القطع في السرقة
[الباب الأول]
القضاء في السرقة, وذكر ما يجب فيه القطع, والشهادة على قيمة السرقة وعلى من سرقها
الجزء: 22 - الصفحة: 101
[1 - فصل: دليل القطع في السرقة]
[96/ب] قال الله سبحانه: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:38] الآية.
وبيَّن الرسول صلى الله عليه وسلم ما يجب فيه القطع, «فقطع في مِجَنِّ قيمته ثلاثة دراهم».
و"وفعله عثمان بن عفان" رضي الله عنه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: «مَا طَالَ عَلَيَّ ولاَ نَسيتُ, القَطْعُ في رُبْعِ دينَارٍ فَصَاعِدا».
الجزء: 22 - الصفحة: 102
2 - فصل [في القضاء في السرقة, والنصاب الذي يجب فيه القطع, وحكم المغشوش والرديء من النقدين]
قال مالك رحمه الله فيمن سرق ذهباً: يُنظر إلى وزنه دون قيمته, فإذا بلغ وزنه دينار قطع وإن كانت قيمته درهماً واحداً, وإن لم يبلغ وزنه ربع دينار لم يقطع وإن ساوى ثلاثة دراهم.
وكذلك من سرق فضة نُظِر إلى وزنها دون قيمتها من الذهب, فإذا بلغ وزنها ثلاثة دراهم قطع.
وإنما يقوّم غير الذهب والفضة من سائر الأشياء.
م: وإنما لم يقوّم الذهب والفضة؛ لأن القطع جاء في ربع دينار فوجب ألا ينظر إلى قيمته.
الجزء: 22 - الصفحة: 103
(وقطع عليه السلام فيما قيمته ثلاثة دراهم) , ففي الثلاثة دراهم نفسها أحرى أن يقطع؛ ولأن الذهب والفضة هي أثمان الأشياء, وبها تقوّم المتلفات فوجب ألا تقوّم؛ لأن وزنها هو قيمتها فعوّل على وزنها.
قال عيسى بن دينار: وكذلك في الحَلْي المصوغ من ذهب أو فضة لا ينظر إلى قيمته ولكن إلى وزنه.
ومن كتاب ابن الموَاز: وسواء كان الذهب والفضة دنيئاً أو جيداً, نقرة كان ذلك أو تبراً, ذهبا يعمل أو فضة.
الجزء: 22 - الصفحة: 104
قال: وإذا سرق ثلاثة دراهم ينقص كل درهم نحو الخروبة, أو ثلاث حبات وهي تجوز؛ فلا يقطع فيها حتى تكون قائمة الوزن.
ابن المواز قال أصبغ: وأما مثل الحبتين من كل درهم؛ فإنه
الجزء: 22 - الصفحة: 105
يقطع.
وقال بعض أصحابنا: عن بعض شيوخه القرويين: من سرق دراهم فيها نحاس كثير فإنما يراعى ما فيها من الفضة, ولا يقطع في ثلاثة دراهم منها إلا أن يكون النحاس يسيراً فيقطع.
وكذلك في الزكاة يراعى النحاس القليل من الكثير.
م: وهذا فيه نظر؛ لأن الذهب والفضة الدنيء إنما دناؤه ذلك من غش فيه, فإذا صُفِّي صار ذهبا وفضة جيدين, وكذلك إذا كان
الجزء: 22 - الصفحة: 106
فيهما نحاس فصفي عاد ذهبا وفضة جيدين, فلا فرق بين المغشوش بنحاس أو رصاص أو غيره.
إذ لا يكون [97/أ] قطع وزكاة إلا في الجيد الصافي منه, ويكون ذلك في المغشوش إذا كان هو جواز الناس, وهذا أحوط, وهو ظاهر كتاب محمد, والله أعلم.
[3 - فصل: فيما تُقوَّم به العروض المسروقة, وتكون بقيمتها يوم السرقة]
ومن المدونة: قال مالك: وأما من سرق شيئاً من العروض فإنه يقوّم بالدراهم, فما بلغت قيمته ثلاثة دراهم فأكثر وجب فيه القطع وإن لم يساو ربع دينار, ولو ساوى ربع دينار ولم يساو ثلاثة دراهم لم يقطع فيه.
م: وإنما قال ذلك؛ (لأن النبي صلى الله عليه وسلم إنّما قوّم
الجزء: 22 - الصفحة: 107
العرض المسروق بالدراهم).
وقال بعض أصحابنا: إنما يعني بذلك في بلد إنما يباع فيه العرض بالدراهم خاصة.
فأمّا إن كانت البلدة يباع فيها بالدنانير والدراهم جميعا؛ فهذا إن بلغت القيمة ثلاثة دراهم أو ربع دينار فإنه يقطع وإن لم يساو ثلاثة دراهم.
قال: وقد ذكر الأبهري نحو ذلك.
قال عن بعض شيوخه: ولو كان البلد إنما يباع فيه العرْض ولا يتبايعون بالعين قومت السرقة بالدراهم في أقرب المواضع إليهم التي يُتبايع فيها بالدراهم.
الجزء: 22 - الصفحة: 108
ومن المدونة قال مالك: وصرف الدَّينار في حد القطع اثني عشر درهما بدينار على ما «قوّم عمر بن الخطاب رضي الله عنه الدية اثني عشر ألف درهم» , فلا ينظر إلى الصرف في هذه الأشياء, ارتفع أو انخفض, وإنما ينظر في هذا إلى ما مضت به السنة, وإنما ينظر إلى قيمة السرقة يوم سرقها السارق ولا تبالي زادت قيمتها يوم القيام به أو نقصت.
4 - فصل [في صفة من يُقوّم السرقة, وعددهم, واختلافهم في التقويم]
ويقوّم السرقة أهل العدل والنظر, ولا يقطع بقيمة رجل واحد.
قيل: فإن اختلف المقومون فيها؟.
قال: إذا اجتمع عدلان بصيران أن قيمتها ثلاثة دراهم وجب القطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 109
ابن المواز قال أشهب: كما لو شهدا له بها ديناً على رجل, وشهد له آخران بدرهمين؛ فإنه يقضي بثلاثة دراهم.
5 - فصل [في الشهادة على قيمة السرقة, وما ينبغي للإمام أن يسألهم عنه]
قال ابن القاسم: وينبغي للإمام إذا شهدت عنده بينة على رجل أنه سرق ما يقطع في مثله أن يسألهم عن السرقة: ما هي؟ وكيف هي؟ ومن أين أخرجها؟.
كما يكشفهم عن شهادتهم في الزنى, فإن كان في ذلك ما يدرأ به الحد درأه.
وإنما القطع حد من حدود الله تعالى, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «ادْرؤُا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ».
الجزء: 22 - الصفحة: 110
قال سحنون: إن كان الشهود عالمين بمواقع الشهادة لم [97/ب] يكشفوا, وإن كانوا ممن يجهل ذلك كشفوا.
قال بعض أصحابنا: وضعّف قول سحنون هذا بعض فقهائنا, فقال: ينبغي أن يكشفوا وإن كانوا لا يجهلون, إذ قد يكون رأي الحاكم فيه نفي القطع, ويرى باجتهاده خلاف ما يرونه, فلهذا ينبغي أن يسألهم كما
الجزء: 22 - الصفحة: 111
شرط ابن القاسم.
[6 - فصل: في حبس السارق بعد الشهادة, وتزكية الشهود, وتغير حالهم قبل الحكم أو بعده, ورجوعهم عن شهادتهم]
ومن كتاب السرقة: وإذا شهدت بينة على رجل بالسرقة حبس السارق حتى تزكى البينة, ولا يؤخذ في الحدود والقصاص كفيل, فإن زكوا أقام القاضي ذلك الحد, غاب الشهود وصاحب السرقة أو حضروا, وكذلك إن زكوا بعد أن ماتوا, أو عموا, أو جنوا, أو خرسوا, نفذ الإمام الحد الذي شهدوا به من سرقة, أو زنا, وكذلك الحقوق, وإن ارتدوا, أو فسقوا قبل الحكم لم يحكم بشهادتهم, وسقطوا, وإن ظهر ذلك منهم أو أخذوا يشربون الخمر بعد أن حكم الإمام بإقامة الحد, أو القصاص, إلا أن ذلك لم يقم بعد فإن ذلك ينفذ, ويقام الحد والقصاص وكذلك هذا في الحقوق؛ لأن هذا حكم نفذ بالأمر فيه.
الجزء: 22 - الصفحة: 112
وإذا نفذ الحكم بقتل, أو قصاص, أو رجم, ثم رجعوا قبل إقامة ذلك:
قال ابن القاسم مرة: ينفذ ذلك ويقام, ثم توقف, وقال: أحب إليّ في القتل والقطع والرّجم ونحوه ألاّ يُقام كحرمة القتل ونحوه, قال: فيه العقل, والقياس أن يمضي القتل, ولكني أقف لحرمة القتل وذلك بخلاف الحقوق.
وقال أشهب: ينفذ عليه القتل.
ثم قال: لا ينفذ.
وروى عنه في المرجوم: ألاّ يرجم, ويقام عليه أدنى الحدّين, وهو الجلد.
وروى عنه أصبغ: أنه لا يقام ذلك في قطع لسرقة, أو قصاص, بخلاف رجوعهم في الأموال.
قال أصبغ: والقياس أن يقام القتل والقطع ولكني
الجزء: 22 - الصفحة: 113
استحسن أن يبطل, ولا تكون فيه دية على الشهود, ولا على المشهود عليه.
الجزء: 22 - الصفحة: 114
وقاله ابن المواز.
وأما المرجوم فيجلد ولا يرجم.
[7 - فصل: في شهادة المبرَّزين, والكفار, والأخوين لأخيهم]
ومن المدونة: وإذا شهدت البينة في الحدود لم يفّرِّقهم الإمام إذا كانوا عدولاً مبرزين إلا أن يستنكر منهم شيئا.
ولا تجوز شهادة أهل الكفر في سرقة ولا غيرها على مسلم أو كافر.
قال في باب بعد هذا: وشهادة الأخوين لأخيهما أن هذا سرق متاعه جائزة إن كانا عدلين.
الجزء: 22 - الصفحة: 115
الباب [الثاني]
في القيام [98/أ] بالسارق, والعفو عنه, والشفاعة له, والشهادة عليه
[8 - فصل: صاحب الحق في رفع الدعوى على السارق والعفو عنه]
قال مالك: ومن سرق متاعاً سراً لرجل غائب فقام به أجنبي قطع, وإذا لم يقم رب المتاع على السارق وتركه بعد أن أخذ منه السرقة أو لم يأخذها, أو عفا عنه, ثم رفعه بعد ذلك بزمان هو أو غيره إلى السلطان قطع.
وكذلك إن قام بزانٍ فإنه يحد.
قال مالك: وليس للوالي أن يعفو إذا انتهت إليه الحدود.
وقد قال صلى الله عليه وسلم لصفوان في الذي سرق ردآءه: «فَهَلاَّ قَبْلّ أنْ تأتِيَنَي به».
الجزء: 22 - الصفحة: 116
وهذا بخلاف القاذف يرفعه غير المقذوف, هذا لا يحد حتى يرفعه المقذوف.
ولو سمع الإمام رجلا يقذف رجلا ومعه من تثبت شهادته عليه أقام عليه الإمام الحد.
ومن عفا عن قاذفه قبل بلوغ الإمام لزمه, ولا رجوع له فيه, وكان مالك يقول: في القذف العفو وإن بلغ الإمام.
"وقاله عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه".
الجزء: 22 - الصفحة: 117
ثم رجع مالك فقال: لا عفو فيه إذا بلغ الإمام؛ إلا أن يريد المقذوف ستراً, مثل أن يخاف أنه إن لم يعف عنه أثبت ذلك عليه.
وفي كتاب القذف إيعاب هذا.
قال مالك: ولا يحل للبيَّنة الكف عن الشَّهادة على السرقة إذا رُفع السارق إلى الإمام.
[9 - فصل: في الشفاعة للسارق, والشهادة عليه]
ولا بأس بالشفاعة للسارق إذا لم يعرف منه أذى للناس, وإنما كانت منه زلة, ما لم يبلغ الإمام, أو الشرط, أو الحرس, فإذا بلغهم لم تجز الشفاعة.
وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لَعَنَ اللهُ الشَّافِعَ والمُشَفْعَ لَه».
الجزء: 22 - الصفحة: 118
قال مالك: وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يشفع له, ويترك حتى يحد.
وإذا عاينت البينة إخراج المتاع من البيت ولا يدرون لمن هو فلا يشهدوان بملكه لرب البيت, ولكن يؤدون ما عاينو وعلموا, ويقطع السارق, ويقضى بالمتاع لرب الدار.
وكذلك إن عاينوا أنه غصبه ثوباً, وكذلك يشهدون لبائع السلعة في فلس المبتاع أنه باعها منه, ولا يقولون: أنها له حين باعها, ولا يشهدون من ذلك إلا ما عاينوا وعلموا.
الجزء: 22 - الصفحة: 119
الباب [الثالث]
فيمن سرق متاعاً فقال: ربه أرسلني.
فصدقه ربه أو قال: هو له, أو ما سرق مني شيئاً.
قال مالك: ومن سرق متاعاً لرجل وقال: رب المتاع أرسلني فليقطع وإن صدقه ربه أنه بعثه, [98/ب] كان معه في بلد أو لم يكن.
وإن أخذ في جوف الليل ومعه متاع فقال: فلان أرسلني إلى منزله فأخذت منه هذا المتاع فإن عرف منه انقطاع إليه وأشبه ما قال, لم يقطع, وإلا قطع ولم يصدق.
وإذا شهدت بينة على رجل أنه سرق متاعاً فقال رب المتاع:
الجزء: 22 - الصفحة: 120
ما سرق مني شيئاً؛ فليقطع.
ولو قال السارق: حلَّفوه أنه ليس المتاع لي, فلا بد من قطعه, ويحلف له الطالب ويأخذه, فإن نكل حلف السارق وأخذه.
قال ابن المواز: ولو أقام المشهود عليه شاهداً عدلاً أن المتاع له؛ فليقض له به مع يمينه ويقطع.
قال في العتبية: ولو صدقه المسروق منه فقال: هو متاعه, فلا بد من قطعه.
قال عيسى: أحب إلى إذا صدَّقه صاحب المتاع ألاَّ يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 121
الباب [الرابع]
في سرقة الجماعة, والسرقة من الجماعة, وتكرار السرقة, والسرقة من غير مالك, أو ما قُطع فيه, وسرقة الذمي, وسرقة الخمر والخنزير
[10 - فصل: في سرقة الجماعة]
قال مالك رحمه الله: وإذا سرق جماعة ما تعاونوا في إخراجه من الحرز لثقلة قطعوا كلهم, وإن لم يكن في قيمته إلا ثلاثة دراهم فأكثر.
وكذلك إن حملوه على ظهر أحدهم في الحرز, ثم خرج به, إذا لم يقدر على إخراجه إلا بمعاونتهم ورفعهم معه, ويصيرون كأنهم حملوه على دابة فيقطعون إذا تعاونوا عليه لثقله أو لكثرته.
وإذا حملوه على ظهر أحدهم وهو قادر على حمله دونهم كالثوب, والصرة, لم يقطع إلا الخارج به, كما لو خرج به دون عونهم.
الجزء: 22 - الصفحة: 122
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: وإن خرجوا بالثوب, أو الشيء الخفيف يحملونه جميعا فإن كان في قيمته لو قسمت عليهم ما يقع لكل واحد ربع دينار قطعوا.
وإن كان يقع لكل واحد أقل من ربع دينار فلا قطع عليهم.
ونحوه روى عنه ابن المواز, وقال سحنون.
قال ابن المواز: قال مالك: وإنما مثل الجماعة يسرقون ما قيمته ثلاثة دراهم, فيقطعون, كما قطعوا يد رجل عمداً لقطعوا, وفي الخطأ تلزم عواقلهم دية اليد, وإن لم يقع على كل عاقلة إلا
الجزء: 22 - الصفحة: 123
ربع عشر الدية.
ومن المدونة قال مالك: ولو خرج كل واحد منهم حاملاً لشيء دون الآخر, وهم شركاء فيما أخرجوا لم يقطع إلا من أخرج منهم ما قيمته ثلاثة دراهم.
[11 - فصل: في السرقة من الجماعة, وتكرار السرقة]
قال مالك: ومن سرق عرْضاً قيمته دراهم [99/أ] وهو لرجلين أو لرجل قطع.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: في السارق يأتي البيت فيه القمح فيسرق منه, وينقله بقُفّةٍ قليلا قليلا ما لا يجب فيه القطع في كل نقلة إلى خارج, حتى يجتمع له ما يجب فيه القطع في سرقة واحدة.
قال: أرى عليه القطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 124
وقال أبو زيد عن ابن القاسم في السارق يدخل البيت في ليلة عشر مرات وكل ذلك يخرج بقيمة درهم أو درهمين: أنه لا قطع عليه حتى يخرج في مرة واحدة ما قيمته ثلاثة دراهم.
قال أبو بكر بن اللباد, قال سحنون: يقطع إذا كان في فور واحد وطلب أن يحتال فاحتيل عليه.
12 - فصل [في السرقة من غير ملك كسرقة ما بيد مودَع ونحوه, وسرقة ما سرقة غيره, وسرقة ما سبق أن قُطع فيه]
قال مالك: ومن سرق متاعاً ممن هو بيده وديعه, أو عارية, أو بإجازة قطع لأنه سارق سرقه من حرز له.
ومن سرق متاعا فسرقة منه سارق, ثم سرقه من الثاني ثالث, قطعوا كلهم
الجزء: 22 - الصفحة: 125
لأنهم سراق كلهم.
ومن سرق متاعا فقطع فيه, ثم سرقة ثانية وثالثة فإنه يقطع في كل مرة.
[13 - فصل: في سرقة المرأة, والذمي, وكيف إذا حارب أو زنى]
وإذا سرقت الحرة, أو من فيها بقية رق, أو ذمية, قطعت.
وإذا سرق الذمي قطع لأن السرقة من الفساد في الأرض, فلا يقروا عليها كالحرابة.
وأجمع الناس أنه إذا حارب حكم عليه بحكم المحارب.
وأمَّا إن زنى فلا يقام عليه الحد, إذ ليس فيه من الضرر ما في الأموال, ويرد إلى أهل دينه, ولا أمنعهم رجمه إن شاءوا.
الجزء: 22 - الصفحة: 126
14 - فصل [في سرقة الخمر والخنزير]
ولا قطع في سرقة خمر, أو نبيذ مسكر, أو خنزير, وإن كان لذمي إذا لا ثمن في ذلك عندنا, وسواء سرقة مسلم أو ذمي, إلا أن للذمي المعاهد قيمته على المسلم إذا زالت عينه, وكذلك على الذمي إذا حكمنا بينهما.
قال عبد الملك: لا قيمة فيما حرم الله عز وجل وعليه الأدب.
الجزء: 22 - الصفحة: 127
الباب [الخامس]
في السرقة من الدار المشتركة, والمباحة, والمأذون فيها, وسرقة الدواب من مرابطها وموافقها
[15 - فصل: في السرقة من الدار المشتركة كالفنادق والعمارات السكنية ذات الشقق ونحوها]
قال ابن القاسم: وإذا كانت دار مشتركة مأذون فيها.
م: -يريد لسكانها- وبيوتها محجورة عن الناس كالفنادق.
قال مالك: فإن السارق إذا أخرج المتاع من بيت منها قطع وإن أخذ في الدار؛ لأنه قد صيَّره إلى غير حرزه.
م: يريد أنه قد صيرَّه إلى موضع لو سرق هو منه لم يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 128
قال سحنون: وذلك [99/ب] إذا كان السارق من سكانها, وإذا لم يكن من سكانها لم يقطع حتى يخرج من باب الدار.
م: يريد إلى موضع لو سرق هو منه أيضاً لم يقطع؛ لأنه صيره إلى موضع ليس بحرز لسارقه.
قال ابن القاسم: ولو نشر أحد من أهل هذه الدار ثوبه على ظهر بيته وهو محجور عن الناس قطع سارقه.
م: لأن ظهر بيته كداخل بيته.
وقد قال ابن القاسم عن مالك فيمن حلف ألاّ يدخل داراً سماها فقام على ظهر بيت منها: فإنه يحنث.
قال ابن القاسم: ولو كان الثوب في صحن الدار لم يقطع سارقه إن كان سارقه من أهل الدار, وإن كان من غيرها قطع إذا خرج به من جميعها, إلا أن تكون الدار مباحة لا يمنع منها أحد فلا يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 129
قال سحنون: جيدة
[16 - فصل: في أحكام الدار الخاصة, وذكر الخائن, وسرقة الضيف]
قال ابن القاسم: وإن كانت الدار مأذونا فيها -م: يريد غير مشتركة.
قال:- وفيها تابوت مغلق ففتحه بعض من أذن له في الدخول فيها, وأخرج المتاع منه, وأخذ قبل أن يبرح بالمتاع منه, فلا يقطع.
م: يريد: وكذلك لو خرج من جميع الدار لم يقطع, لأنه ممن أذن له في الدخول فهو خائن.
قال ابن القاسم: وإن كان ممن لم يؤذن له لم يقطع أيضاً, إذا أخذ في الدار, إلا أن يؤخذ بعد ما خرج منها فليقطع هذا.
وقد قال مالك في الضيف يسرق من بعض منازل الدار المغلقة عنه: لا يقطع لأنه؛ إئتمنه حين ادخله بيته.
وقال سحنون: يقطع الضيف والمأذون له إذا سرقا من بيت مغلق
الجزء: 22 - الصفحة: 130
عنهما, وكذلك من تابوت كبيرا؛ لأنه كالخزانة, فإذا أخرج منه المتاع, أو من البيت المغلق قطع, وإن أخذ في الدار, كالزوجة تسرق من بيت قفله عنها زوجها.
وأما غير المأذون فلا يقطع حتى يخرج بالسرقة من الدار.
ولو سرق المأذون له تابوتاً صغيراً.
أو فتح قفله فسرق منه لم يقطع.
وفي النوادر قال سحنون عن ابن القاسم, وفي مختصر أبي محمد.
قال ابن المواز عن مالك في الضيف يسرق من بيت من الدار مغلق, أو يكسر تابوتاً فيها ويسرق ما فيه: فلا يقطع, إن كانت الدار غير مشتركة.
وكذلك إن دق خزانة في البيت, أو تابوتاً كبيراً, فسرق منه, فهو خائن.
م: وهذا وفاق لما في المدونة.
الجزء: 22 - الصفحة: 131
[17 - فصل: في سرقة أحد الزوجين من الآخر]
قال في الكتابين: وكذلك أحد الزوجين يسرق [100/أ] من متاع صاحبه من منزل من الدار قد أغلقه دونه, وما لا يؤذن له في دخوله.
فإن كانت الدار غير مشتركة فلا قطع عليه.
وإن كان فيها ساكن غيرهما فعلى ذلك القطع, كالدار المشتركة, وكذلك مماليكهما إذا أذن لهما في الدخول في دخول الدار وهي غير مشتركة.
م: وتلخيص فقه هذه الدور في ثلاثة أوجه:
فدار مشتركة مأذون فيها لسكانها خاصة.
ودار مشتركة مباحة لجميع الناس, كدار الأنماط بمصر ونحوها.
الجزء: 22 - الصفحة: 132
ودار مأذون فيها غير مشتركة.
فالدار المشتركة المأذون فيها لسكانها: من سرق من السكان من بيت محجور عليه فإنه إذا أخرج المتاع من البيت إلى الساحة قطع, لأنه صيره إلى غير حرز له, وإن سرق من الساحة لم يقطع وإن خرج به من جميع الدار؛ لأنه موضع مأذون له فيه.
وأما إن كان السارق من غير السكان فإنه لا يقطع حتى يخرج من جميع الدار, سواء سرق من البيت أو الساحة, وقاله سحنون.
وقال ابن المواز في هذه: أنه يقطع إذا أخرجه من البيت إلى الساحة, ولو سرق من الساحة لم يقطع حتى يخرج به من جميع الدار.
الجزء: 22 - الصفحة: 133
م: ووجه هذا القول: أنه إذا أخرجه من البيت إلى الساحة فلأنه أخرجه من حرزه إلى موضع الإباحة له, فقد صيره إلى غير حرز له.
ووجه قول سحنون: فلأنه إنما أخرجه إلى موضع محجور عنه لو سرق هو منه لقطع, فلم يصيره إلى موضع الإباحة له, فكأنه أخذ في الحرز الأول لأن الجميع حرز من هذا السارق.
م: والدار المشتركة المباحة لجميع الناس: بيوتها كبيوت السكة النافذة, وساحتها كالسكة النافذة, فمن سرق من بيوتها قطع.
إذا أخرج السرقة من البيت, كان من سكانها, أو من غيرهم.
ومن سرق من ساحتها لم يقطع, وإن خرج من جميع الدار, كان من سكانها, أو من غيرهم.
والدار المأذون فيها الغير مشتركة: فهذه إن سرق منها من أذن له فيها من بيت حجر عليه وأخذ في الدار, أو بعد أن خرج من جميعها, لم
الجزء: 22 - الصفحة: 134
يقطع, وقيل: يقطع إذا أخرجه من البيت.
وساوى سحنون وابن المواز بين الضيف وبين أحد الزوجين يسرق مما حجر عليه الآخر.
غير أن سحنون قال: يقطعون.
وقال ابن [100/ب] المواز عن مالك: لا يقطعون.
قال ابن القاسم: يقطع أحد الزوجين, ولا يقطع الضيف.
م: والفرق عنده بينهما والله عز وجل أعلم: أن أحد الزوجين قد حجر على صحبه ذلك البيت وخصه بالتحجير عليه فقوي الأمر في قطعه, والضيف لم يخصه بالتحجير, ولا من أجله كان الغلق, فكأنه لم يحجره عليه, فلم يقطعه.
م: والقياس المساواة بينهم.
ووجه قول سحنون: أن هذه دار فيها حجر وإذن كالدر المشتركة المأذون فيها لسكانها, فإذا سرق الضيف من بيت حجر فهو كأحد أهل الدار
الجزء: 22 - الصفحة: 135
المشتركة يسرق من بيت محجور عليه فيخرج به فيقطع.
ووجه قول ابن المواز عن مالك: أنها دار لرجل واحد لا يشاركه في سكناها غيره, وجميعها حرز من غير من أذن له فيها, فإذا أخرج المأذون له السرقة من بيت غلق عنه إلى موضع أذن له فيه فهذا إنما أخرجه من حرز إلى حرز فوجب إلاّ يقطع, ثم إذا أخرجه من ذلك الموضع المأذون له فيه إلى خارج الدّار كان أحرى ألاّ يقطع؛ لأنه أخرجه من موضع أذن له فيه فهو خائن, وقد جاء: «لاَ قَطْعَ عَلَى خَائِن».
الجزء: 22 - الصفحة: 136
قال ابن المواز: ولو كان لرجل حانوتان في دار فسرق من كل واحد درهماً ونصفاً, فإن كانت دراً مشتركة لم يقطع, خرج بذلك من الدار كلها أو لم يخرج.
وإن لم تكن مشتركة فإن خرج بذلك من جميع الدار قطع, وإن أخذ فيها لم يقطع.
م: وهذا على أصله في الدار المشتركة: أنه إذا سرق أحد من بيت محجور عنه ما فيه القطع, فأخذ بعد خروجه من البيت فإنه يقطع.
كان من السكان أم لا, فلهذا كان هذا لما سرق من الحانوت ما لا قطع فيه, وأخرجه إلى موضع الإباحة لم يجب قطعه, فبطل أن يضيف إليه ما سرق من غيره لأنها سرقة بعد سرقة.
م: وأما إن كانت الدار غير مشتركة فالسرقتان قد اجتمعتا في يده قبل خرجه من الحرز؛ لأنه لو أخذ في ذلك الموضع وقد سرق من بيت ثلاثة دراهم لم يقطع لأنه في الحرز بعد, فإذا خرج بها من جميع الدار وجب قطعه.
الجزء: 22 - الصفحة: 137
[18 - فصل: في سرقة الدواب من مرابطها ومواقفها, وسرقة الأشياء الثقيلة, وبيان حرز ذلك]
ومن المدونة قال ابن القاسم: والدار المشتركة المأذون فيها إذا سرق رجل منها دواباً من مرابطها قطع.
قال ابن المواز: وإن أخذ في الدار إذا جاوز بها مرابطها, وكذلك الأعكام من الثياب, [101/أ] والأعدال, والشيء الثقيل قد جعل ذلك موضعه, فهو كالدابة على مدودها في الدار المشتركة, أنه يقطع إذا أبرز به عن موضعه.
قال: وأما المتاع يكون في قاعتها مما جعل ليرفع لا على أن يكون ذلك موضعه, فهذا إنما يجب عليه القطع إذا أخرجه من جميع الدار إلا أن يكون يؤذن فيها لكل أحد كالقياسير فلا يقطع في هذا المتاع.
الجزء: 22 - الصفحة: 138
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن كان مربط الدواب في السكة معروفا بفنائه فإنه يقطع من سرقها منه.
ولو كانت على باب المسجد, أو باب الأمير؛ لم يقطع سارقها إلا أن يكون معها حافظ لها فهو حرز لها.
الجزء: 22 - الصفحة: 139
الباب [السادس]
في السارق يؤخذ في الحرز بالمتاع أو بعد أن ألقاه خارجاً, أو ناوله لغيره فيه, أو من باب الحرز, أو النقب, أو ربطه بحبل, وما يكون حرزاً أم لا.
[19 - فصل: الدليل على اشتراط الحرز] قال الرسول عليه السلام: «لاَ قَطْعَ في قَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ في حَرِيسَةِ جَبَلٍ
الجزء: 22 - الصفحة: 140
حتى يَأوِيهَا المُرَاحُ أَوِ الجَرِيْنُ».
الجزء: 22 - الصفحة: 141
كان في ذلك دليل ألاَّ قطع في السرقة حتى تؤخذ من حرز.
قال مالك: ويخرج بها.
قال: وأما إذا جمع السارق المتاع وحمله فأدرك في الحرز قبل أن يخرج به لم يقطع.
[20 - فصل: في السارق يؤخذ في الحرز بعد أن يلقي المتاع خارجاً, وكيف لو قصد إتلافه]
قال ابن القاسم: ولو أُخذ السارق في الحرز بعد أن ألقى المتاع خارجاً: فقد شك فيها مالك بعد أن قال لي: يقطع, وأنا أرى أن يقطع.
وروى عنه أشهب وابن عبد الحكم: أنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 142
قال مالك: وإنما القطع في خروج المتاع لا في خروج السارق.
قال عبد الملك: وما رمى به السارق من الحرز فأتلفه قبل أن يخرج هو من الحر؛ فإن قصد إتلافه مثل أن يرميه في نار تأكله فلا قطع عليه, وأمّا ما كان على غير هذا يرميه ليخرج من الحرز فيأخذه؛ فإنه يقطع؛ هلك أو بقي, وإن أخذ هو في الحرز.
[21 - فصل: فيمن أُخذ خارج الحرز بعد أن ألقى المتاع, أو ناوله لغيره في الحرز, أو كان خارجاً عنه, من باب الحرز أو النقب, أو ربطه بحبل]
ومن المدونة قال مالك: ولو ألقاه خارجاً ثم خرج في طلبه وأُخذ خارجاً فإنه يقطع.
وكذلك لو أدخل فأخذ متاعاً فناوله رجلا خارجاً من الحرز قطع الداخل وحده أخذ في الحرز أو بعد أن خرج.
الجزء: 22 - الصفحة: 143
ولو أدخل [101/ب] الخارج يده في الحرز فناوله الداخل إياه وهو في داخل الحرز قطع الخارج وحده.
وقال أشهب: إن أخرجه بمناولة الداخل قطعا جميعاً.
قال ابن القاسم: ولو التقت أيديهما في المناولة في وسط النقب قطعا جميعاً.
وكذلك لو ربطه الداخل بحبل وجره الخارج, قطعا جميعاً.
م: والفرق بين هذا وبين الذي أدخل يده فتناول السرقة من الداخل عند ابن القاسم: أن الذي أدخل يده فارقت السرقة يد الداخل قبل خروجها من الحرز فهو كما لو كانا جميعا في الحرز فناول أحدهما الآخر شيئاً فخرج به لم يقطع إلا الخارج, والذي ربط السرقة بالحبل رباط الداخل وصنعه في السرقة قد خرج إلى خارج الحرز والآخر جرها إلى خارج فقد تساويا في إخراجها فوجب أن يقطعا جميعا.
الجزء: 22 - الصفحة: 144
وكان أشهب رأى أن المناولة كالرباط.
قال ابن القاسم: ولو قربه الداخل إلى باب الحرز أو النقب فتناوله الخارج؛ قطع الخارج وحده.
[22 - فصل: فيمن جَرَّ شيئاً من حرزه, أو أشار لدابة بعلف فتبعته]
قال: وإذا نقب السارق الحرز وأدخل يده فأخرج الثوب أو جره بقصبة أو عود؛ قطع.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك في الذي يأتي الشاة بالعلف وهي في حرزها يشير إليها بالعلف حتى تخرج إليه, قال مالك: لا يقطع.
وقال ابن القاسم وأشهب: يقطع.
23 - فصل [ما يكون حرزاً وما لا يكون]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ويقطع من سرق من الحوانيت, أو
الجزء: 22 - الصفحة: 145
مما وضع في أفنيتها للبيع, أو في الموقف للبيع.
وكذلك إن لم يكن هناك حانوت كان معه ربه أم لا, سرقه في ليل أو نهار.
وكذلك إن سرق شاة أوقفها ربها في سوق الغنم للبيع وهي مربوطة أو غير مربوطة فعليه القطع.
قال: والمنازل, والبيوت, والدور, والحوانيت, حرز لما فيها, غاب أهلها أو حضروا, وكذلك ظهور الدواب.
ومن سرق متاعاً من الحمام؛ فإن كان معه من يحرزه قطع, وإلا لم يقطع, إلا أن يسرقه أحد لم يدخل الحمام من مدخل الناس, لم يدخل من بابه مثل: أن يتسور, أو ينقب, ونحو ذلك؛ فإنه يقطع, وإن لم يكن مع المتاع حارس.
وليس كالمتاع يوضع في الأفنية للبيع؛ هذا يقطع سارقه وإن لم [102/أ] يكن معه ربه لأنه حاز موضعه دون الناس فصار حرزاً.
الجزء: 22 - الصفحة: 146
والحمام مشترك للداخلين فهو كالصَّنِيع يجتمع الناس فيه فيسرق أحدهم من البيت؛ فإنه لا يقطع.
قال في العتبية: وكذلك من يسرق ما يبسطه الرجل في المسجد في رمضان للجلوس عليه؛ فإن كان معه صاحبه قطع إذا حمله من مكانه وإن لم يخرج به من المسجد, وإن لم يكن معه أحد لم يقطع.
وكذلك قال مالك في محارس الإسكندرية يعلق الناس سلاحهم ومتاعهم فيُسرق من ذلك شيء؛ فإن كان صاحبه عنده قطع, وإلا لم يقطع إلا أن يكون نقب الجدار من ورائه فإنه يقطع, كان عند المتاع أحد أو لم يكن.
قال: ومن سرق من حلي الكعبة شرَّفها الله لم يقطع, لأنهم قد أُذن لهم في دخولها.
قال عيسى عن ابن القاسم: ومن سرق حصر المسجد قطع وإن كان المسجد الحرام الذي لا باب له, وكذلك لو سرق أبواب المسجد فعليه
الجزء: 22 - الصفحة: 147
القطع.
وقاله ابن المواز وأصبغ.
وقال أشهب: لا قطع في حصر المسجد, وقناديله, وبلاطه.
م فوجه قول ابن القاسم: فلأن المسجد حرز لحصره, وقناديله, فذلك كالأمتعة في الموقف للبيع.
ووجه قول أشهب: فلأن المسجد مأذون له في دخوله فلا قطع على من سرق منه؛ كالدار المأذون في دخولها لجميع الناس.
ومن العتبية, وقال في غير هذا الكتاب في الذي يسرق حصر المسجد: إن كان سرقها نهاراً لم يقطع.
وإن كان تسور عليها ليلا بعد أن أغلق بابه قطع.
وقال أيضاً في الذي يسرق من المسجد الحرام, أو مسجد لا غلق فيه: لا يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 148
قال: ومن سرق من القمح الذي يجمع في المسجد من زكاة الفطر يقطع وإن لم يخرجه من المسجد.
وقاله مالك.
ابن حبيب وقال أصبغ: إذا سرقها من المسجد قطع كان معها حارس أو لم يكن كقناديله, وحصره.
ابن حبيب: وبقول مالك أقول أنه لا يقطع إلا أن يكون معها حارس.
وقال ابن القاسم: في الرجل يجعل ثوبه قريباً منه في المسجد ثم يقوم يصلي فيسرقه رجل, قال: أرى عليه القطع حين قبضه قبل أن يتوجه به, ولو لم أر عليه القطع حتى يتوجه إذاً لا يكون عليه قطع حتى يخرج به من المسجد.
ابن القاسم [102/ب] قال مالك في مطامير يخزن فيها الطعام
الجزء: 22 - الصفحة: 149
فيسرق منها رجل, قال: أما ما يكون في الفلاة قد أسلمه صاحبه وأخفاه فلا أرى فيه قطعاً, وما كان بحضرة أهله معروفا فعلى من سرق منها ما قيمته ثلاثة دراهم القطع.
وقال في المدونة: ومن جر ثوباً منشوراً على حائط بعضه في الدار وبعضه خارج إلى الطريق لم يقطع.
م لدراءة الحد بالشبهة إذ بعضه في موضع الإباحة.
وروى عن ابن القاسم وغيره: أنه يقطع بمنزلة ما على البعير.
واختلف عن مالك فيما على حبل الصبَّغ والقصَّار.
وقال في الغسال يخرج بالثياب إلى البحر وينشرها وهو معها فيسرق منها: فلا قطع عليه, وهي بمنزلة الغنم في مراعيها.
الجزء: 22 - الصفحة: 150
الباب [السابع]
في سرقة الثمار المعلَّقة والزرع القائم أو بعد أن آواه الجرين, وسرقة المواشي في مراعيها أو مراحها, وما يكون مرعىً أو مراحاً
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلاَ فِي حَرِيْسَةِ جَبَلٍ, فإذا آوَاهَا الْمُ رَاحُ أّوِ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ».
[24 - فصل: في سرقة الثمار المعلقة والزرع القائم, أو بعد أن آواه الجرين]
قال ابن القاسم: ولا قطع في ثمر في رؤوس النخل في الحوائط, ولا في زرع أو بقل قائم حتى يأويه الجرين.
محمد: وأما في نخلة أو شجرة في دار رجل فإنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 151
قال ابن القاسم: وإذا جمع في الجرين الحب, أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق؛ قطع من سرق منه.
وقال ابن المواز عن أشهب: إذا كان الجرين في صحراء ولا حارس عليه ولا غلق فلا قطع على من سرق منه.
وقال ابن القاسم: عليه القطع.
م فوجه قول ابن القاسم عموم الحديث.
ووجع قول أشهب: فلأن الغالب من الجرين ألاّ يكون في الصحراء وإنما يكون بحضرة الحوائط والفدادين, فكأنه بحضرة أهله فهم الحراس عليه, وفيه ورد الحديث.
وهو كالمطامير تكون بحضرة أهلها أو بالصحراء؛ أن ذلك مفترق, فكذلك هذا.
الجزء: 22 - الصفحة: 152
[25 - فصل: في سرقة ما حُصد وجُمع موضعه ولم ينقل إلى الجرين]
ومن العتبية قال ابن القاسم: سئل مالك عن القمح والقَرَظ, يزرع بمصر يحصد ويوضع في موضعه الذي حصد فيه أياماً لييبس فيسرق, أترى على من سرق منه القطع؟
قال: لا, إنما جاء الحديث: «إذا آواه الجرين».
وقال أشهب عن مالك في الزرع يحصد فيجمع في الحائط [103/أ] في موضع ليحمل إلى الجرين فربما كان عليه من يحرسه, وربما لم يكن, فيسرق منه قتاتا يجب في قيمتها القطع, أترى عليه قطعا؟
قال: نعم, وهو عندي بمنزلة إذا آواه الجرين؛ لأنه قد جمع في الحائط وضم بعضه إلى بعض فصار له حرزاً, وليس ذلك بمنزلة الزرع القائم,
الجزء: 22 - الصفحة: 153
ولا ما في رؤوس النخل من الثمر بمنزلة ما قد جد ووضع في أصولها ففي ذلك القطع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان في الحائط نخلة قد زال رأسها فقطعها رجل من أصلها, أو قطع نخلة بثمرها, فسرقها رجل؛ لم يقطع, وكذلك جميع الشجر.
ولو قطع هذا الجذع ربع وألقاه في الحائط فكان ذلك حرزاً له؛ فإنه يقطع سارقه.
قال أشهب: إذا كان الجنان في حرز وله حارس قطع من سرق النخلة المطروحة فيه.
الجزء: 22 - الصفحة: 154
قال محمد: وأظنه لأنه لا حرز لها إلاّ حيث القيت في الحائط, وأما لو قطعت لتحمل إلى حرز لها معروف لم يقطع.
[25 - فصل: في سرقة المواشي في مراعيها أو مراحها]
قال مالك: ولا قطع في شيء من المواشي في مراعيها حتى يأويها المراح, فإذا آواها المراح فإن كان مراحها إلى غير الدور وليس عليها غلق باب ولا حيطان؛ فعلى من سرق منها القطع, وإن لم يبت معها أهلها كالدواب في مرابطها المعروفة وإن لم يكن لدورها أبواب ولا غلق, والمتاع في الأفنية للبيع, ولا غلق مع ذلك, ولا معه أهله, ففي ذلك القطع.
26 - فصل: [السرقة من غنم بات بها الراعي في المرعى]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الراعي يبعد بغنمه فيدركه
الجزء: 22 - الصفحة: 155
الليل في موضع لم يكن لها مراح فيجمعها ثم يبيت عليها فيسرق منها, قال: على من سرق منها ما يجب فيه القطعُ القطعَ؛ لأن ذلك مثل مراحها.
قال: وحريسة الجبل كل شيء يسرح للمرعى من بعير أو بقرة أو شاة أو دابة أو غير ذلك؛ ليس على من سرق منها شيء.
قيل: فالراعي يجمع غنمه ويخرجها من المرعى فيسوقها للمشي على الطريق رائحا بها إلى مراحها فتسرق منها شاة؟ قال: على من سرق منها ما قيمته ربع دينار القطع.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: لا يقطع إلا أن يسرق منها بعد أن أدخلها القرية وخالطت البيوت وهو يسوقها؛ فإنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 156
م: وجه القول الأول: أنها خرجت من الرعي فليست بحريسة جبل التي ورد فيها نفي القطع.
ووجه الآخر قوله: (حتى يأويها المراح)؛ وهذه لم يأويها مراح [103/ب] بعد.
قال ابن حبيب: وكذلك إذا ساقها من مراحها إلى مسرحها فيسرق منها رجل قبل أن تخرج من بيوت القرية؛ فإنه يقطع.
[27 - فصل: فيما يكون مرعا وما يكون مراحا]
ومن العتبية قال ابن القاسم: وسئل مالك عن الدواب التي تكون في الربيع وقَوَمَتُها معها فتسرق منها دابة وهي على أوتادها مربوطة؟
قال: أراه من ناحية الرعي, وما يعجبني أن يقطع.
قال ابن القاسم: وذلك رأيي.
وكذلك قال عنه أبو زيد في رجل ضرب خباءه في قُرْط فربط
الجزء: 22 - الصفحة: 157
دوابه حوله وفضل عليها لا يحولها من مواضعها فيسرق منها رجل دابة.
قال: لا قطع عليها فيها.
وكذلك في كتاب ابن المواز أيضاً, وقال فيه أيضاً: ومن ربط دابته في مرج ينقل إليها العلف فسرقت؛ فإن كان عندها حارس قطع, وإلا فلا, كان في ليل أو نهار.
قال محمد: ما لم تكن مطلقة ترعى.
م: أرى هذا لأنه لم يخرج إلى ربيعها فتكون من ناحية من ناحية المرعى, وإنما خرج لحاجة فنزل بها في مرج فربطها فيه, وحصد لها العلف فلذلك قال: يقطع, وإن لم يكن هذا معناه فهو تناقض.
م: وقول محمد ما لم تكن مطلقة ترعى يريد: وهي بعيدة عن صاحبها, وأما لو كانت بقرب صاحبها فإنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 158
وكذلك في المستخرجة في هذا.
[28 - فصل: فيمن رفع السلاح في العمران لأخذ المال]
وفي كتاب المحاربين: من كابر بسلاح أو غيره على ماله في زقاق أو دخل عليه حريمه في المصر حكم عليه بحكم الحرابة.
وقد تقدم: أن الحربي إذا دخل إلينا بأمان فسرق فإنه يقطع؛ لأنه لو قتل قتلناه ولو تلصص حكم عليه بحكم الحرابة.
الجزء: 22 - الصفحة: 159
الباب [الثامن]
في سرقة المأذون له, والصبي, والمجنون, والأب والابن, وأحد الزوجين لصاحبه, أو عبد أحدهما للآخر, والمكاتب من مال سيده, والسيد من مال مكاتبه, والشريك من مال شريكه.
[29 - فصل: في سرقة المأذون له, والصبي, والمجنون, والأب والجد]
قال الرسول عليه السلام: «ادْرَءُوا الحُدُودَ بالشُّبُهَاتِ».
وقال عليه السلام: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ».
وروى عنه عليه السلام أنه قال: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ
الجزء: 22 - الصفحة: 160
ثَلاَثَةٍ»؛ فذكر المجنون حتى يفيق, والصبي حتى يحتلم.
قال مالك: ومن أذنت له في دخول بيتك أو دعوته إلى طعامك فسرقك؛ فلا قطع عليه وهذه خيانة, وقد رُوي: «لاَ قَطْعَ عَلَى خَائِن».
قال مالك: ولا يجب على الصبيان حد في سرقة ولا زنى حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية, أو يبلغا سناً لا يبلغه أحد إلا بلغ ذلك من احتلام أو حيض.
وبعد هذا بقية القول فيه.
ولا يقطع المجنون المطبق [104/أ] إذا سرق, وأما الذي يجن ويفيق؛ فإن سرق في حال إفاقته قطع, وإن سرق في حال جنونه
الجزء: 22 - الصفحة: 161
لم يقطع إلا أنه إن سرق في حال إفاقته فأخذ في حال جنونه استوني به حتى يفيق ثم يقطع.
قال مالك: وإذا سرق أحد الأبوين من مال الولد لم يقطع.
قال ابن القاسم: وكذلك الأجداد من قبل الأب والأم أحب إلى أن لا يقطعوا؛ لأنهم آباء؛ ولأن الدية تغلظ على الجد إذا قتل ابن ابنه ولا يقتل.
فإن قيل: إن الجد يقطع؛ لأن نفقة ولد ولده لا تلزمه.
قيل له: فالأب لا تلزمه نفقة ابنه الكبير ولا ابنته الثيب, وهو لا يقطع فيما سرق من أموالهما, ولا يجد فيما وطئ من جواريهما, فكذلك الجد لا حد عليه, ولا قطع ولا نفقة.
الجزء: 22 - الصفحة: 162
30 - فصل [في سرقة الابن من مال أبيه, وأحد الزوجين لصاحبة, أو عبد أحدهما للآخر]
وإذا سرق الابن من مال أبيه قطع, وإذا زنى بجارية أبيه حد.
م: ولم يأت في هذا ما جاء في الأب.
وتقطع المرأة إذا سرقت من مال زوجها من غير بيتها الذي تسكنه, وكذلك خادمتها إن سرقت من مال الزوج من بيت قد حجره عليهم, أو تسرق خادمة الزوج من مال المرأة من بيت قد حجرته عليها.
وقد تقدم بعض هذا.
الجزء: 22 - الصفحة: 163
31 - فصل [في سرقة الأجنبي مع الأب أو العبد أو الأجير]
وإذا سرق الأب مع أجنبي من مال الولد ما قيمته ثلاثة دارهم, قال أشهب: أو ما يقع على الأجنبي منه أكثر من ربع دينار لم يقطع وحد منهما؛ لأن الأب أذن له وذلك شبهة.
وكذلك إن سرق منك رجل أجنبي مع عبدك أو مع أجيرك الذي أئتمنته على دخول بيتك لم يقطع واحد منهما, وإن تعاونا في السرقة.
قال ابن المواز: وذلك إذا كان من موضع أذن للعبد في دخوله, وإن لم يؤذن له في دخوله فالقطع على الأجنبي دون العبد إن سرقا ثلاثة دراهم.
32 - فصل [في السرقة مع الصبي والمجنون]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن سرق شيئاً مع صبي أو مجنون ما قيمته ثلاثة دراهم الصبي ولا المجنون وقطع الذي معه هاهنا.
الجزء: 22 - الصفحة: 164
م: والفرق بينهما وبين سرقة الأجنبي مع الأب أو العبد أن العبد والأب أذنا للسارق وهما ممن يصح أذنهما, والصبي والمجنون ممن لا يصح أذنهما فافترقا.
33 - فصل [في سرقة العبد من سيده وبالعكس]
قال مالك: وإذا سرق العبد أو المكاتب من مال سيده لم يقطع.
قال في العتبية: وإن سرق العبد من مال ابن سيده قطع.
قال في المدونة: وإن سرق السيد من مال عبده أو مكاتبه, أو مكاتب ابنه أو عبد ابنه لم يقطع.
34 - فصل [في سرقة أحد الشريكين أو عبده من مال الشركة]
قال مالك: وإن سرق الشريك من مال الشركة مما قد أغلقا
الجزء: 22 - الصفحة: 165
عليه لم يقطع.
وإن كان أودعاه لرجل [104/ب] فسرقة أحدهما منه قطع, إن كان سرق من حصة شريكه فضلا عن حصته ربع دينار.
قال ابن المواز: مثل أن يسرق ما قيمته ستة دراهم.
ورواه أشهب عن مالك: إذا لم يؤتمن عليه, ومنع منه, كان بيد أجنبي أو بيد أحدهما, وقد حجر عن الآخر, ولم يرض فيه بأمانته.
قال ابن حبيب: وقيل: لا يقطع حتى نصيبه من الجميع بثلاثة دراهم, وهو حسن للدراءة بالشبهة.
والأول أقيس.
قال أشهب: إن سرق عبد من متاع بين سيده وبين رجل آخر فاختلف فيه قول مالك.
وأحب إلينا أنه إن سرق فوق حق سيده بثلاثة دراهم قطع؛ وذلك إذا كان شريك سيد أحرزه عن سيده, ولو كان عند سيده لم يقطع, كما لو
الجزء: 22 - الصفحة: 166
سرق من وديعة عند سيده.
وقد تقدم أن شهادة الأخوين لأخيهما أن هذا سرق متاعه جائزة إذا كانا عدلين.
وبعد هذا يأتي أن من سرق من بيت المال, أو من المغنم, وهو من أهله فإنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 167
الباب [التاسع]
في سرقة الطعام والماء والعروض والطير والسباع وما لا يحل بيعه
قال مالك: ومن سرق ما قيمته دراهم من الطعام الذي يبقى أو لا يبقى مثل اللحم والبطيخ والقثاء وشبهه؛ قطع, والأترجة التي قطع فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه كانت تؤكل ولم تكن ذهبا.
ويقطع سارق القثاء والبقل إذا آواه حرزه ما لم يكن قائماً, وكذلك
الجزء: 22 - الصفحة: 168
سارق الماء يقطع إذا بلغت قيمته دراهم.
ويقطع سارق الزِّرْنيخ والنْطْرون والنّورة والحجارة؛ إذا بلغت قيمته ثلاثة دراهم.
ومن سرق شيئا من سباع الطير بازياً أو غيره؛ قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم, وكذلك في غير سباعه؛ لأن الجميع يؤكل.
الجزء: 22 - الصفحة: 169
وأما سباع الوحش التي لا تؤكل لحومها إذا سرق منها سارق وكان قيمة جلودها إذا ذكيت دون أن تدبغ ثلاثة دراهم قطع؛ لأن لصاحبها بيع جلودها إذا ذكيت, والصلاة عليها, وإن لم تدبغ.
محمد وقال أشهب: أنه إذا سرق سَبُعاً قيمته في عينه ثلاثة دراهم؛ قطع.
قال عن ابن القاسم: ومن سرق حماماً عُرِف بالسبق, أو طائراً عُرِف بالإجابة إذا دعي فأحب إلينا ألا تراعى إلاّ قيمته, على أنه ليس فيه ذلك
الجزء: 22 - الصفحة: 170
مما هو للعب والباطل, وأما سباع الطير المعلمة, فلينظر إلى قيمتها على ما فيها من ذلك.
وذكر عن أشهب: أنه يقوّم ذلك كله بغير ما فيه من ذلك, كان بارزاً معلماً أو غيره, وهو نحو قول مالك في أداء المحرم إياه إذا [105/أ] قتله.
ومن المدونة: ولا قطع في جلد ميتة لم يدبغ, فإذا دبغ ثم سرق فإن كان قيمة ما فيه من الصنعة دون الجلد ثلاثة دراهم قطع, وإلا لم يقطع.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا كان قيمة الجلد المدبوغ ثلاثة دراهم قطع.
وروى عن مالك في غير المدونة: أن من استهلك جلد ميتة لم يدبغ فلا شيء عليه.
قال في المدونة: ومن سرق كلباً صائداً أو غير صائد لم يقطع؛ (لأن
الجزء: 22 - الصفحة: 171
النبي صلى الله عليه وسلم حرَّم ثمنه).
ابن حبيب: وإن كانت في عنقه قلادة تسوي ثلاثة دراهم, وقد رآءها السارق قطع.
قال أبو محمد: وقال أشهب: يقطع في كلب الصيد والماشية.
قال ابن القاسم: في الكلب المأذون فيه: لا يعجبني ثمنه, وإن احتاج محتاج إلى شرائه فهو أخف.
وأجاز ابن كنانة شراءه, وأجازه غيره.
ابن المواز قال أشهب: ومن سرق زيتاً وقعت فيه فأرة
الجزء: 22 - الصفحة: 172
فماتت, فإن كان يسوي أن لو بيع على هذا ثلاثة دراهم؛ قطع.
ومن سرق لحم أضحية, أو جلدها, وقيمة ذلك ثلاثة دراهم؛ قطع.
وقاله أشهب.
وقال ابن حبيب: إن سرق الأضحية قبل الذبح قطع, وأما إن سرقها بعد الذبح فلا يقطع؛ لأنه لا تباع في فلس, ولا موت, ولا تورث للبيع, ولكن لتؤكل.
ولو سرق لحمها ممن تصدق به عليه قطع فيما قيمته ثلاثة دراهم.
[35 - فصل: في سرقة ما لا يحل بيعه]
قال فيه, وفي العتبية ابن القاسم: ومن سرق مزماراً أو عوداً أو غير ذلك من الملاهي, فإن كان في قيمته بعد الكسر ربع دينار قطع, وإلا لم يقطع, وسواء سرقة مسلم أو ذمي.
الجزء: 22 - الصفحة: 173
قال في كتاب ابن حبيب: أو سرقة ذمي من ذمي؛ لأن على الإمام كسرها عليهم إذا أظهروها, ولو كان في ذلك فضة وزنها ثلاثة دراهم, وقد علم بها السارق قطع.
قال في الكتابين: وأما الدّف والكَبَر يسرقهما, فإن كان في قيمة ذلك صحيح ربع دينار قطع؛ لأنه قد أرخص في اللعب بهما.
ومن المدونة قال مالك: ومن سرق صبياً صغيراً حراً أو عبداً من حرزه قطع.
وإن سرق عبداً كبيراً فصيحاً لم يقطع, وإن كان أعجمياً قطع.
قال ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه, وابن شهاب,
الجزء: 22 - الصفحة: 174
والليث, وربيعة.
قال أشهب: وذلك إذا كان الحر الصغير لا يعقل نفسه, والأعجمي الكبير لا يعقل ما يراد به, [105/ب] وإن كان الصبي يعقل فلا قطع
الجزء: 22 - الصفحة: 175
عليه فيه.
وقال ابن الماجشون في موضع آخر: لا قطع على من سرق حُرّاً.
قال الأبهري: قال بعض أصحابنا: ولما كان سارق المال يقطع من أجل الضرر في المال كان المدخل على نسب الإنسان وحرمته الضرر أولى بالقطع.
[36 - فصل: في سرقة المصحف, وحكم الطرَّار والنباش]
قال في المدونة: ومن سرق مصحفاً, أو باب دار, أو حلّ الطرَّار من داخل الكم أو خارجه, أو أخرج من الخلف ثلاثة دراهم؛
الجزء: 22 - الصفحة: 176
قطع.
والقبور حرز لما فيها لقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا (25) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ [المرسلات:25 - 26] فإذا أخرج الكفن من القبر وقيمته ثلاثة دراهم فأكثر قطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 177
الباب [العاشر]
في السرقة في السّفر من السفن, أو من قطار, أو محمِل, أو من على البعير, أو اختلسه
[37 - فصل: في المختلس والمكابر ونحوهما]
وقال الرسول عليه السلام: «لا قَطْعَ عَلَى مُخْتَلِس».
وروى ذلك عن علي, وزيد, وغيرهما, ورواه كثير من التابعين.
الجزء: 22 - الصفحة: 178
قال أبو محمد: ولما كان حكم المحارب غير حكم السارق لم تكن السرقة إلا أسراراً.
قال مالك: لا قطع على مختلس ولا مكابر.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في سارق دخل بيت رجل فأتزر بإزار فأخذ في البيت والإزار عليه, ثم أفلت من بين أيديهم, وأُخْرج من الدار والإزار عليه وقد علم أهل البيت بالإزار أو يعلموا, قال: لا قطع عليه.
يريد: لأنه كالمختلس.
الجزء: 22 - الصفحة: 179
قال عنه أصبغ: ولو أن رب البيت رأى السارق قد نقب, فذهب فأتى بشاهدين يشهدان عليه, فنظرا إليه ورب المتاع معهم, ولو أراد أن يمنعه منعه, قال: ليس عليه قطع, وهو قول مالك.
وقال أصبغ: عليه القطع؛ لأنها سرقة.
م: إن رآهم السارق ففر فهو مختلس, وإن خرج من الدار ولم يرهم فهو سارق يجب قطعه, والله أعلم.
38 - فصل [في سرقة متاع المسافر, وفي السرقة من الإبل والدواب وهي تُساق مقطورة أو غير مقطورة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا وضع المسافر متاعه في خبائه أو خارجاً من خبائه وذهب لحاجته فسرقه رجل, أو سرق لمسافر فسطاطاً مضروباً,
الجزء: 22 - الصفحة: 180
أو حل بعيراً من القطار في مسيره وبان به قطع.
ابن المواز قال مالك: وإذا سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع, والمقطورة أبين وكذلك الزوامل.
قال: وكذلك إذا سيقت الإبل والدواب إلى المرعى سوقاً غير مقطورة, فمن سرق منها قطع ما لم تنته إلى الرعي, والمقطورة أبين.
وكذلك إذا نُحَّيَت من المرعى وهي راجعة تساق غير مقطورة, وقد خرجت من حد الرعي [106/أ] ولم تصل إلى مراحها فتسرق في تلك الحال فإنه يقطع سارقها.
قلت: وكيف وقد جاء «حتى يأويها المُرَاح» , وقال كذلك في التمر: «حتى يأويه الجرِين» , فلو حمله أحد إلى الجرين, أو إلى بيته,
الجزء: 22 - الصفحة: 181
أو حمله على دابته فسرق من عليها ألاّ يقطع, وإنما يؤخذ في الحديث بما أريد به.
وقد تقدم نحو هذا.
[39 - فصل: من سرق أو اختلس من محمل أو من على ظهر البعير, وفي المسافرين يسرق بعضهم بعضا]
قال في المدونة: ومن سرق من المحمِل شيئاً مستتراً, أو أخذ من على البعير غرائر وشقها وأخذ ما فيها, أو أخذ ثوباً من على ظهر البعير مستتراً, قطع في ذلك كله, إن بلغه ثمنه ما فيه القطع, وإن أخذ الثوب غير مستتر فهو خلسة, ولا قطع عليه.
والرُّفقة في السفر ينزل كل واحد على حدته, فإن سرق أحدهم من الآخر شيئاً قطع, كأهل الدار ذات المقاصير يسرق أحدهم من بعضها شيئاً؛ فإنه يقطع.
الجزء: 22 - الصفحة: 182
ومن ألقى ثوبه في الصحراء وذهب لحاجته وهو يريد الرجعة إليه ليأخذه فسرقه رجل, فإن كان منزلاً نزله قطع سارقه, وإلاّ لم يقطع.
ابن المواز قال أشهب: إن طرحه رجل بموضع ضيعة فلا قطع فيه, وإن طرحه خلفه فلا قطع عليه, وإن طرحه بقرب منه, أو من خبائه, أو من خباء أصحابه؛ فإن كان سارقه من غير أهل الخباء قطع, وقاله يحيى بن سعيد.
قال ابن المواز: وأما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه, كالحرز الواحد, إلا أن يسرق منهم أحد من غير أهل السفينة مستتراً فليقطع إذا خرج ذلك من المركب.
وكذلك في المدونة, وبعد إيعاب القول فيها إن شاء الله.
الجزء: 22 - الصفحة: 183
الباب [الحادي عشر]
فيمن سرق ما لا يسوى دراهم وفيه ذهب أو فضة ولم يعلم بذلك
قال مالك: ومن سرق ثوباً أو خرقة لا تساوي ثلاثة دراهم وفي ذلك دنانير أو دراهم مصرورة ولم يعلم أن ذلك فيه, فأما الثوب وشبهه مما يعلم الناس أنه يُرفع ذلك في مثله؛ فإنه يقطع, وإن لم يدر ما فيه.
ولو سرق شيئاً لا يرفع ذلك فيه كالحجر والخشبة والعصا, لم يقطع إلا في قيمة ذلك دون ما فيه من ذهب أو فضة.
م: قال بعض فقهائنا: ومن سرق خرقة مما يعلم أن أحداً لا يصرّ ذلك فيها لدنائتها لم يقطع لما فيها إذا لم يعلم به.
قال ابن حبيب [106/ب] عن أصبغ: ومن سرق ليلاً عصاً مفضضة وفضتها ظاهرة فيها أكثر من ثلاثة دراهم, وقال: لم أر الفضة بالليل, فإن علم أنه لم يبصر الفضة لم يقطع, ويصير كما لو كانت الفضة في داخلها.
الجزء: 22 - الصفحة: 184
الباب [الثاني عشر]
بقية القول في الشهادة في السرقة, والاختلاف فيها
وقد تقدم القول أن شهادة الأخوين لأخيهما أن هذا سرق متاعه جائزة إذا كانا عدلين.
قال ابن المواز عن مالك: ولو كانا غير مبرزين ولو شهدا لغير أخيهما لقبلا فمثل هؤلاء عندي لا يقضي بهما للأخ بالمال, ولا يقطع بهما السارق حتى يكونا ثابتي العدالة فيقضي بهما في المال والقطع, إلا أن يشهدا في اليسير كربع دينار وشبهه فتجوز في المال والقطع وإن لم يكونا مبرزين, أو يكون السارق عديماً فتجوز أيضاً؛ لأنهما إنما شهدا على قطع بغير غرم.
م: يريد: فتجوز في الكثير في هذا.
الجزء: 22 - الصفحة: 185
40 - فصل [في الاختلاف في الشهادة]
قال فيه وفي المدونة: وإذا شهد شاهد على رجل أنه سرق نعجة, وشهد آخر أنه سرق كبشاً واجتمعا في الوقت والموضع والفعل, فهي مختلفة فلا تجوز ولا يقطع بها.
ولو اجتمعا على الكبش وصفته, وقال هذا سرقه يوم الخميس, وقال الآخر سوقه يوم الجمعة لم يجز أيضاً.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم, وكله قول مالك: كما لو شهد واحد أنه شرب أمس خمراً, وشهد آخر أنه شربه اليوم, لم يجز؛ لأنه من باب الفعل لا من باب الإقرار, وشهادتهما في القذف من معنى الإقرار يقضى بها وإن اختلف اليوم.
قال: وكذلك إن شهد واحد أنه سرق بالمدينة وشهد آخر أنه سرق بمصر لم يجز, وقاله أصبغ.
الجزء: 22 - الصفحة: 186
الباب [الثالث عشر]
في السارق يحدث في السرقة في الحرز حدثاً
[41 - فصل: فيمن أكل طعاماً داخل الحرز أو ابتلع ديناراً أو ادّهن]
قال مالك: وإذا دخل السارق الحرز, فأكل الطعام, ثم خرج؛ لم يقطع, وعوقب, وضمنه في ملائه وعدمه, قلّت قيمة ذلك أو كثرت.
قال في العتبية: ولو ابتلع ديناراً في الحرز وخرج؛ لقُطع؛ لأنه خرج به وهو شيء يخرجه منه ويأخذه.
قال في المدونة, وكتاب محمد: وإن دهن السارق رأسه ولحيته في الحرز بدهن أو غالية [107/أ] ثم خرج, فإن كان ما في رأسه ولحيته من الدهن إن سلت -ابن المواز قال أشهب: أو غُسِل- يبلغ ربع دينار
الجزء: 22 - الصفحة: 187
قطع, وإلا لم يقطع.
ابن المواز: أمّا ما يساوى بعد السلت ما فيه القطع فإنه يضمنه في يسره لا في عسره, إذ فيه قطع, وباقي ذلك يضمنه في عدمه وملائه, ويحاص به غرماؤه.
[42 - فصل: فيمن ذبح شاة داخل الحرز, أو قطَع ثوبا خرقا, أو سرق زعفرانا وصبغ به]
قال في المدونة: وإن ذبح الشاة في الحرز ثم خرج بها مذبوحة, فإن سويت مذبوحة ما فيه القطع قطع.
قال في كتاب محمد: فإن كان له مال يوم سرقت ضمن قيمتها حية, وإن لم يكن له مال أتبع بما بين قيمتها حيه وقيمتها مذبوحة, في ذمته ولم يتبع بقيمة الشاة مذبوحة؛
الجزء: 22 - الصفحة: 188
لأن كل ما أفسد في الحرز من كسر جرة زيت, أو خرق ثوب فهو لقيمته ضامن إذا قُطع, كان له مال أو لم يكن؛ لأنه ليس فيه قطع, وإنما قطع في قيمة الذي خرج به, إن خرج بشيء منه.
قال: وإن لم يكن في قيمة ذلك على ما هو به من الإفساد ثلاثة دراهم لم يقطع, وأتبع بجميع القيمة في ملائه وعدمه.
وكذلك لو قطّع ثوباً من الوَشْي في الحرز خِرَقاً, فإن خرج بها وقيمتها ثلاثة دراهم ضمن قيمته صحيحاً في ملائه إلا أن يشاء ربها أخذ الخرق, فإن أخذها فلا شيء على السارق, وإن لم يأخذها فله تضمينه ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مقطوعاً إن كان عديماً, وأما ذو المال فهو يغرم قيمة جميعه.
الجزء: 22 - الصفحة: 189
وإن دخل الحرز بثوب له فصبغه بزعفران من الحرز وخرج به, فإن زادت قيمته يوم خرج به ثلاثة دراهم قطع, وليس كالدهن الذي يتلف في الرأس؛ لأن ذلك لا يزيد في قيمة من ادهن به كان حراً أو عبداً, ويلزم السارق قيمة الزعفران كله في ملائه, وإن كان عديماً وقد قطع, فأما ما زادت قيمة الثوب بالصبغ فإن زادت عشرة دراهم فلا يسقط عنه؛ لأنه عين قائمة له في الثوب, -يريد: ولم يهلك الثوب-, وأما باقي قيمة زعفرانه فليأخذه من باقي ثمن الثوب إن لم يكن على السارق دين, فإن كان على السارق دين تحاصوا في ذلك الباقي مثل: أن يكون ثمن الزعفران ديناراً فصبغ به الثوب في الحرز, وقيمته أبيض نصف دينار, فصار به يسوى ديناراً, فإنما [107/ب] قطعت يده في نصف والنصف الآخر لزمه في داخل الحرز, فإن كان عديماً والذي على السارق من الدين دينار فرب الثوب أولى بالثوب حتى يأخذ نصف الذي زاد في الثوب؛ لأنه عين شيئه, ثم يحاص الغرماء
الجزء: 22 - الصفحة: 190
بنصف الدينار الذي لزمه السارق في الحرز, كما لو صبغ صباغ ثوباً وقبضه ربه, وقام الصباغ بحقه وفلس رب الثوب فالصباغ أحق بما زاد الصبغ في الثوب, ويحاص ببقية حقه.
ولو أخرج السارق الزعفران من الحرز وقيمته دينار فصبغ به ثوبه فزادت قيمته نصف دينار وعليه دينار دينا فرب الزعفران أولى بالثوب حتى يقبض ما زاد فيه زعفرانه وهو نصف دينار, ويكون الغرماء أحق بما بقي من ثمن الثوب الذي صبغه؛ لأنه قطع فيه وهو عديم فلم يلزم ذمته وإن لم يزد في قيمة الثوب الذي صبغه السارق وقطع فيه وهو عديم فإنه لا يتبع السارق بشيء منه, وغرماؤه أحق بالثوب, وذلك بخلاف أن لو سرق ثوباً وصبغه بزعفران نفسه فلم يزده فهذا لا شيء لغرمائه فيه مع صاحب الثوب, وفيه اختلاف.
قال: وإذا سرق زعفراناً فصبغ به ثوبه ثم باعه فقام رب الزعفران والسارق عديم فرب الزعفران أحق بالثوب حتى يستوفي منه ما زاد فيه صبغة على قيمته أبيض.
وكذلك لو باعه المبتاع من ثان والثاني من ثالث فله ذلك فيه؛ لأنه عين شيئه, والبائع متعدٍ وليس كما لو باع ثوبه الذي صبغه له الصباغ, هذا
الجزء: 22 - الصفحة: 191
ليس للصباغ فيه طلب بحق إذا بيع؛ لأنه غير متعد في بيعه.
م: كما لو اشترى سلعة فباعها.
قلت: فإذا أفسد السارق المتاع في الحرز ثم خرج به وقيمته ثلاثة دراهم فقطع فيه, فهل ربه أحق بما وجد من متاعه وإن قطع فيه, ويتبعه بما نقصه الفساد مما لم يقطع فيه أم لا؟
قال: أما في الفساد الكثير فليس له ذلك؛ لأني لا أسلمه إليه إلا بعد وجوب القطع فيما خرج به, فإن شاء أخذ ذلك بما لزم السارق داخل الحرز من الفساد فذلك له ما لم يكن على السارق دين فيحاص غرماؤه فيه بقدر ذلك, وإن لم يكن فساداً كثيراً فله أخذه.
[108/أ] قال ابن القاسم: ويتبعه مع ذلك بما نقصه فعله به في الحرز.
ابن المواز: وهو أحب إليّ؛ لأنها جناية لزمته قبل السرقة إذا لم
الجزء: 22 - الصفحة: 192
يكن ذلك يبلغ به التلف.
قال: ولو أخرجه ثم أفسده فساداً فليس له أخذه وما نقصه عند أشهب, وإنما له أن يضمَّنه قيمته يوم سرقة أو يأخذه مفسوداً ولا شيء له؛ لأنه أحدث ذلك فيه بعد أن ضمنه.
قلت: فلم قطعته فيما خرج به وقد ضمَّنته إياه قبل أن يخرج به حين ذبح الشاة ثم أخرج اللحم وهو يسوى ثلاثة دراهم؟
قال: لأن ذلك اللحم ليس بحلال له ولو تاب مكانه لم يجز له أكله حتى يقضي عليه بالقيمة, ألا ترى أن لو سرق أمه أعجمية من حرزها وأصابها عنده عيب مفسد تلزمه به قيمتها يوم سرقها, فوطئها لقطع وحُدَّ للزنا إن كان بكراً, وإن كان محصناً رجم ولو لم يقطع.
م: يريد: فكل من فعل فعلاً في مال غيره تلزمه به قيمة ذلك الشيء يوم الفعل فإن الحدود جارية عليه فيه حتى يقضي عليه بالقيمة فيه فيصير حينئذ مالاً من ماله يطأ ويأكل.
الجزء: 22 - الصفحة: 193
الباب [الرابع عشر]
في ضمان السارق وصفة قطعه
[43 - فصل: في ضمان السارق ولو سرق ما لا قطع فيه]
قال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:38].
فلا يجوز أن يجازى بأكثر من الجزاء الذي جعله الله تعالى جزاءه.
فلذلك قال مالك: لا يضمنها إلا في وجده؛ كنفقة الزوجة, والقيمة على من أعتق شِقْصاً له في عبد, ومن جعلها في ذمته عاقبة عقوبتين, فأما المليء فإنما يغرمه من المال الذي أصابه بالسرقة وأنماه بها.
ابن المواز قال مالك وأصحابه: ولو سرق ما لا يجب فيه القطع إما لقلّته أو لأنه من غير حرز, أو لغير ذلك, فإنه يتبع بذلك في عدمه, ويحاص به
الجزء: 22 - الصفحة: 194
غرماءه, وإذا كان يجب فيه القطع لم يتبع في عدمه ولا يتبع إلا في يسر متصل من يوم سرق إلى يوم يقطع, وإلا لم يتبع, وإن كان الآن مليئاً بعد عدم تقدم.
قال مالك: وهذا الأمر المجتمع عليه عندنا.
قال مالك: ولو كان يلزمه الغرم إذا أيسر بعد عدم لكان ذلك في رقبة العبد إذا أعتق.
قال ابن المواز: وإن قطعت يده وقد استهلك السرقة وبيده مال قال: أدْته بعد السرقة, وقال الطالب: بل قبل.
فالقول قول السارق, إلا أن يقام عليه بالقرب مما سرق مما لا يكون فيه كسب ولا ميراث فلا يصدق.
الجزء: 22 - الصفحة: 195
ولو قطع وهو مليء [108/ب] يوم سرق إلى يوم قطع ثم أعدم بعد القطع قبل أن يغرم فقال أشهب: لا شيء عليه إلا من الشيء الذي سرق منه.
وقال ابن القاسم: يتبع بها دينا, وإنما ينظر من يوم أقيم الحد.
قال: وإذا سرق فاستهلك السرقة وعليه دين, فإن لم يكن بيده إلا قدر الديون فأهل الديون أحق من صاحب السرقة, إلا أن يفضل شيء عن دينهم فلا يتبع بشيء غيره.
44 - فصل [في صفة قطع السارق]
قال مالك في غير المدونة: وتقطع يد السارق ثم يحسم موضع القطع بالنار, وكذلك في الرِّجل.
وحد القطع في اليد من مفصل الكوع, وفي الرجل من مفصل الكعبين, وكذلك في المحارب.
الجزء: 22 - الصفحة: 196
قال في المدونة: ومن سرق مرة قطعت يمينه, ثم إن سرق قطعت رجله اليسرى, ثم إن سرق فيده اليسرى, ثم إن سرق فرجله اليمنى.
قال ابن المواز: وقد قطع الصديق والفاروق اليدين والرجلين من خلاف في السرقة.
قال أبو محمد: وقد أمر الله عز وجل في المحاربين بقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف لسعيهم في الأرض فسداً, والسرقة من الفساد في الأرض.
قال مالك: ثم إن سرق بعد أن قطعت يداه ورجلاه ضرب وسجن.
قال أبو محمد: وذكر ابن حبيب حديثاً في السارق إذا قُطع أربع مرات ثم سرق أن يقتل, وليس بالثابت.
الجزء: 22 - الصفحة: 197
ومالك وأصحابه على أنه يعاقب, إلا أبا المصعب فإنه قال: يقتل.
الجزء: 22 - الصفحة: 198
ولو سرق أولاً ولا يمين له قطعت رجله اليسرى قال مالك, وأخذ به ابن القاسم.
ثم قال مالك بعد ذلك: تقطع يده اليسرى.
قال مالك: وإن سرق ويده اليمنى شلاء قطعت رجله اليسرى.
قال ابن القاسم: ثم عرضتها عليه فمحاها وأبى أن يجيبني فيها بشيء, ثم بلغني عنه أنه قال: تقطع يده اليسرى, وأراه تأول قول الله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة:38] , والقول الأول أحب إليَّ.
وإن سرق ولا يدين له ولا رجلين, أو كان أشل اليدين والرجلين, واستهلك السرقة وهو عديم لم يقطع منه شيء, ولكن يضرب ويسجن, ويضمن قيمة السرقة.
الجزء: 22 - الصفحة: 199
قال أبو محمد: وقال أشهب: لا يتبع في عدمه بشيء.
قال ابن القاسم: وكلّ ما درأت به الحد في السرقة ضمَّنت السارق قيمة السرقة وإن كان عديما.
قال: وإن سرق وقد ذهب من يمنى يده أصبع [109/أ] قطعت يده, كما لو قطع يمين رجل وإبهام يده مقطوعة أن يده تقطع, وإن لم يبق من يمنى يده إلا أصبع أو أصبعان قطعت رجله اليسرى, وإن كانت يداه ورجلاه كذلك لم يقطع وضرب وسجن, وضمن قيمة السرقة.
م: المقطوع الأصبع الواحدة كالصحيح, تقطع يده في السرقة, ويقتص له إن قطعها رجل, ويقتص منه إن قطع هو يد رجل.
ولا نص في المدونة إن كان ذهب من يد السارق أو القاطع أصبعان.
الجزء: 22 - الصفحة: 200
وقال في الصحيح يقطع يد رجل وقد ذهب منها أصبعان: ليس له إلاّ العقل.
وإن كان إنما ذهب من أيديهم ثلاثة أصابع فتقطع رجل السارق اليسرى, وخيّره في القاطع بين أن يقتص منه من اليد الناقصة وإلا لزمه العقل.
وأما الصحيح يقطع يد ناقصة فليس عليه إلاّ العقل.
الجزء: 22 - الصفحة: 201
الباب [الخامس عشر]
في رجوع البينة قبل الحكم أو بعده, والكشف عنهم, وجرحتهم وجامع مسائل الشهادات.
[45 - فصل: في رجوع البينة قبل الحكم أو بعده]
قال مالك: وإذا شهد رجلان على رجل بالسرقة ثم قالا قبل القطع: أوهمنا بل هو هذا الآخر؛ لم يقطع واحد منهما.
وما بلغ من خطأ الإمام ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته, مثل خطأ الطبيب والمعلم والخاتن.
قال ابن القاسم: وأبي مالك: أن يجيبنا في خطأ الإمام بشيء.
وإذا رجع الشاهدان قبل الحكم ولهما عذر بيّن يعرف به صدقهما وكان بيني العدالة؛ أقيلا وجازت شهادتهما بعد ذلك, وإن لم يتبين صدقهما لم يقبلا فيما يُسْتَقْبل ولو أُدَّبا لكانا بذلك أهلا, ولو رجعا بعد
الجزء: 22 - الصفحة: 202
الحكم وقد شهدا على دين أو طلاق أو حد أو عتق أو غير ذلك, فإنهما يضمنان الدَّين, ويضمنان العقل في أموالهما, ويضمنان قيمة المعتق, وفي الطلاق إن دخل بالزوجة فلا شيء عليهما, وإن لم يدخل ضمنا الصداق للزوجة.
46 - فصل [في الكشف عن البينة وتجريحهم]
ولا يقضي القاضي ببينة حتى تزكى عنده وإن لم يطعن فيهم الخصم, ويكشف عنهم إن شاء في السر والعلانية, ولا يقبل إلا تزكية رجلين عدلين, لا يبالي فيما كانت الشهادة, في حق الله عز وجل أو للناس, من حد أو قصاص.
إذا ارتضى القاضي رجلاً للكشف جاز, ويقبل منه ما نقل إليه من التزكية عن رجلين لا أقل من ذلك.
الجزء: 22 - الصفحة: 203
فإذا زكيت البينة والمطلوب يجهل وجه التجريح من جهلة الرجال, أو من ضعفة النساء فليخبره [109/ب] القاضي بماله من ذلك ويبينه له لعل بينه وبينهم عداوة أو شركة مما لا يعلمه المعدِّلون.
وإن كان مثله لا يجهل وجه التجريح لم يدعه إليه, ليس كرد اليمين الذي لا يتم الحكم إلا بها.
وإن أقام المشهود عليه بينة على الشهود بعد أن زكوا أنهم شربة خمر, أو أكلة ربا, أو فجّار, أو أنهم يلعبون بالشطرنج, أو بالنرد مدمنون عليها, أو بالحمام, فذلك كله مما تجرح به شهادتهم.
وإن ثبت أنهم حدوا في قذف, فمن تاب ممن حد في القذف وحسنت حالته, أو زاد على ما كان يعرف منه من حسن الحال جازت شهادته.
ولو حُدّ نصراني في قذف ثم أسلم بالقرب قبلت شهادته.
الجزء: 22 - الصفحة: 204
47 - فصل [جامع مسائل الشهادات]
ولا تجوز شهادة العبد في شيء من الأشياء.
وإن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع؛ وضمن قيمة ذلك, ولا يمين على صاحب المتاع.
وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما بعينه, ولا يقطع السارق, وإن كان المتاع مستهلكاً ضمن السارق قيمته وإن كان عديماً.
وتجوز الشهادة على الشهادة في السرقة وغيرها إذا شهد رجلان على شهادة رجل.
وإذا شهدت بينة على رجل غائب بالسرقة ثم قدم فإنه يقطع, ولا تعاد البينة حضروا أو غابوا إذا كان الإمام قد استأصل تمام شهادتهم, وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان, وحسنت حالة السارق, ثم اعترف, أو قامت عليه بذلك بينة فإنه يقطع, وكذلك حد الزنى, والخمر, ولا يحد السكران حتى يصحو.
وقد تقدم في كتاب الشهادات إيعاب مسائل هذا الباب فأغنى عن إعادتها.
الجزء: 22 - الصفحة: 205
الباب [السادس عشر]
[48 - فصل: في السارق يُحدث فيما سرق بيعاً أو صبغاً أو غيره]
قال مالك: وإذا باع السارق السرقة فقطع ولا مال له ثم أُلْفِيَت عند المبتاع قائمة فلربها أخذها.
وكذلك لو كانت غنماً فتوالدت عند المبتاع لأخذها ربها وأولادها, وأتبع المبتاع السارق بالثمن.
فإن هلكت السرقة عند المبتاع بسببه أكلها, أو لبسها, أو حرقها, أو باعها, فلربها أن يرجع على المبتاع بقيمتها, وإن هلكت عنده بأمر من الله تعالى فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: وأما إذا باعها المشتري فلا يلزمه إلاّ الثمن الذي باعها به, وإن أكلها فعليه [110/أ] قيمتها, ويرجع هو على السارق بالأقل مما دفع إلى صاحبها, أو بالثمن الذي كان دفع إلى السارق.
وقاله أشهب.
الجزء: 22 - الصفحة: 206
قال: وإن ألفى ربها المشتري عديما فلربها أن يتبعه بذلك في ذمته, وإن أيسر السارق قبله رجع عليه ربها بالأقل من قيمتها يوم أكلها المشتري, أو الثمن الذي دفع إلى السارق, أو من قيمتها يوم سرقها.
فإن كانت قيمتها يوم أكلها المشتري أكثر, رجع على المشتري بتمام ذلك يتبعه بها دينا.
وإنما يرجع بما ذكرنا على السارق؛ لأنه غريم لغريمه المشتري.
قال أبو محمد: كذا في الأم, فانظر لو أكلها وقيمتها يوم الأكل مثل الثمن, وقيمتها يوم السرقة أقل, لِم لا يأخذ من السارق وهو غريم غريمه؟ وهو لو أخذ قيمتها من المشتري كان له على السارق الثمن.
49 - فصل [في السارق يُحدث فيما سرق صبِغاً أو غيره]
ومن المدونة: ومن سرق ثوباً فصبغه ثم قُطع ولا مال له غيره فلرب الثوب
الجزء: 22 - الصفحة: 207
أن يعطيه قيمة الصبغ ويأخذ ثوبه, فإن أبى بِيع الثوب وأخذ ربه من الثمن قيمة ثوبه يوم سرقه وكان الفضل للسارق, وإن عجز ثمنه لم يتبع السارق بشيء لعدمه.
قال في كتاب محمد: وإن كان عليه دين فالغرماء أحق بثمنه دون ربه, إلا أن يفضل منه شيء, لأنه أسلمه وفات بالبيع وليس لربه نقض بيعه ولا أخذ ثمنه, لأنه بعد إسلامه بيع, وليس هو ثمن سرقته بعينها.
م: واختُلف إذا قام ربه فوجده مصبوغاً.
فروى عن ابن القاسم أنه قال: له أخذ الثوب بعد أن يدفع قيمة الصبغ كما في المدونة.
وروى عنه: أنه ليس له أخذ الثوب بحال, وإن دفع قيمة الصبغ.
وقال أشهب: ربه مخير, إن شاء أخذ قيمة يوم السرقة, وإن شاء دفع قيمة الصبغ, وأخذ ثوبه, وإن شاء كان فيه شريكاً بقيمته أبيض.
وروى عنه: أن له أخذه مصبوغاً ولا غرم عليه في الصبغ إن شاء أخْذه, كمن غصب داراً فبيّضها وزوقها وهذا الثابت من قوله, وبه أخذ أصبغ
الجزء: 22 - الصفحة: 208
وغيره.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قطع السارق الثوب وجعله ظهارة لجبة أو لقلانس, فأراد ربه فتقه وأخذه مقطوعا فذلك له, لأن مالكاً قال فيمن سرق خشبة فبني عليها: فلربها أخذها وإن خربت بنيانه, فكذلك هذا.
وإن أبى أن يأخذ ثوبه مقطوعا والسارق عديم صنع به كما وصفنا في الصبغ.
قال: ومن [110/ب] سرق حنطة فطحنها سويقا ولتها ثم قطع ولا مال له غير ذلك فأبى رب الحنطة أخذ السويق, فهو مثل ما وصفنا, يباع السويق ويشتري له من ثمنه مثل حنطته.
م: وفي الأم فقال رب الحنطة: أنا آخذ السويق فهو مثل ما وصفنا, يباع السويق ويشتري له من ثمنه مثل حنطته.
م: وهذا أصوب؛ إذ ليس لرب الحنطة أخذ السويق ملتوتاً.
الجزء: 22 - الصفحة: 209
وقد قال ابن القاسم وأشهب في كتاب محمد: ليس لرب الحنطة أخذ السويق ولكن يباع ويشتري له مثل حنطته, وما فضل للسارق, وما عجز فلا يتبع بشيء لعدمه.
قال أشهب: وهو كالخشبة يعمل منها بابا, وهما بخلاف الصبغ, لأن ثوبه قائم بعينه.
قال فيه وفي المدونة: وإن سرق فضَّة فصاغها حلياً, أو ضربها دراهماً, ثم قطع ولا مال له غيرها, فليس لربها إلا وزن فضته, لأني إن أجزت له أخذها ظلمت السارق, وإن أمرته بأخذها ودفع أجرة الصياغة كانت فضة بفضة وزيادة, وهذا ربا.
وإن سرق نحاساً, فعمل منه قمقماً, فعليه مثل وزنه, ليس له أخذه, كالنُّقرة يصوغها دراهماً.
محمد, وقاله أشهب.
وقال أيضاً: إن ربه مخيرا, إن شاء أخذ القمقم وأعطاه قيمة صنعته, وإن شاء أغرمه مثل وزن نحاسه.
الجزء: 22 - الصفحة: 210
محمد: وهذا أحب إليَّ, وليس في النحاس حجة إلا إحالته عن حاله, فإذا أخذ قيمة صنعته لم يظلم, والدراهم لا يقدر أن يعطيه قيمة صنعته, لأن يصير فضلا بين القضيتين, وإن أخذه بغير غرم لأجر الصنعة ظلم السارق.
قال فيه وفي المدونة: ومن سرق خشبة فعملها باباً فعليه قيمتها.
محمد: يوم سرقها, وليس لربها أخذها وإن أدى قيمة الصنعة.
قال سحنون: كل ما غيره حتى صار له اسم غير اسمه, فليس لربه أخذه, وإنما له أخذ قيمته فيما يقوَّم, أو مثله فيما له مثل.
محمد, قال ابن القاسم: فيمن غصب عموداً أو خشبة وبنى عليها قصراً فلربه أخذه, وإن أخرب بنيانه.
واستحسن أشهب: أنه إن كان يخرب به سائر بنيانه ألاّ يأخذ إلا قيمته
الجزء: 22 - الصفحة: 211
يوم السرقة.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: فيمن سرق فضة فصاغها حلياً, أو صفراً فعمله آنية, أو ثوباً فصبغه أو خاطه وجعله بطانة لجبة أو ظهائر قلانس, أو خشبة عمل منها باباً, أو تابوتاً, أو حنطة [111/أ] فطحنها فكل ما أثر فيه من هذا ولا يقدر على أخذ صنعته إلا بأن يشاركه فيه, فإن لرب السرقة أخذها بما في ذلك من الصنعة بلا غرم شيء, نقصه ذلك أو زاده, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ليْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقَّ».
الجزء: 22 - الصفحة: 212
فيأخذ الثوب المصبوغ, والقمح المطحون, والفضة والنحاس المعمولين, والباب والتابوت.
وأما الثوب الذي جعله ظهائر قلانس, أو بطانة جبة, فله أن يفتق ذلك ويأخذه, ويسلَّم إليه ما زاد, لأنه عين شيئه, والمسروق منه مخيّر في أخذ ذلك كله بلا غرم عليه, أو يسلمه ويغرم السارق قيمته يوم سرقه, والغاصب والسارق سواء.
وقد قال مالك: في غاضب الأرض يبنيها, أو يزوق الدار أو يجصصها؛ فلربها أخذ ذلك ولا شيء عليه في التزويق والتجصيص, وأما البناء, وماله قيمته, إذا نقص فيأذن له في أخذه, أو يعطيه قيمته منقوصا, فهذا أصل ذلك.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا سرق عصفراً أو زعفراناً لرجل, وثياباً لآخر, فصبغها بذلك, وأخذ وقطعت يده؛ فإن
الجزء: 22 - الصفحة: 213
كان له مال يوم السرقة لزمته قيمة الثياب, ومثل العصفر أو الزعفران, وإن لم يكن له مال ووجدت الثياب مصبوغة فليتحاصّا في ثمنها هذا بقيمة ثيابه, وهذا بقيمة عصفره أو زعفرانه.
وكثير من معاني هذا الباب في كتاب الغصب.
م: قال بعض أصحابنا: الفرق عند ابن القاسم بين صبغ الثوب, وبين عمل النحاس قمقماً: أن رب النحاس إذا أعطيناه مثل صفة نحاسه ووزنه لم يُظلم, ولم يظلم السارق بجبره على بيع صنعته, والثوب ليس مما يقضي فيه بمثله, فلو لم يبح لربه أن يعطى السارق قيمة الصبغ لم يبق إلا أن يعطيه السارق قيمة ثوبه.
الجزء: 22 - الصفحة: 214
فلما كان كل واحد منهما يباع عليه شيئه كان أولاهما الحمل عليه السارق, وكان رب الثوب مقدماً عليه.
والله أعلم.
الجزء: 22 - الصفحة: 215
الباب [السابع عشر]
في السارق يقطع رجل يمينه, أو يغلط القاطع فيقطع يساره وفيمن اجتمعت عليه حدود
[50 - فصل: في السارق يقطع رجل يمينه]
قال مالك: ومن شهدت عليه بينة زكَّيت أنه سرق فحبسه القاضي حتى يقطعه رجل يمينه في السجن؛ لم يقتص منه, ونُكِّل, واجزأ ذلك من قطع السرقة.
ولو فعل ذلك به قبل عدالة البينة [111/ب] أرجئ الحكم, فإن عدل البينة كان الأمر كذلك, وإن لم تعدل البينة اقتص منه.
محمد قال مالك: ومن سرق ثم قطع رجل يمينه عمداً أو خطأ, فقد زال عنه قطع السرقة, ولا قصاص في يده في عمده, ولا دية في الخطأ, ويعاقب المتعمد.
الجزء: 22 - الصفحة: 216
وكذلك المحارب الذي وجب عليه القتل لو تعمد رجل قتله لم يقتص منه, وإن قتله خطأ فلا دية فيه.
[51 - فصل: في السارق يغلط القاطع فيقطع يساره]
ومن المدونة: وإذا أمر القاضي بقطع يمين السارق فغلط القاطع فقطع يساره أجزأه ولا تقطع يمينه ولا شيء على القاطع.
محمد قال أشهب: وقد روى ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ابن حبيب: وقاله مطرف عن مالك, ولا شيء على الإمام ولا على القاطع.
وقال ابن الماجشون: ليس خطأ الإمام والقاطع مما يزيل القطع عن اليد التي أمر الله تعالى بها, ولتقطع يمين السارق, ويكون عقل يساره في مال
الجزء: 22 - الصفحة: 217
الإمام خاصة إن كان هو المخطئ, أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ, أو في مال المسروق منه إن كان هو قطع يساره دون أمر الإمام, وإن قطع يمينه عوقب ولا شيء عليه في ماله, هذا إذا أقام شاهدين أنه سرق ما يحجب فيه القطع, وإلا اقتص منه.
ابن حبيب: وبالأول أقول, وإليه ذهب المصريون.
[52 - فصل: فيمن اجتمعت عليه حدود]
ومن المدونة قال مالك: وإذا قطعت يمين السارق كان ذلك لكل سرقة تقدمت أو قصاص وجب في تلك اليد, وإن ضرب في شرب خمر, أو أقيم عليه حد الزنا أجزأه لهذا ولما كان قبله من ذلك, فإن فعل بعد ذلك شيئا أقيم عليه ذلك.
الجزء: 22 - الصفحة: 218
الباب [الثامن عشر]
في التحصص في مال السارق وتقويم السرقة
قال مالك: ومن سرق فقطعت يده ولا مال له إلا قدر قيمة السرقة فغرمها ثم قام قوم سرق منهم قبل ذلك؛ فإن كان من وقت سرق منهم لم يزل مليئا بمثل هذا الذي غرم الآن تحاصوا فيه كلهم, وإن أعدم في خلال ذلك ثم أيسر, فكل سرقة سرق من يوم يسره المتصل إلى الآن فأهلها يتحاصون في ذلك دون من قبلهم, وإن لم يحضروا يوم القطع كلهم فلمن غاب الدخول عليهم فيما أخذوا كغرماء المفلس.
ومن سرق سرقة لرجلين وأحدهما غائب؛ فإنه يقطع إن كانت قيمتها ثلاثة دراهم فأكثر ويقضي للحاضر [112/أ] بنصف قيمتها إن كانت مستهلكة, ثم إن قدم الغائب والسارق عديم؛ فإن كان يوم القطع مليء بقيمة الجميع رجع على شريكه بنصف ما أخذ, ويتبعان السارق بنصف القيمة,
الجزء: 22 - الصفحة: 219
فإن لم يكن معه يوم القطع إلا ما أخذ الشريك رجع على الشريك بنصف ما أخذ, ولم يتبعا السارق.
وهذا مثل ما قال مالك في الشريكين يكون لهما دين على رجل فيقبض منه أحدهما حصته وصاحبه غائب, ثم يقدم الغائب فيجد الغريم عديماً فإنه يدخل مع صاحبه فيما كان أخذ.
م: وحكى عن الشيخ أبي محمد رحمه الله: أنه فرّق بين هذه المسألة وبين مسألة الكفالة إذا قضى للشريك بحقه والغريم مليء بحقيهما ثم قدم الغائب أنه لا يدخل على المقتضي فيما أخذ وإن أعدم الغريم.
وقال في المسروق منه: أنه يدخل على شريكه.
قال: والفرق بينهما أن السارق لم يأمنه المسروق منه على بقاء ما وجب له في ذمته؛ فكان يجب أن يوقف القاضي نصيب الآخر, فلما جهل وغلط صارت قسمة غير جائزة فلم يتم للقابض ما قبض.
الجزء: 22 - الصفحة: 220
وفي مسألة كتاب الكفالة صاحب الدين هو الذي ائتمن الغريم على بقاء دينه في ذمته فالقسمة جائزة، فلا رجوع للغائب على القابض إذا حكم له القاضي قبض نصيبه.
وأبى أبو محمد أن يكون معنى مسألة كتاب السرقة أنه قبض جميع حصته بغير حكم، قيل له: فقد مثلها بالدين، فقال: إنما مثلها به ليرى أن للشريك أن يدخل مع شريكه فيما قبض، وأما الأمر في الحكم فعلى ما تقدم.
وقد تقدم في الباب الأول أن يقوم السرقة أهل العدل والنظر.
قيل: فإن اختلف المقومون؟ فقال: إذا اجتمع عدلان بصيران أن قيمتها ثلاثة دراهم وجب القطع، ولا يقطع بقيمة رجل واحد، وهناك الحجة فيها موفاة فاعلم ذلك.
الجزء: 22 - الصفحة: 221
الباب [التاسع عشر]
في سرقة السفينة، أو منها، أو من دار الحرب، ويرقة الحربي، أو منه، أو من بلد الحرب، وإقامة الحدود في الجيش، ومن أكل لحم الخنزير، أو شرب خمراً في رمضان.
[53 - فصل: في سرقة السفينة، أو منها]
قال ابن القاسم: ومن سرق من سفينة قطع.
ومعناه: أن السارق من غير أهل السفينة، فهو إذا سرق منها مستتراً فليقطع إذا أخرج ذلك من المركب، قاله ابن المواز.
قال: أما أهل السفينة يسرق بعضهم من بعض فلا قطع عليه، وهي كالحرز الواحد.
الجزء: 22 - الصفحة: 222
ومن المدونة قال: وإن سرق السفينة نفسها فهي كالدابة تحبس وتربط وإلا ذهبت، فإن كان معها من يمسكها قطع سارقها وإلا فلا.
وإن نزلوا بالسفينة في سفرهم منزلاً فربطوها فإنه يقطع سارقها، كان معها ربها أو ذهب لحاجته.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم، وأشهب: إن السفينة في المرسا على وتدها، أو بين السفن، أو بموضع لها حرز، فعلى سارقها القطع، وإن لم يكن معها أحد.
وإن كانت مخلاة، أو أفلتت ولا أحد معها، فلا قطع فيها إلا أن يكون معها أحد.
وإذا كان فيها مسافرون فأرسو بها في مرسا، وربطوها، ونزلوا كلهم، وتركوها:
فقال ابن القاسم: يقطع من سرقها.
وقال أشهب: إن ربطوها في غير مربط لم يقطع؛ كالدابة.
وقال محمد: غن كانت بموضع يصلح أن ترسا به قطع، وإن كان
الجزء: 22 - الصفحة: 223
غير ذلك لم يقطع.
54 - فصل [في السرقة من دار الحرب، وسرقة الحربي، وإقامة الحدود في الجيش]
وقد تقدم أن كل ما درأت به الحد في السرقة ضمنت السارق قيمة السرقة وإن كان عديماً.
قال: وإذا سرق مسلم من حربي دخل إلينا بأمان قطع.
وإن سرق مسلم الحربي وقد دخل بأمن قطع.
وإن دخل المسلمون دار الحرب فسرق بعضهم من بعض، أو زنى، أو شرب الخمر، ثم قدموا فشهد بعضهم على من فعل ذلك؛ فإنه يجد.
ويقيم أمير الجيش الحدود بدار الحرب على أهل الجيش في السرقة وغيرها، وذلك أقوى له على الحق.
الجزء: 22 - الصفحة: 224
قال: وإذا دعاك إمام عادل إلى قطع يد رجل أو رجله في سرقة، أو إلى قطع أو قتل في حرابة، أو رجم في زنى، وأنت لا تعلم صحة ما قضى به إلا بقوله، فعليك طاعته، "وقد أقام علي بن أبي طالب الحدود بأمر عمر رضي الله عنهما"، وقد أمر الخلفاء الناس بالرجم فرجموا، ويطاع في ذلك الإمام العادل العارف بالسنة، وأما الجائر فلا، إلا أن تعلم صحة ما أنفذ من الحد وعدالة البينة، فلتطعه لئلا تضيع الحدود.
[55 - فصل: فيمن أكل لحم خنزير، أو شرب خمراً في رمضان]
ومن المدونة: وإذا أكل المسلم لحم الخنزير عوقب، وإن شرب الخمر في رمضان جلد الحد للخمر ثمانون، ثم يضرب
الجزء: 22 - الصفحة: 225
للإفطار في رمضان، وللإمام أن يجمع ذلك عليه أو يفرقه.
الجزء: 22 - الصفحة: 226
الباب [العشرون]
متى يجب الحد على الصبيان؟
وقد تقدم أن لا يجب على الصبيان حد في سرقة ولا زنى حتى يحتلم الغلام وتحيض الجارية، أو يبلغا سناً لا يبلغه أحد إلا بلغ ذلك من احتلام أو حيض.
قيل لابن القاسم: فإن أنبت الشعر قبل ذلك؟
قال: قد قال مالك: يجد إذا أنبت، وأحب إلي ألا يحكم بالإنبات، وقد أصغى مالك إلى الاحتلام حين كلمته في الإنبات.
قال ابن المواز: وثبت غيره من أصحاب مالك أنه يجب الحد بالإنبات.
قال محمد: وذلك في الإنبات البين، قاله مالك.
قال ابن حبيب: وهو سواد الشعر.
" وحكم عثمان رضي الله عنه بالإنبات".
قال أشهب: وإذا بلغ سناً لا يبلغه أحد إلا احتلم ولم يحتلم ولم
الجزء: 22 - الصفحة: 227
ينبت، أو كانت جارية فلم تحض ولم تنبت حكم لهم بحكم البلوغ.
قال ابن حبيب وغيره: وذلك ثماني عشرة سنة، وقيل: سبع عشرة سنة.
أبو محمد: وقال بعض أصحابنا من البغدادين: إن الاحتلام من المرأة بلوغ وإن لم تحض.
قال يحي بن عمر: أما أكل شيء بين المرء وبين الله عز وجل مما يلزمه فيقبل قوله أنه لم يحتلم، وأنها لم تحض، ولا يراعى الإنبات، وأما كل شيء يطلب به من حد أو شبهه فلا ينظر فيه إلى إنكاره البلوغ ويحكم فيه بالإنبات.
الجزء: 22 - الصفحة: 228
ومثل هذا في الحديث، وحكم السلف أن ينظر إلى مؤتزره.
الجزء: 22 - الصفحة: 229
[الباب الواحد والعشرون]
جامع الإقرار في السرقة عن محنة أو غير محنة ثم يرجع وكيف إن أخرجها، وفي حبس المتهم وعقوبته ويمينه
والقطع في السرقة يجب بأمرين:
إما بشاهدين، أو بإقرار يثبت عليه المقر حتى يحد، وإن رجع أقيل.
لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلص اعترف اعترافًا ولم يوجد معه متاع، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (ما إخالك سرقت)، فقال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثًا، (فأمر به فقطع)، فقال: (استغفر الله وتب إليه) قال: استغفرته وتبت إليه، فقال: (اللهم تب عليه).
الجزء: 22 - الصفحة: 230
ففي تكرير النبي صلى الله عليه وسلم: (ما إخالك سرقت)؛ دليل على أنه لو رجع قبل منه.
وقد روي أن المرجوم لما أخذته الحجارة هرب فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا تركتموه).
وإذا انتهت الحدود إلى الإمام وجب أن تقام ولا يجوز فيها العفو، وذلك
الجزء: 22 - الصفحة: 231
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لصفوان: (فهلا قبل أن تأتيني به).
قال مالك في آخر الكتاب: فيمن أقر أنه سرق من رجل مائة درهم من غير محنة ثم نزع لم يقطع، ويغرم المائة لمدعيها.
وقيل: لا يقال إلا بعذر بين.
م: والأول أبين لقول النبي عليه السلام (ما إخالك سرقت)، ولقوله (فهلا تركتموه)، وه لم يأت بعذر.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن شهدت عليه بينة أنه أقر بالسرقة أو بالزنى فأنكر، فإن ذكر أنه إنما أقر لأمر يعذر به أقيل، وإن جحد ذلك الإقرار أصلاً أقيل أيضاً.
وقال غيره: لا أقيله إلا لعذر بين.
قال في كتاب محمد: وإذا رجع قبل تمام الحد أقيل، ويغرم الحر
الجزء: 22 - الصفحة: 232
قيمة السرقة يوم سرقها، ولا شيء على العبد، ويتبع بذلك الحر في عدمه.
وكل واحد هو لله عز وجل لم يثبت إلا بإقرار المقر فإنه يقبل رجوعه فيه ما لم يحد أو يأت من ذلك من السبب ما يشبه البينة من تعيين المتاع في السرقة وهو من أهل التهم، فهذا يقطع ولا يقبل رجوعه.
ونحو هذا روى القاسم عن مالك في العتبية فقال: فيمن اعترف بالسرقة بغير محنة ثم نزع قال: لا يقال، قال ابن القاسم: يريد إذا عين وبلغني ذلك عن مالك.
وقال عنه في رواية عيسى: لا أرى أن يقام عليه الحد حتى يعين ما قال بأمر يقيم عليه.
قال ابن القاسم: وهو رأيي، قيل له: فإن أخرج الدنانير، فقال:
الجزء: 22 - الصفحة: 233
هذه هي؟ قال: ليس في الدنانير تعيين.
قال: وإذا اعترف بعد أن ضرب عشرة أسواط، أو حبس ليلة لم يلزمه إقراره، كان الوالي عدلاً، أو غير عدل، وربما أخطأ العدل، وقد قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إن ضربتي سوطاً واحداً أقررت على نفسي، فقال: ماله قبحه الله؟
فإذا أقر على خوف لم يلزمه إقراره إلا أن يعين،- يعني يرى بعض ما أقر به-.
وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم فيمن أقر بسرقة وعينها-
الجزء: 22 - الصفحة: 234
والتعيين الإظهار لها-، هل عليه قطع إن أنكر بعد ذلك؟
قال ابن القاسم: إن أقر بها وعينها عند غير السلطان فإنه يقطع، وإن أقر بها على الضرب وعينها ثم أنكر فلا يقطع.
ابن المواز وقال أشهب: إذا أخرج السرقة فإنه يقطع وإن كان بعد ما ذكرت من سجن وقيد ووعيد وإن نزع لم يقبل نزوعه، وأما إن لم يعين فلا يحد أبداً، وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يخاف أن يعاد لمثل الأمر الأول.
محمد: وروي عن ابن عمر ويحي بن سعيد وربيعة في المقر عن جلد: أنه لا يقطع حتى يبرز السرقة.
قال محمد: ولو أخرج المتاع ثم نزع وكان له سبب مثل أن
الجزء: 22 - الصفحة: 235
يقول: قيل لي: إن أخرجت المتاع خليت، فبعثت وأخذته من فلان، فهذا لا يقطع.
وروى نحوه ابن وهب عن يحي بن سعيد وعن مالك.
ومن المدونة قال مالك: ومن أقر بشيء من الحدود بوعيد أو سجن أو قيد أو ضرب أقيل، وذلك كله إكراه، فإن تمادى على إقراره بعد زوال الإكراه فإنه يحبس حتى يستبرأ أمره، فإن تمادى على إقراره بعد أن أمن أقيم عليه الحد إذا أتى بأمر يعرف به صدقه وعين وإلا يحد في قطع ولا غيره.
محمد قال أشهب: إذا لم يعين فلا يحد أبداً وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يخاف أن يعاود لمثل الأمر الأول.
قال في المدونة: وإن أخرج السارق السرقة أو القتيل في حال التهديد، لم أقطعه ولم أقتله حتى يقهر بعد ذلك آمناً، ولو جاء ببعض المتاع
الجزء: 22 - الصفحة: 236
وأتلف بعضه لم أضمنه ما بقي إن جاء بما يعذر به في إقراره، وكذلك لا أضمنه الدية في القتيل إذا جاء بوجه يعذر به.
وإذا أقر عبد أو مدير أو مكاتب أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة وأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق يمينه، وقاله مالك في أمة ادعى رجل في ثوب فصدقته وادعاه السيد لنفسه: أنه يقضى له به مع يمينه.
قال محمد: إذا كان المتاع الذي أقر به أنه سرقه بيده، لم يصدق فيه ويقطع فيه إذا كان مما فيه القطع، ويكون سيده أحق به، ويحلف السيد أنه ما يعلم لهذا فيه حقاً.
قال أشهب: وكذلك إذا قال: لا أدري ألعبدي هو أم لا، ولكنه بيد عبدي، فهو للعبد أبداً ولا يقبل فيه إقراره إلا أن تقوم بينة بمعرفة المتاع لربه.
الجزء: 22 - الصفحة: 237
م: إن ادعى السيد أن الثوب له حلف على البت أنه له، وإن ادعى أنه لعبده حلف أنه لعبده ما يعلم لهذا فيه حقاً، وإن قال: هو بيد عبدي لا أدري أهول له أم لا، فلا يمين عليه إلا أن يدعي المقر له أنه يعلم أنه له فيحلفه أنه ما يعلم له فيه حقاً، قاله بعض فقهائنا.
ومن قامت عليه بينة بسرقة لم أر للإمام أن يقول له: قل: ما سرقت، إنما يعني بينة بإقراره، فأما المعاينة فلا يقبل إنكاره، وروى ابن عيينة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بسارق فقال له: (أسرقت؟ ما إخالك فعلت).
فقال: قد فعلت، (فأمر أن يقطع ثم يحسم)، ثم قال: (تب إلى الله).
فتاب، فقال: (اللهم تب عليه).
وروى مثله ابن حبيب.
الجزء: 22 - الصفحة: 238
ومن المدونة: ومن أقر أنه سرق من فلان شيئاً وكذبه فلان؛ فإنه يقطع بإقراره ويبقى المتاع له إلا أن يدعيه ربه فيأخذه.
ولو قال المسروق منه: قد سرقه مني إلا أنه كان له وديعة عندي، أو بعثه إليه معي رجل، لم يقبل ذلك منه ويقطع.
ومن سرق متاعاً كان أودعه رجلاً فجحده إياه فإن أقام على ذلك بينة وعرفوا المتاع بعينه لم يقطع، وقد تقدم بعض هذا.
[56 - فصل: في حبس المتهم وعقوبته ويمينه]
قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل أنه سرقه لم أحلفه له إلا أن يكون متهماً يوصف بذلك فإنه يحلف ويهدد ويسجن وإلا لم يعرض له، وإن كان المدعى عليه من أهل الفضل وممن لا يشار إليه بهذا أدب الذي ادعى ذلك عليه.
الجزء: 22 - الصفحة: 239
وقد تقدم في كتاب الشهادات ذكر المرأة تدعي: أن فلاناً أكرهها، أنه إن كان ممن لا يشار إليه بذلك حدت، وإن كان ممن يشار إليه بذلك نظر فيه الإمام.
ومن كتاب ابن المواز، وذكره ابن حبيب عن أصبغ قال: ومن جاء إلى الوالي برجل فقال: سرق متاعي؛ فإن كان موصوفاً بذلك متهماً هدد وسجن واحلف، وإن يكن كذلك لم يعرض له، وإن كان من أهل الصلاح والبراءة لا يشار إلى مثله بذلك؛ أدب له المدعي.
ابن حبيب قلت لمطرف: فمن سرق له متاع فاتهم من جيرانه رجلاً غير معروف، أو اتهم رجلاً غريباً لا يعرف حاله، أيسجن حتى
الجزء: 22 - الصفحة: 240
يكشف عنه؟ قال: نعم، ولا يطال سجنه، وذكر: (أن النبي صبى الله عليه وسلم حبس رجلاً اتهمه المسروق منه بسرقة لغيره وقد صحبه في السفر).
قال مطرف: وإن كان المتهم بالسرقة معروفاً بها كان سجنه أطول، وإن وجد معه مع ذلك بعض السرقة فقال: اشتريته، ولا بينة له، وهو من أهل التهم، لم يؤخذ منه غير ما في يديه؛ فإن كان غير معروف حبسه وكشف عنه، وإن كان معروفاً بذلك حبسه أبداً حتى يموت في السجن، وقاله مطرف وابن الماجشون وأصبغ.
الجزء: 22 - الصفحة: 241
محمد قال ابن وهب عن الليث: فيمن وجد معه متاع مسروق فقال: اشتريته؛ فإن كان متهماً عوقب.
وكتب عمر بن عبد العزيز في مثله أن يسجن إن اتهم حتى يموت.
وقال مالك: يسجن بقدر ما يرى الإمام ثم يعاقب ويسرح ولا يسجن حتى يموت.
قال أشهب: وإذا شهد عليه أنه متهم فإنه يسجن بقدر ما اتهم عليه، وعلى قدر حاله، ومنهم من يجلد بالسوط مجرداً، وإن كان الوالي غير عدل فلا يذهب به إليه، ولا يشهد عليه عنده، إلا أن يعلم أن السلطان لا يخالف فيه إلى غير حق.
الجزء: 22 - الصفحة: 242
الباب [الثاني والعشرون]
في إقامة الحد في البرد أو الحر، ومن اجتمع عليه حد لله تعالى وحد للعباد، ومن سرق من بيت المال أو من المغنم، وسرقة من فيه علقة رق من سيده، والسارق يرث السرقة أو توهب له
[57 - فصل: في إقامة الحد في البرد أو الحر]
قال مالك: ومن سرق في شدة البرد فخيف عليه الموت إن قطعت يده فليؤخره الإمام إلى بعد ذبك.
قال ابن القاسم: وإن كان الحر أمراً يعرف خوفه كالبرد فأراه مثله.
قال ابن المواز: قال مالك: يقطع في شدة الحر؛ لأنه ليس بمتلف وإن كان فيه بعض الخوف؛ لأنه حق لزمه وإن مات فيه، قال مالك: وإنما يتقي هذا في البرد.
الجزء: 22 - الصفحة: 243
قال محمد: وإذا رأى الإمام قطع المحارب من خلاف وذلك في برد شديد فلا يؤخره بخلاف من لزمه القطع في سرقة؛ لأن الإمام لو قتل هذا المحارب جاز له ذلك.
[58 - فصل: فيمن اجتمع عليه حد لله تعالى وحد للعباد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن سرق وقتل عمداً فإنه يقتل ولا يقطع، والقطع داخل النفس، ولو عفا عنه ولي القتيل لقطعته للسرقة.
وإن سرق وقطع يمين رجل قطع للسرقة فقط إذ هي آكد ولا عفو فيها ولا شيء للمقطوعة يده، كما لو ذهبت يد القاطع بأمر من الله لم يكن للمقطوعة يده على القاطع دية ولا غيرها؛ لأن الذي كان حقه فيه قد ذهب.
ولو سرق وقطع شمال رجل قطعت يمينه في السرقة وشماله قصاصاً، وللإمام أن يجمع ذلك عليه أو يفرقه بقدر ما يخاف عليه أو يأمن، وكذلك الحد والنكال يجتمعان جميعاً على رجل.
الجزء: 22 - الصفحة: 244
وإذا اجتمع عليه الحد لله تعالى وحد للعباد بدأ بالحد الذي لله تعالى إذ لا عفو فيه، فإن عاش أخذ منه حد العباد، وإن مات بطل ذلك، ويجمع الإمام ذلك كله عليه إلا أن يخاف عليه الموت فيفرق ذلك.
والقطع في السرقة في الرجل والمرأة سواء.
59 - [فيمن سرق من بيت المال أو من المغنم]
ومن سرق من بيت المال أو من المغنم وهو من أهله قطع، قيل لمالك: أليس له في المغنم حصة؟ قال: قال مالك: وكم تلك الحصة؟
قال غيره في كتاب العتق: إنما يقطع إذا سرق فوق حقه بثلاثة دراهم، لأن حقه في الغنيمة واجب معروف، بخلاف حقه في بيت المال؛ لأنه إنما يجب له إذا أخذ وإن مات لم يورث عنه.
واختلف قول سحنون فقال مرة: يقطع إن سرق فوق حقه من الغنيمة كلها ثلاثة دراهم، وقال مرة: فوق حقه من المسروق.
الجزء: 22 - الصفحة: 245
60 - فصل: [في سرقة من فيه علقة رق من سيده]
ولا تقطع أو الولد إذا سرقت من مال سيدها، وكذلك العبد، والمكاتب، وإذا شهد على أخرس بالسرقة قطع، وكذلك إن أقر بوجه يعرف به إقراره وإلا لم يقطع.
[61 - فصل: في السارق يرث السرقة أو توهب له]
ومن سرق سرقة فلم يقطع حتى ورثها أو اشتراها أو وهبت له أو تصدق بها عليه، فلابد من قطعه.
وقد تقدم القول فيمن سرق متاعاً كان أودعه، أو سرق لرجلين وأحدهما غائب، وبعض معاني هذا الباب فأغنى ذلك عن إعادتها هنا.
الجزء: 22 - الصفحة: 246