الجامع لمسائل المدونةكتابً الوصايا الثالث
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول] جامع القول في الوصيًة على الضرر

[المسألة الأولى: فيمن قال غلة داري في المساكين وأنا أتولى غلتها وأفرقها ما دُمت حياً, ردِّها ورثتي بعد موتي, فهي وصية تباع ويتصدق بثمنها] قال الله سبحانه وتعالى في الموصي: ﴿غَيْرَ مُضَارٍّ﴾.
فلا تجوز الوصية على الضرر.
قال ابن القاسم: ومن قال وهو صحيح: غلة داري في المساكين, وأنا أتولى غلتها وأُفرقها ما دُمت حياً, فإن ردها ورثتي بعد موتي, فهي وصية في ثلثي, تُباع ويُتصدق بثمنها, فذلك نافذ كما قال.
قال محمد: وقد اختلف في هذا, فقال ابن القاسم: ذلك جائز نافذ.
وقال أشهب: لا يجوز.
وقول ابن القاسم: أبين؛ لأنه ليس فيها وصية لوارث, ولا ضرر به.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولو قال: هي على ورثتي, وأنا

الجزء: 19 - الصفحة: 876

ألي قسمتها, فإن رد ذلك ورثتي بعد موتي بيعت وتُصدق بثمنها من ثلثي على المساكين, لم يجز ذلك, وكانت [141/أ].
محمد: وقاله أشهب.
[المسألة الثانية: فيمن أوصي بغلامه لبعض ورثته وشرط إن لم ينفذوا ذلك له فالغلام حر] قال ابن القاسم: وقد قال بعض من أثق به من أهل العلم: فيمن أوصى بغلامه لبعض ورثته, وقال: فإن لم ينفذوا ذلك له فهو حُر, فلم ينفذوه, فلا حرية له وهو ميراث, وقاله مالك.
ولو قال: هو حر أو سبيل الله إلا أن يشاء ورثتي أن ينفذوه لابني, فذلك نافذ على ما أوصى به.
محمد: وقال أشهب: ذلك سواء, بدأ بالوصية للابن, أو بدأ بالخدمة, فلا يجوز, وهو من الضرر.
وقال ابن وهب كقول ابن القاسم.
قال أصبغ: وهو رأيي على إتباع العلماء.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى بثلثه لوراث وشرط إن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل] ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بثلثه لوارث, وقال: فإن لم يجزه باقي الورثة فهو في السبيل, فلا يجوز ذلك للوارث ولا في السبيل, ويرد ميراثاً؛ لأنه مضار بالورثة إذا منعوه مالهم منعه.
قال محمد: وقال ذلك أصبغ, وهو قول جميع المدنيين,

الجزء: 19 - الصفحة: 877

وقاله ابن كنانة وابن نافع وابن وهب قال: وقال ابن القاسم: ذلك إذا بدأ بالوارث, ولو بدأ بالأجنبي أو السبيل وقال: إلا أن يجيزوه لابني فلان, كان ذلك جائزاً حيث جعله, إلا أن ينفذوه الورثة لوارث كما قال؛ لأنه لا يُتهم في ذلك على الضرر إذا بدأ بغير الوارث, ولم يكن أصل ما بني عليه لوارث, فافهم هذا, فإنه أحسن ما سمعت وأصوب إن شاء الله, وهو رأيي.
قال أصبع: وأنا أقوله استحساناً واتباعاً, وقال غير ابن القاسم من أهل المدينة, وفيه بعض المغمز, وأما القياس, فهو مثل الأول.
[المسالة الرابعة فيمن قال داري أو فرسي في السبيل إلا أن يشاء الورثة أن ينفذوا ذلك لابني فلان] ومن المدونة: قال مالك: ومن قال داري أو فرسي في السبيل إلا أن يشاء الورثة أن ينفذوا ذلك لابني فلان.
فذلك جائز, وينفذ في السبيل إن لم يُنفذ لابنه؛ وليس لهم أن يردوه.
[المسألة الخامسة: فيمن أوصى بغلامه لابنه, وكيف إن قال: غلامي يخدم ابني حتى يبلغ ثم هو حر] محمد: قال مالك: فيمن أوصى بغلامه لابنه, فإن لم يُجز ذلك الورثة فهو حُر, فإنه ميراث ولا حرية له, ولو قال: غلامي يخدم ابني حتى يبلغ, ثم هو حر؛ فإن لم يُجز الورثة فثُلثي صدقة على فلان.
قال: فالغلام حر إلى ألجل إن خرج من الثلث, ويخدم جميع ورثته على مواريثهم إلى بلوغ من ذكر, فيعتق.
قال محمد: وإنما وقع الضرر هاهنا بالوصية بالخدمة, وأما الحرية فقائمة جائزة لوقتها.

الجزء: 19 - الصفحة: 878

قال محمد: وإن لم يسعه الثلث, خير الورثة بين إجازة ذلك أو عجلوا عتق محمل الثلث منه بتلاً.
قال محمد: وهو قول أصحاب مالك أجمع, وهو مذهبهم.
[المسألة السادسة: فيمن أوصت في جارية لها أن تخدم ابنها حتى يبلغ, ثم هي حرة] وقال: فيمن أوصت في جارية لها أن تخدم ابنها حتى يبلغ, ثم هي حرة, فقيل لها: إن هذا لا يجوز, فقلت: إن كان ذلك لا يجوز فثلثي يُحج به عني.
قال مالك: تكون خدمة الجارية بين جميع الورثة على فرائضهم حتى يبلغ ابنها فتعتق.
[المسألة السابعة: فيمن أوصى بوصية فخاف ألا يجيزها القاضي فشرط إن ردها أن تباع ويتصدق بثمنها] قال أشهب: فيمن أوصى بوصية من غلة داره أو عبده, فخاف أن لا يُجيزها القاضي, فشرط إن ردها القاضي فقد أوصيت أن تُباع ويُتصدق بها.
قال: أما إذا أوصى لمن تجوز وصيته له فذلك نافذ, ولا شيء للمساكين.
قال غيره: وإن قال: عبدي لفلان.
وهو أكثر من الثلث, فإن لم تُجزه الورثة فهو حر, فذلك جائز وهو حر.
قال أبو محمد: يريد ما حمل الثلث منه.

الجزء: 19 - الصفحة: 879

[الباب الثاني] فيمن أوصى بوصيتين, أو بوصية بعد وصية من جنس أو جنسين, أو أوصى لرجل بشيء ثم أوصى به لغيره, وما يُعد منه رجوعا.

[(1) فصل: فيمن أوصى بوصيتين لرجل واحد المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثلاثين ديناراً, ثم أوصى له بالثلث] قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بثلاثين ديناراً, ثم أوصى له تارة أخرى بالثلث, فليضرب مع أهل الوصايا بالأكثر عند مالك.
قال سحنون في المجموعة: معناه أن ماله كله عين, وكذلك قال ابن المواز [141/ب] وقاله أصبغ.
قال: وإن كان ماله عيناً وعرضاً ضرب معهم بثلث العرض, وبالأكثر من ثلث العين أو التسمية.
قال عنه ابن حبيب: وإن كان ماله كله عرضاً ضرب مع أهل الوصايا بالثلث وبالتسمية, وإن لم تكن معه وصايا فإنما له بالثلث, إلا أن يُجيز الورثة فيُعطى الوصيتين.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى لرجل بدار, ثم أوصى له بعشرة آدر] ومن المدونة: قلت: فمن أوصى لرجل بدار, ثم أوصى له بعشرة آدر وللميت عشرون داراً, قال: فله أكثر الوصيتين - عشرة آدر- فيكون له من جميع الدور نصفها بالسهم إن حمله الثلث, أو ما حمل منه, إلا إن يُجيز ذلك الورثة.

الجزء: 19 - الصفحة: 880

وقال مالك: فيمن أوصى لرجل بمبذر عشرين مُدياً من أرضه, فإن كانت الأرض مبذر مئة, فله خمسها بالسهم, وقع له أقل من مبذر عشرين لكرم الأرض أو أكثر لرداءتها.
قال ابن القاسم: والدور عندي بهذه المنزلة.
قال: وإن كانت الدور في بلدان شتى أُعطي نصف كل ناحية بالسهم.
[المسألة الثالثة: من أوصى لرجل بدنانير ثم أوصى له مرة أخرى بدنانير] قال مالك: من أوصى لرجل بدنانير ثم أوصى له مرة أخرى بدنانير, فله أكثر الوصيتين كانت الأولى أو الآخرة, وإن أوصى له بدنانير, ثم أوصى له مرة أخرى بغير الدنانير فله الوصيتان جميعاً, وإن أوصى له بعشرة أرادب حنطة, ثم أوصى له بخمسة عشر إردب حنطة, فله أكثر الوصيتين بمنزلة الدنانير, وكذلك إن أوصى له بعشرة شياه, ثم أوصى له بعشرين شياه, فله الأكثر بمنزلة الدنانير, ثم يُنظر إلى عدد الغنم, فإن كانت مئة, فله خمسها بالسهم, وقع له في ذلك أكثر من عشرين أو أقل؛ وكذلك قال مالك: فيمن قال: لفلان عشرون شاة من غنمي وهي مئة شاة, فله خمسها بالسهم, ويدخل في ذلك الخمس ما دخل, وكذلك إن قال: لفلان عبدان من عبيدي, ثم قال له عشرة أعبد من عبيدي, فله أكثر الوصيتين مثل الغنم, وإذا أوصى لرجل بوصيتين من نوع واحد أخذ الموصى له أكثر الوصيتين, كانت الأولى أو الثانية ولا يجمعان له.

الجزء: 19 - الصفحة: 881

ومن المجموعة وكتاب ابن حبيب قال عبد الملك: إذا أوصى له بدنانير ثم أوصى له في وصية أخرى بأكثر من ذلك أو أقل, أعطيناه أكثر الوصيتين؛ لأنه لما لم يتبين أنه رجع عن الأولى واحتمل أن يكون نسيها أعطيناه أكثرهما, وأما إن كانت وصية واحدة فسمى له في أولها عشرة, ثم سمى له في آخرها عشرة أخرى فأقل, فله المالان جميعاً, فأما إن سمى له في آخرها أكثر من عشرة, فله الأخيرة فقط, ويحمل كأنه تقلل الأولى فزاده, فقال: له عشرون, منها العشرة الأولى, ولا يحسن في المسألة الأولى أن يقول له عشرة منها العشرة الأولى.
ولو قال: لزيد عشرة, ولفلان كذا, ولفلان كذا, ولزيد عشرون, فإنما له عشرون, وكانت واو النسق على ما قارنها من ذكر غيره.
ولو قال: لزيد عشرة, وانظروا فلاناً, فإنه فعل بنا كذا, أو ظلم فلانا, ولزيد عشرون, فهذا لا يحسن أن ينسق إلا على الأول, وكأنه قال: لزيد عشرة ولزيد عشرون فله ثلاثون, ولو قال: لزيد عشرة, لزيد عشرون لم يكن له إلا عشرون.
قال عنه ابن حبيب: ى وكذلك ما يكال أو يوزن, في بدايته بالأكثر أو بالأقل فهو كالدنانير, وكذلك العين كله - الدنانير والدراهم- لأنه صنف واحد- بدأ بالذهب أو الفضة- ويعتبر بالأكثر والأقل بالصرف.
وقاله مطرف- في ذلك كله - وروياه عن مالك.

الجزء: 19 - الصفحة: 882

[المسألة الرابعة: فيمن أوصى لرجل بوصيتين في كتابين منفصلين] قال ابن الماجشون: ولو كانا في كتابين أخذ أكثر الوصيتين لا يُراعى فيها شيء.
وقال مطرف: كانتا في كتاب أو كتابين, يراعى الأقل إذا بدأ به أو بالأكثر, فإن كانتا عروضاً وعروضاً أو عروضاً وعيناً, فله الوصيتان جميعاً, تفاضل ذلك أم لا, كانا في كتابين أو في كتاب واحد, وساوى ابن القاسم بين كتاب وكتابين كانت الوصيتان عيناً أو ما يكال أو يوزن, فله الأكثر منهما, كانت الأولى أو الأخيرة, وجعل الدنانير والدراهم صنفين في هذا, وله الوصيتان, وقاله أصبغ.
وقال ابن حبيب بقول مطرف وابن الماجشون.
وقال أشهب في المجموعة - ورواه عن مالك-: إن كل ما كان من صنف واحد, فله أكثر [142/أ] الوصيتين, كانت الأولى أو الأخيرة.
قال أشهب: كان ذلك مما يكال أو يوزن أم لا, كان حيواناً أو عروضاً أو غيرهما ما لم يكن ذلك شيئاً بعينه.
وكذلك قال ابن القاسم, وذكر عنه مثل ما في المدونة.
وكذلك ذكر محمد عن أشهب عن مالك: نحو ما تقدم, أنه إذا أوصى بشيء بعد شيء في كتاب واحد أو في كتاب بعد كتاب, ولم يذكر الأولى, فما كان من نوع واحد من دنانير, أو دراهم أو طعام يُكال أو يوزن, فله أكثرهما, وإن كانت أشياء مختلفة دنانير وعبداً ودابة, أخذ الجميع وحوصص له به.
محمد: وكذلك دنانير ودراهم وسبائك فضة أو قمح وشعير, فله ذلك كله.

الجزء: 19 - الصفحة: 883

وذكر يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية مثله.
وكذلك روى عنه سحنون وأصبغ: إذا أوصى لرجل بدنانير ودراهم, أو بصيحاني وبرني في وصية واحدة أو وصيتين, فله الصنفان جميعاً.
[(1) فائدة في اختصار المسألة] واختصار ذلك كله أنه لا خلاف إذا كانتا جنسين: أن له الوصيتين, كانت بكتاب أو بكتابين.
وإن كانتا نوعاً واحداً: فقيل: له أكثر الوصيتين كانتا بكتاب أو بكتابين, وقيل: ينظر, فإن بدأ بالأقل, فله أكثر الوصيتين, وان بدأ بالأكثر أو كانتا متساويين, فله الوصيتان, وقيل: إنما هذا إذا كانتا بكتاب واحد, و'ن كانتا بكتابين فله أكثر الوصيتين.
والأول أصوبهما, وبالله التوفيق.
[المسألة الخامسة: فيمن أوصى بثلثه لفلان وفلان وفلان, ثم قال: وأعطوا فلانا مئة دينار لأحد الثلاثة] قال أصبغ: عن ابن القاسم: فإن أوصى بثلثه لفلان وفلان وفلان, ثم قال: وأعطوا فلانا مئة دينا لأحد الثلاثة, فإنه يضرب بأكثر الوصيتين من المئة ومن ثلث الثلث.
قال أصبغ: وفيها شيء, ولها تفسير.
وإنما يعني أصبغ, والله أعلم أن هذا الجواب إنما يصح إذا كان ماله كله عيناً دنانير, وأما إن كان ماله عينا وعروضاً, فله تُسع العروض والأكثر من تُسع

الجزء: 19 - الصفحة: 884

العين أو التسمية يضرب بجميع ذلك كله مع أهل الوصايا.
وقد تقدم له مثل هذا من كتاب محمد في أول مسألة من هذا الباب.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أوصى لرجل بعشرة دنانير, ولآخر بعشرين, ولآخر بثلاثين, ثم أوصى لهم بعد ذلك بالثلث, فإنهم يُعطون التسمية, ثم يقتسمون ما بقي من الثلث أثلاثاُ.
وقال أيضاً: يقتسمونه بقدر ما بأيديهم.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بوصية بعد وصية من جنس أو جنسين] قال ابن القاسم عن مالك: فيمن أوصى لرجل بمئة مبدأة, ولقوم بوصايا, ثم قال بعد ذلك: ولصاحب المئة ألف دينار, قال: يحاص المئة بالألف, فإن وقع له أكثر من مئة أخذه فقط, وإن وقع له أقل من مئة أخذ المئة المبدأة.
قلت لابن القاسم: فإن قال: زيدوا لصاحب المئة المبدأة ألفاً؟ قال: يأخذ المئة المبدأة ويحاص أهل الوصايا بالألف في بقية الثلث, فيأخذ الوصيتين جميعاً.
قال أشهب عن مالك: ولو أوصى لرجل بثلاثمئة وبمسكن, وقال: يُبدأ بذلك على أهل الوصايا, ثم أقام ثمان سنين, ثم أوصى لفلان كذا ولفلان كذا, ولفلان يعني الأول ألف دينار, وذكر وصايا لقوم ثم قال: وزدت فلاناً مع ألف مئة دينار, فإنه يُبدأ الأول بالمسكن, ثم يحاص أهل الوصايا بالألف وبالمئة التي لم يبدأ بها, فإن صار له أكثر من ثلاثمئة فذلك له؛ لأن له الأكثر,

الجزء: 19 - الصفحة: 885

فإن صار له أقل من ثلاثمئة أُتم له ثلاث مئة مبدأة.
وكذلك في كتاب ابن المواز عن مالك.
[(3)] فصل [فيمن أوصى لرجل بشيء ثم أوصى به لغيره] ومن المدونة: ومن أوصى لرجل بشيء بعينة من دار أو ثوب أو عبد, ثم أوصى بذلك لرجل آخر فهو بينهما.
ابن عبدوس: وقاله ابن القاسم وأشهب, وهو قول مالك.
قال أشهب: لأنه قد أوصى لهما به, فتساويا وليس ما يُبدأ به في اللفظ يوجب التبدئة, وإن رد أحدهما نصفه, فذلك النصف للورثة.
قال [142/ب] ابن القاسم وأشهب: وإن أوصى بعبد لوارث, ثم أوصى به لأجنبي فهو بينهما, ويرجع نصيب الوارث ميراثاُ, إلا أن يجيز له الورثة.
قال في المدونة: ولو أوصى لرجل بثلث ماله, ثم أوصى لرجل آخر بجميع ماله كان الثلث بينهما على أربعة أسهم, ولم تكن وصيته للآخر بجميع ماله نقضاً للوصية الأولى.
[المسألة الأولى: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله ثم قال يُقسم ثلثي أثلاثاً] قال يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله ثم قال: بعد يوم أو يومين يُقسم ثلثي أثلاثاً فثًلث في المساكين, وثلث في الرقاب, وثلث يُحج به عني.
قال ابن القاسم: يُقسم ثلثه نصفين, فنصفه في

الجزء: 19 - الصفحة: 886

سبيل الله, ونصفه يقسم أثلاثاً على ما نص في وصيته [المسألة الثانية: فيمن له ثلاثة آدر فأوصى بثلثهن لرجل فاستًحق داران] ومن المدونة: ومن له ثلاثة آدر فأوصى بثلثهن لرجل فاستحق منها داران, أو أوصى له بثلث داره, فاستُحق ثلثها لم يُنظر إلى ما استحق وإنما يكون للموصى له ثلث ما بقي.
قلت: فلو قال العبد: الذي أوصيت به لزيد هو وصية لعمرو, قال: أرى هذا نقضاً للوصية الأولى وهو للثاني, وقد قال مالك: إذا كان في الوصية الآخرة ما ينقص الأولى فالآخرة تنقض الأولى.
وإن أوصى بعتق عبد بعينه, ثم أوصى به لرجل فهو كله للرجل, ولو أوصى به أولاً للرجل, ثم أوصى به للعتق كان حراً ولا يكون للموصى له به قليل ولا كثير, والوصية الآخرة في هذا تنقض الأولى؛ إذ لا يُشترك في العتق.
وقال أشهب: الحرية أولى به, قدمها أو أخرها, قال ربيعة: ومن أوصى بوصية بعد وصية أن الآخرة تجوز مع الأولى إذا لم يكن في الآخرة نقض الأولى.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى بعبده لفلان, ثم أوصى ببيعه] محمد: قال أشهب: ومن أوصى بعبده لفلان, ثم أوصى ببيعه, أو قال: بيعوه من فلان, وسمى ثمناً أو لم يسم فهو رجوع, والوصية الآخرة, ويباع من الذي سمى ويحط ثلث ثمنه إن لم يُسم, وإن سمى ثمناً لم يُحط منه شيء,

الجزء: 19 - الصفحة: 887

فإن قبله, فذلك له, وإلا عاد ميراثاً, ولو قال: عبدي لفلان, وبيعوه من فلان فليبيع منه ثلثي ثمنه, ويُعطي للأول, وإن ترك الموصى له بابتياعه شراءه, فالثلث الذي أوصى به للورثة دون الموصى له به, ويكون للموصى له بالعبد ثلثاً ثمنه.
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعبده لفلان, وفي وصيه له أخرى أن يُباع من فلان غيره, ولا مال له غيره, فإن ثلث العبد يكون بينهما أرباعاً: للموصى له بالعبد ثلاثة أرباعه, وللموصى له ببيعه ربع الثلث.
قال ابن عبدوس: وقاله أشهب.
وقال سحنون: فيمن أوصى أن تباع داره من فلان بمئة, وأوصى بعد ذلك أن تُباع تلك الدار من آخر بخمسين, فإن حملها الثلث, بيع نصفها من هذا بخمسين ونصفها من هذا بخمسة وعشرين, وإن لم يحملها الثلث خير الورثة, فإما أجازوا لهم, أو برئوا لهم من ثلث الميت في داره, فيكون بينهما نصفين.
قال: ولا أرى للمريض أن يوصي ببيع داره بعد موته وليس له غيرها, وإن لم يُحاب؛ لأنهم يملكون بموته الثلثين, وإنما له ذلك في حياته.
قال أشهب: وإذا قال في وصية: غلة عبدي لفلان, ثم قال: ببعد ذلك خدمته لفلان آخر, فليس برجوع, والغلة والخدمة سواء, فإن حمله الثلث اختدماه أو استغلاه جميعاً يكون بينهما بالسواء, وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في أن يُجيزوا ذلك, أو يسلموا إليهما ثلث الميت.

الجزء: 19 - الصفحة: 888

[المسألة الرابعة: فيمن قال: عبدي يخدم فلاناً سنتين ثم هو حر, ثم قال: يخدم فلاناً سنة] قال ابن القاسم: وإن قال: عبدي يخدم فلاناً سنتين ثم هو حُر, ثم قال: يخدم فلاناً سنة, فإنهما يتحاصان في خدمته سنتين, فلصاحب السنة خدمة ثلثي السنة, ثم هو حر, ثم قال: يخدم فلاناً سنتين فليتحاصا في خدمة سنة, لهذا ثلثاها, وللآخر ثلثها, ثم هو حر.
[(4)] فصل [فيما يعد رجوعاً في الوصايا] [المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بدين له على رجل ثم اقتضاه فأنفقه] ومن المجموعة والعتبية [143/أ] قال ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بدين له على رجل, ثم اقتضاه في مرضه فأنفقه أو استودعه, فهو رجوع ولا شيء له.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بزرع ثم حصده, أو بثمرة ثم جذها وكيف إن كان عبداً فرهنه] وقال في المجموعة: وإن أوصى له بزرع ثم حصده, أو ثمرة ثم جذها, أو بصوف ثم جزه, فليس برجوع, إلا أن يدرس القمح ويكتاله ويُدخله بيته, فهذا رجوع, وإن أوصى له بعبده ثم رهنه, فليس برجوع, ولينفذ من رأس المال وكذلك لو آجره فالعبد للموصى له, قاله مالك: [المسألة الثالثة: فيمن أوصى بشيء ثم أدخل فيه صنعه لم تغيره عن حاله] ومنه ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: وإن أوصى له بثوب فصبغه, فالثوب بصبغه للموصى له,

الجزء: 19 - الصفحة: 889

وكذلك لو غسله أو كانت داراً فحصصها, أو زاد فيها بناء, أو أوصى له بسويق فلته؛ لأنه لم يغير الاسم عن حاله.
قال أشهب: ولو أوصى لع بعرصة فبناها داراً, فذلك رجوع, ولو أوصى له بدار فهدمها حتى صارت عرصة فليس برجوع عنها؛ لأنه موصى له بعرصة وبناء, فأزال البنيان وأبقى العرصة.
قال في كتاب محمد: ولا وصية له في النقض الذي نقض, قال: وأما الموصى بعرصة فبناها داراً, فإنه لا يقع عليها بعد البناء اسم عرصة, وقاله سحنون في العتبية.
قال ابن عبدوس: قال ابن القاسم: إذا هدم الدار فالعرصة والنقض للموصى له.
قال عنه أبو زيد واصبغ في العتبية: إذا أوصى له بعرصة ثم بناها فهما شريكان فيها بقدر قيمة البناء من العرصة, وقاله أصبغ وكذلك لو أوصى له بثوب فصبغه, أو بسويق فلته كانا فيه شريكين بقدره من قدر الصبغ واللتات.
[المسألة الرابعة: فيمن أوصى بشيء ثم أدخل عليه صنعه غيرته عن حاله] ومن المجموعة, ونحوه في كتاب محمد قال ابن القاسم: ولو أوصى له بغزل ثم حاكه ثوباً أو برداء فقطعه قميصاً فهو رجوع, قاله أشهب.

الجزء: 19 - الصفحة: 890

قال أشهب: ولو أوصى له بقميص ثم قطعه قباء أو بجبة فردها قميصاً أو ببطانة, ثم بطن بها ثوباً أو بظهارة, ثم ظهر بها ثوباً أو بقطن, ثم حشا به أو غزله, أو بغزل ثم نسجه, أو بفضة ثم صاغها خاتماً, أو بشاة ثم ذبحها, ثم مات.
فهذا كله رجوع وتبطل الوصية؛ لأنه لا يقع عليه الاسم الذي أوصى به.
قال أشهب: وإن أوصى له بعبد أو بثوب باعه, فإن مات قبل أن يشتريه فقد رجع ولا وصية له, وإن اشتراه عادت الوصية فيه بحالها إن مات كان للموصى له, وإذا أوصى له بعبد في غير ملكه أن يُشتري له, ثم صار ذلك العبد إلى الموصى بميراث أو صدقة أو هبة, ثم مات, فالوصية فيه نافذة.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى لرجل بمزود جديدة ثم لته بسمن أو عسل, فليس برجوع؛ كما لو أوصى بعبد ثم علّمه الكتاب.
قال أصبغ: ويكون شريكاً فيها بقدرها من قدر اللتات, وكذلك الثوب يصبغه والقاعة يبنيها.
[المسألة الخامسة: فيمن أعتقت أمتها في مرضيها, فقيل لها لا يجوز منها إلا الثلث فقالت اعتقوا ثلثها.] قال ابن حبيب: عن أصبغ: في امرأة أعتقت أمتها في مرضها, فقال لها: من يجهل: لا يجوز منها إلا الثلث.
قالت: فإذا لا يجوز فأعتقوا ثلثها.
قال: هذا رجوع فلا يعتق إلا ثلث الأمة؛ لأنها قد صدقت من قال لها ذلك, ولو قالت: فإن كان لا يجوز ذلك فأعتقوا ثلثها, فهذه تعتق كلها في الثلث

الجزء: 19 - الصفحة: 891

لقولها: فإن كان, كأنها قالت: فإن لم يجز ذلك.
[(5)] فصل [فيمن أوصى بشيء ثم باعه وأخلف مكانه المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثيابه ثم باع بعضها وأخلف ثياباً] ومن العتبية: قال أشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بثيابه ثم باع بعضها وأخلف ثياباً أو بمتاع [143/ب] بيته فتنكسر الصفحة ويذهب الشيء ثم يُخلفه, فذلك للموصى له, وكذلك من أوصى لأخيه بسلاحه فيذهب سيفه ودرعه فيشتري سيفاً آخر ودرعاً آخر, فهو للموصى له؛ كما لو أوصى له بحائطه فتنكسر منه النخلات, ويغرس فيه ودياً أو ينبت, أو يزرع فيه زرعاً, فذلك له, وهذا الذي أراد الميت, وأما لو أوصى له بعبد بعينه - محمد: أو أوصى بعتقه - فمات العبد فأخلف غيره فبخلاف ذلك.
لأنه عينه, وإذا لم يعين وأجمل فما وقع عليه ذلك الاسم من تركته فهو للموصى له.
قال مالك: ولو قال: رقيقي أو ثيابي لفلان فمات بعضهم وخلق بعض الثياب فأفاد رقيقاً وثياباً, فللموصى له جميع رقيقه وثيابه إن حمل ذلك الثلث؛ كما أوصى لرجل بسدس ماله, فله سدس ماله على ما هو به يوم يموت وكما لو قال: إذا مت فرقيقي أحرار فيبيعهم ويبتاع غيرهم فالوصية بحالها,

الجزء: 19 - الصفحة: 892

وكذلك لو زاد إليهم غيرهم ومن كتاب ابن المواز: وإذا أوصى في عبد له بالعتق, أو لفلان فمات العبد أو باعه أو وهبه, ثم اشترى عبداً غيره, فإن كان الأول بعينه - سماه- أو قال: هذا.
فلا وصية له في الثاني, وتكون وصايا الميت في ثلث ما بقي بعدهما, فأما لو قال: عبيدي أو رأس أو عشرة من رقيقي أو من إبلي لزيد, فمات بعضهم أو كلهم, ثم أفاد غيرهم من لإبل أو عبيد, فالوصية ترجع فيما أفاد كما كانت محمد: وأما قوله: حائطي لزيد فتنكسر منه نخلات فغرس مكانهن أو زاد أو زرع فذلك له؛ لأنه حائطه بعينه باق؛ فأما لو ذهب الحائط واشترى آخر فلا شيء للموصى له إذا عينه أو قصد تعينه, وإن لم يقل هذا الحائط بعينه ولكن وصفه بصفة, ثم هلك الحائط أو باعه واستحدث مثله في صفته فاختلف فيه فابن القاسم: يقول تسقط الوصية وروى هو وأشهب ذلك عن مالك في التي قالت: ثوبي الخز لفلانة, فذهب ثوبها وأخلفت مثله, أنه لا شيء للموصى لها فيه.
وخالف ذلك أشهب: فيمن أوصى برقيقه فساهم, ووصف سلاحه وثيابه بصفة ذلك وجنسه, ثم استهلك بعض ذلك واستفاد مثله, ثم هلك, قال: فلا يكون ذلك للموصى له, إلا أن يوافقه في الاسم؛ مثل أن يقول: عبدي نُجيح النوبي [حر] وقميصي المروي الكذا لزيد, وسيفي الهندي في السبيل, إن الوصية تقع في الثاني الذي هو الأول في الاسم والصفة

الجزء: 19 - الصفحة: 893

قال أشهب: فإن قيل: إنه إن حلف بحريته إن فعل كذا, فباعه واشترى مثله اسماً وصفةً, ثم فعل ذلك أنه لا يحنث, قيل له: ذلك يختلف؛ لأن الوصية يرجع فيها ولا يرجع في اليمين.
ولو حلف بعتق رقيقه فحنث, فغنما يلزمه فيمن عنده يوم حلف, وإذا أوصى برقيقه ثم بدلهم, أو زاد أو نقص, فإنما للموصى له من يكون عنده يوم مات لا يوم أوصى , قاله مالك, وكذلك وصيته في جزء من المال, ولم يأخذ محمد بقول أشهب حين جعل المبهم والموصوف بالاسم والصفة سواء, ومسألة مالك: في التي أوصت بثوبها الخز ترد هذا.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى إن غلامي النوبي حر, فباعه ثم ابتاع مثله] قال ابن القاسم في الذي أوصى: إن غلامي النوبي أو الصقلي حر, فباعه ثم ابتاع مثله, فلا يعتق إلا أن يشتريه بعينه.
وقاله أصبغ.
قال محمد: وليس قوله: عبدي أو ثلاثة أعبدي كقوله عبيدي؛ لأن قوله عبدي أو ثلاثة أعبدي تعيين لهم لا يعدوهم العتق, وقوله: عبيدي.
غير تعيين, فالعتق فيمن عنده يوم يموت زاد فيهم أو نقص قبل ذلك.
وقال أشهب: إذا أوصى فقال: غلامي نُجيح الصقلي حر [144/أ] فباعه واشترى من اسمه نُجيح وهو نوبي, فلا وصيه فيه حتى يوافقه في الاسم والجنس, ولو قال: غلامي نُجيح حر ولم يصفه فاشترى من اسمه مبارك فسماه نجيحاً لعتق.

الجزء: 19 - الصفحة: 894

قال محمد: وقد أخبرتك أنه إنما يُنظر إلى المعين فيكون بخلاف المبهم, ولو قال: غلامي نًجيح حر, فسماه مباركاً لم تزل الوصية عنه؛ لأنه عبد بعينه.
وقال أشهب: ولو اشترى آخر فسماه باسم الذي غير اسمه لم يعتق إلا الأول [المسألة الثالثة: فيمن أوصى بأن عبده حر, ولم يسميه, وليس له غيره, ثم اشترى غيره, ثم مات] قال أشهب: ولو قال في وصيته: عبدي حر, ولم يسمه, وليس له غيره, ثم اشترى غيره, ثم مات, فالاستحسان أن يعتق الأول, وبه أقول: لأنه إياه أراد, والقياس أن يعتق نصفهما بالسهم, وقال محمد: لا يعتق إلا الأول.
قال أشهب: ولو أن له عبدين, فقال: أحدهما حر, فمات أحدهما واشتري آخر فهما حران, وقال محمد: لا يعتق عندي إلا الباقي من العبدين؛ كمن قال عبدي حر لا كمن قال: عبيدي.
قال محمد: والصواب عندنا - وهو قول مالك وابن القاسم- إن من قال: عبدي حر أو عبداي حران أو ثلاثة أعبدي أحرار أنه تعيين لا ينصرف العتق إلى غيرهم؛ كمسألة مالك في الثواب الخز, ورواها أشهب وأما إن قال: عبدي حر وله عبيد فهو؛ كمن أعتق أحد عبيده, وليس كمن له غيرهم.
والصواب من ذلك كله ما ذهب إليه محمد مع موافقته قول مالك وابن القاسم.

الجزء: 19 - الصفحة: 895

[(6)] فصل [فيمن وطئ جارية أوصى بها فلان هل يعد ذلك رجوعاً منه] منه ومن المجموعة قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بجارية, فله وطؤها, وليس ذلك برجوع وقاله عنه أصبغ وأبو زيد في العتبية.
قال عنه أبو زيد: فإن أُوقفت الأمة بعد موته خيفة أن تكون حاملاً منه فقتلها رجل, فقيمتها للسيد الميت؛ إذ قد تكون حاملاً منه, ولا شيء للموصى له في قيمتها.
وذكره عنه ابن عبدوس, وقال: انظر في هذا, هي إنما فيها القيمة, والقيمة تدخل في المال, وتدخل فيها الوصايا لو لم يوص برقبتها, فلما أوصى بها فالموصى له أحق بقيمتها؛ لأن حكمها حكم الأمة حتى يتبين حملها, وكذلك أمة لعبده كان يطؤها, فأعتقه سيده, ثم أعتقها العبد فحكمها حكم الأمة حتى تضع.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: ولا يطأ المبتلة للعتق, أو لرجل في المرض وإن كانت من الثلث؛ لأنه لو صح نفذ عليه ذلك, والله أعلم.

الجزء: 19 - الصفحة: 896

[الباب الثلث] فيمن أوصى بمثل نصيب أحد بنيه, أو أحد ورثته أو بجزء من ماله, وجامع القول في الوصايا المبهمات

, [(1) فصل: فيمن أوصى بمثل نصيب أحد بنيه أو أحد ورثته المسألة الأولى: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته] قال مالك: ومن أوصى لرجل بمثل نصيب أحد ورثته وترك رجالاً ونساءً, فليقسم المال على عدد ذممهم الذكر والأنثى فيه سواء, ثم يؤخذ حظ واحد منهم فيُعطى للموصى له, ثم يُقسم ما بقي بين ورثته إن كانوا ولده, للذكر مثل حظ الأنثيين.
قال ابن القاسم: وإن قال لفلان مثل نصيب أحد بنيه, فإن كانوا ثلاثة فله الثلث.
قال ابن المواز: أما إذا قال لفلان مثل نصيب أحد ورثتي وهم رجال, ونساء وزوجات وأم, فقال مالك: ينظر إلى عدد جميع من يرثه, فإن كانوا عشرة أُعطي العًشر مما ترك وإن كانوا تسعة أُطي التُسع, ثم يُقسم ما بقي على فرائض الله تعالى.
قال محمد: وإذا أوصى بمثل [144/ب] نصيب أحد ولده نُظر إلى حق من يرثه مع الولد من أم أو زوجة أو غيرهما, فيُعزل حتى يُعرف حق الولد خاصة, ثم يُنظر إلى عدد الولد, فإن كانوا ثمانية وكلهم ذكور أو ذكور وإناث كان للموصى له ثُمن ما يصير للولد خاصة, وإن كانوا ثلاثة كان له الثلث من

الجزء: 19 - الصفحة: 897

ذلك, وإن كانا اثنين كان له نصف ما يصير لهما, وإن كان واحداً كان له مثل ما يصير له إن حمل ذلك الثلث, ثم يُضم ما بقي إلى ما عُزل لمن كان يرث الميت مع الولد, فيُقسم كل ذلك ثانية على فرائض الله تعالى, وإن كان ولده كلهم إناثاً كان لهن الثلثان, ثم يُنظر إلى عددهن, فإن كن أربعاً أُعطي للموصى له ربع الثلثين, وإن كن ثلاثاً أعطي ثلث الثلثين, وإن كن اثنتين أُعطي نصف الثلثين, وإن كانت واحدة أعطي مصابها, وهو نصف المال إن أجاز ذلك الورثة, وإن لم يجيزوا كان له ثلث المال, ثم يُضم ما بقي من سائر مال الميت فيقسم على الفرائض على البنات وسائر الورثة من العصبة وغيرهم.
قال أصبغ: وهذا كله قول مالك ومذهبه, وقول ابن القاسم وأشهب, قال ابن عبد الحكم: وهو أصح من قول أهل الفرائض.
يريد أن أهل الفرائض يقولون: إذا أوصى بمثل نصيب أحد ولده وهم ثلاثة أُعطي الموصى له الربع, وإن كانوا أربعة أعطي الخمس, يزيدون: سهما على عددهم, وحجتهم في ذلك: أن الموصي إنما أراد أن يُعطي الموصى له مثل ما يُعطى أحد ولده سواء لا يفضلهم, وأنت إذا كانوا ثلاثة وأعطيته الثلث فقد فضلته عليهم, وإن أعطيته الربع فقد ساواهم, وأعطي مثل ما صار لكل واحد منهم, وحجة مالك: أن الموصى إنما أوصى له بنصيب أحد ولده, وقد علمت أن نصيب أحد ولده الثلث في هذا؛ فكأنه إنما أوصى له بالثلث, وهذا أصوب.
[المسألة الثانية: إذا أوصى فقال فلا وارث مع ولدي أو له سهم كسهم ولدي] وقال ابن حبيب عن مالك: إذا أوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه مثل

الجزء: 19 - الصفحة: 898

ما تقدم من كتاب محمد.
وأما إن قال: فلان وارث مع ولدي, أو من عدد ولدي أو ألحقوه بولدي, أو ألحقوه بميراثي, أو ورثوه في مالي, ففي هذا كله إن كان البنون ثلاثة فهو كابن رابع معهم, وإن كان ولده ثلاثة ذكور وابنتين, والموصى له ذكر فهو كرابع للذكور, وإن كان أنثى, فهو ثالث مع الإناث فتكون وصيته تُسع المال.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: إذا قال: له سهم كسهم ولدي.
وله ولد واحد, فإما أعطاه جميع المال, وإلا فالثلث, وإذا قال: من عدد ولدي.
فإن كان الموصى له ذكراً, فله سهم ذكر, وإن كان أنثى, فله سهم أنثى ويخلط مع الولد في العدد, فإن كان معهم أهل الفرائض أخرجت فرائضهم, ثم بقي بين جميع الورثة, ولو قال: هو وارث مع ورثتي.
فلتعد الجماجم, فإن كانوا ثلاثة فهو رابعهم, ثم على هذا الحساب قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن ترك ورثة مختلفين من زوجة وأم وإخوة لعلات فقال: لفلان سهم مثل سهم أحد ورثني, فانظر إلى عددهم, فيُعطى نصيباُ منه, ولو قال: وارث مع ورثتي زدته على عددهم, ثم أخذ نصيباً منه من جملة العدد, ولو قال: مثل سهم أحد ولدي وهم ذكور وإناث, فله سهم من عدد الذكور والإناث بخلاف قوله هو وارث مع ولدي.
محمد: قال أصبغ: إذا أوصى فقال: لفلان مثل سهم أحد ولدي, أو مثل جزأيه, أو كبعض ولدي أو كأحدهم, فهو سواء وهو كوصية بمثل نصيب أحدهم.

الجزء: 19 - الصفحة: 899

ومنه ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن أوصى له بمثل نصيب أحد ولده ولا ولد له, وجعل يطلب الولد, فمات ولم يولد له, فلا شيء للموصى له, وقد قال مالك: فيمن قال: أكتبوا ما بقي من ثلثي لفلان حتى أنظر لمن أوصى, فمات ولم يوص, فلا شيء لصاحب باقي الثلث, [المسألة الثالثة: إذا قال في وصيته لفلان نصيب أحد ولدي ولا ولد له] قال أشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بمثل نصيب رجل من ولده, وهم خمسة, فهلك بعضهم قبل الموصي, فللرجل مثل نصيب أحدهم يوم موت الموصي, وكذلك لو ولد له فمات وعددهم أكثر, فإنما يُنظر إلى عددهم يوم موت الموصي, ولو لم يبق إلا واحد, فهذا يرجع إلى الثلث إن لم يُجز الورثة.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بجزء من ماله] قال عيسى: عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بجزء من ماله, أو بسهم من ماله, فلينظر من كم تقوم فريضته, فإن كانت من ستة فله السدس, وإن كانت من اثني عشر, فله نصف السدس, وإن كانت من أربعة وعشرين فله سهم منها, وإن كان ورثته ولده, فإن ترك ذكراً وأنثى فله الثلث, وإن ترك ابنين وابنتين فله السدس؛ لأن ستة أسهم أدنى ما تقوم منه هذه الفريضة, فإن لم يترك إلا ابنته ومن لا تحوز الميراث وليس معه غيره فإن له سهماً من ثمانية؛ لأنه أقل سهم سماه الله عز وجل لأهل الفرائض.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن عبد الحكم: إن أوصى له بجزء من ماله

الجزء: 19 - الصفحة: 900

أو بسهمٍ من سهام ماله فقد اختُلفَ فيه: فقيل: له الثمنُ؛ لأنه أقلُّ سهم ذكره الله عز وجل في الفرائض.
وقيل: يُعطَى سهماً مما تنقسم عليه الفريضةُ, قَلتِ السهامُ أو كَثُرَت.
وقيل: يُعطَى سهماً من سهام فريضته إن كانت تنقسمُ على ستةٍ فأقل, ما لم يجاوز الثلُث فيرد إلى الثلُث إن لم يُجز الورثةُ, فأما إن انقسمت على أكثرَ من ستةٍ فلا يُنقَضُ منَ السدس؛ لأن ستةً أصل ما تُقَوَّمُ منه الفرائضُ.
م: وهذا أضعفُها.
قال ابن المواز: والذي هو أحبُّ إليّ -وعليه جُلُّ أصحاب مالك واختاره ابنُ عبد الحكم- أن له سهماً مما تنقسم عليه فريضتُه قلَّتِ السهامُ أو كثُرَت.
وقال أشهبُ: إذا أوصىَ له بسهمٍ من ماله فله سهمٌ مما تنقسمُ عليه فريضتُه كما قال مالكُ: فيمَن أوصى أن يُعتق من عبده دينارٌ, فليُنظر إلى مبلغ قيمته فيُعتق منها دينارٌ ويكون حراً فيه, وإن لم يكن للموصى بالسهم إلا ولدٌ واحدٌ, فللموصَى له جميعُ المال إن أجاز ذلك الولد, وإلا فالثُلث؛ كمن أوصى لرجل برأسٍ من رقيقه فلم يدَع إلا رأساً واحداً أو ماتوا إلا واحداً, فهو له إن حملَه الثلُث, وإن لم يدَع غير بنتٍ أو أختٍ أو مَن لا يَحُوزُ المالَ ولا معها مَن يُعرف بعينه ولا يُعرف عددُه, فإنَّ له الثمن استحساناً, وذلك بعد الإيَاسِ من معرفة خبره, ولو

الجزء: 19 - الصفحة: 901

زيدَ على الثمن بقدر ما يُرى من حاجته رأيته حسناً؛ لما بلغني عن علي بن أبي طالب وابن مسعود وعبيده أنهم أجازوا لمن لا وارث له أن يوصي بماله كُلَّه وكأنه أنفذ الثلثين فيما ينبغي أن يفعلَ فيه بعده.
قال أشهبُ: لأنَّ الثلثَ له وإن كان ليس بقولنا إلا أني قويت به عَلَى الاستحسَان.
[(3) فصل: جامع القول في الوصايا المبهمات] [الـ] فصل [الأول: فيمَن قال: اكتُبُوا ما بَقيَ من ثلثي لفلان, فإني أريدُ أنْ أوصي غداً فمات] ومن العتبية قال ابن القاسم: قال مالك: فيمَن قال: اكتُبُوا ما بَقيَ من ثُلُثي لفلان, فإني أريدُ أن أوصيَ غداً فمات قبل أن يُوصىَ فلا شيءَ لفلانٍ.
قال ابن القاسم: لأنه لا يدري أن لو أوصى أيبقى له شيء أم لا؟ وقال أشهبُ: له الثلُث كلُّه.
قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجلٍ بعشرة دنانيرَ, ثم قال: أنا أريد أن أوصيَ غداً ولكن اشهَدوا أنَّ ما بَقيَ من ثُلُثي لفلان, ثم مات قبل أن يوصيَ لفلان, فلا شيء له.
[الـ] فصل [الثاني فيمَن أوصىَ لفلان بمئة دينار, ولآخر بمئتين, ثم قال لثالث: ولك مثله.
ولا يدري أيهما أراد] ومنَ المجموعة والعتبية وكتاب محمد قال مالكُ: فيمَن أوصىَ لفلانٍ بمئة [145/ب] دينارٍ, ولآخر بمئتين, ثم قال لثالثٍ: ولك مثله.
ولا يدري أيهما

الجزء: 19 - الصفحة: 902

أراد قال: لو أعطي نصفَ ما سمَّى لكُلَّ واحدٍ لكان صواباً, قال: وإن كانوا ثلاثةَ أُعطىَ ثلُث نصيب كُلّ واحد, فإن ضاقَ الثلُثُ حاصَصَ بذلك أهلَ الوصايا, وإن قال: لفلان وفلان وفلان خمسُمئة دينارٍ, ثم قال: ولفلان مثلُه أُعطي ثلُث الخمسمئة دينار, وإن لم يسع الثلث حاصَصَ بذلك.
قال ابن القاسم: وإن قال: لفلان مئةٌ, ولفلان مئتان.
قيل له: ففلان.
قال: هو شريكٌ معهما.
قال: تُجمَعُ الثلاثمئة فيُعطَى ثلُثَها, ثم يُقسمُ ما بقيَ على الرجلين على الثلُث والثلثين.
قال ابن المواز: وإن كانوا ثلاثة فهو رابعٌ, وإن كانوا أربعةً فهو خامسٌ.
وكذلك عنه في العتبية في أول المسألة: إن له ثلُث الثلاثمئةٍ, ويَقسم الرجلان المئتين على الثلث والثلثين.
قال: وقد قال ابنُ القاسم في غير هذا الكتاب: يكون له نصفُ وصية كُل واحد منهما مما أوصى لهما به ليس من بقية الثلُث.
وقال: فيمن أوصى لأربعةٍ بوصايا مختلفةٍ لواحد بعشرةٍ, ولآخَرَ

الجزء: 19 - الصفحة: 903

بعشرينَ, ولآخَرَ بثلاثينَ, ولآخَرَ بأربعينَ, فكُلِّم في آخَرَ, فقال: والله ما بقيَ شيءٌ, ولكنه شريكٌ معهم, ثم مات, فقال: يُعطَى نصف وصية كل واحد مما أوصى لهم به ليس من بقية الثلُث.
قيل له: فإن قال: هو شريك معهم بالسوية.
قال: يُعطى رُبُعَ كُل وصيةٍ, وإن كانوا خمسةً فخُمُسها.
[الـ] فصل [الثالث: فيمن أوصى لفلان بمئة ولم يُسَمَّ شيئا ولا يُدرَى ما أراد] ومن كتاب محمد, والمجموعة والعتبية قال ابنُ القاسم: فيمن أوصى لفلان بمئة ولم يُسَمِّ شيئاً ولا يُدرَى ما أراد, فإن كانت بَلَدُه الغَالبَ فيها الدنانيرُ, فله الدنانيرَ, وإن كان الغالب فيها الدراهمُ, فله الدرهمُ, وإن كان فيها هذا وهذا فله الدراهمُ, وهي الأقلُّ حتى يُوقنَ أنه الأكثرَ, أو يكون لوصيته وجهٌ يُستدَلُ به؛ مثلُ أن يقولَ: لفلان مئةُ دينارٍ, ولفلانٍ عشرةٌ, ولفلان مئة, ولا يذكر ما هي, فله مئةُ دينارٍ, وكذلك إن تقدم ذكرُ الدراهم فله الدراهمَ وإن كانت بلدَ دنانيرَ إذا كان للكلام بساطَّ يدلُّ عليه.
[الـ] فصل [الرابع: فيمن أوصى بشاة من ماله] قال محمد: وإذا أوصى بشاةٍ من ماله, فإن كان له غنمٌ فهو شريكٌ بواحدة في عددها ضأنها ومعزها, ذكورها وإناثها, صغارها وكبارها, فإن هلكت كلُّها فلا شيء له, وإن لم يكن له غنمٌ فله من ماله قيمةُ شاةٍ من وسط الغنم إن حملها الثلثُ أو ما حمل الثلثُ منها, ولو قال: من غنمي, فمات وليس له غنمٌ, فلا شيء له,

الجزء: 19 - الصفحة: 904

وإن لم يترك إلا شاةً كبيرةً أو صغيرة, فهي إن خرجَت من ثُلُثه أو ما خرج منها.
قال أشهبُ: وإن أوصى له بتيس من غنمه, فلينظر إلى كل ما يقع عليه اسم تيس, وإلى عدد ذلكَ فيكونُ فيها شريكاً بواحدة, وأما إن قال: شاةٌ من غنمه فالتُّيُوسُ والمعزُ والضأنُ, والصغيرُ والكبيرُ يدخل في العدد.
ولو قال: كبشاً لم يدخُل في ذلك إلا كبارُ ذكور الضأن, ولو قال: نعجة لم يدخل إلا كبارُ إناث الضأن, ولو قال: بقرة من بقري دخل فيها ذكور البقر وإناثُها.
م: يريد؛ لأنَّ ذلك اسمٌ يقع على الجميع عندهم, وأما ببلدنا فلا يقع ذلك إلا على الإناث.
قال: وإن قل: ثَوْرٌ, لم يكن إلا في ذكور الكبار, وإن قال: عجل, لم يكن إلا في ذكور العجول.
[الـ] فصل [الخامس: فيَمن أوصى بصدقة عشرينَ ديناراً فقيل له: زدُ فقال: زيدُوا وَزيدُوا] قال ابنُ كنانةَ في المجموعة: فيمن أوصى بصدقةٍ عشرينَ ديناراً فقيل له: زد فإن لك مالاً, فقال: زيدُوا وَزيدُوا, فقال: لو زادوا على العشرينَ مثلَ ثلُثها لكان حسناً.
ابنُ حبيب قال أصبَغُ: فيمَن أوصى بوصيةً فكُلمَ أن يَزيدَ فقال: زيدُوا ثم مات ولم يسمِّ ما يَزيدُون؟ قال: قد قيل: يُزاد مثلُ ثُلُث وصيته [146/أ] ولا أراهُ.
ولكن يُزاد بقدر المال وقدر الوصية بالاجتهاد من الإمام مع مشورة أهل العلم.

الجزء: 19 - الصفحة: 905

[الـ] فصل [السادس: فيمَن أوصى بثلثه لثلاثة نفر, ثم قال لفلان عشرةً ولفلان عشرونَ وسكتتَ عن الثالث] ومنَ العتبية قال مالكٌ: ومَن أوصىَ بثُلُثه لثلاثة نفر, ثم قال لفلان عشرةٌ ولفلان عشرونَ وسكَتَ عن الثالث, فللذي عنه ثُلثُ الثلُثِ, ويُعطَى للموصىَ لَهُ بعشرةٍ عشرةً, للآخر عشروُنَ, ثم يُقَسمُ ما بَقيَ منَ الثلُث على العشرة والعشرينَ بالحصص.
م: ولو قال قائلٌ: يُعطَى للموصىَ له بعشرةٍ عشرةً, وللآخَر عشروُنَ, وباقي الثلث للذي لم يُسمِّ شيئاً لكانَ له وجه, وكأنه قالَ: ثُلُثي لهؤلاء الثلاثَة, لفلاَن منه عشرة, ولفلان منه عشرونَ, فيُفهَمُ أن الباقيَ للثالث, والله أعلم.
[الـ] فصل [السابع: فيمن أوصى فقال: لفلان عشرة دنانيرَ, ولفلان وفلان عشرة] ومن كتاب ابن المواز -وأراه لأشهبَ-: فيمن أوصى فقال: لفلان عشرة دنانيرَ, ولفلان عشرة, قال: فللأول سبعةٌ ونصفٌ, وللثالث سبعةٌ ونصفٌ وللأوسط خمسةٌ.
م: ووجه ذلك: أن الأوسطَ يُحتمل أن يكون مضافاً إلى الأول, ويحتمل أن يكون مضافاً إلى الثاني ففي كلا الوجهين لا يكون له إلا خمسةٌ فيعطيه كلُّ واحد من عشرته دينارين ونصفاً للاحتمال.
م: وظاهرُ قول الموصي: أنَّ للأول عشرةً, وللثاني والثالث عشرةٌ: خمسة خمسة؛ لأنه لما قالَ: للأول عشرةُ دنانيرَ فقد أفرده بها, ثم قال: ولفلان وفلان عشرة فقد أشركهما فيها خاصة, والله أعلم بما أراد.
قال في كتاب محمد: ولو قال: ثُلُثي لفلان أو فلان أو فلان, فالورثةُ مُخَيَّرُونَ في دفع الثُلثِ إلى مَن شاءوا منهم, أو قسموه بين اثنين أو ثلاثة, أو

الجزء: 19 - الصفحة: 906

فضلوا بعضهم على بعض, فإن لم يقبل أحدهم فيكون ما دُفعَ إليه لصاحبيه مَن شاء الورثة منهما, ولا يرجع ميراثاً إلا أن يُعرض جميع الثلُث على كل واحد منهم فيأباه, فليَرجع ميرَاثاً.
[الـ] فصل [الثامن: فيمَن أوصىَ بعتق خيَار رقيقه] ومن كتاب محمد والمجموعة قال ابن القاسم: فيمَن أوصىَ بعتق خيَارٍ رقيقة, فَليَعتق أعلاهم ثمناً, ثم الذي يليه ويقاربُه في الثمن حتى يُوعَبَ الثلثُ.
قال أصبَغُ: إلا أن يُرَى أنه أراد الخيارَ في الدين والصلاَح بسببٍ يَدُلُّ عليه أو بساط, فَيُحمَلُ على ذلك, وإلا فأعلاهُم ثمناً.
قال ابنُ القاسم: فإن وسَعَهُم كلهم الثلثُ أُعتق المرتفعون, ولا يُعتق الوخش -مثلُ ثمن خمسةَ عشرَ- هذا إن كانوا متباينين جداً في الثمن فيُعرَفُ بذلك أنه أراد المرتفعين منهم, وأما إن تقاربت أثمانهم فَليُبدأ أهل الصلاح منهم.
وإن قال: أعتقُوا قدماءَ رقيقي, عتق الأولُ فالأول حتى ينفذ الثلثُ, فإن وَسعَهُم الثلثُ كلهم نُظر إلى الذي يُظنُّ أنه أراد في قدم الكسب وحدوثه فيُبدأ بالقدماء ولا شيءَ للمحدثينَ, وإن اشتراهم جملةً واحدةً عتق ثُلُثهم بالسهم.
وقاله أصبَغُ.
قال ابن القاسم في العتبية: في الذي قال: أعتقُوا قدماء رقيقي وله عبيدٌ منذ عَشر سنينَ, ومنذ خمس سنينَ, ومنذ سنةٍ, فإن حملهم الثلثُ عتقوا كُلهم, وإن لم يحملهم الثلُث تحاصوا وعتق منهم محملُ الثلُث, وإن كان له عبيد منذ أقل من سنة فليسوا بقدماءَ.

الجزء: 19 - الصفحة: 907

قال سحنون: ومَن أوصى بعتق بعض عبيده, فَليَعتق ما لا يُشَكُّ أنه بعضهم وهو عبدُّ, ولا يكون بعض نصفَ عبيده, ومَن قال: بعضُ رقيقي أحرارٌ, أو قال: حُرٌ, فأما قولُه فهو واحدٌ من اثنين فأكثرَ, وأما قولُه أحرارٌ فهم اثنان من ثلاثة فأكثر.
[الـ] فصل [التاسع: فيمن له ثلاثة أفراس فأوصى لرجل بفرس منها ولم يعيُنه, وقال خَيروُا فلاناً بين الباقيين] قال ابن القاسم في العتبية: فيمن له ثلاثةُ أفراس أو ثلاثةُ أعبُد, فأوصى لرجل بفرس منها أو عبد ولم يعيَّنه, وقال [146/ب] خَيِّروُا فلاناً بين الباقيين, فيأخذ ما شاء, والثالثُ لفلان, فليُعطَ الأولُ ثُلُثَها يُعطى وسطاً منها يكونُ قيمَتُه ثُلُثها.
قال أصبَغُ: يعني: يجمع له ثُلث قيمة كل واحدٍ في فرس منها بالسهم, فإن زادت القيمةُ عليه أتم له من غيره ما بقيَ له, ثم يُخَيَّرُ صاحبُ الخيار في خَير ما بقيَ حتى يكمل له فرساً إن كان فيها كسرٌ من فرس, ثم يكون للآخَرِ ما بقيَ جبيراً كان أو كسيراً.
ومثلُه في المجموعة عن ابن القاسم.
وقال فيها أشهبُ [وهو] في كتاب محمد: يُعطَى

الجزء: 19 - الصفحة: 908

لصاحب الفرس المبهم ثلثُ قيمتهم يأخذُه بالسهم, فإن جاءهُ أقلُّ من فرس, فليس له غيره, ويُخَيِّرُ المُخَيرُ في الباقيين فيأخذ أحدَهما, ويأخذ الأخرَ الباقي, ويأخذُ الورثةُ ما فضل منَ الفرس الأول, فإن وَقَعَ سهمٌ صاحب الفرس المبهم في اثنين أخَذَ ذلك, وأخذَ ذو الخيار الفرسَ الثالثَ, كما لو وقع سهم الأول في واحدٍ, وماتَ واحدٌ, لكان لذي الخيار الثالث, فإن وقع للأول فرس ونصف أخَذَ ذو الخيار الفَرَسَ الباقي وأخذَ الثالثُ النصفَ.
قال محمد: فإن قال المُخَيرُ: يأخذُ نصفَ هذا ونصفَ الثالث.
فقال أصبَغُ: ذلك له.
ولم يعجبني.
م: والقياسُ ما قال أشهبُ: وأنا أستحسنُ إذا اختلفت قيمتُهُم وكَانَ أوسطُهم ثلثَ قيمتهم أن يُعطاه صاحب المبهم بلا سهم, ويخير المخيرُ في الباقيين, ويُدفع الباقي للثالث, كذلك أراد الميتُ أن يأخذ كل واحد منهم فرساً, وإن اختلفت قيمتُهم ولم يكن أحدُهم ثلثَ قيمتهم, فكما قال أشهبُ.
قال ابن القاسم في جميع هذه الكتب: فإن سمَّى للأول فرساً بعينه فَنُسيَ فله ثُلُث كل فرس ثم يأخذ المخيرُ ثُلُثَي المرتفع وثلثَ الوسَط, ويأخذ الآخَرُ ثُلُثي الدنيء, وثُلُثَ الوسَط.
وقاله سحنون.

الجزء: 19 - الصفحة: 909

محمد: ولو قال لفلانٍ: خَيرُها, ولفلان أوسطُها, ولفلان أدنَاها, فهلك أحدُها, فلم يعلم ما هو خيرُها أو الوسطُ أو الدونُ, فللموصَى له بخيرها ثلثا المرتفع منَ الباقينَ, وللموصىَ له بالأدنى ثلُثا أدناها, ولصاحب الوسط ثلُثُ كل واحدٍ.
[الـ] فصل [العاشر: فيمن أوصت بجميع ما في بيتها لمولاتها فهل تدخل فيه ثياب ظهرها] ومن كتاب محمد والمجموعة والعتبية روى أشهبُ عن مالك: في التي أوصت بجميع ما في بيتها لمولاتها, أو قالت: ما في بيني لها.
فقالت المولاةُ: نأخذ ثيابَ ظهرها.
وقال الورثةُ: لم تُرد الثيابَ, فقال مالكُ: مَن يرثُها؟ فقيل كلالَةً.
قال وكم ثيابُها؟ قيل: أمرٌ يسيرٌ.
قال: إذا لم تكن ثيابُها الثيابَ الرفيعَة التي يُضنُّ بها عن مثلها, ولم تَقُل متاع بيتي إنما قالت ما في بيتي.
رأيتُ ذلك لها, وما أرادت إلا أن تكون ثيابُها لمولاتها, وما ثيابُها من متاع البيت؟ ولكنها تُورَثُ كلالةً, وكأنها أرادت أن تكافئ مولاتها بثيابها.
قيل: فالتي ماتَت فيها تدخلُ في ذلك؟ قال نعم.
قيل: فما كانَ لها الثياب مرهونةً؟ قال: إنما قالت ما في بيتي: فأما أن تكون لها ثيابٌ عند أختها أو مرهونةً فلا.
[الـ] فصل [الحادي عشر: فيمَن قال: ادفعوا هذا الخيشَ لفلان, فوجدوه مملوءاً طعاماً] ومن هذه الكتب قال ابن القاسم: فيمَن قال: ادفَعُوا هذا الخَيشَ أو المسح الشعر لفلان, فوجدوه مملوءاً طعاماً فليأخذه بطعامه, ولو قال: أعطوه الخريطَة الحمراءَ وهي مملوءةٌ دنانيرَ, فله الخريطةُ بما فيها,

الجزء: 19 - الصفحة: 910

وكذلك إن قال: أَعطُوهُ زقً فوُجِد مملوءاً عسلاً, فهو له بم فيه من عَسَل, [147/أ] ولو كان مملوءاً دراهمَ لم يأخذه إلا فارغاً.
قال ابن القاسم في كتاب التفليس: إلا أن يكون عُرفَ أنَّ فيه دراهمَ فهو له بما فيه.
قال ابنُ القاسم: وإن تصدقَ بثُلُثِ داره في مَرَضه وفيها طوبٌ وخشبٌ أعدَّهُ للبناء, وطلب المعطىَ ثلثَ ذلك, ومنعه الورثةُ.
قال: لا شيءَ له في الطوبِ والخشب.
وروى عنه أبو زيد: فيمن أوصى بثُلُثه في السبيل إلا العراص, وفي العراص خشب وطوب مُلقىً لبنائها, فإن كان شيئاً نقضه منها فلا يُباعُ منه شيءٌ, وإن كان إنما جاء به لبنائها, فذلك يُباعُ ويُخرَجُ ثلُثُه.

الجزء: 19 - الصفحة: 911

[الباب الرابع] فيمن أوصى لولد ولده, أو لأخوَاله وأولادهم, أو لمواليه, أو لولد فلان أو لبني فلان, أو لقبيلة كذا, أو لقرابته, أو لجيرانه, وجامع ما يشبهه.

[(1) فصل: فيمن أوصى لولد ولده أو لأخواله وأولادهم أو لمواليه وكيف إن مات بعضهم وولد غيرهم] قال مالكُ: ومَن أوصى لولد ولده بثلثه, فذلك جائزٌ إذا كانوا غير ورثة, قلت: فإن مات بعضُهم وولد غيرهم بعد موت الموصى قبل قسمة المال.
قال: فذلك لَمن حضر القسمَ؛ وقد قال مالكُ: فيمن أوصى لأخواله وأولادهم أو لمواليه بثُلُثه فمات منهم بعد موته نفرٌ ووُلد لآخَرينَ منهم, وذلك قبل قسمة المال, فإنما يكون الثلُثُ لمن أدرك القسم منهم؛ فكذلك مسألتُك.
قال ابن القاسم: وإن قال ثُلُثي لهؤلاء النفر وهم عشرةٌ فمات أحدهم بعد موت الموصي قبل قسمة المال, فنصيبُ هذا الميت لورثته, وهذا خلاف الأول؛ لأن الأول إنما قال: لولد ولدي, أو لأخوالي وأولادهم, أو لبني عمي, أو لبني فلان, فهذا لم يُسمَّ قوماً بأعيانهم, فإنما ذلك لمن حَضَر القسم, وإذا ذكر قوماً بأعيانهم فمات بعضُهم بعد موت الموصي ورثَ نصيبه وارثوه.
قلتُ: فإن قال: ثُلث مالي لولدِ فلان وهم عشرةٌ ذكورُ وإناثٌ؟ قال: الذي سمعتُ من مالك أنه أوصى بحبس داره أو ثمرة حائطه على ولد رجلٍ, أو على ولد ولده, أو على بني فلان, فإنه يُؤثَرُ أهل الحاجة منهم في السكنى والغلة, قال ابن القاسم: وأما الوصايا, فإني أراها بينهم بالسوية.
قال سحنون: وهذه المسألةُ أحسنُ من المسألة التي قال فيمن أوصى لأخواله وأولادهم.

الجزء: 19 - الصفحة: 912

وقد روى ابنُ وهب في الأخوال مثلَ رواية ابن القاسم.
إلا أن قول عبد الرحمن في هذه المسألة أحسنُ, وكذلك يقولُ غيره, وليس وصيتُه لأخواله بشيء ناجز يقتسمونه بينهم كوصيته لهم بغَلةٍ موقوفةٍ محبسة عليهم؛ لأن الحبس إنما قسمَتُهُ إذا حضرت الغلة كل عام, وإنما أُريد بذلك مجهولُ مَن يأتي, فأما وصيتُه لأخواله أو ولد فلان بشيءٍ ناجزٍ يقسم مكانَه وهم معروفُون لقلتهم وأنه يحاطُ بهم فكالوصية لقوم مُسَمين بأعيانهم, وإذا كانت الوصيةُ لقوم مجهولين لا يُعرَفُ عدُدُهم لكثرتهم مثلُ قوله: لبني تميم أو لبني زهرة أو للمساكين, فهذا لم يرد قوماً بأعيانهم؛ لأنَّ ذلك لا يُحصَى ولا يُعرَفُ, وإنما يكون لَمن خَضَرَ القسم.
م: ألزم سحنون ابنَ القاسم التناقض بقوله: وأما الوصايا فإنها تُقسم عليهم بالسواء.
م: وليس ذلك تناقضاً ولا خلافاً لما تقدم, وإنما تكلم في هذه المسألة على الفراق [147/ب] بين الحبس والوصَايا, فقال: الحبسُ يُؤثَر فيه أهل الحاجة -ذلك سنته- والوصَايا يساوَى بينهم فيها إذا حضرت القسمةُ؛ لأنهم استَوَوْاَ في الوصية, وهو شَيء ناجزٌ يقسم بينهم, ولم يتكلم في هذه المسألة, هل يُحرَمُ مَن مات ويُعطَى لمَن وُلد! ومذهب ابن القاسم جيد مع موافقته لمالك رحمهما الله؛ وذلك أن قولَه: ثُلُثي لولد فلانٍ ليس بتعيين للولد, فما وقعَ عليه ذلك الاسمُ يوم القسم فله الوصيةُ؛ كقوله رقيقي أحرارٌ أو عبيدي أحرارٌ, فمات بعضُهم واشترى غيرهم إن جميعَ مَن تُركَ منَ العبيد أحرارٌ إذا حملهم الثلُث؛ لأنه لم يعيَّن, فراعيتُ قولَ الموصي يوم موته, فما وقع عليه اسمُ عبدٍ أعتَقه, وكذلك ما وقع عليه اسمُ ولدٍ, أو خالٍ يوم موتِ الموصي, فله الوصيةُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 913

وأما إذا عينَ فلا تعدو الوصيةُ المعينَ, والتعيين كقوله ثُلُثي لولد فلان هؤلاء أو يُسَمهم بأسمائهم, ويكون لفلان ولدان أو ثلاثةٌ, فيقولُ: ثُلُثي لوَلَدَي فلان, أو الثلاثة أولاد فلان, فإذا سمى أو أشار إليهم أو قصد قصداً يُعلم أنه أراد التعيين فلا تعدوهم الوصيةُ إلى غيرهم, وكذلك العتق.
وقد روى أشهبُ عن مالك في العتبية: في امرأة أوصت في مرضها لولد فلانة, لكل واحد بعشرةِ دنانيرَ, فوُلد لها قبل موتها ولدٌ ومات ولدٌ آخَرُ, فلا شيءَ لمن مَاتَ منهم وأما مَن وُلد فيُعطَى مع مَن يُعطَى.
وكذلك في كتاب ابن المواز: وكذلك إن أوصت لهم وهي تَعرفُ عددهم.
قال: وقال أشهبُ: إذا أوصى بثُلُثه لبني فلان وهم أربعةٌ فَعَرَفَ عدتهم أولا يَعرِفُهَا, فمات بعضُهم قبل موت الموصي, ووُلدَ آخروُن فالثلث لمن بَقيَ وللمولود ولا شيء لمن مَاتَ, ولو سماهم لم يكن للمولود شيءٌ, وترد حصة الميت منهم إلى ورثة الموصي.
م: يريد: لأنه مات قبل موت الموصي.
قال ابن المواز: وكل مَن أوصى لقوم بأعيانهم تَعَمدهم, وعُلم أنه قصدهم بأعيانهم, ولم يكن حبساً, فالقسمُ بينهم بالسوية, ولا يُحرمُ مَن ماتَ بعد موت الموصي, ولا شيءَ لمن وُلِدَ, وهذا قولُ مالكٍ الذي عليه أصحابهُ أجمَعُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 914

ومنَ المجموعة ذكر رواة ابن القاسم: في الموصى لولد فلان, أو لولد ولده, أو لمواليه, أن ذلك لمن حضر القسم لا يحرمَ من وُلد ولا شيءَ لمن مات, وكذلك لأخواله وأولادهم.
قال: وقال أشهبُ: إذا أوصى لولد ولد رجلٍ أو لمواليه وهم عشرةٌ معروفُون, فمَن مات منهم قبل القسم, فنصبيه لورثته, ولا شيء لمن وُلد, بخلاف مَن أوصى للمساكين أو لابن السبيل أو الأرامل أو لبني تميم.
قال مثلَه عبدُ الملك.
وقال: إذا كانوا معروفين, فيُحمل أمرُه على أنه أراد أعيَانَهم.
وقاله سحنون.
م: وهذا مثلُ ما تقدم لسحنون في المدونة, وهو خلافٌ لما قدمناه لمالك وابنِ القاسم.
[(2)] فصل [فيمن أوصى بثلثه لموالي فلان, فمات بعضُهم وأعتق فلان آخرين قبل أن يُقسم المال, وفي الوصية لبني فلان أو قبيلة كذا] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومَن قال: ثُلُثُ مالي لموالي فلان, فمات بعضهم أعتق فلان آخرينَ قبل أن يُقسم المال فذلك لمن حَضَرَ القَسم؛ كالوصية لولد الولد, وإن أوصى بثُلُثه لبني تميم أو قَيسٍ جازت وصيتُه وقُسمت على الاجتهاد؛ لأنا نعلم أنه لم يرد أن يَعُم قيساً كلهم, ولا شيء فيها للموالي, ولقد نزلت أن رَجُلاً

الجزء: 19 - الصفحة: 915

أوصىَ لَخولاَن بوصية, فأجازها مالكُ ولم يَرَ فيها للموالي شيئاً.
[المسألة الأولى: فيمَن أوصى لقبيلة أيُعطى لمواليهم مع عَرَبيهم إن كانُوا محاويج؟] محمد: قيل لأشهبَ: فيمَن أوصى لقبيلة أيُعطى لمواليهم مع عَرَبيهم إن كَانُوا محاويجَ؟ قال: أما قولُه لتميم فيَعُم, وأما قولُه لبني تميم فلا؛ لأنَّ قولَه لبَني هم أنفُسُهُم.
وقال ابنُ حبيب: عن ابن الماجشونَ: ذلك سواءٌ.
وليدخل فيها الموالي, وعابَ قولَ أشهبَ.
وقال: قد تكون قبائلُ لا يَحسُن أن يُقال فيها بني [148/أ] فلان منها: قيس وربيعة ومُزَينَة وجُهَينَة وغيرهم لا يقال فيها بني, والأمر فيهم واحدٌ حتى يقول للصُّلبية دون الموالي, أو للموالي دون الصُّلبية.
[المسألة الثانية: إذا قال ثلثي لفخذ ما أو لقبيلة يحصون أو لا, أو لبني فلان كيف يقسم الثالث بينهم] قال أشهبُ: إذا وَصى بثُلُثه لفخذ أو لقبيلةٍ أو لبطنٍ يُحصَون أو لا يحصون يُعرفون أو لا يُعرفون, أو قال لبني فلان, فالثلثُ بينهم على قَدرِ الحاجة والذُّكُورُ والإناثُ بقدر حاجتهم لا على عدَدهم.
[المسألة الثالثة: إذا قال ثلثي لولد فلان فهل يدخل الإناث, وكيف إن قال لبني فلان ولا ذكور فيهم] قال ابن القاسم في العتبية: إذا قال ثُلُثي لولد عبد الله بن وهب فذلك لذكوره ولده دونَ الإناثِ, وأما إن قال: لبني فُلان, فيدخل فيه الذكورُ والإناثُ.
محمد: قال ابن القاسم: إذا قال: ثُلُثي لولد فلان وهم عشرةُ ذكورٍ وإناثٍ, فذلك

الجزء: 19 - الصفحة: 916

بين ذكورهم وإناثهم بالسوية.
وقال أشهبُ: بل على قدر الحاجة, وذلك استحسانٌ.
وإذا قال: لبني فُلانٍ في حبس أو وصيةٍ, فإذا هن بناتٌ لا ذكور فيهن, فذلك بينهن, وكذلك لو كان معهن بنُون فماتوا وبقيَ البناتُ, فذلك لهن.
محمد: وقاله كلَّه ابنُ القاسم وأشهبُ.
قال ابن القاسم: لأن من كلام العرب أن يكون النساء بني, والمرأة من بني زهرة ومن بني كنانة.
محمد: ولو قال: لبنات فلانٍ.
لم يدخُل معهن البنون على كل حالٍ, ولكن إن كانَ لبعض بنية بناتٌ, فذلك لبنات ابنه دون أبيهنَّ, وإن كان له بناتُ وبنتُ ابن دخلت مع عماتها كما يدخل ولدُ الولد مع الولد في هذا بخلاف المواريث.
[(3)] فصل [إذا أوصى بثلثه لموالي فلان وله مَوَالٍ أنعموا عليه وأنعم هو على موالٍ] ومن المدونة: ومَنَ أوصى بثُلُثه لموالي فلان وله مَوَالٍ أنعموا عليه وموالٍ أنعم هو عليهم, كان لمواليه الأسفلينَ دون الأعلين.
وقال أشهبُ في كتاب محمد: يُنظَرُ في ذلك, فإن لم يُتَيَقن أنه أراد أحد الفرقتين بسبب أو وجه منَ الوصية, كانت الوصيةُ بين الفريقين جميعاً شطرين, وإن كان أحدُ الفريقين أكثرَ عدداً؛ لأنه لم يشركهُما جميعاً في وصيةٍ, وإنما وقعت الوصيةُ لأحد الفرقتين وحدَها, قال: ولو كان أحدُ الفريقين ثلاثةً, والآخرُ واحداً كانت الوصيةُ للثلاثة, ولا شيءَ للواحدِ كانَ من أسفلَ أو من فوقَ؛ لأن الواحد لا

الجزء: 19 - الصفحة: 917

يَقَعُ على اسمُ موالٍ, ولو كان مواليه من فوق اثنين أو وَاحداً, ومواليه من أسفل اثنين أو واحداً, لم يكن في أحد الفريقين موالٍ حتى يجمعَهم, فأرى الثلُثَ بينهم على قدر عَدَهم.
ونحوُه عن ابن الماجشونَ في المجموعة.
[المسألة الأولى: فيمَن أوصى بصدقة على مواليه وله موالٍ من قبَل أبيه, وموالٍ من قبَل أمه وموال من قبل قرابة له يوارثونه] ومنَ الكتابين قال مالكُ: فيمَن أوصى بصدقة على مواليه وله موال من قبَل أبيه, وموال من قبَل أمه وموال من قبل قرابة له يوارثُونه, فليُبدأ بالأقرب فالأقرب دنيه وَيُعطَى الآخروُنَ منه إن كان في المال سَعةٌ, إلا أن يكونَ في الأباعدِ مَن هو أحوجُ منَ الأقارب, فيؤثرونَ عليه ويُبدأُ أهل الحاجة أباعدُ أو غيرهم, وما في ذلك أمر بيّن غير ما يُستدل عليه من كلامه ويُرى أنه أراده.
قال محمد: كل موليَّ له يوم مات كان هو أعتقَهم أو ورث ذلك من عصبةٍ قريبة أو بعيدةٍ فهو مواليه, والوصيةُ لهم كلُّهم إلا أنه يُؤثَرُ أهلَ الحاجةِ أينما كانوا ويُقسمُ بينهم على قدر حاجتهم.
قال مالكُ: ويدخل أمهات أولاده الذين يَعتقون بعد موته مع مواليه.
قال ابن القاسم: وكذلك مُدَبروهُ إذا خرجوا منَ الثلُث وفضَلَت منه فضلة.
قال عن مالكٍ: وكذا الموصىَ بعتقه -يَعتق في ذلك الثلُث- يدخل في

الجزء: 19 - الصفحة: 918

ذلك؛ لأنه منَ الموالي, وأما المعتق إلى أجلٍ والمكاتَب, فإن نفذ عتقهم بأداء الكتابة وبلوغ أجل المؤجلِ قبل القَسم دخلوا في الوصية, وإن سبقهم القسمُ فلا شَيءَ لهم.
وقال في العتبية: يدخل المعتَقُ إلى أجل والمكاتَبُ مع الموالي [148/ب] فيقسم بينهم بالسواء, فما صار للمكاتَب والمعتَق إلى أجل وُقفَ لهما, فإن أدى المكاتب, وأعتق المؤجل أخذاه, وإن عجز المكاتَب أو مات المعتق دون الأجل رجع حقهم بقية الموالي.
وقال عبدُ الملك: إذا لم يحلَّ أجلُ المؤجل فلا يدخل إلا أن تكون الوصية شيئاً يغتل في كل إبانٍ؛ كالثمرة وشبهها فليأخذُوا منه فيما وافق عتقهم وفيما بعده, لا فيما قبل ذلك؛ لأنهم حينئذٍ عبيدهُ.
وذكر مثلَه ابنُ حبيب عن مطرف وابن الماجشونَ.
قال ابنُ عبدوس: قال عليُّ عن مالك: في قوله على موالَّ.
إنه يدخل فيه مَوَالي الموالي مع الموالي.
وقال ابنُ الماجشونَ: إن قال: على موالي عتَاقَةً, فهو أعتق خاصة لا موالي مواليه, ولا موالي أبيه وجدَّه, ولا أولاد مَن أعتقه الموصي, وإن قال لموالي وهم ممن يُحاط بهم لقلتهم, فكذلك أيضاً, وإن كانوا كثيراً متفرقين مجهولينَ ولم يقُل عتاقة, دخل فيه موالي الموالي وأبناؤُهم, وموالي أبيه وابنه وأخيه.
قال علي عن مالكٍ: وإن أوصت امرأةٌ لمواليها ولم تقُل عتاقة, ولا دُريَ أنها

الجزء: 19 - الصفحة: 919

أرادت شيئاً بعينه, فيُعلم أنها أرادت مَن أعتقت وولد مَن أعتقت؛ كمن قال: أصلي هذا على ولدي, ولا ولد له علمنا أنه أراد مَن يحدث له ويكون حَبساً؛ لأنه أراد مجهول مَن يأتي, ولو كان له أولادٌ يوم أوصى كان ذلك لهم مالاً يفعلون به ما شاءوا ولا يُنتظَرُ به عَقبٌ ولا نَسَبٌ.
ومن كتاب محمد والعتبية: وإذا قال: ثُلثُي لموالي وله أنصافُ مَوَالٍ, فليُعطَ كلَّ نصفٍ منهم نصفَ ما يُعطى المولى التام؛ إن جعل للتام لكل واحد عشرة فهؤلاء خمسةٌ خمسةٌ.
[(4)] فصل [فيمن أوصى لقرابته] ومن كتاب محمد والمجموعة قال مالكُ: فيمن وصى لأقاربه, فليُقسم على الأقارب فالأقرب بالاجتهاد.
محمد: قال مالكُ: ولا يدخُلُ في ذلك ولدُ البنات, وقال في العتبية.
قال عيسى: ويُنظَرُ فيه عل قدر ما يَرىَ ويَنزل فربما لم يدَع غيرَ ولدِ البناتِ وولدِ الخالات.
م: يريد: فيُعطَونَ حينئذ.
قال ابن القاسم: ولا يدخُلُ الخالُ والخالةُ, ولا قرابتُه منَ الأم إلا أن

الجزء: 19 - الصفحة: 920

تكونَ له قرابةٌ من قبل الأب.
قال ابنُ عبدوس عن ابن كنانةَ: في الموصى لقرابته وله أعمامٌ وعماتٌ, وأخوال وخالات, وبناتُ أخ وبناتُ أخوات, فليقسم ذلك الإمام بينهم على الاجتهاد على قدر حاجتهم.
والأخوةُ والأعمامُ وبنوهم هم الأقربُ, ولا يَقطَع حظ العمات والخالات وبنات الإخوة من ذلك.
م: وعلى هذا القول يدخلُ فيه ولدُ البناتِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 921

وقال أشهبُ فيه وفي كتاب محمدٍ: في الموصي لقرابته أو قال: ذوي رحمي, فهو سواءٌ, ويدخُلُ في ذلك كلَّ ذي رحمٍ منه منَ الرجال والنساء مَحرَمٌ أو غيرُ مَحرَمٍ ولا يفضلون بالقرب, وأسعَدُهم به أحوَجُهم, ولا يدخلُ فيه قرابتُه الوارثون استحساناً, وكأنه أراد غيرَ الوارث؛ كالموصى للفقراء بمالٍ, ولرجل فقيرٍ بمالٍ, فلا يُعطَى مما للفقراء كما لا يُعطَى العاملُ الفقيرُ على الزكاة سهمين.
قال عنه محمد: ويدخل فيه قرابتُه المسلمون والنصارى ويُؤثَرُ الأحوجُ.
قال ابن القاسم في العتبية وكتاب محمد: فيمن أوصى بثُلُثه للأقرب فالأقرب, فليُفضل الأقربُ فالأقربُ ما لم يكُونوا ورثةً -فإنه لم يُرد بوصيته ورثته- والأخ أقربُ منَ الجد, ثم الجد ثم العم فيُعطَى الأخُ أكثرَ, وإن كان أيسرَهُم ثم الجدُّ ثم العمُّ على نحو هذا, وإن كان له ثلاثةُ إخوةٍ مفترقينَ فالشقيقُ أولاً, ثم الذي للأب, وإن كان الأقربُ أيسَرَ.
قال ابنُ كنانةَ: في الموصي لأقاربه وسماها صدقةً فلا يُعطَى إلا الفقراءُ خاصة, فإن لم يقل صدقة, فأغنياءُ قرابته وفقراؤهُمُ سواءٌ, إلا أن يريد الفقراءَ.
ومن كتاب ابن حبيب قال مطرف وابنُ الماجشونَ: إذا أوصى لقرابته أو لذوي رحمه أو لأهله أو لأهل بيته, فإن قولنا -وهو قول [149/أ] مالك

الجزء: 19 - الصفحة: 922

وأصحابه- أنه يدخل في ذلك جميعُ قرابته ورحمه وأهله من قبَلِ أبيه وأمه الإخوة والأخوات, والأعمامُ والعَمَّاتُ, والأخوال والخالات, وبنوهم الذكُورُ والإناثُ وبناتُ ومَن أشبههن منَ القرابات.
وذكر لي أصبَغُ عن ابن القاسم أنه قال: ليس لقرابته أو لذي رحمه من قبَل أمه من ذلك شَيءٌ مع قرابته من قبَل أبيه, ولا لولد البنات إلا أن [لا] يكون له قرابة من قبل الأب, فيكونُ ذلك لجميع قرابته من قبَل أمه؛ لأنه يرى أنه إياهُم أراد, أو يكون له من قبَلِ أبيه قرابةً قليلةً كالواحد والاثنين, وبقول مطرف وابن الماجشون أقولُ: ولكن يُؤثَرُ الأقربُ على قدر القربى والحاجة, ولكُلهم فيها حق.
[(5)] فصل [فيمن أوصى لجيرانه] ومنَ المجموعة قال عبدُ الملك: فيمن أوصى لجيرانه, فَحَدُّ الجوار الذي لا شك فيه: ما كان يواجهُه, وما لصقَ بالمنزل من ورائه وجَنَبَاته, فأما إن تباعد ما بين العدوتين حتى يكونَ بينهم السُّوقُ المتسع فليس كذلك, إنما الجوار ما دنا من العدوتين, وقد تكون دارا عُظمىَ ذاتَ مساكنَ كثيرة كدار معاوية وكثير بن الصلت فإذا أوصى بعض أهلها لجيرانه اقتصر به على

الجزء: 19 - الصفحة: 923

أهل الدار.
قال: وإن سكن ربها هذه الدارَ وهو الموصى, فإن أشغل أكثَرَها وقد أسكن معه غيره, فالوصيةُ لمن كان خارجاً عنها لا لمَن فيها, وإن كان إنما سكن أقلَّها فهو كالمكتري, فالوصيةُ لمن في الدار خاصةً ولو اشغَلَها كُلِّها بالكراء ثم أوصىَ لجيرانه, فالوصيةُ للخارجينَ منها من جيرَانه.
وقال مثلَه كلَّهُ سحنون في كتاب ابنه.
قال عبدُ الملك: وجوارُ البادية أوسعُ من هذا وأشدُّ تراخياً, ورُبَّ جارٍ وهو على أميالٍ إذا لم يكن دونه جيرانً إذا جمعهم الماءُ في المَورد والمسرَح للماشية, وبقدر ما ينزل, ويُجَتَهَدُ في ذلك.
قال ابنُ سحنون عن أبيه: كُلُّ قريةٍ صغيرةٍ ليس لها اتصالٌ في البناء والكبر والحارات فهم جيرانٌ, وإن كانت كبيرةً كثيرةَ البُنيَانِ كقلشانة فهي كالمدينة في الجوار.
قال عبدُ الملك: وإذا أوصى لجيرانه, فإنما يُعطَى الجارُ الذي له المسكنُ وزوجتُه وولدُه الكبيرُ البائنُ عنه بنفقته, ولا يُعطى الصغيرُ ولا ابنتُه البكرُ ولا خَدَمُه ولا ضيفٌ ينزل به إلا أن يَنُصهُم, وأما الجارُ المملوكُ فمَن كان يسكنُ بيتاً على حدة, فَليُعطَ كان سيده جاراً أو لم يكُن.
وقال ابنُ سحنون عن أبيه: يُعطَى ولدُه الأصاغرُ, وأبكارُ بناته ويدخلُونَ في الاجتهاد إن شاءَ الله.

الجزء: 19 - الصفحة: 924

[الباب الخامس] فيمَن أوصى لولد رجلٍ ولا ولدَ له, أو لفقراء بني فلان وهم أغنياءُ أو لمن قد مات, وفي موت الموصَى له قبل موتِ الموصي.

[(1) فصل: فيمن أوصى لولد رجل ولا ولد له] قال ابن القاسم: ومَن قال: ثُلُثي لولد فلانٍ, وقد عَلم أنه لا ولدَ له جاز, ويُنتظر أيوُلَدُ له أم لا؟ ويُساوَى فيه بين الذكر والأنثى, وإن لم يَعلم أنه لا ولد له فالوصيةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مالكاً قال: فيمن أوصى بثُلُثه لرجل, فإذا الرجلُ قد مات قبل الوصية, فإن كان قد علم بموته نفذت الوصية لورثة الموصَى له وقضى بها دينَهُ, وإن كان لم يعلم بموته, فلا وصيةَ له ولا لورثته ولا لأهل دينه؛ فأرى مسألَتَكَ مثلَ هذا.
محمد: وقال أشهبُ: إذا مات الموصي ولا ولدَ للموصى لولده, فالوصيةُ باطلةٌ, علم الموصي بأنه لا ولدَ له أو لم يعلم وإن وُلد له بعد ذلك, إلا أن يكونَ كانَ حملٌ يومَ ماتَ الموصي.
ومنَ العتبية قال عيسى: عن ابن القاسم: [149/ب] فيمن أوصىَ لبني فُلانٍ فلم يُوجد لفلانٍ ولدٌ, فإنه يرجعُ ميراثاً.
[(2) فصل: فيمن أوصى لفقراء بني فلان فوجدوا أغنياء أو لمن قد مات] قال عنه أبو زيد: وإذا أوصى لفقراء بني عَمِّه فوُجدُوا أغنياء كُلُّهُم, فليوقف عليهم, فمن افتقرَ منهم دُفع إليه, وإن لم يفتقر منهم أحدٌ رجعت الوصيةُ ميراثاً لورثة الموصي.

الجزء: 19 - الصفحة: 925

ومنَ المدونة قال ابن القاسم: وإن قال: ثُلُثُ مالي لفلان وفلان, وأحدُهما غنيٌ والأخَرُ فقيرٌ, فالثلُث بينهما نصفين.
قال مالكٌ: فإن ماتَ بعد موت الموصى ورثَ نصيبَه ورثَتُه, وإن مات قَبلَهُ, فللباقي نصفُ الثلث ولا شيءَ لورثة الآخرَ, ويرجع نصيبُه إلى ورثة الموصي.
[(3)] فصل [في رد أخ الموصى لهم للوصية أو موته قبل موت الموصي أو بعده] ومنَ المدونة قال مالكُ: ومَن أوصى لثلاثة نفرٍ بعشرةٍ عشرةٍ, وثُلُثُه عشرةٌ, فردَّ أحدهم وصيته, فليحاص الورثةُ بوصية الذي رد أهلَ الوصايا فيأخذُونَ وصيتَه فيقتسمونَها مع ميراثهم, ويكون للباقين ثُلُثَا الثلُث.
قال غيره: إذا رد واحدٌ منهم رجَع ما كان للميت, فكان للورثة محاصةُ الباقينَ؛ لأن الورثةَ دخلوا مدخل الراد, وقد كان الراد لو لم يرد لحاصهم فلما رد دخل الورثةُ مدخلَه.
قال سحنون: وهذا قولُ الرواةِ, لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
م: يريد أنه رد الوصية بعد موت الموصى, فأما لو رد قبل موت الموصي لكانت مثل موت الموصَى له قبل موت الموصي, ويدخلُها اختلافُ قَولِ مالك, وكذلك في كتاب ابن الموز قال فيه: إذا أوصى لرَجُلينِ بعشرةٍ عشرة, وثلثه عشرةٌ, فرد أحدُهما في حياته, فإن علم بذلك, فللآخَرِ عشرةٌ كاملةٌ, وإن لم يعلم, فله خمسةٌ وتورَثُ خمسةَ.

الجزء: 19 - الصفحة: 926

قال أبو محمد: وهذه في المدونة: وقد اختَلَفَ فيها قولُ مالك, فشبه رده قبل موت الموصى بموته قبل موت الموصي فاعرفه, فإنها جيدةٌ.
قال مالكُ: وإذا مات الموصَى له بعد موت الموصي, فالوصية لورثة الموصَى له, علم بها أو لم يعلم, وإن مات قبل موت الموصي بطلت الوصيةُ, علم الموصي بموته أم لا.
قال مالكٌ: ويحاصُّ بها ورثةُ الموصي أهلَ الوصايا في ضيق الثُلُث, ثم تُورَثُ تلك الحصةُ, وقد قال أيضاً مالكٌ: إذا علم الموصى بموت الموصَى له بطَلَت الوصيةُ ولا يحاص بها أهلَ الوصايا.
قال سحنون: وعلى هذا القول الرواةُ.
وقال ابنُ نفع: لأنه إذا علم بموته, فكأنه أقَرَّ وصيتَه لمن بَقيَ من أهل الوصايا.
وقالهُ ابنُ المواز.
قال سحنون: وإنما يحاصُّ الورثةُ أهلَ الوصايا بوصية الموصَى له إذا مات قبل موت الموصي, والموصي لا يعلم؛ لأن الموصيَ مات والأمرُ عنده أن وصيتَه لمن أوصى له جائزة, فلما بطلت بموت الموصَى له رجع ما كان له إلى مال الميت وخل الورثة مدخله, فحاصوا أهل الوصايا بوصيته؛ لأنه هو كذلك كان يحاصُّهم بوصيته.

الجزء: 19 - الصفحة: 927

قال مالك: ومَن قال: ثُلثُ مالي فلانٍ وفلان, فمات أحدُهما بعد موت الموصي ورث نصيبه ورثته, فإن مات قبله, فللباقي نصفُ الثلُث, ولا شيء لورثة الآخَر, ويرجع نصيبه إلى ورثة الموصي.
وإن أوصى لفلان بعشرةٍ ولفلان بعشرةٍ, والثلثُ عشرةٌ, فمات أحدُهما قبل موت الموصي, فكان مالك يقول أول زمانه: إن علم الموصي بموته فالعشرةُ للباقي منهما؛ وكأنه أقَرَّ وصيتَهُ, وإن لم يعلم حاصَّ الورثةُ بها هذا الباقي, فيكونُ لهذا الباقي خمسةٌ وترجع الخمسة التي وقعت للميت لورثة الموصي.
قال سحنون: وهذه الروايةُ التي عليها الناسُ.
ثم قال مالكٌ: تكون العشرة للباقي, علم لموصى بموته أم لا.
ثم قال مالك في آخر زمانه: أرىَ أن يحاص بها الورثةُ الثانيَ, علم الموصي بموت الآخَر أم لا.
م: قد تقدم [150/أ] لابن نافع وسحنون وجهُ قول مالك وتفرقته بين العلم بموت الموصَى له أم لا, ووجهُ قولهِ إلاَّ حصاص للورثةِ, علم الموصي بموت الموصَى له أم لا؛ فلأن

الجزء: 19 - الصفحة: 928

الوصيةَ لما بطلت بموت الموصَى له فكأن لم يوصِ بها فوجب أن لا يحاصَّ بها, كما لو أوصى لرجل بعبد ولآخرينَ بوصايا, فماتَ العبدُ أن للموصَى لهم ثلثَ ما بقيَ ولا يحاصون بقيةَ العبد؛ لأنه لما مات بطلت الوصيةُ به؛ وكأن الموصى لم يوصِ إلا بما بقيَ منَ الوصايا فكذلك هذا.
ووجهُ قوله يحاصصُ الورثةُ في الوجهين؛ فلأن الموصىَ لما عال على ثُلُثه علم أن الخيارَ في إجازة الزائد للورثة وأنهم إن لم يُجيزُوا فإنما يحصل لهذا الباقي خَمسةٌ, فكأنه إنما أوصى له بخمسةٍ, وخمسة أخرى إن أجازها له الورثةُ, وكذلك إن أوصى للذي مات, فالذي قد بطلت وصيَتُه بموته قبل موت الموصي وبقيَ الأخَرُ على أصل ما أوصى له به إن أجاز له الورثةُ العشرةَ أخَذَها, وإلا أخذ خمسةً؛ ولأن الورثة يقولون له: إنما كان يصح له خمسةٌ لو لم يمت هذا, فليس موتُه يوجب لك شيئاً لم يكن لك قبل ذلك؛ ولأن بموت الموصَى له بطلت وصيتُه وصار ما كان للورثة فحلوا محله في أخذ الوصية وفي الحصاص بها كما لو مات بعد موت الموصى لَحَل ورثَتُهُ محله لانتقال الوصيةِ لهم, وبالله التوفيقُ.
قال ابن القاسم: وبهذا آخُذُ.
وقد ذكر ابنُ دينار أن قوله هذا الآخَر هو الذي يُعرف من قَوله قديماً.
قال ابن القاسم: وكذلك قولُه: ثلُثُ مالي لفلان, وثلُثَا مالي لفلانٍ فيموتُ أحدُهما على اختلاف القولِ في صاحبي العشرتين سواءً, فإن كان الميتُ

الجزء: 19 - الصفحة: 929

منهما صاحبَ الثلُث كان للباقي منهما ثلثا الثلث في قول مالك الآخر ويحاصه الورثة, علم الموصي بموت الآخر أو لم يعلم -قال ابن القاسم: وبه أقول- وفي قول مالك الأول يختلف -إن علم أو لم يعلم- بحال ما وصفنا, وفي قوله الأوسط يكون للباقي جميعُ الثلُث, فقس على هذا ما يَردُ عليك.

الجزء: 19 - الصفحة: 930

[الباب السادس] فيمَن أذن له ورثتُه في مَرَضه أو صحتُه أن يُوصيَ بأكثرَ من ثُلُثه, أو يوصي لبعض ورثته., والمديَانُ يجيز وصية أبيه.

[(1) فصل: فيمن أذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصى بأكثر من ثلثه أو يوصى لبعض ورثته فلما مات رجعوا المسألة الأولى: فيمن إذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصى بأكثر من ثلثه] قال مالكٌ: إذا أوصى المريضُ بأكثر من ثلثه فاستأذنَ ورثَتُه في مرضه في إجازة ذلك فأذنُوا له, ثم رجعوا بعد موته, فمَن كان عنه بائناً من ولدٍ أو أخ أو ابن عم وليس من في عياله, فليس لهم أن يرجعُوا, وأما امرأتُه وبناتُه اللاتي لم يَبن منه, وكل ابنٍ في عياله وإن كان قد احتلم, وعصبتُه الذين يحتاجون إليه ويخافون إن منعوه وصح أضر بهم في منع رفده, فلهؤلاء أن يرجعوا إذا رُئيَ أن إجازتهم ذلك خوفٌ مما وصفنا.
قال ابن القاسم: إلا أن يجيزوا وصيتَه بعد موته, فلا يكون لهم أن يرجعوا, ويجوزُ ذلك عليهم إذا كانت حالُهم مَرضيةً, ولا يجوز إذنُ البكر, ولا الابن السفيهِ وإن لم يرجعَا.
قال ابنُ كنانةَ في المجموعة: إلا المعنسةَ فيلزَمُها ذلك, فأما الزوجةُ تأذنُ له في مرضه فلها أن ترجع؛ إذ قد تخاف من وجده إن صَحَّ, وليس التي يسألها زوجُها في ذلك فتأذن كالتي تَبتَدئُهُ وتُمَكنُهُ.
فيَنظرُ في ذلك الإمام.
محمد قال أشهبُ: وليس كلُّ زوجة [150/ب] لها أن ترجع؛ رُبَّ زوجةٍ لا ترهب منعه ولا تهابه فهذه لا ترجعُ, وكذلك ابنٌ كبيرٌ غيرٌ سفيه وهو في

الجزء: 19 - الصفحة: 931

عيال أبيه فلا رجوعَ له.
إذا كان ممن لا يُخدع.
قال ابنُ القاسم: لمثل هؤلاء أن يرجعوا إذا كانوا في عياله.
ومن العتبية والمجموعة وهو في الموطأ قال مالكٌ: وإذا أذن الورثةُ للصحيح أن يُوصىَ بأكثرَ من ثُلُثه لم يلزمهم ذلك إذا مات؛ لأنهم أذُنوا له في وقتٍ لا منعَ لهم.
ومن العتبية قال مالكٌ: فيمن أذنَ له ورثتُه عند خرُوجه إلى غزوٍ أو سفر أن يُوصىَ بأكثرَ من ثُلُثه ففعل, ثم مات في سفره: أنَّ ذلك يلزمُهم كالمريض وقاله ابنُ القاسم.
قال أَصبَغُ: وقال لي ابنُ وهب: كنت أقول هذا ثم رجعتُ إلى ألا يلزمهم ذلك؛ لأنه صحيحٌ, وكذلك لو أذن له أحدُهم في هبة ميراثه؛ كالصحيح يأذنون له بالعول على ثُلُثه.
قال أصبَغُ: وهو الصوابُ.
وذكر في كتاب ابن المواز عن ابن الحكم عن مالك مثلُ رواية ابن القاسم.
وروى يحيى بنُ يحيى عن ابن القاسم فيمن أذنَ له ورثتُه في مرضه في الوصية بأكثرَ من ثُلُثه, ثم يصحُّ وأقر وصيتَهُ, ثم مرض فمات, فلا يلزمهم ذلك الإذنُ؛ لأنه صح فاستغنى عن إذنهم, فلا يلزمُهُم حتى يأذنوا في المرض الثاني.
وكذلك ذكر عنه في المجموعة.

الجزء: 19 - الصفحة: 932

وقال ابنُ كنانةَ: ولكن يحلفون ما سكتوا عن تغيير ذلك رضاً به.
ومن كتاب ابن حبيبٍ: ومَن أوصى في مرضه بمئة دينارٍ لرجل وبوصايا وعال على الثلُث فأجاز له الورثة الوصيةَ بالمئة, ثم مات.
قال مطرف عن مالكٍ: ويحاص صاحبُ المئة أهلَ الوصايا فما انتقصَ, فعلى الورثة تمامُه.
قال أبو محمد: يريد مما ورثوا, لا من أموالهم.
قال مطرف: ولو أوصى له بمئةٍ وهيَ أكثرُ من ثُلُثه وأجازوا له ذلك, ثم أوصى لغيره بوصايا بعد ذلك, فليحاصهم الموصىَ له بالمئة, ثم يُنظر, فإن علم الورثةُ بما أوصى به لغيره فَرَضُوا أو سكَتُوا حتى مات فليرجع علهم بما انتقصَ منَ المئة, وإن لم يعلموا أو علمُوا, فقالوا: لا نُجيزٌ للذي جَوزنَا أولاً إلا ما زادت وصيتُه على الثلُث أولاً, فذلك لهم ولا يرجعُ عليهم إلا بما تنقصُه المئةُ منَ الثلُث قبل أن يوصىَ بما أوصى بعد ذلك.
وقالهُ ابنُ الماجشونَ.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وابن وهب عن مالك: وإذا استوهب المريضُ وارثه ميراثَه ففعل, ثم لم يقبض فيه شيئاً, فإنه يُردُّ إلى واهبه.
وقال عنه ابنُ وهبٍ: إلا أن يكون سَمَّى له من يَهَبُه له من ورثته فذلك ماضٍ, ولو وهب له ميراثَه فأنفذ بعضَه, فما بقيَ يُرد إلى مُعطيه ويَمضي ما أنفذ.
[المسألة الثانية: فيمن أذن له ورثته في مرضه أو في صحته بأن يوصي لبعض ورثته] ومن كتاب محمد قال مالكٌ: في امرأة تصدقت في مرضها على ابن ابنها بسُدسُ دارٍ لا تملك غيره, فأشهد ابنٌ لها ثانٍ أنه إنما سَكَتَ كراهيةَ سُخطها, ثم

الجزء: 19 - الصفحة: 933

حاز ابنُ الابن وقاسم عمَّه, وجاز له عنده فضلٌ فأخذَه منه, ثم لم تزل الأم في الدار حتى ماتت قال: يمضي ذلك ولا ينفع الابنَ ما أشهد؛ قد قاسمه ابن الابن وحاز وأخذ فضلاً, فلا رد لذلك.
وقاله ابنُ القاسم.
وقال أشهبُ: إذا أشهد ابُنها كراهيةَ سُخطها فذلك ينفعُه, ولا يضرُه ما قاسَمَ.
وقاله لي عنهما ابنُ عبد الحكم.
ومنَ العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: في مريض أوصى بجميع ماله, وليس له وارثٌ إلا ابنٌ مريضٌ, فأجاز صنيعَ الأب, وقال الابنُ: ثُلثُ مالي صدقةٌ على فلان, فمات الأبُ ثم مات الابنُ وترك الأبُ ثلاثمئة دينارٍ ولا مالَ لَهُ غيرُ ذلك, قال: فللذي أوصى له الأبُ مئةُ دينارٍ, ثم يتحاصُّ هو والذي أوصى له الابنُ, يضرب هذا بالمئتين التي أجازها له الابنُ, ومَن أوصى له الابنُ بثُلُث المئتين.
قال عيسى: إنما هذا إذا أجاز الابنُ في الصحة, ثم مرض فأوصى بثُلُث ماله, فليس ذلك المالُ له بمالٍ إذا قَبَضَه المتصدقُ به عليه قبل موت هذا ومرضه, وإن لم يقبضهُ حتى مرض الابنُ فلا شيءَ له, لأنه صدَقَةٌ لم تُجَز.
قال أبو محمد: يريد تبطُلُ إجازةُ الابن لما أجاز, ويَجُوزُ من وصيةِ الأب الثلُثُ.

الجزء: 19 - الصفحة: 934

[(2) فصل: في إجازة المديان وصية مورثة] منَ المدونة قال ابن القاسم: ومَن أوصى بجميع ماله وليس له إلا وارثٌ واحد مجديانٌ, فأجاز ذلك, فلغرمائه رد الثلثين وأخذه في دَينهم.
قال أشهبُ في المجموعة: لأنه وهب الثلثين للموصَى له, وهي جائزةٌ أبداً حتى يردُّها الغرماءُ, فإن علَموُا فلم يردُّوا فلا رد لهم بعد ذلك.
محمد: وقاله ابنُ القسم وأشهبُ.
محمد: وإن كان منهم مَن يَجهل أن له ردُّ ذلك, فله الردُّ إذا حَلَفَ مع معرفة الناس أن مثلَه يجهل ذلك.
ومنَ المجموعة قال ابنُ وهب عن مالكٍ: وكذلك لو أذنَ له الولدُ المديانُ في مرضه, كان للغرماء ردُّ الثلثين.
[(3)] فصل [في إقرار الولد المديان أن أباه أوصى بثلثه لفلان] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أقر الولدُ أنَّ أباه أوصى لرجل بثُلُث ماله, وعلى الولد دينٌ يغترق موروثَه, وأنكر غرماؤه الوصية, فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز إقراره, وإن أقر بعد ما قاموه عليه لم يَجُز, وكذلك إن أقر الولدُ بدينٍ على أبيه, أو بوديعة عند أبيه وقد مات أبوه, فإقرار الولد بذلك بعد قيام غرماء الولد عليه لا يُقبلُ إلا ببينةٍ, وإقراره قبل أن يُقام عليه جائزٌ, فإن كان المقَرُّ له حاضراً حلف معه واستَحق كقول مالك: فيمن شهد أن هذا الذي في يديه تصدق به فلان على فلان, وتركه له في يديه

الجزء: 19 - الصفحة: 935

وأنكر الذي هو له, فإن حضر المشهودُ له كان ذلك له مع يمينه, وإن كان غائباً لم يُقبل قوله؛ لأنه يُتهم أن يكون إنما أقر ليبقى ذلك الشيءُ بيده.
محمد: وقال أشهبُ: إذا أقر الوارث المديانُ -يريد: قبل قيام الغرماء عليه- أنَّ أباه أوصَى لرجلٍ بالثلُث أو بعتق ولا بيَنَةَ فيه لم يَجُز إقراره ولا شهادتُه, ولا إقرارهُ بعتقٍ في صحةٍ إذا لم يُصَدِّقهُ غرماؤُه, وأما إقراره على أبيه بدينٍ فيلزَمُهُ, بخلاف إقراره عليه بصدقةٍ أو عتق, كما لو فعل ذلك هو في مال نفسه.
قال ابن القاسم: ذلك كلُّه جائز, أقَرَّ على أبيه بدينٍ أو بوصيةٍ أو بعتق وإن أحاط الدينُ بماله, إذا أقر قبل قيام الغرماء عليه؛ كإقراره على نفسه بدين.
محمد: وهذا أصوبُ؛ لأن أشهبَ يقول: لو أجاز وصية أبيه بأكثر من ثُلُثه, فلم يقبضه الموصَى له حتى مات الابنُ إن ذلك جائز من ثُلُثِ الأب ولم يَجعَلهُ كصدقته من مال نفسه.
م: وهذا خلافُ ما تقدم لعيسى, وقولُ عيسى: أبينُ؛ لأنها هبةٌ لم تُقبض قال أشهبُ: وإذا أقر بوديعةٍ عند أبيه, فذلك لازمٌ, كإقراره بدين على أبيه.
قال أشهبُ: ولو أقر ولا دين عليه أن أباه أوصى بأكثر من ثُلُثه, وأنه أجاز ذلك أشهدَ به, ثم مات الابنُ بعد أن تَدَايَنَ ولم يكن قبض الموصَى له وصيتَهُ, فليُبدأ بوصية أبيه إذا عرف مالُ أبيه؛ لأنه حق قد تم للموصَى له في

الجزء: 19 - الصفحة: 936

وقت يجوزُ فيه قولُ الابن, فإن لم يوجَد للأب شيءٌ من ماله وعلى الأب دَينٌ, فإن الموصَى لهم يحاصون غرماءَ الابن في مال الابن, وإن وجدوا من مال الأب شيئاً أخذَه الموصَى له خاصة, فما عجز عليه حاص به غرماء الابن؛ لأن الوصية صارت [151/ب] على الابن دَيناً حين استهلك التركةَ قبل إنفاذهَا.
قال محمد: أما فيما بلغ ثُلُثَ الأب فهو كذلك, وأما فيما جاوزَه, فإن كان مال الأب بيد الابن حتى مات, بطلَ ما زاد على الثُلث مما أجاز الابنُ, وإن كان ذلك بيد غيره نفذ ذلك للموصَى له.
[المسألة الأولى: فيمَن هلك وترك ولدين وألفَي درهم, فأقر أحدُهما لرجل أن له على الأب ألفَ درهم] ومن المدونة: قال مالكٌ: ومَن هلك وترك ولدين وألفَي درهمٍ, فأقر أحدُهما لرجل أن له على الأب ألفَ درهمٍ.
فإن كان عدلاً حلف وأخذَها من جَميعِ التركةِ, وإن نكل أو لم يكن عدلاً, فليأخذ منَ المقر خمسمئةٍ ويحلف له المُنكر, فإن نكل غرم له خمسمئةٍ.
وقاله مالكٌ وابن القاسم, وهذا في المدونة.
محمد: وقال أشهبُ: له أن يأخذُ الألفَ كُلها من نصيب المقر.
قال:

الجزء: 19 - الصفحة: 937

لأنه لا ميراثَ لوارث يزعم أن على الميت دَيناً.
قال: وهو بخلاف إقراره بالوصيةِ؛ لأن الموصَى له شريكٌ في المال, وأما الدينُ فلا ميراثَ إلا بعد قضائه.
قال محمد: وقولُ مالك وابن القاسم أولى, وقد قالا: لو شهدَ بالألفِ الدين عدلان بعد أن اقتسما فأعدم أحدُهما, فليأخذ الألفَ كلها من الآخَر ويرجع على أخيه فيتبعهُ بنصفها, وخالفا بين البينة والإقرار؛ لأن البينة أثبتت الألفَ على الميت فَتُؤخَذُ من ماله حيث وُجد ويصير للأخ العهدةُ على أخيه, وأما بإقرار الأخ, فلم يثبُتِ الدينُ على الميت ولا يُوجبُ له بالعدم عُهدَةً على أخيه, فصار إقرار الوارث على نفسه أن عنده زيادةٌ على حقه, ولم يَجب عليه أن يَغرَمَ عن أخيه ما لا يَرجعُ به عَلَيه.
قال: ولو أقر هذا لرجلٍ بألفٍ, وأخوه لرجل آخرَ بألفٍ على أبيهما وكل واحد ينكر قول أخيه, فإن كانَا عدلين قُضيَ لكل طالب بشهادة مع يمينه, فإن حلف واحدٌ أخذَ الألفَ منَ الأخوين, ثم يرجع الناكلُ على مَن أقر له بخمسمئة, ويحلف له الأخُ الآخرُ أنه ما يعلم ما شهد به أخوه ويبرأ, فإن نكل غرم له خمسمئة, وإن لم يكونا عدَلين كان ما قلناه من اختلاف قول ابن القاسم وأشهبَ كذلك في نكول مَن نكل مع العدل.
قال: ولو أقر كُلُّ واحدٍ لرجل بوصية الثلُث -أقر كلُّ واحد لغير الذي أقر له أخوه- فلم يختلفا في هذا إن كانا عدلين وإن كان أحدُهما عدلاً, فليحلف كلُّ طالبٍ ويأخذ ذلك من الولدين,

الجزء: 19 - الصفحة: 938

فإن نكل واحدٌ, فالثُلثُ لمن حلف ولا شيء للذي أبَى اليمينَ على الذي شهد له؛ لأنه لم يبقَ بيده منَ الثلُث شيءٌ, بخلاف الدين؛ لأن الدينَ من رأس المال والوصيةُ من الثلث ولم يبقَ من الثلُث شيءٌ بيده, وإن نكلاَ أو كان الولدان غيرَ عدلين أدَّى كلُّ واحدٍ إلى الذي أقر له ثُلثَ مت في يده, ولو رجعا بعد الحكم وأقرا بأن الذي شهد به صاحبهُ حَق بعد أن أخَذَ كل واحد ما أقر به صاحبُه, فإن كل واحد منهما ضامنٌ للذي أنكر وصيته ثلثَ ما في يديه؛ لأنه أقر أنه استهلك ذلك عليه.
قال: وإذا اقتسم الوارثان ثم غاب أحدُهما, أو أعدم ثم قامت بيّنةٌ بوصية الثلث لرجلٍ, أو أقر له الحاضرُ, فإنما يأخذ ثلُثَ ما بيده ويَتبَعُ الآخَرَ بمثله, ولو ترك مئة حاضرةً مئةً على أحد الولدين -يريد: محمد: وهو عديم أو غائبٌ- وأثبت رجلٌ الوصيةَ له بالثلُث, فإن المئة الحاضرةَ بين الموصَى له والولد الآخَر نصفان؛ لأن لكل ولحدٍ منهما ثُلُثَهَا, وثُلُثُها للذي عليه الدينُ, فيُؤخَذُ منه, فيكون بين هذين؛ لأن حقَّهُمَا في مال الميت سواءٌ, ولو أقرَّ الولدُ الحاضرُ للموصىَ له وكان عدلاً وحلف معه كان كما ذكرنا, وإن نكل أو لم يكن عَدلاً, لم يكن له مع المقر في المئة إلا ثُلُثُهَا.
ولو قامت له بيَّنةٌ أنه أوصى له بمئةٍ لا بالثلُث, والمالُ كما ذكرنا, فالجوابُ واحدٌ؛ لأنه يرجع إلى الثلُث [152/أ] ,

الجزء: 19 - الصفحة: 939

ولو أوصى له بأقل منَ الثلُث, مثل أن يُوصىَ له بمئة ويترك مئةً حاضرةً وأربعمئةٍ على أحد الولدين, فليخَير الورثةُ بين أن يُعطُوه المئةَ الحاضرةَ أو يقطعوا له بثلُث الحاضر وثلث الدين, فيكون حينئذٍ كموصى له بالثلث, فيقسم المئة الحاضرة بينهما نصفين؛ لأن حظهما في المال سواءٌ؛ لأن سهامَ الفريضة سهمان, فزد عليهما نصفَهُمَا لصاحب الثلث فصارت ثلاثةً, فأسقط سهم المديان فبقيَ لهذين سهمان: لكل واحد سهم, ولو ترك ثلاثةَ بنينَ, وثلاثمئةٍ, منها مئةٌ على أحد الولَدَين دَينَاً, ومئتان حاضرةٌ, وقد أوصى بالثلُث, فالفريضة من ثلاثة: زد عليها مثلَ نصفها تكون أربعةً ونصفاً, فأضعفها -لذكر النصف- تكون تسعةً, الثلثُ ثلاثةٌ, ولكل ولد سهمان, فأسقط سهم الولد المديان تبقى سبعةٌ, فللموصَى له ثلاثةُ أسباع المئتين الحاضرة, ولكل واحدٍ من الولدين سُبُعَا المائتين.
ولو ترك ولداً واحداً فأقر أن هذه وديعةٌ لفلان عند أبيه, ثم قال: ولفلان معه, فإن كان قولاً متصلاً فهي بينهما, وإن لم يكن متصلاً: فإن كان عدلاً, حلف الآخَرُ وكانت بينهما, فإن لم يحلف أو كان غيرَ عدلٍ, فهي للأول مع يمينه, ولم يضمن المقرُّ للآخرَ شيئاً؛ لأنه لم يدفع إلى الأول شيئاً بَعدُ, ولكن لو دفعها, ثم أقر بعد ذلك أنها لفلان معه, فإنه يضمن للآخَرِ ما أقرَّ أنه له فيها, كانَ عدلاً أو غيرَ عَدلٍ.
ولو شهد شاهدان منَ الورثة أنَّ أباهما أوصى لفلان بالثلُث ودفعا ذلك إليه ثم شهدَا أنه إنما كان أوصى به لآخَرَ وأنهما أخطأ فلا يُصَدقَانِ على الأول, وإن كانا عدلين للضمان الذي دخل عليهما, ويَضمَنَانِ للآخَرِ الثلُث ولو لم

الجزء: 19 - الصفحة: 940

يكونا دَفَعا, أجَزتُ شهادتَهما للآخَر وأبطلتُها للأول.
وإذا أقر الوارثُ بدين على الميت يغترق التركةَ, ثم أقر لآخَرَ بمثله, فإن لم يكن عدلاً بُدئ بالأول؛ إذ لا يقدَرُ على الرجوع عنه, فكذلك لا يَدخُلُ عليه مَا يَنقُصُه, ولو كان عدلاً وجاء بعُذرٍ بيّن قُبلَ قولُه, وحَلَف الآخَرُ مع شهادته, فإن لم يحلف كان كما قُلنا إن لم يكن عدلاً -قال محمد: ويحلف الأول على علمه إذا نكل الآخَرُ- ولو أقر الوارثُ أولاً بوصيةٍ تُخرج من الثلُث أو بعتقٍ, ثم أقر بدين -يريد: يغترق التركةَ- فإن كان عدلاً جازت شهادتُه ما لم يكن نفذ الحكم بإقراره الأول, أو كان دَفَعه هو, فلا يُرَدُّ, ويلزمُه الدين فيما ورث وإن أحاط الدينُ بجميع ميراثه, وإن لم تنفذ الوصية فلا تباعةَ عليه, ويحلف المقرَّ له بالدين ويثبت دينُه وتسقط الوصيةُ, فإن لم يكن عدلاً أو نكل الطالب لم يُرد عتقٌ ولا وصيةٌ, ثم يأخذ الطالبُ دينه مما ورث هذا, فإن بقيَ له شيءٌ من دَينه لم يَتبع به الوارثَ ما لم يكن هو الذي أنفذ الوصيةَ فيُتبَع بما أنفذ من عتق أو وصيةٍ.
وإذا قال: أوصى أبي بالثلث, ولفلان بدين.
كلاماً متصلاً, فالدينُ أولَى, وتبطل الوصية إن أغترق الدين المالَ, وكذلك لو أقر بتدبير في الصحة؛ لأنه قولٌ متصلٌ, إن بدا بالوصية ثم قطع ثم أقر بالدين, فإن كان عدلاً حلف طالبُ الدين وكان له, وتَبطَلَ الوصيةُ, إلا أن يَفضُلَ عن الدين شيءٌ فيكون للآخَر ثُلُثُه, فإن لم يحلف أو كان الولدُ غيرَ عدلٍ, فللموصَى له جميعُ الثلُث, وما بقيَ للدين,

الجزء: 19 - الصفحة: 941

فإن لم يَف ما بقيَ بالدين لم يضمن الوارثُ شيئاً [152/ب] ولو لم يقرَّ بالدين حتى دُفعَ الثلثُ إلى الموصَى له ضمن ذلك لطالب الدين وإن لم يف الباقي بعد الوصية بالدين, ولا تبَاعة لواحدٍ منهما على الموصَى له.
ولو أقر فقال: أوصى أبي لفلان بالثلُث, وأعتق هذا العبد وهو الثلثُ, فإن كان كلامًا متصلًا فالعتق أولى وإن لم يكن الولدُ عَدلاً, وإن كان في كلام غيرٍ مُتصل بُدئَ فيه بالوصية فهو مبدأٌ, ثم يعتق العبدُ كلُّه على الوارث.
محمد: سواءٌ كان عدلاً أو غيرَ عَدلٍ إن كان لعبدُ يحملهُ الثلثُ, وليس إقرارُه بالعتق يردُّ ما ذكر منَ الوصية, بخلاف الدين الذي يحلفُ معه طالبهُ ويُستَحقُّ.
ولو كان وارثين فأقرا هكذا لكان مثلَ الدين تَبطُلُ به الوصيةُ, ولو ترك وارثاً واحداً وترك ثلاثةَ أعبُدٍ قيمتُهُم سَوَاءٌ لم يَدَع غيرهم, فقال: أعتَقَ أبي هذا العبدَ وشهد عدلان أنه أعتقَ عبداً غيرَه, فإن كذَّبَهُمَا الوارثُ وقال: لم يعتق أبي إلا هذا, أعتقتُ العبدين جميعاً, وإن لم يكذبهُمَا أعتقتُ الذي أثبَته الشاهدان كُلَّهُ؛ لأنه الثلُث, وأعتقتُ نصفَ الذي شهد له الوارثُ؛ لأنه حينَ لم يكذبهما فكأن أبَاهُ أوصى بعتقهما, فالثلُث بينهما, وإذا أَكذَبَهُما فقد أَقَرَّ أنَّ الحريةَ لهذا وحده, فلا يملك مَن أقر بحريته.
م: وفيها قولُ آخَر لأشهبَ تَرَكتُهُ.
[المسألة الثانية: إن شهد أجنبيان أنه أوصى لهذا بالثلث وشهدَ وارثان أنه أعتقَ عبدَه في مرضيه, وهو قدرُ الثلث] قال: وإن شهد أجنبيان أنه أوصى لهذا بالثلُث وشهدَ وارثان أنه أعتقَ عبدَه

الجزء: 19 - الصفحة: 942

في مرضه, وهو قدرُ الثلُث, فالشهادتان جائزةٌ, ويبدأ بالعتق في عدالة الوارثين ما لم يُتهَما على جَر الولاء في عبد يرغب في ولاية؛ فتبطُلُ شهادتُهما, ويصير الثُلث كلُّلُ للموصىَ له به من هذا العبد ومن غيره.
قال محمد: ويَعتقُ أيضاً العبدُ في قول ابن القاسم إذا كان يخرج منَ الثلُث لو لم تنفُذ الوصيةُ إن لم يكن مع المقرِّين ورثةٌ سواهُما؛ لأنهما مُقرَّان بأنه حُرٌ مُبُدأٌ, وإن كان معهما ورثةٌ لم يعتق عليهما بقضَاءٍ وإن ثَبَتَا على إقرارهما, إلا أن يَملكاهُ أو يملكهُ أحدُهُما, وإلا أُمرَا أن يجعلا ما يصيرُ من ثَمنَه في عتقٍ بغير قضية, وكذلك في خدمته يُؤمَرُ أن يترك خدمته في يومهما, وهذا قَولُ مالك وأصحابه في الوارث يُقرُّ بأن أباه أعتَق هذا العبدَ ومعه ورثةٌ سوَاه؛ لأنه لا يُقوم عليه إذ على الميت يعتق, فلا يجوزُ عتقُ عبد بلا تَقويمٍ, وإن شهد وارثان أن الميتَ أوصى لفلان بالثلُث وأنه رجع فأوصى به لفلانٍ وهما يُتَّهَمَان في الثاني, فإن لم يكن معهما وارثٌ غيرهُما جازت شهادتُهما للثاني إن كان قولاً متصلاً, وإن كان معهما ورثة لم تَجُز شهادتُهما إلا فيما يصيرُ لهما من ذلك إن أقاما على شهادتهما, وإن شهد الوارثُ لرجلٍ بوصيةٍ ألف درهم بعينها وهي الثلُث, ثم أقر لآخَرَ بعد ذلك بالثلُث -محمد: يريد: لمن يُتهَم عليه- فإنه يُقضى للأول بالألف, ولا شيءَ للثاني, والوصيةُ بعينها والثلُث في ذلك سواء.
[153/أ]

الجزء: 19 - الصفحة: 943

م: لأنه لم يكن كلاماً متصلاً, وإنما أقرَّ للثاني بعد أن ثَبَتتِ الوصيةُ للأول, والثاني ممن يُتهمُ فيه, فاتهم في نقل الوصية إليه, فلم تَجُز شهادتهُ له, وفي المسألة الأولى كانت شهادتُهما كلاماً متصلاً, وإنه رجع عن الأول, فلا ينبغي أن يسقط بعضُ الكلام ويُجَازَ بعضُه.

الجزء: 19 - الصفحة: 944

الباب السابع: في مسائل متفرقة من كتاب الأقضية لابن سحنون

[المسألة الأولى: لو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتق عبده سالم, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى بعتق عبده صالح] ومن الأقضَية لابن سحنون قال أشهبُ: ولو شهد أجنبيان أنه أوصى بعتقِ عبده سالمٍ, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى بعتق عبده صالح, فإن استوت قيمتُهما جازت شهادتُهما وأعتق صالحٌ وحدَه, إلا أن يُتهَما في ولاءِ صالحٍ واسترقاق سالمٍ.
[المسألة الثانية: لو شهد أجنبيان أنه أوصى لزيدٍ بعبده ميمون, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى لعمرو بمرزوق] ولو شهد أجنبيان أنه أوصى لزيدٍ بعبده ميمون, وشهد وارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى لعمروٍ بمرزوق, وهو ممن لا يتهمان عليه, فإن تساوت قيمةُ العبدين أو كان مرزوق أرفعَ, فالشهادة جائزةٌ, وإن زادت قيمةُ ميمون زيادة يتهمان فيها لم تَجُز الشهادة وجازت شهادةُ الأجنبيين.
[المسألة الثالثة: لو شهد الأجنبيان أنه أوصى بالثلث لزيدٍ وشهد الوارثان أنه رجع عن ذلك وأوصى به لعمرو] ولو شهد الأجنبيان أنه أوصى بالثلُث لزيدٍ وشهد الوارثَان أنه رجع عن ذلك وأوصى به لعمرو, أو أنه أشرَكه معه فيه لجازت شهادتُهما, إلا أن يُتَّهَما في الذي شهدا له, فتبطُلُ شهادتُهما, ثم لا طلبَ للذي شهدا عليهما فيما في أيديهما, ولو لم يشهد الأجنبيان, وإنما شهد الوارثَان أنه أوصى بالثلُث لزَيدٍ, ثم رجع فأوصىَ به لعمروٍ وهما يُتهمان في عَمروٍ, فإن لم يكن معهُما ورثةٌ فيرهُما جاز ما شهدا به لعمروٍ, وإن كان معهما ورثةٌ لم تَجُز شهادتُهما إلا فيما يصيرُ لهما.
وقد

الجزء: 19 - الصفحة: 945

تقدمت لابن القاسم: [المسألة الرابعة: إذا شهد رجلان أنه أعتق عبديه هذين في مرضه وقيمتُهما سواءً أو مختلفة, ولم يدع غيرَهما] وإذا شهد رجلاَن أنه أعتق عبديه هذين في مرضه وقيمتُهما سواءٌ أو مختلفةٌ, ولم يدع غيرُهم, فلَيعتق من كل واحد منهما ثُلُثُه, وفيها قولٌ آخَرُ, وهو قول مالك: أن يسهم بينهما, فمن وقع له السهم عَتَق منه مبلغ ثُلُثهما جميعاً إن كان ذلك فيه, وإن كَمُلَ عتقُه وبقيَ منَ الثلُث شيء كان في لآخَر, وأما لو أوصى بكل عبدٍ لرجلٍ لكان لكل واحدٍ ثُلثُ ذلك العبد, بخلاف العتق عند الموت؛ لأنه خصتهُ السنةُ بالسَّهمِ.
[المسألة الخامسة: إذا شهد رجلان أن رجلا قال: إن قتلتُ فعبدي فلان حرٌ, ثم شهدا هما أو غيرُهما أنه قُتل, وشهد غيرُهما أنه مات] قال أشهبُ: وإذا شهد رجلان أن رجلاً قال: إن قُتلتُ فعبدي فلانٌ حرٌ, ثم شهدا هما أو غيرُهما أنه قُتل, وشهد غيرُهما أنه مات موتاً, قال: يُنظَرُ إلى أعدَلِ البينتين فيُقضَى بها.
وقال سحنون: بل يُؤخَذُ ببينةِ القتل.
قال أشهبُ: وكذلك لو شهدا أنه أعتقه إن ما من مرضه هذا, أو إن قَدِمَ من سفره هذا, وأنه مات في ذلك المرض أو السفر, وشهد آخرَان أنه أفاق من ذلك المرض أو قدم من ذلك السفر, فليُؤخذ بأعدَلهما.
م: هذا إن شهدت البينةُ التي قالت: إنهُ مات في ذلك المرض أو السفر أنها

الجزء: 19 - الصفحة: 946

لم تفارقه في سفره ذلك أو في مرضه ذلك حتى مات, فيكونُ حينئذٍ [153/ب] تناقضاً, وإلا فالشهادةُ شهادةُ مَن قال: إنه قَدمَ من ذلك السفر وبرئ من ذلك المرض؛ إذ قد يقدم, ثم يعودُ مسافراً ثم يموتُ, وإذا قد يبرأ ثم يَمرَضُ فيموتُ ولا علمَ للآخرينَ بقدومه ولا بُرئه.
قال أشهبُ: ولو شهدا أنه أعتقه إن قُتل قتلاً وأنه ماتَ مَوتاً, وشهد آخرَان أنه قُتل قتلاً ولم يشهد على عتقه فلا عتقَ له؛ لأن شاهديه بالعتق أبطلاه عنه برفع القتل؛ كمن شهد أن فلاناً أسلف فُلاناً ألفَ درهمَ ثم قَبَضَها منه.
وإن شهد رجلان أنه قال: إن مت في سفري هذا فمتُّ في أهلي فميمون حُرٌّ, فإنه حُرٌ في ثُلُثه بكل حال, ولو كان في ذلك موضعٌ للنظر بأي الشاهدين يُعتقُ؟ لعتقُ بأعدَلهما.
وإن شهدا أنه قال: إن مت في جُمادى الآخرة ففلان حرٌ, وإن مت في رجب ففلان حُرٌ, فشهد رجلان أنه مات في جُمادى الآخرة, وشهدَ آخران أنه مات في رجب, فليُقضَ بأعدل البينتين.
[المسألة السادسة: وإن شهدا أنه قال: إن متُ من مرضي هذا فعبدي حرٌ قالا: ولا ندري هل مات من مرضه ذلك؟ وقال العبدُ: منه مات] وإن شهدا أنه قال: إن مت من مرضي هذا فعبدي حرٌ قالا: ولا ندري هل مات من مرضه ذلك؟ وقال العبدُ: منه مات, وكذَّبهُ الورثةُ, فالقولُ قولُ الورثة مع أيمانهم؛ لأن العبدَ مُدعٍ لما يزيل ما ثَبَتَ من رقه ولو أقام بقله بينّةً, والورثةُ بقولهم بيّنةً قَضَيتُ بأعدَلهما؛ لأنهما قد تَكَاذَبَا.
[المسألة السابعة: إن قال: إن مت من مرضي هذا ففلانٌ حرٌ, وإن بَرئتُ منه ففلان الآخرُ حُرٌ] وإن قال: إن متُّ من مرضي هذا ففلانٌ حرٌ, وإن بَرِئتُ منه ففلان الآخَرُ حُرٌّ,

الجزء: 19 - الصفحة: 947

فادعَى كلُّ عبد ما يُوجبُ عتقَه, وقال الورثة: قد برئ منه, فالقولُ قولُهم مع أيمانهم, ولا يَعتق إلا مَن صدقُوه, فإن أقام مَن كذَّبوه بيَّنةً ولم يُقمهَا الذينَ صدقُوهُ قُضيَ بالبينة, ثم سُئلَ الورثةُ, فإن ثَبَتُوا على قولهم وكان العبدُ الذي صدَّقوُه يخرج من ثُلُث جميع التركة عَتق عليهم, إلا أن يكونَ لم يُقر بذلك إلا بَعضُهُم فليُبَع عليهم, ويُؤمَرُ مَن أقرَّ أن يجعل حصته من ثَمَنه في عتقٍ, ولَو اشتَراه أحَدٌ منَ المقربينَ وأقام على قوله عَتق عليه, وإن أقام مَن صَدقَه الوراثةُ بيَّنةٌ أنه برئ, قُضيَ بأعدَل البينتين, فإن كانت بيَّنةُ مَن كذَّبوه أعدلَ البينتين عَتق ذلك بالبينة, والآخرُ بإقرار الورثة له, وإن كانت بينةُ مَن صدَّقوه أعدلَ, عَتَق وزال عتقُ الآخَر.
وقولُ ابن القاسم: أنه يعتق على مَن ملكه منَ الورثة المقرِّينَ, أقاموا على إقرارهم أو رَجَعُوا, وكذلك إن اختلَفَا في البَيِّنَةِ.

الجزء: 19 - الصفحة: 948

[الـ] بابُ [الثامن]: في البينة تشهَدُ بعتق عبدٍ فرُدَّت شهادتُهما ثم اشتراه أحدُهما.

قال المغيرةُ: مَن شهد أن فلاناً أعتَقَ عبدَه, ثم دار إلى ملك الشاهد بعد ذلك بابتياعه, فإن كان الإمَامُ رَدَّ شهادتَه لشيءٍ كَرِهَهُ منَ الشاهد, سُئل الآن, فإن أقام عليها, عَتق عليه, وإن رجع لم يَعتق, فإن لم يَرُدهُ الإمامُ [154/أ] إلا لانفراده, فالعبدُ حر عليه, والولَاءُ للمشهُودِ عَلَيه.
وقال سحنون: في الذي شهدت عليه بينةٌ أنه قال: إن متُّ من مرضي هذا فعبدي ميمونٌ حُرٌّ, وأنه ماتَ منه, وشهد آخَرَان أنه قال: إن فُقتُ منه, فعبدي مرزوق حرٌ, وأنه أفَاقَ منه, ثم مَاتَ, فإن كان البينتَان عدلتين أو في العدالة سَوَاء, فيُقضَى لميمون ويسقُطُ مرزوق.
وروى أبو زيدٍ عن ابن القاسم في العتبية: أنه يَعتقُ نصفُ ميَمون ونصفُ مَرزُوق.
ثم كتابُ الوصايا الثالث بحمد الله وعونه, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آلهِ وصحبه وسلمَ تسليماً.

الجزء: 19 - الصفحة: 949

خاتمة

الجزء: 19 - الصفحة: 950

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, أحمده سبحانه على ما أتم لي من نعمة إنجاز هذه الرسالة وإعداد هذا البحث, وعلى ما يسر وذلل من صعاب, تفضلاً وتكرمًا منه سبحانه, والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه ومن والاه, وبعد: فلعل من تمام ما قمت به من عمل في هذا البحث أن أسطر ما توصلت إليه من نتائج وتوصيات أرى أن يوجه الاهتمام إليه.
أهم النتائج التي توصلت إليها: (1) أن تهذيب الإمام ابن يونس واختصاره للمدونة يعد أدق من تهذيب البرادعي الذي ذاع صيته في الآفاق حتى أنه كان يدعى بالمدونة.
(2) أن كتاب الجامع للإمام ابن يونس قد جمع بين دفتيه الإمام مالك وتخريجات كبار أصحابه من أقواله واجتهاداتهم الخاصة, فكتاب الجامع مصدر أصيل من مصادر الفقه المالكي.
(3) دقة الإمام ابن يونس في النقل واقتصاره على ما روي من الأقوال.
(4) أن الإمام ابن يونس رحمه الله نفذ ما أوصى به ابن أبي زيد من الجمع بين المدونة وبين نوادره وزيادته على المدونة فأصبح يستغنى بالجامع عنهما.
(5) أن كتاب الجامع للإمام ابن يونس رحمه الله تضمن مع المدونة والنوادر تعليقات أبي إسحاق التونسي على المدونة, والنكت والفروق لعبد الحق الصقلي.
(6) أن كتاب الجامع من الكتب التي اعتنت بذكر الخلاف داخل المذهب وخارجه مع الاستدلال.
(7) أن الإمام ابن يونس كان له الأثر الكبير على من جاء بعده من علماء المذهب.
التوصيات: من التوصيات الملحة: (1) استخراج المدونة من وسط الجامع وطبعها بمفردها, فقد هذبها الإمام ابن يونس رحمه الله أحسن تهذيب وأكمله.
(2) طبع كتاب الجامع للإمام ابن يونس رحمه بعد اكتمال تحقيقه ليتسنى للأمة الاستفادة منه.
وبعد: فإن هذا ما وفقني الله له من العمل فما أصبت فمن الله وما أخطأت فمني ومن الشيطان, واستغفر الله العظيم الكريم التواب الرحيم من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

الجزء: 19 - الصفحة: 952

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل