الجامع لمسائل المدونةكتاب الحمالة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول] في الحمالة بالوجه أو بالمال, وموت الغريم, وما يبرئُ الحميل.

[(1) فصل: في الأدلة على جواز الحمالة, وفي الحمالة المطلقة, وفي اختلاف الطالب على نوع الحمالة.
المسألة الأولى: في الأدلة على جواز الحمالة] الأصلُ في جواز الحمالة قوله تعالى: ﴿وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف:72] فهذه حمالةُ المال.
وقال تعالى في قصة يعقوب - عليه السلام -: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِّنَ اللَّهِ لَتَاتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ [يوسف:66] فهذا ضمانٌ بعينه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «الزعيم ُغارمٌ» ,

الجزء: 18 - الصفحة: 1

والزعيم في اللغة والحميل والكفيل سواء.
ولا خلاف في جوازها؛ ولأنها وثيقةٌ بالحق كالرهن.
[المسألة الثانية: في الحمالة المبهمة] م: واختلف فقهاؤنا المتأخرون إذا قال: أنا حميلٌ لك, أو زعيمٌ,

الجزء: 18 - الصفحة: 2

أو كفيلٌ , ولم يزد على هذا, هل يُحمل على أنه حميل بالمال أو بالوجه إذا عَري الكلام من دليل؟ والصواب من ذلك أن يكون على المال؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((الزعيم غارمٌ)) , ولأن حميل الوجه إذا لم يأت به غرم المال, فالأصل في الحمالة المال, لأنه هو المطلوب حتى يشترط الوجه أو يقتضيه لفظها.
[المسألة الثالثة: في اختلاف الطالب والحميل في نوع الحمالة] وأما إن اختلف, فقال الطالب: شرطْتُ عليك الحمالةَ بالمالِ, وقال

الجزء: 18 - الصفحة: 3

الكفيلُ: بل بالوجه - وقد أحضر الغريمَ مُعْدَماً - فينبغي أن يكون القول قولَ الحميل؛ لأن الطالب يدعي انشغال ذمته فعليه البيان.
ولأن الحمالة من المعروف, والمعروف لا يلزم منه إلا ما أقر به معطيه.
[(2) فصل: في الحمالة بالوجه أو المال] ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن قال: أنا حميلٌ لك, أو زعيمٌ لك, أو كفيل, أو ضامنٌ, أو هو لك عندي, أو عليّ, أو إليّ, أو قِبَلي, فذلك كله حمالةٌ لازمة إن أراد الوجهَ أو المالَ لزِمه ما شرط,

الجزء: 18 - الصفحة: 4

(5) فإن شرط بالمال فأتى بالغريم عند الأجل مُعْدَماً لم يبرأ به, وغرم.
وأما إن تكفل برَجُلٍ, أو بنفسه, أو بوجهه, أو بعينه إلى أجلٍ ولم يذكر مالاً, فإنه أتى بالرجل عند الأجل مليئاً أو مُعْدَماً بريء.
[المسألة الأولى: في التلوم للحميل, ومدة التلوم] فإن لم يأت به حينئذ, والغريم حاضرٌ, تُلُوِّمَ له.
وإن كان غائباً قريب الغيبة مثل اليوم وشبهه تُلُوِّمَ لَهُ كما يُتَلومُ للحاضر.
وفي كتاب ابن المواز: إذا كان غائباً كاليوم واليومين.

الجزء: 18 - الصفحة: 5

(6) قال في العتبية: أو ثلاثة, وبقدر ما لا يُضر فيه بالطالب, وما يُجتهد به للحميل اسْتُؤنِيَ بقدر ذلك, فإن أتى به بعد التلوم, فلا شيء علية, وإلا غرم.
وقال ابن وهب: إذا غاب الغريم قضى على الحميل ولا يضرب له أجلا ليطلبه فيه.
وقال بعض الفقهاء: وما في المدونة أشبه؛ لأن التلوم في الحاضر ثلاثة أيام ونحوُها.
فإذا [2/أ] كانت غيبته يوماً تُلوم له ثلاثة أيامٍ: يوم خروجه وراءه, ويوم إقامته, ويوم مجيئه؛ 'إذ لا يأتي له يوم وصوله وجوده فليلتمسه في الغد.
وإذا كانت غيبته يومين صار التلوم له خمسة أيام: يومين سير, ويومين مجيء, ويوم إقامته في طلبه, فيكثر التلوم, وإذا كانت الغيبة ثلاثة أيام احتاج أن يتلوم له سبعة أيام فيكثر التلوم ويصير بخلاف الحاضر؛

الجزء: 18 - الصفحة: 6

فلذلك قلنا ما في المدونة أشبه والله أعلم.
[المسألة الثانية: في غرم حميل الوجه, وعلى من يرجع إذا عاد من غرم عنه؟] ومن المدونة: وإن بعُدت غَيبة المكفول به, غرِم الحميل مكانه, فإن غرِم الحميلُ المالَ, ثم وجد الغريمَ بعد ذلك وأتى به, لم يرجع الكفيلُ على الذي أخذ منه المال بشيءٍ, ولكن يرجع على الغريم بما أدى عنه بالحمالة.
[المسألة الثالثة: في الحميل بالوجه يشترط أنه يطلب الغريم, فإن لم يجده براء, وكيف إن فرط في إحضاره] قال مالك: ولو شرط حميل الوجه أني أطلبه فإن لم أجده برئتُ من المال ولكن عليَّ طلبه حتى لآتي به, لم يلزمه إلا ما شرط

  • ابن المواز: أو يقول لا أضمن إلا وجهه, فهذا لا يضمن إلا الوجه, غاب أو حضر, أو مات أو فلس - فلا يحبس إن لم يحضره, إلا أن يعلم بمكانه فليُحبس بقدر ما يرى السلطان مما يرجو به إحضاره.

الجزء: 18 - الصفحة: 7

ومن المدونة قال غيره: لا يلزمه من المال شيء, جاء بالرجل أو لم يأت به, إلا أن يُمْكِنَهُ بعد الأجل إحضاره ففرط فيه حتى أَعْوَزَه, فهذا قد غره.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن قال له الطالب هو بموضع كذا فأخرج إليه فليُنْظر فإن كان مثلُ الحميل يقوى على الخروج إليه, وأُمر بذلك, وإن ضَعُفَ عن ذلك لم يكن عليه أن يخرج, وإن خرج ثم قَدِمَ فقال: لم أجده فكَذّبه الطالب في الوصول, فإن كان من وقت خروجه مدةٌ يبلغ في مثلها صُدّق,

الجزء: 18 - الصفحة: 8

وإن أثبت الطالب أنه خرج وأقام بقريته, ولم يتماد فليعاقبه السلطان بالسجن بقدر ما يرى, أو أمره بإحضار صاحبه إن قَدر عليه, وأما أن يُضَمِّنه المال فلا, إلا أن يلقاه فيتركه, فيضمن إن ثبت ذلك عليه, وكذلك إن غَيّبه في بيته فلم يُظهره.
وفي كتاب ابن حبيب: إن جهِل مكانه فليس عليه طلبه, ولا الغرْمُ عنه, وإن عرف مكانه فعليه أن يخرج, قَرُبَ مكانه أو بَعُدَ, إلا في البعيد المتفاحش, وأما مَسِيرةُ الأيامِ التي تكون من أسفار الناس واختلاف البلدان غير النائية جداً فليخرج, أو يرسل, أو يغرم.

الجزء: 18 - الصفحة: 9

وقال أصْبَغُ: ليس عليه طلبه إلا في مسيرة يوم أو يومين وما لا ضرر فيه [(3) فصل: في الحميل بالوجه بعد موت الغريم.
المسألة الأولى: في براءة حميل الوجه بموت الغريم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا ماتَ الغريمُ, بريء حميل الوجه؛ لأن النفس المكفولة قد ذهبت.
ولو غاب الغريمُ فقُضِيَ على الحميل بالمالِ, فأداه ثم أثبت ببيِّنة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء, رجع الحميل بما أدى على رب الدين؛ لأنه لو عُلم أنه ميتٌ حين أُخذ به الحميلُ لم يكن عليه شيء, وإنما تقع الحمالة بالنفس ما كان حيّاً.

الجزء: 18 - الصفحة: 10

[المسألة الثانية: موت الغريم قبل الحكم على الحميل] قال ابن المواز عن ابن القاسم: إذا لم يُحكم على الحميل بالوجه حتى مات الغريم بالبلد قبل الأجل أو بعده, قَرُبَ ذلك أو بَعُدَ, فلا شيء على الجميل.
ابن المواز: وهو المعروف من قول مالك وعليه جماعة أصحابه.
[المسألة الثالثة: وإن مات في غيبته وهي قريبةٌ أو بعيدةٌ لزم الحميلَ الغرمُ, إلا أن تكون الحمالةُ مؤجلةً, ويكون موت الغريم قبل الجل بأيام كثيرة لو كُلف الحميلُ المجيءَ به لخرج فيها ورجع قبل حلول الأجل, فحينئذ تسقط عنه الحمالةُ ولا يلزمه شيء.
قال ابن القاسم: وإن كنت قلت لكم في هذه المسالة غيرَ [2/ب] هذا فاطرحوه وخذوا بهذا.
ابن المواز قال أشهب: لا أبالي إذا هو مات فالحمالة تسقط بموته في غيبته أو بالبلد.

الجزء: 18 - الصفحة: 11

م وهو نحو ما في المدونة, قال بعض الفقهاء: وهو أشبهُ؛ لأنه إذا مات كشف الغيبُ أنه كان ممن لا يلزمه الإتيان به؛ إذ لا قدرة له على ذلك.
[المسألة الرابعة: إذا تحمل رجل بنفس رجل, وتحمل بنفس الحميل ولم يوجد إلا حميل الحميل] قال ابن المواز: وإن تحمل رجلٌ بنفس رجلٍ آخرُ بنفس الحميل, فلم يوجد إلا حميلُ الحميلِ, فإنه إن جاء بأحدهما براء وإلا لزمه المالُ, ثم يرجع هو على من شاء منهما.
قال: فإن لم يُحكم عليه حتى مات أحدهما؟ قال: إن مات الغريم برئا جميعاً, وإن مات الأوسط كانت الحمالة في تركته وبراء الثالث, وإن مات الثالث فالحمالة عليهما قائمة.
قال: وإن كانت حمالة الثالث على الثاني بالمال, قيل له: إن جئت بالغريم برئت؛ لأن صاحبكَ يبرأُ بذلك, وإن جئتَ بالحميل فإنه إن ثبت عليه المال إذا لم يأت بالغريم كنت للمال ضامناً, وإن مات الغريم برئتُما, وإن

الجزء: 18 - الصفحة: 12

مات الحميل الأول, فالأول على حمالته.
ابن المواز: والآخرُ يقومُ مقامهُ إن جاء بالغريمِ براء, وإلا غرِم.
وقال عبد الملك: إذا مات الحميلُ الأولُ سقطت الحمالة بموته عنه وعن حميله.
ولم يعجبنا هذا.
[المسألة الخامسة: اشتراط صاحب المال غرمه على حميل الوجه]

الجزء: 18 - الصفحة: 13

قال محمد: ومن تحمل بوجه رجل فشرط صاحبُ المالِ على الحميل إن لم تأت به عند وفاء الأجل فحقي عليك, فلم يأت به حتى مات, قال: إن مات قبل الأجل, فلا شيء على الحميل؛ لأنه حميلٌ بالوجه, فهي ساقطةٌ بموتِ الغريمِ, وإن مات في البلد بعد الأجل لم يبرأ الحميل.
ابن المواز: لأنه صار بمضي الجل حميلاً بالمال.
[(4) فصل فيما يُبراءُ الحميلَ المسألة الأولى: في إتيان حميل الوجه بالغريم بعد الجل وقبل القضاء عليه بالمال] ومن المدونة: ومَنْ تحمَّل بعْينِ رجلٍ إلى أجلٍ, فلم يأتِ به عند الأجلِ, فَرُفِعَ إلى الحاكمِ, فلم يَقْضِ عليه بالمالِ حتى أحضَرهُ, براء من المال ومن عين الرجل, ولو كان قد حُكِمَ عليه بالمالِ بعد التلَوّمِ لزمهُ المالُ, ومضَى الحكمُ.

الجزء: 18 - الصفحة: 14

يريد: ويَتْبَعُ أيّهُما شاء.
وقال سحنون: إنْ حَكَمَ عليه السلطانُ بالمالِ, فلم يَغْرَمْهُ حتى جاء بالغريم فلا غرم على الحميل.
[المسألة الثانية: إذا حبسَ المَحْمُولُ بعَيّنه فدَفَعَهُ الحميلُ إلى الطالبِ وهو في السجن] قال ابن القاسم: وإذا حُبِسَ المحموُلُ بعيّنِه فدفَعَهُ الحَميل إلى الطالبِ وهُوَ في السِّجنِ بريء الحميلُ؛ لأن الطالبَ يَقْدِرُ على أَخْذِهِ في السِّجْنِ, ويُحْبَسُ لَهُ بَعْدَ تمامِ ما سُجِنَ فيه, وكَذَلِكَ إنْ دَفَعَهُ إِلَيْهِ بمَوْضِعِ فيه حُكْم وسُلطَانٌ - وإنْ لم يكن ببلده - فَيَبْرَأُ.
وإن دَفَعَهُ إِلَيْهِ بِموْضِعِ لا سُلْطَانَ فيه, أو في حَالِ فتنَةٍ, أَو في مَفَازَة, أو بِمَكَانٍ يَقْدِرُ الغَرِيِمُ على الامْتنَاعِ منْهُ لَم يَبْرَأُ منه الحَمِيلُ حتى يدْفَعَه إليه بموضعٍ يَصلُ إليه وبه سلطانٌ فيبرأُ.

الجزء: 18 - الصفحة: 15

[المسألة الثالثة: في الحميل بالوجه يأتي بالغريم عند الأجل والطالب غائب, وكيف إن شرط على الطالب إن لقيت غريمك فتلك براءتي] قال ابن حبيب: ولو جاء به عند الأجلِ والطالبُ غائبٌ لم يَبرأُ حتى يَجمَعَ بينَه وبينَ صاحبهِ, إلا أن يكون شَرط في أصلِ الحَمالةِ, أنّك إنْ غِبتَ ولم تُوكَّلُ مَن يَقْبِضُ مِنّيِ فلا حمالةَ لك, فذلك له إذا أَشهَدَ بإحضارِه.
وإذا شَرَطَ: إنْ لم يأتِ به إلى أجلِ كذا, كان حميلاً بالمالِ, فإذا مضى الأمدُ ولم يأت به كان حميلاً بالمالِ, ولا يبرأُ إلا أنْ يَأتِي به مليئاً, ولا يُحتاجُ هاهنا إلى أنْ يُتَلَوّمَ له في حمالةِ الوجهِ؛ لأنه ضَرَبَ لها أجلاً متى لم يأتِ بالرجلِ عند الأجلِ كان حميلاً المال.
وفي العُتبية عن ابن القاسمِ: في الحميل يشترطُ على الطالبِ إن لقيتَ غريمَكَ فتلك بَرَاءَتِي فلقيَهُ بموضع [3/أ] يَقْدرُ عليه فهي براءةٌ, وإنْ كانَ بموضعٍ لا يقدرُ عليه, فليست براءة للحميلِ.
[المسألة الرابعة: إذا أمكَنَ الغريمُ الطالبَ من نفسه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن الغريمَ أمْكَنَ الطالبَ مِن نفسهِ وأشهدَ: أني دفعتُ نفسيِ إليْكَ بَراءةٌ للحميلِ, لم يبرإ الحميلُ بذلك - وإنْ كانَ في موضعٍ تُنَفَذُ فيه الأحكامُ - حتى يَدْفَعَهُ الحميلُ نفسهُ أو وكيلهُ إلى

الجزء: 18 - الصفحة: 16

الطالبِ, فإنْ لَمْ يقبلْ ذلك الطالبُ أشهد عليه, وكان له بذلكَ براءةٌ.
قال ابن الموَّازِ: ولو أَمَرهُ الحميلُ أن يُمكنَ نفسه من الطالبِ لَبَرِيء بذلك الحميلُ, فإن أنكر الطالبُ أن يكونَ الحميلُ أمَرهُ بدَفْعِ نفسِه إليهِ, فإنْ شَهِدَ بذلك أحدٌ بريءَ الحميلُ.

الجزء: 18 - الصفحة: 17

[الباب الثاني:] فيمن ادَّعى قِبَل رَجُلٍ حقاً فقال له رجلٌ: إن لم

آتِكَ به فأنا ضامِنٌ أو قال المدَّعى عليه إن لم آتِكَ غداً فالذي تَدَّعيه قِبَلي.
ومَن قضى حقاً عن صغير.

[(1) فصل: فيمن ادعى قِبَلَ رجل حقاً فأنكره فقال له رجل إن لم آتك به غداً فأنا ضامن.
المسألة الأولى: فيمن تكفل عن منكر حقاً لرجل] قال ابن القاسم: ومَن ادَّعى على رَجُلٍ حقاً فأنكره, فقال لَهُ رجُلٌ: أنا كفيلٌ به إلى غدٍ فإن لم أُوَفٍكَ به غداً فأنا ضامنٌ للمال , وسمِّي عَدَدَهُ, فإن لم يأتِ به في غدٍ فلا يلزمُ الحميلَ شيءٌ, حتى يَثْبُتَ الحقُّ ببينةٍ.
فيكون حميلاً بذلك, وسواءٌ أقر المدعَى عليه الآن بهذا المالِ أو أنكَرَ, إذا كَانَ اليومَ مُعْدَماً.

الجزء: 18 - الصفحة: 18

[المسألة الثانية: إن أنكر المدعى عليه ثم قال للطالب إن لم أوافك غداً فالذي تدعيه قبلي] قال ابن القاسم: وإن أنكر المدعَى عليه, ثم قال للطالبِ: أَجِّلنِي اليومَ فإن لَم أوفِكَ غداً فالذي تدّعيه قِبَلي.
فهذه مخاطرةٌ, ولا شيءَ عليه.
إن لم يأتِ به, إلا أن يقيم عليه بذلك بيِّنةً.
[المسألة الثالثة: فيمن تكفل بما ادعاه رجل على آخر فأنكر المدعى عليه الحق] قال: ومَن قال: لِي على فلانٍ ألفُ دِرهَمٍ, فقال له رجلٌ: أنا بها كفيلٌ.
فأتَي فُلانٌ فأنرها, ولم يلزم الكفيلَ شيءٌ حتى يُثبِتَ ببيّنةٍ.
ابنُ المواز: لا بإقرارِ المطلوبِ الآنَ.
ولو كان إقرارُه بذلكَ قِبَلَ الحمالةِ لزمَ الكفيلَ الغرمُ.

الجزء: 18 - الصفحة: 19

م ظاهرُ اعتلالِهِ في المدونةِ أنه لو أقرّ, لزمَ الحميلَ الغِرمُ.
وجْهُ ما في كتاب محمد أن معنى الكلام عنده: إنما تحمَّل بما ثبتَ لفلان على فلان.
ومعنى هذه المسألة على قول محمد: إن المطلوبَ مُعسرٌ فأما إن كان موسراً مُقراً, فلا تهمةَ في ذلك؛ لأنهُ إن أخذه الكفيلَ بالغُرم على أحد قولي مالك فالكفيلُ يرجع عليه لأنه مُقِرُّ بالدَّينِ, وأما في القول الآخرِ فالمطلوب المبدأُ بالغُرمِ وهذا بيّنٌ.

الجزء: 18 - الصفحة: 20

[(2) فصل [فيمن تكفل عن رجل بغير أمره, وفيمن قضى حقاً عن صغير المسألة الأولى: فيمن تكفل عن رجل بغير أمره] قال مالك: ومن أدى عن رجل حقاً لزمه فتكفل عنه رجل بغير أمره, فله أن يرجع بع عليه.
[المسألة الثانية: فيمن قضى حقاً عن صغير] قال ابن القاسم: وكذلك من تكفل عن صبي بحقٍ قضي به عليه فأداة عنه بغير أمر وليه, فله أن يرجع به في مال الصبي, وكذلك لو أدى عنه ما لزمه من متاع كسره, أو أفسده, أو اختلسه؛ لأن ما فعله الصبي من ذلك يلزمه.
وقال مالك.
أبن المواز قال ابن القاسم: وذلك إذا كان الصغير الجاني ابن سنةٍ فصاعداً محمد: وأما الصغير جداً مثلُ ابن ستة أشهرٍ, لا ينزجر, إذا زُجر, فلا شيء عليه.

الجزء: 18 - الصفحة: 21

[الباب الثالث] في التداعي في الحمالة

[(1) فصل: إذا ادعى الحميل أن ما أداه عن القرض, والطالب يقول بل عن الحمالة وكان عليه قدر متفق من قرض وحمالة المسألة الأولى: في اختلاف الطالب والحميل في حقين للطالب عن أيهما كان القضاء] قال مالك رحمه الله: ومن له على رجل ألف درهم من قرض, وألف درهمٍ من كفالة, فقضاه ألفاً, ثم ادعى أنها القرض وقال المقتضي, بل هي الكفالة.
يريد: وادعيا أنهما بينا [3/ب].
قال: فليقض بنصفها عن القرض, ونصفها عن الكفالة.
يريد: ويحلفان أنهما بينا.

الجزء: 18 - الصفحة: 22

وقال غيره: القول قول المقتضي مع يمينه؛ لأنه مؤتمن, مدعى عليه.
وقاله سحنون.
ابن المواز وهذا قول عبد الملك وحجته, وقال أشهب.
وخالفه في الحجة وحجة أشهب: أن الدافع مُدعٍ لقضاء الحق الذي بحمالة أو قرض, والآخر يُنكر فالمدعى عليه البيان.
ابن المواز: وحجة عبد الملك خير وهذا إذا كان الكفيل والغريم موسرين؛ لأن الذي له الدين يقول: إنما أخذتها من الكفالة كراهية منى في مطالبة من عليه الين الذي بالكفالة.
وحقه طلب الكفيل بما عليه من قرضٍ.
وأما إن كان معدمين أو أحدهما معدماً, فلا فائدة للقابض في دعواه - أنها من الكفالة -؛ لأنه في عُدمها إن كانت المقبوضة من القرض كان للقابض إتباع ذمتين بما له [من] الكفالة فهو خير له من إتباع ذمة واحدة,

الجزء: 18 - الصفحة: 23

وإن كان الكفيل وحده مُعدماً, فلا طلب له عليه بما له [من] الكفالة, ويطلب المديان بها الموسر, فإن كان المديان بها معدماً فهو قادر على أخذ الكفيل بما له [من] الكفالة؛ لعُدم الغريم, وأما إن لم يذكرا عند القضاء شيئاً فلم يُختلف أن ذلك مقسوم بين الحقين إذا كانا حالين أو مؤجلين؛ إذ لا مزية لأحدهما على الآخر.
قال في المدونة: وورثتهما في قوليهما مثلهما قال ابن المواز: أنما تصح المسألة في التهمة إذا لم يكن حل من ذلك شيء أو حلاً جميعاً, فأما إن كان حل بعض وبعض لم يحل, فالقول قولُ من ادعى أنه من الحق الحال - كان القابض أو الدافع - مع يمينه.,

الجزء: 18 - الصفحة: 24

فلا اختلاف من ابن القاسم وعبد الملك.
[المسألة الثانية: إذا قال أحدهما قضيتك وبينت أنها لكذا وقال الأخر قد شرطت عليك أنها كذا] قال ابن القاسم ومالك: وإذا قال أحدهما: قضيتك وبينت أنها لكذا, وقال الآخر قد شرطت عليك أنها لكذا, أن الحق يقسم بينهما.
ابن المواز: بعد أيمانهما.
ومن نكل منهما كان القول قول الحالف, فإن حلفا جميعاً, أو نكلا جميعاً, قُسم ذلك على الحقين, على قول ابن القاسم وروايته.
وذكر ابن القاسم عن مالك مثله في حقين أحدهما برهن والآخر بلا رهن, وقال أيضاً ذلك مالك في حقين احدهما بحمالة, والآخر بلا حمالة قال مالك: وكذلك حق يمين, والآخر بلا يمين.

الجزء: 18 - الصفحة: 25

[المسألة الثالثة: إن ادعى أحدهما أنه بين عند القضاء وأنكر الآخر] قال: فإن ادعى أحدهما أنه بين عند القضاء وقال الآخر: ما بين أحدنا شيئاً.
قال اصبغ في هذا: إن القول قول من ذكر أن ذلك كان مبهماً, إلا أن يكون لمن ادعى أنه قد كان بين عند القضاء بينة ابن المواز: وهذا خلاف قول ابن القاسم وهو مذهب أشهب وعبد الملك وينبغي على مذهب ابن القاسم أن يكون من ادعى الإبهام قد سلم القسمة, فيكون النصف قد ثبت لمدعى التعيين في القضاء, ثم يكون النصف الثاني مقسوماً بينهما لتساوي دعواهما فيه فيكون ثلاثة أرباع القضاء عن الحق الذي سماه أحدهما, والربع عن الآخر الذي ادعى الإبهام.
[المسألة الرابعة: أن أقرا جميعاً أنه كان منهما بلا شرط]

الجزء: 18 - الصفحة: 26

قلت: فإن أقرا جميعاً أنه منهما بلا شرط بينهما, ولكن ذلك بياتنا.
قال: هذا لم يختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب: أن ما اقتضاه يقسم على الحقين جميعاً.
قال بعض فقهائنا القرويين: وغنما تصح القسمة على الحقين في مسألة المدونة إذا كان الغريم عند دفع الألف معسراً وهو الآن حين تنازعا موسر, ولو كان حين التنازع معسراً لم يكن لقسم ذلك على الحقين وجه؛ من أجل أن القابض يقول للكفيل الدافع: أليس لو صدقتك أن ما دفعت إلي من القرض لكان لي مطالبتك بالكفالة إذ الغريم معسر؛ فلما كان المر على هذا كان القول قول القابض, ولو كان الغريم يوم الدفع موسراً, والآن حين التنازع موسر لم تصح

الجزء: 18 - الصفحة: 27

القسمة, ويكون القول هاهنا قول الدافع؛ لأن من حجته أن يقول: أنا حين دفعت ممن لا يتعلق على الغرم؛ لكون الغريم موسراً.
فصار القابض مدعياً على الدافع معروفاً تبرع له به, [فكان كـ] من أدي ما لا يلزمه, فصح لهذا أن يكون القول قول الدافع.
وأما لو كان الغريم يوم الدفع موسراً والآن عند التنازع معسر لكان القول قول القابض؛ لأن من حجته أن يقول للكفيل: أليس لو صدقتك أن ما دفعت إلي هو القرض لكان لي مطالبتك بالكفالة؛ إذ الغريم معسر, فصح بهذا أن القول قول القابض.
فصار وجه تصح فيه القسمة, وهو أن يكون الغريم يوم الدفع معسراً والآن موسر ووجه يكون القول قول القابض, وهو أن يكون الغريم الآن معسراً.

الجزء: 18 - الصفحة: 28

ووجه يكون القول قول الدافع, وهو أن يكون الغريم في الوجهتين موسراً.
وجميع هذا التقسيم المذكور إنما يصح على قول مالك الذي أخذ به ابن القاسم: أن الكفيل لا يغرم إلا في عُدم الغريم, فأما على قوله: إن الطالب أن يأخذ أيهما شاء, فالقول قول القابض في جميع هذه الوجوه, وبالله التوفيق.
[(2) فصل [اختلاف الحميل والطالب في قدر الحمالة, وفي ملإ الغريم بعد حلول الأجل المسألة الأولى: في اختلاف الحميل والطالب في قدر الحمالة] ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم - فيمن تحمل وقال -: تحملت بألف درهم, وقال الطالب: بل بخمسمئة دينار, فصدق المطلوب - يريد ولا مال له - فليحلف الحميل ما تحملت إلا بألف درهم ويؤديها, ويشتري بها دنانير, فإن بيعت بثلاثمئة دينار رجع الطالب على المطلوب

الجزء: 18 - الصفحة: 29

بمئتين, ويرجع الحميل على الغريم بثلاثمائة دينار, فيشتري له بها دراهم, فإن وفت ألفاً فذلك, وإن ذادت فالزيادة للغريم, وإن نقصت, حلف المطلوب للحميل ما تحمل إلا خمسمائة دينار, فإن نكل حلف الحميل واخذ.
ومن كتاب ابن المواز: ولو قال الحميل: تحملت لك بألف درهم, وقال الطلب: بخمسين ديناراً, وقال المطلوب: بمئتي إردب قمح وهي التي له علي, قال: تُؤخذ منه المئتا إردب قمح؛ وتؤخر عنه اليمين لعل ثمن ما أقر به يبلغ ما ادعى به الطالب من الدنانير, فتسقط الأيمان ويبرأ الغريم والحميل.
قال: فإن لم يف ثمنها بخمسين ديناراً وكانت تسوى ألف درهم, أُخر

الجزء: 18 - الصفحة: 30

يمين الحميل, وحلف الغريم, فإن نكل عن اليمين حلف الطالب واستحق قبله الخمسين ديناراً إن كان موسرا, ويبرأ الحميل بلا غرم ولا يمين, وإن لم ينكل الغريم وحلف أن ليس له عليه إلا المئتا إردب, فإن غرم ذلك بريء, ويحلف الحميل ويبرأ إن كانت تسوى ألف درهم, وإن لم تسو ذلك حلف أيضاً وغرم ما عجز من ثمن القمح على ألف درهم, وهذا كله إذا لم يساوِ القمح خمسين ديناراً.
قال: فإن نكل الحميل عن اليمين غرم بقية ما دعاه الطالب من الخمسين ديناراً ولا يرجع الحميل بما غرم في ذلك - من فضلة ما حلف عليه, ولا من فضلة ما غرم بنكوله - لا على الطالب ولا على الغريم الذي غرم عنه.
وفي هذه المسألة زيادة في كتاب محمد تركتها لتوعرها.
[المسألة الثانية: في اختلاف الطالب والحميل في ملإ الغريم بعد حلول الأجل] ومن العتبية [4/ب] عن ابن قاسم من رواية أبي زيد

الجزء: 18 - الصفحة: 31

في الطالب يقوم على الحميل بعد الأجل, يزعم أن الغريم عديم, ويقول الحميل هو مليء, فإن لم يعرف له مال ظاهر فإن الحميل غارم, إلا أن ينكشف للطالب مال الغريم, فلا يكون له على الحميل شيء.

الجزء: 18 - الصفحة: 32

الباب الرابع] في إغرام الحميل وموته, أو موت الغريم [وكيف

إن تكفل لرجلين فغاب أحدهما وأخذ الآخر حصته

[(1) فصل في إغرام الحميل] والسنة أن الضمان لا يبرئ ذمة المضمون؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((نَفْسُ المُؤْمن مُرتهنة بدينهِ حتى يُقضى عنه))؛ ولأن الضمان مأخوذ من الضمن, وهو شغل ذمة أخرى بالحق, بخلاف الحوالة التي هي مأخوذة من تحول الحق؛ ولأنها وثيقة فلم يبرأ بها من عليه الحق, كالرهن.

الجزء: 18 - الصفحة: 33

[المسألة الأولى: في إغرام الحميل والغريم حاضر مليء] قال مالك: ومن تحمل برجل, أو بما عليه فليس للذي له الحق إذا كان الغريم حاضراً مليئاً أن يأخذ من الكفيل شيئاً إلا ما عجز عنه الغريم.
وكان مالك يقول: يتبع أيهما شاء في ملء الغريم, ثم رجع إلى هذا, وأخذ به ابن القاسم.
ورواه ابن وهب.
قال عبد الوهاب: وبالأول قال أبو حنيفة والشافعي.
ووجه ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: (الزعيم غارم) ولم يفرق؛ ولأن الضامن أقام نفسه مقام الغريم في شغل ذمته بالحق على الوجه الذي كانت

الجزء: 18 - الصفحة: 34

ذمة الغريم به مشغولة, فكان كالغريم في المطالبة.
[و] وجه الثانية: أن الضمان في العادة إنما هو لحفظ الحق من الضياع, ولم يوضع لأن يكون الضامن كالغريم في أصل المطالبة, فإذا صح ذلك لم تكن له المطالبة إلا على الوجه الذي دخل عليه الضامن.
قال بعض أصحابها: وجه ذلك أن الحميل إنما أخذ ذلك توثيقة؛ فأشبه الرهن, فلما كان سبيل إلى الرهن إلا عند عُدم المطلوب, فكذلك لا سبيل على الكفيل إلا عند عُدم المطلوب [المسألة الثانية: في إغرام الحميل والغريم حاضر مليء لكنه ظالم أو غائب, أو حاضر مديان.] ومن المدونة قال غيره: وإن كان الغريم مُلداً ظالماً.

الجزء: 18 - الصفحة: 35

قال مالك: أو كان غائباً مليئاً في غيبته, أو مدياناً حاضراً يخاف الطالب - إن قام عليه - المحاصة, فله اتباع الحميل.
قال في كتاب محمد: مثل أن يكون رجلاً كثير الدين إن اقتضى منه شيئاً خاف أن يحاص فيما يأخذ بعد ذلك, فحينئذٍ يرجع على الحميل.
قال في المدونة: إلا أن يكون للغائب مال حاضر يُعدى فيه, فلا يتبع الحميل.
قال غيره: إلا أن يكون في تثبيت ذلك وفي النظر فيه بُعد, فيؤخذ من الحميل.
وقاله سحنون.

الجزء: 18 - الصفحة: 36

[(2)] فصل [في موت الكفيل] [المسألة الأولى: في موت الكفيل قبل الأجل] قال مالك: وإذا مات الكفيل قبل الأجل فللطالب تعجيل الدين من تركته, ثم لا رجوع لورثته على الغريم حتى يحل الأجل, وله محاصة غرمائه أيضاً.
وفي رواية ابن وهب من غير المدونة: أنه يؤخذ قدر الحق من تركة الحميل, ويوقف إلى الأجل, فإن كان الغريم يومئذ مليئاً رجع ذلك إلى ورثة الكفيل, وإن كان عديماً أخذه الغريم.
قال يحيى: هذه رواية سوء.
وقالها عبد الملك.

الجزء: 18 - الصفحة: 37

وقال أشهب مثل قول ابن القاسم وروايته.
قال عبد الوهاب: إن الرواية الأولى مخرجة على أنه يطالب أيهما شاء, والثانية مبنية على أن ليس له مطالبة الضمين إلا في تعذر الأخذ من الغريم.
وظاهر قولهم: أن له تعجيل الدين من تركته, على قول ابن القاسم: ليس له مطالبته إلا في غيبة الغريم وعُدمه؛ وذلك أن ابن القاسم وغيره [5/أ]- ممن أخذ بهذا القول, الذي رجع إليه مالك - قالوا: له تعجيل الدين من تركة الحميل, ووجه ذلك أن الحميل مشغول الذمة بهذا الدين حقيقة, وحكمة حكم المديان

الجزء: 18 - الصفحة: 38

في تصرفه في ماله, فإذا صح ذلك وجب حلول الدين بموته؛ لأنه بموته وجب قسم ميراثه, والدين مُبدأ على الميراث, فإذا حل دينه كان للطالب تعجيله؛ ولأن في إيقافه ضرر على الورثة؛ إذ قد يهلك فيكون منهم, وضرر على الغريم في منعه الانتفاع به من غير نفع للورثة في ذلك؛ وإذ لا يبخلو أن يكون المتحمل به عند حلول أجل الدين مليئاً أو معدماً, فإن كان معدماً فهذا المال الموقوف لا يرجع إليهم, والغريم أحق به فلا فائدة لهم في إيقافه عليه, وإن كان مليئاً فقبضهم هذا المال الموقوف كقبضهم مثله من المديان فلا ضرر عليهم في تعجيله, ولا فائدة لهم في إيقافه بل فيه الضرر بالجميع فوجب تعجيله, وبالله التوفيق.
[المسألة الثانية: في موت الكفيل عند محل الأجل أو بعده] قال ابن المواز: ولو مات الكفيل عند محل الأجل أو بعده فهاهنا يُبدأ بالغريم, فإن كان عديماً, أو مُلداً, أو غائباً, أُخذ من المال الحميل.
[(1) فرع] قال: ولو مات الحميل قبل الأجل, فحاص الطالب غرماء الحميل, فنابه من مئة خمسون, ثم حل الأجل على الغريم, فليرجع الطالب وغرماء الحميل بالمئة كلها,

الجزء: 18 - الصفحة: 39

فيرجع منها إلى غرماء الحميل ما كان أُخذ [عن] الغريم من مال الحميل, وذلك خمسون, فإن لم يوجد عند هذا الغريم إلا خمسون, فليأخذ الطالب منها خمسةً وعشرين, وغرماء الحميل خمسة وعشرين, ثم يحاصصهم الطالب بما بقي له من مئة - وذلك خمسة وعشرون - وغرماء الحميل بما بقي لهم, يتحاصون بذلك في الخمسة والعشرين التي أخذ غرماء الحميل؛ لأنه كمالٍ طرأ للحميل.
وهذا على تفسير يحيى في مسألة الزرع الرهن, وأما على تفسير قول ابن القاسم في المدونة, فإن لم يوجد عند الغريم إلا خمسون أو كان له غرماء فضرب هذا بالمئة كلها عنه وعن الحميل, فنابه في حصاصه خمسون أخذها, ورجع عليه غرماء الحميل فقالوا له: كان الواجب أن تضرب معنا بخمسين فقط وأنت قد ضربت بمئة, فيُنظر

الجزء: 18 - الصفحة: 40

ما لو ضربت بخمسين معنا ما الذي يقع لك؟ مثل أن يكون دين كل واحد منهم مئة, وهم ثلاثة نفر, وفي يد الحميل مئة وخمسون فنابه في الحصاص الأول خمسون فنصيبك منها خُمسها: ثلاثون, فنحسبها من الخمسين التي أخذت وترد عشرين.
ثم لا رجوع لغرماء الحميل على غرماء الذي عليه الدين لما قدمنا, إلا أن يفيد مالاً آخر.
وهو في الحساب يرجع إلى أمر واحد فاعلمه.
[(3) فصل في موت الغريم] [المسألة الأولى: متى يحق للطالب تعجل دينه من الغريم] ومن المدونة قال مالك: وان مات الغريم تعجل الطالب دينه من ماله, فإن لم يدع مالاً, لم يتبع الكفيل حتى يحل الأجل.

الجزء: 18 - الصفحة: 41

[المسالة الثانية: في موت الغريم مليئاً والطالب وارثه] قال ابن القاسم: وإن مات الغريم مليئاً والطالب وارثه بريء الحميل؛ لأنه إن غرم للطالب شيئاً رجع عليه بمثله في تركة الميت, والتركة في يديه, فصارت كمقاصة.
[المسألة الثالثة: في موت الغريم معدماً, وفي الفرق بين الحمالة والحوالة في موت الغريم] وإن مات الغريم مُعدماً ضمن الكفيل, وأما في الحوالة, فذلك على المحال عليه بأصل دين, مات - الغريم الموروث - مليئاً أو مُعدماً.
[(5/ب)] [(4) فصل] فيمن تكفل لرجلين بحق فغاب أحدهما وأخذ الآخر حُصته.
قال ابن القاسم: ومن تكفل لرجلين بحق لهما, فغاب أحدهما, واخذ الحاضر من الكفيل حصته من الدين, فللغائب إذا قدم أن يدخل معه فيما قبض, وإن كان الحق بكتاب واحدٍ

الجزء: 18 - الصفحة: 42

وكذلك قال مالك - في رجلين لهما دين على رجل بصك واحد, فاقتضى أحدهما نصيبه دون صاحبه -: فإن صاحبه يشاركه فيما اقتضى, إلا أن يكون المقتضي أعذر إلى صاحبه عند السلطان, أو أشهد على ذلك دون السلطان, فلم يخرج معه, ولا وكل, فحينئذ يكون له ما قبض خاصة.
قال بعض فقهائنا القرويين: أما امتناعه بعد الرفع إلى السلطان من الخروج مع صاحبه فلا يدخل فيما اقتضى فصواب, وأما إشهاده عليه فيجب ألا ينتفع بذلك؛ كالمقاسمة, فلا يجب أن يكون إلا بحكم قاضٍ, إلا أن يكون بموضع لا قاضي فيه, ولا سلطان, فتقوم الجماعة مقام القاضي ويصير ذلك مقاسمة ولعل ابن القاسم أراد ذلك.

الجزء: 18 - الصفحة: 43

قال ابن القاسم: ولو رفع ذلك إلى الإمام وشريكه غائب, والغريم حاضر مليء بحقيهما, فقضى للحاضر بأخذ حقه, لم يدخل الغائب عليه فيه وإن أُعدم الغريم, لو قام الحاضر على الغريم, فلم يجد عنده إلا قدر نصيبه, قضى له الإمام بما ينوبه في المحاصة أن لو كان صاحبه حاضراً معه, فإن جهل الإمام فقضى له بجميع حقه كان للقادم أن يدخل معه؛ لأنه كالتفليس.
وقال غيره: إذا لم يكن عنده إلا مقدار حق أحدهما, فقضى للحاضر بحقه كله, أو بما ينوبه في الحصاص, فللقادم أن يدخل لأنه كالتفليس.
قال يحيى: ذهب ابن القاسم إلى أن يُقضى للشريك الحاضر بما ينوبه ويقر الباقي بيد الغريم, ولا يعجبني.

الجزء: 18 - الصفحة: 44

قال أبو محمد: لعل ابن القاسم يعني: أنه يُقضى بالقسم للحق للضرورة, فيصير هذا أولى بحصته.
قال بعض فقهاء القرويين: أما إذا كان معه وفاء بحقيهما فاقتضى نصيبه, فهذا بين لا يدخل عليه فيه؛ لأن ذلك مقاسمة بأمر السلطان, وأما إن لم يكن معه إلا قدر حق أحدهما, فقسم السلطان ذلك بينهما فذلك كالتفليس, فيجب أن يُوقف القاضي حق الغائب, فإن أوقفه فلا شك أن الغائب إذا تلف حقه لا يدخل على الحاضر؛ لأن ضمان الموقوف من الغائب, فكأنه قد قبضه, وإن أبقى القاضي ذلك بيد الغريم, فيجب أن يكون القضاء فاسداً, ويرجع على الحاضر فيما اقتضى, ويكون القاضي تعدى في رده إلى الغريم, فيجب أن يغرم للغائب, فإن أراد الغير أن القضاء لما وقع فاسداً وجب نقضه, ويرجع الغائب على الحاضر فصواب, وإن أراد ابن القاسم: أن السلطان قسم بينهما ولم يُفلسه, فلماذا جعله

الجزء: 18 - الصفحة: 45

إذا قبض الجميع يدخل معه الغائب إذا قدم؟ مع قوله أن لمن أحاط الدين بماله أن يقضي بعض غرمائه دون بعض.
وحُكي عن بعض القرويين أنه قال: إذا كان دين الشريكين مئة دينار فوجد بيد المطلوب ثمانون, فقضى القاضي للحاضر بخمسين, فإن للغائب إذا أتى أن يرجع على صاحبه بنصف ما قبض, ولا يرجع عليه بالزائد على الربعين؛ لأن القضاء وقع فاسداً لما أعطاه خمسين, وإنما كان يجب أن يعطيه أربعين, فاعلم ذلك.
والصواب أن يرجع [6/أ] عليه بالزائد على ما كان يخصه وذلك عشرة؛ لأن فيها وقع الغلط, ولو لزم ما قال للزم من كان يسأل رجلاً أربعين ديناراً, فقضاه خمسين غلطاً, ثم فلس الدافع, أن يُرد القضاء لوقوعه فاسداً ويدخل عليه الغرماء فيه, وهذا خطأ, وإنما يرد الغلط خاصة, ولا حجة له بغلط القاسم إذا ظهر أنه ينقض القسم؛ لأن ذلك إنما يكون في الرباع, والعروض, وأما لو اقتسما عيناً, أو ما يكال أو يوزن, وهو جنس واحد - فغلطا فيه - فإنما يرد الغلط خاصة ممن جاز إليه, ولا يُنقض القسم, فكذلك هذا.

الجزء: 18 - الصفحة: 46

الباب الخامس] فيمن تحمل بمجهول, أو قال للمدعي: احلف وأنا

ضامن, أو عامل فلاناً وأنا ضامن, [وفي الضمان عن الميت

[(1) فصل: في الحمالة بالمجهول] قال أبو محمد: ولما جازت هبة المجهول جازت الحمالة به؛ لأنها معروف, والقضاء أن كل من أدى عن رجل حقاً قبله كان له الرجوع به عليه.
قال ابن القاسم في كتاب الشفعة: ومن تكفل عن رجل ولم يذكر ما عليه جاز, وإن غاب المطلوب قيل للطالب: أثبت حقك ببينة وخذه من الكفيل, فإن لم يقم بينة وادعى أن له على المطلوب ألف درهم, فله أن يُحلف الكفيل على علمه, فإن نكل حلف الطالب واستحق.
يريد: ثم لا يرجع الكفيل على المطلوب بما غرم من سبب نكوله, إلا أن يُقر له المطلوب, وللكفيل أن يُحلفه, فإن نكل المطلوب غرم.

الجزء: 18 - الصفحة: 47

[المسألة الأولى: فيمن قال لرجل ما وجب لك قبل فلان فأنا لك به كفيل] قال في كتاب الحمالة: ومن قال لرجل ما ذاب لك قبل فلان الذي تخاصمه فأنا لك به كفيل - ومعنى ما ذاب أي ما صح - فإن استحق قبله ملاً كان هذا الكفيل ضامناً له - وكل من تبرع بكفالة لزمته - فإن مات هذا الكفيل قبل ثبات الحق, ثم ثبت الحق بعد موته, لزم ذلك في مال الكفيل.
وقد قال مالك: فيمن قال لرجل: احلف لي أن الذي تدعي قبل أخي حق, وأنا ضامن, ثم رجع, أنه لا ينفعه رجوعه, ولزمه ذلك إن حلف الطالب, وإن مات كان ذلك في ماله.
فإن أقر المطلوب بها غرم الحميل, غرم له ذلك وإن أنكره كان للحميل أن يحلفه, فإن نكل غرم, وليس له

الجزء: 18 - الصفحة: 48

أن يُحلف الحميل؛ إذ لا علم عنده, ولا له أن يحلف الطالب؛ لأنه قد حلف أولاً, فأشبهت يمينه أيمان التهم: التي بالنكول عنها يغرم.
وقد وقع في كتاب محمد - في المريض يقول -: لي عند فلان كذا, ثم يموت, أن المطلوب يحلف, وإن لم يكن بينهما خُلطة؛ إذ لا يُتهم المريض في هذا الحال, فإن نكل غرم إذا لم يكن عند ورثته علم من هذا.
وليس هذا كهبة ما لم يُقبض حتى مات الواهب؛ لأنها هبة للذي عليه الدين عن أصل معاوضة للذي له الدين, فلا يفتقر هبة للذي عليه الدين عن أصل معاوضة للذي له الدين, فلا يفتقر إلى القبض؛ كحمل الصداق عن الزوج للزوجة, فلا يُبطله موت الحامل.

الجزء: 18 - الصفحة: 49

[المسألة الثانية: فيمن أوجب على نفسه كفالة أو ضماناً] قال: وإن أشهد رجل على نفسه أنه ضامن بما قُضي لفلان على فلان, أو قال: أنا كفيل لفلان بماله على فلان, وهما حاضران أو غائبان, أو أحدهما غائب, لزمه ما أوجب على نفسه من الكفالة والضمان؛ لأن ذلك معروف, والمعروف من أوجبه على نفسه لزمه.
[المسألة الثالثة: فيمن قال لرجل بايع فلانا وأنا ضامن] قال مالك رحمه الله: ومن قال لرجل بايع فلانا, أو داينه, فما بايعته به من شيء, أو داينته به, فأنا ضامن [6/ب] لزمه ذلك إذا ثبت مبلغه.
وقال غيره: إنما يلزمه من ذلك ما كان يشبه أن يداين بمثله المحمول عنه ويبايع به.
وليس بخلاف لابن القاسم قال ابن القاسم: ولم لم يداينه حتى أتاه الحميل فقال: لا تفعل, فقد بدا لي فذلك له, بخلاف قوله: احلف وأنا ضامن ثم رجع قبل اليمين, قال: هذا لا ينفعه رجوعه؛ لأنه حق قد وجب.

الجزء: 18 - الصفحة: 50

[فائدة: في الفرق بين من قال بايع فلانا وأنا ضامن ثم رجع, وبين من قال احلف لي وأنا أغرم لك ثم أراد الرجوع] والفرق أن الذي قال: أحلف لي أن الذي ادعى حق, أن المدعي يقول: أنا قد ادعيت أن لي عليه كذا, وقد أحل هذا نفسه محل المدعى عليه؛ فكما لو قال ادعيت عليه: احلف لي وأنا أغرم لك لم يكن له رجوع, فكذلك هذا, والذي قال: عامله وأنا ضامن, كقول العامل نفسه: عاملني وأنا أعطيك حميلاً, فكما كان لهذا أن برجع؛ لأنه لم يدخله في شيء, فكذلك لا يلزم من قال له: عامله.
وقد قيل: إن ذلك كالوعد لا كالهبة, فلذلك كان له أن يرجع عنه, إذ لا يُقضى به إلا أن يدخله بوعده في شيء.
وابن وهب يرى أن يُقضى عليه بالعدة, ولأصبغ فيما ذكر سببه أنه يُقضى عليه به بخلاف غيره.
[(2) فصل الضمان عن الميت] قال عبد الوهاب: ويجوز الضمان عن الميت خلف وفاء أو لم يُخلف.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يُخلف وفاء.

الجزء: 18 - الصفحة: 51

ودليلنا حديث أبي قتادة في الذي مات وعليه دين, فامتنع النبي صلى الله عليه وسلم من الصلاة عليه فلما ضمنه أبو قتادة صلى النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
ولأن كل دين لو كان به وفاء لصح ضمانه, فإنه يصح وإن لم يكن له وفاء, أصله الضمان عن الحي.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: فيمن مات وعليه من الدين ما لا يُدري كم هو, وترك مالاً من عين, وعرض ولا يدري كم هو, فتحمل بعض ورثته بجميع دينه نقداً, أو إلى أجل, على أن يُخلي بينه وبين ماله, فإن كان على: إن كان فيه فضل بعد وفاء الدين كان بينه وبين بقية الورثة على بعض فرائض الله, وإن كان ناقصاً فعليه وحده فذلك جائز؛ لأن ذلك منه على وجه المعروف وطلب الخير للميت ولورثته, وأما إن كان له الفضل بعد وفاء الدين, وعليه النقصان, فلا يجوز؛ لأنه غرر وغير وجه من الفساد, وصار البيع يُحله ما يُحله.

الجزء: 18 - الصفحة: 52

قال: ولو كان وارثاً واحداً كان جائزاً قال: ولو طرأ غريم لم يعلم به الابن, فعليه أن يغرم له, ولا ينفعه قوله لم أعلم به, وإنما تحملت بما علمت.
وقال مالك فيمن مات وعليه ثلاثة آلاف دينار, ولم يترك غير ألف دينار, وولد لا يرثه غيره, فسال غرماء أبيه أن يدعوا له الألف بيده, وينظروه سنين, ويضمن لهم بقية دينهم فرضوا فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وبلغني عن ابن هرمز مثله.
قال مالك: وإن كان معه ورثة غيره وأدخلهم في فضل إن كان, فذلك جائز, وإن طرأ غريم لم يعلم به, لزمه أن يَغْرَم له.

الجزء: 18 - الصفحة: 53

[الباب السادس] في حمالة الجماعة, وغُرمهم, وتراجعهم.

ابن وهب قال مالك: إن من أمر الناس الجائز عندهم أن يكتب الرجل حقه على الرجلين, ويشترط أن حكما عن ميتكما, ومليئكما عن مُعدمكما, ذلك كحمالة أحدهما عن الآخر.
قال ابن القاسم: وإذا تكفل رجلان بمال, وكل واحد ضامن عن صاحبه, فغاب أحدهما, وغاب الغريم, وغرم الحاضر الجميع, ثم قدم الغائب والغريم, وهما مليئان, فللكفيل إتباع الغريم بالجميع, وإن شاء اتبعه بالنصف, ثم اتبع الكفيل الآخر بما أدى [7/أ] عنه؛ لأنه كدين له قبله, لا كغريم حضر مع كفيل.
قال مالك رحمه الله: وإذا تكفل ثلاثة رجال لرجل بمال من الحملاء إلا حمالة مبهمة, وأعدم الغريم لم يكن للطالب على من لقى من الحملاء إلا ثلث الحق, إلا أن يشترط في أصل الكفالة أن بعضهم حميل عن

الجزء: 18 - الصفحة: 54

بعض, فحينئذ إن غاب أحدهم, أو اعدم أخذ من وجد منهم مليئاً بجميع الحق, وإن لقيهم أملياء لم يأخذ من كل واحد إلا ثلث الحق؛ إذ لا يتبع الكفيل في حضور المكفول به وملئه.
ولو شرط أيكم شئت أخذت بحقي, ولم يقل بعضكم كفيل ببعض, فله أخذ أحدهم بجميع الحق, وإن كانوا حضوراً أملياء, ثم لا رجوع للغارم على أصحابه إذ لم يؤد بالحمالة عنهم, ولكن عن الغريم.
ابن حبيب: وقاله جميع أصحاب مالك.
ولو قال: بعضهم كفيل ببعض - قال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي , أو لم يقل - فإنه إن أخذ من أحدهم في هذا جميع المال, رجع الغارم على صاحبيه إذا لقيتها بالثلثين, وإن لقي أحدهما رجع عليه بالنصف.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون - فيمن باع شيئا من رجلين, شرط أن يأخذ أيهما شاء بجميع الثمن, أو تحمل رجلان بدين فشرط عليهما ذلك: فشرطه باطل, وليس له إتباع أحدهما بأكثر من نصيبه إلا في عدم صاحبه أو غيبته, كالحمالة المبهمة.

الجزء: 18 - الصفحة: 55

وقال ابن كنانة وأشهب.
وقال ابن القاسم: الشرط اللازم في ذلك كله, ويتبع أيهما شاء وإن كان الآخر مليئاً حاضراً بخلاف الحمالة المبهمة؛ والناس عند شروطهم, وقد اختلف قول مالك في الحميل المبهم: أنه يغرم الجميع فكيف بالشرط وبه قال أصبع ابن حبيب.

الجزء: 18 - الصفحة: 56

[الباب السابع] شرح مسألة حملاء وبيان حسابها

. قال غير ابن القاسم: وإذا كان لرجل ستمئة درهم على ستة رجال, على أن بعضهم حميل عن بعض بجميع المال, أو على أن كل واحد منهم حميل بجميع المال - قال عن أصحابه, أو لم يقل - أو قال: على أن كل واحد منهم حميل عن واحد, أو اثنين, أو ثلاثة منهم, أو أكثر أو عن جميعهم إلا أنه قال بجميع المال, قال في ذلك ولا براءة له إلا بأدائها, أو لم يقل.
فإن قال مع ذلك: أيكم شئت أخذت بحقي, فله أخذ أحدهم بالجميع, كان لو يذكر أيكم شئت أخذت بحقي, فغنه إن لقيهم مياسير أخذ كل واحد بمئة, ولم يكن له أن يأخذ بعضهم ببعض؛ لأن الحميل لا يؤخذ بالحق عند حضور الغريم وملئه, وإنما يؤخذ إذا كان الغريم عديماً أو غائباً, أو مُلداً ظالماً.
فأما إن لقي أحدهم فأخذه بستمئة, ثم إن لقي هذا الغارم للستمئة أحد أصحابه أخذه بمئة أداها عنه, وبنصف الأربعمئة التي أداها عن الباقين؛ لأنه حميل معه بهم فذلك ثلاثمئة, ثم إن لقي أحدهما أحد الأربعة

الجزء: 18 - الصفحة: 57

الباقين أخذه بخمسين عن نفسه وبخمسة وسبعين بالحمالة, وكذلك إذا لقي الرابع - المأخوذ من المال - الثالث من الباقين فإنه يأخذه بما أدى عنه من أصل الدين وبنصفه ما أدى عن أصحابه.
يريد: أن الغارم بخمسة وعشرين ومئة وهو ثالث الأولين ورابع الباقين لقي أحد الثلاثة الذين لم يغرموا شيئاً, فقال له: أديت خمسة وسبعين بالحمالة عن ثلاثة أنت أحدهم, [7/ب] فعليك منها في خاصتك

الجزء: 18 - الصفحة: 58

خمسة وعشرون, والخمسون الباقية أنت معي بها حميل فعليك نصفها, فليأخذ منه خمسين.
ثم قال: فإن لقى الرابع المأخوذ منه الآخر من الأولين الذي لم يرجع على الرابع.
يريد: أن الغارم للستمئة الراجع منها بثلاثمئة لم يلق أحداً بعد ذلك حتى لقي رابعاً من الباقين, وهو ثالث من الغارمين, لقيه قبل أن يرجع هو أيضاً على أحد بشيء مما أدى قال: فإن هذا الأول يقول له: بقى لي مما أديت بالحمالة مئتان, عن أربعة أنت أحدهم, فعليك خمسون في خاصيتك, فليأخذ منه, ثم يقول له :بقيت لي خمسون ومئة أديتها عن أصحابك وأنت معي بهم حميل, فيقول له

الجزء: 18 - الصفحة: 59

هذا الرابع: قد أديت أنا عنهم بالحمالة خمسة وسبعين أيضاً لغيرك ساويتك في مثلها, وبقيت لك خمسة وسبعون, لك على نصفها فيدفع إليه سبعة وثلاثين ونصفاً, وهكذا تراجعهم إذا لقي بعضهم بعضاً حتى يؤدي كل واحد منهم مئة؛ لأن كل واحد منهم كان عليه من أصل الدين مئة.
وأما إن تحمل بعضهم عن بعض على أن كل اثنين حميلان أو ضامنان بجميع المال - قالا في ذلك: عن أصحابهم أو عن اثنين أو عن واحد أو على أن كل واحد حميل بنصف جميع المال, فذلك كله سواء, وإن لقي رب المال اثنين منهم أخذ كل واحد منهم بثلاثمئة, وإن لم يلق إلا واحداً أخذه بثلاثمئة وخمسين: مئة منها عليه من أصل الدين, ومئتين وخمسين بالحمالة؛ لأنه بنصف ما بقي كفيل, ثم إن لقي هذا الغارم أحد الباقين أخذه بخمسين عن نفسه, وبنصف المئتين التي أداها بالحمالة, فإن لقي هذا الغارم الثاني أحداً ممن لم يغرم, قال له: أديت مئة بالحمالة عن أربعة أنت أحدهم فهلم خمسة وعشرين عن نفسك, ونصف ما بقي بالحمالة, فهكذا تراجعهم حتى يستووا في الغرم.

الجزء: 18 - الصفحة: 60

قال: وأما إن تحمل بعضهم عن بعض على أن تحمل بعضهم عن بعض على أن كل ثلاثة حملاء بجميع المال, أو على أن كل ثلاثة حملاء عن ثلاثة, أو عن اثنين, أو عن واحد بجميع المال, أو على أن كل واحد حميل بثلث المال, فذلك سواء, فإن لقي ثلاثة أخذهم بالجميع, وإن لقي واحداً أخذه بمئة عن نفسه, وثلث ما بقي وذلك مئة وستة وستون وثلثان.
وإذا لقي ثلاثة فأخذ منهم جميع المال, ثم لقي أحدهم أحد الذين لم يغرموا, فإنه يقول له: أديت مئة بالحمالة عن ثلاثة أنت أحدهم, فهلم ثلثها عن خاصتك, ونصف باقيها بالحمالة عن الباقين, ثم إن لقي الآخذ لذلك أحد الثلاثة الغارمين معه رجع عليه بنصف ما فضله حتى يكونا في الغرم سواء, فإن اقتسما ذلك, ثم لقي الباقي الذي غرم معهما أولاً دخل عليهما فيما بأيديهما من قبل الثالث المرجوع عليه, حتى يصير ما اخذ من الثالث بينهم أثلاثاً, ثم إن لقي أحدهم أحداً ممن لم يغرم شيئاً فأخذ منه ما يجب له فلان بد أن يشاركه فيه من

الجزء: 18 - الصفحة: 61

بقي من الاثنين الغارمين معه أولاً, حتى يكون ما أخذ كل واحد بينهم بالسوء لأنهم حملاء عن أصحابهم فهكذا تراجعهم وهذا جميع ما في المدونة من هذه المسألة, وبقيت وجوه لم يذكرها وهو: إذا قال: على أن كل واحد حميل بنصف جميع المال, أو على أن كل اثنين حميلان بجميع المال, فلقي أحدهم فأخذه بثلاثمئة وخمسين, ثم إن لقي بعد ذلك ثانياً, فهذا الوجه لم يذكره.
والجواب فيه أن يقول له: عليك في خاصيتك مئة قد أدى منها صاحبك عنك خمسين, فبقي لي عليك خمسون [8/أ] فادفعها إلي, وكان لي على الأربعة الباقين أربعمئة دفع إلي منها صاحبك مائتين؛ لأنه حميل بنصف ما عليهم, وأنت حميل بنصف ما عليهم وذلك مئتان, فيأخذها منه, فجميع ما يأخذ منه مئتان وخمسون, وهو الذي بقي له.
وإن شاء قال له: أخذت من صاحبك ثلاثمئة وخمسين - وذلك ما يلزمه إذا لقيه وحده - فادفع لي أنت ما بقي وهو مئتان وخمسون لأنكما جميعاً حميلان بجميع المال, ثم إن لقيه الأول يقول له: أديت عنك بالحمالة خمسين

الجزء: 18 - الصفحة: 62

فيأخذها منه, ويقول له أديت عن أصحابك مئتين بالحمالة فهلم نصفها, فيقول له هذا: قد أديت أنا أيضاً عنهم مئتين بالحمالة فقد استوينا.
فإن قال: على أن كل واحد حميل بثلث جميع المال, أو على أن كل ثلاثة حملاء بجميع المال, فلقي أحدهم, فأخذ منه مئتين وستة وستين وثلثين, ثم إن لقي صاحب الدين ثانياً منهم فإنه يقول له: عليك في خاصتك مئة, قد أدى صاحبك عنك منها ثلاثة وثلاثين وثلثاً, فبقي عليك منها ستة وستون وثلثان فيأخذها, وذلك مئة وثلاثة وثلاثون وثلث فيأخذ منه فيكون جميع ما يأخذ من الثاني مئتين.
وإن شاء قال له: قد أخذت من صاحبك مئتين وستة وستين وثلثين, وأنا لو لقيتكما جميعاً لأخذت منكما أربعمئة وستة وستين وثلثين, فادفع إلي ما

الجزء: 18 - الصفحة: 63

بقي لي من ذلك وذلك مئتان فيأخذها من.
ثم إن لقي الثالث بعد ذلك, فإنه يقول: له قد أدى عنك الأول والثاني مما عليك ستة وستين وثلثين, وبقي عليك ثلاثة وثلاثون وثلث, فيأخذها منه, ثم يقول له: بقي ثلاثة, وأنت حميل بثلث جميع ما عليهم وذلك مئة فيأخذها منه, وهو جميع ما بقي له من الستمئة.
وهكذا أبدً يأخذ من الآخر جميع ما بقي له؛ لأنه يقول له: لو لقيتكم كلكم لأخذت منكم جميع المال, وأصحابك قد أدوا ما يلزمهم فأد أنت ما بقي.
وجميع هذا حفظته عن بعض شيوخنا, واتفق عليه حذاق أصحابنا.
وإذا قال: على أن كل واحد حميل بجميع المال, فلقي أحدهم فأخذ منه الستمئة, ثم لقي الغارم أحد أصحابه, فأخذ منه ثلاثمئة, فإن لقيا ثالثاً قالا له: أدينا بالحمالة أربعمئة عن أربعة أنت أحدهم فهلم ربعها وثلث ما بقي بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل, فيأخذان منه مئتين يقتسمانها

الجزء: 18 - الصفحة: 64

فيصير كل واحد من الثلاثة قد غرم مئتين, ثم إن لقوا رابعاً قالوا له: أدينا بالحمالة ثلاثمئة عن ثلاثة أنت أحدهم فهلم ثلثها وربع ما بقي بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل, فيأخذون منه مئة وخمسين, فيقتسمها الثلاثة, فيصير كل واحد من الأربعة قد غرم مئة وخمسين, ثم إن لقوا خامساً قالوا له: أدينا بالحمالة مئتين عن اثنين أنت أحدهما فهلم نصفها وخمس ما بقي بالحمالة, فيأخذون منه مئة وعشرين, فيقتسمها الأربعة ثلاثين ثلاثين, فيصير كل واحد قد غرم مئة وعشرين, ثم إن لقوا السادس قالوا له: أدينا عنك بالحمالة مئة فيأخذونها منه فيقتسمها الخمسة فيصير كل واحد منهم قد غرم مئة وهو ما عليه.
ولو أن رب الدين لم يأخذ من الأول إلا مئتين, فإن لقي هذا الغارم أحد أصحابه قال له: أديت مئتين؛ مئة عن نفسي لا أرجع بها على أحد, ومئة بالحمالة عن خمسة أنت أحدهم, فهلم خمسها عن نفسك, ونصف باقيها بالحمالة؛ لأنك معي بهم حميل, فجميع ذلك ستون عن نفسه وعشرون, وأربعون بالحمالة؛ ويصير الأول قد أدى أربعين بالحمالة, فإن لقيا ثالثهما قالا له: أدينا بالحمالة ثمانين عن أربعة أنت أحدهم عليك ربعها وثلث باقيها بالحمالة؛ لأنك معنا بهم حميل, فيأخذان منه أربعين, فيقتسمانها نصفين, فيصير كل واحد منهم قد أدى بالحمالة عشرين عشرين, ثم إن لقوا رابعاً قالوا له: أدينا بالحمالة ستين عن ثلاثة أنت أحدهم فهلم

الجزء: 18 - الصفحة: 65

ثلثها وربع باقيها بالحمالة لشركتنا فيها, فيأخذون منه ثلاثين فيقتسمها الثلاثة عشرة عشرة ويستوون في الغرم, ثم إن لقوا الخامس قالوا له: أدينا بالحمالة أربعين عن اثنين أنت أحدهم فهلم نصفها وخمس باقيها بالحمالة, فيأخذون منه أربعة وعشرين فيقتسمها الأربعة؛ ستة ستة فيصير كل واحد منهم قد غرم بالحمالة أربعة أربعة.
فإن لقوا السادس غرموه عشرين فيقتسمونها أربعة أربعة ويصير كل واحد من الخمسة غرم الأول عشرين وهو ما أدى عنهم.
ولوا أن رب الدين لم يأخذ من الأول إلا مئة, لم يرجع هذا على أحد من أصحابه بشيء ولو أخذ منه مئة درهم ودرهماً لرجع عليهم بالدرهم خاصةً على نحو ما وصفنا.
وإنما يرجع هذا الغارم على أصحابه في شرط صاحب الحق حمالة بعضهم لبعض, قال [8/ب] مع ذلك: وأيكم شئت أخذت بحقي أو لم يقل, وإذا قال مع ذلك: وأيكم شئت أخذت بحقي فله أخذ أحدهم بجميع الحق وإن كان الباقون حضوراً أملياء, ثم ليس للغارم منهم أن يرجع على كل واحد من أصحابه إذا كانوا حضوراً أملياء إلا بسدس جميع الحق, وهو ما عليه من أصل الدين, وهو في ذلك بخلاف رب الدين؛ لأن رب الدين هو الذي اشترط: فأيكم شئت أخذت بحقي.

الجزء: 18 - الصفحة: 66

وسواء في هذا كانت الحمالة بعضهم عن بعض, وهم شركاء في السلعة, أو حمالة عن غيرهم.
وإذا كان إنما تحملوا عن غيرهم, وشرط رب الدين: أيكم شئت أخذت بحقي ولم يشترط حمالة بعضهم ببعض, فإنه 'ذا أخذ أحدهم بجميع الحق لم يكن لهذا الغارم أن يرجع على أحد من أصحابه بشيء؛ إذ لم يؤخذ بالحمالة عنهم, ولكن عن الغريم.
وقد تقدم هذا, ونحو هذا كله في كتاب ابن المواز فاعتمد عليه؛ لأنه أصل مذهبهم في هذه المسألة, وقد ذكرت حساب هذه المسألة في آخر هذا الكتاب فمن أحب أن يقف عليه نظر فيه, وبالله التوفيق.

الجزء: 18 - الصفحة: 67

[الباب الثامن] فيمن أخذ حميلاً بعد حميل, أو حميلاً من حميل

وكيف إن أحضر الغريم أحدهم.

قال ابن القاسم: ومن أخذ من غريمه كفيلاً بعد كفيل, فله في عدم الغريم أن يأخذ بجميع حقه أي الكفيلين شاء, بخلاف كفيلين في صفقة لا يشترط حمالة بعضهم ببعض, وليس أخذ الحميل الثاني إبراء للحميل الأول, ولكن كل واحد منهم حميل بالجميع.
قال: ومن أخذ من الكفيل كفيلاً لزمه ما لزم الكفيل.
قال غيره: وكذلك لو تحمل ثلاثة رجال بنفس رجل وكل واحد منهم حميل بصاحبه, جاز, ومن جاء به منهم بريء هو والباقيان؛ لأنه كوكيلهما في إحضاره, فإن لم يكن بعضهم حميلاً ببعض, فإن جاء به أحدهم بريء هو وحده ولم يبرأ صاحباه.
ومن العتبية: روي حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا تحمل ثلاثة بمال على أن يأخذ الطالب حيهم بميتهم ومليئهم بمعدمهم وأيهم شاء

الجزء: 18 - الصفحة: 68

أخذه بحقه, إن أخذ من أحدهم حميلاً بما عليه ولم يشترط ذلك على الحميل, فقام على هذا الحميل في عدم الذي عنه تحمل, فأراد أن يغرمه جميع المال, فقال الحميل: إنما أغرم ثلثه الذي على صاحبي في نفسه.
قال: يلزمه جميع الحق؛ لأنه قد لزمه ما لزم من تحمل عنه, يريد: وقد علم الحميل بما على الحملاء من الشروط.
وقال عنه عيسى: ولو تحمل هذا الحميل عنهم بجميع الحق فأداه, فله أن يأخذ بالحق كله أحدهم كما كان للطالب؛ وكما لو تحمل هذا بما على أحدهم كان للغريم أن يتبعه بالحق كله كما له أن يتبع أحد الغرماء.
وإذا أخذت من الحميل, وكان الأول حميلاً بالوجه, والثاني حميلاً بالمال, فمات الذي عليه الدين, فقد سقطت الحمالة عن الذي تحمل بالوجه وعن الذي تحمل بالمال؛ سقطت عن الذي تحمل بالوجه بموت الذي تحمل بوجهه, فإذا سقط الإتباع عن حميل الوجه سقطت الحمالة عن حميله.
ولو لم يمت الغريم, وغاب حميل الوجه, فجاء الحميل عنه بالغريم معدماً, أو موسراً بريء؛ لأن من تحمل عنه يبرأ بذلك, فإذا بريء الذي تحمل عنه بريء حميله.
ولو مات حميل الوجه لم تسقط الحمالة عند ابن القاسم بموته, وسقطت عند عبد الملك؛ وكأنه رأي إنما يكلف [9/أ] المجيء به إذا كان حياً, فإذا مات فقد فات الإتيان به.
وعلى قول ابن القاسم يقال لورثته: ائتوا بالذي عليه الدين فتبرأوا من

الجزء: 18 - الصفحة: 69

الحمالة؛ ولعله يريد: إذا حل أجل الدين, وأما إتيانهم به قبل الأجل فلا فائدة فيه, وكذلك حميله يقال له ما قيل لورثة الحميل, وإن مات حميل الحميل الذي تحمل بالمال فالحمالة عليه ثابتة, ولم يذكر هاهنا أنه يؤخذ من تركته المال فيُقضى منه الذي له الدين دينه, أو يوقف قدر ذلك؛ لأن الحميل بالمال وهو الميت إنما تحمل بالحميل بالوجه فلم يجب عليه غرم, ولا طلب بوجه إن لم يحل الأجل.
والذي أرى في هذا أنه يلزمه الغرم على مذهب ابن القاسم في الحميل بالمال يموت قبل محل الأجل فقد قال ابن القاسم: يلزمه الغرم, ولم يتوجه أيضاً على الغريم غرم ولا حل الأجل وكذلك حميل الحميل.
وعلى قول عبد الملك في موت الحميل بالمال يؤخذ المال فيوقف لأنه يرجع, ولم يتوجه الآن عليه شيء, فكذلك يكون الحكم عنده, وفي حميل الوجه المذكور.

الجزء: 18 - الصفحة: 70

[الباب التاسع] في تأخير الطالب للحميل أو الغريم

. قال ابن القاسم: وإذا أخر الطالب الحميل بعد محل الحق, فذلك تأخير للغريم إلا أن يحلف بالله ما كان ذلك مني تأخيراً للغريم, فيكون له طلبه؛ لأنه لو وضع الحمالة كان له طلب الغريم إن قال: وضعت الحمالة دون الحق, فإن نكل لزمه تأخيره, ولو أخر الغريم كان ذلك تأخيراً للكفيل, ثم للكفيل ألا يرضى بذلك خوفاً من إعدام الغريم, فإن لم يرض, خير الطالب, فإما برأ الحميل من حمالته ويصح التأخير, وإلا لم يكن له ذلك إلا برضى الحميل.
قال ابن المواز: قيا لأشهب: فإن أبى الحميل؟ قال: ذلك له, ويقال لصاحب الحق: إن أسقطت الحمالة صح تأخير الغريم, وإلا حلفت أنك لم تُرِد إسقاطها, وتطلب دينك من الغريم حالاً.
قال ابن القاسم: فإن سكت الحميل وقد علم بذلك لزمته الحمالة, وإن لم يعلم

الجزء: 18 - الصفحة: 71

حتى حل أجل التأخير, حلف الطالب ما أخره ليبرئ الحميل, وتثبت الحمالة.
قال ابن المواز عن أشهب: فإن نكل سقطت الحمالة.
قال أبو محمد: وقاله يحيى بن عمر.
وقال غير ابن القاسم في المدونة: وإذا كان الغريم مليئاً فأخره تأخيراً بيناً سقطت الحمالة, وإن أخره ولا شيء عنده, فلا حجة للكفيل وله طلب الكفيل أو تركه.
وقول الغير: إذا كان الغريم مليئاً فأخره تأخيراً بيناً سقطت الحمالة, وهو خلاف لابن القاسم: وقوله وإن أخره ولا شيء عنده فلا حجة للكفيل, وله طلبه, لا يخالفه فيه ابن القاسم, والله أعلم.
[مسألة: فيمن كان حميلاً عن رجل فمات فحلل الطالب الميت من الدين] ابن المواز: قال أشهب عن مالك - فيمن باع سلعة وأخذ حميلاً

الجزء: 18 - الصفحة: 72

وكتب عليهما أيهما شاء أخذ بحقه, فمات الغريم, فبيعت جميع تركته, فاستوفى ثلثي حقه, ثم سأله الورثة أن يحلل الميت مما بقي, ففعل, فقال له الحميل: لا شيء لك علي؛ لأنك قد حللت الذي تحملت لك به - قال مالك: يحلف بالله ما وضع إلا للميت, ثم هو على حقه.
قال ابن المواز: فيها شيء, وقال في موضع آخر: فيها نظر.
وقال مالك فيمن كان له على رجل واحد حقان: حق بحمالة, وحق بغير حمالة, فمات, فبيعت تركته, فلم تف بما عليه [9/ب] , فسأله ورثته أن يحلل الميت من بقية حقه, ففعل, ثم طلب الحميل قال: أرى أن يكون الذي وصل إليه من مال الميت بين الحقين بالحصص ويحلف الله ما وضعت إلا للميت, ثم يكون على الحميل حصته من ذلك الدين.
إنما يتوجه على الحميل العزم متى كان الحق ثابتاً على الغريم, فإذا سقط عنه أو بعضه, سقط ذلك عن الحميل؛ كما لو أدى الغريم الحق كله أو بعضه لسقط ذلك عن الحميل, فكذلك 'ذا أسقطه عنه رب الدين.
وما معنى هذا الإسقاط إذا كان يُطلب به الحميل؟ وهو إذا أغرم ذلك

الجزء: 18 - الصفحة: 73

الحميل رجع الحميل بذلك على الغريم, أو على ورثته إن كان ميتاً فما فائدة إسقاط ذلك عن الغريم وتحليله منه إذا كان يُطلب به الحميل متى أعدم؟ [فرع: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم الغريم, فذكر أنه دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك] وفي كتاب محمد: إذا غاب الغريم, فغرم الحميل لصاحب الحق, ثم قدم الغريم, فذكر أنه دفع لصاحب الحق, وأقام البينة على ذلك, قال: يُنظر, فإن كان الحميل دفع الحق قبل الغريم, وبعد أن حل الأجل, فله الرجعة على الغريم؛ لأن دفعه كان بحق ويرجع الغريم بما كان دفع على صاحب الحق, وإن كان الغريم هو الدافع قبل الحميل, فلا تباعة للحميل عليه, ويرجع الحميل على صاحب الحق بما كان دفع إليه, وإن جهل أمرهما لم يتبع الحميل إلا لمن دفع إليه, إلا أن تكون له بينة أنه الدافع الأول, أو بقضاء من السلطان بعد أن يحلف الغريم أنه كان الدافع قبل, فإن نكل حلف الحميل وأغرم الغريم فإن نكلا جميعاً لم يكن للحميل على الغريم شيء.

الجزء: 18 - الصفحة: 74

[الباب العاشر] في الحميل يدفع غير ما تحمل به, وفي اشترائه

للدين أو تبرئة الطالب من بعضه.

[(1) فصل دفع الحميل غير ما تحمل به] قال ابن القاسم: ومن تكفل بمئة دينار هاشمية, فأداها دمشقية - وهي دونها - برضى الطالب رجع بمثل ما أدى, ولو دفع فيها عرضاً أو طعاماً, فالغريم مخير في دفع مثل الطعام أو قيمة العرض, أو ما لزمه من أصل الدين.
وقال في كتاب السلم: إن صالحك الكفيل بطعام, أو بما يقضي بمثله لو يجز؛ لأن الغريم عليه بالخيار, إن شاء أعطاه مثله, أو الدين.
ويجوز بما يرجع إلى القيمة فيرجع من ذلك أو الدين قال بعض الفقهاء: لم يذكر اختلافاً إذا دفع من الصنف الذي على المديان أدنى منه أو أجود أن ذلك جائز؛ إذ لا شك أحد أن أحداً لا يختار إلا دفع الأخف عليه.
فكأن الدافع على أن ذلك الذي يرجع إليه, فكان ذلك بخلاف أن يدفع عرضاً أو طعاماً أو دراهم عن دنانير لاختلاف الأغراض فيه,

الجزء: 18 - الصفحة: 75

فيصير الحميل أخرج شيئاً لا يدري ما يرجع إليه, فصار ذلك غرراً, فلم يجزه تارة لهذا, وأجازه أخرى؛ لأن الدافع كأنه دخل على أن يرجع إليه الأقل مما دفع, أو ما على المدفوع عنه, إذ هو الغالب من أمر الناس, والله أعلم.
قال في المدونة: ولو دفع ذهباً عن ورق لم يجز ذلك, ورجع الكفيل بما أدى, وكان للطالب أصل دينه, والحميل به حميل, وهو بخلاف المأمور يدفع خلاف ما أمر به من العين, وذلك مذكور في كتاب المديان وقد قال ابن القاسم وغيره: إن المأمور والكفيل إذا دفع ذهباً عن ورق أو طعاماً أو عرضاً أن الغريم أو الآمر مخير إن شاء دفع ما عليه أو ما دفع هذا عنه؛ لأنه [10/أ] تعدى فيما دفع وهذا أصل التنازع فيه كثير.

الجزء: 18 - الصفحة: 76

ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بدنانير, فدفع فيها إلى الطالب دراهم؛ لغيبة الغريم أو عدمه, فأما قبل الأجل فلا يحل, وأما بعد الأجل فجائز, ثم يخرج الغريم ما عليه من الدنانير فيشتري بها دراهم, فإن نقصت لم يكن للحميل غيرها, وإن كانت أكثر لم يكن له الفضل, وهذا كله بعد الأجل.
وكان ابن القاسم يقول: الغريم مخير إن شاء دفع دراهم, وإن شاء دنانير, ثم رجع, فقال: هذا حرام بين الحميل والغريم.
وقاله أشهب, وهو أحب إلينا.
[(2)] فصل: [في شراء الحميل الدين أو تبرئة الطالب من بعضه] قال ابن القاسم: ومن تكفل عن رجل بألف درهم ثم أخذ الكفيل من الغريم سلعة على أن يدفع عنه الألف ثم أغرمها الطالب للغريم, فللغريم الرجوع بالألف على الكفيل؛ لأنه باعه السلعة بها.
ومن تكفل لك بمئة حالة, فأبرأته من خمسين على أن يدفع إليك خمسين, فلا يرجع هو إلا بما أدى, ولك أنت إتباع الغريم بالخمسين الأخرى؛ لأن تلك البراءة براءة من الحمالة فقط, وإن تكفل رجلان بألف فأخذ أحدهما من الآخر مئة على أن يدفع عنه وعن نفسه جميع الألف, فإن حل الأجل والطالب حاضر يقبض

الجزء: 18 - الصفحة: 77

مكانه جاز, وإن اغتزا نفعاً بسلف لتأجيل الدين أو لغيبة الطالب أو لغير ذلك لم يجز.
قال غيره: فإن أخذ المئة على أمر جائز, ثم صالح الطالب على خمسين, جاز ورد إلى صاحبه خمسة وسبعين, ثم رجعا على الغريم بخمسين بينهما نصفين, وإن صالحه على خمسين ومئة جاز, ورد على صاحبه خمسة وعشرين, ورجعا على الغريم بخمسين ومئة بينهما نصفين, وإن صالحه على خمسمئة جاز, ورجعا على الغريم بما أديا عنه

الجزء: 18 - الصفحة: 78

مخرج المئة بمئة والآخر بأربعمئة, فإن لقياه عديماً لم يكن للذي أدى الأربعمئة أن يرجع على صاحبه بشيء ويتبعا جميعاً الغريم بما أديا عنه.

الجزء: 18 - الصفحة: 79

[الباب الحادي عشر] في صلح الكفيل أو الغريم, وغُرم الكفيل ورجوعه.

قال في باب بعد هذا: ومن تكفل بطعام من سلم, أو قرض فلا يجوز لك أن تصالح الكفيل, أو الغريم قبل الأجل على بعض الطعام وتترك باقيه؛ لأنه ضع وتعجل, وأما إن حل الأجل جاز ذلك منهما جميعاً, ويرجع الكفيل بما أدى, ولا يجوز لك قبل الأجل - إذا كان الطعام من سلم - أن تصالح الكفيل أو الغريم على حنطة مثل كيل من حنطتك إلا أنها أجود منها أو أدى, - ويدخله في الأجود حط عني الضمان وأزيدك, وفي الأردى ضع وتعجل - ولا يجوز أن تصالح الكفيل بعد محل الأجل على مثل الكيل أو الجنس أجود صفة أو أردى, ولا على أقل كيلاً وأجود صفة, ويجوز أن تأخذ من الغريم بعد محل الأجل مثل الكيل أجود

الجزء: 18 - الصفحة: 80

صفة, أو أردى؛ لأن ذلك بدل وتبرأ ذمته, وفي الكفيل يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن المطلوب مخير, عليه إن شاء أعطاه مثلما أدى أو ما كان عليه, وأما في القرض فجائز أن يأخذ من الكفيل بعد حلول الأجل مثل المكيلة أجود صفة أو أردى.
منع أن يصالح الكفيل بعد حلول الأجل على محمولة أدنى من المحمولة التي له أو أجود منها.
قال بعض الفقهاء: والقياس أن ذلك جائز كدنانير يعطيها هاشمية عن دمشقية, أو دمشقية عن هاشمية؛ إذ لا شك أنه لا يرجع إلا بالأقل؛ ولا اختلاف أغراض فيها, وهو إنما يعطي ذلك عن [10/أ] الذي عليه الدين, فإن كان يدخل ذلك طعام جيد برديء ليس يداً بيد,

الجزء: 18 - الصفحة: 81

قيل: هذه العلة موجودة في الدمشقية من الهاشمية وهو قد أجاز ذلك في الدنانير, وأما بيع الطعام قبل أن يستوفى فإنما يدخل فيما كان صنفاً آخر, وهذا إنما هو القضاء.
وإذا كان الغالب من أمر المطلوب إنما يدفع الأدنى فلم لم يكن كأن الحميل أسلف المطلوب طعاماً على أن يأخذ مثله أو أدنى منه فيجوز؟ وفي كتاب محمد: ومن تحمل بعبد, أو حيوان, أو عرض - قال العتبية: أو طعام - فأداه الحميل من عنده رجع في ذلك كله بمثله؛ لأنه سلف قاله ابن القاسم وأشهب وغيرهم من أصحاب مالك.

الجزء: 18 - الصفحة: 82

قال ابن القاسم: وإن كلفه الحميل شراءه بثمن فله الرجوع بمثل الثمن وقال ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تحمل بعبد أو عرض أو حيوان أو غيره مما لا يكال ولا يوزن, فأداه من عنده رجع بقيمته.
والصواب بمثله كما قال في كتاب محمد؛ لأنه سلف من الكفيل للغريم.
قال ابن حبيب: وإن اشتراه ليقضيه رجع بالثمن كان أقل من قيمة ما تحمل به أو أكثر, وأما ما يكال أو يوزن فيرجع فيما أدى من عنده بالمثل وفيما اشتراه بالثمن.
فحكي عن بعض القرويين أنه قال: إنما وجب للكفيل أن يرجع بالثمن فيما كُلف شراءه؛ لأن الغريم قد علم أن الكفيل إذا طولب بما تحمل به فلم يكن عنده, أنه يُكلف شراءه؛ فكأنه دخل معه على أن يغرم له ما غرم من ذلك قال: ولو تحمل عنه بغير إذنه لوجب أن يطالبه بالأقل من الثمن الذي اشترى به أو من نفس ما عليه.

الجزء: 18 - الصفحة: 83

لأن من حجته أن يقول: أنا ممن يجب على التأخير في عسرتي فلا أدفع إلا ما علي, وقد يشتريه اليوم بأضعاف ثمنه ويكون يوم اشترى يساوي عشر الثمن الذي اشتراه به؛ فلذلك كان له أن يعطيه ما عليه وإن أعطاه الثمن الذي اشتراه به لم يظلمه؛ فلهذا كان له أن يعطيه الأقل مما اشتراه به أو ما عليه, وأما إذا أدى من عنده فهذا بين أنه يرجع بمثله؛ يريد: في العروض وغيرها بخلاف ما ذكر ابن حبيب.
[(1)] فصل [في غرم الحميل وفيما يرجع به على الغريم] ومن كتاب ابن المواز: ومن تحمل بثمن طعام فأداه فله أن يأخذ من الغريم فيه طعاماً إذا رضيا كان من صنفه أو من غير صنفه أو أكثر من كيله.
قال ابن القاسم: وكذلك لو تطوع رجل بقضاء الثمن عنه جاز أن يأخذ منه ما يأخذ الكفيل, وهما بخلاف البائع وبخلاف من أحاله البائع بالثمن؛ لأن المحال بمنزلة المحيل.
وكذلك عنه في العتبية.
ابن المواز: ومن تكفل بطعام من بيع, فدفع إليه الغريم دنانير ليشتري بها طعاما ويقضيه عنه, فقضى عنه طعاماً من عنده, وأخذ الثمن, فإن

الجزء: 18 - الصفحة: 84

لم يعلمه فبلغه فرضي فذلك جائز؛ لأنه سلف رضي له فيه بثمن؛ ولو كان ذلك بأمر الغريم لم يجز؛ لأنه بيع يجب أن يقبضه الغريم من الحميل قبل أن يقضيه عنه, فيدخله بيع الطعام قبل قبضه.
قال أبو زيد ابن القاسم في العتبية: ولا يحل للذي له القمح أن يقبضه من الضامن حتى يكتاله الذي عليه الحق ويقبضه هو منه, وأحب إلي أن يوكل المطلوب بالقمح من يقبضه من الضامن, ثم يقضيه عنه, وإن وكل الضامن بذلك فأرجو أن يكون خفيفاً وضعفه, قال في رواية عيسى: ولعله يجوز, وما يجوز إلا زحفاً.

الجزء: 18 - الصفحة: 85

[الباب الثاني عشر] في الكفالة بالدرك, وكيف إن

شرط خلاص السلعة, والحمالة بمعين أو كتابة.

[(1) فصل في الكفالة بالدرك وكيف إن اشرط خلاص السلعة في الدرك] [11/أ] قال ابن القاسم: ومن اشترى من رجل جارية أو داراً أو غيرها فتكفل له رجل بما أدركه في ذلك من درك, جاز ذلك, ولزمه الثمن حين الدرك في غيبة البائع أو عدمه.
ولو شرط المشتري خلاص السلعة لم تجز الكفالة, ولم تلزمه؛ وقال غيره: تلزمه وهو أدخل المشتري في غرم ماله, فعليه الأقل من قيمة السلعة يوم تستحق أو الثمن الذي أدى, إلا أن يكون الغريم مليئاً حاضراً, فيبرأ.

الجزء: 18 - الصفحة: 86

فوجه قول ابن القاسم: أن المعاملة إذا وقعت فاسدة بين المتبايعين فما سميا من الثمن الذي تحمل به الحميل غير لازم, فيسقط عنه؛ لسقوطه في أصل الشراء.
ووجه قول غيره: أن الحميل لما أخرج من يد المشتري ماله وجب عليه غرمه لحجته؛ إذ لو لم يتحمل له به ما ابتاع منه, فإن كانت قيمة السلعة أقل لم يلزمه إلا ذلك؛ إذ لو لم يستحق لم يكن على الحميل شيء, فإذا غرم له قيمتها في الاستحقاق لم تكن له حجة؛ كما لو استهلكا له.
وروي مثل ذلك عن ابن القاسم أيضاً.
قال ابن القاسم: ولو شرط المبتاع على البائع خلاص السلعة في الدرك, وأخذ منه بذلك كفيلاً بطل البيع والكفالة؛ كمن باع ما ليس له شرط وخلاصه؛ ولولا أن الناس كتبوا ذلك في وثائق الأشرية لا يريدون به الخلاص ولكن تشديداً في التوثيق لنقضت به البيع , ولو عقدوا البيع على اشتراطه فسد البيع.

الجزء: 18 - الصفحة: 87

[(2) فصل: [في الحمالة بمعين] وما ابتعت من شيء بعينه لم يجز أن تأخذ به كفيلاً كان حاضراً أو غائباً, على صفة قريب الغيبة أو بعيدها؛ كما لا يجوز للبائع ضمان مثله إن هلك.
[3] فصل: في الحمالة بكتابة المكاتب] ولا تجوز الكفالة بكتابة المكاتب, قال ابن القاسم: وأما إن عجل عتق عبده على مال جازت الكفالة بذلك - عند مالك, يريد: لأنه في الذمة - وكذلك من قال لرجل: عجل عتق مكاتبك وأنا بباقي كتابته كفيل, جاز, وله الرجوع وبذلك على المكاتب.

الجزء: 18 - الصفحة: 88

[الباب الثالث عشر] في الحمالة بنفع أو جُعل, وما يفسد من شروطها أو يصلح.

قال مالك في كتاب محمد: لا خير في الحمالة بجعل قال ابن القاسم: فإن ترك - وكان يعلم صاحب الحق - سقطت الحمالة, ورد الجعل, وإن لم يكن يعلمه فالحمالة لازمة للحميل, ورد الجعل على كل حال, وقاله أصبغ, وكل حمالة وقعت على حرام فيما بين البائع والمشتري في أول أمرهما أو بعده فالحمالة ساقطة عن الحميل, علم صاحب الحق أو الذي عليه الحق, أو الحميل بمكروه ذلك أو جهلوه, وذلك مفسوخ على كل حال.

الجزء: 18 - الصفحة: 89

وقال أصبغ: وكل حملة وقعت في حرام بين الحميل وبين الذي عليه الحق ولم يعلم بذلك صاحب الحق فالحمالة لازمة للحميل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن له دين على رجل إلى أجل فأخذ منه الأجل حميلاً أو رهناً على أن يوفيه حقه إلى الأجل أو إلى دونه, فذلك جائز؛ لأنه زيادة توثيق.
فإنما يجوز إلى دون الأجل إذا كان الحق مما له تعجيله, وأما إذا كان عرضاً أو حيواناً من بيع فلا يجوز؛ لأنه: حط عني الضمان وأزيدك توثيقاً قال: وكذلك إن حل الأجل فأخره على أن يأخذ منه حميلاً أو رهناً جاز؛ لأنه ملك قبض دينه [11/ب] مكانه, فتأخيره به كابتداء سلف على حميل أو رهن.
قال: وإن لم يحل الأجل فأخره به إلى أبعد من الأجل بحميل أو رهن لم يجز؛ لأنه سلف بنفع.

الجزء: 18 - الصفحة: 90

قال غيره: ولا يلزم الحميل شيء, ولا يكون الرهن به رهناً, وإن قبض في فلس الغريم أو موته.
أراه إنما قال ذلك لأن الرهن لم يكن في أصل الدين, ولو كان في أصل الدين لكان المرتهن أحق به من الغرماء حتى يستوفي حقه وإن كان فاسداً.
وقد قال مالك في كتاب الرهن - فيمن أقرض أو باع سلعة بثمن إلى أجل وأخذ بذلك رهناً على أنه إن لم يفتكه منه إلى الأجل فالرهن له بدينه-: إن ذلك لا يجوز, وينقض الرهن, ولا ينتظر به الأجل, وله أن يحبس الرهن حتى يأخذ حقه وهو أحق به من الغرماء.
وقال في كتاب محمد في مسألة الكتاب: إن مات الغريم أو فلس قبل الأجل الأول , لم يلزم رهن ولا حمالة, وإن مات أو فلس بعد الأجل, ثبت الرهن, وبطلت الحمالة.
وهذا على قول أشهب الذي يجيز الرهن, بجعل, وكأنه رآه قبل الأجل لم يصح له جعل؛ إذ لم يؤخره بعدما بطل الرهن, وبعد الأجل صح له الجعل بالتأخير فثبت الرهن, والله أعلم.
ويحتمل إنما بطل الرهن قبل الأجل؛ لأنه رهن فاسداً ولم يدخله به في تأخير فهو قبل الأجل كلا رهن فوجب فسخه, وبعد الأجل أدخله

الجزء: 18 - الصفحة: 91

به في التأخير فصار كالرهن في أصل العقد, وهذا أشبه.
وقال غيرنا وعلى قول غيره, وما روى ابن القاسم في غير المدونة: فالحمالة ثابتة بعد الجل؛ لأنه كالمخرج من يده شيئاً, لإمكان أن يكون قادراً حين الأجل على أن يأخذ منه فصار الحميل أوجب تأخيره, فأشبه الإخراج من يده, وأما الرهن فرهن إذا دخل في الأجل الثاني.
قال ابن المواز [قال ابن القاسم]: لو قال له قبل الأجل: أسلفني مئة أخرى, وخذ رهناً بالمئتين إلى شهر بعد الأجل, لم يجز, ويرد المئة السلف, ويأخذ رهنه, ويرد الدين إلى أجله, وكذلك لو لم يزده في الأجل شيئاً؛ وهو سلف جر منفعة.
قيل: فإن لم يعثر على ذلك حتى مات الراهن, أو فلس, وقام الغرماء؟ قال: ما سمعت فيها إلا ما خاض فيه أصحابنا: أن يكون نصف الرهن رهناً بالمئة الآخرة, ويرد نصفه إلى الغرماء.

الجزء: 18 - الصفحة: 92

وقال ابن المواز: بل الرهن كله رهن بالمئة الآخرة؛ لأنه يسببها.
وهو مذهب المدونة.
قال ابن المواز: ولو كانت المئة الآخرة بحمالة لسقطت عن المئتين؛ لأنه لا تثبت حمالة في معاملة فاسدة, ولا يثبت فيه تأخير, ولا سلف.
قال: ومن حل دينه فقال له رجل: ضع لغريمك منه كذا وكذا, وأنا حميل لك بباقيه إلى أجل كذا, فذلك جائز؛ لأنه لو شاء تعجله فكأنه أسلفه وحطه, وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم ورووه عن مالك: واختلفت رواية أشهب فيه عنه: فكرهه, وأجازه, وإجازته أبين؛ لأنه 'ذا جاز أن يؤخر بحميل جاز أن يحطه, ويؤخره.
قال ابن وهب: وأجاز ابن أبي سلمة إذا حل الأجل أن يعطيك

الجزء: 18 - الصفحة: 93

غريمك بدينك رهناً وتؤخره؛ لأنه ليس لك في تأخيره منفعة- لأنك لو شئت قمت عليه فيبيع لك هذا الرهن - إلا أن يكون غريمك قد تبين فلسفه فلا يجوز؛ لأنك إذا قمت عليه قد يقع لك في الحصاص بعض حقك؛ فأخرته على أن تستبد بالرهن أو يضمن لك الحميل أكثر مما يقع لك في الحصاص, فهو سلف جر منفعة.
قال ابن القاسم: ولو قال للطالب: هب فلاناً ديناراً - غير الغريم

  • وأنا حميل لك بدينك, لم يجز؛ وهي كحمالة بجعل.
    قال مالك: وإذا حل أجل الدين فقال له: أسلفني مالاً آخر وأخرني على أن أرهنك بهما رهناً أو أعطيك حميلاً, فذلك جائز.
    [12/أ] وقد قيل: ذلك جائز إلا أن يكون تبين عدم الغريم.
    قال ابن المواز: وهو عندي جائز وإن تبين عدمه إن كان الرهن لنفسه.
    يريد: لأنه لو شاء باعه عليه فقبض منه دينه, فلا منفعة له في تأخيره.

الجزء: 18 - الصفحة: 94

قال ابن المواز: ما لم يكن عليه دين محيط, فلا يجوز تأخيره بالدين الأول بذلك الرهن أسلفه الآن شيئاً أو لم يسلفه؛ لأنه يزداد بما أخر منفعة.
يريد: لأنه لو قام عليه الآن لحوصص فيما أراد أن يرهنه وأخذه ليختص بالرهن.
قال ابن المواز: وأما تأخيره بحميل فجائز ما لم يسلفه سلفاً ثانياً.
وإنما يجوز إذا لم يكن عليه دين محيط لغيرك أو كان عديماً لا شيء له أصلاً, وأما إن كان عليه دين محيط لو قمت عليه الآن لنابك في الحصاص أقل من دينك, يجوز تأخيره بحميل؛ لأنه سلف جر نفعاً.
قال ابن المواز: ولو كان عديماً لا دين عليه لغيرك أو عليه دين لغيرك ولا شيء له أصلاً, لأجزت لك تأخيره بحميل ما لم يكن معه سلف آخر لأنك لو أردت القيام عليه بأخذ دينك لم تقدر لفلسه فقد وجب

الجزء: 18 - الصفحة: 95

عليك تأخيره على ما أحببت أو كرهت حين لا تجد شيئاً تأخذه منه, فكأنك تطوعت بالحميل بلا منفعة استجلبتها.
وقوله: أو عليه دين لغيرك.
ليس في أصل كتاب محمد, وهو في النوادر وهو جيد.
قال أشهب: ومن لك عليه عشرة دنانير سلفاً, فبعت منه بيعاً على أن يعطيك بالعشرة الدنانير السلف رهناً, فذلك جائز, واو كانت العشرة الأولى من بيع فأسلفته عشرة أخرى على أن يرهنك بالعشرة الأولى رهنا لم يجز؛ لأنه سلف بنفع, فلا خير في أن يسلفه ويشترط منفعة, ولا بأس أن يبيع ويشترط منفعة.
قال ابن المواز: ولم يُجزه ابن القاسم في الوجهين؛ لأنه إذا باعه واشترط رهنا بسلف له عليه كان رهنا بجعل, وذلك لا يحل.
لأنه باع منه السلعة بعشرة وهي تسوى اثني عشر على

الجزء: 18 - الصفحة: 96

أن يعطيه رهناّ أو حميلاً بالسلف, فصار كالحطيطة من الدين على أن يعطيه فيه حميلاً أو رهناً, فلا يجوز عند أبن القاسم ويجوز عند أشهب قال محمد: ولم ير أشهب بالرهن بجعل بأساً؛ لأن الجُعل فيه إنما يصل إلى غريمه نفسه, فهو كالوضيعة له من حقه بعد أن حل على أن يرهنه, والجعل في الحمالة للحميل فهو لغير غريمه, فلا يحل يريد ولو كان الجعل لغريمه لجاز.
قال: وكذلك لو كان الرهن لغير غريمه بجعل من الغريم لم يجز, وينتقض الرهن إن علم رب الحق, وإن لم يعلم ثبت الرهن, وسقط الجعل.
ولو كان له عليه عشرة إلى شهر, فقال: أعطيني حميلاً وأنا أضع عنك درهمين وآخذ ثمانية عند الشهر.
فلم يجز ذلك ابن القاسم.
لأن ذلك كالحمالة بالجعل؛ لأن الحميل إن لم يأخذ الدرهمين فكأنه قال للذي له الدين: هبها للذي عليه الدين, فكأنه لم يرض أن يتحمل له إلا

الجزء: 18 - الصفحة: 97

بجعل يأخذه الذي عليه الدين, كما لو قال له: لا أتحمل لك إلا أن تهب لفلان ديناراً.
قال أشهب: إذا حط عنه على أن يعطيه حميلاً أو رهناً إلى أجل إن ذلك جائز قال أصبغ: ولو قال له: خذ مني دينارين وأعطني حميلاً إلى أجل لجاز ذلك كما لو حطها عنه من دينه.
قال بعض الفقهاء: الأشبه ما قال [12/ب] ابن القاسم؛ لأنهم لم يختلفوا أن لو كان الذي عليه الدين سأل أن يتحمل عنه بجعل أن ذلك لا يجوز, فإن كان الذي له الدين هو الذي يعطى الجعل لمن يتحمل له, فكذلك ينبغي ألا يجوز إذا حط عن الذي عليه الدين على أن يعطيه حميلاً, فالحميل وإن لم يأخذ جعلاً فقد أخذ الجعل من سأله أن يتحمل عنه؛ وهو الذي عليه الدين, فصار الحميل كالواهب للذي عليه الدين بما أعطي من جُعل, ومع أن ذلك غرر أيضاً؛ لأن رب المال يحط من ماله لأمر يمكن أن يحتاج إليه لعُسر الغريم, ويمكن ألا يحتاج إليه ليسره.
وأما 'ذا حل الأجل فأعطاه حميلاً على أن يضع عنه, فهذا جائز؛ إذ لا غرض له في هذا - يريد: إذا كان الغريم موسراً- وأما إن كان معدماً

الجزء: 18 - الصفحة: 98

فينبغي ألا يجوز على مذهب ابن القاسم؛ لأن الغريم إذا لم يقدر على الأخذ منه صار كدين لم يحل, فيجري فيه الاختلاف على ما ذكرنا.
وقد ذكر في كتاب محمد عن أشهب: أن روايته اختلفت في الحال, فأراه يريد: إذا كان الذي عليه الدين معسراً, فيصير على هذا وافق ابن القاسم في إحدى روايتيه.
وأما إذا أعطاه حميلاً بعد حلول الأجل, ولم يضع عنه شيئاً على أن يؤخره وكان موسراً فهذا جائز, وإن كان معسراً اعتبرت: فإن أخره أمداً يمكن أن يوسر قبله لم يجز ذلك, ويصير بمنزلة من أعطاه حميلاً قبل الأجل على أن يؤخره إلى بعده, وذلك وإن كان يسره إلى شهر فكأن الدين لم يحل إلا إلى الشهر, فإن أعطاه حميلاً على أن يؤخره شهرين, صار قد دفع ما لا يلزمه من

الجزء: 18 - الصفحة: 99

الحميل لمكان تأخيره إياه بعد يسره شهراً آخر.
وإن كان إنما أعطاه حميلاً إلى شهر وهو الذي يوسر إليه, فهذا جائز كمن أعطي حميلاً قبل الأجل.
وحكم العسر كحكم ما لم من الأجل, إلا أن يكون معه سلف, فلا يحل؛ لأنه إن كان يسره إلى شهر, فالحكم يوجب تأخيره إليه بلا حميل؛ فكأنه قال له: أنا أعطيك حميلا لا يلزمني, أن تسلفني كذا فصار سلفاً جر نفعاً وهو زيادة التوثيق.
وقد زدت في هذا الكلام من لفظي ما يتم به الكلام عندي.
قيل لمحمد: لم لا تجيز كراء الشيء لرهنه, وأنت تجيز كراء الحلي والمتاع للبس؟ قال: ليس من اكترى متاعاً ليرهنه كمن اكترى حلياً أو متاعاً ليلبسه؛ لأن الرهن كلما مطل المديان بالدين ازداد صاحب الرهن في الرهن كراء؛ فكأن رب الحق أخره بزيادة يعطيها لغيره.
قلت: فلو أكراه إلى أجل؟ قال: الأجل في الكراء للبس جائز, ولا يجوز إلا به, ولا يجوز الرهن إلى أجل ولا يكون رهناً؛ لأنه إذا انقضى

الجزء: 18 - الصفحة: 100

ذلك الأجلُ بَقِيَ الحقُّ بلا رَهْنٍ, فَيبْطُلُ مِنْ أَوَّلِهِ, وإنْ فلَّسَ أو مات الغَرِيمُ قبلَ الأجلِ دَخَلَ فيه الغرماءُ.
وقال البرقي عن أشهبَ -فيمن ارتهنَ رهناً في بيعٍ فاسدٍ, وفاتت السلعةُ-: إنَّ الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ من القيمةِ أو الثمنِ, وقال في دافعِ دنانيرَ في دراهمَ إلى أجلٍ وأخذَ بذلك رهناً أن الرهنَ رهنٌ بالأقلِّ, وإنْ كان حميلاً فالحمالةُ باطلةٌ, وابن القاسم يُبْطِلُ الرهنَ والحميلَ.
ابن المواز: قال ابنُ القاسم: ومَنْ باع سلعةً وأخذ حميلاً على أنه إنْ مَاتَ الحميلُ -يريد: قبل الأجلِ- فلا تِباعةَ في تَرِكَتِهِ, وإن مات البائعُ قبل ذلك الأجلِ فلا حمالةَ له على الحميلِ ولا لورثَتِهِ.
فقال: هذا بَيْعٌ

الجزء: 18 - الصفحة: 101

حرامٌ لا يجوزُ [13/أ] , والحمالةُ ساقطةٌ, وعلى المشترِي في فَوْتِ السَّلْعةِ القيمةُ.
قال أَصْبَغُ: أَجَابَ على غير تأمُّلٍ, وهذا عندي جائزٌ, والشَّرْطُ ثابتٌ؛ لأنه ليس هو بَيْنَ البائعِ والمبتاعِ وهو شرطٌ بينه وبينَ الحميلِ, كما لو تحمَّل على هذا من غير بَيْعٍ؛ وكذلك لو تحمَّل بمهْرٍ على أنه إنْ دخل فالحمالةُ له ثابتةٌ, وإنْ مات أو طَلَّقَ قبل البناء فلا حمالةَ لع عليه, فذلك جائزٌ, وإنما يَفْسُدُ لو شرط المشترِي أنه إنْ مات بائعٌ أو مبتاعٌ قبل الأجل فالثمن هدرٌ, ولا تِباعة به فهذا بيعٌ فاسدٌ.
قال ابنُ المواز: وأرى قولَ ابْنِ القاسِم إنْ كان ذلك شَرْطَهُ مع البيعِ على المشتري فالبيعُ فاسدٌ, والحمالةُ ساقطةٌ؛ لأنَّ ثمنَ السلعةِ مع حميلٍ أو رهنٍ أكثرُ منه بلا رهن ولا حميلٍ فقد تخاطرا, وإنْ شرط ذلك في سلفٍ غير بَيْعٍ كان ذلك جائزاً.
قال ابنُ حبيب: ومَنْ باع سلعةً مِنْ ثلاثةٍ على أَنَّ بعضَهم حميلٌ ببعضٍ, فإن لم يكونُوا شركاءَ في غيرها, فذلك جائزٌ, ولم يزلْ هذا من بُيُوع الناسِ, وما عملتُ مَنْ أنكره, وإنما لا يجوزُ أن يقول: تحمَّل عَنِّي في شيء على أنْ أَتَحَمَّلَ عنك في شيءٍ آخرَ.

الجزء: 18 - الصفحة: 102

[الباب الرابع عشر] في الحميل يَدَّعِي أنه وافاه بغريمِه, وما تجبُ

فيه الحمالة ودعوى ورثةِ أحدِ الحملاءِ أنَّ وليَّهُم دَفَعَ المال.

[(1) فصل: في الحميل يدَّعي أنه وافاه بغريمه, وما تجبُ فيه الحمالة.] [المسألة الأولى: فيمن قال لرجل إن لم أوافك بغريمك غداً فأنا ضامن لما عليه] قال ابن القاسم: ومَنْ قال لرجلٍ: إنْ لَمْ أُوَافِكَ بغريمِكَ غداً فأنا ضامنٌ لما عليه.
فمضى الغدُ وادَّعى الحميلُ أنه وافاه به, فالبيِّنَةُ عليه وإلا غَرِمَ إلا أن يُوَافِيَه به الآن قبل الحكمِ عليه, فيبرأُ مِنَ المالِ.
وكذلك يقول غيرُه من الرُّواَةِ.
[المسألة الثانية: فيما تجب فيه الحمالة] قال ابنُ القاسم: ومَنْ كان بَيْنَهُ وبَيْنَ رجُلٍ خُلْطَةٌ في معاملةٍ,

الجزء: 18 - الصفحة: 103

فادَّعى عليه حقَّاً لم يجِبْ له عليه كَفِيلٌ بوجْهِه حتى يَثْبُتَ حقُّه, وقال غيرُه: إذا ثَبَتَتِ الخلطةُ بينهما فله عليه كفيلٌ بنفسه لِيُوقِعَ البَيِّنَةَ على عَيْنِه.
م: يعني غيره: إذا لم يكن المدعَّى عليه معروفاً مشهوراً فللطالب عليه كفيلٌ بوجهه ليوقع البينةَ على عَيْنِه, وأما لو كان المطلوب معروفاً مشهوراً فليس للطالب عليه كفيلٌ بوجْهِه؛ لأنا نسمع البينةَ عليه في غيبتِه, وكذلك معنى قولِ ابْنِ القاسِمِ, والله أعلم.
قال ابنُ القاسم: وإنْ سأله وكيلاً بالخصومةِ حتى يُقيمَ البيِّنَةَ عند

الجزء: 18 - الصفحة: 104

القاضِي لم يَلْزَمِ المطلوبَ ذلك, إلا أن يشاءَ؛ لأنَّا نسمعُ البينةَ في غيبةِ المطلوبِ, وإنْ سأله كَفِيلاً بالحقِّ حتى يقيمَ البيِّنةَ لم يكن له ذلك, إلا أن يُقِيمَ شاهداً, فله أَخْذُ الكفِيل, وإلّا فلَا, إلا أنْ يَدَّعِيَ بينةً قريبةً يُحْضِرُها مِنْ السُّوقِ أو مِنْ بعضِ القبائلِ فليوقِفِ القاضِي المطلوبَ عنده لمجيء البيِّنةِ, فإنْ جاء بِها وإلا خلّى سبيلَه, ومَنْ قُضي له بِرَبعٍ أو غيره أنه وارثه فلا يُؤْخَذُ بذلك من الْمُقْضَى له كفيلٌ, وهذا جَوْرٌ ممن فعله مِنَ القضاة, وكذلك مَنِ استحقَّ دَيْناً قِبَلَ غائبٍ وله رِباَعٌ أو عُروضٌ حاضرةٌ, فإنّ القاضِيَ يبيعُها ويؤَدّي دَيْنَهُ, ولا يؤخذُ مِنَ الْمْقَضى له بذلك كفيلٌ.
[2] فصل: [في دعوة ورثةِ أحدِ الحملاء أنَّ وليَّهُمْ دفع المال] وإذا اشْترى ثلاثةُ رجالٍ سلعة [13/ب] منِ رجل وتحمَّل بعضُهم ببعضٍ في الثمن على أن يأخذ البائعُ أيَّهُمْ شاء بحقه, فمات أحدُهُم, فادَّعى ورثةُ الميتِ أنَّ الميتَ دفع الثمنَ إلى البائعِ, وأقاموا شاهداً, أنهم يحلفون معه,

الجزء: 18 - الصفحة: 105

ويبرأُ وليُّهُم, ويرجِعُون على الشريكْين بما ينوبهُما, فإن نَكل الورثةُ, لم يحلفِ الشريكَان لأنهم يغْرَمُونَ, إلا أن يقولَا: نحن أمرناه ووكَّلناه بالدفعِ عَنْهُ وعَنَّا ودَفعْنَا ذلك إليه وإنما هو حقٌّ علينا والشاهدُ لنا, فيحلفُون, ويبرأُونَ.
قال أبو محمد: معنى قولِ ابنِ القاسم: لا يمينَ على الشريكْين يعني: إذا ادَّعَيَا أَنَّ الميتَ دفع الثمن مِن مالِه, ويغرمان ما ينوبُهُما للبائعِ؛ وذلك أَنَّ المالَ على جميعِهِم في أنفسِهِم وهم حملاءُ بعضُهم عن بعضٍ, فلا يغرمان للورثةِ شيئاً منْ أجلِ قَوْلِهم: إن الميتَ دفع عنا الثلثْين؛ لأنهما يقولَانِ: الميتُ

الجزء: 18 - الصفحة: 106

فرَّط إذ لم يشهد حين دفع ولم يدفع بحضرتِنا شيئاً, وإنما بلغنا ذلك عنه, فلا يلزمُنا للورثة شيءٌ بإقرارنا هذا -ولكن يغرمان للبائع حَسَب ما تقدَّم- ويغرمُ الورثةَ للبائعِ ما ينوبهم؛ لنكولهم بعد ردِّ اليمينِ على البائعِ أنه ما قبضَ مِنْ وليِّهِم شيئاً, وهذا إذا كان الميتُ مليئاً بما ينوبُهُم اليومَ, فإنْ كان عديماً اليوم لم يكن على الورثة شيءٌ وكان لهذيْن أن يحلفا مع الشاهدِ, وإنْ كان دعواهما: أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالِه؛ ليبرآ من حمالة الثلثِ الذي الميتُ به عديمٌ, فإنْ حلفا غَرِما الثلثْين للورثةِ, وغرم الورثةُ للبائع ثلثَ الحقِّ مما قبضُوا من الشريكْين؛ لنكولِ الورثةِ.
وإنِ ادَّعَيَا أن الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفع ذلك وبرئَا, ورجعَ البائعُ على الورثةِ بالأقلِّ مما ورِثُوه أو مما ينوبُهم؛ لنكولِهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبض مِنْ وليِّهم شيئاً, وللشريكْين أن يَرْجِعَا عليهم فيقولَان لهم: نحنُ دفعنا جميعَ الثَّمَنِ للميِّتِ فإما أنْ تَحْلِفُوا على عِلْمِكم أَنَّا ما دفعنا إليه شَيْئاً, وتبرأوا, وإنْ نكلتم حَلَفْنَا لقد دفعنا

الجزء: 18 - الصفحة: 107

الجميعَ وغرِمْتُمْ ثُلُثَ جميعِ الثمنِ لَنَا.
وإنْ مَاتَ عدِيماً فلا شيءَ على الورثةِ؛ لأنهم لم يَرِثُوا شيئاً.
م: وتعقَّب بعضُ فقهاءِ القرويِّينَ كلامَ أبِي محمد هذا, فقال -في قوله: إذا كان الميتُ عديماً وادَّعيا أنَّ الميت دفع الجميعَ من مالهِ ليبرآ مِنْ حَمَالةِ الثلثِ الذي الميِّتُ به عديمٌ, فإن حَلفا غَرما الثلثْين للورثةِ وبرئا, وغرم الورثة ثلث الحقِّ للبائعِ مما قبضوا من الشريكْين قال -: فقولَه: يغرمان الثلثْين للورثةِ ليس بِبَيِّنٍ في القياس؛ وذلك أنَّ الورثة قد نكلوا, وإنما يحلف هذانِ ليَبْرَأَى من حمالةِ الثلثِ, فإذا حلفا, دفعا الثلثْين للذي له الدَّيْنُ, وحلف الغريمُ, واتَّبَع الورثةَ بالثلث, هذا يجبُ في القياسِ؛ لأنَّ أحداً لا يحلفُ ليستحقَّ غيرُه, فإذا جاز أن يحلف في الثلثْينِ فَيمْلِكُ ذلك الورثة, فلِمَ لَمْ تكن يمينهم قد بَرَّأتِ الورثةَ من الثلث أيضاً؟ الذي جَعَلَ هو: أنهم يغرمونه للغريمِ.
قال:-قال أبو محمد: فإنِ ادَّعيا أنَّ الثمنَ من عندِهما حلفا لقد دفعَ

الجزء: 18 - الصفحة: 108

ذلك الميتُ وبرئَا, ورجع البائعُ على الورثةِ بما ينوبُهم لِنُكُولهم بعد أن يحلفَ البائعُ أنه ما قبضَ من وليِّهِم شَيْئاً, وللشريكْين أنْ يرجعا عليهم فيقولان لهم: نحن دفعنا جميعَ الثَّمَنِ إلى الميَّتِ, فإما أن تحلِفُوا على عِلْمِكم أنا ما دفعنا إليه شيئاً, وإن نكلتم حلفنا لقد دفعنا الجميعَ وغرمتم ثلثَ الثَّمنِ.
قال:-وفي هذا أيضاً نظرٌ؛ لأن الشريكْينِ [14/أ] لم يَثْبُتْ دفعُهما إلى الميت, وورثته قد نكلوا عن اليميِنِ, وما في يد الميتِ على مِلْكِه, فَيجِبُ أن يحلف الذي له الديْن ويأخذَ من جملتِهم إذا كان الميتُ مُوسِراً، ويحلفُ الورثَةُ للشريكَيْنِ أنَّا ما نعلم أنكم دفعتم إلى وَلِيِّنَا شَيْئاً إذا كانوا ممن يُمْكِنُ أن يَعْلَمُوا ذلك، وإن لم يترك شيئاً حلف الشريكَانِ مع الشاهد ليَبْرآ مِنْ حمالةِ الثلُثِ، ويغرِمانِ الثلثْين، ويحلفُ الذي له الدَّيْنُ، ويَتْبَع ذمةَ الميتِ متى طرأ له مالٌ.

الجزء: 18 - الصفحة: 109

وقال ابنُ أبِي زمنين في هذه المسألة نظرٌ، وينبغي على أصُولِهِم إذا حلف الشريكَان أنهما دفعا إلى الميت ما لزمهما، وأنهما أمراه بالدفع، أن يكون للبائع أن يتبعَ ذِمَّةَ الميتِ بحصَّتِهِ بعد أن يحلفَ أنه ما دفع إليه شَيْئاً، وإن قال الشريكَان: دفعنا إليه الجميعَ، وأمرناه بالدفع عنه وعنا، وحلَفَا على ذلك، كان لَهُمَا أن يَتْبَعَا ذِمَّةَ الميتِ بحصتِه إذا لم يحلف ورثَتُه، وعلى الشريكْين إذا حلفا أن يزيدَا: ولقد دفع ما أمرناه بدفْعِه، وبالله التوفيق.

الجزء: 18 - الصفحة: 110

[الباب الخامس عشر] في الكفالة في الحدود، وكفالة الأخرس

والمريض وما يجوز من إقراره

[(1) فصل: في الكفالة الحدود] والقضاء أن كل ما يلزم الذمة فالكفالة به جائزة، وأما الحدود والأدب، والتعزيز فلا تجوز الكفالة به، وقاله مالك.
قال بكير: ولا تجوز في دمٍ أو وزناً أو سرقةٍ أو شرب خمرٍ ولا

الجزء: 18 - الصفحة: 111

في شيء من الحدود.
م: لأن فائدة الحمالة أن يحل الضامن محل المضمون في تعذر أخذ الحق منه، وهذا المعنى يتعذر في الحدود؛ لأن استيفاءها من الضامن غير جائزٍ.
[2] فصل [: في كفالة الأخرس] قال ابن القاسم: وما ثبت بالبينة أن الأخرس فهمه من كفالةٍ، أو غيرها لزمه.
[3] فصل [: في كفالة المريض] والسنة أن معروف المريض من ثلثه، والكفالة معروف.
قال ابن القاسم: ومن تكفل في مرضه فذلك من ثلثه؛ لأنها من

الجزء: 18 - الصفحة: 112

ناحية العطية لا كالبيع.
قال ابن القاسم: وإن تداين بعدما تكفل في مرضه كان دينه في رأس ماله، فإن اغترق الدين ماله سقطت الكفالة، ولا يحاص بها الغرماء؛ لأنها من الثلث، وما كان من رأس المال أولى؛ كمن أوصى لرجل بثلث ماله ثم اغترق الدين جميع ماله فالوصية تبطل.
قال ابن المواز: حمالة المريض جائزة ما لم يدخل على أهل دينه نقص بها ولا يكون المتحمل به مليئاً، ويكون المريض متهماً في إحياء حقه، فإن كان مليئاً جازت بكل حالٍ.
وقال عبد الملك: إن كان المحمول به، مليئاً فهي لازمة، وإن كان عديماً بطلت، ولم تكن في الثلث؛ إذ لم يرد بها الوصية، ولا له أن يعطي في مرضه من رأس ماله.

الجزء: 18 - الصفحة: 113

ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن تكفل في مرضه لوارثٍ، أو غير وارث ثم صح لزمه ذلك؛ كما لو بتل صدقه في مرضه لوارثٍ أو غيره، ثم صح لزمته الصدقة إذا لم تكن على وجه الوصية.
ابن المواز: وقال أشهب وعبد الملك: حمالة المريض عن وارثه لأجنبي، أو عن أجنبي لوارثه؛ باطلةٌ.
قال أشهب: إلا أن يكون المحمول به، موسراً حاضراً النقد حين تحمل به المريض، فتجوز الحمالة به.
وقد قال عبد الملك: هي باطلة، كان المحمول موسراً، أو معدماً.
قالا: ولو صح بعدما تحمل، لثبتت الحمالة، كان المحمول به موسراً أو معدماً، مات الحميل بعد ذلك أو بقي.

الجزء: 18 - الصفحة: 114

[(4) فصل: فيما يجوز من إقرار المريض] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أقر في مرضه أنه تكفل في مرضه هذا، فإن كان لوارث لم يجز، وإن كان لأجنبي أو صديقٍ ملاطفٍ جاز إقراره في ثلثه.
يريد: كان ورثته كلالة أو ولداً.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون عليه دين يغترق ماله فلا يجوز، وكذلك إن أقر للصديق بدينٍ في مرضه، فإنما يرد إقراره إذا كان عليه دين يغترق ماله، فإن لم يكن عليه دين فإقراره له جائزٌ إن ورثه ولده.
وقال سحنون في غير المدونة: وإن كان ورثته كلالة لم يجز إقراره له في ثلثٍ ولا غيره.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجوز الوصية له في الثلث ورث بولدٍ، أو كلالة، وما أقر المريض أنه فعله في مرضه من عتق أو غيره فهي وصيةٌ، وما أقر به الصحيح أنه فعله فللذي أقر لهم أخذ ذلك ما لم يمرض المقر أو يموت، فإن مرض أو مات فلا شيء لهم

الجزء: 18 - الصفحة: 115

وإن قامت لهم بينة، إلا العتق والكفالة فإنه إذا قامت بعد موته بينةٌ أنه أقر في صحته بعتق عبدٍ أو بكفالةٍ لوارثٍ أو لغير وارثٍ، كان ذلك من رأس ماله؛ لأنه دين قد ثبت في رأس ماله في صحته، وما أقر به المريض أنه فعله في صحته من عتقٍ أو كفالةٍ أو حبس أو صدقةٍ أو غيرها لوارثٍ أو لغير وارثٍ فإقراره باطل، ولا يجوز في ثلث ولا غيره ويكون ميراثاً، فإن أوصى مع ذلك بوصايا كانت الوصايا في ثلث ما بقى بعد ذلك، فإن قصر الثلث عن وصيته لم تدخل الوصايا في شيءٍ مما أقر به، لأنه كذلك أراد.
م: وقال بعض الفقهاء: ينبغي إذا أقر في مرضه أنه تكفل في صحته، فلم يجز أن يدخل في ذلك الوصايا؟، بخلاف من أقر في المرض أنه تصدق في الصحة أو أعتق فبطل إقراره فلا تدخل في ذلك الوصايا؛ لأن ذلك على إقراره خارج على كل حالٍ، والكفالة مال يرجع به، فلما بطل أن يؤخذ دخلت فيه الوصايا؛ كما لو رجع لدخلت فيه الوصايا؛ فبطلانه كرجوعه.

الجزء: 18 - الصفحة: 116

[الباب السادس عشر] في الحمالة بالخدمة والصنعة

والكراء وحمالة العبد ومن فيه بقية رقٌ

[(1) فصل: في الحمالة بالخدمة والصنعة والكراء] قد تقدم أن الحمالة لا تجوز إلا فيما يتعلق بالذمة أو ما يجر إليها.
قال ابن القاسم: ومن استأجرته بعينه يخدمك شهراً لم يجز أن تأخذ منه حميلاً بالخدمة؛ لأنها ليست في الذمة.
قال: وإن مات عبد في إجارتك فأعطاك سيده عبداً يعمل كعمله، لم يجز وهو دينٍ في دينٍ والحمالة في هذا أيضاً لا تجوز؛ لأن الغلام لو مات لم يلزم الحميل أن يأتي بغيره يخدم مكانه؛ لأنه بعينه، وكذلك من استأجرته يخبط لك ثوباً بعينه، جاز ذلك، ولا تجوز الحمالة بذلك العمل في حياة الصانع أو موته، ولا كفيلٌ به حتى يعلمه، ولو كان

الجزء: 18 - الصفحة: 117

عملاً مضموناً في ذمته جاز أن يؤخذ به كفيلٌ.
قال مالك رحمه الله: ولا بأس أن يؤخذ الكفيل بالحمولة المضمونة، ولا يجوز ذلك في دابة بعينها، إلا أن يتكفل برد بقية الكراء عند موتها، فيجوز ذلك- وكذلك أجير الخياطة والخدمة في هذا- فإن قر الكراء في المضمون، فأكرى الكفيل للطالب بضعف الكراء، وجب للكفيل الرجوع بذلك على المكري ولا ينظر إلى الكراء الأول.
وهذا مذكور في كتاب الكراء الرواحل والدواب.
[(2) فصل في حمالة العبد ومن فيه بقية رق] قال ابن القاسم: ولا يجوز لعبدٍ أو مكاتبٍ أو مدبرٍ أو أم ولد عتقٌ ولا كفالةٌ ولا هبةٌ ولا صدقةٌ ولا غير ذلك مما هو معروفٌ عند الناس إلا بإذن السيد، فإن فعلوا ذلك بغير إذنه، لم يجز رده السيد، فإن رده

الجزء: 18 - الصفحة: 118

لم يلزمهم ذلك وإن عتقوا، وإن لم يرده حتى عتقوا لزمهم ذلك علم به السيد قبل عتقهم أو لم يعلم.
وقال غيره: ولا يجوز ذلك للمكاتب وإن أذن له السيد؛ لأن ذلك داعية إلى رقه.
قال ابن القاسم: ولا تجوز كفالة المأذون إلا بإذن سيده، فإن كان عليه دين يغترق ماله لم تجز كفالته وإن أذن له السيد؛ كما لا تجوز كفالة الحر ومعروفه إذا اغترق الدين ماله، وتجوز حمالة العبيد ووكالتهم في الخصومة وغيرها بإذن السيد؛ لأن مالكاً قال: من وكل عبده لقضاء دينٍ عليه فقام للعبد شاهد أنه قضاه، حلف العبد وبريء السيد؛ كالوكيل الحر سواء، ولا يحلف السيد.
م: قال بعض الفقهاء: فإن نكل العبد وجب أن يحلف

الجزء: 18 - الصفحة: 119

السيد مع الشاهد؛ لأنه لم يدفعه عن نفسه بشاهدٍ قام له.
م: وأما الوكيل فإن كان عديماً فكالعبد، يحلف الموكل ليبرأ من الغرم أيضاً، ولكنه ينبغي متى أيسر الوكيل، حلف الذي له الدين ورجع على الوكيل بما كان غرمه، وإن كان الوكيل مليئاً فنكل حلف الذي عليه الدين وبريء، وغرم الوكيل للذي له الدين.
[قال]: وإن تحمل عبدٌ بدين على سيده بإذن سيده، ثم فلس السيد أو مات، فإن اتبع الطالب بدينه ذمة السيد بيع العبد في ذلك، وإن رضي بإتباع العبد دون السيد كان ذلك في ذمة العبد.
وقال غيره: ليس له أن يتبع ذمة العبد إلا بما عجز عنه مال السيد.

الجزء: 18 - الصفحة: 120

قال بعض أصحابنا عن بعض فقهائنا: قول ابن القاسم ها هنا إنما هو على قول مالك الذي قال: إن للطالب أن يتبع الكفيل إن شاء في يسر الغريم، وقد خالف ابن القاسم أصله في هذه المسألة.
وقال بعض شيوخنا من القرويين: إنما قال ذلك؛ لأنه رأى أن ذمة العبد وذمة السيد كشيءٍ واحدٍ.
وقال غيره: ليس الأمر كما قالا، وإنما محمل المسألة أن السيد فلي وهو حي أو مات مفلساً فلذلك خيره؛ لأن الغريم إذا فلس وخاف الطالب المحاصة أن له إتباع الكفيل.
م: وهو الصواب إن شاء الله.
وقيل: هذا من ابن القاسم كقول مالكٍ في الذي يكره العبد على

الجزء: 18 - الصفحة: 121

الحمالة وعلى أن يجعل في ذمته مالاً بعد عتقه؛ لأن العبد يقول: إنما أنا جميل بما عجز عنه مال سيدي فهو الذي يلزمني.
فإذا أكره على أن يبقى في ذمته مع يسر سيده صار كأنه أكرهه على الحمالة وإن كان قد دخل أولاً طائعاً لتوجه براءة ذمته منها، والذي قاله غير ابن القاسم ها هنا هو قياس قول ابن القاسم في أنه لا يكره عبده على الحمالة، وإذا اتبع الطالب ذمة السيد، فبيع العبد في ذلك فما عجز ثمنه فباقٍ في ذمة العبد يباع بشرط أنه حميل لسيده، ثم له مرجع على سيده بالذي يبقى عليه متى غرمه هو.
وفي كتاب محمد: لو تحمل السيد عن عبده ثم باعه، وكان منتزع المال بالبيع، فقال صاحب الدين: اقضني حقي فقد بعت الغلام.
قال: ليس ذلك له حتى يحل الأجل.
قال بعض الفقهاء: وذلك صواب؛ لأن العبد لو مات أو فلس قبل الأجل لم يحل الدين على الحميل؛ فكيف انتزاع ماله.
واعلم أنه إذا طالب السيد، فبيع العبد، فلم يف بالدين،

الجزء: 18 - الصفحة: 122

أن له مطالبة العبد بما بقى؛ كالحر في هذا، وذلك مأخوذ من قول الغير: ليس له أن يطالب ذمة العبد إلا بما عجز عنه ذمة السيد، وهذا لا يختلفون فيه.
قال أبو محمد: وينبغي أن يباع العبد في هذا القول على التنقيص؛ ليعلم ما يبقى في ذمة العبد من الدين، فيبرأ منه؛ مثل أن تكون قيمته مئة، فيقال: من يشتريه بخمسين على أن تبقى في ذمته خمسون، أو بستين على أن يبقى في ذمته أربعون، فتقع المزايدة فيه على هذا، كلما زيد في ثمنه نقص عن ذمته مثله.
وكذلك إن كان على السيد دين آخر، فحوصص الطالب في ثمن العبد، أن ما يقع له في الحصاص يسقط مثله عن ذمة العبد؛ مثال ذلك أن يكون على السيد دين مئة دينارٍ، وتحمل عنه العبد بدين بمئة دينارٍ أخرى، فيقال: من يشتري هذا العبد بمئة دينارٍ على أن تبقى في ذمته خمسون، فإن قال آخر: أنا أخذه بمئةٍ وعشرين، قيل: له بقى في ذمته أربعون.
هكذا: ما وقع للذي تحمل به العبد بالحصاص سقط مثله عن ذمة العبد، وقد ذكرنا لك أيضاً في كتاب التفليس.

الجزء: 18 - الصفحة: 123

ومن المدونة قال ابن القاسم: إن تحمل العبد بدين على أجنبي بأمر سيده كان ذلك في ذمته، لا في رقبته.
قال: وتجوز كفالة العبد، أو من فيه بقية رق لسيده ولا يجبره السيد على ذلك، ولا يلزمه إن جبره السيد.
قال: وإن أبى العبد أن يتكفل به، وقال: أخاف إن عتقت لزمتني الكفالة، وأشهد السيد أنه ألزمه الكفالة عنه، لم يلزم العبد ذلك إلا برضاه.
وقال مالك- في الرجل يعتق عبده وعليه مئة دينارٍ-: إن ذلك لازم للعبد وإن كره العبد ذلك.
م: كأن ابن القاسم عرض بهذا التشبيه أن مالكاً يمكن أن يقول: للسيد أن يجبره في الكفالة به؛ كما جبره في العتق، وهو يخالفه في الوجهين، ويرى في قوله: أنت حر، وعليك ألف أنه حر ولا شيء عليه.

الجزء: 18 - الصفحة: 124

ابن المواز: وقال عبد الملك: للسيد أن يكره عبده على الحمالة ما لمك يكن على العبد دين يحيط بماله، وقول ابن القاسم: لا يكرهه، والأول أحب إلينا.
ومن المدونة: ومن باع من عبده سلعة بدينٍ إلى أجل أو تكفل عنه بدين، فأداه عنه ثم باعه أو أعتقه، فإن ذلك باقٍ له في ذمته إلا أن ذلك عيب في المبيع، فإن لم يبينه فالمبتاع مخير في الرضى بذلك أو رد البيع، ومن له على عبده دين، فأخذ منه كفيلاً لزم ذلك الكفيل؛ لأن السيد يحاص به غرماء عبده.

الجزء: 18 - الصفحة: 125

[الباب السابع عشر] في الحمالة بمجهول أو إلى أجل مجهولٍ،

وفي ضياع ما اقتضاه الحميل

[(1) فصل في الحمالة بالمجهول أو إلى أجل مجهول] قد تقدم أن الحمالة بالمال المجهول جائزة كهبة؛ لأنها معروفٌ، كقوله: ما ذاب لك قبل فلان فأنا ضامنه، أو داين فلاناً فما داينته به فأنا ضامن أن ذلك يلزمه إذا ثبت مبلغه، وصح ذلك عليه: فكذلك الحمالة بالمال إلى أجل مجهولٍ جائزةً، ويضرب له من الأجل بقدر ما يرى.
قال ابن القاسم: ومن قال لرجلٍ: إن لم يوفك فلان حقك فهو على ولم يضرب لذلك أجلاً، تلوم له السلطان بقدر ما يرى، ثم ألزمه المال إلا أن يكون الغريم حاضراً مليئاً، وإن قال له: إن لم يوفك فلان حقك حتى يموت فهو علي فلا شيء على الكفيل حتى يموت الغريم.
يريد: يموت معدماً.
م: ولو مات الحميل قبل موت فلان وجب أن يوقف من ماله قدر الدين، فإن مات المحمول عنه عديماً أخذ المحمول له ذلك المال الموقوف.

الجزء: 18 - الصفحة: 126

ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتكفل بمالٍ إلى خروج العطاء وإن العطاء مجهولاً إن كان من قرضٍ أو تأخيرٍ بثمن بيع صحت عقدته، وإن كان في أصل بيع لم يجز إذا كان العطاء مجهولاً.
وقال في كتاب السلم: فيمن أسلم في طعامٍ، وأخذ برأس المال جميلاً أنه بيع لا خير فيه.
قال سحنون: لأنه أصل العقد، ولو كانت الحمالة بعد العقد لم يفسخ البيع وفسخت الحمالة، إلا أن على الحميل مثل رأس المال يشتري به للطالب طعاماً، فإن لم يكن فيه وفاء لم يلزمه غير ذلك.
م: وقد بينت في السلم الثاني وجه كلام سحنون فأغنى عن إعادته.
[2] فصل: [في ضياع ما اقتضاه الحميل] قال في الكفالة: وليس للكفيل أخذ الغريم بالمال قبل أن يؤخذ منه إلا أن يتطوع به الغريم؛ لأنه لو أخذه منه ثم أعدم الكفيل أو فلس كان للذي له الحق أن يتبع الغريم.
قال: وإذا دفع الغريم الحق إلى الكفيل فضاع، فإن كان

الجزء: 18 - الصفحة: 127

على الاقتضاء ضمنه الكفيل- قامت بهلاكه بينة أو لم تقم- عيناً كان أو عرضاً- أو حيواناً؛ لأنه متعد، وإن كان على الرسالة لم يضمنه، وهو من الغريم حتى يصل إلى الطالب-.
قال ابن المواز: والقول قول الحميل في ضياعه بلا بينةٍ؛ لأنه مؤتمن، فإن اتهم حلف.
وقد تقدم هذا كله في كتاب السلم.

الجزء: 18 - الصفحة: 128

[الباب الثامن عشر] في كفالة البكر المعنسة وغير المعنسة

وأفعالها، وكفالة ذات الزوج وأفعالها في مالها.

[(1) فصل: في كفالة البكر المعنسة] قال ابن القاسم: وإذا عنست الجارية البكر في بيت أبيها، وأنس منها الرشد جاز عتقها وهبتها وكفالتها وإن كره الوالد.
قيل: أهذا قول مالكٍ؟ قال: هذا رأيي، وقوله: إن ذلك ليس بجائزٍ هو الذي يعرف.
قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الجارية المعنسة تعتق أجائز؟ قال: إن أجازة الوالد.
وسئل ابن القاسم في بابٍ آخر عن البكر التي عنست في بيت أهلها أتجوز كفالتها؟ قال: قال مالك- في هبتها وصدقتها-: لا تجوز، وكذلك كفالتها في هذا لا تجوز، لأن بعضها بيد أبيها.

الجزء: 18 - الصفحة: 129

م: يريد على قول مالك هذا.
قال ابن القاسم: وكان مالك مرة يقول فيما وجدت في كتاب عبد الرحيم: أنها إذا عنست جاز أمرها.
م: واختلف في حد التعنيس، فقيل: أوله ثلاثون، وقيل: خمسة وثلاثون، وقيل: أربعون.
ابن حبيب: قال مطرف عن مالكٍ: في البكر المرشدة المرضية

الجزء: 18 - الصفحة: 130

الحال الحسنة النظر، لا يجوز لها قضاء في مالها ببيع ولا غيره كان لها أب أو لم يكن حتى تبلغ أربعين سنةً، وقاله ابن القاسم وأصبغ.
وقال ابن الماجشون: إذا لم يول عليها بأب ولا غيره، فإذا بلغت ثلاثين جاز قضاؤها في مالها من عتقٍ وعطيةٍ وغير ذلك إذا كانت مرشدة.
وأما التي يولى عليها بأبٍ أو وصي أو خليفة سلطان فلا يجوز لها قضاءٌ وإن كانت في السن والحال كما ذكرنا حتى تنكح أو تعنس.
وأول التعنيس أربعون سنة، وبه قال ابن وهب، وغيره.
ابن حبيب وبه أقول.
[(2) فصل: في حمالة البكر غير المعنسة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما البكر التي في بيت أهلها وقد حاضت إلا أنها لم تعنس، فلا تجوز كفالتها ولا صدقتها ولا عتقها ولا شيء من معروفها وإن أجازه الوالد لم ينبغ للسلطان أن يجيزه، وهي في هذا

الجزء: 18 - الصفحة: 131

كالصبي والمولى عليه، وإن أعطت لأبويها شيئاً من مالها، لم يجز ذلك لهما؛ كما لو أعطت ذلك لأجنبي.
[(3) فصل: في كفالة ذات الزوج] ولا يجوز لها بعد البناء بيع ولا شراء ولاشيء من المعروف أجاز ذلك زوجها أو لم يجزه حتى يتبين رشدها، فإذا عرف بعد البناء رشدها وصلاح حالها جاز بيعها وشراؤها في مالها كله وإن كره الزوج إذا لم تحاب، فإن حابت أو تكفلت أو أعتقت أو تصدقت أو وهبت أو صنعت شيئاً من المعروف كان ذلك في ثلثها؛ لأن كل معروفٍ تصنعه ذات الزوج فهو في ثلثها، وكفالتها معروف وهو عند مالك من وجه الصدقة فإن حمل ذلك كله ثلثها وهي لا يولى عليها جاز وإن كره الزوج؛ لأن ذلك ليس بضرر، وإن جاوز الثلث فللزوج رد الجميع أو إجازته؛ لأن ذلك ضرر إلا أن يزيد على الثلث كالدينار وما خف، فهذا يعلم أنها لم ترد به ضرراً، فيمضي الثلث مع ما زادت.

الجزء: 18 - الصفحة: 132

وقد سئل مالك عمن أوصى في جاريته أن تعتق إن حملها الثلث، وإن لم يسعها الثلث فلا تعتق، فزاد ثمنها على الثلث ديناراً أو دينارين؟ فقال: لا تحرم العتق بمثل هذا، وقال ابن القاسم: وتغرم الجارية ما زاد على الثلث إذا كان يسيراً، وإن لم يكن معها اتبعها به الورثة ديناً.
قال أبو محمد: أنكره سحنون وقال: هذا من باب الاستسعاء، وأخذ برواية ابن وهب: أن ما زاد يرق منها ويعتق ما حمل الثلث منها، وقيل: يعتق جميعها ولا يتبع بشيء.
م: قال بعض أصحابنا: ولا يختلفون أذا أوصى بعتق جاريته ولم يقل: إن حملها الثلث، فكان ثمنها يزيد على الثلث الدينار ونحوه، أنه يرق ذلك المقدار منها، وليست كمسألة المدونة؛ لأنه شرط فيها إن حملها الثلث وإلا فلا.
وقاله بعض شيوخنا.

الجزء: 18 - الصفحة: 133

وقال بعض أصحابنا من البغداديين: إنما قال مالك: لا يجوز لذات الزوج أن تتصدق أو تعتق أو تخرج شيئاً من مالها بغير عوضٍ فيما زاد على ثلثها- خلافاً لأبي حنيفة والشافعي.
في قوليهما: أنه لا حق لزوجها في منعها- لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لامرأة ملك زوجها عصمتها عطية في مالها إلا بإذنه)) وهذا نص.
وقوله -عليه الصلاة والسلام-: ((تنكح المرأة لدينها ومالها وجمالها .....)) وذلك يفيد أن للزوج حقاً في تبقية

الجزء: 18 - الصفحة: 134

المال؛ ويبين ذلك أن مهر المثل يقل ويكثر بحسب قلة مالها وكثرته، كما يقل ويكثر بحسب قبحها وجمالها، وإذا ثبت ذلك فليس لها إبطال غرض الزوج فيما لأجله رغب في نكاحها وزاد في صداقها؛ وإنما أجزنا لها الثلث؛ لأن الحديث مقيد في المنع بما زاد عليه؛ ولأن منعها فيه لأجل غيرها فأشبهت المريض.
وقال ابن حبيب: إنما كان معروف ذات الزوج في ثلثها لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يجوز لامرأة أن تقضي في ذي بالٍ من مالها إلا بإذن زوجها)) فرأى العلماء أن ذا بال من مالها ما جاوز الثلث وأجازوا لها القضاء في الثلث فلم تكن أسوأ حالاً من المريض الذي قصره رسول الله صلى الله عليه وسلم على الثلث.
ورواه مطرف وابن الماجشون.
قالا: فما فعلت بأكثر من الثلث من عتقٍ أو صدقةٍ أو هبةٍ

الجزء: 18 - الصفحة: 135

فهو مردود حتى يجيزه الزوج.
وقال ابن القاسم: هو جائز حتى يرده الزوج؛ كعتق المديان، ورواه عن مالك.
وأنكر مطرف وعبد الملك هذه الرواية.
وقالا: الغرماء لا يصح لهم نكير إلا بإثبات البينات على الدين واغتراق الذمة، وهذا زوج لا يكلف بالبينة، فقد قال في الحديث: ((لا يجوز لامرأةٍ)) فهو مردود في الأصل.
وقال أصبغ بقول ابن القاسم: إن قضاء المرأة جائزٌ حتى يرده زوجها.
قالا: فإذا قضت بالكثير فلم يعلم به الزوج حتى تأيمت بموته أو طلاقه أو علم فرده ولم تخرجه عن ملكها حتى تأيمت فذلك نافذ عليها؛ وكالعبد يعطي ويعتق فلا يرد ذلك حتى يعتق أنه يلزمه؛ والغرماء يردون عتق المديان للعبد

الجزء: 18 - الصفحة: 136

فلم يخرج من يده حتى أيسره، أن العتق ماضٍ.
وقال ابن القاسم: إذا لم يعلم به الزوج حتى تأيمت حكم به عليها، ولا يحكم به عليها إن كان الزوج قد رده.
م: وقول ابن القاسم في ذلك كله أصوب وهو القياس؛ لأنه إذا كان على قولهم على الرد حتى يجيزه الزوج فينبغي إذا تأيمت أن لها الرجوع فيه؛ لأنه لم يزل مردوداً، وقد أجمعوا أن ذلك ماضٍ عليها إذا تأيمت فهذا يؤيد على الإجازة حتى يرد الزوج.
وقول ابن القاسم أيضاً- إذا علم الزوج بعتقها فرده أن ذلك رد ولا يعتق عليها بعد التأيم- أصوب؛ وقد أجمعوا أن رده لهبتها رد، ولا يلزمها إمضاؤها بعد التأيم فكذلك ينبغي أن يكون عنقها؛ وكرد السيد لعتق العبد، هذا هو القياس.
وقال ابن حبيب: وإذا لم يعلم الزوج بما فعلت من عتق أو عطية حتى ماتت هي، أو لم يعلم السيد بفعل العبد حتى مات فذلك مردود؛ لأن لهما الميراث.

الجزء: 18 - الصفحة: 137

قال ابن القاسم: إن موت الزوجة مثل التأيم، وذلك ماضٍ.
وقال أصبغ بقوله في الموت.
وأما التأيم فبقول مطرف وابن الماجشون.
وقال ابن حبيب بقولهما في كل شيء.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم: ولو أعتقت ثلث عبد لا تملك غيره، جاز ذلك، ولو أعتقته كله لم يجز منه شيء، وهو قول ابن أبي حازم.
وقال ابن الماجشون ومطرف: يبطل عتقها في الوجهين؛ لأنه كأنها أعتقته كله بعتق بعضه، لإيجاب النبي صلى الله عليه وسلم تتميم العتق على معتق شقصٍ، فكيف بمن يملك جميع العبد، فلما منع الزوج من عتق الجميع رد كله.

الجزء: 18 - الصفحة: 138

وروياه عن مالك، وعن المغيرة، وابن دينار.
وغيرهم.
قال مطرف وابن القاسم عن مالك: وإذا دبرت عبدها، فذلك ماضٍ لا رد لزوج فيه؛ إذ لم يزل من ملكها، وإنما منعت من بيعه وقد كان لها ألا تبيعه بلا تدبير، وقاله أصبغ، وبه أقول.
وقال ابن الماجشون: لا يتم ذلك إلا بإذنه، وهو كعتقه، وقد منعت نفسها من البيع إن أرادته بعد ذلك.
ومن المدونة وقال المغيرة- في ذات الزوج تزيد في عطيتها على الثلث-: أنه يجوز منه الثلث كالوصايا.
وقال غيره: ليس كالوصايا، إذ تجوز وصية من لم يبلغ

الجزء: 18 - الصفحة: 139

الحلم، أجازها عمر بن الخطاب، وأبان بن عثمان وغيرهم، ولا يجوز صنيعه في صحته في قليل مالٍ ولا كثيره، فحكم المرض غير حكم الصحة.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا أعطت أو تصدقت بأكثر من الثلث، رد منه الزائد على الثلث، وأما في عتق العبد فيرد جميعه؛ لئلا يعتق بعض عبدٍ بلا استتمامٍ، فيخالف السنة ورواه عن مالك، وقال مطرف: علمت مالكاً فرق بين ذلك، وذلك مردود إلا أن تقتصر هي على الثلث، وقاله ابن القاسم.
ويقول ابن الماجشون أقول.
وقال مطرف وابن الماجشون وأشهب عن مالك: إذا تصدقت بالثلث فأقل على وجه الضرر بالزوج والسفه أنه يرد ذلك كله، وبه أقول.
وقال ابن القاسم: وذلك ماضٍ لها على أي وجهٍ كان،

الجزء: 18 - الصفحة: 140

وقاله أصبغ.
وقال مطرف وابن الماجشون: ولها أن تنفق على أبويها وتكسوهما وإن جاوزت الثلث، ولا أقول للزوج؛ لأن الحكم يوجبه عليها، وقاله أصبغ.
قال أصبغ: وإذا أعتقت رأساً من رقيقها ثم رأساً ثم رأساً، والزوج غائب ثم قدم، فإن كان بين ذلك أمد قريب- حتى كأنها اغترت تجويز الكثير من مالها- مثل أن يكون بين ذلك اليوم واليومان، فإن حمل جميعهم الثلث، وإلا رد جميعهم كعتقها إياهم في كلمةٍ، وإن كان بين ذلك بعد مثل: شهرٍ أو شهرين، جاز الأول إن حمله الثلث، ورد ما بعده وإن حمله الثلث مع الأول؛ لأن مخرجه الضرر.
وإن تفاوت ما بين الوقتين مثل ستة أشهرٍ فهو عتق مؤتنف يبتدأ لها فيه نظر الثلث في كل وقتٍ.
م قوله-: فإن كان بين ذلك مثل شهرٍ أو شهرين، جاز الأول إن حمله الثلث ورد ما بعده وإن حمله الثلث مع الأول؛ لأن مخرجه الضرر

الجزء: 18 - الصفحة: 141

-: ليس بصحيح، وينبغي أن يجوز كعتقها إياهما في كلمةٍ، لا فرق، إلا أن يعلم أنها قصدت الضرر، فيدخله الاختلاف الذي تقدم له قبل هذا.
قال أصبغ: وإذا تصدقت بشوار بيتها وهو قدر الثلث فأقل، فقال الزوج: لا تعري بيتي، فذلك ماضٍ صحيح، وتؤمر هب أن تعمر بيتها بشوار مثله، وكذلك لو تصدقت قبل البناء بصداقها وهو دون الثلث وهي ثيب، أن ذلك ماضٍ وتؤمر أن تجعل مثله من مالها في شورةٍ تدخل بها.
ومن العتبية: قال أصبغ عن ابن وهب- في العبد له المرأة الحرة-: أنه ليس له منعها من القضاء في ثلثي مالها، ولها أن تتصدق بمالها كله ولا كلام له.
قلت له: إنه قد يعتق.
قال: ما اتفق الناس في الحر، فكيف بالعبد.
قلت له: فهو رأيك في الحر أن له منعها إلا من الثلث؟ قال: هو أحب إلي.
قال: وأما الأمة تحت الحر فليس له عليها حجر؛ لأن مالها لسيدها وهي لا تختلع إلا بإذنه.

الجزء: 18 - الصفحة: 142

قال أصبغ: أما قوله في الحرة تحت العبد فليس بشيءٍ، وله ما للحر وهو زوج، وهو حق له.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك مثله.
ومن المدونة قال مالك: وإذا حلفت ذات الزوج بعتق رقيقها فحنثت، والثلث يحملهم، عتقوا، وإن كانوا أكثر من ثلثها، فللزوج رد ذلك، ولا يعتق منهم شيء قال: فإن مات زوجها أو طلقها رأيت أن تعتقهم بغير قضاء، قال: وهي في عطيتها لأبويها كعطيتها لأجنبي.
[(4) فصل: في كفالة الزوجة عن زوجها] قال ابن القاسم: وإذا أجاز الزوج كفالة زوجته الرشيدة في أكثر من الثلث جاز تكلفت عنه أو عن غيره، وإن تكلفت عنه بما يغترق جميع مالها فلم يرض الزوج، لم يجز من ذلك ثلث ولا غيره.

الجزء: 18 - الصفحة: 143

قال مالك: ونجوز عطيتها لزوجها جميع مالها إذا لم تكن سفيهة، وإن تكلفت بزوجها، ثم ادعت أنه أكرهها على ذلك لم تصدق، ولزمها ذلك- وإن أحاط الدين بمالها- إذا كانت مرضية، إلا أن يعلم ذلك، أو تقوم عليه بينة فيسقط عنها.
قال مالك: وإن كانت المرأة أيما لا زوج لها فلها أن تتكفل بمالها كله وتعطيه إذا لم يول عليها.
وفي كتاب محمد عن أشهب فرق بين حمالتها بزوجها لأجنبي، وحمالتها لزوجها.
فقال: أما حمالتها بزوجها الأجنبي فذلك لازم لها، ولا يقبل قولها- كنحو ما تقدم في المدونة- إلا أن يكون صاحب الحق عالماً بإكراهها أو تقوم لها بينة بأن زوجها أكرهها، قيل له: فإن أنكر صاحب الحق أن يكون عالماً بذلك؟ قال: أما قريب الجواز فإنه يحلف، فإن نكل حلفت المرأة لقد علم وبرئت، وأما

الجزء: 18 - الصفحة: 144

غير الجار ومن لا يمكنه علم ذلك فلا يمين عليه.
قال أشهب: وأما حمالتها بغير زوجها لزوجها، فإنه ينظر في ذلك، فإن كان ظاهر الإساءة- بالبينة العادلة- وقلة ورعه وقهرته وتحامله عليها بما لا يحل معروفاً- إن لم تفعل ركبها بما لا يحل- فإن الحمالة ساقطة عنها إذا هي حلفت، وإن كان غير ذلك، حلف الزوج ما أكرهها ولا أخافها ولزمتها الحمالة.
والله أعلم وبالله التوفيق تم كتاب الحمالة من الجامع لابن يونس بحمد الله وإحسانه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه

الجزء: 18 - الصفحة: 145

بيان حساب مسألة الستة الحملاء قال محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله: قد تقدم فقه هذه المسألة وتفريع وجوهها، وأنا مبين وجه حسابها بتوفيق الله عز وجل وعونه: قال: إذا كان لرجل ستمئة درهمٍ على ستة رجالٍ، على أن بعضهم حميل ببعض بجميع المال.
فإذا لقي أحدهم فليأخذه بستمئة درهمٍ، مئة عن نفسه وخمسمئةٍ بالحمالة، ثم إن لقي الغارم للستمئة أحد أصحابه أخذه بمئةٍ أداها عنه، وبنصف الأربعمئة التي أداها عن الباقين؛ لأنه حميل معه بهم، فجميع ما يأخذه منه ثلاثمئةٍ، وبقي له مما غرم ثلاثمئةٍ.

الجزء: 18 - الصفحة: 146

ثم إن لقي ثانياً قال له: غرمت ثلاثمئةٍ، مئةٍ عن نفسي، ومئتين بالحمالة عن أربعةٍ أنت أحدهم تلزمك في خاصتك خمسون، وتبقى مئة وخمسون أنت معي بها حميل عليك نصفها: خمسة وسبعون، فجميع ما يأخذ منه: مئةٌ وخمسةٌ وعشرون، فصار جميع ما أخذ من صاحبيه أربعمئةٍ وخمسةٌ وعشرين وبقي له مما أدى بالحمالة خمسة وسبعون.
ثم إن لقي ثالثاً قال له: أديت بالحمالة خمسة وسبعين على ثلاثةٍ أنت أحدهم، فهلم ثلثها: خمسة وعشرين، ونصف ما يبقى؛ لأنك معي بها حميل فجميع ما يأخذه منه خمسون، وبقيت له خمسة وعشرون.
ثم إن لقي رابعاً قال له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسةٌ وعشرون هي عليك وعلى صاحبك الباقي، فهلم نصفها: اثنى عشر ونصفاً، ونصف باقيها بالحمالة وذلك ستة وربع، فجميع ما يأخذ منه: ثمانية عشر وثلاثة أرباع درهم، وبقي له مما غرم ستة وربع.

الجزء: 18 - الصفحة: 147

ثم إن لقي الآخر فيأخذ منه ستةً وربعاً، وهو باقي ما أداه بالحمالة.
ثم إن لقي الثاني- الغارم لهذا الأول ثلاثمئة لقي- الثالث الذي كان غرم للأول أيضاً: مئة وخمسة وعشرين، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة: مئتان عن أربعة أنت أحدهم عليك منها خمسون، فيأخذها منه، وتبقى مئة وخمسون أنت معي بها حميل، فيقول هذا الثالث: قد أديت أنا أيضاً بالحمالة للأول خمسة وسبعين ساويتك في مثلها، وبقيت لك خمسة وسبعون فخذ نصفها: سبعة وثلاثين ونصفاً، فجميع ما يأخذ منه: سبعة وثمانون ونصف، وصار جميع ما أداه هذا الثالث للأول والثاني: مئتين واثنى عشر ونصفاً، فأحفظها وبقي يطلب مئة واثنى عشر ونصفاً وهو ما أداه بالحمالة.
ثم إن لقي الرابع- الذي كان غرم للأول خمسين- فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة مئة واثنا عشر ونصف، عن ثلاثة أنت أحدهم يلزمك

الجزء: 18 - الصفحة: 148

في خاصتك ثلثها: سبعة وثلاثون ونصف، فيأخذها منه، وتبقى خمسة وسبعون أنت معي بها حميل فهلم نصفها، فيقول له الرابع: قد أديت أنا بالحمالة للأول خمسة وعشرين ساويتك في مثلها، وبقيت لك خمسون فخذ نصفها، فجميع ما يأخذ منه اثنان وستون ونصف، وجميع ما أدى الرابع للأول والثاني: مئة واثنا عشر ونصف، فاحفظهما.
وبقي الثاني يطلب بخمسين، ثم إنه إن لقي الخامس، فيقول له: بقي لي مما أديت بالحمالة خمسون عنك وعن السادس، عليك نصفها: خمسة وعشرون، فيأخذها منه، ويقول له: بقي لي خمسة وعشرون أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس: قد أديت أن أيضاً بالحمالة للأول: ستة وربعاً ساويتك في مثلها وبقيت لك: ثمانية عشر وثلاثة أرباع، على نصفها وذلك: تسعة وثلاثة أثمانٍ، فجميع ما أدى له الخامس: أربعة وثلاثون وثلاثة أثمان.
وجملة ما أدى هذا الخامس للأول ثمانية عشر وثلاثة أرباع، وللثاني أربع وثلاثون وثلاثة أثمانٍ، فجميع ذلك ثلاثة وخمسون وثمن، وبقي الثاني يطلب بخمسة عشر وخمسة أثمان، ثم إن لقي السادس فيأخذها منه.

الجزء: 18 - الصفحة: 149

ثم إن لقي الثالث- الغارم للأول والثاني مئتين واثنى عشر ونصفاً لقي- الرابع فقال له: بقي مما أديت بالحمالة مئة واثنا عشر ونصف عن ثلاثةٍ أنت أحدهم فهلم ثلثها: سبعة وثلاثين ونصفاً، فليأخذها منه، ويقول له: بقيت لي خمسة وسبعون أنت معي بها حميل، فيقول له الرابع: قد أديت أيضاً أنا بالحمالة للأول: خمسة وعشرين، وللثاني: خمسة وعشرين، فذلك خمسون ساويتك بها، وبقيت لك خمسة وعشرون فخذ نصفها: اثنى عشر ونصفاً، فيصير جميع ما يأخذ من خمسين، وجميع ما أدى الرابع للأول والثاني والثالث: مئة واثنان وستون ونصف.
ثم إنه لقي الخامس فيقول له: بقيت لي مما أديت بالحمالة: اثنان وستون ونصف عنك وعن السادس عليك منها: واحد وثلاثون وربع، فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل، فيقول الخامس: قد أديت أنا أيضاً بالحمالة للأول: ستة وربعاً، وللثاني: تسعة وربعاً وثمناً، وذلك خمسة عشر ونصف وثمن ساويتك فيها، وبقيت لك

الجزء: 18 - الصفحة: 150

خمسة عشر ونصف وثمن أيضاً، على نصفها: سبعة وثلاثة أرباع ونصف ثمن فيدفعها إليه فيصير جميع ما أخذ منه: تسعة وثلاثين ونصف ثمن، ويصير جميع ما أدى الخامس للأول، والثاني، والثالث: اثنين وتسعين وثمناً ونصف ثمن.
ثم إن الثالث لقي السادس فيقول له: بقي لي مما أديت عنك بالحمالة ثلاثة وعشرون وربع وثمن ونصف ثمنٍ، فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مئة.
ثم إن الرابع الذي غرم للأول، والثاني، والثالث: مئة واثنين وستين ونصفاً لقي الخامس فقال له: بقي لي مما أديت بالحمالة اثنان وستون

الجزء: 18 - الصفحة: 151

ونصف عنك وعن السادس، عليك نصفها: واحد وثلاثون وربع فيأخذها منه، ثم يقول له: بقي لي واحد وثلاثون وربع أنت معي بها حميل، فيقول له الخامس: قد أديت أنا بالحمالة للأول والثاني والثالث: ثلاثة وعشرين وثلاثة أثمان ونصف ثمن ساويتك في مثلها وبقيت لك سبعة وستة أثمان ونصف ثمن على نصفها: ثلاثة وسبعة أثمان وربع ثمن فيأخذها منه فيصير جميع ما يأخذ الرابع من الخامس: خمسة وثلاثين وثمناً وربع ثمن، وجميع ما أدى الخامس للأول، والثاني، والثالث، والرابع: مئة وسبعة وعشرون وثلاثة أرباع ثمنٍ فاحفظها، وبقي الرابع يطلب بسبعةٍ

الجزء: 18 - الصفحة: 152

وعشرين وربع وثلاثة أرباع ثمنٍ.
ثم إنه لقي السادس فيأخذها منه، فيذهب وقد غرم مئة.
ثم إن الخامس لقي السادس قد كان أدى للأول، والثاني، والثالث، والرابع: مئة وسبعة وعشرين وربعاً وثلاثة أرباع ثمنٍ، عليه منها مئة، بقي يطلب بسبعةٍ وعشرين وربعٍ وثلاثة أرباع ثمنٍ، فيأخذها من السادس، فيذهب وقد غرم مئة.
ويذهب السادس وقد غرم المئة: للأول ستة وربع، وللثاني: خمسة عشر وخمسة أثمان، وللثالث: ثلاثة وعشرون وثلاثة أثمان ونصف ثمنٍ، وللرابع: سبعة وعشرون وربع وثلاثة أرباع ثمنٍ، وللخامس مثلها، فجميع ذلك: مئة، فقد انصرف كل واحد منهم وقد غرم مئة، وبالله التوفيق، والحمد لله كثيراً كما هو أهله.

الجزء: 18 - الصفحة: 153

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم كتاب الحوالة جامع القضاء في الحوالة الأصل في جواز الحوالة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم ومن اتبع على مليء فليتبع)).

الجزء: 18 - الصفحة: 154

م: ولم يختلف في جوازها؛ وهي في الحقيقة بيع الدين بالدين فاستثنيت منه؛ لأنها معروف؛ كاستثناء العرية من بيع الرطب بالتمر.
قال أبو محمد: وقوله عليه الصلاة والسلام: ((من اتبع على مليء فليتبع)) هو على الندب، والله أعلم؛ يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم))، فإذا أحاله فلم يرض، فقد مطله؛ لأنه مليء بتعجيل حقه؛ ولو كان تلزمك حوالة بغير رضاك لكان لكل من أحلت عليه أن يحيلك إلى ما لا نهاية له، أو يحيلك على مليء ظالمٍ أو سلطانٍ ونحوه فهذا من الضرر،

الجزء: 18 - الصفحة: 155

ومن ناحية المطل الذي جعله الرسول صلى الله عليه وسلم ظلماً.
[(1) فصل: هل تكون الحوالة على غير أصل الدين؟] ومن المدونة وكتاب محمد قال مالك: لا تكون حوالة إلا على أصل دين، وإلا فهي حمالة.
م: قال غيره: لأن حقيقة الحوالة بيع الدين بالدين، وذلك يقتضي أن يكون ثم دين تحصل الحوالة به.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: الحوالة جائزة وإن لم يكن للمحيل على المحال عليه دين، وبه أقول؛ لقوله صلى الله عليه وسلم (ومن أتبع على مليء فليتبع).
ومن العتبية قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: في المطلوب يذهب بالطالب إلى غريم له فيأمره بالأخذ منه، ويأمر الآخر بالدفع إليه، فيتقاضاه فيقضيه البعض أو لا يعطيه شيئاً إن للطالب أن يرجع على الأول؛ لأنه يقول:

الجزء: 18 - الصفحة: 156

ليس هذا احتيالاً بالحق، إنما أردت أن أكفيك التقاضي، وإنما وجه الحول أن تقول أحلتك بحقك على هذا، وأبرأ إليك بذلك.
م: قال بعض الفقهاء: وإذا مات المحال عليه فقال المحال: أحلتني على غير أصل دين، وقال المحيل: بل على أصل دين قال: هو حول له ثابت حتى يتبين أنه أحاله على غير أصل دين؛ قال: لأن ظاهر الحوالة براءة للذمة، وأنها على أصل دين، فمن ادعى بعد قبوله الحوالة أنها على غير أصل دين لم يصدق.
قيل: فإن أحاله، ثم أنكر المحال عليه أن يكون عليه دين، هل يكون ذلك عيباً في الحوالة؟ لأن المحال يقول: لو علمت أن ليس عليه بينة ما قبلت الحوالة عليه فالأظهر أن لا مقال له عليه؛ لأنه فرط حين أحاله، وهو حاضر مقر إذ لم يشهد عليه، ولكن لو لم يحضر فقبل الحوالة عليه، فلما حضر أنكر لا نبغي ألا تلزمه الحوالة، وكذلك إن مات قبل أن ينكر فذلك

الجزء: 18 - الصفحة: 157

كالعيب في الحوالة؛ كما جعله- إذ غر من فلس المحال عليه- عيباً ترد به الحوالة.
انظر وهم يقولون: لو بعت سلعة من إنسان فوجدته عديماً مفلساً كتم ذلك لم ينقض البيع.
م: والفرق أن الحوالة إنما هي بيع دين بدين وإنما جازت للرخصة التي وردت فيها، وشراء الدين لا يجوز حتى يعرف ملء الغريم من عدمه؛ لأنه شراء لما في ذمته فإذا وجد ذمته معيبة كان له الرد؛ كسلعة اشتريت فوجدت معيبة، والذي باع السلعة لم يقصد شراء ما في ذمته فيردها بعيبٍ وجده فيها، والله أعلم.
وفي كتاب محمد- فيمن له عند رجلٍ وديعة، وعلى صاحب الوديعة دين لرجل فأحال صاحب الدين على المودع وقال له المودع: هي لك علي حتى أدفعها إليك، فذهب ليدفعها إليه فوجدها قد ضاعت عنده- قال: هو مصدق في الضياع ولاشيء عليه فيها، غير أنه ضامن

الجزء: 18 - الصفحة: 158

للطالب لما ضمن له بدفع ذلك إليه، أو قيمتها- إن كانت سلعة- إلا أن يكون دينه أقل، فيدفعه إليه ويرجع به على صاحبها.
[(2) فصل: إذا قبل المحال الحوالة هل تبرأ ذمة المحيل؟] ومن المدونة قال مالك: وإذا أحالك غريمك على من له عليه دين فرضيت بإتباعه برئت ذمة غريمك، ولا ترجع عليه في غيبة المحال عليه أو عدمه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: له الرجوع إن مات المحال عليه أو فلس أو جحد الحق.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((ومن أحيل على مليء فليتبع)) فأطلق؛ ولأنها حوالة برئت ذمة المحيل بها فلم يكن له الرجوع عليه، أصله إذا لم يتغير حاله.
[(3) فصل: إذا غر الغريم المحال بعدم غريمه] ومن المدونة: ولو غرك غريمك من عدم يعلمه بغريمه، أو بفلس فلك طلب المحيل.
م: لأن المحال إنما أبرأ الغريم على أن يسلم له ذمة مليئة، فإذا غره من عدمها فقد دلس لع بعيبها، فوجب له الرجوع فيما دفع عوضاً عنها

الجزء: 18 - الصفحة: 159

وهي ذمة غريمه.
قال مالك: ولو لم يغرك أو كنتما عالمين بفلسه كانت حوالة لازمة لك، فإن لم تقبض ما أحالك به حتى فلس المحيل أو مات فلا دخول لغرمائه معك في ذلك الدين؛ لأنه بيع نقد.
[(4) فصل: إذا حل ما تحيل به صحت الحوالة] وإنما تجوز الحوالة إذا حل ما تحيل به، أحلت على ما قد حل أو لم يحل، إذا كان في صفته وفي جنسه وهي السنة عند مالك وأصحابه، ودل على ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((مطل الغني ظلم ومن أتبع على مليء فليتبع))، والمطل لا يكون إلا بعد حلول أجل الدين، فأما إذا لم يحل دينك فلا نحيل به على دين قد حل أو لم يحل، ويصير ديناً بدينٍ، وقد جاء النهي عنه.
[(5) فصل: فيمن أحال على من ليس له قبله دين] قال مالك: وإن أحالك علة من ليس له قبله دين، فليست حوالة وهي حمالة سبيلها سبيل ما وصفنا في الحمالة.
قال ابن القاسم: ولو علمت حين أحالك عليه أنه لا شيء للمحيل عليه،

الجزء: 18 - الصفحة: 160

وشرط عليك المحيل براءته من دينه، فرضيت، لزمك ولا رجوع لك على المحيل إذا كنت قد علمت، وإن كنت لم تعلم فلك الرجوع.
[(6) فصل: فيمن قال لرجل خرق صحيفتك على فلان واتبعني بما فيها] وروى ابن وهب عن مالك: فيمن قال لرجلٍ: خرق صحيفتك على فلان واتبعني بما فيها من غير حوالة له بدين كان له عليه- إلا حمالة هكذا- فاتبعه حتى فلس الضامن أو مات لا وفاء له أن للطالب الرجوع على غريمه الأول؛ لأن المتحمل إنما هو رجل وعد رجلاً أن يسلفه ويقضي عنه- فكل شيءٍ كان من الحمالة فلم يقبض لفلسٍ أو نحوه فهو يرجع- وإنما يثبت من الحول ما أحيل به على أصل دينٍ، وبه أخذ سحنون.
م: وذكر ابن المواز قول ابن القاسم هذا عن أصبغ عن ابن القاسم نصاً سواء.
وقال محمد بعقب كلام ابن القاسم: إلا أنه إن فلس المحال عليه

الجزء: 18 - الصفحة: 161

قبل أن يدفع إلى المحال حقه، فليرجع المحتال على من أحاله، لأنه لو دفعه إليه المحال عليه كان له الرجوع به على المحيل، ولقد روى أشهب عن مالك: أنه إذا أفلس المحال عليه أو مات فليرجع المحال على المحيل إلا أن يكون أحاله على أصل دينٍ، فلا يرجع على الأول، قال: وما لم يفلس أو يمت فليس له أن يأبى من الدفع إلى المحال.
م: ويحتمل أن يوفق بين هذا وبين قول ابن القاسم في المدونة، ويكون معنى قول ابن القاسم: لا رجوع لك على المحيل يريد: ما لم يفلس أو يمت، وعلى هذا تأوله محمد واحتج بأنه لو دفعه المحال عليه لكان له به الرجوع على المحيل.
م: فيصير على هذا التأويل قول ابن القاسم، ورواية ابن وهب في المدونة، ورواية أشهب في كتاب محمد متفقة، والله أعلم.
م: وتأول بعض فقهاء القرويين أن معنى قول ابن القاسم في المدونة في قوله: خرق صحيفتك واتبعني بما فيها: أن ذلك

الجزء: 18 - الصفحة: 162

حملٌ فلا رجوع له على الحميل، ومعنى ما أراد ابن وهب أن ليس بحمل إلا أنه كأنه شرط أن يبدأ بطلب المحال عليه، فمتى مات، أو لم يوجد عنده شيء، رجع على الذي عليه الدين، ووقع في المدونة لفظان في الحوالة على غير أصل مال فجعل مرة ذلك حمالة يبدأ بالذي عليه الدين، فإن لم يوجد عنده شيء رجع على الذي تحول عليه، ومرة بدأ بالمحيل كأنه اشترط التبدية به.
ولأشهب في شرطه أن يأخذ أيهما شاء أنه لا يأخذ الحميل إلا في عدم الغريم، ورواه عن مالك.
ابن حبيب: وقال مطرف عن مالك: إذا شرط الغريم على الحميل أن حقي عليك لا أطلب به غريمي؛ لشر عرف منه أو قبح مطالبته أو لامتناع بسلطان، فالشرط جائز، وحقه عليه، حضر الغريم أو غاب في مثله أو عدمه، إلا أن يشاء أن يرجع على غريمه.
وقال ابن الماجشون: الشرط باطل، وهي حمالة لا يطالب الحميل إلا في عدم الغريم أو غيبته، وهي سنة الحمالة حتى تسمى الحوالة، فيقول: أحتال عليك من حقي، فحينئذ يكون حقه عليه، لا يرجع به على الأول، وما دام له الخيار في

الجزء: 18 - الصفحة: 163

الرجوع إلى الأول، فهي سنة الحمالة.
وقال أشهب وابن كنانة مثله: إنه كالحميل.
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ مثل رواية مطرف عن مالك، ويقولان: رواه ابن القاسم عن مالك، وبه أقول.
ابن المواز: ومن ضمن حقاً وشرط للطالب أن يأخذ من شاء بحقه ويبدأ بمن شاء، فقال ابن القاسم: له أن يأخذ من شاء بحقه، وقاله أصبغ.
وقال أشهب- ورواه عن مالك-، فيمن كتب حقه على رجلين على أن يأخذ الحي عن الميت، والحاضر عن الغائب وأيهما شاء أخذ بحقه فليس له أن يأخذ هذا ويبيع داره والآخر حاضر مليء، وأما في عدم صاحبه أو غيبته فذلك له.
[(7) فصل: فيمن أحيل فلم يجد عند المحتال عليه إلا بعض المال، أو مات المحتال وعليه دين] ومن كتاب محمد عن مالك- وقاله ابن القاسم فيه وفي العتبية-: ومن أحالك بدين على رجلٍ، ثم تبين أنه ليس له عليه إلا بعضه، فإنه تتم الحوالة فيما يساوي ماله عليه، ويصير الباقي حمالة يتبع بها أيهما شاء.

الجزء: 18 - الصفحة: 164

قال ابن المواز: إذا كان لغريمك عليه خمسون ديناراً، فأحالك عليه بمئة فمات الحميل، وعليه لغيرك مئة، والذي أحالك غائب، فالذي مات يحل ما عليه من دين ومن حمالة، فإنك تحاص به غرماءه بالمئة كاملة، فيصيبك بالحصاص خمسون، فمنها خمسة وعشرون عن الحول، وخمسة وعشرون عن الحمالة، فما كان منها للحمالة صار ديناً للميت على المحيل الغائب، ولك أنت عليه بقية الخمسين التي هي الحمالة، وذلك خمسة وعشرون، والميت أيضاً لك بها حميل، وبقي لك على الميت خمسة وعشرون بالحول لا ترجع بها على أحدٍ، فإذا قدم الغائب أخذت منه الخمسين التي عن الحمالة كلها لنفسك وللميت، فترد على الميت منها الخمسة والعشرين التي كنت أخذت منه في المحاصة بسبب الحمالة، فالذي صار للميت منها تضرب فيه أنت بما بقي لك على الميت من الحول خاصة، وهي خمسة وعشرون- إذ لم يبق لك من الحمالة شيء- ويضرب غرماء الميت بما بقي لهم-

الجزء: 18 - الصفحة: 165

يريد محمد وهو خمسون- فتأخذ أنت ثلثها وهم ثلثيها.
قال ابن المواز: وإن لم يوجد في مال القادم إلا خمسة وعشرون لزمك رد نصفها وهي: اثنا عشر ونصف إلى الميت، ثم تحاص أنت فيها غرماءه بما بقي لك من الحول والحمالة، وقد بقي لك عن الحول خمسة وعشرون وعن الحمالة اثنا عشر ونصف، لأنه لما رجع إليك من مال القادم خمسة وعشرون صار كأنه لم يجب لك على الميت بالحمالة إلا خمسة وعشرون، وبها كان ينبغي أن تحاص فكان يصير لك اثنا عشر ونصف إذ قد صار لكل غريم نصف حقه، فعليك أن ترد اثنى عشر ونصفاً؛ لأنك أخذت خمسة وعشرين، ثم تحاص فيها أنت وغرماء الميت ثانيةً كفضلةٍ من ماله، فتضرب أنت فيها بما بقي لك من الحول وذلك: خمسة وعشرون، ومن الحمالة وهو: اثنا عشر ونصف وذلك: سبع وثلاثون ونصف تحاص بها غرماءه في الاثنى عشر ونصف، فما نابك فثلثاه للحول وثلثه للحمالة، ويصير جزء الحمالة ديناً للميت على المحيل.
قال: وإن لم يوجد للقادم إلا عشرون، أو كانت هي التي أصابتك في

الجزء: 18 - الصفحة: 166

الحصاص مع غرماء القادم، فينبغي أن ترد: عشرة، تحاص أنت فيها بما بقي لك وغرماء الميت بما بقي لهم، ويبقى لك أنت بالحمالة خمسة عشر، ومن الحول خمسة وعشرون فذلك أربعون، فما صار لك منها فخمسة أثمانه عن الحول، وثلاثة أثمانه عن الحمالة، وإنما رددت الآن العشرة؛ لأنك لما أخذت العشرين من مال القادم عن الحمالة، وإنما رددت الآن العشرة؛ لأنك لما أخذت العشرين من مال القادم عن الحمالة علمنا أن بثلاثين كان ينبغي أن تحاص من الخمسين التي للحمالة في مال الميت، فتتمسك بنصف: ثلاثين: خمسة عشر من الخمسة والعشرين التي كانت وقعت لك في المحاصة أولاً بسبب الحمالة؛ لأن كل غريم أخذ نصف حقه أولاً، وترد عشرة فيكون فيها الحصاص.
م: وهذا على عمل يحى بن عمر في مسألة الزرع الرهن الذي لم يبد صلاحه يفلس صاحبه فيحاصص فيما بيده، فإذا حل بيع الزرع كان ما يأخذ من ثمنه مثل ما يقبض من الغريم الغائب فاعلم ذلك، وقد زدت في هذه المسألة بعض بيان من لفظي والله الموفق للصواب.
[(8) فصل: [:إذا استحق ما أحيل به أو رد بعيب] ومن المدونة وكتاب محمد: فإذا أحلت غريمك على ثمن عبد أو سلعة بعتها من رجل وهو مليء، ثم استحقت السلعة أو العبد، أو ردهما عليك بعيبٍ،

الجزء: 18 - الصفحة: 167

فقال ابن القاسم: الحول ثابت عليه، يؤديه للمحال عليه، ويرجع به عليك، قال: بلغني ذلك عن مالك.
ابن المواز: وقال أشهب: الحول ساقط، ويرجع غريمك عليك، وكذلك لو قبض ما أحلته به لرجع به من دفع إليه.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا، كما لو بيع على مفلس أو ميت متاعه وقبض غرماؤه من متولي بيعه أو من المشتري بحوالتهم عليه، ثم استحق ما بيع فليرجع المشتري بالثمن على من قبضه، وهذا قول أصحاب مالك كلمه.
م: ووجه قول ابن القاسم أنه لما أحاله صار ذلك حقاً للمحال على المشتري واجب عليه دفعه إليه وأن عهدته على البائع منه، فمتى وقه استحقاق أو رد بعيب وجب له الرجوع على بائعه؛ كما قال: إذا وهبت المرأة صداقها قبل الدخول، ثم طلقها الزوج فإن كانت موسرة مضى ذلك للموهوب وغرمت هي ذلك للزوج.
وقيل عنه: إن هبتها لا تجوز؛ لأن الغيب كشف أنها وهبت ما لا تملك،

الجزء: 18 - الصفحة: 168

فيجب على هذا أن لا يدفع المشتري للمحال شيئاً؛ لأنه أحاله فيما لا يملكه، مثل قول أشهب.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد والعتبية: فيمن باع عبداص بمائة دينارٍ، ثم تصدق بها على رجل وأحاله بها، وأشهد له، فاستحق العبد أو رد بعيبٍ، قال: إن قبض المتصدق عليه الثمن، وفات بيده لم يرجع عليه المشتري بشيء، ويرجع على البائع؛ كما لو قبضها المتصدق ثم تصدق بها، قال: ولو لم يفت الثمن بيد المعطي كان للمشتري أخذه، ثم لا يكون للمعطي شيء.
م: جعل هاهنا أنه وهبه ما ظن أنه ملكه فكشف الغيب أنه ليس بملكه، فجعله إن لم يقبض أو قبض ولم يفت رداً، فإن فات مضى، وقيل: إن قبض مضى؛ كما قال في هبة الزوجة صداقها.
ولا يبعد أن يقال: إذا فات بالهبة مضى؛ كما قال: إذا فات بالحوالة مضى.
[(9) فصل: في الحوالة بالكراء على دين بعد السكنى أو قبلها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً سنةً بعشرة دنانير على أن يحيله بها على رجل ليس له عليه دين جاز، وكانت حمالة جائزة، وليس للمكري طلب الحميل إلا في فلس المكتري أو موته عديماً، وإن اكتراها سنةً ثم أحاله بالدنانير قبل السكنى على رجلٍ له عليه دَيْنٌ جاز

الجزء: 18 - الصفحة: 169

ذلك إن كان الكراء عندهم بالنقد أو شرطوه، وإن لم يشترط ولا كانت سنتهم بالنقد لم يجز؛ لأنه فسخ دينٍ لم يحل في دينٍ حل أو لم يحل.
قال مالك: ولا بأس أن تكتري من رجلٍ داره أو عبد بدين لك حال أو مؤجل على رجلٍ آخر مقر حاضرٍ وتحيله عليه إن شرعت في السكنى والخدمة.
م: قال بعض الفقهاء القرويين: انظر ما معنى قوله إن شرعت في السكنى وهو يجيز كراءك لها بدين عليك إلى أجلٍ وإن لم تشرع في السكني.
م: وإنما قال ذلك لأن الحوالة من وجه فسخ الدين في الدين، وهو عندهم أشد من بيع الدين بالدين؛ ألا ترى أنه يجوز تأخير رأس مال السلم اليوم واليومين.
ولو أسلمت إليه في عرض ثم بعته منه لم يجز أن تؤخره يوماً أو ساعة؛ ولو أسلمت إليه في عرض ثم بعته منه لم يجز أن تؤخره يوماً أو ساعةً؛ لأنه فسخ دينٍ في دينٍ؛ فلذلك فرق بين كرائك الدار بدين لك علي رجل آخر، وبين اكترائك لها بدين عليك، فلم يجزه في الحوالة إلا أن تشرع في السكنى، وأجازه في كرائك بدين لك وإن لم تشرع في السكنى، والله أعلم.
قال أبو زيد: لا يجوز.
وقاله ابن القاسم في سماعه عن مالكٍ.

الجزء: 18 - الصفحة: 170

قال ابن المواز: واختلف قول مالك في الإجازة والكراء بالدين.
[(10) فصل: في الحوالة بالكتابة] ومن المدونة قال ابن القاسم، وإن أحالك مكاتبك على مكاتب له، وله عليه مقدار ما على المكاتب الأعلى فلا يجوز ذلك إلا أن تبت أنت عتق الأعلى.
م: يريد: وإن تحل كتابة الأعلى فيجوز بشرط تعجيل العتق؛ كما لا تجوز الحمالة بالكتابة إلا على شرط تعجيل العتق.
قال ابن القاسم: فإن عجز الأسفل كان لك رقاً، ولا ترجع على المكاتب الأول بشيء؛ لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حريته.
م: قال بعض الفقهاء: يجب أن يكون اسم الحوالة

الجزء: 18 - الصفحة: 171

براءة لذمة المكاتب من بقية الكتابة، وإذا برئت ذمة المكاتب من الكتابة وجب أن يكون حراً من غير تجديد عتق- كأدائه الكتابة- فكان يجب على هذا إذا رضي سيده بالحوالة على مكاتبه أن يكون حراً بنفس الحوالة، فإن عجز الأسفل كان له رقاً؛ لأن الغرر فيما بين السيد وعبده في هذا جائز؛ كما يفسخ ما عليه من الدراهم في دنانير إذا عجل عتقه، فهذا وإن أحاله بكتابة فعادت رقبة جاز ذلك فيما بينه وبين عبده لما بيَّنا، بخلاف أن يحيل رجلاً بدين له عليه على كتابة مكاتب، فهذا لا يجوز؛ لأن الحوالة رخصة- لأنها الدين بالدين- فلا يعدى بها ما خفف منها وهو أن يحيله على مثل الدين صفة ومقداراً، والقياس أيضاً في المكاتب أن تجوز حوالته بالكتابة وإن لم تحل، إذا أحال بجملتها أو بآخر نجم منها، وتكون نفس الحوالة موجباً لتعجيل العتق، وهذا هو قول غير ابن القاسم وهو أبين.
قال: وقد اختلف في فسخ الكتابة في غيرها من غير تعجيل العتق فأجيز وكره، واتفقوا على قطاعة أحد الشريكين أن تجوز وإن لم يتعجل عتق نصيب المقاطع لعدم قدرته على تعجيل عتقه، وأنه فعل أكثر مما يقدر عليه من رفع يده عما كان يقدر عليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تجوز حمالة بكتابة إلا على تعجيل العتق، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قبله لم يجز؛ لأنها حمالة، وإن كان له عليه دين حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت، ويعتق مكانه.
وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل، ويبرأ المكاتب في ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حراً مكانه، وإن

الجزء: 18 - الصفحة: 172

لم يحل النجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين حال؛ لأن هذا ذمة بذمة، ورباً بين السيد وبين مكاتبه، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها وإن حل الدين؛ لأنه فسخ دين لم يحل في دين حل أو لم يحل.
وقال غيره: تجوز الحوالة: ويعتق مكانه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدينٍ ثابتٍ، وكأنه عجل عتقه على دراهم نقداً أو مؤجلة والكتابة دنانير لم تحل؛ وكمن قال لعبده: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، فإن جاء بها كان حراً، ولم يكن بيع فضة بذهب، ولا فسخ دين في أقل منه؛ وكأنه لم يكن قبله إلا ما أدى، وبه أخذ سحنون.
م: وبه أقوال.
وقال ابن القاسم: لا ينبغي؛ لأن مالكً كره للسيد بيع الكتابة من أجنبي بعرض، أو غيره إلى أجلٍ ووسع في هذا بين السيد وبين مكاتبه، فلما كره مالك ذلك بين السيد وبين الأجنبي من قبل أنه دين بدين كرهنا الحوالة أيضاً إذا لم تحل الكتابة؛ لأنه دين بدين.
قال مالك: وسمعت بعض أهل العلم يقولون: الذمة بالذمة من وجه الدين بالدين.

الجزء: 18 - الصفحة: 173

م: واعترض قول ابن القاسم بعض أصحابنا بأن قال: الحوالة أمر بين السيد وبين مكاتبه، أسقط عنه الكتابة واعتاض ماله في ذمة الأجنبي، فلم يقع بين السيد وبين الأجنبي مبايعة، وأما بيع الكتابة من الأجنبي فهي معاملة بينه وبين الأجنبي لا بينه وبين مكاتبه فهذا مفترق.

وقال عن بعض شيوخه القرويين: إنما يختلف ابن القاسم وغيره إذا سكتنا عن شرط تعجيل العتق أو عن بقائه مكاتباً، فعند ابن القاسم: يفسخ ما لم يفت بالأداء، وعند غيره: يحكم بتعجيل العتق، وأما لو أحاله بشرط تعجيل العتق فلا يختلفان أن ذلك جائز، وكذلك بشرط ألا يعتق بل يختلفان أن ذلك لا يجوز، فإن وقع الأمر مبهماً اختلفا.
تم كتاب الحوالة بحمد الله، وحسن عونه وتوفيقه من الجامع لابن يونس، وحسبنا الله وحده ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عفا الله عن كاتبه وعمن قرأ فيه وعمن حضره من جميع المسلمين.

الجزء: 18 - الصفحة: 174

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالة
[الباب الأول] في الحمالة بالوجه أو بالمال, وموت الغريم, وما يبرئُ الحميل.[الباب الثاني:] فيمن ادَّعى قِبَل رَجُلٍ حقاً فقال له رجلٌ: إن لم[الباب الثالث] في التداعي في الحمالةالباب الرابع] في إغرام الحميل وموته, أو موت الغريم [وكيفالباب الخامس] فيمن تحمل بمجهول, أو قال للمدعي: احلف وأنا[الباب السادس] في حمالة الجماعة, وغُرمهم, وتراجعهم.[الباب السابع] شرح مسألة حملاء وبيان حسابها[الباب الثامن] فيمن أخذ حميلاً بعد حميل, أو حميلاً من حميل[الباب التاسع] في تأخير الطالب للحميل أو الغريم[الباب العاشر] في الحميل يدفع غير ما تحمل به, وفي اشترائه[الباب الحادي عشر] في صلح الكفيل أو الغريم, وغُرم الكفيل ورجوعه.[الباب الثاني عشر] في الكفالة بالدرك, وكيف إن[الباب الثالث عشر] في الحمالة بنفع أو جُعل, وما يفسد من شروطها أو يصلح.[الباب الرابع عشر] في الحميل يَدَّعِي أنه وافاه بغريمِه, وما تجبُ[الباب الخامس عشر] في الكفالة في الحدود، وكفالة الأخرس[الباب السادس عشر] في الحمالة بالخدمة والصنعة[الباب السابع عشر] في الحمالة بمجهول أو إلى أجل مجهولٍ،[الباب الثامن عشر] في كفالة البكر المعنسة وغير المعنسة
كتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل