه, ومن رأى أنه متطوع لرب البئر فكأنه رأى أن بالمرض انفسخت الإجارة في
الجزء: 16 - الصفحة: 279
حقه؛ لضرر الصبر عليه فأشبه مرض الدابة في السفر أن المكتري إذا اكترى فهو فسخ للإجارة للضرر الداخل عليه.
م/: والفرق بين البئر وبين ما تقبلاه من المتاع أنّ المتاع مما يضمن إذا ضاع, فلما تحملا بضمانه وجب عليهما عمله, والبئر مما لا يضمن فلم يجب على الصحيح حفر حق المريض, فصار متطوعا له بما حفر, وبالله التوفيق.
[الفصل 8_
في شركة المعلمين والأطباء]
ومن المدونة قال مالك: وتجوز شركة المعلمين في مكتب واحد لا في موضعين.
قال ابن القاسم: وكذلك الأطباء إذا كان ثمن ما يشترون به الأدوية بينهما.
قال ابن الماجشون في الواضحة: وإذا كان أحد المعلمين سليقيا والآخر نحويا جاز أن يشتركا على الاعتدال في الجلوس وفي قسمة ما أصابوه, ولا يجوز أن يتفاضلا في الكسب.
وروى ابن المواز عن مالك ونحوه.
وروى محمد عن مالك أيضا أنه إذا كان أحدهما أعلم من صاحبه لم يصلح إلا أن يكون لأعلمهما فضل من الكسب بقدر علمه على صاحبه.
الجزء: 16 - الصفحة: 280
م: إذا استويا في علم ما يعلمانه الصبيان وجب التساوي بينهما في الكسب، وإن كان أحدهما أعلم من الآخر في غير ذلك.
فصل [9 - في شركة الحمالين]
ومن المدونة: ولا تجوز شركة الحمالين على رؤوسهم أو دوابهم؛ لافتراقهم فيما يتولونه كصياغين في حانوتين، إلا أن يجتمعا في حمل بعينه إلى غاية واحدة فجائز على الرؤوس والدواب.
فغن جمعا دابتيهما على أن يكرياهما ممن أصابا والكراء بينهما لم يعجبني ذلك؛ إذ لا يدوم ذلك، وقد يكري هذا ويبقى هذا، وكذلك على رقابهما، وقد تختلف الغاية إلا فيما لا يفترقان فيه فيجوز.
ومن استأجر نصف دابة رجل ثم اشتركا في العمل جاز، وإن اشتركا ليحتطبا ويحتشا أو يجمعا ثمار البرية وبقلها وينقلاها على رقابهما أو دوابهما فأما من وضع واحد فجائز، ولا يجوز أن يفترقا.
[مسألة: في
الشركة في الصيد بالشرك والشباك والصقور والكلاب]
ولا بأس أن يشركا في صيد السمك والطير والوحش بنصب الشرك والشباك إذا عملا جميعاً، لا يفترقان في التعاون بالنصب وغيره.
قال: ولا يجوز أن يشتركا على أن يصيدا ببازيهما أو كلبيهم إلا أن يملكا رقابهما،
الجزء: 16 - الصفحة: 281
أو يكون الكلبان أو البازان طلبهما واحداً لا يفترقان فجائز.
وروى ابن المواز عن أبي القاسم أنه لا يجوز حتى يكون الكلبان أو البازان بينهما.
[الفصل 10 - في الشركة في حفر القبور والآبار والمعادن ونحو ذلك]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يشتركا في حفر القبور والآبار والمعادن والعيون والبنيان وعمل الطين وضرب اللبن وطبخ القراميد وقطع الحجارة من الجبل إذا لم يفترقا في ذلك، ولا يجوز من موضعين أو هذا في غار وهذا في غار من المعدن، فإن عملا في المعدن معا، فأدركا نيلاً كان بينهما، ومن مات منهما بعد إدراكه النيل لم يورث حظه من المعدن، والسلطان يقطعه لمن رأى، وينظر في ذلك لجماعة المسلمين.
وقد قال مالك: في المعادن لا يجوز بيعها؛ لأنه إذا مات صاحبها الذي عملها أقطعها الإمام لغيره، وكذا معادن النحاس والرصاص والكحل، والزرنيخ مثله.
وقال سحنون: إذا أدرك نيلا ثم مات فإنه يورث عنه؛ لأنه لم يدركه إلا بنفقة.
الجزء: 16 - الصفحة: 282
قال سحنون: وأما سائر المعادن فلا يعرض فيها الإمام، وهى لمن عمل فيها، وتورث عنه بخلاف معادن الذهب والفضة؛ لأن فيها الزكاة.
وأشهب يقول: ولو عطلاه أربعة أشهر، ثم سأل أحدهما فيه الإمام، وأقطعه إياه ثم عمل فيه وحده، فإن كان صاحبه حاضراً، فقام يحدثان ذلك قبل أن يعمل، أو بعد أن عمل يسيرا فله أن يدخل معه فيه، وإن كان غائباً حين أقطعه إياه فهو له دون الغائب وكذلك لو أقطعه لغيره.
ومن المدونة: ولا بأس أن يشتركا في إخراج اللؤلؤ من البحر وطلب العنبر بضبته وكل ما يقذفه البحر وما يغاص عليه فيه إذا عملا معاً وكذلك صياد الحوت يخرجان في البحر في مركب فيقذفان جميعاً ويتعاونان فيما يحتاجان إليه فلا بأس به إذا عملا في موضع واحد.
فصل [11 - في
الشركة في طلب الكنوز والدفائن والركاز]
ولا بأس بالشركة في طلب الكنوز والدفائن والركاز.
وكره مالك الطلب في قبور الجاهلية وفي بيوتهم وآثارهم، وقال: لا أراه حراما.
الجزء: 16 - الصفحة: 283
وأجازه ابن القاسم: إذا عملا في موضع واحد واستخفه واستحب غسل ترابهم؟ وفي كتاب الزكاة وجه كراهية ذلك فافهمه.
الجزء: 16 - الصفحة: 284
[الباب الثالث] ما يحل ويحرم من شركة المتزارعين
[الفصل 1 - في كراء الأرض ببعض ما يخرج منها]
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ونهى عن المحاقلة والمخابرة.
قال مالك: المحاقلة كراء الأرض بالحنطة.
قال ابن حبيب: أو بالطعام كله مما تنبته الأرض ومما لا تنبته.
قال مالك: والمخابرة كراؤها بجزء مما تنبت.
وقد تقدم هذا في كراء الأرض.
الفصل 2 - في المتزارعين يتساويان فيما يخرجانه في شركتهما أو يلغي مخرج
الأرض كراء أرضه ويعتدلان فيما وراء ذلك]
والسنة في الشركة الاعتدال.
قال مالك: فلو أخرج أحدهما الأرض والآخر البقر، وكراء الأرض وكراء البقر سواء واعتدلا في العمل والزريعة جازت الشركة.
قال مالك: فإن اختلف كراء الأرض والبقر لم أحب ذلك حتى يعتدلا.
وقال مالك: في رجلين اشتركا في الزرع فيخرج أحدهما أرضاً لها قدر من الكراء
الجزء: 16 - الصفحة: 285
فيلغيها لصاحبه ويعتدلان فيما بعد ذلك من العمل والبذر فلا يجوز إلا أن يخرج صاحبه نصف كراء الأرض ويكون جميع العمل والبذر بينهما بالسوية أو تكون أرضا لا حظ لها في الكراء كأرض المغرب وشبهها فيجوز أن يلغي كراءها لصاحبه ويخرجا ما بعد ذلك بالسوية بينهما وقد تقدم هذا.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يعجبني أن تلغي الأرض بين المتزارعين وإن لم يكن لها كراء ولولا أن مالكا قاله لكان غيره أحب إلى منه.
قال في باب آخر: وإذا أخرج أحدهما البذر والآخر الأرض فلا يجوز إلا أن تكون أرضاً لا كراء لها، وقد تساويا فيما سواها، ثم أخرج هذا البذر، وهذا العمل، وقيمة ذلك سواء فهو جائز؛ لأن الأرض لا كراء لها.
وأنكر هذا ابن عبدوس.
وقال إنما أجاز مالك أن تلغى الأرض إذا تساويا في إخراج الزريعة والعمل فأما إن كان مخرج البذر غير مخرج الأرض لم يجز وإن كان لا كراء لها، ويدخله كراؤها بما يخرج منها ألا تري لو أكريت هذه الأرض ببعض ما يخرج منها لم يجز.
وهذا هو الصواب.
ومن المدونة: وقد اختلف عن مالك في الشركة في الحرث فروى عنه بعض الرواة أنه لا تجوز الشركة حتى يشتركا في رقاب الدواب والآلة ليضمنا ما هلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 286
وروى غيره أنه إذا ساوى كراء ما يخرج أحدهما من البقر والأداة كراء ما يخرج الآخر من الأرض والعمل جاز بعد أن يعتدلا في الزريعة.
قال: وإذا سلم المتزارعان في قول مالك من أن تكون الأرض لواحد والبذور من عند الآخر جازت الشركة إن تساويا ولم يفضل أحدهما الآخر بشرط في عمل ولا نفقة ولا منفعة.
[الفصل 3 - في المتزارعين يفْضُل أحدهما الآخر في العمل أو غيره]
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا اعتدلا في البذر والأرض وتفاضلا في العمل، فإن كان تفاضلاً كثيراً له بال فالشركة تفسد والزرع بينهما ويترادان في أجر العمل، وإن كان الفضل يسيراً لم تفسد الشركة.
كما أجاز مالك: أن تلغي الأرض التي لا كراء لها بينهما.
وقال سحنون أيضاً: ما روي عن مالك وغيره من أصحابنا أنه لا تجوز الشركة إلا بالاعتدال في ذلك كله فصواب؛ لأن سنة الشركة التساوي فإذا خرجت عن ذلك خرجت عن حد ما أرخص فيها وصارت إجارة فاسدة.
قال: وإنما التفاضل الذي يرجع فيه بعضهم على بعض بكرائه أن يفضله بشيء منفرد لا عوض للآخر فيه، فأما لو اعتدلا فب البذر وأخرج هذا الأرض وهذا العمل وكراء ذلك مختلف بما يكثر أو يقل فلا تراجع فيه، لن العمل إن كان أكثر من كراء الأرض فإن رب الأرض لم يكر نصف أرضه إلا بنصف عمل الآخر ويقره.
وقال ابن حبيب: وجه العمل في المزارعة بين الرجلين أن يعتدلا فيما أخرجا من
الجزء: 16 - الصفحة: 287
الزريعة وجميع ما يحتاجان إليه فإن فيه تفاضلاً في ذلك فانظر فإن عقدا على أن يعتدلا ويتكافآ جاز ما فضل به الآخر صاحبه طوعاً قل أو كثر، إذا اعتدلا في الزريعة ثم تفاضلا في غيرها وسلما من أن يكون للأرض كراء من الزريعة.
وقال سحنون: إذا صح العقد جاز أن يتفاضلا ولم يفرق بين زريعة وغيرها، وكذلك لو أسلف أحدهما بعد صحة العقد من غير رأي ولا عادة.
قال أبو محمد: يريد سحنون: لأن الشركة تلزم بالعقد كالبيع.
[الفصل 4 - في المتزارعين يخرج أحدهما البذر كله والآخر الأرض ويعتدلان فيما سواهما]
ومن المدونة قال مالك: ولا تصلح الشركة في الزرع إلا أن يخرجا البذر بينهما نصفين ويتساويا في قيمة أكرية ما يتخارجانه بعد ذلك مثل أن يكون لأحدهما الأرض والآخر البقر، والعمل على أحدهما أو عليهما، إذا تساويا والبذر بينهما نصفين، وإن أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر، والعمل بينهما وقيمة البذر وكراء الأرض سواء لم يجز؛ لأنه أكرى نصف الأرض بنصف طعام صاحبه.
ولو اكتريا أرضاً من أجنبي، أو كانت لهما ملكاً جاز أن يخرج أحدهما البذر كله، والآخر العمل والبقر، وكراء ذلك وقيمة البذر والبقر سواء.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولم يجزه عيسى بن دينار بل يخالف فيه مالكاً، وجعله مثل ذهب وعرض بذهب
الجزء: 16 - الصفحة: 288
قال سحنون: وهذا جائز بخلاف المراطلة.
قال: ولو كانت الأرض من عند أحدهما واشترى من شريكه نصف البذر لم يجز للتهمة أن يتجاوز عنه في ثمنه فيدخله كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، ولو اكتريا الأرض جاز أن يتساويا فيما بعد ذلك، وكذا لو كان البذر بينهما والأرض من عند الآخر، وأعطاه شريكه نصف كراء الأرض عينا أو عرضاً فهو جائز.
فإن قيل: إن هذه شركة وبيع، قيل: إنما ينهى عن ذلك إذا كان البيع خارجاً من الشركة.
وقاله كله ابن حبيب، قال: وأما لو أخرج هذا البذر، والآخر كراء الأرض، وذلك متكافئ، وتكافآ في العمل لم يصلح؛ لأنه يدخله أن أحدهما تكارى نصف الأرض بنصف البذر، وهو كراء الأرض بالطعام.
[الفصل 5 - في المتزارعين يشتركان على أن العمل والبذر بينهما على الثلث والثلثين أو يتساويان في إخراج البذر والأرض لأحدهما وعلى الآخر العمل]
ومن المدونة: وإن اشتركا على أن العمل والبذر بينهما على الثلث والثلثين جاز ذلك.
يريد إذا كانت الأرض بينهما كذلك بملك أو بكراء أو كانت مما تلغى وهي لأحدهما.
فإن تساويا في الزريعة، والأرض لأحدهما، والعمل على الآخر على أن متولي
الجزء: 16 - الصفحة: 289
العمل يكرم الأرض عاماً، ويزرعها قابلاً لم يجز إلا في أرض مأمونة تروى كل عام للغرر إن لم ترو أنتفع صاحب الأرض بعمل الآخر باطلاً.
[الفصل 6 - في ثلاثة يشتركون فيخرج أحدهم الأرض والآخر البقر والآخر
العمل ويتساوون في إخراج البذر أو يختلفون]
وإن اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض والآخر البقر والآخر العمل وتساوى الكراء وتساووا في إخراج الزريعة جاز، وإن كان البذر من عند رجلين ومن عند الآخر الأرض وجميع العمل لم يجز.
قال ابن القاسم: ويقضى بالزرع لصاحب الأرض ولهدين عليه مثل بذرهما.
وروى ابن غانم عن مالك أن الزرع لصاحبي الزريعة، ولهذا عليهما كراء أرضه وعمله كالقراض إذا فسد العمل، فيكون الربح لرب المال، ويكون للعامل أجر مثله؛ لأن كل من لا يؤاجر فالربح له والوضعية عليه ولمن يؤاجر أجرة مثله.
وروي نحو هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: الزرع لصاحب الزريعة وللآخرين إجارة مثلهم وبهذا قال سحنون.
الجزء: 16 - الصفحة: 290
قال ابن حبيب: وقاله مالك وأصحابه إلا ابن القاسم.
قال ابن حبيبك: وأصل هذا أن كل متزارعين على معادلة وقع في مزارعتهما كراء الأرض بالبذر فافسخه، واجعل الزرع لرب الأرض، وكل متزارعين على غير معادلة ساما من كراء الأرض بشيء من البذر فاجعل الزرع بينهما نصفين، ويتراجعان في الفضل فيما سوى ذلك.
قال ابن المواز من قول مالك وابن القاسم: أن الزرع كله في فساد الشركة لمن تولى القيام به مخرج البذر أو صاحب الأرض أو غيرهما، وعليه إن كان هو مخرج الأرض كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعليه له مثل بذره، وإن وليا العمل جميعا غرم هذا لهذا مثل نصف بذرة، وهذا لهذا مثل نصف كراء أرضه، وكان الزرع بينهما.
قال سحنون في كتاب ابنه والعمل المذكور في شركة الزرع إنما هو الحرث فقط، وأما حصاد الزرع ودراسة فلا يجوز أن يكون ذلك على أحد الشريكين وإن اعتدلا في العمل، وإنما يكون ذلك في الشريكين بقدر شركتهما، وغلا بطلت المعاملة كانت الأرض مأمونة أم لا.
[الفصل 7 - في المتزارعين يخرج أحدهما الأرض والبذر والبقر ويكون على الآخر
العمل]
قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض والبذر والبقر وأخرج الآخر العمل وقيمة ذلك مثل كراء الأرض والبذر والبقر جاز ذلك.
ولم يجز ذلك ابن حبيب قال: فإن نزل فالزرع لصاحب الأرض والبذر والبقر وعليه للآخر قيمة عمل يده وكأنه آجره بنصف ما تنبت أرضه، ولو قال تعال نتزارع على
الجزء: 16 - الصفحة: 291
أن نجعل نصف ما يخرج من أرض وبذر وبقر كراء لنصف عملك فقد أخطأ وجه العمل، ويكون الزرع بينهما نصفين ويتراجعان في الفضل؛ لن هذا قد قبض نصف البذر في أجرته وضمنه، والأول لم يأخذ شيئاً.
قال بعض القرويين: إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر العمل فهذه إجازة وتلزم بالعقد.
وأجاز سحنون أن يكون كراء الأرض أكثر من قيمة العمل لأن ذلك إجارة لا يحتاج فيها التساوي للزوم الشركة عنده في بقيتها، ويلزم كل واحد أن يبذر مع صاحبه، فلما لزمت الشركة لم يكن في التفاضل في الأكرية غرر, ومن جعل أن لا يلزمه تمام الشركة وأن له أن يقاسمه لم يجز في شركتهما إلا الاعتدال، ويتهم أنه إنما زاد رجاء أن يتم الشركة، وذلك غير ملزم عنده فصارت غرراً، ولهذا احتيج إلى التساوي في شركة العروض؛ لأن التمادي غير لازم فإذا اختلفت قيمة العروض لم يجز؛ لأن أحدهما يرجو بذلك أن يستديم شركته معه، وهو لا يلزمه التمادي فيصير ذلك غرراً.
قال: والذي قال سحنون إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر وأخرج الآخر العمل أنه جائز فهو الأشبه.
وليس قول ابن حبيب يبين إلا أن يريد أن من قصد إجارة نفسه بنصف ما يخرج أنه لا يجوزن ومن قصد أنه قبض نصف الزريعة من وقت بذرها فهو الجائز ولهذا وجه.
وأما قوله إن اختلف ذلك فإن الزرع بينهما ويتراجعان في الأكرية.
ففي كتاب محمد أن الزرع لصاحب الأرض والبذر وهذا أشبهه وللآخر أجر مثله وكأنه استأجره نفسه بنصف ما يخرج.
وإنما بنا ابن حبيب على مذهبه أن كل شركة سلم فيها من كراء الأرض بالطعام فالزرع بينهما، وكل شركة دخل فيها كراء الرض بالطعام فالزرع لصاحب الزريعة.
الجزء: 16 - الصفحة: 292
هكذا ذكر ابن حبيب.
[الفصل 8 - في المتزارعين يخرج أحدهما البذر والعمل ويخرج الآخر الأرض والبقر]
قال ابن حبيب: فغذا أخرج أحدهما البذر والعمل، والآخر الأرض والبقر لم يجز وإن تكافآ، فإن فات الزرع فالزرع لصاحب الزريعة.
وهذا على مذهب ابن غانم وهو اختيار سحنون.
وأما على مذهب أبن القاسم وهو اختيار ابن المواز فالزرع بينهم؛ لأنهما تسويا في العمل وأخرج أحدهما البذر والآخر الأرض إذا كانت قيمة عمل يده مثل قيمة كراء بقر الآخر، وإن اختلف ذلك فكانت قيمة عمل يده عشرين وقيمة كراء البقر عشرة لكان للعامل بيده ثلثا الزرع؛ لأن معه ثلثي العمل وأرضا وبذرا فما كان مقابلاً لأرضه وبذره يضاف منه إلى عمله، ويبقى له بذر بلا عمل وأرض بلا عمل فلا يستحق به عند ابن القاسم شيئاً.
فلذلك قلنا: إن له ثلثي الزرع ولصاحبه ثلث الزرع؛ لأنه إن كان صاحب الأرض أخذ من أرضه ثلثها فأضافه إلى عمله فاستوجب بذلك ثلث الزرع ويبقى له ثلث عمل بلا أرض ولا زرع فلا يستوجب به شيئاً
هذا قياس ابن القاسم؛ لأنه لا يجعل للمنفرد بالعمل وحده شيئاً، إذ لو أخرج رجل
الجزء: 16 - الصفحة: 293
البذر والأرض والآخر العمل لم يكن لمتوالي العمل إلا أجر مثله، وإن كان مع عمله أرض وبذر استوجب به الزرع، وكل من له عنده شيء له به شيء مثل أن يكون له أرض وحدها أو بذر وحده لا يستوجب به شيئاً.
وفي آخر الكتاب إيعاب مسائل الزراعة من غير المدونة.
الجزء: 16 - الصفحة: 294
[الباب الرابع]
ما يحل ويحرم من الشركة بالعرضين أو بالطعامين
[الفصل 1 - فب الشركة بعرضين متفقين أو مختلفين]
قال مالك: ولابأس أن يشتركا بعرضين متفقين أو مختلفين أو بطعام وعرض.
قال ابن القاسم: وعلى قيمة ما أخرج كل واحد يومئذ فبقدره يكون العمل والربح.
وقال مالك في كتاب محمد: وما الشركة في العرضين من عمل الناس وأرجو أن لا يكون بها بأس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا اتفق قيمة العرضين المختلفين، وعرفا ذلك في العقد واشتركا بهما جاز، وهذا بيع لنصف هذا بنصف هذا، وإن لم يذكرا بيعاً، ولو شرطا التساوي في الشركة بالسلع فلما قوماً سلعتيهما تفاضلت القيم، فإن لم يعملا
الجزء: 16 - الصفحة: 295
أخذ كل واحد سلعته وزالت الشركة، فإن فاتت السلعتان وعملا على ذلك كان رأس مال كل واحد منهما ما بيعت به سلعته وبقدر ذلك ربحه ووضيعته، ويرجع من قل ماله بفضل عمله على صاحبه، ولا يكون على صاحب السلعة القليلة ضمان في فضل سلعة صاحبه؛ لأن فضل سلعته لم يقع بينهما فيه بيع.
قال أبو محمدك ولما كان التفاضل في رأس مال الشركة على شرط التساوي في الربح من غرر الإجارة فيما عمل أقلهما مالا حرم ذلك؛ لأنه إن كان ربح كان هو الغابن، وإن لم يربح كان مغبونا فهذا من القمار.
[الفصل 2 - في الشركة تقع فاسدة بالعروض]
قال ابن القاسم: وإذا وقعت الشركة بالعروض فاسدة فرأس مال كل واحد ما بيعت به سلعته لا ما قومت به ويقتسمان الربح على قدر ذلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 296
م/:فإن لم يعرفا ما بيعت به سلعة كل واحد فلكل واحد قيمة عرضه يوم البيع؛ لأن سلعة كل واحد كانت في ضمانه إلى أن بيعت، فالبيع أفاتها كما قال في الطعامين إذا خلطا: أن رأس مال كل واحد قيمة طعامه يوم خلطاه؛ لأنه بالخلط فات.
قال بعض فقهاء القرويين: وإنما كان رأس مال كل واحد ما بيعت به سلعته؛ لأن عرض كل واحد لم يدفعه لما كانت يده عليه؛ لأن ثمنه هو الذي تقع به الشركة.
وقد يقال على مذهب من يري أي المكتري في البيع الفاسد يوجب ضمان مشتريه له وإن لم يقبضه أن يلزم كل واحد قيمة عرضه يوم دفعه أو أحضره؛ لأنه ممكن لصاحبه من التصرف فيه، وإن كانت يد بائعه عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما في الشركة الصحيحة فرؤوس أموالهما ما قوما به سلعتيهما يوم اشتركا، ولا ينظر إلي ما بيعتا به كان أكثر مما قوما به أو أقل؛
الجزء: 16 - الصفحة: 297
لأنهما حين صار كل واحد منهما قد باع نصف سلعته بنصف سلعة الآخر، وصار ضمانهما.
وفي الشركة الفاسدة لم يقع لأحدهما في سلعة الآخر ملك ولا ضمان قال: وتجوز الشركة بما سوى الطعام والشراب من سائر العروض مما يكلل أو يوزن، أو لا يكال ولا يوزن من مسك وعنبر وحناء وكتان وغير ذلك كان من صنف واحد أو صنفين إذا اتفقت القيم.
وتجوز الشركة بطعام ودراهم وبعرض وعين على ما ذكرنا من القيمة وبقدر ذلك يكون العمل والربح.
فصل [3 - في الشركة بشيء من الطعام والشراب]
قال ابن القاسم: ولا تجوز الشركة عند مالك بشيء من الطعام والشراب، كان مما يكال أو يوزن أم لا، من صنف واحد أو من صنفين.
وأجاز ابن القاسم الشركة في الطعام المتفق فب الصفة والجودة من نوع واحد على الكيل.
قال ابن القاسم: ورجع مالك عن إجازة الشركة بالطعام وإن تكافآ، ولم يجزه لنا
الجزء: 16 - الصفحة: 298
منذ لقيناه، ولا أعلم لكراهيته فيه وجها.
قال ابن المواز: إنما مكروهة عندنا أن يخلطا قمحا أو غيره بأردأ منه، وإذا لم يخلطا في الشركة لم تجز الشركة؛ لأنه ليس ببيع تقايض.
وإذا كان بين الطعامين فضل بين حرم.
قال بعض أصحابنا: الذي سمعت غير واحد يعلل به قول مالك هذا أن الشريكين كل واحد منهما باع نصف ما بقي بيده من الطعام بنصف ما بيد صاحبه، ويد كل واحد منهما على ما باع، فإن تصرفا وباعا حصل في ذلك بيع الطعام قبل قبضه لعدم القبض لما كانت يد كل واحد منهما على متاعه.
الجزء: 16 - الصفحة: 299
قال: ولإسماعيل القاضي أنه قال: إنما منع مالك من ذلك؛ لأن الشركة بالطعام تحتاج إلى المماثلة في الكيل وإلى اتفاق القيمة، وذلك لا يكاد يتحصل فلذلك كره.
قال: وليس ذلك كبيع بعضه ببعض؛ لأن الغرض في البيع اتفاق الكيل لا القيمة.
م/: يلوم على هذا التعليل أن تجوز الشركة بالطعامين المختلفين اللذين يجوز بينهما التفاضل إذا استوت القيم.
وهذا لا يجوز عند مالك وابن القاسم.
وما علل به أصحابنا أصح والله أعلم.
[الفصل 4 - في الطعامين المختلفين]
وقال ابن حبيب عن مالك: لا تجوز الشركة بالطعامين المختلفين حتى يكونا متفقين في الصفة.
وروى سحنون أنه أجاز الشركة بالطعامين المختلفين.
يعني إذا كانت القيمة واحدة وكذلك شعير وقمح وذلك كالشركة بدنانير ودراهم على مذهبه، وأما بالطعامين المتفقين فذلك كالشركة بالذهبين؛ لأنه إذا عد إخراج كل واحد منهما ذهبه
الجزء: 16 - الصفحة: 300
بمنزلة التناجز بالقبض مع كون يد كل واحد على ذهبه صح ممثل ذلك في الطعامين المختلفين.
وأما إذا اختلفت القيمة كثيراً فلا يجوز؛ لأنه تفاضل بين الطعامين.
وأما الشركة بالجنسين من الطعام كالزبيب والثمر فمن أجاز الشركة بالذهب والفضة وجعل ذلك تناجزا يجب أن يجيز ذلك في الجنسين من الطعام.
ومن جعل التناجز لم يصح لبقاء يد كل واحد على ما اخرج لم تجز الشركة بالطعامين المختلفين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما إن أخرج هذا محمولة وهذا سمراء أو أخرج هذا قمحاً وهذا شعيراً، وقيمة ذلك متفقة أو مختلفة، وباع هذا نصف طعامه بنصف طعام الآخر لم يجز على حال كيفما شرطا، كما لا أجيز الشركة بدنانير ودراهم تتفق قيمتها.
م/: وقد حكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين انه يجوز على مذهب ابن القاسم الشركة بالطعام المختلف اختلافاً يسيراً كما تجوز الشركة بيزيديه ومحمدية مختلفة النفاق شيئاً يسيراً.
[الفصل 5 - في رأس مال كل واحد من الشريكين إذا فضت الشركة بالطعام لفسادها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا وقعت الشركة بالطعامين فاسدة فرأس مال كل
الجزء: 16 - الصفحة: 301
واحد منهما ما بيع به طعامه إذ هو بعد ضمانه حتى يباع، ولو خلطاه قبل البيع جعلت رأس مال كل واحد قيمة طعامه يوم خلطاه.
وحكى ابن المواز عن ابن القاسم مثله.
وقال مالك إذا خلطا جميعا لم يقسما الربح ولا الثمن إلا نصفين، ولا يجوز الفضل بينهما إذا استويا في الكيل.
قال بعض فقهاء القرويين: ووجه ما في كتاب محمد أنهما يقسمان الثمن بينهما نصفين؛ لأن كل واحد متعدياً في خلطه فكأن الشركة وجبت بعد الخلط ولا فضل لواحد على صاحبه.
قال: وقد يمكن أن تكون قيمة الشعير إذا انفرد عشرة وقيمة القمح لو انفرد عشرين فإذا اختلط القمح والشعير صارت قيمة الشعير منه خمسة عشر فكيف يصح أن يقتسماه نصفين وقد علمنا أن صاحب الشعير قد زادت قيمة شعيره بسبب خلطه فيجب أن يكون الزائد لرب القمح.
وعلى مذهب ابن القاسم: يقوم القمح منفرداً والشعير منفرداً ثم يقتسمان الثمن على قيمة ما لكل واحد كاختلاطه بأمر من الله تعالى، ولم يجعل الخلط تفويتا يوجب كون قيمته في ذمة صاحبهن بل لا يتعلق ذلك إلا بعين الطعام حتى أنه لو هلك لم يلزم واحداً منهما شيء.
الجزء: 16 - الصفحة: 302
[الباب الخامس]
ما يحل ويحرم من الشركة بالعين
[الفصل 1 - في مقدار الربح والخسارة والعمل في الشركة بالعين]
قال ابن القاسم: وتجوز الشركة بالعين مثل أن يخرجا دنانير ودنانير، أو دراهم ودراهم، متفقة النفاق والعين، وبقدر ما يخرج كل واحد من رأس المال في عدد أو وزن يكون عليه من العمل، وله من الوضيعة والربح، وإن تساويا في المال والأعمال على أن يتفاضلا في الربح لم يجز.
وغن تفاضلا في المال على أن يتساويا في عمل أو ربح لم يجز، ولو أن العمل على أحدهما وتساويا في المال والربح أو تفاضلا لم يجز.
فإن نزل ذلك كله فالربح والخسارة على قدر رؤوس أموالهما، ويرجع من له فضل عمل بفضل عمله على الآخر ويبطل ما شرطا ولا يضمن القليل المال لصاحبه عليهما بقدر ر ما فضله به وليس بسلف؛ لأن ربحه لربه وكذلك لو لحقهما دين من تجارتهما بعد أن خسرا المال كله وذهب كان ذلك عليهما بقدر رؤوس أموالهما كما وصفنا ولا ينظر إلى ما شرطا.
قال سحنون في كتاب ابنه: كيف يلحقهما دين بعد خسارة المال وهو لا يجيز لهما أن يشتريا بالدين.
ثم قال: بعد ذلك يمكن أن يكون اشتريا على المال الذي كان بأيديهما فتلف قبل
الجزء: 16 - الصفحة: 303
أن يدفعاه في الثمن ثم تلفت السلعة.
قال ابن المواز: وإن أخرج أحدهما مائة والآخر مائتين على أن الربح بينهما على قدر ما لكل واحد منهما، فاشتريا سلعة بأربعمئة على أن ينقدا الثلاثمئة، ويكون المئة دينا عليهما، فليقسموا ربح المئة ووضيعتها على قدر ماليهما، وغن كانت الشركة فاسدة؛ لأنهما اشتركا على أن الربح والوضعية بينهما نصفان؛ ولأن ربح الثلاثمئة مع ربح المئة التي بينهما على الثلث والثلثين.
ولصاحب الثلث أجره فيما فضله به صاحبه.
فإن علم البائع أن شركتهما على الثلث والثلثين اتبعهما كذلك، وإن لم يعلم أتبعهما نصفين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو صح عقد المتفاضلين في المال، ثم تطوع الذي له الأقل فعمل في الجميع جاز، ولا أجر له، وإن تساويا في المال والربح على أن يمسك أحدهما رأس المال معه، فإن كان على أن يتولى التجارة دون الآخر لم يجز، وإن تولياهم جميعا جاز.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: وإن شاركه وأسلفه نصف المال فإن كان طلب رفقه وصلته لا لحاجة إليه ولا لقوة نظره فذلك جائز، ثم روي عن ابن القاسم أنه رجع فكرهه، وبالأول أخذ ابن القاسم.
وروى عيسى عن ابن القاسم أنه إذا كان بعد صحة العقد من غير عادة فذلك
الجزء: 16 - الصفحة: 304
جائز.
قال في العتبية: ومن ابتاع سلعة فقال له رجل أشركني فيها وانا أنقد عنك لم يجز وهو بيع وسلف.
ولو قال المشترى لرجلك تعالى أشركك فيها وأنقد عنك وأؤخرك فإن كانت سلعة حاضرة بعينها فهو جائز، وأما المضمونة فلا تجوز؛ لأنه الدين بالدين.
قال: ومن أسلم في عرض أو طعام فسأله رجل أن يشاركه ثم ينقد عنه وذلك قبل عقد البيع فذلك جائز؛ لأن السلف وقع قبل البيع فلم يجر بذلك نفعاً.
[الفصل 2 - في الشركة بالمال الغائب]
ومن المدونة قال: ولا تجوز الشركة بالمال الغائب إن أخرج أحدهما ذلك المال.
قال مالك: وإن أخرج أحدهما ألفا والآخر ألفاً منها خمسمائة غائبة ثم خرج ربها ليأتي بها وخرج بجميع المال كشريكين طاع أحدهما بالعمل.
وقال ابن المواز: إن تبين أنه خدعه فله ربح ماله، وإن لم يخدعه فله النصف، ولا
الجزء: 16 - الصفحة: 305
أجر له على كل حال.
م/: وإنما يصح قول ابن المواز إذا اشترى بالمال الحاضر قبل علمه بضياع المال الغائب؛ لأنه اشترى على أن ذلك بينهما نصفين وعلى أنه لو ضاع ذلك كان منهما، فلذلك كان الربح بينهما نصفين، وأما لو اشترى بعد علمه بضياع المال الغائب وإن كان لم يغر منه فكيف يجب أن يكون بينهما والشركة لم تقع بعد.
ألا ترى أن ضمان الدنانير الغائبة ما لم تقبض من ربها، وأنه لو اشترى بها شيئاً لكن ضمانها من بائعها فكيف في الشركة؟.
وقاله بعض القرويين، قال: وظاهر الرواية أنه اشترى بعد علمه بذهاب المال.
وقال سحنون: الشركة فاسدة لغيبة الخمسمئة وله أجر مثله في الزيادة وليس بتطوع.
م/: لأن الشركة عند سحنون لا تتم إل بالخلط والمال الغائب لا يتم ذلك فيه.
وقال بعض شيوخنا: إنما تجوز الشركة بالمال الغائب على مذهب ابن القاسم إذا
الجزء: 16 - الصفحة: 306
كانا لا يتجران إلا بعد قبض المال الغائب وأما إن كان يتجران إلى أن يقبضا المال الغائب فلا يجوز ذلك وإنما يجوز أيضا إذا لم تكن الغيبة بعيدة جداً.
وأما على قول سحنون في تجوز وإن قربت غيبته.
[الفصل 3 - في رجلين يخرج أحدهما مئة والآخر مئتين كيف يكون الربح والعمل
في شركتهما]
قال في كتاب ابن المواز: وإن أخرج هذا مئتين وهذا مئة على أن الربح والعمل بينهما بقدر المالين فاشتريا سلعة بأربعمئة ونقداً الثلاثمائة فالربح بينهما على الثلث والثلثين، وكذلك يتبعهما البائع بالمال إن عرف شركتهما كيف هي، وغلا أتبعهما بالنصف والنصف.
قال: ولو شرطا الربح بينهما نصفين فسدت الشركة ورجع القليل المال على الآخر بفضل عمل.
قال مالك: فإن جعل صاحب المئتين عبدين يعملان مع صاحب المئة فلا أجر لصاحب المئة والربح بينهما بقدر المالين.
قال: ولا يعجبني ذلك وقد قال مالك قبل هذا: يعطى أجر مثله وهو أحب إلي.
قال ابن المواز: قول مالك أحب إلي، لأن عمل العبدين في المئتين وعمل الآخر في المئة فاعتدل ذلك.
قال مالك: وإذا فسدت الشركة لتفاضل العمل فخسرا المال كله فلمن له فضل عمل أجر فضل عمله على صاحبه.
الجزء: 16 - الصفحة: 307
[الفصل 4 - في ثلاثة يخرج أحدهم عشرة والآخر خمسة والثالث لا مال له
ويشتركون على أن الربح بينهم أثلاثاً]
قال ابن المواز: وإذا اشترك ثلاثة رجال لأحدهم عشرة وللآخر خمسة والثالث لا مال له على أن الربح بينهم أثلاثاً فربحوا أو خسروا فهذا فاسد، والربح والوضيعة على صاحبي المال على الثلث والثلثين، وللذي لا مال له أجر عمله على المالين، وللقليل المال أجره فيما عمل في الخمسة الفاضلة.
قال أبو محمد: وتفسير ذلك كأن عملهم في الخمسة عشر يسوي تسعة دراهم، فتخرج من الوسط، فتقسم على صاحبي المال على الثلث والثلثين كسائر الفضل، فيقوم عليها الذي لا مال له بعمله، فيأخذ ثلاثة دراهم: درهمين من صاحب العشرة، ودرهم من صاحب الخمسة، وتبقي من أجرة العمل أربعة بيد صاحب العشرة، واثنان بيد صاحب الخمسة، فيقول صاحب الخمسة لصاحب العشرة: عملت في الخمسة الفاضلة أنا وأنت والثالث فلي الثلث ما يصير لها، وذلك درهم فادفعه لي، فيأخذه منه يصير بيده ثلاثة دراهم، وبيد صاحب العشرة ثلاثة، وبيد الذي ل مال له ثلاثة.
م/: وهذا الذي ذكرة أبو محمد هو الفقه في الغيبة والعدم واللدد، وأما لو
الجزء: 16 - الصفحة: 308
حضروا وصاحبا المال مليان مقران فقالوا: احسب لنا فقومت إجارتهم في المال، فإن كانت تسعة أخرجتها من المال، وقسمتها بينهم أثلاثاً، ثم قسمت ما بقي من مال بين صاحبي المال على الثلث والثلثين كما لو استأجروا على العمل في هذا المال ثلاثة غيرهم فإنهم يعطونهم أجرتهم، ويقسمون ما بقي على قدر أموالهم، فلا يدخل على واحد منهم ظلم؛ لأن الأجرة أخرجت من جملة المال فوقع لكل واحد منهم بقدر ماله، فكذلك حكم عملهم هم فيه مع الذي لا مال له، وهذا لا يختلف عليك قل مال أحدهم أو كثر قل الاشتراك أو كثر فاختبره تجده صحيحاً إن شاء الله.
[الفصل 5 - في ثلاثة يشتركون فيخرج كل منهم مئة ثم يخرج اثنان بجميع المال
ثم يقتسمان المال فيربح أحدهما ويخسر الآخر]
وفي كتاب محمد: لو اشترك ثلاثة فأخرج كل واحد منهم مئة، وخرج منهم اثنان بجميع المال، وتخلف الثالث، فلما كانا ببعض الطريق تشاجرا فقسما المال بينهما نصفين فاتجرا فربح أحدهما وخسر الآخر، قال: لا تجوز مقاسمتهما على الغائب، ومقاسمتهما على أنفسهما جائزة، فأرى أن يضم المال حتى يصير للغائب ثلثه كله مشاعاً بربحه وخسارته، ثم يترادان اللذان اقتسما، فيكون لهذا بقية ربحه، ولهذا بقية خسارته.
الجزء: 16 - الصفحة: 309
م/ يريد: يكون له ثلث ربح أحدهما وعليه ثلث خسارة الآخر.
قال محمد: لأنه رضي بالمقاسمة.
وفي المستخرجة قال اصبغ: لها تفسي وهو إن كان قدم إليهما أن لا يقسما فاقتسما فإن المقيم لا يلزمه من الخسارة شيء، ويقاسم الرابح فيما ربح نصفين؛ لأنه لما أمره أن لا يقسم فقسم لم يلزمه شريكه ذلك؛ لأنه متعد عندما قاسم ودفع إليه المال؛ ولأنه لو وجد الخاسر معدماً لرجع على الشريك الآخر.
قال: ومن أصحابنا من قال الربح بينهما على الثلث والثلثين.
قال بعض فقهاء القرويين: والأشبه أنهما متعديان في القسمة ولو لم يتقدم إليهما في ذلك، ويكون الربح بينه وبين الرابح أثلاثاً لأنه ليس له في يده إلا خمسون.
وأما من قال إن الربح بينهما نصفان فكأنه يقول إن تلك القسمة لا تلزمني، وجميع ما بيدك بيننا، وكذلك ربحه بيننا.
[الفصل 6 - في شريكين يخرج كل واحد منهما دنانير تختلف في صرفها عن
الأخرى مع اتفاق وزنهما]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخرج أحد الشريكين دنانير هاشمية وأخرج الآخر دنانير مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، وأخرج الآخر مثل وزنها محمدية وصرفهما مختلف لم يجز إلا في اختلاف يسير لا بال له، وهو فيما كثر
الجزء: 16 - الصفحة: 310
كتفاضل المالين.
وليس كالتبادل يدا بيد لبقاء يد كل واحد منهما على ما بادل به، ولو جعلا الربح والعمل بقدر فضل ما بين السكتين م يجز إذ صرفاهما إلى قيمة وحكمهم الوزن في البيع والشركة.
قال ابن المواز: فإن نزل ذلك أخذ كل واحد منهما مثل رأس ماله بعينه في سكته فكان لكل واحد من الربح بقدر رأس ماله لا على فضل السكتين، وقاله مالك.
وقال بعض القرويين: لعل محمدا يريد إذا لم يختلف سوق السكتين من يوم الشركة إلى يوم القسم، وأما إن اختلف فيظلم الذي زاد سوق سكته صاجبه إذا أعطى مثل رأس ماله وقيمته أفضل مما كان دفع.
[الفصل 7 - في الشركة بسكتين متفقتين في صرفهما يوم الشركة، وفي الشركة بدنانير من أحدهما ودراهم من الآخر]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كانت السكتان متفقة الصرف يوم الشركة جلز فإن افترقا وقد حال الصرف لم ينظر إلى ذلك، ويقتسمان ما بأيديهما بالسوية عرضا كان أو طعاما أو عينا.
وإن أخرج أحدهما دنانير والآخر دراهم لم يجز، وإن باع نصف ذهبه بنصف فضة صاحبه؛ لأنه صرف وشركة، ولا يصلح مع الشركة صرف ولا قراض، وهما أيضا نوعان مما لايقومان، فإن عملا فلكل واحد رأس ماله، ويقتسمان الربح، لكل عشرة دنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم، وكذلك الوضيعة، وكذلك إن عرف كل واحد السلعة التي اشتريت بماله، فإن السلع تباع، ويقسم الثمن كله كما ذكرنا.
وقال غيره: لكل واحد السلعة التى اشتريت بماله إن عرفت، ولا شركة له في سلعة
الجزء: 16 - الصفحة: 311
الآخر، وإن تفاضل المال فلأقلهما مالا أجره في عون صاحبه.
قال: وإن لم تعرف السلع فالربح والخسارة بينهما على قيمة الدراهم من الدنانير يوم اشتركا، ولأقلهما مالا أجره في عون صاحبه.
قال بعض فقهاء القرويين: وما قاله غير ابن القاسم في أن يكون لكل واحد السلعة التى اشتريت له بماله صواب، وكذلك ينبغي أن يجري على أصل ابن القاسم؛ لأن الشركة إذا كانت فاسدة لم يضمن أحدهما لصاحبه شيئا بتفويته متاع صاحبه، ويكون ثمنه لصاحبه كما قال فيما إذا اشتركا بعرضين مختلفين في القيمة فباع أحدهما عرض صاحبهفإنه لا يضمن لصاحبه شيئا، ويكون ثمن ما بيع به عرضه له، وبه يكون شريكا إن عملا بعد ذلك، فكذلك ينبغي إذا اشتريا بالدنانير أو بالدراهم عرضا أن يكون ذلك العرض لصاحب ذلك المال كما كان ثمن العرض في شركة العرضين المختلفين لصاحب ذلك العرض.
قال: وقوله إذا لم يعرف فينظر إلى قيمة الدنانير والدراهم فيقسم ما بأيديهما على ذلك فصواب أيضًا؛ لأنه قد اختلط الأمر فأشبه الطعامين إذا اختلطا في الشركة.
قال: وفي القسمة في قول ابن القاسم نظر؛ لأنه إذا استوت قيمة الدنانير والدراهم يوم الشراء كانت السلعة بينهما نصفين، فإن زادت قيمة الدنانير يوم القسمة
الجزء: 16 - الصفحة: 312
فأعطيناه مثل دنانيره أضر صاحب الدراهم، وكذلك إن زادت قيمة الدراهم فأعطاه مثل دراهمه أضر صاحب الدنانير فوجب أن يكون ثمنهما بينهما نصفين.
م/: وقد تقدم أن سحنون يجيز الشركة بالدنانير والدراهم.
قال: وإنما لا يجوز صرف وشركة إذا كان الصرف خارجا من الشركة، وأما فيها فجائز.
قال ابن المواز: وإذا أخرج هذا دراهم وهذا دنانير كقيمتهما، فروى ابن القاسم عن مالك إجازته.
وروى هو وابن وهب عن مالك كراهيته وبذلك أخذا.
قال ابن المواز: وإجازته غلط، وما علمت من أجازة؛ لأنه صرف لا يبين به صاحبه لبقاء يد كل واحد منهما على ما صرف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما إن أخرج هذا ذهبا وفضة، وهذا مثله ذهبا وفضة فلا بأس به.
الجزء: 16 - الصفحة: 313
[فصل 8 - في الشريكين يخرجان المال الذي اشتركا به ويجعلانه في يد أحدهما ثم يضيع مال أحدهما].
قال ابن القاسم: وإن اشتركا بمالين سواء فأخرج كل واحد ذهبه فصرها على حدة، وجعلا الصرتين بيد أحدهما أو في تابوته أو في خرجه فضاعت واحدة فالذاهبة منهما، وإن بقيت صرة كل واحد بيده فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند احدهما، وكذلك إن كانا فيما ذكرنا مختلفين في السكة إلا أن الصرف واحد.
ولو تفاضل الصرف فسدت الشركة، وكانت الذاهبة من ربها، وإن بقيت كل صرة بيد ربها حتى ابتاع بها أحدهما أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى والمالان متفقان فمصيبة الصرة من ربها.
وأما الأمة فهي بينهما يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها.
م/: لأنه إنما اشتراها على الشركة.
وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا.
والمشتري يقول لا يكون له معي نصيب، ولا نصيب لي فيما معه؛ ولأن متفاضلي المال لا يتساويان في الربح وإن رضيا
الجزء: 16 - الصفحة: 314
باشتراطه.
قال سحنون: إذا اشترى كل واحد بصرته سلعة قبل الخلط فلكل واحد ما اشترى له نماؤه وعليه خسارته.
وكذلك لو تلفت صرته حتى يجمعا المالين ويخلطا، أو يجمعا الصرتين في خرج أحدهما أو في يده فتتم الشركة.
قال بعض أصحابنا: إذا كانت صرة كل واحد بيده، ثم تلفت إحداهما، ثم اشترى الآخر أمة بعد التلف عالما به فشريكه مخير أن يشركه فيها أو يدعها به، إلا أن يقول إنما اشتريتها لنفسي فهي له، وإن لم يعلم بالتلف حتى اشترى فالأمة بينهما كما لو اشترى ثم تلفت الصرة الأخرى، وهذا على أصل ابن القاسم، والله أعلم وبه التوفيق.
الجزء: 16 - الصفحة: 315
[الباب السادس].
جامع القول في المتفاوضين
قال أبو محمد: والقضاء أن كل متفاوضين يلزم كل واحد منهما ما يلزم صاحبه.
قال ابن القاسم: المفاوضة على وجهين، إما في جميع الأشياء، وإما في نوع من المتاجر يتفاوضان فيه كشراء الرقيق أو غيره، ولا أعرف شركة عنان، ولا رأيت حجازيا يعرفها.
قال محمد بن عبد الحكم: هي الشركة في شيء بعينه.
م/: وقيل إنها الشركة في كل شيء من الأشياء بعينه.
[الفصل 1 - في المتفاوضين يكون كل واحد منهما في بلد يجهز على صاحبه ويلغيا نفقتهما]
قال مالك: ولا بأس أن يشتركا بمال كثير يتفاوضان فيه، وهما في بلدين على أن يجهز كل واحد منهما على صاحبه ويلغيا نفقتهما، وإن اختلف سعر البلدين، إذ كل واحد منهما إنما قعد للتجر مع قلة مؤونة كل واحد، فاستسهل اختلاف السعرين، وينبغي أن لو كان لكل واحد عيال واختلف أسعار البلدين اختلافا بينا أن تحسبب النفقة؛ إذ نفقة العيال ليست من التجارة.
ابن القاسم: ولو كانا في بلد واحد أو كانا ذوي عيال أو لا عيال لهما فليلغيا نفقتهما.
قال ابن القاسم في رواية سليمان: وذلك عندي إذا تقاربا في العيال.
الجزء: 16 - الصفحة: 316
قال مالك: وإن كان لأحدهما عيال وولد وليس للآخر أهل ولا ولد حسب كل واحد ما أنفق، وما ابتاع أحدهما مما يلغي من طعام أو كسوة له أو لعياله فللبائع أن يتبع بالثمن أيهما شاء؛ لأن النفقة والكسوة لهما أو لعيالهما مما يلغي، وهي من مال التجارة إلا كسوة لا يبتذلها العيال كوشي أو قَصَبِي ونحوه، فهذا لا يلغي.
قال ابن المواز: ولا يلزم ذلك إلا من اشتراه.
وقال سحنون: تكون الثياب بينهما يريد سحنون إن شاء ذلك شريكه لرجاء فضل الثياب أو لغير ذلك.
قال ابن القاسم: وإن ابتاع أحدهما طعاما أو كسوة له أو لعياله لم يدخل فيه الآخر إذ لا بد لهما من ذلك وعليه عقدا.
فهو بخلاف شرائه لنفسه شيئًا من العروض والرقيق، وهذا له أن يدخل معه فيه.
[الفصل 2 - في رجل يقيم بينة على آخر أنه مفاوضه على الثلث والثلثين أو مطلقًا].
قال: ومن أقام البينة على رجل أنه مفاوضه على الثلث والثلثين جاز ذلك، وكانا متفاوضين؛ لأن ذلك جائز أن يشتركا عليه ويكونا متفاوضين ولأحدهما عين أو عرض دون صاحبه، ولا يفسد ذلك المفاوضة.
ومن أقام البينة أن فلانا مفاوضه كان جميع ما بأيديهما بينهما إلا ما قامت فيه بينة أنه لأحدهما بإرث أو هبة أو صدقة عليه، أو كان له قبل التفاوض، وأنه لم يفاوض عليه فيكون له خاصة، والمفاوضة فيما سواه قائمة.
قال بعض فقهاء القرويين: وكذلك يجب أن لو أقام أحدهما البينة أن الآخر شريكه
الجزء: 16 - الصفحة: 317
أن يكون شريكه في جميع ما في أيديهما إلا ما قامت به بينة أنه لأحدهما خاصة كالمفاوضة.
ولا فرق بين أسم الشركة والمفاوضة إلا أن المفاوضة فيها إجازة بيع كل واحد منهما على صاحبه، ونحو هذا لسحنون.
قال في المدونة: وما ابتاع أحد المتفاوضين من بيع صحيح أو فاسد لزم الآخر وليس كل الناس فقهاء يعرفون ما يشترون وما يبيعون، ويتبع البائع بالثمن أو بالقيمة في فوت الفاسد أيهما شاء، ومن عليه دين لأحدهما فقضاء لشريكه جاز.
[مسألة: في المفاوضة المأذون للتجار.
وشركة العبيد ومشاركة الذمي، والشركة بين النساء والرجال]
قال مالك: ويجوز للمأذون مفاوضة التجر، وتجوز شركة العبيد إذا أذن لهم في التجارة، ولا يصلح لمسلم أن يشارك ذميا إلا أن لا يغيب الذمي على بيع ولا شراء ولا قضاء ولا اقتضاء إلا بحضرة المسلم فيجوز.
قاله ابن عباس.
قال مالك: وتجوز الشركة بين النساء والرجال.
الجزء: 16 - الصفحة: 318
[فصل 3 - في المتفاوضين يتجران بمال حاضر وبدين في ذمتهما].
قال مالك: وأكره أن يخرجا مالا على أن يتجرا به وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى كل واحد منهما بينهما، وإن حاوز رأس أموالهما.
ولو تفاوضا بالمالين ولم يذكرا في شركتهما أن يبيعا بدين فباع أحدهما بدين فذلك جائز على شريكه.
وقال في كتاب ابن المواز: لا يجوز لأحدهما البيع بالدين إلا بإذن صاحبه.
[الفصل 4 - في المتفاوضين يشتري أحدهما جارية للوطء من مال الشركة].
قال ابن القاسم: وإن تفاوضا بأموالهما في جميع التجارات، وليس لأحدهما مال دون صاحبه فاشترى أحدهما جارية لنفسه للوطء، - وفي كتاب محمد: للخدمة - وأشهد على ذلك - يريد ولم يطأ بعد- قال: يخير شريكه بين أن يجيز له ذلك أو يردها في شركته.
وليس من فعل ذلك من أحد المفاوضين كغاصب الثمن أو متعد في وديعة ابتاع بها سلعة، فهذا ليس عليه لرب المال إلا مثل دنانيره، والشريك مأذون له في حركة المال، فليس له أن يستأثر بربحه، بل الربح بينهما والضمان أيضا عليهما، وهو كمبضع معه في شراء سلعة أو مقارض أو وكيل تعدي فرب المال مخير فيما اشترى إن شاء أخذه وإن شاء تركه؛ لأن هؤلاء أذن لهم في تحريك المال، ولكل متعد سنة يحمل عليها.
قيل لمالك: وإذا كان كل واحد منهما يشتري أمة من مال الشركة فيطؤها ثم يبيعها ويرد ثمنها في رأس المال.
قال: لا خير في ذلك.
قيل: فما يصنعان بما في أيديهما من الجواري مما قد اشترياه
الجزء: 16 - الصفحة: 319
على هذا.
قال: يتقاويانها فيما بينهما فمن صارت له الأمة التي اشتراها أو غيرها كانت له بثمن معلوم وحل له الوطء.
يريد بعد الاستبراء.
قال ابن القاسم: وإن شاء الشريك أنفذها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي اشتراها به فإن لم يتركها له بالثمن، وقال: لا أقاويه فيها ولكن أردها للشركة لم يكن له ذلك.
وقال غيره: له ذلك.
قال ابن المواز: إنما تكون المقاواةبين الشريكين في هذه الأمة إذا أراد الوطء قبل الوطء، فأما إذا وطئ أحدهما فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه، وأما إن حملت فلا بد من القيمة في يسره شاء شريكه أو أبي.
م/ وقال بعض أصحابنا: إذا اشترى الجارية للتجارة ثم عمد فوطئها فهاهنا يخير شريكه بين مطالبته بالقيمة أو تركها بينهما إن لم تحمل، وأما إن اشتراها لنفسه ليطأها على أن الخسارة فيها والربح على المال ف هي كمسألة الكتاب التي ذكر فيها المقاواة.
م/: وإنما هذا إذا وطئ فإن لم يطأ فشريكه مخير بين ان يجيز له ذلك أو يردها في
الجزء: 16 - الصفحة: 320
الشركة.
قال بعض أصحابنا: ولو أنه اشتراها بإذن شريكه على أن يضمنها إن هلكت، وله ربحها وعليه خسارتها فهذا قد أسلفه شريكه نصف ثمنها فله النماء وعليه النقص؛ لأنه استبد بملكها.
قال بعض فقهاء القرويين عقب قول ابن المواز: إنما تكون المقاواة في هذه الأمة إذا أراد الوطء قبل الوطء فأما إذا وطئ بعد فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه.
قال: وقوله إنما تكون المقاواة قبل الوطء صواب، وقوله إذا وطئ فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه فتجب إن كان تكلم على إذن كل واحد لصاحبه أن تكون القيمة واجبة شاء شريكه أو أبي؛ لأنه تحليل لما أذن فيه كل واحد لصاحبه فأشبه ما لو حللها له ففاتت بالوطء فلا خيار له في ذلك؛ لأن ذلك من عارية الفروج، وأما إن كان ذلك من غير إذن فهو متعد فإن شاء صاحبه أمضاها له؛ لأنه اشتراها لنفسه، وإن شاء قاواه إياها بعد الوطء.
قال: وإنما لم ير ابن القاسم ان يبقيها على الشركة فلعله خشي أن يكون غير مأمون على بقائها عنده، بخلاف الأمة بين الشريكين إذ هذا الشريك يغيب على ما اشترى
الجزء: 16 - الصفحة: 321
ويتصرف في جميعه بخلاف من شاركه في أمة فقط، وغيره أجاز ردها إلى الشركة كالأمة بينهما فإذا لم يؤمن عليها منع من الخلوة بها.
[الفصل 5 - في أحد المتفاوضين يؤخر غريما بدين أو يضع له منه].
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخر أحدهما غريما بدين أو وضع له منه نظرًا واستئلافا في التجارة ليشتري منه في المستقبل جاز ذلك، وكذلك الوكيل على البيع إذا كان مفوضًا إليه.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما جاز تأخيره على وجه النظر والاستئلاف، ولم يجعله سلفا جر منفعة؛ لأن المؤخر لم يقصد انتفاعا ممن أخره، بل هو رفق بالمؤخر لا شك فيه، وقد لا يبايعه أبدا.
ولم يرج بتأخيره مبايعته هو، وإنما فعل ذلك ليشتهر بحسن المعاملة فخفف التأخير لهدا.
وما صنعه مفوض إليه من شريك أو وكيل على وجه المعروف لم يلزم، ولكن يلزم الشريك في حصته، ويرد صنع الوكيل إلا أن يهلك ما صنع الوكيل من ذلك فيضمنه الوكيل.
الجزء: 16 - الصفحة: 322
[الفصل 6 - في الثمن الذي يدفعه أحد الشريكين في سلعة بيعت من مال الشركة إلى أجل وفي أحد الشريكين يبضع مع رجل مالًا من الشركة ليشتري شيئًا ثم يموت أحد الشريكين أويفترقان]
وإذا باع أحدهما سلعة بثمن إلى أجل لم يصلح لشريكه أن يبتاعها إلا بما يجوز لبائعها أن يبتاعها به، وإن أبضع أحدهما مع رجل دنانير من الشركة ليشتري بها شيئًا ثم علم الرجل بموت الذي بعثها معه أو بموت شريكه فإن علم أنها من الشركة فلا يشتري بها شيئًا وليردها على الباقي أو على الورثة، وإن بلغه افتراقهما فله ان يشتري بها ذلك لهما بعد، وفي الموت يقع للورثة بعضه، وهم لم يأمروه بذلك.
[الفصل 7 - في أحد المتفاوضين يبضع او يقارض أو يفاوض أو يودع غيره دون أمر شريكه].
ولأحد المتفاوضين أن يبضع أو يقارض دون امر الآخر، ولا يجوز لأحدهما أن يفاوض شريكا إلا بأذن شريكه.
وأما إن شاركه في سلعة بعينها غير شركة مفاوضة فجائز.
م/ لأن دفعه البضاعة ومفاوضته غيره وشركته في سلعة معينة أو في سلع من التجارة موسع له فيه، وأما شركته شركة مفاوضة فقد ملك هذا الشريك التصرف في مال الشريك الأول بغير إذنه فلم يجز ذلك عليه.
وأما إيداعه فإن كان لوجه عذر لتروله بلدا فيرى أن يودع إذ منزله الفنادق وما لا أمن فيه فذلك له، وما أودع لغير عذر ضمنه، وإن أودعك أحدهما فزعمت أنك رددتها إليه فأنكر فأنت مصدق, يريد مع يمينك.
الجزء: 16 - الصفحة: 323
قال: إلا أن يودعك ببينة فلا تبرأ إلا ببينة، وإن زعمت أنها هلكت فأنت مصدق، وإن أخذتها ببينة.
وإن رددتها إلى الآخر منها برئت إن صدقك القابض، فإن أنكر لم تبرأ إلا ببينة.
وكدافع ثمن ما ابتاع من أحدهما إلى شريكه؛ لأن يد القابض مع التصديق كيد المودع فصار كالمأذون له في الدفع إلى الشريك وهو كما لو أمره أن يدفع ذلك إلى غير شريكه فتصديق القابض له يبرئه.
ولو قال القابض قبضتها وضاعت لبرئ بذلك الدافع على ما في كتاب الوديعة، وذلك بخلاف الدين يدعي القابض ضياعه فلا يبرأ بذلك الدافع إلا ببينة على الدفع.
وفي كتاب ابن المواز: لا يصدق في الوديعة كما لايصدق في الدين في الدفع، وأما إن أنكر القابض أن يكون قبضها فعلى المودع أن يقيم البينة بدفعها إليه وإلا غرم، إلا أن يكون شرط أن يدفعها بغير إشهاد فيحلف لقد دفعها ويبرأ، ويحلف الآخر أنه ما دفع إلى شيئا وتكون المصيبة من ربها.
[الفصل 8 - في المشتري يدفع ثمن ما ابتاع من المتفاوضين أو من أحدهما إلى أحدهما مبايعة أو غيره، وفي ضمان الوديعة إذا أودعها أحد المتفاوضين]
ومن المدونة: ودفعك ثمن ما ابتعت منهما أو من أحدهما إلى أحدهما، مبايعك أو غيره، فذلك يبرئك إن صدقك القابض، وإلا لم تبرأ إلا ببينة، وإن أودع أحد المتفاوضين
الجزء: 16 - الصفحة: 324
وديعة فأودعها المودع شريكه ضمن إلا أن يكون ذلك لعذر من عورة بيت أو سفر أراده.
ومن دفعت إليه منهما وديعة كانت بيده دون صاحبه، فإن مات ولم تعرف الوديعة بعينها كانت في حصته دينا دون حصة صاحبه؛ إذ ليست من التجارة.
وكذلك كل مودع أو مبضع معه أو مقارض مات فلم يوحد شيء من ذلك فذلك في ماله.
قال بعض فقهاء القرويين: ولا يمتنع أن يختلف في هذا؛ لأن ذمته على البراءة فلا تعمر بالشك، وإذا أمكن أن يتسلفها وأمكن أن تضيع فكيف يغلب جانب السلف دون أنها ضاعت إلا أن يقال: إن الأغلب أنها لو ضاعت لأخبر بذلك صاحبها وذكر ذلك فكأن سكوته دليل أنه اساتفقها.
فإن قيل: يحتمل أن يكون لم يعلم بضياعها.
قيل: هذا يمكن إلا أنه نادر فيحمل أمره على الأغلب.
[الفصل 9 - فيمن أبضع مع إنسان بضاعة ليوصلها إلى بلد فمات في الطريق أو بعد وصوله]
وقد اختلف فيمن أبضع مع إنسان بضاعة ليبلغها له إلى بلد فمات في الطريق أو بعد وصوله البلد.
فقال في المدونة: إن مات في الطريق فهي في ماله، فغلب عليه العداء عليها.
قال: وإن مات بعد وصوله البلد يريد وإمكان الدفع برئ منها وحمل أمره على أنه دفعها وأنه لو كان حيا لأخبر من شهد على القبض.
وقال في كتاب محمد: ضد هذا أبراؤه إن مات في الطريق؛ لأنه حمل أمره على أنه لم يتعد وأنها ضاعت فأغرمه بعد وصوله البلد؛ إذ لو دفعت لعلمت بذلك البيئة.
وفي قول
الجزء: 16 - الصفحة: 325
آخر أنه ضامن في الوجهين، وفي قول آخر أنه برئ في الوجهين، فهذا يؤذن أن ذمته.
بريئة إذا مات في الحضر على هذا القول الآخر.
[الفصل 10 - في أحد المتفاوضين يتعدى ويعمل في وديعة أودعت إليه فيربح فهل يدخل معه مفاوضه في الربح والضمان؟]
ومن المدونة: وإن أودع رجل لأحدهما وديعة فعمل في الوديعة تعديا فربح، فإن علم شريكه بالعداء ورضي بالتجارة بها بينهما فلهما الربح، والضمان عليهما، وإن لم يعلم فالربح للمتعدي والضمان عليه خاصة.
قال غيره: إن رضي الشريك وعمل معه فإنما له أجر مثله فيما أعانه وهو ضامن وإن رضي ولم يعمل معه فلا شيء له ولا ضمان عليه، ولا يوجب الرضي دون بسط اليد ضمانا ولا ربحا إلا من وجه قول الرجل للرجل: لك نصف ما أربح في هذه السلعة فله طلبه بذلك ما لم يفلس أو يموت.
[الفصل 11 - في أحد المتفاوضين يأخذ قراضا ويربح فيه، هل يكون مفاوضه شريكا له في الربح والضمان؟]
قال ابن القاسم: وإن أخذ أحدهما قراضا فلا ربح للآخر فيه، ولا ضمان عليه فيما تعدى فيه الآخذ له؛ لأن المقارضة ليست من التجارة، وإنما هو أجير أجر نفسه فلا
الجزء: 16 - الصفحة: 326
شيء لشريكه في ذلك.
وكذلك عنه في كتاب محمد: قال فيه وهو على ربحه فيما عمل الآخر ولا يرجع عليه الذي عمل وحده بشئ من أخر عمله.
وقال أصبغ: إذا حلف أنه لم يتطوع في خلال ذلك بالعمل فله نصف الأجر بقدر ما عمل في حقه لا على عدد الشهور إذا كان عمله ينقطع في خلال ذلك.
قال: وقال أشهب: إنما آجر به نفسه أو ما ربح في قراض أخذه فذلك كله يدخل في الشركة بينهما كما لو تسلف مالا يعمل به فربح فربحه بينهما.
قال ابن حبيب: إذا أخذ أحد الشريكين قراضا لنفسه أو أجر نفسه في عمل أو حراسة أو وكالة أو تسلف مالا فاشترى به فربح فيها، أو اشترى لنفسه شيئا بدين فربح فيه فإن لم يكونا متفاوضين فمجتمع عليه أن ذلك له دون شريكه وإن كانا متفاوضين.
فابن القاسم: يرى ذلك له دون شريكه ويجعل له نصف الفضل في شركته ولا يجعل عليه لشريكه أجرة لما يؤخر به من عمل الشركة.
وكان أشهب يجعل ذلك كله بينهما ويجعل ضمان ما تسلف بينهما، والتفاوض هو تفويض كل واحد منهما للآخر كل ما جر نفعا فيما اجتمعا فيه، أو انفرد به أحدهما،
الجزء: 16 - الصفحة: 327
وقاله أصبغ، وبه أقول.
م/ قال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يكون القراض له خاصة وأن للعامل الأجرة في نصيب الذي أخذ القراض لأنه يقول لم أتطوع له بالعمل إلا طنا أنه يعمل في المال مثل ما أعمل فإذا أشغل منافعه فيما يختص به فلى أن أرجع أنا بإجازة مثلي فيما عملت مما يجب عليه من العمل.
قال: وأما القول بأنه لا أجرة له فلعله أراد أنه قصد ألا يرجع بهذا العمل.
قال ووجه قول أشهب: كأنه رأى أن كل واحد ملك منافع صاحبه بالتفاوض.
[الفصل 12 - في أحد المتفاوضين يستعير ما يحمل عليه لنفسه أو لمال الشركة هل يشترك معه صاحبه في ضمان ما هلك؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن استعار أحدهما بغير أمر الآخر ما حمل عليه لنفسه أو لمال الشركة فهلك فضمانه من المستعير خاصة.
قال أبو محمد: يريد بعد أن يتبين كذبه في الحيوان.
قال ابن القاسم: لأن شريكه يقول له كنت تستأجر لئلا أضمن.
وفي رواية ابن المواز: وإن استعار أحدهما دابة أو غيرها فتلف ذلك لم يلزم صاحبه من ذلك ما لزمه هو.
الجزء: 16 - الصفحة: 328
م/ وحكي عن أبي الحسن القابسي أنه قال إنما يضمن هذا المستعير هذه الدابة وحده إن قضى به قاض ممن يرى ذلك، وهو رأي أهل الكوفة، وكان القاضي بمصر يؤمئذ ممن يرى ذلك.
ومن المدونة: وقال غيره: لا يضمن الدابة في العارية إلا بالتعدي، ولو استعاراها جميعًا فتعدى عليها أحدهما ضمن المتعدي خاصة في ماله.
قال ابن القاسم: وإن استعارها أحدهما لحمل طعام من الشركة فحمله بغيبة الآخر عليها بغير إذن شريكه فعطبت لم يضمن؛ إذ فعل بها شريكه ما استعيرت له، وشريكه كوكيله.
ولو استعار رجل دابة ليحمل عليها غلاما له، ثم ربطها في داره، فأتى رجل أجنبي فحمل عليها ذلك الغلام فعطبت كان ضامنًا؛ إذ لم يأذن به ربها، ولا وكله المستعير.
قال ابن المواز وقال أشهب: لا يضمن لأنها عطبت فيما استعيرت له.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وليس لأحد المتفاوضين أن يعير من مال الشركة إلا أن يوسع له صاحبه في ذلك، أو يكون شيئًا خفيفًا كعارية غلام لسقي دابة ونجو ذلك، فأرجو ألا يكون به بأس، والعارية من المعروف الذي لا يجوز لأحدهما أن يفعله في مال الشركة إلا بإذن صاحبه، إلا أن يكون أراد به استئلاف التجارة فلا يضمن.
وإن باع
الجزء: 16 - الصفحة: 329
أحدهما جارية ثم وهب ثمنها لم يجز ذلك إلا في حصته، ولا يلزم ذلك، كما لا يلزم أحدهما كفالة الآخر؛ لأنها معروف، وما جنى احدهما، أو غصب، أو استهلك، أو أصدق، أو أجر فيه نفسه، فلا يلزم شريكه منه شيء.
[الفصل 13 - في منع أحد المتفاوضين من أن يأذن لعبدهما في التجارة أو يكاتبه أو يعتقه بدون إذن شريكه]
وعبد المتفاوضين ليس لأحدهما أن يأذن له في التجارة، ولا يكاتبه، ولا يعتقه على مال يتعجله منه بغير إذن صاحبه إلا أن يأخذ مالا من أجنبي على عتقه مثل قيمته فأكثر فيجوز، وهو كبيعه.
وحكي عن ابن القابسي: أنه قال: إنما لم يجز لأحد المتفاوضين أن يأذن لعبد من شركتهما في التجارة؛ لأنه قد يلحقه دين فيصير عيبًا فيه، وأيضًا فإذا أذنا له في التجارة فقد فوضا إليه، وليس له أن يفاوض بالمال بغير إذن شريكه.
[الفصل 14 - في أحد المتفاوضين الشريكين بيبع عبدا فيجد المشتري به عيبًا فيريد رده على شركه الآخر]
ومن المدونة: ومن ابتاع عبدا من أحدهما فظهر فيه عيب فله رده بالعيب على بائعه إن كان حاضرا، وإن كان غائبا غيبة قريبة كاليوم ونحوه فلينتظر لعل له حجة، وإن كانت غيبة بعيدة فأقأم المشتري بينه أنه ابتاع بيه الإسلام وعهدته- يريد: وأنه نقده الثمن وهو كذا وكذا- نظر في العيب فإن كان قديمًا لا يحدث مثله عند المبتاع رد العبد على
الجزء: 16 - الصفحة: 330
الشريك الحاضر، وإن كان يحدث مثله فعلى المبتاع البينة أن العيب كان عند البائع، وإلا حلف الشريك بالله ما علم أن هذا العيب كان عندنا وبرئ.
م/ يريد: كان ظاهرًا أو خفيًا؛ لأن غيره تولى البيع كالوارث، ولو حضر البائع منه حلف على البت في الظاهر، وفيما يخفي على العلم على قول ابن القاسم، فإن نكل الشريك الذي لم يتول البيع، فقال أبو محمد: يحلف المبتاع على البت.
والذي في كتاب محمد أن المبتاع إنما يحلف كما يحلف بائعه في الظاهر على البت، وفي الحفي على العلم.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو جاء الغائب فأقر أنه كان عالمًا بعيبه لا نبغي أن يرده، ويلزم ذلك الشريك الحالف، ولو أنكر الغائب لحلف، فإن نكل فانظر هل يرد عليه جميعه أو نصفه بيمين شريكه، والذي يظهر لي أن يرد عليه جميعه؛ لأن نكوله كإقراره؛ لأنه العامل له، ولا يضره يمين الشريك الحاضر؛ لأنه إنما حلف على أنه لم يعلم أن به عيبًا، وهو لم يعامله.
قال: وانظر لو نكل الشريك الذي لم يتول البيع فحلف المبتاع وردها، ثم قدم الغائب فقال: أنا أحلف وأنقص الرد على شريكي فيشبه أن يكون ذلك؛ لأن صاحبه إنما توقف عن اليمين؛ إذ لا حقيقة عنده، قد يكون ذلك له في نصفه، ويمضي الرد في
الجزء: 16 - الصفحة: 331
نصف الحاضر؛ لنكوله؛ لأن متولي البيع كوكيله، واليمين على الموكل في المدونة، وهذا الحاضر قد نكل عن اليمين فانظر ذلك.
[الفصل 15 - في قضاء الغريم لأحد الشريكين بعد افتراقهما وفي قضائه للوكيل بعد عزله]
ومن المدونة: ومن ابتاع سلعة من أحد المتفاوضين بثمن إلى أجل فقضى الثمن بعد افتراقهما للذي باع منه أو لشريكه، فإن لم يعلم بافتراقهما فلا شيء عليه، وإن علم بافتراقهما ضمن حصة الآخر.
ومن النوادر من قول أشهب: إن دفع الثمن بعد الافتراق للذي باع منه برئ الغريم بالدفع إليه بعد ما نهى وإن لم يعلم بالنهي.
قال: وإن دفع للذي لم يبايعه لم يبرأ من نصيب الآحر علم بافتراقهما أو لم يعلم؛ لأن الذي لم يبع إنما كان وكيلا على القبض.
وأما إن كان له وكيل قد فوض إليه البيع والشراء واقتضاء الديون وأشهد له بذلك، ثم خلعه، وأشهد على خلعه، ولم يعلم ذلك غرماؤه فلا يبرأ غريم مما دفع إليه بعد خلعه كان ذلك من ثمن شئ باعه الوكيل أم لا.
قال غيره: إن لم يعلم الوكيل ولا الغريم بأنه خلع فالغريم بريء، وإن علم بذلك أحدهما والآخر عالم أو غير عالم لم يبرأ الغريم.
قال بعض أصحابنا: الفرق عند ابن القاسم بين قضاء الغريم لأحد الشريكين بعد
الجزء: 16 - الصفحة: 332
افتراقهما وبين قضائه للوكيل بعد خلعه هو أن افتراق الشريكين لا يقطع الشركة في الدين؛ لأنه باق بينهما بعد الافتراق، وعزل الوكيل برفع يده فافترقا.
ووجه قول غيره في مسألة خلع الوكيل إذا قبض من الغريم وقد علم أحدهما بخلعه؛ لأن الغريم وإن لم يعلم الوكيل فالوكيل متعد في قبض الدين لعلمه فهو ضامن، فإن أغرم الدافع رجع على الوكيل.
وقال بعض فقهاء القرويين: الأشبه في هذا أن لا يضمن الغريم كما قال في الشريكين يفترقان، وذلك أن كل واحد منهما وكيل على القبض لصاحبه، والغريم وجب عليه الدفع إلى من جاء منهما ففرطا؛ إذ لم يعلماه بافتراقهما.
م/: وكذلك الموكل قد فرط إذا لم يعلم الغريم بعزل الوكيل فوجب لذلك ألا يضمن الغريم إذا لم يعلم.
قال: وليس قول الغير أيضًا ببين بإغرام الغريم بعد عزل الوكيل.
وفي كتاب محمد: أن الذي عليه الدين لو علم أنه حكم عليه بالدفع بشهادة من
الجزء: 16 - الصفحة: 333
شهد للوكيل بالوكالة فإن الغريم يبرأ، وهذا صواب؛ لأنه مجبور على الدفع.
[الفصل 16 - في أحد المتفاوضين يشتري لنفسه من الآخر من تجارتهما، وفي إقالة أحد الشريكين وتوليته]
ومن المدونة: ولا بأس أن يشتري أحدهما من الآخر من تجارتهما لنفسه لقنية أو لتجارة.
وإن اشترى أحدهما عبدا فوجب به عيبًا فرضيه هو أو شريكه لزم ذلك الآخر، فإن رده مبتاعه ورضيه شريكه لزمه رضاه؛ لأن مشتريه لو رده بعيب ثم اشتراه شريكه وقد علم بالرد بالعيب لزم ذلك شريكه.
وإقالة أحدهما فيما باعه هو أو شريكه وتوليته لازمة كبيعه ما لم يكن في ذلك محاباة فيكون كالمعروف لا يلزم إلا ما جر به إلى التجارة نفعًا، وإلا لزمه قدر حصته منه، وإقالته لخوف عدم الغريم ونحوه من ناحية النظر وكشراء حادث.
[الفصل 17 - في أحد الشريكين يقر بدين لقريب أو صديق ومن يتهم عليه ومن يدخل على غيره ضررا بإقراره]
وإن أقر أحدهما بدين من شركتهما لأبويه أو لولده أو لجده أو لجدته أو لزوجته أو لصديق ملاطف ومن يتهم عليه لم يجز ذلك على شريكه، ويجوز إقراره بذلك لأجنبي ممن لا يتهم عليه، ويلزم شريكه.
وكذلك من يدخل الضرر بإقراره لمن يتهم عليه كالعبد المأذون له والمريض؛ لأن العبد يدخل بذلك عيبًا في رقبته فيضر بسيده، والمريض يضر بورثته.
واختلف في إقرار من أحاط الدين بماله، فإن قلنا: يجوز إقراره فلبقاء بقية الدين في ذمته فلم يتهم، وإذا قلنا: لايجوز؛ فلأنه أدخل الضرر على غرمائه، وأما إقرار هؤلاء لمن
الجزء: 16 - الصفحة: 334
لا يتهم عليه فيجوز لارتفاع التهمة، ونحوه لبعض القرويين.
ولو أن شريكين في دار أو متاع أو غير ذلك من العروض أقر أحدهما لأجنبي بنصف ما في أيديهما حلف المدعي واستحق؛ لأنه شاهد كإقرار وارث بدين على الميت، فإن مات أحد الشريكين لم يكن للباقي أن يحدث في المال ولا في السلع قليلًا ولا كثيرًا إلا برضي الورثة؛ لانقطاع الشركة.
فإن اشتركا شركة صجيحة فادعى أحدهما أنه ابتاع سلعة وضاعت منه صدق؛ لأنه أمين فيما يلي، وإن مات أحد المتفاوضين فاقر الجي منهما أنهما رهنا متاعا من الشركة عند فلان، وقالت ورثة الهالك بل أودعته أنت إياه بعد موت ولينا فللمرتهن أن يخلف مع شاهده الحي ويستحق الجميع رهنا، وإن أبى فله حصة المقر رهنا؛ لأن مالكا
قال: في أحد الورثة يقر بدين على الميت أن صاحب الدين يحلف معه، ويستحق جميع حقه من مال الميت، فإن نكل أخذ من المقر ما ينوبه من الدين، ولا يأخذ من حصته دينه كله.
وقال سحنون في كتاب ابنه: القول قول الشريك.
وكذلمك إن أقر أحد الشريكين بدين بعد التفرق يلزمهما في أموالهما.
وفي قول ابن القاسم: يلزم المقر في حصته.
يريد: إذا لم يحلف المشهود له.
م/ وقال بعض فقهاء القرويين: اختلف في شهادة أحد الشريكين فأجازها هاهنا
الجزء: 16 - الصفحة: 335
مع أنه لو جرح لغرم جميع المال الذي أقر به أن المتاع فيه رهن؛ لأنه حميل عن صاحبه بنصفه، وإذا كان صاحب الدين يقدر على إغرام الحميل جملة الدين فلماذا يحلف؟
وقد اختلف في شهادة الحميل أيضاَ: فقيل: تجوز.
وقيل: إن كان الذي عليه الدين مليئا جازت؛ إذ الحميل غير مطلوب بالحمالة، وإن كان عديمًا لم تجز؛ لأنه مطلوب، وليس هذا ببين؛ لأن الطالب يقول: إنكار الغريم كعدمه، ولا يلزمني أن أحلف، والحميل يقر لي، إلا أن يقال: إنه متى قدر على إغرام الغريم بيمينه مع شهادة الحميل، فنكل عن اليمين، لم تكن له مطالبة الحميل؛ لقدرته على أخذ الغريم بيمينه ويسر الغريم، وفي هذا أيضًا بعد.
ويلزم على هذا التأويل في أحد الشريكين اللذين مات أحدهما أنه لو نكل والميت موسر ألا يلزم المقر إلا قدر نصيبه، وقد قيل: إن إقراره بعد الموت جائز على الشريك.
وفي المدونة أجاز إقرار العبد بعد أن حجر عليه سيده بدين، ولم يذكر بقرب الحجر أو بعد ذلك، والأشبه أنه إنما يجوز بقرب الحجر، كما لو فلس فأقر سلعة ضرب على يده؛ إذ هذا الأمر لا يقدر على أكثر منه، فأما بعد استسلامه وسكوته فلا
الجزء: 16 - الصفحة: 336
يجوز إقراره، ويغد ذلك تأليجا.
[الفصل 18 - في أحد المتفاوضين يجحد الشركة]
ومن المدونة: وإن جحد أحد المتفاوضين الشركة فأقام الآخر عليه البينة أنه شريكه فهلك المال بيد الجاحد في الخصومة فإنه ضامن لصاحبه حصته؛ لأنه كالغاضب بمنعه، وإن مات أحد الشركاء فأقام صاحبه بينة أن مئة دينار من الشركة كانت عند الميت فلم توجد، ولا علم مسقطها، فإن كان موته قريبًا من أخذها فيما يظن أن مثله لم يشغلها في تجارة فهي في حصته، وما تطاول وقته لم يلزمه.
ألا ترى لو قللت البينة: إنه قبضها منذ سنة وهما يتجران أتلزمه أي أنه لا شيء عليه.
قال ابن المواز: أما إن أشهد شاهدين على نفسه بأخذه المئة لم يبرأ منها إلا بشاهدين أنه ردها طال ذلك أم قصر وأما إن كان أقر من غير قصد الإشهاد فكما قال ابن القاسم في طول المدة أو قصرها.
الجزء: 16 - الصفحة: 337
[الباب السابع]
جامع مسائل مختلفة من غير المدونة
[الفصل 1 - في الشريك يقدم على شريكه فيجد بيده أموالًا ويدعي الآخر أنها ودائع عنده أو عروض دفعت إليه ليبيعها]
ومن العتيبة روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في الشريك يقدم على شريكه فيجد بيده أموالًا فيريد أن يديرها فيقول له شريكه: هي ودائع للناس، أو كانت عروضًا
فقال: دفعت إلي لأبيعها فقال الآخر: فسم أهلها فأبى.
قال: إن سمي أهلها وادعوا ذلك فليحلفوا كمن استحق بشاهد ويمين، فإن نكلوا أخذوا نصيب المقر، واخذ الشريك نصيبه من ذلك المال، وسواء أقر بوديعة أو بمتاع يبيعه، وإن لم يسم لمن ذلك المال فذلك بين الشريكين على شركتهما.
قال بعض فقهاء القرويين: ظاهر قوله أنه يحتاجإلى عدالة المقر؛ لأنه جعله كالشاهد، وكان ينبغي أن يجوز إقراره لمن لا يتهم عليه، وقد يحتمل أنه إنما حلفهم استبراء.
وروى أشهب عن مالك في الشريك المفاوض وغير المفاوض يقول: جعلت في مال الشركة مالا عند المحاسبة أو قبل ذلك.
قال: يحلف شريكه على البت ما كان له فيه شيء، ولا جعل فيه شيئًا، ويكون
الجزء: 16 - الصفحة: 338
بينهما.
فصل [2 - في شريكين يريدان المفاصلة فيدعي أحدهما أن له الثلثين ولشريكه الثلث ويدعي الآخر أن المال بينهما على النصف]
قال ابن المواز: قال ابن القاسم في شريكين أرادا المفاصلة فقال أحدهما للآخر: لك الثلث ولي الثلثان.
وقال الآخر: المال بيننا على النصف.
وليس المال بيد أحدهما دون صاحبه.
قال: فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين.
وعلى هذا ثبت ابن القاسم.
وقال أشهب: المال بينهما نصفين بعد أيمانهما؛ لأن كل واحد حائز للنصف وله حجة.
م/ وكذلك عنده لو ادعى ثلاثة فيدعي الثالث الثلث لقسم المال بينهم على ثلاثة، وحجته في ذلك أنهم قد تساووا في الحيازة واليمين، وإنما تفاضلوا في الدعوى، وكذلك لا يوجب زيادة في الحيازة.
الجزء: 16 - الصفحة: 339
[الفصل 3 - في ثلاثة شركاء يريدون المفاصلة ويدعي أحدهم أن له الثلثين ولشريكيه الباقي، ويدعي الثاني أن له النصف والباقي لشريكيه أو يدعي الثالث أن لكل واحد منهم الثلث]
قال ابن المواز: وإذا كانوا ثلاثة فقال أحدهم: لي الثلثان ولكما الثلث.
وقال الآخر لي النصف ولكما النصف.
وقال الآخر لكل واحد منا الثلث.
فقال محمد: يقال المدعي النصف ولمدعي الثلث: أنتما إنما تدعيان في المال خمسة أسدادسه فأسلما سدسه لمدعي الثلثين، ثم سكت فيها.
قال ابن ميسر: ويقال لمدعي الثلث: إنما تدعي الثلث ثم سكت ثم سئل عنها بعد ذلك فقال: يضربون فيه كل واحد بحصته أي بحصة دعواه على حسب الفرائض، ويقسم المال على تسعة، يضرب فيه مدعي الثلثين بأربعة، ومدعي النصف بثلاثة، ومدعي الثلث بائنين.
م/ وهذا الذي ذكر ابن ميسر مذهب آخر في التداعي، وهو مذهب مال.
وهو خلاف ما أصل ابن القاسم.
والذي يجري على أصل ابن القاسم أن يقال لصاحب النصف ولصاحب الثلث: سلما السدس الباقي لصاحب الثلثين بلا منازعة إذ لا دعوى لكما فيه، فتبقى الخمسة أسداس فصاحب الثلثين يدعي أن له فيها ثلاثة أسداس تمام الثلثين، وصاحب النصف وصاحب الثلث يدعيان الجميع، فتقسم هذه الثلاثة أسداس بينهم نصفين، فيحصل لصاحب الثلثين سدسان ونصف سدس، وذلك عشرة أسهم من أربعة وعشرين سهمًا،
الجزء: 16 - الصفحة: 340
ويبقى من المال أربعة عشر سهمًا، فيدعي صاحب النصف أن له منها اثني عشر سهمًا التي هي نصف جميع المال، وأن السهمين الباقيين لا شيئ له فيهما فيدفعهما لصاحب الثلث، ويدعي صاحب الثلث أن له من الاثني عشر التي ادعى فيها صاحب النصف ستة أسهم بقية تمام ثلث جميع المال على ما في يده، فكل واحد منهما يدعي هذه الستة فتقسم بينهما نصفين، فيحصل لمدعي النصف تسعة أسهم، ولمدعي الثلث خمسة أسهم، ولمدعي الثلثين عشرة أسهم، فذلك أربعة وعشرون سهمًا.
قال ابن المواز: ولو ادعى أحدهم جميع المال، والآخر نصفه، والآخر ثلثه.
قال: يقال لمدعي النصف ولمدعي الثلث: سلما لمدعي الكل السدس، فتبقى خمسة أسداس، فصاحب الكل يدعي ذلك، وأنتما تدعيانه فيقسم بينهما نصفين، لصاحب الكل عشرة قراريط، ولكما عشرة قراريط، ثم يقال لصاحب الثلث: أنت لا تدعي في هذه العشرة إلا ثمانية، فسلم قيراطين لصاحب النصف، ثم تقسم هذه الثمانية بينك وبينه نصفين؛ لتساوي دعواكما فيها.
م/ وإن شئت قلت: يقول صاحب الكل لمدعي الثلث: أنت لا تدعي إلا الثلث فسلم إلى الثلثين بلا منازعة، ثم يتنازعان في الثلث فكل واحد منهما يدعيه لنفسه فيقسم بينهما نصفين، فيحصل لصاحب الثلث السدس أربعة، ثم يقول صاحب الكل لصاحب النصف: أنت لا تدعي إلا النصف فسلم لي الباقي، وذلك الثلث، وهي ثمانية، ثم يتنازعان
الجزء: 16 - الصفحة: 341
في ذلك النصف، فيقسم بينهما نصفين، فيحصل لصاحب الكل أربعة عشر سهمًا، ولصاحب النصف ستة أسهم، ولصاحب الثلث أربعة أسهم.
وهذا نحو ما قال محمد: وإن شئت جعلت صاحب الكل أول ما يخاطب صاحب النصف، ثم يخاطب صاحب الثلث كما بيناه.
م/ وذكر عبد الوهاب أن المال يقسم بينهم على ستة وثلاثين سهما لمدعي الكل من ذلك خمسة وعشرون سهما ولمدعي النصف تسعة أسهم ولمدعي الثلث أربعة أسهم قال: واحتج من ذهب إلى ذلك بأن يقال لمدعي النصف ومدعي الثلث: أنتما مقران بأن النصف الباقي لا حق لكما فيه فسلماه إلى مدعيه فيأخذه مدعي الكل ثم يقال لمدعي الثلث كنت مقرا بأن السدس الزائد على الثلث لا حق لك فيه فسلمه إلى الذي يدعيه فيصير التداعي فيه بين مدعي الكل ومدعي النصف وأيديهما متساوية فيه فيقسم بينهما نصفين فيصير لمدعي الكل سبعة أسهم من اثني عشر سهمًا ولصاحب النصف سهم ثم يبقى الثلث وهم يتداعون فيه بالسوية وأيديهم عليه متساوية فيقسم بينهم أثلاثا فيكون لكل واحد منهم سهم وثلث فيصير لمدعي الكل ثمانية وثلث ولمدعي النصف سهمان وتلث، ولمدعي الثلث سهم وثلث، فتضرب الاتنا عشر في مخرج الثلث لتسلم السهام فتكون ستة وثلاثين.
م/ وما ذكر ابن المواز ابين لأن مدعي النصف ومدعي الثلث لا يسلمان لمدعي الكل إلا السدس الذي فضل عليها وهذا قد جعلهما انهما سلما له النصف ووجه هذا
الجزء: 16 - الصفحة: 342
كأن صاحب الكل يخاطب كل واحد من صاحبيه على جهته فصاحب النصف قد سلم له النصف وصاحب الثلث قد سلم له الثلثين فقد اجتمعا جميعًا على تسليم النصف لمدعي الكل فهذا وجه هذا القول.
م/ ويجئ على قياس هذا القول في مسألة مدعي الثلثين ومدعي النصف ومدعي الثلث أن يقال لمدعي الثلث ومدعي النصف سلمًا لمدعي الثلثين السدس إذ لا دعوى لكما فيه ثم يقال لصاحب الثلث أنت مقر أن الزائد على الثلث لا حق لك فيه فسلمه لمن يدعيه وهما صاحب النصف وصاحب الثلثين فيقسم بينهما نصفين فيصير لمدعي الثلثين خمسة من اثني عشر ولصاحب النصف ثلاثة فيبقي لكل واحد منهما من دعواه ثلاثة وصاحب الثلث يدعي أن له أربعة فيقال لصاحب الثلثين والنصف سلمًا الواحد الزائد على ما بقي لكل واحد منكما لصاحب الثلث إذ لا دعوى لكما فيه فيأخذه وتبقى ثلاثة من جملة المال فكل واحد منهم يدعيه لنفسه فتقسم بينهم أثلاثا فيصير لصاحب الثلث اثنان ولصاحب النصف أربعة ولصاحب الثلثين ستة ويتفق ما في أيديهم بالنصف فيرجع إلى ستة لصاحب الثلث واحد ولصاحب النصف اثنان ولصاحب الثلثين ثلاثة.
وبالله التوفيق.
وعلى ما ذكر ابن ميسر يضرب فيه صاحب الكل بستة أسهم وصاحب النصف بثلاثة أسهم وصاحب النصف بثلاثة أسهم وصاحب الثلثين بسهمين فيقسم المال بينهم على أحد عشر سهما.
م/: وهذا القول أبينها واعدلها.
وإلى نحوه كان يذهب جماعة من شيوخنا وهو جار على قول مالك فيمن اختلط له دينار مع مائة دينار لغيره ثم ضاع من الجملة دينار فهما شريكان هذا بدينار من مائة دينار ودينار وهذا بمائة دينار ودينار وهو جار على حسب قوال الفرائض والوصايا كمن أوصى لرجل بماله وللآخر بنصف ماله وللأخر بثلث ماله فالثلث يقسم بينهم على أحد
الجزء: 16 - الصفحة: 343
عشر سهمًا باتفاق وكذلك في مسائل الدعوى.
والله أعلم.
[الفصل 4 - فيمن أقر أن فلانًا شريكه ولم يحدد مقدار حصته]
ومن مسائل سئل عنها سحنون: ومن أقر أن فلانًا شريكه، ولم يقل: في جميع ماله، ولا مفاوض.
فإن قال: شريك لي في هذا المال لبعض مال في يديه فهو كما أقر، وإن لم يسم مالًا، وكان قبله كلام يستدل به على ما بعده، فإنه يكون شريكًا على ما يستدل به مما كان بينهما من الكلام قبله، وإن لم يكن شيء مما ذكرت لك، فهو شريك في جميع المال.
ولو أقر أن فلانًا الغائب شريكه، ثم يزعم بعد ذلك أنه شريكه على الربع، أو إنما هو شريكه في مائة دينار فإنه شريكه على النصف.
[الفصل 5 - فيمن أشرك من سأله الشركة في سلعة ولم يحدد مقدار حصته ثم اختلفا بعد الخسارة].
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك فيمن قال لرجل يسأله الشركة في سلعة: قد أشركتك, ولم يسم بكم ثم اختلفا بعد الخسارة، فقال المستشرك: أشركتني بالسدس وقال الذي ولي الشراء: بالنصف.
فالذي ولي الشراء مدع، ويحلف الآخر ويصدق، إلا أن يأتي بما لا يعرف بالدينار ونحوه.
وإن ربحا في السلعة فادعى المستشرك بالنصف، وقال الآخر: بالسدس فالمستشرك مدعٍ ويصدق الآخر مع يمينه.
قال مالك: وإذا كان النقصان فالذي كان ولي الشراء أو أشرك مدعيًا، وإذا كانت الزيادة فالمستشرك مدع.
وقال ابن القاسم وأصبغ: فإن قال كل واحد: لم أنو شيئًا.
ولم يدعياه، فهي بينهما نصفين.
الجزء: 16 - الصفحة: 344
قال ابن القاسم: وإذا كانت السلعة قائمة فقال المشتري: إنما أشركتك بالربع أو بالسدس فالقول قوله ويحلف، كالتداعي في بيع بعض السلعة فيقول البائع: بعتك الربع، ويقول المبتاع: بل النصف.
فالبائع مصدق ويحلف، وإن قال البائع: بعت منك النصف.
وقال المشتري: بل الربع.
فالمشتري مصدق مع يمينه.
ابن المواز قال مالك: القول قول من ادعى الأقل، وإن كانت السلعة قائمة إن ادعى التسمية.
فإن أقر بدفع التسمية وأن ذلك كان فيما بينهما فهو على النصف والنصف.
قال ابن القاسم: من ادعى الأقل صدق مع يمينه إذا لم يكن بينًا ذلك، وإن قال رب السلعة: لم أرد ربعا ولا ثلثا ولا أقل ولا أكثر فهو على النصف.
ومن الواضحة: وإذا أشرك من سأله ممن يلزمه أن يشركه، ثم اختلفا فقال: أشركتك بالربع.
وقال الآخر: بالنصف.
وقالا: نطقنا به أو أضمرناه من غير نطق بذكر الجزء.
فالقول قول من ادعى النصف منهما، وإن لم يدعه أحدهما رد إليه؛ لأن ذلك أصل شركتهما في القضاء.
وإن كانوا ثلاثة فعلى عددهم ما كانوا، وكأنهم ولوا الشراء، ولأن ما وضع عن المشرك دخل فيه المشتري، وسواء في هذا كانت قائمة أو فائتة، بيعت بزيادة أو نقصان.
وأما من استشرك رجلا في سلعة اشتراها ممن لا يلزمه أن يشركه، فأشركه ثم اختلفا هكذا فإن كان ذلك فيما نويا ولم ينطقا به كانت بينهما نصفين، وإن كانوا أكثر فعلى عددهم، كانت قائمة أو بيعت بربح أو بنقص وإن قالوا نطقنا بما يدعيان فهو كالبيع، ويحلف المشرك ثم إن شاء الآخر أخذ ما قال، أو يحلف ويترك ما كانت قائمة أو بيعت بفضل، وإن بيعت بوضيعة وادعى المستشرك جزءًا أقل من دعوى الآخر فالمستشرك مصدق مع يمينه؛ لأنه الغارم هاهنا.
والفرق بين هذه وبين الأولى فيمن يقضى له
الجزء: 16 - الصفحة: 345
بالاستشراك أن عهدتهما فيما يقضي به على البائع الأول وهذا عهدته على من أشركه، وقاله كله أصبغ.
[الفصل 6 - في الرجل يسأل المشتري الشركة بعد وجوب البيع].
ومن كتاب ابن المواز والواضحة قال مالك في الرجل يريد شراء سلعة للتجارة فيقف به الآخر لايتكلم فلما وجب البيع طلب الدخول معه فأبى.
قال: يجبر على الشركة إن كان شراؤه للبيع.
وقاله ابن القاسم وأشهب، إلا من اشترى لمنزله أو ليخرج بها إلى بلد كذا فلا يشرك فيها الآخر، وكذلك في العتبية.
قال مالك: وإنما رأيت ذلك خوفًا أن يفسد الناس بعضهم على بعض إذا لم يقض لهم بهذا فيأتي منه باب فساد وذلك من الرفق بالناس.
قال ابن حبيب: وإنما يرى ذلك مالك لتجار أهل تلك السلعة وأهل سوقها إن كان مشتريها من أهل التجارة أو من غيرهم إذا اشتراها للتجارة، وإنما يختلف ذلك في المشرك، فإن كان من أهل التجارة وجبت له الشركة، وإن لم يكن من أهلها لم تجب له إلا برضى المشتري استشرك بعد تمام الشراء أو قبله، وروى أن عمر قضى بمثل ذلك.
[الفصل 7 - في المشتري يسأل الشركة عند المبايعة فيسكت، أو يأبى]
قال أصبغ: وإذا سئل الشركة عند المبايعة فسكت، فلما تم البيع أبى من ذلك
الجزء: 16 - الصفحة: 346
واحتج بسكوته، فلا حجة له بذلك، ولمن شاء الدخول معه إذا كان من أهل تلك التجارة.
ابن حبيب: ولو قال لهم لما سألوه: لا أفعل.
فسكتوا، فلما تم البيع أرادوا الدخول معه فليس لهم ذلك إذا قال: لم أشتر إلا لنفسي، ولا حجة لهم إن قالوا: إنما سكتنا عن السوم خيفة ارتفاع قيمة السلعة، وقالوا: لما كان لنا أن نشترك بعد الصفقة، ولا يضرنا إباؤه بعدها، فكذلك قوله: لا.
قبل الصفقة، فلا ينفعهم ذلك؛ لأنه قد أنذرهم بالمنع قبل الصفقة، ولو شاءوا اشتروا.
قال: ولو حضروا وسكتوا فلما تم البيع تبين له فيها نقصان، فأراد أن يدخلهم معه فليس له ذلك، ولو سألوه الشركة وهو يسوم فسكت، أو قال: نعم.
لزمتهم إن امتنعوا، وكانت المصيبة منه ومنهم.
قال: وهذا في كل شيء يشتري من طعام أو إدام أو حيوان أو رقيق أو غيره إذا اشتراه للتجارة، فأما إن ابتاع طعامًا لأكله أو ثوبًا يلبسه هو أو عياله أو خادمًا تخدمه فليس لأحد أن يدخل معه في ذلك والقول قوله أنه لذلك أراده مع يمينه كان من أهل تلك التجارة أو من غيرهم إلا أن يستدل على خلاف قوله.
قال أصبغ في العتبية: إلا أن يستدل على كذبه لكثرة تلك السلعة وأن مثلها لا يشترى إلا للتجارة فلا يصدق ويدخلون معه وإن لم يتبين كذبه صدق ولم يذكر اليمين.
قال أصبغ: ولا يدخل بزاز مع زيات ولا أهل سلعة على سلعة ولو كان محتكرًا لهذه السلعة ويتجر بها رأيت أن يدخل في هذه السلع حيث وجد من يشتريها في أسواقها ولو لقي سلعته في بعض الأزقة والدور فابتاعها بمحضر رجل من أهلها فلا شركة له معه ولا شركة في السلع إلا في مواضعها لا فيما اشتراه الرجل في حانوته أو بيته أو داره.
الجزء: 16 - الصفحة: 347
قال: ومن وقف يسوم سلعة للتجارة فوقف به من هو من أهلها فقال اشركني فسكت عنه المساوم ثم مضى عنه طالب الشركة، ثم طالبه بعد البيع فلا يقضى له عليه إن أبى ويحلف ما اشترى عليه ولا رضى بما سأل ولو أراد المشتري أن يلزمه الشركة فأبى قال تلزمه الشركة إذا شاء المشتري لأنه طلبه.
[الفصل 8 - العهدة فيما يشترك فيه غير المشتري]
قال مالك في كتاب محمد في العهدة فيما يشترك فيه: أما فيما يقضي له بالشركة فيه فعهدتهما على البائع، وأما إن أشركه بعد تمام البيع، فإن كان بحضرة ذلك، ولم يفترقا، فأشركه أو ولاه فعهدته على البائع الأول، ولا شيء على المشتري من عيب ولا استحقاق، اشترط ذلك أو لم يشترطه.
وأما إن باعه ذلك بيعًا بحضرة البيع فالعهدة على البائع الثاني إلا أن يشترطها على الأول فيلزم إلا أن يتفاوت وقت البيع الأول فلا يلزم هذا الشرط والعهدة على الثاني.
قال أصبغ: وحد ذلك أن يفترق من الأول افتراقا بينا وانقطاع ما كانا فيه من مذاكرة البيع ثم يبتاع الثاني فلا ينفع ها هنا شرط العهدة على الأول.
وكذلك في العتبية والواضحة من أول المسألة قال: وإذا بعد وافترقا لم يجز أن يشترط على الأول إلا على وجه الحمالة ويرضى بها.
الجزء: 16 - الصفحة: 348
قال ابن المواز: وما ذكرنا من عهدة الاشتراك فإنما هو مما يشتري بعينه فأما ما أسلم فيه فيبيعه المشتري إن جاز بيعه أو يشرك فيه أو يولي ما لا يجوز بيعه فعهدة ذلك أبدا على من هو في ذمته.
[الفصل 9 - في رجل يأتي بحمام ذكر والآخر بأنثى على أن ما أفرخا بينهما، وفي آخر يأتي ببيض لرجل ويطلب منه أن يجعله تحت دجاجته، فما كان من فراخ فبينهما]
ومن العتبية والموازنة قال ابن القاسم عن مالك: وإن جاء رجل بحمام ذكر والآخر أنثى على أن ما أفرخا فبينهما فلا بأس به وأرجو أن يكون خفيفًا والفراخ بينهما لأنهما يتعاونان في الحضانة.
قال في العتبية: وإن جاء رجل ببيض إلى رجل فقال: اجعله تحت دجاجتك فما كان من فراخ فبيني وبينك، فالفراخ في هذا كله لصاحب الدجاجة وعليه لصاحب البيض مثله، وهو كمن جاء بقمح إلى رجل فقال له: ازرعه في أرضك بيننا، فإنما له مثله والزرع إنما يكون لصاحب الأرض.
[الفصل 10 - في عبد نصفه حر ويريد سيده أن يخرج به إلى بلد آخر]
قال أشهب: قال مالك في عبد نصفه حر فأراد سيده أن يخرج به إلى بلد آخر:
فذلك له إن كان مأمونًا، وإن لم يكن مأمونًا فليس له ذلك، وما هو بالبين، ونفقته إذا قضى له بالخروح على السيد، وكذلك كراؤه حتى يقر قراره بالموضع الذي يكون له فيه عمل، فإن كان سفرهم في موضع ليس فيه كسب فالنفقة على السيد حتى يقدم؛ لأنه
الجزء: 16 - الصفحة: 349
أخرجه من موضع عمله وكسبه.
وروى البرقي عن أشهب أنه قال الذي يأخذ بقلبي أنه ليس له أن يخرج به وإن كان مأمونًا، ولا يزوجه إلا يإذنه.
م/: سواب كالعبدين الشريكين.
[الفصل 11 - فيمن أراد أن يحمل متاعه في سفينة يملك بعضها ومنعه شريكه إلا بكراء]
قال سحنون في رجلين لهما سفينة فيريد أحدهما أن يحمل فيها متاعه، وليس لصاحبه شيء يحمله ويريد الذي ليس له ما يحمل منعه إلا بكراء ويقول الآخر أنا أحمل في نصيبي قال: فله أن يحمل في نصيبه ولا يقضى لشريكه بكراء فإما أن يحمل مثل ما حمل صاحبه من الشحنة والمتاع وإلا بيع المركب عليهما.
[الفصل 12 - في قوم حملوا طعاما في سفينة مخلوطًا ثم أراد أحدهم أن يبيع حصته في الطريق]
قال أشهب عن مالك في قوم يحملون الطعام في سفينة مخلوطا فيريد أحدهم البيع في الطريق فليس له ذلك إلا برضا أصحابه؛ لأنه ربما فسد أسفل الطعام أو يمطروا بعد ذلك فيفسد الطعام فلا يأخذ أحد منهم حتى يبلغوا فيقتسمون الفاسد والجيد إلا أن يسلموا إليه حقه فذلك لهم ثم لا تباعة لهم عليه إذا وجدوا ذلك فاسدًا.
ابن المواز قال مالك في قوم حملوا طعامهم في سفينة فأحب أول من يمر بمنزله أن يأخذ طعامه فله ذلك، ثم إن غرقت السفينة بعد ذلك فلا تباعة لهم على الأول أذنوا له في
الجزء: 16 - الصفحة: 350
ذلك أم لا، إلا أن ينقص المكيل فلهم الرجوع عليه بحصته من النقص.
فصل [13 - في
الزيتون والجلجلان والفجل يأتي كل رجل من الشركاء بكمية معلومة منه فيخلط
ثم يعصر]
ابن المواز قال مالك في الزيتون يأتي هذا بإردب وهذا بأكثر حتى تمتلئ الاستقالة فيعصر قال: إنما يكره ذلك؛ لأن بعضه أكثر إخراجاً من بعض، فأما لحاجة الناس إلى ذلك فأرجو أن يكون خفيفاً، ولابد للناس من مصالحهم.
قال في العتبية: وكذلك في عصر الجلجلان والفجل.
قال سحنون: لا خير فيه.
[مسألة: في شريكين تخاصما في مال فادعى أحدهما ضياعه فكتب إقراره ثم ادعى
دفعه لصاحبه]
وروى عيسى عن ابن القاسم في شريكين تخاصما إلى قاض فسأل أحدهما صاحبه عن المال فقال: ضاع مني.
فكتب إقراره، ثم قال: قد دفعت إليه.
فقال: اكتبوا إقراره.
فقال حينئذ: إنما دفعته إليه من مالي بعد الضياع.
فقال: لا يصدق.
وأراه ضامناً.
الجزء: 16 - الصفحة: 351
[مسألة: في شركاء في سلعة باعها أحدهم وقبض ثمنها فطلبه شركاؤه حصتهم
من الثمن فقال: دعوني أتسوق ثم أعطيكم، ثم جاء يدعي أنه سرق منه]
وقال في شركاء في سلعة ولي أحدهم بيعها وقبض ثمنها، فقال له شركاؤه: أعطنا حقنا منها.
فقال: نعم هو في كمي أتسوق به ثم أعطيكم.
فذهب ثم أتى، فقال: قد قطعت من كمي.
قال: يضمن إذا سألوه فلم يعطهم.
قيل له: لما أردنا خصومته قال: أسلفوني دينارين أتجر بهما، وأقضيكم من ربحهما، وأخروني حولاً، وأقر لكما، واكتبوا علي بذلك كتاباً، ففعلنا، فأردنا الآن خصومته، هل يؤخذ بهذا الإقرار؟
قال: لا؛ لأنه يقول إنما أقررت على أن تسلفوني وهذا لا يحل، فإن أصبتم بينة حين سألتموه حبسه عنكم، ثم جاء يدعي أنه تسوق به فقطع منه فهو ضامن.
الجزء: 16 - الصفحة: 352
[الباب الثامن]
بقية القول في مسائل المزارعة من غير المدونة
[الفصل -1 -
فيما إذا اشترك رجلان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي البذر والآخر ثلث البذر
وعليه العمل]
ومن كتاب ابن سحنون: قال سحنون ونحوه عن ابن حبيب: وإذا اشترك رجلان فأخرج أحدهما الأرض وثلثي الزريعة، وأخرج الآخر ثلث الزريعة والعمل، على أن يكون الزرع بينهما نصفين.
ابن حبيب: أو على الثلث والثلثين، فذلك جائز كله إذا كافأ عمله كراء الأرض، وما فضل به رب الأرض من الزريعة؛ لأن زيادة الزريعة بإجارة عمل العامل.
قالا: فإن جعل العامل ثلثي الزريعة وصاحب الأرض ثلثها على أن الزرع بينهما نصفين لم يجز.
قال ابن حبيب: إلا على الثلث والثلثين.
قالا: لأن زيادة الزريعة هاهنا بكراء الأرض، فإذا وقع على ما لا يجوز فالزرع بينهما على الثلث والثلثين، ويترادان الفضل والأكرية.
قالا: وإن أخرج أحدهما ثلثي الأرض وثلث البذر وأخرج الآخر ثلث الأرض وثلثي البذر والعمل والزرع بينهما نصفين لم يجز.
قال سحنون: وكأنه أكرى سدس أرضه بسدس بذر صاحبه، فإذا نزل فلكل واحد بقدر ماله من البذر، ويتراجعان في فضل الأكرية، فإن عرف كل واحد منهما زريعته على
الجزء: 16 - الصفحة: 353
حدة كان له ما أنبتت.
ويتراجعان في الأكرية.
قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على مذهب ابن غانم.
وينبغي على مذهب ابن القاسم أن يكون الزرع بينهما نصفين؛ لأن صاحب ثلثي الأرض قد عمل نصف العمل في مقابلة نصف الأرض فاستوجب نصف الزرع، ويكون له كراء سدس أرضه؛ لانفراده، وعليه سدس الزريعة لصاحبه، وصاحب ثلث الأرض وثلثي الزريعة قد أخرج نصف العمل فيضيف إليه من بذره ما يكافئه، فيصير له نصف عمل ونصف بذر فيستوجب به نصف الزرع، وبقي له سدس بذر لا عمل معه، فيرجع على صاحبه به فاعلم ذلك.
[الفصل -2 -
فيما إذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر والثاني نصف البذر
فقط والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثاً]
قال سحنون: وإذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر، والآخر نصف البذر فقطـ، والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثاً لم يجز.
فإذا نزل فالزرع على مذهب ابن القاسم بين العامل وبين رب الأرض، ويغرما لمخرج نصف البذر مكيلة بذره، وعلى مذهب سحنون أن الزرع لصاحبي الزريعة، وعليهما كراء الأرض والعمل.
وقال ابن حبيب: قد أخطأوا، ويصير الزرع بينهم أثلاثاً.
الجزء: 16 - الصفحة: 354
أبو محمد: والذي ذكر ابن المواز على أصل مذهب ابن القاسم أن الزرع لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض إليه، ويؤدي مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها.
قال بعض فقهاء القرويين: وما ذكره سحنون أن الزرع بين العامل وبين رب الأرض كلام فيه اعتراض وذلك أن ابن القاسم لم يجعل للمنفرد بالعمل وحده شيئاً؛ إذ لو أخرج رجل الأرض والبذر، والآخر العمل لم يكن لمتولي العمل إلا أجره مثله، فوجدنا هاهنا لواحد أرضاً ونصف البذر لا يستوجب به شيئاً على الانفراد، وللآخر نصف زريعة لا يستوجب بها شيئاً على الانفراد، وللآخر عمل لا يستوجب به شيئاً على الانفراد، وإنما خص رب الأرض بنصف الزرع لما اجتمع له نصف الأرض ونصف البذر، وبقي له نصف أرض، وللآخر نصف بذر، وللآخر عمل.
فلو قيل: إن النصف الباقي يقسم بينهم أثلاثاً لتساويهم فيما أخرجوه لأشبه ذلك.
فأما قول أبي محمد أنه لصاحب العمل على مذهب ابن القاسم فلم يجد لابن القاسم أن من انفرد بالعمل وحده دون أن يضم معه شيء آخر أن له الزرع، وإنما جعل من له العمل أولى بالزرع إن انضاف إلى ذلك أرض أو بذر.
وأما مذهب ابن حبيب أن ذلك بينهم أثلاثاً فعلى أصله؛ لأنهم سلموا من كراء الأرض بالطعام؛ لأن رب الأرض لم يشترط من الزرع إلا قدر ما أخرج من البذر.
الجزء: 16 - الصفحة: 355
فصل [3 - فيمن أعطى أرضه آخر ليزرعها ببذره وبقره وعمله فما خرج
فبينهما نصفين]
قال سحنون عن أبيه في أرض بين رجلين دفعها أحدهما إلى آخر يزرعها ببذره وبقره وعمله فما خرج فبينهما نصفين فلا يجوز، وكأنه أعطاه نصفه من الأرض معاملة بجزء مما تنبته.
وقال ابن عبدوس: ذلك جائز لأنه معين له بالعمل متطوع بالبذر.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإذا كان على أن يزرعها المدفوعة إليه ببذر الدافع ومن عند الآخر العمل فما خرج فثلثه للعامل وما بقي وهو الثلثان للدافع فإن كان قيمة البذر الثلثان وقيمة العمل الثلث يريد أن قيمة ثلثي البذر مثل قيمة ثلثي العمل فذلك جائز.
قال ابن عبدوس: هذا خطأ؛ لأنه كراء الأرض بالطعام؛ لأن العامل له ثلث الزرع بثلث الأرض وأكرى سدس الأرض وثلث العمل بثلث البذر الذي من عند شريكه.
صوابه قال ابن سحنون عن أبيه: لو كان البذر بينهما نصفين على أن يزرعه أحدهما ببقره وعمله على أن للعامل من ذلك الثلثين أو النصف، وللآخر ما بقي، فهذا فاسد؛ لأن الذي ولي العمل وله الثلثان أكرى بقره وعمله بثلث ما أخرجت أرض شريكه، وإن كان ما أخرج بينهما نصفين لم يجز أيضاً إذا لم يعتدلا.
قال ابن عبدوس: إذا اشترط العامل الثلثين فذلك جائز، وكان الذي لم يعمل أعطى سدس البذر وسدس الأرض بثلث عمل العامل وذلك جائز، ولو كان ما قال سحنون يدخل لكان إذا أخرج أحدهما أرضاً وبذراً والآخر عملاً لم ينبغ أن يجوز على علة قوله، وهو قد أجاز هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: وقول ابن حبيب في هذه المسألة نحو ما قال سحنون إذا قصد أنه أجيز بنصف ما يخرج لم يجز ذلك، فإن قصد أنه قبض ما استؤجر به من البذر
الجزء: 16 - الصفحة: 356
ومنافع الأرض جاز ذلك، وقد قدمنا من قول ابن حبيب قبل هذا ما يبين هذا، والله الموفق.
فصل [4 - فيمن أخرج بذراً ودفعه إلى آخر وقال: ازرعه لي في أرضك فما
خرج فهو لك]
قال ابن سحنون عن أبيه: ولو أخرج رجل بذراً فقال لرجل: ازرعه لي في أرضك فما خرج فهو لك.
فهذا فاسد، وما خرج فلرب البذر، وعليه كراء الأرض.
وقال ابن عبدوس: هذا جائز، وهو معروف صنعه به، ومالك إنما يراعي ما يصح في العاقبة وإن أخطأ في اللفظ.
م/ صوابه.
قال سحنون: ولو قال له: ابذره في أرضك لنفسك فما خرج فهو لي.
فهو فاسد، والزرع لرب الأرض، وكأنه وهبه البذر ثم استثنى الواهب ما أخرج.
م/: إن بقي التبن للعامل وكان ما خرج من الحب خاصة لرب البذر فهو فاسد، وإن كان التبن وجميع ما خرج للذي دفع البذر فذلك جائز على قول ابن عبدوس؛ لأن الذي صح من الفعل أن العامل تطوع له فزرعه في أرضه وحصده له ودرسه، فهو معروف صنعه له.
وقوله: ابذره في أرضك لنفسك لغو لا حكم له.
قال ابن سحنون: ولو قال رب البذر: لم ارد أن أهبه لك حلف ورجع عليه بمثله كما لو وهبه رمكة على أن ما تنتج للواهب فقبضها على ذلك فإن ما تنتج للموهوب، واستثناء الواهب باطل.
وإن أعطيته أرضك وبذرك وبقرك على أن يزرع فالزرع بينكما نصفين لم يجز وهو أجير، والزرع لرب البذر، ولو قال: قد جعلت النصف من أرضي وبقري وبذري كراء لنصف عملك لم يجز.
فإن نزل هذا كان الزرع بينهما نصفين،
الجزء: 16 - الصفحة: 357
ويتراجعان الفضل في الأكرية؛ لأن هذا قبض نصف البذر خاصة في إجازته.
م/: انظر لم هذا؟ وما الفرق بين هذه المسألة وبين التي قبلها؟ وهل هو إذا أعطاه أرضه وبقره وبذره على أن يتولى الآخر العمل، والزرع بينهما نصفان، إلا أعطاه نصف أرضه وبقره وبذره بنصف عمله، ولو لم تكن المسألتان جائزتين إذا ساوى عمله كراء الأرض والبقر والبذر، ومالك إنما ينظر إلى الفعل لا إلى القول، وما الفرق بين ذلك وبين الذي أخرج الأرض وثلثي الزريعة وأخرج الآخر ثلث الزريعة والعمل؟ فقد أجازوه إذا كان عمله مساوياً لكراء الأرض والبقر وما فضله من الزريعة، وكذلك يجب أن يكون إذا أخرج العامل عشر الزريعة أو أقل من ذلك وتكافئوا فيما أخرجوه أن يجوز وكذلك يجب إذا كافأ عمله كراء الأرض والبقر.
وقد قال بعد هذا إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر وأخرج الآخر البقر والعمل أنه جائز إذا تساوى ذلك فهذا مثله.
م/: وأراهم والله أعلم أنهم جعلوا إذا لم يخرج العامل إلا عمل يده فقط أنه أجير وإن كافأ عمله ما أخرج صاحبه، وإن أخرج العامل شيئاً من المال إما بقراً أو بعض الزريعة وإن قل وكافأ ذلك وعمل يده ما أخرج الآخر فإنهما شريكان والقياس أن يكون ذلك كله سواء، ولكنهم أهل للصواب وبالله التوفيق.
الجزء: 16 - الصفحة: 358
فصل [5 - في رجلين اشتركا فأخرج أحدهما الأرض فقط، والعمل والبذر على
الآخر على أن له نصفه على رب الأرض]
قال ابن حبيب: ولو اشتركا فأخرج أحدهما الأرض، والعمل على الآخر وجميع البذر، على أن له نصفه على رب الأرض لم يجز بشرط السلف.
فإن وقع فالزرع بينهما نصفين؛ لأنهما ضمنا الزريعة وتكافأ في العمل وكراء الأرض، ويرجع مخرج الزريعة بنصفها معجلاً على الآخر.
ونحوه روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن سحنون عن أبيه: الزرع لمسلف الزريعة، وعليه كراء الأرض قبض رب الارض حصته من الزريعة أم لا، إذا وقعت الشركة على شرط السلف، إلا أن يكون أسلفه من غير شرط بعد صحة العقد.
قال بعض فقهاء القرويين: جعل ابن حبيب المتسلف قابضاً للسلف مع كون الذي أسلفه عليه فجعل الزرع بينهما.
وجعل سحنون المتسلف لا يكون قابضاً للسلف مع كون الذي أسلفه عليه فلذلك جعل الزرع للذي أسلف.
قال ابن حبيب: ولو اختلفا فقال العال: بذرت مدياً.
وقال رب الأرض: ما بذرت إلا نصف مدي.
فالعامل مصدق مع يمينه إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق الآخر فيما يشبه، فإن لم يأت بما يشبه نظر قدر محمل الأرض من البذر فيؤدي نصفه.
ولو أسلفه بعد صحة العقد من غير شرط ولا عادة جرياً عليها جاز ذلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 359
فصل [6 - في الشريكين في الزرع يحرثان الأرض ثم يغيب أحدهما عند البذر
ويخاف شريكه فوات أوان الحرث فيخرج جميع البذر من عنده]
ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم في الشريكين في الزرع يحرثان الأرض، ثم غاب أحدهما عند الزريعة، وخاف شريكه الفوات، فأخرج جميع الزريعة من عنده فزرعها، فقال ابن القاسم: لا يكون لصاحبه شرك في الزرع، وإنما له كراء مثل نصف الأرض محروثة والزرع لزارعه.
قيل له: فإن أحضر رجالاً فقسم الأرض بمحضرهم وحرث في نصيبه.
فقال: لا ينفعه وعليه نصف كراء ما زرع إلا أن يقسم ذلك بأمر السلطان.
وكذلك في كتاب ابن المواز من أول المسألة وزاد: ولو زرعها الحاضر من غير قسم ليكون بينهما فقدم الغائب فرضي فذلك جائز؛ لأن لهما زرعها الحاضر من غير قسم يكون بينهما، ولو زرعها لنفسه لم يجز أن يعطيه نصيبه من البذر ليكون الزرع بينهما، ولا يجوز أن يشتريه إلا بعد بدو صلاحه بغير الطعام.
قال: ولو اكتريا أرضاً ليزرعها بينهما، فغاب أحدهما فزرع صاحبه نصفها وطاب الزرع فهو له خاصة، وعليهما كراء ما تعطل منها.
قال أصبغ: وعلى الزارع نصف قيمة المزروع منها إن كان ذلك أكثر.
يريد من الثمن.
وما تعطل فهو عليهما وكراؤها كلها عليهما.
الجزء: 16 - الصفحة: 360
فصل [6 - في شريكين في أرض أعطى أحدهما صاحبه مالاً ليشتري به ما نابه
من البذر فيزرع ثم يدعي أنه نسي وزرع من عنده]
قال سحنون عن ابن القاسم في رجلين بينهما أرض فاشتركا وأعطى أحدهما للآخر دنانير فقال: اشتر بها ما وقع علي من البذر فيزرع ثم يدعي أنه نسي ولم يشتر شيئاً وإنما زرع من عنده.
قال: الزرع بينهما ولا يصدق.
قال: وإن صدقه صاحبه الآمر أنه لم يشتر فهو مخير إن شاء أعطاه المكيلة وكان شريكه وإن شاء أخذ دنانيره ولا شيء له في الزرع.
وقال يحيى بن عمر إن صدقه أنه لم يشتر شيئاً أو قامت بذلك بينة ثم زرع من عنده فالزرع لباذره ولا يجوز للآخر الرضا بأخذ نصفه ويؤدي الزريعة، وهذا حرام، وليأخذ دنانيره، وما يجب له من كراء الأرض والبقر والعبيد.
وهذه المسألة في كتاب ابن سحنون عن ابن القاسم كما في العتبية.
وقد قال غيره: إن صدقه وقد تم الزرع فهو للذي زرعه، وللآخر كراء أرضه.
الجزء: 16 - الصفحة: 361
فصل [8 - في المتزارعين يخرج أحدهما صنفاً من البذر والآخر صنفاً آخر]
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: ولا يجوز في المزارعة أن يخرج هذا قمحاً وهذا شعيراً أو سلتاً أو صنفين من القطاني يخرج كل واحد منهما صنفاً، ويعتدلان فيما بعد ذلك، فإن نزل ذلك فلكل واحد ما أنبتت زريعته، ويتراجعان في الأكرية.
وقد قال بعد ذلك: تجوز الشركة بأن يخرج هذا قمحاً وهذا شعيراً في المزارعة، وفي شركة التجارة إذا اعتدلت القيمة بالدنانير والدراهم، وإنما لا يجوز صرف وشركة إذا كان الصرف خارجاً من الشركة، وأما فيها فجائز.
قال بعض فقهاء القرويين ومن لم يجز الشركة بالدراهم والدنانير لم يجز الشركة في المزارعة بالطعامين المختلفين، ولا بالقمح والشعير، وإن اعتدلت قيمتهما؛ لأن التناجز لم يحصل هناك وذلك لبقاء يد كل واحد على طعامه، ويكون لكل واحد ما أنبت طعامه، ولا يكون التمكين قبضاً، كما جعل في الشركة الفاسدة بالعرض إذ لكل واحد ثمن سلعته، ولا يضمن ذلك أحدهما لصاحبه، وإنما يشتركان بأثمان تلك السلعة التي وقعت الشركة بها فاسدة، وإن كان البيع وقع من الذي اشترك ببقاء يد المشترك عليها فلم يلزم أحدهما قيمة نصف سلعة صاحبه.
قال سحنون وابن حبيب: وإذا خرج أحدهما الأرض ومد قمح ونصف مد شعير، ومن عند الآخر مدين من قمح وجميع العمل على أن جميع الزرع بينهما فذلك جائز.
قال سحنون: إذا كان العمل مكافئاً لكراء الارض ولما أخرج ربها من شعير.
ابن حبيب: لأن الشعير ثمن لبعض العمل.
قال: ولو أخرج صاحب العمل من القمح أكثر مما أخرج رب الأرض لم يجز ويدخله قمح بشعير غير يد بيد، وكراء الأرض ببعض
الجزء: 16 - الصفحة: 362
ما يخرج منها، فإن وقع فما أخرج الشعير فلربه، وما أخرج القمح فبينهما بقدر البذر، ويتراجعان في فضل الأكرية، ولو كان رب العمل هو مخرج الشعير واعتدلا في القمح لم يجز، وإن عرف كل واحد ما أنبتت زريعته فهو له، ثم يترادان فضل الأكرية.
فصل [9 - في
المتزارعين يخرجان البذر بينهما ويزرعان بذر كل واحد في ناحية قبل خلطه]
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا صحت الشركة في المزارعة وأخرجا البذر بينهما جميعاً إلا أنهما لم يخلطاه، فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وزريعة الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد، ولكل ما أنبت حبه، ويتراجعان في فضل الأكرية ويتقاصان.
قال: وإنما تتم الشركة إذا خلطا ما أخرجا من الزريعة أو جمعاها في بيت واحد، أو حملاها جميعاً إلى الفدان وبذر كل واحد في طرفه فزرعا واحدة، ثم زرعا الأخرى فهو جائز كما لو جمعاها في بيت، وتصح الشركة.
قال بعض فقهاء القرويين: وعند ابن القاسم خلطا أو لم يخلطا الشركة جائزة.
[فصل 10 - في
الشركة تصح وينبت بذر أحد الشريكين ولا ينبت بذر الآخر].
وإذا صحت الشركة في هذا فنبت بذر أحدهما ولم ينبت بذر الآخر فإن غر منه صاحبه وقد علم أنه لا ينبت فعليه مثل نصف بذر صاحبه لصاحبه، والزرع بينهما، ولا عوض له في بذره، وإن لم يعلم أنه لا ينبت ولم يغره فإن على الذي نبت بذره أن يغرم
الجزء: 16 - الصفحة: 363
لصاحبه مثل نصف بذره على أنه لا ينبت، ويأخذ منه مثل نصف بذره الذي نبت، والزرع بينهما على الشركة غره أم لم يغره، ولو علم ذلك في إبان الزراعة، وقد غر هذا صاحبه فأخرج زريعة يعلم أنها لا تنبت فلم تنبت فضمانها منه، وعليه أن يخرج مكيلتها من زريعة تنبت فيزرعها في ذلك القليب، وهما على شركتهما، ولا غرم للآخر على الغار، وإن لم يكن غر ولا علم فليخرجا جميعأً قفيزاً آخر فيزرعاه في القليب إن أحبا وهما على شركتهما.
وقد قال: إذا نبت قفيز أحدهما ولم ينبت قفيز الآخر وهو غار أو غير غار أنه لم تنعقد بينهما شركة ولكل واحد ما أنبت بذره.
فصل [11 - فيمن اشترى بذراً وشرط له البائع أنه ينبت فزرعه المشتري ولم
ينبت]
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون فيمن اشترى شعيراً يريد أو زريعة ما ليزرعها وشرط له البائع أنه ينبت فإن قامت بينة أنه زرعه بعينه في أرض تربة تنبت فلم ينبت فإذا أثبت أنه غره منه عالماً بأنه لا ينبت رجع عليه بجميع الثمن، وإن لم يغره، وإنما شرط ذلك؛ لأنها كانت عنده في نقائها وجودتها أنها تنبت حلف على ذلك، وليرد المشتري مثلها ويأخذ ثمنه كله.
م/: قال يحيى بن يحيى: سمعت فيمن باع حباً لا ينبت وقد دلس وهو يعلم أن مشتريه يريد بذره أنه يرد الثمن أما إن لم يعلم أنه يريد بذره أو لم يعلم بعيبه فليرد ما بين الصحة والداء.
الجزء: 16 - الصفحة: 364
فصل [12 - في
المتزارعين على الصحة يشتري أحدهما بذراً طيباً والآخر بذراً رديئاً فيتجاوز له
صاحبه، ثم يتشاحان بعد زراعة ما زرع كل منهما]
وروى عيسى عن ابن القاسم في المتزارعين على الصحة يشتري أحدهما قمحاً نقياً طيباً فرضية صاحبه، ثم اشترى صاحبه قمحاً رديئاً فتجاوز صاحبه، فزرع صاحب الطيب بقمحه ثلاثة فدادين، وزرع الآخر بقمحه ثلاثة فدادين، ثم تشاحا.
قال: يؤدي كل واحد منهما إلى صاحبه ثمن نصف زريعته فيستويان.
قال بعض فقهاء القرويين: فإن كان بينهما تفاوت لا يجوز أن يسمح به فكان يجب أن يكون لكل واحد ما أنبت قمحه كشعير وقمح إلا أن التفويت لما كان بإذن صاحبه صار كالقبض فيجب على ذلك في القمح والشعير وفي الشركة الفاسدة بالعروض أن يضمن كل واحد نصف قيمة عرض صاحبه.
م/: انظر وكان ينبغي أن تجوز الشركة؛ لأنها انعقدت على الصحة، فإذا رضي له شريكه بزريعة القمح الدون جاز على مذهب ابن القاسم؛ لأنه يجيز الشركة وإن لم يخلطا، وعلى مذهب سحنون يكون لكل واحد ما أنبتت زريعته، ويتراجعان في فضل إن كان إذا لم يخلطا.
الجزء: 16 - الصفحة: 365
فصل [13 - في
المتزارعين يكون على أحدهما الأرض والبذر وعلى الآخر البقر والحرث ثم يختلفان
في عدد الحرثات]
ومن كتاب ابن سحنون قال: وإذا تزارعا على أن الأرض والبذر من عند أحدهما، ومن عند الآخر البقر والحرث فطلب أن يحرثها حرثة، وقال الآخر: بل حرثتين.
فليحملا على سنة البلد، فإن لم تكن سنة وكانوا يفعلون هذا وهذا إلا أن الزرع في حرثتين أغزر ففي قياس قول سحنون ليس عليه إلا حرثة واحدة إلا أن يشترط عليه حرثتين فيجوز ويلزمه.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كانوا يفعلون هذا وهذا فينبغي أن تكون الشركة فاسدة؛ لأنه لا يدري على ما عقداه.
م/ ابن سحنون: ولو عقدا على أنه إن حرث حرثة فله الربع، وإن حرث حرثتين فله النصف لم يجز، ويكون الزرع لرب الأرض والبذر، وعليه للآخر أجر عمله وبقره.
قال سحنون وعيسى: ولو شرطا البذر بينهما نصفين ومن عند أحدهما الأرض ومن عند الآخر العمل على أن يحرث ثلاث حرثات.
قال عيسى: وذلك متكافئ قالا فلم يحرثها إلا حرثتين فلينظر إلى قيمة ما حرث
الجزء: 16 - الصفحة: 366
وإلى قيمة ما ترك فإن كان الذي ترك الثلث رجع عليه رب الأرض بثلث كراء نصف الأرض.
فصل [14 - فيمن أعطى أرضه رجلاً قبل أو أن الزرع بشهر ليقلبها فإذا كان
أو أن الزرع كان البذر عليهما والزرع بينهما والعمل على الدخل]
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم فيمن أعطى لرجل أرضه حين القلب ليقلبها وينبتها، فإذا كان أوان الزرع كان البذر عليهما، والزرع بينهما، والعمل على الداخل، والحصاد والدراس، ونقل نصيب رب الأرض إليه.
قال: وبين القليب وبين الزرع شهر، فإن كانت الأرض مأمونة جاز ذلك وإلا لم يجز.
م/: اعرف إجارة شرط الحصاد والدراس على العامل.
فإن قلبها ولم يزرع فله نصف قيمة الحرث عن حصة رب الأرض، ويستأني بنصيب الحارث، فإن رويت الأرض لزمه كراء ذلك عن نفسه، وإن عطشت فلا كراء عليه، وله نصف قيمة الحرث على رب الأرض عطشت أو لم تعطش، وإن لم يعثر على ذلك حتى تم الزرع فالزرع بينهما وباقي العمل بينهما وعلى العامل نصف كراء الأرض
الجزء: 16 - الصفحة: 367
بالنقد وله قيمة نصف الحرث والقليب والزراعة وإن كان هذا التعامل بعدما رويت الأرض فذلك كله جائز إن كانت قيمة الحرث والزراعة والحصاد والدراس متساوياً مع كراء الأرض وإن لم يكن متساوياً فالزرع بينهما ويرجع من له الفضل على الآخر بالفضل.
قال سحنون في كتاب ابنه: لا يجوز في شرط العمل بين المتزارعين شرط الحصاد والدراس إذ لا يدري هل يتم ولا كيف يكون.
م/: وهو الصواب لأن شرط ذلك على أحدهما غرر ولا ينحصر لأن ذلك يقل تارة ويكثر أخرى وكذلك شرط البقاء.
وقال ابن حبيب: لا بأس أن يزارع الرجل بأرضه قبل أن تروى وإن لم تكن مأمونة كما يجوز كراؤها بغير نقد فإذا تزارعا في إبان القليب على أن أعطى أحدهما الآخر أرضه يقلبها فإذا جاء إبان القليب ورويت تخارجا الزريعة بينهما نصفين، فإن فات إبان الزرع فلم ترو فهي مصيبة دخلت عليهما لأنهما شريكان وليسا متكاريين فهي كما لو زرعاها ثم عطشت فلا يرجع العامل على صاحب الأرض بشيء بخلاف المتكاريين.
م/: والصواب من ذلك ما قاله سحنون فإنه لا تجوز الشركة في هذا إلا أن تكون مأمونة كما قال ابن القاسم لأن القليب فيها كنقد في غير المأمونة.
الجزء: 16 - الصفحة: 368
فصل [15 - في
الأرض تستحق بعد أن اشترك المتزارعان وزرعا]
ومن كتاب ابن سحنون قال سحنون: فإذا أخرج أحدهما أرضاً وبذراً، وأخرج الآخر للعمل والبقر، فاستحقت الأرض بعد الزراعة، فإن استحقت في وقت الزراعة رجع المستحق على من كانت الأرض بيده بنصف كرائها، وكأن شريكه حرث له هذا النصف بالنصف الآخر ونصف البذر، فإن كانت قيمة نصف البذر مع كراء نصفها معتدلاً رجع عليه المستحق أيضاً بربع قيمة عمل العامل، وهو الذي أخذ في كراء نصف الأرض، فإن اختلفت قيمة البذر وكراء نصف الأرض كان ذلك على هذا الحساب، وإن كان الذي استحقت من يده عديماً اتبعه بنصف قيمة كراء الأرض، وأتبع شريكه بربع قيمة العمل في قياس قول سحنون، ولو استحقها بعد فوات الزراعة فلا كراء له على واحد منهما، ولو كان بعد أن حرث ولم يزرع فله أخذها ولا شيء للشريك في حرثها.
م/: أما قوله إن فات إبان الزراعة فلا كراء له على واحد منهما فصواب؛ لأن المستحق من يده لو زرعها كلها أو أكراها كلها ثم قام مستحق بعد فوات إبان الزراعة لم يكن له شيء وكذلك إذا أكرى نصفها وزرع نصفها وأما قوله إن قام وقد حرث ولم يزرع فليأخذها ولا شيء للشريك في حرثها فالصواب أن يكون عليه قيمة الحرث لأن المشتري والمكتري منه حرث بوجه شبهة فلا يبطل عمله.
وقال بعض القرويين مثل هذا.
الجزء: 16 - الصفحة: 369
فصل [16 - في
المتزارعين يكون على أحدهما العمل فيحرث بعض الأرض ويدع الباقي، أو تعاملا
على أن يحرث لرب الأرض ببذره موضعاً من الأرض ويحرث الباقي لنفسه]
قال سحنون: وإن أخرج أحدهما الأرض والبذر والآخر البقر والعمل واعتدلا فحرث العامل بعض الأرض واختار كريهما وترك الباقي فإن علم به في الإبان جبر على أن يزرع باقيها وإن فات الإبان نظر فإن حرث نصف الأرض كان على العامل لرب الأرض ربع جميع كراء الأرض.
م/: يريد مما لم يحرث.
قال: وإن حرث الثلثين فإنما عليه السدس ويكونان شريكين في الزرع ولو آجرته يحرث نصف أرض لي بزريعتي على أن يحرث النصف الآخر لنفسه فأقلب العامل وزرع لنفسه كريم الأرض وترك الباقي وفات إبان القليب فليقسم هذا القليب بينهما ويغرم العامل نصف كراء القليب وله على رب الأرض أجر مثله في النصف الذي أخذه.
الجزء: 16 - الصفحة: 370
[الباب التاسع]
في الدعوى بين المتزارعين
[الفصل 1 - في
العامل يدعى أن نصف البذر له ورب الأرض يكذبه في ذلك]
ومن العتيبة قال عيسى بن دينار عن ابن القاسم وابن كنانة فيمن أعطى أرضه وبذره وبقره رجلاً يزرعها على أن يأخذ من الزرع زريعته ثم يقتسمان ما بقي، ثم ادعى العامل أن نصف الزريعة له وكذبه رب الأرض فالقول قول الزارع والزرع بينهما نصفين.
يريد ويتراجعان في الفضل في غيره ويحلف الزارع.
قال عبد الملك بن الحسن: سألت ابن وهب إذا أخرج هذا الأرض وهذا العمل، والبذر بينهما، ثم ادعى العامل أنه أسلف صاحبه نصف البذر من عنده.
قال: هو مصدق في الزريعة مع يمينه وقد فسدت الشركة وهذا الحكم فيها.
قال أشهب: إذا قامت بينة لأحدهما أنه الزارع وأن البذر في يديه فليحلف ويرجع بنصف البذر على الآخر.
الجزء: 16 - الصفحة: 371
[الفصل 2 - في
العامل يدعى أنه حرث الأرض على أن له نصفها يحرثه لنفسه أو ادعى أنه
اكتراها من ربها، ورب الأرض يخالفه في ذلك]
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: ومن أعطى أرضه رجلاً حين القليب مناصفة فحرثها الداخل، فلما كان حين الزرع ورويت، قال ربها: عليك حرثها فخذ نصف الزريعة مني.
وقال الداخل: إنما حرثت نصف الأرض على أن لي نصفها أحرثه لنفسي ويبقى لك نصفها تعمله أنت وأقاسمك إياها، أو قال: تكاريتها كلها منك هذه السنة.
فالقول قول الداخل ويقتسمان القليب إن زعم أنه أخذها مناصفة ويحلف.
قال سحنون: لأنه عمل وجاز بعمله فيقاسمه إن قال مقاسمة أو تكون له إن قال كراء، ولو كانت هذه دعوى رب الأرض، وادعى العامل المعاملة فرب الأرض مصدق ويحلف وقاله كله ابن حبيب.
قال سحنون: ولو اختلفا بعد طيب الزرع فقال العامل: الزرع بيننا وقد تساوينا في الزريعة.
وقال رب الأرض: الزرع لي، وإنما آجرتك.
فإن عرفت الزريعة أنها من عند أحدهما فالقول قوله مع يمينه، وإن لم يعلم مخرجها فالقول قول العامل؛ لأن الغالب في شركة الناس أن العامل يخرج البذر أو نصفه، إن تحرى قولنا أخرج النصف، وإن أخذ بقول غيرنا أخرج الجميع، فهو الغالب من فعلهم.
قال: وكذلك لو كان العامل لا يعرف بملك بقر ولا زرع وإنما يعرف بالإجارة فهو
الجزء: 16 - الصفحة: 372
مثل صاحب الزرع المعروف بالعمل إلا أن يكون هو أجيراً له معروفاً بالإجارة فالقول قول رب الأرض إلا أن يأتي الآخر بما يدل على كذب رب الأرض.
قال سحنون وابن حبيب: ولو اختلفنا بعد القليب وعند الزراعة فقال العامل: تعاملنا على أن علي القليب وحدي فإذا كان حين الزراعة أخرجنا البذر جميعاً وكان العمل بيننا والأرض من عندك وقال رب الأرض تعاملنا على أن عليك أنت العمل كله وعلى الأرض وأما البذر فبيننا فالقول قول من يدعي الاعتدال والصحة في معاملتهما.
قال سحنون: فإن لم يدع أحد منهما الاعتدال فإن لم يكونا زرعاً فلتصح الشركة بينهما بالاعتدال وإن فات الزرع فهو بينهما بقدر البذر ويتراجعان في الأكرية.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو اختلفا قبل أن يعملا شيئاً لتحالفا وتفاسخا.
قال ابن حبيب: وإذا اختلفا ولم يتحاكما وأبى رب الأرض من العمل معه كما قلل العامل فعمد العامل بعد أن قلب الأرض كلها فزرع نصفها لنفسه ببذره وأبقى نصفها لرب الأرض ثم تحاكما فإن ما زرع يكون بينهما كما لو زرع الجميع ويترادان الفضل، وينظر فيما تعطل من الأرض، فإن كان رب الأرض يدعي الاعتدال في المعاملة فله على العامل كراء نصف ما تعطل من الأرض كما لو أبطل ذلك بمزارعة جائزة لم يختلفا فيها، وإن كان العامل هو مدعي الاعتدال فلا كراء عليه، وذلك على صاحبه الذي أبى العمل.
وقال سحنون: إذا اختلفا وأبى رب الأرض أن يعمل كما قال العامل فزرع العامل
الجزء: 16 - الصفحة: 373
لنفسه في نصف الأرض فالزرع كله لمن زرعه، ولا شيء عليه من الكراء بعد أن يحلف ما عامله إلا على ما ادعى؛ لأنه قال: عاملتك على أن أقلب الأرض وحدي وعلى أن يكون العمل عند البذر بيننا، وقال رب الأرض: بل على أن العمل كله عليك فكأن العامل قال: اكتريت نصفها منك بنصف القليب.
وقال الآخر: بل على أن تقلب لي نصفها وتزرعه لي فصار العامل مدعى عليه.
فصل [3 - في
الوكيل يخطئ فيزرع بذراً غير الذي أمر به]
قال ابن المواز: وإذا أمرت وكيلك يزرع لك في أرضك قمحاً فزرع لك شعيراً أو أمرته بسمراء فزرع بيضاء فالزرع للوكيل وعليه كراء الأرض، وإن بذر قمحاً من عنده فإن كان مثل قمحك وشبهه فالزرع لك وذلك جائز.
قال ابن المواز: ومثله روى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وإن بذر زريعة لابنك أو لزوجتك أو لغيرهما غير النوع الذي أمرته به، فعلى الوكيل مثل الزريعة لربها والزرع له وعليه لك كراء الأرض؛ لأنه لا ينبغي أن يكون رب الأرض مخيراً أن يعطي بذراً أو يأخذ زرعاً.
قال ابن القاسم: وفيه قول آخر لو قال قائل يستأنى بالزرع فإذا درس استوفى منه البذر وكان ما بقي لرب الأرض لأنه له زرعه وقاسمه، ثم قال: فعلى من حصاده وتهذيبه بل القول ما قلت لك أولاً إذا زرعه غير النوع الذي أمره به، فأما إن أخطأ القمح
الجزء: 16 - الصفحة: 374
الذي أمره به فالزرع لرب الأرض ويغرم مثل البذر، وليس على الوكيل شيء.
قال ابن المواز: والقول الذي قال ابن القاسم يستأنى بالزرع فيأخذ منه مثل البذر هو الصواب، ويخرج منه دراسه وحصاده وكراء الأرض وهذا جوابه في المجالس، وإنما للزارع مثل بذره؛ لأنه إنما بذره للآمر، فما بقي أخرج منه كراء الأرض وأجر الحصاد والتهذيب، وما بقي فلرب الأرض، وما عجز فعلى الذي بذره.
فصل [4 - فيمن أعطى رجلاً مداً من شعير أجرة لبقره ليحرث له مداً آخر في
أرضه فتعدى وحرث الشعير كله في أرض نفسه]
وروى سحنون في العتبية وفي كتاب ابنه عن ابن القاسم فيمن آجر من رجل بقره بمد شعير على أن يحرث له مداً آخر من شعير في أرض رب الشعير، وأراه موضعاً يحرث له فيه ودفع إليه المدين فتعدى فحرث جميع الشعير في أرض نفسه فإنه يغرم المدين، فإن بطل ما زرع فقد أخذ منه حقه وهو لم يف له بالإجارة، وإن تم زرعه نظر إلى ما يخرج منه فإن خرج منه أكثر من مدين وكانت إجارة مثله مداً أو أقل دفع ذلك إليه.
م/: يعني أنه يدفع إليه الأقل من المد المسمى له في أجره أو أجر مثله مع المد الذي أخذ منه ودفع ما بقي لى رب الزريعة، وإن كانت إجارة مثله أكثر من مد لم يزد على مد في إجارته ورد إليه مداً من المدين الذي أخذ منه أولاً وأخذ ما بقي رب الزريعة وإن لم يصب إلا مداً فقد ضمن فيما أخذ منه ولم يكن له غير ذلك.
الجزء: 16 - الصفحة: 375
م/: المسألة كلها جارية على أصلهم في تعدي المقارض إلا في قوله يأخذ الأقل من أجر مثله أو المسمى.
وهذا مذهب سحنون في هذا الأصل وعلى أصل ربيعة في تعدي المقارض وهو أصل ابن القاسم أن يكون له إذا أصاب أكثر من مدين أن يأخذ في أجرة المد الذي سمي له ومد الزريعة ويدفع الفضل لرب الزريعة وإن أصاب أقل من مدين لم يكن للأجير غير ما وجد كالمتعدي في القراض إن ربح فله قدر شرطه وإن خسر ضمن الوضيعة وكذلك هذا.
فصل [5 - فيمن زرع أو بنى في أرض غيره وادعى أنه فعل ذلك خطأ]
ومن العتبية قال أصبغ فيمن زرع أرضاً بقرب أرضه وقال غلطت بها أو كان مكترياً فأصبه ذلك ولا يعرف ذلك إلا بقوله أو بنى في عرصة جاره وقال غلطت فأما الباني في العرصة فلا يعذر ولربها أن يعطيه قيمة البناء منقوضاً أو يأمره بقلعه، وأما في الحرث فيشبه أن يكون غلط فأرى أن يحلف ويقر زرعه ويودي كراء المثل كان في إبان الزراعة أو لم يكن وهو محمول على الخطأ أبدأً حتى يتبين أنه تعمد.
قال سحنون: إذا غلط فزرع أرض جاره أو خرج ليلاً فغلط فزرع أرض غيره أو حرثها فلا شيء له على رب الأرض وغلطه على نفسه، والزرع لرب الأرض وهي مصيبة نزلت بالزارع إلا أن يكونا لم يتحاكما أو لم يعلم حتى تحبب الزرع أو فات إبان الزراعة فيكون الزرع لزراعة وعليه كراء المثل.
الجزء: 16 - الصفحة: 376
[الفصل 6 - فيمن زرع أرض رجل على الدالة]
وقال في كتاب ابنه: وكذلك من زرع أرضاً لرجل غائب أو حاضر على الدالة فإن قام عليه في إبان الزراعة فله قلع زرعه وإن قام بعد الإبان فله الكراء وهو كالمتعدي والغاصب.
قال: وإذا قصب الزرع وتقارب طيبه وكان لو قلع انتفع رب الأرض بأرضه وزرعها كتاناً أو غيره فلا يقلع إذا تقارب طيبه، وليس لرب الأرض إلا الكراء، وإن لم يتقارب طيبه فله أن يقلعه.
فصل [7 - في
قوم زرعوا فدادين بعضها قريب من بعض فاختلط عليهم عند حصادهم]
قال ابن حبيب في القوم يزرعون فدادين بعضها قريب من بعض فاختلط عليهم عند حصادهم: فليحلف كل واحد على ما بذر ثم يقسمون الطعام على قدر ذلك.
قال سحنون: إذا زرع هذا أرضه قمحاً وزرع هذا أرضه شعيراً فطار من بذر كل واحد في أرض جاره فنبت فإن ذلك لمن حصل في أرضه ولا شيء لجاره فيه ولو كان بين الأرضين جسر فنبت فيه حب مما تطاير فذلك بينهما اختلفت زريعتهما أو اتفقت لأن ذلك الموضع من أرضهما.
الجزء: 16 - الصفحة: 377
فصل [8 - في
قرية بين قوم مشاعة وأحدهم يقوى على الحرث والعمارة وباقيهم لا يستطيع ذلك]
قال سحنون في قرية بين قوم مشاعة وأحدهم له البقر والعبيد يقوى على الحرث وباقيهم لا يقوى فدعوه إلى القسم فأبى وحرث لنفسه، قال: فلشركائه كراء نصيبهم، وكذلك لو حرث فيه، ولو كانت الأرض أرض بعل لا يجوز فيها النقد فجاد زرع الحارث تلك السنة لتوالي الأمطار فيها أكثر من غيرها فللشريك كراء نصيبه على ما جاد فيها الآن أو على ما يرجى فيها.
قال: وإن طولب في القسم وروفع فلد وتغيب حتى حرث فإنما عليه الكراء، وكذلك لو أشهد عليه بطلب القسم أو رفعوه إلى الأمام وقد حرث.
يريد: وقد فات إبان الزراعة فعليه الكراء ويحلف الشريك أنه ما أذن له ولا رضي أن يزرع.
ولو بني بعض الورثة أو غرس وواحد منهم غائب أو حاضر ولم يأذن فإن الأرض تقسم بينهم فإن وقع سهمه فيما غرس أو بني فهو له وإن وقع فيما لم يعمر فله قيمة ما بني أو غرس مقلوعاً، وعليه كراء ما سكن أو زرع من نصيب شركائه، وعليه مكيلة ما اغتل من الشجر.
الجزء: 16 - الصفحة: 378
وقال أبو محمد: وهذا على قول أشهب أنه يقسم قبل أن يتفاضلا، وأما على قول ابن القاسم فإنه يبدأ بالتفاضل فيما عمر قبل القسمة، وأما قوله: وعليه مكيلة الثمر الذي اغتل فأعرف لأصحابنا فيما غرس الغاصب واغتل أن الثمر فيما مضى له، وعليه كراء ما استغل من الأرض قبل هذا.
وبالله التوفيق.
تم كتاب الشركة بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على
سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما
الجزء: 16 - الصفحة: 379
بسم الله الرحمن الرحيم