الجامع لمسائل المدونةكتاب الاستحقاق
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول في] القضاء فيما يستحق من يد مكتر أو مشتر أو وارث أو غاصب وقد زرع أو بنى أو سكن

. قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الخراج بالضمان»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من أحيا أرضًا ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق»، والغاصب هو العرق الظالم.
قال هشام بن عروة: العرق الظالم أن يغرس في أرض غيره.
قال ربيعة: العروق أربعة: عرقان فوق الأرض وهما الغرس والبناء، وعرقان

الجزء: 18 - الصفحة: 451

في جوفها وهما: المياه والمعادن.
[(1) فصل: فيمن اكترى أرضًا للبناء أو للغرس وكانت تزرع السنة كلها، فاستحقت قبل تمام الأمد] قال ابن القاسم: فيمن اكترى أرضًا سنين للبناء والغرس والزرع، فبنى فيها أو غرس أو زرع، وكانت تزرع السنة كلها، ثم قام مستحق قبل تمام الأمد، فإن كان الذي أكراها مبتاعًا فالغلة له بالضمان إلى يوم الاستحقاق، وللمستحق أن يجيز كراء بقية المدة أو يفسخ.
ولا يجيز الكراء فيما بقي- على مذهب- من لا يجيز جمع السلعتين للرجلين في البيع حتى يعلم ما ينوب ما بقي؛ ليجيز بثمن معلوم.
قال: فإن أجاز، فله حصة الكراء من يومئذ، ثم له بعد تمام المدة أن يدفع إلى المكتري قيمة البناء والغرس مقلوعًا.
قال ابن المواز: بعد طرح أجر القلع، إذ على ذلك دخل المكتري.
قال ابن القاسم: وإن شاء أمر صاحبه بقلعه،

الجزء: 18 - الصفحة: 452

وإن فسخ الكراء قبل تمام المدة، لم يكن له قلع ذلك ولا أخذه بقيمته مقلوعًا، ولكن يقال له: ادفع قيمة البناء والغرس قائمًا- يريد، على أن يقلع إلى وقته فإن أبى قيل للمكتري: أعطه قيمة أرضه، فإن أبى كانا شريكين، وكان عليه- في الزرع إذا فسخ الكراء- الصبر إلى انقضاء البطن التي أدركها، وله فيها الكراء من يومئذ على حساب السنة.
[فائدة: في كيفية تقويم البناء المقام على الأرض المستحقة] م: انظر كيف صفة تقويم البناء على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فإن قلت: بكم يمكن أن يبنى مثله على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فالقيمة لا تختلف، سواء قال: إلى سنة أو إلى عشر سنين أو عشرين سنة، ولذلك قال ابن القاسم: فدفع إليه قيمة البناء قائمًا، ولم يحده بوقت، وإنما يصح ذلك على تأويل ابن حبيب الذي يقول: معنى قوله قائمًا: هو ما زاد البناء في قيمة الأرض، فيقال- ها هنا على هذا القول-: كم قيمة الأرض براحًا؟ فإن قيل: مئة.
قيل: وكم قيمتها بهذا البناء على أن يقلع إلى عشر سنين؟ فيقال: مئة وخمسون.
فيعلم أن قيمة البناء خمسون، وأما على تأويل قول ابن القاسم: فإنما يقال: بكم يبنى مثل هذا البناء؟ فيقال: خمسون أو مئة، فهذه قيمة البناء قائمًا، فإما دفع إليه المستحق قيمة بنائه أو دفع إليه هذا قيمة أرضه، فإن أبيا كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما.
[فصل (2) فيمن اكترى أرضًا للبناء أو للغرس وكانت الأرض تزرع في السنة مرة، فاستحقت قبل فوات إبان الزرع] قال ابن القاسم، وإن كانت أرضًا تزرع في السنة مرة، فاستحقت وهي مزروعة قبل فوات إبان الزرع، فكراء تلك السنة للمستحق، وليس له قلع الزرع؛

الجزء: 18 - الصفحة: 453

لأن المكتري زرع فيها بوجه شبهة.
م: وعند وعبد الملك: إن قدر ما مضى من الكراء يكون للمشتري؛ لأن بقاء الزرع ذلك الأمد قبل مجيء هذا له قدر من الكراء، وقد لا يكون زرعه اليوم لو ابتدأ بالزرع مثل تبكيره في الزرع.
م: قال بعض الفقهاء: وإن كانت الأرض تزرع بطونًا فذلك مثل السكنى، له الكراء من يوم الاستحقاق، وذلك أنه قادر على أن يزرع فيها لو لم يكن زرع هذا فيها، فما مضى يكون للمشتري بالشبهة، وما بقي يكون للمستحق، فإن شاء أجاز الكراء وأخذه بالمسمى، وإن شاء أخذه بكراء المثل؛ لأن حق الزارع إنما هو في ألا يقلع زرعه فقط، وليس حقه في أن يكون ما عقد به المشتري لازمًا للمستحق؛ ولأن الزائد على المسمى كهبة وهبها المشتري للزارع، ومذهب ابن القاسم أن يرجع بالهبة على الموهوب المنتفع، وإنما يرجع على الواهب إذا كان غاصبًا.
فإن قيل: قد قال ابن القاسم: في الأخ يكري ثم يطرأ له أخ يشاركه، وقد حابى في الكراء: إن الطارئ يرجع على أخيه بالمحاباة.
قيل: الأشبه كان ألا يرجع على أخيه بالمحاباة؛ لأنه غير منتفع، وأن الوارث لم يكن ضامنًا والمشتري كان ضامنًا، وقد اختلف في المشتري إذا لم يعلم بشيء مثل أن يجني على العبد خطأ ثم يستحق، فقيل: يضمن- وهذا نحو ما قال ها هنا في الوارث- وقيل: لا ضمان عليه؛ لأنه إنما يضمن ما انتفع به أو يجني عليه عمدًا قاصدًا لإتلافه، فيجب على هذا الاختلاف في هبات المشتري إذا وهب

الجزء: 18 - الصفحة: 454

فانتفع بذلك الموهوب يصير كأن المشتري أخطأ على مال إنسان فوهبه فابتدئ بإغرامه؛ لأنه هو المتعدي بالخطأ، وهو سلط الموهوب عليه، فمتى لم يقدر على إغرامه لعدمه أغرمنا المنتفع، ويصير على هذا التأويل لا فرق بين الغاصب إذا وهب، والمشتري والوارث.
[(3) فصل: فيمن غصب أرضًا فزرعها ثم استحقت] ومن المدونة: ولو كان الزارع غاصبًا كان لرب الأرض قلعه إن كان في إبان الزراعة؛ لأن من العرق الظالم وإن فات إبان الزراعة لم يكن له قلعه؛ لأنه ضرر وهو لا ينتفع بأرضه؛ وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((لا ضرر ولا ضرار))، ويكون له على الغاصب كراء المثل.
[(4) فصل: فيمن اشترى أرضًا فزرعها ثم استحقت، وكيف إن كانت دارًا فسكنها مشتريها أو أكراها] وإن استحقها بعد إبان الزرعة وقد زرعها مشتريها أو مكتر منه، فلا كراء للمستحق في تلك السنة، وكراؤها للذي أكراها إن لم يكن غاصبًا وكانت في يده بشراء أو ميراث، وكذلك إن سكن الدار مشتريها أو أكراها أمدًا، ثم استحقها رجل بعد الأمد فلا كراء له، وكراؤها للمبتاع، وإذا كان مكتري الأرض لا يعلم: أغاصب هو أم مبتاع؟ فزرعها المكتري منه ثم استحقها رجل في إبان الحرث، فمكريها كالمشتري- يعني: في الغلة- حتى يعلم أنه غاصب.

الجزء: 18 - الصفحة: 455

[(5) فصل: فيمن ورث أرضًا فأكراها ثم طرأ له أخ لم يعلم به، وكيف إن كانت دارًا فسكنها أو أرضًا فزرعها] وإذا كان مكري الأرض وارثًا، ثم طرأ له أخ شركه لم يعلم به أو علم به، فإنه يرجع على أخيه بحصته من الكراء إن لم يحاب، إذ لم يكن ضامنًا، وإنما الغلة بالضمان- فإن حابى في الكراء رجع على أخيه بالمحاباة إن كان مليًا، وإن لم يكن له مال رجع على المكتري، وقال غيره: بل يرجع بالمحاباة على المكتري في ملئه وعدمه كان أخوه مليًا أو معدمًا، إلا أن يعلم الأخ أن معه وارثًا، فيرجع عليه أخوه في عدم المكتري.
قال ابن القاسم: وأما إن سكنها هذا الوارث أو زرع فيها لنفسه، ثم طرأ له أخ لم يعلم به، فلا كراء له عليه؛ وقد قال مالك: فيمن ورث دارًا فسكنها ثم قدم له أخ لم يعلم به، فلا شيء له في السكنى، وإن كان قد علم به، غرم له نصف كراء ما سكن.
قال ابن القاسم: والكراء في هذا بخلاف السكنى، وله أن يأخذ منه نصف ما أكراها به، علم به أو لم يعلم؛ لأن نصيب القادم في ضمانه، وإنما أجيز لهذا السكنى إذا لم يعلم، على وجه الاستحسان؛ لأنه لم يأخذ لأخيه مالاً، وعسى به أن لو علم لم يسكن نصيب أخيه ولكان في نصيبه ما يكفيه، وقد روى علي ابن زياد عن مالك: أن له عليه نصف كراء ما سكن.

الجزء: 18 - الصفحة: 456

م: قيل: ولعله على قول ابن القاسم إنما زرع قدر نصيبه، وأما لو لم يرث إلا أرضًا فزرعها كلها، لا نبغي أن يكون عليه الكراء في نصيب أخيه، فإن قيل: يجب على هذا أن لو أكرى بعض ما ورث وترك الباقي- وهو لو أكرى نصيبه من الجميع لأكراه بمثل ما أخذ في الكراء- ألا يكون عليه شيء لأخيه.
قيل: قد يفرق بين ما أخذ من غلة لانتفاعه بها وأن السكنى الزائد على قدر نصيبه لم ينتفع به.
ومن المدونة: ولو كان إنما ورث الأرض عن أخيه فأكراها ممن زرعها ثم قدم ولد الميت فحجبه، فليس له قلع الزرع، وله الكراء، قدم في إبان الحرث أو بعده- ويأخذ بكراء ما تقدم؛ لأنه غير ضامن- ولو عطبت كانت في ضمان القادم، وإنما الذي يدخل مع الورثة فيشاركهم في الكراء أو الغلة من دخل معهم في الميراث بسبب واحد، فأما من استحق دارًا بوراثة أو غير وراثة من يد من ابتاعها أو ورثها، فإنما له الكراء من يوم استحق ولا كراء له فيما مضى إلا أن تكون الدار في يد غاصب.

الجزء: 18 - الصفحة: 457

[الباب الثاني] في القضاء فيمن اكترى أرضًا بشيء فاستحق، أو

باع طعامًا ثم تعدى فباعه من غير الأول، واستحقاق الدار أو بعضها في كراء أو بيع، وتعدي المكتري فيها

[(1) فصل: فيمن اكترى أرضًا بشيء فاستحق] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضًا بعبد أو بثوب أو بما يوزن من نحاس أو حديد بعينه يعرفان وزنه ثم استحق ذلك، فإن كان استحق قبل أن يزرع أو يحرث، انفسخ الكراء، وإن كان بعدما زرع أو أحدث فيها عملاً، فعليه قيمة كراء الأرض.
م: فلو حرث الأرض ولم يزرع، فقال المستحق: أنا أجيز بيع ثوبي، وأخذ الأرض محروثة، فذلك له بعد أن يؤدي إلى الحارث قيمة حرثه ويصير كأنه استحق الأرض، وقد قالوا: فيمن استحق الأرض بعد أن حرثت أنه يدفع قيمة الحرث ويأخذها، فإن أبى قيل للآخر: أعطه كراء سنة، فإن أبى أسلمها بحرثها، ونحوه في كتاب محمد، ولو غصب عبدًا فباعه بجارية فأولدها أن مستحق العبد إن أراد أن يجيز البيع ويأخذ الجارية أن ذلك له، فأخذ الجارية وقيمة ولدها كالمستحقة؛ لأنها ثمن عبد، وقد وقع لسحنون أن مستحق العبد إذا أجاز البيع وأراد أخذ السلعة إنما يأخذها إن كانت قائمة، وإن فاتت بحوالة سوق لم يأخذها، وفي هذا بعد في القياس؛ لأنه إذا أجاز البيع صار كالمستحق، والمستحق لا يفتيه شيء؛ ولا يشبه ما كان مستحق العين- أو عوضًا من العين المستحقة-

الجزء: 18 - الصفحة: 458

عوض المستحق بين المتبايعين؛ لأن عوضه إنما أخرجه من يده على سبيل المعاوضة، فإذا حال سوقه لم يرجع فيه، والمستحق لم يخرج سلعته من يده، فله أخذها أو أخذ عوضها؛ لأنها بمنزلتها، وهذا بين.
[(2) فصل: فيمن ابتاع من رجل طعامًا ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فباعه] ومن المدونة: وسألت مالكًا عمن ابتاع من رجل طعامًا ففارقه قبل أن يكتاله فتعدى البائع على الطعام فباعه؟ قال: عليه أن يأتي بطعام مثله، ولا خيار للمبتاع في أخذ دنانيره، ولو هلك الطعام بأمر من الله تعالى انتقض البيع، وليس للبائع أن يأتي بطعام مثله ولا ذلك عليه.
[(3) فصل: فيمن اكترى دارًا فاستحقت] ومن اكترى دارًا سنة من غير غاصب، فلم ينقده الكراء حتى استحقت الدار في نصف السنة، فكراء ما مضى للأول، وللمستحق فسخ ما بقي أو الرضا به فيكون له كراء بقية السنة، فإن أجاز الكراء فليس للمكتري أن يفسخ الكراء فرارًا من عهدته؛ إذ لا ضرر عليه؛ لأنه سكن، فإن عطبت الدار أدى بحساب ما سكن.
م: ولا يجوز الكراء حتى يعلم ما ينوب ما بقي إن كانت قيمة الشهور في الكراء مختلفة، وإن أجاز قبل أن يعلم صار ما يجيز بثمن لا يعلم ما هو؛ كجمع السلعتين.

الجزء: 18 - الصفحة: 459

ولو انتقد الأول كراء السنة كلها لدفع إلى المستحق حصة باقي المدة عن كان مأمونًا ولم يخف من دين أو أحاط به ونحوه، ولا يرد باقي الكراء على المكتري.
قال أبو محمد وغيره: فإن كان المستحق غير مأمون، قيل للمكتري: إن شئت أن تدفع إلى المستحق كراء بقية السنة وتسكن، فإن أبى قيل للمستحق: إن شئت أن تجيز الكراء على أنك لا تأخذ منه إلا كراء ما سكن، كلما سكن شيئًا أخذت بحسابه، وإلا فلك أن تفسخ كراء بقية المدة.
م: لعله يريد: في دار يخاف عليها الهدم، وأما إن كانت صحيحة البناء فله أن ينتقد ولا حجة للمكتري من خوف الدين؛ لأنه أحق بالدر من جميع الغرماء.
[المسألة الأولى: فيمن اكترى دارًا، فهدمها تعديًا ثم استحقت] قال ابن القاسم: ومن اكترى دارًا فهدمها تعديًا، ثم قام مستحق فله أخذ النقض إن وجده قائمًا، وقيمة الهدم من الهادم، ولو كان المكري قد ترك للمكتري قيمة الهدم قبل الاستحقاق لرجع بها المستحق على الهادم كان مليًا أو معدمًا؛ لأن ذلك لزم ذمته بالتعدي، ولا يرجع على المكري؛ إذ لم يتعد وفعل ما يجوز له؛ وهو كمن ابتاع عبدًا، فسرقه منه رجل فترك له قيمته، ثم قام ربه، فإنما يتبع السارق خاصة.

الجزء: 18 - الصفحة: 460

م: والفرق بين ما تركه المكري من قيمة الهدم للهادم وبين ما حاباه به من الكراء: أنه في المحاباة دفع حقًا كان بيده للمستحق إلى هذا المكتري، فوجب أن يبدأ بالرجوع على متلف شيئه؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وفي تركه القيمة للهادم لم يتلف له شيئًا كان بيده، إنما ظن أنه وجب له شيء قبل هذا المتعدي، فترك أخذه منه، فإذا كان ذلك لك أيها المستحق فخذه أنت منه، فما أتلف لك من يده، بخلاف ما ترك أخذه لك، فهذا مفترق، وبالله التوفيق.
قال ابن القاسم: ولو باع النقض هادمه، كان عليه للطالب إن شاء الثمن الذي قبض فيه أو قيمته، ولو هدمها المكري لم يلزمه لربها قيمة، وإنما له النقض بعينه إن وجده، وإن بيع فله ثمنه.
م: قيل: وكذلك ينبغي في الثوب إذا قطعه، وفي المدونة ما ظاهره لا يضمن في الثوب إذا قطعه، بخلاف ما في كتاب محمد.
وما فرق به محمد: من أن الثوب لا يرجع إلى هيئته، والدار والخلخال يرجع إلى هيئته ليس ببين، وقد يقال: إن المشتري إذا وجب أن يضمن الجناية الخطأ في العبد إذا اشتراه في أحد القولين جاز أن يضمن في القطع والهدم.
[المسألة الثانية: فيمن ابتاع دارًا فاستحق منها بيت بعينه] ومن ابتاع دارًا فاستحق منها بيت بعينه، فإن كان أيسر الدار؛ مثل دار عظمى لا يضرها ذلك، لزم البيع في بقيتها، ورجع بحصة ما استحق منها؛ وكذلك النخل الكثيرة يستحق منها النخلات اليسيرة، وأما إن استحق نصف الدار أو جلها أو دون النصف مما يضر بالمشتري- يريد:

الجزء: 18 - الصفحة: 461

وإن كان العشر- فهو مخير في ردها كلها وأخذ الثمن، أو التماسك بما لم يستحق منها بحصته من الثمن؛ إن كان الذي استحق النصف رجع بنصف الثمن، وإن كان الثلث رجع بثلث الثمن؛ إن كان الذي استحق النصف رجع بنصف الثمن، وإن كان الثلث رجع بثلث الثمن؛ يريد: ولو استحق بيت بعينه من الدار يجب به رد الصفقة؛ لكبره أو لضرر فليس له حبس ما بقي بحصته من الثمن؛ لأنه لا يعلم إلا بعد التقويم بخلاف ما استحق على الأجزاء.
قال في كتاب القسم: وأرى أنه إن استحق ثلث الدار أنه ضرر يوجب له رد جميعها إن شاء أو التماسك ببقيتها بحصتها من الثمن.
[المسألة الثالثة: فيمن اكترى دارًا فاستحق منها بيت بعينه] قال في كتاب الاستحقاق: والذي يكتري دارًا فيستحق منها شيء فهو مثل ما وصفنا في الشراء.
وقال غيره: ليس الكراء كالشراء في هذا، وليس للمكتري التماسك بما بقي إن استحق نصف الدار أو جلها؛ لأن حصة ما بقي مجهول.
قال أبو محمد: إنما يصح قول سحنون إذا كان قد سكن بعض السكنى، وإن لم يسكن فليس ذلك بمجهول، وإن اختلفت قيمة الشهور.
م: لأنه إن استحق الثلث سقط عنه ثلث الكراء، وإن نصف فنصف، من غير نظر إلى التقويم.

الجزء: 18 - الصفحة: 462

[الباب الثالث] في القضاء في غلة ما استحق من يد مشتر

أو وارث أو موهوب أو غاصب

[(1) فصل: في معنى الخراج بالضمان] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((الخراج بالضمان))، ومعنى ذلك: أن المشتري للشيء- الذي اغتله- لو هلك في يده، كان منه، وذهب الثمن الذي نقده فيه؛ فالغلة له بضمانه، ولا غلة لموهوب وهبه غاصب في عدم الغاصب؛ إذ لم يضمن ثمنًا نقده، ولا ضمنه من وهبه، وإنما تجب الغلة بضمان الشراء لا بضمان الغصب.
[(2) فصل: في غلة ما استحق من يد مشتر أو وارث أو موهوب] قال ابن القاسم: ومن ابتاع دارًا أو عبيدًا من غاصب ولم يعلم، فاستغلهم زمانًا، ثم استحقوا، فالغلة للمبتاع بضمانه، وكذلك إذا ورثهم عن أبيه ولم يدر بما كانوا لأبيه، فاستغلهم، ثم استحقوا فالغلة للوارث، ولو وهب ذلك لأبيه رجل فإن علم أن الواهب لأبيه هو غصب هذه الأشياء من المستحق أو من رجل هذا المستحق وارثه، فغلة ما مضى للمستحق، فإن جهل أمر الواهب أغاصب هو أم لا؟ فهو على الشراء حتى يعلم أنه غاصب، ومن غصب دارًا أو عبيدًا فوهبهم لرجل فاغتلهم وأخذ كراءهم، ثم قام مستحق، فإن كان الموهوب له عالمًا بالغصب، فللمستحق الرجوع بالغلة على أيهما شاء، وإن لم يعلم بالغصب، فللمستحق أن يرجع أولاً بالغلة على الغاصب، فإن كان عديمًا رجع بها على الموهوب، وكذلك من غصب ثوبًا أو طعامًا فوهبه لرجل فأكله ولبس الثوب حتى أبلاه أو كانت دابة فباعها وأكل ثمنها ثم استحقت هذه الأشياء بعد فواتها

الجزء: 18 - الصفحة: 463

بيد الموهوب، فعلى ما ذكرنا.
ومن المجموعة قال أشهب وسحنون: لربه أن يتبع أيهما شاء اللابس في الثوب يوم لبسه والغاصب يوم غصبه، واحتج بالبيع أن لمستحق الطعام طلب الغاصب به أو طلب المشتري الذي أكله إذا لم يجز البيع، وكذلك في كتاب محمد، وقاله مالك، وذكر عن ابن القاسم مثل ما في المدونة.
قال ابن القاسم في المدونة: ولو أن الغاصب نفسه اغتل العبيد، وأخذ كراء الدار لزمه أن يرد الغلة والكراء للمستحق، ولو مات الغاصب وترك هذه الأشياء فاستغلها ولده كانت هذه الأشياء وغلتها للمستحق.
قال ابن القاسم: فالموهوب لا يكون في عدم الواهب أحسن حالاً من الوارث؛ أو لا ترى أن من ابتاع قمحًا فأكله أو ثيابًا فلبسها حتى أبلاها أو شاة فذبحها وأكل لحمها، ثم استحق ذلك رجل أن له على المبتاع غرم ذلك كله ولا يوضع ذلك عنه؛ لأنه اشتراه؟ وإن هلك ذلك بيد المبتاع بأمر من الله بغير سببه وانتفاعه، فإن لم يعلم بالغصب وقامت بهلاك ما يغاب عليه من ذلك بينة، فلا شيء عليه، ولا يضمن ما هلك من الحيوان والربع أو انهدم بغير سببه، فكما كان المشتري حين أكل ولبس لم يضع عنه الاشتراء الضمان كان من وهبه الغاصب فاستغل أحرى أن يرد ما استغل في عدم الواهب؛ لأنه أخذ هذه الأشياء بغير ثمن.
محمد: وقال أشهب: إن من وهبه الغاصب، له الغلة؛ إذا لم يعلم بالغصب كالمشتري، قال: ولم يختلف ابن القاسم وأشهب أن ما استغل المشتري من

الجزء: 18 - الصفحة: 464

قليل أو كثير أو سكن أو زرع، له ولا شيء عليه من غلة ولا كراء، ولا على الغاصب الذي باع منه، ويرجع المبتاع بجميع الثمن على الغاصب لا يحاسبه بشيء من غلة أو كراء، إلا أن يعلم المشتري بغصبه قبل الشراء، فيكون كالغاصب.
محمد: قال ابن القاسم: فيمن ابتاع نخلاً فيها ثمرة لم تؤبر أو لا شيء فيها، فقام المستحق وفيها ثمرة قد طابت، فإنه يأخذها ما لم تيبس أو تجذ، وفي رواية لأبي زيد عنه: أنه يأخذها ما لم تجذ.
قال محمد: فإن يبست أو جذت لم يأخذها؛ لأنها صارت غلة للمبتاع، ولو كانت قد أبرت حين الشراء فاشترطها المبتاع كانت الثمرة للمستحق وجدها قد يبست أو جذت أو بيعت أو أكلت، ويرد في فوتها مثلها إن عرفت المكيلة أو القيمة إن لم تعرف، ولو باعها لرد ثمنها، وله فيما ذكرنا قيمة ما سقى وعالج.
[فرع: في العبد ينزل ببلد ويدعي الحرية فيستعين به رجل في عمل له أو يهبه مالاً] ومن المدونة: ولو نزل عبد ببلد فادعى الحرية، فاستعانه رجل فعمل له عملاً له بال من بناء أو غيره بغير أجر، أو وهبه مالاً، فلربه إذا استحقه أخذ قيمة عمله ممن استعمله.
في كتاب محمد: إن كان قائمًا، فإن تلف فلا شيء عليه.
قال بعض الفقهاء: جعل ما عمل كعين قائمة إن وجدت أخذ السيد قيمتها؛

الجزء: 18 - الصفحة: 465

لأن منافعه لسيده، فوهبها؛ فأشبه هبات الغاصب الذي لا يمكن الرجوع عليه لعدمه أو لأنه لا يقدر عليه، فوجب الرجوع على الموهوب؛ إذ لا يمكنه الرجوع على عبده؛ لأن رجوعه عليه كرجوعه على نفسه، وكان الأشبه أن يضمن وجد عمله قائمًا أو قد فات؛ لأن ذلك حق لسيده فيجب أن يضمنه من فوته.
قال في المدونة: إلا أن يكون عملاً لا بال له كسقي الدابة ونحوه ويأخذ من الموهوب ما وهب له، وما أكله الموهوب أو باعه فأخذ ثمنه فعليه غرمه، وما هلك من ذلك بيد الموهوب بغير سببه ببينة فلا شيء عليه بخلاف الغاصب؛ لأن الغاصب لو هلكت هذه الأشياء عنده بغير سببه ضمنها، ولو اغتلها رد الغلة، والموهوب لو اغتلها ولم يعلم بالغصب لم يلزمه رد الغلة إلا في عدم الواهب، ولو هلكت عنده بغير سببه ببينة لم يضمن؛ لأنه لم يتعد إلا أن يغتلها وقد علم بالغصب فيصير كالغاصب سواء، ومن ابتاع من غاصب- ولم يعلم- دورًا أو أرضين أو حيوانًا أو ثيابًا أو ماله غلة أو نخلاً فأثمرت عنده، فالغلة والثمرة للمبتاع بضمانه إلى يوم يستحقها ربها، ولو كان الغاصب إنما وهبه ذلك لرجع المستحق بالغلة على الموهوب في عدم الغاصب، ويكون للموهوب من الغلة قيمة عمله وعلاجه.

الجزء: 18 - الصفحة: 466

[الباب الرابع] فيمن ابتاع بشيء فنقد خلافه، واستحقاق الثمن

أو المثمون في ذلك

قال مالك: ومن ابتاع سلعة بدنانير فدفع فيها دراهم ثم ردها بعيب- قال ابن القاسم: أو استحقت- فليرجع بالدراهم التي دفع؛ لأنه لو رجع بالدنانير وقد كان دفع دراهم صار صرفًا مستأخرًا.
م: ولأن ثمن السلعة إنما كان دنانير فصرفها البائع من المشتري بدراهم، فإذا استحقت السلعة استحق هو ثمنها من يد نفسه وهي الدنانير، فلما استحق الدنانير وجب أن يرجع في دراهمه لاستحقاقه ثمنها.
قال ابن القاسم: فإنما يرجع بما دفع من العين بعضه عن بعض، ولو دفع في الدنانير عرضًا لم يرجع على البائع إلا بالدنانير، ولو استحق هذا العرض من يد البائع رجع على المبتاع بالدنانير؛ لأن أخذه لهذا العرض لم يكن ثمنًا للسلعة التي باع وإنما هو صفقة ثانية، كما لو قبض الدنانير من المبتاع ثم ابتاع منه بها سلعة أخرى فاستحقت من يده، فإنما يرجع عليه بالدنانير.
قال ابن حبيب: أما إذا دفع المشتري في الدنانير عرضًا ثم استحقت السلعة التي اشتراها، فليرجع بالدنانير إلا أن يكون العرض الذي دفع لا يساوي الثمن، وإنما تجاوز له البائع فيه، فليرجع على البائع بقيمة العرض يوم أخذه إن فات، وإن استحق من يد البائع العرض المأخوذ في الثمن رجع بالدنانير على المبتاع بكل حال تجاوز له أو لم يتجاوز له، وقاله مالك وأصحابه، ونحوه في العتبية.

الجزء: 18 - الصفحة: 467

م: والفرق بين استحقاق هذه السلعة وبين استحقاق الأولى أنا نجعل كأنه باع الأولى بمئة فدفع في المئة هذه السلعة الثانية، فإن كانت تسوى مئة ثم استحقت رجع بالمئة؛ لأنه ثمنها، وإن كانت تسوى خمسين فكأنه أخذ من المئة ثمن سلعته رجع بثمنها وبما وهبه؛ لأنها هبة للبيع تنتقض بانتقاضه، وأما إن استحقت السلعة الأولى فباستحقاقها بطل ثمنها، فلو لم يدفعه لم يكن عليه شيء، وإن دفعه أو بعضه رجع بما دفع، فإن كانت التي دفع تسوى مئة رجع بها، وإن كانت تسوى خمسين فردها إليه أو قيمتها إن فاتت لم يظلمه؛ ولأنهم لم يؤقتوا لها ثمنًا من ثمن الأولى فوجب ردها إليه أو قيمتها، ولو قال مستحق الأولى: أنا أجيز البيع وآخذ ثمنها من المبتاع كان ذلك له؛ لأنه لم يدفعه، فهو باق للمستحق في ذمته، ولو قال: أنا آخذ السلعة الثانية؛ لأنها عوض ثمن سلعتي لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما يصير له إذا أجاز البيع ثمنًا ومن تعدى على ثمن فاشترى به شيئًا لم يكن لربه ما اشترى به وإنما له مثله، ولو باع منه عبدًا بجارية، ثم أخذ منه في الجارية عشرة دنانير ثم استحق العبد لكان لصاحب الجارية أن يرجع بالعشرة التي دفع؛ لأنه يصير قد استحق الجارية التي هي ثمن العبد، فيرجع على بائع العبد بثمن الجارية عشرة، وإن استحقت الجارية رجع بثمنها عشرة، فإذا قبضها صار كأن الجارية استحقت من يد بائع العبد، فيرجع به إن كان قائمًا، أو بقيمته إن فات.
ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: إذا باع السلعة بدنانير فأخذ في الدنانير دراهم، ثم استحقت السلعة فليرجع المبتاع على البائع بالدراهم، ولو شاء المستحق أن يجيز البيع ويأخذ الدنانير من المشتري؛ لأنها لم تقبض منه، فذلك

الجزء: 18 - الصفحة: 468

له ويرجع المشتري على البائع بالدراهم؛ لأنه صرف ينتقض، وبلغني عن سحنون أنه قال: فيمن باع سلعة بمئة دينار ثم أخذ فيها ألف درهم، فاستحقت الدراهم أنه يرجع بالمئة دينار التي باع بها السلعة، فكأنه رآه صرفًا لا يرجع فيه بمثل الدراهم؛ لأن مالكًا قال: إذا استحقت السلعة رجع المشتري بالدراهم على البائع؛ لأنه لو رجع بالدنانير صار صرفًا مستأخرًا، وكذلك قال أشهب: لو صرف دينارًا بدراهم ثم أخذ بالدراهم سلعة فوجد بالسلعة عيبًا فردها أنه يرجع بديناره؛ ولو رجع بالدراهم صار صرفًا مستأخرًا- وقاله مالك في كتاب الصرف- وبلغني عن سحنون فيمن باع عبدًا بثوب، ثم أخذ في الثوب دراهم، ثم استحق العبد أنه يرجع بالدراهم التي دفع.
م: لأن العبد لما استحق رجع مشتريه في ثمنه وهو الثوب، فاستحقه من يد نفسه، فلما استحقه رجع على بائعه أخيرًا، وهو رب العبد بما دفع إليه وهو الدراهم.

الجزء: 18 - الصفحة: 469

[الباب الخامس] في الأمة تستحق وقد وطئها المشتري أو ولدت منه

أو من زوج أو غاصب، وحكم الولد في ذلك كله، واستحقاق العبد بعد العتق، والدار بعد أن بنيت مسجدًا.

[(1) فصل: في ولد المغرور] قال ابن القاسم: والقضاء أن كل وطء بشبهة فالولد فيه لاحق، ولا يلحق في الوطء بغير شبهة، وأن الولد بخلاف الغلة في الاستحقاق.
قال أشهب في المجموعة في ولد المغرور بالشراء أو بالنكاح إنما لزم الأب قيمتهم؛ إذ ليسوا بغلة فيكون لهم حكم الغلة، ولا يرقوا فيأخذهم سيد الأمة، وجعلت قيمتهم يوم الحكم؛ لأنهم أحرار في الرحم، ولا قيمة لهم يومئذ، فإذا لم أجعلها يوم الحكم جعلت الأب ضامنًا، ولا يضمن إلا المتعدي، ويدلك على أنه لا يكون يوم ولدوا: ما روي عن عمر من القضاء بأمثالهم فقال: اشتبارهم، كأنه يقول على مقاديرهم بالأشبار، وفي حديث آخر: قيمتهم، ولو كانوا يخرجون بالقيمة من رق كان ولاؤهم للمستحق ولكان لو أنه جدهم أو أخوهم أن يعتقوا عليه بالرحم، وليس كذلك، بل هم أحرار بسبب أبيهم، وللمستحق سبب لا يصل به إلى رقهم- كأم الولد تجني؛ إذ لا سبيل إلى إسلامها- فكان أمثل ذلك القيمة فيهم يوم الحكم، وهذا قول مالك وابن دينار وابن القاسم وغيره من أصحابه إلا المغيرة، فإنه قال: قيمتهم يوم ولدوا.

الجزء: 18 - الصفحة: 470

قال ابن القاسم: فإن كانت حاملاً يوم قيامه انتظر أن تلده فيأخذ قيمته يوم تلده.
[(2) فصل: في الأمة يبتاعها الرجل فيطأها ثم تستحق] ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك: ومن ابتاع أمة فوطئها وهي ثيب أو بكر فافتضها، ثم استحقت بملك أو حرية، فلا شيء عليه للوطء ولا صداق ولا ما نقصها.
وقال المغيرة: إن استحقت بحرية فلها صداق المثل.
م: وكأن ابن القاسم رأى: أنها لما وطئت على الملك لم يكن لها صداق، وكذلك يقول: لو اغتلها أن الغلة للمشتري، والأشبه ألا غلة له؛ إذ لا ضمان عليه فيها؛ لأنها لو ماتت لرجع بثمنها.
[(3) فصل: فيما ولدت الأمة التي وطئها مبتاعها ثم استحقت] قال مالك: وإن أولدها المبتاع، فلمستحقها بالملك أخذها إن شاء مع قيمة ولدها يوم الحكم عبيدًا، وعلى هذا جماعة الناس، وأخذ به ابن القاسم، ومحمد، وهو قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ثم رجع مالك فقال: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها يوم يستحقها؛ لأن في ذلك ضررًا على المبتاع، إذا أخذت منه كان عارًا عليه وعلى وده، وإذا أعطى المستحق قيمتها فقد أعطى حقه، فإن امتنع فهو مضار.
قال ابن حبيب: ثم رجع مالك فقال: ليس على المبتاع إلا قيمتها يوم

الجزء: 18 - الصفحة: 471

وطئها، ولا قيمة عليه في ودلها، وبه أخذ ابن الماجشون وغيره، وبه أقول.
قال في كتاب محمد: إلا أن يكون عليه في إسلامها ضرر.
[فرع: في الاستدلال لأقوال الإمام السابقة وبيان ما استقر عليه رأيه] م: فوجه قوله: إن له أخذها؛ فلأنها باقية على ملكه، واستيلاد الغير إياها لا يزيل ملكه عنها؛ ولأنها ولدت من غير مالك فلم تثبت لها حرمة الإيلاد، أصله إذا ولدت من نكاح؛ ولأن اعتقاد الواطئ استباحة وطئها بالملك كاعتقاده ذلك بالنكاح، وقد ثبت أنها لو غرت من نفسها فتزوجها رجل على أنها حرة فأولدها، فإن ذلك لا يمنع سيدها من أخذها فكذلك في الشراء.
ووجه أن ليس له أخذها؛ أنه واطئ بشبهة الملك، وشبهة كل عقد مردود إلى صحته، وللضرر الذي يدخل على المبتاع وعلى ولده في أخذها، وربها، إذا دفع إليه قيمتها لم يضر، فوجب أن لا يأخذها؛ لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا ضرر ولا ضرار)).
ووجه قوله أنه ليس له إلا قيمتها يوم الوطء؛ فلأنه وطئ ملك غيره بشبهة ترفع عنه الحد فلزمه غرم قيمتها؛ أصله إذا وطئ أمة ولده، أو أمة له فيها شرك.
م: ولو ماتت على هذا القول ضمنها المشتري؛ كوطء الأب أمة ولده، أو الأمة بين الشريكين، وقاله ابن حبيب.
وقال أشهب في المجموعة: ثم رجع مالك إلى القول الأول.

الجزء: 18 - الصفحة: 472

قال ابن كنانة: وعليه كان حتى مات.
[المسألة الأولى: فيما لو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها] قال ابن القاسم في كتاب القسم: ولو رضي المستحق بأخذ قيمتها وقيمة ولدها لم يكن للذي أولدها أن يأبى ذلك عليه، ويجبر حينئذ في قولي مالك جميعًا على غرم قيمتها وقيمة ولدها يوم الاستحقاق، وكذلك عنه في كتاب ابن المواز.
قال فيه أشهب: هذا خطأ، وإنما كنت أقول- لو قلت بهذا- عليه قيمتها يوم أحبلها، ثم لا قيمة له في ولدها؛ لأنه في ملكه ولد.
ابن المواز: والقياس أن ليس عليه قيمتها في نقص الولادة، وإنما له أن يلزمه ذلك أن لو قتلها، ولو قتلها غيره لم يلزمه هو قيمتها؛ لأنه غير غاصب، غير أن ابن القاسم قال ذلك لاختلاف قول مالك في هذا الأصل.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: فإن ماتت وبقي ولدها فليس له غير قيمة من وجد منهم في قول مالك الأول، وأما في قول مالك الآخر فلربها إتباع المشتري بقيمة الأمة يوم وطئها؛ لأنه ضمنها يومئذ، ولا شيء عليه

الجزء: 18 - الصفحة: 473

من قيمة ولدها وإن كانوا قيامًا؛ كواطئ أمة ابنه أو أمة له فيها شرك.
وقال محمد: لا شيء عليه إذا ماتت في قول مالك الذي قال فيه- وهي حية- ليس له إلا قيمتها فقط؛ لأنه ليس عليه فيها ضمان.
[المسألة الثانية: في المبتاع بم يرجع على من غره إذا أخذ المستحق الأمة أو قيمتها، وفي حكم الولد] ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن أخذت الأمة من المبتاع على أحد قولي مالك- يريد، أو أخذت قيمتها- رجع بالثمن على بائعها، ولا يرجع بما أدى من قيمة الولد؛ كما لو باع من رجل عبدًا سارقًا، ودلس له به، فسرق متاعه، لم يضمن البائع ذلك، وإن أخذ منه المستحق الأمة فألفاه عديمًا، اتبعه بقيمة الولد دينًا، ولو كان الولد مليًا أدى القيمة، ثم لا يرجع بها على أبيه إن أيسر، وإن كانا مليئين فذلك على الأب، ولا يرجع بها الأب على الولد، وإن كانا عديمين اتبع أولهما يسرًا، ولا يؤخذ من الابن قيمة الأم في ملء الأب أو عدمه.
قال غيره: لا شيء على الابن من قيمة نفسه في عدم الأب أو يسره.
م: انظر قول ابن القاسم إذا كان الأب عديمًا والابن مليئًا فليأخذ من الابن قيمة نفسه، وهو إنما يأخذ منه قيمته يوم الحكم، فكان يجب أن

الجزء: 18 - الصفحة: 474

تستحق قيمته حينئذ بماله، وقيمته يومئذ بماله أكثر مما في يديه، فكيف يصح أخذ قيمته منه؟ وأظن ابن القاسم إنما يقول: يأخذ قيمته بغير مال، وبه يصح قوله، والله أعلم.
قال ابن القاسم في كتاب النكاح: ولو استحق الأمة عم الولد لأخذ قيمتهم؛ إذ لا يعتق عليه ابن أخيه، ولو كان جدهم لم يأخذ قيمتهم، وليس له من ولائهم شيء؛ لأنهم أحرار بسبب أبيهم، وإنما أخذت القيمة فيهم بالسنة.
[المسألة الثالثة: فيمن مات أو قتل من ولد الأمة المستحقة] قال في كتاب الاستحقاق: وليس للمستحق فيمن مات من الولد قيمة، وولدها لاحق النسب، له حكم الحر في النفس والجراح وفي الغرة قبل الاستحقاق أو بعده، ولا يضع القصاص عن القاتل استحقاق هذه الأمة؛ لأنه حر، ومن قتل من الولد خطأ فديته كاملة للأب، وعليه لسيد لأمة الأقل من قيمة الولد يوم القتل عبدًا أو ما أخذ من ديته، وإن قتل عمدًا فاقتص الأب من قاتله لم يكن على الأب فيهم قيمة، ويغرم قيمة الولد الحي وإن جاوزت الدية.
قال ابن كنانة في المجموعة: فإن كان للولد مال اكتسبه لم يقوم بماله لكن بغير مال؛ كقيمة عبد ويؤدي ذلك الأب، ولا يؤخذ من مال الولد شيء.

الجزء: 18 - الصفحة: 475

قال سحنون: وإذا حكم على الأب بالقيمة في عدمه ثم مات ابنه بعد الحكم لم يزل عنه ما لزمه من القيمة، وكذلك في جناية أم الولد والسيد عديم، وكذلك من يحكم عليه في العاقلة بشيء رآه الحاكم، ثم أعدم فلا يزول عنه.
قال أشهب: ولو قام وقد مات الأب قضي بقيمة الولد في تركته لا من مال الولد.
ومن كتاب محمد قال: فإن لم يدع شيئًا اتبع به الولد، فمن أيسر منهم أخذ منه حصة نفسه فقط يوم كان الحكم، وإن طرأ للأب مال فليتبع المستحق كل واحد بما يتم به قيمته لا يأخذ من بعضهم عن بعض.
[(1) فرع: لو قطعت يد الولد خطأ، فأخذ الأب ديتها ثم استحقت الأمة] ومن المدونة: ولو قطعت يد الولد خطأ فأخذ الأب ديتها، ثم استحقت الأمة، فعلى الأب للمستحق قيمة الولد أقطع اليد يوم الحكم فيه، أو الأقل مما نقصه القطع، أو في ما قبض في دية اليد، ينظر كم قيمة الولد صحيحًا، وقيمته أقطع اليد يوم جني عليه، فيغرم الأب الأقل مما بين القيمتين، أو ما قبض في دية اليد، فإن كان ما بين القيمتين أقل كان ما فضل من دية اليد للأب.
م: يريد: يلي النظر فيه.
م: وهذا هو الأقل فيه، وإنما كان كذلك لاختلاف قيمته

الجزء: 18 - الصفحة: 476

يوم القطع ويوم الحكم، ولو كان يوم القطع هو يوم الحكم لغرم الأب الأقل من قيمته صحيحًا، أو قيمته أقطع اليد مع ما أخذ في اليد.
قال ابن عبدوس: ورأيت سحنونًا ينحو إلى أن ما فضل من ذلك فهو للابن، وقاله ابن المواز.
وقال ابن عبدوس: وكذلك في النفس ليس لورثته من ديته إلا ما بعد قيمته.
محمد: إن قتل خطأ فديته لأبيه منجمة، للمستحق منها قيمته يأخذ منها أول نجم، فإن لم يتم أخذ تمامها من الثاني ثم مما يليه حتى تتم، ثم يورث عن الابن ما فضل.
قال ابن القاسم في المجموعة: ولو قُتل الولد عمدًا فصالح الأب فيه على أقل من الدية فعليه الأقل من ذلك أو قيمته يوم القتل، فإن كان ما أخذ أقل من القيمة، رجع على القاتل بالأقل من باقي القيمة أو باقي الدية.
قال محمد وقال أشهب: لا شيء على الأب مما أخذ في الولد إن قتل؛ كما لو مات، ولا في قطع يده إن قطع، وعليه قيمته اليوم أقطع فقط؛ لأن ما أخذ فيه دية حر.
[المسألة الثانية: لو ضرب رجل بطن الأمة المستحقة وهي حامل من سيدها] قال ابن القاسم في المدونة: ولو ضرب رجل بطن هذه الأمة وهي حامل

الجزء: 18 - الصفحة: 477

من سيدها فألقت جنينًا ميتًا فللأب عليه غرة كالحر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من عشر قيمة أمه يوم ضرب بطنها، وليس على المبتاع ما نقصتها الولادة؛ لأنها لو ماتت لم تلزمه قيمتها؛ لأنه مبتاع.
[(4) فصل: في الأمة تلد من الغاصب ثم تستحق] ولو كان الذي أولدها إنما غصبها فلربها أخذها وأخذ الولد رقًا، ويحد الغاصب في وطئه إن أقر بالوطء، ولا يُلحق به نسبه.
[(5) فصل: في الأمة تلد ممن تزوجها على أنها حرة ثم تستحق] [المسألة الأولى: إذا غر رجل رجلاً فزوجه من أمة على أنها حرة فاستحقت، وكيف إن غرت هي من نفسها] ولو غره منها رجل فزعم أنها حرة فزوجه إياها فأولدها، فلمستحقها أخذها وقيمة ولدها من الزوج ويرجع الزوج على من غره بالصداق كاملاً، ولا يترك له ربع دينار؛ لأنه كأنه باعه البضع فاستحق، فيرجع بثمنه الذي دفع فيه، ولا يرجع بقيمة الولد؛ لأنه لم يبعه الولد وهذا أصل قول مالك، ولو كانت هي الغارة لم يرجع الزوج عليها بقليل ولا كثير؛ لأن ذلك حق لسيدها، إلا أن يكون ما أعطاها أكثر من صداق مثلها فيرجع بالفضل.
محمد: وإن كان ما أعطاها أقل من صداق مثلها، فقال أشهب: لا تُزاد عليه.
وقال ابن القاسم: يتم لها صداق المثل؛ لأنه حق للسيد، فليس ما صنعت بالذي يبطل حقه.

الجزء: 18 - الصفحة: 478

قال أشهب في المجموعة: فإن أولدها أخذها السيد وقيمة ولدها وهو حر، ويُصدق الزوج أنه تزوجها على أنها حرة- وإن لم تقم بينة في هذا- ولو كذبته حددته ولم أُلحق به الولد، وعلى السيد البينة أنه تزوجها على أنه أمة إن ادعى ذلك، ويأخذ الولد، وإلا فهو حر وله قيمته حالة.
قال في كتاب ابن سحنون: حالة على الأب يوم يُقضى بذلك للمستحق، فإن لم يكن للأب مال فاستحسن أن يكون في مال الولد.
[(1) فرع: في الأمة تغر العبد والمكاتب ومن في حكمها] قال في المجموعة: وإن غرت الأمة عبدًا أو مكاتبًا أو مدبرًا أو معتقًا إلى أجل فإن أولادهم رقيق معها.
[(2) فرع: في الأمة تستولد ثم تستحق أنها مدبرة] محمد: ومن ابتاع أمة فأولدها ثم استحقت أنها مدبرة، فإنه يأخذها ويأخذ قيمة ولدها عبيدًا.
وقال ابن القاسم: قيمتهم على الرجاء والخوف- وليس هذا بشيء؛ لأن من باع مدبرًا وفات بالعتق كان الثمن كله للبائع، وعلى هذا ثبت مالك، وقاله أصحابه أجمعون- وإن كانت هذه التي أولدها المبتاع مكاتبة فإنه يأخذ

الجزء: 18 - الصفحة: 479

قيمة الولد رقيقًا.
قال ابن القاسم: وتُوقف القيمة- ولا معنى لذلك وليكن ذلك محسوبًا من آخر الكتابة ويتعجلها السيد، ولو تأخر الحكم حتى حل الأجل وأدت الكتابة فلا شيء على الأب من قيمتهم- وأما المعتقة إلى أجل وأم الولد، فقيمة الولد على الرجاء والخوف، وكثير من هذا في كتاب النكاح.
[(6) فصل: في استحقاق العبد بعد أن يعتق] قال ابن القاسم في المدونة: ومن اشترى عبدًا فأعتقه ثم استحق، فللمستحق أن يفسخ عتقه ويصير رقيقًا لسيده أو يجيز البيع فيتم عتقه.
محمد: وقال أشهب: ولو كان ليس لربه رد العتق؛ لكان ذلك داعية إلى زوال رقيق الناس من أيديهم بأن يجعل العبد من يبيعه ممن يعتقه.
قال محمد: ولو أنه بعد العتق وارث الأحرار، وشهد ونفذت أموره على أمور الأحرار، ثم استحق فاختار ربه إجازة البيع ونفاذ العتق لنفذت أموره المتقدمة على أمور الأحرار، وليس على أن البيع والعتق اليوم جاز، إنما البيع والعتق جائز حتى يُرد؛ كالمولى عليه يتزوج بغير إذن وليه، أو عبد بغير إذن سيده فيُجيزه فهو جائز بالعقد الأول، وإن أخذه سيده ردت أفعاله كلها إلى حكم الرق، فإن كان اقتص له من قاطع كفه لرجع المقتص منه على عاقلة الإمام

الجزء: 18 - الصفحة: 480

بدية كفه، ورجع عليه السيد بما نقصه.
[(7) فصل: في استحقاق الدار بعد أن بنيت مسجدًا] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن بنى داره مسجدًا ثم استحقها رجل فله هدمه؛ كمن باع عبدًا فأعتقه ثم استحق، فلربه رد البيع والعتق.
قال سحنون في غير المدونة: كأنه نحا إلى أن يأتي النقض- لما جعله الله- فلا يأخذ فيه قيمة ولكن يأخذه ويجعله في مسجد غيره، وهذا إنما يكون فيمن بنى في غصب بلا شبهة، فأما إذا بنى بشبهة فإنما يقال للمستحق: أعطه قيمته قائمًا، فإذا أخذ قيمته جعلها في نقض مثله في بناء مسجد.
قال بعض العلماء: وقد يكون ابن القاسم أراد أنه لما حبس الأنقاض لم يقض فيها بقيمة، وإن كان بشبهة، ألا ترى أن سحنونًا لم يجعل للمغصوب منه أن يُعطي قيمة الأنقاض منقوضًا؛ لأن ذلك يؤدي إلى إبطال الحبس، وكذلك المشتري ليس له أخذ قيمة الأنقاض؛ لأن ذلك الحبس إنما هو لله تعالى، فصا أخذ عينه أولى ويجعل في بناء مسجد غيره.

الجزء: 18 - الصفحة: 481

[الباب السادس] فيمن اشترى سلعًا أو رقيقًا فاستحق بعضها أو

وجد به عيبًا، وحكم المكيل والموزون في ذلك

[(1) فصل: فيمن اشترى سلعًا كثيرة فاستحق بعضها، أو وجد به عيبًا قبل قبضها أو بعده] قال مالك: ومن اشترى ثيابًا كثيرة أو صالح بها من دعواه فاستحق بعضها، أو وجد به عيبًا قبل قبضها أو بعد، فإن كان ذلك أقلها رجع بحصته من الثمن فقط، وإن كان وجه الصفقة- محمد: مثل أن يقع له أكثر من نصف الثمن- انتقض ذلك كله ورد ما بقي، ثم لا يجوز له أن يتماسك بما بقي بحصته من الثمن، وإن رضي البائع؛ إذ لا يعرف حتى يقوم، وقد وجب الرد فصار بيعًا مؤتنفًا بثمن مجهول- وأجازه ابن حبيب- ولو كان ما ابتاع مكيلاً أو موزونًا، فإن استحق القليل منه رجع بحصته من الثمن أو يرده، وكذلك في جزء شائع مما لا ينقسم؛ لأن حصته من الثمن معلومة قبل الرضا به.
قال مالك: ومن ابتاع سلعًا كثيرة صفقة واحدة فإنما يقع لكل سلعة منها حصتها من الثمن يوم وقعت الصفقة.
[(2) فصل: فيمن اشترى صبرتين جزافًا على أن لكل صبرة من الثمن كذا فاستحقت إحدى الصبرتين] ومن ابتاع صبرة قمح وصبرة شعير جزافًا في صفقة بمئة دينار على أن لكل

الجزء: 18 - الصفحة: 482

صبرة خمسين دينارًا، أو ثيابًا أو رقيقًا على أن لكل عبد أو ثوب من الثمن كذا وكذا، فاستحق أحد الصبرتين أو أحد العبيد أو أحد الثياب، فإن الثمن يقسم على جميع الصفقة فما أصاب الذي استحق من الثمن وضع عن المبتاع- يعني إذا لم يكن وجه الصفقة- ولا ينظر إلى ما سميا من الثمن؛ لأنه لم يبع هذه بكذا إلا على أن الأخرى بكذا فبعضها يحمل بعضًا، وقيل: البيع فاسد إذا أطلق هكذا؛ لأنه كالمشترط الأنض الثمن، وأن ما سميا هو الذي يرجع به في الاستحقاق.
محمد: فإن كان الثمن مما لا ينقسم رجع بقيمة الحصة التي قابلت منه المستحق، يريد: مثل أن يكون الثمن عبدًا وقد استحق ربع الصفقة، فإنه يرجع بربع قيمة العبد ولا يرجع في عينه إن كان قائمًا؛ لضرر الشركة، وقاله ابن القاسم وأشهب: فيمن وجد ببعض الصفقة عيبًا، وقال أشهب أيضًا: بل يرجع في العبد نفسه.
ومن المدونة: ولو اشترى صبرة القمح، وصبرة الشعير على الكيل على أن كل قفيز بدينار لم يجز البيع؛ للغرر إذ لا يدري كم القمح من الشعير.
ومن غير المدونة: وإن قال: عشرة أقفزة من هذه، وعشرة من هذه كل قفيز بدينار جاز.

الجزء: 18 - الصفحة: 483

[(3) فصل: فيمن اشترى عبدين صفقة فاستحق أحدهما بعد قبضه أو قبله] ومن المدونة: ومن اشترى عبدين في صفقة فاستحق أحدهما بحرية بعد أن قبضه أو قبل، فإن كان وجه الصفقة فله رد الباقي، وإن لم يكن وجهها لزمه الباقي بحصته من الثمن، وإنما يقوم المستحق قيمته أن لو كان عبدًا، وكذلك لو كان المستحق مكاتبًا أو مدبرًا أو أم ولد.

الجزء: 18 - الصفحة: 484

[الباب السابع] في المتصالحين على الإقرار والإنكار،

يستحق ما بيد أحدهما.

[(1) فصل فيمن ادعى شيئًا بيد رجل ثم اصطلحا على الإقرار على عرض فاستحق] قال ابن القاسم: ومن ادعى شيئًا بيد رجل ثم اصطلحا على الإقرار على عرض، فاستحق ما أخذ المدعي، فليرجع على صاحبه فيأخذ منه ما أقر له به إن لم يفت فإن فات بتغير سوق أو بدن وهو عرض أو حيوان، رجع بقيمته، حكمه حكم البيع سواء.
قال أشهب في المجموعة: وإن استحق ما بيد المدعى عليه بالبينة والحكم، فليرجع على المدعي بما دفع إليه.
وقال الطحاوي في كتابه: لا يرجع عليه بشيء؛ لأنه أقر أنه للمدعي وأن ما أخذ منه ظلم، وذكر أن هذا قول أهل المدينة وابن أبي ليلى ومن قال بقولهم.

الجزء: 18 - الصفحة: 485

[(2) فصل: فيمن ادعى شيئًا بيد رجل ثم اصطلحا على الإنكار فاستحق] ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان الصلح على الإنكار فاستحق ما بيد المدعي عليه، فليرجع بما دفع إن لم يفت، فإن فات بتغير سوق أو بدن وهو عرض أو حيوان رجع بقيمته.
[(1) فرع: في المدة التي يحق للمدعى عليه أن يرجع فيها] وقال في المجموعة: إن استحق بحضرة الصلح فليرجع ما دفع، وإن كان ذلك قد تطاول في مثل ما تهلك فيه البينات، وينقطع فيه العلم فلا يرجع بشيء؛ لأن الذي صالح يقول: كانت لي بينة عادلة، فمنعتني من أن أثبت حقي، ودفعتني بما أعطيتني، فلما هلكت بينتي، وأخذت من يدك بالجور والعداء تريد أن ترجع علي؟ فلا أرى له أن يرجع عليه، والصلح لهما لازم.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا يرجع على المدعي بشيء؛ لأنه إنما أعطاه ما صالحه عليه دفعًا للخصومة عن نفسه لا لشيء ثبت له عليه، ومن أصحابنا من يرى له الرجوع عليه بما أعطاه أو قيمته أو مثله؛ لأنه يقول: إنما أعطيتك خوفًا أن يستحق ما في يدي، فإذا لم يكن لك ملك فبأي شيء تأخذ مني ما صالحتني عليه؟ قال سحنون: والأول أبين وأثبت.
[المسألة الأولى: إذا استحق ما قبض المدعي والصلح على الإنكار فبماذا يرجع؟] قال سحنون: وإن استحق ما قبض المدعي والصلح على الإنكار، فليرجع

الجزء: 18 - الصفحة: 486

بقيمة ما قبض أو مثله إن كان يوجد له مثل.
وقال ابن اللباد: المعروف من قول أصحابنا- إذا استحق ما بيد المدعي والصلح على الإنكار- أنهما يرجعان على الخصومة، وقاله أبو سعيد ابن أخي هشام وغيره.
م: والصواب في هذا أن يرجع بقيمة ما استحق من يده أو مثله؛ لأن الرجوع إلى الخصومة غرر؛ إذ لا يردي ما يصح له، فلا يرجع من معلوم إلى مجهول؛ ويكون كمن صالح من دم عمد- وجب له- على عبد فاستحق، فإنه يرجع بقيمته؛ إذ لا ثمن معلومًا لعوضه فكذلك هذا.
[فائدة في تحصيل الاختلاف في هذه المسألة] م: وتحصيل هذا الاختلاف: أنه لا خلاف إذا استحق ما بيد المدعي والصلح على الإقرار أنه يرجع في شيئه أو قيمته، أو مثله إن فات كالبيع.
وإن استحق ما بيد المدعى عليه فقيل: يرجع بما دفع، وقيل: لا يرجع وإن كان الصلح على الإنكار فاستحق ما أخذ المدعي فقيل: يرجع بقيمة ما قبض أو مثله، وقيل: يرجعان على الخصومة.
وإن استحق ما بيد المدعى فقيل: يرجع بما دفع إليه، وقيل: لا يرجع بشيء، وقيل: إن استحق بحضرة الصلح رجع، وإن كان بعد الطول الكثير لم يرجع.

الجزء: 18 - الصفحة: 487

ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان له على رجل مئتان فصالحه على أن يترك له مئة، وعلى أن يأخذ بالمئة الأخرى عبده ميمونًا، فذلك جائز، فإن استحق العبد فإنه يرجع بالمئتين؛ لأن مالكًا قال: فيمن باع سلعة بثمن سماه على أن يأخذ بذلك الثمن سلعة بعينها نقدًا أو مضمونة مؤجلة إن البيع إنما وقع بتلك السلعة، ولا أنظر إلى اللفظ ولكن إلى ما انعقد من الفعل، فإذا صح الفعل لم يضرهم قبح كلامهم.
والله المستعان.

الجزء: 18 - الصفحة: 488

[الباب الثامن] فيمن نكح أو خالع أو صالح من دم عمد على

عوض أو قاطع به مكاتبًا ثم استحق العوض

[(1) فصل: فيمن نكح أو خالع أو صالح من دم عمد على عوض ثم استحق ذلك العوض] قال مالك: ومن صالح من دم عمد- وجب له- على عبد، جاز ذلك، فإن استحق العبد رجع بقيمته- إذ لا ثمن معلومًا لعوضه- ولا سبيل إلى القتل، وكذلك من نكح بعبد فاستحق أو وجدت المرأة به عيبًا فإنها ترده وترجع على الزوج بقيمته- لا بمهر مثلها- وتبقى له زوجة، والخلع بهذه المنزلة.
[(1) فرع: فيمن فرق بين أن يستحق العوض- إذا كان عبدًا- بملك أو بحرية] قال أشهب في المجموعة: وسواء استحق بملك أو حرية فإنها ترجع بالقيمة.
وقال المغيرة: إن استحق بحرية رجعت بصداق المثل، وكأنه لم يمهرها شيئًا وإن استحق بملك رجعت بقيمته؛ لأن ربه لو تركه للزوج لم يكن لها غيره، ولو مات في يديها ثم استحق بملك، فلا شيء لها، ويرجع ربه على الزوج، وإن استحق بحرية رجعت عليه بصداق المثل؛ لأنه لم يعطها شيئًا.
[المسألة الأولى: إذا تزوجت المرأة بشقص من دار فأراد الشفيع أخذه] ومن المدونة قال مالك: وإن تزوجت المرأة بشقص من دار فأراد الشفيع أخذه، فليأخذه بقيمة الشقص لا بصداق مثلها.

الجزء: 18 - الصفحة: 489

[(2) فصل: فيمن كاتب عبده فعتق ثم استحق ما دفعه العبد] ومن كاتب عبده على عرض موصوف أو حيوان أو طعام فقبضه وأعتق العبد ثم استحق ما دفع العبد من ذلك، فأحب إليّ ألا يرد العتق ولكن يرجع عليه بمثل ذلك.
قال في كتاب المكاتب: وإن قاطع سيده على عبد فاعترف مسروقًا، فليرجع السيد على المكاتب بقيمة العبد.
قال ابن نافع: فإن لم يكن له مال عاد مكاتبًا.
وقال أشهب: لا يرد عتقه؛ لأن حرمته قد تمت، ويتبع بذلك.
قالا عن مالك: وإن قاطع سيده على وديعة أودعت عنده فاعترفت فليرد عتقه، ويرجع مكاتبًا.
وقال ابن القاسم: إن غر سيده بشيء تقدمت له فيه شبهة ملك، ثم استحق مضى عتقه، ورجع عليه بقيمة ما استحق في ملئه، ويتبع به في عدمه، وإن لم يتقدم له فيه شبهة ملك رجع مكاتبًا.
[المسألة الأولى: فيمن أعتق عبده غير المكاتب على عرض موصوف أو حيوان أو طعام فقبضه ثم استحق ما قبض السيد] ومن كتاب الاستحقاق: وإن أعتقه على شيء مما ذكرنا بعينه وهو عبد غير مكاتب ثم استحق ذلك، فالعتق ماض لا يُرد، وهذا بين لا شك فيه؛ لأنه

الجزء: 18 - الصفحة: 490

كأنه مال انتزعه منه ثم أعتقه.
قال ابن القاسم في كتاب التدليس: ولو بعته نفسه بجارية وليست له يومئذ- قال يحيى: وهي بعينها في ملك غيره- قال ابن القاسم: ثم وجدت بها عيبًا فلتردها عليه، ويتبعه بقيمتها، وهو حر تام الشهادة.

الجزء: 18 - الصفحة: 491

[الباب التاسع] في استحقاق الثمن أو المثمون أو بعض ذلك،

وفي بيع العرض بالعرض

[(1) فصل: في استحقاق الثمن والمثمون أو بعض ذلك] قال مالك: ومن اشترى عبدًا فأصاب به عيبًا فصالحه البائع على العيب على عبد آخر دفعه إليه جاز، وكأنهما في صفقة، فإن استحق أحدهما فليفض الثمن عليهما وينظر هل هو وجه الصفقة أم لا؟ كما وصفنا فيمن ابتاع عبدين في صفقة فاستحق أحدهما.
[(2) فصل: في استحقاق أحد العرضين إذا بيع بالآخر] ومن باع عبدًا بعبد فاستحق أحدهما من يد مبتاعه أو رده بعيب، فإنه يرجع في عبده الذي أعطاه فيأخذه إن وجده، وإن فات بتغير سوق أو بدن لم يكن له إلا قيمته يوم الصفقة، ولا يجتمع لأحد في هذا خيار في أخذ سلعته أو تضمينها.
[المسألة الأولى: إذا كان أحد العرضين عبدًا فاستحق] قال مالك: وإن بعت عبدًا بثوب فاستحق الثوب وقد عتق العبد، فإنك ترجع بقيمة العبد، وإن ابتعت جارية بعبد فحال سوقها عندك، أو ولدت الأولاد ثم استحق العبد بملك أو حرية فإنما عليك قيمة الجارية يوم الصفقة، وكذلك إن زوجت الأمة ثم استحق العبد أو وجد به عيب فذلك في الجارية فوت، أخذت لها مهرًا أم لا، وعليك قيمتها يوم الصفقة؛ لأن التزويج عيب، وقد قال مالك: فيمن ابتاع أمة فزوجها ثم وجد بها عيبًا فليردها وما نقصها التزويج، والنكاح

الجزء: 18 - الصفحة: 492

لا شك أنه نقصان عند الناس وإن كانت من وخش الرقيق.
[المسألة الثانية: فيمن باع عرضًا بعرض فاستحق جزء أحدهما] قال مالك: ومن باع جارية بعبد فقبضه ثم أعتقه ثم استحق نصف الجارية قبل حوالة سوقها، فلمبتاعها حبس نصفها الباقي والرجوع بنصف قيمة عبده أو رد باقيها وأخذ جميع قيمة عبده لفوته بالعتق، وذلك إن كان الغلام هو الذي استحق نصفه والجارية هي المعتقة على ما ذكرنا.
م: ولو كان العبد قائمًا لم يعتق فأراد أن يمسك نصف الجارية ويرجع بنصف العبد لم يكن له ذلك عند ابن القاسم لضرر الشركة وله ذلك عند أشهب، وقال في قيام العبد: له حبس نصف الجارية والرجوع بنصف قيمة العبد مع قدرته على رد نصف الجارية وأخذ جميع العبد، فصار إذا حبس أخذ نصف قيمة العبد وذلك مجهول وقد أمكنه الرد، فهذا رجوع منه إلى ما روى ابن حبيب أن ذلك جائز، إلا أن يقول لا يكون له التخيير إلا بعد معرفة نصف قيمة العبد.
وقال ابن القاسم في كتاب القسم: ومن ابتاع عبدًا فباع نصفه، ثم استحق رجل ربع جميع العبد، فقد جرى الاستحقاق فيما بيع منه وفيما بقي.
ومن قول مالك فيمن ابتاع عبدًا كاملاً فاستحق أيسره أن له رده كله لضرر الشركة فيه، فالمستحق في مسألتك يأخذ الربع من جميعه مما باع المبتاع، ومما أبقى، ثم للمبتاع الثاني أن يرجع من ثمنه على بائعه بقدر ما استحق من العبد من

الجزء: 18 - الصفحة: 493

حصته، أو يرد بقية صفقته إن شاء، ويكون المشتري الأول مخيرًا كما وصفنا.
قال سحنون: هذه خطأ وإنما يقع الاستحقاق فيما بقي بيده دون ما باع ويرجع المشتري على بائعه بقدر ما استحق، وليس له رد ما بقي؛ لأنه قد باع نصف العبد.
م: وإنما جعل ابن القاسم للمبتاع الثاني الرد وهو على ضرر الشركة دخل؛ لزيادة الضرر عليه؛ لأنه يقول إنما رضيت مشاركتك لنصفك فإذا دخل معنا ثالث فلا أرضى مشاركته، لغير ما وجه يتعذر به؛ كالشفيع إذا قيل له: إن فلانًا قد ابتاع نصيب شريكك، فسلم، ثم ظهر أنه ابتاعه فلان وآخر معه فله القيام بشفعته؛ لزيادة الضرر عليه.

الجزء: 18 - الصفحة: 494

[الباب العاشر] في استحقاق الهبة أو العوض منها

قال مالك: ومن وهب لرجل هبة ثم عوضه منها، فاستحق العوض، فإنه يرجع في هبته إن كانت قائمة إلا أن يعوضه قيمته فتلزمه، وليس للواهب قيمة العوض وإن كان أكثر من الهبة؛ لأن الذي زاده أولاً في عوضه على قيمة هبته إنما كان تطولاً، وإن استحقت الهبة رجع في العوض إلا أن يفوت في بدن أو سوق، فيأخذ قيمته يوم قبضه الواهب.
قال أشهب في المجموعة: إن كان أثابك ذلك بعدما لزمته هبتك بقيمتها فإنما باعك ذلك بيعًا بالقيمة، فإنما لك عليه إذا استحق ذلك بيدك قيمة هبتك، وإن كان إنما أثابك ذلك قبل أن تلزمه قيمة الهبة فذلك بيع للعوض بسلعتك، فإنما لك عليه قيمة ما أخذ منك بسلعته المستحقة؛ كمن باع سلعة بسلعة، ولو أثابك دنانير قبل أن تلزمه السلعة بقيمتها، فاستحقت الدنانير فإنك ترجع بمثل تلك الدنانير، ولو أثبكها بعد أن لزمته هبتك بالقيمة فإنما ترجع عليه بقيمة سلعتك، وما كان زادك أولاً صلة ليس لك الرجوع عليه بها إلا أن يكون كان أثابك دنانير أقل من قيمتها فقبلتها ثم استحقت، فلترجع بمثل تلك الدنانير لا بهبتك ولا بقيمتها في فوتها، وهذا كمن تزوج بتفويض فدفع إليها دنانير أو عروضًا في صداقها قبل البناء فاستحق ذلك من يدها فإنها ترجع عليه بجميع ما اعترف في يديها الذي كان أصدقها، وإن دفع ذلك إليها بعد البناء فلترجع عليه بصداق المثل يوم عقد النكاح.

الجزء: 18 - الصفحة: 495

[الباب الحادي عشر] فيمن شهد بموته فقسم ماله، أو بيع ثم

استحقت رقبته، أو قدم حيًا

قال ابن القاسم: ومن أوصى بحج أو غيره، ثم مات فبيعت تركته وأنفذت وصيته ثم استحقت رقبته، فإن كان معروفًا بالحرية لم يضمن الوصي ولا متولي الحج شيئًا، ويأخذ السيد ما كان قائمًا من التركة لم يبع، وما بيع وهو قائم بيد مبتاعه فلا يأخذه السيد إلا بالثمن، ويرجع بذلك الثمن على البائع، وكذلك قال مالك فيمن شهدت بينة بموته فبيعت تركته، وتزوجت زوجته ثم قدم حيًا، فإن ذكر الشهود ما يعذرون به في دفع تعمد الكذب؛ مثل أن يروه في معركة [بين] القتلى طريحًا فيظنوا أنه ميت، أو طعن فلم يتبين لهم أن به حياة، أو شهدوا على شهادة غيرهم، فهذا تُرد إليه زوجته وليس له من متاعه إلا ما وجده لم يبع، وما بيع فهو أحق به بالثمن إن وجده قائمًا لم يفت، وأما إن فاتت عينه بيد مبتاعه، أو تغير عن حاله في بدنه أو فات بعتق أو تدبير أو كتابة أو أمة تحمل من السيد أو صغير يكبر، فإنما له الرجوع بالثمن على من باع ذلك كله، فإن لم تأت البينة بما يعذر به من شبهة دخلت عليهم فذلك كتعمدهم للزور فليأخذ متاعه حيث وجده، وإن شاء أخذ الثمن الذي بيع به، وتُرد إليه زوجته، وله أخذ ما عتق من عبد أو كوتب أو دبر، أو صغير كبر، أو أمة اتخذت أم ولد، فيأخذها وقيمة ولدها من المبتاع يوم الحكم؛ كالمغصوبة يجدها بيد مشتر.

الجزء: 18 - الصفحة: 496

وقال عبد الملك في المجموعة: إذا نعي الرجل ثم قدم حيًا فإن ما بيع من ماله ماض وقد بيع بشبهة ووطئ بها الفرج واستحل، ورفع به الضمان، وأما الزوجة فترد إليه، وما أنفذ له من عتق مدبريه فليرد، وكذلك أم الولد.
[(1) فائدة: في سبب التفريق بين المسائل السابقة وبين مسائل الاستحقاق] م: فرقوا بين هذه المسائل ومسائل الاستحقاق؛ لتولي الحاكم بيع ذلك قياسًا على ما بيع في المغانم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للذي وجد بعيره في المغنم: ((إن وجدته فخذه، وإن قسم فأنت أحق به بالثمن)).
[(2) فائدة: في بيان سبب التفريق بين من شهد الشهود بتحقيق موته وبين شهادتهم بغير تحقيق].
وإنما فرقوا بين الذي لم يعرف بالحرية وشهادتهم بغير تحقيق وبين شهادتهم بتحقيق موته- وإن كان الحاكم قد ولي بيع ذلك- لأن هؤلاء كالغصاب؛ كما لو غصب رجل عبدًا فباعه عليه الحاكم في دين ولم يعلم بغصبه، أن ربه إن أتى ينقص بيع الحاكم فيه؛ لأنه بيع بغير حق، ولا شبهة ملك، وكقطاعة المكاتب سيده بما لم تتقدم له فيه شبهة ملك أن ذلك ينقض، وإنما ردت إليه زوجته على كل حال وإن دخل بها بخلاف امرأة المفقود؛ لأن المفقود تزوجت امرأته مع إمكان حياته لما تقدم لها من ضرب الأجل والتلوم وأنه لم يمت بعد.
م: وتشبه هذه المسائل مسألة الذي باع الحاكم عليه متاعه في دين ثبت عليه في غيبته، فيأتي فيثبت بالبينة أنه كان قد قضاه فلا يأخذ شيئًا مما بيع عليه

الجزء: 18 - الصفحة: 497

حتى يدفع الثمن للمشتري.
[(3) فائدة: كل ما باعه الإمام يظنه لرجل فإذا هو لغيره فربه أحق به بالثمن] م: اعرف أن كل ما باعه الإمام يظنه لرجل فإذا هو لغيره فربه أحق به بالثمن؛ أصله: ما بيع في المغانم، ثم استحقه رجل، أنه له، وهذه المسألة التي استحقت رقبته بعد موته، والذي شهدت البينة بموته وذكروا ما يعذرون به، وأما ما باعه على ربه لغيبته في حق عليه كمن قيم عليه بدين فبيع عليه ربعه أو رقيقه ثم قدم فأثبت أنه قد قضى الدين، أو بيع عليه رقيقه، أو حيوانه أو متاعه؛ لأن ذلك ضال، أو وجد مع لصوص ثم أتى ربه وأقام البينة أن ذلك له فليس له أخذ ذلك؛ لأنه بيع عليه بيع نظر له فهو بخلاف ما بيع يظن أنه له فإذا هو لغيره فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.

الجزء: 18 - الصفحة: 498

[الباب الثاني عشر] في استحقاق الثمن والمثمون في السلم

[(1) فصل: في القضاء في الدنانير والدراهم إذا استحقت في البيع والسلم] قال ابن القاسم: والقضاء في الدنانير والدراهم إذا استحقت في البيع ألا ينتقض؛ لأنها أثمان لا تراد لعينها وسائر المثمونات تُراد لعينها، وكذلك ما استحق من السلع المضمونة رجعت بمثله بخلاف المعينات، فمن أسلم دنانير في طعام أو غيره فاستحقت بيد المسلم إليه قبل أن تقبض ما أسلفت فيه أو بعد فالسلم تام، وعليك مثلها، وكذلك الدراهم والفلوس، وكذلك في البيع الناجز.
قال سحنون في المجموعة: ومن لا يجيز القراض بالتبر يرى أنها إذا استحقت انتقض السلم.
[(2) فصل: في غير الدنانير والدراهم إذا استحقت في البيع والسلم] [المسألة الأولى: في المعينات إذا أسلمت في طعام أو غيره فاستحقت] قال ابن القاسم: ولو أسلمت عرضًا أو حيوانًا أو رقيقًا أو شيئًا من السلع في حنطة موصوفة فاستحق ما دفعت، أو وجد به عيب- فرده- قبل أن تقبض الطعام، أو بعد قبضه، فالسلم ينتقض، ويرجع، فيأخذ طعامه إن كان قائمًا، أو مثله إن كنت استهلكته.
[المسألة الثانية: في الطعام أو العرض إذا أسلم فاستحق] وإن أسلمت شيئًا مما يكال أو يوزن من طعام أو عرض فيما يجوز أن يسلم فيه

الجزء: 18 - الصفحة: 499

فاستحق ما دفعت، أو وجد به عيب فرده فإن السلم ينتقض، ولا يرجع عليه بمثل كيله ولا وزنه؛ أو لا ترى أن من ابتاع طعامًا كيلاً أو وزنًا فتلف قبل أن يقبضه انتقض البيع وليس للبائع أن يأتي بطعام مثله، ولا ذلك عليه.
[المسألة الثالثة: في العرض إذا بيع بعرض ثم استحق] وإن ابتعت عرضًا بعرض ثم استحق أحد العرضين، انتقض البيع ورجع من استحق ذلك من يده على صاحبه بعرضه فيأخذه، فإن فات بتغير بدن أو سوق رجع بقيمته، وإن كان العرض الذي يرجع به مما يكال أو يوزن، أو كان طعامًا يُكال أو يوزن أخذه وإن حال سوقه إلا أن يفوت أو يتغير في عينه فيرجع بمثله إلا أن يكون ابتاعها بجزاف ففيه القيمة يوم البيع كالعروض.
[المسألة الرابعة: فيمن أسلف في طعام أو سلعة أو عبد فلما قبضه استحق من يده] ومن أسلف في طعام مضمون أو سلعة أو عبد فلما قبضه استحق من يده، فإنه يرجع بمثله في صفته التي شرط لا ينظر أزاد عنده أو نقص، ولا ينتقض السلف.
[المسألة الخامسة: فيمن ابتاع سلعة على أن يهبه البائع أو يتصدق عليه فاستحقت السلعة وفاتت الهبة] ومن ابتاع سلعة على أن يهبه البائع أو يتصدق عليه، فإن كان شيئًا معلومًا جاز ذلك، فإن استحقت السلعة وفاتت الهبة، فإن الثمن يفض على قيمتها من قيمة الهبة، فيرجع من الثمن بحصة السلعة؛ لأن الثمن إنما وقع على السلعة وعلى ما شرط من الهبة، يريد: كانت السلعة

الجزء: 18 - الصفحة: 500

وجه الصفقة أو لم تكن إذا كان الثمن عينًا أو كان عرضًا قد فات، وأما لو كان عرضًا قائمًا لافترق وجه الصفقة من غيره، فإن كانت السلعة هي الوجه، رد قيمة الهبة وأخذ عرضه.
[المسألة السادسة: فيمن قال أبيعك عبدي هذا بخمسة أثواب موصوفة إلى أجل] ومن قال لرجل: أبيعك عبدي هذا بخمسة أثواب موصوفة إلى أجل، فالعبد رأس المال، ولو قال له: أشتري منك عبدك هذا بعشرة أثواب إلى أجل، فالعبد رأس المال فإن استحق العبد بطل السلم.
[المسألة السابعة: فيمن أسلم ثوبًا في عشرة أرداب حنطة إلى أجل وعشرة دراهم إلى أجل أبعد منه ثم استحق نصف الثوب] ومن أسلم ثوبًا في عشرة أرادب حنطة إلى أجل وعشرة دراهم إلى أجل أبعد منه، جاز ذلك، فإن استحق نصف الثوب قبل أن يدفعه أو بعد، فالمسلم إليه مخير في رد باقي الثوب وينتقض السلم، أو التماسك بنصفه ويلزمه نصف الطعام ونصف الدراهم؛ لأن من ابتاع عبدًا أو ثوبًا بثمن فاستحق نصف ذلك خير المبتاع في رد باقيه أو يتماسك به ويرجع على البائع بنصف الثمن وإن كره، وكذلك كل ما يدخله ضرر الشركة، فما استحق منه من جزء قل أو كثر، فله نقض البيع؛ للضرر في منع وطء الأمة، والسفر بالعبد ونحو ذلك وهو

الجزء: 18 - الصفحة: 501

مما لا ينقسم، وله الرضا بباقيه والرجوع بحصة المستحق من الثمن.
محمد: فأما جماعة رقيق يستحق منهم جزء شائع، فإن أخرجه القسم فهو كاستحقاق رأس بعينه، وإن لم يخرجه القسم فهو كاستحقاق بعض عبد.
[المسألة الثامنة: فيمن أسلم ثوبين في فرس موصوف فاستحق أحدهما] قال ابن القاسم: ومن أسلم ثوبين في فرس موصوف فاستحق أحدهما فإن كان وجه الثوبين بطل السلم، وإن كان الأدنى رده ورجع بقيمته وثبت السلم، وهذا وما بيع يدًا بيد سواء، ما يفسخ في بيع يد بيد يفسخ في السلم.
وروى محمد: أنه يرجع بحصته من قيمة الفرس- فإن كانت قيمة أدنى الثوبين من قيمة صاحبه الربع، رجع بربع قيمة الفرس في صفقته إلى أجل وثبت السلم.
قال محمد: من قيمة الفرس إلى أجله على مثل بائعه، يريد: إن كان الثوب الربع أعطاه ربع قيمة الفرس نقدًا على أن يقبض الفرس إلى الأجل.
م: يريد: لضرر الشركة.

الجزء: 18 - الصفحة: 502

وعلى قول أشهب يأتي المسلم إليه بالفرس عند الأجل على الصفة ويكون له ربعه.
وروى عيسى عن ابن القاسم: فيمن ابتاع دابة بثوبين قيمتهما سواء فاستحق أحدهما قال: يرجع بنصف قيمة الدابة فاتت أو لم تفت.
[المسألة التاسعة: فيمن أسلم ثوبين قيمتها سواء في فرسين صفقة واحدة فاستحق أحد الثوبين] م: قيل فإن أسلم ثوبين قيمتهما سواء في فرسين صفقة واحدة فاستحق أحد الثوبين، لوجب أن يسقط أحد الفرسين ويبقى له عليه فرس إلى أجل؛ لأن كل ثوب له نصف فرس، فإذا بقي له نصفًا فرسين، جمع له ذلك في فرس واحد لاتفاق الصفة، وأجبر على الإتيان بفرس؛ كما لو أسلم إليه في نصف فرس ثم أسلم إليه في نصف فرس على الصفة؛ لأجبر على أن يأتيه بفرس كامل؛ وكمن باع بنصف دينار ثم باع بنصف آخر لأجبر على أن يأتيه بدينار كامل، ولو أسلم ثوبين متكافئين في طعام فاستحق أحدهما فرضي بالباقي فقال مشتري الطعام: قد ذهب لي نصف ما اشتريت وقد قصدت شراء الجملة لرخصه، فله حجة في فسخ البيع كاستحقاق نصف الطعام.

الجزء: 18 - الصفحة: 503

[الباب الثالث عشر] في: القضاء في الاستحقاق في بيع الحلى

بمثله أو بخلافه، وأخذ الثمن

قال ابن القاسم: ومن اشترى إبريق فضة بدنانير أو دراهم، فاستحقت الدنانير أو الدراهم انتقض البيع؛ لأنه صرف، - وكان مالك يكره هذه الأشياء التي تصاغ من الذهب والفضة من الأباريق، والمداهن، والمجامر، وكره أن تشترى- ومن اشترى خلخالين من رجل بدنانير أو دراهم، فنقده ثم استحقها رجل بعد التفرق، فأراد إجازة البيع واتباع البائع بالثمن لم يجز ذلك، ولو استحقها قبل تفرق المتبايعين واختار أخذ الثمن فلا بأس به إن حضر الخلخالان وأخذ الثمن مكانه، ولو كان المبتاع قد بعث بهما إلى بيته لم تجز، ولو افترقا لم أنظر إلى ذلك الافتراق، ولكن إذا حضر الخلخالان وأخذ المستحق الثمن من البائع أو من المبتاع مكانه فذلك جائز، وإن غاب الخلخالان لم يجز.
قال أشهب: هذا استحسان والقياس الفسخ؛ لأنه صرف فيه خيار.
قال سحنون: القياس قول ابن القاسم، وقول أشهب: أنه مفسوخ، ليس بشيء.
وجميع هذا موعب في كتاب الصرف.

الجزء: 18 - الصفحة: 504

[الباب الرابع عشر] فيمن يتعرف شيئُا فيهلك قبل أن يُقضى له به

من العتبية قال سحنون: قال مالك: فيمن أقام بينة في عبد أنه غصب منه وهو بيد مشتر فمات العبد بعد قيام البينة، فإن مصيبته من الذي استحقه.
قال سحنون: وأنا أقول: إن المصيبة من المشتري حتى يقضى به لمستحقه.
وقال عنه ابن القاسم: في رجل اعترف جارية عند مبتاع، وأقام عدلين أنها له فهلكت الجارية بيد المبتاع قبل أن يُقضى بها لمستحقها، قال مالك: مصيبتها من الذي اعترفها ولا شيء له من ثمنها.
قال ابن القاسم: ويرجع المبتاع بالثمن على بائعه وهذا ما لم يكن وطئها المبتاع، فإن كان وطئها ولم يدع استبراء، فماتت قبل أن تستبرأ، فإن مصيبتها منه؛ لأن كل من عليه أن يستبرئ، فإن المصيبة منه حتى يستبرئ.
قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن ادعى عبدًا أو دابة بيد رجل وزعم أنه استودعه ذلك، فأنكر من هو بيده فخاصمه، فماتت الدابة أو العبد قبل أن يستحقها صاحبها، ثم تستحق قال: الجاحد غارم لقيمتها، وكذلك الدار

الجزء: 18 - الصفحة: 505

الجامع لمسائل المدونة للإمام العلامة ابن يونس المتوفى 451 هـ كتاب الحبس- كتاب الصدقة- كتاب الهبة والهبات كتاب الوصايا الجزء التاسع عشر إعداد فؤاد بن أحمد بن عبد الغني خياط

الجزء: 19 - الصفحة: 506

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل