الجامع لمسائل المدونةكتاب الشهادة الأولى
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول]

فيمن تجوز شهادته من الأقارب والأجانب ولزوم الشهادة

[الفصل 1 - في حكم الشهادة، ومتى يلزم أداؤها] قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة:282] وقال: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة:282]. قال بعض أصحابنا: والشهادة فرض على الكفاية يحملها من قام بها - كالجهاد- إلا في مواضع ليس فيها من يحمل ذلك فيجب على الإنسان حينئذ أن يشهد.
وقد اختلف في قوله تعالى: ﴿وَلا يَابَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾، فقال مالك وغيره: إنما ذلك أن يدعى لأداء ما كان يشهد به قبل ذلك.
قال مالك: وأما قبل أن يشهد فأرجو أن يكون في سعة إذا كان ثم من يشهد، ولعله أن يكون مشغولاً، وليس كل الأمر يحب للرجل أن يشهد عليه.
قال ابن حبيب: وقال عطاء: الآية في الوجهين ليشهدوا في الابتداء وليؤدوا.

الجزء: 17 - الصفحة: 380

قال ابن حبيب: وهو في الابتداء أخف.
قال سفيان الثوري في قوله: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ قال: يجيئه في حال شغله.
وقال سحنون: وكل من يعلم أن الإمام لا يقبل شهادته لجرحه فيه، أو لعداوة بينه وبين المشهود عليه، أو لغير ذلك مما به يرد شهادته عنه، فلا يلزمه أن يشهد، فإن شهد فليخبر الحاكم أنه عدو للمشهود عليه أو قريب المشهود له، فإذا شهد مستجرح فلا يخبر بجرحته القاضي؛ لئلا يبطل الحق.
وقال أيضاً: عليه أن يخبر القاضي بجرحته كما لو علمه عبداً أو نصرانياً للزمه أن يخبر بذلك.
فصل [2 - فيما يشترط في الشاهد ومن تجوز شهادته ومن لا تجوز] قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2] فكان ظاهر الخطاب للأحرار كقوله: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور:32] والعبد يمنعه سيده أن يشهد ويؤدي، فكان ممن لم تكمل فيه شرائط الشهداء الذين لا يأبون إذا ما دعوا.
وقال الله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة:282] ومن على غير دين الإسلام من كتابي أو مجوسي ليس من أهل الرضا ولا العدالة.
وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجوز شهادة خصم ولا ظنين ولا جار لنفسه».

الجزء: 17 - الصفحة: 381

قال سحنون: ينظر في العداوة فإن كانت في أمور الدنيا من مال، أو تجارة أو ميراث، فلا تقبل شهادته، وإن كانت عداوته غضباً لله لجرمه وفسقه، أو لبدعته فشهادته جائزة.
وقال في كتاب ابنه فيمن شهد لرجل، ثم يشهد المشهود عليه على الشاهد بعد ذلك وهو في خصومته تلك قال: ترد شهادته.
وفي كتاب محمد: لا تجوز شهادة عدوك عليك، وتجوز شهادته على ولدك، وإن كان في ولايتك، إذا لم تكن شهادته عليه بما فيه حد أو قطع أو قتل أو عيب، فإن ذلك يلصق بالأب، وكذلك الأم والجد.
وقال مطرف وابن الماجشون: ولا تجوز شهادة عدوك على ابنك صغيراً كان أو كبيراً، وكأنه يرى أن في ذلك مغمة للأب، سواء ولي مال ولده الصغير أم لا.
م/: وهذا هو الصواب؛ لأن شهادته على ولدك إدخال مغمة عليك، وإخراج لماله من يدك إن كنت تليه، فهذه شهادة عليك.
وقد قال مطرف وابن الماجشون: لو شهد على صبي بجرح، وهما عدوان لوصيه، لم تجز شهادتهما؛ لأن ذلك يصير في ماله فكأنهما شهدا على الوصي، وكذلك لو شهدا على

الجزء: 17 - الصفحة: 382

الميت بمال، وهما عدوان لوصيه لم تجز؛ لأنهما يخرجان ما بيده.
[الفصل 3 - شهادة من هو في عيال الرجل للرجل وشهادته له إذا لم يكن في عياله] ومن المدونة قال مالك: ولا تجوز شهادة من هو في عيال الرجل للرجل.
قال ابن القاسم: وكذلك شهادة الأجير لمن استأجره إذا كان في عياله؛ لأنه يجر إليه، وجره إليه جر لنفسه، فإن لم يكن في عياله جازت شهادته له إذا كان مبرزاً في العدالة.
قال سحنون في كتاب ابنه: معنى الذي ليس في عياله هو الأجير المشترك مثل الصناع وغيرهم، وأما الأجير الذي يصير جميع عمله لمن استأجره وهو في عياله أو ليس في عياله إلا أنه يدفع مؤونته إليه، فلا يجوز أن يشهد له، وإن كان عدلاً معتزلاً عنه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ألا ترى أن الأخ إذا كان في عيال أخيه لم تجز شهادته له؛ لجره إليه، وجره إليه جر إلى نفسه، وإذا لم يكن في عياله، وكان مبرزاً في حاله جازت شهادته له في الأموال والتعديل.
وكذا قال ابن القاسم في المستخرجة أن الأخ يعدل أخاه.
وقال أشهب: لا يعدله؛ لأن شرف أخيه شرف له.

الجزء: 17 - الصفحة: 383

قال ابن حبيب: وأما إن لم يكن المشهود له في عيال الشاهد فتجوز شهادته له إذ لا تهمة هاهنا.
وقال بعض المتأخرين: إن كان المشهود له من قرابة الشاهد كالأخ ونحوه فينبغي ألا تجوز شهادته له بمال؛ لأنه يدفع بذلك نفقته عنه، وإن كانت لا تلزمه؛ لأن تركه النفقة على أخيه، والصلة له معرة فيتهم لهذا، وأما إن كان المشهود له أجنبياً فشهادته له جائزة.
م/ وهذا استحسان، ولا فرق بين القريب والأجنبي في رواية ابن حبيب [الفصل 4 - في شهادة المريب ودافع المغرم والمتسول] ومن المدونة قال ابن وهب: وقال شريح: لا أجيز شهادة المريب ولا دافع المغرم.
وقال ابن أبي حازم في المجموعة: والذي يكثر مسألة الناس معلوم بذلك لا تجوز شهادته، وأما من تصيبه الحاجة فيسأل بعض إخوانه، وليس بمشهور في المسألة، فلا ترد شهادته.

الجزء: 17 - الصفحة: 384

قال ابن وهب في العتبية في الرجل الحسن الحال الظاهر الصلاح يسأل الصدقة، أو يسأل الرجل الشريف أن يتصدق عليه، ولا يتكفف الناس، وهو معروف بالمسألة، قال: لا تجوز شهادته.
وقال أيضاً في الرجل لا بأس بأحواله إلا أنه يطلب الصدقة إذا خرجت من عند الإمام، أو فرقت وصية رجل يطلب مثل هذا، ولا يتكفف الناس.
قال: هذا المتعفف حين لا يسأل عامة الناس، فتجوز شهادته.
قال ابن حبيب: قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة السوال في الشيء الكثير من الأموال وشبهها، وأما في التافه اليسير فتجوز شهادته إذا كان عدلاً.
وفي غير المدونة وتجوز شهادة الفقير العدل فيما قل أو كثر.
م/ قال بعض أصحابنا: تجوز شهادته، وإن كان يقبل الشيء ممن يعطيه من غير مسألة؛ لأنه قد جاء: "ما أتاك من غير مسألة فإنما هو رزق رزقكه الله، فهو خارج عن باب السؤال.
م/ وقيل: تجوز شهادته في اليسير لقتله، فأما فيما يساوي خمس مئة دينار من العقار وغيرها، فلا تجوز شهادته فيه إذا لم يكن ظاهر العدالة.
وهذا استحسنه بعض القرويين.
قال: لأن التهمة تلحقه في الكثير، والظنة تسقط الشهادة.

الجزء: 17 - الصفحة: 385

[الفصل 5 - في شهادة بعض أهل المعاصي] ومن المدونة ولا تجوز شهادة المغني والمغنية والنائحة إذا عرفوا بذلك.
قال مالك: ولا تجوز شهادة الشاعر الذي يمدح من أعطاه ويهجو من لم يعطه، وإن كان لا يهجو من منعه ولا يؤذي أحداً بلسانه، ويأخذ ممن أعطاه فأرى أن تقبل شهادته إذا كان عدلاً.
قال: ومن أدمن على اللعب بالشطرنج لم تجز شهادته، وإن كان إنما هو المرة بعد المرة فشهادته جائزة إذا كان عدلاً.
وكره مالك اللعب بها وبالنرد وإن قل، وقال: هي أشر من النرد.
قال في كتاب ابن المواز: واللاعب بالحمام وبالنرد وبالشطرنج، فإن كان يقامر عليها، أو كان مدمناً ولم يقامر، فلا تجوز شهادته.
وقال محمد بن عبد الحكم: إن كان يكثر اللعب بالشطرنج حتى يشغله عن الصلوات في الجماعة طرحت شهادته وإلا جازت.
وأما النرد فلا أعلم من يلعب بها في وقتنا هذا إلا أهل السفه ومن ترك المروءة، والمروءة من الدين فلا تقبل شهادته.
قال الأبهري: تجوز شهادة من لا يدمن على اللعب بالشطرنج؛ إذ لا يخلو الإنسان من لهو أو مرح يسير، وقد روينا عن جماعة من التابعين أنهم كانوا يلعبون بالشطرنج.

الجزء: 17 - الصفحة: 386

قال أبو محمد: وقال غيره: لا تجوز شهادته وإن لم يكن مدمناً.
فصل [6 - في شهادة المولى لمن أعتقه، والرجل لمواليه] ومن المدونة قال مالك: وتجوز شهادة المولى أعتقه إذا كان عدلاً.
قال ابن القاسم: ما لم يدفع بها عن نفسه شيئاً، أو يجر إليها.
قال: ولا تجوز شهادة الرجل لمكاتبه، ولا لعبد ابنه.
وإذا شهد لأمة بالعتق زوجها ورجل أجنبي لم تجز شهادة الزوج.
فصل [7 - أداء الشهادة بعد زوال المانع من أدائها] وإذا شهد عبد أو صبي أو نصراني شهادة، ثم أدوها بعد الحلم أو العتق أو الإسلام جازت، ولو أدوها إلى قاض في حالتهم الأولى فردت لم تجز أبداً.
وكذلك روى ابن وهب عن عثمان بن عفان -رضي الله عنه- وغيره.
قال أشهب في المجموعة: وأجازها بعض العراقيين، وهو يقول إذا شهد وهو مسخوط فردت ثم حسنت حاله ثم شهد بها لم تجز فهذا مثله.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن جهل القاضي وأجاز شهادتهم الأولى في حالتهم الأولى فإنه ينقض ما قضى به من شهادتهم، وترد شهادتهم تلك.
وإن أسلم الذمي وأعتق العبد واحتلم الصبي.
ولو شهدوا بها في حالتهم الأولى فلم ترد حتى أسلم الذمي وعتق العبد واحتلم الصبي،

الجزء: 17 - الصفحة: 387

وحسنت حالتهم جازت شهادتهم.
قيل لأشهب: فما قال للقاضي: شهد لي فلان العبد وفلان النصراني وفلان الصبي، فقال القاضي: لا أجيز شهادتهم ثم أعتق العبد وأسلم النصراني واحتلم الصبي، وحسنت حالتهم أترى ذلك رداً؟ قال: لا؛ لأن ذلك كان فتياً أفتى بها.
قال بعض القرويين: وينبغي أن يعيدهم ليشهدوا له بعد العتق والإسلام والحلم.
قال ابن القاسم في المجموعة في عبد حكم بشهادته يظن أنه حر فعلم بذلك بعد عتقه: إن الحكم الأول يرد، ثم يقوم بها الآن فيشهد له.
وفي كتاب ابن سحنون بلغني عن بعض العلماء، وهو قولي، وقياس قول مالك وأصحابه، أن العبد والصبي والنصراني إذا أشهدوا قوماً عدولاً على شهادتهم، ثم انتقلوا إلى الحال التي تجوز فيها شهادتهم قبل أن ينقل عنهم وغابوا أو ماتوا فشهدوا على شهادتهم أن ذلك غير مقبول؛ لأنهم أشهدوا غيرهم في وقت لا يقبل منهم، وهو بخلاف أن يشهدوا في الحال الثاني بما علموا في الحال الأول.
م/ ففي هذا دليل على أن العبد والصبي والنصراني إذا شهدوا في الحال الأول فلم ترد شهادتهم حتى عتق العبد واحتلم الصبي وأسلم النصراني، وحسنت حالتهم، أنها لا تجوز حتى يعيدوا الشهادة الآن.
وكذلك مسألة العبد الذي حكم بشهادته يظن أنه حر، ثم

الجزء: 17 - الصفحة: 388

أعتق أن الحكم يرد، ثم يقوم الآن بها فهذه أيضاً تؤيد أن لابد من إعادة شهادتهم في الحال التي تجوز فيها فانظر.
ومن العتبية قال ابن القاسم: لا تقبل شهادة ابن خمس عشرة سنة إلا أن يحتلم أو يبلغ ثماني عشرة سنة، فتجوز شهادته.
قال ابن وهب: تجوز شهادة ابن خمس عشرة سنة، وإن لم يحتلم إذا كان عدلاً.
واحتج بابن عمر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أجازه، وهو ابن خمس عشرة سنة.
وقال ابن عبد الحكم وغيره: إنما أجاز النبي -صلى الله عليه وسلم- من رأى فيه طاقة للقتال عند رؤيته إياهم، ولم يسألهم عن أسنانهم، ولا في هذا دليل على أنه هو حد البلوغ.
قال أشهب عن مالك: وأما المولى عليه يشهد وهو عدل فتجوز شهادته.
ابن المواز: وقال أشهب: لا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طلب ماله أخذه.
قال ابن المواز: وهو أحب إلينا ولا تجوز شهادة البكر في الأموال ما كانت يولى عليها وإن كانت عدلة حتى تعنس.
فصل [8 - في شهادة الأقارب لبعضهم البعض] قال مالك رحمه الله: ويدخل في قول عمر -رضي الله عنه- ولا تجوز شهادة خصم ولا ظنين، شهادة الأبوين والولد، وأحد الزوجين للآخر.

الجزء: 17 - الصفحة: 389

قال ابن الماجشون: ولا اختلاف في هؤلاء عند من لقينا وذكر معهم الجد.
ومن المدونة: ولا تجوز شهادة الأبوين أو أحدهما للولد، ولا الولد لهما، ولا أحد الزوجين لصاحبه، ولا الجد لابن ابنه، ولا الرجل لجده أو لجدته من قبل الرجال والنساء، كان المشهود له حراً أو عبداً أو مكاتباً، ولا تجوز لأحد من هؤلاء شهادته للآخر في حق أو تزكية أو تجريح من شهد عليه.
وذلك كله يرجع إلى جر المرء لنفسه، ودفعه عنها؛ لأن دفعه عن هؤلاء دفع عن نفسه، وجره إليهم جر إلى نفسه.
قال أصبغ في العتبية: لا يجوز نقل الأب عن ولده ولا الابن عن الأب وإن كان مشهوراً بالعدالة، وكذلك كل من لا يجوز لك أن تعدله فلا تنقل عنه.
ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون: يجوز نقله ولا يجوز تعديله وليعدله غيره، وبه أخذ ابن حبيب.
وقال ابن سحنون عن أبيه كقول مطرف وابن الماجشون.
قال: وذلك في النقل عن الأب والابن والزوجة.
قال مطرف وابن الماجشون: وشهادة الابن مع أبيه جائزة ولا يتهم أحدهما إلا أن يريد تمام شهادة الآخر.
ومن المجموعة وكتاب محمد قال مالك في الابن يشهد لأحد أبويه على الآخر لا تجوز إلا أن يكون مبرزاً في العدالة، أو يكون ما شهد فيه يسيرا.

الجزء: 17 - الصفحة: 390

وقال ابن نافع: شهادته جائزة إلا أن يكون في ولاية الأب، أو تزوج على أمه فأغارها فيتهم أن يكون غصب لأمه.
قال ابن سحنون عن أبيه في كافر مات وله ولد كافر واثنان مسلمان فشهد المسلمان أن لأبيهما على فلان مالاً، فلا تجوز شهادتهما؛ لأنها شهادة للأب.
م/ فيها نظر.
ولو قال قائل: إنها تجوز لأنهما إنما شهدا بمال لأخيهما فلا تهمة تلحقهما في ذلك لكان صواباً والله أعلم.
قال: ولو شهد ولدان أن أباهما العبد جنى على هذا جناية لم تجز؛ لأنهما يتهمان أن يخرجا أباهما من ملك مالكه إذ قد يسلم في الجناية.
قال ابن القاسم: ولو شهد أربعة إخوة على أبيهم بالزنا لم تجز شهادتهم، ولا يرجم؛ لأنهم يتهمون على الميراث، ويحدون.
وقال أشهب: إذا كان الأب عديماًَ جازت شهادتهم إن كانوا عدولاً، ويرجم الأب.
قال سحنون: وكذلك إذا كان الأب بكراً حده الجلد فلا يتهمون في ذلك.
قال أبو بكر بن اللباد: ولا تجوز شهادتهم عليه وإن كان الأب عديماً؛ لأن نفقته تلزمهم فيتهمون على زوال النفقة بالرجم.
قال سحنون عن أشهب: وكذلك لو شهدوا أنه قتل فلاناً عمداً فهو كشهادتهم عليه بالزنا وهو ثيب.

الجزء: 17 - الصفحة: 391

قال ابن القاسم في شهادة الرجل على ولده أو أم ولده جائزة، إلا أن يكون بينهما عداوة تعلم، وشهادة الابن على أبيه في الحقوق والعتق جائزة، وأما في الطلاق فإذا كان على طلاق أمه وهي منكرة لذلك فهي جائزة، وكذلك على طلاق غير أمه إذا كانت أمه ميتة، وأما إذا كانت أمه حية أو مطلقة، لم تجز في طلاق غيرهما.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: تجوز شهادة الأب لابنه الكبير على ابنه الصغير إلا أن يتهم بالأثرة والميل إليه، ولا تجوز لصغير أو كبير سفيه على كبير يلي نفسه.
ابن سحنون: وقال سحنون ثم رجع فقال: لا تجوز شهادته لابنه بحال لما جاء في السنة مع منع شهادة الأب للابن مجملاً.
قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادته لزجة ابنه، ولا لابن زوجته، ولا لأم امرأته، ولا لولدها، وكذلك المرأة لابن زوجها.
محمد: قال أصبغ: وهو استحسان، وليس بالبين.
وقال سحنون في العتبية: تجوز شهادة الرجل لأم امرأته ولأبيها ولولدها، إلا أن تكون المرأة ممن ألزم السلطان ولدها أن ينفق عليها لضعف زوجها عن ذلك فلا تجوز.

الجزء: 17 - الصفحة: 392

قال: وتجوز شهادته لزوج ابنته ولأبي زوجها ولأمه وابنه، وأصل ذلك أن كل من كان وفره له وفراً وغناه له غنى لم تجز شهادته له.
قال: وتجوز شهادته لامرأته التي فارقها، وإن كان له منها ولد، ولا تجوز تزكيته لها.
وقال عنه ابن عبدوس: إن كان ملياً وليس لولده حاجة إلى أمه فذلك جائز إن كان عدلاً، وإن كان عديماً وولده في نفقة الأم لم تجز.
قال غيره: اختلف في شهادة الرجل لأم امرأته ولأبيها ولولدها من غيره ولزوج ابنته، وأصل هذا إذا كانت شهادته تجر نفعاً إلى من لا تجوز شهادته له، فلم يجز ذلك ابن القاسم، وأجازه سحنون، واختلف في شهادة الأخ لأخيه فقيل: هي جائزة.
وقيل: لا تجوز إلا أن يكون مبرزاً في العدالة.
فصل [9 - في شهادة الأخ لأخيه والرجل لمولاه، أو لصديه الملاطف] ومن المدونة قال مالك: وتجوز شهادة الأخ لأخيه إذا كان عدلا.

الجزء: 17 - الصفحة: 393

وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره.
قال مالك: وكذلك شهادته لمولاه أو لصديق له ملاطف، إلا أن يكون في عياله أحد من هؤلاء يمونه فلا تجوز شهادته لهم.
وقال ابن وهب عن مالك: إن كان غني الأخ غني لأخيه إذا أفاد شيئاً أصابه شيء منه، أو كان في عياله، فلا تجوز شهادته له.
وإن كان منقطعاً عنه لا يناله شيء من صلة، ولا فائدة، وقد استغنى عنه، ولا بأس بحالته، فشهادته له جائزة.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وتجوز شهادة الأخ لأخيه والمولى لمولاه والرجل لعمه أو لخاله أو لابن أخيه أو لابن أخته إلا أن يكون الشاهد في عيال المشهود له فلا تجوز، وإن كان المشهود له في عيال الشاهد جازت شهادته؛ إذ لا تهمة في ذلك وإنما تجوز شهادة هؤلاء بعضهم لبعض في الحقوق والأموال، وأما الحدود والقصاص وما تقع فيه الحمية والتهمة فلا تجوز.
قالا: ومن جازت لك شهادته جازت لك عدالته، ومن لم تجز لك شهادته لم تجز لك عدالته.
وقال أصبغ وابن عبد الحكم.
وروى عن أشهب في العتبية أن شهادته له في الجراحات الخطأ والعمد

الجزء: 17 - الصفحة: 394

جائزة.
وقال في كتاب محمد: تجوز شهادته أن فلاناً قتل أخاه إن كان الولي والوارث غيره.
قال أصبغ: وفيه اختلاف، وهو أحب إلينا.
ومن كتاب ابن المواز: وقيل: ولا تجوز شهادة الأخ لأخيه إلا أن يكون مبرزاً في العدالة، وقيل: تجوز إن لم تنله صلته والصديق الملاطف مثله.
وقال أشهب: تجوز شهادة الأخ المبرز في العدالة لأخيه في المال القليل والكثير، ولا تجوز شهادة غير المبرز إلا في القليل.
وقال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة القرابة والموالي في الرباع التي يتهمون فيها بالجر إليهم أو إلى بينهم في اليوم أو بعده مثل حبس مرجعه إليهم أو إلى بنيهم.
فصل [10 - شهادة الرجل لشريكه المفاوض] ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجوز شهادة الرجل لشريكه المفاوض إن شهد له في غير التجارة، إذا كان لا يجز بذلك لنفسه شيئاً.
قال في العتبية: فإن باع أحدهما سلعة بينهما من رجل، وشريكه حاضر شاهد، فلم يقبضها أي المبتاع حتى باعها البائع من رجل آخر، وقبضها المبتاع الثاني، وشهد الشريك

الجزء: 17 - الصفحة: 395

الذي لم يتول البيع الأول بالشراء، فلا تجوز شهادته، وإن باعها شريكه من الثاني بفضل على ما كان باعها به أولاً من الأول، فلا يأخذ الشاهد من ذلك الفضل شيئاً، وإن باعها من الثاني بمثل ما باعها من الأول فأكثر، فينبغي أن تجوز شهادته؛ إذ لا تهمة فيها والله أعلم.
قال بعض القرويين: إنما لم تجز شهادته للأول؛ لأنهما متفاوضان فبيع الشريك من الثاني كأن باع هو وشريكه؛ لأن كل واحد مفوض إليه في البيع فيصير كأنهما جميعاً باعاها من الثاني، فلا يقبل قول هذا أن شريكه باعها من الأول، ويجب على المقر أن يعطيه نصف الزائد إن باعها بزائد مما باعها من الأول؛ لأنه مقر أن الزائد كله للأول فيعطيه ما يقع له منه، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 396

[الباب الثاني]

في شهادة أهل الكفر، وشهادة نسائهم، وشهادة العبيد، وأهل الأهواء، وبما ترد به الشهادة

[الفصل 1 - شهادة الكافر الذكر والأنثى وشهادة العبيد] قال مالك: ولا تجوز شهادة أهل الكفر على مسلم أو كافر من أهل ملتهم أو غيرها، أو على وصية ميت مات في السفر، وإن لم يحضره مسلمون.
ولا تجوز شهادة أهل الملل بعضهم على بعض في شيء من الأشياء، وتجوز شهادة المسلمين عليهم.
وقاله جماعة من التابعين.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وآية الوصية في السفر: (أو آخران من غيركم) منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2].
قال الأبهري: وقد قيل أو آخران من غيركم أي من غير قبيلتكم، وإن احتمل ذلك لم يزل قوله تعالى: ﴿ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: 282] بقول محتمل.
قال: وإنما لم تجز شهادة العبد أيضاً لقوله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.

الجزء: 17 - الصفحة: 397

وروى المنع من جواز شهادته عن عمر وعثمان وابن عباس وجماعة من التابعين.
وروي عن علي وأنس أنهما أجازا شهادة العبد في الشيء اليسير، والحديث غير صحيح.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة نساء أهل الكفر في الاستهلال والولادة والأموال كما لا تجوز شهادة رجالهم.
فصل [2 - شهادة القدرية وغيرهم من أهل الأهواء] ومن المجموعة قال مالك: ولا تجوز شهادة القدرية.
قال ابن سحنون: وأجازها ابن أبي ليلى، وأنكره سحنون.
وقال: لم يجزها أحد من أهل المدينة.

الجزء: 17 - الصفحة: 398

قال: ولا تجوز شهادة أهل البدع على حال.
ولا أجيز شهادة المعتزلة والإباضية والجهمية والمرجئة وغيرهم من أهل الأهواء.
وقال ابن الماجشون: من عرف بالبدعة فلا شهادة له، وأما من لطخ بها فإن لم يكن أمراً بيناً صريحاً فلتقبل شهادته.
قال سحنون: ولا تقبل شهادة المنجم الذي يدعي القضاء.
قال ابن كنانة: ولا تجوز شهادة الكاهن.
فصل [3 - شهادة من ترك واجباً متعمداً مع قدرته على أدائه] وقد اختلف في إسقاط شهادة من ترك الجمعة وهل يجرح بمرة أو ثلاث.
قال ابن كنانة: ومن لا يقيم صلبه في الصلاة في الركوع والسجود، فلا تقبل شهادته

الجزء: 17 - الصفحة: 399

إذا تعمد ذلك في فريضة أو نافلة.
وقال سحنون في الكثير المال القوي على الحج فلم يحج فهو جرحة إذا طال زمانه، واتصل وفره، وليس به سقم.
قيل: فهو صحيح البدن متصل الوفر منذ عشرين سنة إلى أن بلغ ستين سنة.
قال: لا شهادة له.
قيل: وإن كان بالأندلس؟ قال: وإن كان.
فصل [4 - شهادة من يقطع الدنانير والدراهم ومن يلابس شيئاً من المعاصي] وروى أصبغ عن ابن القاسم فيمن يقطع الدنانير والدراهم لا تجوز شهادته.
قال عنه ابن المواز: إلا أن يعذر بجهل.
وقال عنه العتبي: لا يعذر وإن كان جاهلاً.
وقال سحنون في الذي يقطع الدنانير والدراهم: ليس هذا بجرحه.
م/: وأما في بلد جل دنانيرهم مقطوعة مجموعة فأحب إلى قول سحنون.
وأما في بلد ليس جوازهم إلا الوازن، وهو جل دنانيرهم فقول ابن القاسم أعدل.
قال سحنون في الرجل الفقيه الفاضل يخرج إلى الصيد متترها فلا ترد شهادته بهذا.
قيل: فالرجل يمطل بالحق عليه؟ قال: إن كان ملياً لم تجز شهادته؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: «مطل الغني ظلم».

الجزء: 17 - الصفحة: 400

قال سحنون: من اشترى أمة فوطئها قبل أن يستبرئها فهي جرحة ترد شهادته بذلك، وعليه الأدب إن كان لا يجهل أن ذلك لا يحل، وكذلك لو وطئ صغيرة لم تحض، ومثلها يوطأ قبل أن يستبرئها، فلا تجوز شهادته.
ابن حبيب قال ابن الماجشون في الأغلف إن ترك ذلك من عذر فشهادته جائزة، وإن كان من غير عذر فلا شهادة له؛ لأنه ترك فطرة من سنة الإسلام ولا عذر له بإسلامه وهو كبير، وقد اختتن إبراهيم عليه السلام وهو ابن عشرين ومئة سنة.
قال محمد بن عبد الحكم: ومن سمع ضرب العيدان وحضرها، وإن لم يكن معه نبيذ مسكر، لم تجز شهادته إلا أن يحضرها في عرس أو صنيع، فلا أبلغ به طرح شهادته إذا لم يكن معه نبيذ مسكر.
وليس الصنيع كغيره، وإن كان مكروهاً على كل حال.
ومن سمع رجلاً يغني لم أرد بذلك شهادته، إلا أن يكون مدمناً.
وأكره القراءة بالألحان حتى يشبه الغناء، ولا أرد شهادة من فعل ذلك.
قال أبو محمد: قال ابن القرطي قد اختلف في رد شهادته.

الجزء: 17 - الصفحة: 401

فصل [5 - شهادة من علم شيئاً فلم يقم به ثم استشهد من بعد ذلك فشهد هل يقبل منه؟] ومن العتبية والمجموعة قال ابن القاسم فيمن يعلم حيواناً أو عقاراً لرجل ثم يراه بيد غيره يبيعه أو يهبه أو يحوله عن حاله، فلا يقوم بعلمه، ثم يشهد عند القاضي أن هذه الدار لفلان.
فيقول له: لم لم تقم حين رأيت ذلك يباع أو يوهب؟ فيقول: لم أسأل عن علم ذلك ولم أر فرجاً يوطأ، ولا حراً يستخدم، وليس علي أن أخاصم الناس.
فقال: أرى ألا تجوز شهادته إذا لم يقم بعلمه حين رأى الدار والعقار يباع، وكذلك في الفروج والحيوان إذا كانت تلك الأشياء تحول عن حالها بعلمه.
وقال غيره في المجموعة: وهذا إذا كان المشهود له غائباً أو كان حاضراً لا يعلم، فأما إن كان حاضراً يرى ماله يباع فهذا كالإقرار.
قال ابن سحنون عن أبيه: لا أرى ذلك إلا فيما كان حقاً لله وما يلزم الشاهد أن يقوم به، وإن كذبه المدعي كالحرية والطلاق، وأما العروض والرباع والحيوان فلا تبطل شهادته في ذلك؛ لأن رب ذلك إن كان حاضراً فهو أضاع حقه، وإن كان غائباً فليس للشاهد شهادة؛ فلذلك لا يضر الشاهد إن لم يقم بها.
م/: ويلزم على هذا التعليل أنه إن كان حاضراً لا يعلم أن تلك الرباع له مثل أن تكون تلك الرباع كانت لأبيه فأعارها هذا الذي هي بيده، أو أكراها منه مدة، ثم مات الأب فباعها الذي هي بيده، أو وهبها والولد لا يعلم أن تلك الرباع كانت لأبيه، فعلى

الجزء: 17 - الصفحة: 402

الشاهد أن يعلمه بذلك، وإلا بطلت شهادته.
فصل [6 - عدد الشهود في القيافة ورشد السفيه] ومن العتبية قال مالك: ولا يجوز من القافة إلا اثنان عدلان.
وروي عن ابن القاسم: أن الواحد العدل يجوز.
ابن المواز: ولا يجوز في ترشيد السفيه شهادة رجلين حتى يكون ذلك فاشياً، ويجوز في إفشاء ذلك شهادة النساء، وقد اختلف في شهادتهن في ذلك.
فصل [7 - شهادة البدوي على الحضري] ومن كتاب ابن حبيب روى عطاء بن يسار عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا تجوز شهادة البدوي على الحضري».
وقال في حديث آخر: «لا تجوز شهادة بدوي على صاحب قرية».
قال محمد بن عبد الحكم: ومالك يتأول ذلك في الحقوق إذا شهدوا في الحاضرة؛ لأن ذلك تهمة أن يشهد أهل البادية، ويترك من معه من أهل الحاضرة، وأجازها في الدماء والجراح وحيث تطلب الخلوات والبعد من العدول.
وكذلك عن مالك -رضي الله عنه- في المجموعة والعتبية.
قال في المجموعة: فأما إن كانت الشهادة في البادية فهي على القروي جائزة مثل

الجزء: 17 - الصفحة: 403

أن تحضره الوفاة بها فيوصي أو يبيع فيها أو يبتاع.
فصل [8 - شهادة المفتي ومن حضره على من استفتاه في أمر ليس له الرجوع فيه] ومن العتبية والمجموعة والموازية قال ابن القاسم في الرجل يأتي مستفتياً يسأل عن أمر ينوي به ولو أقر عند الحاكم أو قامت عليه بينة فرق بينه وبين امرأته فيفتى أن لا شيء عليه، وطلبت المرأة شهادة المفتي قال: لا يشهد عليه.
قال محمد بن المواز: ولو شهد لم ينفعها؛ لأن إقراره على غير الإشهاد.
قال: وما أقر به عند الفقيه من طلاق أو حد أو حق ثم أنكر فليشهد عليه، إذا كان مما ليس له رجوع عنه، وكذلك من حضر الفقيه إذا سمعوا القصة كلها حتى لا يخفى عليهم منها شيء مما يفسد الشهادة إن ترك.
وفي العتبية من رواية يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في الرجل المفتي يأتيه رجل مستفتياً فيسأله عن يمين ابتلى بها فيرى عليه حنثاً، أو يسأله عن أمر ارتكبه فيه حق لبعض الناس، ثم يناكر صاحبه، فيأتي إلى المفتي فيستشهده فليشهد له، وكذلك كل من حضر معه عند السؤال إذا سمعوا القضية كلها حتى لا يخفى عليهم منها شيء مما لو ترك أفسد الشهادة.
فصل [9 - شهادة من قعدا لرجل من وراء حجاب ليشهدا عليه] ابن المواز قال مالك في رجلين قعدا لرجل من وراء حجاب يشهدان عليه: إن كان ضعيفاً أو مختدعاً أو خائفاً، لم يلزمه ذلك، ويحلف ما أقر إلا بما يذكر، وإن كان على غير ذلك لزمه، ولعله يقر خالياً أو يأبى من البينة، فهذا يلزمه ما سمع منه.
قال: فرجل

الجزء: 17 - الصفحة: 404

لا يقر إلا خالياً هل أقعد له بموضع لا يعلم في الشهادة عليه.
قال: لو علمت أنك تستوعب أمرها.
ولكني أخاف أن تسمع جوابه في سؤال، ولعله يقول في سرهما: ما الذي لي عندك إن جئتك بكذا وكذا؟، فيقول: لك عندي كذا وكذا، فإن قدرت أن تحيط بسرهما فذلك جائز.
فصل [10 - شهادة المحدود] ومن المدونة قال مالك: والمحدود إذا ظهرت توبته، وحسنت حاله، جازت شهادته في الحقوق والطلاق.
قيل لمالك في الرجل الصالح الذي هو من أهل الخير إذا جلد في القذف فبماذا تعرف إجازة شهادته بعد ذلك وعدالته؟ قال: إذا ازداد إلى درجته التي كان فيها.
وأجاز ذلك عمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وغيرهما.
قال سحنون: أجاز عمر شهادة من تاب من الذين جلدهم في المغيرة، وكانوا من المهاجرين والأنصار، فما أنكر ذلك أحد منهم فهذا دليل على أنهم رضوا بذلك.
ولا أعلم من أبطل شهادة القاذف من الصحابة بعد توبته، ولا يحتج من خالفنا بأكثر من شريح، ولا يحتج بتابعي على الصحابة، ولا صحابي واحد إذا لم يعلم من يخالفه من الصحابة.
وقد روينا عن شريح خلاف قولهم.
قال مالك: ومن جلد حداً من حدود الله عز وجل، ثم تاب توبة ظاهرة جازت شهادته.
قال أشهب: حد في قذف أو غير ذلك من الحدود كلها لقوله عز وجل: {إِلَّا

الجزء: 17 - الصفحة: 405

الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا} [آل عمران: 89].
قال ابن القاسم وأشهب وسحنون: لا ترد شهادة من قذف حتى يجلد.
وقال عبد الملك: إذا قذف سقطت شهادته إذا حق ذلك عليه ولم يأت بالمخرج مما قال حتى يتوب ويبلغ حالاً تجوز شهادته فيها لوحد، فتجوز؛ لأن التوبة إنما هي من القذف لا من الضرب.
قال سحنون فيمن حد في زنى أو قذف أو شرب خمر أو سرقة، فلا تجوز شهادته في مثل ما حد فيه وإن تاب كائناً ما كان، وهي كشهادة ولد الزنى في الزنى، أنها لا تجوز، وإنما ترد بالتهمة أن يكون الناس أسوة له.
وقال أصبغ وابن حبيب، وقاله مطرف وابن الماجشون قالوا: ولا تجوز شهادة المحدود في الزنى لا في الزنى ولا في القذف ولا اللعان، وكذلك المنبوذ لا تجوز شهادته في وجه من وجوه الزنى وإن كان عدلاً، وكذلك قال مالك.
[الفصل 11 - شهادة ولد الزنا في الزنا] قال الأبهري: شهادة ولد الزنا جائزة في الزنا فإن قيل فيجب أن لا تقبل شهادة الزاني في الزنا، والقاذف في القذف، والسارق في السرقة؛ لأنه يجب أن يكون له أمثال كما قلت في ولد الزنا.
قيل له: قد ذكر بعض شيوخنا أنها لا تقبل.
وليس ما قال بصحيح على قول مالك؛ لأن مالكاً قال في القاذف: إذا تاب فقد جازت شهادته، ولم يخص قبولها في غير القذف بل تقبل في القذف وغيره، والفرق بين

الجزء: 17 - الصفحة: 406

هذه الأشياء وبين ولد الزنا أن معرته بهذه الأشياء تزول بالتوبة، ويصير الفاعل لها كأنه لم يفعل، كالكافر إذا أسلم يصير كأنه لم يكفر، وولد الزنا لا تزول معرته، ولا يتغير حاله؛ لأنها ولادة كالأبوة والبنوة أنها لا تزول ولا تتغير، ولو جاز أن تزول معرته، لجاز قبول شهادته لكنها لا تزول.
وقال ابن كنانة في المجموعة مثل قول الأبهري.
م/: قال بعض شيوخنا: وما قاله الأبهري موافق لما في المدونة.
م/: ولكن القياس ما قاله سحنون وغيره؛ لأن التهمة تلحقه، والمعرة باقية في ذلك كله، وإذا كانت المعرة في ولد الزنا باقية، وليس الزنا من فعله كانت في الزاني أبقى؛ لأنه هو فعل الزنا.
وليس في المدونة دليل ظاهر أن قول الأبهري وفاق، والله أعلم.
ومن غير المدونة: ولو حد نصراني في قذف ثم أسلم بالقرب قبلت شهادته.
وقال سحنون: توقف شهادة من أسلم بالقرب حتى يعرف بطاعة بعد ذلك، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 407

[الباب الثالث]

جامع القول في شهادة النساء

[الفصل 1 - فيما تقبل في شهادة النساء] ذكر الله عز وجل شهادة النساء في آية الدين فقال: ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282]، فأجيزت في الأموال خاصة.
وأجاز العلماء شهادة النساء وحدهن فيما لا يطلع عليه غيرهن؛ للضرورة مثل ما أجيزت شهادة الصبيان بينهم في الجراح للضرورة.
د قال سحنون: ولا تجوز شهادة النساء إلا فيما يجوز فيه شاهد ويمين.
ومن المدونة قال مالك: وتجوز في الاستهلال والولادة شهادة امرأتين مسلمتين عدلتين.
قال ابن القاسم: وتجوز في الرضاع وعيوب الفرج ومعرفة حيض وحمل ونحوه مما لا يطلع عليه غيرهن.
قال ابن الماجشون في المجموعة: والقوابل فيما غبي عليه مثل الرجال تجوز فيه شهادة امرأتين مسلمتين للضرورة، وقد اختلف في الواحدة فإذا قلنا للضرورة تجوز في

الجزء: 17 - الصفحة: 408

هذا أقل ما يجوز من النساء، وهما اثنتان وليس لشهادة الواحد أصل في مال وغيره، ولم يسلك بهما مسلك الشهادة على المال فيكون فيه اليمين، لكن للضرورة.
ابن حبيب قال مطرف عن مال: وإذا شهدت امرأة ورجل على استهلال صبي لم تجز شهادتهما.
وقال ربيعة وابن هرمز وغيرهما.
قال ابن حبيب: وذلك لارتفاع الضرورة بحضور الرجل فسقطت شهادة المرأة، وبقي الرجل وحده فلم تجز شهادته، وقد سمعت من أرضى من أهل العلم يجيز ذلك ويراه أقوى من شهادة امرأتين، وهو أحب إلي.
وروى ابن وهب أن أبا بكر وعمر وعلياً أجازوا شهادة المرأة المسلمة وحدها فكيف بهذا.
ومن المدونة قال مالك: وتجوز شهادة النساء في قتل الخطأ؛ لأنه مال.
قال ربيعة وسحنون: إنما أجيز في قتل الخطأ والاستهلال ضرورة لفواتهما، وأما الجسد فهو يبقى فإن شهد رجلان على رؤية جسد القتيل أو الجنين، وإلا لم تجز شهادتهن.
م/: وقول سحنون هذا خلاف لرؤية ابن القاسم، وقد قال ابن القاسم في

الجزء: 17 - الصفحة: 409

العتبية وكتاب ابن المواز: تجوز شهادة امرأتين على الاستهلال وعلى أنه صبي، ويكون مع شهادتهما اليمين.
قال عنه أصبغ في العتبية.
والقياس أن لا تجوز شهادتهما؛ لأنه يصير نسباً قبل أن يصير مالاً.
قيل: فبأي شيء يرث ويورث؟.
قال: بأدني المنزلتين، إلا أن يكون لا يبقى إن أخر دفنه إلى أن يوجد الرجال، فتجوز حينئذ شهادة النساء.
قال ابن القاسم: وكذلك المرأة تلك ثم تموت هي وولدها في ساعة فيحلف أبو الصبي أو ورثته مع شهادة النساء أن الأم ماتت قبله، أو هو مات قبلها، فيستحقون ميراثه؛ لأنه مال.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون: شهادتهن لا تجوز، وبه أخذ سحنون؛ لأن الجسد لا يفوت، والاستهلال يفوت.
وأعاب قول ابن القاسم.
وإنما يرث عند أشهب وسحنون على أنه أنثى.
وقاله أصبغ في العتبية.
قال: هو رأي سحنون إلا أن يكون الجسد لا يبقى إن أخر دفنه إلى وجود الربجال فتجوز شهادتهن كما قال ابن القاسم.
م/ وقد قال ابن القاسم في الوصايا الأول من المدونة: إذا مات رجل فشهد على موته امرأتان ورجل فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبد ولا له مدبر ولم يكن له إلا مال يقسم فشهادتهن جائزة.
فهذا يؤيد أن قول سحنون وربيعة خلاف.

الجزء: 17 - الصفحة: 410

ومن الشهادات قال مالك: وكل شيء تقبل فيه شهادة النساء وحدهن فلا يقبل فيه أقل من امرأتين، ولا تجوز شهادة امرأة واحدة في شيء من الشهادات.
قال سحنون: وقال الشعبي وعطاء: تجوز شهادة أربع نسوة فيما لا يراه الرجال فكيف بمن يريد أن يجيز شهادة امرأة واحدة.
فصل [2 - شهادة النساء في الحدود والقصاص] قال مالك: ولا تجوز شهادة النساء في الحدود والقصاص والعتق والنكاح والطلاق.
قال ابن شهاب: مضت بذلك السنة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومن الخليقتين بعده.
قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادتهن مع رجل في العفو عن الدم كما لا تجوز في دم العمد.
وقال في كتاب الديات: وتجوز شهادة النساء في جراح الخطأ وقتل الخطأ؛ لأن ذلك

الجزء: 17 - الصفحة: 411

مال.
وإن شهدن مع رجل على منقلة عمداً أو مأمومة عمداً جازت شهادتهن؛ لأن العمد والخطأ فيهما سواء إنما هو مال.
ومن غير المدونة قال سحنون: واختلف قول ابن القاسم في شهادتهن في القصاص فيما دون النفس وثبت على أنها لا تجوز ولا يعجبني وأصلنا أنها تجوز فيما يجوز فيه الشاهد واليمين.
قيل لسحنون: فأنت تجيز الشاهد في قتل العمد مع القسامة، ولا تجيز فيه المرأتين مع القسامة قال: لا يشبهه هذه يمين واحدة، والقسامة خمسون يميناً.
وفي كتاب محمد: تجوز شهادة امرأتين وحدها على الجراح مع يمين المجروح، وعلى القتل في العمد والخطأ، وتكون فيه القسامة فيمن ظهر موته، ولا تجب بشهادة امرأة واحدة على القتل قسامة.
وقال أشهب: تجوز شهادة المرأة الواحدة أو الرجل المسخوط في القسامة، وهو عنده لوث في العمد والخطأ.
م/: وأجاز في كتاب محمد شهادة امرأتين في قتل العمد مع القسامة، ولم يجز ذلك في المدونة.
قال في كتاب محمد: ولو شهد رجل وامرأتان في قتل عمد لم يكن بد من القسامة، وهو يقول: إن رجلاً لو انفرد لكانت القسامة معه، وامرأتان لو انفردتا لكانت

الجزء: 17 - الصفحة: 412

القسامة، فلماذا احتاج إلى القسامة مع اجتماعهما والمقتول مات مكانه ولم لم يكن كرجلين شهدا على قتله ومات مكانه فانظر.
[الفصل 3 - شهادة النساء في النسب والنكاح والطلاق والعتق] ومن المدونة قال مالك: ولا تجوز شهادتهن في النسب والولاء، شهدن في ذلك على علمهن أو على السماع، كن وحدهن أو مع رجل، ولا تجوز شهادتهن في تزكية ولا تجريح.
قال سحنون: ولا تجوز في الإحصان كما لا تجوز في النكاح.
ولا تجوز شهادتهن إلا حيث ذكرها الله تعالى في الدين، أو ما لا يطلع عليه أحد إلا هن؛ للضرورة إلى ذلك، ويحلف الطالب مع شهادة امرأتين فصاعداً في الأموال، ويقضي له.
قال ابن الماجشون: وما جاز فيه شاهد ويمين جاز فيه شهادة امرأتين مع اليمين.
قال مالك في غير الكتاب: وقد تجوز شهادة النساء فيما يؤدي إلى طلاق عتق ونقض عتق وحد مثل أن يشهدن على أن شراء الزوج لزوجته فيحلف وتصير ملكاً له، ويجب بذلك الفراق، أو على أداء كتابة مكاتب فيحلف ويتم عتقه.
قال مالك: وكدين متقدم يثبت بشهادتهن مع يمين الطالب، وعلى مديان أعتق عبده فيحلفه ويرد عتقه.

الجزء: 17 - الصفحة: 413

قال عبد الملك: أو يشهدن بعد عتقه أن سيده كان باعه من فلان فيحلف ويرد عتقه.
قال مالك: أو يقيم القاذف شاهداً وامرأتين أن المقذوف عبد فيسقط الحد.
فصل [4 - شهادة النساء في المواريث] ومن المدونة قال مالك: وتجوز شهادة النساء في المواريث إذا ثبت النسب بغيرهن، واختلفوا في الميراث.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: معناه إذا ثبت نسب رجل بغيرهن فيشهدن على عدد الورثة، أو أنهن لا يعلمن له وارثاً إلا فلاناً فتجوز شهادتهن مع رجل أو مع يمين الورثة.
قال ابن أبي زمنين: أو يترك الميت أخوين فيشهد النساء أن أحدهما أقرب إلى الميت بأم فيحلف ويستحق الميراث دون الآخر.
ومن المدونة قال ابن القاسم في باب بعد هذا: ولا تجوز شهادة النساء وحدهن أو مع رجل أن فلاناً أوصى إن كان في الوصية عتق أو أبضاع نساء.
وقال غيره: لا تجوز في الوصي بحال؛ لأن ذلك ليس بمال.
قال سحنون: الوصايا والوكالات ليستا بمال إذ لا يخلف وصي أو وكيل مع شاهد رب المال إذ المال لغيرهما، وإنما جازت شهادة النساء في الأموال لمن يستحق المال بشهادتهن، وفي باب اليمين مع الشاهد بقية من شهادة النساء.

الجزء: 17 - الصفحة: 414

[الباب الرابع]

في شهادة الرجال والنساء على شهادة غيرهم

[الفصل 1 - ما تجوز فيه الشهادة على الشهادة] قال مالك رحمه الله: وتجوز الشهادة على الشهادة في الحدود والطلاق والولاء وفي كل شيء.
وشهادة رجلين تجوز على شهادة عدد كثير ولا ينقل أقل من اثنين في الحقوق عن واحد فأكثر، ولا يجوز نقل واحد عن واحد مع يمين الطالب في مال؛ لأنها بعض شهادة شاهد والنقل نفسه ليس بمال.
ولو أجيز ذلك لم يصل إلى قبض المال إلا بيمينين.
وإنما قضى النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأموال بشاهد ويمين واحدة.
ومن كتاب ابن المواز: وتجوز الشهادة على الشهادة في كل شيء وإنما ينقل عن مريض أو غائب.
ولا يجوز النقل عن صحصح حاضر يريد إلا النساء فإنه يجوز النقل عنهن وهن أصحاء حضور؛ للضرورة في الكشف.
قال: وأما في الحدود فلا ينقل عن البينة إلا في غيبة بعيدة.
وأما اليومان والثلاثة فلا.
وأما غير الحدود فجائز في مثل هذا.
قال: ولا ينقل عن غير العدول إلى القاضي لئلا يغلط ثم يحكم بها.
ومن العتبية قال أشهب: وإن شهد قوم على شهادة رجل لا يعرفونه بالعدالة

الجزء: 17 - الصفحة: 415

والقاضي يعرفه بالعدالة أو عدله غيرهم فذلك جائز.
قال أصبغ: وذلك إذا عرفه القاضي أو الذين عدلوه أنه هو المنقول عنه بعينه؛ لئلا يجعل اسمه لغيره.
قال ابن حبيب: قال مطرف في نقل الناقلين لشهادة قوم في مكان في نكاح أو حق، وقالوا: أشهدنا قوم على كذا وكانوا عندنا يومئذ عدولاً، ولا ندري اليوم ما هم فلا تجوز شهادتهم حتى يسموهم فيعرف أنهم غيب أو أموات، فيجوز وإلا لم يجز؛ إذ لعلهم حضور وقد نزعوا عن شهادتهم، أو نسوها، أو حالت حالتهم إلى جرحه.
قال أصبغ: قال مطرف: ومن سمع رجلاً يشهد شهادة عند القاضي ثم مات القاضي، أو عزل فتجوز شهادته عليه، وتكون شهادة على شهادة.
وقال أصبغ: لا تجوز حتى يشهده على ذلك، أو يشهد على قبول القاضي لتلك الشهادة.
ويقول مطرف أقول.
م/ وقول أصبغ أعدل وأشبه بظاهر المدونة.
فصل [2 - شهادة رجلين على شهادة رجل ثم يشهد أحدهما وثالث على شهادة آخر في ذلك الحق] ومن كتاب ابن المواز وغيره قال ابن الماجشون: وإذا شهد رجلان على شهادة رجل وشهد أحدهما وثالث على شهادة آخر في ذلك الحق، فلا تجوز؛ لأنه يرجع إلى أن واحداً أحيا شهادتهما في ذلك الحق.
قال ابن المواز: بل ذلك جائز؛ لأن الواحد جمع الرجلين فلو كان معهما آخر ينقل

الجزء: 17 - الصفحة: 416

عنهما لجاز عنده وصح، فكيف وهو مع رجلين كل واحد ينقل عن رجل وهذا أقوى.
قال ابن القاسم في المجموعة: إذا شهد رجل في حق على علمه وشهد هو وآخر ينقلان عن رجل في ذلك الحق فلا تجوز؛ لأن واحداً أحيا الشهادة.
قال في العتبية: وتجوز شهادته على علم نفسه، ولا يجوز نقله عن الآخر.
فصل [3 - إذا شهد رجلان على شهادة رجل ثم قدم فأنكر شهادته أو شك فيها] ومن كتاب ابن المواز: إذا شهد رجلان على شهادة رجل ثم قدم فأنكر شهادته أو شك فيها عن قرب ذلك أو بعده، فلا يجوز أن ينقل عنه إلا أن يكون ذلك صار إقراراً على نفسه أو آل أمره إلى أن صار جحوده منفعة له فينفذ ذلك عليه.
ومن العتبية قال ابن القاسم: في شاهدين نقلاً شهادة رجل، ثم قدم فأنكر أن يكون أشهدهما أو عنده في ذلك علم وقد حكم بها.
قال مالك: يفسخ.
وفي سماع عيسى: الحكم ماض ولا غرم عليهما، ولا يقبل تكذيبه لهما.
م/: "وهذا الصواب.
وقال: ولو قدم قبل الحكم فقال ذلك سقطت الشهادة.
م/: وكان كالرجوع عن الشهادة.

الجزء: 17 - الصفحة: 417

فصل [4 - الشهادة على الشهادة في الزنا] ومن كتاب الحدود في الزنا قال ابن القاسم: وتجوز الشهادة على الشهادة في الزنا مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، أو اثنان على شهادة اثنين، واثنان على شهادة اثنين آخرين حتى تتم أربعة من كلتا الناحيتين.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: إذا شهد أربعة على شهادة كل واحد من الأربعة جازت، فإن تفرقوا جاز اثنان على كل واحد حتى يصيروا ثمانية على أربعة، ويجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم، اثنان على كل واحد، وأربعة على جميعهم.
قال مطرف: ولا تجوز في ذلك إلا أربعة على شهادة كل واحد من الأربعة الذين شهدوا على الرؤية، ولا يجوز في نقل شهادة الزنا إلا ستة عشر رجلاً بخلاف الحقوق، ولو شهد ثلاثة على الرؤية وغاب الرابع، فلا تتم الشهادة إلا بنقل أربعة عن الرابع ولا يعدل كل واحد من شهود الرؤية إلا أربعة.
م/: وهذا مستوعب في كتاب الحدود.
فصل [5 - شهادة النساء على الشهادة في الأموال] ومن المدونة قال مالك: وتجوز شهادة النساء على الشهادة في الأموال وفي الوكالة على الأموال إذا كان معهن رجل، وهن وإن كثرن كرجل واحد فلا ينقلن شهادة إلا مع رجل نقلن عن رجل أو عن امرأة.
وقاله أشهب.
وقال غيره: لا تجوز شهادتهن على شهادة مال، ولا على وكالة في مال، ولا تجوز شهادتهن إلا حيث أجازها الله حيث تجوز اليمين مع الشاهد.

الجزء: 17 - الصفحة: 418

قال سحنون: وهذا إن شاء الله تعالى عدل من القول.
قال ابن القاسم: وما لا تجوز فيه شهادتهن فلا يجوز لهن أن يشهدن فيه على شهادة غيرهن كان معهن رجل أم لا.
قال في كتاب الشفعة: وتجوز شهادتهن في الوكالة على أخذ الشفعة أو تسليمها أو على أن شفيع؛ لأن ذلك مال.
وبالله التوفيق.

الجزء: 17 - الصفحة: 419

[الباب الخامس]

في شهادة الصبيان بعضهم على بعض

[الفصل 1 - ما تقبل فيه شهادة الصبيان وما يشترط في قبولها] روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب وعروة وعبد الله ولدى الزبير وشريحاً وغيرهم أجازوا شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح ما لم يفترقوا أو يخيبوا أو يختلفوا، ويؤخذ بأول قولهم.
قال أبو الزناد: وهي السنة، وبه أخذ عمر بن عبد العزيز.
وقال مالك هو الأمر المجتمع عليه عندنا.
قال: وما ذكر عن ابن عباس أنه قال: لا تجوز شهادة

الجزء: 17 - الصفحة: 420

الصبيان، فمعناه عندنا في شهادتهم على الكبار لا على بعضهم بعضاً.
وقال مالك رحمه الله: تجوز شهادة الصبيان بعضهم على بعض في القتل والجراح ما لم يفترقوا أو يخببوا.
محمد: أو يدخل بينهم كبير.
قال ابن المواز: وإذا قيدت بالعدول قبل أن يفترقوا لم يبطلها رجوعهم إلا أن يتراخى الحكم حتى يكبروا ويعدلوا، فيؤخذ برجوعهم إذا أيقنوا أنهم شهدوا بباطل, وقال نحوه سحنون.
ومن المدونة قال مالك: ولا تجوز إلا شهادة اثنين منهم فأكثر، ولا تجوز شهادة واحد، ولا تجوز أيضاً شهادة الإناث من الصبيان وإن كثرن.
وقال أشهب وغيره: لا تجوز شهادة الصبيان - يريد- في القتل وتجوز في الجراح.
قال: ولا تجوز شهادة الإناث بحال.
وقال المغيرة: تجوز شهادة الصبيان في القتل والجراح وتجوز شهادة الإناث منهم.
ومن المجموعة قال ابن الماجشون: ولا تجوز شهادة من على غير الإسلام منهم، ولا

الجزء: 17 - الصفحة: 421

العبيد بعضهم على بعض، وتجوز شهادة الإناث من المسلمين الأحرار.
وقال ابن المواز: ولا ينظر في الصبيان إلى عداوة ولا إلى قرابة.
وقال ابن القاسم: لا تجوز لقريب ولا على عدو منهم إذا ثبتت العداوة.
وقال عبد الملك: تثبت في العداوة وتسقط في القرابة.
محمد: ولم يختلف أنه لا ينظر فيها إلى عدالة ولا إلى جرحة فيهم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة الصبيان في الجراح لكبير على صغير أو كبير.
قال في كتاب الديات: ولا على أن صباً قتل كبيراً أو جرحه.
قال ابن المواز: أما شهادتهم لكبير أن صغيراً جرحه فلا تجوز؛ لأن هذا المجروح الكبير دخل بينهم فهو يخيبهم، وأما على قتله فتجوز إذا لم يبق حتى يعلمهم، وتجب الدية على عاقلة الجاني.
ابن المواز قال أشهب عن مالك في كبير وصبيين شهدوا لصبي على صبي أنه قتله، قال: تسقط شهادة الصغار.

الجزء: 17 - الصفحة: 422

محمد: وتكون القسامة مع شهادة الكبير إن كان عاقلاً عدلاً.
وقال مالك في كتاب ابن سحنون: ولا تجوز شهادة صبي أو صبيين ورجل على صبي ويكلف رجلاً آخر.
[الفصل 2 - شهادة الصبيان حيث يحضر الكبار] قال سحنون: ولا تجوز شهادة الصبيان حيث يحضر الكبار رجالاً ونساء؛ لأن شهادة النساء تجوز في قتل الخطأ، وعمد الصبي كالخطأ وإنما أجيزت شهادة الصبيان للضرورة فإذا حضر كبار معهم زالت الضرورة.
قال ابن المواز: إذا دخل معهم كبير رجل أو امرأة شاهد أو مشهود له أو عليه، لم تجز شهادة الصغار؛ لأن الكبير يعلمهم إلا كبير مقتول لم يبق حتى يعلمهم.
قال ابن سحنون عن أبيه: فإن حضر رجال غير عدول ظاهرو السفه والجرحة جازت شهادة الصبيان، ثم وقف عن إجازتها.
ابن حبيب قال مطرف: وإذا كان الكبير مسخوطاً أو نصرانياً أو عبداً لم تضر شهادته شهادة الصبيان وحضوره كعدمه.
وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
م/ وهذا خلاف ما في كتاب ابن المواز؛ لأنه قال فيه: إنما يتقي من الكبير أن

الجزء: 17 - الصفحة: 423

يعلمهم أو يخببهم فلا يراعي في ذل الجرحة.
[الفصل 3 - شهادة الصبيان في الحقوق] ابن سحنون: قلت لسحنون: لم أجزت شهادة الصبين بينهم في الجراح ولم تجزها في الحقوق؟ قال: للضرورة؛ لأن الحقوق يحضرها الكبار ولا يحضرون في جراحة الصبيان، ألا ترى لو حضر بينهم كبير لم تجز شهادتهم.
قلت: فيلزمك أن تجيزها في غصب بعضهم بعضاً.
قال: هذا موضع إتباع للماضين، ولا وجه للقياس فيما هو سنة أو كالسنة.
قال غير سحنون: لا يستوي في المال والدماء وقد فرقت الأئمة بينهما فقبلوا في الدماء ولم يقبلوا في الماء وما الضرورة إلى تحصين دماء الصبيان مثل الضرورة إلى تحصين أموالهم فلكل شيء من هذا موقع.
[الفصل 4 - شهادة الصبيان على القتل والشهادة على قولهم في ذلك] ومن المدونة قال مالك: وإذا شهدت بينة على قول صبي أن فلاناً الصبي قتله لم ينفع هذا إلا بينة على القتل، ولا يقسم على ذلك وإن اعترف القاتل.
قال سحنون: وعلى هذا جماعة من أصحابنا.
قال مالك: وليس في الصبيان قسامة فيما بينهم إلا أن يشهد كبير أن كبيراً قتل صغيراً، أو صغيراً قتل كبيراً فيقسم ولاته على ما يشهد به الشاهد من عمد أو خطأ.

الجزء: 17 - الصفحة: 424

وقال ابن نافع وغيره في صبي شهد عليه صبيان أنه جرح صبياً ثم ترابي جرحه ثم مات أن ولاته يقسمون لمن ضربه مات، ويستحقون الدية.
وقال مالك.
م/: وهذا خلاف قول مالك، وإنما فيه على مذهبه دية الجراح فقط إذ لأقسامه عنده مع شهادتهم.
ومن غير كتاب قال ابن وهب عن مالك في ستة صبيان لعبوا في بحر فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما غرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم غرقوه، قال: العقل على الخمسة؛ لأن شهادتهم مختلفة.
قال ابن المواز: وهذا غلط؛ لاختلافهم، ولا تجوز.
وقاله ابن حبيب عن مطرف في الصغار.
قال: ولو كانوا كباراً واختلفوا هكذا كانت الدية عليهم في أموالهم؛ لأنه صار إقراراً، وكأنهم قالوا: لم تخرج الجناية عنا.
قال ابن الماجشون في العتبية: ولو شهد صبيان أن صبياً، وشهد آخران أن ليس منهم القاتل، وأن دابة هي التي أصابته جباراً.
قال: تمضي شهادة الصبيان على القتل.
م/ قال بعض فقهاء القرويين: هذا اختلاف يوجب سقوط شهادتهم، وإنما

الجزء: 17 - الصفحة: 425

قاسه على الكبار أن شهادة من أثبت منهم حكماً أولى من الذي نفاه.
وقال أصبغ: إذا شهد اثنان من الصبيان أن صبياً قتل صبياً الساعة، وشهد رجلان أنه لم يقتله، وأنهما كانا حاضرين حتى سقط الصبي فمات.
قال: شهادة الصبيان تامة، ولا ينظر إلى قول الكبيرين كما لو شهد رجلان بقتله، وشهد كبيران غيرهما أنه لم يقتله، فشهادة من شهد بالقتل أولى، ولا ينظر إلى الأعدل من البينتين بعد أن يكون اللذان شهدا بالقتل عدلين، وكذلك في الحدود والطلاق والعتاق.
قال ابن سحنون: أنكر سحنون قول أصبغ هذا.
وقال قول أصحابنا: أن شهادة الكبير أحق وغير هذا خطأ غير مشكل؛ إذ لا يشبه ذلك بالكبيرين.
م/ قال بعض فقهاء القرويين: وقول سحنون أصوب؛ لأن شهادة الصبيان تبطل بحضور الكبار سواء أثبت الصغار حكماً أو نفوه.

الجزء: 17 - الصفحة: 426

الباب السادس]

في شهادة الوصيين، أو الوارثين بدين على الميت، أو له، أو أن وصياً آخر معهما

[الفصل 1 - شهادة الوصي أو الوارث بدين على الميت] قال مالك: وتجوز شهادة الوصيين، أو الوارثين على الميت مع يمين الطالب أنه ما قبض منه شيئاً، ولا سقط عنه بوجه ما، وإن شهد لصاحب الدين بذلك واحد من الورثة حلف معه أن حقه لحق، وأنه ما قبض من الميت شيئاً منه، ولا سقط عنه إن كان الشاهد عدلاً، واستحق حقه كله.
إن نكل أخذ من الشاهد قدر ما يصيبه من الدين.
م/: يريد إذا أقر الشاهد أن الدين باق على الميت، وإلا لم يأخذ منه شيئاً حتى يحلف أنه ما قبض منه ولا سقط عنه.
قال مالك: وإذا كان الشاهد سفيهاً لم تجز شهادته، ولم يرجع عليه في حصته بقليل ولا كثير، وإن كان غير عدل وهو غير سفيه لم تجز شهادته، ولكن يرجع عليه في حصته فيأخذ منه قدر ما يصير عليه.
م/ بعد أن يحلف أنه ما قبضه منه كما وصفنا أولاً.
ومن سماع عيسى: ومن احتضر فقال ما شهد به ابني علي من دين أو شيء فهو مصدق إلى مائة دينار، ولم يؤقت وقتاً، ثم مات فشهد ابنه لقوم بديون وشهد لبعض

الجزء: 17 - الصفحة: 427

الورثة بدين، فلا يثبت ذلك إلا بيمين إن كان عدلاً، وإن لم يكن عدلاً، وإن لم يكن عدلاً، أو نكل المشهود له عن اليمين لزم الشاهد قدر ميراثه من هذا الدين، وإن كان سفيها لم يجز إقراره في ميراثه، ولم يحلف الطالب.
[الفصل 2 - شهادة الوصي أو الوارث أن معهما وصياً أو وارثاً آخر] ومن المدونة قال مالك: وشهادة الوصيين أن الميت أوصى إلى فلان معهما جائزة.
وقال غيره: تجوز إن ادعى ذلك الوصي الثالث، ولم يجرا بذلك إلى أنفسهما نفعاً، وكذلك شهادة الوارثين في هذا كشهادة الوصي.
قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهدان أن أباهما أوصى إلى فلان جازت شهادتهما؛ لأن مالكاً قال: لو شهدا على نسب يلحقانه بأبيهما أو بدين على أبيهما أو وصية لرجل بمال جاز ذلك، فكذلك إشهاد الوصية.
قال مالك: وإن شهد وارثان أن أباهما أعتق هذا العبد ومعهما أخوات أو زوجة لأب فإن لم يتهما في ولاء العبد لدناءته جازت شهادتهما، وإن كان عبداً يرغب في ولائه ويتهمان على جر ولائه إليهما دون أخواتهما أو امرأة أبيهما لم تجز شهادتهما.
قال ابن القاسم: وكذا لو شهدا أنه أعتقه وشهد أجنبيان أنه أوصى بالثلث لنظرت فإن كانا يتهمان في ولائه لم تجز شهادتهما، وإن لم يتهما في ولائه جازت شهادتهما وبدئ بالعتق على الوصية.

الجزء: 17 - الصفحة: 428

فصل [3 - شهادة الوصي بدين للميت] ولا تجوز شهادة الوصي بدين للميت؛ لأنه يجر لنفسه إلا أن يكون الورثة كلهم كباراً رشداً لا حجر له عليهم، وكان لا يجر بشهادته شيئاً يأخذه فشهادته جائزة.
قال في كتاب محمد: ويحلف الوارث مع شاهده على البت، ويدخل مع ذلك أيضاً أنه ما علم أنه اقتضى منه شيئاً ولا سقط عنه منه شيء في علمه.
وفي المدونة: وإن شهد الوصي لورثة الميت بديون لهم على الناس لم تجز شهادته؛ لأنه الناظر لهم.
قال ابن القاسم: إلا أن يكونوا كباراً يلون أنفسهم، ولا ولاية له عليهم فتجوز شهادته لهم؛ لأنه لا يقبض لهم شيئاً، وهم يقبضون لأنفسهم إذا كانت حالتهم مرضية.

الجزء: 17 - الصفحة: 429

[الباب السابع]

في اليمين مع الشاهد من النساء، ومن الرجال

[الفصل 1 - أدلة مشروعية الشاهد مع اليمين] قال ابن المواز قال مالك وأصحابه في قول الله سبحانه في آية الدين ﴿فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ [البقرة:282] ليس فيه نهي عن قبول شاهد ويمين، أو امرأتين مع اليمين، كما لم يمنع ذلك من قبول امرأتين فيما لا يطلع عليه الرجال، وهو أمر مجمع عليه بالمدينة، وكما لم يختلف في المطلوب إذا نكل وحلف الطالب أن الحق قد وجب له، وأنه ليس مخالفاً لظاهر القرآن مع ما مضى من السنة في ذلك في الأموال، فقد قضى الرسول -عليه السلام- بالشاهد واليمين في الأموال.
وروى ابن حبيب عن أبي الزناد أنه قال: خرجت مع عبد الحميد بن عبد

الجزء: 17 - الصفحة: 430

الرحمن ابن زيد بن الخطاب وكان عمر بن عبد العزيز استعمله على العراق قال: فوجدناهم لا يقضون باليمين مع الشاهد، ولا يقطعون الابن إذا سرق من مال أبيه، ولا يقضون بالقسامة فقلت لهم: هذا الذي خالفتم فيه نكتب به إلى أمير المؤمنين فنكون نحن وأنتم عليه، وفيهم الشعبي والنخعي.
فكتب الكتاب، وأنقذ فورد كتاب عمر يقول: أما اليمين مع الشاهد فإن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قضى بها وقضى بالقسامة، وكل ما قضى به أحق أن يتبع.
وقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: 38].
ولم يستثن الابن من غيره، فإذا أتاك كتابي هذا فاقض بهذا فيهم.

الجزء: 17 - الصفحة: 431

وروى ابن حبيب من طرق كثيرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قضى باليمين مع الشاهد.
وقال عليه السلام: «استشرت جبريل في القضاء باليمين مع الشاهد فأمرني بذلك».
قال أشهب في المجموعة: وقد حكم مخالفنا بالنكول.
[الفصل 2 - ما يجوز فيه الشاهد مع اليمين] قال مالك وغيره: إنما يجوز الشاهد مع اليمين في الأموال دون العتق والطلاق والنكاح والحدود والقتل.
قال ابن المواز: ولا يجوز شاهد ويمين على كتاب قاض إلى قاض ولا على حكم قاض.
وقاله ابن الماجشون قال عنه ابن حبيب: لا يجوز وإن كان في مال.
وقال مطرف: ويحلف مع شاهده، ويثبت له القضاء.
[الفصل 3 - اليمين مع الشاهد من النساء] قال ابن الماجشون: وما جاز فيه شاهد ويمين جاز فيه شاهد وامرأتان أو امرأتان مع اليمين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا شهد النساء لرجل أن فلاناً أوصى له بكذا جازت شهادتهن مع يمينه كما لو شهد بذلك رجل واحد.
قال: وامرأتان في ذلك ومائة امرأة سواء يحلف الطالب معهن ويستحق ولا يحلف مع

الجزء: 17 - الصفحة: 432

امرأة واحدة.
قال ابن المواز: تجوز شهادتهن في الوصية مع يمين الموصى له ما لم يكن فيها عتق، وقد قيل: تجوز في الوصية مع يمين الطالب، وتسقط في العتق، وإنما الذي إذا سقطت في بعضها سقطت في كلها ما كان فيه تهمة، مثل أن يشهد لرجل ولنفسه أو لمن يتهم عليه.
[الفصل 4 - إذا شهد النساء بحق لصغير فمتى يحلف؟] ومن المدونة: وإذا شهد النساء لعبد أو امرأة أو لذمي فإنه يحلف ويستحق فأما إن شهدن لصبي فإنه لا يحلف حتى يبلغ.
ابن المواز: ويحلف له المطلوب فإن نكل غرم، وإن حلف ترك حتى يبلغ الصبي فيحلف، ويستحق فإن نكل لم يحلف له المطلوب ثانية.
وكذلك قال ابن القاسم في العتبية: قال بعض فقهائنا من القرويين: وإذا حلف الغريم استؤني بالصبي حتى يكبر فمات الصبي قبل بلوغه فلورثته أن يحلفوا ويستحقوا ويقوموا مقام الصبي لو كبر.
ومن المدونة: وإن كان في الورثة أكابر مع أصاغر حلف الأكابر وأخذوا مقدار

الجزء: 17 - الصفحة: 433

حقهم، فإن نكلوا وبلغ الأصاغر كان لهم أن يحلفوا ويستحقوا حقهم.
قال بعض فقهائنا القرويين: فلو مات الصغير قبل بلوغه، وورثه الكبير الذي نكل عن اليمين فليس له أن يحلف؛ لأنه قد نكل أولاً عن اليمين، وهو الحق الذي شهد به الشاهد فلا يرجع عليهم بيمين قد نكل عنها.
م/: ويظهر لي أن له أن يحلف على نصيب الصغير، ويتسحق حقه؛ لأنه ورث حق الصغير فقد حل محله في اليمين، وإنما كان نكوله أولاً عن اليمين على حصته.
ألا ترى أنه لو حلف أولاً وأخذ مقدار حصته، ثم ورث الصغير لم يأخذ نصيبه إلا بيمين ثانية، فإذا نكل أولاً فلا يسقط إلا ما نكل عنه وذلك كحقين بكتابين يقوم له بكل حق شاهد، فليس نكوله عن أحدهما يسقط حقه من الآخر.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا قام للميت شاهد بدين ووارث صغير حلف المطلوب له فإن حلف ترك حتى يبلغ الصبي فيحلف ويستحق، فإن نكل لم يحلف المطلوب له ثانية، وإن نكل المطلوب أولاً غرم.
ويكتب القاضي بذلك قضيته، ويشهد على ما ثبت عنده من شهادة الشاهد لينفذه من بعده إن مات الشاهد أو فسد، وإن أشركه وارث كبير حلف الكبير واستحق قدر حصته، وأحلف المطلوب، فإن نكل عجل حق الطفل إن كان حالاً، ثم لا يمين له على الصغير بعد كبره كحكم نفذ.
قال غيره: ولأنه لو ردت عليه اليمين بعد كبره فنكل عنها كانا قد تساويا في

الجزء: 17 - الصفحة: 434

النكول، ومع الصبي زيادة شهادة الشاهد فوجب أن يأخذ بغير يمين، ولا فائدة في يمين إذا نكل عنها لم توجب حكماً.
وقال ابن حبيب: ترد عليه اليمين بعد كبره ورشده فإن حلف قضي له وإن نكل رد إلى المطلوب ما أخذ منه، وكذلك الحكم في السفيه.
قال في كتاب محمد: وإن حلف المطلوب أولاً أخر عليه الحق حتى يكبر الصبي فيحلف ويأخذ حقه، فإن كان الغريم حينئذ عديماً فإن كان يوم أخذ الكبير حقه لا شيء له إلا ما أخذ رجع الصغير على أخيه بنصف ما كان أخذ بعد يمينه إذا كبر.
قيل: وكيف يحلف الصبي على ما لا يعلم؟ قيل: لا يحلف حتى يعلم بالخبر الذي يتيقن به فله أن يحلف بذلك.
قال مالك: ويحلف على البت أن هذا الحق لحق.
ومن كتاب ابن سحنون وهو ملصق بقول مالك، فإن قيل: كيف يحلف الوارث على ما لم يحضره، ولم يعلم، وهو لا يدري هل شهد له بحق أم لا؟ قال: يحلف معه على خبره وتصديقه كما داز له أن يأخذ ما شهد له به الشاهدان من مال وغيره ولم يعلم ذلك، ولم يختلف في هذا وقد يشهدان له بموت أبيه وبتركته فيأخذ ذلك ولا يعلم ذلك إلا بقولهما.

الجزء: 17 - الصفحة: 435

قال مالك: ويحلف مع الشاهد في دين لأبيه الميت على البت، ولو أقام شاهدين لحلف على العلم أنه ما علم أن أباه قبض ذلك الدين، ولا شيئاً منه.
قال ابن كنانة: ويحلف الكبار مع شاهد والدهم على البت في الدين أنهم لا يعلمون أنه قبض منه شيئاً، ولا قبض له منه قابض فيصير أول اليمين على البت والثاني على العلم.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: فإذا قام للصغير شاهد في شيء بعينه من دار أو عبد أو ماله غلة فيسلم ذلك إلى من هو بيده بعد يمينه، ولا يوقف عليه، فإذا بلغ الصغير وحلف استحقه إن كان قائماً، وإلا فقيمته يومئذ إن كان فائتاً.
وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا شهد شاهد لوارث صغير بصدقة وبحيازتها في الصحة فلم يوجد شاهد آخر فقسمت تلك الصدقة بين الورثة بأمر قاض، ثم كبر الصغير الطالب، أو كان كبيراً غائباً فقدم فجاءه شاهد ثان فإنه يقضي له به مع الأول، ويرد القسم.
وما فات من الرقيق بعتق أو ولادة لم يرد، ويتبع الورثة بالثمن، وإن لم يفوتوا إلا ببيع فليأخذهم ويؤدي الثمن، ويرجع به على الورثة وكذلك الأرض، ويدفع قيمة العمارة.
م/ يريد: قائمة.
قال ابن المواز: أما الكبير فلا يجزئه شاهد ثان حتى يأتي شاهدين غيره؛ لأن تركه اليمين مع الأول إبطال لشهادته.

الجزء: 17 - الصفحة: 436

م/: وهذا إن كان حاضراً فأحلف مع شاهده فنكل وحلف الورثة أنهم لا يعلمون ما شهد به الشاهد، وأما إن كان غائباً فلما قدم أتى بشاهد ثان فإنه يضمه إلى الأول ويرد القسم.
قال ابن المواز: وقوله قسمت بأمر قاض غير صواب، ولكن ينتظر الغائب، وأما الصغير فليوقف له حتى يبلغ إلا ما لا يصلح إيقافه مثل الحيوان ونحو ذلك فليبع، ويوقف ثمنه حتى يكبر فيحلف أو ينكل فيحلف الورثة الأكابر على العلم.
[الفصل 5 - هل على الأخرس والمعتوه وذاهب العقل يمين مع شاهدهم] ومن كتاب ابن سحنون: إذا قام شاهد بدين لميت ووارثه أخرس لا يفهم ولا يفهم عنه ردت اليمين على المطلوب، فإن حلف برئ وإن نكل غرم، وكذلك المعتوه أو ذاهب العقل فليحلف المطلوب فإن نكل غرم، وإن حلف ترك إلى أن يبرأ المعتوه فيحلف ويستحق.
ومن العتبية وكتاب محمد ابن سحنون قال أشهب في الميت يثبت عليه الدين فيجد وصيه شاهداً بالبراءة منه، والورثة صغار فليحلف الطالب أنه ما قبض شيئاً.
فإن حلف دفع إليه المال الآن، فإن كبر الصغار حلفوا واسترجعوا المال.
قال أصبغ: جيدة كما قال مالك في الدين يكون لهم.

الجزء: 17 - الصفحة: 437

[الفصل 6 - يمين السفيه البالغ مع شاهده بحق له] ومن العتبية قال ابن القاسم في الشاهد يقوم بحق لسفيه بالغ أنه يحلف مع شاهده بخلاف الصبي فإن نكل حلف المطلوب وبرئ، فإن نكل غرم.
وقاله أصبغ كالعبد والذمي.
قال أصبغ عن ابن القاسم: والسفيه إذا نكل وحلف المطلوب برئ، ولا يمين للسفيه بعد رشده، ولو كان له ذلك لانتظر رشده كما ينتظر الصبي.
وكذلك عنه في كتاب ابن سحنون قال فيه وكذلك البكر المولى عليها تنكل عن اليمين مع شاهدها، فلا يمين لها بعد أن ترضى حالها.
وقال ابن كنانة: لها الرجوع إلى اليمين بعد رضى حالها وإن كان الغريم قد حلف أولاً.
وكان ابن القاسم وأصبغ يريان السفيه كالرشيد إن حلف أخذ، وإن نكل بطل حقه بخلاف الصغير عندهما.
وقال ابن حبيب عن مطرف في السفيه يقوم له شاهد فإنه يحلف له المطلوب، فإن حلف أخر السفيه حتى يرشد فيحلف إن شاء مع شاهده، ويقضي له، فإن أبى لم يكن له يمين على المطلوب؛ لأنه حلف أولاً، ولو كان المطلوب قد نكل أولاً لأخذ منه الحق فإذا رشد السفيه فإن حلف قضي له، وإن نكل رد إلى المطلوب ما أخذ منه، وكذلك إن

الجزء: 17 - الصفحة: 438

كان صبياً فهو كالسفيه فيما ذكرناه.
م/: وهذا خلاف ما تقدم لابن القاسم مع أصبغ في الصبي والسفيه.
وقول مالك وابن القاسم وأصبغ هو الصواب إن شاء الله تعالى.
[الفصل 7 - فيما يقبل فيه الشاهد مع اليمين] ومن المدونة قال مالك: ومن أقام شاهداً أن عبد فلان قتل عبده عمداً أو خطأ فإنه يحلف يميناً واحدة ويستحق العبد ولا يقتله، وإن كان عمداً.
ويخير سيده بين أن يغرم قيمة المقتول ويأخذ عبده أو يسلم عبده، فإن أسلمه لم يقتل؛ لأنه لا يقتل بشاهد واحد، ولا قسامة في العبيد، ومن شهد عليه رجل واحد بالسرقة لم يقطع، ولكن يحلف المسروق منه المتاع مع شاهده، ويستحق متاعه.
وكل جرح لا قصاص فيه مما هو متلف كالجائفة والمألومة وشبههما فالشاهد واليمين فيه جائز؛ لأن العمد والخطأ فيه سواء إنما هو مال.
قال سحنون قال أشهب: وكل جرح فيه قصاص فإنه يقتص فيه بشاهد ويمين الطالب؛ لأن الجراح لا قسامة فيها.
بذلك مضت السنة.
وإنما القسامة في النفس فلما كانت النفس تقتل بشاهد واحد مع القسامة فلذلك اقتص بشاهد واحد مع يمين المجروح وقاله عمر بن عبد العزيز.

الجزء: 17 - الصفحة: 439

ابن حبيب: وقال مطرف عن مالك: تجوز اليمين مع الشاهد في الحقوق والجراح عمدها وخطئها وفي المشاتمة عدا الحدود، من الفرية، والسرقة، والشرب، والعتاق، والطلاق.
ابن حبيب: وقاله عمر بن عبد العزيز.
وقال أشهب عن مالك في العتبية: لا يحلف في الشتم مع شاهده وعسى له أن يحلف المدعى عليه، وأرى إن كان الشاتم معروفاً بالسفه أن يعزر.
ومن المدونة قال مالك: وإذا شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة ضمن المال، ولم قطع، كما لا يقتل العبد القاتل بشاهد ويمين، ولكن يكون جناية في رقبته.
[الفصل 8 - إذا أقام شاهداً بمئة دينار وشاهداً بخمسين ديناراً فله أخذ الخمسين بغير يمين، وله أن يحلف مع شاهد المئة ويأخذها] قال مالك: ومن أقام شاهداً بمئة دينار، وشاهداً بخمسين ديناراً، فإن شاء حلف مع شاهد المئة وقضي له بها، وإلا أخذ منه الخمسين بغير يمين.
يريد ويرد على المشهود عليه اليمين في الخمسين الأخرى، فإن حلف بريء، وإن نكل غرم.
قال بعض شيوخنا من القرويين: وهذا إذا كان ذلك كله في مجلس واحد، أما لو

الجزء: 17 - الصفحة: 440

كان ذلك في مجلسين وادعى الطالب المالين لحلف مع كل شاهد واستحق مئة وخمسين؛ لأنهما مالان وشهادتان.
وقال غيره من بعض فقهاء القرويين: اختلف قول مالك إذا كانت الشهادة في مجلس واحد فمرة جعل ذلك زيادة وليس بتكاذب، فيحلف مع شاهد المئة ويأخذها، وليس للمشهود عليه أن يقوم بشاهد الخمسين.
وقال أيضاً: إن هذا تكاذب فإن كان المطلوب منكراً فادعى المدعي الشهادتين بطلت دعواه كما لو شهد له شاهد أن له عليه بغلاً، وقال الآخر: بل الذي له عليه حمار فادعاهما الطالب جميعاً أن حقه يبطل على هذا، ولا يكون له شيء، وإن ادعى أحدهما وأسقط الثاني، والمطلوب منكر كان له ذلك، ويحلف مع الذي قام به، وإن كان المدعى عليه مقراً بالخمسين منكراً للمئة والشهادة في موطن واحد كان ذلك تكاذباً فقضي بأعدل البينتين على هذا القول فإن تكافأت البينتان سقطتا، وكان القول قول المطلوب مع يمينه في قول ابن القاسم.
وفي قول أشهب القول قوله بغير يمين.
م/: ووجه قول ابن القاسم أن البينتين لما تكافأتا سقطتا وصار مدعياً ومدعى عليه فالقول قول المدعى عليه فالقول قول المدعى عليه مع يمينه.
ووجه مذهب أشهب؛ لأنه أقام على ما ادعى عليه بينة فسقطت عنه اليمين وهذا أضعف؛ لأن البينة لم تصح فأما إذا كانا في مجلسين فهما حقان إذا ادعاهما يحلف مع كل شاهد ويأخذ مئة وخمسين فإن أراد أن يأخذ خمسين بغير يمين فقال ابن القاسم: ليس له ذلك، وله ذلك عند ابن المواز، وهو أشبه؛ لأن الشاهدين

الجزء: 17 - الصفحة: 441

اتفقا على إثبات خمسين كما إذا شهد شاهد عليه بطلقة يوم الجمعة، وشاهد بطلقة يوم السبت إنهما قد اتفقا على طلقة، وتلفق شهادتهما عليه بطلقة، وقد اختلف في تلفيق الأفعال مثل أن يشهد شاهد أنه قال: امرأته طالق إن كلم فلاناً فكلمه، وشهد الآخر أنه قال: امرأته طالق إن دخل دار فلان فدخلها.
[الفصل 9 - المثبت مقدم على النافي] قد قالوا في الذي شهد أنه أقر ببغل، وقال الآخر: بل بحمار في مجلس واحد إذا ادعى البغل والحمار لم يكن له شيء كالمئة مع الخمسين على قول من جعل ذلك تكاذباً، وقد يمكن أن يقال إن ذلك له على قولهم: إن من أثبت من البينة حكماً أولى ممن نفاه، وذلك أن من أثبت البغل فقد نفي الحمار، فيجب أن يأخذ البغل بعد يمينه، ومن أثبت الحمار فقد نفى البغل، فيجب أن يقوم بإثباته فيأخذ الحمار بعد يمينه، كما قالوا لو شهد شاهدان أنه أقر لفلان بمئة، وقال آخران: كنا حضوراً فلم يقر بشيء أن من أثبت حكماً أولى ممن نفاه.
كما لو شهد شاهدان أن رأيناه في الوقت الفلاني قتل فلاناً، وشهد آخران أنه كان معنا في الوقت الفلاني لم يخرج إلى الليل أن من أثبت حكماً أولى ممن نفاه.
وقد اختلف إذا شهد شاهدان أنه طلق امرأته في الوقت الفلاني ولم يقل غير ذلك، وشهد آخران أنا كنا معهما في ذلك الوقت فأعتق عبده ولم يطلق امرأته.
فقال في كتاب محمد: إن هذا تكاذب، ويسقط في التكافؤ ولا يلزمه شيء، وألزمه ذلك في كتاب ابن حبيب وهو نحو ما تأولنا أن من أثبت حكماً أولى ممن نفاه.

الجزء: 17 - الصفحة: 442

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن شهد أحدهما أن فلاناً قتل فلاناً بالسيف وشهد آخر أنه قتله بالحجر فشهادتهما باطلة، ولا قسامة فيه؛ لأن أحدهما كاذب.
قال سحنون: يدعون شهادة من شاءوا منهما ويقسمون معه.
فصل [10 - في الشاهد للميت أو للحي هل يحلف غرماؤه؟] ومن المجموعة قال مالك في الميت يقوم له شاهد بدين، وعليه ديون، فأبى ورثته اليمين مع الشاهد، فللغرماء أن يحلفوا ويأخذوا حقوقهم، فإن فضل شيء لم يكن للورثة معاودة اليمين؛ لنكولهم عنها أولاً.
يريد ويحلف الغريم، ويبرأ من بقية المال كورثة قام لهم شاهد بحق فحلف بعض، ونكل بعض أن الغريم يحلف، ويسقط عنه قدر نصيب من نكل، إلا أن يقول الورثة لم نعلم أن لنا فيه فضلاً، ويعلم ذلك فليحلفوا ويأخذوا.
قال سحنون: وإنما كان للورثة أن يحلفوا أولاً؛ لأنه لو نكل الغرماء عن اليمين أنهم لم يقبضوا دينهم كان للورثة اليمين مع الشاهد؛ فلذلك كان لهم أن يحلفوا أولاً، وهذا إن لم يقم الغرماء، فأما إن قاموا، وثبتت حقوقهم، وطلبوا أن يحلفوا فإنهم هم المبتدءون بها؛ لأنهم أولى بتركة الميت.
وروى ابن المواز عن مالك مثل ما تقدم.
قال: والمعروف لمالك أنه يبدأ بيمين الورثة إذا كان في الحق فضل عن دين الغرماء،

الجزء: 17 - الصفحة: 443

فإن لم يكن فضل لم يحلف إلا الغرماء، فإن نكلوا حلف الغريم وبرئ، وإن حلفوا استحقوا الدين، وإن كان لما حلف الغرماء واستحقوا، تركوا دينهم للميت فقد صار الميت كمن لا دين عليه، وصار الدين الذي له ميراثاً، فلا يأخذه الورثة إلا باليمين، إلا أن يتبين من الغرماء أنهم إنما تركوا دينهم للورثة خاصة، أو للذي عليه الدين فهو لمن ترك له، وإلا فهو للميت.
ولو نكل الغرماء فحلف الذي عليه الدين وبرئ، لم يكن للورثة في هذا حق إلا أن يفضل عن الدين فضل فيحلف الورثة، ويستحقون الفضل.
قال ابن المواز: وإن كان لما حلف الغرماء، واستحقوا الدين طرأ للميت مال فيه كفاف للدين، فليس للغرماء ولا للورثة أخذ الدين الذي ثبت بالشاهد إلا بيمين الورثة، ولا تغني يمين الغرماء التي حلفوا أولاً؛ لأنه لما طرأ مال يفي بدينهم صار الورثة أقعد بدين الميت، وباليمين عليه مع الشاهد.
قال ابن القاسم فيمن مات وعليه دين ومهر لامرأته، فأقام الغرماء شاهداً بسقوط المهر، وتركته كفاف بدينهم فليحلفوا، ويزول عنهم المهر، ويأخذوا ما ترك.
ثم إن طرأ مال آخر للميت فليحلف الورثة، ويسقط عنهم المهر، ويرثوا المال الطارئ مع الزوجة.
قال ابن حبيب عن أصبغ: إذا قام للميت أو للمفلس شاهد بالبراءة من دين عليه فليس لغرمائه أن يحلفوا مع شاهده ويبرأوا؛ لأن يمينهم على أنه دفع رجم بالغيب.

الجزء: 17 - الصفحة: 444

قال أبو محمد: والذي ذكر ابن المواز أصح؛ لأن هذه يمين بخبر مخبر لا رجماً بالغيب.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا مات رجل وعليه دين، وللميت دين مؤجل بشهادة رجل، ولا مال للميت، فقيل للطالب: احلف مع شاهد الميت وخذ الدين إذا حل فحلف، ثم طرأ للميت مال قبل أن يحل الدين، فليأخذ منه حقه، ثم لا يأخذ الورثة ذلك الدين حتى يحلفوا مع الشاهد، فإن نكلوا حلف الذي عليه الدين وبرئ، ولو حل الدين وأخذه الحالف، ثم طرأ للميت مال فليأخذه الورثة، ولا يرد ما مضى به الحكم.
قال: وإذا قام لميت شاهد بدين، ولا مال له غير، وعليه دين فيحلف بعض غرمائه مع الشاهد، ويأبى الآخرون اليمين، فإن من حلف يأخذ جميع حقه من هذا الدين لا بمقدار ما يقع له منه لو قام به شاهدان فتحاصوا فيه، وهذا بخلاف الورثة يقوم لهم شاهد بقتل خطأ، فينكل بعضهم، فلا يكون لمن حلف إلا قدر حصته؛ لأن طلبهم في الذمة بعينها وليس طلبهم في هذا المال بعينه.
م/: قال بعض الفقهاء القرويين: ينبغي إذا نكل بعض الغرماء ولا فضل في الدين أن يحلف الغريم، ويسقط عنه حق من نكل، وليس لبقية الغرماء إذا لم يكن في الدين وفاء لحقوقهم أن يقولوا نأخذ ما نكل عنه هذا، كما لم يكن للورثة إذا نكل الغرماء وحلف الغريم أن يأخذ ذلك.
وفي كتاب ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون فيمن عليه دين فأقام شاهداً بدين له ونكل عن اليمين، قال: ليس لغرمائه أن يحلفوا ما كان قائم الوجه، وإن ضرب على يده حتى صار لا يجوز إقراره، فها هنا إن نكل عن اليمين حلف غرماؤه واستحقوا ذلك،

الجزء: 17 - الصفحة: 445

ويحلف كل واحد على أن ما شهد به الشاهد حق، ومن نكل فلا محاصة له مع من حلف، فإن رجع بعد نكوله فإنه لا يقال.
قال ابن الماجشون: للناكل معاودة اليمين، وليس كنكوله عن حق نفسه؛ لأنه يقول ضننت الغريم يحلف، أو لأكشف عن حقيقة الأمر، ما لم يمض الأمر به والحكم فيه.
وفي رواية عيسى أنه إذا نكل أحد منهم كان لمن حلف بقدر حقه، وهو نحو ما في كتاب ابن حبيب عن ابن القاسم.
ونحن ما فسرنا أولاً.

الجزء: 17 - الصفحة: 446

[الباب الثامن]

فيمن شهد بما له فيه منفعة، أو عليه فيه تهمة

[الفصل 1 - فيمن شهد بما له فيه منفعة] قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تجوز شهادة جاز لنفسه».
قال ابن القاسم: فإذا شهد وارثان أن فلاناً تكفل لفلان ولوالدهما بمال فشهادة كلها باطلة؛ لأن فيها جراً إلى أبيهما.
وكذلك لو شهد رجلان أن لهما ولفلان على فلان مئة دينار لم تجز شهادتهما لفلان بحصته من الدين.
م/: وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين أن معنى ذلك إذا شهد في حي واحد لهما أو لغيرهما.
وأما إن كان ذلك في حقين شهدا أن لهما على فلان كذا، ثم شهدا في حق آخر لفلان على المشهود عليه كذا وكذا، فإنها تجوز في حق الأجنبي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وبلغني أن مالكاً قال فيمن شهد لرجل يذكر حي له فيه شيء لم تجز شهادته لا له ولا لغيره، بخلاف شهادته على وصية أوصى له فيه بشيء، هذا إن كان الذي أوصى له فيها بشيء تافه لا يتهم عليه أنها تجوز له ولغيره

الجزء: 17 - الصفحة: 447

لأنه لا ينبغي أن تجاز بعض الشهادة، ويرد بعضها.
وهذا بخلاف ما لو شهد شاهد على وصية فيها عتق ووصايا لقوم، فإن هذا لا تجوز شهادته في العتق، وتجوز في الوصايا للقوم مع إيمانهم، وإنما ترد شهادته إذا شهد له ولغيره، وهذا أحسن ما سمعت.
قال ابن القاسم: وإذا حلفوا مع الشاهد في الوصية فضاق عنها الثلث، فإنما يكون لهم بإيمانهم من الثلث ما فضل عن العتق.
وقال مالك في رجل هلك فيشهد رجل أنه أوصى لقوم بوصايا، وأوصى للشاهد منها بوصية، وأسند الوصية إلى الشاهد، وهو يشهد على جميع ذلك، فإن كان الذي يشهد به لنفسه تافهاً لا يتهم في مثله جازت شهادته.
وقال غيره: إذا اتهم لم تجز شهادته لا له ولا لغيره.
قال سحنون: في هذا الأصل اختلاف عن مالك وغيره.
م/: وظاهر المدونة أنه قرق بين الوصية وغيرها، والفرق بينهما أن الوصايا فيها ضرورة؛ إذ قد يخشى الموصي معالجة الموت، ولا يحضره إلا الذي أوصى له، ولا تلحقه ضرورة في غيرها من الحقوق، وكما أجازوا شهادة الصبيان بالضرورة، وشهادة النساء فيما لا يطلع عليه غيرهن، فكذلك هذا.
وفي كتاب ابن المواز: من شهد له فيها ولغيره لم تجز إلا أن يكون الذي له

الجزء: 17 - الصفحة: 448

فيها شيئاً يسيراً جداً، وكذلك لو كان أوصى فيها لقريب له، أو لمن يتهم عليه، ولأجنبي لم تجز إلا أن يقل الذي لقرابته.
قال: وإن شهد على وصيتين مختلفتين، وله في واحدة شيء، فإن كان يسيراً جازت الوصيتان، وإلا لم تجز فيهما.
محمد بن المواز: وروى عن مالك في شاهدين أوصى إليهما، وأشهدهما في ثلثه أن ثلث ماله ثلثه للمساكين وثلثه لجيرانه وثلثه لهما قال: هذا يسير، وتجوز لهما ولغيرهما، وإن كان شيئاً له بال، فلا تجوز شهادتهما فيه لا لهما ولا لغيرهما، وقد قيل: ولا تجوز أصلاً قل أو كثر، وبهذا أخذ ابن عبد الحكم.
قال ابن المواز: ومعنى قول مالك إن كان مالاً كثيراً مما له بال فلا تجوز لهما ولا لغيرهما.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد فيمن شهد في وصية أوصى له ببعضها، فإن كان معه شاهد آخر جازت شهادته له ولغيره، وإن كان وحده جازت شهادته لغيره ولم تجز له.
م/: وقد تقدم في أول الباب من قول مالك أنها تجوز له ولغيره إذا كان الذي له تافهاً.
وروى عنه ابن وهب أن شهادته لا تجوز له ولا لغيره؛ لأن في شهادته جراً لنفسه، ولو جازت شهادته، لجاز لرجلين قد شهدا الوصية، فشهدا أنه قد أوصى لهما، فثبت حق كل واحد منهما مع يمينه.
قال سحنون في كتاب ابنه: ومعنى قول يحيى بن سعيد هذا أن الشاهد إذا كان معه

الجزء: 17 - الصفحة: 449

غيره أخذ ما شهد به لنفسه بغير يمين إذا كان تافهاً، كما لو شهد رجلان في وصية أوصى لهما فيها بتافه لأخذ التافه بغير يمين.
م/: لأنه أجاز شهادته لنفسه، كما أجاز شهادة الرجلين في الوصية التي أوصى لهما فيها بتافه؛ لأنه أجاز شهادة كل واحد لنفسه وشهادة صاحبه له، فصار كحق شهد فيه رجلان، وكذلك هذا أجاز شهادته لنفسه وشهادة الذي معه له، فصار كحق شهد فيه رجلان، وهذا أبين.
قال بعض فقهاء القرويين: ويحتمل أن يريد يحيى بن سعيد إن كان وحده جازت شهادته لغيره مع يمينه ولم يأخذ هو شيئاً، وإن كان معه غيره أخذ الأجنبي بغير يمين؛ لأن حقه اجتمع عليه شاهدان، وأخذ الشاهد حقه بيمين؛ لأن شهادته لنفسه سقطت فبقي له شاهد واحد فيحلف معه ويأخذ، ويكون هذا مستقيماً إذا كان ما يشهد به لنفسه تافهاً؛ لأنها شهادة لم ترد من أجل التهمة، وإنما ردت من أجل السنة، فجاز أن يمضي بعضها، ويرد بعضها، كمن شهد على وصية فيها عتق ووصايا لقوم بمال.
قال: فإن كان وحده لم يأخذ غيره ما شهد له به حتى يحلف، إلا أن يكون الذي شهد به الشاهد لنفسه كثيراً، فلا تقبل شهادته لا له ولا لغيره.

الجزء: 17 - الصفحة: 450

ومن المدونة قال يحيى بن سعيد في قوم مسافرين من قبائل شتى، توفي أحدهم فأوصى لهم بوصية ولم يشهد على الوصية غيرهم، أن شهادة بعضهم لبعض في الوصية لا تجوز إلا أن يشهد لهم من ليس له في الوصية حق.
فصل [2 - فيمن شهد بما عليه فيه تهمة] قال ابن القاسم: وإن أقررت أن رجلاً دفع إليك ألف درهم وأنها لفلان، حلف فلان مع شهادتك واستحقها إن كان حاضراً، وإن كان غائباً لم تجز شهادتك له؛ لأنك تقر بشيء يبقى في يدك فتتهم.
قال مالك: ولو أودعك رجل وديعة مالاً أو غيره، فشهدت عليه أنه تصدق بها على فلان، فإن كان فلان حاضراً جازت شهادتك لو، وإن كان غائباً لم تجز شهادتك له؛ لأنك تتهم ببقاء المال في يدك، وهذا إذا كانت غيبة تنتفع أنت في مثلها بالمال.
قال في كتاب الوديعة: وإن ادعى المودع أنك أمرته أن يدفعها لفلان ففعل وأنكرت أنت ذلك، فهو ضامن إلا أن تقوم له بينة أنك أمرته، وإن بعثت إلى رجل بمال فقال: تصدقت به علي، وصدقه الرسول، وأنت منكر للصدقة، فالرسول شاهد يحلف معه المبعوث إليه، ويكون المال صدقة عليه.
قيل لمالك: كيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.

الجزء: 17 - الصفحة: 451

قال سحنون في المجموعة: ومعنى المسألة إذا كان المال حاضراً والمأمور والمتصدق عليه حاضرين، فإن كان قد استهلك المال وأنفقه لم تجز شهادة الرسول.
قال ابن المواز: وخالفه أشهب، وقول مالك أحب إلي؛ لأن الرسول لم يتعد بالدفع؛ لإقرار الآمر أنه أمره بالدفع.
ولو قال الآمر: لم آمرك بالدفع إليه، ولكن لتتصدق بها، أو لتكون عندك لحلف وغرم ذلك الرسول، ورجع بها على من دفعها إليه.
قال ابن المواز في الرسولين للرجل يزوجانه أو يشتريان له جارية، فلا تجوز شهادتهما على ذلك وإن حضر المرسل.
م/: يريد: وجحد المشهود عليه.
قال ابن المواز: وأحب إلينا إن كانا هما عقدا النكاح له لم تجز شهادتهما، وإن ولي عقده غيرهما جازت شهادتهما.
قال ابن القاسم: وإن بعثت مع رجلين مالاً يدفعانه إلى رجل وقال: لا تشهدا عليه غيركما ففعلا ثم أنكر القابض، فلا تجوز شهادتهما عليه؛ لدفعهما عن أنفسهما معرة التهمة، ولا يضمنان؛ لأنهما بذلك مأموران.
وقاله أصبغ.

الجزء: 17 - الصفحة: 452

فصل [3 - فيمن جر إلى نفسه نفعاً بشهادته] ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لرجل بعبده، ولرجلين بثلث ماله، وشهدا أنه الموصي له بالعبد قتل الموصي، لم تجز شهادتهما؛ إذ لهما فيه منفعة، ولو لم يوص إلا بمقدار ثلثه إذا جمع مع العبد جازت شهادتهما؛ لارتفاع الحصاص.
وقال ابن المواز: شهادتهما جائزة بكل حال؛ إذ لابد من الحصاص إما لهما وإما للورثة.
م/: وهذا إذا كانا فقيهين عالمين أن الحصاص لابد منه إما له أو للورثة، وإن كانا يظنان أن الحصاص يسقط عنهما لسقوط محاصة القاتل، فلا تجوز شهادتهما.
قال ابن المواز: وكذلك من أوصى له بعبده مبدأ، وبوصايا لقوم، فشهد الموصي لهم أن الموصي له بالعبد قتل الموصي، جازت شهادتهم؛ إذ لا نفع لهم بها؛ لأن الورثة يقومون مقام المبدأ.
م/: وهذه مثل الأولى، والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 453

[الباب التاسع]

فيمن سمع رجلاً ينص شهادته، أو سمع طلاقاً، أو قذفا هل يشهد به، وفي الشهادة على الخط.

[الفصل 1 - فيمن سمع رجلاً ينص شهادته أو سمع طلاقاً أو قذفاً هل يشهد به؟] قال ابن القاسم: ومن سمع رجلاً يذكر شهادته أن لفلان على فلان كذا، أو يقول: سمعت فلاناً يقذف فلاناً، أو يطلق زوجته، فلا يشهد على شهادته حتى يقول له: اشهد على شهادتي.
وفي كتاب ابن المواز: وإن سمع قوماً يقولون لقوم: اشهدوا على شهادتنا أن لفلان على فلان كذا، فلا يشهد على شهادتهم حتى يقولوا له: اشهد على شهادتنا.
ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب في رجلين سمعا رجلاً يذكر أن عنده شهادة في كذا فلا ينقلان عنه، وإن نقلا لم يقبل.
قال أشهب: وليس بضيق أن يرفع ذلك إلى الإمام.
وقد قيل: لا يرفعهما خوفاً أن يغلط فيقضي بها، ولو أشهده لزمه أن يشهد، وإن كان وحده.
ومن المدونة قال مالك: ومن سمع رجلاً يطلق زوجته، أو يقذف رجلاً، فليشهد بذلك، وإن لم يشهده، وعليه أن يخبر بذلك من له الشهادة.
ويشهد في الحدود بما يسمع

الجزء: 17 - الصفحة: 454

إن كان معه غيره.
م/: خوفاً أن يقول له المقذوف: كذبت لم يقذفني بكذا إنما عرضت أنت بقذفي فيحده.
قال ابن القاسم: وسمعت مالكاً يقول قبل ذلك فيمن مر برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما كلامهما، ولم يشهداه، ثم يطلب أحدهما تلك الشهادة.
قال: لا يشهد له.
قال ابن القاسم: إلا أن يستوعب كلامهما من أوله إلى آخره فليشهد، وإلا فلا؛ إذ قد يكون قبله أو بعده كلام يبطله.
وفي كتاب ابن المواز: قال مالك: فيمن سمع رجلين يتنازعان في أصل فأقر أحدهما للآخر ولم يشهده.
قال: لا يشهد إلا أن يكون قذفا فليشهد إن سمعه مع غيره.
قال أشهب: هذه رواية فيها وهم، وليشهد بما سمع من إقرار أو غصب أو حد، ولا يكتمها فإن علم من هي له فليعلمه.
فصل [2 - الشهادة على الخط] ومن كتاب ابن سحنون وغيره قال مالك وأصحابه: الشهادة جائزة على خط المقر، وقد أجمعوا أن الخط رسم يدرك بحاسة البصر، ووجدنا البصر يميز بين الخطين والشخصين مع جواز اشتباه ذلك، فلما جوزها في الشخص مع جواز الاشتباه فيه جازت على

الجزء: 17 - الصفحة: 455

الخط.
قال مالك في العتبية وغيرها فيمن كتب على نفسه ذكر حق، وكتب في أسفله بخطه؛ فهلك الشهود، ثم جحد، فشهد رجلان أن ذلك خطه، أن ذلك يجوز عليه، كإقراره.
ولا يمين على المشهود له مع شهادة الشاهدين على خط المقر.
قال عيسى عن ابن القاسم وذكر ابن المواز: ولو شهد على خطه رجل حلف الطالب واستحق.
وقال أشهب عن مالك في امرأة كتب إليها زوجها بطلاقها فشهد على خطه رجلان أن ذلك ينفعها.
ابن المواز: أما الشهادة على خط المقر فلم يختلف فيها قول مالك، وأما على خط الشاهد فما علمت من حكم به، كما لو سمعا الشاهد ينص شهادته، لم يجز أن ينقلاها حتى يقول لهما: اشهدا علي بذلك.
قال: والذي آخذ به أنه لا تجوز الشهادة على الخط إلا من كتب شهادته على نفسه فهو كإقراره.
م/ وفرق بعض القرويين بينهما بأن قال: الشاهد لا يكتب شهادته إلا بعد أن يتحققها مع علمه بأنها ستنقل عنه، وهي مثل الذي يشهد عند القاضي، ثم يعزل القاضي

الجزء: 17 - الصفحة: 456

ويموت الشاهد فيشهد قوم على شهادته، فأجاز ذلك في المدونة، وهو نحو الشهادة على خطه، ومثله لو أشهد الشاهد قوماً على شهادته، وآخرون يسمعون ولم يشهدهم، واحتيج إلى شهادة من لم يشهده ممن سمعه لكان الأشبه أيضاً أن تجوز، وإنما خيف في شهادة السماع أن يكون حاكي شهادته في حديث يحدث به لم يحققها إذ ليس حديثه موضع إحكام، وقد يكون لو دعي إلى أن يضعها في كتاب، أو يشهد بها عند القاضي لتوقف في بعضها فلذلك لم تجز الشهادة عليه.
وقال عبد الملك: تجوز شهادتهما على معرفة خط الشاهدين في كتاب، ويقضي بذلك، وقال مثله سحنون.
قال: ويجوز أن يشهد على الوكالة في ذلك الحق.
والله الموفق.

الجزء: 17 - الصفحة: 457

[الباب العاشر]

في شهادة السماع في الولاء وشهادة من يتهم برجوعه إليه من القرابة

[الفصل 1 - في شهادة السماع في الولاء والنسب] قال مالك: وإذا شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى فلان هذا، ولا يعلمان له وارثاً غيره، أو شهد شاهد واحد على البت أنه مولاه أعتقه، ولا يعلم له وارثاً غيره، استؤني بالمال، فإن لم يأت من يستحقه غيره قضي له به مع يمينه، ولا يجر بذلك الولاء.
وقال أشهب: يجر ولاءه بشهادة السماع.
قال ابن المواز: اختلف قول مالك في شهادة السماع في الولاء والنسب.
وذهب أصبغ في ذلك إلى أنه يؤخذ بذلك المال، ولا يثبت له به نسب ولا ولاء.
قال ابن القاسم نحوه ولا يعجبنا هذا، وأكثر قول مالك وابن القاسم أنه يقضي له بالسماع بالنسب والولاء.
م/: هكذا نقلها أبو محمد في كتاب الأقضية لابن المواز.
قال أصبغ: لا تجوز شهادة السماع في الولاء والنسب، ولكن يأخذ بذلك المال مع يمينه، ولا يثبت له ولاء.
قال ابن المواز: ولم يعجبنا قول أصبغ.
وإنما شبهه بقول ابن القاسم في الشاهد الواحد في الولاء والنسب إن لم يأت أحد

الجزء: 17 - الصفحة: 458

بأحق منه أحلفه، ودفع إليه المال، ولم يثبت له نسب ولا ولاء؛ لأن الشاهد صار على المال وحده.
قال ابن المواز: صواب كما لو شهد له أحد في وصية فيها عتق، ووصايا لقوم بأعيانهم فإنها تجوز للقوم مع أيمانهم وتسقط في العتق، وكذلك هذا شهادته تجوز لهم في المال دون الولاء، وأما شهادة السماع في الولاء فهي جائزة.
قال مالك وابن القاسم: إنها تجوز في الولاء والنسب والحبس والصدقة.
قال ابن المواز: وأما من يموت بغير بلده فتشهد بينة على السماع أنه مولى فلان، ولا يشهدون على العتق، فهذا لا تجوز فيه شهادة السماع.
وقد قال ابن القاسم: سئل مالك عن رجل أصله من المدينة فمات بالمغرب، فيشهد أهل المغرب على السماع على الولاء، ولا يشهدون على العتق؟ فقال مالك: لا تجوز في هذا إلا شهادة قاطعة، وأرى أن يستأني بالمال، فإن لم يوجد له أحد أخذه المشهود له بالسماع مع يمينه.
قال ابن القاسم: وهو أحب إلي.
قال ابن المواز: وليس من يموت في بلده مثل من يموت في غير بلده.
وقال أشهب في المجموعة في شاهدين على السماع في الولاء أنه مولى فلان لا يعلمون له وارثاً، فلا يعجل فيه، فإن لم يأت أحد بعد التأني رأيت له الولاء والمال وله ولاء ولده ومواليه، وإن كان إنما يشهد له على ذلك شاهد واحد على علم نفسه، فإنه لا

الجزء: 17 - الصفحة: 459

يقضي له في ذلك بميراث ولا ولاء، ولا يحلف مع شاهده.
وقال سحنون مثله.
م/: وقاله الغير في كتاب الولاء.
قال بعض شيوخنا القرويين: إنما لم يقض له ابن القاسم في شهادة السماع بالولاء مع المال؛ لأن شهادة السماع في غير البلد يحتمل أن يستفيض ذلك عن رجل واحد، وأما في البلد فتبعد استفاضة ذلك عن رجل واحد، ويقضي في ذلك بالمال والولاء، وذكر أن هذا في كتاب ابن المواز.
م/: والذي في كتاب ابن المواز ما قدمنا، فحمل هذا في المدونة على أنه مات بغير البلد ليتفق فيه قول ابن القاسم، وهو تخريج حسن، والله أعلم بما أراد.
ومن كتاب الشهادات قال ابن القاسم: وأما إن شهد شاهد واحد على السماع لم يقض له بالمال وإن حلف؛ لأن السماع نقل شهادة، ولا تجوز شهادة واحد على شهادة غيره.
قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان أن هذا الميت مولى فلان لا يعلمون له وارثاً غيره لم تتم هذه الشهادة على الولاء حتى يقولوا إنه أعتق أو أعتق أباه، ولا يعلمون له وارثاً غيره، أو يشهدوا على إقرار الميت أن هذا مولاه، أو على شهادة بينة أن هذا مولاه.

الجزء: 17 - الصفحة: 460

قال أشهب في كتاب الولاء: إن قدر على البينة لم يقض بها حتى يكشفوا عن ذلك، وإن لم يقدر عليهم حتى ماتوا قضى له بالمال وبالولاء.
م/: وقول أشهب هذا وفاق لابن القاسم، والحجة في ذلك، وإيعاب هذه المسألة في كتاب الولاء.
فصل [2 - شهادة من يتهم برجوع الولاء له] قال ابن القاسم: وإن شهد لرجل أعماله أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدع المولى ولداً ولا موالي، وإنما ترك مالاً جازت الشهادة؛ لارتفاع التهمة.
وإن ترك ولداً أو موالي يتهمون على جر ولائهم يوماً ما لتعددهم لم تجز.
وقد قال مالك في ابني عم شهدا لابن عمهما على عتق، أنهما إن كانا يتهمان؛ لقربهما منه في جر الولاء لم يجز ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهم منه جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهم يوماً ما.

الجزء: 17 - الصفحة: 461

[الباب الحادي عشر]

في شهادة السماع في الأحباس والصدقات والمواريث وغير ذلك

[الفصل 1 - الشهادة على السماع فيما قدم عهده من الأحباس وغيرها] ولما لم يكن سبيل إلى وجود البينات على أصول الأشياء عند تقادم الأزمنة، وانقطاع البينة، كانت شهادة السماع في ذلك قاطعة.
قال مالك رحمه الله: والشهادة على السماع في الأحباس جائزة لطول زمانها يشهدون أنا لم نزل نسمع، -قال محمد من الثقات- أن هذه الدار حبس تحاز بحوز الأحباس، وإن لم ينقلوا عن بينة معينين إلا قولهم سمعنا وبلغنا، ولو نقلوا عن قوم عدول معينين أشهدوهم لم تكن سماعاً، وكانت شهادة.
قال مالك: وليس عندنا أحد ممن يشهد على أحباس النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه إلا على السماع.
وسئل مالك عن قوم شهدوا على السماع في حبس على قوم، وأنه يعرف أن من مات منهم لا تدخل في نصيبه زوجته، وتهلك ابنة الميت، فلا يدخل فيه ولدها ولا زوجها.

الجزء: 17 - الصفحة: 462

فقال: أراه حبساً تاماً، وإن لم يشهدوا على أصل الحبس.
قال ابن القاسم: ولو لم يذكروا ذلك كله، وذكروا من السماع ما يستدل به فذلك جائز.
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون ومطرف: تجوز شهادة السماع فيما قدم عهده من الأشرية والحيازات والصدقات وكذا الأحباس والنسب والولاء وشبه ذلك، فيجوز ذلك مع يمين الآخذ، وكلما كثر فيها الشهود كان أحب إلينا، ولو لم يكن إلا شاهدان عدلان جاز، ويقولان: إنا سمعنا سماعاً فاشياً.
وقاله مالك.
قال مالك في المجموعة: ولم يشهد في صدقة عمر وطلحة إلا رجلان في صدقة كل واحد منهما.
قال مطرف وابن الماجشون: وتجوز شهادة السماع في الخمس عشرة سنة ونحوها؛ لتقاصر أعمار الناس.
وقاله أصبغ.
وكذلك فيما طال زمانه إذا حملها أهل العدل عن أهل العدل.
ووجه ذلك أن يقولوا: سمعنا سماعاً فاشياً من أهل العدل أن دار فلان لفلان الغائب،

الجزء: 17 - الصفحة: 463

أو أن فلاناً اشتراها من فلان، وهي حبس.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: وإذا شهد رجلان على السماع، وفي القبيلة مئة رجل من أشباههم وأسنانهم لا يعرفون شيئاً من ذلك، فلا تقبل شهادتهم إلا بأمر يفشو، ويكون عليه أكثر من اثنين.
وأما إن شهد شيخان كبيران، وقد باد جيلهما أنهما سمعا أنها حبس، فذلك جائز، ويكون على المساكين إن لم يسم أحداً.
ومن المدونة قال مالك: ومن قامت دار في يديه خمسين سنة أو ستين سنة، وقدم رجل كان غائباً فادعاها، وثبت الأصل له، وأقام بينة أنها لأبيه أو جده، وثبتت المواريث حتى صارت له، وقال الذي في يديه الدار، اشتريتها من قوم قد انقرضوا وانقرضت البينة، وأتى ببينة يشهدون على السماع، فالذي ينفعه من ذلك أن يشهد قوم أنهم سمعوا أن الذي في يديه الدار، أو واحد من آبائه ابتاعها من القادم، أو من أحد من آبائه، أو ممن ورثها القادم عنه، أو ممن ابتاعها من أحد ممن ذكرنا فذلك يقطع حق القادم منها.
قال مالك: وهاهنا دور تعرف لمن أصلها بالمدينة قد تداولتها الأملاك، فشهادة السماع على مثل هذا جائزة.
قال ابن القاسم: وإن أتى الذي في يده الدار ببينة يشهدون أن هذا الذي في يده

الجزء: 17 - الصفحة: 464

الدار، أو أحداً من آبائه ابتاعها، ولا يدرون ممن، لم ينفعه ذلك، ولو أقام بينة يشهدون على السماع أن أباه ابتاعها ممن ذكرنا منذ خمس سنين ونحوها، لم ينفعه ذلك، ولا يقبل في مثل هذا القرب إلا ببينة تقطع على الشراء، وإنما تجوز شهادة السماع فيما كثر من السنين وتطاول من الزمان، وإن كان المبتاع حياً؛ لأن شراءه ربما تقادم حتى تمضي له أربعون سنة أو أكثر، فإن لم يأت الحائز ببينة تشهد على علم الشراء في قريب الزمان، على السماع في بعيده، قضى بها للقادم الذي استحقها.
[الفصل 2 - فيمن أقر أنه تسلف من رجل ميت مالاً وقضاه] وقد قال مالك فيمن أقر أنه كان تسلف من فلان الميت مالاً وقضاه إياه: فإن كان يذكر من ذلك حديثاً لم يطل زمانه، لم ينفعه قوله: قضيته، وغرم لورثته، إلا أن؟؟؟ بينة قاطعة على القضاء.
وإن طال زمان ذلك حلف المقر وبرئ، -فهذا يدلك على مسألتك في شهادة السماع، إلا أن يكون المقر ذلك على وجه الشكر، يقول جزى الله فلاناً عنا خيراً أسلفني وقضيته، فلا يلزمه في هذا شيء مما أقر به قرب الزمان بعد.
م/ يريد: وكذلك إن ذكر ذلك على معنى الذم.
م/: وقيل: إن كان ذلك على معنى الذم مثل أن يقول: أساء معاملتي، وضيق على

الجزء: 17 - الصفحة: 465

حتى قضيته، فإنه يغرم.
ولا وجه للفرق بين المدح والذم، والصواب أنهما سواء.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا قال بعد موته: كان أسلفني قبل موته بعشر سنين، أو ما أشبه ذلك مالاً، وقضيته إياه بقرب ما أسلفني، فالقول قوله؛ لأن الميت لو كان حياً فطال الأمر هكذا، لكان القول قول هذا في الرد؛ إذ الغالب أن المسلف لا يمكن في العادة أن يؤخره إلى مثل هذا الأمد كالبياعات.
وأما إذا قال: أسلفني قبل موته بسنة أو سنتين ونحوهما مما يمكن في العادة أن يؤخر السلف إلى مثله، وجب عليه الغرم؛ لأن الميت لو كان حياً فقال: لم أقبضه لحلف وأخذ، وأما قوله: إذا كان على وجه الشكر فالقول قوله قرب أو بعد، فكيف يكون هذا مقراً بعمارة ذمته مدعياً للقضاء! فإذا قيل: لأن ذلك لم يعلم إلا من قوله.
قيل: فيلزم هذا، وإن كان غير معنى الشكر، ويجب أن كل من أقر بدين وادعى قضاءه أن القول قوله بيمينه، وهذا لا يقول به أصحابنا.
م/: ووجه قول مالك عندي أنه لم يحمله على وجه الإقرار، وإنما حمله على وجه الشكر، ولم يقصد به الإقرار فلذلك لم يغرمه، والله أعلم.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا تجوز شهادة السماع في مثل الخمس عشرة سنة، ولا يجوز هذا إلا على القطع.
ورواه عن مالك.
وقد تقدم أن مطرفاً وابن الماجشون أجازاها في الخمس عشرة سنة؛ لتقاصر أعمار

الجزء: 17 - الصفحة: 466

الناس.
قال ابن المواز: ولا تجوز شهادة السماع لمدعي دار بيد غيره وقد حازها عليه، وإنما تجوز لمن الدار في يديه إذا أثبت الذي يدعيها البينة أنها لأبيه أو جده أو من هو وارثه، ويكون قد أقامت الدار في يد حائزها سنين، فينقطع في مثلها العلم، ولا يجد من يشهد له إلا على السماع أنا لم نزل نسمع من العدول أن الذي في يده الدار أو أحداً من آبائه ابتاعها من القادم، أو من أحد ممن ورثها القادم عنه، فذلك يقطع حق القادم.
وأما لو شهدوا أنا سمعنا ممن يقول أو ممن يشهد، أن هذه الدار لجد الحائز بشراء من جد هذا القادم فيها، إلا أنا لا نعرف الذين سمعناهم لم ينفع شيء من ذلك.
قال ابن القاسم في المجموعة: فيمن غاب عن دار أو أرض، فدخلها رجل في غيبته، فسكنها زماناً، ثم مات فورثت عنه، ثم أتى الغائب فاستحقها فهو أولى بها، ولا يلتفت إلى ما كان يسمع من الميت فيها فيما يذكر أنه اشتراها.
يريد: لأنه قد عرف أصل حيازته لها، وأما إذا لم يعلم أصل الحيازة لها فالحيازة تنفعه.
وفي باب الحيازة إيعاب هذا.

الجزء: 17 - الصفحة: 467

فصل [3 - شهادة السماع في الأمر الفاشي كالنكاح والموت] ومن العتبية قيل لسحنون: أيشهد في النكاح على السماع؟ فقال: جل أصحابنا يقولون في النكاح: إذا انتشر خبره في الجيران أن فلاناً تزوج فلانة، وسمع الدفاف فله أن يشهد أن فلانة امرأة فلان.
وكذلك في الموت يسمع النياحة ويشهد الجنازة أو لا يشهدها، إلا أن القول كثر بذلك من الناس أنا شهدنا جنازة فلان فليشهد فيه أن فلاناً مات، وإن لم يحضر الموت.
وكذلك النسب يسمع الناس يقولون: إن فلاناً ابن فلان، ويكثر القول بذلك، فليشهد على نسبه.
وكذلك القاضي يولى القضاء، ولا يحضر ولايته إلا بما سمع من الناس، وربما رآه يقضي بين الناس فليشهد أنه كان قاضياً.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في التي تفتدي من زوجها، ثم يشهد لها قوم بالسماع أن زوجها كان يضربها، فذلك جائز بالسماع من أهله ومن الجيران وشبه ذلك من الأمر الفاشي.
قيل: أفيجزئ في هذا شاهد واحد على السماع البين، والأمر المعروف؟ قال: عسى به أن يجوز، وأرى أن يجوز.
قيل: أيحلف مع ذلك؟ قال: لا.
قيل: فيشهد لها شاهد على البتات بالضرر أتحلف معه؟ قال: كيف يعرف ذلك؟ قال: يقول: سمعته واستبان لي.
قال: إن كان هذا يكون فعسى به، وانظر فيه.

الجزء: 17 - الصفحة: 468

قال أصبغ: هو جائز وإن لم يكن معه غيره، وكان سماعاً قاطعاً وإلا حلفت معه، إن كان سماعه فاشياً منتشراً وإن كان غير قاطع، ويرد ما أخذ منها؛ لأنه مال فتحلف مع شاهدها.
والفراق قد مضى بغير ذلك.
وقاله ابن القاسم بعد ذلك أنها تحلف مع شاهدها، ويرد عليها ما أخذ منها، وهو مثل الحقوق، وبالله التوفيق.
انتهى كتاب الشهادات الأول بحمد الله وحسن عونه ويتلوه كتاب الشهادات الثاني.

الجزء: 17 - الصفحة: 469

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل