كتاب الشفعة الأولى
[الباب الأول]
القضاء فيما فيه الشفعة وما لا شفعة فيه
[فصل: 1 - دليل مشروعية الشفعة، وأنها تكون فيما يقبل التقسيم] روى مالك وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الشفعة فيما لا يقسم، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة».
الجزء: 20 - الصفحة: 25
وقاله: عمر وعثمان.
قال بعض علمائنا في قوله عليه السلام: "فإذا وقعت الحدود فلا شفعة دليل أنه لا شفعة إلا فيما فيه الحدود من ربع أو أرض أو نخل أو عقار.
وفيه- أيضاً- حجة على من يقول أن للجار الشفعة؛ لأن الحدود بينهما قائمة، والأنصباء مفروزة، وإنما الشفعة في الشائع لقوله: "الشفعة فيما لم يقسم وهذا يقضي على من يرويه من قوله: "الجار أحق بصقبه".
الجزء: 20 - الصفحة: 26
والصقب: اللصيق، ومحمل ذلك عندنا على مجاورة الشركة؛ لأن الشريك يسمى جاراً والزوجة تسمى جارة.
قال الأعشى:-
(أجارتنا بيني فإنك طالقة ... كذاك أمور الناس غاد وطارقة)
فإذا حملت أحاديثهم على ذلك كانت الأخبار غير متناقصة، وصح الجمع بينهما.
[قال] ابن المواز: وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشفعة في كل
الجزء: 20 - الصفحة: 27
شرك في أرض أو ربع أو حائط.
[فصل 2 - الشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء]
ومن المدونة قال مالك: والشفعة فيما لم يقسم بين الشركاء من الدور والأرضين والنخل والشجر وما يتصل بذلك من البناء أو ثمره.
[فصل 3 - فيما لا شفعة فيه]
ولا شفعة بالجوار والملاصقة في سكة لا تنفذ أو غيرها.
وقاله: عمر عبد العزيز.
قال مالك: ولا شفعة بالشركة في الطريق، ومن له طريق في دار رجل فبيعت الدار فلا شفعة له فيها؛ لأنه إنما له حق في جوار ولا حق له في نفس الملك.
قال مالك: ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن، ولا بز ولا طعام ولا
الجزء: 20 - الصفحة: 28
سارية ولا حجر ولا عرض مما ينقسم أو لا ينقسم.
قال مالك في المجموعة: فيمن باع ديناً له على رجل فلا يكون من هو في ذمته أحق به بالشفعة، وبيعه نافذ إلا أن يجري على ضرر بيعه من عدو ونحوه.
[قال] ابن المواز: ولم يقل أحد إن في الدين الشفعة، ولكن الذي هو عليه أحق به للضرر؛ كما أن المكاتب أحق بما بيع من كتابته.
قال أشهب: هو فكاك من رق الدين الذي عليه.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي عليه الدين أحق بما بيع به من مشتريه"
الجزء: 20 - الصفحة: 29
قال ابن القاسم: قال مالك: إنه يحسن أن يكون أحق به ولا يقضي بذلك.
[فصل 4 - الشفعة في الساحة]
ومن المدونة قال المالك: وإذا اقتسم قوم داراً وتركوا الساحة لم يقسموها فباع أحدهم ما صار له من الدار فلا شفعة بينهم.
قال: وإذا كانت الساحة واسعة فأرادوا قسمتها ليحوز كل واحد حصته إلى منزل فيرتفق به، فإن لم يكن ضرر فلا بأس به.
قال سحنون: ولا يقسم بالسهم؛ لأن حظ أحدهم يصير على باب بيت الآخر.
الجزء: 20 - الصفحة: 30
قال أشهب في المجموعة: وليس لأحدهم بيع حصته من العرصة خاصة إلا أن يبيع نصيبه من البيوت وإن كانت العرصة واسعة إلا أن يجتمع ماؤهم على بيعها فيجوز، فإن أباه أحدهم فهو مردود؛ لأنها أبقيت مرفقاً بينهم.
[فصل 5 - لا شفعة في الماء ولا في فحل النخيل، وتعليل ذلك]
قال مالك: وإذا قسمت النخل وبقي فحلها أو ما يسقى به الأرض من عين أو بئر أو نهر فلا شفعة فيه.
وقاله عثمان بن عفان رضي الله عنه.
م: لأنهما تبع لأصل لا شفعة فيه، فوجب أن يكون لهما حكم الأصل، وللضرر الذي يدخل على المشتري في بقاء ما اشترى فلا فحل ولا بئر،
الجزء: 20 - الصفحة: 31
وذلك أشد من ضرر الشريك.
ولو كانت الأرض غير مقسومة لكان فيها الشفعة؛ لأنهما تبع الأصل فيه الشفعة وهي الأرض التي لم تقسم، ولا ضرر يدخل في ذلك على المشتري، وكأحد الشريكين يبيع حصته من الثمرة، والأصل بينهما مشاعاً.
[فصل 6 - الشفعة في الوقف]
ومن المدونة قال مالك: وإذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد بعض ورثته بيع نصيبه من البناء فلإخوته فيه الشفعة.
استحسنه مالك، وقال: ما سمعت فيه بشيء.
م: قيل معنى ذلك: أن الميت أوصى أن يملك ما بنى وأنه لم يبته على طريق التحبيس.
ولو لم يوص لم يجز للورثة بيعه، حسب ما قال في كتاب الحبس.
الجزء: 20 - الصفحة: 32
وقد يحتمل- أيضاً- أن يكون حبسه عليهم ليسكتوه خاصة كالتعمير، لا حبس موقوف والله أعلم.
[فصل 7 - الشفعة في أنقاض البناء]
قال مالك: ومن بنى في عرصة رجل بإذنه ثم أراد الخروج منها فلرب العرصة أن يعطيه قيمة النقض، يريد: مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
وإذا بنى رجلان في عرصة رجل بإذنه ثم باع أحدهما حصته من النقض فلرب الأرض أخذه بالأقل من قيمته، يريد: مقلوعاً، أو من الثمن الذي باعه به، فإن أبى فلشريكه الشفعة للضرر، والضرر أصل الشفعة، يريد: بالثمن.
فإن قيل: فلماذا أخذ رب الأرض النقض بالشفعة وهو لا شركة له في النقض، وهم قد قالوا: فيمن ابتاع نقض دار على أن يقلعه، فجاء رجل فاستحق القاعة وأراد أخذ النقض أنه يأخذه من المشتري بقيمته منقوضاً، ولا يأخذه بالثمن إذ لا شركة له في النقض.
الجزء: 20 - الصفحة: 33
قيل: الأشبه كان ألا يأخذه بالثمن، ولعله إنما استخفوا ذلك؛ لأن ثم من يأخذه بالشفعة وهو الشريك في النقض، وكان هذا لما كان مقدماً عليه حل محله.
وعلى هذا الاعتلال لو لم يكن معه شريك في النقض فباعه لم يأخذه رب الأرض إلا بقيمته؛ كما قالوا في الذي استحق القاعة وقد باع النقض من كانت بيده على القلع أنه لا يأخذه إلا بقيمته مقلوعاً.
وقال أشهب وسحنون: لا يجوز بيعه؛ لأن رب العرصة له أخذه، فتارة يشتري ثمناً وتارة يشتري نقضاً.
م: لو هذا أن يفسد ذلك البيع لم يجز أن يباع بشيء من المبتاع؛ لأن الشفيع فيه مقدم كرب العرصة.
الجزء: 20 - الصفحة: 34
قال في كتاب القسم: وإن أقام بناءهما في العرصة قدر ما يعار إلى مثله ثم أراد ربها إخراج أحدهما فإن قدر على قسمة البناء قسم، وخير في المخرج، فإما أعطاه قيمة حصته، يريد: مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
وإن لم ينقسم، قيل للشريكين: اصطلحا إما أن تتقاويا أو تبيعا، فإن أراد البيع فللمقيم في العرصة أخذ ذلك بما بلغ.
الجزء: 20 - الصفحة: 35
[الباب الثاني]
في الشفعة بين المسلم والذمي
[فصل 1 - الشفعة للذمي]
قال مالك: وإذا كانت دار بين رجلين؛ مسلم وذمي، فباع المسلم حصته من مسلم أو ذمي، فلشريكه الذمي الشفعة كما لو كان مسلماً.
م: لقوله عليه السلام: "الشفعة في كل شرك من ربع او حائط، لا يحل له أن يبيعه حتى يعرضه على شريكه، فإن باعه فالشريك أحق به بالثمن" فعم.
ولأنه حق موضوع لإزالة الضرر عن المال فاستوى فيه المسلم والكافر، كالرد بالعيب.
[فصل 2 - في شفعة النصراني]
قال ابن القاسم في المجموعة: إذا باع المسلم شقصه من نصراني والشفيع
الجزء: 20 - الصفحة: 36
نصراني فلا شفعة له؛ لأن الخصمين نصرانيان.
ولو باع النصراني نصيبه من نصراني فللمسلم الشفعة، يريد: بلا اختلاف.
[فصل 3 - الشفعة بين الذميين]
وقال في الشفعة: ولو كانت بين ذميين لم أقض بالشفعة بينهما إلا أن يتحاكما إلينا.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا كان المبتاع مثلهما فلا شفعة فيه وإن تحاكما إلينا.
وقد قال الأوزاعي: لا شفعة لنصراني.
قال أشهب في المجموعة: فإن كان أحد الثلاثة مسلماً بائع أو مبتاع أو شفيع ففي ذلك الشفعة.
الجزء: 20 - الصفحة: 37
[فصل 4 - الشفعة في المال الحرام]
وروى البرقي عن أشهب: في نصراني اشترى شقصاً من نصراني بخمر أو خنازير زالشفيع مسلم، فله الشفعة بقيمة الشقص.
وقال محمد بن عبد الحكم: بل بقيمة الخمر والخنازير.
وقال يحيى بن عمر؛ لأنهما مما يحل للنصراني تملكها، وهي ممن الشقص فأشبه شراء الشقص بعرض.
الجزء: 20 - الصفحة: 38
وقال عبد الملك: في المسلم يستهلك للنصراني خمراً لا قيمة له عليه، فإذا دفعها فذلك أحرى أن لا تكون لها قيمة.
م: والأشبه أن يأخذها بقيمة الشقص، لأن الشقص صار ملكاً لمشتريه، فلما تعذر أن يدفع إليه قيمة ثمنه إذ لا قيمة له عنده وجب أن لا يأخذه من يده إلا يدفع قيمته، والله أعلم.
الجزء: 20 - الصفحة: 39
[الباب الثالث]
في قسمة الشفعة بين الورثة والشركاء ومن أولى بذلك
[فصل 1 - الشفعة تقسم بين الورثة على قدر أنصابهم لا على عددهم]
قال مالك: والقضاء أن الشفعة إذا وجبت للشركاء قسمت بينهم على قدر أنصبائهم لا على قدر عددهم.
قال ابن القاسم: وقاله علي بن أبي طالب.
وقال أشهب في المجموعة: لأن الشفعة إنما وجبت بشركتهم لا بعددهم فيجب تفاضلهم فيها بتفاضل الشركة.
قال عبد الوهاب: ولأن الشفعة معنى هو مستفاد بالملك فوجب أن يكون
الجزء: 20 - الصفحة: 40
معتبراً بقدر الأملاك لا بقدر الملاك، أصله غلة الدار وكسب العبد وربح المال.
وقال أبو حنيفة: هي على عدد الروؤس.
ومن المدونة قال مالك: وإن كان للمبتاع منهم سهم متقدم حاصهم به فقط.
[فصل 2 - استحقاق الورثة للشفعة بقوة ما يدلون به من القرابة]
قال: ومن هلك وترك ثلاث بنين، اثنان شقيقان وآخر لأب، وترك بينهم داراً فباع أحد الشقيقين حصته قبل القسمة فالشفعة بين الشقيق والأخ للأب سواء؛ إذ بالبنوة ورثوا المالك، ولا ينظر إلى الأبعد بالبائع.
قال: ولو ولد لأحدهم أولاد ثم مات، فباع بعض ولده حصته فبقية ولده أولى بالشفعة من أعمامهم؛ لأنهم اهل مورث ثان.
الجزء: 20 - الصفحة: 41
قال: فإن سلموا فالشفعة لأعمامهم.
وإن باع أحد الأعمام فالشفعة لبقية الأعمام مع بني أخيهم؛ لدخولهم مدخل أبيهم.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإنما كان ورثة الميت يتشافعون بينهم دزن أعمامهم؛ لأنهم شركاء فيما ترك أبوهم دون أعمامهم.
[فصل 3 - الورثة أحق بالشفعة من الشركاء]
قال: وكذلك لو كانوا مشتريين ولم يكونوا ورثة، ثم مات أحدهم وترك ورثة، ثم باع أحد ورثة هذا الميت كان شركاؤه في الميراث أحق بالشفعة من شركاء ميتهم؛ لأن الورثة شركاء في حصة الميت دون شركاء الميت.
قال: وإن باع أحد من شركاء ميتهم دخل ورثته كلهم بقدر مصابة الميت مع من بقي من الشركاء.
قال: وكذلك ثلاثة اشتروا داراً بينهم أو ورثوها، فباع أحدهم نصيبه من نفر
الجزء: 20 - الصفحة: 42
وسلم الشريكان، ثم باع أحد بالنفر المشتريين مصابته، فبقية النفر أشفع من شريكي البائع.
ولو باع أحد شريكي البائع لدخل في الشفعة شريكه الذي لم يبع وسائر النفر الذين اشتروا الثلث الأول، فيصير لهم النصف وللشريك الذي لم يبع النصف.
وخالفه ابن القاسم في هذا وقال: لا يكون الذين اشتروا الثلث الأول أشفع فيما باع بعضهم من شركاء بائعهم، بل هم كبائعهم يقومون مقامه، إذا باع أحدهم كانت الشفعة لمن بقى منهم، وسائر شركاء البائع منهم على الحصص بخلاف ورثة الوارث أو ورثة المشتريين.
قال أصبغ: وهذا من الحق إن شاء الله، وهو الصواب.
م: الفرق بين الورثة وبين المشتريين أن السهم الموروث لا شفعة فيه لشركاء الميت مع الورثة ولا تسليم، فوجب إذا باع أحد الورثة أن يكون بقيتهم أشفع من شركاء الميت، وشركاء البائع لهم الشفعة والتسليم فيما باع شريكهم، فوجب أن
الجزء: 20 - الصفحة: 43
يكون لهم دخل فيما أخذ الشريكين المشترين كما كان لهم الدخول فيما اشتروا.
قال ابن القاسم: ولو باع أحد شريكي البائع الأول لدخل المشترون من الأول مع من بقي من شركاء بائعهم بقدر حصة بائعهم.
وقاله مالك.
[فصل 4 - فيمن أوصى لقوم بثلث حائطه لمن تكون الشفعة]
[قال] ابن المواز: وقال أشهب عن مالك فيمن أوصى لقوم بثلث حائطه، أو بسهم معلوم فيبيع بعضهم: إن شركاءه أحق بالشفعة فيما باع من بقية الورثة.
وقاله أشهب، وابن الحكم.
وقال ابن القاسم: للورثة الدخول معهم كالعصبة مع أهل السهام.
فقيل لابن القاسم: إن مالكاً قد رأى في الوصية أنهم أهل سهم واحد.
فقال: قد كان مالك مرة يقول في العصبة: إنهم أهل سهم.
قال أصبغ: ثم ثبت أن أهل السهم المفروض هم الذين يتشافعون خاصة.
[م]: وعليه جماعة الناس.
الجزء: 20 - الصفحة: 44
[فصل 5 - أهل السهام أولى بالشفعة من العصبة]
ومن المدونة قال مالك: وإن ترك ابنتين وعصبة، فباعت إحدى البنتين، فأختها أشفع من العصبة؛ لأنهما أهل سهم، فإن سلمت فالعصبة أحق ممن شركهم بملك؛ لأنهم أهل مورث.
قال: ولو باع أحد العصبة فالشفعة لبقية العصبة وللبنات، وكذلك الأخوات مع البنات حكم العصبة؛ لأن العصبة ليس لهم فرض مسمى.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ.
ورأى أشهب: أن بقية العصبة أحق كأهل سهم.
وكان من حجته: قول مالك في الرجل يوصي ثلث حائطه لنفر، فيبيع بعضهم: أن بقية من أوصى له أحق بالشفعة من سائر أهل الحائط.
الجزء: 20 - الصفحة: 45
قال أشهب: فهذا والعصبة سواء.
قال ابن المواز: وليس من أوصي له بجزء معلوم فأشركهم في ثلث أو ربع بمنزلة من لا يكون له إلا ما بقي.
وقول مالك أحب إلينا وأصوب، وعليه جماعة أصحابه.
[قال] أبو محمد: وقال كقول أشهب: ربيعة وابن شهاب.
[فصل 6 - العصبة أحق بالشفعة من الشريك الأجنبي]
ومن المدونة قال: ولو ترك داراً بينه وبين رجل وورثته عصبة، فباع أحدهم حصته قبل القسمة فبقيتهم أحق بالشفعة من الشريك الأجنبي؛ لأنهم أهل مورث، فإن سلموا فللشريك الأخذ.
وإن ترك أختاً شقيقة وأختين لأب، فأخذت الشقيقة النصف، وأخذت الأختان
الجزء: 20 - الصفحة: 46
للأب السدس تكملة الثلثين، فباعت إحدى الأختين للأب فالشفعة بين الأخت الأخرى للأب وبين الشقيقة؛ إذ هم أهل سهم.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: لا تدخل معها الشقيقة، والأخت للأب أولى، وإن باعت الشقيقة فالتي للأب أحق من العصبة، وإن باع العصبة فهن كلهن في الشفعة سواء.
قال في المجموعة: وإن باع جميع الأخوات للأب فالشقيقة أحق من العصبة.
[فصل 7 - الشفعة بين الورثة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا ورث الجدتان السدس فباعت إحداهما، فالشفعة لصاحبتها دون ورثة الميت، لأنهما أهل سهم واحد.
ولا يرث عند مالك أكثر من جدتين.
وكذلك الإخوة للأم إذا ورثوا الثلث، فباع أحدهم حصته من الدار فالشفعة لبقيتهم دون غيرهم من الورثة؛ لأنهم أهل سهم.
الجزء: 20 - الصفحة: 47
وفي كتاب محمد وغيره: وإذا ترك الميت زوجات وجدات وأخوات لأم وأخوات لأب، فباع أحد الجدات، أو بعض أهل السهام المفروضة نصيبه، فالشفعة لبقية أشراكه في ذلك السهم دون غيرهم.
هذا قول مالك وجميع أصحابه لا اختلاف فيه بينهم إلا ابن دينار.
فإن سلم بقية أهل السهم كان بقية الورثة من أهل السهام والعصبة سواء في تحاصهم في هذا الجزء المبيع؛ لأنهم إنما ينتسبون إليه بالميت، فلا فضل لأهل السهام على العصبة.
فإن سلم جميع الورثة فالشركاء بعدهم.
ولو باع بعض أهل الورثة لدخل جملة أهل السهام مع بقية العصبة في ذلك.
ولم يجعل ابن القاسم: العصبة كأهل سهم.
الجزء: 20 - الصفحة: 48
وأشهب يرى العصبة كأهل سهم يتشافعون فيما بينهم إذا باع أحدهم منه دون بقية الورثة.
[فصل 8 - في شفعة الموصى لهم والاختلاف فيه]
وأما الموصى لهم بالثلث أو بجزء مسمى.
فعند ابن القاسم: أنهم كالعصبة، إن باع بعض الورثة لم يدخلوا عليهم، وإن باع بعض الموصى لهم دخل هل بقيتهم أهل الميراث.
وعند أشهب ومحمد: أنهم كأهل سهم.
م: فصار الاختلف في ذلك على ثلاثة أقوال:-
فابن القاسم لا يرى أن يختص بالشفعة فيما بينهم إلا أهل السهام المفروضة.
ومحمد يرى الموصى لهم بسهم كأهل السهام بخلاف العصبة.
وأشهب يرى الموصى لهم والعصبة كأهل السهام المفروضة.
م: وإذا هلك وترك زوجة وابناً وبنتاً، فمات الابن وترك أخته وأمه وعصبة، فباع بعض العصبة.
قال بعض الفقهاء القرويين: فوقع في كتاب محمد أن الأم والأخت يتشافعان مع بقية العصبة ربما ورثا من الميت الأول ومن الثاني.
الجزء: 20 - الصفحة: 49
قال: وفي هذا نظر؛ لأنهم في موت الابن أهل وراثة ثانية، فلا يجب أن يضربوا مع بقية العصبة إلا بالقدر الذي ورثوه معهم من موت الابن؛ لأنهم متى ضربوا بالمورثين أضروا بالعصبة وصاروا يدخلون مع أهل الوراثة الثانية بالوراثة الأولى.
ويلزم على هذا إذا مات وترك أولاداً ثم مات أحد ولده وترك ورثة، فباع أحد ورثته أن عمومته يدخلون فيما باع أحد ورثة الابن؛ إذ لا فرق بين أن يكون لهم ميراث في الثاني أم لا.
م: والصواب ما قال، ولكن الذي عندنا في كتاب محمد أن الأم والأخت يشافعانهم مما ورثا من السهم الآخر وهذا مثل ما فسر بعض القرويين، وخلاف ما ذكر أنه في كتاب محمد.
الجزء: 20 - الصفحة: 50
[الباب الرابع]
في شفعة الصغير والغائب والمولى عليه والحمل
[فصل 1 - في شفعة الصغير ومن يقوم بها]
قال مالك: وللصغير الشفعة يقوم بها أبوه أو وصيه، فإن لم يكونا فالإمام ينظر له، ولو كان له جد لم يأخذ له، ولكن يرفع ذلك إلى الإمام.
وإن لم يكن له أب ولا وصي وهو بموضع لا سلطان فيه فهو على شفعته إذا بلغ.
ولو سلم من ذكرنا من أب أو وصي أو سلطان شفعة الصبي لزمه ذلك، ولا قيام له إن كبر.
[فصل 2 - متى تنتهي شفعة الصبي]
ولو كان له أب فلم يأخذ له بالشفعة ولم يترك حتى بلغ الصبي وقد مضى لذلك عشر سنين فلا شفعة للصبي؛ لأن والده بمنزلته؛ ألا ترى أن الصغير لو بلغ فترك أخذ شفعته عشر سنين كان ذلك قطعاً لشفعته.
الجزء: 20 - الصفحة: 51
[قال] ابن المواز: والشفعة للصغير والمولى عليه أبداً حتى يقيما بعد زوال الولاية سنة.
وكذلك للغائب بعد قدومه وعلمه سنة، إلا أن يكون للصبي أو للمولى عليه أب أو وصي أو من جعله القاضي يليه فيكون تركه ذلك سنة بعد علمه به يقطع الشفعة.
قلت: فإن بلغ الصغير وولي نفسه قبل تمام السنة؟
قال: إن كان له من يلي عليه قبل تمام السنة من يوم وجبت له الشفعة وعلم بها، وإن لم يكن له من يلي عليه فله سنة مستأنفة من يوم ولي نفسه إلا أن يكون الذي يولي عليه قد سلم وليه الشفعة، فلا يكون له بعد ذلك ولا لوصيه شفعة.
وقاله أشهب عن مالك.
[فصل 3 - في الوصيان يختلفان فيأخذ أحدهما بالشفعة ويسلم الآخر]
قلت: فإن كان لليتيم والمولى عليه الكبير وصيان فاختلفا، فأخذ أحدهما وسلم
الجزء: 20 - الصفحة: 52
الآخر.
قال: لا يلزمه أخذ هذا ولا رد هذا، وينظر السلطان في ذلك، أو يأمر بالنظر فيه، فإن كان أخذها غبطة أخذها وإلا تركها.
فإن طال ذلك ولم يرجع إلى السلطان حتى تمت السنة، فإن كان ذك بيد المبتاع زالت الشفعة، وإن كان ذلك بيد الآخذ للصبي إذا بلغ مخير إما أخذ أو ترك؛ لأن فعل أحد الوصيين لا يلزمه.
وإن لم يكن بلغ نظر السلطان- أيضاً- فينفذ قول أصوبهما.
[فصل 4 - في شفعة الصبي الذي لا وصي له]
م: وإذا قام مشتري الشقص الذي شفيعه صبي لا وصي له فرفع إلى القاضي، نظر القاضي له في الأخذ أو الترك ويستعين في ذلك بمشورة ذوي الرأي، ولا أرى له مطل المشتري إلى أن يوليه رجلاً؛ لما في ذلك من الضرر بالمشتري، إلا أن يكون على ثقة من اتخاذ ذلك معجلاً في مثل اليوم واليومين والثلاثة أكثره.
وقاله أشهب في كتاب محمد.
الجزء: 20 - الصفحة: 53
[فصل 5 - في شفعة الجنين] ومن المدونة قال مالك: ولا يأخذ الوصي للحمل بالشفعة حتى يولد ويستهل صارخا؛ إذا لا ميراث له حتى يولد ويستهل صارخاً.
الجزء: 20 - الصفحة: 54
[الباب الخامس]
في حد ما تنقطع إليه الشفعة، وما يوجب قطعها
[فصل 1 - في قطع الشفعة]
قال مالك: والشفيع على شفعته حتى يترك بصريح مقالة، أو يأتي من طول الزمان ما يعلم أنه تارك لشفعته.
وإذا علم بالشراء فلم يطلب شفعته سنة فلا يقطع ذلك شفعته، وإن كان قد كتب شهادته في الشراء.
ولم ير مالك التسعة الأشهر ولا السنة بكثير إلا أنه إذا تباعد هكذا يحلف ما كان وقوفه تركاً لشفعته.
ومن كتاب ابن المواز عن مالك: أنه يجلف في سبعة أشهر أو خمسة، ولا يحلف في شهرين.
وأما إذا حضر الشراء وكتب شهادته ثم قام بعد عشرة أيام، فأشد ما عليه أن يحلف ما كان ذلك منه تركاً لشفعته، ويأخذها.
الجزء: 20 - الصفحة: 55
[فصل 2 - في مدة ما تنقطع فيه الشفعة]
ومن المدونة قال مالك: وإذا جاوز السنة بما يعد به تاركاً لشفعته شفعة له.
[قال] لبن المواز: وقال أشهب: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة ولم يقم فلا شيء له.
وقال ابن المواز: وقال أشهب: إذا غربت الشمس من آخر أيام السنة ولم يقم فلا شيء له.
وقال ابن ميسر: ما قارب السنة داخل في حكمها.
قال غيره: إلا أن يقول الشفيع: أنا على شفعتي ويشهد على المبتاع بذلك فله الشفعة، وإن طال مكث ذلك؛ لأنه أشهد عليه أنه يأخذ فترك القيام عليه، إلا أن يكون قد أوقفه السلطان فلم يأخذ بالشفعة وأشهد عليه فلا شفعة له.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون عن مالك: لا يقطع شفعة الحاضر شيء ما لم يوقفه الإمام على الأخذ أو الترك، أو يتركها هو طوعاً، أو يأتي
الجزء: 20 - الصفحة: 56
من طول الزمان ما يرى أنه كان تاركاً لها، أو يحدث فيها المبتاع بناء أو غرساً أو هدماً أو تغيراً وهو حاضر فيقطع شفعته ذلك، إلا أن يقوم بحدثان ذلك ومقاربته.
وأنكرا أن يكون مالك حد سنة، وقالا: سمعناه وقد سئل عن شفيع حاضر قام على شفعته بعد خمس سنين، وربما قيل له: أكثر من ذلك؟
فيقول: في هذا لا أراه طولاً ما لم يحدث المشتري بنياناً أو يغير شيئاً وهو حاضر فإن أجله أقصر من أجل الذي لم يحدث عليه شيئاً.
وقال أصبغ: هو على شفعته السنتين والثلاث ونحو ذلك ما لم يبن فيه تنقطع قبل السنة، وإن لم يكن كذلك فإلى السنة.
قال في كتاب محمد: والسنة أصل في غير شيء.
الجزء: 20 - الصفحة: 57
م: قال عبد الوهاب: وعند أب حنيفة والشافعي: أنها على الفورة؛ كالرد بالعيب، فإن أمسك عن المطالبة بعد علمه وتمكنه منها بطلت.
ودليلنا: أن المطالبة بالشفعة حتى للشفيع، ومن له حق فلا يسقطه سكوته عنه، وهو مخير في المطالبة به أي وقت شاء إلا أن يعلم منه ترك له؛ ولأنه حق فيه استيفاء مال لم يكن في تدليس، فلم تجب المطالبة به على الفور أصله الدين، وفيه احتراز من الرد بالعيب؛ ولأن في إيجاب المطالبة في الفور ضرراً على الشفيع؛ لأنه قد يعلم ولكن لم يحصل له الثمن، ولا باع ما يحصل به من جهته، فيؤدي ذلك إلى تفويته.
وإنما قلنا: إن الغائب لا تنقطع شفعته لقوله صلى الله عليه وسلم: "ينتظر بها وإن كان غالباً، ولأنه معذور؛ لأن الغيبة لا تمكن معها المطالبة.
الجزء: 20 - الصفحة: 58
ووجه قوله: أن للحاضر سنة؛ لما قد ثبت أن المطالبة ليست على الفور، ولابد من مهلة تتصرف بإحضار المال فيها فجعلت له السنة؛ لأنها قد جعلت في الشرع حداً لأحكام كثيرة منها: العنة والعهدة وحولاً في الزكاة وغير ذلك.
ووجه التأييد قوله عليه السلام: "الشريك أحق به" ولم يعلقه بمدة؛ ولأنه استيفاء مال فلم يبطل بترك المطالبة كإرش الجنايات.
م: ويلزم على هذا التعليل: أن لا تبطل شفعته وإن أوقفه السلطان على الأخذ أو الترك، وهذا خلاف قولهم أجمع.
[قال] ابن المواز: وقال ابن عبد الحكم: وإذا قال الشفيع: لم أعلم بالبيع وهو بالبلد فهو مصدق ولو بعد أربع سنين.
[قال] ابن المواز: وإن الأربعة لكثير ولا يصدق في أكثر منها، وقاله لي ابن عبد الحكم.
الجزء: 20 - الصفحة: 59
[فصل 3 - حكم الدار البعيدة في الشفعة]
ومن الشفعة قال مالك: وإذا كانت الدار بغير البلد الذي هما فيه فهو كالحاضر مع الدار فيما تنقطع إليه الشفعة، ولا حجة للشفيع أنه لا ينقد حتى يقبضها، لجواز النقد في الرابع الغائب.
[قال] ابن المواز: وكذلك لو كانا حاضرين في موضع الشقص ثم سافرا جميعاً في مدينة أو في موضع، والشفيع عالم بوجوب الشفعة فهو كالحاضر، وإنما ينظر إلى حضور الشفيع مع المشتري، ولا ينظر إلى غيبة الدار.
[فصل 4 - الوكالة وأثرها في الشفعة]
وإذا كان الشفيع حاضراً بموضع الدار، والمبتاع غائب بعد الشراء، أو اشتراها في غيبته، أو اشتراها وكيل له فالشفعة له قائمة، وإن طالت غيبة المشتري.
وكذلك إن كان وكيله يهدم ويبني ويكون بحضرة الشفيع ما لم يكن موكلاً
الجزء: 20 - الصفحة: 60
بدفع الشفعة عنه ببينة عادلة حاضرة قد علم بها الشفيع واطلع عليها فلا يكون له حينئذ شفعة إذا أتى عليه من الزمان ما تنقطع فيه الشفعة وهو لا يطلب شفعته.
[م]: ولو أراد الشفيع أن يأخذ بالشفعة والمبتاع غائب ولا وكيل له حاضر فذلك له، ويوكل السلطان من يقبض الثمن للغائب.
قيل: فإذا كان كذلك ويقضي له به، فكيف لا تنقطع عنه الشفعة إذا طال زمان ذلك قبل أخذه؟
قال: لموضع العذر في استثقال اختلاف الناس إلى القضاة، وربما ترك المرء حقه؛ إذا لم يأخذه إلا بالسلطان، وإن كتابة العهدة عليه أحسن.
الجزء: 20 - الصفحة: 61
قال ابن ميسر: إذا كان الوكيل يهدم ويبني ويكون ذلك بحضرة الشفيع، فلابد أن يلي ذلك معه، وهذا يقطع شفعته، وكذلك إن لم يل ذلك معه وقامت بينة بعلمه ذلك وحضوره فلا شفعة له إذا مضى ما تنقطع إليه الشفعة.
[قال] ابن المواز: وإن أخذ الشفيع الشفعة في غيبة المبتاع فليس له أخذها من وكيله وأن يكتب عهدته على الوكيل ولكن على الغائب ويدفع الثمن إلى الوكيل على الشراء إن كان وكله وهو يعلم أن لها شفيعاً، فيكون ذلك توكيلاً على قبض الثمن، وإن لم يعلم بالشفيع فلا يدفع الثمن إليه ولكن إلى من يراه الإمام، وإنما لا يكتب عهدته على الوكيل إذا ثبت أنه للغائب اشتراها قبل عقد البيع والإشهاد أنه لفلان يشتري.
وأما على إقراره بذلك بعد الشراء فلا يقبل، ولا يزيل العهدة عنه، ثم إن قدم الغائب فأقر بمثل ذلك، فالشفيع مخير في أن يقبل ذلك ويبريء الوكيل من العهدة ويكتبها على هذا، ثم لا رجوع على الوكيل بعد ذلك إن كانت استحقاقاً، وإن اختار عهدته على الوكيل فذلك له، فإن وقع استحقاق فهو مخير في إتباع أيهما شاء، إلا أنه إن رجع على الوكيل رجع الوكيل على الموكل بإقراره له.
الجزء: 20 - الصفحة: 62
فصل [5 - في شفعة الغائب]
ومن المدونة قال مالك: والغائب على شفعته وإن طالت غيبته وهو عالم بالشراء وإن لم يعلم فذلك أحرى وإن كان حاضراً.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه.
وقد روى أشهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ينتظر وإن كان غائباً".
قال أشهب: وقضى عمر بن عبد العزيز بالشفعة للغائب بعد أربع سنين.
قال مالك: إلا أن يقدم بعد طول الزمان مما يجهل في مثله أصل البيع ويموت الشهود فإن الشفعة منقطعة، وأما في قرب الأمر مما يرى أن المبتاع أخفى الثمن لقطع الشفعة، فلتقوم الأرض على ما يرى من ثمنها يوم البيع فيأخذها به.
قال أشهب: إلا أن تكون غيبة الشفيع قريبة لا مؤنة عليه في الشخوص، فطال زمانه بعد علمه بوجوب الشفعة فلا شفعة له، وهو كالحاضر.
الجزء: 20 - الصفحة: 63
[فصل 6 - في شفعة المرأة والضعيف والمريض ومن لا يستطيع النهوض به]
قال غيره في المجموعة: وليس المرأة ولا الضعيف ومن لا يستطيع النهوض في ذلك مثل غيرهم، وإنما فيه اجتهاد السلطان، ولسلطان بلد المشتري الكتاب إلى سلطان بلد الشفيع فيوقفه فإما أخذ أو ترك.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: والمريض الحاضر والصغير والبكر كالغائب، لهم بعد زوال ذلك العذر مثل ما للحاضر، سواء كان الغائب والمريض عالماً بشفعته أو جاهلاً.
وقال أصبغ: المريض كالصحيح إلا أن يشهد في مرضه قبل مضي وقت الشفعة أنه على شفعته، وأنه ترك التوكيل عجزاً منه، وإلا فلا شيء له بعد ذلك كله.
قال ابن حبيب: والأول أحب إلينا.
[فصل 7 - في الشفيع يسافر بعد حدثان الشراء]
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى داراً وشفيعها حاضر ثم سافر الشفيع بحدثان الشراء وأقام سنين كثيرة ثم قدم فطلب الشفعة بشفره، فإن كان سفره يعلم أنه لا يؤوب منه إلا بعد أجل تنقطع في مثله شفعة الحاضر فجاوزه فلا شفعة
الجزء: 20 - الصفحة: 64
له، وإن كان سفراً يؤوب منه قبل ذلك فعاقه أمر يعذر به فتخلف له فهو على شفعته، ويحلف بالله ما كان تاركاً لشفعته، أشهد عند خروجه انه على شفعته أم لا.
[فصل 8 - الإكتراء والمساومة والمساقاة في الشقص تقطع الشفعة]
وإذا اكترى الشفيع الشقص من المتباع، أو ساومه به ليشتريه، أو ساقاه في النخل فذلك قطع لشفعته.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: لا يضره ذلك وهو على شفعته؛ لأنه يقول: أكتري منك أو أساقيك كما لو اكترى منك غيري أو ساقاك بحضرتي وعلمي، ويقول: ساومته لأروزه، فإن أعطانيه بأقل وإلا أخذته بشفعتي، وكما لو ساومه غيري بحضرتي وعلمي ثم لا يقطع ذلك شفعتي.
الجزء: 20 - الصفحة: 65
وكذلك لو حضر وهو يباع في المزايدة فزايد فيه ثم يبيع بحضرته ثم طلب شفعته كان ذلك له.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: ولو قاسم المشتري الشفيع بعد الشراء كان ذلك قطعاً لشفعته.
الجزء: 20 - الصفحة: 66
[الباب السادس]
في اختلاف الشفيع أو البائع والمبتاع في الثمن
[فصل 1 - في اختلاف الشفيع والمبتاع في الثمن]
قال ابن القاسم: وإذا اختلف الشفيع والمبتاع في الثمن صدق المبتاع؛ لأنه مدعى عليه، إلا أن يأتي بما لا يشبه الثمن مما لا يتغابن الناس بمثله، فلا يصدق إلا أن يكون مثل هؤلاء الملوك يرغب أحدهم في الدار اللصيقة لداره فيزيد في ثمنها فالقول قوله إذا أتى بما يشبه.
م: لم يذكر هاهنا في اختلاف الشفيع والمبتاع يمين.
وقال ابن المواز: إن ادعى الشفيع أنه حضر المبايعة فعلم أن الثمن أقل مما ادعى المشتري، حلف المشتري، وإن إحلافه من غير تحقيق ضرب من التهم لا يلزم اليمين فيها إلا لمن يليق به.
الجزء: 20 - الصفحة: 67
قال ابن القاسم: وهذا إذا أتى بما يشبه.
وقال أشهب: القول قول المشتري بلا يمين إذا أتى بما يشبه، وإن أتى لا يشبه فالقول قوله مع يمينه إلا أن يكون ملك مجاور له أو سلطان فيصدق فيما لا يشبه الثمن بلا يمين.
[فصل 2 - فيما لو أقام الشفيع والمشتري بينة وتكافأت في العدالة]
ومن المدونة قال: وإن أقاما بينة وتكافأت في العدالة كانا كمن لا بينة لهما ويصدق المبتاع؛ لأن الدار في يديه.
قال سحنون في المجموعة: لا يبطلان في التكافؤ والبينة بينة المبتاع وليس من التهاتر؛ لأنها أزيد، كاختلاف المتبايعين في الثمن ويقيمان البينة فالبينة بينة البائع؛ لأنها زادت، فكذلك المبتاع والشفيع، وقال أشهب مثله.
م: وهذا إذا كانت الشهادة في مجلس واحد.
فقيل: إنه تكاذب، وقيل: يقضي بالبينة الزائدة.
الجزء: 20 - الصفحة: 68
وفي كتاب ابن المواز: إن كانت الشهادة في مجلسين، فالقول قول بينة الشفيع إن كانوا عدولاً وإن كانت بينة الآخر أعدل؛ لأنه إن كانت بينة الشفيع قبل فقد زاده المبتاع بعد الصفقة، وإن كانت بعد فهي وضيعة من الثمن، وإن كانت شهادتهم على صفة واحدة ومجلس واحد قضي بأعدلهما، وإن تكافؤوا سقطوا وكان القول قول المشتري مع يمينه.
قال سحنون: وإذا لم يقيما بينة وظهر للحكم في ثمن الشقص تجاوز إلى ما لا يشبه التغابن فيه ولا لزيادة ملك يجاوره وكان الأغلب أنه حيلة لقطع الشفعة، فليرد إلى أشبه ذلك وأقربه من قيمة الشقص.
وإن ادعى الشفيع علم الثمن قضى لربه مع يمينه، إلا أن يأتي بأقل من القيمة.
[قال] ابن المواز: وإذا اختلف الشفيع والمبتاع في الثمن فصدق البائع أحدهما لم ينظر إلى قول البائع وإن كان عدلاً جائز الشهادة؛ لأنه يشهد على فعل نفسه، والقول قول المشتري، ولم يختلف فيه قول مالك وأصحابه.
واختلفوا: إذا أتى المشتري بما لا يشبه.
فروى أشهب عن مالك: أن المبتاع مصدق فيما يشبه بلا يمين وفيما لا يشبه
الجزء: 20 - الصفحة: 69
مع اليمين إلا أن يكون ملك مجاور له أو سلطان فيصدق فيما لا يشبه الثمن بلا يمين، وإن لم يكن كذلك فلابد من يمينه إذا أتى بما لا يشبه، إذا أتى بما لا يشبه، فإن نكل حلف الشفيع على ما ادعى واستحق به الشفعة.
م: وذكر الشيخ محمد عن ابن القاسم مثل ما في المدونة.
قال ابن المواز: وإنما ذلك كله إذا لم يدع الشفيع أنه قد حضر مبايعتهم ولم يعلم الثمن كم هو، فأما إذا ادعى علم الثمن لم يكن بد من يمين المشتري، فإن لم يحلف حلف الشفيع، ولم يكن عليه غير ما حلف عليه من الثمن، وهو قول مالك في موطئه.
م: وقد اختلف إذا أتى المشتري في ممن الشقص بما لا يشبه، وأتى الشفيع بما لا يشبه.
فأعدل الأقاويل أن يحلفا جميعاً ويأخذ الشفيع بالقيمة، وإن نكل أحدهما وحلف الآخر كان القول قول الحالف، وإن طال الزمان حتى نسى الثمن، وقال
الجزء: 20 - الصفحة: 70
المشتري: لا أعرفه بطول الزمان وغيبة السفر سقطت الشفعة.
وإذا كانت دار في يد رجل فأقام رجل البينة أنه اشتراها منه، أقام الذي هي في يديه البينة أنه اشتراها من المدعي، فإن وقتت حكم بآخرها وقتاً وإن لم يوقت تحالفا وقسمت بينهما إن لم تكن في يد واحد منهما أو في يديهما جميعاً.
وإن كانت في يد أحدهما فهي له بعد يمينه، وإذا كان ذلك شقصاً، وكان في يد أحدهما فحلف أخذ الشفيع منه بالثمن الذي يقر به.
وإن كانت بأيديهما أخذ من كل واحد بالثمن الذي أقر أنه اشتراه به.
فصل: [3 - في اختلاف البائع والمشتري والشفيع في الثمن]
ومن المدونة- وقال في باب بعد هذا-: وإذا قال البائع: بعت الشقص بمائتين، وقال المبتاع: بمائة، وقال الشفيع: بخمسين، أو لم يدع شيئاً، فإن لم تفت الدار
الجزء: 20 - الصفحة: 71
بطول الزمان وتغير الأسواق أو انهدام من الدار أو تغير المساكن أو ببيع أو هبة ونحوه وهي بيد المبتاع أو البائع، فالقول قول البائع ويترادان بعد التحالف، ثم ليس للشفيع أن يقول: أنا آخذها بمائتين ولا تردوا البيع، ولا شفعة حتى يتم البيع فتصير العهدة على المبتاع، وههنا هي على البائع، ألا ترى أنه لا شفعة في هبة الثواب إلا بعد العوض.
م: قال بعض الفقهاء: يشبه أن لو رضي الشفيع أن تكون عهدته على البائع أن يأخذ منه بالشفعة، كما قيل: إنه لو أقر أنه باع هذا الشقص من فلان الغائب أن الشفيع يأخذ منه في أحد القولين.
فإن جاء المشتري فأنكر، فاختلف في ذلك:-
فقيل: تبقى عهدته على البائع إن شاء، واستحسنه محمد.
وقيل: يره الشقص.
[فصل 4 - أثر تغير الدار في استحقاق الشفعة]
ومن المدونة قال: وإن تغيرت الدار بما ذكرنا وهي بيد المبتاع صدق مع يمينه وأخذها الشفيع بذلك.
الجزء: 20 - الصفحة: 72
قال ابن المواز: وأشهب يخالف في هذا الأصل، ويرى أن يتحالف المتبايعان وإن فاتت السلعة، ويلزم المشتري قيمتها يوم الصفقة إلا أن تكون القيمة أكثر من دعوى البائع أو أقل مما أقر به المشتري، ثم يكون للشفيع الشفعة بما تستقر به القيمة.
قال ابن المواز: وإذا لم تتغير الدار بشيء فحلف البائع أنه باع بمائتين ونكل المبتاع لزمه الشراء بمائتين، وأخذها الشفيع بشفعته بمائة؛ لأنه الثمن الذي أقر به المشتري، وقال: إن البائع ظلمه وأخذ ما ليس له.
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ في الواضحة: بل يأخذها بمائتين.
م: لأن المشتري يقول: إنما خلصت الشقص بهذه المائة الثانية، فصرت كأني ابتدأت الشراء بمائتين؛ لأني لو حلفت لانتقض البيع ولم يكن للشفيع شفعة.
قال ابن المواز: ولو رجع المشتري عن قوله إلى قول البائع ما قبل ذلك منه.
م: قال بعض الفقهاء: انظر لو غرم على الشقص غرماً، هل يأخذه الشفيع بالثمن وبما غرم عليه.
الجزء: 20 - الصفحة: 73
وقد اختلف فيمن اشترى شيئاً من أيدي اللصوص، هل يأخذه وبه يغرم، أو بغير غرم؟ وبعد هذا باب فيه شيء من اختلاف المبتاع والشفيع.
الجزء: 20 - الصفحة: 74
[الباب السابع]
القضاء في عهدة الشفيع وإلى من يدفع الثمن
[فصل 1 - في عهدة الشفيع]
قال مالك رحمه الله: والقضاء في العهدة أن عهدة الشفيع على المبتاع خاصة، وإليه يدفع الثمن كان بائعه قد قبض الثمن أو لم يقبض.
م: لأن المبيع يحصل في ملك المشتري بنفس العقد، ومنه ملائه قبل القبض وبعده، فإذا تم البيع فقد صح، إنما يأخذه من المشتري بعد تعذر ملكه عليه، فوجب أن تكون العهدة عليه؛ ولأن الأخذ بالشفعة كالبيع، والمشتري إذا باع فالعهدة عليه.
قال مالك: ولو غاب المبتاع قبل أن ينقد الثمن ولم يقبض الدار، نظر الإمام في ذلك، والبائع له منع الشقص حتى يقبض الثمن، فإن شاء الشفيع أن ينقده ويقبض الشقص فذلك له، وعهدته على المبتاع؛ لأنه عنه أدى.
الجزء: 20 - الصفحة: 75
[قال] ابن المواز: وقاله أشهب، وبه أقول، إن كانت غيبته قريبة كتب السلطان إليه حتى يقدم، فيكتب الشفيع عهدته عليه، وإن بعدت غيبته قضى للشفيع بشفعته، وقضى للبائع بقبض الثمن منه إن لم يكن قبضه، وإن كان البائع قد قبضه أخذه الإمام من الشفيع فأوقفه للمبتاع، وكتب عليه العهدة، فإذا قدم أشهد بذلك على نفسه.
[فصل 2 - فيما إذا كان على مبتاع الشقص دين فالشفيع أولى من الغرماء]
ومن المدونة: وإذا كان على مبتاع الشقص دين فلم يقبض الشقص ولا دفع الثمن إلى البائع حتى قام غرماؤه وقام الشفيع، قيل للشفيع: ادفع الثمن إلى البائع قضاء عن المبتاع واقبض الدار، ولا شيء للغرماء؛ لأن البائع منع الشقص حتى يقبض الثمن؛ ولأن الشفيع لو سلمها بيعت الدار وأعطى للبائع الثمن الذي باع به وكان أحق به من الغرماء، إلا أن يقوم غرماء المبتاع فيقسموه، فيكون البائع أحق بداره إلا أن يضمن له الغرماء الثمن.
الجزء: 20 - الصفحة: 76
م: ولو مات المشتري وقد سلم إليه البائع الشقص ولم يقبض ثمنه لوجب أن يكون للشفيع أخذه، ويكون ما يدفعه الشفيع مالاً من مال الميت يكون البائع فيه أسوة؛ لأنه قد سلم الشقص.
وقد وقع في كتاب محمد أن المشتري إذا مات وقد قبض الشقص فأخذه الشفيع ودفع الثمن، أن البائع أحق بثمنه، وفي ذلك ضعف.
والرواية الصحيحة: إذا غاب، ويقضي للشفيع بالشفعة في غيبة المبتاع كالقضاء عليه، ويكون على حجته إذا قدم، وكذلك من اشترى شقصاً من دار لرجل غائب كان للشفيع أن يأخذه بالشفعة.
الجزء: 20 - الصفحة: 77
[الباب الثامن]
ما جاء في الشفعة فيما اشترى بدين
[فصل 1 - فيمن ابتاع شقصاً بثمن إلى أجل]
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً بثمن إلى أجل فللشفيع أن يأخذه بالثمن إلى ذلك الأجل إن كان ملياً وأتى بضامن ثقة ملي.
قال ابن القاسم: وإن قال البائع للمبتاع: أنا أرضى أن يكون مالي على الشفيع إلى الأجل لم يجز؛ لأنه فسخ ما لم يحل من دينه في دين على رجل آخر.
وإن عجل الشفيع الثمن فللمبتاع قبضه، ثم ليس عليه أن يجعله للبائع، وليس للبائع أن يمنعه من قبض الدار.
[قال] ابن المواز: وإذا كان الشفيع عديماً لم يأخذه إلا بحميل ثقة،
الجزء: 20 - الصفحة: 78
ولم يختلف فيه قول مالك وأصحابه، وإن كانا مليين.
وقال أشهب: إن لم يكن الشفيع مثله في الملأ فليأت بحميل مثل ثقة المشتري وملائه.
[قال] ابن المواز: ليس ذلك عليه إذا كان ملياً ثقة وإن كان المبتاع أملأ منه، ولم يشترط هذا في رواية ابن القاسم وأشهب عن مالك حتى يكون مثله في الثقة والملأ، وإنما قال: إن كان الشفيع ملياً فله الشفعة إلى ذلك لأجل.
وإن اتفقا في العدم وأبى المبتاع تسليم الشفعة إلا بحميل، واحتج بتفضيل البائع له أو جهله بعدمه فلا حجة له ولا حميل له، وإن كان أعدم منه فليأت بحميل ف مثل عدم المبتاع أو ملائه.
وقال ابن المواز: إذا كانا الشفيع عديماً فلا شفعة له إلا بحميل ثقة، كان المبتاع عديماً أو لم يكن.
[فصل 2 - قيماً إذا اشترى بثمن مؤجل وأتى بحميل أو رهن]
وقال أشهب: وإذا اشترى بثمن مؤجل بحميل أو رهن، فقام الشفيع وهو أوملأ له، فإن لم يجد حميلاً أو رهناً مثله فلا شفعة له، ولو جاء برهن لا شك أن فيه وفاء
الجزء: 20 - الصفحة: 79
لم يقبل منه إلا مثل الأول، ولو كان برهن وحميل فجاء برهن ولم يقدر على حميل فلا شفعة.
[قال] ابن المواز: وأصبنا لأشهب أنه إن كان الشفيع أملأ من الحميل ومن الغريم فله أن يأخذ بلا رهن ولا حميل.
[قال] ابن المواز: والأول أولى عندنا.
[فصل 3 - في تأخر الشفيع بالمطالبة حتى حل أجل الدين]
قال عبد الملك: وإن لم يقم الشفيع حتى حل أجل الدين [وأدى] الثمن، فإن للشفيع من الأجل مستأنفاً مثل أجل المشتري الأول، فإن كان ثقة دفع ذلك إليه، وإن لم يكن ثقة قيل له: إئت بحميل ثقة.
وكذلك ذكر ابن حبيب عنه وعن مطرف، وزاد: فإن عجز عن ثقة ولم يكن هو ثقة قطع السلطان شفعته، فإن وجد ثقة ما بينه وبين حلول أجل الدين أو بعده فلا شفعة له، وذلك كعجزه عن الثمن إذا أوقفه، السلطان.
قال ابن حبيب: وقال أصبغ: إذا قام بعد محل الأجل فلا يأخذ الشفيع إلا بنقد.
[قال] ابن حبيب: وبالأول أقول، وهو قول مالك.
م: وهو أصوب؛ لأن الشفيع يجب أن ينتفع بتأخير الثمن كما انتفع المشتري.
الجزء: 20 - الصفحة: 80
[فصل 4 - بم يأخذ الشفيع؟]
ومن المجموعة وكتاب محمد وابن حبيب قال عبد الملك: وإن كان إنما اشترى الشقص بدين له على البائع إلى سنة فلا يأخذه الشفيع إلا بقيمة الدين عرضاً يدفعه الآن؛ لأن الدين عرض من العروض، وكذلك إن لم يقم الشفيع حتى حل الأجل.
قال ابن عبدوس: وقال مثله سحنون إلا أنه قال: يقوم الدين بعرض نقداً ثم يقوم العرض بعين ثم يأخذه الشفيع بذلك.
قال ابن المواز وابن حبيب: وقال مالك: لا يأخذه الشفيع إلا بمثل ذلك الدين أو يترك، وكذلك إن كان البائع عديماً بذلك الدين فلا يأخذه إلا بمثله أو يترك.
وقال أشهب عن مالك وقال: لا قيمة في الذهب والفضة، وإنما القيمة في العروض.
قال ابن المواز: فإن اشتراها منه بعد حلول الأجل لم يأخذها الشفيع إلا بالعدد بعينه.
الجزء: 20 - الصفحة: 81
قال عبد الملك في المجموعة وكتاب محمد: وإن اشتراه بكتابة مكاتب أخذه بقيمة الكتابة عرضاً، يقوم على أنه يعجز أو يؤدي، فإن عجز فهو رقيق لبائع الشقص.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإن اشتراه بعرض موصوف، فللشفيع أخذه بقيمة العرض إلى أجله على مثل من هو عليه في يسره وعدمه واستقامته ولدده، ولا يجوز له أن يأخذه قبل معرفتهما بقيمته.
[قال] ابن المواز: وهذا غلط ولا يأخذه إلا بمثل العرض إلى أجله، وإنما تؤخذ القيمة نقداً في شرائه بعرض بعينه؛ ولأنه إذا استحق العرض المعين قبل قيام الشفيع انتقض البيع، وفي استحقاق الموصوف لا ينتقض البيع والشفعة فيه قائمة.
الجزء: 20 - الصفحة: 82
[الباب التاسع]
في أخذ بعض الشفعاء وأخذ بعض الصفقة أو الصفقات
[فصل 1 - في تعدد الشفعاء والدار واحدة]
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً من دار له شفيعان، فسلم أحدهما، فليس للآخر أن يأخذ بقدر حصته إذا أبى عليه المبتاع، فإما أخذ الجميع أو ترك، وإن شاء هذا القائم أخذ الجميع فليس للمبتاع أن يقول له: لا تأخذ إلا بقدر حصتك.
قال ابن حبيب عن أصبغ: إن كان تسليم من سلم على الهبة للمبتاع والصدقة عليه بها، فليس للآخر إلا بقدر سهمه، وللمبتاع سهم من سلم، وإن كان على ترك الشفعة وكراهة الأخذ، فللمتمسك أخذ جميعها.
قال عبد الملك: فإن قال الأول الآخذ للجميع لما قدم الآخر: أنا أسلم الجميع إليك، فليس له ذلك إلا برضى القادم، فإن رضيا بذلك، ثم جاء ثالث فإنما طاع به الأول للثاني مما هو فوق ما يلزمه بيع يأخذه الثالث من الثاني بالشفعة، إلا أن
الجزء: 20 - الصفحة: 83
يشركه الثاني فيه بقدر حقه مما يصيبه في ذلك من الشفعة، وإن كان الثاني هو التارك للأول إلا قدر ما يصيبه مع جميع شركائه فليس يبيع، ولا شفعة فيه إلا الشفعة الأولى يأخذ منها الثالث بقدر حقه لو حضر معهما.
[فصل 2 - في تعدد المال المباع والشفعة فيها]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع شقصاً من دارين في صفقة، وشفيع كل دار على حدة، فسلم أحدهما فللآخر أن يأخذ شفعته في التي هو شفيعها دون الآخر.
قال ابن القاسم: ومن اشترى ثلاثة أشقاص من دار أو من دور في بلد أو في بلدان من رجل أو من رجال، وذلك في صفقة واحدة، وشفيع ذلك كله واحد فليس له أن يأخذ إلا الجميع أو يسلم.
وكذلك إن اشترى من أحدهم حصته في نخل ومن آخر حصته في قرية ومن آخر حصته في دار في صفقة واحدة، أو كان بائع ذلك كله واحد، أو شفيع ذلك كله واحد، فإما أخذ الجميع أو سلم.
وإن ابتاع ثلاثة ما ذكرنا من واحد أو من ثلاثة في صفقة والشفيع واحد، فليس له
الجزء: 20 - الصفحة: 84
أن يأخذ من أحدهم دون الآخر، وليأخذ الجميع أو يدع.
وقال أشهب وسحنون في غير المدونة: له أن يأخذ من أحدهم، وقاله ابن القاسم مرة، ثم رجع عنه.
قال بعض الفقهاء: وكلام أشهب أطهر؛ لأن المأخوذ منه لا ضرر عليه؛ إذ قد أخذ منه جميع ما في يديه، ولا حجة له بالتسليم إلى شريكه إلا أن يكونا متفاوضين فيصح.
جواب ابن القاسم: لأن المتفاوضين كرجل واحد، فيصير كأنه أخذ بعض صفقته؛ لأن ما يبقى هو بين الشريكين.
[فصل 3 - في الشفعة فيما لو تعدد الصفقات]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى حظ ثلاث رجال في ثلاث صفقات فللشفيع أن يأخذ ذلك جميعه، أو يأخذ أي صفقة شاء، فإن أخذ الأولى لم يستشفع معه فيها المبتاع، وإن أخذ الثانية كان للمبتاع معه الشفعة فيها بقدر صفقته الأولى
الجزء: 20 - الصفحة: 85
فقط، وإن أخذ الثانية خاصة كان للمبتاع معه الشفعة فيها بقدر صفقته الأولى فقط، وإن أخذ الثالثة خاصة كان للمبتاع فيها بالأولى والثانية.
وفي كتاب محمد: وإذا كانت دار بين أربعة أخوة أرباعاً فغاب ثلاثة، وباع الحاضر ربعه من رجل في ثلاث صفقات، فقدم واحد فإن أخذ الصفقة الأولى من الربع المبيع لم يدخل معه المبتاع فيه، وإن أخذ الآخرة استشفع معه المشتري بالصفقتين الأولتين، وكان ثلث الربع مقسوماً بينهما على خمسة أسهم: للمشتري سهمان، وللقادم ثلاثة، ثم إن جاء آخر فسلم الصفقتين الأولتين كان ثلث الربع مقسوماً بينهما على خمسة أسهم: للمشتري سهمان، وللقادم ثلاثة، ثم إن جاء آخر فسلم الصفقتين الأولتين كان ثلثا الربع مقسوماً بينهم على ثمانية أسهم: للمشتري سهمان، ولكل واحد من القادمين ثلاثة ثلاثة، ثم إن جاء الثالث فسلم
الجزء: 20 - الصفحة: 86
للأولين ضرب معهم أيضاً بثلاثة، فيقسم ثلث الربع بينهم على أحد عشر سهماً، فإن أخذ هذا الثالث السهمين الذين سلمهما الأول أضافهما إلى سهامه فضرب معهم بخمسة، وأخوته بثلاثة ثلاثة، وإن أخذها الاثنان ضربا بأربعة أربعة وضرب الذي سلمهما معهم بثلاثة.
م: وإن كان الثالث إنما أخذ الثانية ضرب هو بأربعة وأولئك بثلاثة ثلاثة والمشتري بواحد، وكذلك إن أخذ الأولى ضرب هو بأربعة والباقون بثلاثة، والمشتري بواحد، وهي الصفقة الثانية.
م: وهذا كله صواب وحساب مستقيم.
[فصل 4 - فيما إذا كان المشتري هو الشفيع]
ومن المدونة قال: ومن ابتاع شقصاً هو شفيعه مع شفيع آخر تحاصا فيه بقدر حصتهما يضرب فيه المبتاع بقدر حصته من الدار قبل الشراء، ولا يضرب بما اشترى.
الجزء: 20 - الصفحة: 87
[فصل 5 - في غيبة الشفعاء واختلافهم]
قال: ومن ابتاع شقصاً من دار له شفعاء غيب إلا واحد حاضر، فأراد أخذ الجميع ومنعه المبتاع أخذ حظوظ الغياب، أو قال له المبتاع: خذ الجميع، وقال الشفيع: لا آخذ إلا حصتي، فإنما للشفيع في الوجهين أن يأخذ الجميع أو يترك، فإن قال الشفيع: أنا آخذ حصتي فإذا قدم أصحابي فإن أخذوا شفعتهم وإلا أخذت شفعتهم، لم يكن له ذلك، إما أن يأخذ الجميع أو يدع، فإن سلم فلا أخذ له مع أصحابه إن قدموا، ولهم أن يأخذوا الجميع أو يدعوا، فإن سلموا كلهم إلا واحداً قيل له: خذ الجميع أو دع، ولو أخذ الحاضر الجميع، ثم قدموا فلهم أن يدخلوا كلهم معه إن أحبوا، فيأخذوا بقدر ما كان لهم من شفعتهم.
والصغير إذا لم يكن له من يأخذ له بالشفعة كالغائب، وبلوغه كقدوم الغائب.
الجزء: 20 - الصفحة: 88
قال أشهب في المجموعة: وإذا أخذ الحاضر الجميع، ثم قدم أصحابه فدخلوا معه في ذلك فهم في كتاب شفعتهم مخيرون، إن شاؤا كتبوا عهدتهم على الحاضر؛ لأنه أخذ لنفسه وضمانه منه، وإن شاؤا كتبوا عهدتهم على المأخوذ منه لشفعتهم، وليس لهم أن يكتبوا ذلك عليهم جميعاً.
ومن المدونة قال مالك: وإن أبى البعض وأخذ البعض لم يكن للآخذ أن يأخذ بقدر حصته فقط، ولكن يساوي الآخذ قبله فيما أخذ أو يدع.
يريد: إن اتفق حظاهما، وأما إن اختلف كان للآخذ أن يأخذ الجميع هو والذي أخذ قبله فيقتسمانه على قدر حصتيهما.
قال أشهب في المجموعة: وله أن يكتب عهدته عليك، وإن شاء على المبتاع أنت وهو، وخرقت أنت كتابك الأول.
قال عبد الملك: وإن قال الشفيع أنا أسلم الجميع إليك فليس له ذلك إلا برضا القادم وإن رضيا بذلك، ثم جاء ثالث فإن ما طاع به الأول للثلني فوق ما يلزمه
الجزء: 20 - الصفحة: 89
بيع، يأخذه الثالث من الثاني بالشفعة إلا أن يشركه الثاني فيه بقدر حقه بما يصيبه في ذلك من الشفعة.
قال سحنون: وإذا حضر أحدهم فأخذ الجميع ثم باعه من أجنبي ثم قدم شفيع ثاني فله أن يأخذ نصف هذا الشقص من المشتري الأول بنصف الثمن، ويأخذ النصف الآخر من المشتري من الشفيع بنصف الثمن الذي اشترى به هذا الثاني.
قال سحنون: ومن اشترى شقصاً بنقد فباع بدين وله شفيعان، فقال أحدهما: نأخذ بالبيع الأول: وقال الآخر: بالبيع الآخر، فليس ذلك لهما أن يفرقا عليه الصفقة.
قال محمد بن المواز: وذلك إذا كانت الصفقة واحدة، وإن كانت في صفقات فللحاضر أن يأخذ أي صفقة شاء، ثم إن قدم ثاني شركه فيها، وكان له أخذ بقية الصفقات أو ما شاء منها.
الجزء: 20 - الصفحة: 90
[الباب العاشر]
ما يضاف إلى الشقص في البيع من عرض أو غيره
[فصل 1 - في شفعة من ابتاع شقصاً من دار وعرض صفقة واحدة]
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً من دار، وعرض في صفقة بثمن، فالشفعة في الشقص خاصة بحصته من الثمن بقيمته من قيمة العرض يوم الصفقة، تغيرت الدار بسكناه أو لم تتغير، وليس للشفيع أخذ العرض، لا ذلك عليه إن أباه.
م: فعلى قول من يرى الشفعة كالاستحقاق إن كان قيمة ذلك الشقص الجل، فللمبتاع رد العرض على البائع لأنه استحق جل صفقته، وعلى قولهم أنه كبيع مبتدأ فلا رد له بحال.
قال ابن المواز: وكل ما بيع مع الشقص مما لا شفعة فيه فليقض الثمن عليه وعلى الشقص، فيأخذ الشفيع بما قابل الشقص منه، وإن استوجبه قبل المعرفة بما يقع على الشقص لم يجز، وأما آلة الحائط وعبيده ودوابه، فذلك كبعضه إلا أن يضاف إليه يوم الصفقة، وقد كان أخرج منه قبل ذلك فلا شفعة فيه، ويقبض الثمن.
الجزء: 20 - الصفحة: 91
وقال مالك وابن القاسم وأشهب: فيمن اشترى شقصاً وبعيراً بعبد، فإن كان العبد من الشقص قدر ثلث الجميع بالقيمة يوم الصفقة أخذه الشفيع بثلثي قيمة العبد، ثم استحق البعير رجع بائع العبد بثلث قيمة العبد على بائع الشقص.
[فصل 2 - فيمن ابتاع شقصاً وقمحاً بدنانير]
وإن ابتاع شقصاً وقمحاً بدنانير، فلابد من التقويم للقمح والشقص، فيأخذ الشفيع بحصة ما يقع للشقص.
م: وليس للمشتري أن يقول: لا أدعك أن تفرق الصفقة، لأن الشفيع لا يلزمه أن يأخذ ما لا شفعة فيه، والمشتري دخل على تفريق الصفقة، بخلاف من اشترى أشقاصاً شفيعها واحد، فأراد الشفيع أن يأخذ بعضها بحصته من الثمن، لم يكن له ذلك؛ لأن الشفعة له في الجميع، فهو المختار لتبعيض الصفقة، فلا يترك ذلك.
الجزء: 20 - الصفحة: 92
[الباب الحادي عشر]
في الشفيع يخبر بما وقع به الشراء فيأخذ أو يترك ثم يتبين له خلاف ذلك وفي تسليمه الشفعة قبل الشراء أو بعده على مال أو غير مال
[فصل 1 - في إخبار الشفيع بخلاف ما وقع به الشراء]
قال ابن القاسم: وإذا أخبر الشفيع بالثمن فسلم، ثم ظهر أن الثمن دون ذلك، فله الأخذ بالشفعة، ويحلف ما سلم إلا بما ذكر له من كثرة الثمن.
[قال] ابن المواز: ولا يمين عليه عند أشهب في هذا خاصة؛ لظهور سبب تسليمه، وأما ابن القاسم: فيرى اليمين في هذا وما أشبهه.
قال ابن المواز: وإذا قيل للشفيع: إن البيع وقع بمائة إردب قمح، فسلم أو أخذ، ثم ظهر أنه باع بدنانير أو دراهم، فله في تسليمه أن يرجع فيأخذ بالشفعة وإن كانت الدنانير أكثر من ثمن القمح لعذر في أخذه بالقمح لتعب كيل القمح وحمولته إلى موضع يقبضه البائع، ويحلف بالله ما كان إسلامه إلا لذلك.
وأما في أخذه بالقمح ثم علم بالدنانير، فلا رد له؛ لأن الدنانير أخف مؤنة.
الجزء: 20 - الصفحة: 93
[قال] محمد ابن المواز: إلا أن تكون الدنانير أكثر من ثمن القمح بأمر بين.
ولو قيل له: بيع بدنانير مسماة فسلم، ثم ظهر أنه بيع بقمح، فهاهنا يلزمه تسليمه، إلا أن يكون القمح أقل ثمناً، ولو كان قد أخذ أولاً لم يلزمه إلا أن يشاء.
ولو قيل لك: بيع بمائة إردب قمح فسلمت، ثم ظهر أنه عدس أو تمر أو شيء يكال، فإن كان قيمة ما سمي لك أكثر، فلك أن ترجع في شفعتك فتأخذها ولا يلزمك تسليمك، ولا حجة لك في تعب الكيل؛ لأنه واحد.
ولو ظهر لك أنه بيع بما يوزن من عسل أو زيت، فلك الرجوع؛ لأن الوزن أخف بعد يمينك أنك ما سلمت إلا لذلك.
ولو قيل لك بجارية صفتها كذا، يريد: وقيمتها كذا أو كذا، أو بعرض صفته كذا فسلمت أو أخذت، ثم تبين لك أن ذلك بدنانير، فذلك يلزمك في التسليم والأخذ؛ لأنك تؤدي القيمة ما لم تكن قيمة ذلك أكثر وقد سلمت فلك
الجزء: 20 - الصفحة: 94
الرجوع، أو يكون أقل وقد أخذت فلك الرجوع.
وكذلك لو سمى لك دنانير فأخذت، ثم تبين لك أنه عرض أو حيوان، فأخذك جائز لازم، يريد: وتدفع قيمة ذلك ما لم تكن القيمة أكثر، وإن سلمت لزمك ما لم تكن القيمة أقل.
ولو قيل لك بجارية أو عرض ولم توصف فسلمت، ثم ظهر أنه بدنانير فلا حجة لك؛ لأن التسليم مع جهل مبلغ الثمن لازم، وإنما يؤدي في العرض مالاً، وإنما يكره الأخذ قبل معرفة الثمن، وأما التسليم فلا.
قال ابن القاسم: إلا أن يأتي من ذلك ما لا يكون مثله ثمناً لما سمي من جارية أو عرض لقلته، مثل دينار أو عشرين درهماً فلك الأخذ ولا يلزمك تسليمك.
ولو قيل له: بمائة دينار أو بمائة درهم ولم يوصف وزنها، فأخذه لزمه بالوزن الذي يتبايع به يومئذ، فإن وقع البيع على الأعلى من ذلك فهو مخير أن يأخذ أو يترك.
وإن سمي له قمحاً بكيله ولم يوصف فهو خفيف، فإن أخذ لزمه إن كان بالوسط منه أو بدونه، وإن كان بالأعلى من الوسط فإما أخذ أو ترك.
ولو قال المشتري للشفيع: أد الوسط لم يلزمه إلا أن يشاء؛ إذ لا يلزمه قبول المعروف.
الجزء: 20 - الصفحة: 95
وكذلك لو قيل له بمائة دينار فأخذ، ثم ظهر أنه بمائة وخمسين ديناراً فترك فأسقط عنه المبتاع الخمسين الزائدة ليلزمه الأخذ، فلا يلزمه إلا أن يشاء.
ولو قيل له: بجارية أو عرض لم يوصف فأخذ، فهذا أخذ فاسد لا يلزمه، وكذلك لو وصف له ولم يعرف القيمة فأخذه فاسد وينقض، وإن رضيا جميعاً بالإقامة عليه بعد المعرفة لم يجز ولابد من فسخه.
وفي كتاب محمد بن المواز في باب آخر: إذا قيل له أنه بيع بعبد فأخذ، فذلك جائز إذا عرفاه وإن جهلا قيمته، فأما إذا كانت الشفعة إنما تجب بقيمة الشقص فهذا لا يلزمه الأخذ فيه إلا بعد معرفة قيمته.
[فصل 2 - في شفعة من ابتاع الكل وأخبر بأنه ابتاع النصف]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قيل له: قد ابتاع فلان نصف نصيب شريكك
الجزء: 20 - الصفحة: 96
فسلم، ثم ظهر أنه ابتاع جميع النصيب فله القيام أيضاً في شفعته، فلا يلزمه تسليم النصف الذي سلم إن أراد المبتاع.
م: لأنه يقول: لم يكن لي غرض في أخذ النصف؛ لأن الشركة بعد قائمة، فلما علمت بأنه ابتاع الجميع أخذت لارتفاع الشركة وزوال الضرر.
وقال ابن المواز: ذلك للمشتري ويلزم الشفيع إسلام النصف ويأخذ النصف الآخر بالشفعة أو يسلمه، وهو قول أشهب.
قال: ولو كان حين قيل له: ابتاع فلان النصف، قال: أنا آخذ، ثم ظهر أنه ابتاع الجميع فله أخذ باقيه، فإن أبى فالمبتاع مخير أن يقول له: رد النصف أو خذ الجميع.
[فصل 3 - في إخبار الشفيع بمشتر آخر]
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن قيل له: ابتاعه فلان فسلم، ثم ظهر أنه ابتاعه مع آخر، فله القيام وأخذ حصتهما، ولا يلزمه التسليم للواحد.
[قال] ابن المواز: لأنه يقول إني إن أخذت مصابة من لم أسلم له، فقد تبعض الشقص علي ولعل بعضه يضيق لقلته.
الجزء: 20 - الصفحة: 97
وقال أشهب: يلزمه التسليم للذي سلم له ويأخذ حصة الآخر، ثم تكون الحصة التي سلم أولاً بين المشتريين؛ لأنهما شركا في شرائه في صفقة واحدة إن رضيا بالتمسك بما سلم ويكتب عهدته عليهما فيما أخذ، وإن شاء ألزماه أخذ ما سلم، أو سلم لهما جميع الشراء.
قال ابن المواز: إذا كانا متفاوضين فليس له إلا الأخذ منهما جميعاً أو التسليم إليهما جميعاً.
قال: ولو سميا له كلاهما؟
فقال أشهب: له الأخذ من أحدهما والتسليم للآخر.
[قال] ابن المواز: وهذا إن لم يكونا متفاوضين.
وقال ابن القاسم: ليس له إلا أخذ الجميع أو يدع.
[قال] ابن المواز: قلت: فإن سمى لي المشتري فسلمت، فإذا هو غير من سمى لي فبدا لي ورجعت في أخذ شفعتي،
قال: ذلك لك كائن من كان الرجل.
قلت: فإن قلت: قد أخذت، فإذا المشتري غير من سمى لي، فقلت: لا حاجة لي به.
الجزء: 20 - الصفحة: 98
قال: ليس ذلك إذا كنت قد عرفت الثمن.
قلت: فإن لم يكن قد سمى لي أحداً.
فقلت: قد سلمت، فلما تبين لي قلت: قد أخذت.
قال: فلا رجعة لك هاهنا ولا حجة كائن من كان الرجل عدواً أو شريراً أو غيره.
قلت: فإن كنت قلت: قد أخذت، فلما سمى لي بدا لي من الأخذ.
قال: فلأخذ لك لازم سمى لك الرجل أو لم يسم إذا سمى لك الثمن.
م: وإذا سمى له الثمن ولم يسم له المشتري، فأخذ أو سلم، لزمه ذلك.
م: صواب؛ لأنه لما لم يسأل عن المشتري لم يكن له به حجة، وإن سمى له المشتري ثم تبين أنه غيره، لزمه الأخذ ولم يلزمه التسليم؛ لأنه في التسليم يقول: رضيت شركة هذا لخيره وأمانته، فإذا تبين أنه غيره لم أرض مشاركته إذ لا أعلم حاله، أو لأنه شرير.
الجزء: 20 - الصفحة: 99
[فصل 4 - في إشهاد الشفيع بأخذ شفعته ثم رجوعه عنه]
ومن المدونة: وإذا قال الشفيع بعد الشراء: اشهدوا أني قد أخذت شفعتي، ثم رجع، فإن علم الثمن قبل الأخذ لزمه، وإن لم يعلم به فله أن يرجع.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإن لم يعلم إلا بعد أخذه فعلم به ورضي لم يجز، وفسخ ذلك على ما أحيا أو كرها، ثم تكون له الشفعة بعد الفسخ.
[فصل 5 - فيما إذا سلم الشفيع الشفعة بعد البيع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا سلم الشفيع الشفعة بعد البيع فلا قيام له، علم الثمن أو جهله.
م: إلا أن يأتي من ذلك ما لا يكون ثمناً لمثله لقلته فلا يلزمه تسليمه.
وقد تقدم لابن القاسم في مسألة: الذي قيل له بيع بجارية أو عرض ولم يوصف نحوه.
[فصل 6 - للشفيع الحق بالشفعة بعد الشراء إن سلمها للمبتاع قبل الشراء]
قال مالك: وإذا قال الشفيع للمبتاع قبل الشراء: اشترى فقد سلمت لك الشفعة وأشهد بذلك، فله القيام بعد الشراء؛ لأنه سلم ما لم يجب له بعد.
الجزء: 20 - الصفحة: 100
م: ولأن من وهب ما لا يملك لم تصح هبته.
قال أشهب وعبد الملك: كمن أذن له ورثته أن يوصي بأكثر من ثلثه في صحته فلا يلزمهم ذلك.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا سلم في شقص بيع بخيار في أيام الخيار بعوض وبغير عوض لم يلزمه، وهو على شفعته.
قلت: فإن انقضى أجل الخيار ورضيا بما كان بينهما وأنفذاه.
قال: لا يجوز ذلك حتى ينقض فعلمها؛ لأن الشفعة بيع يحله ما يحل البيع ويحرمه ما يحرم البيع، فإن فسخا ذلك بقضية أو بغير قضية استأنفا ما أحبا.
الجزء: 20 - الصفحة: 101
[الباب الثاني عشر]
ما جاء في الشفعة في هبة الثواب وفي الثمن يزاد فيه أو ينقص منه ومقاسمة المشتري وهبته وصدقته وبيعه وإقالته وتزويجه به وخلعه
[فصل 1 - لا شفعة في هبة الثواب]
قال مالك: ولا شفعة في هبة الثواب إلا بعد العوض.
قيل: فلم أجاز مالك الهبة لغير ثواب مسمى؟
قال: لأنه على وجه التفويض في النكاح، وفي القياس: لا ينبغي أن يجوز لك ولكن قد أجازه الناس.
[فصل 2 - النقصان في الثمن وأثره في الشفعة]
ومن اشترى شقصاً بألف درهم ثم وضع عنه البائع تسعمائة درهم بعد أن أخذ الشفيع أو قبل، نظر: فإن أشبه أن يكون ثمن الشقص عند الناس مائة درهم إذا تغابنوا بينهم أو اشتروا بغير تغابن وضع ذلك عن الشفيع، لأن ما أظهرا من الثمن الأول إنما كان سبباً لقطع الشفعة وإن لم يشبه أن يكون ثمنه مائة.
الجزء: 20 - الصفحة: 102
م: يريد مثل أن يكون ثمنه ثلاثمائة أو أربعمائة لم يحط الشفيع شيئاً وكانت الوضيعة هبة للمبتاع.
وقال في موضع آخر: إن حط عن المبتاع ما يشبه أن يحط في البيوع وضع ذلك عن الشفيع، وإن كان مالاً يحط مثله في البيوع، فهي هبة ولا يحط للشفيع شيئاً.
م: وهذا والأول سواء.
[قال] ابن المواز: وقاله أشهب، وقال: هذا استحسان، والقياس: أن ما وضع من قليل أو كثير فهو موضوع عن الشفيع، مثل ما لو باعه ثوباً بما لا يباع به مثله على التكايس بنصف ثمنه أو بثلثه على وجه الصلة والمعروف، فإن الشفيع أولى بذلك بثمنه، فكذلك ينبغي إذا وضع البائع عن المشتري مثل هذه الوضيعة قبل أخذ الشفيع الشفعة أو بعده.
م: وقال الشافعي: لا يحط عن المشتري شيء أصلاً.
ودليلنا: أن الذي يلزم الشفيع أن يؤدي إلى المشتري بما عاوض به على
الجزء: 20 - الصفحة: 103
الشقص وهو الثمن الذي أدى دون ما حط عنه؛ لقوله عليه السلام "هو أحق به بالثمن"، ولأنه إذا حط عنه ما زاد على قيمة الشقص، علمنا أن الذي أظهراه لم يكن الثمن وإنما الثمن ما بقي بعد الحطاط، وأما إذا حط مالاً يشبه أن يكون الباقي ثمناً للشقص علمنا أن ذلك هبة لا تتعلق بغلاء الشقص ولا برخصه، فوجب ألا يحط عن الشفيع شيء، وبالله التوفيق.
[قال] ابن المواز: وقال ابن القاسم فيمن باع شقصاً له في مرضه بمحاباة، أن بيعه جائز والمحاباة في ثلثه وللشفيع أخذه بالشفعة بذلك الثمن، وكذلك لو كان صحيحاً، إلا أن يبيعه بما لا يشبه أن يكون ثمناً لقلته فلا يكون فيه شفعة كان صحيحاً أو مريضاً.
[فصل 3 - الزيادة في الثمن وأثرها في الشفعة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا زاد المبتاع للبائع في الثمن بعد البيع، فإن للشفيع أخذه بالثمن الأول؛ لأنه بيع قد وجب.
قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة: وإذا قال البائع بعد البيع للمبتاع: قد
الجزء: 20 - الصفحة: 104
استرخصته فزدني فزاده، فلا شيء على الشفيع من الزيادة.
قال أشهب: وللمبتاع أن يرجع على البائع بما زاده بعد أن يحلف ما زاده إلا فراراً من الشفعة، وإلا فلا رجوع له.
[قال] ابن المواز: وقال عبد الملك مثلهما في الوضيعة، وأما في زيادة المشتري للبائع، فقال: يجب ذلك على الشفيع، فإن شاء أخذ بما زيد أو سلم، ولايتهم المشتري أن يزيد إلا لصلاح البيع.
[فصل 4 - الشفعة في الشقص المقسوم بين الشريكين]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى شقصاً من دار له شفيع غائب فقاسم الشريك ثم جاء الشفيع، فله نقض القسم وأخذه؛ إذ لو باعه المشتري كان للشفيع رد بيعه.
وقاله ابن القاسم وأشهب في المجموعة.
قال أشهب: وإنه ليأخذ بالقلب أن ليس له رد القسم؛ لأنهم قاسموا من يجوز قسمه.
وقال سحنون: يمضي القسم وللشفيع أخذ ما وقع للمبتاع في القسم بالشفعة.
الجزء: 20 - الصفحة: 105
م: وإنما كان له نقض القسم على قول ابن القاسم؛ لأنها شفعة وجبت له قبل القسم، وأما لو قاسمه هذا البائع ثم باع لم تكن له شفعة؛ لانقطاعها بالقسم قبل البيع.
[فصل 5 - الشفعة في الشقص بعد بناء المسجد أو هبته أو التصدق به]
ومن المدونة قال مالك: ولو بنى فيه المشتري بعد القسم مسجداً فللشفيع أخذه وهدم المسجد، ولو وهب المبتاع ما اشترى من الدار أو تصدق به كان للشفيع إذا قدم نقض ذلك ودفع الثمن للموهوب أو المتصدق عليه؛ لأن الواهب علم أن له شفيعاًً، وكأنه وهبه الثمن بخلاف الاستحقاق.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: الثمن للواهب أو المتصدق به كالاستحقاق.
[قال] ابن المواز: وهذا أحب إلينا؛ لأنه بالبيع يأخذ فهو يفسخ ما بعده.
وقاله سحنون؛ إذ عليه يكتب العهدة ولو جعلته للموهوب لجعلت عليه العهدة.
الجزء: 20 - الصفحة: 106
[فصل 6 - الشفعة في الشقص تتداوله الملاك]
ومن المدونة قال مالك: ومن ابتاع شقصاً ثم باعه فتداولته الأملاك فللشفيع أخذه أي صفقة شاء وينقض ما بعدها، وإن شاء أخذه بالبيع الآخر وثبتت البيوع كلها، وكذلك إن بيع الشقص على المبتاع في دين عليه لغرمائه في حياته أو بعد وفاته، فللشفيع الأخذ بالبيع الأول وينقض الثاني وإن شاء أخذ بالثاني.
قال أشهب: فإن تبايعه ثلاثة فأخذها من الأول، كتب عهدته عليه ودفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به؛ لأنه يقول: لا أدفع الشقص حتى أقبض ما دفعت، ويدفع فضلاً إن كان إلى الأول، وإن فضل للثالث مما اشتراه به شيء رجع به على الثاني وليس الثالث حبسه حتى يدفع إليه بقية ثمنه، ثم يرجع الثاني على الأول بتمام ما اشترى به الشقص منه، وإن أخذها من الثاني فعهدته عليه ويثبت بيع الأول ويدفع من ثمن الشقص إلى الثالث ما اشتراه به ويدفع فضلاً إن كان للثاني، وإن فضل الثالث ما اشترى به الشقص شيء رجع به على الثاني ولا
الجزء: 20 - الصفحة: 107
تراجع بين الأول والثاني؛ لتمام بيعهما، وإن أخذها من الثالث كتب عهدته عليه وتم ما قبل ذلك من بيع.
[فصل 7 - الإقالة في الشفعة، وعلى من تكون العهدة]
ومن المدونة قال مالك: ومن اشترى شقصاً ثم استقال منه، فللشفيع الشفعة بعهدة البيع وتبطل الإقالة وليس له أخذها بعهدة الإقالة.
والإقالة عند مالك: بيع حادث في كل الأشياء إلا في هذا، وإن في هذا، وإن سلم الشفيع شفعته صحت الإقالة.
[قال] ابن المواز: وقاله مالك وأصحابه.
قال أشهب: وسواء كان للبائع هو المستقيل أو المشتري أنه لا يأخذ الشفيع إلا من المشتري وعليه يكتب عهدته.
[قال] ابن المواز: لأنه ينزل أمره أنه هرب من العهدة فلذلك تثبت عليه.
[قال] ابن المواز: وإذا سلم الشفيع شفعته ثم تقابل المتبايعان، كان للشفيع الشفعة بعهدة الإقالة من البائع ويصير بيعاً حادثاً؛ لزوال التهمة، مثل: ما لو تولاه غيره لكان للشفيع الشفعة على من شاء منهما.
الجزء: 20 - الصفحة: 108
قال أشهب: وكذلك لو تقابلا بزيادة أو نقصان قبل تسليم الشفيع، فله الشفعة على أيهما شاء منهما.
قال أشهب: والقياس عندي إذا استقال البائع المشتري فأقاله بغير زيادة ولا نقصان وقبل تسليم الشفيع شفعته أن يأخذ من أيهما شاء، ولو قاله قائل: لم أعبه، ولكن الاستحسان أن لا تكون له شفعة إلا على المشتري؛ لفراره من العهدة، وبه أخذ محمد بن حبيب.
قال مطرف وابن الماجشون: إن رأى أن التقايل بينهما كان لقطع الشفعة، فالإقالة باطلة وللشفيع الشفعة بعهدة الشراء، وإن رأى أنها على وجه الصحة وإرادة الإقالة فهو بيع حادث، وللشفيع الشفعة بأي البيعتين شاء.
وذكر عبد الوهاب: أن مالكاً اختلف قوله على من تكون العهدة، فقال مرة: تكون على المشتري وتبطل الإقالة، وقال أيضاً: هو بالخيار إن شاء كتبها على البائع وإن شاء كتبها على المشتري.
ووجه هذا لأن الشفعة تجب بالصفقتين، فبأي ذلك شاء أخذها منه.
الجزء: 20 - الصفحة: 109
[فصل 8 - الشفعة في شقص خولع أو تزوج به]
ومن المدونة: وإذا اشترت المرأة شقصاً فخالعت به، فإن شاء الشفيع أخذه وتكون عهدته على الزوجة فليأخذه بالثمن الذي اشترته به، وإن شاء كتب عهدته على الزوج فليأخذه منه بقيمته يوم أوقع الخلع، فإن أخذه من الزوجة بالثمن رجع عليها الزوج بقيمته يوم الخلع.
وكذلك قال مالك في الذي يشتري شقصاً فتزوج به إن شاء الشفيع كتب عهدته على الزوج أخذه بالثمن ورجعت عليه زوجته بقيمته يوم وقع النكاح به، وإن شاء الشفيع أخذه من الزوجة بقيمته يوم وقع النكاح وكتب عهدته عليها.
وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا.
الجزء: 20 - الصفحة: 110
[الباب الثالث عشر]
في تأجيل الأخذ بالشفعة وفي الأخذ وفي الثمن وفي انهدام الشقص بعد الأخذ والقضاء على الغائب والوكالة فيها
[فصل 1 - تأجيل الأخذ بالشفعة]
قلت: فمن أراد الأخذ بالشفعة ولم يحضره الثمن أيتلوم له الأيام؟
قال: قال مالك: رأيت القضاة عندنا يؤخرون الأخذ بالشفعة في النقد اليوم واليومين.
واستحسنه مالك وأخذ به.
قال ابن المواز: إنما يؤخر هكذا إذا أخذ بشفعته، فأما إذا أوقعه الإمام ليأخذ بشفعته، فقال: أخروني اليومين والثلاثة لأنظر في ذلك، فليس له ذلك، ويقال له: تأخذ أنت بشفعتك الآن في مقامك وإلا فلا شفعة لك، وقاله أشهب في المجموعة.
وقال مالك في مختصر ابن عبد الحكم: يؤخره السلطان اليومين والثلاثة ليستشير وينظر.
الجزء: 20 - الصفحة: 111
[قال] ابن المواز: وإن أوقفه غير السلطان فذلك بيده وإليه حتى يوقفه السلطان، وإن أخذ بالشفعة وطلب التأخير بالثمن فأخره السلطان اليومين والثلاثة فلم يأت به إلى ذلك الأجل، فالمشتري أحق بها.
قال محمد عن أشهب وهو في العتبية عن ابن القاسم: وإذا طلب التأخير بعد الأخذ فأخر، ثم يبدو له ويأبى المشتري أن يقيله فلأخذ قد لزم الشفيع، وإن لم يكن له مال بيع عليه حظه الذي استشفع فيه وحظه الأول حتى يتم المشتري جميع حقه، ولا يقال: إلا أن يرضى المشتري أن يقيله.
[فصل 2 - في ضمان الشقص إذا انهدم قبل القبض]
ومن المدونة قال مالك: وإذا أخذ الشفيع الشقص بالشفعة فلم يقبضه حتى انهدمت الدار، فضمان الشقص من الشفيع، وكذلك في البيوع ما أصاب الدار بعد الصفقة وقبل القبض فمن المشتري في قول مالك.
الجزء: 20 - الصفحة: 112
[فصل 3 - الشفعة في غيبة المبتاع]
ويقضي للشفيع بالشفعة في غيبة المبتاع كالقضاء عليه، ويكون على حجته إذا قدم، وكذلك من اشترى شقصاً من دار لرجل غائب، كان للشفيع الأخذ بالشفعة.
[فصل 4 - الوكالة في أخذ الشفعة]
ولك أن توكل بأخذ الشفعة غبت أو حضرت، ولا يلزمك تسليم الوكيل إلا أن تفوض إليه في الأخذ أو الترك، ولو أقر الوكيل أنك تسلمتها فهو كالشاهد يحلف معه المبتاع، فإن نكل حلفت أنت وأخذت، فإن أقام الوكيل بينة أن فلاناً الغائب وكله على طلب الشفعة في هذه الدار مكن من ذلك.
الجزء: 20 - الصفحة: 113
[الباب الرابع عشر]
ما يحدث بالشقص من هدم أو بناء ولمن ثمن الهبة في الاستحقاق
[فصل 1 - الشفعة في الشقص يحدث فيه النقص]
قال مالك: والقضاء في الشفعة أن المبتاع لا يضمن الشفيع ما حدث عنده في الشقص من هدم أو حرق أو غرق.
قال ابن القاسم: أو ما غار من عين أو بئر، ولا يحط الشفيع لذلك من الثمن شيئاً، فإما أخذ بجميع الثمن أو ترك.
قال مالك: وكذلك لو هدم المبتاع البناء ليبنيه أو ليوسع فيه، فإما أخذ ذلك الشفيع مهدوماً مع ما نقصه بجميع الثمن أو ترك.
م: وإذا استحق نصفها وطلب أخذ بقيتها بالشفعة، فله أخذ النصف المستحق مهدوماً ونصف نصفه، وأخذ النصف الآخر بنقصه مهدوماً
الجزء: 20 - الصفحة: 114
بالشفعة بنصف جميع الثمن إن شاء، ولا يحط عنه للهدم شيء، ولو تلف النقض بأمر من الله عز وجل لم يكن عليه للنصف المستحق شيء؛ لأنه لم يتعد وأخذ النصف المستشفع فيه بنصف الثمن لا يحط عنه لتلف النقض شيء؛ لأنه لم يأخذ فيه شيئاً.
وكذلك إن وهب النقض فهلك عند الموهوب بأمر من الله تعالى لم يضمن ذلك المبتاع الواهب ولا الموهوب وأخذ الشفيع بنصف جميع الثمن.
م: قال بعض الفقهاء: كما قالوا فيما ولدت الجارية المغصوبة فوهبه الغاصب فمات عند الموهوب فلا ضمان على واحد منهما.
وإن باع النقض وكان قائماً، فالأحسن من الأقاويل: أنه لا شفعة له إلا بأن ينقص بيع النقض ويأخذه؛ إذ هو قادر على ذلك وليس له أن يأخذ العرصة بما ينوبها من الثمن مع وجود النقض إن رضي المشتري بذلك؛ لأنه يصير آخذاً للعرصة بثمن مجهول وليس بمضطر إلى ذلك لما كان قادراً على أخذ النقض.
الجزء: 20 - الصفحة: 115
م: فإن قيل: فإن عرف ما ينوب النقض من الثمن وما ينوب العرصة.
قيل: لا يلزم ذلك بائع النقض؛ لأنه يقول: إنما رضيت ببيع النقض برخص من الثمن رغبة في بقاء الأصل بيدي، فلا يلزمه ذلك إلا أن يرضى بذلك فيجوز، ويصير كمن أرضاه على أن يأخذ بعض مال له فيه الشفعة وسلم بعضه، فأما لو قال المستحق: أنا أجيز بيع نصيبي من الأنقاض في النصف الذي قد استحقه وأخذ النصف الآخر مع نصف العرصة بالشفعة لكان للمشتري الخيار في النصف المستحق من الأنقاض.
فإن قيل: فلم كان للمشتري الخيار وهو لو استحق عليه نصف الأنقاض لم يكن له خيار؟
قيل له: لأن المستحق هاهنا قادر على إجازة بيع جملة ما استحق وما استشفع أو أخذ جملتها، فليس له أن يأخذ بعضها دون بعض، كمن استحق جملة سلع بيعت، فقال: أنا أجيز بيع نصفها وأرد النصف، لم يكن له ذلك، إلا على قولة لأصبغ أن ذلك له، ولأشهب نحوها.
الجزء: 20 - الصفحة: 116
[فصل 2 - الشفعة فيما لو هدم المبتاع ثم بنى]
ومن المدونة قال: ولو هدم المبتاع ثم بنى، قيل للشفيع: خذ بجميع الثمن وقيمة ما عمر فيها.
قال أشهب: يوم القيام، وله قيمة النقض الأول منقوضاً يوم الشراء بحسب كم قيمة العرصة بلا بناء، وكم قيمة النقض مهدوماً، ثم يقسم الثمن على ذلك، فإن وقع منه للنقض نصفه أو ثلثه فهو الذي يحسب للشفيع على المشتري، ويحط عنه من الثمن، ويغرم ما بقي مع قيمة البناء قائماً.
[قال] ابن المواز: وهو قول مالك وأصحابه.
م: وإنما قال: يغرم الشفيع قيمة العمارة يوم القيام؛ لأن المبتاع هو الذي أحدث البناء، وهو غير متعد فيه، والأخذ بالشفعة كالاشتراء، فعلى الشفيع قيمته يوم أخذه بشفعته، وإنما حسب للشفيع على المبتاع قيمة النقض مهدوماً يوم الشراء؛ لأنه لم يكن في هدمه متعدياً، فكأنه اشتراه مع العرصة مهدوماً ثم بنى به وهو في ملكه وضمانه، فوجب أن يأخذ العرصة بقيمتها من قيمة النقض من الثمن يوم الشراء كما لو اشتراها مع عرص.
قال مالك: فإن لم يفعل فلا شفعة له.
قيل لابن المواز: وكيف يمكن أن يحدث بناء في مشاع؟
قال: يكون قد اشترى الجميع وأنفق وبنى وغرس، ثم استحق رجل نصف ذلك مشاعاً، أو يكون شريك البائع غائباً فرفع المشتري إلى السلطان يطلب القسم،
الجزء: 20 - الصفحة: 117
والقسم على الغائب جائز، فيقسم السلطان للمبتاع حقه بعد الاستقصاء وضرب الجل ثم لا يبطل ذلك شفعة الغائب.
[فصل 3 - الشفعة فيما لو استحق نصف الدار بعد هدمه وبنائه]
ومن المدونة: -وقال في باب بعد هذا- ومن ابتاع داراً فهدمها وبناها ثم استحق رجل نصفها واستشفع، فإن دفع إليه في حصة الشفعة قيمة نصف بنائه وإلا لا شفعة له، ويقال له: في النصف الذي استحق، ادفع إليه قيمة نصف بنائه يوم القيام أيضاً، فإن أبى قيل للآخر: ادفع إليه نصف قيمة الأرض بغير بنيان إن كان قد هدم جميع بنيانها.
م: يريد ويرى النقض الأول بغير انتفاعه، وأما لو بناها بنقضها لحسب للمستحق نصف قيمة ما سلم من نقض الدار مطروحاً يوم بنائه؛ لأنه لم يكن عليه في هدمه تعد ولا ضمان لما ذهب منه، وهو في ضمان المستحق إلى حين إفاتة المبتاع بالبناء.
قال ابن القاسم: فإن أبيا كانا شريكين بقيمة ما لكل واحد منهما.
[قال] ابن المواز: وإذا صارا شريكين في النصف المستحق بما ذكرنا فله نصف النصف الآخر بالشفعة إن شاء بنصف الثمن وبنصف قيمة ما بنى قائماً.
يريد: يوم الحكم.
[قال] ابن المواز: فتكون الدار بينهما؛ لأنه لما شاركه في نصفه الذي استحقه فقد احتبس نصف النصف المستحق، فله من شفعته بقدر ما أخذ في الاستحقاق ويحسب على المستحق فيما أخذ منه بالشفعة قيمة ربع بعض الدار منقوضاً يوم الشراء؛ لأنه قد
الجزء: 20 - الصفحة: 118
أدى للمشتري قيمة ذلك مبنياً مع نقضه.
م: ولو كان لما قيل للمشتري: ادفع إليه نصف قيمة عرصته فدفعها، فأراد المستحق أخذ النصف الثاني بالشفعة، فله ذلك على قول من رأى أنه إذا باع ما يستشفع به فلا يسقط ذلك شفعته، وليس له ذلك على قول من قال: إذا باع سقطت شفعته.
[فصل 4 - الشفعة فيما لو استحق نصف الدار بعد فوات النقض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى داراً فهدمها وباع النقض، ثم استحق رجل نصفها وقد فات النقض عند مبتاعه، فإن المستحق إن لم يجز البيع في نصيبه أخذ نصفها ونصف ثمن النقض باستحقاقه، ثم إن شاء أخذ بقيمتها بالشفعة، فإن أخذه قسم نصف ثمن الدار على قيمة نصف ثمن الأرض وقيمة نصف الشقص منقوضاً يوم الصفقة.
يريد: صفقة شرائه، ثم أخذ نصف الأرض بما ينوبها، ولا ينظر إلى ثمن ما باعها به، وأما ما قابل النقض من الثمن فلا شفعة فيه لفواته وثمنه للمبتاع.
وقال ابن المواز: وإن باع النقض وقبض ثمنه، فللمستحق أخذ نصف الدار بالشفعة بجميع ثمن النصف إلا أن يحسب له على المشتري للشفيع في الثمن الأقل مما وصل إليه من نصف ثمن النقض أو من قيمته ملغي من الثمن أجمع بعد قبض الثمن على الأرض،
الجزء: 20 - الصفحة: 119
والنقض ملغي يوم الصفقة؛ لأن المبتاع يقول: ليس لك علي في ثمن النقض شفعة فتكون أحق به، وإنما لك أخذ النقض إن وجدته قائماً، فإن فات فلك قيمة ما بيع عليه من الثمن، وإن شاء قال: مالك علي فيه إلا ما صار إلي من ثمنه؛ إذ هو أقل من قيمته؛ لأني لو حابيت في ثمنه لم يكن لك علي إلا ما صار إلي من ثمنه واتبع أنت بالمحاباة مشتريه، وإن لم يصل إلي من ثمنه شيء أو وهبته لم ينقص من ثمن الشقص شيء، وأما في النصف المستحق فله ثمن النقض على بائعه قل أو كثر.
م: وقو ل ابن القاسم أبين؛ لأن الأنقاض لما هدمت كانت كعرض اشترى مع العرصة وهو لو باع العرض المشترى مع العرصة لم ينظر إلى ثمنه وكان له أخذ العرصة بما ينوبها من الثمن من قيمتها من قيمة العرصة، فكذلك حكم النقض، والله أعلم.
الجزء: 20 - الصفحة: 120
[فصل 5 - في شفعة النقض ولما يفت]
ومن المدونة: ولو وجد المستحق النقض لم يبع، أو وجده قد بيع وهو حاضر عند مبتاعه لم يفت، فله أخذ نصفه مع نصف العرصة بالاستحقاق وباقيها بالشفعة، ولا يضمن المبتاع في الوجهين لهدمه شيئاً.
[قال] ابن المواز: وليس للشفيع أن يجيز بيع النقض ويأخذ ثمنه من بائعه مع نصف العرصة بشفعته بنصف الثمن؛ لأنه لا شفعة له في الثمن، كان الثمن عرضاً أو عيناً، وفي العين أشد وأحرم، وكيف يحكم له بثمن ما لم يملكه قط ولم يضمنه بشفعته، ولا يكون للشفيع أن يسلم بعض الصفقة ويأخذ بعضها فهذا يريد أن يأخذ الأصل ويسلم النقض.
قال ابن المواز: ولو أخذ نصف الدار باستحقاقه وسلم شفعته في النصف الثاني لكان لمستحق الشفعة في النقض؛ لأنه صار شريكاً للمبتاع فيما باع من النقض أو من العرصة، فلشريكه فيه الشفعة.
[قال] ابن المواز: وقد روى أشهب أن المستحق إذا أخذ نصف الدار بالشفعة
الجزء: 20 - الصفحة: 121
أن له أن يأخذ ثمن ما بيع من النقض قل أو كثر، فإن كان أكثر من ثمن نصف الدار كما يأخذه عما استحقه، وهو وهم لم يصوبه أحد من أصحابه.
[فصل 6 - فيما لو أبى الشفيع أخذ ما استحق من الدار مهدوماً، أو هدمه أجنبي]
ومن المدونة: وإن أبى أن يأخذ ما استحق من الدار مهدوماً، قيل له: فارجع على البائع بالثمن الذي باع به حصتك إن أحببت، وإن هدم الدار أجنبي تعدياً وأتلف النقض فلم يقم عليه المبتاع حتى قام المستحق فاستشفع، فله الشفعة فيما بقي من حصته بالتقويم كما لو باعه المبتاع ينظر ما قيمتها بلا بناء وما قيمة البناء مهدوماً، فيقسم الثمن على ذلك، فيأخذ العرصة بحصتها من الثمن بشفعته، ثم يتبع المشتري الهادم بنصف قيمة ما هدم فكان له، ويتبعه المستحق بمثل ذلك.
يريد: يتبعانه جميعاً بما بين قيمة الدار مهدومة وقيمتها صحيحة، وهذا بخلاف ما انهدم بأمر من الله تعالى، لأن المتعدي هاهنا ضامن فجرى مجرى البيع.
وقال بعض الفقهاء: لا يشبه ذلك البيع؛ لأنه في البيع إنما باع النقض مهدوماً وما أحدثه من الهدم فلا يضمنه، ولا يحسب عليه فيه شيء، والجاني هاهنا متعد في الهدم، فهو يتبع بما هدم قائماً، فكيف يربح المشتري.
الجزء: 20 - الصفحة: 122
م: وما قاله ابن القاسم فهو جار على مذهبه؛ لأنه يقول إذا باعه بمائة وكان ما يقع عليه من الثمن في النقض خمسين لم يكن عليه إلا ذلك، ويربح الخمسين، فكذلك إذا كان يأخذ في قيمة الهدم من الهادم مائة ويخص قيمته مهدوماً من الثمن خمسون، أن ذلك له كالبيع.
وقال ابن المواز: إذا لم يقدر على الهادم فلا يأخذ الشفيع إلا بجميع الثمن كالهدم من السماء.
م: وهذا بين؛ لأنه إذا لم يقدر على الأخذ منه فلا نفع يصل إلى المشتري من ذلك، فهو كالهدم من الله تعالى.
وهذا لا يخالفه ابن القاسم؛ لأن ابن القاسم إنما قال: فلم يأخذ المشتري فيه ثمناً حتى استحق هذا نصف الدار، فظاهر كلامه أنه ممن يقدر على الأخذ منه، فلما استحق هذا وجب أن يطالبه كل واحد منهما بماله قبله، فأشبه ما يأخذ المشتري من الثمن في البيع.
الجزء: 20 - الصفحة: 123
[فصل 7 - الشفعة فيما لو ترك المبتاع قيمة ما هدم]
ومن المدونة قال: ولو كان المبتاع قد ترك للهادم قيمة ما هدم فللمستحق طلب الهادم بنصف قيمة ذلك من النصف المستحق، ويسقط عنه حصة المبتاع، وإن كان الهادم عديماً أتبعه المستحق دون المبتاع.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: وسواء كان المتعدي عديماً أو موسراً فإنه يحسب للشفيع على المشتري قيمة النقض كما لو باعه.
قال: وقال أيضاً ابن القاسم: إن هدمها أجنبي تعدياً فليتبعه مستحق نصفها بنصف قيمة الهدم، وإن أخذ بالشفعة أخذ بنصف جميع الثمن، ولا يحط عنه للهدم بشيء.
[قال] ابن المواز: وهو أحب إلينا، وكذلك لو ترك المبتاع للهادم قيمة ما هدم، أو وجده عديماً فتركه، ثم جاء الشفيع لم يكن له أن يأخذ الشقص المهدوم إلا بنصف الثمن لا ينقص للهدم شيء؛ لأنه لم ينتفع ولكنه أمر نزل به مغلوباً مثل الحرق والغرق وشبهه، فمتى ما أخذ من المتعدي شيئاً كان ذلك للشفيع.
وذكر ابن المواز القول الأول عن ابن القاسم في كتاب الغصب.
قال محمد: وإنما ذلك إذا كان المتعدي موسراً يقدر المشتري على أخذ ما وجب له عليه، فأما من لا يقدر على أخذ ذلك منه فهو بمنزلة ما هلك بأمر من الله، فلا
الجزء: 20 - الصفحة: 124
يأخذ ذلك بالشفعة إلا بالثمن كله، فإما إن كان مليئاً فللشفيع أن يحسب على المشتري قدر قيمة ذلك نقضاً يوم الشراء من قيمة العرصة من الثمن، ويتبع المشتري الهادم بقيمة ذلك قائماً يوم هدمه بالغاً ما بلغ.
وقد جعله ابن القاسم مثل بيعه للنقض؛ لأنه قد وجب له على المتعدي شيء يرجع به، فهو بخلاف ما هلك بأمر من الله، وذلك في المليء.
وقال أشهب في المجموعة: إذا هدمها رجل بيد المبتاع ظلماً، فللمستحق أن يأخذ من المبتاع نصف ما ابتاع مهدوماً ولا شيء له في الهدم، ويأخذ بقية الدار بالشفعة.
يريد: نصف جميع الثمن.
قال: ويتبع هو الهادم بما بين قيمة الدار مهدومة وقيمتها مبنية، وإن لم يستشفع اتبعه هو والمبتاع بذلك.
وأنكر سحنون قول ابن القاسم إذ جعله كالبيع، وقال: يقول أشهب هذا.
[فصل 8 - فيمن استحق داراً وهب لرجل قد هدمها، وجارية استحقت بحرية]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى داراً فوهبها لرجل فهدمها، أو وهب نقضها لرجل فهدمه، ثم استحق رجل نصفها فلا شيء له على الهادم فيما هدم وهو كالمشتري، ولو وهب الدار مبتاعها لرجل، ثم استحق رجل نصفها وأخذ باقيها بالشفعة، فثمن النصف المستشفع للواهب، بخلاف من وهب شقصاً ابتاعه وهو يعلم أن له شفيعاً هذا ثمنه للموهوب إذا أخذه الشفيع.
الجزء: 20 - الصفحة: 125
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: بل الثمن للواهب في الوجهين كالاستحقاق، وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: ومن وهب لرجل أمة فاستحقت بحرية، أو أنها مسروقة، فما رجع به من ثمنها فللواهب أو لورثته دون الموهوب.
الجزء: 20 - الصفحة: 126
[الباب الخامس عشر]
في الشفعة في البيع الفاسد والولية فيه
[فصل 1 - هل في البيع الفاسد شفعة؟]
قال مالك: ويفسخ البيع الفاسد في الدور وغيره إذا لم يفت ولا شفعة فيه، ولو علم به بعد أخذ الشفيع فسخ بيع الشفعة والبيع الأول؛ لأن الشفيع دخل مدخل المشتري.
وكذلك لو باعها المبتاع من غيره بيعاً فاسداً لرد البيع الأول والآخر جميعاً إلا أن يفوت، ويجب في ذلك القيمة فلا يرد.
ومن كتاب ابن المواز: فإن لم يفسخ بيع الشفعة حتى فاتت بيد الشفيع بما يفوت به الربع في البيع الفاسد، فرجع البائع على المشتري بقيمته يوم قبضه لزم الشفيع ما لزم المشتري من تلك القيمة إلا أن تكون أكثر مما أخذ به الشفيع، فالشفيع مخير إن شاء رد الشفعة وإن شاء تماسك بها بتلك القيمة ما بلغت.
الجزء: 20 - الصفحة: 127
[فصل 2 - في فوات الشقص قبل أخذ الشفيع]
قال: وإن كان فوات الشقص عند المشتري قبل أخذ الشفيع ثم أخذه الشفيع ثم ترادا البائع والمبتاع القيمة انتقضت الشفعة بكل حال، وخير الشفيع إن شاء أخذه بالقيمة التي رجع المشتري إليها ما بلغت وإن شاء سلم.
قال ابن المواز: بل ذلك سواء فات عند المشتري قبل أن يأخذ الشفيع بالثمن الأول، أو لم يفت حتى أخذه الشفيع فقد لزم الشفيع أخذه بما ترادا به إلا أن يكون أكثر فيكون مخيراً بين أن يرده أو يأخذه بذلك.
م: وقال بعض فقهاء القرويين: إن فات الشقص عند المشتري قبل أخذ الشفيع أخذ بالقيمة، فإن لم يعلم وأخذه بالبيع الفاسد رد ذلك إلا أن يفوت عند الأخذ بالشفعة، فيكون عليه الأقل من قيمته يوم قبضه هو، أو القيمة التي وجبت على المشتري؛ لأنه لا يقدر على رده لفواته عنده.
قال: فإن قال: فإني لا آخذ بالشفعة، رد قيمة ما قبض، وإن أخذه بالشفعة أخذ بمثل القيمة التي وجبت على المشتري ولو كان أخذه بالشفعة قبل فوات ففاته عنده كان عليه الأقل كما تقدم.
الجزء: 20 - الصفحة: 128
م: وهذا خلاف ما تقدم لابن المواز، وهذا أبين؛ لأن الأخذ بالشفعة كالشراء، فإذا فات عند الشفيع لزمته القيمة يوم قبضها، فإن كانت أكثر قال: أنا آخذ بما لزم المشتري.
[فصل 3 - الشفعة فيما لو لم يفسخ البيع الفاسد حتى فات]
ومن المدونة: وإذا لم يفسخ البيع الأول حتى فات ولزمت المبتاع قيمته يوم قبضه، ففيه حينئذ الشفعة بتلك القيمة.
[قال] ابن المواز: وليس للشفيع أخذها إلا بعد معرفته بالقيمة التي لزمت المشتري، فإن أوجبها على نفسه قبل معرفته بالقيمة وإن كانت قد وجبت فذلك باطل.
[فصل 4 - بم يفوت الربع بالبيع الفاسد]
ومن المدونة: ويفيت الربع في البيع الفاسد البناء والهدم والغرس وبناء البيوت وعطب الغرس، وليس تغير سوق الرباع فوتاً، ولا أعرف أن تغير البناء فوت، أو طول المدة السنتين والثلاث فوت.
الجزء: 20 - الصفحة: 129
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: حوالة الأسواق في الرباع فوت مثل غيرها من الأشياء.
[فصل 5 - في شفعة الدار إذا فاتت]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا فاتت الدار ببناء زاده المبتاع فيها لم يأخذها الشفيع حتى يدفع إلى المبتاع قيمة ما أنفق مع القيمة التي لزمته، وإن انهدمت الدار لم ينقض لشفيع للهدم شيئاً، وقيل له: خذها بجميع القيمة التي لزمت المبتاع أو دع، فذلك فوت أيضاً، وللشفيع الأخذ بثمن البيع الصحيح ويترادان الأولان القيمة.
وكذلك من ابتاع شيئا من جميع الأشياء بيعا فاسدا ثم باعه بيعا صحيحا قبل أن يفوت عنده، ثم البيع الثاني ويترادان الأولان القيمة، وليس للشفيع الأخذ بالبيع الأول الفاسد؛ لأنا نزيل البيع الذي أفاته، ويعود بيعا فاسدا لا يفوت فيه، هذا إذا لم تفت الدار ببناء أو هدم، وأما 'ن فاتت بذلك فليأخذ الشفيع إن شاء
الجزء: 20 - الصفحة: 130
بالثمن الصحيح أو بالقيمة في البيع الفاسد.
يريد: بعد معرفته بتلك القيمة.
قال: وإن لم يفت بهذا، إلا أن المتابعين ترادا القيمة بعد البيع الثاني، فللشفيع أن يأخذ بأي ذلك شاء لتمام البيع بأخذ القيمة، تراداها بقضية أو بغير قضية؛ لأن مبتاع الصحة لو رد ذلك بعيب وجده بعد أن ترادا الأولان القيمة لم يكن للمبتاع الأول ردها على البائع الأول بالبيع الفاسد؛ لأنه بيع قد صح بينهما بأخذ القيمة، ولكن له الرد بالعيب ويأخذ القيمة التي دفع.
وقد قال مالك في المكتري يتعدى الموضع فتتلف الدابة فيغرم القيمة، ثم توجد بحالها فليس لربها أخذها؛ لأنه قد أخذ قيمتها.
قال ابن عبدوس: قال سحنون كيف يكون للمشتري الأول ردها بالعيب على البائع الأول والبيع الأول قد انتقض ووجبت فيه القيمة لفوته، وإنما يجب عليه الرجوع بفضل ما بين القيمتين قيمتها صحيحة وقيمتها معيبة، فيصير على المشتري غرم قيمة ما فات في يده وليس له ردها، كقولهم فيمن تعدى على دابة
الجزء: 20 - الصفحة: 131
رجل فضلت فغرم قيمتها بعد أن وصفها وحلف، ثم وجت على غير ما وصف، فليس لربها أخذها وإنما له تمام القيمة.
[فصل 6 - حكم التولية في البيع الفاسد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا تجوز التولية في البيع الفاسد ويرد؛ لأن المبتاع إن كان ابتاع على أن أسلف فقد دخل الثاني مدخله.
ولو قال له: هذه السلعة قامت علي بمائة دينار وأنا أبيعكها بذلك كان كاذبا؛ لأنه إن كان اشتراها بمائة على أن أسلفه عشرة دنانير وقيمة السلعة خمسون دينار فلم تقم عليه بمائة، ويخير المبتاع منه في أخذها بمائة أو ردها، فإن فاتت بيده قبل أن يختار لزمه الأقل من قيمتها أو من المائة.
الجزء: 20 - الصفحة: 132
[الباب السادس عشر]
في شفعة من اشترى المديان وبيع الشفعة ووكالة الشفيع على بيع الشقص أو شرائه والتداعي في الدور والكفالة في بيعها
[فصل 1 - فى شفعة المديان]
قال مالك: ومن ابتاع شقصاً فيع فضل، فقام غرماؤه في فلسه أو موته، فللشفيع أخذ الشقص دونهم.
قال مالك: وإذا ترك من أحاط الدين بماله القيام بشفعته فليس لغرمائه أخذها، وذلك إليه أخذ أو سلم.
قال ابن المواز: قال أشهب: وذلك ما لم يفلس، فإذا فلس فلغرمائه أن منعه من أخذ الشفعة إذا كان ذلك نظرا لهم وله، وليس لهم أن يكرهوه على الأخذ
الجزء: 20 - الصفحة: 133
بالشفعة وإن كان فيه فضل كثير ونظر له ولهم، كما لا يعتصر لهم ما وهب لابنه الصغير.
قال أشهب: والقياس أن لا يكون للشفيع أخذها لتباع لغرمائه؛ لأنه إنما يأخذ لغيره، كما ليس له أن يعتصر إذا فلس؛ لأنه إنما يعتصر لغيره.
ولو قاله قائل: لم أعبه ولكني آثرت الاستحسان من قبل أن ورثته يقومون بعد موته مقامه في الأخذ أو الترك، وليس لهم اعتصار ما وهب.
وصوب سحنون قول أشهب الذي قاله: انه القياس في المجموعة واستجاده.
وقال: لأن الشفعة في السنة إنما هي للضرر بالشفيع.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: وإذا مات الشفيع ليس لغرمائه أخذ شفعته، وذلك لورثته إن شاءوا أخذوا أو سلموا، فإن أخذها ورثته بمال الميت بيعت عليهم في دين الميت وأخذ الغرماء الثمن والفضل، فإن بقي شيء عن دينهم كان ميراثا، وإن أخذوها بما لهم بيعت أيضا ودفع إلى الورثة رأس مالهم وقضي بالفضل دين الميت، فإن لم يسو إلا رأس المال فأقل لم تبع عليهم.
قال ابن عبدوس: قال سحنون: لمالك فيها تفسير لم يقع عليه أشهب، وكانت تعجب سحنون، ويراها أصلاً حسناً وهي للمغيرة.
الجزء: 20 - الصفحة: 134
قال سحنون: قال مالك: يبدأ بالورثة، فيقال لهم: إن قضيتم الدين فلكم الشفعة؛ لأن الميراث بعد الدين، فإن أبوا وبيع ميراث الميت للدين فلا شفعة لهم؛ لأن الشقص الذي يستشفع به قد بيع ولم يملكوه في حال ولا حلوا محل الميت لتبرئتهم من تركته.
قال المغيرة: ولا شفعة أيضا للغرماء؛ لأنهم لا يملكون الشقص الذي به الشفعة.
[فصل 2 - حكم التنازل عن الشفعة على مال يأخذه]
ومن المدونة قال مالك: وإذا سلم الشفيع الشفعة بعد الشراء على مال أخذه جاز، وإن كان قبل الشراء بطل ورد المال وكان على شفعته.
قال مالك: ومن وجبت له شفعة فأتاه جنبي فقال له: خذها بشفتك ولك مائة دينار أربحك فيها، لم يجز ويرد ذلك إن وقع، ولا يجوز له أن يأخذ شفعته لغيره.
[فصل 3 - حكم بيع الشقص قبل أخذه بالشفعة]
قال مالك: ولا يجوز بيعه للشقص قبل أخذه إياه بشفعته؛ لأنه من بيع ما ليس عنده، وهذا بخلاف تسليمها للمشتري على مال يأخذه منه فذلك جائز؛ لأنه لم يبع
الجزء: 20 - الصفحة: 135
منه شقصا إنما باع منه حقا وجب له.
[فصل 4 - التوكيل في بيع الشقص وشرائه]
قال مالك: ومن وكل رجلا يبيع له شقصا أو يشتريه والوكيل شفيعه ففعل لم يقطع ذلك شفعته.
[قال] ابن المواز: قال أشهب: لأن الشفعة إنما وجبت للوكيل بعد أن باع أو بعد أن اشترى.
[فصل 5 - حكم التداعي في لبدور]
ومن المدونة قال مالك: وإذا كانت دار بيد أحد رجلين فأقام كل واحد منهما بينة أنه ابتاعها من الآخر، قضيت بأعدلهما، فإن تكافأتا بقيت الدار لمن هي بيده.
[قال] ابن المواز: وإن تداعى رجلان شقصا كل واحد يدعي أنه اشتراه من الآخر وهو بيد غيرهما، وأقام كل واحد منهما بينة وكانت شهادتهما في مجلس واحد أو مجلسين ولم يؤرخا وتكافأتا في العدالة سقطتا، وكان الشقص لمن يقر له به
الجزء: 20 - الصفحة: 136
الذي هو بيده، وللشفيع عليه الشفعة، وإن قال الذي هو بيده: لا أدري لمن هو منهما، قسم بينهما وبين أيمانهما، ويأخذ الشفيع من كل واحد منهما النصف بما أقر أنه اشتراه به، فإن نكلا لم يكن لهما من الشقص شيء ولا شفعة فيه، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر، فهو لمن حلف ويؤخذ منه بالشفعة، ولو كان بيد أحدهما فهو لمن هو بيده مع يمينه، فإن نكل حلف الآخر وكان الشقص له ويأخذه الشفيع ممن قضي له به، وإن كانت إحداهما أعدل من الأخرى ولم يؤرخا قضي بأعدلهما.
قال أشهب: وإن أرخت إحداهما ولم تؤرخ الأخرى قضي بالتي أرخت، وإن أرختا جميعا قضي بآخرهما تأريخا، ويأخذ الشفيع بأي الثمنين شاء ويكتب عهدته على من شاء أن يأخذ منه، فإن أخذ من الآخر لم يرجع واحد منهما على صاحبه، وإن أخذ من الذي لم يقض له به دفع إلى المقضي له به ما ذكر أنه اشتراه به ودفع فضل ذلك إلى الآخر.
[فصل 6 - الكفالة في بيع الشقص]
ومن الشفعة: ومن ابتاع داراً وأخذ من البائع كفيلا بما أدركه من درك فبنى في الدار ثم استحقت، لم يلزم الكفيل في قيمة البناء شيء، ولكن يقال للمستحق: ادفع
الجزء: 20 - الصفحة: 137
إلى المبتاع قيمة ما بنى، أو خذ قيمة البناء دارك، فإن دفع ذلك وأخذ الدار رجع المبتاع بالثمن على البائع، فإن كان غائبا أو عديما رجع به على الحميل.
الجزء: 20 - الصفحة: 138
[الباب السابع عشر]
في ثمن الشقص يموت أو يرد بعيب أو يستحق قبل أخذ الشفيع أو بعده واختلاف الشفيع والمبتاع في قيمته واستحقاق الشقص أو رده بعيب والرجلين يعي كل واحد أنه باع أو اشترى من الآخر
[فصل 1 - في ثمن الشقص يموت أو يرد بعيب]
قال مالك ومن ابتاع شقصاً من دار بعبد بعينه فمات العبد بيده فمصيبته من بائع الشقص، وللشفيع الأخذ بقيمة العبد وعهدته على المبتاع؛ لأن الشفعة وجبت له بعقد البيع.
قال: فإن أخذ الشفيع بقيمة العبد ثم وجد بائع الشقص بالعبد عيبا، فله رده ويأخذ من المبتاع قيمة الشقص وقد مضى الشقص للشفيع بشفعته، بخلاف البيع الفاسد الذي تبطل فيه الشفعة؛ لأن البيع فسد لعينه، والعيب لو رضيه البائع لتم، وإن استحق العبد قبل قيام الشفيع بطل البيع ولا شفعة في ذلك، وإن استحق بعد أخذ الشفيع فقد مضت الدار للشفيع، ويرجع بائع الشقص على مبتاعه بقيمة الشقص
الجزء: 20 - الصفحة: 139
كاملا كان أكثر مما أخذ فيه من قيمته الشفيع أو أقل، ثم لا تراجع بينه وبين الشفيع؛ إذ الشفعة كبيع ثان.
[قال] ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب وأصبغ، وهو أحب ما في ذلك إلي.
[قال] ابن المواز: وقال عبد الملك: ينتقض ما بين الشفيع والمشتري كما انتقض ما بين البائع والمشتري، ثم إن شاء الشفيع أن يأخذ بما حصل بيد البائع مما تراجعا إليه، وإن شاء ترك إن كان قيمة الشقص أكثر أخذ بها إن شاء، وإن كانت قيمته أقل رجع الشفيع بما بقي.
وكذلك عن عبد الملك وسحنون في المجموعة.
م: بيان ذلك إن كان قيمة العبد خمسين فأخذ بها الشفيع، فلما استحق العبد رجع بائع الشقص بقيمة شقصه فكانت ستين، فلا تراجع بينهم عند ابن القاسم؛ لأن أخذ الشفيع تفويت، وكذلك لو كانت قيمة الشقص أربعين.
الجزء: 20 - الصفحة: 140
وعبد الملك يرى: إن كانت قيمة الشقص ستين، فالشفيع مخير إن شاء أدى عشرة تمام قيمة الشقص وإن شاء رد الشقص، وإن كانت قيمة الشقص أربعين استرجع عشرة؛ لأنه كشف الغيب أن قيمته هي ثمنه فيها يجب أن يأخذ الشيع.
[فصل 2 - حكم من ابتاع شقصا بحنطة بعينها]
ومن المدونة قال مالك: من ابتاع شقصا بحنطة بعينها فاستحقت الحنطة قبل أخذ الشفيع، فسخ البيع ولا شفعة في ذلك.
وكذلك إن ابتاع الحنطة بثمن فاستحقت، بطل البيع ورجع على البائع بالثمن، وليس على البائع أن يأتي بمثلها.
قال في رواية الدباغ: وإن كان الاستحقاق بعد أخذ الشفيع مضى ذلك ورجع بائع الشقص على المبتاع بمثل الحنطة.
قال ابن المواز: وهذا غلط بل يرجع بائع الشقص على المبتاع بقيمة الشقص، وقاله سحنون.
الجزء: 20 - الصفحة: 141
[فصل 3 - فيمن ابتاع أرضا بعبد فاستحق النصف]
ومن المدونة: وقال ابن القاسم في باب بعد هذا: ومن ابتاع أرضا بعبد فاستحق نصف الأرض قبل تغير سوق العبد فله رد بقية الأرض وأخذ عبده، فإن شاء المستحق أن يأخذ بقيتها بالشفعة بنصف قيمة العبد فذلك له وعهدته على المبتاع.
يريد: ويرجع المبتاع على البائع بنصف قيمة عبده لضرر الشركة، في قول ابن القاسم، وفي أحد قولي أشهب: يرجع في العبد نفسه.
[فصل 4 - التدليس وأثره في الشفعة]
م: وقال ابن القاسم في العتبية: وإذا ابتاع دار ثم ردها بعيب دلس له به البائع، ثم استحق رجل نصفها بعد أن ردها، فالشفعة له من حساب جميع الثمن.
م: جعل الرد بالعيب كبيع مبتدأ.
وقال أشهب في المجموعة: ومن ابتاع شقصا فوجد به عيبا فأراد رده وطلب الشفيع وأخذه ورضي بعيبه، فللمبتاع رده ولا شفعة للشفيع، وقاله سحنون في
الجزء: 20 - الصفحة: 142
العتبية وفي استحقاق أكثر ما اشترى فهو المقدم في الخيار، فإن اختار التماسك فللشفيع الشفعة.
[فصل 5 - في اختلاف المبتاع والشفيع في القيمة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ابتاع شقصا من دار بعرض، فاختلف المبتاع من الشفيع في قيمته وقد فات بيد البائع أو لم يفت، فإنما ينظر إلى قيمته يوم الصفقة لا اليوم، فإن كان مستهلكا صدق المبتاع في قيمته مع يمينه، فإن جاء بما لا يشبه صدق الشفيع فيما يشبه، فإن جاء بما لا يشبه وصفه المبتاع وحلف على صفته وأخذ الشفيع بقيمة تلك الصفقة يوم الصفقة أو ترك، فإن نكل المبتاع حلف الشفيع على ما يصف هو وأخذ بقيمة صفته.
قال ابن المواز: إذا هلك العرض وهو ثمن، فأتيا جميعا بما لا يشبه، قيل للمبتاع: احلف ولك أقصى ما لا يتبين فيه كذبك، فإن أبى حلف الشفيع وكان عليه أدنى ما لا يظهر فيه كذبه، فإن نكل نظر، فإن ادعى أنه حضر أو علم الثمن ونكل لم يأخذه إلا بأكثر مما لا يتبين فيه كذب المبتاع، فإن لم يدع العلم فليس
الجزء: 20 - الصفحة: 143
بناكل والمبتاع ناكل، فيكون للشفيع بأقل مما ادعى مما لا يعرف فيه كذبه بعد أن يحلف أنه ما يعلم ما ادعى المشتري.
قال ابن المواز: فإن حلف فأحب إلي أن يحبس المشتري حتى يحلف، وإن ادعى الشفيع العلم ونكل فلا شفعة له.
وروى أشهب وابن وهب عن مالك: أنه إذا هلك العرض فزعم المشتري أن قيمته ألف، وقال البائع أقل، فليحلف المشتري على ما قال، ثم إن شاء الشفيع أخذ بذلك وإلا ترك أن تقوم بينة بخلاف ذلك.
وقال عبد الملك: إذا أبى المشتري أن يحلف، فقد مضت من أصحابنا في هذه قضية، وهي صواب: أن الشفيع يقبض الشقص إن شاء، ويقال للمشتري: متى أثبت حقك بشهادة أو حلفت فلك القيمة من يوم سلمته إلى البائع، وإن قال الشفيع: لا أقبضه لأني لا أدري لعله يكثر فلا بد حينئذ من أن يحلف المشتري على ما يعلمه أو يسجن.
الجزء: 20 - الصفحة: 144
[فصل 6 - الشفعة فيما إذا أنكر المشتري وادعاه البائع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أنكر المشتري الشراء وادعاه البائع ودعاه البائع فتحالفا تفاسخا، فليس للشفيع أن يأخذ بالشفعة بإقرار البائع؛ لأن عهدته على المشتري، فإذا لم يثبت للمشتري شيء فلا شفعة للشفيع.
قال أبو محمد: قوله فتحالفا: إنما يعني أن المبتاع وحده يحلف، فإذا حلف برئ.
قال محمد: وإن كان المدعي عليه الشراء غائبا بعيد الغيبة، فللشفيع أخذ ذلك.
قال في باب آخر: ويدفع الثمن إلى البائع إن لم يفر بقبضه، ولا يكون له على البائع عهدة إلا في الاستحقاق، ويكتب للغائب العهدة في كل شيء، ثم إن قدم الغائب فأقر كتب عليه العهدة، وإن أنكر حلف ورجع الشقص على بائعه.
قال ابن المواز: وأحب إلي أن لا يرجع على البائع إذا رضي أن يأخذه بلا كتاب عهدة، ولكن يشهد على البائع بقبض الثمن، وتلزمه عهدة الثمن فقط.
قال أحمد بن ميسر: وإذا لم يثبت البيع إلا بإقرار أحد المبايعين فلا شفعة فيه.
[فصل 7 - حكم الشفعة بالإقرار]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقر رجل أنه ابتاع هذا الشقص من فلان الغائب فقام الشفيع، فلا يقضي له بالشفعة بإقرار هذا حتى تقوم له بينة على الشراء؛
الجزء: 20 - الصفحة: 145
لأن الغائب إذا قدم فأنكر البيع، له أن يأخذ داره ويرجع على مدعي الشراء بكراء ما سكن.
وإذا قضى قاض للشفيع بإقرار هذا لم يرجع عليه الغائب بذلك ولا على مدعي الشراء، فيبطل حق الغائب في الغلة بلا بينة.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب: إن كان الشقص بيد المدعي للشراء ففيه الشفعة، ثم إن جاء البائع فأنكر ولم تكن له بينة أخذ شقصه، ورجع الشفيع بالثمن.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا.
الجزء: 20 - الصفحة: 146
[الباب الثامن عشر]
فيمن ابتاع شقصا ودراهم بعبد وما لا شفعة فيه
[فصل 1 - الشفعة فيمن ابتاع عبد بشقص ودراهم]
قال مالك: ومن ابتاع عبدا قيمته ألف درهم بألف درهم وبشقص قيمته ألف درهم، ففي الشقص الشفعة بنصف قيمة العبد وذلك خمسمائة.
[فصل 2 - الشفعة في العرض التي لا ينقسم]
قال مالك: ومن كان بينه وبين رجل عرض مما لا ينقسم، فأراد بيع حصته، قيل لشريكه: بع معه أو خذ بما يعطى، فإن رضي وباع حصته شائعة فلا شفعة لشريكه.
[فصل 3 - الشفعة في العيون والآبار]
قال: وإن كان بينهما أرض ونخل ولها عين، فاقتسما الأرض والنخل خاصة، ثم
الجزء: 20 - الصفحة: 147
باع أحدهما نصيبه من العين فلا شفعة فيه، وهو الذي جاء فيه ما جاء ألا شفعة في بئر
قال: وإن لم يقتسموا، ولكن باع أحدهم حصته من العين أو البئر خاصة، أو باع حصته من الأرض والعين جميعا، ففي ذلك كله الشفعة.
قال: ويقسم شرب العين بالقلد، وهي القدر.
وقال ابن القاسم عن مالك في العتبية: إن الشفعة في الماء الذي يقسمه الورثة بينهم بالأقلاد وإن لم يكونوا شركاء في الأرض التي تسقى بتلك العيون والحيوان.
قال مالك: وأهل كل قلد يتشافعون بينهم دون شركائهم
[فصل 3 - الشفعة في النخل إذا قسمت دون الأرض]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان بينهما أرض ونخل فاقتسما النخل خاصة، فلا شفعة لأحدهما فيما باع الآخر من النخل لأن كل ما قسم عند مالك فلا شفعة
الجزء: 20 - الصفحة: 148
فيه.
م: أراه يريد اقتسماها على القلع، ولو كان على البقاء لم يجز قسمتها إلا بأرضها؛ إذا لو قسمت الأرض على حدة والنخل على حدة صار لكل واحد نخله في أرض صاحبه، قاله ابن القاسم في هذا الكتاب وكتاب القسم.
قال ابن المواز: ولو قسمت النخل وحدها بلا أرض بشرط فسخ ذلك بينهم.
[فصل 4 - الشفعة فيما لو باع نخلة في بستان]
ومن المدونة: قال مالك: ومن باع نخلة له في جنان رجل، فلا شفعة لرب الجنان فيها، وإذا كانت نخلة بين رجلين فباع أحدهما حصته منها، فلا شفعة لصاحبه فيها.
قال في رواية ابن المواز: وإن بيعت بثمرها.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: فيها الشفعة؛ لأنها من الأصول، وبه قال أشهب وأًبغ وابن حبيب.
تم كتاب الشفعة الأول
بحمد الله وعونه.
الجزء: 20 - الصفحة: 149
كتاب الشفعة الثاني
الجزء: 20 - الصفحة: 150
بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم