الجامع لمسائل المدونةالمقدمة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء: 1 - الصفحة: 1

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس التميمي الصقلي رحمة الله عليه: الحمد لله المنعم بهدايته، المتمم لنعمته، المتفضل على جميع بريته، أحمده على جميع آلائه، وسوابغ نعمه، حمد مقر بربوبيته، عارف بوحدانيته، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى كافه خلقه، بشيراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه، وسراجاً منيراً، فبلغ رسالته، وأدى أمانته، فهدى به من شاء بفضله، وأضل به من خذله بعدله صلى الله عليه، وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً.
أما بعد:- يسرنا الله لهدايته، وهدانا إلى توفيقه: فقد انتهى إلي ما رغب فيه جماعة من طلبة العلم ببلدنا في اختصار كتب المدونة، والمختلطة، وتأليفها على التوالي، وبسط ألفاظها تيسيراً، وتتبع الآثار المروية فيها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وعن أصحابه رضي الله عنهم، وإسقاط إسناد الآثار، وكثير من التكرار، وشرح ما أشكل من مسائلها، وبيان وجوهها، وتمامها من

الجزء: 1 - الصفحة: 2

غيرها من الكتب، فسارعت إلى ذلك رجاءَ النفع به، والمثوبة عليه إن شاء الله تعالى.
وأدخلت فيه مقدمات أبواب كتاب الشيخ أبي محمد بن أبي زيد رحمه الله تعالى وزياداته، إلا اليسير منها، وطالعت في كثير منها ما نقله في النوادر، ونقلت كثيراً من الزيادات من كتاب ابن المواز، والمستخرجة ولم أخل من النظر إلى نقل أبي محمد واختصاره فيها، وعملت على الأتم عندي من ذلك، وربما قدمت، أو أخرت مسائل يسيرة إلى شكلها؛ [لئلا] تفوت

الجزء: 1 - الصفحة: 3

قراءتها قارئ موعده في الأمهات، ورأيت العناية بذلك محمودة، والخير فيه مأمول، وكل ينتهي من ذلك إلى ما يسر إليه، وأعين عليه بمن الله وفضله، وتسديده، وتوفيقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 4

باب-1 في فصل العلم والحث عليه وأصوله

. فصل 1: في الدلائل على فضل العلم والعلماء، وحكم طلب العلم.
قال تعالى: {يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ { وقال تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ {قال ابن أبي زيد: ((بالعلم في الدنيا)).
وفي قوله سبحانه: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيرا {، فقد جاء في التفسير أنه الفقه في الدين وقاله مالك بن انس، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)).

الجزء: 1 - الصفحة: 5

وقال: ((طلب العلم فريضة على كل مسلم أن يتعلمه)).
فطلب العلم فريضة، كفريضة الجهاد؛ لقوله تعالى: {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إليهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ {، فجعل ذلك فرضاً يحمله الخاص عن العام، إلا ما لا يسع جهله من اللوازم، من صفة الوضوء، والطهر، والصلاة، والصوم، والزكاة، والحج ففرض على كل من لزمه ذلك، معرفته.
وقد سئل مالك عن طلب العلم أفريضة؟.
فقال: أما على كل الناس فلا.

الجزء: 1 - الصفحة: 6

وذكر عن سحنون أنه قال: أما من كان فيه موضع لرجاء الإمامة، فواجب عليه قوة الطلب، أو كلاماً هذا معناه.
[فصل-2: الجد.
والمثابرة.
وهداية الله سبب الحصول على العلم.] والعلم لا يأتي إلا بالعناية، والمباحثه والملازمة مع هداية الله تعالى وتوفيقه.
قال ابن المسيب: ((أن كنت لأسير الليالي والأيام في طلب الحديث الواحد)) وبذلك ساد أهل عصره، وكان يسمى سيد التابعين.

الجزء: 1 - الصفحة: 7

وقال مالك: أقمت خمسة عشر سنة أغدو من منزلي إلى منزل ابن هرمز وأقيم عنده إلى صلاة الظهر، مع ملازمته لغيره، وكثرة عنايته، وذيلك فاق أهل عصره، وسمي أمام دار الهجرة.
وإقام ابن القاسم متغرباً عن وطنه في رحلته إلى مالك عشرين سنة ولم يرجع حتى مات مالك رحمه الله، ورحل أيضاً سحنون إلى ابن القاسم حتى هذب هذه المدونة، والمختلطة، وحصلت أصل علم المالكيين، ومقدمة على سائر الدواوين بعد موطأ مالك رحمه / الله.
ويروي أن ما بعد كتاب الله تعالى اصح من موطأ مالك.

الجزء: 1 - الصفحة: 8

ومما تمثل به سحنون هذا الشعر: اخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته ومد من القرع للأبواب أن يلجأ.
وقال مجاهد: ((لا يتعلم العلم مستحي، ولا مستكبر)).
وقالت عائشة - رضي الله عنه -: ((نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين)).
وسنذكر، أن شاء الله، كثيراً من هذا، ومن فضائل العلم في الجامع لهذا الكتاب.
والله نسأل التوفيق، وإياه نستخير، وهو حسبي ونعم الوكيل.
فصل -3 [في أصول علم الفقه] اعلم، وفقنا الله، أن الأصل في هذا العلم اتباع الكتاب، والسنة وإجماع الأمة، ثم النضر، والاستدلال، والقياس على ذلك.
والدليل على ذلك قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ {

الجزء: 1 - الصفحة: 9

وقال: {فَإِذَا قَرَانَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَه {. فوجب علينا لذلك اتباعه، ثم اتباع السنة؛ لقوله تعالى: {مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ {. وقال: {وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا {. وقال: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً {. ثم إجماع الأمة؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقْ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً {. وقال: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ {. فأمر باتباع سبيل المؤمنين، وقرن طاعتهم بطاعته، وطاعة رسوله.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لن تجتمع أمتي على ضلالة)).

الجزء: 1 - الصفحة: 10

ثم النظر، والاستدلال، والقياس؛ لقوله تعالى: {أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {وقوله: {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ {، وقوله: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ {. وقال تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ

الجزء: 1 - الصفحة: 11

يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ {. فقد ثبت أصل ذلك من كتاب الله تعالى الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه، ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد.

الجزء: 1 - الصفحة: 12

كتاب الطهارة

الجزء: 1 - الصفحة: 13

باب، -1 - في فرض الوضوء، وسننه، وفضائله

/ [فصل -1 - في حكم الطهارة.
وشروط وجوبها] قال محمد بن عبد الله من يونس رحمه الله: ((الطهارة من الحدث فريضة واجبة على كل من لزمته الصلاة)).
وشروط وجوبها خمسة: الإسلام، البلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة.
قال ابن مسعود، وغيرة ((كان الطهر في أول الإسلام سنة حتى نزل

الجزء: 1 - الصفحة: 14

فرض الوضوء بالمدينة في سورة المائدة، وهو قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى قوله {فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً {. قال زيد بن اسلم: أذا قمتم يعني من النوم.
وقيل: معناه، أذا قمتم محدثين.
وقيل: كان هذا أمراً من الله تعالى بالوضوء لكل صلاة، ثم نسخ ذلك بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - تخفيفاً على أمته؛ لان ذلك كان يشق عليهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 15

وقيل: معنى قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {أذا أردتم القيام إلى الصلاة.
قال محمد بن سلمة، وغيره: آية الوضوء فيها تقديم، وتأخير، والمعنى فيها: يا إيها الذين آمنوا أذا قمتم إلى الصلاة، أو جاء احد منكم الغائط، أو لامستهم النساء فاغسلوا وجوهكم، وأيديكم إلى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين وامسحوا برؤوسكم، وان كنتم جنباً فاطروا /، وان كنتم مرضى، أو على سفر فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم، وأيديكم منه ما يريد الله؛ ليجعل عليكم من حرج، أي من ضيق، ولكن يريد ليطهركم، أي من الذنوب، بامتثال ما أمركم به، وفعل ما افترض عليكم.
وإنما قدرت هذا التقدير؛ ليكون ذكر هذه الإحداث معطوف متصلاً بقوله: {إِذَا قُمْتُمْ {فيتضح أن قوله: {إِذَا قُمْتُمْ {يعنى من النوم، كما قال زيد.
ويبعد قوله من تأول قوله {إِذَا قُمْتُمْ {، أي محدثين؛ لاتصال ذكر الإحداث بقوله {إِذَا قُمْتُمْ {، فيكون تكريراً في اللفظ بمعنى واحد، فحملها على فائدتين أولى وليكون - أيضاً - قوله {وَأَرْجُلَكُمْ {عطفاً متصلاً على غسل اليدين، فيكون حجة على من قال فيهما بالمسح، وجعل إنهما مطوفتان على مسح الرأس.
ولذلك قال ابن مسلمة: فيها تقديم وتأخير.

الجزء: 1 - الصفحة: 16

والتقديم والتأخير في كتاب الله تعالى كثير / قال الله تعالى: {يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ {، والمعنى: واركعي واسجدي؛ لأن الركوع قبل السجود باتفاق، والواو لا توجب رتبة في كلام العرب.
وقوله تعالى: {جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ {يعني: السببين: الغائط، والبول، وقوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ {يعني الملامسة الصغرى، دون الجماع، وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا {، أي فاغتسلوا، وقوله: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، وانتم على هذه الأحوال التي تقدم ذكرها، فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً.
وقيل: بل الآية على تلاوتها، لا تقديم فيها ولا تأخير فيها، لان التلاوة موافقة لصفة وضوئه عليه السلام، ولما عليه العمل.
وقوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى {. يعني: لا تستطيعون مس الماء أو على سفر، أو جاء احد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيداً طيباً يعني: أن كنتم مسافرين، أو محدثين مقيمين وأردتم القيام إلى الصلاة فلم تجدوا ماء فتيمموا.

الجزء: 1 - الصفحة: 17

وهذا كله كلام مستقيم، لا يحتاج فيه إلى تقديم، ولا تأخير.
والله اعلم.
فصل -2 [في أنواع الطهارة] قال عبد الوهاب: الطهارة من الحدث الفريضة الواجبة على كل من لزمته الصلاة، وهى ثلاثة أنواع: وضوء، وغسل، وبدل منهما عند تعذرهما، وهو التيمم، وهو طهارة على الحقيقة، وان كان لا يرفع الحدث.
وقال غيره: لا أقول أن التيمم بدل منهما، وإنما أقول: أنها عبادة مستأنفة وليس بدل؛ لان البدل يقوم مقام المبدل منه في كل الأحوال، والتيمم لا يقوم مقام الطهارة بالماء في كل الأحوال؛ لأنه لا يرقع الحدث رأساً، ولا يصلى به

الجزء: 1 - الصفحة: 18

صلاتين.
[فصل -3: في إحكام الوضوء] قال عبد الوهاب: وإحكام الوضوء ثلاثة أنواع: فرض، وسنة، وفضيلة/، والسنة أوكد من الفضيلة.
ففروضه من غير المتطهر من جنابة، أو حيض سبعة، وهى: النية، والماء الطاهر، وغسل جميع الوجه، وغسل اليدين إلى المرفقين، ومسح ارأس كله عند مالك، وغسل الرجلين إلى الكعبين، والموالاة مع الذكر، ولا يفسده قليل التفريق.
وقد قيل: أن الموالاة سنة، والظاهر من قول مالك أنها واجبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 19

وسننه سبع- أيضاً: غسل اليدين قبل/ إدخالها في الإناء، والمضمد، والاستنشاق، ورد اليدين في مسح الرأس إلى حيث بدأ منه، ومسح داخل الإذنين، وفى ظاهرهما اختلاف، فقيل: فرض، وقيل: سنة، وتجيد الماء لهما سنة، والترتيب سنة.
وفضائله سبع- أيضاً -، وهى: أن لا يتوضأ في الخلاء، وان يضع الإناء على يمينه، وان يسمى الله تعالى أذا شرع، والسواك قبله، وان يبدأ بالميامن، وان يبدأ بمقدم الرأس أذا مسح، وتكرار مغسولة مرتين أو ثلاثاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 20

وقد اختلف الناس في هذه السنن، والفضائل، وهذا الذي ذكرت أحسن ما رأيت.
وبالله التوفيق.
[فصل -4] ذكر الأدلة في فرائض الطهارة.
أول ذلك النية، قال الله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ {، والإخلاص هو القصد، والوضوء والغسل من الدين فيجب أن يخلصها لله تعالى.
قال الله تعالى: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ {جاء في التفسير على نيته.

الجزء: 1 - الصفحة: 21

وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((الأعمال بالنيات)).
فعم جميع الأعمال، والطهارة عمل ثم قال: (وإنما لامرئ ما نوى)) فدل على أن ما لم ينوه لا يكون له، وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((الوضوء شطر الإيمان)).
واتفقنا أن الإيمان لا يصح إلا بنية، فكذلك شطره، ولا فرق بين الوضوء، وبن الصلاة، والصيام، الذي اتفقنا إنهما لا يصحان إلا بنية؛ لان جميع ذلك عبادة واجبة يتقرب بها إلى الله تعالى فاستويا؛ ولأنهما طهارة عن حدث، كالتيمم.
فان قيل: فقد علم النبي - صلى الله عليه وسلم - الإعرابي الوضوء، ولم يذكر له نية.
قيل: وقد علمه الصلاة، ولم يذكر له نية، فلم يدل ذلك على سقوط النية فيها، بل قال له: ((توضأ كما أمرك الله به)) والله قد أمرنا بالنية فيما بينا.

الجزء: 1 - الصفحة: 22

وذهب أبو حنيفة إلى أن الطهارة لا تفتقر إلى نية، بخلاف التيمم الثاني: الماء المطلق.
لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ {؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه / أو طعمه أو ريحه)) وإيعاب الحجة فيه في موضع الكلام على المياه.

الجزء: 1 - الصفحة: 23

الثالث: غسل جميع الوجه.
أجمعت الأمة على إيجاب غسله؛ لقوله تعالى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {. الرابع: غسل الذراعين / مثله.
أجمعت الأمة على غسلهما، واختلفوا في إدخال المرفقين في الغسل؛ واختلف في قول مالك.
فوجه قول من قال: لا يدخلهما أن "إلى" موضوعها في اللغة الانتهاء فرآها مالك في هذا القول غاية، والصواب قوله بدخولهما في الغسل؛ لان "إلى" قد تكون بمعنى مع كقوله تعالى: {مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ {أي مع الله.
وقوله تعالى: {وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ {أي: مع شياطينهم، فلما كانت

الجزء: 1 - الصفحة: 24

تصلح للمعنيين وقع الخلاف.
وروى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ، وأدار يده على مرفقيه فكان فعله بياناً، ورفعاً للإشكال.
ويأتي بعد هذا شيء من ذكر الحجة في ذلك.
الخامس: مسح الرأس.
اختلفوا في مسحه، فذهب مالك رحمة الله إلى مسح جميعه، خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، وقال محمد بن مسلمة: أن مسح ثلثيه أجزأه.
وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 25

أبو الفرج: أن مسح ثلثه أجزاه.
والدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {فهو كقوله في التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {. فلما لم يجز أن يقتصر على مسح بعض الوجه باتفاق، وجب أن لا يقتصر على مسح بعض الرأس.
وكقوله: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ {، الذي لا يجوز الاقتصار فيه على بعض الطواف؛ ولان الباء إنما دخلت للإلصاق، كقولك: كتبت بالقلم، أي ألصقت الكتابة به، وليس هو كما زعموا أنها للتبعيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 26

دليلنا: أن الاستثناء يصح فيما ذكرنا، ولا يصح فيما كان للتبعيض، لو قلت: امسح برأسك، إلا بعضه جاز، وكأنك قلت: امسح رأسك، إلا بعضه، ولا يجوز امسح ببعض رأسك إلا بعضه؛ لأنك استثنيت مجهولاً من مجهول، ولو صح أنها تصلح للمعنيين وأشكل ذلك فقد رفع الإشكال فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ ومسح جميع رأسه، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
فان قيل: فقد روي أنه مسح ببعض رأسه فدل أنه الواجب، وما رويتموه استجاباً أذا إنما يقتدي في مثل هذا بالأقل.
قيل: بل ما رويناه هو الواجب؛ لإجماع الصحابة عليه رواية وفعلاً، وإنما شذت رواية أنه مسح برأسه، ويمكن أن يكون فعل ذلك لعلة، أو فعله مجدداً.
ومذهب مالك رحمه الله: أن لا يمسح الرأس على حائل، إلا لعلة، وبه

الجزء: 1 - الصفحة: 27

قال فقهاء الأمصار، إلا الثوري وابن حنبل، فأنهما أجازا أن يمسح الرأس على حائل، عمامة أو غيرها، وان كان لغير عذر.
فالدليل لمالك، قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ {، فمن مسح على حائل فلم يمسح على رأسه.
ولما روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مسح رأسه بيديه مباشراً له، وتمادى فعله وفعل أصحابه عليه، وانه توضأ، وعليه عمامة، فادخل يديه من تحتها ومسح برأسه.

الجزء: 1 - الصفحة: 28

فإن قيل: فقد روي أيضا أنه مسح على عمامته.
قيل: هذا حديث مضطرب فيه، غير معتمد عليه، ولو صح فهي فعلة واحدة يمكن أن تكون لعذر أو لتجديد.
السادس: غسل الرجلين: فمذهب مالك غسل جميعهما إلى الكعبين، وهو مذهب، فقهاء الأمصار، إلا شذوذ طائفة من أهل الشيعة.
ذهبوا إلى المسح، ولا يعد مثل ذلك خلافاً.
ومن الدليل لمالك قوله تعالى: {وَأَرْجُلَكُمْ {، نصباً عطفاً على غسل الوجه واليدين؛ ولىنه إلى الكعبين كما حدد إلى المرفقين.
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((ويل للإعقاب من النار)) يدل على أنه الغسل، وكذل فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلف هذه الأمة.

الجزء: 1 - الصفحة: 29

وحديث ((ويل للأعقاب من النار))، رواه مالك في الموطأ عن عائشة رضى الله عنها عن النبي عليه السلام، وروى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: تخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - عنا في سفرة سافرناها معه فأدركنا وقد رهقتنا الصلاة، ونحن نتوضأ فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته ((ويل للإعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً)).
فان قيل: فقد قرئ / {وَأَرْجُلَكُمْ {بالخفض عطفاً على مسح الرأس.
قيل: فان الأئمة الذين قرءا بالخفض كانوا يغسلون، وحجتهم في القراءة أن من شأن العرب الاتباع على المجاورة، كقولهم: هذا جحر ضب خرب، فيخفضون خرباً على الجوار، والاتباع لضب، ومعناه خرب، لأنه صفة للجحر؛ لان الضب لا يخرب.
قال الشاعر: لقد كان في حول ثواء ثويته.

الجزء: 1 - الصفحة: 30

فخفض الثواء على مجاورة الحول.
فإن قيل: فقد وصف ابن عباس وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - فمسح على رجليه.
قيل: يمكن أن يكون مسح على خفيه.
دليله أن قراءة ابن عباس {وَأَرْجُلَكُمْ {بالنصب.
السابع: الموالاة مع الذكر.
فرض، خلافا لأبي حنيفة، والشافعي.
ودليلنا على ذلك قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {، والأمر المطلق

الجزء: 1 - الصفحة: 31

على الفور.
ولما رُوى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ووالى، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)).
وهو قول عمر بن الخطاب، ولم يخالفه صحابي، فهذا كالإجماع؛ ولأنها عبادة تبطل بالحدث، فكان للتفريق تأثير في بطلانها، أصله الصلاة.
وما روى أن ابن عمر توضأ، ثم خرج إلى السوق، فدُعِي لجنازة، فمسح على خفية.
فيحتمل أن يكون ذلك بالقرب، أو يكون نسيهما ذكرهما.
فإن قيل: لو كان وجبًا؛ لما افترق عمده وسهوه؟ قيل: هذا غير لازم.
دليله: الأكل في الصيام، والكلام في الصلاة أن عمده مفارق لسهوه.
وجميع ما ذكرته هو لأصحابنا البغداديين، إلا ما اختصرت وبينت أنه منه.
[فصل-5] ذكر أدلة السنن: فأول ذلك: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، ثم المضمضة، ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 32

الاستنشاق فليس لذلك نص في كتاب الله تعالى فسقط أن يكون ذلك فرضًا.
وثبت فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لذلك في حديث عبد الله بن زيد بن عاصم، وحديث عثمان بن عفان رضي الله عنه حين وصفا وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل / أن ذلك سنة.
وقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها، فإن أحدكم لا يدرى أين باتت يده، وهو في الموطأ، ورواه البخاري.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من الفطرة خمس في الرأس)) فذكر ((المضمضة، والاستنشاق))، والفطرة هي السنة.

الجزء: 1 - الصفحة: 33

وقال عليه السلام: ((من توضأ فانتشر من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج))، فهذا يؤيد -أيضا- أن ذلك غير واجب، كوجوب الفرائض، خلافًا لأبي حنيفة والثوري.
وأما مسح ظاهر الأذنين، فالظاهر من قول مالك رحمه الله، وقو أكثر أصحابه: أنهما سنة.
وقال بعض أصحابنا البغداديين: أنهما داخلتان في فرض الرأس،

الجزء: 1 - الصفحة: 34

واستدلوا بما روى ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((الأذنان من الرأس))، ويستأنف لهما الماء، قالوا: ومعلوم أنه لا يعلمنا المشاهدات، وإنما يعلمنا الأحكام، وينبهنا عليها، وهذا من أوكد أدلتهم، وليس في ما ذكروه، تحقيق وجوب فرضهما، وإنما أورد -والله أعلم- بقوله: ((الأذنان من الرأس)) أنهما من سنن الرأس سنتهما المسح، كما أن فرض الرأس المسح، كقولنا: إن الأنف والفم من الوجه وسنتهما الغسل، كما أن فرض الوجه الغسل، فأبان - صلى الله عليه وسلم - أن في الرأس فرضًا وسنة كما أن في الوجه فرضًا وسنة، فإذا كان المراد ما ذكرناه لم يكن لهم فيما رووا حجة.

الجزء: 1 - الصفحة: 35

والدليل على صحة قولنا: قوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {إلى أخر الآية ولم يذكر تعالى غسل فم، ولا أنف، ولا مسح أذن، فدل أن ذلك سنة.
وأيد ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خمس من الفطرة في الرأس)) فذكر ((المضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين، فدل أنهما سنة، والفطرة هي السنة، ولا اختلاف بين المالكيين في المضمضة، والاستنشاق أنها سنة، فكذلك الأذنان؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن جميع ذلك من الفطرة)).
وقد روى /ابن شعبان عن عائشة رضي الله عنها: أن الأذنين من الرأس، وليس المسح عليها فريضة، فهذا نص، وهو كتأويلنا للحديث.
وقد قال ابن حبيب، وأبو محمد بن أبى زيد رحمهما الله تعالى -وهما

الجزء: 1 - الصفحة: 36

من أئمة الهدى- وسن الرسول - صلى الله عليه وسلم - المضمضة، والاستنشاق، ومسح الأذنين.
أفتراهما يقولان: سن فيما لم يصح عندهما أنه سنة؟ وقد فرق مالك رحمه الله بين حكمهما، وحكم الرأس، فقال: من ترك شيئًا من مسح رأسه/ عامدًا أو ساهيًا حتى صلى أعاد الصلاة أبدًا، ومن ترك مسح أذنيه عامدًا أو ساهيًا حتى صلى، فلا إعادة عليه ويمسحهما لما يستقبل، كقوله في من ترك المضمضة والاستنشاق فهذا يدل أنههما عنده سواء.
وبالله التوفيق/.
الرابع: تجديد الماء لأذنيه.
فلما روىَ أن الأذنين من الرأس، ويستأنف لهما الماء، ولا خلاف بيننا في ذلك.
الخامس: مسح داخل الأذنين.
فلما روىَ ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في حجرتي أذنيه)).

الجزء: 1 - الصفحة: 37

وروي أنه كان إذا توضأ أدخل إصبعيه في صماخيه.
السادس: رد اليدين في الرأس إلى حيث بدأ.
فلما روى في صفة عبد الله بن زيد حين وصف وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: بدأ من مقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ.
ولا خلاف أن رد اليدين ثانية بعد استيعاب مسح الرأس ليس بفرض، وهو عند مالك وأصحابه سنة.
قال ابن القصار: ((ولو بدأ بالمسح من مؤخر الرأس لكان المسنون أن يرد يديه من المقدم إلى المؤخر)).
قال ابن شعبان: والمسنون أن يبدأ بالمقدم، ويُنهى من بدأ بالمؤخر عن العودة.

الجزء: 1 - الصفحة: 38

السابع: الترتيب.
فلما روى في حديث عثمان بن عفان، وعبد الله بن زيد.
فإن قيل /: فإن هذا يدل على أنه وجب؛ لأن أفعاله - صلى الله عليه وسلم - على الوجوب، وقد قال تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ {فقد وافق ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فدل على أنه الواجب، وهو قول الشافعي.
فالجواب لهم عن ذلك إجماع النحويين أن الواو لا توجب رتبةً في لغة

الجزء: 1 - الصفحة: 39

العرب التي نزل القرآن بلسانها، ولا حجة لهم أن الحديث أيد وجوبه، لما روى ابن عباس أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - توضأ، فغسل وجهه، ثم ذراعيه، ثم رجليه، ثم مسح برأسه، وروى عن عثمان رضي الله عنه أنه توضأ وعكس وضوئه بملأ من الصحابة، فقال: هكذا رأيتم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ؟ فقالوا: نعم، وأن عليًا وابن مسعود قالا: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا، وقالا أيضا: ما نبالي إذا عممنا الوضوء بأي الأعضاء بدأنا.
فدل ذلك على بطلان وجوب الترتيب.
فإن قيل: فإن الفاء في لغة العرب للتعقيب، وقد قال الله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ {، فأمر بغسله عقيب القيام

الجزء: 1 - الصفحة: 40

للصلاة، وأنتم تجيزون غسل الرجلين واليدين قبل ذلك.
قيل: الفاء عند النحويين إذا جاءت جواباً للشرط لم تكن للتعقيب، وإنما تكون للتعقيب إذا كانت العاطفة، كقولك: "جاءني زيد فعمرو"، وفي الأمر، كقولك إعط زيداً/ فعمراً، وبالله التوفيق.
[فصل-6] ذكر أدلة الفضائل: فأول ذلك أن لا يتوضأ في الخلاء؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك مخافة الوسواس.
وتحويل الإناء عن يمينه؛ لفعله صلى الله عليه وسلم لذلك؛ ولأنه أمكن لنقل الماء إلى الأعضاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 41

والتسمية فضيلة؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم فعله، وليس له نص في كتاب الله ولا ثبات في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
فإن قيل: فقد روي ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله)).
قيل: هذا حديث لم يصح، أوقفه أئمة الحديث ابن حنبل وغيره.
والسواك، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل

الجزء: 1 - الصفحة: 42

وضوء)).
وهو في الموطأ/ وأن يبدأ بالميامن؛ لما روىّ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال ((إن توضأ أحدكم، فليبدأ بميامنه)).
وأن يبدأ بمقدم رأسه؛ لما روُى أن الرسول صلى الله عليه وسلم فعله.
وتكرار مغسوله؛ فلما روُىّ أنه صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة، وقال: ((هذا وضوء

الجزء: 1 - الصفحة: 43

لا يقبل الله الصلاة إلا به))، يريد لا تجزئ بأقل منه، ثم توضأ مرتين مرتين وقال: ((من توضأ مثله أوتى أجره مرتين))، ثم توضأ/ ثلاثاً، وقال: ((هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي)).
قال الأبهري: فمرة هو الفرض، ومرتان مستحب، وثلاث فضل، فمن توضأ ثلاثا، فقد أتى بالفرض، والاستحباب، والفضل.
وذكر عبد الوهاب في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الوضوء:

الجزء: 1 - الصفحة: 44

((مرة ومرتين وثلاثا، فمن زاد، فقد أساء، وأخطأ)).
قال: وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: الثالثة في الوضوء شرف، والرابعة سرف.
[فصل-7] في توقيت الوضوء وصفته.
قال ابن القاسم: لم يوقت مالك في الوضوء واحدة، ولا اثنتين، ولا ثلاثا، إلا ما أسبغ.
وقد قال الله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ)، ولم يوقت واحدة من ثلاث.

الجزء: 1 - الصفحة: 45

وقد اختلفت الآثار في التوقيت: فروى مالك في الموطأ أن عبد الله بن زيد بن عاصم، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصف وضوء النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بوضوء فأفرغ على يديه فغسل يديه مرتين، ثم مضمض واستنثر ثلاثاً، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ثم غسل ذراعيه إلى المرفقين مرتين مرتين، ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما، وأدبر، بأمن مقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي منه بدأ، ثم غسل رجليه.
قال ابن وهب: ((قال مالك وعبد العزيز بن أبي سلمة: أحسن ما سمعنا في ذلك/، وأعمه عندنا في مسح الرأس هذا)).

الجزء: 1 - الصفحة: 46

وروى ابن وهب، وهو في البخاري أن عثمان بن عفان توضأ، فغسل كفيه ثلاث مرات، ثم مضمض واستنشر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات ثم غسل يده اليمني إلى المرفق ثلاث مرات، ثم غسل يده اليسري مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل اليسرى مثل ذلك، ثم قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من توضأ نحو وضوئي هذا، ثم قام فركع ركعتين لا يحدث نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه)).
قال ابن شهاب: وكان علماؤنا يقولون هذا الوضوء أسبغ ما توضأ به أحد للصلاة.
وفي صفة ابن عباس لوضوء النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ مرة مرة، ذكره البخاري أيضاً، وأن عمر بن الخطاب توضأ مرتين مرتين.
أبو محمد: قال ابن عباس: ((الواحدة تجزئ، والاثنتان تسبغان، والثلاث شرف، والأربع سرف)).
البخاري: وقال ابن عمر: إسباغ الوضوء الإنقاء.

الجزء: 1 - الصفحة: 47

قال ابن حبيب: ليس في الوضوء عدد مؤقت، إلا الإسباغ، وإسباغه كماله وإتمام حدده، لا كثرة صب الماء، وأكمله ثلاث، وأدناه واحدة.
قال مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم بالوضوء، ولا أحب أن ينقص من اثنتين إذا عمتا، ولا يزاد على ثلاث، ولا يزاد في المسح على واحدة، وأما غسل القدمين فلا حد في غسلهما، وينبغي أن يتعاهد عقبيه في وضوئه بالماء.
قال غيره: ويجيد عرك مالا يداخله الماء بسرعة لجسارة برجليه أو عرقوبية أو شقوق برجليه حتى يسبغه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ويل للأعقاب من النار)).

الجزء: 1 - الصفحة: 48

[باب-2] في غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستثار وغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس/ وغسل الرجلين

. [فصل-1 - في غسل الكفين قبل إدخالهما في الإناء] من الواضحة وغيرها: نهى النبي صلى الله عليه وسلم المستيقظ من نومه أن يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها)).
فقيل: إن ذلك لما لعله قد مس من نجاسة خرجت منه، لا يعلم بها، أو غير نجاسة مما يتقذر، وقيل أيضاً: وقد يكو ذلك؛ لأن أكثرهم كان يستجمر بالحجارة، وقد يمس موضع الأذى.
والله أعلم.
وقال الحسن: معنى ذلك في الجنب من احتلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 49

وقال ابن حبيب: ((أو جنب لا يدري ما أصاب يده من ذلك، قال: فإن أدخل هذا يده قبل أن يغسلها أفسد الماء.
ولمالك في المجموعة في إدخال يده في الإناء نحوه.
وقال أيضاً مالك في المجموعة والمختصر في من أدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها من جنب، أو حائض، أو من مس فرجه، أو أنثييه في نومه فلا يفسد الماء، وإن كان قليلاً، إلا أن يوقن بنجاسة في يده، ولا ينبغي له ذلك، وإن كانت يده طاهرة، وكذلك من انتقض وضووُه)).
ومن العتبية قال أشهب: استحب مالك للمتوضئ أن يفرغ الماء على يده اليمنى فيغسلها-يريد-ثم يفرغ بها على اليسري/ فيغسلها.
قال عيسى عن ابن القاسم: أحب إلى كما جاء في الحديث: أن يفرغ

الجزء: 1 - الصفحة: 50

على يديه فيغسلها ثلاثا، فإن غسيل يمينه، ثم أدخلها في الإناء أجزأه.
قال ابن القاسم: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم خرج منه ريح فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء.
وقال عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: ومن استنجى ثم قطر منه بول فحلب ذكره فليعد غسل يده قبل أن يدخلها في الإناء، وكذلك من أتم وضوءه، ثم خرج منه ريح قاله مالك استحبابا.
وقال أشهب: ليس ذلك عليه إن لم تصب يده نجاسة، وعهده بالماء قريب، إلا أن يبعد ذلك.
فصل -2 {حكم ترتيب الأعضاء في الوضوء { م ومن ابتدأ وضوءه فغسل يديه قبل إدخالهما في الإناء، ثم بني/ على

الجزء: 1 - الصفحة: 51

وضوئه، ولم يعد الماء لكفيه، فإن كان إنما قصد بذلك السنة فلا يجزئه، ويعيد ما صلى/ بذلك، وإن قصد بذلك الفرض فتجزئة صلاته، إلا أنه يصير كمن نكس وضوءه.
وقيل: لا يجزئه، لأنه غسل يديه قبل وجهه، وقد قال الله تعالى: (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وجُوهَكُمْ وأَيْدِيَكُمْ إلَى المَرَافِقِ)، وهذا قد غسل يديه قبل وجهه، قاله أبو بكر بن عبد الرحمن وإلى هذا رجع الشيخ أبو محمد بعد أن قال: يجزئه.
فصل-3: {المضمضة والاستنشاق من غرفة { قال ابن وهب: "إن النبي (ص) تمضمض واستنثر- ثلاث مرات-، من غرفة واحدة.
م ذكر البخاري في بعض رواياته عن عبد الله بن زيد أنه تمضمض واستنثر

الجزء: 1 - الصفحة: 52

ثلاث مرات من غرفة واحدة.
وذكر في رواية أخرى عنه: أنه تمضمض واستنثر من كفة واحدة فعل ذلك ثلاث.
قال ابن حبيب: "وليبالغ في الاستنشاق ما لم يكن صائماً، كما جاء في الأثر".
قال مالك في العتبية: والاستنثار أن يجعل يده على أنفه ويستنثر.
وقال

الجزء: 1 - الصفحة: 53

ابن حبيب في شرح غريب الموطأ: الاستنشاق، جبذه الماء بنفسه إلى خياشيمه، والاستنثار نثر ذلك الماء بنفسه إلى خارج.
وقال ابن قتيبة في شرح غريب الحديث: "الاستنشاق والاستنثار واحد، وسمي بذلك؛ لأن النثرة هي الأنف، فإذا أدخل الماء في نثرته قيل: استنشق واستنثر.
م والأول أبين، لقول النبي (ص): "إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء،

الجزء: 1 - الصفحة: 54

ثم لينثر"، وهو في الموطأ ورواه البخاري أيضاً.
فصل -4 [حد الوجه في الوضوء]: قال سحنون في العتبية: حد الوجه في الوضوء دور الوجه كله، واللحي الأسفل منه، وإن كان لا موضحة فيه، كالأنف هو من الوجه، ولا موضحة فيه.
وقال ابن وهب: قال مالك: وليس ما خلف الصدغ الذي من وراء شعر اللحية إلى الأذن من الوجه.

الجزء: 1 - الصفحة: 55

قال عبد الوهاب البغدادي: غسله سنة، ولم أره لغيره.
قال ابن القاسم عن مالك: واللحية من الوجه، وليمر عليها يده من فضل ماء/ الوجه من غير تخليل، ولا يجدده لها.
قال سحنون: ومن لم يمر عليها الماء أعاد، ولم تجزئه صلاته.
وأعاب مالك أن يخللها في الوضوء.
قال أبو إسحاق في البياض الذي بين الصدغ والأذن: قد اختلف فيه.
فقيل: لا يغسل، سواء كان من أمرد أو ملتح، وقيل: يغسل، وقيل: تغسله المرأة والأمرد، ولا يغسله الملتحي.
واحتج من قال: لا يغسل: بأنه ليس من الوجه، وأن المرأة تغطيه في

الجزء: 1 - الصفحة: 56

الإحرام فلو كان من الوجه لكشفته؛ لأن إحرامها في كفيها ووجهها.
وقال في المجموعة: ولم يأت أن النبي (ص) خلل في وضوئه، وجاء أنه خلل أصول شعره في الجنابة.
قال في المختصر: ويحركها في الوضوء إن كانت كبيرة، ولا يخللها/، وأما في الغسل فليحركها، وإن صغرت، ويخللها أحب إلي.
أبو محمد: وقال بعض أصحابنا: ومعنى تحريكها في الوضوء: تحريك اليد عليها عند مره الماء عليها؛ ليداخلها الماء؛ لأن الشعر ينبو عنه الماء.
ومحمد بن عبد الحكم يرى تخليلها في الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 57

قال غيره: وليتحفظ من غسل ما تحت مارنه بيده، وما غار من أجفائه وأسارير جبهته، وليس عليه غسل ما غار من جرح برئ على استغوار كبير أو كان خلقاً خلق به، ولا يجب غسل ما تحت ذقنه، ولا ما تحت اللحي الأسفل منه.
{فصل-5: إدخال المرفقين والكعبين في الوضوء { وفي المجموعة، قال ابن نافع عن مالك: وليس عليه أن يجاوز بالغسل المرفقين والكعبين في الوضوء، وإنما عليه أن يبلغ- الماء إليها.
قال غيره: هذا قول مالك؛ ولأن إلى غاية.
وقد قيل: بإدخالهما في الغسل وإليه نحا ابن القاسم في المدونة، وذكره أبو الفرج عن مالك.
قال أبو الفرج: ويؤمر بغسلهما لتوعر التحفظ في مبلغ الغسل إليهما،

الجزء: 1 - الصفحة: 58

وليزال ريب الاحتراس بإدخالهما في الغسل.
فصل -6 {صفة مسح الرأس في الوضوء {. قال ابن حبيب: وليأخذ الماء لمسح رأسه بيديه، ثم يرسله، ثم يمسح رأسه بيديه من أصل منابت شعر جبهته إلى آخر شعر قفاه، ثم يعيدهما إلى حديث بدأ.
قال أبو محمد: "اختلف في معنى قوله: "بدأ من مقدم رأسه".
فقيل أنه بدأ من حد منابت الشعر، وفيل بدأ بناحيته، وكل واسع والأول أصوب.
وقد روى أشهب عن مالك: أنه يبدأ من حد منابت الشعر، قال غيره: لأن الرتبة المستحسنة أن يبدأ بأول كل عضو قال/ غيره: وشعر الصدغين من الرأس، يدخل في المسح.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو مسح رأسه بيد واحدة، أو بإصبع واحدة حتى أوعبة لأجزأه.
قال غيره: ولا يؤمر بذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 59

قال مالك: ومن مسح مقدم رأسه أو بعضه وصلى فليعد أبداً، وقال أشهب: إن مسح المقدم لم يعد، وإن مسح البعض أعاد.
وقد تقدم أن محمد ابن مسلمة يقول: إن مسح ثلثيه أجزأه، وأن أبا الفرح يقول: إن مسح ثلثه أجزاء.
فصل-7 {:-معنى الكعب والعقب وتخليل اصابع الرجلين { قال مالك في العتبية: والكعب الذي إليه الوضوء هو الملتزق بالساق في ظهره المحاذي للعقب، وليس بالظاهر في ظهر القدم.
وقيل: هما العظمان اللذان عند معقد شراك النعل.
وقال غيره في غير العتبية: العقبان عند مالك مؤخر الرجل

الجزء: 1 - الصفحة: 60

قال ابن حبيب: "وحسن تخليل أصابع رجليه في الوضوء مرغب فيه، وليس كوجوبه في اليدين وأما في الطهر فلا بد من التخليل في ذلك".
وقد روي عن مالك أنه ليس عليه تخليل أصابع رجليه في غسل ولا وضوء.
قال أبو محمد: يحتمل أن مالكاًَ لم ير ذلك في الرجلين؛ لأنه إذا غسل أصابع رجليه بيديه وجب احتكاك بعض أصابعه ببعض فناب ذلك عن التخليل.
وقال غيره: وإنما قال ذلك؛ لاختلاف الناس في غسل الرجلين إذ ثم من يقول فيهما بالمسح فخفف ترك التخليل فيهما لهذا.
وقيل: إنما ذلك/ لأنهما كعضو مستور لاجتماعهما.- والله أعلم.
فصل-8 {إيصال الماء إلى العضو وكراهة نفض الماء قبل بلوغه العضو { قال أصبغ: ولينقل المتوضئ الماء إلى كل عضو يغسله نقلا، وإن لم ينقل أعاد أبداً.

الجزء: 1 - الصفحة: 61

وسئل مالك عن الرجل يأخذ الماء لوضوئه فإذا حمل الماء نفض يديه منه قال: لا خير في ذلك، وكرهه ولا يجزئه إن فعل.
قال عنه ابن وهب: هذا يريد أن يبرق وجهه.
وفي البخاري قال أبو هريرة: سمعت رسول الله (ص) يقول: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غراً محجلين من آثار الوضوء فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل/.
وأنكر مالك في المدونة قول من قال في الوضوء حتى يقطر أو يسيل، يعني أنه أنكر أن يكون ذلك حده.
قال مالك: وقد كان بعض من مضى يتوضأ بثلث المد يعني مد هشام.
قال في العتبية: ورأيت عياش بن عبد الله بن معبد، وكان رجلا صالحاً من أهل الفضل والفقه يتوضأ بثلث مد هشام، ويفضل له منه، ويصلي بالناس،

الجزء: 1 - الصفحة: 62

وهو إمام، فأعجبني ذلك منه.
وروى البخاري أن النبي (ص) كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد.
فصل-9: {في الدعاء بعد الوضوء { قال الشيخ أبو محمد:"وقال الرسول (ص): "من يتوضأ فأحسن الوضوء، ثم رفع طرفه إلى السماء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدأ عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة يدخل من أيها شاء ". وقد استحب بعض العلماء أن يقول بإثر الوضوء: "اللهم اجعلني من التوابين

الجزء: 1 - الصفحة: 63

واجعلني من المتطهرين".
ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره الله تعالى به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر نفسه أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه والوقوف بين يديه؛ لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود، ويعمل على يقين بذلك، وتحفظ فيه، فإن تمام كل عمل بحسن النية فيه".

الجزء: 1 - الصفحة: 64

باب -3: في الوضوء بما بل فيه شيء من الطعام أو بماء مضاف

أو وقع فيه خشاش

قال الله تعالى: (وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا) {فصل -1: في حد الماء الطهور { والطهور في اللغة: ما طهر غيره، وتكرر به الطهر.
وقال رسول الله (ص): " خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه".
فحكم للماء بالطهورية، إلا أن يتغير أحد أوصافه، لنجس حل فيه أو غيره.
قال عبد الوهاب: إلا ما لا ينفك عنه غالباً، مما هو قرار له أو/ متولد عنه، كما لو تغير بطين، أو جرى على كبريت؛ لأنه قراره، أو تغير لطول مكثه،

الجزء: 1 - الصفحة: 65

أو بالطحلب/؛ لأنه متولد عن مكثه.
فصل -2 {في حكم الوضوء بالماء إذا خالطه شيء طاهر { ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يتوضأ بالماء الذي يُبل فيه الخبز.
قال ابن القاسم: وكذلك الفول والعدس والحنطة، وشبه ذلك.
وبلغني أن مالكا قال: لا بأس بالوضوء بماء وقع فيه جلد أو ثوب، فأخرج مكانه.
قيل له: فما / بال الخبز، فقال مالك: أرأيت إن أخذ رجل جلداً فأنقعه في الماء أياما فابتل الجلد فيه أيتوضأ بذلك الماء؟ فقال: لا.
فقال مالك: هذا مثل الخبز، ولكل شيء وجه.

الجزء: 1 - الصفحة: 66

م يريد لسرعة إضافة الخبز للماء، ولو بل رجل كعكاً يابساً في ماء، ثم أخرجه مكانه، ولم يتغير الماء، لم يكن بالوضوء منه بأس، ولو أنقع رجل جلداً مبلولاً فأخرجه مكانه، وقد غير الله، لم بتوضأ به، وإنما العلة تغير أحد أوصاف الماء.
م واختلف المتأخرون من علمائنا، في الملح إذا طرح في الماء فذهب بعض شيوخنا: إلى أن ذلك يضيفه، إذا غيرته الإضافة، كوقوع الطعام فيه وخالفه غيره، ولم يجره مجرى الطعام، وترجح فيه ابن القصار.
والصواب: أن لا يجوز الوضوء به؛ لأنه إذا فارق الأرض صار طعاماً لا يجوز التيمم عليه، فهو بخلاف التراب؛ لأن التراب لا يتغير حكمه، ولا تخلو بقعة الماء منه.
م اختلف في الماء المضاف هل إذا أزال عين النجاسة يزول حكمها؟.
والصواب: أن لا يزول حكمها؛ لأن المضاف لا تؤدى به الفرائض ولا النوافل.

الجزء: 1 - الصفحة: 67

فصل-3: [حكم الوضوء بالنبيذ ونحوه] ومن المدونة قال مالك: "ولا يتوضأ بشيء من الأنبذة ولا بالعسل الممزوج بالماء، والتيمم أحب إلى من ذلك كله، ولفظه أحب إلى هاهنا على الوجوب.
قال مالك: ومن توضأ بشيء من ذلك وصلى أعاد الوضوء والصلاة أبداً.
م قال بعض البغداديين: وقد قال الله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فأمر بالتيمم عند عدم الماء، والنبيذ ليس بماء مطلق، ولا يطهر محدثاً إلا الماء المطلق؛ قوله تعالى: (ويُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ).
وقول الرسول (ص): "خلق الله الماء طهوراً .. الحديث.
فإن قيل: فقد روي أن النبي (ص) / قال لابن مسعود ليلة الجن: هل معك ماء؟ فقال: لا، إلا إداوة فيها نبيذ، فقال النبي:"ثمرة طيبة وماء

الجزء: 1 - الصفحة: 68

طهور" فأخذه، وتوضأ به.
قيل: هذا الحديث ضعيف، ضعفه أئمة الحديث، وتكلموا في رواته، فأحدهم أبو زيد قد طعن فيه وضعف، والآخر أبو فزارة كان نباذاً بالكوفة، فروى هذا الحديث لتنفق سلعته، ولا يحتج بمثل هؤلاء في رفع موجب القرآن، ولو كان صحيحاً لنقله الأثبات من أصحاب ابن مسعود؛ لأنه كان يكون من مفاخرة لتفرده بالنبي (ص)، دون سائر أصحابه.

الجزء: 1 - الصفحة: 69

وقد روى أبو داود أن ابن مسعود قال: لم يكن منا مع رسول الله (ص) ليلة الجن أحد، وهو الصحيح.
فصل-4: {في الوضوء مما مسته النار ومن أبوال الإبل وألبانها { ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ من شيء من الطعام والشراب، ولا من أبوال الأبل، ولا من ألبانها، وأحب إلى أن يتمضمض من اللبن واللحم، ويغسل الغمر، إذا أراد الصلاة، ورواه مالك في الموطأ.
وروى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم أكل سويقاً فمضمض، وصلى، ولم يتوضأ

الجزء: 1 - الصفحة: 70

وروي عن ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرب لبناً فمضمض وقال: "إن له دسماً".
وقال مالك: وسواء كان طعاما مسته النار أم لا، خلافاً لمن أوجب الوضوء مما مست النار.
قال ابن القصار: والدليل لمالك رضي الله عنه ما روى عن جابر أنه قال: كان آخر الأمرين من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مست النار، فذلك ناسخ لما قبله.

الجزء: 1 - الصفحة: 71

وروي مثله عن ابن عباس، قال جابر: وقد أكلت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم خبزاً ولحماً، فصلوا، ولم يتوضأوا.
وروى مالك في الموطأ، ورواه البخاري عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكل كتف شاة، ثم صلي، ولم يتوضأ.
ويحتمل أن يكون معنى ما روى أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مما مست النار أنه الوضوء اللغوي، وكذلك فسره معاذ، وقال: إن قوماً سمعوا ولم يعوا كنا نسمي غسل الفم واليد وضوءاً وإنما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - المؤمنين أن يغسلوا أيديهم

الجزء: 1 - الصفحة: 72

وأفواههم مما مست النار.
فصل-5] حكم الوضوء بالماء المستعمل [ ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ بماء قد توضئ به مرة ولا خير فيه.
قال ابن القاسم: فإن لم يجد غيره توضأ به، أحب إلي، إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يريد طاهر الأعضاء من نجاسة أو وسخ.
قال: وإن أصاب هذا الماء الذي توضئ به مرة ثوب رجل لم يفسده إذا كان الذي توضأ به طاهراً، يعني ها هنا طاهر الأعضاء من نجاسة فقط.
وروى عن مالك أنه قال: لا يتوضأ به بحال، وقاله أصبغ.
وقال أصبغ: ومن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة فليتيمم لأنه غسالة

الجزء: 1 - الصفحة: 73

قال الشيخ أبو الحسن ابن القابسي: إنما كره مالك وغيره الوضوء به، أو الاغتسال منه، وإن لم يتغير، لأنه قد استعمل في الطهارة، ورجا أن يكون خرجت الخطايا معه، أو مع آخر قطرة، كما جاء في الحديث، وأجزأ من تطهر به، من قبل أن استعماله لم يحدث في أوصافه حدثاً.
قال غير واحد من البغداديين: وهذه الرواية أولى، دليله قول النبي - صلى الله عليه وسلم - "خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه" وهذا ماء طاهر لم يلاق نجساً، ولا ما أحدث في أوصافه تغيراً، فهو كما لو غسل به شيء طاهر فلم يغيره.
فإن قيل: فإنه ماء الذنوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 74

قيل: إنما ضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - المثل به، لا أن الذنوب تنماع فيه، أو تؤثر في حكمه، وإنما أراد أن المتوضئ به يصير كمن لا ذنب له.
والله أعلم.
وقيل في الماء الذي توضئ به مرة أنه يتيمم، ويتوضأ به، ويصلي.
وذكر عن الشيخ أبي محمد في من لم يكن معه من الماء إلا مقدار ما يغسل به وجههه وذراعيه أنه إن كان يقدر على جمع ما يسقط من أعضائه فعل، ويغسل بذلك باقي أعضائه، ويصير كمن لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة أنه يتوضأ به، فإن لم يمكنه ذلك تيمم.
وهذا على قوله: أنه لم يجد إلا ماء قد توضئ به مرة لا يمتنع أن يصلي فيه.
قال القاضي أبو محمد بن حسين: يحتمل قوله: "في الكتاب" ثلاثة أوجه: أن يكون معناه لا يتوضأ به بحال، وإن كان المتوضئ به طاهراً، فإن لم يجد

الجزء: 1 - الصفحة: 75

غيره تيمم، وهو قول المغيرة، وروي لمالك، وليس القوي.
والثاني: لا يتوضأ به على الانفراد، ويتيمم بعد الوضوء به مع وجود غيره، فإن لم يجد غيره توضأ به إذا كان الذي توضأ به طاهرا ً، وهذا قول ابن القاسم في المدونة وغيرها.
وقوله طاهراً، يعني طاهر الأعضاء، وهذا القول أقيس.
واستدل لما حكي عن ابن القاسم بأنا إذا أبقينا الاستعمال علمنا أنه لم يؤثر في عينه، فلم يؤثر في حكمه، ألا ترى أنه لم يؤثر في طهارته، فلا يؤثر في تطهيره؛ ولأن مجرد الاستعمال لا يمنع جواز الوضوء به، دليله الثوب يصلي به مراراً، ولو رمى بحجر، ثم رمى به أجزأه، وإن كرهاه؛ ولأن من كفر بطعام، ثم عاد إليه بميراث جاز أن يخرجه ثانية عن كفارة أخرى، فلا يعترض على هذا بالعتق في الكفارات؛ لأن العتق يزيل الملك، ولا يصح إلا في مملوك يفارق الطعام والكسوة الذي يصح عودتهما إلى الملك.
فصل-6 {في الوضوء بالماء يقع فيه البصاق أو المخاط أو يقع فيه خشاش { ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالوضوء بالماء تقع فيه النخاعة، والبصاق، والمخاط؛ لأن ذلك طاهر، يريد ما لم يكثر، فيغير الماء، ويصير/ مضافاً.
قال مالك: وكل ما وقع فيه من خشاش الأرض في إناء فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 76

ماء أو قدر فيه طعام، فإنه يتوضأ بالماء، ويؤكل ما في القدر.
وخشاش الأرض مثل: الزنبور، والعقرب، والخنفساء، وبنات وردان، وشبه ذلك، خلافاً للشافعي في قوله: أنه ينجس.
قال أبو جعفر الأبهري: وقد قال النبي (ص): "كل طعام أو شراب وقعت فيه دابة ليس لها دم سائل، فماتت فيه فهو حلال، أكله وشربه ووضوءه".
ويدل على ذلك قوله عليه السلام:" إذا وقع الذباب في إناء أحدكم

الجزء: 1 - الصفحة: 77

فامقلوه، وفي مقله تعريض لقتله، فلو كان ينجس الماء لما أمر بمقله.
قال أبو عبيد: والخشاش هو بفتح الخاء لا برفعها.
قال القاضي أبو محمد بن حسين في هذه المسألة: وخشاش دواب الماء ما وقع منه في طعام أو ماء لا يفسد، أي لا ينجسه؛ لأن الأصل في كل ما ليس له لحم ولا دم سائل أن لا ينجس ما مات فيه، وكذلك عن النبي (ص).
فإن قيل: والماء وإن ينجس، فإنه يراعى، فإذا لم يتغير فله حكم الطاهر وإن تغير كان مضافاً، ويشرب، ويؤكل الطعام، ولا يؤكل الخشاش؛ لأنه مات حتف أنفه، فلا يؤكل إلا بذكاة وذكاته مثل ذكاة الجراد.
وقال أشهب عن مالك في العتيبة: وإذا باعه فليبين؛ لأنه عيب، قيل: لأجل الخلاف فيه/ وإن النفوس تحافة.
قال الجوهري: والعلماء يحملهم على أن كل ما لا لحم له ولا دم سائل

الجزء: 1 - الصفحة: 78

لا ينجس ما وقع فيه إلا الشافعي وحده في أحد قوليه.
قال في غير كتابه: وأما الوزغة وشبهها فيفسد ما مات فيه؛ لأن لها لحم ودم.
م وإذا وقع الخشاش في طعام فتفرقت أجزاؤه فيه حتى لا يتميز فلا يؤكل الطعام، إلا أن يكون الطعام كثيراً والخشاش يسيراً فلا يضره ذلك، كما قيل في القملة تقع في الثريد فلا توجد أن الطعام يؤكل وهذا على قولهم: إن الخشاش لا يؤكل إلا بذكاة.
وقيل: إن مسألة الخشاش مبنية على قوله في الجراد.
قال مرة: لا يؤكل إذا مات حتف أنفه.
وقال مرة: يؤكل، وهو ظاهر مذهبه.
قال بعض أصحابنا: وقياسه الخشاش على الجراد فيه نظر، ولعله إنما قال: يؤكل الجراد، وإن مات حتف أنفه، لما جاء "أحلت لنا ميتتان ودمان، فالميتتان: الجراد والحوت".

الجزء: 1 - الصفحة: 79

وقد قال كعب: إن الجراد نثرة حوت، وإن كان عمر لم يرض ما قال كعب: إن الجراد نثرة حوت.
فأما الخشاش فلا أصل له في الماء، والله أعلم.
قال مالك: ودواب الماء مثل: السرطان، والضفدع، والحوت إذا ماتت في طعام، أو شراب، أو ماء لم تفسده.
م يريد؛ لأنها طاهرة العين حلال أكلها بعد موتها لقول النبي صلى الله عليه وسلم/ في

الجزء: 1 - الصفحة: 80

البحر: "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"، وكذلك ما ماتت فيه، إلا أن يتغير الماء فيصير مضافاً لا نجساً.
قال مالك: ومن ملح حيتاناً فأصاب فيها ضفادع قد ماتت فلا بأس بأكلها؛ لأنها من صيد البحر الحل ميتته.
قال ابن حسين: وللضفادع حكم صيد البحر، وإذا باع بين قال محمد بن حارث الأندلسي: وعلى هذا أصحاب مالك إلا ابن نافع قال: للضفادع لحم ودم وتنجس ما مات فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 81

[باب-4] في الوضوء بما قد شربت فيه الكلاب والسباع والدواب والدجاج والنصراني والجنب والحائض

روي" أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بغسل الإناء يلغ فيه الكلب سبع مرات".
فقيل: إن غسل الإناء سبعاً تعبد، ولو كان الإناء ينجس لطهر الإناء أقل من سبع.
وروى ابن وهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم ورد على حوش ومعه أبو بكر وعمر، فقيل: يا رسول الله إن السباع والكلاب تلغ في هذا الحوض، فقال: "لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً"، وقال عمر: " لا تخبرنا يا صاحب الحوض فإنا نرد على السباع، وترد علينا".
قال سحنون: فالكلب أيسر مؤنة من السبع، والهر أيسر هما

الجزء: 1 - الصفحة: 82

  • مؤنة؛- لأنه يتخذه الناس/.
    قال أبو جعفر الأبهري: والدليل على أن الكلب ليس بنجس قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ)، ولو كان نجساً لأمر بغسل ما أمسك علينا، وقول النبي (ص) في الحياض: "لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقي شراباً وطهوراً".
    ويدل على ذلك أيضاً قوله (ص) في الهرة: "إنها ليست بنجس إنما هى من الطوافين عليكم، أو الطوافات".
    فوجب أن يكون كل ما

الجزء: 1 - الصفحة: 83

كان من الطوافين بمنزلتها، والكلب قد وجد فيه هذا المعنى.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله في من توضأ من إناء ولغ فيه كلب وصلى أجزأه، ولا إعادة عليه، وإن علم في الوقت.
قال عنه علي وابن وهب: ولا يعجبني ابتداء الوضوء بفضل الكلب، إذا كان الماء قليلاً، ولا بأس به في الكثير كالحوض ونحوه.
قال ابن شهاب: لا بأس أن تتوضأ بسؤر الكلب إذا اضطرت إليه.
قال مالك: وما ولغ فيه الكلب من لبن أو طعام أكل/ ولا يغسل منه الإناء، وإن كان يغسل سبعاً؛ للحديث ولا أدرى ما حقيقته، وكان يرى الكلب كأنه من أهل البيت، ليس كغيره من السباع.
قال ابن وهب وابن حبيب: قال مالك يغسل في الماء واللبن، ويؤكل اللبن ويطرح الماء لجواز طرحه، فأنه يجد أفصل منه؛ فإن لم يجد غيره توضأ به

الجزء: 1 - الصفحة: 84

ورجح عبد الوهاب رواية ابن وهب أن الإناء يغسل من الماء والطعام؛ لعموم الحديث.
قال في المدونة: وأراه عظيماً أن يعمد إلى رزق من رزق الله فيلقى؛ لأجل كلب ولغ فيه.
م قيل: وجه قوله: إن كان يغسل سبعاً للحديث ففي الماء وحده؛ لأن الأواني التي تتبدل وتجدها الكلاب في الأغلب أواني الماء، فكأن الحديث عنده إنما ورد فيها.
ووجه قوله في رواية ابن وهب يغسل في الماء والطعام؛ لعموم الحديث قال الشيخ أبو عمران: قوله: وكان يضعفه، يحتمل أن يكون أراد تضعيف إيجاب الغسل، أو تضعيف الحديث، إذ هو خبر أحاد غير مقطوع به.

الجزء: 1 - الصفحة: 85

والقرآن يعارضه، وهو قوله: {فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ {، ولم يشترط غسل ذلك.
وقال ابن خُويز منداد: إن معنى تضعيف الحديث إنما هو في حمله على العموم؛ لأن عنده إنما يحمل الحديث على السبب، وأن النهي إنما كان في الماء لأمر معلوم ويحتمل أن يكون أراد تضعيف العدد في غسله سبعًا، وهذا لا يصح؛ لأن مالكًا لم يختلف في قوله: ((أنه يغسل سبعًا)) فلم [ير] النقص من العدد، ولا ضعفه.
قال غير واحد من البغداديين: وإنما يغسل الإناء عند إرادته استعماله إذ ليس في الأصول ما يوجب غسله، إلا إذا أريد الشيء الذي من أجله وجب الغسل، كالوضوء، وغسل الجنابة، والحيض لا يجب إلا عند إرادة الإنسان الصلاة، وكذلك غسل سائر الأنجاس، وكذلك ما كان غسله تعبدًا، مثل: الخلوق والطيب من ثوب المحرم لا يجب غسله، إلا إذا أريد لبسه.
قال ابن القصار: وفي غسل الإناء من ولوغ الخنزير عن مالك روايتان، إحداهما: أنه لا يغسل، وقال مطرف عن مالك هو كالكلب يغسل سبعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 86

فوجه ذلك أنه لما كان الخنزير أكثر أكلًا للأنجاس/ والعذرة من الكلب وورد النص في تحريمه كان أسوأ حالًا من الكلب، وأشد تغليظًا في غسل ما ولغ فيه.
ووجه قوله: لا يغسل؛ لأن النص إنما ورد في الكلب؛ لكثرة اقتنائهم له، وأنه يروع المسلمين، فغلظ عليهم فيه، لئلا يقتنوه، وهم لا يقتنون الخنزير، فوجب أن يكون خلافه، والله أعلم.
قال أبو بكر بن الجهم وابن سحنون: اختلف قول مالك في غسل الإناء من ولوغ الكلب، فقيل: إنه جعل معنى الحديث في الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو قول أحمد بن المعذل، وقيل: إنه جعله في

الجزء: 1 - الصفحة: 87

كل كلب.
م فوجه قوله الأول: أن الكلاب كثرت في المدينة فكانت تروع الناس فنهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اقتنائها، وقال: ((من اقتنى كلبًا إلا كلب ماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم من القيراط))، فلم ينتهوا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات)) فعله تشديدًا عليهم، وتغليظًا، فكأن الحديث إنما ورد فيما لم يبح اتخاذه.
والله أعلم.
ووجه قوله: إنه جعله في كل كلب؛ لعموم الحديث، وهو ظاهر قوله في المدونة يدل على ذلك قوله: وكأنه كان يرى الكلب كأنه من أهل البيت وليس كغيره من السباع.
ومن المدونة قال ربيعة ومالك: لا بأس بلعاب الكلب يصيب الثوب، قال مالك: يؤكل صيده، فكيف يكره لعابه؟

الجزء: 1 - الصفحة: 88

فصل-1: [في حكم الوضوء بسؤر الدواب] قال مالك: ولا بأس بالوضوء بسؤر جميع الدواب، الحمار والبغل وغيره وقاله أبو الزناد وابن مسعود وغيرهم.
قال ابن القاسم: وإن وجد غيره فهما سواء.
م واحتج في ذلك بعض أصحابنا فقال: لما كان الحيوان على ضربين، لا ثالث لهما: أحدهما مأكول لحمه بالذبح، كالشاة والبقرة، والثاني غير مأكول لحمه كالإنسان، وكان سؤرهما طاهرًا، وجب أن يكون الحمار والكلب والسبع مثلهما.
ومن الواضحة: وكره بعض العلماء الوضوء بسؤر الدواب التي تأكل أرواثها.
وقال ابن القاسم: أكثر الدواب تفعل/ ذلك، فلا بأس بسؤرها، ما لم ير في أفواهها شيئًا من رواثها عند شربها.
قال ابن حبيب: وأحب إلى طرحه عند وجود غيره، فإن لم يوجد غيره جاز

الجزء: 1 - الصفحة: 89

الوضوء به، إلا أن يرى ذلك في أفواهها إذا شربت فلا يتوضأ به، سقط في الماء منه شيء أو لم يسقط، والتيمم خير منه؛ لأنه نجس، وأما الجلالة التي تأكل العذرة فلا يتوضأ بسؤرها وليتيمم/.
فصل-2 - [في حكم الوضوء بسؤر الطيور والسباع] ومن المدونة قال مالك: وإن شرب من إناء فيه ماء ما يأكل الجيف والنتن من الطير والسباع والأوز والدجاج المخلاة وغيرها فلا يتوضأ به.
م يريد ولو كان، كالحوض/ ونحوه، ولم يتغير ذلك جاز الوضوء به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لها ما أخذت في بطونها، ولنا ما بقى شرابًا وطهورًا)).
فأما إن كان مثل إناء الوضوء فلا يتوضأ به.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والدجاج المخلاة التي تأكل العذرة والطير الذي ياكل الجيف إن شرب من إناء لم يتوضأ به، ويطرح، ويتيمم من لم بجد سواه، ومن توضأ به وصلى أعاد في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 90

قال ابن حبيب: هذا إن لم يعلم، ولو توضأ به عامدًا أو جاهلا أعاد الصلاة أبدًا.
قال الشيخ أبو محمد: في قول ابن القاسم إذا كان يعيد في الوقت، فكيف يتيمم من لم يجد سواه.
وقال ابن الماجشون وسحنون: يتوضأ ويتيمم ويصلي.
قال ابن الماجشون: لأني أخا إن تيمم ألا يكون من أهل التيمم، ولعل ذلك الماء يجزئه، وأخاف إن توضأ به ألا يجزئه، فإذا صلى بهما صلى بطهرين أحدهما مستيقن لا شك فيه.
قال: وإن هو توضأ بهذا الماء وصلى ولم يتيمم أعاد في الوقت.
وقال ابن سحنون: يتيمم ويصلي ثم يتوضأ ويصلى.
قال أبو إسحاق: وهو أحوط؛ للاختلاف، وهو أن الشافعي يراه نجسًا، ووافقه أبو حنيفة، فاتقى ابن القاسم اختلاف الناس.

الجزء: 1 - الصفحة: 91

م ولا يبدأ بالوضوء إذا قد ينجس أعضاءه فإن كان الماء نجسًا فقد صلى بالتيمم وهو الواجب عليه، وإن كان الماء طاهرًا فقد صلى به أيضًا.
وقال سحنون: ولو كان معه ماءان: أحدهما: نجس لا يدريه فليتيمم ويدعهما لشكه في الطاهر.
قال ابن القصار/ وقال ابن أبى سلمة: يتوضأ بأحدهما ويصلى، ثم يغسل أعضائه من الآخر، ثم يتوضأ منه، ويعيد الصلاة، فمتى ذلك حصل وضوئه بماء طاهر لا شك فيه فلا ينبغي له العدول إلى التيمم؛ لأن معه ماء طاهرًا بيقين ذلك ويمكنه الوصول إليه بما ذكرنا.
وذكر ابن سحنون أنه يتحرى أحدهما فيتوضأ به، ويصلى، ويجزئه، كما لو كان معه مائة إناء ماء واحد منها طاهرا لتحراه كما يتحرى القبلة إذا

الجزء: 1 - الصفحة: 92

عميت عليه.
قال بعض البغداديين: الذي قاس به غير معتدل؛ لأن تمييز شيء من شيئين خفيف يسير بخلاف تمييز اليسير من الكثير؛ لأن ذلك يطول، وشق عليه.
وأما قياسه بالقبلة، فالقبلة يجوز تركها مع القدرة في التطوع في السفر وللمسايف والماء النجس لا يجوز الوضوء به على حال.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما إن شرب ما يأكل النتن من الطعام فإنه يطرح إذا أيقنت أن في أفواهها أذى وقت شربها، وما لم تر ذلك فلا بأس به، بخلاف الماء لاتجازة طرحه.
وروى على بن زياد أن الماء كالطعام لا ينجس إلا أن يرى في مناقرها أذى عند ولوغها.
قال سحنون في السليمانية: وهذا أصح، والدليل على ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الهر: ((إنها ليست بنجس))، وقد علم أن الهر يأكل النجس والميتة، وغير ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 93

ومن المدونة قال مالك: وإن كانت مقصورة أو كانت بمكان لا تصيب فيه أذى فلا بأس بسؤرها.
قال ابن القاسم: وهى بمنزلة الحمام.
وما وقع من خرو الطير والدجاج التي ليست بمخلاة في إناء فيه ماء فلا يفسده/ كما لا ينجس الثور، وأن ابن مسعود ذرق عليه طير فنفضه بإصبعه، وكذلك فعل سالم بن عبد الله، يريد طيرًا لا يأكل الأنجاس.
[فصل-3: في حكم سؤر الفارة في الخبز] وقال مالك: ولا بأس بالخبز من سؤر الفأرة، وقيل: بالخبز.
وقال ابن عبد الحكم: لا بأس بسؤر الفأرة في الخبز.
قال مالك: ويغسل بولها إذا أصاب الثوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 94

قال ابن القاسم في العتبية: ومن/ صلى ببول الفأرة أعاد في الوقت.
وقال سحنون: لا يعيد، وقد أجازت عائشة رضي الله عنها أكلها.
قال أبو بكر بن اللباد: إن كانت بموضع لا تصل إلى النجاسة فلا بأس ببولها.
فصل-4 - [حكم الوضوء بسؤر النصراني].
ومن المدونة قال مالك: ولا يتوضأ بسؤر النصراني، ولا بما أدخل يديه فيه.
قال ابن القاسم في العتبية: ومن لم يجد ما يتوضأ به إلا سؤر النصراني فليتيمم وهو كالدجاج المخلاة.
قال سحنون: إذا أمنت أن يشرب خمرًا، أو يأكل خنزيرًا فلا بأس أن

الجزء: 1 - الصفحة: 95

يتوضأ به/ كان لضرورة أو غيرها.
(فصل-5 - :حكم الوضوء بسؤر الحائض والجنب.
وما فضل من طهارتهما ( ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بسؤر الحائض والجنب وما فضل عنهما من وضوء أو غسل لا بأس بشربه أو بالوضوء منه أو الاغتسال به, وقد اغتسل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعائشة رضي الله عنها من إناء واحد.
قال بعض البغداديين: ومعلوم لا محالة أنه قد استعمل من فضل مائها.
وروي أنه أراد أن يغتسل من ماء في جفنة اغتسلت منه امرأة من نسائه فقالت له بعض نسائه: أتغتسل منه وقد اغتسلت أنا منه من الجنابة؟ فقال: ((إن المؤمن لا ينجس)) , وهذا نص في المسألة بفعله - صلى الله عليه وسلم - وتعليله أن المؤمن ليس بنجس.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

قال في المدونة: وقد توضأ ابن عمر بسؤر الحائض والجنب والبعير والبقرة والشاة والبِرْذَوْن والفرس.

الجزء: 1 - الصفحة: 97

[باب-5] في استقبال القبلة لبول أو غائط

. (فصل-1: في استقبال القبلة أو استدبارها ببول أو غائط (. روي ابن وهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا ذهب أحدكم لغائط أو بول, فلا يستقبل القبلة بفرجه, ولا يستدبرها)).
ورواه البخاري عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الشعبي: إنما ذلك في الفلوات, فإن لله عباداً يصلون له من خلقه- رويت بالفاء وبالقاف, ويروى خلقا- فأما حشوشكم هذه التي في

الجزء: 1 - الصفحة: 98

بيوتكم, فلا قبلة لها.
قال مالك: إنما عني بالحديث الفيافي, ولم يعن بذلك المدائن والقرى, والاستقبال والاستدبار في الفيافي سواء في الكراهة.
قال غيره: ورواه البخاري ((وقد رأى ابن عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت حفصة علي لبنتين مستقبلاً بيت المقدس, مستدبر القبلة لحاجته)).
وفي حديث آخر رواه الباجي عن ابن عمر ((أنه رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالسًا

الجزء: 1 - الصفحة: 99

على كنيف مستقبل القبلة, قال: فذكر ذلك للشعبي, فقال: صدق أبو هريرة, وصدق ابن عمر.
أما قول أبي هريرة, ففي الصحراء, وأما قول ابن عمر ففي الكنيف, والكنيف بيت وضع للنتن, ليس فيه قبلة استقبل حيث شيئت.
قال غيره: فإن قيل: وكيف يجوز لابن عمر أن ينظر إلى ذلك, ويرى العورة؟ قيل: قد يكون ذلك منه التفاته حانت منه من غير قصد, أو يكون قصد رؤية أعلي جسده, يعرف كيف جلوسه, فيستفيد ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

(فصل-2: في آداب الخلاء ( م ويستحب للإنسان إذا هو دخل الخلاء أن يستعيذ, وإذا خرج حمد الله, وذلك لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء قال: ((اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث, الرجس النجس الشيطان الرجيم)).
وإذا خرج قال: ((الحمد لله الذي أدخله طيباً, وأخرجه خبيثاً)) , وفي حديث آخر ((الحمد لله الذي رزقني لذته, وأبقي في جسمي قوته, وأذهب عني مشقته)).

الجزء: 1 - الصفحة: 101

قال ابن حبيب: ويكره أن يتغوط في ظلال الجدر والشجر وقارعة الطريق, وضفة الماء وقربه, يريد؛ لقول النبي: - صلى الله عليه وسلم - ((اتقوا الملاعن)).
وذلك أن هذه المواضع فيها راحة للناس, فإذا وجد ذلك في هذه المواضع أحد قال: اللهم العن من فعل هذا.
قال ابن حبيب: ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
قال غيره: وليستتر بما وجد من هدف, أو جدار, أو حائط نخل, واللذان يذهبان إلي الخلاء فليتباعدا, وكذلك فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويكره أن

الجزء: 1 - الصفحة: 102

يتقاربا, ويكره أن يتحدثا علي طوفهما, ولا يكلم الرجل على طوفه.
وروى أصبغ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر به/ رجل, وهو يبول, فسلم عليه, فقال له - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا رأيتني علي هذه الحالة فلا تسلم علي, فإنك إن فعلت هذا لم أرد عليك السلام)).
(فصل-3: حكم استقبال القبلة ببول أو غائط في المراحيض التي في السطوح ومجامعة الرجل أهله للقبلة ( ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بمراحيض تكون علي السطوح, وقال في المختصر لا تستقبل القبلة؛ لبول أو غائط في السطوح التي يقدر أن ينحرف فيها, فأما المراحيض التي قد عملت فلا بأس بذلك فيها.
قال ابن القاسم: قال مالك: ولا بأس بمجامعة الرجل أهله مستقبل

الجزء: 1 - الصفحة: 103

القبلة؛ لأن مالكاً لم ير بالمراحيض في المدائن والقرى بأساً, وإن كانت مستقبلة القبلة/ ومنع ابن حبيب أن يجامع الرجل أهله مستقبل القبلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 104

(باب-6 (ما جاء في الاستنجاء

. (فصل-1: في أدلة الاستنجاء.
ومعناه.
وحكمه ( قال الله تعالي: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا/وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ {[التوبة:108] , وروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((نزلت في أهل قباء, لأنهم كانوا يستحبون أن يستنجوا بالماء, وقالت عائشة رضي الله عنها: استنجى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالماء, وقال: هو شفاء من الباسور, روي بالباء والنون.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ((من استجمر, فليوتر, والماء أطيب)) , وقال: ((إذا ذهب

الجزء: 1 - الصفحة: 105

أحدكم لغائط فليأخذ ثلاث أحجار يستطيب بهن فتجزئه.
قال عبد الوهاب القاضي: وللاستنجاء في اللغة ثلاث عبارات: الاستنجاء والاستجمار, والاستطابة, فالاستنجاء مأخوذ من النجوة, وهو المكان المرتفع وذلك أنهم كانوا إذا أرادوا حاجة الانسان طلبوا النجوة من الأرض يستترون بها فقالوا: لمن التمس ذلك ذهب ينجو, ثم اشتق منه استنجاء, كما قالوا: ذهب يتغوط, أي: يطلب الغائط, وهو ما انخفض من الأرض, ثم سمو الحدث باسم الموضع الملتمس.
وقال غيره: هو مشتق من النجاء, وهو القشر, يقال: نجوت القشر, إذا قشرته, فمعني استنجى أي قشر الحدث عنه.
قال القاضي عبد الوهاب: والاستجمار مسح موضع الحدث بالحجارة

الجزء: 1 - الصفحة: 106

مشتق من الجمار, وهي: الحجار الصغار, والاستطابة تطييب الجسد بإزالة ما عليه من الحدث.
قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه الله: وليس الاستنجاء مما يجب أن يوصل به الوضوء لا في سنن الوضوء, ولا في فرائضه, وهو من باب إيجاب زوال النجاسة أن لا يصلي بها في جسده, ويجزيء فعله بغير نية.
قال: وقد اختلف فيه وفي زوال النجاسة من الثوب والبدن, فقيل: ذلك واجب كوجوب الفرائض, وقيل: كوجوب السنن المؤكدة, وإلي هذا ذهب غير واحد من البغداديين, ومن بعض ما استدلوا به في الاستنجاء, قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((عشرة من الفطرة)) , فذكر من ذلك الاستنجاء, والفطرة هي السنة.
وقوله عليه السلام: ((من استجمر فليوتر, من فعل فقد أحسن, ومن لا فلا

الجزء: 1 - الصفحة: 107

حرج)) , وهذا يتوجه من قوله: ((من فعل الوتر الذي أقله واحدة فقد أحسن, ومن ترك فلا حرج.
واستدل من ذهب إلي وجوب فرضه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((أو لا يكفي أحدكم أن يستنجي بدون ثلاث أحجار)) , فمنع الإجزاء بدون ذلك.
وبقوله: ((إذا ذهب أحدكم إلي الغائط فليستنج بثلاثة أحجار)) , وهذا أمر ظاهره الوجوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 108

ووجه قول من قال: إن إزالة النجاسة سنة؛ فلأن الاتفاق علي جواز الصلاة مع اليسير من جنسها, كدم البراغيث وغيره.
وعند أبي حنيفة, كقدر الدرهم البعلي من سائر النجاسات, ولو كانت فرضًا لم تجز الصلاة بشيء منها, كالطهارة من الحدث.
فوجه قول من قال: إنها فريضة؛ فللإجماع من منع تعمد الصلاة بها, كالطهارة من الحدث.
فعلي القول بأنها سنة يأثم من تعمد الصلاة بها, ولا إعادة عليه, وعلي القول بأنها فريضة لا تجزئه, ويعيد أبداً.
وعلي الوجهين جميعاً إن صلى بها

الجزء: 1 - الصفحة: 109

ناسياً أو ذاكراً- لا يقدر على إزالتها- فصلاته جائزة؛ لما روي «أنه - صلى الله عليه وسلم - خلع نعليه في الصلاة, فخلع الناس نعالهم, فلما فرغ قال: لم خلعتم نعالكم؟ قالوا: رأيناك خلعتهما, فقال: «إن جبريل عليه السلام أخبرني أن فيهما قذراً» , وروي نجساً ولم يعد, ولا أمرهم بذلك, وإنما الإعادة في الوقت على وجه الاستحباب.
قال أبو محمد: وقيل في الاستنجاء: إن أنقى بحجر واحد أجزأه, وقيل: يمسح باثنين ليتم له ثلاثة, وقيل: لابد له من ثلاثة يخرج آخرهن نقية.
قال أبو بكر الأبهري: والذي أرى, أنه إذا أنقى بحجر واحد أو حجرين أجزأه؛ لأن القصد إزالة النجاسة, لا العدد؛ إذا لو لم يزلها بثلاثة أحجار لزاد عليها حتى يزيلها, فكذلك يجزئ إذا زال بدونها.

الجزء: 1 - الصفحة: 110

قال ابن القصار: ويدل علي ذلك قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن, ومن لا فلا حرج)) , وأيضًا فالاستجمار بالحجر مسح, والمسح في الشرع لا يجب فيه التكرار, كمسح الرأس والخفين فمتى أنقي وجب الإجزاء.
ووجه قول من قال: لا بد من ثلاثة أحجار, فلما روي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهي أن يجتزيء بدون ثلاثة أحجار.
ووجه قوله: لا بد من ثلاثة/ أحجار يخرج أحدها نقية, فلما روى خزيمة ابن ثابت قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الاستطابة فقال: ((بثلاثة أحجار ليس فيهن رجيع)).

الجزء: 1 - الصفحة: 111

(فصل-2: في الاستنجاء من الريح ( ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا يستنجى من الريح, ولكن من البول والغائط, إن بال فمخرج البول الإحليل, وإن تغوط فمخرج الأذى فقط.
قال القاضي عبد الوهاب: وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((ليس منا من استنجى من الريح)).
م وقال بعض المتأخرين: ولو وجب الاستنجاء بمرور الريح علي فم السفرة, لوجب بمروره علي الثوب غسله.
(فصل-3: في صفة الإستنجاء بالماء ( قال الشيخ أبو محمد: وصفة الاستنجاء بالماء, أن يبدأ - بعد غسل يده - فيغسل مخرج البول, ثم يمسح الأذى منه بحجر أو مدر أو خرقة أو غيرها, وإلا فبيده, ثم يغسل يده حتى ينقيها ثم يستنجي, ويوالي صب الماء ويسترخي قليلاً؛ ليتمكن من الإنقاء, ويجيد العرك حتى ينقي, ويزيل اللزوجة,

الجزء: 1 - الصفحة: 112

وذلك في الإبعار أخف منه في الإثلاط, ولا يضره إن بقيت بيده رائحة إذا أنقى.
البخاري: وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه, ولا يستنج بيمينه, ولا يتنفس في الإناء إذا شرب)) (فصل-4: في إجزاء الصلاة بالاستنجاء بالحجارة, وما يجوز الاستنجاء به منها ( ومن المدونة قال مالك: ومن تغوط, فاستنجى بالحجارة, ثم توضأ, ولم يغسل ما هنالك بالماء حتى صلى أجزأته صلاته, وليغسل بالماء لما يستقبل.
قال في غير المدونة: إلا أن يصيب الأذى غير المخرج, وغير ما لا بد منه فيعيد في الوقت.
قال غيره: والأحسن في الاستنجاء أن يجمع بين الحجارة والماء, فإن استنجي بالحجارة فقط وأنقى أجزأه.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو لم يستنج, ولا استجمر ساهياً أعاد في الوقت, كمن صلى به في ثوبه.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

م يريد, ولو فعل ذلك عامداً أعاد أبداً.
قال غير واحد من البغداديين: ويجوز أن يستنجى بما يقوم مقام الحجر من آجر وخزف, وخرق وتراب وعود أو غير ذلك؛ لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا قضى أحدكم حاجته, فليستنج بثلاثة أحجار, أو ثلاثة أعواد, أو ثلاث حثيات من تراب)).
وروي ((أنه - صلى الله عليه وسلم - استنجى بالُخوص)).
قال أشهب في العتبية: سئل مالك عن الاستنجاء بالعظم والحممة فقال: ما سمعت فيه بنهي عام, ولا أدري به بأسًا في علمي, وقال عنه ابن القاسم أنه كره الاستنجاء بالروث والعظم.
وقال غيره: لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الاستنجاء بذلك, وفي بعض الأخبار أما العظم فزاد إخوانكم من الجن, وأما الروث, فزاد دوابهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

وفي البخاري قال أبو هريرة: ((اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج لحاجته, وكان لا يلتفت, فدنوت منه فقال: أتبعني أحجاراً استنظف بها, أو نحوه, ولا تأتني بعظم, ولا روث, فأتيته بأحجار بطرف ثيابي, فوضعتها إلي جنبه, وأعرضت عنه, فلما قضى حاجته اتبعته بهن.
وقال ابن حبيب: ونهي الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الاستنجاء بالعظم والجلد والبعرة والروثة والفحمة, فمن استنجي بذلك, أو بحجر واحد فقد أساء, ولا يعيد صلاته, إذا أنقى.
وقال أصبغ في كتاب آخر: يعيد في الوقت ووقته وقت الصلاة المفروض, والله المستعان

الجزء: 1 - الصفحة: 115

[باب- 7] جامع ما يلزم منه الوضوء

رُوي عن أبي هريرة، في البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ" قال أبو هريرة: والحدث الريح والصوت ولم يُختلف أن الوضوء منها واجب.
قال ابن حبيب: الوضوء يجب من تسعة أوجه/ من الغائط، والريح والصوت، ومن البول، والودي، والمذي، ومن الملامسة، ومن مس الذكر، والنوم.
قال الشيخ أبو محمد: وقيل: بخمسة أوجه: لما يخرج من الدبر من ريح أو غائط، ولما يخرج من القبل من بول أو غيره من الرطوبات المعتادة، عدا المني ودم الحيض والنفاس ففي ذلك الغسل، وفي المذي، مع الوضوء غسل الذكر كله.
والثالث مس الذكر بباطن الكف، أو بباطن الأصابع.
والرابع ملامسة للذة، ويدخل في ذلك القبلة للذة.
والخامس: النوم البين وشبيهه، من زوال العقل

الجزء: 1 - الصفحة: 116

بإغماء أو جنون أو سكر.
وقيل: بثلاثة أوجه: لما يخرج من المخرجين، وباللماس وشبهه، من مس الذكر والقبلة وبزوال العقل، من نوم أو غيره.
وقيل بوجهين: لما يخرج من المخرجين، ويدخل في ذلك النوم وشبهه؛ لأن الوضوء من النوم وشبهه ليس للنوم، ولكن لما يتولد عن النوم من الحدث.
والثاني: باللماس وشبهه، من مس الذكر والقبلة.
وسيأتي كل فصل منها مبينًا بعون الله تعالى ونصره.
[فصل-1 -] في الوضوء من مس الذكر والفرج.
روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مس أحدكم ذكره فليتوضأ، وقال صلى الله عليه وسلم في

الجزء: 1 - الصفحة: 117

حديث آخر: من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما/ حجاب فقد وجب عليه الوضوء، وقاله عمرو وابن مسعود.
قال مالك رحمه الله: ولا ينتقض الوضوء من مس شرج، ولا رفغ، ولا شيء مما هنالك، إلا من مس الذكر وحده، بباطن الكف.
قال ابن القاسم:

الجزء: 1 - الصفحة: 118

أو بباطن الأصابع.
قال مالك: فإن مسه بظاهر يده أو بباطن ذراعه أو بظاهر يده لم ينتقض وضوءه.
وفي مختصر الوقار: وإن مسه بباطن ذراعه فعليه الوضوء.
وذهب عروة بن الزبير إلى أن من مس أنثييه يتوضأ، وذهب الشافعي إلى أن من مس دبره فليتوضأ.
ودليلنا قول النبي صلى الله عليه وسلم: من مس الذكر فليتوضأ، فدل أن ما عداه بخلافه؛ ولأنها مواضع من البدن لا لذة في لمسها، فأشبهت سائر الأعضاء.
قال أبو محمد: اختلف عن مالك في مس الذكر بغير تعمد، فروى عنه

الجزء: 1 - الصفحة: 119

ابن القاسم في المجموعة أنه قال: أحب إلي أن يتوضأ، وقال سحنون.
م لعموم الحديث.
وروي عنه ابن وهب في العتبية أن لا وضوء عليه، إلا في تعمد مسه، قيل لمالك: فإن مسه على غلالة خفيفة، قال: لا وضوء عليه؛ للحديث.
وقال غير واحد من البغداديين برواية ابن وهب هذه، ورأوا أنه من ناحية الملامسة، وأن الأغلب على متعمد مسه اللذة، وكذلك مس المرأة فرجها، قالوا: وأما على غير تعمد، أو بغير لذة، فيحتمل أن يكون معنى رواية ابن القاسم فيه على الاستحباب والاحتياط.
قال ابن القصار: والذي عليه العمل من ذلك إذا مس ذكره لشهوة بباطن

الجزء: 1 - الصفحة: 120

كفه أو بسائر أعضائه من فوق الثوب أو من تحته انتقضت طهارته.
قال الأبهري: وعلى هذا كان يعمل شيوخنا كلهم.
وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الوضوء لا ينتقض من مس الذكر، قالوا: وقد قال يحيى بن معين وابن حنبل: لم يصح حديث في مس الذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم، قالوا ولو صح لكان معارضًا لحديث طلق بن علي حين سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من مس الذكر، فقال: هل هو إلا ضعة منك.
فوجب

الجزء: 1 - الصفحة: 121

أن يكون ما رويتموه محمولاً على الوضوء اللغوي، الذي هو غسل اليد فالجواب عن ذلك أن من أثبت / إيجاب الوضوء من مس الذكر أكثر عددًا، وأثبت نقلاً من ابن معين وابن حنبل، فقد رواه خمسة عشر نفسًا من الصحابة من بين رجل وامرأة، وغيرهم.
وقال به جماعة من الصحابة والتابعين، وأما حديث طلق ففي سنده ضعف، وقيل أيضاً: إنه منسوخ بحديث أبي هريرة؛ لأن أبا هريرة متأخر الإسلام، فهو ناسخ لما قبله.
وأما قولهم: يحمل ما رويتموه على الوضوء اللغوي، فقد روينا أنه عليه

الجزء: 1 - الصفحة: 122

السلام قال من مس ذكره فليتوضأ وضوءه للصلاة مع أن لنا أن نستعمل ما ذكروه من حديث طلق أنه إذا مسه لغير شهوة، ونستعمل ما رويناه إذا مسه لشهوة فيصح بذلك استعمال الأخبار، وبالله التوفيق.
وقال الشيخ أبو عمران: أن من قال: إنما يجب الوضوء من مس الذكر إذا مسه لشهوة يقول: إن الوضوء يجب فيه بالقرآن؛ لأنه يرجع إلى الملامسة، ومن قال سواء مسه ساهيًا أو عامدًا، فإنه يتوضأ يرى الوضوء فيه من السنة، وبالله التوفيق.
واختلف أصحب مالك في إعادة من صلى بعد مس ذكره، فقيل: لا إعادة عليه، وقيل: يعيد في الوقت.
وقال سحنون: يعيد فيما قرب، كاليوم

الجزء: 1 - الصفحة: 123

واليومين.
وقيل يعيد أبدًا، وقال ابن حبيب: يعيد الساهي في الوقت والمتعمد أبدًا.
فوجه قولهم لا إعادة عليه، أو يعيد في الوقت مراعاة لقوة الاختلاف فيه، ويحتمل أن يكون ذلك في السهو.
ووجه قولهم: يعيد أبدًا، فلعموم الحديث من مس الذكر الوضوء، ولم يفرق بين سهوه وعمده، فإذا وجب إعادة الوضوء، وجب إعادة الصلاة، وقد أعاد منه ابن عمر بعد الوقت، ويحتمل أن يكون ذلك في التعمد، وتوسط سحنون قولاً بين القولين.
ووجه قول ابن حبيب أنه لما كان الأغلب من مس الساهي أنه لغير شهوة، وأنه غير عابث به، والأغلب في المتعمد أنه قاصد للشهوة وواجد لها وجب عليه أن يعيد أبدًا، والأول في الوقت استحبابًا، والله أعلم.
ومن المدونة/ قال مالك: وإذا مست المرأة فرجها فلا وضوء عليها،

الجزء: 1 - الصفحة: 124

وروى علي بن زياد عن مالك أن عليها الوضوء، وأنكره سحنون.
وقيل: عليها الوضوء إذا ألطفت أو قبضت عليه، وقاله مالك.
-يريد بألطفت إذا أدخلت يدها بين الشفرين-، ولا شيء عليها في مسها لجوانبه، وقاله ابن حبيب.
فوجه قوله: أن لا وضوء عليها، فلقوله صلى الله عليه وسلم: من مس الذكر الوضوء يدل أن ما عداه بخلافه.
ووجه قوله: أن عليها الوضوء، فلقوله صلى الله عليه وسلم: من أفضى بيده إلى فرجه ليس بينهما حجاب فقد وجب عليه الوضوء، والفرج اسم عام للذكر، وفرج المرأة؛ ولأنه عضو يجد للمسه اللذة، كالذكر.
فأما إذا قبضت عليه أو ألطفت فهي واجدة اللذة لا محالة فيجب أن يكون عليها الوضوء في القولين، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

وقال القاضي عبد الوهاب: في ما روي عن مالك لا وضوء على المرأة في مس فرجها، وما روي أنها تتوضأ، وما قيل: إذا ألطفت، هذا كله ليس باختلاف رواية فمن قال: لا وضوء عليها، فمعناه إذا كان لغير لذة، ومن رأى أن عليها الوضوء معناه إذا التذب به، وأن ذلك مبني على الرواية أن ذلك عليها إذا ألطفت، فهذه مفسرة لما أجمل من غيرها.
قال: ومن أصحابنا من يحمل ذلك على روايتين: إحداهما: الوجوب، والأخرى سقوطه، إلا أن تلطف، وهو نحو ما بينا أولاً.
ومن المدونة قال مالك: ومن مس ذكره في غسله من جنابته أعاد وضوءه إذا فرغ من غسله، إلا أن يكون قد أمر يديه على مواضع الوضوء منه في غسله، فيجزئه.
قال أبو محمد: يريد وينويه.
وقال أبو الحسن بن القابسي: لا يحتاج إلى نية.
م فوجه قول أبي محمد أنه لما كان الغسل من الجنابة يرفع حدث الجنابة

الجزء: 1 - الصفحة: 126

والوضوء، وأنه لو مس ذكره بعد تمام غسله لم ينتقض عليه إلا الوضوء، ولم يعد جنبا لارتفاع حكم الجنابة عن جميع جسده، فكذلك إذا غسل بعض أعضائه / فناب ذلك الغسل فيها عن الجنابة والوضوء، فإذا مس ذكره انتقض حكم الوضوء، وبقي حكم الغسل قائماً، كما كان ذلك في جميع الجسد؛ لأنه لو تمادى على بقية غسله ولم يعد غسل تلك الأعضاء لأجزأه غسله، ولم يكن عليه إلا الوضوء، فإذا أعاد لها الماء فإنما يعيده للوضوء خاصة، فلا يجزئه.
ووجه قول أبي الحسن إن حكم الجنابة باق على تلك الأعضاء، لا يرتفع إلا بتمام الغسل، ألا ترى أنه لو ترك لمعة من جسده متعمداً حتى جف غسله وطال ذلك لابتدأ الغسل من أوله، فإذا أعاد غسل تلك الأعضاء لم يحتج إلى نية، وأجزأته النية الأولى، إذا ليس عليه أن يجدد لكل عضو نية، وبالله التوفيق.
قال أبو عمران: في الذي مس ذكره في غسله أنه إذا مر بيديه

الجزء: 1 - الصفحة: 127

على مواضع الوضوء منه أن الغالب في إمرار يده بالماء؛ لما يقع / في نفسه أنه لم يعم تلك الأعضاء بالغسل فهو مستشعر إكمال الطهارة فيجزئه ذلك، وإن لم ينو به الوضوء.
والوضوء من مس الذكر في حال الغسل على ثلاثة أوجه: إن مسه قبل غسل شيء من أعضاء الوضوء فلا شيء عليه، ويجزئه الغسل، وإن مسه بعد فراغه من غسله فعليه الوضوء باتفاق، وإن مسه بعد غسل أعضاء الوضوء أو بعضها فهي مسألة الخلاف المتقدمة.
[فصل - 2 -] في الوضوء من النوم، وزوال العقل.
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((العينان وكاء السه، فمن نام فليتوضأ))، وهذا نص منه عليه السلام في إيجاب الوضوء، وقال في حديث آخر: ((العينان وكاء السه، فإذا

الجزء: 1 - الصفحة: 128

نامت العينان استطلق الوكاء)).
قال أبو عبيد في غريب الحديث: والسه حلقة الدبر، والوكاء هو الخيط الذي يشد به فم القربة، فجعل اليقظة للعين مثل الوكاء للقربة، يقول: فإذا نامت العين استرخى ذلك الوكاء، فكان منه الحدث.
قال ابن القصار: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إنما الوضوء على من نام مضطجعًا، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله))، وهذا تعليل منه صلى الله عليه وسلم، وقاله عمر بن

الجزء: 1 - الصفحة: 129

الخطاب رضي الله عنه، وأجمع عليه فقهاء الأمصار.
قال ابن حبيب: وذلك إذا استثقل المضطجع، وخالط النوم عقله.
م فينبغي على كل نائم استرخت مفاصله، واستثقل نومه الوضوء، وهذا هو الأصل.
وقد قال ابن أبي سلمه: من استثقل نوماً على أي حال كان فعليه الوضوء، وكذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ((من استجمع نوماً، فعليه الوضوء)) وما روى ابن عباس ((أن / النبي صلى الله عليه وسلم دخل على خالته ميمونة، فنام حتى سمع غطيطه، ثم قام فصلى، ولم يتوضأ، قيل: يجوز أن يكون هذا إذا ثبت

الجزء: 1 - الصفحة: 130

كان خصوصًا له؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((تنام عيناي ولا ينام قلبي))، ويحتمل أن يكون يغط، ولم يستثقل في نومه وهذا ممكن.
ومن المدونة قال مالك: ومن نام في سجوده فاستثقل نومًا، وطال ذلك فعليه الوضوء، وأما من نام نومًا خفيفًا الخطرة ونحوها لم ينتقض وضوءه، فكذلك من نام على دابته شيئًا خفيفًا، فإن طال ذلك فعليه الوضوء، ونومه قدر ما بين العشائين طويل، وهو بمنزلة القاعد.
قال: ومن نام محتبيًا في يوم جمعة وشبهه، فذلك خفيف، ولا وضوء عليه؛

الجزء: 1 - الصفحة: 131

لأنه لا يلبث، والجالس بلا احتباء أشد؛ لأنه يثبت، فعليه الوضوء إن كثر ذلك وطال.
وقال ابن وهب: وقال أبو هريرة: ليس على المحتبي النائم، ولا على القائم النائم وضوء، وقال ابن شهاب: السنة في من نام راكعًا أو ساجدًا فعليه الوضوء، يريد لأنه قد أمكن نفسه للحدث.
م وظاهر هذا خلاف لقول مالك؛ لأن الراكع لا يثبت إذا استثقل نومًا.
وقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم ((نام ساجدًا فلم يتوضأ))، ومعناه عندنا أنه لم يستثقل في نومه، ولا استرخت مفاصله، وكذلك علله بعض البغدادين.
قال ابن القصار: ومما يدل على أن لا وضوء في الخطرة ونحوها ما روي أن الصحابة كانوا ينامون في انتظار العشاء الآخرة حتى / تخفق رؤوسهم، ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 132

يصلون، ولا يتوضأون.
وهذا يبطل قول من قال: إن النوم حدث، قليله وكثيره سواء.
وما روي ابن وهب ((أن ربيعة سقطت من يده مروحة، وهو ناعس فتوضأ.
قيل: معناه: أنه لم يشعر بسقوطها فتخوف أن يكون طال ذلك به.
م وقيل النوم على ثلاثة أوجه: نوم لا وضوء فيه، كالخطرة ونحوها، ونوم / القائم وشبهه، ونوم يستحب منه الوضوء، وذلك إذا استثقل ونام فيه ولم يطل، ونوم يجب منه الوضوء وذلك إذا استثقل وطال.
وقد شرط الاستثقال والطول في الذي ينام في سجوده والذي ينام مضطجعًا أو جالسًا أولى بمراعاة ذلك، وهذا ظاهر كله.
م وما قدمناه أصوب؛ للإجماع عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 133

فصل - 3: [في وضوء من فقد عقله بإغماء أو جنون أو سكر].
قال مالك رحمه الله: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء، والمجنون إذا فاق توضأ، ولا غسل عليه يريد إلا أن يجد بلة المني فليغتسل.
قال ابن القاسم سواء خنق قائماً أو قاعداً.
قال ابن حبيب: وهذا إذا أفاق بحدثان ذلك ولم يجد بلة المني، فأما لو أقام يومًا أو أيامًا فعليه الغسل.
م وهذا خلاف لقول مالك، وهو عند مالك على طهارته حتى تثبت نجاسته.
قال ابن القاسم: ومن ذهب عقله من لبن سكر منه، أو من نبيذ توضأ، وقد يتوضأ من هو أيسر شأنًا ممن ذكرنا، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا لقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا {الآية.
قال زيد بن أسلم: يعني: من النوم.

الجزء: 1 - الصفحة: 134

[فصل - 4 -] في الوضوء من المذي، وسلس البول، وما يخرج من الدبر.
وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالوضوء من المذي مع غسل الفرج، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ((إني لأجده يتحدر مني مثل الخريزة فإذا وجد ذلك أحدكم فليغسل فرجه، وليتوضأ يعني غير المستنكح)).
وروى ابن وهب أن عمر بن الخطاب قال: ((إني لأجده في الصلاة على فخذي كخرز اللؤلؤ فما أنصرف حتى أقضي صلاتي)) /، يعني أنه

الجزء: 1 - الصفحة: 135

كان مستنكحًا في آخر عمره.
قال مالك رحمه الله: ومن خرج من ذكره بول، أو مذي المرة بعد المرة لإبردة، أو لعلة توضأ، إلا أن يستنكحه ذلك فيستحب له الوضوء لكل صلاة من غير إيجاب، كالمستحاضة، فإن شق عليه الوضوء لبرد أو نحوه لم يلزمه، وإن خرج ذلك من المستنكح في الصلاة فليكفه بخرقه، ويمضي على صلاته، وإن لم يكن مستنكحًا قطع.
قال بكر القاضي: سلس البول والمستحاضة على قسمين: فاللذان لا ينقطع ذلك عنهما على حال فلا وضوء عليهما إذ لا فائدة في أن يتوضئا، وهو يسيل، وإن كان ذلك ينقطع، ثم يعود من وقت إلى وقت فهذان اللذان يتوضآن خيفة أن يخالط ذلك شيء من المعتاد.

الجزء: 1 - الصفحة: 136

وروى البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة استحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا، إنما ذلك عرق، وليس بالحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم صلي))، قال: وقالت: قال: ((ثم توضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت))، ورواه مالك في الموطأ، وروي عن أم سلمه نحوه، وقال ابن المسيب: ((تغتسل من طهر إلى طهر، وتتوضأ لكل صلاة، فإن غلبها الدم استثفرت)).

الجزء: 1 - الصفحة: 137

وقال غير واحد من البغداديين: مذهب مالك في كل ما خرج من السبيلين على غير العادة مثل: سلس البول، والمذي، ودم الاستحاضة، ونحوه أن ذلك لا ينقض الطهارة، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو سال من قرنك إلى قدمك فلا وضوء عليك))؛ ولقوله صلى الله عليه وسلم في المستحاضة: ((تصلي، وإن قطر الدم على الحصير)).
فلو كان ذلك حدثًا يفسد الطهارة لوجب أن يفسد الصلاة، ولكن لما خرج على غير وجه العادة خرج عن حال

الجزء: 1 - الصفحة: 138

الصحة، ووجب أن لا ينقض الطهارة، قياسًا على دم الجرح / والدمل إذا مصلا.
وقال ابن المسيب وغيره في المدونة في الذي يستنكحه المذي يتوضأ، وينضح بالماء /، ثم يقول: هو الماء خيفة الوسوسة.
قال مالك: وإذا كثر عليه المذي، لطول عزبة أو تذكر لزمه الوضوء لكل صلاة.
قال ابن أبي زمنين: الذي عندي فيمن استنكحه المذي؛ لطول عزبة، أو لعلة، وكان يخرج منه على غير مقارنة شهوة، ولا تعرض للذة فلا ينتقض وضوءه، كذلك فسره عبد الملك.
وقال ابن الجلاب في الذي يكثر عليه المذي لطول عزبة: إن كان يستطيع

الجزء: 1 - الصفحة: 139

رفعها بتزويج أو تسري أنه يتوضأ لكل صلاة، وإذا أمذى صاحب السلس بقبلة، أو شهوة، أو بال بول العادة لزمه الوضوء.
قال القاضي عبد الوهاب في الذي يخرج منه المذي لإبردة المرة بعد المرة: إنما عليه / الوضوء استحبابًا، لا إيجابًا، وعلى هذا كان يحمل شيوخنا قول مالك، والظاهر من قول مالك وجوب الوضوء، وهو الصحيح؛ لأن علة سقوط الوضوء عن السلس لحوق المشقة بتكراره، وذلك معدوم في الخارج مرة بعد مرة.
فصل - 5 - [في الخارج غير المعتاد من الدبر أو القبل] قال ابن القاسم: ولا شيء على من خرج من دبره دود أو دم عند مالك.
قال ابن نافع عن مالك في المجموعة: وذلك إذا لم يخالطه أذى.
قال ابن القاسم: وكذلك الحصاة تخرج من الإحليل، إلا أن يخرج بإثرها

الجزء: 1 - الصفحة: 140

بول.
وقال محمد بن عبد الحكم: من خرج من دبره دود نقي، أو دم صاف فعليه الوضوء.
قال أبو محمد: وهذا خلاف لأصولنا في المعتادات.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا خرج من فرج المرأة دم فعليها الغسل عند مالك، إلا أن تكون مستحاضة فيستحب لها الوضوء.
قال علي عن مالك: وليس على الرجل غسل أنثييه من المذي إذا توضأ، إلا أن يخشى أن يكون أصابهما شيء، فإن لم يصبهما شيء فليس عليه إلا غسل ذكره عند مالك.
م يريد فإذا خشي غسل بخلاف الثياب والحصر يشك هل أصابها نجاسة أم لا، تلك تنضح؛ لأن النضح رخصة / وردت فيها، فلا يعدى بها بابها، وللضرورة التي تلحق في غسل الثياب، ولا ضرورة عليه في غسل بدنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

وفي العتبية ما يدل أن البدن ينضح أيضاً، كالثوب، ونصه مالك.
قال ابن القاسم: في الحديث ((غسل ذكرك وأنثييك، وانضح)) وإن كان قد يعبر عن الغسل بالنضح فيتفق المعنى.
وقد قال ابن شعبان في من شك في نجاسة ثوبه أو جسده: أجزأه النضح.
قال أبو محمد: وما علمت خلافه.
وقال بعض القرويين: هذا خلاف، واحتج بما جاء في الحديث ((من انتبه من نومه فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها؛ لأنه لا يدري أين باتت يده))، فقد أمره بغسلها في حال الشك.

الجزء: 1 - الصفحة: 142

وذكر ابن حبيب في الحائض والجنب إذا غسلا ما رأيا من الأذى، ولم ينضحا ما لم يريا وصليا فلا إعادة عليهما، بخلاف من شك هل أصاب ثوبه نجاسة أم لا؟ هذا يعيد في الجهل والعمد الصلاة أبدًا، وفي السهو في الوقت، ونضح هؤلاء إنما هو لطيب النفس، ولينضحا لما يستقبلان.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الجنب إذا لم ينضح ما يرى في الثوب الذي نام فيه أنه يعيد الصلاة في الوقت.
فصل - 6: [فيما يوجبه المذي].
قال مالك: المذي عندنا أشد من الودي؛ لأن الفرج يغسل من المذي، والودي بمنزلة البول.
وقال بعض البغداديين من أصحاب مالك: إن معنى غسل الذكر من المذي إنما هو مخرج الأذى.
م وليس الأمر كما قالوا.
وقد بين في المدونة من رواية علي من مالك ما يدل أن الذكر يغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 143

كله، وهو ظاهر الحديث.
قال يحيى بن عمر: في من غسل من المذي مخرج الأذى فقط وصلى لم يعد ويغسل ذكره لما يستقبل.
قال أبو محمد: وينبغي أن يجزئ غسله بغير نية، كالنجاسة.
وقال غيره: من رأى غسل جميعه، فلا يجزئ إلا بنية؛ لأنها عبادة، ومن رأى غسل مخرج الأذى فقط فيجزئ بغير نية، كالنجاسة.
وقال أبو العباس الأبياني: لا يجزئ غسله إلا بنية، وإن لم ينوه أعاد أبدًا.
قال: ومن غسل مخرج الأذى منه فقط، وصلى / أعاد الصلاة أبدًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 144

قال أبو محمد وغيره: وصفة المذي هو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار، وهو في المرأة بلة تكون منها عند اللذة.
وأما الودي: فهو ماء أبيض خائر يخرج بإثر البول من إبردة أو حمام للرجل والمرأة يجب منه ما يجب من البول.
وأما المني: فهو الماء الدافق يخرج عند اللذة الكبرى بالجماع رائحته كرائحة الطلع، وماء المرأة رقيق أصفر يجب منه طهر جميع الجسد بنية.
فصل - 7 - : [في الباسور] ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: ومن به باسور لا يزال يطلع منه فيرده بيده، فليس عليه إلا غسل يديه إلا أن يكثر ذلك عليه فلا أرى عليه غسلها، وكأن ذلك بلاء نزل به، يعدونه بمنزلة القرحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 145

[فصل - 8] في الوضوء من الملامسة والقبلة قال الله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً {، فالمراد به عند جماعة من الصحابة والتابعين: اللمس الذي هو دون الجماع؛ لأنه تعالى ذكر حكم الجنب في الآية، وحكمه الغسل، كحكم الجماع، فلو أراد باللمس الجماع لكان تكريرًا في اللفظ بمعنى واحد، فحمل الآية على كثرة الفوائد / أولى، مع أن الاسم الخاص باللماس هو ما دون الجماع، قال الله تعالى: {فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ {. وقال النبي صلى الله عليه وسلم للأسلمي الذي اعترف بالزنا: ((لعلك قبلت أو لمست))؟ فلو كان اللمس هو الجماع لم يكن في استفهامه فائدة؛ لأنه اعترف بالجماع.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

وروى مالك رحمه الله في المدونة أن ابن عمر قال: من قبلة الرجل امرأته، أوجه إياها بيده الوضوء.
قال مالك: وإذا مست المرأة ذكر الرجل لشهوة فعليها الوضوء، وإن مسته لغير شهوة لمرض ونحوه فلا وضوء عليها، قال: وكذلك إذا مس أحد الزوجين صاحبه بيده للذة من فوق الثوب أو من تحته فعليه الوضوء أنعظ الرجل أم لا.
قال القاضي عبد الوهاب: واعتبرنا في ذلك اللذة، وجعلناها شرطًا في انتقاض الطهارة، وهو قول جماعة من التابعين، فإن عريت الملامسة / من اللذة، لم يجب الوضوء، خلافًا للشافعي.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

دليلنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يقبل ويلمس، ولا يتوضأ، فمحمله أنه كان بغير لذة، فأشبه مس الرجل الرجل.
م ولما كانت الملامسة للذة بيده من دواعي الوطء، وكان الوطء يوجب الطهارة الكبرى، وجب أن يكون ما دونه هو من دواعيه يوجب الطهارة الصغرى.
فأما ما كان لغير لذة، ولا قصد به اللذة فليس من دواعي الوطء، فوجب أن لا يوجب شيئًا، ويؤيد ذلك قوله تعالى: {أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ {، فقصده بالملامسة النساء الملتمس منهن اللذة، بدليل أن المراد

الجزء: 1 - الصفحة: 148

به اللمس للذة.
ومن العتبية قال علي عن مالك: وإذا مس الرجل زوجته بيده من فوق الثوب، فإن كان الثوب خفيفًا يصل في جسه إلى جسدها فعليه الوضوء، وإن كان ثوبًا كثيفًا لا يصل بجسه إياه إلى جسدها فلا شيء / عليه.
م يريد إذا لم يصل بالجس إلى رطوبة بدنها، فهو كالنظر بغير اللذة.
فصل - 9 - : [حكم الصلاة خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أو مس الذكر] قال أشهب: من صلى خلف من لا يرى الوضوء من القبلة أعاد أبدًا، وإن صلى خلف من لا يرى الوضوء من مس الذكر لم يعد.
وقال سحنون: يعيدان جميعًا بحدثان ذلك.
قال بعض القرويين: والفرق بينهما عند أشهب أن الوضوء من الملامسة مقطوع بصحته من القرآن، والوضوء من مس الذكر إنما هو من أخبار

الجزء: 1 - الصفحة: 149

الآحاد، وقد ضاده حديث آخر فكان الوضوء منه استحبابًا.
فصل - 10 - : [في تقبيل أحد الزوجين لصاحبه] قال ابن القاسم: وإذا قبل الرجل امرأته على غير الفم، أو فعلت ذلك هي به فليتوضأ الفاعل، ولا وضوء على المفعول به ذلك، إلا أن يلتذ فليتوضأ أيضًا.
قال مالك في المجموعة: وأما إن قبلها على الفم مكرهة، أو طائعة فليتوضئا جميعاً، يريد؛ لأن الأغلب في ذلك الالتذاذ.
وقال عنه ابن نافع في من غلبته زوجته فقبلته - وهو كاره لا يجد لذة - فعليه الوضوء.
م يريد قبلته في فم أو غيره في هذا القول، وكذلك قال ابن حبيب عن أصبغ أن عليه الوضوء/، وإن أكره أو استغفل؛ لما جاء أن في القبلة الوضوء مجملاً بلا تفصيل.
ابن وهب: وقد قال ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهم وابن المسيب

الجزء: 1 - الصفحة: 150

وغيرهم من قبلة الرجل امرأته الوضوء.
قال مالك في غير المدونة: ولا وضوء عليه في قبلته امرأته لوداع أو رحمة ونحوه، إلا أن يلتذ.
قال غيره: ومحمل ما روي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل نساءه، ولا يتوضأ، فمعناه ما كان لغير قصد اللذة.
قال مالك في العتبية: ولو مس شعرها للذة توضأ، وإن مسه لغير لذة فلا شيء عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

قال سحنون: وأما إن لبسته ثوبه أو نزعت خفه فلا وضوء عليهما وإن التذا، وقد يلتذان بالكلام.
قال ابن القاسم في المريض الذي لا يجد للنساء نشاطة فأراد أن يجرب نفسه فمس ذراع زوجته فلم يجد لذة فعليه الوضوء؛ لأنه قد وجد اللذة بقلبه حين قصد ذلك.
قال أبو محمد بن أبي زيد لابن بكير: قول صح في اللذة بالقلب الوضوء، وما علمت / من قاله غيره، وقد تقدم القول في الوضوء بسؤر النصراني والحائض والجنب مع ما يشبهه.

الجزء: 1 - الصفحة: 152

باب - 8 - : في من شك في وضوئه أو نكسه أو فرقه ناسيًا أو عامدًا

فصل - 1 - : [في الشك في الوضوء] وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم الشاك في صلاته أن يبني على يقينه، فكذلك الوضوء.
قال مالك رحمه الله في من شك في بعض وضوئه فلم يتيقن أنه غسله، فليغسل ما شك فيه، ولو أيقن بالوضوء ثم شك في الحدث، فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا، فليعد وضوءه بمنزلة من شك فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فليلغ الشك، إلا أن يكون مستنكحًا فلا يلزمه إعادة شيء من وضوء ولا صلاة.
قال ابن القصار: واختلف أصحابه في غير المستنكح، فقال بعضهم: هو مستحب، وقال بعضهم: هو واجب، وبهذا أخذ الأبهري رحمه الله، وبه أقول.

الجزء: 1 - الصفحة: 153

قال ابن حبيب: وإذا خيل إليه أن ريحًا خرج منه فلا يتوضأ، إلا أن يوقن به، وكذلك إن دخله / شك بالحس /. م وروى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: ((لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا)).
قال ابن حبيب: وأما إن شك هل بال أو أحدث أم لا؟ فهذا يعيد الوضوء.
فصل - 2 - : [في تنكيس الوضوء].
ومن المدونة قال مالك: ومن نكس وضوءه فغسل رجليه قبل يديه، ثم وجهه، ثم صلى أجزأته صلاته، ويعيد الوضوء أحب إلي، وما أدري ما وجوبه.
م يريد وجوب الترتيب، أي: ما أدري ما وجه قول من يرى أنه واجب إنكارًا لذلك، وقد قال علي وابن مسعود: ما نبالي بدأنا بأيماننا أو بأيسارنا،

الجزء: 1 - الصفحة: 154

وفي حديث آخر ((ما نبالي بأي الأعضاء بدأنا)).
وقال علي عن مالك: في من نكس وضوءه أنه يعيد الوضوء والصلاة، ثم قال: يعيد الوضوء فقط.
م أراه يريد نكسه عامدًا في قوله: يعيد الوضوء والصلاة.
وقال بكر القاضي وغيره: إنما يجزئه في تنكيس الوضوء إذا كان ذلك سهوًا، وإن تعمد ذلك فهو عابث، لا يجزئه، وصلاته إن صلى باطلة.
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: من نكس وضوءه وصلى أجزأته صلاته، ولم يعد في وقت ولا غيره، إن فعل ذلك سهوًا، وغن تعمد أو جهل ابتدأ الوضوء لما يستقبل كان من مسنونه أو مفروضه، وإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 155

سهواً فلا يصلحه إلا في مفروضه يؤخر ما قدم فيصير مرتباً، ويغسل ما يليه كان بحضرة الماء أو بعد إن طال.
وقال ابن القاسم: هذا إذا لم يطل، وأما إن طال أخر ما قدم ولم يعد ما يليه، وقد تقدم إيعاب الحجة في الترتيب.
فصل-3 - : [في سقوط الموالاة بالنسيان] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن توضأ فنسي مسح رأسه، وغسل رجليه، حتى جف وضوءه، وطال ذلك بنى على وضوئه، وإن ترك ذلك عامداً ابتدأ الوضوء.
قال: ومن توضأ فترك لمعة من بعض مواضع الوضوء، أو اغتسل من جنابة، أو امرأة من حيض فتركوا لمعة من أجسادهم، ولم يصبها الماء حتى صلوا، ومضى الوقت، فإن تركوها عمداً أعاد الذي توضأ وضوءه، وأعاد الذي/ اغتسل غسله، وأعادوا الصلاة، وإن تركوا ذلك سهواً غسلوا ذلك الموضع فقط، وأعادوا الصلاة، فإن لم يغسلوا ذلك الموضع حين ذكروا استأنف الغسل والوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

م يريد وإن لم يجد الماء حين ذكره، وطال طلبه له ابتدأ جميع طهارته، وهو كمن عجز ماؤه في ابتداء طهارته.
ابن وهب: وقد جاء رجل إلى ابن المسيب فقال: إني اغتسلت من الجنابة ونسيت أن أغسل رأسي، قال: فأمر رجلا من أهل المجلس أن يقوم معه إلى المطهرة فيصب على رأسه دلواً من ماء.
ابن وهب: وقال ربيعة: لا يكون غسلاً حتى يتبع بعضه بعضاً، فأما من فرقه متخيراً لذلك فليس بغسل.
وقاله مالك والليث.
قال مالك: وإن نسي المضمضة والاستنشاق من غسل أو وضوء، ومسح جميع أذنيه في الوضوء وداخلهما/ في الجنابة، وهو الصماخ حتى صلى أعاد لما يستقبل، ولم يعد الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 157

قال ابن وهب: وقال ابن شهاب وعطاء بن أبي رباح وعبيد الله بن عمر: لا تعاد الصلاة إلا مما ذكر الله تعالى في كتابه.
ومن غير المدونة قال مالك: ومن ترك بعض فرض الوضوء ناسياً فذكر بحضرة الماء أتم ما نسي، وأعاد ما يليه، ولو نسي المضمضة والاستنشاق فعل ذلك/ ولم يعد ما يليه، بخلاف المفروض.
وقال ابن حبيب: إن ذكر بحضرة الوضوء أعاد ما نسي، وما يليه كان مسنوناً أو مفروضاً، وإن فرق وضوءه فما كان من مسنونه وما يمسح من مفروضه قضى ما نسي فقط، وإن كان مما يغسل من مفروضه وطال أعاد الوضوء ويعيد الصلاة في المفروض كله ما يغسل وما يمسح، ولا يعيد في المسنون.
وقال ابن أبي سلمة في غير الواضحة: يبتدئ الوضوء إن طال ذلك كان

الجزء: 1 - الصفحة: 158

مما يغسل أو يمسح.
قال حبيب بن الربيع: وما ذكر ابن حبيب/ عن مالك في تفريقه بين المغسول والممسوح فهو غلط ممن نقله عن مالك.
م وقد تقدمت الحجة في إيجاب التوالي مع الذكر، وقول مالك فيما ذكرنا الآن هو أولى وهو القياس، وكأن ابن أبي سلمة رأى أن التوالي فرض يبطله النسيان، كالصلاة.
وذهب محمد بن عبد الحكم: إلى أن تبعيضه في العمد والسهو سواء، لا يبطله على ما روي عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين.
قال ابن القاسم: ولم يأخذ مالك بما روي عن ابن عمر في هذا.
قال مالك في المدونة: ومن توضأ بعض وضوئه، ثم عجز ماؤه فقام لطلبه فإن قرب بنى، وإن تباعد وجف وضوءه ابتدأ الوضوء.
وإن ذكر في

الجزء: 1 - الصفحة: 159

صلاته أنه نسي مسح رأسه قطع ولم يجزئه مسحه بما في لحيته من بلل وليأتنف مسحه ويبتدئ الصلاة.
قال ابن القاسم: ولا يعيد غسل رجليه، إن كان وضوءه قد جف.
قال: وقال ابن الماجشون في الواضحة: إن قرب من الماء فلا يمسح به رأسه، وإن بعد فليمسح به رأسه، إن كان بللاً بيناً فيه فضل.
م فوجه قول مالك: أن ما بلل اللحية، كماء توضئ به مرة، فلا يمسح به رأسه، كما لا يتوضأ به.
ووجه قول ابن الماجشون: أنه وإن كان كماء توضئ به مرة، ما لم يصر مضافاً لوسخ في اللحية فلا بأس بالمسح به عند عدم الماء، ولئلا

الجزء: 1 - الصفحة: 160

يبطل ما تقدم له من غسل، والله أعلم.
قال ابن الماجشون: وإن أصاب رأسه الرش فلا يجزئه أن يمسح بذلك، ولينصب يديه ليصيبهما الرش، ثم يمسح بهما رأسه.
قال سحنون في العتبية في المسافر لا يجد الماء فيصيبه المطر: يجوز أن ينصب يديه للمطر ويتوضأ، وكذلك إن كان جنباً فتطهر بذلك إن جاءه من ذلك ما يبل به جلده.
م وإنما أمر بنصب اليد للماء ليصير ناقلا للماء في الوضوء والغسل، وهذا الصواب، ولو لم ينصب يديه، ولكن أخرج أعضاء الوضوء للمطر أو تعرى للغسل وكان مطراً وابلاً لأجزأه ذلك في الوضوء والغسل، كما لو توضأ أو اغتسل/ تحت ميزاب أو أمر غيره فصب عليه، فإنه يجزئه، والله أعلم.
وبه التوفيق.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

[باب-9] في مسح المرأة رأسها والطويل الشعر من الرجال ومسح الأذنين وتخليل اللحية ومسح الوضوء بالمنديل ومن ذبح أو قلم أظفاره أو حلق رأسه بعد الوضوء

[فصل-1 - : في مسح المرأة رأسها في الوضوء] روى ابن وهب أن عائشة وجويرية زوجتي النبي صلى الله عليه وسلم وصفية زوجة ابن/ عمر كن إذا توضأن يدخلن أيديهن تحت الوقاية فيمسحن بجميع رؤوسهن، وقاله ابن المسيب وابن شهاب وغيرهم.
قال مالك رحمه الله: وتمسح المرأة على رأسها كله كالرجل، وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين وإن كان شعرها معقوصاً مسحت على

الجزء: 1 - الصفحة: 162

ضفرها، ولا تنقض شعرها، وكذلك الطويل الشعر من الرجال قد ضفره سميح عليه.
قال مالك في العتبية: يمر بيديه إلى قفاه ثم يعيدهما من تحت شعره إلى مقدم رأسه.
قال ابن حبيب: فإن كانت مسدلة الشعر أو الضفائر تمادت بيديها إلى أطرافه، ثم أدخلت يديها من تحته فترد يديها إلى مقدم رأسها وأطراف شعرها قابضة عليه، قال: وإن ضفرت شعرها بصوف أو شعر لم يجزئها أن تمسح عليه حتى تنزعه إذا لم يصل الماء إلى شعرها من أجله، وقد نهي/ أن تصل المرأة شعرها بشيء، وفيه قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لعنت الواصلة والمستوصلة"

الجزء: 1 - الصفحة: 163

ومن المدونة قال مالك: ولا تمسح على خمارها ولا على غيره، فإن فعلت أعادت الوضوء والصلاة أبداً.
قال غيره: لأنها جاهلة، والجاهل كالعامد.
قال مالك: وإذا كان في الرأس حناء فلا يجزئ المسح عليها حتى تنزعها فتمسح على الشعر، وقد تقدمت الحجة فيه.
فصل-2 - : [مسح الأذنين في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: والأذنان من الرأس، ويستأنف لهما الماء وكذلك فعل ابن عمر.
قال مالك: فإن تركهما ساهياً حتى صلى فلا إعادة عليه/ كالمضمضة وليعد مسحهما لما يستقبل.

الجزء: 1 - الصفحة: 164

قال مالك في المختصر: ويستحب له تجديد الماء لأذنيه.
قال محمد بن مسلمة: إن شاء جدد لهما الماء وإن شاء مسحهما بماء مسح به رأسه، وقال ابن حبيب: من مسح أذنيه بالماء الذي مسح به رأسه فهو كمن لم يمسحهما.
قال مالك: ولا يعيد الصلاة.
قال: وصفة مسحهما أن يأخذ الماء بهما ويمسح بإصبعيه ظاهرهما وباطنهما، ويدخل إصبعيه في صماخيه، ولا يتبع غضونهما.
فصل-3 - : [الاختلاف في مسح الأذنين].
قال أبو إسحاق: وقد اختلف في مسحهما، فقيل: هما سنة على حيالهما، ويجدد الماء لهما، وإن مسحهما بفضل مسح الرأس فكأنهما لم يمسحا.
وقيل: إنهما من الرأس، ومسحهما كمسح الرأس، إلا أن تاركهما لا يعيد ليسارتهما، كناسي الشيء اليسير من رأسه، وهذا قول أكثر البغداديين.
وقد اختلف فيما يجزئ من مسح الرأس، فقيل: لابد من مسحه كله، إلا ما لا يمكن الاحتفاظ منه، ثم ذكر قول ابن سلمة، وقول أبي الفرج، وقال: هذا بعيد على مذهب أصحابنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

فصل-4 - : [تحريك اللحية في الوضوء] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: وتحرك اللحية في الوضوء من غير تخليل.
ابن وهب: وقاله ابن عباس والقاسم بن محمد وربيعة وغيرهم.
وقد تقدم كثير من معاني هذا الباب.
م قال الأبهري في تحريك اللحية: هذا اختيار/ منه؛ لأن غسل ما تحتهما قد سقط الفرض عنه لغيبته عن المواجهة.
قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا في الشعر المسترسل عن اللحية هل يلزم غسله وإمرار اليد عليه؟ فذهبت طائفة إلى وجوب ذلك؛ لقول مالك: إن اللحية من الوجه فيجب غسلها معه.
وقال بعض أصحابنا: إنما الواجب غسل الشعر المقابل كما لو كان ظاهراً لوجب غسله دون المنسدل منه، وبه قال الأبهري.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

قال غيره: ويجزئ هذا الاختلاف في شعر المرأة المنسدل، والطويل الشعر من الرجال، ومذهبه في المدونة أنه يمسح، وهو قوله: وتمسح على ما استرخى من شعرها نحو الدلالين، وكذلك الطويل الشعر من الرجال.
م وما روي عن ابن سيرين أنه ليس من السنة غسل اللحية، قيل: معناه تخليلها، وقيل: معناه لا يستأنف لها ما يغسلها به، وإنما يمر عليها يده بالماء الذي غسل به وجهه، وهذا أبين.
[فصل-5 - : في حكم التنشف بالمنديل بعد الوضوء] قال مالك: ولا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء.
وروى ابن وهب "أن النبي صلى الله عليه وسلم كانت له خرقة ينشف بها بعد الوضوء".

الجزء: 1 - الصفحة: 167

وقال علي في المجموعة: قلت لمالك: أيفعل ذلك قبل غسل رجليه ثم يغسل رجليه/ بعد؟ قال: نعم، وإني لأفعله.
قال سليمان بن سالم: وكان جابر بن عبد الله وابن المسيب يكرهان ذلك، ويقولان: "أن الوضوء نور".
قال ابن حبيب: قيل لمالك: أن أناساً يقولون: إنه يذهب نور الوجه، فقال: لا بأس به، وما سمعنا بكراهية.

الجزء: 1 - الصفحة: 168

فصل-6 - : [في حكم من قلم أظفاره أو حلق رأسه أو ذبح بعد الوضوء] ومن المدونة قال مالك: ومن كان على وضوء فذبح لم ينتقض وضوءه، وإن قلم أظفاره أو حلق رأسه لم يعد مسحه.
قال ابن أبي سلمة: هذا لمن لحن الفقه.
قال سحنون: يريد من خطأ الفقه.
وذكر أهل اللغة أن اللحن بإسكان الحاء هو الخطأ، واللحن بالفتح هو الصواب، فمن قرأها بالإسكان أراد أن من قال: لا ينتقض وضوءه خطأ، إذا رأى أن الشعر حائل، كالخفين، وليس مثله؛ لأن الشعر من أصل الخلقة فهو مفارق للخف، ومن قرأها بتحريك الحاء رأى أن قولنا هو الصواب.
وقيل: إن ابن أبي سلمة يقول: إنه إذا حلق رأسه ينتقض

الجزء: 1 - الصفحة: 169

وضوءه؛ لأنه حائل، كالخف فعلى هذا يكون معنى قل ابن أبي سلمة هذا من لحن الفقه أن قولنا من خطأ الفقه.

الجزء: 1 - الصفحة: 170

[باب-10] في الوضوء من القيء والقلس والحجامة والعرق يقطع والقرحة تسيل

. [فصل -1 - : في الوضوء من القيء].
من المدونة قال مالك: القيء قيثان، فما خرج بمنزلة الطعام فهو طاهر، وما تغير عن حال الطعام فهو نجس، يغسل ما أصاب منه الثوب والجسد، ولا وضوء فيه، خلافاً لأبى حنيفة في إيجابه الوضوء من كثيره.
قال غير واحد من البغداديين: والدليل لمالك قوله صلى الله عليه وسلم حين سئل أيجب الوضوء من القيء؟ فقال: لو كان واجباً لوجدته في كتاب الله تعال، ولأن كل خارج من البدن لا ينقض قليله الوضوء فكذلك كثيره، أصله الدموع والبصاق، وعكسه، البول والرجيع.

الجزء: 1 - الصفحة: 171

ومن المدونة روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد وأبا الزناد، وغيرهم قالوا: لا وضوء من القيء، قال ربيعة وغيره: ولا من القلس، قال ابن المسيب وغيره: ولا فيما يخرج من الفم من الدم.
قال ابن مزين: والقلس هو ماء، ورما كان مثل القيء، وربما كان طعاماً، فإن كان ماءًا، وأصابه ذلك في صلاته فليتماد فيها ولا شيء عليه، قال ابن القابسي: يعنى إذا كان ما يلقي من ذلك غير فاسد.
قال ابن مزين: وإن كان طعامًا، وكان شيئًا يسيرًا تمادى، ولا شيء عليه؛ وإن كان كثيرًا قطع، وتمضمض وابتدأ الصلاة، ورواه ابن القاسم عن مالك.
فصل -2 - : [في الوضوء من الحجامة والعرق]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: ويغسل المحتجم موضع المحاجم، ولا يجزئ مسحها، وقاله ابن عمر وابن عباس، وغيرهم، وقال يحيى بن سعيد:

الجزء: 1 - الصفحة: 172

  • فى العرق يقطع - مثله.
    قال مالك: فإن مسحها وصلى أعاد في الوقت بعد أن يغسلها.
    يرد إن مسحها ساهيًا وقال أبو عمران: سواء مسحها ساهيًا أو عامدًا فإنما يعيد في الوقت؛ للاختلاف في جواز المسح عليها، وقد روى عن الحسن وغيره: أنه ليس عليه غسلها.
    وقال ابن حبيب: لا يعيد، وما روى عن ابن المسيب وغيره من قتل الدم في الأصابع أكثر من هذا.
    فوجه قول مالك: أنه دم كثير وجب غسله فلا يزيله إلا الماء، وكذلك فعل الرسول صلى الله عليه وسلم ولا ينقض الوضوء دم الحجامة عند مالك، ولا ما

الجزء: 1 - الصفحة: 173

شاكله مما يخرج من البدن.
قال ابن القصار: دليله ما روى أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم فلم يزد على أن غسل أثر محاجمه وصلى، ولم يتوضأ.
البخاري: وقال ابن عمر والحسن في من احتجم: ليس عليه إلا غسل محاجمه، وعصر ابن عمر بثرة فخرج منها دم فصلى ولم يتوضأ، وبصق ابن أبي أوفى دمًا فمضى في صلاته.
ابن وهب: وقال ربيعة وابن شهاب - في الجرح يمصل - مثله، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صلى والجرح يثغب دمًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 174

فصل -3 - : [في القرحة تسيل]: ومن المدونة قال مالك - رحمه الله -: وكل قرحة إن تركها صاحبها لم تسل، وإن نكأها سالت فإن هذا إذا نكأها فخرج منها دم أو غيره أو خرج ذلك من غير أن ينكأها، فأصاب ذلك ثوبه أو جسده غسله، وإن كان في الصلاة قطع، ولا يبنى إلا في الرعاف، إلا أن يخرج منها الشيء اليسير فليفتله ولا ينصرف، وإن كانت لا تكف تمصل من غير أن ينكأها فليصل، وليدارها بخرقة ما استطاع، ولا يقطع لذلك صلاته، وإن أصاب ثوبه فلا بأس أن يصلي به، إلا أن إلا أن يتفاحش فأحب إلىّ أن يغسله، ولا يصلي به.

الجزء: 1 - الصفحة: 175

[باب - 11] في من وطيء على نجاسة، وحكم النجاسة في البدن والثوب وغيره وبول الصبي والبول قائمًا

[فصل -1 - في من وطئ على نجاسة]: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدرع "يطهره ما بعده ". قال مالك - رحمه الله: ومعنى ذلك في القشب اليابس.
وقيل: إن تأويل ذلك إذا سحبت ذيلها في أرض ندية نجسة، ثم تجره بعد ذلك على أرض طاهرة.
قال مالك: ومن وطئ بخفيه أو نعليه على دم أو عذرة أو بول لم يصل به

الجزء: 1 - الصفحة: 176

حتى يغسله، وإن وطئ على أرواث الدواب الرطب وأبوالها دلكه وصلى به، قال ابن حبيب: إنما هذا في الخف خاصة؛ لأن النعل يخف نزعه.
قال ابن القاسم: وكان مالك يقول: من وطئ بخفيه على أرواث الدواب الرطب فلا يصل به حتى يغسله، ثم قال: أرجو أن يكون ذلك واسعًا، وما كان الناس يتحفظون هذا التحفظ.
قيل: إنما فرق في أجد قوليه بين العذرة وزبل الدواب؛ لأن الطرق لا تخلو من زيل الدواب، بخلاف العذرة، فخفف لهذه الضرورة، وأيضًا فإن الدم والعذرة متفق على نجاستهما، وزبل الدواب مختلف في نجاسته.
ابن وهب وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إذ جاء أحدكم المسجد ليلاً، فليدلك نعليه، وإن كان نهاراً فلينظر إلى أسفلهما ".

الجزء: 1 - الصفحة: 177

وقال عطاء: كان الصحابة رضي الله عنهم يمشون حفاة فما مشوا عليه من قشب رطب غسلوه، وإن مشوا على يابس لم يغسلوه.
ومن العتبية: وسئل مالك عن الذي يتوضأ ثم يطأ على الموضع القذر الجاف، فقال: فلا بأس بذلك، وقد وسع الله سبحانه على هذه الأمة.
قال أبو بكر بن اللباد: وذلك إذ مشى بعد ذلك على الأرض طاهرة؛ لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم "إن الأرض يطهر بعضها بعضًا "، يريد وقت جفت رجلاه.

الجزء: 1 - الصفحة: 178

ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بطين المطر، وماء المطر المستنقع في السكك والطرق يصيب الثوب أو الجسد أو الخف أو النعل وإن كان فيه العذرة، وسائر النجاسات، ومازالت الطرق وهذا فيها، وكانوا يخوضون طين المطر ويدخلون ويصلون، ولا يغسلونه، قال أبو محمد: يريد ما لم يكن غالبًا أو عينًا قائمة.
وروى وكيع أن كميل من زياد قال: رأيت علي بن أبي طالب رضي الله عنه يخوض طين المطر، ثم دخل المسجد فصلى، ولم يغسل رجليه.
فصل -2 - : [في الدم يصيب الثوب]: قال مالك: ومن رأى في صلاته دمًا يسيرًا في ثوبه: دم حيض أو غيره تمادي، ولم يقطع صلاته ولم ينزعه، ولو نزعه لم أر به بأسًا، وحكي عن ابن القابسي أنه ينزعه رأسًا، وإن كان قميصًا.
يريد إذا كان عليه ما يستره، وإلا لزمه تمام الصلاة به.

الجزء: 1 - الصفحة: 179

البخاري: وكان ابن عمر إذا رأى في ثوبه دمًا، وهو يصلي وضعه، ومضى في صلاته.
قال مالك: وإن كان كثيرًا قطع ونزعه، وابتدأ الفريضة بإقامة، وإن كان أمامًا استخلف، وإن رآه بعد فراغه من الفريضة، أعادها في الوقت.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن كانت نافلة فرأى ذلك بعد ركعة قطع، ولا قضاء عليه للنافلة إلا أن يشاء.
قال ابن وهب: قال ابن شهاب: "بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم وجد في فى ثوبه دمًا في الصلاة فانصرف ". قال ابن حبيب: ولو رأى الدم اليسير في ثوبه قبل أن يدخل في الصلاةـ، فلا يصل به حتى يغسله، وإنما الرخصة فيه إذا رآه وهو في الصلاة، أو بعد فراغها، قال أبو محمد: وبعض أصحابنا رأى أن قدر الدرهم فأقل منه، لا يعيد منه الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 180

وذكر ابن عبد الحكم إن قدر الدرهم كقدر فم المخرج، فلا تعاد منه الصلاة؛ لاستجازة الصلاة بالاستجمار.
وأنكر مالك في العتبية قدر الدرهم، وقال: لا أجيبكم إلى هذا الضلال الدراهم تختلف، وبعضها أكبر من بعض، وذكر ابن حبيب عن مالك أن قدر الخنصر قليل، وقدر الدرهم كثير.
قال غيره: وذهب بعض الناس إلى أن قدر الدرهم فأقل منه معفو عنه من سائر النجاسات قياسًا على فم المخرج، والدليل على فساد ذلك أن الاستجمار إنما أبيح للضرورة التي تلحق فيه، وأنه ملازم لهم في كل الأوقات، وقد يعدم الماء في ذلك، والنجاسة فليست ملازمة لهم، ولا ضرورة تؤديهم إلى الصلاة بها، ومن الدليل لقولنا: ما روى "أن النبي صلى الله عليه وسلم خلع نعله في الصلاة، وقال: "أخبرنى جبريل أن فيها قذراً "، ولم يبين قدر الدرهم أو أكثر.
والفرق بين قليل الدم وكثيره أن كل ما حرم أكله لم تجز الصلاة به،

الجزء: 1 - الصفحة: 181

وإنما حرم الله تعالى الدم المسفوح؛ لقوله تعالى: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا) فدل أن ما لم يكن مسفوحاً حلال طاهر، وذلك للضرورة التي تلحق الناس في ذلك، إذ لا يخلو اللحم وإن غسل من أن يبقى فيه دم يسير، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: لو حرم قليل الدم لتتبع الناس ما في العروق، ولقد كنا نطبخ اللحم والبُرْمَة تعلوها الصفرة، ولذلك فرق أيضًا بين قليل الدم وبين قليل سائر النجاسات؛ لأن قليل سائر النجاسات حرام أكلها وشربها، وأيضًا فإن الإنسان لا يخلو في غالب الأحوال من بثرة أو حكة أو دم برغوث فخفف لهذا، ونحو هذا لأصحابنا البغداديين.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

ومن المدونة قال ابن القاسم: والقيح والصديد عند مالك بمنزلة الدم، والدم عند مالك كله سواء، دم حيض أو سمك، أو ذباب أو غيره، يغسل قليله وكثره.
ابن وهب: وأن خولة بنت يسار قالت: يا رسول الله أرأيت إن لم يخرج أثره؟ قال: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره ". قال ربيعة ومالك: ولا يغسل من دم البراغيث إلا ما تفاحش أو كثر.
قال أبو محمد: وقد روى ابن وهب عن مالك: أن من صلى بدم الحيضة أو دم الميتة أو العذرة أو البول أو المني فإنه يعيد الصلاة أبداً.
لعله يريد فى العمد، وإن كان يسيراً، بخلاف الدم.
قال سحنون: وروى ابن نافع وابن أشرس، وعلي بن زياد عن مالك أن

الجزء: 1 - الصفحة: 183

دم الحيض، كالبول تعاد الصلاة من يسيره في الوقت.
ومن العتبية قال مالك": في السيف يقاتل به الرجل في سبيل الله فيكون فيه الدم فليس عليه غسله، قال فى المختصر: ويصلي به.
قال عنه ابن القاسم: مسحه أو لم يمسحه، قال عيسى: يريد في الجهاد والصيد لعيشه.
فصل -3 - [في حكم الخارج من الإنسان والحيوان والطيور]: ومن المدونة قال ابن القاسم: والبول والرجيع والمني وخرو الطير التي تأكل الجيف، والدجاج التي تصل إلى النتن وزبل الدواب، وأبوالها قليلة وكثيرة سواء يغسل وإن ذكر في الصلاة أنه في ثوبه أو رآه قطع، كان وحده أو مأمومًا، ونزعه، وابتدأ الصلاة بإقامة، وإن كان إماماً فليستخلف، ومن صلى بذلك، ولم يعلم أعاد في الوقت، فإن ذهب الوقت لم يعد، قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 184

قيل له: فإن رآه بل أن يدخل في الصلاة - زاد في المبسوط فنسي حتى دخل - قال: هو مثل هذا مله يفعل فيه كما يفعل فيما فسرت لك في هذا.
وقال ابن القصار: إذا رأى النجاسة في الصلاة وعليه ما يستره غير ذلك الثوب فإنه ينزعه عنه، ويمضى على صلاته، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في النعل الذي خلعه، وهو في الصلاة لما أخبر أن فيه نجاسة.
وهذا خلاف لمالك وأصحابه، وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم انصرف من الصلاة لدم وجده في ثوبه، ويحتمل أن يكون الفرق بين الثوب والنعل أن الثوب لابس له فهو حامل لتلك النجاسة، والنعل هو واقف عليه والنجاسة في أسفله فهو كما لو بسط على النجاسة جلدًا أو ثوبًا كثيفًا، فإذا علم بتلك النجاسة أزال رجله منه غير محرك له، فسلم من حمل النجاسة وتحريكها، والله أعلم.
فصل -4 - : [في حكم أبوال الإبل]: ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بأبوال ما يؤكل لحمه مما لا يأكل

الجزء: 1 - الصفحة: 185

الجيف وأرواثها إن أصاب الثوب خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما أنها نجسة.
قال أبو جعفر الأبهري: والدليل لمالك ما رواه البراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله "، وروى ابن الزبير أنه قال: "ما أكل لحمه فلا بأس بسلحه "، وقد أباح النبي صلى الله عليه وسلم للعرنيين شرب أبوال الإبل، فدل ذلك على طهارتها، وهو في البخاري.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

م وفي قوله صلى الله عليه وسلم: "ما أكل لحمه فلا بأس ببوله وبسلحه "، دليل أن ما لا يؤكل لحمه بوله وسلحه تجس، وأن الأبوال مقيسة على اللحوم.
ومن المدونة وقال مالك: إن أهل العلم لا يرون على من أصابه شيء من أبوال الإبل والبقر والغنم شيئًا، وإن أصاب ثوبه لم يغسله ويرون على من أصابه شيء من أبوال الدواب الخيل والبغال والحمير أن يغسله.
والذى فرق بين ذلك أن تلك تشرب ألبانها وتؤكل لحومها، والخيل والبغال والحمير لا تُشرب ألبانها ولا تؤُكل لحومها.
وقال ربيعة في من صلى وفي ثوبه أو جسده شيء من بول أو رجيع قال: إن كان مما يكون من الناس فيلعد صلاته في الوقت، فإن فاته الوقت

الجزء: 1 - الصفحة: 187

لم يعد وأن ابن عمر أمر من صلى وفي ثوبه احتلام أن يعيد بعد الوقت.
قال سحنون: وإنما الحديث بهذا حجة على من زعم أنه لا يعيد في الوقت.
انظر قول ربيعة إن كان مما يكون من الناس فليعد في الوقت يدل قوله إن كان مما يكون من الدواب وغيرها لم يعد، والله أعلم.
ومن العتبية قال مالك: وما أصابه من بول الفرس في أرض العدو فأرجو أن يكون خفيفًا إن لم يجد من يمسكه له، وأما في بلد الإسلام فليتقه جهده، ودين الله يسر.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

فصل -5 - : [في حكم المني يقع في الثوب]: ومن المدونة قال مالك رضي الله عنه: ولا يجزئ فرك المني من الثوب حتى يغسل بالماء؛ لأنه نجس خلافًا للشافعي.
دليلنا: أنه مائع خارج من السبيل فأشبه البول؛ ولأنه مائع يوجب البلوغ كدم الحيض، ولو كان طاهرًا في الأصل لوجب أن بنجس بجريه في مجرى البول النجس، وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان في سفر فأجنب فحضر صلاة الصبح ومعه جماعة من الصحابة فانتظر غسل ثوبه حتى كاد أن تطلع الشمس، فقال عمرو بن العاص: قد أصبحنا ومعنا ثياب فلو لبست منها وصليت إلى أن يغسل ثوبك؟ فقال: لو فعلت ذلك لكانت سنة.
فهذا يدل على نجاسة المني؛ إذ لو كان طاهراً لصلى به، ولكان من معه من الصحابة يقولون: إنه طاهر، وهذا يجرى الإجماع الذي هو أولى من خبر

الجزء: 1 - الصفحة: 189

الواحد، وروي عن عائشة أنها قالت كنت أغسل المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يخرج إلى الصلاة وأن بقع الماء في ثوبه، وذكره البخاري من طرق.
فإن قيل: فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يخرج إلى الصلاة قيل: وقد روي أن بالماء فركته عائشة.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

[فصل-6: فيما تزول به النجاسة من البدن والثوب] قال مالك رحمه الله: فلا يزيل النجاسة من الثوب والبدن إلا الماء، وقد روى يحيى بن سعيد وغيره عن أنس أن أعرابيا بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصب على بوله ذنوباً أو ذنوبين من ماء فزال حكم النجاسة لغلبه الماء، وكره مالك لمن في ثوبه قطرة من دم أن ينزعه بفيه ويمجه، قال: ولكن يغسله بالماء.
فصل-7:] في حكم النجاسة تقع في الثوب [ ومن المدونة قال مالك: ومن أيقن أن نجاسة أصابت ثوبه، ولا يدري موضعها غسله كله، وقاله ابن عمر وأبو هريرة.
قال مالك: وإن علم تلك الناحية غسلها وإن شك هل أصابه شيء أم لا؟ نضحه بالماء، والنضح من أمر الناس، وهو طهور لكل ما شك فيه

الجزء: 1 - الصفحة: 191

وقد نضح النبي - صلى الله عليه وسلم - الحصير الذي أسود من طول ما لبس، وغسل عمر رضي الله عنه ما رأى من الاحتلام في ثوبه ونضح ما لم ير.
قال ابن حبيب: وإن صلى به ولم ينضحه أعاد الصلاة أبداً، في العمد والجهل، وأما في السهو ففي الوقت.
قال الشيخ أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا في من ذكر لمعة من الوضوء من إحدى يديه لا يدري من أي يد، إلا أنه يعلم موضعها من إحدى اليدين أنه إن كان بحضرة الماء غسل ذلك الموضع من يده اليمنى، ثم غسل يده اليسرى، وأتم بقية وضوئه، وإن طال غسل ذلك الموضع من اليدين جميعاً.
فصل-8:] حكم بول الآدمي يصيب الثوب أو البدن [ ومن المدونة قال سحنون: قلت لابن القاسم: فما تطاير علي من البول

الجزء: 1 - الصفحة: 192

مثل رؤوس الإبر؟ قال: لا أحفظ هذا بعينه عن مالك، ولكن قال مالك: يغسل قليل البول وكثيره.
قال مالك: وبول الغلام والجارية سواء يغسل، وإن لم يأكلا الطعام، وأما الأم فأحب إلى أن يكون لها ثوب للصلاة غير الذي ترضع فيه، فإن لم تقدر صلت فيه، وتدرأ البول جهدها، وتغسل ما أصابها من البول جهدها.
قال ابن شعبان: وروي عن مالك أنه قال: لا يغسل الثوب من بولهما حتى يأكلا الطعام.
وفرق ابن حبيب بين بول الصبي والصبية، لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يغسل بول الصبية، ويرش بول الغلام"

الجزء: 1 - الصفحة: 193

ولما روي أن الرجل خلق من تراب فإذا مسه الماء طابت رائحته، والمرأة خلقت من ضلع فإذا مسه زاد نتناً.
قال أبو الحسن بن القابسي: وليس بمثل هذه الحجة تقوم التفرقة في الأحكام، ومالك أعلم بهذا من غيره.
قال غير واحد من البغداديين: والصحيح من ذلك ما قاله مالك دليله أنه لما اتفق على نجاسة تفل الصبي/ والصبية، فكذلك بولهما، ولا فرق بين صغير ولا كبير ذكراً أو أنثى في الأتفال، فكذلك في الأبوال.
فإن قيل: فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يغسل بول الصبية ويرش بول الصبي" فقد فرق بينهما.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

وقد روى البخاري أن أم قيس أتت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بابن لها صغير لم يأكل الطعام فبال على ثوبه فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله.
قيل: فقد قال مالك: هذا ليس بمتواطئ عليه، يعني على العمل به، فلا ينبغي أن يعدل عن الأصل بمثل هذا، ويحمل قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الرش وفي النضح، النضح الذي هو كالغسل.
فصل-9:] في حكم البول قائماً [ ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بالبول قائما في رمل أو نحوه مما

الجزء: 1 - الصفحة: 195

لا يتطاير فيه، وأكرهه بموضع يتطاير فيه، وليبل جالساً، وبال النبي - صلى الله عليه وسلم - قائماً ومسح على خفيه، وهو في البخاري.
وقال ابن نافع في المجموعة: وبال ابن عمر قائما من كبر، وبال ابن المسيب قائماً.
يريد والبول جالساً أحسن، وأستر.
] فصل-10: حكم البول في المياه والحفرة والمغتسل [ ونهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبال في الماء الدائم ثم يتوضأ منه أو يشرب.
قال ابن حبيب: ولا بأس بالبول في الماء الجاري، ويكره في الراكد، وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 196

كثر، ويكره أن يبال في المهواة، وليبل دونها، ويجري إليها، وذلك من ناحية الجن ومساكنها، ولا بأس أن يبول في موضع غسله إن اتبعه ماء، وكان منحدراً، ولا يبول في حجر، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ذلك، وقال: إنها مساكن الجن.
وقيل: إن موت سعد بن عبادة كان من أجل أنه بال عليها في أجحارها.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

[باب-12 -] في المسح على الجبائر ووضوء الأقطع

] فصل-1: حكم المسح على الجبيرة ونحوها [ روى "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر علياً بالمسح على الجبائر" ولما كان المسح على الخفين جائزاً، للضرورة في نزعهما كان المسح على الجبائر أجوز، للضرورة في ذلك، ولما كان المسح على الخفين أيضاً إنما هو مرة واحدة، لأن أصله التخفيف انبغى أن يكون المسح على الجبائر مثله.
قال مالك رحمه الله: يمسح على الجبائر.
ابن وهب: وقاله الحسن البصري وإبراهيم النخعي وغيرهم.
وقال مالك: يمسح على القرطاس أو الشيء يجعل على الصدغ.
وقال عنه ابن القاسم: ويمسح على الظفر يكسى دواء أو مرارة.
قال ابن القصار: وسواء كان محدثاً أو على طهارة، ولا يعيد إذا

الجزء: 1 - الصفحة: 198

صلى بذلك.
دليله ما روى أن علياً رضي الله عنه قال: "انكسرت إحدى زندي فشددتها وسألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الوضوء فقال: "امسح عليها" ولم يفرق بين شدها على طهر أو حدث، ولا سأله عن ذلك، فلو كان الحكم يختلف عنده لسأله عنه ثم بين له الحكم فيه، فلما أطلق له المسح مع جواز أن يكون شدها وهو محدث علم أن الحكم لا يختلف، وأيضاً فإن ضرورته أشد من ضرورة لابس الخف، لأنه يمسح على الخف مع القدرة على نزعه وغسل رجليه، وهذا لا يقدر على غسل ما تحت العصائب، فهو يمسح عليها مضطراً غير مختار.
وأيضاً فإن ابتداء نزول ذلك به إنما هو من أمر الله سبحانه وتعالى، لا اختيار له فيه، فهو لا يستطيع التحرز منه أن لا ينزل ذلك به إلا على طهارة، كما يستطيع أن لا يلبس الخف إلا على طهارة، فافترقا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن لم يمسح على الجبائر حتى صلى أعاد

الجزء: 1 - الصفحة: 199

الصلاة أبداً وهو كتارك بعض الوضوء والغسل يعيد أبداً في العمد والسهو.
قال بعض أصحابنا: ومن لم يستطع مسح العضو، ولا غسله، ولا قدر أن يربط عليه شيئاً يمسح عليه لعلة به، فينبغي لهذا أن ينتقل إلى التيمم، ولا يغسل ما عدا ذلك العضو، لأنه إن فعل وصلى كان قد صلى بطهارة غير تامة.
وقيل عن بعض شيوخنا: أنه يجمع مع غسل ماعدا ذلك التيمم، قال: وهذا استحسان، والقياس ما تقدم.
قال: ولو كانت الشجة في موضع يكون فيه التيمم، ولا يقدر على غسل ذلك العضو، ولا على المسح عليه، كما ذكرنا فهذا يغسل السالم من جسده، ويصلي إذ ذلك أكثر المقدور عليه من جسده.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أصاب الجنب كسر أو شجة فكان ينكب

الجزء: 1 - الصفحة: 200

عنها الماء موضع الجبائر فإذا صح غسل ذلك الموضع فقط.
قال ابن القاسم: فإن لم يغسله حتى صلى صلوات كثيرة توضأ لها، فإن كان من غير أعضاء الوضوء، كالظهر والصدر، وقد كان مسح عليه من فوق الجبائر في غسل جنابته غسل الموضع فقط، وأعاد ما صلى من يوم برئ وطهر، إلا أن يكون تطهر لجنابة بعد برئه، فإنما يعيد/ ما صلى من بعد برئه إلى حين طهره الثاني.
قال ابن حبيب: وهذا إذا كان إنما من ترك غسله ناسياً، وأما تهاوناً أو عامداً فإنه يبتدئ بالغسل ويعيد الصلاة.
قال ابن القاسم: وكذلك إن كان في أعضاء فتوضأ بعد برئه، فإنما يعيد ما صلى من بعد برئه إلى حين وضوئه.
م ... يريد فيجزئ غسل الوضوء فيه عن غسل الجنابة؛ لأن الفعل فيهما

الجزء: 1 - الصفحة: 201

واحد، وهما فرضان فأجزأ أحدهما عن الآخر، كمن تطهرت للحيضة ناسية للجنابة فإنه يجزئها؛ لأنه فرض ناب عن فرض، وهذا بخلاف من تيمم للوضوء ناسياً للجنابة أنه لا يجزئه؛ لأن التيمم للوضوء ناب عن غسل أعضاء الوضوء/، والتيمم للجنابة ناب عن غسل جميع الجسد، فلا يجزئ ما ناب عن غسل بعض البدن عما يجزئ عن جميعه والغسل في الجرح لم ينب عن غيره، والحكم فيه في الوضوء والغسل غسل تلك اللمعة فأجزأ أحدهما عن الآخر، وبالله التوفيق.
ومن العتبية قال ابن القاسم في من توضأ، أو تيمم ومسح على الجبائر، وهي في موضع الوضوء، أو التيمم، ثم دخل في الصلاة فسقطت الجبيرة قال: يقطع ما هو فيه ويعيد الجبائر، ثم يمسح عليها ويعيد الصلاة.
[فصل- 2 - : في وضوء الأقطع] ومن المدونة قال مالك: ويغسل أقطع الرجلين في الوضوء موضع القطع وبقية الكعبين.
قال ابن القاسم: لأن القطع تحتهما، وقد قال الله تعالى: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ).

الجزء: 1 - الصفحة: 202

قال مالك: والكعبان اللذان إليهما حد الوضوء هما اللذان في الساقين.
قال ابن القاسم: ولا يغسل ذلك أقطع المرفقين؛ لأن المرفقين في الذراعين، وقد أتى عليهما القطع، إلا أن تعرف العرب والناس أنه قد بقي شئ منهما في العضدين فليغسل موضع القطع وبقيتهما، والتيمم مثله.
م وهذا من قول ابن القاسم: يدل أن مذهبه إدخال المرفقين والكعبين في الغسل، وقد تقدم/ إيعاب الحجة فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

[باب-13 -] في الماء وغيره تحل فيه النجاسة وفيما ينتفع به من ذلك

[فصل 1 - : الأصل في الماء الطهارة.
وأدلة ذلك] قال الله تعالى: (مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) وقال تعالى: (وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا)، فجهل الله (4) تعالى الماء طاهراً مطهراً للأنجاس وقد روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شئ، إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه)).
فدل على أنه يجوز الوضوء بالماء وإن خالطه نجس، إلا أن يتغير أحد أوصافه التي ذكرنا.
ويدل على ذلك أيضاً، جواز التوضؤ بماء البحر والغدر، ومعلوم أنها لا تخلو من نجاسة تقع فيها، فإذا لم يتغير أحد أوصاف الماء جاز الوضوء به لما ذكرنا، وقاله ربيعة وابن شهاب، ورواه أبو المصعب عن مالك.
قال غير واحد من البغدادين: وهذا هو الأصل عند مالك وما وقع له على

الجزء: 1 - الصفحة: 204

غير هذا فمحمول على الاستحباب والكراهة.
قالوا: وأما المائع تقع فيه النجاسة أو يموت فيه ما له نفس سائلة؛ فإنها تنجسه غيرته أو لم تغيره.
م ولمالك في العتبية خلاف.
قال في الماء الكثير تقع القطرة من البول أو الخمر، إن ذلك لا ينجسه ولا يحرمه على من أراد شربه أو الوضوء به، وكذلك الطعام والودك، إلا أن يكون يسيراً.

الجزء: 1 - الصفحة: 205

قال سحنون: يعني الماء والطعام والودك يسيراً فقد يساوي في هذه الرواية بين الماء والمائع.
م فوجه المساواة قياساً على الماء.
ووجه التفرقة، قوله صلى الله عليه وسلم قال: ((خلق الله الماء طهوراً لا ينجسه شيء، إلا ما غير لونه وطعمه أو ريحه))، فدل أن ما عداه بخلافه، وقد أمر الرسول عليه السلام بطرح المائع من السمن تقع فيه الفأرة.

[فصل-2: في أقسام المياه] والماء على أربعة أقسام: ماء طاهر مطلق، فهو المطهر، وماء طاهر مضاف فهو غير مطهر كماء الورد ونحوه، وماء نجس، وماء مشكوك فيه، وهو ما حلت فيه نجاسة لم تغيره/ وإنما سمي مشكوكاً فيه لاختلاف

الجزء: 1 - الصفحة: 206

العلماء في نجاسته.
قال أبو بكر الأبهري: وما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث))، يعني يدفع النجاسة عن نفسه، فهو خبر ليس بصحيح عند أكثر أهل النقل، لا سيما عند علماء أهل المدينة، رواه ابن جريج عن محمد عن يحيى

الجزء: 1 - الصفحة: 207

ابن عقيل عن يحيي بن النعمان عن النبي صلى الله عليه وسلم، ومحمد مجهول، وكذلك يحيي بن عقيل، ورواه الوليد بن كثير، وهو كثير الغلط، ورواه محمد بن إسحاق، وهو ضعيف الحديث.
تكلم فيه مالك، وهشام بن

الجزء: 1 - الصفحة: 208

عروة، ويحيى القطان وغيرهم.
ويحتمل إن صح الحديث أن يكون جواباً لسؤال سائل سأله عن قلتين وقع فيهما نجس هل ينجسهما؟ فقال: لا، لا أنه أراد به تحديداً.
م ووافقنا الشافعي في القلتين فأكثر أنه لا ينجس إلا أن يتغير، وخالفنا فيما دون ذلك.
وقدر القلتين عنده خمس مئة رطل بالعراقي على التقريب.
وقال/ أبو حنيفة: كل ماء حلته النجاسة نجس، إلا أن يكون فيه من الكثرة

الجزء: 1 - الصفحة: 209

ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر.
[فصل-3 - : حكم الدابة تموت في الماء الكثير].
ومن المدونة قال مالك.
وإذا ماتت شاة أو دابة في جباب أنطابلس ومواجل أرض برقة التي يكون فيها ماء السماء فلا يشرب منهما ولا يتوضأ، ولا بأس أن تسقى للماشي والدواب قال سحنون في العتبية: ثم يكون بولها نجساً.

الجزء: 1 - الصفحة: 210

قال ابن حبيب والأبياني: وكذلك أعراقها.
م والصواب: أن لا يكون العرق نجسًا؛ لأنه ليس هو عين ذلك الماء النجس؛ لأن الماء النجس في داخل المصارين لا يصل إلى باطن الجسم، فهو أحرى أن لا يصل إلى ظاهره، ولو كان هذا الماء ينجس الأعراق وينفذ إلى صحون الجسم، لأنجسه ما في داخل المصارين والمعدة من العذرة، وما في داخل العروق من الدم، ولو أنجس ذلك الماء الأعراق لأنجس اللحم واللبن والاتفاق أن لحم ما يأكل الجيف والقذر طاهر، فكذلك أعرافها وألبانها.
والله أعلم وبالله التوفيق.
وقد قال يحيى/ بن عمر وغيره: أما ما انقلبت عينه مثل أبانها وقد تغذت بنجاسة أو تغذت به النحل فلا بأس باللبن والعسل، وهما طاهران، وكذلك قمح نجس زرع فنبت، وكذلك الماء النجس تسقى به شجر أو بقل، فالثمرة والبقل طاهران.

الجزء: 1 - الصفحة: 211

[فصل-4 - : الفأرة تموت في سائل] ومن المدونة قال مالك: وما ماتت فيه فأرة من عسل أو سمن ذائب، فإنه لا يباع ولا يؤكل، ولا بأس أن يعلف النحل العسل.
ولو كان العسل والسمن جامدين طرحت الفأرة وما حولها، وأكل ما بقي كما جاء الأثر، وفي البخاري أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن، فقال: ألقوها وما حولها، وكلوا سمنكم.
قال سحنون: إلا أن يطول مقامها في السمن.
م يريد أو العسل مما يعلم أنه قد يذوب في خلال ذلك فليطرح ذلك كله، والسمن أسرع انحلالا من العسل.
قال: ولو ماتت في زيت طرح، ولا بأس أن يستصبح به إن تحفظ منه، إلا في المساجد.
وروى يحيى بن عمر عن ابن عبد الحكم أنه قال: لا ينتفع به بحال، ولا يحل، ولو جاز ذلك لجاز أن ينتفع بشحم الميتة.
م ووجه الانتفاع به قياسًا على الانتفاع بجلد الميتة.
م واختلف في بيعه فقال مالك: لا يبيعه من مسلم ولا من نصراني، وقال أصحاب مالك، إلا وهب، قال: لا بأس ببيعه إذا بين.

الجزء: 1 - الصفحة: 212

وقال غيره: لا باس ببيعه من غير مسلم.
وقال ابن حبيب: كما لم يختلفوا في تحريم أكله كذلك ينبغي أن يكون ثمنه، ولو وقع بيعه لرد، ولو فات الزيت لزمه رد ثمنه بكل حال، وقاله غير واحد من أصحاب مالك.
واحتج لذلك غير واحد من البغداديين، فقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها، فباعوها وأكلوا أثمانها، فإن الله تعالى إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه.
وهو بخلاف الثوب النجس يباع هذا يجوز؛ لأنه يستطاع زواله بالغسل، ولا يستطاع ذلك في الزيت ولو كان/ ذلك لم يذهب، ذلك على ما تقدم، وقد ورد في الحديث الأمر بإراقته.
م وروي عن مالك إجازة غسل الزيت من النجاسة.
قال أبو محمد: وذلك كان يفتي ابن اللباد.
واحتج بما روي ابن القاسم في بان طبخ فوجد فيه فأرة تفسخت أو

الجزء: 1 - الصفحة: 213

لم تنفسخ، وهي من ماء البئر الذي طبخ منه، قال: فليتم طبخه، ويأخذ الدهن الأول فيطبخه بماء طاهر مرتين أو ثلاثاً إن كان كثيرًا، وأما اليسير فليس في طرحه كبير ضرر فليطرح.
م وهذا وجه قول ابن وهب في إجازة بيعه، فهو كالثوب النجس بخلاف شحم الميتة؛ لأن شحم الميتة هو النجس في ذاته فلا يستطاع رفع نجاسته بحال، والزيت إذا حلت فيه النجاسة يستطاع رفعها فافترقا.
[فصل-5 - : كيفية تطهير البئر المتنجسة بنحو فارة] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: وآبار المدينة إذا ماتت فيها فأرة أو وزغة استقى منها حتى تطيب.
قال أحمد بن المعذل: شهدت عبد الملك استفتاء/ قوم بئر لهم وقعت فيها فارة فقال: انزعوا منها أربعين خمسين ستين سبعين دلوًا، ثم قال: إنما قلت لهم هذا ليعلموا أن اقل من هذا يجزيهم وأكثره أحب إلي، ولو قلت لهم: خمسين لكنت أبطلت تسعة وأربعين وهي مثلها، ومنعتهم من ستين وهي أبلغ.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

قال ابن أبي زمنين: وهذا إذا كان الماء كثيرًا، وأما القليلة الماء فينزف كله إذا لم يكن فيه مشقة، وهو قول مالك.
قيل: وأما الماجل فينزف كله ويغسل بعد ذلك؛ لأنه لا مادة له.
قال أشهب عن مالك في العتبية: وما عجن بمائها أو طبخ من اللحم فلا يعجبني أن يؤكل، ولكن يطعمه البهائم.
وقال ابن القاسم: أما ما طبخ به من اللحم فإنه يغسل ويؤكل.
قال موسى بن معاوية: وروي عن ابن عباس انه قال: يطرح المرق ويغسل اللحم، وهذه مقولة لابن القاسم.
وفي السليمانية: إذا طبخ اللحم من أول طبخه بماء نجس فلا يؤكل؛ لأن النجاسة قد داخلته، وإن وقعت النجاسة فيه بعد طبخه فليؤكل اللحم

الجزء: 1 - الصفحة: 215

بعد غسله/، وكذلك قال سحنون في الزيتون، يملح فتقع فيه النجاسة أنه لا يؤكل، إلا أن يكون وقوعها فيه بعد طيبه.
وكذلك لو سلق البيض في الماء النجس لم يؤكل؛ لأن النجاسة تصل إلى داخله.
قال ابن حبيب: إذا غلب على البئر ما وقع فيها من نجاسة فما عولح بمائها من عجين أو طعام فلا يجوز أن يطعم لدجاج أو لحمام، أو لكافر، وهو كالميتة.
قال ابن الماجشون: فإن لم يتغير لون الماء أو كان ماء قد شربت فيه دجاج مخلاة فقد استخف مالك أن لا يغسل منه الثوب الرفيع الذي يفسده الغسل، وأن يصلي به كذلك، ويباع، ويستحب أن يغسل ما سواه من الثياب، ويغسل ما أصاب من الجسد، ويجتنب أكل ما عجن به أو طبخ، ولا بأس أن يطعم لكافر أو لداجن، ويعيد من صلى به في الوقت.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس بماء البئر ينتن من الحمأة ونحو ذلك.
قال القاسم: وكذلك ما وجد في الفلاة من بئر أو غدير، ولا يدري لم ذلك فلا باس بالوضوء منه، وقاله مالك في الواضحة.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وقال علي عن مالك: ومن توضأ بماء وقعت فيه ميتة/ تغير لونه أو طعمه وصلى أعاد الصلاة أبدًا، وإن لم يتغير لونه ولا طعمه أعاد في الوقت.
قال ابن القاسم في المستخرجة في الماء الكثير: مثل: الجرار تقع فيه القطرة من البول أو الخمر إن ذلك لا ينجسه، ولا يحرمه على من أراد شربه أو الوضوء منه، وإن كان مثل إناء الوضوء أفسده.
ومن المدونة قال ابن وهب عن مالك في رجل أصابته السماء حتى استنقع الماء القليل: فلا بأس أن يتوضأ به، فإن جف تيمم بصعيده، وإن خاف أن يكون فيه زبل فلا باس به.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

[باب-14] في عرق الجنب والحائض والدواب واغتسال الجنب في الماء الدائم وتدلكه

[فصل-1 - : في عرق الجنب والحائض والدواب] ابن وهب: وكان الرسول صلى الله في الثوب الذي يجامع فيه إذا لم ير فيه أذى.
وقال ابن عباس: لا باس بعرق الجنب والحائض في الثوب/.
قال مالكك ما لم يكن في أبدانهما أذى فيكره حينئذ ذلك لهما، وكذلك الثوب النجس يكره للطاهر أن ينام فيه، خيفة أن يعرق فيه، إلا أن يكون في ليال لا يعرق فيها، فلا باس أن ينام فيه.
قال: ولا بأس بعرق الدواب، وما يخر من أنوفها.
ابن وهب: وأن أبا هريرة كان يركب فرسًا عريًا.
[فصل-2 - : حكم اغتسال الجنب في الماء الدائم] قال ابن القاسم: وكره مالك أن يغتسل الجنب في الماء الدائم.
قال: وقد جاء الحديث:لا يغتسل الجنب في الماء الدائم.

الجزء: 1 - الصفحة: 218

وروي ابن وهب أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم، وهو جنب.
قيل لأبي هريرة فكيف يصنع؟ قال: يتناوله تناولاً.
قال ابن القاسم في العتبية: سئل مالك عن اغتسال الجنب في الماء الراكد، وقد غسل الأذى عنهن قال: نهي عن الاغتسال في الماء الراكد، وجاء به الحديث، ولم يأت في الحديث إذا غسل الأذى عنه جاز له الاغتسال في، ولقد راددت مالكًا فيه غير مرة/ ورددته عليه كل ذلك يقول لي: لا يغتسل فيه وليحتل.
قال ابن القاسم: وأنا لا أرى به بأسًا إن كان قد غسل ما به من الأذى، وإن كان المال كثيرًا يحمل ما وقع فيه، فلا أرى به بأسًا أيضًا، غسل ما به من الأذى أو لم يغسله.

الجزء: 1 - الصفحة: 219

قال ابن القاسم في المدونة: فإن اغتسل الجنب في مثل حياض الدواب أفسدها، إلا أن يكون قد غسل قبل دخوله فيها فرجه وموضع الأذى منه، فلا باس به؛ لأن الحائض والجنب يدخلان أيديهما في الإناء فلا يفسد ذلك الماء، فجميع الجسد بمنزلة اليد.
قال مالك: وإن اغتسل الجنب في قصرية فلا خير فيه، وإن كان غير جنب فلا بأس به.
م وهذا على أصله لا يغتسل الجنب في الماء الدائم.
وإن أتى الجنب بئرًا قليلة الماء وبيده قدر وليس معه ما يغرف به، قال مالك: فليحتال حتى يغسل يده ويغرف، فيغتسل وكره أن يقول: يغتسل فيها.
قال: وقد نهى الجنب أن يغتسل في الماء الدائم.
قال ابن القاسم: ف'ن اغتسل فيها أجزاء/ ولم ينجسها إذا كان ماؤها معينًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 220

قال علي عن مالك: إنما كره له الاغتسال فيها إذا وجد منها بدًا وذلك جائز للمضطر إليه إذا كان الماء كثيرًا يحمل ذلك، ورواه ابن وهب أيضًا.
قال ابن القاسم في العتبية في من يرد الحياض وفيها الماء وليس عليه إلا ثوب نجس وبيده قدر أرى أن يحتال حتى يأخذ من الماء ما يغسل بد يده، إما بفيه أو بثوب، فإن لم يقدر على حيلة فلا أدري ما أقول فيها، إلا أن يكون الماء معينًا، فلا بأس أن يغتسل فيه.
[فصل-3 - : الجنب ينغمس في النهر ولا يتدلك] ومن المدونة قال مالك: وإذا انغمس الجنب في نهر ينوي بذلك الغسل من الجنابة لم يجزئه إلا أن يتدلك، وكذلك الوضوء، وإن أمر بيديه على بعض جسده لم يجزئه ذلك من غسله حتى يمرها على جميع جسده ويتدلك.
قال ابن القصار: والتدلك في غسل الجنابة واجب عند مالك.
وقال أبو الفرج المالكي وغيره: أنه مستحب، وبالأول أقول: لقوه عليه السلام لعائشة رضي الله عنها: وادلكي جسدك بيدك.
والأمر على

الجزء: 1 - الصفحة: 221

الوجوب؛ ولأن عليه إيصال المال إلى جسده على وجه يسمى غسلاً، وقد فرق أهل اللغة بين الغسل، وبين الانغماس.
م واختلف أبو محمد وابن القابسي في من انغمس في البحر تحت الماء، ثم خرج فتدلك بالفور، فقال ابن القابسي: لا يجزئه؛ لأن الماء ذهب من أعضائه؛ وإنما بقى بلله، وقال أبو محمد: يجزئه إذا تلك بفور ذلك؛ لأن الماء في الصب لا يثبت على الجسد، وإنما يراد في الغسل بلل الجسد وعموه مع التدليك وهذا قد فعل ذلك.
م وهو الصواب.
قال سحنون في العتبية: في البادن لا يقدر أن يعم بدنه بيديه فليجعل من يلي ذلك له، أو يعالج ذلك بخرقة.
قال ابن حبيب فإن لم يقدر أن يعم جسده بيديه فلا شيء عليه لقول الله تعالى: (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا).

الجزء: 1 - الصفحة: 222

باب-15 - : في صفة الغسل وما يوجبه أو يجب فيه

[فصل-1 - : الغسل: حكمه، وسننه وواجباته] قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، فالغسل من الجنابة فريضة.
وهو مشتمل على مفروض ومسنون وفضيلة.
فمروضاته خمس: النية، وطهارة الماء، وتعميم جميع الجسد، وإمرار اليد على البدن كله، وهذا من شرط كونه غسلا، والفور.
ومسنوناته أربع: المضمضة، والاستنشاق، ومسح داخل الأذنين، وفي تخليل اللحية روايتان: إحداهما: انه واجب، والأخرى أنه سنة.
وفضيلته أن يبدأ بما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم.
[فصل-2 - : في صفة الغسل] وروي مالك وغيره، وهو في الموطأ والبخاري إن النبي صلى الله عليه وسلم كان

الجزء: 1 - الصفحة: 223

إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يغمس يديه في المال فيخلل بأصابعه أصول/ شعر رأسه، ثم يفيض الماء على رأسه، ثلاث غرفات من ماء بيده، ويخلل أصول سعر الرأس بهما، ثم يفيض الماء بيديه على جلده.
وروي البخاري عن ميمونة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم وضوءه للصلاة غير رجليه، وغسل فرجه وما أصابه من أذى، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه فغسلهما.
هذه صفة غسله من الجنابة.
وقالت في حديث آخر: وضعت للنبي ماء للغسل فغسل يده مرتين أو ثلاثا، ثم أفرغ على شماله فغسل مذاكيره، ثم مسح يده بالأرض، ثم تمضمض واستنشق، وغسل وجهه، ويديه، ثم غسل رأسه ثلاثا، ثم أفرغ على جسده، ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه.

الجزء: 1 - الصفحة: 224

قال في حديث آخر: ثم أتى بمنديل فلم ينفض بها.
قال البخاري: يعني لم يمسح بها.
ففي هذا دليل أنه غسل جسده غير أعضاء الوضوء المقدم غسلها، كذلك استدل به البخاري.
[فصل-3 - : في موجبات الغسل] قال بعض علمائنا: ويجب الغسل من خمسة أوجه: من إنزال الماء الدافق للذة، من جماع أو احتلام أو غيره، ومن التقاء الختانين أنزلا أم لا، ومن الحيض والنفاس، وبإسلام الكافر.
[فصل-4 - : أنواع الغسل المسنون] والغسل المسنون خمسة أغسال: غسل الجمعة، وغسل العيدين، وغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 225

الإحرام، وغسل دخول مكة، وغسل وقوف عرفة.
وقد قمنا دليلنا في إيجاب النية، والماء الطاهر، والفور، والتدلك.
[فصل-5 - : في من يجب عليه الغسل] ووجب الغسل على الجنب؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا).
وعلى الحائض بقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى) إلى قوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ)، ولا خلاف في ذلك أيضًا، والنفاس داخل فيه.
ويجب الغسل على من أسلم بقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)، وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال حين أسلم بالغسل، وهو حديث صحيح خرجه البخاري وغيره من أئمة الحديث.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

وبعد هذا ذكر الحجة في الغسل من التقاء الختانين، ويأتي الكلام في الغسل المسنون في موضعه.
والحجة في مسنون الغسل هي الحجة في مسنون الوضوء، وقد تقدم ذلك.
[فصل-6 - : في الوضوء لغسل الجنابة] ومن المدونة قال مالك: ويؤمر الجنب بالوضوء قبل الغسل، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم فإن أخره بعده أجزأه.
قال عبد الله بن عمر: ولو لم يتوضأ الجنب أجزاه الغسل ما لم يمس فرجه.
قال مالك: فإن أخر غسل رجليه إلى موضع يقرب منه أجاه لقربه، وإن أخر غسل رأسه في اغتساله خوفًا من امرأته حتى جف غسله لم يجزئه، وابتدأ الغسل.
م إذ من فرض الغسل أن يكون متوالياً في فور واحد.
قال: ولا بأس بما اتضح من غسل الجنب في إنائه، ولا يستطيع الناس الامتناع من هذا.
وليس الناس فيما يكفيهم من الماء سواء

الجزء: 1 - الصفحة: 227

[فصل-7 - : لا تنقض الحائض شعرها في غسلها من الحيضة أو الجنابة] قال مالك: لا تنقض الحائض شعرها في غسل حيضة أو جنابة، ولكن تضغثه بيديها.
وقد قالت امرأة: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فكيف أصنع إذا اغتسلت؟ فقال: احفني عليه ثلاث حفنات من ماء، ثم اغمريه على أثر كل حفنة بكفيك قالت، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات من ماء، ثم تصبين عليك الماء فتطهرين، أو قال: فإذا أنت قد طهرت.
[فصل-8 - : في تخليل اللحية في الغسل] واختلف قول مالك في العتبية: هل على الجنب في اغتساله أن يخلل

الجزء: 1 - الصفحة: 228

لحيته؟ م والصواب: إيجاب تخليلها؛ لقول الرسول عليه السلام: بلوا/ الشعر، وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة.
ولأن في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم ويخلل أصول شعره، ولم يخص به شعر الرأس من اللحية، فهو على عمومه.
وسئل أشهب في من غسل لحيته ولم يخللها؟ قال: لا شيء عليه.
وقال سحنون: لا يجزئه حتى يخلل/ ويبلغ البشرة.
[فصل-9 - : حكم تحريك الخاتم في الوضوء] قال مالك: لا يحرك الخاتم في وضوء ولا غسل، وما هو من عمل الناس.

الجزء: 1 - الصفحة: 229

قال ابن حبيب: إلا أن يكون ضيقًا فأحب أن يحركه حتى يمس الماء موضعه، وليس ذلك عليه في الواسع.
قال ابن القابسي: وليس ذلك بخلاف لمالك.
وقال محمد بن عبد الحكم: عليه أن ينزع خاتمه في الوضوء؛ ليغسل ما تحته.
م وذلك خلاف لمالك وأصحابه.
[فصل-10 - : في مجاوزة الختان الختان] ومن المدونة قال مالك: وإذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل، وقاله عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعائشة رضي الله عنهم.
قال أبو سلمة: سألت عن ذلك عائشة، فقالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، ورواه أيضًا عنها أبو موسى الأشعري، وقاله زيد بن ثابت وابن عمر، وإلى هذا رجع أبي بن كعب، روي هذا كله مالك في الموطأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

قال ابن القاسم: وذلك إذا غابت الحشفة، وإلا لم يجب الغسل.
وروى ابن وَهْب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة فقد وجب الغسل انزل أو لم ينزل.
وسال رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يجامع أهله، ثم يكسل هل عليه غسل؟ وعائشة جالسة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أني لأفعل ذلك أنا وهذه، ثم نغتسل)).
وروى ابن وَهْب أن يزيد بن أبي حبيب وعطاء بن دينار ومشايخ من أهل العلم يقولون: إذا دخل من ماء الرجل في قبل المرأة فعليها الغسل.
قال مالك: إنما ذلك إذا التذت يريد أنزلت.
[لفصل -1 - : في معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - ((الماء من الماء))] قال بعض علمائنا: وما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الماء من الماء)) يعني

الجزء: 1 - الصفحة: 231

يجب الاغتسال بالماء من إنزال الماء الدافق، فقد روى عن أبي بن كعب أنه قال: الماء من الماء رخصه رخصها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بدء الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ذلك.
وقد أرسل عمر في هذا إلي عائشة فقالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل))، فقال عمر رضي الله عنه: من خالف في هذا جعلته نكالاً.
قال غيره: ويحتمل أن يكون هذا جرى على سؤال سائل قال: يا رسول الله الماء من الماء، فقال: ((الماء من الماء))، وليس فيه بيان أن الماء لا يكون إلا من

الجزء: 1 - الصفحة: 232

الماء.
وكذلك حجتنا في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((في السائمة الزكاة)) أنه جرى على سؤال سائل، وقد روينا حديثاً مفسراً، وهو يقضي على المجمل.
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا التقى الختانان، وغابت الحشفة فقد وجب الغسل انزلا أو لم ينزلا)).
فهذا يبين ما رووه، ويزيد عليه.
وأيضاً فانا لما وجدنا سائر الإحكام التي تجيب بالتقاء الختانين مع الإنزال واجبة بالتقائهما من غير إنزال، ومن وجوب الحد.
والصداق، وإحصان الزوجين، وتحليل المطلقة وإفساد الصوم/ والحج، وإيجاب الكفارة/ والخروج من الإيلاء، وغير ذلك، وجب أن يكون الغسل كذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 233

وكان مما احتج به علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن قال: كيف توجبون فيه الحد، ولا توجبون فيه صاعداً من ماء.
وأبين من ذلك أن ((الماء من الماء)) منسوخ، كما قال أبي بن كعب.
وقد روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها فقد وجب الغسل)) وروى عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه سئل إذا جامع الرجل امرأته فلم يمن فقال عثمان: يتوضأ، كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، قال عثمان: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم سئل عن ذلك علي والزبير وطلحة وأبي بن كعب فأمروه بذلك.
قال أبي: سمعت من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال البخاري: والغسل أحوط لاختلافهم.
وقيل: معنى قوله: ((الماء من الماء)) في المحتلم أن انزل اغتسل، وإلا فلا غسل عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 234

[فصل -12 - : جماع الصبي أو الصبية هل يوجب الغسل؟] قال مالك في / كتاب العدة: ولا تغتسل الكبيرة من وطء الصبي؛ لأن ذكره كالإصبع، إلا أن تنزل هي.
قال أشهب: الكبيرة إذا وطء صغيرة تؤمر بالصلاة أنها تغتسل.
وفي مختصر الوقار: لا تغتسل.
قال أشهب: فإن صلت ولم تغتسل فلتعد أبدا.
قال سحنون: إنما تعيد بقرب، ذلك لا أبدا.
فوجد قول من قال: تغتسل أنها لما كانت مأمورة بالصلاة كانت مأمورة بالغسل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا غابت الحشفة فقد وجب الغسل))، فعم.
ووجه قوله من قال: لا تغتسل؛ فلأنها ممن لا تجد لذة الوطء فذكر الرجل لها كالإصبع.
واضعف حالاً من وطء الصغير الكبيرة التي قد تجد اللذة به.

الجزء: 1 - الصفحة: 235

قال ابن شعبان: واختلف في المنزل للذة الحكة واللدغة، والضربة بالسيف.
قال سحنون: في اللدغة والضربة بالسيف لا غسل عليه.
يريد أنه لا يجد لذة، وقال في المنزل للذة الحكة، والمتسابقين ينزل السابق، والمحكوك له فعليهما الغسل.
يريد؛ لأنه لا يجد الالتذاذ.
[فصل -13 - : في حكم خروج المنى بعد الغسل] ومن العتبية، قال ابن القاسم: ومن اغتسل لمجاوزة الختان، ولم يتنزل، ثم خرج منه الماء الدافق فلا غسل عليه، وليتوضأ؛ لأنه خرج منه من غير الالتذاذ.
وقيل: يغتسل، ولا يعيد الصلاة.
وقيل: يغتسل، ويعيد الصلاة.
فوجه أنه لا يعيد صلاته؛ لأنه الساعة صار جنباً.
ووجه أنه يعيد؛ فلان الماء قد زايل موضعه فاغتسل له قيل خروجه، فوجب أن لا تجزئه صلاته.

الجزء: 1 - الصفحة: 236

قيل: فمن تذكر فوجد اللذة، ولم ينزل، ثم صلى بعد وقت، ثم خرج منه الماء الدافق، فقال ابن القاسم: يغتسل، وليس بالقوي، ثم رجع فقال: لا يغتسل.
وقال يحي بن عمر: عليه الغسل واجب، ورواه علي عن مالك أنه يغتسل ويعيد الصلاة.
قال أَصْبَغ: لأن الماء قد زايل الموضع الذي له أولا.
وقال ابن المواز: يغتسل، ولا يعيد الصلاة؛ لأنه إنما صار جنباً بخروج الماء.
مالك في الجنب يغتسل، ثم يصلي، ثم يخرج منه بقيه مني بعد وقت، وقد بال، أو لم يبل فليغسل مخرج البول، ويتوضأ، ويعيد الصلاة.
وقال عنه ابن حبيب: إنما عليه الوضوء فقط.
[فصل -14 - : في من انتبه من نومه فوجد في لحافه بللاً] ومن المدونة قال مالك: ومن انتبه من نومه فوجد في لحافه بللاً، فإن كان منياً اغتسل، وإن كان مذيعا غسل فرجه، وتوضأ.
قال ابن القاسم: وإن شك فليغتسل.
يريد احتياطاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

قال مالك: وكذلك من لاعب امرأته في اليقظة، أو رأى في منامه أنه يجامع، فإن امني اغتسل، وإن أمذى غسل فرجه وتوضأ، والمرأة في ذلك كله كالرجل فيما تراه في المنام، أو في اليقظة.
وروى مالك في الموطأ أن أم سليم بنت ملحان قالت: يا رسول الله! المرأة ترى في المنام مثل ما يرى الرجل اغتسل؟ فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم، فلتغتسل، فقالت لها عائشة: أف لك، وهل ترى ذلك المرأة؟ فقال لها رسول

الجزء: 1 - الصفحة: 238

الله - صلى الله عليه وسلم -: ((تربت يمينك، ومن اين يكون الشبه)) فصل -15 - : [في المرأة تحيض وهى جنب] ومن المدونة قال مالك: وإذا حاضت المرأة وهى جنب فلا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها.
قال ابن حبيب: وقال ربيعة وغيره: لا غسل عليها حتى تطهر من حيضتها إذا أحبت.
يدل قوله: أن أحبت وإن لها أن تغتسل قبل ارتفاع دم الحيض عنها.
وفائدته أن يرتفع حكم الجنابة لتقرأ القرآن ظاهراً؛ إذ للحائض أن تقرأ القرآن؛ لأن أمرها بطول، بخلاف الجنب الذي يستطيع رفع الجنابة الساعة بالغسل، وهذا ضعيف، ولا يجوز أن يرتفع حكم الجنابة بالغسل؛ لأن طرأ عليه ما هو اشد منه.
وينبغي إذا ارتفع دم الحيض عن الحائض، ولم تغتسل أن يكون حكمها حكم الجنب، لا تقرأ القرآن، ولا تنام حتى تتوضأ؛ لأنها ملكت طهرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

قال ابن حبيب: وإذا انقطع دم الحيض وهى جنب فلتغتسل غسلاً واحداً لهذا، وهذا تنويهما.
قال ابن القاسم في المجموعة: فإن تطهرت للحيضة ناسية للجنابة أجزأها.
قال سحنون في كتاب ابنه: وإن تطهرت للجنابة، ولم تذكر الحيضة لم يجزئها.
وقال أبو الفرج ومحمد بن الحكم: يجزئها؛ لأنه فرض ناب عن فرض وهذا هو الصواب.
قال ابن القصار: لأن الإحداث إذا كان موجبها واحداً، واجتمعت تداخل حكمها، وتاب موجب احدهما عن الآخر، كاجتماع البول والغائط والريح والمذي ينوب عن جميعها وضوء واحد، ويجزئ الوضوء لأحدها عن الجميع، فكذلك الغسل للجنابة والحيض.
وقول أبي الفرج وفاق لقول ابن القاسم في / المدونة.
دليله قول ابن القاسم في الشجة إذا كانت في مواضع الوضوء أن غسلها بنية الوضوء يجزئ عن غسل الجنابة.
ووجه قول سحنون: أنه لما طرأت الحيضة على الجنابة ومنعتها

الجزء: 1 - الصفحة: 240

الطهارة أسقطت حكم الجنابة، وصار الحكم لها.
والله اعلم.
قيل لأبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي،: فإن طرأت الجنابة على الحيضة باحتلام أو وطئ ثم تغتسل بعد طهرها من الحيضة تنوي الجنابة هل يدخلها القولان المتقدمان؟ قال: لا يدخلها ذلك، ولا يجزئها غسلها؛ لأنها حائض كانت قبل الجنابة وبعدها فلا حكم للجنابة أطارئة على الحيضة.
والصواب عندي أن يجزئها غسلها؛ لأن الجناب والحيض أمران يوجبان اغسل متى انفردا، وذلك فرض فيهما فسواء طرأت جنابة على الحيض أو حيض على جنابة، كالغائط والبول كل واحد منهما يوجب الوضوء للفرض فلو طرأ البول على الغائط، ثم توضأ ينوي به من البول لأجزأه، وإن كان متغوطا قبل البول أو بعده، فكذلك طريان الجنابة على الحيض، والله اعلم.
فصل -16 - : [النية في الغسل].
قال عيسى عن ابن القاسم: في من تطهر ينوي أن كان إصابته / جنابة نسيها فهذا لها، ثم ذكر أنه كان جانباً فلا يجزئه.
وقال عيسى: يجزئه.
ومن المدونة قال مالك: ولا وضوء، ولا غسل إلا بنية، وقاله علي بن

الجزء: 1 - الصفحة: 241

أبي طالب رضي الله عنه.
وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إنما الأعمال بالنيات)) وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن اغتسل لتبرد، أو لتنظف، أو لجمعه لم يجزئه عن غسل الجنابة حتى ينويه، كمن صلى نافلة فلا يجزئه عن فريضة، وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم واصبغ.
وذكر ابن حبيب عن جماعة من أصحاب مالك أن غسل الجمعة يجزئ عن غسل الجنابة، وإن لم ينوها.
ورووه عن مالك، كمن توضأ لنافلة فله أن يصلي به فريضة.
وما احتج به ابن حبيب فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن الوضوء للنافلة واجب، إذ لا تجوز صلاة نافلة أو فريضة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث، فهو للنافلة والفريضة سواء، وغسل الجمعة سنة، ولا يجزئ عن فريضة.
قال ابن حبيب: واجمع مالك وأصحابه أنه أن تطهر للجنابة لا ينوي به الجمعة أنه لا يجزئه عن الجمعة؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بنية.
ويقال لابن حبيب: فالجنابة أيضاً لابد لها من النية، فكيف

الجزء: 1 - الصفحة: 242

تجزئ السنة من الفرض، ولا يجزئ الفرض من السنة؟.
فإن قيل: فإن غسل الجمعة واجب على الطاهر فلا تجزئ منه غسل الجنابة.
قيل: إنما يجب على طاهر لم يغتسل في وقتها، فأما المغتسل في وقتها المنظف حينئذ فلا يجب ذلك عليه؛ لأن أصل غسل الجمعة التنظف، وذلك موجود في المغتسل للجنابة حينئذ.
وقد قال محمد بن عبد الحكم في غير الواضحة: يجزئ غسل الجنابة من غسل الجمعة، وإن لم ينوها، وهو الصواب.
فصل -17 - : [لا صلاة إلا بوضوء يقصد به رفع الحدث] ومن المدونة قال مالك: ومن توضأ لنافلة، أو لقراءة مصحف، أو ليكون على طهر أجزاه، ومن توضأ لحر يجده، ولا ينوي به غيره لم يجزئه لصلاة نافلة، ولا فريضة، ولا من مصحف.
وذكر بعض البغداديين: أن كل من توضأ لما يصح فعله بغير طهارة مثل: قراءة القرآن ظاهراً، والدخول على السلطان ونحوه فلا يصلى به؛ لأنه غير قاصد لرفع الحدث، وأنما تجوز صلاته إذا توضأ لما لا يصح فعله إلا بطهارة؛ لأنه قاصد لرفع الحدث.

الجزء: 1 - الصفحة: 243

قال ابن القاسم: ومن بقيت رجلاه من وضوئه فخاض بهما نهراً، فدلكهما فيه بيده، ولم ينو تمام وضوئه لم يجزئه حتى ينويه.
ومعنا: أن كان نسي غسل رجليه فظن أنه أكمله فلذلك احتاج إلي تجديد النية.
فأما لو توضأ بقرب النهر، ثم دخل النهر فغسل رجليه فيه لأجزأه هذا، وإن لم ينو به تمام وضوئه، إذ ليس عليه تجديد نية لكل عضو يغسله، قاله غير واحد من فقهائها.
[فصل -18 - : في وقت النية في الغسل من الجنابة] قال أبو إسحاق: والغسل من الجنابة يحتاج إلي نية عند الغسل، أو قريباً منه، ولا يضره اختلاسها في خلال الغسل ولا قبل الغسل إذا كان الأمر قريباً.
وقد قال ابن القاسم في الذي دخل الحمام لغسل جنابته فنسي ذلك وقت الغسل أنه يجزئه.
وقال سحنون: لا يجزئه، بخلاف ما لو ذهب إلي بحر أو نهر يغتسل فنسي النية عند الغسل فذلك يجزئه بخلاف الحمام.
فإذا قرب الغسل، ولم يشتغل لمعنى أخر أجزأه الغسل، وكذلك ينبغي للصلاة.
وقد قال عبد الوهاب في الصلاة: أن النية لابد أن تكون عند الإحرام /، وقد نقول: وهكذا يجب في الطهارة، أو نفرق بينهما لاختلاف الناس في الطهارة، أنها لا تحتاج إلي نية.

الجزء: 1 - الصفحة: 244

[باب -16 -] في وضوء الجنب قبل أن ينام ومروره في المسجد

. [فصل -1 - : وضوء الجنب قبل أن ينام] قال ابن وَهْب: وهو في الموطأ والبخاري أيضاً، ((كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام، وهو جنب، توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام، وأمر بذلك عمر وأبا سعيد الخدري)) قالت عائشة وغيرها: ((وإذا أراد أن يطعم غسل كفيه فقط)).
وفي الموطأ: ((وكان ابن عمر إذا أراد أن ينام أو يطعم، وهو جنب غسل

الجزء: 1 - الصفحة: 245

وجهه، ويديه إلي المرفقين، ومسح برأسه، ثم طعم أو نام)) ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه للصلاة، ولا بأس أن تنام الحائض قبل / أن تتوضأ.
والفرق بين الجنب والحائض: أن الله تعالى إنما اوجب الوضوء على كل محدث أراد الصلاة؛ بقوله سبحانه: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {الآية، فكان الأصل أن لا وضوء على جنب أو حائض أراد النوم، فخصت السنة الجنب بالوضوء، وبقى ما سواه على أصله.
ومن طريق المعنى: أن الجنب يملك رفع الجنابة، فأمر بالوضوء عساه ينشط ليتطهر فيبيت على كمال الطهارة، فإن لقي الله تعالى في منامه لقيه طاهراً، والحائض لا تملك رفع حيضتها، فافترقا.
قال ابن الجهم: إنما آمر الجنب بالوضوء قبل أن ينام؛ لأنه كان حقه أن لا ينام حتى يغتسل فرخص له في اخف الطهارتين بتيسير النبي - صلى الله عليه وسلم - له ذلك، خوفاً أن يدركه الموت فيه وهو جنب ولم ينل شيئاً من الطهارة.
وروي عن مالك أن ذلك الوضوء ليس بواجب.
ابن مزين: وروي في ذلك بعض الرخصة.
وذكر ابن قتيبة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينام وهو جنب، وذكر حديثاً آخر: أنه عليه السلام كان ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء، ثم قال:

الجزء: 1 - الصفحة: 246

وهذا كله جائز، وأنما فعل هذا مرة؛ ليدل هلي الفضيلة، ومرة ليدل على الرخصة، فمن شاء أخذ بالرخصة أو بالفضيلة.
وقال ابن حبيب: محمل ذلك عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم.
فصل -2 - : [فيما يجوز فعله للجنب قبل الوضوء] ومن المدونة قال مالك: وللجنب أن يعاود أهله قبل أن يتوضأ - يريد بأهله امرأته التي كان وطئها أو جاريته- فأما أن يطأ زوجة له أخرى فيكره له

الجزء: 1 - الصفحة: 247

أن يصيب امرأة في يوم الأخرى.
وأما أن يصيب جاريته، ثم يصيب الأخرى قبل أن يغتسل فلا بأس بذلك.
قاله مالك في الموطأ.
ومن المدونة قال مالك: وله أن يأكل قبل أن يتوضأ إذا اغسل يديه من الأذى.
قال ابن حبيب: وإذا لم يجد الجنب الماء فلا ينام حتى يتيمم، وروي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ربما بات جنباً لا يمس ماء)).
ومحمله عندنا أن الماء لم يحضره، وانه كان تيمم.
وإذا توضأ الجنب للنوم، ثم بال أو خرج منه بقية مني فلا يعيد الوضوء، وقاله مالك.
قال مالك في المجموعة: فإن نام الجنب، ولم يتوضأ فليستغفر الله تعالى، ولا يعود.
فصل -3 - : [حكم دخول الجنب المسجد].
ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني دخول الجنب المسجد عابر سبيل.

الجزء: 1 - الصفحة: 248

ولا غيره، ولا بأس أن يمر فيه، ويقعد من كان على غير وضوء.
وقال زيد بن اسلم: لا بأس أن يمر الجنب في المسجد عابر سبيل، وتأول زيد في ذلك قول الله تعالى: {وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ {، وتأول زيد قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ {، أي: مواضع الصلاة، كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ {يريد أهلها.
وذهب مالك في تأويل الآية إلي ما روي عن علي بن أبي طالب رضى الله عنه ((أن معنى قوله تعالى: {لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى {أي: لا تفعلوا في حال السكر صلاة، ولا تفعلوها وانتم جنباً، إلا عابري سبيل، أي: وانتم مسافرون بالتيمم)).
وقد روي عن عائشة رضى الله عنها أن الرسول عليه السلام قال: ((لا أحل المسجد لجنب ولا حائض)).
فهذا يؤيد ما قال مالك.

الجزء: 1 - الصفحة: 249

م وأما من ذكر في صلاته أنه جنب وهو في المسجد فليس من ذلك؛ لأنه مضطر إلي الخروج، بخلاف مبتدئ دخوله.
قال البخاري عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: ((أقيمت الصلاة، وقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مصلاه، فذكر أنه جنب، فقال: لنا مكانكم فذهب فاغتسل، ثم خرج ألينا فصلى بنا)) استدل به البخاري: أن من نزل ذلك به يخرج، ولا يتيمم.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

[باب 17 -] في وطئ المسافر والجريح أهله. ووطئ المسلم زوجته الكتابية/ قبل الغسل. وغسل من اسلم

. [فصل -1 - : وطئ المسافر] روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب رضى الله عنه وابن مسعود وغيرهما: ((كانوا يكرهون أن يجامع الرجل امرأته بمقازة، إلا أن يكون معه ماء)) قال ابن القاسم عن مالك: لا يطأ المسافر زوجته أو جاريته، إلا ومعهما من الماء ما يكفيهما جميعاً، كانا على وضوء أم لا، وليس كمن به شجة أو جرح لا يستطيع غسله بالماء هذا له أن يطأ ويمسح لطول أمره.
وإنما افترقت المسألتان؛ لافتراق السؤال، فمسألة المسافر هو عادم للماء فلا يطأ؛ لأنه ينتقل من طهارة بالماء إلي إباحة الصلاة بالتيمم، وهو في الأغلب يجد الماء عن قرب.
وصاحب الشجة هو واجد للماء، فينتقل من غسل موضع الشجة إلي المسح عليها، ويباح له ذلك لطول أمره.

الجزء: 1 - الصفحة: 251

ولو كان المسافر بموضع لا يجد الماء فيه، إلا بعد ليل طويل يحتاج فيه أهله، ويضربه في ترك الوطء جاز له أن يطأ ويصير حكمه حكم صاحب الشجة، وقاله ابن الماجشون.
ولو كان صاحب الشجة مسافراً غير واجد للماء، إلا أنه يجد الماء عن قرب لم يكن له أن يطأ ويكون حكمه حكم المسافر غير المشجوج.
[فصل -2 - : وطئ الجريح الذي عمت الجراح جسده ونحوه] قال مال: والمجدور والمحصون والمجروح الذي عمت الجراح جسده أو جله يتيممون للجنابة والوضوء، وليس عليهم أن يغتسلوا أذا خافوا على أنفسهم؛ لقوله عز وجل: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ {، يعنى لا تستطيعون من الماء فتيمموا.
قال ابن حبيب: ولهم أن يطئوا نساءهم، لطول أمرهم، بخلاف مسافر عدم الماء.
ومن المدونة: واذا ظهرت امرأة من حيضتها وتيممت فلا يطأها زوجها حتى يكون معهما من الماء ما تطهر هي به من الحيضة، ثم ماء يتطهران به جميعاً

الجزء: 1 - الصفحة: 252

من الجنابة.
قال مال: وان كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها.
وان كانا متوضئين فلا يقبل احدهما صاحبه، إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما للوضوء، ولا يدخلان على أنفسهما أكثر من حدث الوضوء.
فصل -3 - : [الزوجة الكتابية يجب عليها الغسل من الحيضة ولا يجب عليها من الجنابة] ومن المدونة قال مالك: ولا يجبر المسلم زوجته الكتابية على الغسل من الجنابة؛ إذ له وطؤها كذلك، ويجبرها على الغسل من الحيضة إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تغتسل، كالمسلمة على الوجهين.
قال ابن المواز: وهى من جملة الأزواج يريد قد دخلت في قوله تعالى: {وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ {. قال أبو بكر القاضي: هذه الرواية اصح في المعنى من رواية أشهب.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجبرها في الحيضة على الاغتسال؛ لأنها لا

الجزء: 1 - الصفحة: 253

نية لها، ورواه أشهب عن مالك.
قال ابن شعبان: هذه الرواية هي الاختيار؛ لأنها ليست من التوابين، ولا من المتطهرين الذين يحبهم الله، فهي وان اغتسلت نجسة لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {ولو اغتسلت للحيضة، ثم أسلمت مكانها لم يجزئها من غسل الإسلام؛ إذ لم تنوه.
فصل -4 - : [حكم غسل من اسلم] ومن المدونة قال مالك: يؤمر من اسلم من المشركين بالغسل؛ لقوله تعالى: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ {. فوجب عليهم الغسل أذا اسلموا ودخلوا في المخاطبين بالصلاة بقوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ {. وروى ابن وهب ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ثمامة بن أثال حين اسلم/ بالغسل، وقاله ابن القاسم، والنصراني عندي جنب فإذا اسلم اغتسل، وان اغتسل للإسلام وقد اجمع عليه أجزأه، وان لم ينو به الجنابة.
قال: فان لم يجد الماء فليتيمم للإسلام، وينو بتيممه الجنابة أيضاً، ثم أن وجد الماء اغتسل.

الجزء: 1 - الصفحة: 254

وقال ابن القاسم في العتبية: فان تيمم أو اغتسل للإسلام، ولم ينو به الجنابة أجزأه؛ لأنه أراد بذلك الطهر.
قال ابن القاسم: فان جهل فتوضأ فقط، ثم صلى فليعد أبدا.
وفى سماع ابن وهب: سئل مالك عن رجل اسلم هل يجب عليه الغسل، أو يكفيه الوضوء؟ فقال: لم يبلغنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا أذا اسلم بالغسل، وهكذا قال إسماعيل القاضي.
قال: وما روي عن قيس بن عاصم أنه لما اسلم أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغسل، وعن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر رجلاً اسلم بالغسل بأحاديث غير قوية، والغسل أحسن احتياطاً لا إيجابا؛ لأنه أن كان جنباً في حال كفره، فالإسلام يجب ما قبله، وإنما يجب عليه الوضوء أذا اسلم؛ لان الصلاة لا تتم إلا به/.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

[باب -18 -] في الإمام يصلي وهو جنب أو بغير قراءة

[فصل -1 - : في الإمام يصلى وهو جنب] وقد صلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه بالناس وهو جنب، ثم قضى الصلاة وحده، ولم يأمرهم بالقضاء.
وروي مثله للنبي - صلى الله عليه وسلم -، زاد في الموطأ ((وان عمر أعاد الصبح بعد أن طلعت الشمس)).
قال مالك: وإذا صلى الجنب بالقوم ركعة أو ركعتين، وهو لا يعلم، ثم ذكر جنابته فليستخلف من يصلي بالقوم ما بقي من صلاته، وتتم صلاتهم، وان لم يقذر حتى فرغ فصلاة من خلفة تامة، ويعيد هو وحده، وان صلى بهم ذاكراً لجنابته فصلاتهم كلهم فاسدة، وكذلك أن ذكر في الصلاة فتمادى بهم جاهلاً أو مستحيياً فقد افسد عليهم.
قال ابن القاسم: كل إمام دخل عليه ما ينقض صلاته فتمادى بهم فان صلاته منتقضة، وعليهم أن يعيدوا متى علموا.

الجزء: 1 - الصفحة: 256

قال مالك: ومن علم بجنابته ممن خلفه والإمام ناس لجنابته، فتمادى معه في صلاته فاسدة ويعيدها أبدا.
قال سحنون: وإذا رأى المأموم في ثوب الإمام نجاسة، وهو يقربه فأخبره إشارة فليبين المخبر أذا لم يعمل بعد علمه عملاً، وإن كان بعيداً منه فلا بأس أن يخبره متكلماً، ويبتدئ المخبر الصلاة.
وقال ابن حبيب: يجزئه البناء، وان اخبره متكلماً.
فصل -2 - : [حكم صلاة الإمام بغير قراءة] قال أبو بكر الأبهري: واذا ذكر الإمام بعد فراغه أنه لم يقرأ في جميع الصلاة فليعد الصلاة، هو ومن خلفه أبدا، بخلاف من ذكر بأنه كان جنباً، أو غير متوضئ.
والفرق بينهما أن القراءة هي من نفس الصلاة، والوضوء والغسل ليس من نفس الصلاة، وأيضاً فان القراءة يحملها الإمام عن المأمومين، فإذا تركها افسد عليهم، والوضوء لا يحمله عنهم، هذا معنى كلام الأبهري دون لفظه.
وأيضاً فان الأصل كان أذا فسدت صلاة الإمام فسدت صلاة من خلفه، فخرج بالسنة من ذكر أنه كان محدثاً، وبقى ما سواه على أصله.

الجزء: 1 - الصفحة: 257

فصل -3 - : [حكم من رأى في ثوبه جنابة بعد الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ثم خرج لحاجته فرأي في ثوبه جنابة، لم يذهب لحاجته، ورجع، واغتسل، وغسل ما أصاب ثوبه، وأعاد الصلاة، يريد أذا / كان في ضيق من الوقت.
قال في المجموعة وغيرها في من وجد في ثوبه احتلاماً لا يدري متى كان: فانه يغتسل، ويغسل ما رأى في ثوبه، وينضح ما لم ير، ويعيد ما صلى من احدث نوم نام فيه، وكذلك قال مالك في الموطأ، قال: وذلك أن عمر بن الخطاب أعاد ما كان صلى لأخر نوم نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك.
قال سحنون في المجموعة: فان كان غيره نام قبله فيه فلا شيء على الأول.
قال مالك: وان كان لابسه لا ينزعه أعاد من أول نوم نام فيه.
قال ابن القاسم: في امرأة رأت في ثوبها دم حيض، وقد لبسته نقياً، ولا تدري متى حاضت، وهل حاضت أم لا؟ فان كانت لا تنزعه، ويلي جسدها اغتسلت، وصلت من يوم لبسته، وتعيد الصوم الواجب.
قال أبو محمد: يريد ما لم تجاوز أقصى أيام الحيض، وان كانت تنزعه

الجزء: 1 - الصفحة: 258

وتلبسه أعادت من احدث لبسة لبسته.
قال ابن حبيب في الصوم: إنما تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب يصوم وهو جنب.
إنما قال: يعيد الرجل من احدث نوم نام فيه؛ لأنه كان ينزعه ويلبسه، ولم ير فيه شيئاً، فلما رآه الآن علمنا أنه من نومه الآخر، واذا كان متمادياً على لبسه والجنابة في موضع تخفي رؤيته عليه - وهو عليه- وجب عليه أن يعيد من أول نوم نام فيه؛ لأنه صار في حال الشك في الجنابة من ذلك الحين فبنى أمره على الاحتياط، وكذلك الحجة في التي رأت دم الحيض.
ووجه قول ابن القاسم: ويعيد الصوم؛ لأنه يمكن أن تكون تلك الحيضة بها أياما ولم تشعر بها.
ووجه قول ابن حبيب: أنها تعيد يوماً واحداً؛ لأنه دم حيض انقطع مكانه فصارت كالجنب، وهو أبين عندي؛ لأنه لو كان دم بها يا لشعرت به، ولظهر ثوبها يقعاً وإنما كانت دفعة، ثم انقطعت، والله اعلم.
وسئل محمد بن عبد الحكم عن من صلى فوجد في ثوبه احتلاماً، وهو لا يدري متى احتلم فانه يغتسل من احدث نوم نام فيه، قيل له: وسواء كان لابساً له أبدا، أو المرة بعد المرة، قال: نعم هذا عندي سواء.
قيل له: فان ابن القاسم يفرق بينهما فقال: أن كانت في المجالس فهي ضعيفة.
قال بعض القرويين: قول ابن عبد الحكم هذا أقيس على مراعاة ما قال مالك

الجزء: 1 - الصفحة: 259

إذ بنى أمره بإعادة ما تيقن أنه عليه دون ما شك فيه.
ويجري في هذا الاختلاف في رؤية دم / الحيض.
ووجه هذا حديث عمر رضى الله عنه؛ لأنه إنما أعاد ما صلى لأحدث نومة نام فيه، ولم يعد ما قبل ذلك، ولان عليه يقيناً إعادة ما صلى من احدث نومة نام فيه سواء كان منه، أو من الذي قبله، وهو شاك فيما قبله؛ لأنه أن كان من الأحدث لم يلزمه ما قبله قمر بإعادة ما تيقن فيه دون ما شك فيه.
وقول مالك أولى؛ لأنه بني أمره على اليقين بإعادة ما شك فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 260

[باب-19 -] في الصلاة بثياب أهل الذمة أو بما نسجوه أو بثوب نجس أو حرير أو على موضع نجس أو في جسده نجاسة أو لغير القبلة أو من به حقن أو بوضوء واحد صلوات

/ قال مالك رحمه الله: ولا يصلي بما لبسه أهل الذمة من ثياب، أو خفاف حتى يغسل، يريد؛ لأنهم أنجاس لا يحتفظون من نجاسة.
قال: وما نسجوه فلا بأس به مضى الصالحون على هذا.
[فصل-1 - : حكم الصلاة بثياب أهل الذمة] [فصل-2 - : الصلاة نجاسة أو عليها] قال مالك: ومن صلى بثوب نجس، أو عليه، أو على موضع نجس، أو في جسده نجاسة، وهو لا يعلم أعاد في الوقت، ووقته في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، فإذا اصفرت الشمس لم يعد، وفي المغرب والعشاء الليل كله.
م إنما قال في الظهر والعصر إلى إصفرار الشمس، وفي المغرب والعشاء الليل كله؛ لأن الإعادة في الوقت إنما هي على طريق الاستحباب، فأشبهت النوافل، فكما لا يتنفل إذا اصفرت الشمس، فكذلك لا يعيد فيه ما وجبت إعادته في الوقت، وكما جاز التنفل الليل فكذلك جازت الإعادة فيه.

الجزء: 1 - الصفحة: 261

قال ابن القاسم: وسواء كانت هذه النجاسة في موضع جبهته أو قدميه.

قيل له: فإن تيمم على موضع نجس قال: يعيد في الوقت، كمن صلى بثوب نجس، وكذلك من صلى إلى غير القبلة فإنه يعيد في الوقت.
م لأنك إنما تنقله في التيمم والقبلة من اجتهاد إلى اجتهاد إذ لا يقطع بحقيقة طهارة التراب، ولا القبلة، وذلك بخلاف المعاين للقبلة، وهذا تلزمه الإعادة أبداً.

[فصل-3 - : حكم الصلاة بثوب الحرير] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن معه ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالثوب الحرير، ويعيد في الوقت إن وجد غيره؛ لنهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير.

الجزء: 1 - الصفحة: 262

قال ابن المواز وأصبغ: يصلي بالثوب النجس، ويعيد في الوقت إن وجد غيره، ولا يصلي بالحرير، ولو لم يجد إلا ثوب حرير فليصل عريانا أحب إلى.
م فوجه قول ابن القاسم: أن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء له، والصلاة به، وللرجال في الجهاد فهو أخف.
ووجه قول أصبغ: أن النجس مباح لبسه وإنما منع من الصلاة به، والحرير فغير مباح له، ولا الصلاة به فذلك واجب فيه، وترك الصلاة بالنجس سنة فوجب أن يكون أخف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: والوقت في ذلك في الظهر والعصر الاصفرار، وفي العشائين الليل كله.
ولمالك قول ثان: أن الوقت في ذلك النهار كله ما لم تغرب الشمس.
م وهذا أبين؛ لأنه صلى به عامداً، فإن كان مضطراً إليه فهو أشد من الناسي، والله أعلم.
فصل-4 - : [حكم لبس الحرير] قال ابن حبيب: وكره مالك العلم الحرير في الثوب، إلا الخط الرقيق،

الجزء: 1 - الصفحة: 263

وأبقى الخز ولم يحرمه لاختلاف الناس فيه.
قال ابن حبيب: أما الخز الذي سداه حرير فلم يختلف في إجازة لبسه، وقد لبسه خمسة عشر صاحباً، وخمسة عشر تابعاً قال: وما مزج من ثياب الحرير بكتان أو صوف فلباسه في الصلاة للرجل مكروه لاختلاف السلف في إجازة لبسه: أجازه ابن عباس وكرهه ابن عمر من غير تحريم.
قال مطرف: ورأيت على مالك ساج إبريسم كساه هارون الرشيد وكان يفتي هو وأصحابه بكراهية ذلك، ولم يكن عنده كالخز المحض.

الجزء: 1 - الصفحة: 264

قال ابن حبيب: وليس بين ثياب الخز والثياب التي قيامها حرير فرق، إلا الاتباع.
قال: لا بأس بالعلم الحرير، وإن عظم لم يختلف في الرخصة فيه، والصلاة به/ وأرخص النبي عليه السلام من علم الحرير في الثوب في الإصبع والإصبعين، ثم قال: وإن غلب فقس فثلاث إلى أربع، وأجاز ابن الماجشون لبس الحرير في الجهاد عند القتال، ويصلي به حينئذ، ورواه عن مالك وعن جماعة من الصحابة والتابعين.
فصل-5 - : [خكم الصلاة بالثوب النجس].
من المدونة قال/ مالك: ومن لم يكن معه إلا ثوب نجس صلى به، فإن وجد غيره، أو ما يغسله به أعاد في الوقت.
قال في سماع بن القاسم: ووقته في الظهر والعصر الغروب، وفي العشائين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس.
قال أشهب في المجموعة: ولو لم يجد غلا ثوباً نجساً فصلى عرياناً

الجزء: 1 - الصفحة: 265

فليعد بذلك الثوب في الوقت، إن لم يجد غيره.
قال: ومن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت.
وقال بعض أصحابنا: إنما يعيد في الوقت إذا ظن أن صلاته بالنجس لا تجزئه فصلى عرياناً، وأما إن علم أن عليه أن يصلى بالنجس فصلى عرياناً فهذا يعيد أبداً، والله أعلم.
قال في الاضحة: إذا صلى بالنجس عامداً وهو واجد ثوب طاهر أعاد أبداً.
م وهذا على اختلافهم في إزالة النجاسة، أهى سنة أم فرض؟ ويحتمل أن يعيد أبداً في قول من يرى أن إزالتها سنة لعبثه.
وقد أمر ابن عمر الذى صلى الفجر وفي ثوبه احتلاماً أن يعيد بعد الوقت، وليس في الحديث ما يدل أنه كان ساهياً، قاله الشيخ أبو الحسن.
قال ابن حبيب: ومن رأى في ثوبه نجاسة فهم بغسلها، ثم نسي حتى صلى فليعد في اوقت، ولو رآها في الصلاة فهم بالقطع، ثم نسي وأتمها فليعد أبداً.
وقيل عن مالك: وكذلك من ذكر في الوقت انه صلى بثوب نجس، ثم نسي أن يعيد حتى خرج الوقت فليعد أبداً.
وقاله مطرف وابن الماجشون، روياه عن مالك.
وقال ابن القاسم: ما لزمه إعادته في القت فنسي أن يعيد حتى خرج

الجزء: 1 - الصفحة: 266

الوقت فلا إعادة عليه، وبالأول أقول.
قال سحنون: ومن صلى بثوب نجس، أو بثوب حرير نجس إذا لم يجد غيره ثم وجد ثوب حرير طاهر فلا يعيد، إلا أن يجد غير حرير.
قال في الأقضية: من صلى بخاتم ذهب، أو بثوب حرير، وعليه ما يواريه غيره فإنه يعيد في الوقت.
قال أشهب في العتبية: لا إعادة عليه قال أشهب: ولو لم يكن عليه ما يستره أعاد في الوقت.
وقال ابن حبيب: إذا كان عليه غيره أجزأه، وقد أثم، وإذا لم يكن عيه غيره أعدا أبداً.
وقال ابن وهب في العتبية: من صلى بثوب حرير وهو واجد لغيره لم يعد في الوقت ولا غيره.
م فصار في من صلى بثوب حرير عامداً ثلاثة أقوال: قول ابن وهب: لا إعادة عليه أصلاً، وأشهب يعيد في اوقت، وابن حبيب يعيد أبداً.
م فوجه قول ابن وهب الإعادة عليه في الوقت في الثوب النجس

الجزء: 1 - الصفحة: 267

يصلي به إذا كان الوقت قائماً أنها صلاة كاملة الفرض ناقصة السنة؛ لأن إزالة النجاسة سنة على القول الصحيح في المذهب، فأمر بإعادتها ليكمل فرضها وسنتها فإذا ذهب الوقت فلو كلف إعادتها كانت ناقصة الفرض، وهو الوقت كاملة السنة، والأولى أكمل منها، فلذلك أمر أن لا يعيدها بعد الوقت.
فصل-6 - : [وقت الضرورة للحائض ولمن أسلم] ومن المدونة قال مالك: ووقت النصراني يسلم، والحائض تطهر، والمجنون يفيق، والمسافر يخرج أو يقدم النهار كله، والليل كله، وفي كتاب الصلاة إيعاب هذا.
فصل-7 - : [حكم الصلاة.
وهو يدافع الاخبثين] قال مالك: ومن أصابه حقن أو قرقرة فإن كان خفيفاً فليصل به، وإن كان مما يشغله عن صلاته فلا يصلي حتى يقضي حاجته، ثم يتوضأ.

الجزء: 1 - الصفحة: 268

ابن وهب: وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا وجد أحدكم الغائط فليبدأ به قبل الصلاة)).
وقال في حديث آخر: ((لا يصلِّى بحضرة الطعام ولا هو يدافعه الأخبثان))، الغائط والبول.
قال عمر رضي الله عنه: ((لا يصلِى أحدكم، وهو ضام بين وركيه)).
وأن عمر قال: ((ما أبالى أن يكون في جانب ردائي إذا كنت مدافعاً له)).
قال ابن القاسم: وإذا/ أعجله في صلاته مما يشغله، وأحب إلى أن يعيد أبداً، وقاله مالك.

الجزء: 1 - الصفحة: 269

وقال ابن شعبان: إن من صلى بالحقن الذي يشغل مثله أجزاه، ولا يعيد.
وقد روي أن معاذاً صلى وراء النبي صلى الله عليه وسلم فوجد بولاً حتى كاد أن يشغله فلما انصرف ذكر ذلك له فقال: ((إذا وجد ذلك أحدكم فلينصرف حتى يبول))، ولم يأمره بالإعادة.
م وصفة خرج من أصابه حقن في صلاته أن يخرج ماسكاً بأنفه، كالراعف، وقد روي ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم واستحسن بعض فقهائنا إذا صلى بالحقن فإن كان شيئاً خفيفاً فلا شيء عليه، وإن صلى به وهو ضام بين فخذيه أعاد في الوقت، وإن كان مما يشغله كثيراً أعاد أبداً/.

من المدونة قال مالك: والقرقرة بمنزلة الحقن.
ابن القاسم: ولا أحفظ عن مالك في الغثيان شيئاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 270

فصل - 8 - : [الصلاة بوضوء واحد ما لم يحدث] قال مالك: ولا بأس أن يصلي بوضوء واحد يومين فأكثر.
ابن وهب: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة الصلوات كلها بوضوء واحد، ومسح على خفيه، فقال له عمر بن الخطاب: رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، فقال: عمدًا صنعته يا عمر، يريد صنعته ليستن به.
وهذا الحديث يدل على أن الوضوء كان في أول الإسلام لكل صلاة؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية، فنسخ ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا.
وموضع الدليل منه قول عمر رضي الله عنه رأيتك صنعت شيئًا ما كنت تصنعه، والله أعلم.
قال في المدونة: وكان ابن عمر يصلي بوضوء الصبح الصلوات كلها ما لم يحدث.

الجزء: 1 - الصفحة: 271

[باب - 20 -] جامع القول في الرعاف

[فصل - 1 - : لا وضوء من الرعاف] روي عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، وغيرهما، وكثير من التابعين: أنه يبني في الرعاف بعد غسل الدم ما لم يتكلم، ولا وضوء فيه.
قال أبو جعفر الأبهري: وما روي عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا رعف أحدكم في صلاته فلينصرف، ويتوضأ، ولا يتكلم، ثم يبني على ما مضى من صلاته)).
وقال ابن عباس: ((كان عليه السلام إذا رعف في صلاته توضأ)).

الجزء: 1 - الصفحة: 272

فيحتمل الوضوء المذكور في هذه الأخبار، إنما هو غسل الدم من الأنف، كما قيل: ((إنه توضأ مما مست النار)) وفي قوله: ((من أكل لحم جزور فليتوضأ))؛ لأن الوضوء إنما يجب من الحدث، ولم يثبت أن الرعاف حدث، ولو كان حدثًا، لما جاز البناء فيه، كسائر الأحداث.
قال الأبهري: وأيضاً، فلما كان قليل الرعاف لا يوجب نقض الوضوء باتفاق، وجب أن يكون كثيره كذلك، كالبصاق، والمخاط عكسه البول، والرجيع فإن قليل هذا مساو لكثيره، وكذلك الحجة في القيء.
قال: وأبو حنيفة يرى عليه في كثيرها الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 273

[فصل - 2 - : الفرق بين من كثر رعافه وسال وبين من قطر رعافه] قال مالك: وينصرف من الرعاف في الصلاة إذا سال، أو قطر قل ذلك، أو كثر، فيغسله، ويبني على صلاته، وإن كان غير قاطر، ولا سائل فتله بإصبعه، وتمادى.
وكان أبو هريرة، وابن المسيب، وسالم تختضب أصابعهم دمًا من أنوفهم فيفتلونه، ولا ينصرفون.
قيل لمالك في المجموعة: فإن امتلأت له أربع أصابع إلى الأنملة، وتعذر

الجزء: 1 - الصفحة: 274

أن يفتله قال: لا شيء عليه.
م يريد كلما امتلأت له أنملة فتلها، قيل: فإن امتلأت له الأربع إلى الأنملة الوسطى، قال: هذا كثير، وأرى أن يعيد الصلاة.
م يريد أنه امتلأ له أكثر من الدرهم فصار حامل نجاسة، فلهذا قال: يقطع، وأما لو سال، ولم يصل ذلك إلى شيء من جسده أو ثيابه، فهذا يذهب يغسل الدم، ويبني على صلاته.
قال مالك في المجموعة: ولولا ما قلت العلماء يبني في الرعاف لرأيت أن يتكلم، ويبتدئ، ولكن الشأن ما مضوا عليه.
قيل: فإن اختار الراعف أن يتكلم، ويبتدئ؟ قال: لا بأس به.
قال ابن القاسم: وإن ابتدأ ولم يتكلم أعاد الصلاة.
ابن حبيب: لأنه كالزائد في صلاته متعمدًا.
ومن / المدونة والموطأ: قال ابن المسيب: ومن لم ينقطع عنه الدم أتم صلاته إيماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 275

قال محمد بن مسلمة: إنما جعله سعيد يومئ؛ لأنه إن سجد أضر به ذلك، وكثر عليه الدم فصارت ضرورة تيبح له الإيماء، كمن برأسه صداع، أو بجبهته ما يمنعه من السجود، وقال ابن حبيب: ليس عليه أن يركع ويسجد ويقوم ويقعد فيتلطخ بالدم.
م فجعل العلة الالتطاخ بخلاف قول ابن مسلمة.
وكذلك اختلفوا في المسافر تحضره الصلاة والأرض كلها طين، فقال ابن حبيب: إنما يصلي قائمًا، ويركع متمكنا، يومئ للسجود أخفض من الركوع، ويضع يديه على ركبتيه في إيمائه، قالك وقاله مالك وأصحابه، إلا ابن عبد الحكم، فإنه قال: يجلس، ويسجد على الطين بقدر طاقته، وبالأول أقول.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك في العتبية: أنه يصلي ويجلس، ويتشهد، ويسجد على الطين بقدر طاقته، ولا يصلي قائمًا يومئ.
قال بعض أصحابنا: وينبغي إذا رغف في وقت الصلاة، أو قبل وقتها فلم ينقطع عنه الدم أن يؤخر الصلاة إلى آخر وقتها المفروض عساه ينقطع عنه، ثم يصلي حينئذ.
[فصل - 3 - : في محل البناء في الرعاف] ومن المدونة قال مالك: وكل من رعف في صلاته، فذهب يغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 276

الدم، فله أن يبني في بيته أو غيره مما يقرب من موضع غسله.
قال ابن القاسم: وذلك إن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا، إلا في الجمعة، فإنه يرجع إلى المسجد؛ لأن الجمعة لا تكون إلا في المسجد.
قال ابن شعبان: إنما يرجع إلى الإمام إذا علم أنه يدرك معه ركعة.
م وهذا خلاف المدونة؛ لأنه قال: إذا رعف بعد فراغه من التشهد أنه يرجع وإن كان الإمام لم يسلم جلس معه، وسلم بسلامه، وإن كان قد سلم سلم هذا، وإن علم أنه لا يدرك مع الإمام شيئًا فليتم موضعه.
قيل: فإن رجع إلى المسجد، فأتم صلاته، فقد أفسد على نفسه؛ لأنه صار ماشيًا في صلاته.
وفي المبسوط لإسماعيل عن ابن القاسم أنه إذا ظن أن الإمام قد فرغ، فأكمل صلاته مكانه في غير الجمعة، ثم تبين له أنه قد قضى قبل

الجزء: 1 - الصفحة: 277

الإمام أن صلاته تامة.
[فصل - 4 - : في شروط البناء في الرعاف] قال ابن حبيب: وليطلب الماء الراعف إلى أقرب ما يمكنه، إذا لم يتفاحش البعد جدًا، فإن وجد الماء في مكان فجاوزه إلى غيره فذلك قطع لصلاته، وإذا تكلم في انصرافه ليطلب الماء بطلت صلاته تكلم سهوًا، أو عمدًا، وإنما أرخص له في البناء ما لم يتكلم، أو يحدث، ولو تكلم بعد رجوعه إلى البناء لم تفسد صلاته قال ابن الماجشون.
قال بعض أصحابنا؛ لأنه إذا تكلم راجعًا، فهو في عمل الصلاة، فأشبه كلامه سهوًا في أضعاف الصلاة، وإذا تكلم في انصرافه فإنما هو مشتغل بغسل

الجزء: 1 - الصفحة: 278

الدم، وهذا ليس بالقوي؛ لأن حكم الصلاة قائم، فسواء تكلم في سيره، أو رجوعه، والله أعلم.
قال ابن حارث: ولو مشى الراعف على قشب يابس، فقال ابن سحنون: إن صلاته منتقضة.
وقال ابن عبدوس: صلاته تامة.
قال المغيرة: من رعف بعد كمال ركعة من الجمعة، فخرج يغسل الدم، فحال بينه وبين المسجد واد ليضف إليها أخرى، ثم يصلي أربعًا، ويجزئ في قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعد ركعة أنه يضيف إليها أخرى، وتجزئه جمعته؛ لأن الجماعة أحد شروط الجمعة، وكذلك المسجد.
قال في كتاب الصلاة: وإن رعف إمام فلما خرج تكلم بطلت صلاته.
قال ابن الماجشون: تكلم سهوًا أو عمدًا يريد للحديث ((أنه يبني ما لم يتكلم))، فهو على عمومه.
وفي كتاب ابن سحنون: إن تكلم سهوًا / فالمستخلف في الصلاة، هو يحمل ذلك عنه.

الجزء: 1 - الصفحة: 279

وكذلك من رعف خلف إمام، بعد أن صلى ركعة معه / فخرج يغسل الدم فتكلم ساهيًا فلا شيء عليه، فإن رعف قبل أن يعقد معه ركعة لم يحمل عنه الإمام السهو، ولو أبطل الإمام صلاته بطلت عليه؛ لأنه في حكمه.
وقال سحنون في المجموعة: إذا أفسد الإمام صلاته متعمدًا، لم تبطل صلاة الراعف.
م والأول أصوب؛ لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام.
وفي كتاب ابن المواز: من خرج لرعاف، فقرأ الإمام بعده سجدة، فسجد بها، ثم رجع الراعف بعد سلام الإمام فعليه أن يبدأ بالسجدة، ثم يتم صلاته.
قال سحنون: ومن خرج من الصلاة لرعاف، ثم شك في الوضوء، وهو يغسل الدم فرفع الشك باليقين وابتدأ الوضوء، فلما توضأ ذكر أنه على وضوء، فقد بطلت صلاته.

الجزء: 1 - الصفحة: 280

م كمن ظن أنه أصابه رعاف، وهو في الصلاة، فخرج لغسله، فإذا هو ماء، فقد أبطل صلاته.
قال: ولو ذكر أنه متوضئ حين هم بالوضوء، قبل أن يغسل شيئًا بني على صلاته.
[فصل - 5 - : في رعاف المأموم] ومن المدونة قال مالك: وإذا رعف المأموم بعد تشهده، وقبل سلام الإمام انصرف، فغسل الدم - ورفع الشك باليقين - ثم رجع، فإن كان الإمام قد انصرف قعد وتشهد وسلم، وإن رعف بعد ما سلم الإمام، ولم يسلم هو سلم، وأجزأته صلاته.
م وكذلك لو رعف قبل سلامه، ثم سلم الإمام في الوقت قبل انصرافه؛ فإنه يسلم، ويجزئه.
وإنما ينصرف من رعف والإمام يتشهد، فإنه لا ينبغي له أن ينتظره حتى يسلم وهو راعف.
قال مالك: وإن رعف بعد تمام ركوعه، أو بعد سجدة ألغى تلك الركعة، وابتدأ قراءتها.
م واختلف المتأخرون من أصحابنا هل يريد أنه يبني على إحرامه

الجزء: 1 - الصفحة: 281

أم لا؟ والذي أرى أن يبني على إحرامه؛ لأن الإحرام ركن من أركان الصلاة قائم بنفسه، كالركعة التامة، فوجب أن يبني عليه، بخلاف بعض الركعة، ألا ترى أن سحنون / صاحب المدونة قال: في الذي أدرك تكبيرة الإحرام من صلاة الجمعة، ثم رعف فوجد الإمام بعد غسل الدم قد انصرف فإنه يبني على إحرامه ظهرًا أربعًا، وإن كان ابتداؤه على ركعتين، فيكيف بهذا الذي لم تتحول نيته فهو أحرى أن يبني على إحرامه؟ وإن كان قد وقع لمالك أن يقطع، ويبتدئ بإقامة، ولكن ظاهر المدونة أنه يبني على إحرامه، والله أعلم.
قال مالك: وإذا رعف المأموم في الأولى من الجمعة قبل أن يركع، أو بعد أن ركع وسجد إحدى السجدتين فوجد الإمام حين رجع قد سلم من الصلاة فليبتد ظهرًا أربعًا.
قال سحنون: ويبني على إحرامه أحب إليه.
وقال أشهب: يتكلم، ويبتدئ أحب إلي، وإن بني على إحرامه

الجزء: 1 - الصفحة: 282

أجزأه، وإن أتى الذي سجد بسجدة أخرى، وصلى ثلاث ركعات أجزأه.
وقال ابن وهب: عن مالك في من رعف بعد أن رفع رأسه من الركعة الأولى وسجد سجدة منها، فليأتنف أحب إلي، وكان قد قال قبل ذلك: لو بني على ما بقي منها أجزأه.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وسمعت مالكًا يقول: من أصابه رعاف قبل أن يركع ركعة بسجدتيها فلا يبني على ذلك، وليقطع، ويبتدئ بإقامة، وإحرام كان مع الإمام، أو وحده، وإن أصابهع ذلك بين ظهراني صلاته بنى، ولم يعتد بركعة لم تتم بسجدتيها.
قال ابن حبيب: إن رعف راكعًا، أو ساجدًا فرفع رأسه للرعاف، فذلك تمام لركعته، أو سجدته، فإذا رجع بنى على ذلك، ويبني في القراءة من حيث بلغ، ولا يرجع بإحرام، بخلاف الراجع لما سهى.
ولابن القاسم نحوه.
م وبه أقول: وهذا هو القياس لما جاء يبني في الرعاف مجملاً بلا تفصيل؛ ولأنه أحرم، وفعل بعض الصلاة فوجب أن يبني على ما أدرك، أصله إذا أدرك / الركعة.
م وقول مالك الذي قال فيه: لا يبني إلا على ركعة بسجدتيها استحسان،

الجزء: 1 - الصفحة: 283

والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإنما يبني الراعف خلف الإمام، لا من صلى وحده.
ومسألة العتبية التي قبل التي كلام ابن حبيب هذا يدل على أنه يبني، وإن كان وحده، وقد قال ابن حبيب: وللإمام الراعف من البناء ما لمن خلفه فوجب أن يكون الفذ مثله.
ومن المدونة قال مالك: ولو رعف بعد ما صلى مع الإمام ركعة وسجدة، ثم رجع قبل أن يركع الإمام الركعة الثانية، فليلغ الأولى، ولا يعتد بها، ولا يسجد السجدة التي بقيت عليه.
قال: وإن عقد الأولى من الجمعة بسجدتيها، ثم رعف قبل ركوع الثانية، أو بعد أن ركع، وسجد منها سجدة، ثم رجع بعد سلام الإمام، فليأت بركعة بسجدتيها، يجهر بالقراءة فيها، ويلغي الركعة التي لم تتم بسجدتيها أدرك الإمام في الصلاة أو لم يدركه.
قال سحنون: وهو قول أصحابنا جميعًا.
قال ابن القاسم: ولو وجد الإمام حين رجع في التشهد جلس معه، فإذا

الجزء: 1 - الصفحة: 284

سلم الإمام أتى بركعة بسجدتيها قال: فإن نسي السورة التي مع أم القرآن في هذه الركعة التي يقضي سجد قبل السلام، وصلاته تامة، وإن نسي منها أم القرآن سجد قبل السلام، وأعاد ظهرًا أربعًا.
قال سحنون في كتاب ابنه: إذا رجع بعد غسل الدم وقد فرغ الإمام من صلاته فلا يأتم أحد بالراعف فيما بقي عليه، فإن فعل، فصلاته فاسدة، وصلاة الراعف تامة.
ومن المدونة قال مالك: وإن رعف بعد / كمال ركعة من الظهر، فرجع والإمام في الرابعة فليصلها معه، ثم يقضي الذي فاته بعد سلام الإمام.
قال ابن حبيب: يأتي بركعتين ثانية وثالثة، يقرأ في الثانية بأم القرآن وسورة، ويقوم ولا يجلس فيها؛ لأنها ثالثته، ثالثة بنائه، ويقرأ في الثالثة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها آخر صلاته، ورابعة بنائه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإذا أدرك من الظهر الثانية بسجدتيها مع

الجزء: 1 - الصفحة: 285

الإمام، ثم رعف فخرج فغسل الدم، ثم رجع بعد سلام الإمام أنه يبني، ثم يقضي، يأتي بركعة بأم القرآن ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بأخرى بأم القرآن، ويجلس، كما كان يفعل إمامه، ثم يأتي بركعة القضاء بأن القرآن وسورة، ويتشهد، ويسلم.
وقال سحنون وابن حبيب: يبدأ بالبناء، كقول ابن المواز، إلا أنهما قالا: يأتي بالثالثة بأم القرآن، ويجلس؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بالرابعة بأم القرآن؛ لأنها ثالثته، ويقوم ولا يجلس فيها، ثم يأتي بركعة القضاء بأم القرآن وسورة.
قال أبو محمد: يقول سحنون: إنما يفترق القضاء من البناء في القراءة خاصة.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إنه يقضي، ثم يبني، قال: وإنما كان يبني أولاً قبل القضاء اتباعًا لإمامه.
ونظيرها مقيم أدرك ركعة من صلاة مسافر، فهكذا يفعل.

الجزء: 1 - الصفحة: 286

قال سحنون في المجموعة: ولو فاتته الأولى، وصلى الثانية، ورعف في الثالثة، ثم أدرك الرابعة، فليقض الثالثة بأم القرآن، ثم الأولى بأم القرآن وسورة، ولو لحقها من أول لكان بانيًا، فيما بقي عليه.
فصل - 6 - : [في حكم الرعاف في صلاة الجنازة والعيدين] ومن كتاب ابن المواز: ومن رعف في صلاة الجنازة، فليمض يغسل الدم عنه، ثم يرجع إلى موضعه الذي صلى فيه، فيتم بقية التكبير، وكذلك [في] صلاة العيدين، ولو أتم في صلاة العيدين في بيته لأجزأه.
وقال أشهب: إن خاف إن خرج يغسل الدم أن تفوته الجنازة أو صلاة العيدين فإنه يمض في صلاته، ولا ينصرف، وكذلك إن رأى في ثوبه / نجاسة، وليس معه غيره، ويخاف الفوات في انتزاعه، وليس مثل من هو على غير وضوء، فيريد أن يتيمم ليدركها؛ لأن التيمم لا يكون إلا في سفر أو مرض.

الجزء: 1 - الصفحة: 287

فصل - 7 - : [في حكم القيء في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن تقيأ في صلاته عامدًا، أو غير عامد ابتدأ الصلاة، ولا يبني إلا في الرعاف.
قال ابن القاسم في العتبية: إن تقيأ بلغمًا، أو قلسًا فألقاه، فليتماد، وإن ابتلع القلس بعد ما أمكنه طرحه، وظهر على لسانه، أفسد صلاته.
قال في المجموعة: وإن كان سهوًا، بني وسجد بعد السلام.

الجزء: 1 - الصفحة: 288

[باب - 21 -] جامع القول في المسح على الخفين

[فصل - 1 - : في حكم توقيت المسح على الخفين].
روى مالك وغيره ((أن الرسول صلى الله عليه وسلم مسح على خفيه في السفر)).
وروى غيره أنه مسح في الحضر.
وروي أنه عليه السلام مسح أعلاهما، وأسفلهما،

الجزء: 1 - الصفحة: 289

وفعله ابن عمر.
وقال عمر رضي الله عنه: ((لو لبستهما ورجلاي طاهرتان، وأنا على وضوء لم أبال أن لا أنزعهما حتى أبلغ العراق، أو أقصى سفري)).
ونحوه عن عقبة بن عامر وغيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 290

قال ابن نافع عن مالك في المجموعة: حده من الجمعة إلى الجمعة - لعله إنما يريد ذلك في الحضر - فينزعهما لغسل الجمعة، والله أعلم.
قال غير واحد من البغداديين من أصحابنا: وما ذكر في الرسالة المنسوبة إلى مالك أنه كتب بها إلى هارون الرشيد من التوقيت في المسح، فلم تصح عن مالك، وفيها أحاديث لا تصح عنده.
قال ابن مهدي: ((لا أصل لحديث التوقيت)).
قالوا: وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه قال: ((إذا أدخلت رجليك في خفيك، وأنت طاهر فامسح عليهما، وصل بهما ما لم تنزعهما، أو تصبك جنابة)).
وهذا نص حديث التوقيت في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما مذكور.

الجزء: 1 - الصفحة: 291

وروي عن أبي بن عمارة أنه قال: يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: ((يومًا أو يومين، قال: وثلاثة / وما شئت)).
فلو كان محدودًا لم يزد على ذلك.
فإن قيل: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يمسح المقيم يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن)).

الجزء: 1 - الصفحة: 292

قيل: عن هذا أجوبة: أحدها: أن أئمة الحديث مثل ابن مهدي ويحيى بن معين، وغيرهما قالا: حديثان لا أصل لهما، ولا يصحان، التسليمتان في الصلاة، والتوقيت في المسح على الخفين.
وجواب آخر: يمكن أن يكون جرى على سؤال سائل سأله عن جواز المسح على الخفين في هذا القدر، فأجابه بهذا، ولم يرد به حدًا لا يتجاوزه.
وأيضاً: فإن الأصل في سائر الرخص أنها مباحة ما دامت الحاجة قائمة، كالفطر، والقصر، والتيمم، والمسح على الجبائر وأكل الميتة، وشبه ذلك، ولم يقع فيها تحديد ولا توقيت، إلا ما دامت الحاجة، فكذلك المسح على الخفين.

الجزء: 1 - الصفحة: 293

[فصل - 2 - : في اختلاف قول مالك في المسح على الخفين] واختلف في المسح على الخفين، فقال مالك في المدونة: يمسح المقيم والمسافر على خفيه، وليس لذلك وقت من الأيام إذا انتهى إليه لم يمسح، ثم قال: لا يمسح المقيم.
قال في العتبية: قد أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة عشر سنين، وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم في خلافتهم، وذلك خمس وثلاثون سنة لم يرهم أحد يمسحون في الحضر، وإنما هي الأحاديث /، وكتاب الله تعالى أحق أن يتبع، ويعمل به.
وروى ابن وهب أنه رجع إلى أن يمسح.
قال أصبغ: المسح في الحضر لا شك فيه، ورأيت ابن وهب يمسح في داره بمصر وقال: اشهد علي بذلك، قال أصبغ: وأنا أمسح في الحضر وأفتي به، وهو أثبت من كل شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه.
قال الأبهري وغيره: وهو المشهور عن مالك.
قال ابن القصار: قال الحسن البصري: روى المسح على الخفين عن النبي صلى الله عليه وسلم سبعون نفسًا، فنقلوه فعلاً منه عليه السلام، وقولاً، وأمرًا لغيره في الحضر والسفر.

الجزء: 1 - الصفحة: 294

ومن حديث المغيرة، وهو حديث الموطأ ((أنه عليه السلام مسح على الخفين في غزوة تبوك))، وهي آخر الغزوات.
فسقط بهذا قول من قال/: آية الوضوء مدنية، والمسح منسوخ بها؛ لأن غزوة تبوك كانت بالمدينة، والمائدة أنزلت بالمدينة قبل هذه الغزوة.
وروى ابن وهب عن مالك في المجموعة أنه قال أيضًا: ((لا أمسح في حضر، ولا سفر، وكأنه كرهه)).
م والمحصول من هذه الأقوال عن مالك: قول: إنه يمسح في الحضر، والسفر.
وقول: لا يمسح فيهما.
وقول: إنه يمسح في السفر خاصة.

الجزء: 1 - الصفحة: 295

فوجه قوله: يمسح المقيم والمسافر، فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((يمسح المقيم والمسافر))؛ ولأنه مسح رخص فيه للضرورة، فاستوى فيه الحاضر والمسافر؛ ولأنه مسح ناب مناب الغسل، فهو كالاستجمار الذي ناب مناب الغسل.
ووجه قوله: لا يمسح، إلا المسافر: فلآن الذي ثبت في أكثر النقل المسح في السفر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن ذلك: إئت عليا، فإنه كان يسافر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو كان أمرًا مستقرًا في الحضر لأعلمته بذلك، ولم تأمره بسؤال علي رضي الله عنه، وأيضًا، فإن ضرورة السفر، وعجلة السير، ولحوق المشقة في نزعه من التشاغل عن سيره أوجب الرخصة فيه، كما أوجب الرخصة في الجمع والإقصار، والإفطار فيه لمشقته، ولم يبح جميع ذلك في الحضر؛ إذ لا كثير مشقة تلحقه في ذلك.
ووجه قوله: لا يمسح مقيم، ولا مسافر: لأن الأصل المتفق عليه الغسل،

الجزء: 1 - الصفحة: 296

وقد وقع في المسح اختلاف، فلا ينتقل عن أصل متفق عليه إلى أمر متنازع فيه مع ما يحتمل أن يكون المسح كان، ثم نسخ بالقرآن، ونحو هذا لأصحابنا البغداديين، وبالله التوفيق.
فصل - 3 - : [في كيفية المسح على الخفين] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ويمسح ظهور الخفين / وبطونهما، ولا يتبع غضونهما، وهو تكسير أعلاهما.
ابن وهب: وقاله ابن عباس، يريد، لأن أصل المسح التخفيف.
قال ابن القاسم: وأرانا مالك المسح على الخفين، فوضع يده اليمنى على أطراف أصابعه من ظاهر قدمه اليمنى، ووضع اليسرى تحت أطراف أصابعه باطن خفه فأمرهما إلى مواضع الوضوء، وذلك أصل الساق، وحذو الكعبين.
قال أبو محمد: وكذلك يده اليسرى من فوق رجله اليسرى، ويده اليمنى من تحتها.
قال ابن حبيب: وكذلك أرانا مطرف وابن الماجشون قالا: فإن مالكًا

الجزء: 1 - الصفحة: 297

أراهما كذلك، قال: وإن ابن شهاب وصفه له هكذا.
وقال ابن شبلون: بل يجعل اليمنى من فوق القدمين جميعًا، وهو ظاهر المدونة.
وفي حديث آخر أنه قال: ((لا تمتخط بيمينك ولا تستنج بها، ولا تمسح بها أسافل الخفين)).
قال محمد بن عبد الحكم: يجعل يده اليمنى على ظاهر أطراف أصابع رجله اليمنى، ويده اليسرى على مؤخر خفه من عقبه، فيذهب بها من تحت خفه إلى أطراف أصابعه، ويذهب باليمنى على ظاهر رجله إلى عقبه؛ لأن الخف ربما مشى به على قشب رطب، فلو مسح باليسرى أسفله من الأصابع إلى ظاهر العقب لمس خفه برطوبة يده من آثار القشب.
قال ابن حبيب: ولو غسل خفيه ينوي بذلك المسح، لأجزأه، ويمسح لما يستقبل، وليس بواجب، ولو غسل طينًا بخفه ليمسح عليه ثم نسي المسح لم يجزئه عن المسح، ويعيد الصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 298

ومن المدونة قال مالك: وينزع ما بأسفله من طين قبل المسح.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لأن المسح إنما جوز على الخف، وهذا حائل دون الخف، فوجب نزعه، كما لو لف على الخف خرقة لم يجز المسح عليها؛ لأنه ماسح على غير الخف.
[فصل - 4 - : في المجزئ في المسح] قال ابن القاسم: ولا يجزئ عند مالك مسح أعلاه دون أسفله، ولا أسفله دون أعلاه.
قال أبو محمد عبد الوهاب: لما روي أن المغيرة قال: ((وضأت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فمسح أعلى الخف وأسفله))؛ ولأن المسح على الخفين بدل من غسل الرجلين، فوجب أن يكون في مقابلة مما يستره من مبدوله، كالمسح على الجبائر والعصائب.
قال ابن القاسم في المدونة: ولكن لو مسح على ظاهرهما، ثم صلى،

الجزء: 1 - الصفحة: 299

فأحب إليَّ أن يعيد الصلاة في الوقت؛ لأن عروة بن الزبير كان لا يمسح بطونهما.
قال أبو محمد: يعني يعيد الوضوء أبدًا، والصلاة في الوقت كل ذلك استحبابًا.
قال ابن القصار وغيره: وقد روي نحو فعل عروة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن أنس بن مالك، وعدة من التابعين، فلذلك رأى مالك أن يعيد في الوقت، ليأتي بالكمال في ذلك؛ لأن السنة الكمال.
قال أصبغ: ووقته وقت الصلاة المفروضة يريد لقوة الاختلاف فيه.
قال سحنون: تجزئه، ثم قال: يعيد في الوقت، وقال ابن نافع عن

الجزء: 1 - الصفحة: 300

أشهب: يعيد أبدًا، وعلته كما وجهنا به قول مالك.
قال سحنون وابن حبيب: ولو مسح أسفله فقط أعاد أبدًا، وهو قول كافة فقهاء الأمصار.
وقال محمد بن عبد الحكم عن أشهب: يجزئه ذلك.
وكذلك ذكر بعض أصحاب الشافعي، وهو خرق لإجماع الصحابة، وكفى بإجماعهم حجة.
ووجه قول أشهب: هو أن أصل موضوع المسح التخفيف، فلذلك كان ما مسح منه أجزأه وإن كان الصواب عنده أن يأتي بكمال المسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 301

فصل-5 - : [في حكم المسح على خف يظهر منه بعض الفرض] ومن المدونة قال مالك: ((وإذا كان في الخف خرق يسير، لا يظهر منه القدم، مسح عليه، وإن كان خرقًا كبيرًا، يظهر منه القدم، أو قطعه دون الكعبين محرم، أو غيره، لم يمسح عليه، من أجل أن بعض مواضع الوضوء قد ظهرت)).
قال في غير المدونة: فإن كان إلى الكعبين، أو فوقهما، فليمسح عليهما غير المحرم.
قال أبو محمد: لعل ابن القاسم يريد أن المحرم متعد في لباس ما بلغ الكعبين، إلا أن يكون لبسهما لعلة فينبغي أن يمسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 302

فصل-6 - : [في المسح على خف لبس على خف].
ومن المدونة قال مالك: ومن لبس خفين على طهارة، ثم أحدث فمسح عليهما، ثم لبس أخرى فوقهما، ثم أحدث فليمسح عليهما أيضًا.
قال: وإن أحدث فلم يتوضأ حتى لبس الأعليين فلا يمسح عليهما.
قال ابن القاسم: ولو لم يحدث لم يمسح عليهما، ويجزئه المسح على الداخلين، كمتوضئ لبسهما على قدميه.
قال مالك: ومن لبس خفين على خفين مسح الأعلى منهما.
واختلف قوله في المسح على الجرموقين، فكان يقول: لا يمسح/ عليهما، إلا أن يكون فوقهما، وتحتهما جلد مخروز-وقد بلغ إلى الكعبين-فليمسح عليهما، ثم رجع، فقال: لا يمسح عليهما أصلًا، وسواء في قوليه لبسهما على رجل أو خف/، وأخذ ابن القاسم بقوله الأول، وهو الصواب؛ لأنه إذا كان عليه جلد مخروز يبلغ الكعبين، فهو كالخف.

الجزء: 1 - الصفحة: 303

ووجه قوله: ((لا يمسح)): لأن الحديث إنما ورد في الخف، وهذا غير خف لا محالة.
وأما إذا لم يكن عليه جلد مخروز فلا يجزئ المسح عليه، كما لا يجزئ المسح على الخرق، إذا لف بها رجليه، ولا خلاف في ذلك.
قال بعض أصحابنا البغداديين: اختلف قول مالك في المسح على خف فوق خف، فقال: يمسح، وقال: لا يمسح، والأولى أن يمسح، وذكر نحوه الأبهري، وقال: وجه المنع في المسح على الأعلى: أنه لا ضرورة إلى لبس الخف الثاني؛ لأن الأول يدفع عنه ما يخافه، ويصل بع إلى ما يريده، والثاني إنما هو زيادة توقى، فليس محله محل الأول، ووجه قوله يمسح عليه؛ لأنه يمشي في الثاني، كالأول، وقد يكون به ضرورة إلى لبسه، سيما في الثغور الباردة، ووجه قوله أنه لا يمسح: من جهة الحديث ((أنه عليه السلام إنما مسح على خف واحد، فهي رخصة، فلا يتعدى بها إلى غيرها، ووجه الجواز: فلأن المسح على الخفين الأعليين، كالمسح على الخف المبطن، وذلك جائز فيه بالاتفاق، والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 304

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن نزع الذي لبس خفين على خفين الأعلى منهما-وقد كان مسح عليه- مسح الأسفل مكانه، وكان على وضوئه، ويجزئه، وإن أخر ذلك ابتداء الوضوء، وكذلك قال مالك في الذي ينزع خفيه، وقد مسح عليهما أنه يغسل رجليه مكانه، ويجزئه، وإن أخر ذلك ساعة أعاد الوضوء.
قال أبو بكر الأبهري: حد ذلك مقدار ما يجف فيه الوضوء.
قال ابن القصار: لأن الأصل كان غسل الرجلين، ثم جوز له المسح على الخفين ما دامت الرجلان مستترين فيه، فإذا نزع الخفين عاد إلى ما كان عليه؛ لأن الحكم إذا تعلق بعلة، ثم زالت زال الحكم المتعلق بها.
قال في المدونة: ولم يأخذ مالك بما ذكر عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين، وروى عنه أنه أرخص في ذلك، وقال على عن مالك في المجموعة: إذا أخر مسحهما في وضوء حتى حضرت الصلاة، فليمسحهما ويصلى، ولا يخلع، فإن سها عن مسحهما حتى صلى فإنه يمسح، ويعيد الصلاة، ولا يعيد الوضوء.

الجزء: 1 - الصفحة: 305

م وهذا على ما روى عن ابن عمر في تأخير المسح إن كان أخر ذلك عامدًا فأجازه مراعاة للاختلاف.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن نزع الذي لبس خفًا على خف فردًا من الأعلى مسح تلك الرجل على الأسفل مكانه، ويجزئه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: ينزع الآخر، ويمسح على الأسفلين.
قال ابن القاسم: ثم إن لبس الفرد الذي نزعه، ثم أحدث مسح عليهما.
[فصل-7 - : في حكم خروج العقب من الخف أو نزع الخف لضرورة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا خرج العقب من الخف إلى الساق قليلًا، والقدم كما هي في الخف، أو كان الخف واسعًا، وكان العقب يزول، ويخرج إلى الساق، وتجول القدم، إلا أن القدم كما هي في الخف فلا شيء عليه.
قال: وإن خرج جميع قدمه إلى ساق الخف، وقد كان مسح عليهما فلا يجزئه، إلا أن يخرجهما، ويغسلهما مكانه، وكذلك في خروج قدميه لسعة/ الخف فإن أخر ذلك استأنف الوضوء.
وقال في أصل سمع ابن وهب: قال مالك: ولو نزع خفه، وأقام طويلا

الجزء: 1 - الصفحة: 306

لم يغسل رجليه، فأحب إليّ أن يأتنف الوضوء، وإن غسل رجليه وصلى أجزاه، وهذا أيضًا؛ لما روى عن ابن عمر في تأخير المسح على الخفين.
قال في العتبية في من وجد حصاة في أحد خفيه فنزعه، فأخرجهما، ثم رده مكانه قال: أحب إليّ أن يغسل قدميه مكانه.
قيل له: إن بعض أهل العراق يقول: إذا نزعت خفيك انتقض وضوئك كله، فأنكر قولهم.
محمد قال بعض فقهائنا القرويين: إذا نزع أحد خفيه، ثم لم يقدر على نزع الأخرى، وخاف فوات الوقت غسل الرجل الواحدة، ومسح على الأخرى من فوق الخف، ويصير ذلك ضرورةً كالجبيرة، ذكر هذا عن أبى العباس الإبياني قال: وفيها أقوال أخر أنه يخرق الخف الثاني.
وقيل: أنه يتيمم.
واستحسن بعض فقهائنا إن كان الخف قليل الثمن فليخرقه، وغن كان لغيره، ويغرم له قيمته، وإن كان كثير الثمن، فليمسح عليه، كالجبيرة.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: في مسافر مسح على خفيه، فأصابت خفه نجاسة ولا ماء معه فإنه ينزعه، وليتيمم.

الجزء: 1 - الصفحة: 307

[فصل-8 - : حكم من لبس الخفين بعد التيمم] ومن المدونة/ قال ابن القاسم: ومن تيمم، وهو لا يجد الماء، ثم لبس خفيه وصلى، ثم وجد الماء، فتوضأ فلا يجزئه أن يمسح على خفيه، ولينزعهما ويغسل قدميه؛ لأنه أدخلهما غير طاهرتين بطهر الوضوء.
قال مالك في الموطأ: إنما يمسح على الخفين من أدخل رجليه فيهما طاهرتين بطهر الوضوء؛ لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا أدخلت رجليك في خفيك وأنت طاهر، فامسح عليهما، وصل بهما ما لم تنزعهما، أو تصبك جنابة)).
قال أصبغ في العتبية: إذا تيمم، ثم لبس خفيه، ثم صلى، فله أن يمسح عليهما إذا وجد الماء؛ لأنه أدخلهما بطهر التيمم، ولو صلى بالتيمم ثم لبسهما لم يمسح إن أحدث، لانتقاض تيممه بتمام صلاته.
وقال سحنون: لا يمسح، وإن لبسهما قبل الصلاة.
وقاله جماعة من أصحاب مالك، وهو الصواب؛ لقوله عليه السلام: ((إذا أدخلت رجليك، وأنت طاهر فامسح))، فيجب أن يحمل ذلك على كمال الطهارة، والتيمم عند أكثر أصحابنا لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة.
دليله قول على بن أبى طالب رضي الله عنه في تأويل قوله سبحانه: {وَلا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي

الجزء: 1 - الصفحة: 308

سَبِيلٍ {أنه قال: هو المسافر الذي لا يجد الماء، فأبيح الماء له الصلاة بالتيمم، فقد سماه الله جنبًا، وإنما أبيح له الصلاة بالتيمم.
وقد ذهب بعض الناس: إلى أن التيمم يرفع الحدث في حال الصلاة، وهو وجه قول أصبغ هذا.
[فصل-9 - : في من لبس خفيه قبل كمال طهره بالماء] قال مطرف: في من توضأ، ولم يبق إلا غسل رجليه فغسل رجله اليمنى، ثم لبس خفه، ثم غسل اليسري، ثم لبس خفه، ثم أحدث فليمسح عليهما، وقاله أشهب-يريد-أنه أدخل رجليه كل واحدة بعد كمال طهارتها.
وقال سحنون: لا يمسح عليهما؛ لنه أدخل الأولى قبل تمام الوضوء؛ إلا أن يكون نزعهما، أو خلع اليمنى، ولبسها فقط قبل أن يحدث، ثم لبس ما نزع قبل الحدث، فإنه يمسح.
قال سحنون: ولو لبسهما بعد تمام وضوئه، ثم ذكر مسح رأسه، فمسحه فلا يمسح على خفيه إن أحدث، إلا أن ينزعهما بعد مسح رأسه [ثم يلبسهما] قبل الحدث فليمسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 309

فصل-10 - : [هل للمرأة أن تلبس الخفين إذا خصبت رجليها بالحناء لتمسح ... عليهما أو الرجل يلبسهما إذا أراد أن ينام] ومن المدونة قال مالك في/ المرأة تخصب رجليها بالحناء، وهي على وضوء، فتلبس خفيها؛ لتمسح عليهما، إذا أحدثت، أو نامت، أو انتقض وضوئها، قال: لا يعجبني ذلك.
قال: وإن كان رجل على وضوء فأراد أن ينام فلبس خفيه؛ ليمسح عليهما إذا أحدث فلا خير فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا أراد أن يبول فلبسه.
قال مالك في الواضحة، وسحنون في كتاب ابنه: وعلى من فعل ذلك إعادة الصلاة أبدًا.
وقال أصبغ في الثمانية: يكره للمرأة أن تفعل ذلك، فإن فعلت ومسحت فلا شيء عليها، وصلاتها تامة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وللمستحاضة أن تمسح على خفيها.
قال مالك: والمرأة في المسح على الخفين والرأس بمنزلة الرجل في جميع ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 310

[باب-22 -] جامع القول في التيمم

[فصل-1 - : في أدلة مشروعية التيمم, ومعناه].
قال تعالي: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ {[المائدة:6].
وروي أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ((التيمم ضربة للوجه, وضربة لليدين إلي المرفقين)).
وفي حديث آخر: ((أنه مسح وجهه ويديه)) يعني بضربة واحدة.
قال غير واحد من العلماء: - وقاله ابن حبيب - التيمم القصد.

الجزء: 1 - الصفحة: 311

لقوله تعالى: {وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ {[المائدة:2] والصعيد: قال ابن حبيب: التراب, والطيب: الطاهر.
وقال غيره: الصعيد: الأرض نفسها.
ومن قوله تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا {[الكهف:40] , أي: أرضًا زلقة.
ومنه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((يجمع الله/تعالي الخلائق يوم القيامة علي صعيد واحد)) , أي: علي أرض واحدة.
والاسم الأخص بالصعيد الأرض نفسها, ولم يخص تعالى صعيداً من صعيد.

الجزء: 1 - الصفحة: 312

وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت)).
فعمّ, ولم يخص موضعاً منها, وجمع بين الصلاة, وبين التيمم عليها, فكما جازت الصلاة علي الجبل والحصباء وكل ما صعد علي الأرض مما هو منها باتفاق, فكذلك يجوز التيمم عليه.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فأينما أدركتني الصلاة تيممت وصليت)) دليل إن أدركته في الجبل والسبخة تيمم, وصلى.
قال غير واحد من البغداديين: فلا نبالي بما صعد منها كان حجراً, أو تراباً, أو رملاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 313

فصل-2 - : [الخلاف في مسح اليدين] قال أبو الفرج البغدادي وغيره: الواجب عند مالك التيمم إلي الكوعين, ويستحب بلوغ المرفقين.
قال: والذي قال هو ظاهر القرآن؛ لقوله تعالي: {وَأَيْدِيكُمْ {[المائدة:6] , فهذا هو المعقول من اليدين, فلا يلحق بهما ما عداهما, إلا بدليل قال غيره: وقد اختلفت الأحاديث في الكوعين والمرفقين, قالوا: وكذلك يرى أن من تيمم إلي الكوعين يعيد في الوقت, وأن من تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه لا يعيد؛ لأنه قد جاء الحديث بمثله, وقاله مالك وابن القاسم في العتبية.
وقال ابن حبيب: يعيد في الوقت هو ومن تيمم إلي الكوعين.
قال ابن سحنون: وقال ابن نافع: فيهما يعيدان أبداً.
قال مالك في العتبية: ولقد سمعت رجلا عظيمًا يقول: التيمم إلي المنكبين, وتعجب كيف قاله؟.

الجزء: 1 - الصفحة: 314

قال سحنون: وهو ابن شهاب.
وقد كان ابن عمر/ يتيمم إلي المرفقين, وهو في الموطأ فالمحصول من ذلك: قول إنه يتيمم إلي الكوعين, وقول إنه إلي المرفقين, وقول إلي المنكبين.
فوجه قول مالك: أنه يتيمم إلي الكوعين قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ {[المائدة:6] ولم يحد, كما حد في الوضوء إلي المرفقين, وقال تعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا {[المائدة:38].
ولم يحد فأبانت السنة أن القطع من الكوعين, واجمعت الناس عليه, إذ ليس فيه حد فأعطي أخص أسماء اليد, فكذلك التيمم؛ لأن المعقول من اسم اليد, والأخص بها من الكوع.

الجزء: 1 - الصفحة: 315

وأيد ذلك ما روي ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم إلي الكوعين)).
ووجه قوله: يتيمم إلي المرفقين: قياسًا علي الوضوء الذي هو بدل منه, وقد ثبت الحديث بمثله.
ووجه قول من قال: إلي المنكبين: فلأن ذلك يقع عليه اسم اليد, وهذا أضعف الأقوال.
فصل-3 - : [في صفة التيمم] ومن المدونة قال مالك: التيمم من الجنابة والوضوء سواء, ضربة للوجه وضربة أخرى للذراعين.
يضرب الأرض بيديه جميعًا ضربة واحدة, ثم ينفض ما تعلق بهما نفضاً خفيفاً, ثم يمسح بهما وجهه, ثم يضرب بهما الأرض ثانية, فيبدأ باليسرى علي اليمنى فيمرها من فوق الكفين إلي المرفقين, ويمرها أيضاً من باطن المرفقين إلي الكوعي قال ابن حبيب: إلي أصل الكف.
قال مالك: ويمر أيضاً اليمنى علي اليسرى كذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 316

قال ابن حبيب - في صفة التيمم- قال: يذهب باليسرى علي اليمنى إلي المرفق, ثم يعيدها علي باطن اليد إلي أصل الكف, ثم يحول تلك الكف اليمنى علي ظاهر أصابع اليسرى ذاهباً إلي المرفق, ثم يعيدها علي باطن اليسرى إلي أطراف أصابعها, وذكر هذه الصفة مطرف وابن الماجشون عن مالك عن ابن شهاب, وهو ظاهر المدونة.
محمد وفي صفة غير ابن حبيب: أنه إذا بلغ باليسرى إلي أصل كف اليمنى تمادى بها إلي آخر أصابع اليمنى, ثم يمسح اليسرى باليمنى.
قال أبو محمد وأبو الحسن: وهو أحسن؛ لأن التيمم بدل من/ الوضوء, فكما لا ينتقل في الوضوء من يد حتى يكمل جميعها, فكذلك التيمم.
وأنكر ابن القابسي أن ذلك قول ابن شهاب, قال: لأن ابن شهاب يرى أن التيمم إلي المنكبين, قال: وما وقع في بعض روايات المدونة من مرور اليسرى من باطن المرفق غلي الكوع, ويمر اليمنى علي اليسرى كذلك, فمعناه أن يبدأ في الترتيب إذا مكن يده من باطن المرفق فجرها إلي الكوعين أي إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 317

ناحية الكوعين حتى تتم اليد؛ لئلا يظن الماسح أن يبدأ من أطراف بطون الأصابع, ولم يرد أن الانتهاء إلي حد الكوعين في اليمنى؛ لأنه إن كان المسح علي باطن اليمنى إلي الكوع, فباطن اليسرى علي هذه الرواية كذلك, ويسقط المسح علي باطن الكفين, وهذا غلط شديد.
ابن القرطي: وليس عليه متابعة الغضون في التيمم, وعليه تخليل أصابعه.
أبو محمد: وما رأيته لغيره.
[فصل-4 - : في أقسام المسافر العادم للماء] والمسافر الذي لا ماء عنده علي أربعة أقسام عند مالك: فمسافر مؤس من إدراك الماء في الوقت, ومسافر موقن بإدراك الماء في الوقت, ومسافر لا علم عنده من الماء, ومسافر يعلم موضع الماء, ويخاف ألاّ يبلغه في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 318

قال مالك: وإذا كان المسافر علي إياس من الماء فليتيمم في أول الوقت, ويصلي, ولا إعادة عليه إن وجد الماء في الوقت.
م محمد: لأنه دخل الصلاة بما أبيح له/, وأمر به, وهو قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {[المائدة:6] , وهذا غير واجد له.
م قيل: ومعناه أنه وجد ماءً غير ذلك الماء المؤس منه.
وأما إن وصل إلي ذلك الماء لأعاد لخطئه في التقدير.
قال مالك: والمسافر يكون علي يقين من إدراك الماء في الوقت يؤخر الصلاة حتى يأتي الماء.
محمد يريد وقت الصلاة المفروضة, قاله ابن عبدوس, وذلك في الظهر إلي أن يخاف دخول وقت العصر.
قال ابن حبيب: إلي أن يبلغ ظله مثله, وفي وقت العصر إلي أن يبلغ ظله مثليه, وذلك بعد القدر الذي زالت عليه الشمس, وفي المغرب قبل غيبوبة

الجزء: 1 - الصفحة: 319

الشفق, وفي العشاء ثلث الليل.
قال ابن القاسم: فإن تيمم هذا أول الوقت وصلى أعاد الصلاة في الوقت إن وجد الماء في الوقت.
قال ابن حبيب: فإن لم يفعل حتى خرج الوقت أعاد الصلاة أبداً, قال: وقال ابن القاسم: لا يعيد إلا في الوقت, قال: ولا أقول به.
م فوجه قول ابن القاسم إنه حين حلت الصلاة, ووجب القيام إليها غير واجد للماء, فدخل في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {, وإنما أمر بالإعادة في الوقت على طريق الاستحباب؛ لأنه غير تام العدم؛ لوصوله إلى الماء والوقت قائم.
ووجه قول ابن حبيب أن التيمم إنما جعل لإدراك فضيلة الوقت, فمتى كان موقناً بوجود الماء في الوقت وجب عليه التأخير إليه؛ ليصلي بكمال الطهارة فيه, فوجب بذلك سقوط تيممه, وصلاته به قبل ذلك, فهذا لم يفعل ما وجب عليه, فهو كمن لم يصل, فوجب أن يعيد أبداً.
ومن المدونة قال مالك: وإن كان المسافر لا علم عنده من الماء, أو كان يعلم موضعه ويخاف أن لا يبلغه, فليتيمم في وسط الوقت, ثم إن وجد الماء

الجزء: 1 - الصفحة: 320

في الوقت أعاد الذي عنده علم من الماء ويخاف أن لا يبلغه, ولم يعد الذي لا علم عنده أصلا.
قال أبو إسحاق: وكأن هذا أشبه؛ لأنه قد غلب علي ظنه وجود الماء في آخر الوقت, وقد وجده, ولا يجوز التيمم قبل وجود الماء مع يقينه أنه يدركه في آخر الوقت, وقد وجده, والمصلي في آخر الوقت ليس بآثم, ولا حرج في الوقت: في الظهر القامة, وفي العصر القامتان, وفي المغرب غيبوبة الشفق, وفي العشاء/ ثلث الليل, وفي الصبح الذي يقرب طلوع الشمس, وما بين ذلك هو وسط الوقت.
قال ابن حبيب فيهما: يؤخرا إلي آخر الوقت كمن يعلم أنه يدرك الماء في الوقت, فإن تيمما في أول الوقت وصليا, ثم وجدا الماء في الوقت فليعيدا, فإن جهلا أن يعيدا حتى خرج الوقت فلا شيء عليهما, بخلاف الذي يعلم أنه يدرك الماء في الوقت.
قاله مطرف وابن عبد الحكم وأصبغ وعبد الملك.
م فوجه قول مالك: أنهما لما كانا غير موقنين بإدراك الماء في الوقت ولا مؤسين منه كان لهما حكم بين الحكمين, وهو وسط الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 321

ووجه تفرقته بينهما في الإعادة هو: أن الذي عنده علم من الماء, ويخاف ألا يبلغه, إذا وجد الماء في الوقت, فقد بان تفريطه لخطئه في تقديره, إذا لو أيقن أنه يدركه في ذلك الوقت لوجب عليه التربص إليه, فهو كالمسافر يقدم والحائض تطهر, فيخطئان في تقديرهما بقية النهار أنهما يعملان بعد ذلك علي ما كان يجب عليهما, وأما الذي لا علم عنده من الماء فلم يفرط, ولا أخطأ في تقديره, بل دخل الصلاة بما يجوز له فوجب أن لا يعيد.
ووجه قول ابن حبيب هو: أن التيمم لا يجب إلا لعدم الماء علي الحقيقة؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {[المائدة:6] , وهؤلاء غير موقنين بعدمه, فلا يسقط فرض الطهارة به, والوقت قائم بغير يقين عدمه فإذا خاف ذهاب الوقت وجب التيمم؛ لأنه إنما جعل لإدراك فضيلة الوقت, فإن تيمما, وصليا قبل ذلك وجب أن لا يعيدا أبداً؛ لأجل الاختلاف في ذلك, وأنه لم يجب عليهما ذلك, كوجوبه علي الموقن.
فصل-5 - :في تيمم المريض والخائف ومن المدونة/ قال مالك: ويتيمم المريض- يريد- الذي يجد الماء,

الجزء: 1 - الصفحة: 322

ولا يجد من يناوله إياه, والخائف الذي يعرف موضع الماء, ويخاف أن لا يبلغه, وكذلك الخائف من لصوص أو سباع علي الماء, في وسط الوقت, ثم إن وجدوا الماء في وقت, تلك الصلاة أعادوا.
قال ابن عبدوس: والوقت في ذلك كله وقت الصلاة المفروضة.
وقال أصبغ: في المريض والمتيمم إلي الكوعين وماسح أعلي الخف, والذي يستجمر بعظم أو عود أو فحم أو بعرة, إن وقتهم وقت الصلاة المفروضة.
م محمد قيل: إن وقت الصلاة المفروضة في العصر الاصفرار, وقيل: إذا صار الظل قامتين, والأول أصوب.
ومن المدونة روى ابن وهب ((أن رجلين أجنبا علي عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وكانا في سفر, فلم يجدا ماءً, فتيمما, ثم صليا, ثم وجدا الماء قبل أن تطلع الشمس, فاغتسلا, وأعاد أحدهما الصلاة, ولم يعد الآخر, فذكرا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - , فقال للذي أعاد: ((لك الأجر مرتين)) , وقال للآخر: ((تمت صلاتك)).
وفي رواية أخرى أنه قال للذي أعاد: ((لك مثل سهم جمع)).
وللذي لم يعد: ((أجزأت عنك صلاتك, وأصبت السنة)).

الجزء: 1 - الصفحة: 323

[فصل-6 - : في من نسي الماء في رحله أو جهله وصلى بتيمم] قال مالك: ومن تيمم ونسى الماء في رحله أو جهله وصلى, أعاد في الوقت.
وقال أصبغ: يعيد أبداً.
وفي المختصر الكبير: لا إعادة عليه, وإن أعاد فحسن.
م فوجه قول مالك: أنه يعيد في الوقت, ولم ير أنه تجزئه صلاته؛ فلأنه غير عادم للماء, وإنما لم يوجب عليه الإعادة أبداً؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)) فجعل له بهذا حكمًا بين ذلك, وذلك الإعادة في الوقت.
ووجه قول أصبغ: فلأنه واجد للماء, وقد/ قال الله تعالي: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً

الجزء: 1 - الصفحة: 324

كما قال في الظهار: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْن {[المجادلة:4] , فكما لا يعذر واجد الرقبة بنسيانه أو جهله أنه يملكها, فكذلك لا يسقط عنه ذلك الوضوء.
م والفرق عند مالك بين ناسي الماء في رحله, وناسي الرقبة: أن التيمم إنما يكون لإدراك فضيلة الوقت, وقد أديت الصلاة به في الوقت, وإما وجد الماء بعد ذهاب وقتها, والكفارة ليست متعلقة بوقت, فمتى وجدت الرقبة فهو وقت لها, فوجب أن لا يجزئه الصوم, كوجود الماء في الوقت؛ لأنه كان في حين الأداء واجداً للماء والرقبة, فلم يجزئه ما أدي.
ووجه ما في المختصر الكبير, كما وجهنا به قول مالك في العذر بالنسيان, واستحب له الإعادة ليأتي بالصلاة بأكمل الطهارتين.
ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر أن الماء في رحله, وهو في الصلاة قطع؛ لأنه واجد للماء في حال صلاته وقادر عليه.
قال مالك: ولو اطلع عليه رجل بماء وهو في الصلاة تمادي, وأجزأته صلاته.

الجزء: 1 - الصفحة: 325

والفرق بينهما: أن الذي ذكر أن الماء في رحله حين قيامه للصلاة كان واجدًا للماء, ومالكًا له, فلما اجتمع عليه مع ذلك العلم به, وهو في الصلاة بطلت عليه؛ لأنه قادر علي الماء قبل تمامها, ومالك له حين القيام إليها, والذي طلع عليه رجل بالماء حين قيامه إلي الصلاة, ودخوله فيها هو غير واجد للماء, ولا مالك له.
م وقد قال الله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا {[المائدة:6] , فقد دخل في الصلاة بما أمر به, وحصل/ له منها عمل بإحدى الطهارتين, فوجب أن لا يبطله لقوله تعالي: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33].
م محمد وهذا كالأمة تعتق بعد ركعة ورأسها مكشوفة.
قال أصبغ: تتمادى, ولا تعيد في وقت ولا غيره, قال: وهي كالمتيمم يجد الماء بعد أن صلى ركعة, ولو عتقت قبل الصلاة, ثم علمت, وهي في الصلاة, فهذه تعيد, وهي كمن نسى الماء في رحله.
وقال ابن القاسم في المعتقة بعد ركعة إن لم تجد من يناولها خمارها,

الجزء: 1 - الصفحة: 326

ولا وصلت إليه فلا تعيد, وإن قدرت علي أخذه فلم تأخذه أعادت في الوقت.
م والفرق بينها وبين المتيمم في هذا: أن المتيمم إذا توضأ بذلك الماء أبطل الصلاة, وقد قال الله تعالى: {وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ {[محمد:33] , والأمة تقدر أن تستتر ولا تقطع صلاتها؛ لأنه خفيف, وفي الصلاة إيعاب هذا.
[فصل -7 - : في الذي يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء هل يسألهم] قال مالك: في العتبية في المسافر يعجز ماؤه ومع أصحابه ماء, قال: أما المكان الكثير الماء فلا بأس أن يسألهم, وأما الموضع الذي يتعذر فيه الماء, فأرجو أن يكون في سعة أن لا يسألهم.
قال عنه أشهب: إنه يسأل من يليه, ومن يظن أنه يعطيه, وليس عليه أن يسأل أربعين رجلا.
قال ابن القاسم: وإن سأل من معه في الرفقة فقالوا: ليس عندنا ماء, فتيمم وصلى, ثم وجد الماء عندهم, فإن كاوا رفقاءه, ومن لو علم به عندهم لم يمنعوه, فليعد في الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 327

م وهو كمن نسي الماء في رحله.
قال ابن القاسم: ولو كان يظن أن لو علم به منعوه, فلا إعادة عليه, قال: ولو نزلوا في صحراء وليس معهم ماء, فتيمموا وصلوا, ثم وجدوا بئراً أو غديراً قريباً منهم لم يعلموا به فإنهم يعيدون في الوقت؛ لتفريطهم في طلبه فهم كمن جهل الماء في رحله.
فصل-8 - : [في حكم تيمم الحاضر أو المقيم إذا فقد الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن خرج من قرية يريد قرية أخرى وهو غير مسافر فغربت عليه الشمس, فإن طمع في إدراك الماء قبل مغيب الشفق مضى إليه, وإلا تيمم وصلى.
وقال مرة:- أيضاً- يتيمم, ويصلى.
قال ابن القاسم: ويتيمم في الحضر من لم يجد الماء, وكذلك المسجون الذي لا يجد الماء.
وقد قال مالك في من كان في المعافر, وأطراف الفسطاط فخاف

الجزء: 1 - الصفحة: 328

إن ذهب إلي النيل يتوضأ أن تطلع الشمس: إنه يتيمم.
واختلف فيه قول ابن القاسم, في غير المدونة فقال مرة: يتيمم ويصلى, وقال مرة: يتيمم ويصلى, ويعيد الصلاة بالوضوء, وقال مرة: لا يتيمم, ويطلب الماء وإن طلعت الشمس, إلا أن يكون له عدو.
وذكر غير واحد من البغداديين: هذا الاختلاف عن مالك.
فوجه قوله: إن خاف فوات الوقت تيمم ويصلى, ولا يعيد؛ فلأن التيمم إنما شرع لإدراك الوقت, وهو طهارة/ تستباح به الصلاة, فوجب أن يستوي فيه الحاضرو المسافر.
وقد روى أن أبا ذر قال: انتقلت بأهلي إلي الربذة, فكنت أجنب,

الجزء: 1 - الصفحة: 329

وأعدم الماء الخمسة الأيام والستة, فأعلمت بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لي: ((الصعيد الطيب وضوء المسلم, ولو لم يجد الماء عشر حجج)).
فهذا نص بين في المقيم؛ لأن أبا ذر إنما انتقل إلي الربذة للإقامة بها, وهذا أقيس الأقوال.
ووجه قوله: لا يتيمم, ويطلب الماء, وإن طلعت الشمس؛ فلأن التيمم إنما/ ذكر في المريض الذي لا يستطيع استعمال الماء, والمسافر العادم له؛ لقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَر {[المائدة:6] الآية.
فوجب أن لايعدى بها إلي غير ذلك.
ووجه قوله: يتيمم ويصلى, ويعيد بالوضوء: أنه لما ترجح عنده كل قول؛ لما قدمناه رأى أن يأتي بالاحتياط, ويصلي بالتيمم, فيدرك فضيلة الوقت, ويعيد بالوضوء خوفاً أن يكون ذلك التيمم لا يجزئه؛ إذ ليس هو من أهله, فأتي بالأمرين احتياطًا.
والله أعلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 330

قال ابن حبيب عن ابن عبد الحكم في حضري لم يجد الماء: فتيمم وصلي، ثم وجد الماء بعد أن خرج الوقت فعليه أن يعيد؛ لأن الله تعالى إنما ذكر التيمم في المريض الحاضر والمسافر.
غبن حبيب: وكذلك المسجونون يحبس عليهم الماء إلى آخر الوقت، فليصلوا بالتيمم، ثم يعيدوا إذا وجدوا الماء.
فصل-9 - : [في من خاف فوات الوقت باستعمال الماء أو تحصيله] ومن المدونة قال مالك: ومن خاف في حضر أو سفر إن رفع الماء من البئر أن يذهب الوقت فليتيمم، ويصلي، ولا يعيد الصلاة بعد ذلك إذا توضأ، وقد كان من قوله في الحضري: أنه يعيد إذا توضأ.
قال ابن حبيب: أبداً، وبه أقول، وجعله ابن القاسم كالمسافر، وليس مثله.
محمد: قال بعض فقهائنا القرويين: ومن خاف إن توضأ بماء معه ذهب الوقت، وهو إن تيمم يدرك الوقت، فليتوضأ، وإن ذهب الوقت، بخلاف الذي يرفعه من البئر، لأن هذا واجد للماء قادر على استعماله.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: له أن يتيمم متى خاف إن تشاغل باستعماله فوات الوقت.

الجزء: 1 - الصفحة: 331

م محمد: وهو الصواب عندي، ولا فرق بين تشاغله باستعمال الماء أو برفعه من البئر، وإنما وضع التيمم لإدراك فضيلة الوقت، وإلى هذا ذهب ابن القصار وغيره.
قال ابن القصار: وأما من خاف فوات الجمعة إن توضأ، لم يجزئه أن يتيمم؛ لأن الظهر هو الأصل، فإن فاته فرض الجمعة مع الإمام لم يفته وقت الظهر، وإنما يتيمم من فاته وقت الظهر المختار، ولم أر المالك فيه نصاً.
قال: وقد قال بعض أصحابنا: إن القياس يوجب إذا خاف بتشاغله بالوضوء أن تفوته الجمعة مع الإمام أن يتيمم ويدركها؛ لأن الجمعة فرض، والتيمم إحدى الطهارتين، فلأن يلحق الفرض بالطهارة الصغرى أولى من أن تفوته.
م وقال بعض شيوخنا: ولو قال قائل: يتيمم ويدرك الجمعة، ثم يتوضأ، ويعيد ظهراً احتياطاً لم يبعد، كقول مالك في أحد قوليه في الحضري لا يجد ماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 332

فصل -10 - : [في حكم التيمم على موضع نجس] قال ابن القاسم: ومن تيمم على موضع نجس قد أصابه بول أو قذر، فإنه يعيد ما كان في الوقت، كقول مالك في من توضأ بماء غير طاهر: أنه يعيد في الوقت، فهذا مثله.
قال ابن حبيب: هذا إن لم يعلم نجاسة التراب، وأما إن علم فإنه يعيد أبداً، بمنزلة من توضأ بماء قد تغير لونه أو طعمه.
قال أبو الفرج: قول مالك: في من تيمم على موضع نجس أنه يعيد في الوقت، أراه يرييد خالطته نجاسة لم تطهر طهوراً يحكم لها به، فيصير مشكوكاً فيه، فإن لم يرد هذا، فلعله فرق بين الماء والأرض/: أن الماء ينقل المحدث إلى/ كمال الطهارة، والمتيمم، إنما ينتقل به عن حكم الحدث إلى وجود الماء، ويحتمل أن يكون الفرق بين المتيمم على الموضع النجس،

الجزء: 1 - الصفحة: 333

والمتوضئ بماء قد تغير لونه أو طعمه: أن المتوضئ ينتقل إلى ماء طاهر في الحقيقة؛ لأنه يدرك معرفته بالمشاهدة، والمتيمم إذا انتقل إلى تراب آخر أمكن أن يكون ذلك التراب نجساً؛ لأنه لا يدرك مشاهدته، كما هي في الماء، فلذلك لم يؤمر بالإعادة أبداً، والله أعلم.
[فصل-11 - : في التيمم بتراب مستعمل] قال ابن القاسم في العتبية: ولا بأس أن يتيمم بتراب قد تيمم به مرة، يريد؛ لأنه لا يصير تراباً مضافاً، ويريد أنه كان يرفع التراب لوجهه ويديه فيسقط له منه فإذا أراد التيمم بما سقط له فهذا تراب تيمم به مرة؛ لأنه يصير مضافاً، فأما لو وضع يديه على التراب الذي تيمم عليه ترابًا لم يتيمم به بعد، والأمر فيهما سواء؛ لما قدمنا أن التراب لا يكون مضافًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 334

فصل-12 - : [في تفريق التيمم، وتنكيسه، والغسل من الجنابة عند وجود الماء] ومن المدونة قال مالك: ومن فرق تيممه فكان أمرًا قريبًا أجزأه، وإن تباعد ابتدأ، كالوضوء.
قال: وتنكيس التيمم، كالوضوء.
قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء فتيمم وصلى، ثم وجد الماء، فإنه يغتسل لما يستقبل، وصلاته الأولى تامة، وقاله سعيد بن المسيب وابن مسعود، وقد كان يقول غير هذا/، ثم رجع إلى أنه يغتسل.
م محمد: واختلف في تأويل قوله: وقد كان يقول غير هذا، قيل: إنه كان يقول: إن التيمم يرفع حدث الجنابة، كالغسل، وأنه لا يغتسل إن وجد الماء بعد ذلك، ثم رجع إلى أنه يغتسل، وهذا أشبه بظاهر لفظه.

الجزء: 1 - الصفحة: 335

وقيل: بل كان يقول: إنه يغتسل، ويعيد الصلاة، ثم رجع إلى أنه يغتسل فقط ولا يعيد الصلاة، كما قال مالك.
قال أبو محمد: يريد ما لم يكن في بدنه أذى.
قال أبو بكر بن اللباد: أو لم يكن ببدنه جنابة، إلا أن جنابته من وطء في الفرج، فإن دخول الفرج في الفرج ينجس، فعليه أن يعيد الصلاة في الوقت.
فصل-13 - : [التيمم لتعذر استعمال الماء] ومن المدونة قال مالك: والمجدور والمحصوب إذا خافا على أنفسهما من الماء تيمما للجنابة لكل صلاة أحدثا أم لا.
وروى ابن وهب "أن رجلا في غزوة خيبر أصابته جنابة، وكان به جدري فغسله أصحابه فتهرأ لحمه فمات، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "قتلوه

الجزء: 1 - الصفحة: 336

قتلهم الله، أ/اكان يكفيهم أن ييمموه بالصعيد".
وأن ابن عباس أفتى مجدورًا بالتيمم.
وقال مجاهد: للمجدور وأشباهه أن لا يتوضأ ويتلو (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ).
وذلك مما يخفي من تأويل القرآن.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وجواز التيمم لتعذر استعمال الماء على أربعة أقسام: خوف تلف، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، أو خوف حدوث مرض يخاف معه ما ذكرنا.
قال ابن القصار: وأما إن خاف التلف من استعمال الماء، فلا خلاف بين فقهاء الأمصار أن له أن يتيمم، واختلفوا إن خاف زيادة مرض كان به، أو تأخير برء، أو حدوث مرض، وإن لم يخف منه التلف: فعندنا يجوز له التيمم، والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)، وأي من ضيق، فنفى الضيق عنا في الدين، واستعمال الماء مع الخوف من زيادة المرض ضيق، وقال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ)، ومن العسر

الجزء: 1 - الصفحة: 337

وجوب استعمال الماء مع خوف المرض أو زيادته، وفي القرآن من ذلك كثير.
ويدل على هذا حديث عمرو بن العاص حين احتلم في ليلة باردة، فذكر حديث المدونة.
[فصل-14 - : في تيمم من في جسده بعض الجراحات] ومن المدونة قال مالك: ومن غمرات الجراح أكثر جسده ولا يستطيع أن يمس جسده فليتيمم، ويصلي، وإن كان بعض جسده صحيحًا وأكثره جراحات غسل الجنابة ما صح من جسده، ومسح على جراحه بالماء إن قدر، وإلا فعلى عصابها.
قال ابن القاسم: وإن غمرت الجراح جسده ورأسه، ولم يبق له إلا يد أو رجل تيمم، وصلى.
قال مالك: وإذا خاف/ الجنب الصحيح على نفسه الموت من الثلج أو البرد إن هو اغتسل أجزأه التيمم -يريد أنه يتيمم في أول الوقت- وكذلك المجدور.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمّر عمرو بن العاص على جيش، وأنه احتلم

الجزء: 1 - الصفحة: 338

في ليلة باردة فخاف إن اغتسل بالماء البارد أن يموت فتيمم، ثم صلى بهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما أحب أنك تركت شيئًا مما فعلت، ولا فعلت شيئًا مما تركت؛ لأن تركك الغسل إذا خفت على نفسك صواب، وفعلك التيمم صواب".
وفي حديث آخر قال عمرو: فلما أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: "أصليت بالناس وأنت جنب؟ فقلت يا رسول الله: سمعت الله عز وجل يقول: (وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) قال: فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل له شيئًا".

الجزء: 1 - الصفحة: 339

قال بعض شيوخنا: في هذا الخبر فوائد: أحدها: جواز التيمم للجنب، وجوازه لمن خاف من استعمال الماء الهلاك من البرد، وفيه: أن التيمم لا يرفع الحدث؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صليت بالناس وأنت جنب".
وفيه: أن المتيمم يصلي بالمتوضئين.
فصل-15 - : [في التيمم على كل صعيد طيب] ومن المدونة قال مالك: ويتيمم على الحصباء والجبل من لم يجد المدر.
قال: ويتيمم على الطين من لم يجد ترابًا ولا جبلاً، وليخفف وضع يده عليه.
قال في المختصر: وليخففه قليلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 340

قال ابن حبيب: ويحرك يديه بعضها على بعض يسيراً إن كان فيهما ما يؤذيه ثم يمسح بهما وجهه، ويصنع كذلك ليديه.
ثم قال مالك: ولا يتيمم على الرخام، وهو بمنزلة الزمرد والياقوت، ولا يتيمم على الشب، والزجاج، والملح، والزرنيخ، والكحل، والكبريت، وما أشبه ذلك، لأن الملح طعام، وهذه الأشياء عقاقير.
قال سليمان في السليمانية: فإن أدركه الوقت وهو في أرض ليس فيها إلا الملح والزجاج والشب والزرنيخ والكحل والكبريت، وما أصله من الأرض، ولا يقدر أن يخرج من تلك الأرض حتى يخرج من وقت تلك الصلاة، فأرجو أن يكون التيمم بذلك واسعاً، وإنما تكره هذه الأشياء إذا بانت عن الأرض، وصارت في أيدي الناس.
وذكر ابن القصار وغيره من البغدادين أنه يتيمم على كل أرض طاهرة، وإن كان

الجزء: 1 - الصفحة: 341

عليها زرنيخ أو نورة.
قال مالك: ويتيمم على المغر؛ لأنه تراب منه الأسود والأحمر والأصفر والأبيض، يريد إذا كان نياً غير مطبوخ.
[فصل -16 - : في التيمم على المتصل بالأرض] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان الثلج ونحوه فلا يتيمم على لبد.
وذكر الأبهري أن أشهب روى عن مالك أنه لا يتيمم على الثلج.
قال الأبهري: يتيمم على الثلج والحشيش.
قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: يتيمم على الثلج، وقال عنه علي أنه يتيمم على الثلج؛ لعدم الأرض؛ لأنه نابت في الأرض، كالرمل والحصا، واسم الأرض يقع عليه.
وذكر بعض البغداديين أن في التيمم على الزرع اختلافاً.
[فصل -17 - في من لم يجد الصعيد ووجد غيره تيمم عليه] قال علي عن مالك: من لم يجد الصعيد ووجد الثلج أو ماء جامداً أو حجارة تيمم على ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 342

ابن حبيب إن تيمم على الثلج، وصلى، فإن وجد الصعيد في الوقت أعاد، ولا يعيد بعده، فإن فعله واجداً لصعيد أعاد أبداً، ولو تيمم على الحصبا أو على الجبل واجد الصعيد أعاد في الوقت، وإن كان غير واجد لم يعد.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا يعيد كان واجداً أو غير واجد.
محمد: وهو الصواب.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: لابأس بالصلاة على الصفا والسبخة، ولا بأس بالتيمم عليها لمن لم يجد تراباً.
قال: وما حال بينك وبين الأرض فهو منها يريد إن كان غالباً لا ينفك عنه من غير علة بالمتيمم.
وقد قال ابن المواز عن ابن القاسم: في/ مريض لم يجد من يناوله ماء ولا تراباً، ولا عنده جدار فصلى بغير تيمم: أنه يعيد أبداً ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إن كان نياً.
وقال ابن حبيب: إن كان جيراً أو آجراً فلا يتيمم عليه، إلا أن لا يجد

الجزء: 1 - الصفحة: 343

من يناوله التراب فليتيمم عليه، ولا يعيد.
قال أبو إسحاق: وانظر قول ابن حبيب: أو آجراً، والآجر طين طبخ فكيف يتيمم عليه؟ وهو كالرماد، ولا يتيمم على جدار، إلا من ضرورة فيجزئه إذا كان نياً.
ابن المواز، وقال: يريد غير مطبوخ، وإن كسي جيراً لم يجزئه، وإن كان مبنياً بحجارة، ولم يستر بجير، فذلك يجزئه.
فصل -18 - : [في الجنب لم يجد الماء إلا بثمن، أو خاف العطش، أو كان معه ماء لا يكفي في الجنابة] ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يجد الجنب الماء إلا بثمن، فإن كان قليل الدراهم فليتيمم، وإن كان يقدر، فليشتره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، فإن رفعوا تيمم حينئذ.
قال: وإن خاف العطش إن توضأ بما معه من الماء تيمم، وأبقى ماءه، ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وابن شهاب وربيعة.
قال أبو إسحاق: إن استسقاه غيره، فإن كان يخاف عليه الموت سقاه، وتيمم، وإن لم يبلغ منه الخوف فلا.

الجزء: 1 - الصفحة: 344

قال مالك: وإذا كان مع الجنب من الماء قدر ما يتوضأ به تيمم للجنابة؛ لكل صلاة أحدث أم لا.
وإن كان به أذى غسله بذلك الماء، ولا يتوضأ به.
ابن وهب، وقاله ابن شهاب وعطاء وابن أبي سلمة.
[فصل -19 - في حكم تيمم المريض والمسافر لخسوف الشمس والقمر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ويتيمم المرضى والمسافرون لخسوف الشمس والقمر، ومن قول مالك أنه لا يتيمم من أحدث خلف الإمام في صلاة العيدين.
قال أبو إسحاق: قال: لا يتيمم، ولم يذكر وجه هذا، فإن كان لا يتيمم الحاضر عنده، لا يتيمم في الفرائض، ففي صلاة العيدين أحرى، وإن كان الحاضر يتيمم، فلم لا يتيمم هذا؟ إذا كانت بخطبة، وإمام ويخشى فواتها، إلا أن لا يكون فيها خطبة أو يرى أن السنن أخف من الفرائض، ونقلها أبو محمد، ولمن فرضه التيمم من مسافر أو مريض أن يتيمم لصلاة خسوف الشمس والقمر والعيدين.

الجزء: 1 - الصفحة: 345

[فصل -20 - : في من يجوز له الصلاة بالتيمم على الجنازة] قال مالك: ولا يصلي على جنازة بتيمم إلا مسافر عدم الماء، قال: ولا بأس أن تيمم من لم يجد الماء في السفر فيمس المصحف، ويقرأ حزبه.
قال ابن القاسم: ويسجد إذا مر بسجدة.
[فصل -21 - : في التيمم للنافلة] قال حبيب بن الربيع: قال مالك وأصحابه: لا بأس أن يتيمم للتنفل أو لقراءة مصحف.
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: لا يتيمم لنافلة؛ لأنه ليس بضرورة، وإنما يتيمم للفريضة التي لابد منها.
قال أبو إسحاق: وكان/ التيمم عنده رخصة لخوف فوات وقت الفريضة.
قال أبو إسحاق: ينبغي أن لا يتيمم الحاضر لنافلة إذا لم يكن مريضاً، ولا مسجوناً؛ لأنه قد اختلف في التيمم في الحضر في الفرائض، فكيف في النوافل؟.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن تيمم الجنب لنوم ولا ينوي به غيره من صلاة، ولا مس مصحف لم يتنفل به، ولا يمس مصحفاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 346

فصل -22 - : [لا يصلي نافلة ومكتوبة بتيمم واحد إلا أن تكون نافلة بعد المكتوبة] قال مالك: ومن تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو صلى ركعتي الفجر أعاد التيمم للفريضة، قال: ولا بأس أن يتنفل بعد الفريضة بتيمم الفريضة.
وفي كتاب ابن المواز: ومن تيمم لمكتوبة فصلى به نافلة، أو ركعتي الفجر، ثم صلى المكتوبة أعاد الصلاة أبداً، ثم قال: هذا خفيف، وأرى أن يعيد في الوقت.
قال: ومن تيمم لنافلة، أو لقراءة مصحف، ثم صلى به مكتوبة أعاد أبداً.
قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من تتيمم لركعتي الفجر، فصلى به الصبح، أو تيمم لنافلة، فصلى به الظهر: أنه يعيد في الوقت.
وقال البرقي عن أشهب: تجزئه صلاة الصبح بتيمم ركعتي الفجر،

الجزء: 1 - الصفحة: 347

ولا يجزئه إذا تيمم لنافلة، أن يصلي به الظهر.
وقال ابن حبيب: إذا تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أعاد أبداً، ولو تيمم لفريضة فصلى به نافلة قبلها أعاد في الوقت، وإن تيمم لصلاة، ثم ذكر صلاة قبلها، فليعد التيمم لها، فيبدأ بها، وإن صلى بالتيمم الأول أعاد أبداً، قال: وله أن يوتر بتيمم العشاء، ويصليها، ويصلي من التنفل ما شاء.
قال ابن القاسم في المجموعة: ومن تيمم للوتر بعد الفجر فله أن يركع به ركعتي الفجر، وإن تيمم لنافلة فله أن يوتر به.
[فصل -23 - : لا يجمع بين صلاتي فرض بتيمم واحد] ومن المدونة قال مالك: ومن تيمم لفريضة فصلاها، ثم ذكر صلاة نسيها تيمم لها أيضاً، قال مالك: ولا يصلي مكتوبتين بتيمم واحد، بخلاف الوضوء.
ابن وهب: وقاله ابن عباس والنخعي وابن المسيب وغيرهم.
قال أبو محمد: والعلة في ذلك أنه بطلب الماء ينتقض تيممه، وقاله

الجزء: 1 - الصفحة: 348

مالك في الموطأ.
وقال غيره: قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {الآية.
فوجب على كل قائم إلى الصلاة الوضوء، أو التيمم فخصت السنة الوضوء، أنه يصلي به صلوات، وبقي التيمم على أصله.
وقد قال ابن المسيب: مضت السنة أن لا يجمع المتيمم بين صلاتي فرض.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأن التيمم لا يرفع الحدث، وإنما يبيح الصلاة، فلم يستبح به إلا أقل ما يمكن فيه؛ ولأن ذلك يؤدي إلى سقوط طلب الماء، وتقديم التيمم على الوقت.
فصل -24 - : [في التيمم للصلاة قبل وقتها] ومن المدونة: ولا تيمم لصلاة قبل وقتها عند مالك.
محمد: وذلك؛ لقوله تعالى: {إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ {إلى قوله

الجزء: 1 - الصفحة: 349

: {فَتَيَمَّمُوا {الآية.
فكان الواجب الوضوء أو التيمم لكل قائم إلى الصلاة، فلما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلوات بوضوء واحد، أبان فيه أنه توضأ للصلاة الثانية وما بعدها قبل الوقت، ولم ينقل أنه فعل ذلك في التيمم، فوجب أن يبقي على أصله.
ومن طريق المعنى: أن الوضوء جوز فعله لغير ضرورة/، وما هذا أصله جاز أن يؤتى به إلا عندها، كأكل الميتة، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن لا يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم، وأيضاً فإن من شرط التيمم أن يؤتى به إلا بعد طلب الماء، فإذا عدمه تيمم؛ لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا {فمادام وقت الصلاة قائماً فعليه طلب الماء حتى يخاف فواتها، فحينئذ يباح له التيمم.
قال أبو محمد: وعلى هذا مالك وأصحابه [فصل -25 - : في من صلى صلاتين أو أكثر بتيمم واحد] قال ابن القاسم في العتبية: ومن صلى الظهر والعصر بتيمم واحد، أو صلى به صلوات جهلاً أو نسياناً فليعد مادام في الوقت، مازاد على الواحدة

الجزء: 1 - الصفحة: 350

ولو أعادها أبداً كان أحب إلي.
وقال عنه ابن المواز: يعيد الثانية في الوقت سواء جمعهما أو فرقهما، وقال أيضا: يعيد الثانية أبداً.
قال ابن المواز وابن حبيب عن أصبغ: إن كان وقت الصلاتين مشتركاً، كالظهر والعصر أعاد الثانية في الوقت.
قال ابن حبيب: لاختلاف الناس في ذلك وإن كانت العصر والمغرب أعاد الثانية أبداً، ولم يختلف في هذا.
قال أصبغ: وهو معنى قول ابن القاسم.
وقال سحنون: يعيد الثانية، مالم يطل، كاليوم واليومين والثلاثة.
وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة في الذي يجمع بين صلاتين: فليتيمم لكل صلاة.
وذكره أبو الفرج عن مالك، وقال في ذاكر صلوات: إن له أن يصليهن بتيمم واحد.

الجزء: 1 - الصفحة: 351

وأنكر ابن القابسي هذا، وقال: ليس هذا من أصلهم؛ لأنه يصير تيمماً للآخرة قبل وقتها، وعندهم لا يكون بين التيمم للصلاة، والدخول فيها فرجة، ولا عمل.
قال أبو محمد: وذكر لي عن ابن شعبان في المريض لا يقدر على مس الماء: أن له أن يصلي صلوات بتيمم واحد؛ لأنه ممن لا يطلب الماء.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن فعل أعاد الثانية.
م وتحصيل هذا الاختلاف أن من تيمم لفريضة فتنفل قبلها أو تيمم لنافلة، فصلى به فريضة أو صلى فريضتين بتيمم واحد، فقيل: يعيد في الوقت.
وقيل: يعيد أبداً، وأن من ذكر صلوات أو المريض لا يستطيع مس الماء، فقيل: يتيمم للصلاتين تيمماً واحداً، وقيل: يتيمم لكل صلاة.
فوجه أنه يعيد في الوقت، فلمراعاة خلاف من يرى التيمم، كالوضوء.
ووجه أنه يعيد أبداً؛ فلأن التيمم خلاف الوضوء على ما بينا.
والله ولي التوفيق.

الجزء: 1 - الصفحة: 352

فصل -26 - : [في المسافرين وجدوا ماء لا يكفيهم] ومن العتبية قال سحنون: في مسافرين تيمموا، ثم وجدوا ماء فيه كفاية أحدهم، فبدر إليه أحدهم فتوضأ به، فلا ينتقض تيمم الآخرين؛ إذ لم يملكوه، وهو لمن أخذه، كالصيد، ولو أعطوه لأحدهم اختياراً منهم انتقض تيممهم أجمعين.
وقال في المجموعة: لا ينتقض، إلا تيمم المسلم إليه.
م فوجه الأول: فلأن الماء ملك لجمعيتهم، ملك كل واحد منهم حصة منه، فالواجب أن يقرع بينهم فيه، فلما اتفقوا على إسلامه إلى أحدهم باختيار منهم صار كأن كل واحد منهم أسلم جميعه؛ إذ قد كان يصير بالسهم له؛ فلذلك وجب انتقاض تيممهم؛ ولأن كل واحد لو بدر إليه/ ملكه، وتوضأ به فلما ترك ذلك وجب انتقاض تيممهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 353

ووجه الثانية: فلأنهم/ قد ملكوه أجمعين، وليس فيما يخص كل واحد ما يجزئه، فوجب إذا أسلم تلك الحصة أن لا ينتقض تيممه.
قال سحنون: ولو كان الماء لرجل، فقال: هو لأحدكم، ولم يسمه، فأسلموه لأحدكم لم ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه، وكذلك لو كانا رجلين فقال: هو لأحدكما.
وقال في العتبية: إذا قال: هو لأحدكما، فمن أسلمه إلى صاحبه انتقض تيممه، أعني التارك، وكذلك لو كانوا ثلاثة أو أربعة، فقال: هو لأحدكم فأسلموه لأحدهم، فإنه ينتقض تيممهم أجمعين.
وأما إذا أعطي ذلك لجماعة جيش أو عدد كثير، فأعطوه واحداً منهم، فلا ينتقض إلا تيمم من أسلم إليه.
م فوجه الأولى: فلأنه لما قال: هو لأحدكم، ولم يسمه وجب الاشتراك فيه؛ إذ لا مزية فيه لأحدهم على صاحبه، فلما وجب الاشتراك فيه، ولم يكن

الجزء: 1 - الصفحة: 354

في حصة كل واحد منهم ما يكفيه وجب أن لا ينتقض تيممه بإسلام حصته.
ووجه الثانية: أنه لما قال: هو لأحدكم، فقد قصد به أن يكون لواحد منهم؛ لأنه ينتفع به، ولم يقصد الجماعة، إذ لا نفع لهم فيه، فلما كان الأمر كذلك، ولم يبين من هو منهم وجب أن يقرع بينهم فيه، ولا ينتقض إلا تيمم من وقع له، فلما تركوا القرعة، وأسلموه لأحدهم، وجب انتقاض تيممهم؛ لأن كل واحد منهم أسلم حقه فيه، وقد كان يمكن أن يقع له جميعه، فيجزئه، فلذلك وجب انتقاض تيممهم، وأما العدد الكثير والجيش فلا يجب انتقاض تيممهم؛ لأن ذلك من الحرج.
وبالله التوفيق.
ومن العتبية قيل: فلو قال لثلاثة: هو لكم، قال: ليس هذا مثل الأول، هذا قد أوجب لكل واحد نصيبه، وليس فيه ما يكفيه، فإذا أعطى نصيبه لم ينتقض تيممه.
وللقزويني: إذا وهب لرجل ماءّ لزمه قبوله ويتوضأ به، ولا يتيمم،

الجزء: 1 - الصفحة: 355

ولا تدركه المنة في قبوله؛ إذ لا تدركه في ذلك منة؛ لأن الماء مبتذل لا ثمن له في غالب الحال.
قال غيره: ولو وهب له ثمن الماء، وهو لا يجد الثمن لم يلزمه قبوله، لأن هذا مما تدركه فيه المنة.
[فصل-27 - : في الجنب يعيد التيمم] ومن المدونة قال مالك: فإن تيمم لفريضة فصلاها، ثم أنه كان جنبًا أعاد التيمم، وأعاد الفريضة؛ لأن تيممه ذلك إنما كان للوضوء، لا للغسل.
قال مالك في الواضحة، والمختصر: يعيد أبدًا.
ومن رواية الأبهري، وأصل سماع ابن القاسم يعيد في الوقت؛ لأن التيمم لهما واحد.
م فوجه قوله يعيد أبدًا؛ لان تيمم الوضوء بدل منه فهو كالوضوء، وتيمم الغسل بدل منه، فهو كالغسل، فكما لا يجزئ الوضوء من الغسل، فكذلك لا يجزئ بدله من بدل الغسل.
ووجه قوله: يعيد في الوقت: فلأن تيمم الغسل وتيمم الوضوء فرضان، والفعل فيهما سواء، فهو فرض ناب عن فرض، كمن تطهرت للحيضة ناسية

الجزء: 1 - الصفحة: 356

للجنابة.
وقوله: "يعيد أبدًا" أصوب؛ لما قدمنا.
وبالله التوفيق.
[فصل-28 - : في حكم إمامة المتيمم للمتوضئين] ومن المدونة قال مالك: وأحب إلى أن يؤم المتوضئين متوضئ، فإن أمهم متيمم أجزآهم.
ابن وهب: وقاله علي بن أبي طالب، وابن عمر وربيعة وعطاء وغيرهم.
[فصل-29 - : في وطئ المسافر العادم للماء] قال مالك: ولا يطأ المسافر أهله، إلا ومعهما من الماء ما يتطهران به كانا على وضوء أم لا، وكذلك إذا كانا متوضئين فليس لهما أن يدخلا على/ أنفسهما ما ينقلهما إلى التيمم من قبلة أو غيرها إذا فقدا الماء.
وإذا تطهرت امرأة من حيضتها في سفر فتيممت فلا يطأها

الجزء: 1 - الصفحة: 357

زوجها حتى يكون معهما من الماء ما يغتسلان به جميعًا.
قال سحنون: ماء تغتسل هي به من الحيضة، ثم ماء تغتسلان به جميعًا من الجنابة يريد؛ لأنه بأول الملاقاة ينتقض تيممهما.
قال مالك: وإذا كان معه من الماء ما يكفيه وحده فلا يجامعها، وقد تقدم بعض ذلك.
وقال ابن شعبان: إذا تطهرت بالتيمم لعدم جاز له وطؤها.
وقال ابن بكير وغيره من البغداديين، والحجة في ذلك تأتي في منع وطئ الحائض إذا طهرت قبل الغسل.

الجزء: 1 - الصفحة: 358

[باب -23 -] جامع القول في الحيضة والاستحاضة

[فصل-1 - : في وطء الحائض قبل أن تغتسل] قال الله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ).
وقوله: (حَتَّى يَطْهُرْنَ) يريد يرين الطهر، فإذا تطهرن/ يقول: بالماء فآتوهن.
وقد قرئت (حَتَّى يَطْهُرْنَ) مخففة ومشددة.
فالتخفيف يقول: يرين الطهر، والتشديد يطهر بالماء.
قال غير واحد من البغداديين: فعلق تعالى جواز الوطء بالطهارة، التي هي انقطاع الدم، والتطير هو الغسل، فلا تجوز استباحة وطئه إلا بعد.
حصول الشرطين اللذين علقت الإباحة عليهما، ثم إن الله تعالى أثنى على من فعل ذلك، كما في الطهارة، فقال: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ

الجزء: 1 - الصفحة: 359

الْمُتَطَهِّرِينَ، والثناء لا يقع إلا على فعل يصدر من جهتهن، وانقطاع الدم لا يكون من جهة المرأة، فلا يقع الثناء عليه، وقال تعالى: (َيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا).
وقد اجمع أهل التفسير، ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وغيرهم أن معنى قوله: (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) هو فعل التطهير، وهذا يفيد فعلاً يكون منها، وهو الاغتسال، وهو يمنع من حمله على انقطاع الدم؛ لأن ذلك ليس من فعلها.
م وذهب ابن بكير وأهل العراق: إلى جواز وطئها إذا طهرت، وإن لم تغتسل.
قال ابن بكير ورواية أشهب عن مالك، أنه لا يجبر زوجته الكتابية على الغسل من الحيض، يدل على أن وطء الحائض إذا طهرت قبل أن تغتسل غير محرم؛ ولأنها إذا رأت النقاء، وزال الحيض، فلا سبب يمنع من وطئها، وإنما أستحب تركه إلى أن تغتسل.
وقد استدل من ذهب إلى هذا بأدلة، منها: قوله تعالى: (حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فعلق المنع بغاية، وهي انقطاع الدم، ومن حكم الغاية أن يكون ما عدها مخالفًا لما

الجزء: 1 - الصفحة: 360

قبلها، قالوا: ولأن الحكم إذا تعلق بعلة زال بزوالها، والمنع هاهنا تعلق بالحيض، فإذا زال وجب زوال حكمه، الذي هو المنع.
قالوا: ولأن الحيض قد زال، ولم يبق إلا الغسل فوجب أن لا يمنع من وطئها، كالجنابة؛ ولأن حكم أحد الغسلين حكم صاحبه، في منع قراءة القرآن ودخول المسجد، ومس المصحف، ولزوم الصوم فوجب أن يجريا مجرى واحدًا.
م وهذا القول أقيس، والأول أحوط، وهو أحب إلينا.
[فصل-2 - : في قضاء الحائض الصوم دون الصلاة] قال أبو محمد: ولا خلاف أنهن يقضين الصوم، ولا يقضين الصلاة،

الجزء: 1 - الصفحة: 361

وبه جاء الأثر.
وفي البخاري/ قال الرسول صلى الله عليه وسلم:ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للُب/ الرجل الحازم من إحداكن، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا؟ قال: أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى.
قال: فذلك نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل، ولم تصم قلن: بلى.
قال: فذلك نقصان دينها.
[فصل-3 - : في أكثر الحيض، وأقله، وأقل الطهر] قال أبو محمد: وأكثر الحيض عند العلماء خمسة عشر يومًا، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره.
واختلف في أقله، وفي أقل الطهر، فقال مالك في المدونة: لا حد لأقل الطهر، إلا ما يعلم النساء أن ذلك طهر.
وقال مالك في غير المدونة: أقل الطهر خمسة أيام، وقال سحنون:

الجزء: 1 - الصفحة: 362

ثمانية أيام، وقال ابن حبيب: عشرة أيام.
وقال بكر القاضي: اتفقت العلماء إلا من شذ منهم أن أقل الطهر خمسة عشر يومًا.
قال غيره: دل على ذلك، قوله صلى الله عليه وسلم في النساء: ميقات حيضهن وطهرهن شهر، وظاهر هذا أنه نصفان.
وقال عليه السلام في النساء:ناقصات عقل ودين، ثم بين نقصان دينها بأن تصلي نصف دهرها، ولم يوقت أيضًا، مالك في أقل الحيض قدرًا، إلا قدر ما يعلم النساء، أن ذلك حيضة مستقيمة.

الجزء: 1 - الصفحة: 363

وقال محمد بن مسلمة: أقل الحيض ثلاثة أيام، وقال ابن الماجشون والمغيرة: أقله خمسة أيام، وأقل الطهر خمسة أيام، وإذا كثر الحيض قل الطهر، وإذا قل الحيض كثر الطهر.
وقال ابن دينار: ولولا ذلك لحلت المطلقة في أقل من شهر.
قال ربيعة ومالك: لا تحل في أقل من خمسة وأربعين يومًا، وقال سحنون: لا تحل في عدة في أقل من أربعين يومًا.
قال ابن المواز: ولا تكون الحيضة يومًا واحدًا في عدة، ولا استبراء، وأما في ترك الصلاة فدفعة من دم توجب ترك الصلاة.
قال بعض البغداديين: لا حد لأقله عندنا.
وقال أبو حفيظة: أقله ثلاثة أيام.

الجزء: 1 - الصفحة: 364

وقال الشافعي: يوم وليلة.
فالدليل لقولنا: قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) فوجب بهذا اعتزالهن في كل حيض، فكذلك يجب عليهن ترك الصلاة في كل حيضة، إلا أن يجاوز خمسة عشر يومًا فيكون استحاضة.
فإن قيل: فما روي عنه عليه السلام أنه قال: دعي الصلاة يوم حيضتك، فدل أن مقدار الحيضة يوم.
قيل: إنما أراد بذلك وقت حيضتك، كقولك كلام زيد يوم قدوم فلان، فإنما معناه وقت قدومه.
وإنما فرق بين العدد وغيرها

الجزء: 1 - الصفحة: 365

استظهارا في العدد، واحتياطًا على النسب، حتى تخرج من الاختلاف، وقاله أبو بكر الأبهري.
[فصل-4 - : في أحكام دم المبتدأة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأته المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض في قول مالك، تترك له الصلاة، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يومًا، ورواه عن مالك.
ثم هي مستحاضة تغتسل/ وتصلي، وتصوم، وتوطأ؛ إلا أن ترى دمًا لا تشك فيه أنه دم حيض، فتدع له الصلاة، وتعتد به من الطلاق، والنساء يعرفن ذلك بريحه، ولونه.
وروي علي بن زياد عن مالك، في غير المدونة: أنها تقعد بقدر لداتها، يعني أترابها في السن، قال ابن المواز/ لا تستظهر على أيام لداتها، وقال ابن عبد الحكم وابن كنانة وأصبغ: تستظهر على أيام لداتها، قال ابن القصار: ما لم تزد على خمسة عشر يومًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 366

قال: وإنما استحسن مالك هذا القول، احتياطًا للصلاة، قال أبو محمد عبد الوهاب: ولأن الحيض يزيد وينقص فكان الأولى ردها إلى عادة أترابها، قال ابن القصار: والقياس رواية ابن القاسم: والدليل على ذلك قوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ)، وهذا يدل على أن كل دم وجد من الفرج، فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة.
وقد قال: قال عليه السلام: دم الحيض اسود ثخين له رائحة فما دامت هذه صفته فالحكم له، ما لم تجاوز خمسة عشر يومًا.
وقوله عليه السلام: تترك المرأة الصلاة نصف دهرها، فهو على عمومه، في المبتدأة وغيرها حتى تحيض بدليل.

الجزء: 1 - الصفحة: 367

[فصل-5 - : في المعتادة لا تستقر عادتها على أيام معينة] ومن المدونة قال ابن القاسم: والتي أيامها غير ثابتة، تحيض في شهر خمسة أيام، وفي آخر أقل أو أكثر، إذا تمادى بها الدم تستظهر على أكثر أيامها التي كانت تحيض، وكذلك التي أيامها ثابتة يتمادى بها الدم تستظهر أيضًا.
قال: والتي أيامها اثنا عشر يومًا فدون ذلك، تستظهر بثلاثة أيام، وثلاثة عشر بيومين، وأربعة عشر بيوم، وخمسة عشر لا تستظهر بشيء، ثم تصير مستحاضة.
وروي ابن نافع عن مالك في غير المدونة: أنها تستظهر على خمسة عشر يومًا، وأنكر سحنون أن يكون هذا من قول مالك، وقال ابن حبيب: تستظهر على أقل أيامها، قال أبو محمد: وهذا قول غير صحيح؛ لأن أحد عادتها في المحيض قد يجاوز أقلها مع الاستظهار.

الجزء: 1 - الصفحة: 368

ومن المدونة قال ابن القاسم: وكان مالك يقولك أكثر دهره أنها إذا تمادى بها الدم جلست خمسة عشر يومًا من أيام الدم، وما لم تر فيه دمًا من الأيام ألغته، فإذا استكملت خمسة عشر يومًا من أيام الدم اغتسلت وصنعت ما تصنع المستحاضة، ثم رجع، فقال: أرى أن تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، وترك قوله الأول.
قال عنه ابن وهب: ورأيت أن احتاط لها فتستظهر، وتصلي، وليست عليها، أحب إلى من أن تترك الصلاة، وهي عليها، قال الأبهري: هذه علة مالك في الاحتياط للصلاة.
وأما القياس: فهو أن تترك الصلاة إلى خمسة عشر يومًا؛ لثبوت حكم الحيض، فلا تنتقل عنه إلا بيقين، وليس الاحتياط في صلاة الحائض مع جواز أن تكون غير حائض أولى بترك صلاتها مع جواز أن تكون حائضًا؛ لأن صلاة الحائض ممنوعة بالشرع، كما أن ترك صلاة الطاهر ممنوعة بالشرع، وإذا تساوى هذان الأمران جميعًا رجعنا إلى أصل الحيض، وحصوله فعلمناه، فهذا هو أصل قول مالك المعول عليه، والقول الآخر استظهارًا على ما فسرتاه.
وقد روي أهل المدينة في الاستظهار حديثًا رواه إسماعيل القاضي أن أسماء

الجزء: 1 - الصفحة: 369

بنت يزيد الحارثية كانت تستحاض، فسألت عن ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها عليه السلام: اقعدي أيمك التي كنت/ تقعدين، واستظهري بثلاثة.
ثم اغتسلي وصلي.
فهذه وجه الاستظهار من الأثر، ومن طريق المنى: أنه ميز بين دم الحيض والاستحاضة بثلاث أيام؛ لأنه شيء خارج من البدن، أشكل أمره، كما ميز بين لبن المصراة وغيره بثلاثة أيام.
قال ابن الجهم: قول مالك تستظهر على أيامها بثلاثة أيام، وتصلي، وتصوم، فذلك عندي على أن تقضي الصوم فيما بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وتغتسل بعد الخمسة عشر غسلا ثانيًا، وهو الواجب، والأول احتياطًا، وأحب لزوجها ألا يمسها بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وكذلك الحكم في رواية ابن وهب، وأما على رواية ابن القاسم: فالغسل الأول هو الواجب؛ لحديث الاستظهار، والثاني هو الاستحباب، فلا تقضي عنده صومًا، ولا صلاة، ولزوجها وطؤها فيما بعد الثلاث إلى الخمسة عشر، وذكره بعد شيوخنا عن أبي موسى بن مناس، واستدل على ذلك بمسألة الحج، إذا حاضت قبل طواف

الجزء: 1 - الصفحة: 370

الإفاضة أن الكري يحبس عليها قدر أيامها والاستظهار، يريد ثم تطوف، وقاله سحنون، فإذا جوز لها الطواف، وترجع إلى بلدها، فهي كالمستحاضة يجوز وطؤها، وكذلك قال ابن/ حبيب: أنها تؤطأ بعد الاستظهار، وقبل الخمسة عشر يومًا.
[فصل-6 - : في حكم الصفرة والكدرة تراها الحائض] ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت المرأة صفرة أو كدرة في أيام حيضتها، أو في غيرها فهي حيض، وإن لم تر معه دمًا، وإن رأت دفعة من دم في ليل أو نهار، فذلك حيض، وإن انقطع عنها الدم، ولم تر غير تلك الدفعة اغتسلت وصلت.
[فصل-7 - : في علامات الطهر من الحيض] ومن المدونة: وتغتسل الحائظ إذا علمت أنها طهرت، إن كانت

الجزء: 1 - الصفحة: 371

مما ترى القصة البيضاء اغتسلت حين تراها، وإن كانت ممن لا تراها فحين ترى الجفوف تغتسل، وتصلي.
قال ابن القاسم: والجفوف أن تدخل الخرقة فتخرجها جافة.
وذكر ابن القاسم عن مالك في المجموعة: إن رأت الجفوف، وهي ممن ترى القصة البيضاء، فلا تصلي حتى تراها، إلا أن يطول ذلك بها.
قال أبو محمد: والطول خوف فوات تلك الصلاة، وهذا وفاق المدونة، وقد اختلف في قوله: خوف فوات تلك الصلاة، فقيل: خوف فوات وقت تلك الصلاة، وقيل: بل خوف فوات وقت الصلاة المفروضة.
وقال بعض شيوخنا: في التي ترى القصة البيضاء لا تنتظر زوالها، ولكن تغتسل إذا رأتها؛ لأنها علامة الطهر، وقد روي عن مالك في الموطأ "إن النساء كن يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة فيها

الجزء: 1 - الصفحة: 372

الكرسف فيها الصفرة، فيسأنها عن الصلاة، فتقول: " لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء" تريد بذلك الطهر من الحيضة.
قال علي عن مالك: والقصة ماء أبيض، كالمني وسمى قصة؛ لأنه شبيه بالتراب الأبيض، الذي يجصص به البيوت، وقال ابن حبيب: القصة ماء أبيض هو علم الطهر، ومنهن من ترى الجفوف وتلك لا تطهرها القصة، وأما التي علامتها القصة فترى الجفوف، فذلك طهر لها؛ لأن الحيض أوله دم، ثم

الجزء: 1 - الصفحة: 373

صفرة، ثم ترية، ثم كدرة، ثم تصيرها كالقصة البيضاء، ثم ينقطع، فتصير جافة.
قال مطرف وابن/ القاسم: والتي كما بلغت لا تطهر حتى ترى الجفوف، ثم تجري بعد ذلك على ما ينكشف لها من علامة طهرها.
م وذكر لي عن بعض شيوخ أفريقية أنه قال: القصة أبلغ في الطهر من الجفوف؛ لأنها قد ترى الجفوف، ثم ترى الدم بعد ذلك، وكثير من النساء على هذا، والقصة لا تكون إلا عند انقضاء الحيض وآخره، فهي آخر بقية الدم فوجب أن تكون أبلغ في علم الطهر، والله أعلم.
[فصل-8 - : في حكم الدم اليسير تراه المرأة بعد الطهر] قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا اغتسلت من حيض أو نفاس، ثم رأت قطرة من دم، أو غسالة دم لم تعد الغسل، ولتتوضأ، وهذا يسمى الترية

الجزء: 1 - الصفحة: 374

قال مالك في العتبية: في اليائسة تدفع دفعة أو دفعتين، فلتسأل النساء عنها، فإن كان مثلها تحيض اغتسلت، وصلت، وكذلك التي تنقطع حيضتها سنينًا ثم ترى صفرة.
قال عنه ابن الماز: فإذا تمادى بها كانت مستحاضة، وإن كان مثلها لا تحيض توضأت وصلت، ولم تغتسل له إذا انقطع عنها، ونحوه في المجموعة عن مالك، وقال ابن القاسم.
وقال ابن حبيب: إن قلن: إن مثلها لا تحيض توضأت، وصلت، ولم تغتسل له إذا انقطع ولا تدع الصلاة، ولكن تغتسل إذا انقطع، فإذا أشكل الأمر فيه تركت الصلاة كالحيضة.
قال: وبلغني عن عائشة أنها قالت: "إذا بلغت المرأة خمسين سنة انقطع عنها الحيض، وقعدت عن الولد.
[فصل-9 - : في حكم من ترى الطهر أيامًا، ثم يعاودها الدم] ومن المدونة قيل لمالك: فإذا رأت بعد طهرها بثلاثة أيام ونحوها دمًا،

الجزء: 1 - الصفحة: 375

قال: فإن كان الدم الثاني قريبًا من الأول أضيف إليه، وكان كله حيضة واحدة، وإن تباعد ما بينهما، فالثاني حيض مؤتنف، ولم يوقت كم ذلك، إلا قدر ما يعلم أنها حيضة مستقبلة، ويعلم أن بينهما من الأيام ما يكون طهرًا.
قال في كتاب الاستبراء: والثلاثة أيام والأربعة والخمسة إذا طهرت فيهن، ثم رأت الدم بعد ذلك فهو من الحيضة الأولى.
قال: ويسأل النساء عن عدد أيام الطهر، فإن قلن: إن هذه الأيام تكون طهرًا فيما بين الدمين، وجاء هذه الأمة بعد هذه الأيام من الدم ما يقول النساء: أنه دم حيضة، ولا يشككن فيه أجزأ ذلك من الاستبراء، وإلا فلا.
قال كتاب الوضوء: وإذا رأت الدم يومًا والطهر/ يومًا أو يومين، واختلط هكذا لفقت من أيام الدم عدة أيامها التي كانت تحيض، وألغت أيام الطهر، ثم تستظهر بثلاثة أيام.
فإن اختلط عليها الدم في أيام الاستظهار أيضًا لفقت

الجزء: 1 - الصفحة: 376

ثلاثة أيام من أيام الدم هكذا، ثم تغتسل، وتصلي، وتصير مستحاضة بعد ذلك، والأيام التي استظهرت بها، عي فيها حائض وهي مضافة إلى الحيض رأت بعدها دمًا أم لا، إلا أنها في أيام الطهر التي كانت تلغيها تستظهر عند انقطاع الدم في خلال ذلك، وتصلي، وتصوم، ويأتيها زوجها، وهي فيها طاهر، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق؛ لأن ما قبلها وما بعدها من الدم قد ضم بعضه إلى بعض، فجعل حيضة واحدة.
م قال بعض فقهائنا: فإن طلقت في خلال الدم وهي طاهر لم يجبر الزوج على رجعتها، وإن كان ذلك الدم كله محكومًا/ له بحكم الحيضة الواحدة؛ لأن الزوج لم يتعد في طلاقه، إنما طلق بعد ارتفاع الدم، ولا علم له برجوعه.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن وحذاق أصحابه: أنه يجبر على الرجعة؛ لأن المطلق في الحيض إنما جبر على ارجعة؛ لما فيه من تطويل العدة على المرأة، وتطويل العدة موجود في هذه فوجب أن يجبر على الرجعة.
قال مالك: ثم تغتسل بعد الاستظهار وتصلي، وتتوضأ لكل صلاة، وإن رأت الدم في تلك الأيام، وتغتسل في كل يوم إذا اقطع عنها الدم، وإنما أمرت أن تغتسل؛ لأنها لا تدري لعل الدم لا يعود إليها، ولا تدع الصلاة بعد ذلك وإن

الجزء: 1 - الصفحة: 377

تمادى بها الدم أشهرًا؛ إلا أن ترى دمًا لا تشك أنه دم حيض فتدع له الصلاة، وتعتد به من الطلاق، وإن لم تستقين ذلك لم تدع له الصلاة، ولم يكن ذلك عدة لها، وكانت عدتها عدة المستحاضة سنة، ويأتيها زوجها في ذلك، وتصلي، وتصوم.
م وروي مالك في الموطأ عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة- زوج النبي صلى الله عليه وسلم- أنها قالت: "قالت فاطمة بنت أبي حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أني لا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة، فاتركي الصلاة، فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم، وصلي رواه البخاري أيضًا.
قال ابن القاسم في المجموعة: في التي يختلط عليها الدم، فإن اليوم الذي ترى فيه الدم وإن ساعة تحسبه يوم دم، يريد، وإن اغتسلت في باقيه، وصلت.
قال ابن الماجشون: ونحوه عن محمد بن مسلمة إذا كان دمها موازيًا لطهرها مثل أن ترى الدم يومًا، والطهر يومًا، أو الطهر يومين والدم مثل ذلك فإنها تغتسل، وتصلي يوم الطهر، وتترك الصلاة يوم الحيض، على هذا تعمل أبداً

الجزء: 1 - الصفحة: 378

قال ابن مسلمة: وإنما تكون مستحاضة إذا لفقت من أيام في الشهر أكثر من خمسة عشر يومًا.
قال ابن القصار: ووجه ذلك في قول النبي صلى الله عليه وسلم: تصلي المرأة نصف عمرها.
قال: وإذا استوى الطهر والحيض في المرأة فقد دخلت الحديث، فوجب أن لا تخرج عن الحد المجعول لها في الشريعة، كما لو اتصل الدم بها خمسة عشر يومًا، والطهر بعده خمسة عشر يومًا، قال: وهو عندي أولى؛ لأن فيه احتياطًا لحفظ هذا الأصل.
فإن قيل: فإن الأحوط للصلاة رواية ابن القاسم؟ قيل: ليس الاحتياط بأن تصلي ما ليس عليها بأولى من ترك صلاة لا تجب عليها؛ لأنها تحصل عاصية بصلاة، وهي طائعة بترك ما لا يجب عليها، وقد عملت على موجب الشريعة في الظاهر، والله أعلم.
[فصل-10 - : في المستحاضة المعتادة] ومن المدونة قال ابن القاسم: والنساء يزعمن، أن دم الحيض لا يشبه دم الاستحاضة لرائحته ولونه.
وقيل في المستحاضة: عدتها سنة، وإن رأت دمًا تنكره، وروي عن مالك

الجزء: 1 - الصفحة: 379

ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في المستحاضة ترى دمًا لا تشك/ فيه أنه دم حيضة قال: تدع الصلاة فإن تمادى بها ذلك الدم استظهرت فيه بثلاثة أيام على أيامها، وإن عاودها دم الاستحاضة بعد أيام حيضتها صلت بغير استظهار، يريد بعد أن تغتسل.
وقاله ابن القاسم في المجموعة، ورواه عن مالك.
قال ابن حبيب:/ هذا قول ابن القاسم، قال: وقاله أصبغ، وقال ابن الماجشون: سواء عاودها دم الاستحاضة الخفيف، أو دام بها دم الغبيط دم الحيض أنها تستظهر بثلاثة أيام، ولم ير في التي تمادى بها الدم بعد أيام حيضتها، ولم تستخص قبل ذلك استظهارًا، تجلس خمسة عشر يومًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 380

وقال مطرف: ييجلسن كلهن خمسة عشر يومًا.
ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت الدم خمسة عشر يومًا، ثم الطهر خمسة أيام ثم الدم أيامًا، ثم الطهر سبعة أيام، فهي مستحاضة.
قال: وإذا انقطع دم الاستحاضة، وقد كنت اغتسلت قال مالك: فلا تعيد الغسل، ثم قال: تتطهر ثانية أحب إلى، وهذا الذي استحب ابن القاسم.
[فصل-11 - : في حكم المرأة تحيض قبل أداء صلاة وجبت عليها] قال مالك: وإذا حاضت المرأة بعد الفجر وكانت حين طلع الفجر طاهرة، أو نسيت الظهر حتى دخول العصر، أو نسيت المغرب حتى دخول العشاء، ثم حاضت، فلم تطهر حتى خرج الوقت لم تقض الصبح، ولا الظهر، ولا العصر، ولا العشائين.
قال: وإن صلت ركعتين من الظهر أو العصر، ثم حاضت، فلا تقضي الصلاة التي حاضت فيها والتي أيامها خمسة ترى الطهر في أربعة، فلتغتسل ولزوجها وطؤها بعد الغسل مكانه.

الجزء: 1 - الصفحة: 381

[فصل-12 - : فيما يحل للرجل من امرأته الحائض] قال مالك: في الحائض تشد إزارها، وشأنه بأعلاها، هكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الموطأ والبخاري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: تشد إزراها على أسفلها، ثم يباشرها إن شاء، وكذلك في الموطأ والبخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعائشة أم المؤمنين.
قال ابن القاسم: وقوله: شأنه بأعلاها، أي: يجامعها في أعكانها وبطنها، وما شاء مما هو أعلاها.

الجزء: 1 - الصفحة: 382

قال مالك: ولا يطأ بين الفخدين سدًا للذريعة أن يقع في الفرج، وقد قال عليه الصلاة والسلام: من يرتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
قال ابن حبيب: إنما ذلك سدًا للذريعة، وليس يضيق إذا اجتنب الفرج، وقال أصبغ.
قال: وما روي في وطئها من صدقة دينار أو نصف دينار، وإن ابن عباس قال: "دينار في أول الدم، وأما في الصفرة، فليتصدق بنصف

الجزء: 1 - الصفحة: 383

دينار" فليس فيه حد، ولكن يرجى بالصدقة تكفير الذنب.
قال مالك في المجموعة: ليس في ذلك كفارة إلا التوبة، والتقرب إلى الله سبحانه وكذلك وطؤها بعد الطهر، وقبل الغسل، والنفساء كالحائض.

الجزء: 1 - الصفحة: 384

[باب-24 -] جامع القول في دم النفاس والحامل

[فصل-1 - : في مدة النفاس] روي أن سالم بن عبد الله قال: أقصى ما تترك النفساء الصلاة إذا لم يرتفع عنها الدم شهرين.
قال ابن القاسم: وقاله مالك، ثم رجع عنه، قال: أكره أن أحد فيه حداً، ولكن/ يسأل النساء عن ذلك وأهل المعرفة فتجلس أبعد ذلك، فإن تمادى بها الدم على ذلك كانت مستحاضة.
فوجه قوله: تجلس شهرين: فلما روي في ذلك، وقال الأوزاعي: ذلك عادات النساء عندنا.
قال ابن القصار: وهو أقصى دم النفاس عند علمائنا.
ووجه قوله: يسأل النساء، فتجلس أبعد ذلك؛ فلأن ذلك مأخوذ من جهتهن، وهن مأمونات على فروجهن، فوجب الرجوع إليهن في كل عصر.
قال مالك: وإذا انقطع دم النفاس، وإن كان قرب دم الولادة فلتغتسل،

الجزء: 1 - الصفحة: 385

وتصلي، فإن رأت بعد ذلك بيومين أو ثلاثة ونحو ذلك دمًا فهو مضاف إلى دم النفاس إلا أن يتباعد ما بين الدمين فيكون الثانى حيضًا.
قال مالك: وإن رأت الدم يومين، والطهر يومين، فتمادى بها الدم، فتلغي أيام الطهر، وتغتسل إذا انقطع عنها الدم، وتصلي، وتصوم، وتوطأ وتدع الصلاة فى أيام الدم حتى تستكمل أقصى ما تجلس له النساء في النفاس من غير سقيم، ثم هي مستحاضة.
وهذا يدل على أن قول عبد الملك الذي قال: والتي دمها مواز لطهرها أنه خلاف المدونة.
فصل -2 - : [في حكم المرأة تلد ولدًا ويبقى في بطنها آخر]: قال ابن القاسم: وإذا ولدت ولدًا، وبقي في بطنها آخر فلم تضعه إلا بعد شهرين، والدم متماد بها فحالها كحال النفساء، ولزوجها عليها الرجعة ما لم تضع آخر ولد في بطنها، وقيل: حالها كحال الحامل حتى

الجزء: 1 - الصفحة: 386

تضع الآخر، وقوله: حالها كحال النفساء، يريد في الجلوس عن الصلاة إذا تمادى بها الدم فتجلس على قوله الأول شهرين، وعلى الثاني تجلس أقصى ما تجلس النفساء إليه، وقوله: حالها كحال الحامل، فإنها تجلس عشرين يومًا على قول ابن القاسم؛ لأنها قد جاوزت ستة أشهر.
[فصل -3 - : في المرأة تلد ولا ترى دمًا]: ومن العتبية قال أشهب عن مالك في التي تلد ولا ترى دمًا: فلتغتسل، لا يأتي من الغسل إلا خير.
قال ابن حبيب: وإذا رأت النفساء الجفوف فلتغتسل، وإن قرب ذلك من ولادتها، فإن تمادى بها الدم بأن زاد على الستين ليلة فلتغتسل، ولا تستظهر.

الجزء: 1 - الصفحة: 387

وقال ابن الماجشون: ما بين الستين إلى السبعين، ابن حبيب: والوقوف على الستين أحبّ إلىّ.
فصل -4 - : [في حكم استظهار الحامل]: ومن المدونة قال ابن القاسم: وما علمت أن مالكًا قال في الحامل: إنها تستظهر بثلاث، لا قديمًا ولا حديثًا، ولو كانت تستظهر لقاله.
قال سحنون: إنما أسقط ابن القاسم الاستظهار عن الحامل؛ لأنها لا ترجع إلى أيام حيضتها، وإنما يقال لها: استظهري بثلاثة أيام على أيام حيضتك ما بينك وبين أقصى ما تجلس الحائض إليه، وذلك خمسة عشر يومًا، ولا يكون استظهارًا بعد ذلك، فكذلك الحامل؛ لما قيل لها: اجلسي أقصى ما تجلس الحوامل عن الدم أسقط موضع الاستظهار؛ لأنه لا استظهار في حامل، ولا حائل بعد أقصى ما تجلس النفساء في الدم.
قال أشهب في المدونة: إلا أن تكون استرابت من حيضتها شيئًا من أول الدم من أول ما حملت هي على حيضتها، فإنها تستظهر.
يريد أشهب إذا حملت فبقيت على عادتها في الحيض لم يغير عليها منه الحمل شيئًا، فهذه تستظهر على عادتها، وهذا لا يخالفه ابن القاسم

الجزء: 1 - الصفحة: 388

فيه، والله اعلم.
والاسترابة في هذا في من كانت تحيض أبدًا أيامًا معلومة، لا تزيد ولا تنقص، إما بانقطاع الدم عنها جملة، وإما بنقصانه عن أيامها المعلومة، وأما إن كانت تختلف عليها أيام الدم بالزيادة أو النقصان، فالاسترابة في هذا انقطاعه، والله أعلم.
وذهب أبو حنيفة في الحامل ترى الدم: أن ذلك ليس بحيض، ولا تدع له الصلاة، وكذلك ذكر ابن حبيب: أن بعض السلف كان لا يراه حيضًا.
ودليلنا ما رواه مالك في الموطأ عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أنها قالت في الحامل ترى الدم: أنها تدع الصلاة.
قال أبو محمد عبد الوهاب: ولقوله عليه السلام: "دم الحيض أسود عبيط يعرف، فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة "، فعم، ولأنها رأت

الجزء: 1 - الصفحة: 389

الدم في أيامها المعتادة, فصح أن يكون حيضًا، كالحائل، ولأنها حامل رأت دمًا فوجب أن يمنع الصوم والصلاة، كدم النفاس، إذا وضعت ولدًا، وبقي في بطنها آخر، وهو يوافقنا في ذلك، ويراه دم نفاس.
ومن المدونة قال مالك: وإذا رأت الحامل الدم أول حملها أمسكت عن الصلاة قدر ما يجتهد لها، وليس في ذلك حد، وليس الحمل كآخره.
قال أبو محمد: أول الحمل هاهنا ثلاثة أشهر ونحوها.
قال ابن القاسم: إن رأته ثلاثة أشهر ونحو ذلك تركت الصلاة خمسة عشر يومًا ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر من حملها تركت الصلاة ما بين العشرين ونحوها.
وقال ابن وهب عن عائشة ومالك والليث: لا تصلي حتى يذهب الدم.
قال مالك: فإن طال عليها فهي كالمستحاضة، قال مالك: وذلك

الجزء: 1 - الصفحة: 390

أحسن ما سمعت.
وقال أشهب عن مالك في الحمل ترى الدم: أنها مثل غيرها ممن لا حمل بها تمسك أيام حيضتها يريد والاستظهار، وكذلك عنه في كتاب ابن المواز وابن حبيب: أنها تستظهر بثلاث على أيامها في أول الحمل، وفي آخره.
وسواء استرابت عنده في هذا القول، أو لم تسترب، ثم قال بعد ذلك المدونة: ليس أول الحمل كآخره، مثل رواية ابن القاسم.
قال أشهب: والرواية الأولى أحسن، فإن ما حبس الحمل من حيضتها مثل ما جس الرضاع والمرض وغيره، ثم تحيض، فإنها تقعد حيضة واحدة، قال في كتاب ابن المواز: والاستظهار.
قال بعض أصحابنا: والذى احتج به أشهب فلا يلزم ابن القاسم؛ لأن المرض والرضاع يقل معه الدم، والحمل يحبس الدم فيكثر عند خروجه فهو مفترق.
والذى احتج به أشهب فى كتاب ابن المواز، قال: "أرأيت من قعدت عن الحيض سنة، وهي ممن تحيض، ثم أتاها الحيض بعد ذلك، أليس هذا أيضًا دمًا احتبس واجتمع، أفتريد هذه أيضًا أن تقعد مقدار ذلك الحيض كله؟

الجزء: 1 - الصفحة: 391

فليس هذا شيء، ولقد سمعت مالكًا يقول: واستفتته امرأة، وهي في خمسة أشهر أو ستة، فقالت له: كانت أيام حيضتي ستة أيام، واليوم لي سبعة أيام، فقال لها: أقيمي يومين آخرين استظهارًا، ثم اغتسلي، وصلي، وترك قوله: ليس أول الحمل كآخره.
قال أشهب: وهذا قول عبد العزيز بن أبى سلمة، وأخذ به أصبغ.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد وابن شهاب: وإذا رأت الحامل الصفرة أو الكدرة لم تصل حتى ينقطع عنها.
وقال سليمان بن سالم عن ابن القاسم: أنها تجلس فى أول الحمل خمسة عشرة يومًا، وفي آخره خمسة وعشرين يومًا ولا أحب أبلغ بها الثلاثين، وقال عنه أبو زيد: تجلس فى آخره ثلاثين.
قال أبو العباس الأبياني في التي رأت دمًا في شهر أو شهرين من حملها أنها بمنزلة الثلاثة أشهر تجلس خمسة عشر يومًا؛ لأنه أقصى أيام الحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 392

والذي ينبغي على قول مالك الذي رجع إليه أن تجلس في الشهر أو في الشهرين قدر أيامها والاستظهار؛ ولأن الحمل لا يظهر في شهر ولا شهرين، فهي على أنها حائل حتى يظهر الحمل، وذلك لا يظهر إلا في ثلاثة أشهر.
قال الإبياني: وإن رأته في أربعة أشهر أو خمسة أو ستة جلست ما بينها وبين العشرين، وهكذا روى عيسى عن ابن القاسم.
وحكي عن ابن شلبون أن حكم الستة أشهر حكم الثلاثة على ظاهر الكتاب، وخالفه جماعة شيوخ أفريقية، ورأوا أن حكم الستة أشهر حكم ما بعدها، وذكر أن ابن شلبون رجع إلى هذا.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: تجلس خمسة عشر يومًا، كان في أول الحمل أو آخره؛ للاختلاف فيه، فإن بعض السلف لا يراه حيضًا.
وقال ابن وهب: تضف أيام حيضتها وتغتسل؛ لأنها أكثر دمًا من الحائل.
وقال مطرف عن مالك: تجلس في أول شهور الحمل أيامها، والاستظهار، وفي الثاني تثني أيامها، ولا تستظهر، وفي الثالث تثلثها، وفي الرابع تربعها،

الجزء: 1 - الصفحة: 393

وهكذا حتى تبلغ ستين يومًا، ثم لا تزيد.
وقال مطرف: واستحسنا ذلك من قوله، واستحسنه أكثر أصحابه ابن أبي حازم وغيره، وأنكر ابن الماجشون في المجموعة قول مطرف هذا، وقال: ليس بقول مالك، وهو خطأ، ولا تكون نفساء إلا عند الولادة، والاستحاضة أملك بها، وقال: بل قول مالك: أنها تقف على أيام حيضتها، ولا تحتاط كما تحتاط غيرها، وبه أقول.
وقال مالك في العتبية في الحامل ترى ماء أبيض أول الحمل: فليس عليها إلا الوضوء.
ثم كتاب الطهارة (من شرح ابن يونس بحمد الله وعونه).

الجزء: 1 - الصفحة: 394

كتاب الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 395

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمة
باب، -1 - في فرض الوضوء، وسننه، وفضائله[باب-2] في غسل اليدين والمضمضة والاستنشاق والاستثار وغسل الوجه والذراعين ومسح الرأس/ وغسل الرجلينباب -3: في الوضوء بما بل فيه شيء من الطعام أو بماء مضاف[باب-4] في الوضوء بما قد شربت فيه الكلاب والسباع والدواب والدجاج والنصراني والجنب والحائض[باب-5] في استقبال القبلة لبول أو غائط(باب-6 (ما جاء في الاستنجاء[باب- 7] جامع ما يلزم منه الوضوءباب - 8 - : في من شك في وضوئه أو نكسه أو فرقه ناسيًا أو عامدًا[باب-9] في مسح المرأة رأسها والطويل الشعر من الرجال ومسح الأذنين وتخليل اللحية ومسح الوضوء بالمنديل ومن ذبح أو قلم أظفاره أو حلق رأسه بعد الوضوء[باب-10] في الوضوء من القيء والقلس والحجامة والعرق يقطع والقرحة تسيل[باب - 11] في من وطيء على نجاسة، وحكم النجاسة في البدن والثوب وغيره وبول الصبي والبول قائمًا[باب-12 -] في المسح على الجبائر ووضوء الأقطع[باب-13 -] في الماء وغيره تحل فيه النجاسة وفيما ينتفع به من ذلك[باب-14] في عرق الجنب والحائض والدواب واغتسال الجنب في الماء الدائم وتدلكهباب-15 - : في صفة الغسل وما يوجبه أو يجب فيه[باب -16 -] في وضوء الجنب قبل أن ينام ومروره في المسجد[باب 17 -] في وطئ المسافر والجريح أهله. ووطئ المسلم زوجته الكتابية/ قبل الغسل. وغسل من اسلم[باب -18 -] في الإمام يصلي وهو جنب أو بغير قراءة[باب-19 -] في الصلاة بثياب أهل الذمة أو بما نسجوه أو بثوب نجس أو حرير أو على موضع نجس أو في جسده نجاسة أو لغير القبلة أو من به حقن أو بوضوء واحد صلوات[باب - 20 -] جامع القول في الرعاف[باب - 21 -] جامع القول في المسح على الخفين[باب-22 -] جامع القول في التيمم[باب -23 -] جامع القول في الحيضة والاستحاضة[باب-24 -] جامع القول في دم النفاس والحامل
كتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل