كتاب التفليس
[الباب الأول]
في تفليس المديان وبيع ماله ومحاصة وغرمائه
[الفصل 1 - في تفليس المديان]
والقضاء إذا طلب الغرماء الحجر على المفلس فإن الحاكم يحجر عليه.
وقال أبو حنيفة: لا يحجر عليه ويؤخذ بقضاء الدين أو يحبسه حتى يبيع ويقضي.
م/: ودليلنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حجر على معاذ بن جبل وقال لغرمائه «خذوا ما معه وليس لكم غيره».
وروى عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ألا إن أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال له سبق الحاج فأدان معرضا فأصبح قد دين به فمن كان له عليه حق
الجزء: 17 - الصفحة: 655
فليحضر فإنا نبيع ماله.
ولا مخالف له.
قال مالك: فإذا قام رجل واحد بالمديان فله تفليسة كقيام الجماعة.
ويبيع الإمام ما ظهر له من ماله فيوزعه بين غرمائه بالحصص، ويحبسه فيما بقي إن تبين لدده أو اتهم.
[الفصل 2 - ما يباع ومالا يباع من أمتعة المفلس]
والإمام يبيع عليه عروضه كلها وداره وخادمه وسرجه وسلاحه وخاتمه وغير ذلك إلا ما لابد له منه من ثياب جسده، ويبيع عليه ثوبي جمعته إن كان لهما قيمة، وإن لم تكن لهما قيمة فلا.
م/ قال محمد: قال مالك: ويباع عليه سريه وفرضه وسيفه ومصحفه، ولا تباع كتب العلم في دين الميت والوارث، وغيره فيها سواء ممن هو لها أهل، وغليه ذهب سحنون.
قال أبو محمد وغيره من أصحابنا: بيعت كتب ابن وهب بعد موته بثلاثمئة دينار وأصحابنا متوافرون فما أنكروا ذلك.
الجزء: 17 - الصفحة: 656
ابن المواز: قال مالك: وليس لغرماء المفلس أن يؤاجروا أم ولده، ولهم أن يؤاجروا مدبره، ويبيعوا كتابة مكاتبه، ولا يجبروه على اعتصار ما وهب لولده أو نحله، ولا على شفعة له فيها منفعة وفضل، وكذلك شفعة الميت والورثة أولى منهم.
[الفصل 3 - في قبول المفلس الصدقة والسلف والمعونة،
وفي المفلس يرث أباه الرقيق أو يوهب له]
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن تصدق عليه بدنانير يؤديها في دينه لم يجبر على قبولها، وكذلك لو بذل له سلفاً أو معونة إلى أجل فلا يجبر على قبول ذلك، وإذا ورث أباه فالدين أولى به، ولا يعتق إلا ما فضل منه عن الدين، وأما إن وهب له فهو يعتق عليه؛ لأنه لم يوهب له ليأخذه غرماؤه، وإنما اغتزى به العتق.
م/ إلا أن يوهب له، ولا يعلم الواهب أنه أبوه فهاهنا يباع في دينه؛ لأنه لم يغتز به العتق.
[الفصل 4 - في بيع المفلس التي دبر ولدها الصغير]
قال أصبغ: ولو دبر ولد أمته الصغير ثم استدان وفلس فلا تباع الأمة؛ للتفرقة، ولكن تخارج، ويأخذ الغرماء خراجها في دينهم إلى مبلغ حد التفرقة، فتباع حينئذ، أو يباع منها بقدر باقي الدين إلا أن يموت السيد دون ذلك فتباع الأمة إن وفت بالدين، ويعتق
الجزء: 17 - الصفحة: 657
ثلث المدبر.
وإن كان في بعضها وفاء بالدين عتق من الصبي في باقيها وفي نفسه مبلغ الثلث من ذلك إن لم يدع غير ذلك، وإن كانت هي المدبرة دون الولد فالجواب سواء.
[مسألة: في النصراني يموت وعليه دين ولا يترك غير الخمر والخنازير]
قال سحنون في النصراني يموت، وعليه دين، ولا يترك غير خمر وخنازير، فلا تجبر ورثته على بيع ذلك، وليتربص الطالب بهم، فإذا باعوا ذلك وصار مالاً قام فيه، وقضى له به، وكذلك مركب لهم مرسى بساحلنا وفيها الخمر فلا يجبرهم الإمام على بيعه، وليجعل من يتحفظ بهم، فإن باعوها أخذ منهم العُشر.
[مسألة: في المفلس يقول: لا مال عندي وبيد امرأته خادم تدعي ملكيتها]
ابن سحنون وكتب شجرة إلى سحنون في الذي يقام عليه بالديون، ويقول: لا مال عندي.
وبيد امرأته خادم تقول: هي لي.
ويصدقها الزوج، ويقول الغرماء: بل هي له.
فكتب إليه: إذا كانت هذه في حيازة المرأة، والزوج يقوم بأمرها فهي للزوج، ولا يقبل قوله بعد التفليس، وعلى المرأة البينة.
[مسألة: في الاستثناء في بيع ربع المفلس وعروضه وحيوانه]
ابن المواز قال مالك: ويستأنى في بيع ربع المفلس ويتسوف به الشهر والشهرين، وأما الحيوان والعروض فيتسوف بها يسيراً، والحيوان أسرع بيعاً.
قال مالك في موضع آخر وهو في المدونة: ومن شأن بيع السلطان عندنا أن يبيع بالخيار ثلاثة أيام.
قال سحنون: يبيع بالخيار لعل زائداً يأتيه.
الجزء: 17 - الصفحة: 658
[الفصل 5 - فيما يترك للمفلس من ماله]
ومن المدونة قال مالك: ويترك للمفلس مايعيش به هو وأهله الأيام.
قال في العتبية وكتاب محمد وابن حبيب: ويترك له ما فيه نفقة له ولأهله وعياله قدر الشهر، وإن لم يوجد غيره ترك.
قال ابن حبيب: يعني بأهله زوجته وولده الصغار، ويترك له كسوة له ولأهله وفي زوجته شك.
يريد مالك في كسوتها.
قال سحنون في العتبية: لا يترك له كسوة زوجته.
م/ إن كان قد كساها إياها قبل التفليس، وليس فيها فضل فلا ينزع عنها.
قال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يترك لزوجته كسوتها؛ لأن الغرماء إنما عاملوه على النفقة على نفسه وولده الصغار ونفقة زوجته وكسوتها، فيجب أن يترك ذلك لها.
[مسألة: في المفلس يبعث نفقة إلى أهله فيقوم غرماؤه بطلبها]
ومن كتاب ابن المواز: ومنبعث نفقة إلى أهله فقام غرماؤه فيها فلهم أخذها، فإن قال الرسول: أوصلتها إلى أهله صدق مع يمينه، وللغرماء أخذها من غياله إن قاموا بحدثان ذلك، فإن تراخى ذلك مدة ينفق في مثلها فلا شيء لهم كمفترق الذمة ينفق على أهله.
ولو قاموا بحدثان ذلك فقال أهله: قضيناها ديناً في نفقة تقدمت أو كراء لم يصدقوا
الجزء: 17 - الصفحة: 659
إلا أن يأتوا على ذلك بلطخ أو برهان.
قال سحنون: والكفن أولى من الدين، والمرتهن أولى بالرهن من الكفن.
فصل [6 - في تعجيل بيع مال المفلس الحي الغائب لمن حضر من غرمائه ومفارقة
ذلك للمفلس الميت]
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: ومن قام بدين على غائب، ولعله كثير المداينة لغير من حضر، فأرى أن تباع عروضه لمن حضر ويقضى، وليس كالميت في الاستيناء؛ لاجتماع من يطرأ من غرمائه؛ لبقاء ذمة الميت، وجعله غيره كالميت، ويستأنى بأمره إن كان معروفاً بالدين.
م/: وظاهر حديث عمر تعجيل قسم مال المفلس بين غرمائه بعد إشهار ذلك.
لقوله: إنا نقسم ماله بالغداة فمن كان له شيء فيأتنا.
وقال مالك: يستأنى بقسم مال الميت المعروف بالدين؛ لاجتماع بقية غرمائه، وكذلك إن مات في غيبته، وإن لم يعرف بالدين قضي لمن حضر، ولا ينتظر به.
الجزء: 17 - الصفحة: 660
[الفصل 7 - في الغائب يقوم به بعض غرمائه وليس فيما حصل
من ماله وفاء لدينه]
قال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن حبيب: في الغائب يقوم به بعض غرمائه، وليس فيما حصل من ماله وفاء، فإنه كان قريب الغيبة كالأيام اليسيرة فليكتب فيه ليكشف ملاؤه من عدمه، وأما في الغيبة البعيدة لا يعرف فيها ملاؤه من عدمه، ولا يدري أين هو فهو كالمفلس، ويحل المؤجل من دينه.
ومن باع منه سلعة فوجدها فله أخذها، وأما إن عرف فيها بملاء فلا يفلس، ويقضي من حل دينه، ويبقى المؤجل، ولا يأخذ البائع سلعته.
ابن المواز: قال أشهب: ويفلس البعيد الغيبة، وإن عرف ملاؤه، وقال: أرأيت لو كان حضراً بمصر، وله بالأندلس مال لا يدري ما حدث عليه ألا يفلس؟
وبقول ابن القاسم: أخذ أصبغ استحساناً.
قال: والقياس ما قال أشهب.
م/: قال بعض القرويين: لا فرق في الحقيقة بين السؤالين؛ لأن حضوره مع غيبة ماله لا يمنع تفليسه خوفاً أن يكون هلك ماله، وكذلك يخاف إن كان هو وماله غائبين إذ قد يكون ماله ذهب، أو يقال: عدم القدرة على أخذ بقية الغرماء حقوقهم يوجب تفليسه.
قال أصبغ: ويكتب تفليسه حيث هو، فيستتم ذلك عليه في الموضع الذي هو فيه.
قال: وفي قول أصبغ هذا نظر؛ لأن أشهب إنما فلسه وإن كان ملياً في غيبته؛ لإمكان تلف المال، فإذا وصل إليه فكيف يحل عليه المؤجل منه وهو مليء.
أرأيت لو
الجزء: 17 - الصفحة: 661
قدم بماله فأراد الذين لم يحل دينهم أن يأخذوا بقية ديونهم حالة، وآجالها لم تحل، وحاصصهم إنما كان للضرورة، فالأشبه أن ليس لهم ذلك.
وظاهر مذهب أصبغ أنهم يأخذون ذلك حالاً، وكأنه حكم قد مضى بحلول الديون، وعلى هذا لو فلس رجل وعليه ديون إلى أجل فحاص الغرماء فوقع لكل رجل نصف حقه ثم ورث مالاً أن للذين لم تحل ديونهم أن يأخذوها حالة، وإن كانت آجالهم لم تنقض؛ لأنه حكم مضى بحلول الدين، والأشبه في هذا أن تبقى بقية ما لم تحل من ديونهم إلى أجله؛ لأن السبب الذي من أجله حلت ديونهم إنما هو خلاء ذمته.
وقد زالت العلة بملائة وعمارة ذمته.
فصل [8 - من كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه ولم يقم
مع من قام فلا رجوع له على الغرماء]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه فلم يقم مع من قام فلا رجوع له على الغرماء، وذلك رضي منه ببقاء دينه في ذمة الغريم كقول مالك إذا علموا بعتقه وسكتوا عنه أنه لم يرد لهم العتق إذا قاموا بعد ذلك.
وقيل: توقف لهم حقوقهم كالغياب إلا أن يتبين من الحاضر ترك لدينه في ذمة الغريم ورضى بما قبض غيره.
م/ وحكى بعض فقهائنا أنه قال: وهذا إذا كانوا حضوراً ببلده، ولم يشهدوا القسمة لماله، ولو حضروا القسمة وشاهدوها لم يكن لهم رجوع على من قبض من الغرماء بلا اختلاف من ابن القاسم وغيره.
الجزء: 17 - الصفحة: 662
م/: وهو مأخوذ من قول غيره إلا أن يتبين من الحاضرين ترك لدينه في ذمة الغريم ورضي بما قبض غيره.
ابن المواز: قال مالك: وإذا لم يقم الباقون حتى داين آخرين فلمن لم يقم من الأولين تفليسه ومحاصة من داينه بعد التفليس.
م/: لأن الأولين الذي سكتوا ولم يقوموا لم يفلسوه قط فأشبه من كان عليه دين لم يفلس فيه فداين قوماً آخرين بعد أن افتقر ثم فلس، فالأولون والآخرون في هذا المال سواء، وكذلك الذين سكتوا عن فلسه.
وذكر ابن حبيب عن مطرف أنه قال: إذا فلس ثانية فلا يدخل في ذلك كل من له دين قبل التفليس الثاني كان ممن حاص في الأول أو لم يحاص.
م/: وهذا وفاق للمدونة فيمن حاصص لا فيمن لم يحاصص وأما من رضي بتفليسه معهم ثم رد إليه ما وقع له من الحصاص ثم داين قوماً آخرين ثم فلس ثانية فإنه يحاصصهم الراد بقدر ما رد إليه لأن ما رد إليه كابتداء معاملة ولا يضرب إلى بذلك.
الجزء: 17 - الصفحة: 663
[الفصل 9 - في قيام بعض غرماء الميت بإثبات ديونهم
وتأخر البعض الآخر في القيام]
ومن العتبية قال سحنون: فيمن مات وعليه لجماعة دين فأتى بعضهم إلى السلطان فأثبت دينه، فأمر ببيع مال الميت، وقسمه بينهم، ثم قام باقي غرمائه فلهم الدخول فيما أخذ الأولون، ولا يضرهم علمهم بموته، وأن ماله يباع لغرمائه، وأما لو كان مفلساً لم يكن لتاركي القيام الدخول على من قام فيما أخذ؛ لأن المفلس بقيت ذمته، والميت لم تبق له ذمة، وقد قال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز أن تشتري ديناً على ميت؛ لأنه لا ذمة له يطالب بها، والمفلس له ذمة تتبع.
م/: وهذا وفاق للمدونة.
وهو مأخوذ من قول ابن القاسم: ومن كان من غرماء الحي حاضراً عالماً بتفليسه فدل بذلك أن الميت بخلافه.
[مسألة: في الميت يقسم ورثته ماله ولرجل عليه دين
فلا يقوم به وهو حاضر لقسمتهم]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في الميت يقسم ورثته ماله ولرجل عليه دين فلا يقوم به وهو حاضر لقسمتهم لماله، ثم قام بعد ذلك فلا شيء له إلا أن يكون له عذر في تركه القيام، أو يكون لورثته سلطان يتقون به ونحو ذلك مما يعذر به، فهذا على حقه أبدا وإن طال القيام.
وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يبطل حق امرئ وإن قدم».
الجزء: 17 - الصفحة: 664
[الفصل 10 - في حلول الدين المؤجل في الموت والفلس]
وقد قال مالك في الميت عليه طعام إلى أجل فقال ورثته للطالب: خذ حقك.
فقال: لا حتى يحل حقي.
فإنه يجبر على أخذه؛ لأن مال الميت يباع، وقد لا يكون فيه وفاء.
قال ابن القاسم: والعرض يجبر على أخذه في الموت والفلس.
وقال بعض البغداديين: إنما وجب أن يحل الدين المؤجل في الموت والفلس من أجل أنه في الموت انقطعت ذمته، ووجب قسم ميراثه.
وقد بدأ الله سبحانه بالدين على الميراث فوجب حلول الدي؛ لوجوب قسم الميراث، وأما في التفليس فصاحب الدين إنما رضي بذمة سليمة من الدين، فإذا طرأ على ذمته عيب لم يرض به عند المداينة وجب تعجيل حقه، ولما وجب تفرقة ماله بين غرمائه، وكان هذا أحدهم، وجب أن يشركهم فيما يقبضون.
الجزء: 17 - الصفحة: 665
[الباب الثاني]
في إقرار المريض المديان وإقرار المفلس ووجه تفليسه وغير ذلك
[الفصل 1 - في إقرار المريض المديان بدين آخر عليه]
قال مالك: ومن عليه في صحته ببينة أو بإقرار منه فأقر في مرضه بدين لوارث أو لذي قرابة أو لصديق ملاطف لم يقبل قوله إلا ببينة.
وإن اقر في مرضه لأجبين جاز، وحاص من له دين ببينة، أو من أقر له في الصحة.
فإن أقر في مرضه لأجنبي بمئة ولابنه بمئة، ولم يترك إلا مئة فليتحاصا فيها، فما صار للأجنبي أخذه، وما صار للوارث دخل معه فيه بقية الورثة إلا أن يجيزوه له، ولا حجة للأجنبي أنه أقر لوارث؛ لأنه هو إنما أخذه بإقراره، ولو كان دين الأجنبي ببينة كانت له حجة، ولم يدخل معه الوارث بحصاص.
م/: وإذا دخل على الوارث بقية الورثة لم يكن للوارث الرجوع على المقر له الأجنبي عند ابن القاسم.
وقال أشهب: يرجع على الأجنبي فإذا أخذ منه شيئاً شاركه فيه الورثة، فإذا شاركوه رجع على الأجنبي حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء.
الجزء: 17 - الصفحة: 666
م/: أما قوله حتى لا يبقى في يد الأجنبي شيء فلا بد أن يبقى في يده؛ لأنه إذا رجع عليه الورثة رجع هو على الأجنبي بمثل ربع ما أخذ منه أولاً، ثم إذا شاركه فيه الورثة رجع على الأجنبي بربع ما أخذ منه ثانية هكذا حتى ما يرجع به عليه فلا بد أن يبقى له شيء في يده.
ولم يقل أشهب: إن الورثة إذا رجعوا على الوارث يرجع عليهم الأجنبي بربع ما أخذ، فيقول لهم: لا ينبغي أن ترثوا، ويبقى لي أنا دين.
فيجب أن يقول ذلك، ويرجع عليهم، فإذا رجع عليهم رجع عليه الوارث المقر له، فإذا رجع عليه، رجع على الوارث بقية الورثة، ثم يرجع الأجنبي على بقية الورثة فأدى ذلك إلى الإحالة.
فلهذا وقف ابن القاسم وجعل الوارث إذا شاركه بقية الورثة لم يرجع هو على الأجنبي بشيء.
وقال أشهب: إذا رجع المقر له على الأجنبي لم يكن للأجنبي رجوع فإن كان معهم ثالث له دين ببينة.
فقال في كتاب محمد: إن الوارث يسقط ويقسم المال بين الذي له البينة به والأجنبي المقر له وكأنه على هذا التأويل يتحاصون ثلاثتهم فما صار للوارث يسقط، ويقسم المال الذي كان صاحب البينة أحق به، فإذا أخذه منه رجع الذي لا بينة له فشاركه فيه.
الجزء: 17 - الصفحة: 667
[الفصل 2 - في إقرار المريض المديان لمن يتهم عليه ولمن لم يتهم
عليه وليس لهم بينة]
قال ابن حبيب: وإذا أقر لمن يتهم عليه ولمن لا يتهم عليه، وليس لجميعهم بينة جاز إقراره، فإن ضاق ماله تحاصوا فيه، فما رفع للمتهم عليه نظر فإن كان وارثاً شاركه فيه الورثة.
م/: وهذا كله مثل ما تقدم في المدونة.
قال ابن حبيب: وإذا كان غير وارث كان له إن كان في الورثة ولد، وإن كانوا كلالة كان للورثة دونه.
قال: وذلك إذا أقر له بماله أو بجله.
وأما لو أقر له بما لو أوصى له به له لجاز فذلك جائز له.
م/: وقاله ابن القاسم وغيره.
وبه أقول.
وهذا ينحو إلى قوله في المكاتب إذا كاتبه في صحته، وأقر في مرضه بقبض الكتابة منه قال: فإن ورثه ولده جاز إقراره، وإن كان ورثته كلالة والثلث لا يحمله لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله الثلث صدق لأنه لو أعتقه جاز عتقه.
وقال في الوصايا الأول: إن أقر لصديق ملاطف بدين جاز إن ورثه ولده، وأما إن كان ورثته أبوين أو زوجة أو عصبة ونحوه لم يجز إقراره له.
قال سحنون في غير المدونة: لا في ثلث، ولا في غيره.
الجزء: 17 - الصفحة: 668
م/ وهذا خلاف ما ذكره ابن حبيب هاهنا فاعلم ذلك.
فصل [3 - في إقرار المفلس بدين قبل التفليس أو قبل
القيام عليه أو بعد تفليسه]
ومن كتاب التفليس قال مالك ومن أقر لرجل قبل التفليس بدين، أو قبل القيام عليه بمال، فإنه يدخل مع من داينه ببينة.
وإن أقر له بعد التفليس فلا يدخل فيما بيده من مال، ويتحاص فيه أهل دينه دون هذا المقر له، فإن أفاد مالاً بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له حين التفليس، ومن بقي له من الأولين شيء؛ لأن التهمة إنما كانت في المال الأول.
وأما إن داين قوماً آخرين بعد التفليس الأول ثم فلس ثانية فلا يدخل مع الآخرين المقر له بعد التفليس.
م/: ولا الذي تحاصوا في التفليس الأول بما بقي؛ لأن هذا المال إنما هو من المعاملة الثانية، فهو بخلاف ما أفاد.
قال: وأما إن أفاد مالاً بعد ما فلسوه فلم يقم فيه الغرماء الأولون ببقية دينهم ولا المقر له حتى أقر بدين لرجل آخر فإقراره له جائز ما لم يقر عند قيام الأولين بتفليسه ثانية فإذا أقر له قبل قيامهم جاز ذلك.
فإذا فلس ثانية كان المقر لهم آخرا أولى بما في يديه من الغرماء الأولين، إلا أن يفضل شيء عن دينهم؛ لأن ما بيده هو من المعاملة الثانية إذا كان قد عومل بعد التفليس وباع واشترى؛ لأنه مال لهم إلا أن يكون المال الذي أفاد بعد
الجزء: 17 - الصفحة: 669
التفليس إنما افاده بمورث أو صلة أو أرش جناية أو نحوه فإن الأولين والآخرين يدخلون فيه.
قال مالك: ومن قام به غرماؤه ليفلسوه فأقر حينئذ بدين لغائب لم يصدق إلا أن يقر قبل التفليس أو تقوم بينة للمقر له فيحاص للغائب وتعزل حصته.
م/: فإذا عزل القاضي لهذا الغائب حصته فتلفت كان ذلك منه بلا اختلاف فيه، وإنما الاختلاف فيما أوقف من مال المفلس ليقضي منه غرماؤه، ولو طرأ غريم آخر لم يعلم بع ما هلك ما أوقف للأول لضمن له الأول قدر نصيبه من الموقوف، وإن علم هلاكه.
م/: لأنه لما كان هلاك ذلك ممن أوقف له صار ذلك كأنه قبضه وهلك في يديه فوجب أن يرجع عليه الطارئ بحصته منه فإذا غرم للطارئ حصته من الموقوف رجع بمثل ذلك في ذمة المفلس أو الميت لأنه قد استحق ذلك مما أوقف فوجب أن يرجع بمثل ذلك في ذمة المفلس أو الميت؛ لأنه قد استحق ذلك مما أوقف فوجب أن يرجع به وذلك بخلاف وارث يطرأ على وارث وقد هلك ما بيد الوارث بأمر من الله سبحانه.
فإذا ثبت ذلك لم يضمن الوارث القابض للوارث الطارئ شيئاً.
وقال بعض فقهاء القرويين: وكذلك كان ينبغي أن يكون الغريم الموقوف له
الجزء: 17 - الصفحة: 670
أن لا يضمن للطارئ شيئاً ولكن يحط ذلك القدر من الدين الموقوف، ويرجع بذلك الغريم الطارئ على ذمة الميت أو المفلس كالمشتري يهلك ما بيده ثم يستحق فلا يغرم المشتري شيئاً للمستحق؛ لأنه ضمن المشتري بثمنه الذي ودى فيه ويرجع المستحق بثمنه على من قبضه أو بقيمته على من غصبه.
م/: والفرق عندي بين الوارث والغريم في هذا أن الغريم دينه من معاوضة فما هلك في يديه فيكون منه؛ لأنه ضمنه بما دفع فيه، والوارث لم يضمن في ذلك ثمناً وداه، فوجب أن يكون هلاك ما قبض إذا هلك بأمر من الله كأنه من الميت، فإذا طرأ عليه وارث لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه كأنه لم يقبض شيئاً والغريم لما كان هلاك ذلك منه فهو كما لو أكله، فوجب للغريم الرجوع عليه، ثم يتبعان ذمة المفلس.
م/: وإنما كان ضمان ما أوقف لهذا الغريم منه بلا اختلاف؛ لأنه قسم له نصيبه وأوقف له فوجب أن يكون فيه ما وقف للغرماء لم يقسموه بعد، وإنما أوقف للقسمة فكأنه على ذمة الغريم على قول أشهب.
وفي المدونة: قال وما دام قائم الوجه فإقراره بالدين جائز، وله أن يتزوج فيما بيده من مال ما لم يفلس، وكذلك المرأة تخالع زوجها بمال والدين يحيط بها وليس له أن يتزوج في المال الذي فلس فيه، ولا يجوز له عتق ولا هبة ولا وصية إذ أحاط الدين بماله.
وأما رهنه وقضاؤه لبعض غرمائه دون بعض فجائز ما لم يفلس.
وقد كان من قول مالك إذا تبين فلسه ولم يقم به غرماؤه فليس له أن يقضي بعض
الجزء: 17 - الصفحة: 671
غرمائه أو يرهنه ثم رجع عنه.
قال بعض أصحابنا: لم يختلف قول مالك أن إقرار من أحاط الدين بماله جائز.
واختلف قوله في قضائه.
والفرق أن إقراره بالدين يوجب تخليده في ذمته، والقضاء شيء أزال الدين عن ذمته وولجه إلى جميع من لا يستحق جميعه، ولا ضرر على المقر في ذلك كما عليه فيما يتخلذ في ذمته.
ومن المدونة قيل لابن القاسم: فإذا حبسه أهل دينه فاقر في الحبس بدين لرجل آخر أيجوز إقراره؟
قال: إذا صنعوا به هذا ورفعوه إلى السلطان حتى حبسه فهذا وجه التفليس ولا يجوز إقراره إلا ببينة.
وقاله عبد الملك في كتاب محمد.
وقال أيضاً: إذا قاموا أو توثبوا عليه على وجه التفليس.
ابن المواز: يريد: وحالوا بينه وبين ماله وبين البيع والشراء والأخذ والإعطاء واستتر عنهم فحينئذ لا يقبل إقراره بدين ولا بوديعة.
وأما إن لم يكن لأحد منهم بينة فإقراره جائز لمن أقر له به إن كان في مجلس واحد، ولفظ واحد، وقرب بعض ذلك من بعض، أو كان من له بينة لا يستغرقون ماله فيجوز إقراره؛ لأن أهل البينة ليس لهم تفليسه.
قال: وقد كان من قول مالك أن من أقر له المفلس إن كان يعلم منه إليه تقاضيا
الجزء: 17 - الصفحة: 672
ومداينة وخلطة، أنه يحلف ويدخل في الحصاص مع من له بينة.
قال: وإذا كان على الحق بينة مثل أن يعلم أنه باع منه سلعة ولا تعلمها البينة فقال عند التفليس هذا متاع فلان يريد اتباعه منه فقيل يكون أولى به من الغرماء وقيل إذا لم يعينوا ذلك وإنما شهدوا على إقراره بعبد أو سلعة أنه باعها منه ولم يعينها لهم فلا يقبل قوله في تعيينها بعد التفليس، ويحلف الغرماء على علمهم، فإن نكلوا حلف البائع وأخذها قال: ولو قال هذا قراض فلان أو وديعته لقلبت قوله.
م/: وإذا تقدم إقراره قبل التفليس أن بيده للمقر له قراضاً أو وديعة.
قال فيه:
[الفصل 4 - فيمن مات وعنده قراض أو ودائع ودين ولم يوص بشيء من ذلك
ومات ولم يوجد شيء من ذلك يعرف]
وفي المدونة فيمن مات وقبله قراض أو ودائع ودين فلم يوص بشيء من ذلك فمات ولم يوجد من ذلك شيء يعرف أنهم يتحاصون في ماله إلا أن يوصي بشيء بعينه فيقول هذا قراض فلان أو وديعة فيكون أحق به إذا كان ممن لا يتهم عليه.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وأما في التفليس فلا يصدق كما لا يصدق في الدين.
م/ يريد: إلا لم يتقدم له إقرار بذلك قبل التفليس.
قال أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: إذا قال هذا قراض فلان أو وديعته قبل قوله في الموت والفلس وإن لم يكن على أصله بينة.
قال ابن حبيب: اختلف في قول المفلس هذا قراض فلان أو وديعته وعلى أصلها بينة فأجاز ابن القاسم إقراره.
الجزء: 17 - الصفحة: 673
ولم يجزه أشهب إلا ببينة على التعيين، ورواه عن مالك.
وقال أصبغ: يقبل قوله فيما عين من وديعة أو قراض كان عيناً أو عرضاً كان على أصله بينة أو لم تكن؛ لأنه أقر بأمانه ولم يقر بدين إذا أقر لمن لا يتهم بالتأليج إليه.
وأما إن لم يعين ذلك وإنما قال: له في مالي وديعة كذا أو قراض كذا فلا يجوز؛ لأن هذا إقرار بدين.
وقاله ابن حبيب.
م/: وتحصيل اختلافهم إذا قال المفلس هذا قراض أو وديعة فقيل: يقبل قوله كان على أصل ذلك بينة أو لم تكن؛ لأنه أقر بأمانة وقيل: لا يقبل إقراره إلا أن يكون على أصل ذلك بينة وقيل لا يقبل إقراره وإن كان على أصل ذلك بينة، إلا أن تكون له بينة تشهد على تعيين ذلك أنه له.
ولم يختلف في المريض يقول: هذا قراض فلان أو وديعته أنه يقبل إقراره وإن كان لمن لا يتهم عليه وإن لم يكن على أصل ذلك بينة.
[الفصل 5 - في الصانع يفلس فيقول إن كان نساجاً: هذا غزل فلان،
وإن كان صائغاً: هذه سبيكة فلان، ونحو ذلك]
ومن كتاب ابن المواز وابن حبيب بقال أشهب عن مالك في الصانع يفلس فيقول النساج: هذا غزل فلان، ويقول الصائغ: هذه سبيكة فلان، فلا يصدق إلا ببينة، وكذلك الوديعة.
وقال في العتبية: إلا أن يأتي ربه بشاهد ولذلك علامات وإلا لم يصدق.
ورواه عيسى عن ابن القاسم: قال سمعت مالكاً غير ما مقرة يقول: إن إقراره بالمتاع
الجزء: 17 - الصفحة: 674
جائز لأهل المتاع.
ابن المواز وروى عنه ابن القاسم في الصائغ يسرق بينه فيقول: هذا ثوب فلان، وهذا متاع فلان وقد سرق متاع الآخر.
قال: يحلف أصحاب ذلك ويأخذونه، وكذلك المفلس.
م/: وإنما قبل ابن القاسم قوله في التفليس؛ لأن الغالب أن ما في أيديهم أمتعة الناس فلا يتهم أن يصرفه من واحد إلى آخر.
قال ابن المواز: وأما المفلس فإن كان على أصل دفع ذلك إليه ببينة، وإن لم تعرفه البينة بعينه أو على إقراره قبل فلسه فإني أقبل قوله، وإلا فلا.
وأما في سرقة بيته أو حرقه بالنار فذهب بعض المتاع، وبقي بعضه، فيقبل فيه إقراره ويصدق، وإلا فلا.
الجزء: 17 - الصفحة: 675
[الباب الثالث]
في إيقاف مال المفلس وطريان غريم على غرماء أو على ورثة أو وارث على وارث
[الفصل 1 - في إيقاف مال المفلس]
والقضاء أن المفلس إذا خلع من ماله أن يكون لمن حضر أو غاب من غرمائه كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الأسيفع فمن كان له عليه دين فليأتنا نقسم ماله بين غرمائه.
قال ابن القاسم وينبغي للقاضي أن يعزل لمن غاب من غرماء المفلس حصته، ثم إن هلك ما عزل كان ممن عزل له.
وأشهب يقول: إنه من الغريم ورواه عن مالك.
فصل [2 - طريان غريم على غرماء في مال المفلس أو الميت]
قال ابن القاسم: وإذا فلس رجل أو مات فاقتسم غرماؤه ماله، ثم طرأ غريم له لم يعلم به رجع على الغرماء بقدر ما كان ينوبه في المحاصة أو لو حضر يتبع كل واحد بما صار إليه من ذلك في ملائه وعدمه، ولا يأخذ ملياً أو حاضراً عمن مات أو أعدم وليتبع ذمة كل واحد، مثل أن يكونوا ثلاثة، ولكل واحد مئة، غاب أحدهم ولم يعلم به، وبيد المفلس مائة فاقتسمها الحاضران فإن القادم يتبع ذمة كل واحد بسبعة عشر إلا ثلثا.
ومن كتاب الن المواز قال أشهب: ولو ترك ألف درهم عيناً وعبداً، وعليه دين لرجلين، لكل واحد ألف درهم، وحضر أحدهما، فأخذ الألف العين، ثم قدم الغائب وقد
الجزء: 17 - الصفحة: 676
هلك العبد قال: ينظر قيمة العبد، فإن كانت قيمته ألف درهم فلا رجوع له على قابض الألف، ولا ينظر إلى قيمة العبد يوم مات، ولا يوم مات السيد، ولكن على أوفر قيمة مضت عليه من يوم قبض الغريم الألف إلى أن مات العبد، وإن بلغ الألف درهم لسوق زاد أو لزيادة بدن فلا رجوع له على الغريم الأول بشيء، وإن كان أوفر قيمة مضت له خمسمئة رجع القادم على الغريم الأول الحاضر بمئتين وخمسين، وحسب العبد على الغائب، وإن اختلفا فقال الحاضر: بلغت قيمته ألف درهم.
وقال الطارئ: خمسئة.
فالقول قول الطارئ إن لم تقم بينة، وإن كان إنما باع الوصي العبد بألف فقضاها للحاضر ثم تلفت الألف العين فلا رجوع للطارئ على الحاضر بشيء، ولو رد العبد بعيب بعد أن تلفت الألف التي عزلت، وقدم الغائب فليبع العبد ثانية للحاضر، وإن نقص من الثمن شيء رجع بنصفه على الغائب، إلا أن يكون أتى على العبد وقت من يوم قضى بثمنه يسوى فيه بالعيب ألفا فلا يرجع على الغائب بشيء، وذلك إذا قامت به بينة، ولو بيع العبد بألف فأخذها الحاضر ثم قدم الغائب فأخذ الألف العين ثم رد العبد بعيب فإن كانت بلغت قيمة ألفا بالعيب لم يرجع على القادم بشيء، ولو كانت قيمته خمسمئة رجع على القادم بمائتين وخمسين.
م/: إنما جعل أشهب موت العبد وتلاف المال إذا أوقفت للغائب منه لأن المديان مات، وأما لو فلس لكان ذلك عنده من المفلس فاعرف أن الموت بخلاف المفلس في هذا.
الجزء: 17 - الصفحة: 677
[الفصل 3 - في طريان وارث على ورثة أو غريم على الورثة،
أو موصى له على موصى لهم]
قال ابن المواز: واختلف إن طرأ وارث على ورثة.
فقال ابن القاسم ورواه عن مالك، وقاله أصبغ أنه كالغريم يطرأ على الغرماء أو موصى له على موصى لهم.
وذهب أشهب وابن عبد الحكم أن يقاسم الطارئ من وجد ملياً منهم في جميع ما صار إليه حتى كأنه لم يترك الميت غريهما ثم يرجعان على سائر الورثة بما يعتدلون به معهم فمن أيسر منهم قاسموه ثم رجعوا على الباقين هكذا حتى يعتدلوا.
قال ابن المواز: والغريم يطرأ على موصى لهم أو على ورثة سواء يأخذ المليء منهم بجميع ما صار إليه إلى مبلغ حقه.
م/ لأنه مبدى عليهم فليس لهم معه شيء حتى يستوفي دينه فهو بخلاف وارث يطرأ على ورثة أو غريم يطرأ على غرماء؛ لأن هذا مساو لما يطرأ عليه.
ورأى أشهب أن يساويه فيما يجد بيده لهذا.
ورأى ابن القاسم أن يرد عليه ما أخذ من حصته، ولا يرجع عليه بما قبض غيره؛ لأنه غير متعد فيما قبض.
وهو أصوب إن شاء الله.
قال ابن المواز: ومن مات عن امرأة وابن فأخذت المرأة الثمن والابن ما بقي، ثم قدمت امرأة أخرى لم يعلم بها فوجدت صاحبتها عديمة والابن مليء فلترجع على الابن بثلث خمس ما صار إليه لأن حق الابن من التركة سبعة أثمان، فلهذه الطارئة نصف الثمن فأضعفها تصير خمسة عشر سهماً، فلها من ذلك سهم، وترجع هي والابن على الأولى
الجزء: 17 - الصفحة: 678
بنصف ما أخذت فيقسمان ذلك على خمسة عشر، للابن أربعة عشر، وللطارئة سهم.
قال أبو محمد: وهذا على مذهب أشهب.
وأما على مذهب ابن القاسم فإنما يقسم بينهما على ثمانية، فتأخذ من الابن سبعة أثمان نصف الثمن، ومن المرأة نصف الثمن.
ابن المواز: ولو قالت الطارئة: معي نصيبي من الميراث.
أو قالت: تركت لكما حقي: فلينقض قسم الابن والزوجة الأولى، ويقسمان ما بأيديهما على خمسة عشر سهماً، للزوجة سهم وللابن ما بقي.
وإذا طرأ وارث أو غريم على بعض الورثة وهو مليء وباقيهم عديم فقال: تلف مني ما أخذت، فأما فيما يغاب عليه فلا يصدق إلى ببينة.
وأم الحيوان والسفن والرباع وما لا يغاب عليه فهو مصدق ما لم يتبين كذبه، مثل أن يذكر موت العبد أو الدابة بموضع فيه ثقات لا يعلمون بذلك، ولو قالوا: مات عبد أو ابة لا يدرون ما هي صدق فيه.
وأما قوله سرق أو أبق أو شرد البعير فهو مصدق مع يمينه.
الجزء: 17 - الصفحة: 679
[الباب الرابع]
في الغريم يطلب تفليسه وحبسه أحد غرمائه، وكيف إن ترك بعضهم حصته بيده فربح أو أفاد والتحاص في ذلك
[الفصل 1 - في الغريم يريد بعض غرمائه تفليسه وحبسه ويأبى الآخرون]
قال مالك رحمه الله: وإذا أراد واحد من الغرماء تفليس الغريم وحبسه، وقال الآخرون: ندعه يسعى حبس لمن أراد حبسه إن تبين لدده، ثم إن شاء الآخرون محاصة القائم في ماله فذلك لهم، ثم لهم قبض ما نابهم أو إبقاؤه بيده فإن أقروه بيد لم يكن للقائم أن يأخذ منه شيئاً في بقية دينه.
[الفصل 2 - في الغريم يترك بعض غرمائه حصته بيده فيربح فيها الغريم ويفيد]
قال ابن القاسم: إلا أن يربح فيه أو يفيد فائدة من غيره فيضرب في الربح أو الفائدة بما بقي له، وهؤلاء بما بقي لاهم بعد الذي أبقوا بيده لأنهم فيما ردوا إليه كمن عامله بعد التفليس فيكون من عامله آخراً أولى بما بيده بقدر ما داينه به، ثم يتحاصون مع القائم في الربح والفائدة كما وصفنا.
وإن كان فيما أبقوا بيده وضيعة، وطرأت له فائدة من غير الربح ضربوا فيها بالوضيعة وبما بقي لهم أولاً، وضرب فيها القائم بما بقي له.
وإن كان بيده الآن عرض قوم فما فضل فيه من ربح عن قدر ما أبقوه بيده تحاص في ذلك القائم بما بقي له، وهؤلاء بما بقي لهم بعد الذي أبقوا بيده وإن هلك جميع ما أبقوا بيده وطرأت له فائدة ضرب فيها القائم بما بقي له، وهؤلاء بجميع دينهم ما ردوا إليه
الجزء: 17 - الصفحة: 680
وما بقي لهم.
[الفصل 3 - في الغريم يكون عليه لبعض غرمائه دين يسير فيريد سجنه، وعليه
لسائر غرمائه مال حال كثير ولم يريدوا سجنه]
ومن كتاب ابن المواز: وإذا قام به بعض غرمائه ليسجنه، وله عليه دين يسير، وعليه لسائر غرمائه مال حال كثير، ولم يردوا سجنه فإما دفعوا للقائم دينه، وإلا بيع له مما في يده حتى يفي بدينه، وإن أتى على جميعه، فمن شاء قام وحاصص هذا، ومن ابى فلا حاصص له.
وإذا سجن لمن قام به، وكان له دين وعروض أكثر من دين من قام به فلا يفلس هذا، ولا يقضى إلا لمن حل دينه، ثم لو تلف ما بقي بيده ثم قام غريم فلا يرجع على من أخذ حقه بشيء.
م/ قال بعض أصحابنا: واختلف شيوخنا القرويون إذا أراد من حل دينه من الغرماء تفليس الغريم وبيده كفاف دين هذا القائم، فقال بعضهم: يفلس له إلا أن يكون بيده فضل عن ذلك هذا ما يتصرف فيه.
وقال غيره: لا يفلس له إذا كان بيده كفاف دين الذي حل دينه.
الجزء: 17 - الصفحة: 681
[الباب الخامس]
فيمن رهن رهناً في سلف أو جناية أو رهن زرعاً لم يطلب ثم فلس
[الفصل 1 - فيمن رهن رهناً في سلف]
قال مالك رحمه الله: وإن أسلفت رجلاً سلفاً بلا رهن أو برهن ثم أسلفته بعده سلفاً آخر على أن أخذت منه رهناً بالسلف الأول والثاني، وجهلتم أن الرهن الثاني فاسد، وقامت الغرماء على الرهن في فلس أو موت فالرهن الأول في السلف الأول، والرهن الثاني في السلف الثاني، ولا يكون الرهن الثاني رهناً في شيء من السلف الأول؛ لأنه سلف جر نفعاً.
قال ابن المواز: وهذا إن كان الدين الأول إلى أجل وإن كان الدين الأول حالاً فذلك جائز إلا أن يكون عديماً فلا يجوز.
قال ابن المواز: ويجوز عندي إن كان عديماً إذا كان الرهن له ما لم يكن عليه دين أحاط به.
م/: ووجهه إذا كان الدين الأول إلى أجل فكأنه أسلفه الآن على أن أعطاه وثيقة بالدين الأول، فذلك سلف جر منفعة.
الجزء: 17 - الصفحة: 682
وأما إذا كان الأول حالاً، وهو مليء فقد ملك قبضه فتأخيره به كابتداء سلف فكأنه أسلافه ذلك، والسلف الثاني برهن آخر فذلك جائز.
وأما إذا كان عديماً فهو كمن لم يملك قبض دينه الأول فكأنه أسلفه الآن على أن أعطاه وثيقة بالأول، فهو أيضاً سلف جر منفعة.
وأما إن كان الرهن له فهو كالمليء، وأما إن كان عليه دين أحاط به فهو أيضاً سلف جر منفعة؛ لأنه لو لم يرهنه لدخل عليه الغرماء في ذلك وحاصوه، فكأنه أسلفه ليستبد بالرهن فلم يجز ذلك.
وبالله التوفيق.
قال بعض فقهاء القرويين: اختلف قول ابن القاسم في هذه المسألة، فقال هاهنا: إن الرهن كله رهن بالدين الآخر، وجعل ما بطل من الرهن بسبب الفساد كما لو قضى بعض الدين أن الرهن كله يكون رهناً ببقية الدين، وذلك أن الرهن وقع لدينين، دين متقدم، ودين متأخر، فبطل ما ناب المتقدم، وجعل الرهن كله للمتأخر تشبيهاً بقضاء الدين.
وفي القول الآخر جعل ما قابل الدين الأول يبطل من الرهن بقدره، فإن تساويا بطل نصف الرهن، وكان نصف الرهن رهناً بالدين الآخر فقط.
فصل [2 - فيمن رهن رهناً في جناية]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن جنى جناية خطأ لا تحملها العاقلة، وعليه دين يحيط بماله، فرهن في الجناية رهناً قبل قيام الغرماء عليه، ثم فلس، فصاحب الجناية أحق بالرهن من الغرماء، ولا حجة لهم إن قالوا: إن ذلك ليس من ابتياع أو تجارة؛ لأن مالكاً قال: لو لم يدفع رهناً في جنايته هذه حتى فلس كان للمجيء عليه محاصة غرمائه.
الجزء: 17 - الصفحة: 683
م/: هكذا نقلها أبو محمد، ولم يذكر في الأمهات هذه الجناية عمداً أو خطأ.
[الفصل 3 - فيمن أحاط الدين بماله فجنى جناية عمداً فأراد أن يصالح عنها على
مال ويسقط القصاص عن نفسه]
وقال في كتاب الصلح: ومن أحاط بماله فجنى جناية عمداً فأراد أن يصالح منها على مال ويسقط القصاص عن نفسه فإن للغرماء رد ذلك؛ لأنه من أموالهم.
م/: والعمد بخلاف الخطأ؛ لأن الخطأ مال، والعمد قصاص.
م/: قال بعض فقهاء القرويين: لم يذكر في كتاب الصلح إن صالح قبل قيامهم هل لهم رد أم لا؟ إذا حمل ما هاهنا أنه عمد صار وقوع الصلح فوتاً، ولا رد للغرماء في ذلك، ويكون على هذا التأويل كالخلع والنكاح، وذلك إنما منع من إتلاف ماله كالهبة والعتق الذي لا عوض فيه، وأن هذه الأشياء لم يدفعها إلا عن أعواض قصاص أو انتفاع ببضع.
ألا ترى أنه إذا صالح عن الجرح العمد لم يحتج إلى حيازة كالبيوع، ولو مات المصالح كان ذلك ديناً في ذمته، ولم يمنع من عليه دين إلا من الهبات ومن العتق؛ لأنه كالهبة، وأما لو كانت خطأ لا تحملها العاقلة فذلك كالدين لا شك فيه.
فصل [4 - فيمن رهن زرعاً لم يطب ثم فلس أو مات]
قال مالك: ومن فلس أو مات وقد ارتهن منه رجل زرعاً لم يبد صلاحه وهو مما لا يباع حين الحصاص فإن المرتهن يحاص الغرماء بجميع دينه الآن، ويترك الزرع، فإذا حل
الجزء: 17 - الصفحة: 684
بيعه بيع، فإن كان ثمنه مثل دينه أو أزيد منه قبض دينه، ورد زيادة إن كانت مع ما كان قبض في الحصاص فكان بين الغرماء، وإن كان ثمنه من دينه نظر إلى ما كان يبقى له من دينه بعد مبلغ ثمن الزرع فعلمت أن بمثله كان يجب له الحصاص أو لا فما وقع له على ذلك فليحبسه مما كان قبض، ويرد ما بقي، فيتحاص فيه الغرماء.
قال يحيى بن عمر: ينظر فإن كان بيد كل غريم في الحصاص الأول نصف حقه أو ثلثه فليحبس هذا مما بيده قدر نصف أو ثلث ما نقص من ثمن الزرع عن دينه؛ لأنه به كان يجب له الحصاص، ويرد ما بقي فيتحاصص فيه هو وهم بقدر ما بقي لكل واحد منهم.
م/: وما ذكره ابن القاسم أخصر وأبين، والقولان يرجعان إلى حساب واجد.
م/: وبيان وجه قول يحيى هو أن الذي بقي له من دينه بعد ثمن الزرع هو دينه الذي كان يحاصص به، فإذا قبض كل غريم مثل نصف دينه قبض هذا أيضاً مما كان قبض أولاً ثم مثل نصف دينه، وما بقي منه فهو كمال طرأ يتحاصون فيه كل واحد بما بقي له قبل ذلك.
[الفصل 5 - فيمن تزوج امرأة ثم فلس قبل الدخول فضربت بمهرها مع الغرماء
فوقع لها نصفه ثم طلقت قبل البناء]
وكذلك على هذا لو تزوجها بمئة، ثم فلس قبل الدخول، فضربت بمئة مع الغرماء،
الجزء: 17 - الصفحة: 685
فوقع لها خمسون، ثم طلقها قبل البناء قيل لها: انظري لو حاصصتهم بخمسين ما الذي كان يقع لك فاحبسيه، وردي البقية.
ولو تزوجها بمئة: خمسين نقداً وخمسين مهراً، وبيده مائة، وعليه لرجل خمسون، فدفع إليها خمسين النقد، ثم فلس فضرت بالخمسين الباقية لها فوقع لها خمسة وعشرون، ثم طلقها قبل البناء لردت من الخمسين النقد التي كانت قبضتها خمسة وعشرين، ونظرت لو ضربت مع الغريم بخمسة وعشرين الباقية لها في مال المفلس، وفي هذه الخمسة والعشرين التي ردت كما كان ينوبها من ذلك فتمسكه.
م/: وبيان ذلك في هذا السؤال أنه كان بيده مائة فأعطاها الخمسين النقد، وبقيت بيده خمسون، ففلس فضربت فيها بخمسين، والغريم بخمسين، فوقع لها خمسة وعشرون، ثم لما طلقها ظهر أنها إنما تستحق من النقد خمسة وعشرين، فترد خمسة وعشرين، وتستحق أيضاً من المهر خمسة وعشرين وبها كان يجب أن تضرب بتنظر ما كان يقع لها لو ضربت بخمسة وعشرين والغريم بخمسين فيما بيد المفلس، وذلك خمسة وسبعون، وذلك أنه إنما قبض مما بيده خمسة وعشرين من النقد، فيبقى بيده خمسة وسبعون، وتأخذ هي الخمسة والعشرين التي بيدها، وتبقى للغريم الخمسون التي بيده، ولا ترد في هذا السؤال شيئاً إذ يستحق كل واحد ما بيده في المحاصة.
الجزء: 17 - الصفحة: 686
[الباب السادس]
فيمن فلس ولعبده عليه دين
[الفصل 1 - من فلس ولعبده عليه دين فلا يضرب العبد مع غرماء سيده]
قال ابن القاسم: ومن فلس ولعبده عليه دين فلا يضرب العبد مع غرماء سيده؛ لأنه يباع لهم إلا أن يكون على العبد دين لأجنبي فإن العبد يضرب بدينه، ويكون غرماؤه أحق بما وقع له، وبما بقي في يديه، ويتبعون ذمته بما بقي لهم، ويباع العبد لغرماء السيد.
قال أبو محمد: قوله يباع العبد لغرماء السيد يتبين لي أنه يدخل معهم في ثمن رقبته؛ لأنه أحد غرمائه؛ ولأن على العبد ديناً فإذا وجب أن يضرب مع غرماء سيده؛ لأنه منهم كان ما وقع له في الحصاص لغرمائه.
م/: وينقص مثل ذلك عن ذمة العبد فيباع على التبعيض.
وفي آخر كتاب الحمالة لابن المواز مثل هذا.
الجزء: 17 - الصفحة: 687
[الفصل 2 - في عبد يضمن عن سيده ديناً لرجل ثم يفلس العبد]
قال عن ابن القاسم في عبد ضمن عن سيده مئة لرجل، ففلس العبد فحاصص الرجل المتحمل له غرماء العبد فوقع له خمسون، فإن يرجع بخمسين على سيده، ويرجع بقية غرماء العبد على السيد بما وجب للعبد على سيده مما أدى عنه، فإذا لم يجد له غير العبد بيع العبد لهم أجمعين، ودخل في ثمنه غرماء العبد وغرماء السيد.
وتفسير بيع العبد في المسألة الأولى مثل أن يكون عبد العبد دين لرجل عشرون ديناراً وله على السيد مثلها، وعلى السيد لرجل عشرون ديناراً فإن لم يكن له غير العبد بيع العبد في ذلك، فقال من يشتريه وعليه عشرون ديناراً فما وقع له في الحصاص مع غريم سيده سقط من ثمنه مثله عنه من دينه.
فإن قال رجل: أنا أشتريه بعشرين ديناراً.
قيل له: يقع له في الحصاص عشرة يقبضها الطالب له، وتبقى له عليه عشرته، فإن قال آخر: أنا آخذ بثلاثين.
قيل: يقع له في الحصاص خمسة عشر يقبضها غريمه، ويسقط مما عليه من الدين مثلها، ويبقى عليه خمسة ثم على نحو هذا.
وذكر عن ابن شلبون أنه خالف هذا وقال: بل يباع العبد لغرماء السيد، ولا يدخل معهم في ثمنه غرماء العبد فذكر له ما وقع لابن المواز وغيره مما يوافق ما قال أبو محمد.
فقال: هذا خلاف ظاهر المدونة.
الجزء: 17 - الصفحة: 688
والصواب ما قال أبو محمد والله أعلم.
وحكى عن بعض شيوخنا: إن العبد في مسألة الكتاب إنما يضرب مع غرماء سيده بجميع دينه، فإن وقع له في المحاصة مثل الدين الذي عليه فأقل أخذه غريمه، وإن وقع له أكثر مما عليه رد الزائد لغرماء سيده.
قال: ولا يصح أن يضرب العبد بالأقل من دينه أو أكثر من الدين الذي عليه.
الجزء: 17 - الصفحة: 689
[الباب السابع]
فيمن فلس وعليه دين أو له دين وفي تزويج المفلس وتغير الهبة
في ذلك.
قال مالك: وما كان على مفلس أو ميت من دين مؤجل فإنه يحل بالموت والفلس وما كان له من دين مؤجل فإنه إلى أجله ولغرمائه تأخيره إلى أجله أو بيعه الآن.
فصل [1 - في تزويج المفلس]
وليس للمفلس أن يتزوج في المال الذي فلس فيه وله أن يتزوج فيما أفاده بعده.
ابن حبيب: قال مالك فيمن ابتاع عبداً فتزوج به ثم طولب بالثمن، ولا مال له وقد بنى أو لم يبن قال: يكون ديناً عليه إذا لم يكن علم منه خلابة قبل شرائه للعبد، ولم يعلم منه إلا خيراً.
وإن عرف بالخلابة أخذ صاحب العبد عبده وأتبعه المرأة بقيمة.
وقال أصبغ: لو كان الزوج أخلب الخلابين لم يأخذ البائع العبد، وهو للمرأة بنى بها أو لم يبن.
وقاله ابن القاسم.
م/: كما لو باعه لم يكن لربه فسخ بيعه وأخذ عبده، فكذلك لا يأخذه إذا نكح به؛ لأنه بيع له.
ابن المواز: وقال أشهب عن مالك فيمن أحاط الدين به يتزوج بعبد بعينه، ثم فلس
الجزء: 17 - الصفحة: 690
أن المرأة أحق به ما لم يصدقها إياه بعد أن وقف على فلس.
وقاله ابن القاسم.
قال مالك: إن كان دينه قد أظله غرمه.
وألزم به وليس عنده غير العبد فالمرأة فيه أسوة، وإن كان لم يظله الدين ولم يلزم به المرأة أحق به.
قال أصبغ: رجع مالك عن هذا إلى أن شراءه وبيعه وقضاءه ونكاحه جائز ما لم يفلس.
وبه أقول.
قال في كتاب الديات من المدونة: وإذا فلست امرأة ثم تزوجت وأخذت مهرها فليس لغرمائها فيه قيام بدينهم، ولا يقضي منه دينها، ويبقى زوجها بلا جهاز إلا أن يكون الشيء الخفيف كالدينار ونحوه.
فصل [2 - في تغير الهبة للثواب بيد الموهوب المفلس بزيادة أو نقص]
ومن كتاب التفليس: وإن تغيرت الهبة للثواب بيد الموهوب بزيادة أو نقص في بدن وقد فلس فللواهب أخذها إلا أن يرضى غرماؤه بدفع قيمة الهبة إليه فذلك لهم.
م/: وحُكي عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إذا كانت الهبة للثواب قائمة فسواء فلس الموهوب أو مات فإن الواهب أولى بها من الغرماء، وأما إن دخلها فوت فله أخذها في الفلس، ولا يأخذها في الموت؛ لأنها إذا فاتت صارت كالبيع؛ لوجوب القيمة وذلك كوجوب الثمن في البيع فعقد البيع في ذمة المشتري.
وهذا أبين فاعلمه.
الجزء: 17 - الصفحة: 691
[الباب الثامن]
فيمن وجد عين شيئه في فلس أو موت
[الفصل 1 - بائع السلعة أحق بها في الفلس]
وروى ابن وهب عن أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «أيما رجل فلس فأدرك رجل ماله بعينه فهو أحق به من غيره».
وفي حديث آخر: «فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء».
وبذلك أخذ مالك وأهل المدينة أن بائع السلعة أحق بها في الفلس، وإن لم يكن للمفلس مال غيرها.
قال ابن المواز بجميع الثمن زادت أم نقصت في سوق أو بدن.
قال: ولو أسلفه مالاً عيناً أو عرضاً فعرف بعينه في الفلس فربه أسوة الغرماء وإنما الأثر في البيع.
الجزء: 17 - الصفحة: 692
[الفصل 2 - من عرف الثمن بعينه في بيع السلم فهو أحق به في الفلس]
قال ابن القاسم في كتاب المأذون: وإن فلس وقد أسلم إليه رجل مالاً في طعام أو غيره فعرف الثمن بعينه ببينة لم تفارقه مذ قبضه فدافعه أحق به.
وكذلك لو أسلمه سيد العبد المأذون له في السلعة ففلس العبد فربه أحق بعينه إذا عرف وشهدت بينة لم تفارقه أن الدنانير هي بعينها.
وأجاز في كتاب الغضب الشهادة على دنانير بأعيانها أنها غصبت لفلان.
وفرق بعض القرويين بين الدنانير المغصوبة وبين الدنانير التي أسلفها في طعام في أقال من طعام فقال في هذه: لا تجوم إن فارقته البينة وإن شهدت على أعيان الدنانير بخلاف المغصوبة؛ لأن هذه خرجت من يد ربها بالطوع، والمغصوبة الجبر،
م/: ولا فرق بين ذلك عندي والله أعلم.
[مسألة: في المبتاع يموت أو يفلس قبل أن يدفع ثمن السلعة]
ومن المدونة قال مالك: ومن باع سلعة فمات المبتاع قبل أن يدفع ثمنها وهي قائمة بيده فالبائع أسوة الغرماء في ثمنها، وإن فلس المبتاع قبل أن يدفع ثمنها، وهي قائمة بيده فإن البائع أحق بها، وإن لم يكن للمفلس مال غيرها، إلا أن يرضى الغرماء بدفع ثمنها إليه، فذلك لهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 693
[مسألة: في المفلس يموت بعد أن أوقف السلطان ماله]
ومن العتبية والواضحة قال مالك فيمن باع عبداً أو دابة من رجل بثمن إلى أجل ففلس المبتاع فقام غرماؤه عليه، وقام صاحب الغلام أو الدابة فأوقف السلطان ماله؛ لينظر في أمرهم وبياناتهم فمات المفلس قبل أن يقبض البائع الغلام.
قال: إذا أوقف له الغلام فهو أحق به وإن لم يقبضه، وإن مات المفلس قبل أن يوقف للبائع فهو أسوة الغرماء، وليس إيقاف ماله بإيقاف للبيائع حتى يوقف له العبد بعينه.
[الفصل 3 - من وجد أمته التي باعها بيد المبتاع بعد أن فلس فهو أحق بها]
ومن كتاب العيوب قال مالك: ومن وجد أمته التي باع بيد المبتاع بعد أن فلس كان أحق بها إلا أن يعجل له الغرماء الثمن.
قتل في كتاب محمد: أو يضمنونه له وهم ثقات، أو يعطوه به حميلاً ثقة.
قال في المدوزنة: فإن فعلوا ثم هلكت الأمة قبل أن تباع كانت من المديان، وعليه خسارتها وله ربحها، وليس له منعهم من أداء ثمنها عنه بأن يقول: إما أبرأتموني مما تدفعون فيها أو تسلموها.
كمن أدى عن رجل ما ألزمه بغير أمره؛ ولأن البيع القائم بعد لم ينتقض، وإنما البائع نقضه فأخذه السلعة إن شاء قبل وجود الثمن من المشترين أو من دافع يدفع عنه بأمره، أو بغير أمره.
ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون عن مالك: أما إذا زاد ثمنه السلعة فالغرماء مخيرون بين أن يعطوا البائع ثمنها أو يسلموها، فإن كان نقص ثمنها فالبائع مخير إن شاء
الجزء: 17 - الصفحة: 694
أخذها ولا تباعة له، أو تركها وحاص بثمنها.
قال ابن الماجشون: وإذا ارتفع ثمنها وأعطاه الغرماء الثمن من ماله أو من أموالهم فنماؤه للمفلس، وضياعها ومصيبتها إن تلفت قبل أن تباع أو نقصت منهم، ليس على المفلس من ذلك شيء؛ لأنه يرى أنها للبائع فيما كان عليه من ثمنها كالعبد الرهن يجني فيأبى سيده أن يفديه ويسلمه فيفتكه المرتهن ثم يموت، فمصيبته من المرتهن مصيبة ما افتكه به ويتبع بالدين الأول، وإن بيع بأكثر كانت الزيادة قضاء عن الراهن.
وقاله أصبغ وبه أقول.
قال: وكان ابن كنانة يقول ليس للغرماء أن يفدوها من أموالهم ولكنها تبدئة يبدئون البائع بثمنها من مال المفلس إن كان له مال وقال أشهب: ليس للغرماء أخذها بالثمن حتى يزيدوا عليه زيادة يحطونها عن المشتري من دينهم وتكون السلعة لهم نماؤها وعليهم تواؤها.
وقال ابن القاسم: النماء والتواء من المفلس، ولسنا نقول بشيء من هذه الأقاويل الثلاثة.
قال: وإذا وجد البائع سلعة بيد المفلس وقد قبض بعض ثمنها أو لم يبق له منه إلا درهم لم يأخذها إلا برد جميع ما قبض، أو يتركها ويحاصصهم بما بقي له.
الجزء: 17 - الصفحة: 695
قال مالك في كتاب ابن المواز: إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ما بقي له ويأخذوها فلا حجة للغريم، ونماؤها له، وتواؤها عليه.
فصل [4 - فيمن باع سلعتين في صفقة واحدة وقبض ثمن إحداهما ثم فلس المبتاع
فأراد البائع أخذ السلعة الباقية]
ومن العتبية وكتاب محمد وابن حبيب قال مالك فيمن باع روايتي زيت بعشرين ديناراً فقبض عشرة ثم فلس المبتاع وقد باع رواية فأراد البائع أخذ الرواية التي بقيت.
قال: يقبض العشرة التي قبض على الروايتين فيرد ما قابل إحداهما، وذلك خمسة دنانير، ثم يأخذ التي بقيت يريد ثم يحاصص الغرماء بخمسة بقيت من الأخرى.
قال وكذلك لو كانت عشرة فلم يجد إلا واحدة فليرد عشرة ما قبض ويأخذها إن شاء، فعلى هذا يحسب.
قال ابن القاسم: فإن كان عروضاً مختلفة القيم في صفقة، وقبض بعض الثمن، فتلوم كل سلعة من ذلك، ويقبض ما اقتضى على الجميع، فيعلم ما اقتضى لكل سلعة فإن شاء أخذ ما وجد ورد ما قبض من ثمنه إلا أن يشاء الغرماء أن يؤدوا له بقية ثمن هذا الذي وجدوا ويأخذوه، مثل أن يبيع ثلاثة أرؤس بمائه دينار فقبض ثلاثين ديناراً، وقيمة أحد النصف، والآخر ثلاثة أعشار الثمن، والآخر خمس الثمن، فصار من الثلاثين على الذي قيمته النصف خمسة عشر، وعلى الذي قيمته ثلاثة أعشار تسعة، وعلى الآخر ستة، فما فات منهم حسب عليهن ما قبض من ثمنه وحاص بما بقي وما وجد منهم
الجزء: 17 - الصفحة: 696
رد ما وقع له وأخذه إن شاء إلا أن يعطيه الغرماء بقية ما وقع له من الثمن.
فإذا دعوا إليه بقية ثمن ما وجد وأخذوه دخل معهم بالحصاص في ثمنه وفي باقي مال المفلس مما بقي له، وقاله مالك.
قال ابن المواز: يريد فيما فضل من ثمنه بعد الذي فدوه به إن فدوه من أموالهم.
قال أصبغ إذا وجد البائع بعض السلع، فعلى الغرماء دفع حصة ذلك من الثمن، وهم أولى منه ومن بقية الغرماء ممن لم يدفع فيها شيئاً بمقدار ما دفعوا في ثمنها إذا بقيت، فإن كان فيها فضل دخل فيه هم وبائعها بما بقي له من ثمن بقية السلعة وسائر الغرماء أجمعين.
م/ ظاهر كلام أصبغ ومحمد أنه تفسير لقول مالك.
وقال بعض فقهائنا القرويين إذا باع منه سلعتين ففاتت واحدة ووجد الأخرى فله أخذها، فإن رضي الغرماء أن يعطوه ثمنها كان ذلك لهم.
قال: واختلف هل يكونون أولى بها حتى يستوفوا من ثمنها ما فدوها به؟ وهل يكون هو يدخل معهم في جميع ثمنها بثمن الفائتة؟ لأنهم كأنهم أسلفوا المفلس ثمنها سلفاً.
قال: وهذا الآخر قول ابن القاسم.
م/ وهو ظاهر قول مالك.
م/ وهو ظاهر قول مالك.
قال: والأول اختيار محمد وذلك أنهم عنده حلوا محل صاحبها، ولو أخذها لم يكن له
الجزء: 17 - الصفحة: 697
محاصصتهم إلا فيما بقي بثمن الفائتة، فحلوا هم محله إذا فدوها أن يبدأوا بما فدوها به ثم يحاصصهم بما بقي في الفاضل عما فدوها به وفي بقية مال المفلس.
وقد قال أشهب فيمن أمرته بشراء سلعة فاشتراها ونقد ثمنها من عنده، أنه يكون أحق بها حتى يدفع إليه الآمر الثمن.
قال: وهذا معنى ما أراد محمد؛ لأن المأمور قد حل محل بائعها، فلما كان لبائعها حبسها حتى يقبض ثمنها، فكذلك المأمور.
قال: وخالفه ابن القاسم، ورآه سلفاً منه، فلا يكون أحق منه بالسلعة.
فصل [5 - في المبتاع يخلط ما ابتاع بغيره من نوع
ثم يفلس فيريد البائع أخذ ما باع من جملته]
قال مالك: وإذا اختلط ما باع من عسل أو قمح أو ميت بمثله، وعرف ذلك ببينة فلربه أخذه من جملته.
قال ابن القاسم: وإن خلطه بشيء اشتراه من آخر كانا أحق به، وتحاصا فيه.
قال ابن المواز: وإن صب عسل هذا في حريرة هذا، ولتَّهُ فهما أحق بذلك من سائر الغرماء يتحاصون في ثمنها بقدر قيمة هذا من قيمة هذا ليس لهما غيره إن
الجزء: 17 - الصفحة: 698
أحبا إلا أن يقضيهما الغرماء ثمن الجميع، أو يعطوا لمن شاءوا ثمنه، ويدخلون مدخله مع الآخر.
قال ابن أبي مطر: ثم توقف فيها محمد.
ومن كتاب المأذون قال ابن وهب عن مالك ومن ابتاع زيتاً فصبه على زيت له، أو دفع إلى صراف دنانير فصبها في كيسه، أو اشترى بزا فرقمه وخالطه على بز عنده، وذلك بمحضر بينة ثم فلس المبتاع، فالبائع أحق بمقدار زيته ووزن دنانيره وأخذ بزه، وهو كعين شيئه إذا كان قائماً، وليس خلط المبتاع إياه يمنع البائع من أخذه.
وهو كعين شيئه إذا كان قائماً، وليس خلط المبتاع إياه يمنع البائع من أخذه.
وقال أشهب: هو أحق بالعرض، وأما العين فهو فيه أسوة الغرماء.
وقال ابن حبيب عن أشهب وابن القاسم ومطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ مثل رواية ابن وهب.
قال أصبغ: إلا أن يخلطه بغير نوعه مثل أن يصب زيت الفجل على زيت الزيتون أو القمح النقي بالمغلوث أو المسوس حتى يفسده فيكون كما لو فات.
الجزء: 17 - الصفحة: 699
ومن العتبية قال أبو مزيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة بعبدين فقبتهما، ثم فلست، وطلقها الزوج قبل البناء، فهو أحق بالعبدين يريد يكون شريكاً فيهما.
قال ابن المواز: إذا طلقت امرأة قبل البناء وفلست، فإن عرف المهر بيدها يريد بعينه، فالزوج أحق به حتى يأخذ نصفه، وإن لم يوجد إلا نصفه فإن كان ما هلك بغير سببها يعرف ذلك فليس له إلا نصف ما وجد، ولا محاصة له بما بقي، وإن كان بسببها حاص بنصف ما ذهب.
فصل [6 - في المبيع يتغير بيد المبتاع بزيادة أو نقص ثم يفلس المبتاع]
قد تقدم أن الهبة للثواب إذا تغيرت بيد الموهوب بزيادة أو نقص في بدن وقد فلس فللواهب أخذها إلا أن يدفع الغرماء قيمتها إليه، فذلك لهم، والهبة للثواب كالبيع.
م/: ولو باع منه أمة فَجَنَت، ثم فلس المشتري لم يكن لبائعها أخذها حتى يدفع أرض الجناية، ولا يرجع بها كالعيب يدخلها.
قال ابن حبيب: قال مطرف عن مالك فيمن باع أمة فعميت أو أعورت بغير جناية، ثم فلس المبتاع، فإما أخذها البائع بجميع حقه، أو يدعها ويحاص، وكذلك في كتاب محمد.:
قال مالك: ولو اعورت بجناية جان، فأخذ السيد نصف قيمتها فللبائع أخذها بنف حقه إلا أن يعطيه الغرماء نصف حقه ويحاصص بالنصف الآخر في الوجهين، أو
الجزء: 17 - الصفحة: 700
يسلمها ويحاصص الغرماء بجميع الثمن، وكذلك الثوب يخلق، أو يدخله فساد فهو كالأمة تفوت.
وقاله ابن الماجشون وأصبغ وابن وهب.
قال ابن الماجشون وأصبغ: إلا أن يكون ما دخله من التلاف والفساد فاحشاً جداً فلا يكون له أن يأخذه.
قال مطرف: قيل لعبد الملك: وإن وجد الثياب قد تقطعت؟
قال: لا أدري ما هذا لو كانت جلوداً فقطعت نعالاً كان ذلك فوتاً، فإذا تفاوت الشيء هكذا فلا أرى له أخذه، وأما شيء متقارب لم يأت فيه فوت فإنه أحق به.
وذكر مسألة ابن المواز عن مالك في الجلود تقطع نعالاً.
ومن كتاب محمد وابن حبيب قال مالك فيمن اشترى عرصة فبناها داراً، أو غزلاً فنسجه ثوباً، ثم فلس، فإن البائع يكون شريكاً للغرماء بقدر قيمة العرصة من قيمة البنيان.
وتفسير ذلك أن تكون قيمة العرصة عشرة، وقيمة البنيان عشرين، فيكون لصاحب العرصة الثلث، وللغرماء الثلثان.
قال مالك: وكذلك الغزل، وكل ما أشبهه.
ابن حبيب: وقاله أصحاب مالك كلهم.
الجزء: 17 - الصفحة: 701
قال: وقال أصبغ فيمن اشترى زبداً فعمله سمناً، أو ثوباً فقطعه قميصاً، أو خشبة فعمل منها باباً، أوم كشباً فذبحه أن ذلك كله فوت، وليس للبائع غير المحاصة بخلاف العرصة تبنى والغزل ينسج؛ لأن هذا عين قائمة زيد فيه غيره.
قال: ابن المواز: وأما الجلد يدبغ والثوب يصبغ فإنه يكون البائع شريكاً فيه مع الغرماء بقدر ما زاد الصبغ والدباغ.
وقال ابن القاسم: يكون شريكاً مع الغلماء بقيمة الصبغ، وبقيمة النسج في الغزل، والبنيان في البناء.
م/: وقيل: يشبه أن يكون النسيج تفويتاً، وفي هذا الأصل اختلاف، فانظر لو اشترى غزلاً فنسجه، ثم استحقه رجل فعلى هذا يدفع إليه قيمة النسج، ولا يكون فوتاً، ويجب إذا دفع إليه غزلاً فتعدى فنسجه أن ربه يأخذه كثوب خاطه.
وقد اختلف فيمن غصب قمحاً فطحنه فقيل: عليه مثله.
وقيل: يأخذه ربه.
واختلف في المشتري يطحن القمح فقيل: فوت.
وقيل: يأخذه ربه، ويغرم الطحن وقيل: يأخذه بغير شيء، كما اختلف في شقي الثمرة إذا سقاها مشتريها ثم استحقت الأصول ولم تيبس الثمرة أو استشفع.
فقال عبد الملك: لا أجرة له، وخالفه ابن القاسم.
الجزء: 17 - الصفحة: 702
وقال في الصباغ يسلم الثوب إلى ربه، ثم يفلس ربه، أن الصباغ يكون شريكاً في الثوب بما زاد فيه الصبغ.
ثم إن بقى له شيء من حقه كان به أسوة.
وقال في العتبية: بقيمة الصبغ من قيمة الثوب مثل صبغ المشتري.
م/ وما في العتبية أشبه؛ إذ قد لا يزيده الصبغ شيئاً، وقوله: ويكون ببقية إجارته أسوة لا يلزم؛ لأن من أخذ سلعته في الفلس ناقصة لا يحاص بما نقصها؛ لأنه إما أن يأخذها، أو يحاص بثمنها، فكذلك هذا، إما أن يشاركه بما زاد صبغة، أو يحاص بإجارته.
وفي كتاب ابن حبيب في ترقيع الرجل الثوب أنه يكون شريكاً بما زاد الترقيع، ولم يذكر أن له أخذه بعد ذلك.
قال: وأما إن كان رقعة أو رقعتين، وأكثره خياطة فتوق، فهوم بذلك أسوة الغرماء قال بعض الفقهاء: ولو قيل: إنما قابل ما أخرج الصبغ يكون به شريكاً، وما قابل أجرة يده في عمله يحاص به لكان أشبه.
ابن المواز: قال أصبغ: ومن اشترى قمحاً فزرعه أو طحنه لم يكن للبائع أخذه.
الجزء: 17 - الصفحة: 703
قال أشهب: وإذا فلس وقد دفع ثوباً إلى قصار أو صباغ يعمله، فقام بائعه بعد فراغه، فله أخذه من الصباغ بعد أن يعطيه أجرته، ويحاص الغرماء بما أعطاه يقوم مقام الصانع.
قال ابن المواز: ولا شيء له مما فداه به إن أسلمه إليه الغرماء، ليس له إلا ثوبه زاده الصبغ أو نقصه -يرد أو يتركه ويحاص- كالعبد يجني ثم يفلس، فيفديه بائعه، فلا شيء له مما فداه به، ولو وجد سلعته مرهونة فالبائع مخير أن يدعها ويحاصص، أو يفديها ويأخذها بالثمن كله، ويحاص بما فداها به.
إلا أن يشاء الغرماء أخذها ويعطوه جميع الثمن ويحاصصهم بما فداها به فيها وفي جميع مال الميت.
قال أبو محمد: والفرق بينهما أن الرهن من سبب المشتري، والجناية لم يتعلق بذمته شيء يلزمه.
قال ابن المواز: إذا جنى العبد الغرماء مخيرون إما فدوه بدية الجناية وبثمنه الذي لبائعه، ثم يبيعونه فيستوفون من ثمنه دية الجناية، فإن عجز عنها لم يكن لهم من بقية الجناية شيء.
م/: يريد: ويكون لهم عليه ثمنه الذي دفعوا لبائعه.
الجزء: 17 - الصفحة: 704
قال: فإن فضل بعد دية الجناية شيء أخذوه من ثمنه الذي فدوه به، فإن عجز أتبعوه به، وإن فضل بعد ذلك فضل فذلك بين غرمائه من دينهم الأول، فإن مات العبد أو نقص بعد أن فدوه فلا شيء على المفلس مما فدوه به من قبل الجناية وحدها.
قال: وإن شاءوا افتكوه من بائعه بالثمن ومن المجروح بدية الجناية وبزيادة ولو درهماً يحطونه عن الغريم من دينهم عليه؛ ليكون العبد لهم وفاء فذلك لهم، فإن مات كان دينهم عليه -يريد الدين الأول- إلا الزيادة التي زادوها على دية الجرح.
[الفصل 7 - فيمن باع عبداً فأبق من المشتري ثم فلس مشتريه]
ومن العتبية والموازية قال ابن القاسم فيمن باع عبداً فأبق من المشتري، ثم فلس، ثم طلب البائع يحاص بثمنه على أنه إن وجد العبد أخذه ورد ما حاص به فليس له ذلك، إما أن يرضى بطلب العبد ولا شيء له غيره، وإلا فليحاصص، إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه الثمن أو يطلبوا الآبق.
قال ابن حبيب عن أصبغ عن أشهب: وليس من شراء الآبق.
م/: يريد لأنهم إنما أدوا عن المفلس ثمنه، والعبد للمفلس نما أو نقص.
قال أشهب: وللبائع ترك المحاصصة ويقول: أنا أطلب عبدي فإن وجده فهو أحق به، وإلا رجع فحاص الغرماء.
الجزء: 17 - الصفحة: 705
وقال ابن المواز: لا يكون أحق بها.
م/: كالرد بالعيب، وقد اختلف فيه.
قال بعض القرويين: وأما لو أخذ السلعة بدين أخذا فاسداً فلا يكون أحق بها، وقد يمكن أن يكون تأخيره لمكان ما أخذ منه، فوجب أن يكون أحق بها، كأنه يقول: إنما وثقت وتركت طلبه عند ملائه لظن أن ما أخذت يصح لي، ففاتني بما اخترت الأخذ منه، كما قالوا: إذا أعطاه رهناً قبل الأجل على أن يكون رهناً بشيء أسلفه له وبدين لم يحل فإن فطن قبل الأجل لم يكن رهناً، وإن دخل في الأجل الثاني كان رهناً؛ لأنه يقول: لولا ثقتي بالرهن ما تركته عند حلول الأجل.
[الفصل 9 - فيمن أحاله بائع السلعة بثمنها على مشتريها ثم فلس المشتري]
م/: قال بعض القرويين: وقد اختلف فيمن أحاله بائع سلعة بثمنها على مشتريها ففلس المشتري فقيل: يكون أحق بتلك السلعة؛ لأنه حل محلها بائعها، وكأن بائعها أقامه مقام نفسه في جميع ما يجب له.
وقيل: لا يكون المحال أحق بالسلعة؛ لأن هذا لم يبع شيئاً، وإنما له دين، وقد خرجت يد من أحاله.
واختار محمد أن يكون أحق على نحو ما تقدم له؛ لأن من فدى شيئاً فقام مقام من كان بسببه.
ومذهب أصبغ في هذا كله نحو ما قدمنا عن ابن القاسم أنه لا يكون مثله، ولا يحل محله.
قال: وفي الإقالة أيضاً اختلاف.
الجزء: 17 - الصفحة: 707
[الباب التاسع]
في ولد ما ابتاع قبل الفلس وغلته وقيام البائع وفي العبد يباع بماله
[الفصل 1 - فيمن ابتاع أمة فولدت عنده ثم فلس]
قال مالك رحمه الله: ومن ابتاع أمة فولدت عنده، ثم فلس، فللبائع أخذ الأمة وولدها، فإن ماتت الأم عند المبتاع، وبقي الولد، ثم فلس، فللبائع إن شاء المحاصة بجميع الثمن، أو أخذ الولد بجميع دينه، إلا أن يعطيه الغرماء جميع الثمن، ويأخذوا الولد فذلك لهم.
قال في العتبية والموازية: سواء ماتت الأم بقي الولد، أو مات الولد وبقيت الأم، فليس له أخذ الباقي منهما إلا بجميع الثمن، أو يترك ويحاص.
وقال: وكذلك إن باع المشتري الولد وبقيت الأم ثم فلس، فإن شاء البائع أخذها بجميع الثمن أو تركها وحاص بجميع ثمنها؛ لأن الأم هي المشتراة بعينها والولد كالغلة، وكذلك إن كانت الأم غنيماً أو رمكة فيبيع نتاجها فليس له في الولد شيء، وكأنه غلة.
قال: وأما إن باع الأمة وبقي الولد فليقسم الثمن على الأمة وولدها، فيأخذ الولد بحصته من الثمن ويحاص بما يصيب الأم، وقاله كله أصبغ عن ابن القاسم في الواضحة.
الجزء: 17 - الصفحة: 708
م/: قال غير واحد من فقهائنا: يقوم الولد على هيئة اليوم أن لو كان مع أمه يوم عقد الصفقة، فعرف ما يقع له من الثمن فيأخذه به.
ابن حبيب قال ابن القاسم: ولو قتل أحدهما فأخذ له عقل، وبقي الآخر كان مثل البيع سواء، وإن لم يؤخذ له عقل فسبيله سبيل الموت سواء، ولو باعها بولدها كانا كسلعتين بيعتا في صفقة في وجود ما وجد منهما، وذكر مثله ابن وهب عن مالك وقاله أشهب.
قال ابن القاسم: والرد العيب بخلاف المفلس لو باع الولد وقد توالد غيره عنده، ثم أراد رد الأم بعيب لم يكن له ذلك إلا أن يرد معها أثمانهم، ولو باع الأمة وبقي الولد، ثم ظهر على عيب كان بها لم يرجع بشيء، إلا أن يرجع عليه أن ترجع إليه.
وفي كتاب العيوب إيعاب هذا.
فصل [2 - فيمن ابتاع غنماً فتناسلت عنده ثم فلس، وفي غلة المبتاع قبل
الفلس]
ومن المدونة قال مالك: وإن ابتاع قال مالك: وإن ابتاع غنماً ثم فلس، فوجد البائع الغنم قد تناسلت، فله
الجزء: 17 - الصفحة: 709
أخذ الأمهات والأولاد كالرد بالعيب، وأما ما كان من غلة أو صوف جزه أو لبن احتلبه فذلك للمبتاع، وكذلك النخيل يجني ثمرها فهو كالغلة، إلا أن يكون يوم الشراء على ظهور الغنم صوف قد تم وفي النخل تمر قد أبر واشترط ذلك المبتاع فليس كالغلة، وإن جذ الثمرة وجز الصوف، وقال أشهب: إن جذ الثمرة وجز الصوف فهما كالغلة.
وقال يحيى: إن جذ تمرا رد ملكيته، وإن جذه رطباً رد قيمته.
م/: يريد: إذا فات.
قال: وله أجرة سقيه وعلاجه.
وقال ابن حبيب: لا نفقة له؛ لأنه إنما أنفق على ماله وما ضمانه منه.
م/: إنما يصح قول يحيى هذا في الرد بالعيب، وأما في التفليس فإذا فاتت الثمرة لم يكن للبائع مثلها ولا قيمتها؛ لأن عين شيئه قد ذهب فيسقط حصة ذلك من الثمن، ويأخذ من النخل ما ينوبها من الثمن، ويحاصص بما ينوب الثمرة، وهذا أبين.
ومن العتبية وكتاب محمد وابن حبيب قال ابن القاسم: ولو اشترى غنماً عليها صوف قد تم فجزه وباعه، ثم فلش المشتري ولم يكن نقد الثمن، فأراد البائع أن يأخذ ما
الجزء: 17 - الصفحة: 710
وجد من حقه فلينظر كم قيمة الصوف من الرقاب لا إلى ما باعه به، فيأخذ الغنم بحصتها بلا صوف، ويحاصص الغرماء بما وقع للصوف.
قال في كتاب ابن حبيب: يقال: كم قيمة الغنم يوم وقع البيع بلا صوف؟ وكم قيمتها بصوفها؟ فلينظر اسم قيمة الغنم وحدها من تلك القيمة فيأخذ الغنم بذلك الاسم من الثمن الذي باع به، ويحط عن الغريم ذلك الاسم، فيحاص الغرماء باسم الصوف من جميع الثمن كسلعتين بيعتا في صفقة ففاتت الواحدة وأدرك الأخرى، إلا أن يكون الصوف قائماً عنده، فيكون البائع بالخيار أن يأخذ الغنم وصوفها، أو يترك ويحاص بجميع الثمن.
ولو شاء أخذها بصوفها كان للغرماء أن يعطوه الثمن ويأخذوا ذلك للغريم، له نماؤه وعليه تواؤه، وكذلك الدار لها غلة قد حلت فيشتريها بغلتها بما يجوز به البيع إن كانت الغلة عيناً اشتراها بعرض، أو عرضاً اشتراها بعين.
قال في كتاب محمد: أو عبداً اشتراه بغلته التي حلت فهو كما ذكرنا في الغنم بصوفها، وكذلك الأصول كلها يشتريها وفيها ثمر قد طاب.
ابن حبيب: أو أبر.
فيجذ ذلك ويبيعه، فهو كما ذكرنا في الصوف يجزه ويبيعه.
وقاله في الواضحة: وإن لم تجذ الثمرة، ولم تزايل الأصل حتى فلس فهي للبائع مع الأصل إن اختار الأخذ، وكذلك الصوف إذا لم يجزه، وإن جذت الثمرة قبل
الجزء: 17 - الصفحة: 711
التفليس فليس للبائع فيها شيء، ويأخذ الأصل إن أحب بما ينوبه من الثمن بغير ثمرة بخلاف الصوف في هذا.
قال أصبغ: وأما في الرد بالعيب فلا يرد الشجر والنخل إلا أن يرد معها مثل مكيلة الثمرة إن جذها يابسة، أو يقاصه بقيمتها إن جذها رطبة ولا يرد الغنم إلا أن يرد معها مثل الصوف الذي جزه منها، ولا يرد الدار إلا بغلتها التي اشترى معها، وهذا إذا كان ذلك تبعاً، وإلا قبض الثمن.
[الفصل 3 - فيمن اشترى النخل والشجر وليس فيها ثمر والغنم ولا صوف عليها،
أو الدار والعبد ولا غلة لذلك، ثم اغتل ذلك سنين، ثم فلس المبتاع]
قال في الكتب الثلاثة: وأما إن اشترى النخل والشجر وليس فيها ثمر، والغنم ولا صوف عليها، أو الدار والعبد ولا غلة لذلك، فاغتل ذلك سنين واكتسب العبد مالاً فانتزعه منه، ثم فلس المبتاع فليس للبائع فيما اغتل المبتاع أو انتزع شيء، إن اختار أخذ السلع من غنم ونخل وغيرها، وليأخذها وحدها بجميع الثمن، أو يتركها ويحاص الغرماء.
ابن حبيب: كانت الغلة عنده أو قد فاتت.
وكذلك في الرد بالعيب، ليس على المشتري إذا فلس أو وجد عيباً أن يرد شيئاً ما اغتل؛ لأن الغلة بالضمان إلا أن يكون في الشجر ثمر أبر أو لم يؤبر، أزهى أو لم يزه حتى يردها بالعيب، فيردها معها ما لم يزايل رؤوس الشجر، ويرد الغنم بصوفها، وإن كانت في الدار غلة لم يتقاضاها المشتري فهي بخلاف الصوف وثمر الشجر.
الجزء: 17 - الصفحة: 712
م/: والغلة في الدار كالمجذوذ من الثمرة والمجزوز من الصوف؛ لأن الغلة ليست بمتصلة بالدار كاتصال الثمرة والصوف، وكل ما حل منها فهو كغلة مقبوضة.
[الفصل 4 - في مشتري الشجر يفلس ثم يقوم البائع وفيه ثمر لم يؤبر أو كان قد
أبر وأزهى]
قال ابن حبيب: وأما في التفليس إذا باع شجرة وليس فيها ثمر، ثم فلس مشتريها، ثم قام البائع، وفيها ثمر لم يؤبر فهو للبائع، وإن كان قد أبر وأزهى فهو للمبتاع، والغرماء أولى به، وسبيله في الفلس سبيل الشفعة.
م/: وهذا خلاف ما لابن القاسم في كتاب الشفعة.
قال فيه ابن القاسم: ومن ابتاع نخلاً لا ثمر فيها، أو فيها ثمر مأبور فاشترطها ثم فلس بعد زهو الثمرة أو يبسها فللبائع أخذ النخل بثمرها ما لم تجد، إلا أن يدفع إليه الغرماء جميع الثمن، وليس للشفيع أخذها إذا يبست.
م/: فإن جذ الثمرة في التفليس افترق المأبور من غيره عند ابن القاسم، فالمأبور للبائع أخذه وإن جذه ثمراً مع النخل إلا أن يعطيه الغرماء الثمن، والغير مأبور لا يرده كالغلة، وقد تقدم هذا.
قال ابن حبيب: وكذلك غلة الدار إذا حلت يوم القيام فهي لغرماء المفلس، ويأخذ البائع الدار وحدها بجميع الثمن، أو يترك ويحاص.
الجزء: 17 - الصفحة: 713
قال: وإن كان على الغنم صوف قد تم فللبائع أخذ الغنم بصوفها إلا أن يعطيه الغرماء الثمن، والفرق بين ذلك أن من ابتاع غنماً عليها صوف فهو له وإن لم يستثنه، ومن ابتاع داراً ولها غلة قد حلت لم تكن الغلة له إلا أن يستثني.
قال في العتبية: وما اكتسب العبد عند المبتاع فلم ينتزعه حتى فلس فللبائع أخذه بماله بجميع الثمن إلا أن يعطيه الغرماء الثمن ويأخذوه وهو كالغنم تقوم وعليها صوف قد تم.
قال: وقد قال في كتاب آخر: إذا باع الحائط ولا ثمر فيه ثم فلس وفيه ثمرة قد طابت أنه يأخذه بثمرته كصوف الغنم ومال العبد.
ابن المواز: وقاله أصبغ عن ابن القاسم عن مالك.
[مسألة: في المشتري يرد النخل والشجر بعيب وفيها ثمرة قد طابت فلا أجرة له في
قيامه وسقيه للثمرة]
قال ابن حبيب: وإذا رد النخل والشجر بعيب وفيها ثمرة قد طابت فلا أجرة له في قيامه وسقيه للثمرة؛ لأن ضمانها منه كنفقة الدواب وغيرها، ولا شيء في ذلك للمشتري إذا فلس فأخذ ذلك البائع؛ لأنه إنما أنفق على ماله.
الجزء: 17 - الصفحة: 714
[الفصل 5 - فيمن اشترى نخلاً فيها ثمر قد أبر أو أزهى أولاً ثمر فيها ثم فلس
المشتري فالبائع أحق بالنخل بما فيها والشفيع أحق منه]
ابن المواز قال أشهب: ومن اشترى نخلاً فيها ثمر مأبور أو مزهى أو لا ثمر فيها فإذا قام الغرماء فالبائع أحق بالنخل بما فيها من ثمر أزهى أو لم يزه إلا أن يعطيه الغرماء الثمن، ولو كان فيها شفعة فالشفيع أولى بها من بائعها ومن الغرماء، وبائعها أولى بالثمن الذي يدفعه الشفيع، فإن سلم الشفعة فبائعها أحق بها إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه ثمنها.
م/: وتحصيل اختلافهم في الثمرة وفي الصوف في التفليس أنه إذا ابتاع ذلك مع الأصل فجز الصوف وجذ الثمرة وباع ذلك فللبائع الحصاص بجميع الثمن، أو يأخذ الأصول بحصتها من الثمن ويحاص بما يخص الصوف والثمرة، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه الثمن ويأخذ ذلك، إن وجد الصوف والثمرة لم يجز ولم تجذ فليس له إلا ذلك أو يحاص بجميع الثمن ولا خلاف في ذلك كله.
وإن جذ الثمرة وجز الصوف وهو قام فقيل: أما الصوف فله أخذه ولا يأخذ الثمرة، ويأخذ الشجر بما ينوبه من الثمن ويحاص بما بقي.
وإن كانت النخل لا ثمر فيها والغنم لا صوف عليها يوم البيع ثم قام البائع بعد الجز والجذاذ فلا شيء له في الثمرة والصوف باتفاق كالغلة، وإن لم يجز الصوف ولا جذ الثمرة فله أخذ الغنم بصوفها باتفاق، واختلف في الثمرة فقيل: له أخذها مع النخل أبرت أو أزهت أو يبست.
وقيل: لا شيء له إذا أبرت أو أزهت، ويأخذ الأصل بجميع الثمن، أو يترك ويحاص.
وبالله التوفيق.
الجزء: 17 - الصفحة: 715
م/: خالف بين الثمر إذا جذ وبين الصوف إذا جز، ويحتمل أن يكون الفرق بينهما في هذا أن الثمر المأبور لا يكون للمبتاع إلا بالاشتراط، فهو كمال العبد الذي لا يكون له إلا بالاشتراط، فإذا جذ المبتاع الثمرة كان ذلك كالانتزاع لمال العبد، فإذا فلس المبتاع لم يكن له أخذ الثمرة كما لم يكن له أخذ مال العبد المنتزع، ومادام الثمر في رؤوس النخل فله أخذها كمال العبد إذا لم ينتزع، أمرهما سواء، والصوف الذي على ظهر الغنم هو للمبتاع، وإن لم يشترطه فهو مع الغنم كسلعة واحدة اشتراها فجزازه كقسم السلعة نصفين وهي قائمة، فليس ذلك مما يمنع البائع من أخذها في الفلس فافترقا.
فصل [6 - فيمن ابتاع عبداً بماله إلى أجل ثم يفلس مشتريه]
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم ابن حبيب وقاله مطرف وابن الماجشون فيمن ابتاع عبداً بماله يريد إلى أجل، ففلس مشتريه، وقد ذهب ماله بانتزاع من السيد، أو استهلاك من العبد، أو بوجه ما، فالبائع مخير إن شاء أخذ العبد ولا شيء له غيره، أو يدعه ويحاص بالثمن، وإن اختار العبد فذلك له إلا أن يدفع إليه الغرماء الثمن ويأخذوا العبد فذلك لهم، وإن كان العبد قد فات وبقي له مال فليس للبائع أخذ المال، وهو أسوة الغرماء في مال العبد مع سائر مال المفلس، وسواء كان مال العبد رقيقاً أو عروضاً قائمة أو عيناً أو غير ذلك؛ لأن مال العبد ضعيف.
الجزء: 17 - الصفحة: 716
وقد قال مالك: إذا ذهب مال العبد في الثلاث أنه لا يرد بذلك.
وإن وجد به عيباً وقد ذهب ماله رده ولا شيء عليه من المال إلا أن يكون انتزعه منه فليرده معه، وكذلك لو كان ما انتزع منه إنما اكتسبه عند المبتاع ولا يرد إلا به.
ابن حبيب: وما وهب له السيد ثم انتزعه منه فليس عليه رده إذا رده بالعيب، وله أن ينزعه حين يرده.
فصل [7 - فيمن باع ثمر حائطه فيبس في رؤوس النخل عند المشتري ثم فلس]
قال ابن حبيب: سمعت أصبغ يقول: قال أشهب عن مالك فيمن باع ثمر حائطه فيبس في رؤوس النخل عند المشتري، ثم فلس، فلا يجوز للبائع أخذه؛ لأنه أعطاه رطباً وأخذ ثمراً، وذلك لا يحل يداً بيد فكيف إلى أجل؟ قلت: إنه رطبه بعينه صار ثمراً.
قال: لا يصلح، وإن كان رطبه بعينه.
قال أشهب: وأنا أرى أن له أخذه بدينه إلا أن يعطيه الغرماء دينه ويأخذوه، وإن أحب هو أن لا يأخذه ويحاص بدينه فذلك له، وليس هذا مثل الذي يشتري ذلك متعمداً، هذا إنما أوجبه له القضاء، أرأيت العبد الآبق أيجوز لأحد أن يشتريه؟ وقد يجوز لصاحبه الذي باعه أن يترك الحصاص ويأخذه بدينه، فإن وجده كان أحق به وإلا رجع فحصاص الغرماء؛ لأنه إنما مات أو تلف في ملك الذي عليه الحق، وأخذ أصبغ بقول مالك.
الجزء: 17 - الصفحة: 717
قال: وكذلك من اشترى قمحاً فطحنه دقيقاً أو شاة فذبحها أو زبداً فعمله سمناً أو ما أشبه هذا ثم فلس فليس للبائع أن يأخذه بالثمن؛ لأنه يدخله القمح بالدقيق، والزبد بالسمن، واللحم بالحيوان، وهو أيضاً فوت.
قال: وكذلك الآبق ليس لبائعه أن يختاره عندي.
م/: لأنه انتقل عن شيء يقع له في الحصاص إلى أخذ عبد آبق فذلك كشراء الآبق.
م/: ولا يلزم ذلك.
قال أشهب: ولو لزم هذا للزم أن لا يجوز له محاصة الغرماء؛ لأنه انتقل عن آبق يجوز له أخذه إلى ما يأخذ في الحصاص، فصار بائعاً لآبق، وهذا أمر لا يعذر فيه إلا على هذا.
قاله بعض الفقهاء.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون فيمن فلس وقد أعرى ثمرة حائطه سنين فلا يباع حتى يتم المعرى سنينه، ومن فلس وقد ساقى حائطه فلا بأس أن يباع على أن هذا مساقيه.
م/: وقاله ابن القاسم في المدونة.
الجزء: 17 - الصفحة: 718
[الباب العاشر]
في الأجراء والصناع والمتكارين يفلس من عاملهم
[الفصل 1 - أجير السقي ومكري الأرض أولى بالزرع والثمر إذا فلس من عاملهم
وهم في الموت أسوة الغرماء]
قال مالك رحمه الله في الأجير على سقي زرع أو نخل أو أصل فإن سقاه فهو أحق به في الفلس حتى يستوفي حقه، إلا أن يعطيه الغرماء أجره في السقي، وهو في الموت أسوة الغرماء.
قال ابن حبيب: ومكري الأرض أحق بالزرع في الفلس وهو في الموت أسوة الغرماء.
وقال أصبغ: الأجير ومكتري الأرض أحق بالزرع في الموت والفلس.
فوجه ما في المدونة أن الأرض لما كانت مثمرة الزرع فكأن ربها مخرج للزرع فلما أكرى أرضه أشبه بائع الزرع.
ووجه الأخرى فلأن أرضه كيده فكأنه لم يسلمها.
م/: وكحمله المتاع على دوابه فإنه أحق به في الموت والفلس.
الجزء: 17 - الصفحة: 719
وروى ابن القاسم وأشهب عن مالك: أن أجراء الزرع والحوائط ومكري الأرض للزرع أولى بالزرع والثمرة من سائر الغرماء في الفلس، وإنهم في الموت أسوة الغرماء، ثم اختلفا في مكري الأرض والأجير.
فروى أشهب عن مالك: أنهما يتحاصان.
وروى ابن القاسم: أن مكري الأرض مبدأ على الأجير، ثم الأجير مبدأ على سائر الغرماء.
وقال أصبغ: واختلف فيه أصحابنا بمصر، وأحب ما فيه إلى أن أجير الزرع ومكري الأرض يتحاصان، وأنهما مبدءان على الغرماء في الموت والفلس؛ لأن ذلك بأيديهما كالرهن.
وقال مثله ابن الماجشون أيضاً.
ومن كتاب كراء الدور والأرضين: ومن اكترى أرضاً فزرعها ولم ينقد الكراء، ثم مات فرب الأرض أسوة الغرماء، وإن فلس فرب الأرض أحق بالزرع من الغرماء حتى يأخذ كراءه.
[الفصل 2 - فيمن اكترى أرضاً فزرعها واستأجر أجيراً ورهن الزرع]
ابن المواز: وروى أشهب عن مالك وقاله ابن القاسم.
ابن حبيب: ورواه مطرف عن مالك فيمن اكترى أرضاً فزرعها واستأجر أجيراً ورهن الزرع.
قال ابن حبيب: وقبضه المرتهن وفيه أجراؤه ثم فلس فصاحب الأرض والأجير مبدءان على المرتهن يتحاصان فيه.
قال: والأجير مبدأ على كل من بدئ.
الجزء: 17 - الصفحة: 720
قال: فإن فضل شيء كان للمرتهن، فإن فضل شيء كان للغرماء.
ورواه أصبغ عن ابن القاسم في العتبية، وقال به.
م/: وإذا مات المكتري فالمرتهن أحق بالزرع من رب الأرض والأجير على مذهب من جعلهما أسوة الغرماء في الموت.
م/: قال بعض فقهاء القرويين: انظر لو أكرى أرضاً فزرعها المكتري بنفسه وسقى الزرع ثم فلس بماذا يكون رب الأرض أولى بجميع الزرع؟ أو بالقدر الذي لو كان معه أجير فحاصه بقدر إجارته؟ ويكون الغرماء أحق بما نماه المكتري من عمله كما لو كانوا غرماء للأجير وهم لم يجعلوا للمكتري شيئاً وجعلوا رب الأرض والأجير أحق من غرماء المكتري مع كونه قد أخرج بذراً له جزء من الزرع.
م/: والأظهر أن يكون غرماؤه أحق بما يخصه من العمل لو عمله أجير، ولا يكون أسوأ حالاً من غرماء الأجير والله أعلم.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في رب الزرع يؤاجر أجيراً لسقيه فعجز فآجر آخر، ثم فلس رب الزرع فرب الأرض والأجير الثاني أولى بالزرع يتحاصان، فإن فضل شيء فالأجير الأول أولى به من الغرماء.
وقاله أصبغ؛ لأن بالأخير تم الزرع، كما لو رهنه قوماً فأحيوه بأموالهم ثم عجزوا فرهنه لغيرهم أن الآخرين أحق، وما فضل فللأولين برهنهم وإحيائهم.
ومن العتبية قال أشهب وابن نافع عن مالك في الذي يستدين فيزرع ويستأجر أجيراً فيه، ثم يعجز عنه فيستدين، ثم يفلس قال: يبدأ بصاحب الدين الآخر فالآخر.
الجزء: 17 - الصفحة: 721
وكذلك إذا فلس ولم يكن له شيء يحيى به الزرع فاستدان له في عمله وإحيائه فالآخر مبدأ وهو خير للذي قبله؛ لأنه أحياه به ولم يدعه يموت، فإن فضل شيء أخذه وإلا فلا؛ لأنه كان يموت ويذهب كان الأجير قبل أو آخر فإنه يبدأ الآخر.
م/: هكذا كان في أصل المستخرجة الآخر.
قال أبو محمد: فأصلحتها للأجير.
م/: فالصواب عندي الآخر؛ لأنه إذا لم يكن له شيء يحيى به الزرع فاستأجر عليه أجيراً فعمل فيه ثم عجز عنه فاستدان ربه لعمله وإحيائه فرب الدين أولى من الأجير؛ لأن بماله تم الزرع ولولاه مات، ولم يكن للأجير شيء، ولو استدان عليه أولاً لعمله فلم يتم فاستأجر عليه أجيراً فتم بعمله لكان أولى من صاحب الدين.
فإن فضل شيء كان لصاحب الدين.
وهكذا يدل عليه لفظه في العتبية، وهو الفقيه.
وقد ذكرها ابن حبيب عن مطرف وأشهب عن مالك، قال: سئل مالك عن رجل يتكارى الأرض فيزرع فيها ويستأجر أجيراً في زرعه ويستدين عليه ثم يعجز عنه أيضاً فيستدين عليه ثم يفلس.
قال مالك: يبدأ بأهل الدين الآخر فالآخر على الأجير ومكري الأرض.
قال مالك: وهو خير للذي قبله؛ لأنه بمال الآخر حيى الزرع وبماله ثم فيبدأ فيه الآخر فالآخر، فإن فضل عنهم شيء كان للأجير ومكري الأرض يتحاصان فيه، فإن فضل عنهما شيء كان لسائر الغرماء.
الجزء: 17 - الصفحة: 722
م/: وهذا الصواب لا فرق بين الأجير والدين الذي يحيى به الزرع فيبدأ فيه بالأخر فالآخر كما لو كانوا أجراء واحداً بعد واحد لبدأ الآخر فالآخر والدين الذي يحيى به الزرع بخلاف غيره من الدين الذي عليه، وبالله التوفيق.
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم فيمن مات عن زرع أفرك فلما حصد ودرس قام الغرماء، ولم يدع غيره فطلب ولده إجارة ما حصدوا وما درسوا قال: ذلك لهم.
فصل [3 - الأجير على رعابة الإبل وخدمة البيت والحارس أسوة الغرماء في الموت والفلس]
ومن المدونة قال مالك: وأما الأجير على رعاية الإبل أو رحلتها أو علف الدواب أو رحى الماء فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس.
ابن المواز: وكذلك الحارس وأجير خدمة بيتك أو يبيع لك في حانوتك بزاً أو غيره.
[مسألة: صاحب البقر في الدارس أحق بالقمح إذا فلس صاحبه]
قال في كتاب محمد: ولو استأجر أجيراً يدرس له ببقر الأجير ففلس صاحب الأندر فإن صاحب البقر أحق بالأندر.
ابن المواز لأن الأندر لا ينقلب به صاحبه، ولا يحتوي عليه بخلاف صانع استعملته في حانوتك فإذا كان الليل انصرف هذا لا يكون أحق به في فلس ولا موت.
الجزء: 17 - الصفحة: 723
[مسألة: أرباب الحوانيت والدور أسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس]
ومن المدونة قال مالك: وأرباب الحوانيت والدور أسوة غرماء مكتريها في الموت والفلس، وليسوا أحق بما فيها من متاع.
فصل [4 - المكتري على حمل متاع إلى بلد هو أحق به في الموت والفلس حتى
يستوفي كراءه]
قال: والمكري على حمل متاع إلى بلد هو أحق به في الموت والفلس، كان قد أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، ورب المتاع معه أم لا وهو كالرهن؛ ولأن على دوابه وصل إلى البلد.
م/: وكأنها قابضة للمتاع كقابض الرهن.
قال في كتاب ابن حبيب: وهذا مادام المتاع بيده فإذا أسلمه لم يكونوا أحق به كالصناع إذا أسلموا المتاع أو لم يسلموه حكمها واحد.
م/: جعلوا الدواب بخلاف الدور وكأن ظهور الإبل حائزة لما عليها؛ ولأن في حملها لذلك من بلد إلى بلد تنمية للمتاع بخلاف الدور التي لا تنمية فيها؛ ولأنها كالصانع
الجزء: 17 - الصفحة: 724
إذا أتيت به إلى منزلك؛ لأن السكان حائزون لأمتعتهم ومستولون عليها فالدور كالصانع الذي جلبته إلى بيتك ولم تأمنه على متاعك.
هذا قول الجماعة إلا عبد الملك فإنه جعل الدور والحوانيت مثل الدواب.
م/: والسفن كالدواب لأنها حاملة مثلها؛ ولأن في سيرها أيضاً بالمتاع تنمية له.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ومن اكترى دابة بعينها أو عبداً بعينه، ثم مات المكري أو فلس ولم يقبض ذلك المكتري، فالمكتري أحق بذلك حتى يتم له كراؤه مثل عبد اشتراه فلم يقبضه حتى فلس بائعه فالمشتري أحق به.
قال ابن القاسم: ولو كان الكراء مضموناً كان أسوة الغرماء في الموت والفلس.
قال مالك: ولو قبض الدابة وحمل عليها يريد في المضمون فهو أولى بها حتى يتم له حقه، إلا أن يرغب الغرماء في بيع الظهر ويضمنون له كراءه في ملاء وثقة فذلك لهم.
قال أصبغ: ومن قول مالك في القوم يتكارون الجمال، ثم يفلس صاحبها أن كل رجل منهم أحق بما تحته إن كان الجمال يديرها تحتهم.
[الفصل 5 - الأجير لرحلة الإبل وعلوفتها أنه أسوة الغرماء في الموت والفلس]
قال وقول مالك في الأجير لرحلة الإبل وعلوفتها أنه أسوة الغرماء في الموت والفلس، وهذا اختلاف من القول، وينبغي أن يكون القول فيها سواء، والذي أرى أن لا يكون واحد منهم أحق بشيء من ذلك إلا أن يكون مكتري الجمل أسلم إليه وقبضه وكان تحته لا يزول عنه فهو أحق به كما يكون الجمال أولى بالمتاع الذي حمله من الغرماء.
الجزء: 17 - الصفحة: 725
قال ابن حبيب: ويقول مالك أقول.
م/: وهو الصواب، ولا فرق بين أن يديرها عليهم أولا يديرها، وإنما المراعاة بيد من هي يوم الفلس فيكون أولى بها.
كما لو فلس أول ركوبهم بعد أن دفعها إليهم فكانوا أحق بها، فكذلك ردها إليهم بعد أن نزعها منهم فهو أحق بها؛ لأنهم حائزون لها فصار ذلك كالتعيين.
[مسألة: الفرق بين متكاري الدواب وأجراء ترحيلها وعلوفتها]
والفرق بين ذلك وبين ترحيل الدواب وعلوفتها أن الأجير لم يتعلق له في عين الدواب حق فوجب بذلك حقه في ذمة المكتري، وهؤلاء بقبضهم لها تعلق حقهم بها؛ لأن ركوبهم عليها كالتعيين فهو كتعلق حق الصانع بعين المتاع؛ لأن عمله فيه وهو حائز له، فكذلك مكتري الدواب.
والفرق بين رحلة الدواب ورعيها وبين سقي النخل والزرع أن الدواب قد ترعى وترتحل بأنفسها لو تركت.
وأما الأصول والزرع فلا تشرب بنفسها ولو تركت لهلكت، فهذه وجوه متفرقة، ومالك أعلم بها، والله الموفق.
ومن كتاب الأكرية: وإن فلس الجمال فالمكتري أولى بالإبل حتى يتم كراؤه، إلا أن يضمن له الغرماء حملانه ويكروا له من أملياء ويأخذوا الإبل فذلك لهم.
قال أبو محمد: أراه يريد الكراء المضمون.
وقال غير ابن القاسم: لا يجوز أن يضمنوا حملانه، وقول الغير مطروح.
الجزء: 17 - الصفحة: 726
وفي كتاب يحيى قال ابن القاسم: وإن فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع إذا كان في يده حتى يستوفي كراءه ويباع له؛ ليوفى ذلك، وللغرماء كراء الإبل في مثل ما اكتراها.
فصل [6 - الصناع أحق بما أسلم إليهم في المت والفلس ما دام بأيديهم]
قال في التفليس: وجميع الصناع أحق بما أسلم إليهم في الموت والفلس ما كان بأيديهم لأنه كالرهن.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية وروى عنه أصبغ في كتاب ابن حبيب في الصانع يسلم ما عمل إلى ربه فيفلس ربه قبل أن يقبض الصانع أجره.
قال ابن القاسم: كل صانع عمل لرجل سلعة لم يجعل فيها إلا عمل يده مثل الخياطة والصناعة والقصارة وشبه ذلك إذا رد ذلك إلى ربه، وخرج من يده، فهو أسوة الغرماء بأجره في الموت والفلس، وإن كانت قائمة.
قال: وكل صانع يخرج من يديه شيئاً سوى عمله فجعله فيما عمل مثل الصباغ يجعل الصباغ، والصيقل يجعل حوائج السيف، والفراء يرفع الصوف برقاع من عنده، ثم أخذ ذلك ربه، ثم فلس، فهذا إذا وجد بيد أربابه ينظر إلى قيمة ذلك الصبغ يوم الحكم فيه، لا ينظر هل نقص بذلك الثوب أم زاد، ثم ينظر إلى قيمة الثوب أبيض، فإن كان قيمة الصبغ خمسة دراهم وقيمة الثوب أبيض عشرة دراهم كان لصاحب الصبغ ثلث الثوب وللغرماء ثلثاه إن أبي أن يحاص إلا أن يشاء الغرماء أن يدفعوا إليه جميع ما شرطه عليه المفلس ويأخذوا الثوب فذلك لهم بمنزلة من باع غزلاً فنسجه المبتاع ثوباً ثم فلس والثوب بيده،
الجزء: 17 - الصفحة: 727
فإن لم يحاص كان شركاً بقيمة العمل كانت قيمة الثوب أقل من قيمة الغزل أو أكثر، إلا أن يعطيه الغرماء ثمنه، وقد تقدم هذا بزيادة فيه.
ابن حبيب: وكذلك الذي يرفع الثوب بوقائع أنه إن كان إنما خاطه فقط ودفعه إلى ربه فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وإن كان لم يدفعه إلى صاحبه فهو أحق به في الموت والفلس، وإن كان إنما رقعه برقائع من عنده ودفعه إلى ربه فهو أحق به في الفلس لا في الموت حتى يستوفي حقه، يقوم بغير رقاع، ثم يقوم بالرقاع، ثم يكون شريكاً، إلا أن يدفع إليه الغرماء حقه.
قاله ابن القاسم.
م/: والصواب أن ينظر إلى قيمة الترقيع يوم الحكم، ويقوم الثوب بغير رقاع حينئذ فيكون به شريكاً كما قلنا في الصبغ، ولو قوم على ما ذكره ابن حبيب فقد لا يزيده الصبغ والرقاع شيئاً فيذهب عمل الصانع باطلاً.
ابن حبيب: وقال أصبغ: إذا كان له فيه رقاع وخياطة فتوق فالأقل يتبع الأكثر إذا كانت الرقاع أيسر ذلك، وما لا بال له، وأكثره خياطة فتوق، فهو أسوة في الموت والفلس في جميعه، وإن كانت الرقاع أكثر من ذلك وهي من عنده كان أحق به على ما تقدم، وإن تناصف ذلك وكان لذلك قدر أقيم كل ذلك على حدته، ثم يكون أسوة في المرقوع، وكان بما ينوب الرقاع شريكاً.
ومن العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ومن دفع إلى صانع سواراً يعلمه، ثم دفع إليه بعد ذلك سواراً آخر يعمله، أو دفعهما معاً، فعمل أحدهما ودفعه إلى ربه، ولم
الجزء: 17 - الصفحة: 728
يأخذ إجارته حتى فلس ربها، فلا يكون الصانع أولى بالباقي عنده حتى يأخذ إجارته فيه خاصة.
قيل: فإن لم يفلس ولكن أتى ربه فقال للصانع: ادفع إلى السوار الباقي عندك وخذ أجره، فقال الصانع: ادفع إلى أجرة السوارين وخذه، فقال ربه: قد دفعت إليك إجارة الأول، وأنكر ذلك الصانع، قال: إن كان دفعهما معاً والإجارة واحدة فالقول قول الصانع، وإن كان واحداً بعد واحد فالقول قول ربهما إلا أن يطلب الصانع إجارته في الأول بحدثان دفعه إلى ربه فيكون القول قول الصانع مع يمينه.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن استعمل صانعاً في بيته فإذا كان الليل انصرف الصانع وترك الحلي، ثم فلس صاحب الحلي، فالصانع أسوة الغرماء.
قيل: فلو استأجره ببقرة تدرس له زرعه بالنهار وينصرف بالليل ببقره ففلس صاحب الزرع فإن صاحب البقر أحق بالأندر بخلاف الصانع.
ورواه عيسى عن ابن القاسم.
قال ابن المواز: لأنه وإن انقلب في الليل فالأندر بحاله لا ينقلب به صاحبه، ولا يحتوي عليه ولا هو في يديه.
م/: ولا يستطيع الأجير الانتقال به، وبالله التوفيق.
الجزء: 17 - الصفحة: 729
[الباب الحادي عشر]
في انتزاع المفلس مال أرقائه ومبايعته عبده أو أمته وارتداد المديان
[مسألة: انتزاع المفلس مال أرقائه]
قال مالك: وله انتزاع مال عبده المعتق إلى أجل ما لم يتقارب الأجل.
قيل له: فإن بقيت سنة؟ قال: أرى أن يأخذ ماله ما لم يتقارب الأجل، ولم ير السنة قريباً، وإن فلس المريض لم يكن له أن يأخذ مال مدبره للغرماء، فإن مات بيع المدبر بماله إن أحاط الدين به.
وقد تقدم في الباب الأول ما يشبه هذا.
[مسألة: مبايعة السيد عبده المأذون له في التجارة]
قال: ولا بأس للسيد بمبايعة عبده المأذون له ويضرب بدينه مع غرمائه، وكذلك يضرب بدينه على مكاتبه من غير الكتابة، ولا يضرب بالكتابة في فلس ولا موت؛ إذ ليست بدين ثابت.
الجزء: 17 - الصفحة: 730
[مسألة: في المديان يرتد ويلحق بدار الحرب]
وإذا ارتد رجل ولحق بدار الحرب وعليه دين، ثم قاتل فقتل، وفتحت البلاد وظفر المسلمون بماله فغرماؤه أحق به، ولا يكون في المقاسم إلا ما فضل عن دينهم.
تم كتاب التفليس بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد وآله
الجزء: 17 - الصفحة: 731
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً