الجامع لمسائل المدونةكتاب الصلاة الأول
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[باب -1 -] في فرض الصلاة وذكر المفروض والمسنون والفضيلة والنافلة منها، ومن ترك الفريضة مكذبًا أو مقرًا بها، وذكر فرائضها وسننها وفضائلها وأسمائها

/. [فصل -1 - في شروط وجوب الصلاة]: قال أبو بكر محمد بن عبد الله بن يونس - رحمه الله تعالى -: والصلوات الخمس فرض على الأعيان/ بإجماع الأمة.
وشروط وجوبها خمسة كالوضوء، وهي: الإسلام، والبلوغ، وثبات العقل، وارتفاع دم الحيض والنفاس، وحضور وقت الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 396

فأما الإسلام؛ فلأن الكفار مخاطبون بالإسلام أولاً، ثم إذا أسلموا خوطبوا بشرائعه، ومحال أن يخاطبوا بشرائعه وهم جاحدون له.
وأما البلوغ، وثبات العقل؛ فلقوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثة " فذكر "الصبى حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق "، ولأن ابن عمر أغمي عليه فلم يقض الصلاة.
قال مالك: وذلك أن الوقت قد ذهب.
وأما ارتفاع دم الحيض والنفاس؛ فلأن الصلاة لا تصح إلا بطهر؛ لقوله

الجزء: 2 - الصفحة: 397

تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا)، وقال في الحيض: (وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ)، فدل أنهن أنجاس في حال الحيض والنفاس فلم تصح لهن الصلاة حتى يرتفع عنهن الدم من غير علة ويغتسلن، وبه جاء الأثر، ولا خلاف في هذا.
وأما الوقت؛ فلأن جبريل عليه السلام حد للنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلاة، وقال له: بذلك أمرت، فلم يجز أن يؤتى بها قبل ذلك، ولا خلاف في ذلك كله.
فصل -2 - : [فرض أول ما فرض من الصلاة]: قال محمد بن مسلمة: أول ما فرض الله سبحانه صلاة الليل في سورة المزمل - يريد بقوله: (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) - ثم خفف الله ذلك، فقال: (فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ)، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وقال: (وَمِنَ اللَّيْلِ

الجزء: 2 - الصفحة: 398

فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ).
فصل -3 - : [فرض الصلوات الخمس]: وفرضت صلاة الخمس في الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بمكة قبل الهجرة سنة، وكان الفرض قبل ذلك ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي.
وأول ما صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر، فسميت الأولى لذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 399

كذلك.
قال مالك وغيره: فرض الله تعالى الصلاة في كتابه فقال: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ) يقول: المغرب والعشاء (وَحِينَ تُصْبِحُونَ) الصبح (وَعَشِيًّا) العصر، (وَحِينَ تُظْهِرُونَ) الظهر.
وقال جل وعز: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ)، وهى الظهر والعصر، (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) يقول المغرب والعشاء (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ) الصبح.
فدلوك الشمس ميلها، وغسق الليل اجتماعه وظلمته، وقاله ابن عباس، وهو في الموطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 400

وقال تعالى: (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ)، وقال: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا).
فأجمل الله سبحانه فرض الصلوات الخمس، والركوع، والسجود، والقراءة في كتابه، وفسر ذلك على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم من عدد ركوع وسجود، وصفة قيام، وقعود، ذكر قراءتها، ومعالم أوقاتها.
[فصل -4 - في تقسيم الصلاة إلى فرض وسنة وفضيلة]: ففرض الله تعالى من الصلوات خمسًا، وسن الرسول عليه السلام خمسًا: الوتر، وصلاة العيدين، وصلاة الخسوف، وصلاة الاستسقاء، فهذه خمس فريضة، وخمس سنة.
وزيد في ذلك فقيل: وخمس سنة في فريضة، وهي: لجمع بعرفة، والجمع بالمزدلفة، والقصر في السفر، وصلاة الخوف وصلاة الجماعة.
وخمس فضيلة، وهي: تحية المسجد، وصلاة خسوف القمر، وقيام رمضان، وقيام الليل، وسجود القرآن.
وخمس نافلة، وهي: الركوع قبل الظهر، والركوع بعدها، والركوع قبل

الجزء: 2 - الصفحة: 401

العصر، والركوع بعد المغرب، وركوع الضحى.
فصل -5 - : [أقسام حكم الصلاة]: قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة من أركان الدين ومعالمه، ومما بني عليه الإسلام، وهي في الشرع على خمسة أقسام: فرض على الأعيان، وفرض على الكفاية، وسنة، وفضيلة، ونافلة، قال: فالفرض على الأعيان الصلوات الخمس، ووجوب الجمعة داخل في الظهر، والفرض على الكفاية الصلاة على الجنازة، وقيل: إنها سنة، وذكر في السنة نحو ما ذكرنا، وزاد الركوع عند الإحرام، وركعتي الطواف، قال: واختلف أصحابنا في ركعتي الفجر.
فقيل: من الرغائب، وقيل: سنة، وذكر في الفضيلة والنافلة نحو ما ذكرنا.
فصل -6 - : [حكم تارك الصلاة]: والصلوات الخمس التي هي فرض على الأعيان من جحد وجوبها فهو كافر، ولا يختلفون في ذلك، فإن قال: هى فرض، ولكن لا أصلي فليس بكافر، ويؤخذ بفعلها، فإن خرج وقتها ولم يصل قتل، ولا يستتاب ثلاثًا، كذب بها أو أقر.

الجزء: 2 - الصفحة: 402

وإذا قال: لا أصلي فلا يؤخر عن وقت تلك الصلاة.
قال أبو إسحاق: أما إن أقر بها وامتنع من الصلاة إلى أخر الوقت، وهو أن يبقى من النهار ما يصلي فيه الظهر والعصر، أو الظهر وبعض العصر، فإن لم يصل إلى ذلك الوقت قتل؛ لأن الدماء عظيمة فيبالغ في تأخيره إلى آخر الوقت الذي يكون متى صلى بعده يكون قاضيًا غير مؤد.
وكذلك من قال عند الإمام: لا أتوضأ، ولا أغتسل من جنابة، ولا أصوم رمضان ومن توضأ واغتسل وصلى، وصام، وقال في ذلك كله: أنه غير فرض عليّ، وكذب فهي ردة، فليستتب ثلاثًا فإن لم يتب قتل.
قال ابن القاسم عن مالك: ومن ترك الصلاة قيل له: صل، فإن صلى وإلا قتل، قال ابن شهاب: إذا خرج الوقت ولم يصل قتل، وقال أبو محمد: إن ترك صلاة واحدة حل دمه، وإن كذب بالحج فكذلك، وإن أقر به، وقال: لا أحج، قيل له: أبعدك الله؛ إذ ليس بمضيق الوقت، وإن كذب بالزكاة استتب، كالردة، وإن أقر بها ومنعها أخذت منه كرهاً، وإن امتنع قوتل.
وذهب ابن حبيب: إلى أن تارك الصلاة متعمدًا أو مفرطًا كافر، وأنه إن ترك أخواتها من زكاة وصوم وحج متعمدًا أو مفرطًا فقد كفر،

الجزء: 2 - الصفحة: 403

وقاله الحكم بن عتيبه.
وقال غيرهما: لا يكفر، إلا بجحد هذه الفرائض، وإلا فهو ناقص الإيمان؛ لأنه يورث، ويصلى عليه، واحتج بحديث مالك عن عبادة بن الصامت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، وفي آخر الحديث " فمن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة ". وذكر ابن حبيب أن تارك الصلاة كافر.
قال أبو إسحاق: ليس هو المذهب؛ لأنا لا نكفر بالذنوب، ولم يوقف الإجماع أن تركها علمًا على الكفر، كالسجود للصنم وشبه ذلك، فما جعل علمًا على الكفر فإنه لا يوجد إلا من كافر.
فإن قال لما رفع: أنا أصلي، فترك فعاود تركها، فلما رفع قال: أنا أصلي، فليبالغ في عقوبته، ولا يقتل إذا صلى.

الجزء: 2 - الصفحة: 404

فصل -7 - : [فروض الصلاة، وسننها وفضائلها]: وهذه الصلوات الخمس مشتملة على فروض، وسنن، وفضائل.
فالفروض منها، المتفق عليها عند أكثر علمائنا خمسة عشرة، وهى: الطهارة من الحدث، والوقت، واستقبال القبلة بقلبه، وليس عليه النطق بلسانه، إلا أن يشاء، والترتيب في الأداء مع الذكر، وتكبيرة الإحرام، والقيام، وهو للفذ والإلمام قدر قراءة أم القرآن، وللمأموم قدر تكبيرة الإحرام، وقراءة أم القرآن، والركوع، والرفع منه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، والسجود، والفصل بين السجدتين، والجلسة الأخيرة، وهذا قدر السلام،

الجزء: 2 - الصفحة: 405

وقطع الكلام، والتسلمية الأولى.
وسنن الصلاة - أيضًا - خمسة عشر وهي: الإقامة، وقراءة السورة التي مع أن القرآن، والقيام لها، والجهر بالقراءة في موضع الجهر، والسر في موضع السر، والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الثانى، وأما الجلوس له فالواجب منه قدر ما يسلم فيه، وأما ما يقع فيه التشهد فمسنون، والتكبير في كل خفض ورفع وقوله سمع الله لمن حمده في الرفع من الركوع، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم سنة، وهي فريضة مطلقة ليست من فرائض الصلاة والتيامن بالسلام سنة، وكذلك رد السلام على الإمام.

الجزء: 2 - الصفحة: 406

وفضائل الصلاة عشرة، وهي: اتخاذ الرداء، ورفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وقيل: إن ذلك سنة، وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان: إحداهما: الرفع، والأخرى الترك، وقراءة المأموم مع الإمام فيما يسر فيه، وإطالة القراءة في الصبح، والتأمين بعد أم الكتاب، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد، وصفة الجلوس كله، والقنوت في الفجر واختلف فى إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: إنها سنة، واختلف - أيضًا- في الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: إن ذلك فرض، وقيل: سنة، واختلف في ستر العورة، فقيل: إنها من فروض الصلاة، وقيل: ليس من فروض الصلاة، بل هو فرض قائم بنفسه.
[فصل -8 -] ذكر أدلة الفرائض: فالطهارة من الحدث فرض؛ لقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا) الآية.

الجزء: 2 - الصفحة: 407

وأما الوقت، فقوله تعالى: (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا) وقد أقام جبريل عليه السلام بالنبي صلى الله عليه وسلم أوقات الصلوات، وقال له: بذلك أمرت.
واستقبال القبلة؛ فلقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ)، فعلى المعاين لها استقبالها، وعلى الغائب عنها الاجتهاد ففي طلبها بالأدلة المنصوبة عليها، فإن صلى بغير اجتهاد فلا تجزئه، وإن خفيت عليه الأدلة فصلى حيث يغلب على ظنه أن القبلة في تلك الجهة، فإن بان له أنه استدبرها فلا إعادة عليه واجبة، خلافًا للمغيرة والشافعي؛ لقوله تعالى: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).

الجزء: 2 - الصفحة: 408

وقد روي عن عامر بن ربيعة أنه قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر في ليلة مظلمة فصلى كل واحد منا حيال وجهه، فلما أصبحنا فإذا نحن ضلينا إلى غير القبلة، فسألنا عن ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: مضت صلاتكم، ونزلته: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).

الجزء: 2 - الصفحة: 409

ويستحب لمن أصابه ذلك أن يعيد في الوقت لإدراك فضيلة الوقت، ولجواز أن يكون قصر في الاجتهاد.
والنية؛ فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ)، والإخلاص هو القصد إليه بالفعل.
وقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» وكذلك سائر القرب، ويجب أن تكون النية مقارنة لابتدائها بالنيات، وقد تقدم إيعاب ذلك في كتاب الوضوء.
والترتيب في الأداء؛ لأنه كذلك صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وقال له: "بذلك أمرت".
وقوله صلى الله عليه وسلم: «صلوا كما رأيتموني أصلي».

الجزء: 2 - الصفحة: 410

وتكبيرة الإحرام؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "وتحريمها التكبير "، وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الوضوء مواضعه "، وقوله: "حتى يتوضأ كما أمره الله، ثم يستقبل القبلة فيقول: "الله أكبر ". وقراءة أم القرآن؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي

الجزء: 2 - الصفحة: 411

خداج فهي خداج فهي خداج غير تام "، وقوله: "لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب"، ولأنه صلى الله عليه وسلم كذلك يفعل، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
والقيام؛ فلأن أم القرآن فرض، فكذلك القيام لها، ولأنه كذلك كان يفعل، فأما المأموم ففرضه من القيام قدر تكبيرة الإحرام؛ لقوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فبم يصلها، إلا وراء إمام ".

الجزء: 2 - الصفحة: 412

فلما جوز له ترك القراءة خلف الإمام جاز له ترك القيام فيها، ولما كان الإحرام واجبًا عليه كان كذلك القيام له، وقد أدرك زيد بن ثابت الإمام راكعًا فكبر وركع، وقال عليه السلام: "من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة".
والركوع؛ لقوله تعالى: (وَارْكَعُوا).
والرفع منه؛ لأنه تمامه، والفصل بينه وبين الانحطاط للسجود، وكذلك فعل الرسول عليه السلام وسلف الأمة.
والسجود؛ لقوله تعالى: (وَاسْجُدُوا).
قال ابن المواز عن مالك: أنه قال: الركوع والسجود سنة فقد كفر.
والفصل بين السجدتين؛ لأن ذلك يوجبهما سجدتين، ولو لم يفصل بينهما كانت سجدة واحدة، وقد سجد به جبريل عليه السلام

الجزء: 2 - الصفحة: 413

سجدتين، وكذلك كان هو يفعل والأئمة بعده.
والجلوس الآخر؛ فلأن السلام فرض فقدر ما يوقعه فيه فرض، ولأنه صلى الله عليه وسلم سلم جالساً.
والتسليمة الأولى فرض، خلافًا لأبي حنيفة.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وتحليلها التسليم" فيقتضى أن لا يقع التحليل إلا به، وقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون نطقًا معينًا كالتحريم.
والتسليمة الثانية ليست بفرض، خلافًا لابن حنبل في قوله: إنها فرض.

الجزء: 2 - الصفحة: 414

دليلنا قوله عليه السلام: "وتحليلها التسليم "، وذلك يقتضي أقل ما يقع عليه الاسم.
وقد روت عائشة رضي الله عنها أنه عليه السلام سلم تسليمة واحدة، ولأنه أحد طرفي الصلاة فوجب أن يكون الفرض منه واحد كالإحرام.
وقطع الكلام؛ لقوله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) يعني صامتين خاشعين.
[فصل -9 -] ذكر أدلة السنن: الإقامة سنة؛ لدوام فعله عليه السلام وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقوله - عليه السلام - وأمره بها، وكذلك قراءة السورة التي مع أم القرآن، لقلوه عليه السلام: "كل صلاة لا يقرأ فيها

الجزء: 2 - الصفحة: 415

بأم القرآن فهي خداج ...)) الحديث.
فدل أن ما سواها بخلافها، وتمادى فعله وأمره بها، فكانت سنة، وإذا ثبت أنها سنة كان كذلك القيام لها، والجهر والإسرار ولأنه عليه السلام كذلك كان يفعل، والأئمة بعده، ولا نص لهما في كتاب الله فوجب أن يكونا سنة.
والإنصات مع الإمام فيما يجهر فيه، لأمره عليه السلام بذلك، وتمادى به العمل، والتشهد، والجلوس لهما، إلا قدر ما يقع فيه السلام من الآخر، خلافًا للشافعي في إيجابه الأخير، ولغيره في إيجابهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 416

ودليلنا: أنه ذكر في تضاعيف الصلاة ليس من جنس المعجز فلم يكن فرضًا أصله الدعاء والتسبيح؛ ولأنه تشهد فأشبه الأول فإذا ثبت أنهما سنة، كان الجلوس لهما سنة.
والتكبير في كل خفض ورفع؛ لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يكبر في كل خفض ورفع.
وهذا منقول بالعمل، وكذلك قول الإمام: سمع الله / لمن حمده.
قال أبو محمد عبد الوهاب: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة،

الجزء: 2 - الصفحة: 417

خلافًا للشافعي في إيجابه ذلك؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك)) ولم يذكر ما تنازعناه فيه.
والإقرار بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة سنة أبين من الصلاة عليه فيها؛ لأن إيقاع ذلك في التشهد الذي ثبتت سنته، وهو فرض مطلق ليس من فرائض الصلاة.
والتيامن في السلام، وكذلك رد السلام على الإمام بفعله عليه السلام في التيامن به فأمره بالرد على الإمام، وكذلك فعل الأئمة بعده.

الجزء: 2 - الصفحة: 418

[فصل - 10 - في ما تردد بين كونه سنة أو فرض] وأما الثلاثة المختلف فيها: فأحدها: إزالة النجاسة مع الذكر والقدرة، فقيل: إنها فرض في الصلاة، وقيل: سنة.
فإذا قلنا: إنها فرض، فلأنها تطهر بالماء لأداء الفريضة، أصله التطهر من النجابة ونحوها.
وإذا قلنا: إنها سنة؛ فلأن النص إنما ورد في الغسل من الجنابة ونحوها، وقد اغتسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، وأمر بغسلها، فهي سنة.
م وهذا أبين.
والثاني: الاعتدال في الفصل بين أركان الصلاة، فقيل: فرض، وقيل: سنة.
فإذا قلنا: إنه فرض؛ فلما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تجزئ صلاة لا يقيم

الجزء: 2 - الصفحة: 419

فيها صلبه في الركوع والسجود))؛ ولقوله عليه السلام اعتدلوا، وكذلك كان عليه السلام يفعل والأئمة بعده.
وإذا قلنا: إنه سنة؛ فلما ثبت أنه لا نص له في كتاب الله، وقد قال الله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾.
فمن ركع ولم يستو قائمًا، أو سجد ولم يستو جالسًا فهو راكع وساجد، وإنما الاعتدال من فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأمره به فهو سنة.
م والأول أبين؛ لأن فعله في ذلك بيان الكتاب.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يجزئ صلاة لا يقيم فيها صلبه))، فدل أنه فرض، وكذلك قيل في من خر من ركعته، ولم يرفع رأسه: إنه لا يجزئه، والصواب /

الجزء: 2 - الصفحة: 420

أن الرفع فرض؛ لما بينا، وكذلك الاعتدال في من خر من ركعته.
الثالث: ستر العورة عن أعين الناس واجب.
قال أبو محمد عبد الوهاب: اختلف أصحابنا هل ذلك شرط في صحة الصلاة أم لا؟ فإذا قلنا: إنه شرط؛ فلقوله عليه السلام: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)) ووجه الآخر؛ فلأن واجبات الصلاة تجب بوجوبها، وتسقط بسقوطها، كالطهارة وغيرها، فلما اتفقنا على أن ستر العورة عن أعين الناس واجب على كل حال دل أنها ليست من شروط الصلاة.
[فصل - 11 - : في فضائل الصلاة] وأما فضائل الصلاة: فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعلها والأئمة بعده، ولم يكن كوجوب ما تقدم من الستر؛ لقوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((أحرم، واقرأ، واركع، واسجد، ثم اجلس وسلم)) ولم يأمره بشيء من الفضائل،

الجزء: 2 - الصفحة: 421

وفي آخر الحديث ((فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك)) وهذا موضع تعليم.
فصل - 12 - : [في الصلاة الوسطى] قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾.
قال مالك: هي صلاة الصبح في موطئه، ثم رجع عنه، وقال علي وابن عباس، واحتج مالك بحديث / عائشة وحفصة أنهما أمرتا الذي يكتب لهما في المصحف أن يكتب: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاةِ الوُسْطَى﴾ وصلاة العصر، قالت عائشة: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واحتج أصحابنا كذلك: بأنها منفردة بوقت، واللتان قبلها، واللتان بعدها مشتركتا الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 422

وقال زيد بن ثابت وعائشة: هي الظهر.
قال ابن حبيب: وقيل: إنها العصر، وهو أوثق ما سمعت، وقاله الحسن، هو وقتادة.
وال حافظة يريد على وضوئها ومواقيتها، وركوعها وسجودها.
وقوله: ﴿قَانِتِينَ﴾، قيل: إنه كان يجهر بعضهم في القراءة على بعض في الصلاة، ويسلم بعضهم على بعض فيها، فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، فقال عز وجل: ﴿وقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ يعني صامتين خاشعين، ومن الخشوع فيها السكوت، وغض البصر، وخفض الجناح، واستكانة القلب، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الصلاة نظر يمينًا وشمالاً حتى نزلت {الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ

الجزء: 2 - الصفحة: 423

خَاشِعُونَ} فحنى رأسه في الصلاة إلى صدره)).
((وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جهر بالقراءة في الصلاة قرأ من خلفه جهرًا حتى نزل ﴿وإذَا قُرِئَ القُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنصِتُوا﴾.)) الآية.
فأمسكوا عن القراءة معه فيما يجهر فيه.
[فصل - 13 - : فضل الصلوات الخمس، وعقوبة من أخرها عن وقتها] وقوله تعالى: ﴿إنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ فالحسنات الصلوات الخمس.
وقال عليه السلام لمعا ليكن أكثر همك الصلاة، فإنها رأس الإسلام بعد الإقرار بالدين.

الجزء: 2 - الصفحة: 424

قال ابن المواز: وقال عمر بن عبد العزيز ومحمد بن المنكدر: في قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ واتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ أما إنهم لم يتركوها، ولو تركوها لكان كفرًا، ولكنهم أضاعوها عن وقتها.
ونحوه عن ابن مسعود، وهذا تفسير، قول عمر فمن أضاعها فهو لما سواها أضيع؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ والْمُنكَرِ﴾.
[فصل - 14 - في ما يطلق على صلاة المغرب العشاء] ومن العتبية قال مالك: الأعراب يسمون المغرب صلاة الشاهد؛ لأنها لا تقصر في السفر والحضر سواء.
قال: وأحب إلي أن يقال في العتمة: صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 425

العشاء؛ لقوله تعالى: ﴿ومِنْ بَعْدِ صَلاةِ العِشَاءِ﴾ إلا أن تخاطب من لا يفهم ذلك عنك فذالك واسع.
قال ابن المسيب: لأن أنام عن العشاء أحب إلي من الحديث بعدها.
قال مالك: أصاب، وأرى أن يعلم ذلك الرجل أهله وولده، وسماها في البخاري بالعتمة والعشاء، وبالعشاء أكثر، وفيما كتب به عمر إلى أبي موسى الأشعري: وصل العتمة فكان ذلك على جواز الوجهين، واستحب لفظ القرآن، كما أن في

الجزء: 2 - الصفحة: 426

الحديث نحر البقر في الهدايا، وذبحها، واستحب مالك وذبحها؛ لقوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَامُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾.

الجزء: 2 - الصفحة: 427

[باب - 2 -] جامع القول في أوقات الصلاة

[فصل - 1 - : الأصل في أوقات الصلاة إمامة جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم] قال ابن حبيب وغيره: لما فرضت الصلاة صلى جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين، فجعل لكل صلاة وقتين، إل المغرب، فإنه صلاها في اليومين في وقت واحد، وصلى الظهر أول يوم عند زوال الشمس، والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى به العصر في أول يوم حين صار ظل كل شيء مثله، وصلاها به في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه، وصلى به المغرب في اليومين غروب الشمس، وصلى به العشاء الآخرة في أول يوم مغيب الشفق، وهو الحمرة عندنا، وصلى به في اليوم / الثاني ثلث الليل، وصلى به الصبح في أول يوم طلوع الفجر الثاني، وهو الضياء المعترض في الأفق، يبتدئ من المشرق معترضًا حتى يعم الأفق، وصلى به في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: هذه صلاة النبيين من قبلك، والوقت ما بين هذين

الجزء: 2 - الصفحة: 428

الوقتين.
وأول ما صلى به جبريل صلى الله عليه وسلم الظهر، فسميت الأولى لذلك.
وفي الموطأ أن جبريل عليه السلام نزل فصلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم صلى، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ... الحديث.
ثم قال له: في آخر ذلك بهذا أمرت.

الجزء: 2 - الصفحة: 429

[فصل - 2 - في أول وقت الظهر والعصر] ومن المدونة قال مالك: وأول وقت الظهر زوال الشمس، وأحب إلي أن يصلي الظهر في الصيف والشتاء والفيء ذراع، كما قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: قال: وما دام الظل في نقصان فهو غدوة بعد فإذا امتد ذاهبًا فمن ثم يقاس ذراع.
قال ابن القاسم: وإنما يقاس الظل في الشتاء.
قال أبو عمران: وفي بعض الروايات وفي الصيف.
وفي المبسوط: يقاس الظل، ولم يذكر شتاء ولا صيفًا، وقال في موضع آخر: أما في الصيف فهو بين، وأما في الشتاء فأخذ عودًا إلى مروحة فأقامها، ثم أراهم نقصان الظل.
وكان ابن عمر ربما ركب في السفر بعد ما يفيء الفيء فيسير الميلين والثلاثة قبل أن يصلي الظهر.
وآخر وقتها إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، بعد طرح ظل الزوال،

الجزء: 2 - الصفحة: 430

وهو بعينه أول وقت العصر، يكون وقتًا لهما مميز جانبيهما، فإذا زاد على المثل زيادة بينة خرج وقت الظهر، واختص العصر بالوقت، فلا يزال ممتدًا إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، فذلك آخر وقت العصر، وتأخيرها بعد ذلك الوقت مكروه.
قال ابن سلمة: تمضي القامتان والشمس بيضاء نقية، والمصلي في ذلك الوقت مذموم.
قال ابن حبيب: إذا تمت القامة خرج وقت الظهر، ودخل وقت العصر، وخالف في هذا القول مالك وأصحابه، وهذا قول الشافعي.
والحديث يدل على ما قاله مالك وأصحابه: أنه صلى الظهر في اليوم الثاني حين صلى العصر في اليوم الأول، وهي حجتنا على أبي حنيفة في قوله:

الجزء: 2 - الصفحة: 431

إن آخر وقت الظهر إذا كان الظل مثليه.
قال بعض البغداديين: وإنما استحب مالك أن تصلي والفيء ذراع؛ لأن في ذلك فضيلة أدائها في في الجماعة؛ لأنها صلاة تدرك الناس متشاغلين في متصرفاتهم، فلو صليت في ذلك الوقت لفاتتهم فضيلة الجماعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولم يحد مالك في آخر وقت العصر قامتين، ولكن قل: والشمس بيضاء نقية، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ.
وروى في بعض الآثار قامتين، وقاله مالك في مختصر ابن عبد الحكم

الجزء: 2 - الصفحة: 432

الكبير.
[فصل - 3 - : مقدار وقت المغرب] قال مالك في المدونة: ووقت المغرب غروب الشمس، لا يؤخر، وقاله عمر بن الخطاب في الموطأ.
قال مالك: وأما المسافر فلا بأس أن يمر الميل ونحوه، ثم ينزل فيصلي.
قال بعض علمائنا: يريد ينزل في المنهل، وأما إن كان يتمادى فليصل في أول الوقت.
قال ابن الجهم: لها وقتان، كسائر الصلوات.
قال أبو إسحاق: وذكر محمد بن مسلمة أن لها وقتين - يعني المغرب - ولمن شاء تأخيرها إلى مغيب الشفق، وتقريبها إلى وقت وغيره أحسن منه، فإذا ذهب الشفق خرج وقتها.

الجزء: 2 - الصفحة: 433

[فصل - 4 - : وقت العشاء] قال مالك: وأول وقت العشاء مغيب الشفق وهو الحمرة، ولا ينظر إلى البياض الباقي بعدها، كما لا ينظر في الصوم إلى البياض الذي قبل الفجر.
قال أبو إسحاق: وقد ذكر الخليل أنه رصده فلم يغب إلى طلوع الفجر، وإذا أمر النبي عليه السلام بالصلاة إذا / غاب الشفق، وكانت الحمرة تسمى شفقًا، والبياض يسمى شفقًا، جاز أن تصلي بمغيب أول الشفق حتى يقوم دليل على المنع من ذلك، وآخر وقتها ثلث الليل، وقيل: نصف الليل.
قال: وأحب للقبائل تأخيرها قليلاً، قيل لمالك: فأهل الحرس يؤخرونها إلى ثلث الليل، فأنكر ذلك وقال: يصلون كما يصلي / الناس.
وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر فلم يؤخروها هذا التأخير.
قال في المختصر: ثلث الليل آخر وقتها.
قال ابن حبيب: لا يؤخر إلى ثلث الليل إلا مسافر.
وقال أشهب: تؤخر.
وقد كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن صل العتمة فيما

الجزء: 2 - الصفحة: 434

بينك وبين ثلث الليل، فإن أخرت، فإلى شطر الليل، ولا تكن من الغافلين، وهو في الموطأ، ومعنى إنكاره تأخير الحرس صلاة العشاء إلى ثلث الليل؛ لئلا يكون ذلك لهم أمرًا ثابتًا، لا يتقدم ولا يتأخر.
[فصل - 5 - في مقدار وقت الصبح] ومن المدونة قال مالك: ووقت صلاة الصبح طلوع الفجر، والنجود بادية مشتبكة.
قال مالك: يغلس بالصبح في الحضر والسفر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: [إن] كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس.
قال ابن القاسم: وآخر وقتها إذا أسفر.
وروي عن مالك في الموطأ: أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت

الجزء: 2 - الصفحة: 435

صلاة الصبح فسكت عنه حتى إذا كان من الغد صلى الصبح حين طلع الفجر، ثم صلى الصبح من الغد بعد أن أسفر، ثم قال: ((أين السائل عن وقت الصلاة؟)) قال: ها أنا يا رسول الله! قال: ((ما بين هذين وقت)).
قال مالك في المدونة: وواسع أن يقرأ فيها بسبح اسم ربك الأعلى، ونحوها في السفر، والأكرياء يعجلون الناس.
وقال ابن نافع عن مالك: صلاة الرجل الصبح وحده بغلس أحب إلى من أن يصلي في جماعة، في آخر الوقت.
قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يعجبه هذا الحديث، الذى جاء أن الرجل ليصلى الصلاة ما فاتته، ولما فاته من وقتها أعظم.
وكان يرى أن يصلى الناس بعد ما يدخل الوقت، ويتمكن ويمضي منه بعضه في الظهر والعصر

الجزء: 2 - الصفحة: 436

والعشاء.
قال ابن حبيب عن مالك: إلا الجمعة فتعجل في أول الوقت.
قال مالك في المدونة: وقد صلى الناس قديماً، وعرف وقت الصلوات.
ومن الموطأ مالك: وحدثنى نافع أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى عماله: أن اهم أموركم عندي الصلاة، فمن حفظها وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع، ثم كتب: أن صلوا الظهر إذا كان الفئ ذراعاً إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية، بقدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة، والمغرب إذا غربت الشمس، والعشاء إذا غاب الشفق إلى ثلث الليل، فمن نام فلا نامت عينه، فمن نام فلا نامت عينه، والصبح والنجوم بادية مشتبكة.
قال ابن حبيب: ومما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاذ: ((إذا كان الشتاء فعجل الصبح في أول الفجر، وأطل القراءة فيها على قدر ما يطيق الناس، ولا تملهم، وصل الظهر حين تميل الشمس، وصل العصر والمغرب في الشتاء والصيف على ميقات واحد، العصر الشمس بيضاء نقية، والمغرب إذا غربت الشمس، وصل العشاء وأعتم بها، فإن الليل طويل، وإذا كان الصيف فأسفر بالصبح،

الجزء: 2 - الصفحة: 437

فإن الليل قصير، والناس ينامون، ولا تعتم العشاء فإن الليل قصير، ولا تصلها قبل الشفق.
م وقد عبر بعض أصحابنا فقال: أوقات الصلوات خمسة: واجب: هو أول الوقت، ومستحب: وهو أن يصلي والفئ ذراع بعد أول الوقت، وواسع وهو آخر الوقت، كالقامة بعد ظل الزوال في الظهر، وكالقامتين في العصر، والرابع: وقت الصلاة إذا نسيها، ثم تذكرها فوقتها حينئذ.
والخامس: أوقات الضرورة، في من احتلم، أو أسلم أو سافر، أو قدم، أو المرأة تحيض أو تطهر، وذلك مذكور في مواضعه.
وقال الرسول عليه السلام: إذا كان الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم، وذكر أن النار اشتكت إلى ربها فأذن لها في كل عام بنفسين، نفس في الشتاء/ ونفس في الصيف من الموطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 438

[فصل-6 - في/ ما يختص به وقت كل صلاة] قال أبو الحسن ابن القصار: ووقت الظهر الذي يختص به إذا زالت الشمس عن كبد السماء إلى أن يمضي، بعد الزوال مقدار صلاة أربع ركعبات، لا مدخل للعصر فيه.
ووقت العصر الذى يختص به قبل مغيب الشمس مقدار صلاة أربع ركعبات، لا مدخل للظهر فيه، وما بين هذين وقت مشترك، للظهر والعصر في باب الإجزاء، واحتج بجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر في السفر، وبعرفة عند الزوال، فلولا أن الأمر على ما قلناه، لم يجمع بينهما، ألا ترى أنه لم يجمع بين الصبح وغيرها، وكذلك يقول في المغرب والعشاء بعد مغيب الشفق

الجزء: 2 - الصفحة: 439

بمقدار ثلاث ركعات يختص بالمغرب، وقبل طلوع الفجر بمقدار أربع ركعات يختص بالعشاء، وما بينهما مشترك، ولا حجة لمحتج بصلاة الظهر في يمين في أو الوقت وآخره على ما ذكر فيه؛ لأن هذه أوقات الاختيار بدلالة جمع النبي عليه السلام بينهما في وقت واحد، فإذا جعلنا هذا للإجزاء، وتفرقته بينهما للأختيار جمعنا بين أفعاله.
قال: وإذا فرط في الظهر حتى دخل مقدار الأربع التي قبل الغروب لحقه الوعيد، وحصل منه التفريط؛ لأنه وقت مختص بالعصر، وإذا أخر الظهر حتى صار ظل كل شئ مثله أو مثليه فلا نقول إنه مفرط يلحقه الوعيد، بل نقول: إنه مسئ لتركه الاختيار.
قال أبو إسحاق: وأما من أخر الظهر أو العصر إلى اصفرار الشمس فالأشبه فيه أن يأثم؛ لأن ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تلك صلاة المنافقين))

الجزء: 2 - الصفحة: 440

وتكريره لذلك يدل على تأكيد النهي.
فإن قيل: فقد قال عليه السلام: ((من أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها)).
قيل: هذا وقت لأصحاب الضرورات، بدليل تأكيده في النهي عن الصلاة إذا اصفرت الشمس.
وقد احتج من خالفنا: بأنه إذا لم يكن قاضياً لم يكن عاصياً.
قيل: قد اتفق على من أدرك ركعة من العصر قبل غروب الشمس أنه مؤد لها، وليس بقاض.
ولا خلاف أنه عاص إذا أخر ذلك متعمداً، فقد صح عصيانه مع كونه مؤدياً غير قاض.

الجزء: 2 - الصفحة: 441

[باب-3 -] جامع القول في الأذان والإقامة وتسوية الصفوف ووقت القيام للصلاة

[فصل-1 - في حكم الأذان وصفته] قال بعض البغداديين: والأذان والإقامة سنتان غير واجبتين، والإقامة آكد.
قال مالك رحمه الله: والأذان كما علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا محذورة، وهو: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله، ثم يرجع بأرفع من صوته

الجزء: 2 - الصفحة: 442

أول مرة فيقول: أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمداً رسول الله مرتين، حي على الصلاة مرتين، حي على الفلاح مرتين، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
ويقول أذان الصبح دون الإقامة- بعد حي على الفلاح- الصلاة خير من النوم مرتين.
ابن وهب يقول: مرة واحدة.
ابن حبيب: روى أن بلالاً قال: الصلاة خير من النوم في نداء الصبح، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يزيدها في نداء الصبح.
قال: ومعنى حي على الصلاة هلموا إلى الصلاة.
وفي الموطأ فوجده نائماً، فقال: الصلاة خير من النوم، فأمره عمر أن يجعلها في نداء الصبح.
قيل لمالك: فالرجل يؤذن في السفر هل يقول: الصلاة خير من النوم؟ فقال: نعم لا يدع ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 443

[فصل-2 - الإقامة وتر] ومن المدونة قال مالك: والإقامة كلها مرة واحدة، إلا التكبير، وقد أمر النبي عليه السلام بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة، وكان ابن عمر لا يزيد في الإقامة على واحدة.
ابن وهب: قال عطاء بن رباح:- وقد أدرك أبا محذورة مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم- ما علمت أن تأذين أبي محذورة مؤذن النبي عليه السلام، ولا تأذين من مضى، يخالف تأذيتهم اليوم.
قال موسى بن هارون: وكذلك كان تأذين بلال وسعد القرظ، وعليه إجماع أهل المدينة.
وذهب أبو حنيفة والشافعي: إلى أن أول التكبير أربع مرات.

الجزء: 2 - الصفحة: 444

وذهب أبو حنيفة إلى أن الإقامة تشفع.
ودليلنا عليه ما تقدم.
وقال النخعى: الأذان والتكبير كل ذلك جزم.
قال غيره: وعوام الناس يضمون الراء من التكبير الأول، والصاب جزمها؛ لأن الأذان شفعاً موقوفاً.
ومن أعرب الله أكبر لزمه أن يعرب حي على الصلاة وحي على الفلاح بالخفض.
فصل-3 - : [في الهيئة التى يكون عليها المؤذن والمقيم] ومن المدونة قال ابن القاسم: وأنكر مالك التطريب في الأذان

الجزء: 2 - الصفحة: 445

وقال: ما رأيت أحداً من مؤذني المدينة يطربون.
وأنكر مالك دوران المؤذن في أذانه والتفاته عن يمينه وشماله، إلا لإرادة الإسماع.
ابن حبيب: وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قالب لبلال: إذا أذنت فأدخل إصبعيك في أذنيك، ثم قل: هكذا وهكذا بوجهك، عن يمينك وشمالك، وبدنك قائم إلى القبلة، ولا تدر كما يدور الحمار.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ورأيت المؤذنين بالمدينة يؤذنون ووجوههم إلى القبلة، ويقيمون عرضًا، يخرجون مع الإمام وهم يقيمون، وكان مالك

الجزء: 2 - الصفحة: 446

يوسع للمؤذن أن يؤذن كيف تيسر له، ويصنع كيف شاء، وإن شاء وضع إصبعيه في أذنيه في أذانه، وكذلك في إقامته، وإن شاء ترك.
قال مالك: ولا يتكلم أحد في أذانه ولا تلبيته ولا يردان على من سلم عليهما.
وفي مختصر الوقار: ولا يرد المؤذن السلام كلامًا، ولا بأس أن يرد بإشارة، كالصلاة يريد، وكذلك / الملبي، وقاله ابن اللباد.
وقال محمد: ولا يردان بكلام ولا بإشارة.
والفرق بين الأذان والصلاة:- في هذا القول - أن الأصل في جميعهم أن لا يسلم عليهم، ولا يردون على من سلم عليهم للعمل الذي حصلوا فيه، فخضت السنة جواز الرد إشارة إلى الصلاة، وبقي الأذان على أصله.
وأيضًا فلما كان الأذان لا يبطله الكلام، وإنما هو مكروه فيه، وكان رد السلام واجبًا، لم يجز له أن يرد إلا كلامًا فصار المسلم قد أدخله في الكراهة بسلامه، فنهي أن يسلم عليه لذلك حتى يفرغ مما هو فيه، وإذا عصى وسلم

الجزء: 2 - الصفحة: 447

عليه عوقب بأن لا يرد عليه، كمنع القاتل الميراث عقوبة له؛ لاستعجاله ذلك قبل وقته، وقد قال النبي عليه السلام للذي سلم عليه وهو يبول: "إذا رأيتني في هذه الحال فلا تسلم علي، فإنك إن فعلت لم أرد عليك"، فهذا مثله.
والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وأكره السلام على الملبي حتى يفرغ من تلبيته، وكذلك المؤذن في أذانه.
قال في غير المدونة: ومن تكلم في أذانه بنى.
قال سحنون: تكلم عمدًا أو سهوًا، وينهى العامد عن ذلك.
قال ابن القاسم في المجموعة: إلا أن يخاف على صبي أو أعمى أو دابة أن تقع في بئر أو شبهه، فليتكلم ويبني.
[فصل -4 - في حكم أذان الصبي]: ومن المدونة قال مالك: ولا يؤذن إلا من احتلم؛ لأن المؤذن إمام، ولا يكون من لم يحتلم إمامًا.
وقال ابن أبى زمنين: سعني أن الناس يأتمون به، ويقتدون به في أوقات الصلوات، ولذلك كانوا يختارون للأذان أهل الصلاح والمعرفة بالأوقات.
وقال في العتبية: لا يؤذن الصبي، ولا يقيم، إلا أن يكون مع نساء، أو

الجزء: 2 - الصفحة: 448

بموضع لا يوجد غيره فليؤذن وليقم.
قال في المجموعة: فإن صلى لنفسه، فليقم.
[فصل -5 - في أذان الجنب]: قال ابن القاسم في العتبية: لا يؤذن الجنب.
وقال سحنون في كتاب ابنه: لا بأس بذلك في غير المسجد.
وفي كتاب أبي الفرج لمالك: ولا بأس أن يؤذن قاعدًا، أو راكبًا / أو جنبًا، ومن / لم يحتم، وأما في الإقامة فلا.
[فصل -6 - في أذان السكران]: قال أشهب في المجموعة: إن أذن وأقام سكران لم يجزئهم، وإن صلوا

الجزء: 2 - الصفحة: 449

بذلك لم يعيدوا.
وينبغي أن يكون المؤذن من أفضل أهل الحي.
[فصل - 7 - في أذان الأعمى - والمرأة - ومن أذن لقوم لا يؤذن لغيرهم]: ومن المدونة قال مالك: وجائز أذان الأعمى، وإمامته، وقد كان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أعمى.
قال وليس على المرأة أذان ولا إقامة، فإن أقامت فحسن.
قال بعض البغداديين: وإنما لم يكن على المرأة أذان؛ فلأنها ليست من أهل الجماعة؛ ولأن صوتها عورة.
قال: وإنما استحسن لها الإقامة؛ لأن الإقامة آكد من الأذان؛ لأنه قد خوطب بها من لم يخاطب بالأذان، وأما التلبية في الحج، فهي لازمة لها.
والفرق بين تلبيتها وإقامتها في اللزوم هو: أن التلبية إجابة، والإجابة لازمة لكل من لزمه فرض الحج، والمرأة منهم؛ ولأن التلبية إجابة، والإجابة لازمة لكل من لزمه فرض الحج، والمرأة منهم؛ ولأن التلبية داخلة في إحرام الحج كالسورة التي مع أم القرآن في الصلاة، والإقامة خارجة عن الصلاة.
قال مالك: ولا بأس أن يؤذن الرجل، ويقيم غيره، كما جاز أن يؤذن الرجل ويؤم غيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 450

قال أبو إسحاق: من أذن لقوم وصلى معهم فلا يؤذن لآخرين ويقيم، فإن فعل ولم يعلموا حتى صلوا أجزأهم، قاله أشهب.
فصل -8 - [أخطأ في الأذان، أو رعف فيه، أو مات أو غمي عليه في الإقامة]: قال مالك: وإن أذن فأخطأ فأقام ساهيًا لم يجزئه، وابتدأ الأذان.
قال في المجموعة، والواضحة: فإن أراد أن يقيم فأذن فليبتد / الإقامة حتى يكون على صواب.
قال أصبغ: ويجزئه؛ لقول من قال: إن الإقامة شفع.
ابن حبيب: والاختلاف فيه شاذ، وبقول مالك: إنه يعيد أقول.
قال أشهب في المجموعة: إن بدأ بأشهد أن محمدا رسول الله قبل أشد أن لا إله إلا الله فليقل بعد ذلك أشهد أن محمدًا رسول الله قبل أشهد أن لا إله الله فليقل بعد ذلك أشهد أن محمدًا رسول الله، ويجزئه.
ابن حبيب: إن سها عن جل أذانه فذكر في مقامه فليعد من موضع نسي، وإن كان حي على الفلاح مرة لم يعد شيئًا، وإن تباعد لم يعد ما قل أو كثر، وقاله ابن القاسم وأصبغ.

الجزء: 2 - الصفحة: 451

قال ابن القاسم في العتبية: وإن رعف في أذانه تمادى، وإن قطع وغسل الدم فليبتد، وإن أراد غيره أن يبني على أذان الراعف فلا يفعل، وليبتد، وإن رعف أو أحدث فى الإقامة فليقطع، ويقيم غيره.
قال أشهب في المجموعة: فإن مات أو أغني عليه في أقامته فأراد أن يقيم غيره فليبتد الإقامة أحب إليّ، وإن بنى أجزأه، وكذلك إن أفاق المغمى عليه فليبتد، وإن بنى أجزاه.
قال مالك في المجموعة: ومن ترك الإقامة جاهلًا حتى أحرم فلا يقطع، ولو أنه بعد ما أحرم أقام وصلى فليستغفر الله.
قال سحنون في غيرها: وذلك إذا أحرم بعد الإقامة، فإن لم يحرم بعدها فصلاته منتقضة.

الجزء: 2 - الصفحة: 452

فصل -9 - : [في محكاة المؤذن، والدعاء بعد الأذان]: ومن المدونة: روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ". ورواه مالك في الموطأ.
قال مالك: وذلك فيما يقع بقلبي إلى قوله: أشهد أن محمدًا رسول الله، ولو فعل ذلك لم أر به بأسا.
ظاهره يدل أن قوله: لو فعل -أي ما يقع في نفسي - لأنه المذكور، لا إتمام الأذان، كما قال سحنون وغيره: معناه وإن أتم الأذان معه فلا بأس به.
قيل لابن القاسم: هل يحكيه فيما بعد حي على الفلاح؟ قال: ذلك واسع، إن شاء فعل، وإن شاء ترك.
يريد ولا يحكيه إذا قال: حي على الفلاح.
قال بعض فقهائنا: لو حكاه المصلي في ذلك لأبطل صلاته؛ لأنه كالمتكلم، وبلغني أن ابن القصار قاله.
قال أبو محمد عبد الوهاب: منتهى ما يحكيه إلى آخر التشهد؛ لأن ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 453

تهليل وتكبير، فندب للسامع أن يقول كقوله، وقوله حي على الصلاة دعاء إلى الصلاة، والسامع ليس بداع إليها، فلم تكن لحكاية المؤذن في ذلك معنى.
ومن المدونة قال مالك: وإن أبطأ المؤذن فعجل بالقول قبله فواسع.
قال مالك: ومن سمع المؤذن، وهو في فريضة، فلا يقل كقوله، وإن كان فى نافلة فليقل / كقوله.
وقال سحنون: لا يحكيه في فريضة ولا نافلة.
وقال ابن وهب وابن حبيب: يحكيه في الفريضة والنافلة.
فوجه قول مالك: فلأن حكاية المؤذن ندب إلى الذكر، والفريضة واجبة فتمادى به فيها، ولا يدخل عليها غيرها أولى، واستخف ذلك فى النافلة، إذ ليست بواجبة.
ووجه قول سحنون هو: أن النافلة قد أوجبها على نفيه حسن دخل فيها، فلا يدخل عليها غيرها، حتى يتمها حسب ما أوجلها على نفسه حين دخل فيها.
ووجه قول ابن حبيب وابن وهب: فلعموم الحديث؛ ولأن ذلك ذكر لا يفسد الصلاة، فوجب فعله.
قال ابن حبيب: وجاء الترغيب في القول، كقول المؤذن، فقيل: إنه إلى حد التشهد، وكان ابن عمر إذا قال المؤذن: حي على الصلاة، قال: لا حول

الجزء: 2 - الصفحة: 454

ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ثم يقول / مثله في بقية أذاته، وهو أحب إلي.
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: شهدت، وأمنت، وصدقت، وأيقنت، وأجبت داعي الله، وكذبت من أبى أن يجيبه، وكل حسن، والدعاء حينئذ ترجى بركته، وعند الزحف، ونزول الغيث، وتلاوة القرآن.
وفي الموطأ أن سهل بن سعد الساعدي قال: ساعتان تفتح فيهما أبواب السماء، وقل داع ترد عليه حضرة النداء للصلاة والصف في سبيل الله.
فصل -10 - : [أذان الراكب والمحدث حدثًا أصغر]: ومن المدونة قال مالك: لا بأس أن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم إلا متوضئ، قال: ويؤذن راكباً في السفر، وفعله سالم بن عبد الله، قال: ولا يقيم إلا نازلا.
قال أبو بكر الأبهري: إنما ذلك لتكون الإقامة متصلة بالصلاة لا عمل بينهما.

الجزء: 2 - الصفحة: 455

فصل -11 - [في مشروعية النداء الأول لصلاة الفجر]: قال مالك: ولا ينادي لصلاة قبل وقتها، لا جمعة ولا غيرها، إلا الصبح، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن بلالاً ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم"، قال: وكان رجلاً أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت، أى قاربت.
قال ابن وهب في العتبية: لا يؤذن لها إلا سحرًا، قيل له: وما السحر عندك؟ قال: السدس الآخر.
وأجاز ابن حبيب الأذان لها من نصف الليل.
والفرق بين الصبح عندنا وبين غيرها: أن الصبح تدرك الناس نيامًا،

الجزء: 2 - الصفحة: 456

فيحتاجون إلى التأهب لها، وإدراك فضيلة الجماعة التغليس، وفى سائر الصلوات يدرك الناس متصرفين في أشغالهم فلا يحتاجون أكثر من إعلامهم بوجوبها.
فصل -12 - : [في تعدد المؤذنين]: ومن المدونة قال مالك: ولا بأس باتخاذ مؤذنين أو ثلاثة أو أربعة بمسجد واحد من مساجد القبائل، قال ابن حبيب: وقد أذن للنبي صلى الله عليه وسلم أربعة بلال وأبو محذورة وسعد القرظ وابن أم مكتوم.
قال مالك في المدونة: وإن كان قوم في سفر في بر أو بحر أو في الحرس فأذن لهم مؤذنان أو ثلاثة فلا بأس بذلك، قال: وليس الآذان إلا في مساجد الجماعات، أو مساجد القبائل، أو موضع تجتمع فيه الأئمة، وإن كان في حضر.
فصل -13 - : [كل ما كان من صلاة الأئمة فبأذان وإقامة لكل صلاة]: وكل ما كان من صلاة الأئمة فبأذان وإقامة لكل صلاة، وكذلك إمام المصر يخرج للجنازة فتحضره الصلاة فليصل بأذان وإقامة لكل صلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 457

وإذا جمع الإمام صلاتين بعرفة والمزدلفة فبأذانين وإقامتين.
وأما غير هؤلاء يجمعون في حضر أو سفر، فالإقامة تجزئهم لكل صلاة، وإن أذنوا فحسن.
[فصل -14 - : الصلاة في عرفة ومزدلفة وإقامتين أو أذان وإقامة]: قال: ويجمع الإمام الصلاتين بعرفة والمزدلفة بأذانين وإقامتين، وقيل: بأذان وإقامتين.
قال مالك: وأما من جمع بهما وحده فالإقامة تجزئه لكل صلاة.
[فصل -15 - في ترك الإقامة عمدًا أو سهوًا]: قال مالك: ومن صلى بغير إقامة ساهيًا أو عامدًا أجزأه، وليستغفر الله العامد.
وقال ابن كنانة وابن الماجشون وابن زياد وابن نافع: إن ترك الإقامة عامدًا فليعد صلاته.
فوجه قول مالك: فلأنها سنة منفصلة عن الصلاة لا تفسد بفسادها الصلاة، فوجب أن لا تفسد بتركها.
ووجه الآخر: / فلأنها من سنن الصلاة، كالتي من صلب الصلاة، فتركها

الجزء: 2 - الصفحة: 458

عمدًا تعبثًا بالصلاة، فوجب أن لا تجزئه.
قال مالك: ومن / دخل المسجد وقد صلى أهله، فليبتد الإقامة لنفسه، وإن صلى في بيته لم تجزئه إقامة أهل المصر.
قال ابن المسيب وابن المنكدر: ومن صلى وحده فلا بأس أن يسر الإقامة في نفسه.
[فصل -16 - : حكم الأذان والإقامة للصلاة الفائتة]: قال مالك: وعلى من ذكر صلوات، الإقامة لكل صلاة، ولا يصلي صلاتين بإقامة واحدة.
قال أبو إسحاق: ولا يؤذن لها؛ لأنه يزيدها فوتًا، ولو ذكر جماعة صلاة، وهم يخافون أنهم إن أذنوا أن تفوتهم فلا يؤذنوا، وليقيموا، ولو خافوا أن يفوت الوقت لو أقاموا، فصلاتهم إياها - في الوقت - بغير إقامة أولى من أن يفوتهم الوقت، ومن فاتهم ظهر من يوم واحد فجائز أن يجمعوها بإمام منهم، وأما إن اختلفت الأيام، مثل: أن يكون على واحد ظهر من سبت وعلى آخر من أحد، فلا يجمعوها.
واختلف إذا وجب على واحد ظهر حضر وعلى آخر ظهر سفر من يوم واحد، وقد فات الوقت، فقيل: إن أم الحضري صلى معه السفري

الجزء: 2 - الصفحة: 459

ركعتين فقط، ثم جلس، وأتم الحضري، فإذا سلم الحضري سلم معه السفري بسلامه؛ ولأنه إنما يقضي كما لزمه فلا يتم، وقاله أشهب.
وقد قيل: يتم مع الحضري، قال أبو إسحاق: وهو الأشبه؛ لأن السفري وإن وجبت عليه صلاة سفر، فإذا دخل مع حضري أتمها، فلا فرق بين أن يكون وقتها لم يفت أو فات، ولا يصلي صلاتين بإقامة واحدة.
ومن الموطأ: وكان عبد الله بن عمر لا يزيد على الإقامة في السفر، إلا في الصبح فإنه كان ينادى فيها ويقيم، وكان يقول: إنما الأذان للإمام الذى يجتمع إليه الناس.
وقال عروة بن الزبير: إن شئت أن تؤذن، وإن شئت أن تقيم قائماً ولا تؤذن.
وكان سعيد بن المسيب يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإن أذن [بالصلاة] وأقام صلى وراءه أمثال الجبال من الملائكة.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر المؤذن إذا كانت ليلة باردة ذات مطر يقول: ألا

الجزء: 2 - الصفحة: 460

صلوا في الرحال.
وعن أبي سعيد الخدري قال: إذا كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك [بالنداء] فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة، قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما فى التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا ". وقال عليه السلام: "إذا ثوب بالصلاة، فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار، فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن

الجزء: 2 - الصفحة: 461

أحدكم في صلاة ما كان يعمد إلى الصلاة.
وروي أن ابن عمر سمع الإقامة، وهو بالبقيع، فأسرع المشي إلى المسجد.
فصل -17 - : [الإجارة على الأذان والصلاة]: ومن المدونة قال مالك: وتجوز الإجارة على الأذان، وعلى الأذان، والصلاة جميعًا، وقد أجرى عمر لسعد القرطي رزقًا على الأذان.
قال: ولا تجوز الإجارة على الصلاة خاصة.
وأجاز ذلك ابن عبد الحكم، وقال ابن حبيب: لا تجوز على أذان ولا على صلاة.
فوجه قول مالك - رحمه الله - في جواز الإجارة على الأذان: فلما روي عن عمر في ذلك؛ ولأن ذلك عمل يكلفه لا يلزمه الإتيان به، فإذا جمع مع ذلك الصلاة فإنما / الأجرة على الأذان خاصة، فلا يضره جمع الصلاة معه.
وأما على الصلاة خاصة فلم يجز؛ عمل يلزمه ويختص به لم يعمله عن أحد غيره.

الجزء: 2 - الصفحة: 462

ووجه قول ابن عبد الحكم: فلأنه تكلف الصلاة في ذلك الموضع، والإتيان إليه، والاهتمام به، فله أجره في ذلك.
ووجه قول ابن حبيب: لأن الأذان عمل بر وإعلام للصلاة، فلم تجز الأجرة عليه، كالصلاة.
وهذا ينتقض بأخذ الأجرة على بناء المساجد وإصلاح الطرق إذ هو عمل بر لله تعالى، والصواب ما قاله - رحمه الله-.
فإذا استؤجر على الأذان والصلاة جميعًا في قول مالك فتخلف المؤذن عن الصلاة خاصة لعذر من سلس بول ونحوه فاختلف في ذلك فقهاؤنا المتأخرون.
فقيل: لا تسقط من الإجارة حصة الصلاة، لأن الإجارة في هذا إنما هي على الأذان خاصة، والصلاة تبع له، كمال العبد، وثمر النخل الذي لم يبد صلاحه أن ذلك لا يجوز بيعه على الإنفراد، ويجوز إذا جمع، فكذلك الصلاة.
وقيل: بل تسقط حصة الصلاة؛ لأن الإجارة على الصلاة إنما هي مكروهة فإذا نزلت مضت / ألا ترى أن ابن عبد الحكم يجيز الإجارة عليها، بخلاف مال العبد وثمر النخل لا يجوز بيعه إذا انفرد بإجماع.

الجزء: 2 - الصفحة: 463

ومن المدونة قال ابن القاسم: وكره مالك إجارة قسام القاضي.
قال سحنون: لأنه إنما كان يفرض لهم من أموال اليتامى، فأما ما وافقوا عليه الناس فحلال.
قال مالك: ولا بأس يما يأخذ المعلم اشترط ذلك أم لا، وإن شرط شيئًا معلومًا على تعليم القرآن جاز، وفي الإجارة إيعاب هذا.
فصل -18 - : [المقدار الذي ينتظره الإمام بعد تمام الإقامة لتسوية الصفوف]: قال مالك: وينتظر الإمام بعد تمام الإقامة [قليلاً قدر] تسوية الصفوف، ثم إذا كبر قرأ، وقد كان عمر وعثمان رضي الله عنهما يوكلان رجلين بتسوية الصفوف، فإذا أخبراهما أن قد استوت كبرا.
قال مالك: وليس في سرعة القيام للصلاة بعد الإقامة حد، ولا وقت، وذلك على قدر طاقة الناس؛ لأن فيهم القوي والضعيف.

الجزء: 2 - الصفحة: 464

[باب -4 -] في الإحرام والسهو عنه، وذكر التوجيه

[فصل -1 - في صفة التكبير والتسليم]: قال الرسول عليه السلام: "مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبر وتحليلها التسليم "، وقاله ابن مسعود، ومالك.
ولا يجزئ عند مالك من الإحرام إلا الله أكبر، ولا من السلام إلا السلام عليكم.
قال سحنون فى العتبية: ومن قال في الإحرام/ الله أجل، الله أعظم لم يجزئه، وأعاد صلاته.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وأجاز ذلك أبو حنيفة.

الجزء: 2 - الصفحة: 465

والدليل لمالك: قوله عليه السلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي ". وقوله: "تحريمها التكبير "، وقوله: "لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يتوضأ كما أمره الله إلى قوله: "ثم يستقبل القبلة فيقول: الله أكبر"، ولأنه ركن من أركان الصلاة فوجب أن يكون متعينًا، كالركوع والسجود، وكقراءة أم القرآن.
فصل -2 - : [حكم التوجيه في الصلاة]: ومن المدونة قال مالك: ولا أعرف التوجيه لإمام، ولا غيره من قول الناس: "سبحانك اللهم، وبحمدك، تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وقال: لا يقوله من صلى وحده، أو إمام، أو مأموم.

الجزء: 2 - الصفحة: 466

ولمالك فى السماع: أنه وسع في قوله.
/ قال أبو محمد عبد الوهاب: وذلك مذهب الشافعي.
والدليل لمالك: قوله عليه السلام: "يكبر، ثم يقرأ "، وقوله للذي علمه: "كبر، ثم اقرأ "، وفي حديث أبي أنه صلى الله عليه وسلم قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمد لله رب العالمين، فلم يذكر توجيهًا ولا تسبيحًا.
[فصل -3 - في الإحرام بالعجمية]: ومن المدونة قال: وكره مالك أن يحرم الرجل بالعجمية أو يدعو بها في

الجزء: 2 - الصفحة: 467

الصلاة، أو يحلف بها، قال: وما يدريه أن الذي حلف به هو الله.
وقد نهى عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم وقال: "إنها خب ". ومن سماع ابن القاسم: سئل مالك عن الأعجمي يدعو بلسانه في صلاته، وهو لا يفصح بالعربية، فقال: لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، وكأنه يخففه.
محمد قيل: معنى نهي عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم إنما ذلك في المساجد.
وقيل: إنما نهى عن ذلك عن ذلك إذا تكلم بها بحضرة من لا بفهم ذلك، لأنه يصير إلى معنى ما كره أن تناجى اثنان دون واحد.
[فصل -4 - لا يقرأ في الصلاة إلا قرآنًا]: ومن المجموعة قال أشهب: ومن قرأ في صلاته بشيء من التوراة والإنجيل والزبور وهو يحسن القراءة أو لا يحسنه فقد أفسد صلاته، وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 468

كالكلام، وكذلك لو قرأ شعرًا فيه تسبيح وتحميد لم تجزئه وأعاد صلاته.
فصل -5 - : [حكم من نسى تكبيرة الافتتاح]: قال مالك: وإذا ذكر مأموم أنه نسي تكبيرة الافتتاح فإن كان كبر للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام أجزأه، فإن كبرها، ولم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام، وأعاد صلاته احتياطًا، لأنها لا تجزئه عند ربيعة، وتجزئه عند ابن المسيب.
فوجه قول ابن المسيب: فلأن الإحرام قول، فوجب أن يحمله الإمام، أصله قراءة أم القرآن؛ ولأن الأقوال أخف من الأفعال.
ووجه قول ربيعة: فلأن الإحرام فرض كالركوع والسجود والسلام فلم يجز أن يحمل ذلك عنه الإمام.
والفرق بين الإحرام وبين قراءة أم القرآن أن الأصل أن لا يحمل الإمام عن المأموم فرضًا، فخصت السنة أن يحمل الإمام قراءة أم القرآن، وبقى ما سواها من فرائض الصلاة على أصله.
ووجه قول مالك أنها تجزئه إذا نوى بتكبيرة الركوع الإحرام: فللخروج من الخلاف/.
وقيل: إن سعيدًا وابن شهاب يقولان: إن تكبيرة الإحرام سنة، فلذلك حملها الإمام، وليس ذلك بصحيح، ولو كانت سنة لاستوى في نسيانها

الجزء: 2 - الصفحة: 469

الإمام والفذ والمأموم، ولم يبطل نسيانها على أحد منهم صلاته.
وإنما يصح ذلك لو كبر للركوع فى حال قيامه، وأما لو كبر ذاكرًا، وهو راكع فلا تجزئه تلكم الركعة، نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا؛ لن قيامه الأول كان في غير صلاة عند ربيعة، وفرض المأموم من القيام قدر تكبيرة الإحرام، فقد أسقطه، ودخل الصلاة بالركوع.
قال ابن المواز: وإن ذكر، وهو راكع، ولم يكن كبر لركعته فليتم، ويحرم، وإن كبر راكعًا فليقض ركعة بعد سلام الإمام؛ لأنه ترك أن يكبر للإحرام قائمًا عامدًا، وإنما يجزئ فيها تكبيرة الركوع عند سعيد إذا تركها ساهيًا، فوجب أن يقضى تلك الركعة باتفاق.
قال ابن المواز: وإن كان إنما ذكر بعد أن كبر لركعته تمادى، وأعاد.
قال مالك في المجموعة: إذا كبر لركعته فإن طمع إذا رفع رأسه أن يكبر، ويطمئن راكعًا قبل رفع الإمام رأسه / فعل، وأجزأه.
قال أبو محمد: يريد إذا قطع بسلام.
محمد: واستحب ابن القاسم أن يتمادى ويعيد، واستحب أصبغ قول مالك.
قال محمد: وقول ابن القاسم أصوب؛ لأنها ركعة تجزئه في قول سعيد،

الجزء: 2 - الصفحة: 470

فإن جعلته يأتي بأخرى صارت في صلاته حمس ركعات على التأويل.
وقال ابن ميسر: أحب إلىّ أن يقطع بسلام، ويرفع، ويحرم، ويدرك الركعة، وهو معنى قول مالك إن شاء الله، وكذلك تأويله أبو محمد.
ابن وهب عن مالك: أنه سئل إذا لم يكبر المأموم تكبيرة الإحرام، ولا تكبيرة الركوع، قال: أرجو أن يجزئ عنه إحرام الإمام، وتصل عندي الاحتياط في إعادة الصلاة، وروى أشهب مثله.
ومن المدونة قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع بغير سلام، وأحرم، وكذلك إن لم يكبر للإحرام ولا للركوع حتى ركع الإمام ورفع، ثم ذكر فليبتد التكبير، ويكون الآن داخلاً في الصلاة، ويقضي ركعة بعد سلام الإمام.
ابن حبيب: ويقطع بغير سلام.
ومن ظن أن الإمام كبر فكبر، ثم كبر الإمام بعده فإنه يكبر بعد تكبيرة الإمام، ويكون قطعه بغير سلام، وقال سحنون: بل يقطع بسلام.
فوجه قوله: يقطع بغير سلام: فلأن تكبيره قبل الإمام كلا شيء، فهو كمن لم يكبر فهو في غير صلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 471

ووجه قول سحنون: فلأنه قد كبر تكبيرة نوى بها الدخول في الصلاة، وهي تجزئه عند من يقول: إن كل مصل مصلٍ لنفسه فوجب أن لا يقطع إلا بسلام، ويخرج من الخلاف.
قال مالك: فإن لم يكبر حتى ركع مع الإمام وكبر لركوعه فليتماد معه، ويعيد الصلاة.
م لمن نسي تكبيرة الإحرام وكبر للركوع.
وقال ابن حبيب: وإن نسي المأموم تكبيرة الإحرام يوم الجمعة، أو أحرم قبل إمامه فذكر بعد ركعة فليقطع بسلام، ثم يحرم، وذلك لحرمة الجمعة، بخلاف غيرها، ثم يقضي ركعة، وقاله مالك.
م وقيل عن ابن القاسم: إن الجمعة وغيرها سواء.
ووجه هذا فلأنها تصح له جمعة على قول سعيد فلا يبطلها.
ومن المدونة قال مالك: وإن ذكر الفذ تكبيرة الإحرام، فليقطع ويبتدئ متى ما ذكر قبل ركعة أو بعدها نوى بتكبيرة الركوع الإحرام أم لا.
وقال مالك في المجموعة: يقطع إذا ركع بسلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 472

وقال سحنون: يعيد بغير سلام.
وجه قول مالك: فلأنه كبر لركوعه، وهى تكبيرة تجزئ المأموم عن تكبيرة الإحرام على قول ابن المسيب، فرأى أن يقطع هذا فيها بسلام /. ووجه قول سحنون: فلأنه لم يحرم للصلاة، ولا دخل فيها، فقيامه وقراءته وركوعه في غير صلاة فوجب أن يقطع بغير سلام، وهذا أبين.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك إن نسي الإمام تكبيرة الإحرام، وكبرها من خلفه، ثم كبر الإمام للركوع، ونوى بها تكبيرة الإحرام أم لا، وصلى بهم حتى فرغوا من صلاتهم لم يجزئهم، وأعاد هو ومن خلفه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "التحريم التكبير" ولا ينبغي لرجل أن يبتدئ الصلاة بالركوع قبل القيام، وذلك يجزئ من كان خلف الإمام؛ لأن قراءة الإمام وفعله تحتسب لهذا؛ لأنه أدرك معه الركعة فحمل عنه الإمام ما مضى إذا نوى بتكبيرته الافتتاح.
قال ابن حبيب: وإن ذكر وهو في الصلاة فليقطع متى ذكر ويقول للناس: إني نسيت تكبيرة الإحرام، ثم يحرم، ويحرمون بعده بعد أن يقطعوا بسلام أو بكلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 473

قال ابن المواز: وإن شك الفذ في تكبيرة الإحرام / فقال عبد الملك: تتم صلاته، ولا يعيد، ولا يخرج من صلاة لعلها له تامة قبل تمامها، بخلاف الموقن بإسقاطها، وهو أحب إلي.
وقال سحنون في كتاب ابنه: يتمادى في صلاته فإذا سلم وسلموا سألهم فإن أيقنوا بإحرامه فلا شيء عليه، وإن شكوا أعاد وأعادوا، وإن شك في الوضوء استخلف ولم يتمادى.
والفرق: أنه لو أتم الصلاة ثم ذكر أنه لم يحرم أعاد وأعادوا، ولو ذكر أنه غير متوض أعاد ولم يعيدوا وجاء في المجموعة: أنهما سواء.
قال ابن القاسم: ذلك سواء، ويقطع في الشك واليقين، ويبتدئ الصلاة، وهو أحب إليّ.
قال ابن المواز: كل سهو أو عمد يحمله الإمام عن المأموم، وإن كان التكبير كله، إلا تكبيرة الإحرام أو ركعة أو سجدة أو السلام، وقد أساء في

الجزء: 2 - الصفحة: 474

تعمده - يريد - ولا يدخل في الجلسة الأخيرة في هذا.
قال ابن حبيب: ومن دخل في أول صلاة الإمام فذكر بعد ركوعه أنه لم يحرم، وقد كبر للركوع، فجهل أن يتمادى في صلاته وأحرم وصلى مع الإمام بقية صلاته فليبتد صلاته، ولا يجزئه قضاء ركعة، وليس يقطع ما كان فيه بالإحرام والنية، ولا يخرج منه إلا بسلام، وكذلك لو ذكر بعد ركعة أن عليه ثوبًا نجسًا فنزعه، ثم أحرم ولم يقطع بسلام أو كلام، فلا صلاة له، وعليه ابتداؤها حتى يخرج مما كان عمل بسلام أو كلام، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن حبيب: ومن أحرم هو والإمام معًا أو سلما معًا، فخففه ابن عبد الحكم.
وقال أصبغ: يعيد أبدًا، وبه أقول.

الجزء: 2 - الصفحة: 475

[باب-5 -] جامع القول في القراءة والسهو عنها

[فصل-1 - في القراءة في الصلاة] روى أن الرسول عليه السلام قال: ((لا صلاة لمن يقرأ بأم القرآن)).
وروى من حديث جابر أنه قال: ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصلها إلا وراء إمام)) والصحيح أنه موقوف على جابر؟ م وقال أبو حنيفة: ما قرأ من القرآن أجزأه.
ودليلنا عليه ما ذكرناه.
ومن المدونة وافتتح صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم الصلاة بالحمد لله رب العالمين.
قال مالك: وهو الأمر عندنا.
قال مالك: ولا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم في الفريضة سراً ولا جهراً، إمام أو غيره، وهي السنة، وعليه أدركت الناس، وأما في النافلة فواسع

الجزء: 2 - الصفحة: 476

إن شاء قرأ، وإن شاء ترك.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وقال الشافعي: هي من الحمد لله، ولا تجزئ الصلاة إلا بها.
ودليلنا: أنها لو كانت من الحمد لكان النبي صلى الله عليه وسلم يبين ذلك بياناً مستفيضاً على عادته في بيان القرآن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((يقول الله تعالى قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين فنصفها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل)).
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يقول العبد: (الحمد لله رب العالمين)، يقول الله تعالى: حمدني عبدي، يقول العبد: (الرحمن الرحيم)، يقول الله: أثنى علي عبدي، ويقول العبد: (مالك يوم الدين) يقول الله: مجدني عبدي، ويقول العبد: (إياك نعبد وإياك نستعين)، فهذه الآية بيني بين عبدي، ولعبدي ما سأل يقول العبد/:) إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين/ أنعمت عليهم

الجزء: 2 - الصفحة: 477

غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فهؤلاء لعبدي ما سأل ففي هذا الخبر دليلان: أحدهما أنه بين [كيفية] قسمة السورة وبدأ بالحمد بالآيات، وفي إثبات التسمية إبطال هذا المعنى.
وفي حديث أبي أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا تخرج من المسجد حتى تعلم سورة ما أنزل الله في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في القرآن مثلها، ثم قال له: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت الحمدلله رب العالمين إلى آخرها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي هذه السورة، وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أعطيت.
ففي هذا الخبر أدلة: أحدها: أنه قال: كيف تقرأ إذا افتتحت الصلاة؟ قال: فقرأت (الحمدلله رب العالمين)، ولم يذكر بسم الله.
والثاني: قوله: هي هذه السورة.

الجزء: 2 - الصفحة: 478

والثالث: قوله: هي السبع المثاني؛ لأن الحمد لله سبع آيات.
وفي حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً رضي الله عنهم كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، وفي خبر آخر كانوا لا يقرؤون بسم الله الرحمن الرحيم.
ومن المدونة قال مالك: ولا يتعوذ في المكتوبة قبل القراءة؛ لما روى أنه كان صلى الله عليه وسلم وأصحابه يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين.
قال مالك: يتعوذ في قيام رمضان إذا قرأ، ولم يزل القراء يتعوذون في رمضان إذا قاموا، قال ومن قرأ في غير صلاة تعوذ قبل القراءة إن شاء.
قال سليمان: والتعوذ، أعوذ بالله العظيم من الشيطان الرجيم إن الله هو السميع العليم بسم الله الرحمن الرحيم.
فصل-2 - [في حد القراءة ما يسر فيه.
وما يجهر] قال مالك: ويسمع الرجل نفسه في صلاة الجهر وفوق ذلك قليلاً.
قال مالك في الموطأ: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهر بالقراءة في الصلاة، وأن قرائته كانت تسمع عند دار أبي جهم بالبلاط.

الجزء: 2 - الصفحة: 479

قال مالك في المدونة: والمرأة دون الرجل في الجهر بذلك ولتسمع نفسها، وليس شأن النساء الجهر، إلا الشيء الخفيف، في التلبية وغيرها.
وقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله حد القراءة ما يسر فيه، وما يجهر، وهذا مما تلقته الأمة بالعمل.
قال مالك: ولا تجزئ اقراءة في الصلاة حتى يحرك بها لسانه.
قال: وليس العمل على القراءة في آخر ركعة من المغرب بعد أم القرآن بـ (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا).
م يريد وإن كان قد ثبت عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه كان يفعله، ولكن لم يصحبه العمل.
قال مالك: ولا على قول عمر حين ترك القراءة، فقالوا له: إنك لم تقرأ، فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسناً، قال: فلا بأس إذا.
قال مالك: ويعيد تاركها أبداً.

الجزء: 2 - الصفحة: 480

وروى وكيع عن عمر أنه أعاد.
قال ابن حبيب: وأمر الناس بالإعادة.
وفي العتبية قال مالك: هذا الذي يذكر الناس عن عمر في ترك القراءة باطل لم يكن هذا أصلاً.
فصل-3 - [في من ترك القراءة ساهياً] قال مالك: ومن ترك القراءة في ركعة من الصبح، أن في ركعتين فأكثر من سائر/ الصلوات أعاد الصلاة، وإن تركها في ركعة من غير الصبح يريد من صلاة حضر فقد استحب مالك في خاصة نفسه أن يعيد الصلاة، يريد بعد أن يصلحها بسجود السهو قبل السلام، وكان يقول أيضاً زماناً: يلغي تلك الركعة على حديث جابر ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن لم يصلها إلا وراء إمام))، ثم قال مالك آخر مرة: أرجو أن تجزئه سجدتا السهو قبل السلام، وما ذلك بالبين.
قال ابن القاسم: وقله الأول فيما رأيت أعجب إلى، وهو رأيي.
قال ابن المواز: الذي استحب ابن القاسم وأشهب أنه يسجد قبل السلام، ويعيد الصلاة، وكان عندهما إعادة الركعة الواحدة أبعد أقاويل مالك.
وقال سحنون: قل ابن القاسم هو رأيي.
وقول مالك الآخر: أنه يسجد

الجزء: 2 - الصفحة: 481

لسهوه، هو جل قول أصحابنا.
ونقل أبو محمد أن رأى ابن القاسم أن يلغي الركعة على حديث جابر، ينبغي في سجود السهو على قوله: يلغي الركعة على حديث جابر أن ينظر، فإن أسقط القراءة من الأولى أو الثانية فذكر قبل عقد الثالثة قبل القراءة فليقرأ بأم القرآن وسورة ويركع ويسجد ويجلس، ويجعلها ثانية، ويتم بقية صلاته، ويسجد بعد السلام، لأنه زاد جلوساً، في غير موضعه،/ ونقص السورة التى مع أم القرآن من الثالثة التى صارت ثانية، وإن كان إنما ترك القراءة من إحدى الركعتين الآخرتين فسجوده بعد السلام؛ لأنه قد أتى في الأولتين بالقراءة والجلوس في موضعه فزاد الركعة التي ألغى، وإذا ترك القراءة من ركعة، مما ذكرنا، فذكر قبل أن يركع، فيقرأ أم القرأن، ويعيد السورة على الأقاويل كلها.
واختلف هل عليه سجود السهو أم لا؟ وإن ذكر وهو راكع فيها أو بعد تمامها فعلى قوله يلغي تلك الركعة يرجع فيستقبل القراءة، ويبني على بقية صلاته، يسجد بعد السلام، وعلى قوله يعيد الصلاة، وبينى بعد تمامها

الجزء: 2 - الصفحة: 482

فذكر في الأولى قبل أن يركع، قال في كتاب محمد: فليقرأ أم القرآن ويعيد السورة، فإن لم يذكر إلا وهو راكع، وقد كبر لركعته أو رفع رأسه منها ولم يسجد قطع بسلام، يبتدئ الصلاة بإقامة، وإن هو لم يذكر حتى أتمها بسجدتيها أضاف إليها أخرى وسلم وسجد سجدتي السهو قبل سلامه، قاله ابن القاسم.
ولا امره إن ذكر وهو راكع أن يرفع ويقرأ بعد أن أمكن يديه من ركبتيه وكبر؛ للاختلاف في ترك القراءة، فإن جل الناس يجيزونها، فيقطع أحب إلى من أن أجعله يصلي على هذه أربع ركعات أخرى، وأخاف أن يكون قد ركع في صلاته خمس ركعات فأجعله يبني عليها ثلاث ركعات ولعلها لا تجزئه.
قال ابن القاسم: وإن ذكر وهو في الثالثة وركع لها ولم يستتمها رجع فلم من اثنتين وجعلها نافلة، وسجد سجدتي السهو ويسلم، وإن لم يذكر حتى استتم الثالثة رايت أن يتمها أربعاً ويسجد سجدتى السهو، ويسلم، ويعيد صلاته أحب إلي

الجزء: 2 - الصفحة: 483

قال أصبغ: ولا أرى له أن يقطع إن ذكر وهو راكع في أول ركعة، ولا إذا أتمها ركعتين، ولكنه يمضي على صلاته فيتمها، ويسجد لسهوه قبل السلام، وإن أعاد فجائز، وإن لم يعد فجائز.
قال محمد/: وهذا هو الصواب.
قال أصبغ: وقاله أشهب.
م وعلى هذا قول مالك أرجو أن تجزأه سجدتا السهو قبل السلام.
ومن الواضحة: وإن نسي أم القرأن من ركعة من صلاة الصبح، أو الجمعة، أو من صلاة سفر، أو نسيها من ركعتين من سائر الصلوات فذكر ذك، في آخر صلاته، فإنه يسجد لسهوه قبل السلام، ويعيد الصلاة.
ورواه مطرف وابن القاسم عن مالك.
وقال أصبغ وابن عبد الحكم في تاركها من ركعة من الصبح أو من ركعتين من الظهر أنه يلغي ذلك، ويبني على ما صح، ويسجد بعد السلام.
وقال ابن الماجشون: تجزئه سجدتا السهو إذا تركها من ركعة من الصبح، أو الجمعة، أو غيرها من الصلوات.
قال في كتاب محمد: وإنما رأينا عليه الإعادة احتياطاً، وهو أحب إلينا.
قال ابن المواز: وإنما اختلفوا لاختلاف قول مالك، وإنما اختلف قول مالك؛ لاختلاف من مضى، وقد روي عن عمر وعلي رضي الله عنهما: أنهما أجازا

الجزء: 2 - الصفحة: 484

الصلاة بغير قراءة إذا تركها ناسياً، وقاله غيرهم من أهل العلم.
قال علي رضي الله عنه: ولو كانت عليه الإعادة ما كان للذي لا يحسن القراءة صلاة.
ومن المدونة قال مالك: من نسي أم القرآن حتى قرأ السورة، فليبتد أم القرآن، ويعيد السورة.
قال مالك في المجموعة: ولا سجود سهو عليه.
وقال مرة: يسجد بعد.
السلام، وهو مذهب المدونة.
دليله: قوله في صلاة العيدين من قدم القراءة على التكبير، فرجع وكبر وقرأ أنه يسجد بعد السلام.
قال سحنون: يسجد لطول القيام لا لقراءته، قال: ولو لم يقرا إلا يسيراً لم يكن عليه سجود وكذلك مسألتنا.
م والصواب أن لا سجود عليه؛ لأنه إنما زاد قرأناً.
قال عيسي عن ابن القاسم: ولو أنه شك في قراءة أم القرأن بعد ان قرأ السورة فليقرأها، ويعيد السورة، ولا سجود عليه.
وروى علي عن مالك أنه ليس عليه إعادة السورة.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا قرأ أم القرأن سراً في صلاة الصبح، ثم

الجزء: 2 - الصفحة: 485

ذكرها أعادها جهراً، ويسجد بعد السلام.
ابن المواز: وقال اصبغ: لا سجود عليه، وإن سجد فحسن.
ومن المدونة قال مالك: ولا يقضي ما نسي من القراءة لركعة في ركعة أخرى.
قال: ومن نسي السورة التي مع أم القرآن في الركعة الأولى أو في الأوليين سجد لسهوه قبل السلام، قال: وإن تعمد ذلك فلا إعادة عليه، وليستغفر الله ولا يسجد؛ لأنه لم يسه.
وقال علي وسحنون: لا تجزئه صلاته.
فوجه قول ابن القاسم: قوله صلى الله عليه وسلم ((كل صلاة لا يقرأ فيها بأم القرآن)) الحديث.
فدل أن ما عداها بخلافها؛ ولأنه إنما ترك سنة، كقول مالك إذا تعمد ترك الإقامة.
ووجه قول سحنون: ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لا تجزئ صلاة لا قرأ فيها بأم القرأن وشئ معها.
ولأنه عابث في صلاته فوجب أن لا تجزئه.
قال مالك: ولو قرأ في الركعتين الأخيرتين بأم القرأن وسورة في كل ركعة

الجزء: 2 - الصفحة: 486

سهواً فلا سجود عليه؛ لأنه إنما زاد قرآنا، كما لو قرأ سورتين أو ثلاثاً في ركعة مع أم القرآن في الأوليين.
وقد كان ابن عمر إذا صلى وحده يقرأ في الأربع جميعاً في كل ركعة بأم القرآن وسورة، وكان أحياناً يقرأ/ بأم القرآن، ويقرأ معها بالسورتين والثلاث في الركعة الواحدة.
خرجه البخاري ومالك في الموطأ.
قال مالك: وأطول الصلوات قراءة الصبح والظهر.
قال غيره: ويخففها في العصر والمغرب، ويوسطها في العشاء أطول منها.
قال أشهب: فيما بين طول هاتين- يعني الصبح والظهر- إلى قصر هاتين - العصر والمغرب- وهذا في العشاء، وهذا مما تلقته المة بالقبول.
قال أشهب في الظهر: نحو الصبح.
وقال يحيي: الصبح أطول.
ومن المدونة قال مالك: وواسع أن يخفف قراءة الصبح في السفر بسبح ونحوها، والأكرياء يعجلون الناس.

الجزء: 2 - الصفحة: 487

وروى مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ في الصبح بسورة البقرة في الركعتين كلتيهما، وأن عمر بن الخطاب قرأ فيهما بسورة يوسف وسورة الحج، وأن عثمان بن عفان قرأ فيهما بسورة يوسف، وكان عثمان بن عفان رضي الله عنه كثيراً ما يقرأها فيها، وكان ابن عمر يقرأ فيها في السفر بالعشر السور الأول من المفصل في كل ركعة بسورة.
وروى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ بالطور في المغرب.
وروى أنه قرأ فيها بالمرسلات عرفاً آخر ما صلاها بالناس.
وروى أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قرأ فيها في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، وقرأ في الثالثة بأم القرآن وبـ (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا- إلى قوله- إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ) وسمع رجل رجلا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ)، يرددها، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان الرجل يتقالها، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((والذى نفسي بيده إنها لتعدل ثلث

الجزء: 2 - الصفحة: 488

القرآن)) وقال أبو هريرة: أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمع رجلا يقرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وجبت، فسألته ماذا؟ فقال: الجنة، فأتيت الرجل لأبشره فوجدته قد انصرف.

الجزء: 2 - الصفحة: 489

[باب-6 -] في القراءة خلف الإمام. وما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام وتعايي الإمام

[فصل-1 - في القراءة خلف الإمام] قال ابن حبيب: اختلف السلف في القراءة خلف الإمام فيما يسر فيه، فذهب سبعة من الصحابة، وسته من التابعين، وأصحاب ابن مسعود إلى ترك القراءة معه فيما يسر فيه وما يجهر فيه، وذهب ستة من التابعين، والليث، وعبد العزيز ومالك وأصحابه إلى القراءة معه فيما يسر فيه، إلا ابن وهب ومحمد بن المواز وأشهب فلم يقرأوا معه فيما يسر فيه.
وإنما اختلف السلف في ذلك لما جاء عن النبي الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فالذين تركوا القراءة؛ لحديث جابر الذي قال فيه: ((كل ركعة لم يقرأ فيها بأم القرأن فللم يصلها إلا وراء إمام)) فعم.

الجزء: 2 - الصفحة: 490

ووجه قول الذين قرأوا فيما يسر فيه؛ فلحديث أبي هريرة أن الرسول عليه السلام انصرف من صلاة جهر فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ أحد منكم معي؟ فقال رجل: نعم أنا يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني أقول: ما لي أنازع القرآن، قال: فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يجهر فيه/.
وروي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج، فهي خداج غي تمام)).
م فهو على عمومه.
قال أبو السائب: فقلت: يا أبا هريرة إني أحياناً أكون وراء الإمام، فقال: اقرأها يا فارسي في نفسك، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم/ يقول: قال

الجزء: 2 - الصفحة: 491

الله تعالى: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، فنصفها لي، ونصفها لعبدى، ولعبدي ما سأل)) فذكر الحديث في قراءة أم القرآن.
فصل-2 - : [ما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام] ومن العتبية قال مالك: فإذا فرغ من السورة قبل الإمام فليقرأ غيرها، وقال في المختصر: إن شاء قرأ، ولإن شاء دعا، وإن شاء ترك.
وإذا لم يفرغ من السورة، ولا من الآية حتى ركع الإمام فليركع معه، ولا يتمها، وإذا قام في الثانية ابتدأ سورة أخرى أحب إلينا.
قال مالك: وإذا تعايا الإمام فله أن يتفكر تفكراً حفيفاً، فإن ذكر، وإلا خطرف ذلك، وابتدأ سورة أخرى، وإذا أخطأ فلقن فلم يتلقن فواسع أن يركع، أو يقرأ غيرها.
ابن حبيب: ولا ينبغى أن يلقن الإمام، فإن تعايا وخرج من سورة إلى سورة أخرى فلا يقف حتى ينتظر التلقين، قاله مالك.

الجزء: 2 - الصفحة: 492

ومن كتاب ابن سحنون: وعن إمام أحصر عن القراءة في الثانية قال: إن خاف أن لا يقدر على تمام الصلاة بهم لحصره فليستخلف، ويقهقر إلى الصف، فيصلي خلف الإمام الذى تقدم، وكذلك لو ضعف عن القراءة.
فصل-3 - : [التأمين في الصلاة] قال مالك: وإذا فرغ الإمام من قراءة أم القرآن فلا يقل: أمين، وليقل ذلك من خلفه ويخفيها من خلف الإمام، ومن صلى وحده، فليقل إذا قال: (ولا الضالين): آمين، ويقولها الإمام فيما يسر فيه، ولم يختلف في قول المأموم والمنفرد لها.
ووجه ذلك قوله عليه السلام: ((إذا قال الإمام: ولا الضالين فقولوا: آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه)).
وللفذ قوله عيه السلام: ((إذا قال أحدكم: آمين، قالت الملائكة في السماء: آمين، فوافقت إحداهما الأخرى غفر له ما تقدم من ذنبه)).
واختلف في قول الإمام لها، فوجه قوله لها قوله عليه السلام: ((إذا

الجزء: 2 - الصفحة: 493

أمن الإمام فأمنوا))؛ ولأنه مصل كالفذ والمأموم.
ووجه قوله: "لا يأمن" وهو الظاهر قوله عليه السلام: ((إذا قال الإمام: ولا الضالين، فقولوا: آمين)) فقد بين ما يقول وما يقولون؛ ولأن الإمام داع والمأموم مأمن، وسبيل الدعاء أن يكون المؤمن غير الداعي.
[فصل-4 -] في رفع اليدين في الإحرام والتكبير وغيره.
روى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع رفعهما كذلك، وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، وكان لا يفعل ذلك في السجود.
قال نافع: كان ابن عمر إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه،

الجزء: 2 - الصفحة: 494

وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما دون ذلك.
وفي غير الموطأ روى ابن عمر ((أن الرسول عليه السلام كان يرفع يديه/ حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة)).
وروى ابن مسعود والبراء بن عازب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة، ثم لا يرفعهما حتى ينصرف، وفعله علي بن أبي طالب وأبو هريرة.
وروى مالك في موضع آخر عن نافع ابن عمر ((أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع

الجزء: 2 - الصفحة: 495

يديه حذو صدره)).
قال أشهب: ورأيت ملاكاً يرفع يديه حذو صدره.
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: لا أعرف رفع اليدين في شئ من تكبير الصلاة، لا في خفض ولا في رفع، إلا افتتاح الصلاة.
م أى: لم يعرف العمل به.
قال مالك: والمرأة في رفع اليدين كالرجل، وضعف مالك رفع اليدين عند الجمرتين، وفى استلام الحجر، وبعرفات، والموقف، وبين الصفا والمروة، وفي المشعر، والاستسقاء، ومن رفع, جعل بطونهما إلى الأرض.
وقد رئي مالك رافعاً يديه في الاستسقاء حين عزم عليه الإمام، وجعل بطونهما مما يلى الأرض، وقال: إن كان الرفع فهكذا.
قال ابن القاسم: يريد في الاستسقاء، وفي مواضع الدعاء، وعرفة، والجمرتين، والمشعر.
قال في الواضحة: وهو في العمل عندنا بالاستكانة والخوف والتضرع،

الجزء: 2 - الصفحة: 496

وهو الرهب، أما عند الرغبة والمسألة فبسط الأيدي، وهو الرغبة، وهو معنى قول الله سبحانه: (َيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً) أي: خوفاً وطمعاً.
وروي أن النبي/ صلى الله عليه وسلم رفع يديه في الاستسقاء، وفعله عمر رضي الله عنه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مرّ بالركن فلم يستطع أن يستلمه كبّر ومضى ولم يرفع يديه.
وروي عن أشهب في سماعه قال: يرفع الإمام يديه إذا ركع هو ومن خلفه، وفيه سعة، وليس بلازم، وروى مثله ابن وهب إذا ركع وإذا رفع.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وفي رفعهما عند الركوع والرفع منه روايتان: فوجه الرفع ما روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه عند الافتتاح، وحين يركع، وحين يرفع رأسه من الركوع.
ووجه الأخرى: أنه كان عليه السلام يرفع يديه مرة واحدة، ثم لا يعود لرفعهما بعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 497

[باب -7 -] في الدب في الركوع والنعاس والغفلة عنه

[فصل-1 - في الدب في الركوع] روى ابن وهب أن زيد بن ثابت دخل المسجد والإمام راكع فمشى إليه حتى قرب من الصف فركع، ثم دب راكعاً حتى وصل إلى الصف، وقاله ابن مسعود وغيره.
م ورواه مالك عن زيد بن ثابت وابن مسعود في الموطأ.
قال مالك في المدونة في من جاء والإمام راكع فخشي رفع رأسه: فليركع بقرب الصف وحيث يطمع إذا دب راكعاً وصله إليه، كالصفين والثلاثة، وإن لم يرج ذلك أحرم حيث أمكنه.
قال ابن القاسم: وكذلك يفعل في صلاة العيدين والخسوف والاستسقاء وغيره.
قال ابن القاسم عن مالك في المجموعة: وحد إدراك الركعة مع الإمام أن يحرم قائماً ويمكن يديه من ركبتيه قبل رفع الإمام رأسه.
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: لا يحرم الداخل حتى يصل إلى الصف، وذلك أحب إلى إن وجد الإمام راكعاً؛ لقول الله تعالى: (وَقُومُوا لِلَّهِ

الجزء: 2 - الصفحة: 498

قَانِتِينَ)، وهذا يمشي.
قال: فإن ركع منه في بعد يجوز له فلا يمشي إلى الصف فيما بين الركوع والسجوود، ولكن حتى/ يرفع من السجود.
قال: ومن لم يدرأ ركع قبل رفع الإمام رأسه أم بعده، فلا يعتد بتلك الركعة، وترك الركوع معه في هذه الحال أحبّ إلى، إذا خاف أن يعجله أو إن يشك في ذلك.
م يريد ويقطع بسلام، ثم يدخل مع الإمام في هذا القول.
قال ابن الماجشون في المجموعة: إذا شك أن يكون أدرك الركعة معه فليتماد معه، ويعيد.
م وهذا أصوب، لأنه إن ألغى تلك الركعة خاف أن يكون قد تمت له، وإن اعتد بها خاف أن يكن لم يدركها.
فصل-2 - [في النعاس في الصلاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: الذى أرى وآخذ به في خاصة نفسي في من

الجزء: 2 - الصفحة: 499

نعس خلف الإمام في الركعة الأولى أن لا يعتد بها، ولا يتبع الإمام فيها وإن أدركه قبل أن يرفع الإمام رأسه من سجودها، ولكن يسجد مع الإمام، ويقضيها بعد سلام الإمام.
وإن نعس بعد عقد الأولى في ثانية أو ثالثة أو رابعة اتبع الإمام ما لم يرفع رأسه من سجودها.
[فصل -3 - في الغفلة في الصلاة] ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في منها سها أو اشتغل أو غفل حتى ركع الإمام وسجد قال: قد قال مالك: في هذا ثلاثة أقاويل: أحدها: يتبعه ما لم يرفع رأسه من ركوع التي تليها.
والثاني: أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من سجود التي غفل فيها.
والثالث: فرق بين الأولى والثانية، فقال: إن كانت الأولى، فلا يتبعه رأساً، وإن كانت غيرها، فليتبعه ما طمع أن يدركه في سجودها، وليس فيها قول أبين من هذا.
قال ابن القاسم: والزحام، والغفلة، والنعاس في الأولى سواء لا يتبعه وإن أدركه في سجودها، ولكن يسجد معه، ويكون كالداخل في الصلاة، وقاله ابن وهب وأشهب.

الجزء: 2 - الصفحة: 500

قال ابن القاسم: وإن عقد معه الأولى بسجدتيها ونابه ذلك في الثانية فليتبعه ما رجل أن يدركه في السجود إلا في الزحام، فإن الأولى وغيرها سواء لا يتبعه فيها، وقال ابن وهب وأشهب الغفلة والنعاس والزحام سواء يركع ويتبعه ما طمع أن يدركه في السجود.
م فوجه الرواية الأولى: فلأنه عقد معه ركنا من الصلاة، وهو الإحرام، وهو أمر يبنى عليه، وقد نزل به أمر لم يتعمده ولم يطق أن يرفعه، فراى أن يتبعه في تلك الركعة ما لم يحل بينه وبين ذلك ركعة أخرى، فإذا خاف أن يعقد عليه أخرى فاتباعه في هذه الثانية أولى.
ووجه الثانية: أنه رأى أن لا يتبعه في ركعة قد فرغ منها، وإنما يتبعه فيما نام أو غفل عنه، فإذا خرج عنه/ فقد فات موضع اتباعه، وهذا كله استحسان.
والقياس أن لا يتبعه، إلا أن يعقد معه ركعة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أدرك من الصلاة ركعة قد أدركها)).
وقال: ((من أدرك الركعة فقد أدرك السجدة))، فإدراكه الركعة أقوى من أدراكه الإحرام؛ لأنه يدرك بالركعة فضل الجماعة والجمعة ووقت الصلاة الضروري، ولا يدرك ذلك بالإحرام فافترقا.

الجزء: 2 - الصفحة: 501

ووجه تفرقة ابن القاسم بين الزحام وغيره: فلأن الزحام فعل آدمي، وكان يمكنه الاحتراز منه، والنوم والغفلة أمر غالب من الله تعالى لا يقدر على الاحتراز منه.
م والقياس أن ذلك كله سواء، وفي/ هذه المسألة ثلاثة أسئلة: فالأول: إن نعس بعد الإحرام وقبل الركوع، فهي مسألة الخلاف.
والثاني، إن نعس بعد رفع رأسه من الركوع وقبل السجود فيها فهذا يتبع الإمام فيها ما لم يرفع رأسه من الركعة التي تليها، كما قال مالك في مسألة الجمعة إذا زوحم عن السجود بعد عقد الركعة أنه يتبعه ما لم يرفع رأسه من الركعة التي تليها والثالث: إن نعس بعد إمكان يديه من ركبتيه وقبل رفع رأسه فعلى قول من قال: عقد الركعة إمكان اليدين من الركبتين فهو كمن نعس بعد الركوع وقبل الركوع، وهذا بين.

الجزء: 2 - الصفحة: 502

[باب-8 -] في الركوع والسجود والجلوس وما يتصل بذلك من تكبير وتسبيح ودعاء وذكر الإقعاء والاتكاء والاعتماد ووضع اليد على اليد وغير ذلك

. [فصل-1 - في هيئة الركوع والسجود.
وما يقال فيهما] وبين الرسول صلى الله عليه وسلم بفعله هيئة الركوع والسجود والجلوس والتكبير، وغير ذلك من أعمال الصلاة، وهذا مما تلقته الأمة بالعمل.
قال مالك رحمه الله: وإذا أمكن يديه من ركبتيه في الركوع وإن لم يسبح، أو أمكن جبهته من الأرض في السجود مطمئنا فقد تم ذلك، وقال: إلى هذا تمام الركوع والسجود.
قال بعض البغداديين: إنما قال ذلك؛ لأن الاعتدال والطمأنينة فيهما واجب، خلافاً لأبي حنيفة.
دليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((اعتدلوا في السجود)).
وقوله: ((اركع حتى تطمئن راكعاً واسجد حتى تطمئن ساجداً)).
وكذلك كان يفعل صلى الله عليه وسلم وقال: ((صلوا كما رأيتموني أصلي)).
والتسبيح في الركوع والسجود غير واجب، خلافاً

الجزء: 2 - الصفحة: 503

لأحمد وداود؛ لقوله عليه السلام: ((ثم اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع))، ولم يقل: ((فسبح)) وقال: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجداً، ثم اجلس)) ولم يأمره بتسبيح، وفي آخر الخبر ((فإذا فعلت هذا فقد تمت صلاتك))، وهذا موضع تعليم.
ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: ومن ركع ولم يضع يديه على ركبتيه فرفع شيئاً أو نزل شيئاً فذلك يجزئه.
وقال سحنون في من لا يرفع يديه من السجود: قال بعض الناس: لا يجزئه؛ لما جاء ((أن اليدين تسجدان كما يسجد الوجه))، وخفف ذلك بعضهم.
ومن المدونة قال: وكره مالك أن ينكس رأسه في الركوع أو يرفعه، وأحسنه

الجزء: 2 - الصفحة: 504

الاعتدال م لقوله عليه السلام: ((اعتدلوا)) قال ابن حبيب: وروي ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لو صب على ظهره ماء في الركوع لاستقر)).
ومن المدونة قال مالك: ويضع بصره في الصلاة أما قبلته.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن رفع رأسه من الركوع فلم يعتدل قائماً حتى رفع أو سجد أو رفع رأسه من سجده فلم يعتدل جالساً حتى سجد، قال: تجزئه صلاته، ويستغفر الله، ولا يعود.
ابن شعبان وقال أشهب: لا تجزئه/ صلاته.
قال أبو إسحاق: وهذا أصح؛ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاتجزئ صلاة لا

الجزء: 2 - الصفحة: 505

نيم فيها صلبه في الركوع والسجود)).
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن خر من ركوعه ساجداً ولم يرفع، فلا يعتد بتلك الركعة، واستحب مالك أن يتمادى، ويعيد.
قال سحنون: وروى علي عن مالك أنه لا يعيد.
قال ابن المواز: إن فعله سهواً فليرجع منحنياً إلى ركعته، ولا يرجع قائماً فإن فعل أعاد صلاته، وإن رجع محدودباً- يريد- ثم رفع رأسه سجد بعد سلام، وأجزاته صلاته.
وإن كان مأموماً حمل عنه إمامه سجود السهو.
ومن المدونة قال مالك: ويكبر في حال انحطاطه لركوع والسجود، يقول: سمع الله لمن حمده في حال رفع رأسه، وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، ويكبر في حال رفعه من السجود.
وروى على بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو سعيد الخدري ((أن

الجزء: 2 - الصفحة: 506

الرسول عليه السلام كان يكبر كلما خفض ورفع، فلم تزل تلك صلاته حتى لقي.
الله عز وجل.
قال مالك: وإذا قام من الجلسة الأولى فلا يكبر حتى يستوى قائماً.
ابن القاسم: وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عماله يأمرهم أن يكبروا كلما خفضوا ورفعوا في الركوع والسجود/، إلا في القيام من الجلسة الأولى، فلا يكبروا حتى يستووا قائمين.
قال أبو الحسن ابن القابسي: والفرق بين تكبير الخفض والرفع أنه يفعله في حال الخفض والرفع، وبين التكبير من الجلسة الأولى هو أن تكبير الخفض والرفع هو في مبتدأ تك الحال الذي يؤتى به فيها، وقد كبر الذي قعد في اثنتين حين رفع رأسه من السجود، وهى تكبيرة الرفع من السجود إلى الجلوس، والنهوض من الجلسة ليس هو من الركعة الثالثة، وأولها القيام، وإنما يكبر في أول القيام للركعة الثالثة، وهذا أحسن ما علل في ذلك.
قال عن ابن حبيب: وكان يكبر في السجود أخفض من الركوع.
ومن سماع ابن وهب: قال مالك: وأحب للمأموم أن لا يجهر بالتكبير وبربنا ولك الحمد، ولو جهر حتى سمع من يليه لم يكن به بأس، وأحب

الجزء: 2 - الصفحة: 507

إلي أن لا يجهر معه، إلا بالسلام جهراً يسمع من يليه.
ومن المدونة قال مالك في قول الناس في الركوع: سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى لا أعرفه، وأنكره، ولم يحد فيه حداً، ولا دعاء مؤقتاً، وكره الدعاء في الركوع، وأجازه في السجد، ولم يكره التسبيح في الركوع.
وقال الرسول عليه السلام: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجد فاجتهدوا فيه بالدعاء فقمن أن يستجاب لكم))، أي: حقيق أن يستجاب لكم.
وروى أن أقرب ما يكن العبد من الله سبحانه إذا كان ساجداً، وهو من قوله تعالى: (وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ).
والدعاء مكروه عند مالك في ثلاثة مواضع: في الركوع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((أما الركوع فعظموا فيه الرب)).
وبعد الإحرام وقبل القراءة؛ قوله عليه السلام للذي علمه الصلاة: ((كبر، ثم اقرأ))، وكذلك كان يفعل عليه السلام، وفي

الجزء: 2 - الصفحة: 508

الجلوس للتشهد قبل التشهد.
ومن المدونة قال مالك: والسجود على الأنف والجبهة جميعاً، قال ابن القاسم: فإن سجد على الأنف دون الجبهة فإنه يعيد أبداً.
قال عنه ابن حبيب: وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه.
وقال ابن حبيب: لا تجزئه في الوجهين جميعاً حتى يمس الأرض بالأنف والجبهة.
وعند أبي الفرج من سجد على الأنف أعاد في الوقت.
وفي الحديث ((أن النبي صلى الله عليه وسلم رئي على جبهته وأنفه أثر الماء والطين من السجود، وكان المسجد على عريش فوكف المسجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 509

قال أبو محمد عبد الوهاب: فوجه قوله: من سجد على أنفه لم يجزئه؛ لقوله عليه السلام: «وليمكن جبهته من الأرض في سجوده»، وهو وجه قوله: إن سجد على جبهته دون أنفه أجزأه.
وقال أبو محمد عبد الوهاب: إن سجد على الجبهة دون الأنف أعاد في الوقت استحباباً؛ لأن في الحديث «يمكن الوجه»، ولا يحصل ذلك إلا مع الاستيفاء مع الأنف، وليخرج من الخلاف، ويؤدي الصلاة على الوجه الجائز بالإجماع.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان في جبهته قرح أو جرح لا يستطيع أن يضعها على الأرض وهو يقدر أن يضع أنفه فليومئ، لا يسجد على أنفه.
قال أشهب: فإن سجد على الأنف أجزأه؛ لأنه زاد على الإيماء.
محمد: قيل: إن قول أشهب خلاف، وقول ابن القاسم أحسن؛ لأن فرض هذا الإيماء، فإذا بدل وسجد على أنفه فقد أسقط فرضه، كمن

الجزء: 2 - الصفحة: 510

سجد عن ركوعه، فلا يجزئه.
م قاله بعض شيوخنا، وحكاه عن ابن القصار، وقال غيره من شيوخنا: بل قول أشهب وفاق؛ لأن الإيماء ليس له حد ينتهي إليه، وهو لو أومأ حتى قارب الأرض بأنفه أجزأه بالإجماع، وليس زيادة السجود على أنفه بالذي يبطل إيمائه، وأيضًا فإن الإيماء إنما هو رخصة للضرورة، فلو أراد تحمل الضرورة وسجد على جبهته وأنفه لأجزئه، كجنب أبيح له التيمم لبرد ونحوه فتركه وغسله أنه يجزئه.
وهذا الصواب إن شاء الله.
وعلى قول من قال: إن الإيماء فرضه يجب أن لا يجزئه غسله؛ لأنه ترك فرضه وفعل غيره، وهذا لا يقوله أحد، فقولهم إنه وفاق أولى.
والله أعلم.
[فصل-2 - فيما يقول الإمام والمأموم في الرفع من الركوع] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى وحده فليقل إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، ويقول: اللهم ربنا ولك الحمد أيضًا، فإن كان إمامًا فليقل: سمع الله لمن حمده، ولا يقل: اللهم ربنا ولك الحمد، ولا يقل من خلفه: سمع الله لمن حمده، ولكن يقول: اللهم ربنا ولك الحمد.

الجزء: 2 - الصفحة: 511

م اختصاره: أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده، والمأموم يقول: اللهم ربنا ولك الحمد، والفذ يقولهما جميعًا.
قال مالك مرة: ربنا لك الحمد، وقال مرة: ولك الحمد، قال مالك: وهو أحب إلي.
قال أبو إسحاق: قوله: ولك الحمد أبلغ؛ لأنه دعاء وتحميد، كأنه قال: اللهم ربنا استجب لنا ولك الحمد.
وقال ابن عمر يضع على الأرض ركبتيه أولا، ثم يديه، ثم وجهه، ثم يرفع وجهه، ثم يديه، ثم ركبتيه.
والأصل في ذلك قوله عليه السلام:/ ((وإذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد))، فقد بين ما يقول الإمام والمأموم.
عبد الوهاب: ولأن قول الإمام: سمع الله لمن حمده، دعاء، وقول المأموم: ربنا ولك الحمد تأمين، ومن سبيل الدعاء أنه يدعو واحد ويؤمن/ غيره، وإذا كان الداعي وحده أمن بنفسه على دعائه.
قال ابن حارث الأندلسي: قال ابن نافع: لا يقول المأموم آمين حتى يسمع الإمام يقول: ولا الضالين، وقال ابن عبدوس: يتحرى ذلك، ويقوله وإن لم يسمعه.

الجزء: 2 - الصفحة: 512

ومن المدونة قال ابن القاسم: وأما تفرقة الأصابع في الركوع وضمها في السجود فكان يكره أن يحد في ذلك حدًا، ويراه من البدع، وقال: يسجد كما يسجد الناس، ويركع كما يركعون.
فصل-3 - : [هيئة الجلوس في الصلاة] قال مالك: والجلوس بين السجدتين، وفي التشهد سواء، يفضي بإليتيه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى ويثنى رجله اليسرى، ويجعل باطن إبهام رجله اليمنى مما يلي الأرض، والرجال والنساء في ذلك سواء.
وقال ابن عمر: هذا من سنة الصلاة.
قال على عن مالك في الجلوس: المرأة تجلس على وركها الأيسر، وتضع فخذها الأيمن على الأيسر، ثم تضم بعضها إلى بعض بقدر طاقتها، ولا تفرج في ركوع ولا سجود ولا جلوس، بخلاف الرجل.

الجزء: 2 - الصفحة: 513

قال مالك: وإذا سجد السجدتين في الركعة الأولى والثالثة، فلا يرجع جالسًا، ولكن ينهض كما هو للقيام.
قال مالك: وما أدركت أحدً من أهل الفضل والعلم إلا وينهى عن الإقعاء في الصلاة ويكرهه.
قال مالك في المجموعة: والإقعاء أن يرجع إلى صدور قدميه في الصلاة.
وقال أبو عبيد: الإقعاء جلوس الرجل على إليتيه ناصبًا فخذيه-كإقعاب الكلب-ويضع يديه في الأرض.
وقول مالك أبين.
قال مالك: ويرفع بطنه على فخذيه في السجود ويجافى بضبعيه، ولا يفرج ذلك التفريج، ولكن تفريجًا متقاربًا.
قال: وأن يضع ذراعيه على فخذيه في النوافل لطول السجود، وأما في المكتوبة، وما خف من النوافل فلا.
وروى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا سجد يُرى بياض إبطيه)).

الجزء: 2 - الصفحة: 514

وكره مالك أن يفرش الرجل ذراعيه في السجود.
ابن وهب عن جابر بن عبد الله قال: ((سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن يعتدل الرجل في السجود، ولا يسجد باسطًا ذراعيه، كالكلب.
قال مالك ويتوجه بيديه إلى القبلة، ولم يحد أن يضعهما، قال: ولا يعجبني أن تتكئ في المكتوبة على حائط أو عصا، ولا بأس به في النافلة.
قال مالك: وإن شاء اعتمد على يديه في القيام، وإن شاء ترك، أي ذلك أرفق به في فعل.
وفي المجموعة قال على عن مالك: والاعتماد على يديه عند القيام من الجلوس في الصلاة كلها أحب إلي، وهو أقرب للسكينة، وهو الأشبه؛ لأن القيام من غير وضع اليدين في الأرض وثب، وليس ذلك من الخشوع.
[فصل-4 - : وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة] ومن المدونة: وكره مالك وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وقال: لا أعرفه في الفريضة، ولا بأس به في النافلة؛ لطول القيام، يعين به نفسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 515

وروى بن وهب عن جماعة من الصحابة أنهم رأوه صلى الله عليه وسلم / واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة.
وفي الموطأ رواه مالك عن عبد الكريم بن أبى المخارق أنه قال: ((من كلام النبو أنه لم تستحي فافعل ما شئت، ووضع اليدين إحداهما على الأخرى في الصلاة يضع اليمنى على اليسرى وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسحور)) وروى عن سهل بن سعد أنه قال: كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة.
وروى أشهب عن مالك في العتبية: أنه لا بأس أن يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة في الفريضة والنافلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 516

[باب-9 -] في السجود على الثياب وغيرها

[فصل-1 - السجود على الثياب] روى ابن وهب: ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقى بفضل ثيابه برد الأرض وحرها، وفعله ابن عمر.
قال مالك: ولا يضع الرجل كفيه إلا على الذي يضع عليه جبهته، وكذلك كان ابن عمر يفعل.
قال مالك: فإن كان حرًا أو بردًا جاز أن يبسط ثوبًا يسجد عليه، ويضع كفيه عليه؛ للحديث.
قال: وتبتدئ المرأة كفيها في السجود حتى تضعهما على ما تضع عليه جبهتها.
قال مالك: ومن صلى وعليه عمامة فأحب إلى أن يرفع عن بعض جبهته حتى/ يمس الأرض بعض جبهته.
ابن وهب: وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلًا يسجد وقد اعتم على جبهته، فحسر الرسول عليه السلام عن جبهته.

الجزء: 2 - الصفحة: 517

قال مالك: إن سجد على كور العمامة كرهته، ولا يعيد.
وقال ابن حبيب: إن كان كثيفًا أعاد في الوقت وإن مس أنفه الأرض، وإن كان قدر الطاقة والطاقتين قدر ما يتقى به برد الأرض وحرها لم يعد، قاله ابن عبد الحكم.
قال الأوزاعي: وكذلك كانت عمَّة من مضى.
[فصل-2 - : حمل التراب أو الحصا ليسجد عليه].
ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني أن يحمل الرجل الحصباء أو التراب من موضع الظل إلى موضع الشمس يسجد عليه.
قيل: إنما ذلك في المساجد خاصة؛ لأنه يحفرها ويؤذى المصلى والماشي فيها، وأما في غير المساجد، فلا كراهة فيه.
[فصل-3 - : ما يكره السجود عليه] قال مالك: وأكره أن يسجد على الطنافس، وبسط الشعر والأدم وثياب القطن والكتان واللبود وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها،

الجزء: 2 - الصفحة: 518

ولا شيء على من صلى على ذلك.
والصلاة على التراب والحصر أحب إلي.
قال مالك: ولا بأس أن يقوم عليها، وعلى غيرها من المصليات ويركع ويجلس عليها، ويسجد على الأرض.
قال ابن حبيب: وهو أقرب للتقوى، ولولا ذلك ما مضى الأمر على تحصيب المسجد، وتحصير غيرها، ويفرشها أهل الطول بأفضل من ذلك.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصر وما ينبت من الأرض، ويضع كفيه عليها.
قال عنه على: والخمرة إنما تتخذ من الحرير وتظفر بالشراك.
[فصل-4 - : الصلاة على حصير بطرفه نجاسة] قال مالك: ولا بأس بالصلاة على طرف حصير بطرفه الآخر نجاسة إذا كان موضعه طاهرًا.
م يريد وإن تحرك موضع النجاسة؛ لأنه إنما طولب بطهارة بقعته، وأما العمامة يكون بطرفها المسدل نجاسة فهذه يراعى فيها تحرك موضع النجاسة، فإن تحرك لم يجزئه؛ لأنه/ حامل لها، وهو لو انصرف لا تبعته بخلاف الحصير.

الجزء: 2 - الصفحة: 519

[فصل-5 - : الصلاة على ما يبسط على النجاسة من الطاهرات] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يصلى المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبًا كثيفًا طاهرًا.
م وقال بعض شيوخنا: إنما أرخص في هذا للمريض خاصة، وأما الصحيح فلا يجوز له ذلك؛ لأنه يصير محركًا لتلك النجاسة، وخالفه غيره من شيوخنا، وقال: ذلك جائز للمريض وغيره؛ لأن بينه وبين النجاسة حائلًا طاهرًا، كالحصير إذا كان بطرفها نجاسة، والسقف إذا صلى في موضع منه طاهر، وتحرك منه موضع نجس أن ذلك لا يضره؛ لأن ما صلى عليه طاهر، فكذلك هذا.
وهذا أصوب.
والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 520

[باب-10 -] في صلاة المريض والقادح والجالس والراكب

[فصل-1 - في صلاة المريض] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ فلم يرخص في ترك الصلاة لضرورة ولا غيرها لغير مغلوب على عقله.
وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، وصلى الرسول عليه السلام جالسًا حين جحش شقه.
ابن حبيب: وقال أصبغ في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ قال: هو في الخائف والمريض.
قال: ومعنى ما جاء ((إن صلاة الجالس على النصف من صلاة القائم)) في من يقدر أن يقوم في

الجزء: 2 - الصفحة: 521

النوافل، فأما من أقعد بمرض أو ضعف عن أن يقوم في ثوابه كالقائم في الفرض والنافلة.
قال أبو إسحاق: وإذا قدر أن يصلى قائمًا بقصار السور، ولم يقدر إذا صلى بالطوال صلى قائمًا بالقصار؛ لأن القيام فرض على القدر، والتطويل في القراءة ليس بفرض عليه.
وانظر لو قدر على القيام في أول ركعة فإن جلس لم يقدر على القيام فالأشبه أن يصلى عليه متى قدر عليه، فلو أمرناه يصلى صلاته كلها قائمًا لكان قد أسقط ما قدر عليه من السجود.
وقد قال بعض الناس: إنه يصلى ثلاث ركعات قائمًا يومئ فيها للسجود فإذا أتم الرابعة ركع وسجد ثم جلس؛ لأنه ترك ما قدر عليه من السجود في الثلاث ركعات لمكان ما أتى به من قيام الثلاث ركعات وركوعها فلم يترك السجود إلا لفرض آخر/ أتى به، وفي هذا نظر؛ لأنه ترك فرضًا قد توجه عليه وهو قادر عليه في الركعة الأولى لفرض آخر يأتي به الآن، وهو إذا أتى بالأول لم يقدر على الإتيان بالثاني، فإتيانه بما قادر عليه، وقد حضر أولى من تركه لإقامة شيء آخر لو جلس لم يقدر عليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 522

ومن المدونة قال ابن القاسم: وليصلى المريض بقدر طاقته، ولا يصلى إلا إلى القبلة، فإن عسر تحويله إليها احتيل فيه، فإن صلى إلى غيرها أعاد في الوقت إليها.
م يريد ووقته في الظهر والعصر إلى الغروب، كمن صلى بثوب نجس لا يجد غيره.
قال أصبغ في الواضحة: هذا إذا لم يستطع التحول إلى القبلة، ولم يجد من يحوله يصلى كما هو، فإذا قدر أو وجد من يحوله أعاد في الوقت.
م يريد ولو كان واجدًا من يحوله فتركه وصلى إلى غيرها أعاد أبدًا كالقادر.
قال ابن القاسم: وإذا قدر المريض على القيام والركوع والجلوس فعل ذلك وتشهد وثبت جالسًا، فإن قدر أن يسجد سجد، وإن لم يقدر على السجود لرمد بعينيه أو قرحه/ بوجهه أو صداع يجده ثنى رجليه وأومأ لسجوده، وإن قدر على القيام، ولم يقدر على الركوع قام وأومأ لركوعه ومد يديه إلى ركبتيه في إيمائه، ويجلس ويسجد إن قدر، وإلا أومأ، بالسجود جالسًا، وإن لم يقدر إلا على القيام كانت صلاته كلها قائمًا، ومئ بالسجود أخفض من الركوع،

الجزء: 2 - الصفحة: 523

وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من لم يستطع الركوع أو السجود فليومئ برأسه إيماء)).
وسئل مالك عن من بركبتيه ما يمنعه من السجود والجلوس عليها، فقال: يفعل من ذلك ما استطاع وتيسر عليه، فإن دين الله يسر.
قال ابن القاسم: ومن افتتح الصلاة من عذر جالسًا ثم صح أتم قائمًا ولو افتتح الصلاة قائمًا ثم عرض له مرض يمنعه من القيام أتم جالسًا، وأجزأه.
قال مالك: ويصلى من لا يقدر على القيام متربعًا، فإن لم يقدر أن يصلى متربعًا فعلى قدر طاقته من الجلوس، فإن لم يقدر فعلى جنبه أو ظهره، ويجعل رجليه مما يلي القبلة إذا صلى على ظهره، ويومئ برأسه.
م فإن فعل بخلاف ما يؤمر به أن يبدأ به من ذلك مختارًا، فقد أساء، ولا شيء عليه، وأما إن قدر أن يصلى جالسًا ممسوكًا فصلى على جنبه، فعليه

الجزء: 2 - الصفحة: 524

الإعادة.
قال سحنون: يصلى على جنبه الأيمن، كما يجعل في لحده، فإن لم يقدر فعلى ظهره ويومئ برأسه.
وقال ابن المواز: إن لم يقدر على جنبه الأيمن فعلى الأيسر، فإن لم يقدر فعلى ظهره.
قال في المدونة: وصلاة المريض جالسًا ممسوكًا أحب إليّ من المضطجع، ولا يستند لحائض ولا جنب إذ لا تخلو ثيابهما من نجاسة.
قال في غير المدونة: فإن استند لحائض أو جنب أعاد في الوقت.
قال أبو محمد: إن استند لحائض أو جنب وكانت ثيابهما طاهرة، فلا شيء عليه.
م وفي البخاري ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى وإن بعض ثوبه إذا سجد

الجزء: 2 - الصفحة: 525

ليصيب ثوب زوجته ميمونة وهى حائض)).
ومن المدونة قال مالك: وإذا لم يقدر المريض أن يسجد على الأرض فليومئ يظهره ورأسه، ولا يرفع إلى جبهته أو ينصب بين يديه شيئًا يسجد عليه، فإن فعل وجهل ذلك لم يعد.
وقال أشهب في المجموعة: وذلك إذا أومأ إلى ذلك الشيء برأسه حتى يسجد عليه، وأما إن رفعه إليه حتى تمسه جبهته وأنفه من غير إيماء لم يجزئه ذلك، وأعاد الصلاة أبدًا.
قال ابن القاسم: وإن صلى مضطجعًا فليومئ برأسه ولا يدع الإيماء.
قال مالك: في إمام صلى بقوم فيركع ويسجد ويقوم/ وخلفه مرضى لا يقدرون على الركوع ولا على السجود إلا إيماء، وقوم لا يقدرون على القيام، وهم يصلون بصلاته ويومئون قعودًا، فقال: تجزئهم صلاتهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 526

[فصل-2 - : إمامة الجالس] قال: ولا يؤم أحد جالسًا في فريضة ولا نافلة.
وقد قال الشعبي: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((لا يؤم الرجل القوم جالسًا)).
قال الأبهري: وإنما ذلك؛ لأن صلاة القاعد أنقص من صلاة القائم؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)) فاستحب أن لا يصلى ناقص الصلاة بمن هو أكمل منه على ما ذكرنا من الأخبار، ومن أن يكون الإمام أفضل حالًا من المأموم، فإن صلى فإنه يجوز لاستواء حرمته في نفسه مع حرمة المأموم، وإنما لم تجز إمامة الجالس؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الحديث.
فإن صلوا هم قيامًا فقد خالفوه وخالفوا الحديث، وإن صلوا جلوسًا فقد أسقطوا فرض القيام، وهم قادرون عليه، والإمام لا يحمله عنهم، فلذلك لم تجز إمامة الجالس.
والله أعلم.
فإن قيل: فقد روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) وفي آخر الحديث ((وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون)).
قيل: قد قال ابن القاسم: ليس عليه العمل، وقد جاء ما نسخه، قوله صلى الله عليه وسلم:

الجزء: 2 - الصفحة: 527

((لا يؤم الرجل القوم جالسًا)).
وروى ربيعة ((أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج وهو مريض، وأبو بكر يصلى بالناس، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا بصلاة أبى بكر، وكأن أبو بكر الإمام)).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما مات نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته)).
فإن قيل: فقد روى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى إلى جنب أبى بكر فكان أبو بكر يصلى بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم، وكان الناس يصلون بصلاة أبى بكر)).
قيل: قد قال مالك: العمل عندنا على حديث ربيعة بن عبد الرحمن ((أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بصلاة أبى بكر))، وعمل أهل المدينة أثبت من أخبار الآحاد، ويؤيد أن أبا بكر كان الإمام قوله صلى الله عليه وسلم: ((ما مات نبي قط حتى يؤمه رجل من أمته)).
[فصل-3 - : الإمام يعرض له مرض يمنعه من القيام] ومن المدونة قال مالك: وإن عرض للإمام ما يمنعه من القيام فليستخلف

الجزء: 2 - الصفحة: 528

من يصلي بالقوم، ويرجع هو إلى الصف فيصلى بصلاة الإمام المستخلف.
قال أبو محمد: واختلف في إمامة المريض للمرضى جلوسًا، فأجازه بعض أصحابنا، قال أبو عمران الفارسي: وهل يوجد لأصحابنا إجازة ذلك إلا شيء وقع لسحنون على تأويل فاسد؟.
م وقد ذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنهم أجازوا في المرضى والضعفاء والذين في السفينة أنو يؤمهم أحدهم جالسًا وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية في المرضى والقاعد أنه لا بأس أن يؤمهم رجل منهم قاعدًا.
وذكر سحنون في روايته أنه لا يجوز لأحد أن يؤم جالسًا بعد ما كان من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أم قومًا قاعدًا أجزأته، وأعاد القوم فيحمل قول سحنون أنه أم قومًا أصحاء قاعدًا، لا أنهم كلهم مرضى، فهذا هو التأويل الفاسد الذي أراد أبو عمران، والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإذا كانوا لا يستطيعون الجلوس هم ولا هو، فلا إمامة في هذا.
م ولم يأت في هذا سنة، كما جاء في صلاة الجالس.

الجزء: 2 - الصفحة: 529

قال يحيى بن عمر: فإن فعلوا أجزأ الإمام وأعادوا هم.
وروى الوليد بن مسلم عن مالك أنه أجاز للإمام المريض أن يصلى بالناس جالسًا وهم قيام.
قال: وأحب إليّ أن يكون جنبه من يكون علمًا لصلاته، وهو على ما روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى جالسًا بالناس، وأبو بكر إلى جنبه علمًا لصلاته.
فصل -4 - : [صلاة القادح] ومن المدونة: وكره مالك للرجل أن يقدح الماء من عينيه فيؤمر بالاضطجاع/ على ظهره، فيصلى على ذلك اليومين ونحوهما.
م وقال: لا ينبغي له أن يفعل ذلك.
قال ابن القاسم: ومن فعله أعاد الصلاة أبدًا.
قال ابن اللباد وقال أشهب: له أن يقدح عينيه ويصلى مستلقيًا.
قال أبو إسحاق: والأشبه أن يفعل ذلك؛ لأن التداوي جائز، وإذا كان

الجزء: 2 - الصفحة: 530

جائزًا له أن يتداوى جاز له أن ينتقل من القيام إلى الاضطجاع؛ لأنه متى قام أضر ذلك بعينيه، كما يجوز له أن يتداوى بالفصد، وينتقل إذا توضأ من غسل إلى مسح موضع الفصد وما يليه مما لا بد من رباطه.
وروى ابن وهب عن مالك التسهيل في ذلك.
قال ابن حبيب: كره مالك لمن يقدح عينيه، فيقيم أربعين يومًا أو أقل على ظهره، ولو كان اليوم/ ونحوه لم أر به بأسًا، قال: ولو كان يصلى ويومئ في الأربعين يومًا لم أر بذلك بأسًا.
ومن المدونة قال مالك: والمصلى جالسًا إذا تشهد في الركعتين كبر قبل أن يقرأ، وينوى به القيام للثالثة.
م يريد بعد أن يرجع متربعًا إن قدر.
قال مالك: وجلوسه في موضع الجلوس كجلوس القائم.
قال مالك: ولا بأس بالاحتباء في النوافل للذي يصل جالسًا بعقب تربعه، وفعله جابر بن

الجزء: 2 - الصفحة: 531

عبد الله وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير.
قال مالك: ومن صلى فريضة جالسًا، وهو يقدر على القيام أعاد أبدًا.
فصل-5 - : [الجلوس في صلاة النافلة] قال ابن القاسم: ومن افتتح النافلة جالسًا، ثم شاء القيام، أو افتتحها قائمًا، ثم شاء الجلوس، فذلك له.
وروى ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلى النافلة جالسًا حين أسن، فإذا بقى من قراءته ثلاثون أو أربعون آية قام، فقرأه وهو قائم ثم ركع وسجد، ثم يفعل في الركعة الثانية مثل ذلك)).
وكان سعيد بن جبير يصلى قاعدًا محتبيًا فإذا

الجزء: 2 - الصفحة: 532

بقي عليه عشر آيات قام فقرأ وركع.
قال أشهب: إذا أحرم قائمًا في نافلة فلا يجلس لغير عذر.
قال بعض فقهائنا: إذا افتتح صلاة النافلة على أن يصليها قائما ولا يجلس، لم يكن له أن يجلس.
لا يختلف في هذا قول ابن القاسم وأشهب؛ لأن من نوى شيئًا ودخل فيه لزمه حكمه، وصار حكمه حكم من نذر شيئًا بلسانه، وإنما اختلفا إذا افتتحهما قائمًا من غير نية.
م وحكي لنا عن أبى عمران أن ذلك لا يلزمه بالنية والدخول فيه بخلاف الاعتكاف وصوم اليوم؛ لأن هذا لا يتجزأ، فيلزمه بالدخول فيه، والقراءة في الصلاة تتجزأ، وله إذا افتتح القراءة في الصلاة مع أم القرآن بسورة طويلة أن لا يتمها، ففارق صوم اليوم والاعتكاف، والله أعلم.
وقال ابن حبيب في المتنفل: له أن يومئ بالسجود من غير علة، كما له أن يقعد في القيام من غير علة.
قال ابن القاسم في العتبية: لا يومئ الجالس للسجود إلا من علة، فإن أومأ في النافلة من غير علة أجزأه.

الجزء: 2 - الصفحة: 533

[فصل-6 - : الصلاة في المحمل] ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالك وعبد العزيز، ولم أسمع من عبد العزيز غير هذه: من تنفل في محمله فقيامه متربعًا، ويركع متربعًا ويضع يديه على ركبتيه.
قال: فإذا رفع رأسه من ركوعه قال مالك: يرفع يديه عن ركبتيه، ولا أحفظ رفع يديه عن ركبتيه عن عبد العزيز، ثم قالا: فإذا أهوى للسجود ثنى رجليه وأومأ بالسجود، فإذا لم يقدر أن يثنى رجليه أومأ متربعًا.
قال مالك: والشديد المرض، الذي لا يقدر أن يجلس لا يعجبني أن يصلى المكتوبة في المحمل، لكن على الأرض، وذكر عن أبى محمد أنه قال: معناه لا يصلى حيثما توجهت به الدابة في محمله، ولو وقفت به الدابة واستقبل به القبلة جاز أن يصلى على الدابة، وهو وفاق.
وروى ابن القاسم وغيره عن مالك في غير المدونة: أنه إذا كان ممن لا يصلى بالأرض إلا إيماء فليصل على البعير بعد أن يوقف له، ويستقبل به القبلة./

الجزء: 2 - الصفحة: 534

قال في المدونة: ومن خاف إن نزل من سباع أو غيرهما صلى على دابته إيماء حيثما توجهت به، فإن أمن في الوقت فأحب إليّ أن يعيد، بخلاف العدو.
م يريد ووقته/ وقت الصلاة المفروضة.
قال مالك: للمسافر أن يتنفل على دابته ليلًا أو نهارًا إذا كان سفرًا تقصر في مثله الصلاة اعتبارًا بالقصر والفطر فيه، وله أن يتنفل على الأرض ليلًا أو نهارًا إن كان سفرًا تقصر في مثله الصلاة.
م ولم يأخذ مالك بما روى عن ابن عمر: أنه كان لا يتنفل على الأرض نهارًا، وقال: لو كنت متنفلًا لأتممت صلاتي، ولقد صبحت رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله تعالى.
م ووجه قول مالك: فلأن ترك النبي صلى الله عليه وسلم التنفل في السفر تخفيفًا على المسافر؛ لمشقة السفر، كتخفيف الفطر له، فإذا أراد أن يتنفل جاز له،

الجزء: 2 - الصفحة: 535

كما يجوز له أن يصوم.
قال ابن حبيب: كره ابن عمر وغيره أن يتنفل المسافر بالنهار بإثر المكتوبة أو بغير إثرها.
قال مطرف: وأما التنفل بالليل بإثر المكتوبة أو بغير إثرها، والتنفل على المحمل على الدابة حيثما توجهت به، فلا خلاف في جواز ذلك، ولا كراهة فيه من حد.
ومن المدونة ابن وهب: وصلى النبي صلى الله عليه وسلم على حمار، وهو يسير متوجهًا إلى خيبر، وكان صلى الله عليه وسلم يصلى السبحة بالليل على ظهر راحلته حيث توجهت به إلى غير القبلة.
قال مالك: وله أن يصلى على دابته إيماء حيث توجهت به إلى الوتر وركعتي الفجر والنافلة، ويسجد إيماء، وإذا قرأ سجده تلاوة أومأ لها إذا كان سفرًا يقصر في مثله الصلاة، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يوتر على البعير.

الجزء: 2 - الصفحة: 536

قال مالك: وأما في سفر لا تقصر في مثله الصلاة أو في حضر، فلا يتنفل على دابته، ولا يسجد سجدة تلاوة وإن كان إلى القبلة اعتبارًا بالقصر والفطر.
قال على وابن وهب عن مالك: لا يصلى المسافر وهو يمشى، وإنما ذلك للراكب.
قال عنه على وللمصلى على دابته ضربها في الصلاة وإن يركضها، وله أن يضرب غيرها.
قال ابن حبيب: إلا أنه لا يتكلم ولا يلتفت ولا يسجد على قربوس سرجه، ولكن يومئ.
وبالله التوفيق.

الجزء: 2 - الصفحة: 537

[باب-11 - في الإمام يصلى أرفع المأموم أو تحته أو خلفه أو قريبا منه

[فصل-1 - في الإمام يصلى أرفع المأموم] قال الله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ أي: صامتين خاشعين، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ فينبغي للمصلى أن يدخل الصلاة بالخشوع والخضوع لله سبحانه، ولا يتكبر على أصحابه، ولا يرتفع عليهم في مصلاه، وكذلك فعل النبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده.
وفي كتاب ابن سحنون: أن حذيفة بن اليمان قام يصلى على دكان فجبذه سلمان، وقال له: ما أدرى أطال العهد أم نسيت أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لا يصلى الإمام على شيء أرفع مما عليه أصحابه)).
قال ابن القاسم: وكره مالك وغيره أن يصلى الإمام على شيء هو أرفع

الجزء: 2 - الصفحة: 538

مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب وبحرمه.
قال ابن القاسم: فإذا فعل أعادوا أبدًا؛ لأنهم يعبثون، إلا أن تكون دكانًا يسيرة الارتفاع، مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة.
قال أبو محمد: مثل الشبر وعظم الذراع خفيف.
قال أبو بكرين بن محمد: إنما كره مالك هذا؛ لأن بني أمية/ فعلوه على وجه الكبر والجبروت، ورأى هذا من العبث، ومما يفسد الصلاة.
قال فضل بن سلمه: قوله: لأنهم يعبثون دليل أنه فعل ذلك في موضع واسع بقدر أن يصلى معه فيه غيره.
فأما إذا ضاق بهم الموضع فلا بأس أن يصلى بصلاته ناس أسفل منه،

الجزء: 2 - الصفحة: 539

ورأيته لسحنون، وذهب إليه يحي بن عمر.
قال بعض فقهائنا: وإذا كان مع الإمام قوم وأسفل منه قوم فلا شيء عليهم، وصلاة الجميع تامة.
قال/ مالك: وإذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل منه فلا يعجبني.
قال: ولا بأس في غير الجمعة أن يصلى الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد، والإمام في داخل المسجد، ثم كره ذلك، وأخذ ابن القاسم بقوله الأول.
ابن وهب: وقد صلى أبو هريرة وصالح مولى التوأمة على ظهر المسجد والإمام أسفل منه، وقاله النخعي.
قال ابن القاسم: ولا يعجبني أن يصلى على أبى قبيس وقيقعان بصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 540

الإمام بالمسجد الحرام.
م يريد لبعده عن الإمام؛ فإنه لا يستطيع مراعاة فعله في الصلاة.
[فضل - 2 - : الإمام يصلي بالناس في السفينة] قال مالك: وإذا صلى الإمام في السفينة أسفل والناس فوق السقف، فلا بأس بذلك إذا كان إمامهم قدامهم، ولا يعجبني أن يكون هو فوق السقف والناس أسفل، ولكن يصلون الذين فوق السقف بإمام، والأسفلون بإمام.
قال ابن حبيب: ويعيد الأسفلون في الوقت.
م قيل: إنما قال ذلك؛ لأن الأسفلين لا يمكن لهم مراعاة أفعال الإمام إذ ربما دارت السفينة فيختلط عليهم أمر صلاتهم، فليس كالدكان يكون فيها مع الإمام قوم وأسفل قوم فافترقا.
قال: والسفن المتقاربة إذا كان الإمام في أحدها، وصلى الناس بصلاته أجزأهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 541

قال أبو إسحاق: إذا سمعوا تكبيره ورأوا أفعاله فإن فرقهم الريح بعد دخولهم في الصلاة فليستخلفوا من يتم بهم ذكره ابن عبد الحكم، وهو الصواب، كحدثه؛ لأنهم خرجوا من إمامته لما تعذر عليهم الائتمام به، فأشبه خروجه من الإمامة بغير قصد لإفسادها.
[فصل - 3 - : الصلاة في الدور بصلاة الإمام] قال: ولا بأس بالصلاة في دور محجوزة بصلاة الإمام في غير الجمعة إذا رأوا عمل الإمام والناس من كواها أو مقاصيرها أو سمعوا تكبيره، فركعوا وسجدوا لسجوده وذلك جائز، وقد صلى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حجرهن بصلاة الإمام، وقاله عمر بن الخطاب وأبو هريرة وعمر بن عبد العزيز وغيرهم رضي الله عنهم.
قال مالك: ولو كانت الدور بتدبير الإمام كره ذلك، فإن صلوا فصلاتهم تامة، وقد بلغني أن دارًا لآل عمر بن الخطاب، وهي أمام القبلة كانوا يصلون بها بصلاة الإمام فيما مضى، ولا أحبه، فإن فعله أحد أجزأه.
ولا بأس بالنهر الصغير أو الطريق يكون بين الإمام والمأموم.

الجزء: 2 - الصفحة: 542

[باب - 12 -] جامع القول في الإمامة

روي أن الرسول عليه السلام قال: ((أئمتكم شفعاؤكم فانظروا بمن تستشفعون))، وقال عليه السلام: ((يؤم القوم أفقههم، وذلك أمير أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروي أنه عليه السلام قال: ((يؤم القوم أقرؤهم وأقومهم قراءة، فإن استووا فأقدمهم هجرة، فإن استووا فأكبرهم سنًا.
[فصل - 1 - في الأحق بالإمامة] قال مالك رحمه الله: أحق القوم بإمامتهم أعلمهم إذا كان أحسن حالاً، وأفضلهم في أنفسهم، وللسن حق.
قيل للمالك: فأقرؤهم قال: قد يقرأ من لا، يريد من لا ترضى حاله.

الجزء: 2 - الصفحة: 543

قال ابن حبيب: ومعنى ما روي: ((يؤم القوم أقرؤهم)) أن من سلف كان يجمعهم صلاح الحال والمعرفة، وكان حفظ القرآن مزيد خير.
قال غيره: وكانوا يعلمونه بفقهه، وكان أقرؤهم أفقههم.
قال أبو إسحاق: ولا يؤتم بفاسق غير أن من صلى وراءه لا يعيد، وقيل: يعيد لأنه لا يؤمن على الوضوء ولا على إحضار النية قبل الإحرام، فصار من صلى وراءه على شك من أداء فرائضه، وقد ذكر هذا عبد الوهاب.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقال مالك: يقال / أولى بمقدم الدابة صاحبها، وأولى بالإمامة صاحب المنزل إذا صلوا في منزله، إلا أن يأذن لأحدهم، ورأيته يرى أنه الشأن ويستحسنه.
وقال عنه أشهب في العتبية: يؤمهم صاحب المنزل وإن كان عبدًا.
قال غيره: وإن كانت امرأة تستخلف أحدًا ولها أن تولي رجلاً يؤمهم.
ابن حبيب: وأحب إلي إن حضر من هو أعلم من صاحب المنزل وأعدل منه فليوله ذلك.
قال: وأهل كل مسجد أولى بالإمامة، إلا أن يحضرهم الوالي.
قال: وينبغي للإمام أن يخفف بالناس، وليكن ركوعه وسجوده وسطًا،

الجزء: 2 - الصفحة: 544

وكان عمر بن عبد العزيز يتمها، ويخفف الجلوس والقيام.
قال مالك: ولا يؤم الأمرد إلا من ضرورة.
قال ابن شعبان: أهل الفقه أولى بالإمامة، ثم أهل القرآن إذا كانوا صالحي الأحوال، ثم أهل السنن، فإن استووا في الأحوال، فأجملهم وجهًا، وأحسنهم خلقًا.
[فصل - 2 - في صلاة القارئ خلف من لا يحسن القراءة] ومن المدونة: قلت: فإن صلى من يحسن القرآن خلف من لا يحسن القرآن قال: يعيد الإمام والمأموم أبدًا.
وقد قال مالك: إذا صلى بقوم إمام فترك القراءة انتقضت صلاته وصلاتهم، وأعادوا أبدًا.
قال ابن القاسم: فالذي لا يحسن القراءة أشد من هذا.
قال ابن المواز: يعيد الإمام والمأموم أبدًا؛ لأن الإمام صلى بغير قراءة، وقد وجد قارئا يأتم به فتركه، يريد فإذا بطلت صلاة الإمام بطلت صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 545

المأموم.
قال سحنون: فإن ائتم به أميون مثله فصلاتهم تامة، وهذا إذا لم يجدوا من يصلون خلفه ممن يقرأ، وخافوا ذهاب الوقت، وأما إن وجدوا فصلاتهم فاسدة.
م قال بعض فقهائنا: وإذا دخل في الصلاة هذا الذي لا يحسن القرآن، ثم أتى من يحسن القرآن، فلا تقطع لدخوله فيها بما يجوز له.
قال أبو محمد عن ابن اللباد: ومن صلى خلف من يلحن في أم القرآن فليعد، - يريد - إلا أن يستوي حالهما، وقاله ابن القابسي، قال هو وأبو محمد: وكذلك من لم يميز في أم القرآن قرائته الضاد من الظاء، وإن لحن فيما عدا أم القرآن فحكي عن ابن اللباد وأبي محمد وابن شبلون أنه تجزئ الصلاة خلفه، وقال أبو الحسن بن القابسي: لا تجزئ، واحتج بظاهر قول مالك في من لا يحسن القرآن، ولم يفرق بين أم القرآن وغيرها، قال: وهو أصح، كمن ترك قراءة السورة عامدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 546

[فصل - 3 - : الصلاة خلف الولاة] ومن المدونة قال مالك: وتجوز الجمعة وغيرها خلف من ليس بمبتدع من الولاة.
وروى ابن وهب عن عبيد الله بن عدي قال: دخلت على عثمان ابن عفان وهو محصور فقلت له: إنك إمام العامة، وقد نزل بك ما ترى، وأنه يصلي بنا إمام فتنة وأنا أتحرج من الصلاة معه، فقال عثمان / بن عفان: فلا تفعل، فإن الصلاة أحسن ما يعمل الناس، فإن أحسن الناس فأحسن معهم، وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 547

قال مالك: وإذا أيقنت أن الإمام قدري، أو حروري أو غيره من أهل الأهواء، فلا تصل خلفه، ولا الجمعة، فإن اتقيته وخفته فصلها معه، وأعدها ظهرًا أربعًا.
وكان القاسم بن محمد: حين كانت بنو أمية يؤخرون الصلاة يصلي في بيته، ثم يصلي معهم فكلم في ذلك، فقال: أصلي مرتين أحب إلي من أن لا أصلي شيئًا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((سيكون أئمة بعدي يضيعون الصلاة، ويتبعون الشهوات، فإن صلوا الصلاة لوقتها فصلوها معهم، وإن لم يصلوها لوقتها فصلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 548

م ووقف مالك في إعادة من صلى خلف أهل البدع.
وقال ابن القاسم: يعيد في الوقت، وقال مالك في سماع ابن وهب: لا إعادة عليه، وقال أصبغ/: يعيد أبدًا.
م انظر قوله: إن اتقيته وخفته فصلها معه وأعدها ظهرًا أربعًا.
وقوله: وقف في إعادة من صلى خلف مبتدع، فالفرق بين ذلك: أن الذي صلى تقاة قصد أن يجعل صلاته مع الإمام تنفلاً، ثم يأتي بعد ذلك بفرضه، وكذلك ينبغي أن كل من صلى صلاة على أن يعيدها أن لا تجزئه الأولى ولابد من إعادتها؛ لأنه لم يقصد بالأولى فرضه، وأما الذي وقف فيه مالك فقد قصد الائتمام به على أن هذه فرضه ولا يعيدها، فالصواب أن تجزئه فلذلك اختلف جوابه، والله أعلم.

الجزء: 2 - الصفحة: 549

قال مالك: ولا يصلي خلف أهل البدع جمعة ولا غيرها، ولا يسلم عليهم، ولا يناكحوا، ولا تشهد جنائزهم، ولا يعاد مرضاهم.
قال سحنون أدبًا لهم.
[فصل - 4 - : الإمام يقرأ بقراءة ابن مسعود] ومن صلى خلف رجل يقرأ بقراءة ابن مسعود فليخرج ويتركه، قال ابن القاسم: فإن صلى خلفه أعاد أبدًا.
م قيل: إن ابن مسعود كان يقرأ في غير الصلاة، ويفسر لأصحابه؛ ليفهموا، وأما في الصلاة فلم يكن يقرأ كذلك، فمن قرأ في الصلاة بتلك القراءة وجب أن يعيد أبدًا؛ لأنها مخالفة لمصحف عثمان المجمع عليه.
[فصل - 5 - في إمامة السكران] قال مالك: ولا يؤم السكران، ومن صلى خلفه أعاد، قال ابن حبيب: أبدًا.
قال أبو إسحاق: أما إذا لم يعقل صلاته فلا تتم صلاة من ائتم به، وأما إذا كان يعقلها، وكان لا يتحفظ على ثيابه ولا على تطهير فمه من الخمر فيجب أن يعيد أيضًا، كمن صلى وهو على نجاسة عامدًا.
قال: وكذلك من صلى خلف من يشرب السكر أو خلف من

الجزء: 2 - الصفحة: 550

يشربه ولم يسكر منه، وإن أتم الركوع والسجود والقراءة فليعيدوا أبدًا إلا أن يكون هو الإمام الذي تؤدي إليه الطاعة.
ابن حبيب: أو قاضيه أو خليفته على الصلاة أو صاحب شرطته فيجوز أن يصلي وراءهم الجمعة وغيرها، ومن أعاد منهم في الوقت فحسن، ومنع الصلاة معهم داع إلى الخروج من طاعتهم، والسبب إلى الدماء والفتن، وقد صلى ابن عمر خلف الحجاج ونجدة الحروري حين وادع ابن الزبير.
قال أبو إسحاق: اختلف أصحابنا في إكفارهم بما يؤول إليه قولهم الذي قالوه فمن أكفرهم بمآل القول فلا يجوز الصلاة خلفهم، ومن صلى خلفهم فإنه يعيد أبدًا، ومن لم يكفرهم بمآل القول فهو المعنى الذي وقف فيه مالك، فرأى ابن القاسم الإعادة في الوقت في من دخل وهو لا يعلم، وأما إذا دخل خلفهم، عالمًا بهم على أن يعيد فليعد بعد الوقت.
وأما قول ابن حبيب: إن من صلى خلفهم أعاد أبدًا إلا أن يكون الوالي الذي تؤدي إليه الطاعة فإنه يصلي خلفه الجمعة وغيرها ففيه نظر، إلا أن يريد بغيرها وليقيمونه من عيد وشبهه مما لا يقدر الناس أن يقيموه إلا بهم.
وكان يجب أن لا يعيد من صلى معهم خوفًا مثل الجمعة الذين لا يقدرون على إقامتها إلا بهم فلا يعيد، إلا أن يكون في حال صلاته بهم سكرانًا فلا تجزئهم

الجزء: 2 - الصفحة: 551

صلاتهم، وقاله من لقيت من أصحاب مالك.
م قوله: وكذلك إن صلى خلف من يشرب الخمر ليس على الأصل، والصواب أن لا إعادة على من صلى خلفه؛ لأنه من أهل الذنوب، ولا يكون أسوأ حالاً من المبتدع.
وقد اختلف في إعادة من صلى خلفه.
[فصل - 6 - في المأمومين يعلمون أن الإمام نصراني] ابن حبيب/ وقال مالك في من أم قومًا في سفرتهم علموا أنه نصراني فليعيدوا أبدًا.
ابن حبيب: وإن ظفر به أستتيب، كالمرتد؛ لقوله بعد / الصلاة: إنه نصراني، فإن تاب وإلا قتل، قاله مطرف وابن الماجشون، وجعلا ذلك منه إسلامًا، ولا حجة له إن قال: لم أرد بذلك الإسلام، وفعلته / عبثًا، وسواء عرف قبل ذلك بالنصرانية أو جهل أمره.
وفي العتبية قال مالك: يعيدون أبدًا، ولا أرى أن يقتل، يريد: ويعاقب، وقال: سحنون: إن كان في موضع يخاف عليه فيه على نفسه فدارأ بذلك عن نفسه وماله لم يعرض له، وأعاد القوم الصلاة أبدًا، وإن كان آمناً فليعرض

الجزء: 2 - الصفحة: 552

عليه السلام فإن أسلم فلا يعيد القوم، وإن لم يسلم قتل، وأعاد القوم الصلاة.
م قوله: فإن أسلم فلا إعادة على القوم كأنه رأى أن صلاته بهم إسلام، ثم ثبت عليه، والصواب أن يعيدوا أبدًا؛ لأنه اليوم ثبت إسلامه، ولو حمل على أن صلاته بهم إسلام فهو كجنب صلى بهم عالمًا بجنابته فوجب أن لا تجزئهم.
[فصل - 7 - في إمامة الصبي والمرأة والأعرابي] ومن المدونة قال مالك: ولا يؤم الصبي في نافلة الرجال ولا النساء، وروي عنه أنه قال: يؤم الصبي في النافلة.
قال النخعي: كانوا يكرهون أن يؤم الغلام حتى يحتلم، وقاله عمر بن عبد العزيز.
وقال ابن حبيب: ومن / صلى خلف امرأة أو صبي أعاد أبدًا.
ومن المدونة قال مالك: ولا تؤم المرأة في مكتوبة ولا نافلة، وقاله

الجزء: 2 - الصفحة: 553

علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقال النخعي: لا تؤم في الفريضة.
م وإنما لم تجز إمامة المرأة لقوله عليه السلام: ((أخرجن حيث أخرهن الله))، وقوله: ((إنكن ناقصات عقل ودين، ولأن كل من لم يجز أن يكون حاكمًا لنقصه لم يجز أن يكون إمامًا في الصلاة.
ومن المدونة قال مالك: ولا يؤم الأعرابي في حضر ولا سفر، وإن كان أقرأهم.
قال ابن سيرين: سافرنا مع عبيد الله بن معمر، وحميد بن عبد الرحمن، فمررنا بأهل ماء فحضرت الصلاة فأذن أعرابي وأقام فتقدم حميد فلما صلى قال: من كان من أهل البلد فليتم الصلاة، وكره أن يؤم

الجزء: 2 - الصفحة: 554

الأعرابي.
وقال سفيان: يؤم الأعرابي: إذا كان أقرأهم يريد ويكون عارفًا بسنن الصلاة.
قال ابن حبيب: إنما نهى مالك عن إمامة الأعرابي لجهله بسنن الصلاة.
قال مالك: ولا يؤم العبد في الحضر في مساجد القبائل ولا في جمعة أو عيد.
قال ابن القاسم: فإن أمهم في جمعة أو عيد أعادوا إذ لا جمعة عليه ولا عيد.
وقال أشهب: تجزئهم، وقد صار من أهلها لما حضرها.
قال مالك: ولا بأس أن يؤم العبد في قيام رمضان ويؤم في الفرائض في السفر إذا كان أقرأهم من غير أن يتخذ إمامًا راتبًا، وقد ذكر أن مدبرًا لعائشة كان يؤم بها في رمضان.

الجزء: 2 - الصفحة: 555

وقال أبو المصعب: إن أم عبد أو صبي أو أعرابي مضت صلاة من ائتم بهم، إلا العبد في الجمعة والعيدين فلا تجزئ.
ومن المدونة قال مالك: وأكره أن يتخذ ولد الزنا إمامًا راتبًا، وقد نهى عمر بن عبد العزيز رجلا كان يؤم بالعقيق؛ لأنه كان لا يعرف أبوه.
قال ابن مزين: إنما كره إمامه ولد الزنا لئلا يؤذى بذلك.
ومن المدونة قال مالك: وأكره أن يتخذ الخصي إمامًا راتبًا، وقد كان علي طرسوس خصي / فاستخلف على الناس / من يصلي بهم فبلغ ذلك مالكًا، فأعجبه.
قال مالك: ولا بأس باتخاذ العمى إمامًا راتبًا وقد أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى، وهو ابن أم مكتوم.
م قال: ولا بأس بإمامة المولى، وقد كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الأنصار في مسجد قباء، وفيهم أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم رضي الله عنهم.

الجزء: 2 - الصفحة: 556

فصل - 8 - : [حكم الصلاة بغير رداء] ومن المدونة قال مالك: وأكره لأئمة المساجد الصلاة بغير رداء، إلا إمام في سفر أو في داره أو بموضع اجتمعوا فيه وأحب إلي أن يجعل على عاتقه عمامة إذا كان مسافرًا أو في داره.
م وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي إلا برداء.
قال مالك: ولا بأس أن تأتم بمن لم ينو هو أن يؤمك.
فصل - 9 - : [في موقف المأمومين في الصلاة] قال مالك: وإذا صلى رجلان أو رجل وصبي مع إمام قاما جميعًا خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويتركه، فإن كانت معهم امرأة أو جماعة نساء فمن خلف الرجال.

الجزء: 2 - الصفحة: 557

م والأصل في ذلك حديث أنس أنه قال: ((صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا.
قال مالك: فإن صلى معه رجل وامرأة / قام الرجل عن يمين الإمام وقامت المرأة وراءهما، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبي وامرأة فقام الصبي عن يمينه والمرأة خلفهما.
قال مالك: وإن صلى معه رجل قام عن يمينه، وإن قام عن يساره أداره الإمام إلى يمينه من خلفه، وكذلك فعل ابن عمر.
وقال ابن عباس: بت عند خالتي ميمونة فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقمت عن يساره فأدارني عن يمينه من خلفه.
وهو في البخاري.
قال مالك: فإن لم يعلم به حتى فرغ أجزأته صلاته.
م وكذلك إن علم به فتركه.
فصل - 10 - [في المأموم يدرك الإمام ساجدًا] قال مالك: ومن وجد الإمام ساجدًا فيكبر ويسجد ولا ينتظره حتى يرفع

الجزء: 2 - الصفحة: 558

الجماعة فليتمادى، ولا يقطع، بخلاف من أحرم في المسجد فأقيمت عليه الصلاة.
م والفرق في ذلك بين المسجد وغيره؛ فلأن النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتين معاً إنما كان في المسجد؛ ولأن الإمام يؤذى بذلك من وجوه: إما أن يكون في صلاة جهر فيجهر عليه، وذلك غير جائز؛ لقوله عليه السلام لمن جهر بالقراءة خلفه: ((ما لي أنازع القرآن)) ونهى عن ذلك.
وإذ قد يقع في قلب الإمام أنه ممن لا يرى الصلاة خلفه فيؤذيه / بذلك، وإذ قد يكون ذلك تطرقاً لأهل البدع بأن لا يرى البدعي الصلاة خلف السني فيصلي وحده، ويقول: كانت على صلاة، وقد منع العلماء من الجمع في مسجد مرتين؛ وعللوه بما يدخل بين الأئمة من الشحناء وللتطرق لأهل البدع بأن يجعلوا من يؤم بهم، فهذا مثله.
والله أعلم.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: ومن دخل في صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 559

وفي السليمانية: عن سحنون ينتظره ولو طال ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: وجائز أن يصلي الرجل بامرأته المكتوبة وتكون من خلفه.

الجزء: 2 - الصفحة: 560

[باب - 13 -] في فضل الجماعة وإعادة الصلاة فيها، وفي / شهود العتمة والصبح

وفي من أقيمت عليه الصلاة وهو في صلاة وهل يؤم من صلى وحده؟ وهل يعيد من صلى في جماعة؟ والجمع في مسجد مرتين.
[فصل - 1 - في فضل الجماعة.
وإعادة الصلاة فيها] وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بصلاة الجماعة، ورغب فيها، وقال: ((صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسة وعشرين جزءًا))، وفي حديث آخر: ((بسبع وعشرين درجة))، ورغب عليه السلام في إعادة من صلى فذًا في الجماعة، وجعل مدرك ركعة منها مدركًا لها.
قال مالك رحمه الله في من صلى وحده: فله إعادتها في جماعة، وهذا في جميع الصلوات، إلا المغرب، لأنها وتر صلاة النهار، فإذا أعادها صارت

الجزء: 2 - الصفحة: 561

شفعًا، وقاله ابن عمر.
ولأن واحدة منها تكون صلاته، والثانية نفل، ولا ينتقل بوتر.
قال ابن القاسم: فإن جهل فأعادها، فأحب إلى أن يشفعها برابعة، وتكون الأولى صلاته، وهذه تنفل، وقد بلغني ذلك عن مالك.
وابن وهب يرى إعادتها ثالثة؛ لتكون وترًا.
وفي الموطأ / قال ابن عمر: لا تعاد المغرب ولا الصبح.
وأجاز المغيرة وابن سلمة أن تعاد المغرب؛ لعموم خبر ابن محجن وهي كغيرها من الصلوات.
قال ابن القاسم في المجموعة: ومن صلى العشاء وحده وأوتر فلا يعيدها في جماعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 562

قال سحنون: فإن فعل فليعد الوتر، وقال يحيى بن عمر: لا يعيد الوتر.
ومن العتبية قال سحنون عن أشهب: من صلى مع الإمام صلاة ظن أنه صلاها في بيته، ثم علم أنه لم يصلها فليعدها.
م لأنه إنما قصد بها فضل الجماعة.
قال: ولو كان قد صلاها في بيته، ثم دخل مع الإمام يريد فضل الجماعة، ثم أحدث بعد ركعة فلا يعيدها، وكذلك لو دخل في هذه على غير وضوء، ثم ذكر فلا يعيدها، وقاله مالك.
قال لي مالك: ولو صلى هذه متوضئًا، ثم ذكر أن التي صلى في بيته على غير وضوء أن هذه تجزئه، ورواه عيسى عن ابن القاسم.
وقال عبد الملك في المجموعة: لا تجزئه؛ لأنه لم يقصد بها الفرض، وقال في الذي أحدث خلف الإمام، وقد صلى في بيته: عليه القضاء، إلا أن يحدث قبل ركعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مر بمسجد فسمع الإقامة وقد صلى وحده، فليس بواجب عليه إعادتها، إلا أن يشاء، وقال: كذلك كل من صلى

الجزء: 2 - الصفحة: 563

في بيته، ثم أقيمت الصلاة، وهو في المسجد أعادها إلا / المغرب.
وذكر عن ابن القابسي في من صلى وحده، فلا يعيد الصلاة مع واحد؛ لأنه إنما يعيد الصلاة في الجماعة، وأقل ذلك اثنان، ومثله ذكر عن أبي عمران أنه لا يعيد مع واحد.
قال: إلا أن يكون هذا الواحد هو الإمام الراتب فيعيد معه، لأنه كالجماعة.
واختلف في من صلى مع صبي، فقال بعض فقهائنا: لا يعيد في جماعة، وقال ابن عبد الرحمن: يعيدها في جماعة؛ لأن صلاة الصبي نافلة.
واختلف في أيام أبي محمد في من صلى في بيته مع امرأته هل يعيدها في جماعة؟ فذهب أبو الحسن وأبو عمران إلى أنه لا يعيدها في جماعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 564

قال أبو إسحاق: وإذا صلى وحده، فانظر: هل يعيدها مع آخر؟ فقد تأول بعض الناس أنه إنما يعيدها في جماعة، ولا يعيدها إذا كانت الجماعة إنما تكون جماعة به؛ فلأن الذي يصلي معه قد لا يكون له جماعة، ولأن صلاته إن كانت الأولى صار الذي صلى معه إنما صلى مع من لا فريضة عليه فلم يتم له معه جماعة، وأما إذا صلى رجلان فذكر الإمام منهما أنه كان على غير وضوء كانت صلاة من صلى معه جماعة لا يعيدها في جماعة، كما إذا صلى بجماعة الجمعة فذكر الإمام أنه كان على غير وضوء كانت لهم جمعة، وكانوا في حكم من صلى بإمام وأجزأتهم قراءته، وانظر لو ذكر المأموم أنه كان على غير وضوء فبطلت صلاته هل تكون صلاة الإمام جماعة، فلا يعيد في جماعة؟.
فصل - 2 - : [في شهود العتمة والصبح] ومن الموطأ / قال / الرسول عليه السلام: ((بيننا وبين المنافقين شهود العشاء والصبح لا يستطيعونهما)) أو نحو هذا.
وقال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوًا)).
وقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحب إلي من أن أقوم ليلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 565

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: من شهد العشاء فكأنما قام نصف ليلة، ومن شهد الصبح فكأنما قام ليلة.
فصل - 3 - : [في الصلاة تقام والرجل في صلاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أحرم بالظهر في المسجد فأقيمت عليه الظهر فإن لم يركع قطع بسلام ودخل مع الإمام، وإن ركع صلى ثانية، ودخل مع الإمام.
م يريد إن لم يخفف فوات ركعة مع الإمام.
قال ابن القاسم: فإن صلى ثالثة صلى رابعة، ولا يجعلها نافلة، ويسلم ويدخل مع الإمام.
م وهذا كله إذا علم أن الإمام لا يسبقه بالركعة، فإن خاف ذلك، فليقطع بسلام على أي حال كان، ويدخل مع الإمام.
وقد قال أشهب: في العتبية قيل لمالك: فإن علم أن الإمام سيسبقه ببعض

الجزء: 2 - الصفحة: 566

صلاته ويدرك بعضها قال: لا ينبغي له أن يصلي والإمام يصلي، إلا أن يفرغ هو قبل أن يرفع الإمام من الركعة الأولى.
قال أشهب: ولو لم يركع في المكتوبة حتى أقيمت الصلاة فليتم ركعتين، ويدخل مع الإمام، فإن خاف فوات الركعة معه قطع، ونحوه عن ابن حبيب.
م وفرق ابن القاسم بين الفريضة وبين النافلة، فقال: إذا أقيمت الصلاة وهو في نافلة فإن كان ممن يخفف الركعتين فليتم ركعتين، وإلا قطع، وقال في الفريضة: يقطع، إلا أن يعقد ركعة.
والفرق عنده، - والله أعلم - هو أن الفريضة إذا قطعها هو يعود إليها، والنافلة لا يعود إليها؛ لأنه لم يتعمد قطعها وإنما جاء ما قطعها عليه.
وأيضًا فإن نيته في / النافلة على حالها لم تتغير، وفي الفريضة قد تغيرت من الفرض إلى النفل فضعفت لهذا؛ ولأنه في الفريضة إذا أمرته أن يتم ركعتين فهو قطع لها فليقطع من الآن أولى، وفي النافلة إذا أتم ركعتين فهو تمام لها فافترقا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن أحرم بالمغرب فأقيمت عليه المغرب /

الجزء: 2 - الصفحة: 567

فليقطع بسلام، ويدخل مع الإمام عقد منها ركعة أم لا، وإن صلى اثنتين أتمها ثلاثًا وخرج، وإن صلى ثلاثًا سلم وخرج، ولم يعدها.
م وإنما لم يضف ركعة إذا كان قد عقد ركعة، ويسلم من اثنتين، كما يفعل في غيرها؛ لأن المغرب لا يتنفل قبلها.
وقال أيضًا ابن القاسم وأشهب في المجموعة: إن صلى من المغرب ركعة أضاف إليها ثانية، ودخل مع الإمام، وإن صلى اثنتين سلم ودخل مع الإمام كسائر الصلوات، وإن أقيمت عليه وقد أمكن يديه من ركبتيه ولم يرفع رأسه من الثالثة فقال ابن القاسم في المجموعة وأشهب في العتبية: فليوفع رأسه / ويسجد ويتشهد ويسلم، ويضع يده على أنفه ويخرج من المسجد.
وقال أيضًا أشهب في المجموعة: إذا قام إلى الثالثة وركع فليرجع إلى الجلوس ما لم يرفع رأسه منها، فإذا رفع رأسه منها أتمها وخرج.
م وهذا على اختلافهم في عقد الركعة، فمن رأى أن عقد الركعة إمكان اليدين من الركعتين رأى أنها ركعة قد انعقدت، وتمت الصلاة فلا يقطعها.
قال ابن حبيب: ومن أحرم في المغرب في غير المسجد ثم أقام قوم صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 568

الجماعة فليتمادى، ولا يقطع، بخلاف من أحرم في المسجد فأقيمت عليه الصلاة.
م والفرق في ذلك بين المسجد وغيره؛ فلأن النهي من النبي صلى الله عليه وسلم عن صلاتين معاً إنما كان في المسجد؛ ولأن الإمام يؤذىبذلك من وجوه: إما أن يكون في صلاة جهر فيجهر عليه، وذلك غير جائز؛ لقوله عليه السلام لمن جهر بالقراءة خلفه: ((ما لي أنازع القرآن)) ونهى عن ذلك.
وإذ قد يقع في قلب الإمام أنه ممن لا يرى الصلاة خلفه فيؤذيه / بذلك، وإذ قد يكون ذلك تطرقًا لأهل البدع بأن لا يرى البدعي الصلاة خلف السني فيصلي وحده، ويقول: كانت على صلاة، وقد منع العلماء من الجمع في مسجد مرتين؛ وعللوه بما يدخل بين الأئمة من الشحناء وللتطرق لأهل البدع بأن يجعلوا من يؤم بهم، فهذا مثله.
والله أعلم.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: ومن دخل في صلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 569

فأقيمت عليه صلاة أخرى في المسجد، فإن طمع بتمامها ويدخل مع الإمام فعل، وإلا قطع ودخل معه، فإذا سلم ابتدأ الصلاتين.
قال ابن القاسم: إن صلى ركعة شفعها، وسلم، ودخل مع الإمام، وإن خاف فوات ركعة مع الإمام قطع من ركعته بسلام ودخل مع الإمام.
م وإنما قال مالك: يتمها إن لم يخف فوات ركعة وفرق بينها وبين ما لو أقيمت عليه تلك الصلاة؛ لأن هذا إذا أتمها ودخل مع الإمام حصلت له الصلاتان، وإذا قطعها ودخل مع الإمام فقد أبطل الأولى، ولم يعتد بصلاته مع الإمام للصلاة التي عليه، والذي أقيمت عليه تلك الصلاة يعتد بصلاته مع الإمام، ويحصل له فضل الجماعة، فلذلك فرق بينهما.
والله أعلم.
وأما ابن القاسم فساوى بينه وبين إذا أقيمت عليه تلك الصلاة التي هو فيها، ويحتمل أن مالكًا ساوى أيضًا بينهما، ويقول: إذا أقيمت عليه تلك الصلاة التي هو فيها فطمع بتمامها قبل ركوع الإمام فعل، وإليه نحا في رواية أشهب، وهو القياس؛ لأنه إنما أمر بقطع ما دخل فيه؛ لئلا يدخل في صلاتين معًا

الجزء: 2 - الصفحة: 570

فوجب أن يكون الحكم في ذلك سواء، والله أعلم.
فصل - 4 - : [في من سمع الإقامة وهو يصلي في بيته فلا يقطع صلاته] ومن المدونة قال مالك: ومن أحرم في بيته ثم سمع الإقامة وهو يعلم أنه يدركها فلا يقطع وليتماد.
واجب عليه أن لا يقطع إذ ليس بصلاتين معا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾.
فصل - 5 - : [في الإتمام بمن يعيد صلاته] قال مالك: ومن صلى صلاة فلا يؤم فيها أحدا، فإن فعل أعاد من ائتم به إذ لا يدري أيتهما صلاته، وإنما ذلك إلى الله تعالى/ يجعل أيتهما شاء صلاته.
وقد جاء في الحديث "أن الأولى صلاته والأخرى/ نافلة" فكيف

الجزء: 2 - الصفحة: 571

يعتدون بصلاة رجل هي له نافلة؟.
قال ابن حبيب: يعيد من صلى خلفه أبدا أفذاذا، ولا يعيد الإمام.
م وإنما قال: يعيدون أفذاذا؛ إذ قد تكون هذه صلاته فصحت لهم جماعة فلا يعيدونها في جماعة، ووجب عليهم الإعادة خوفًا أن تكون الأولى صلاته، وهذه نافلة، فاحتاط للوجهين جميعا.
فصل - 6 - : [لا يعيد مع الإمام من صلى في جماعة] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى في جماعة مع واحد فأكثر فلا يعبد في جماعة أكثر منها كان إماما أو مأموما، وليخرج من المسجد إذا أقيمت عليه تلك الصلاة.
م لأن الحديث إنما جاء في من صلى وحده، ثم أدركها في جماعة، وقد صلى محجن الثقفي في أهله فأمره النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعيدها في الجماعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 572

[باب -14 -] في جمع الصلاة مرتين في المسجد

فصل -1 - : [المسجد تجمع فيه الصلاة مرتين] قال مالك: ولا تجمع صلاة في مسجد مرتين، وقاله سالم بن عبد الله وربيعة وابن شهاب والليث.
قال مالك: إلا أن يكون مسجدا ليس له إمام راتب فلكل من جاء أن يجمع فيه.
م قيل: إنما لم يجمع في مسجد مرتين؛ لما يدخل في ذلك بين الأئمة من الشحناء، ولئلا يتطرق أهل البدع فيجعلون من يؤم بهم، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم إذا دخلوا المسجد وقد صلى فيه إمامه صلوا أفذاذًا.
ومن العتيبة قال ابن قاسم عن مالك: وإذا كان المسجد يجمع فيه بعض الصلوات، ولا يجمع فيه بعض فلا أرى أن تجمع فيه الصلاة مرتين ما يجمع فيه، وما لا يجمع فيه، وكذلك مسجد الحرس لا يجمع فيه الظهر والعصر مرتين.
وقال أشهب عن مالك: في مساجد الحرس يجمع فيها الصبح

الجزء: 2 - الصفحة: 573

والعشاءان، ولا يجمع فيها الظهر والعصر لا بأس أن يجمع فيها الظهر والعصر قوم بعد قوم، وأما الصلوات التي تجمع فيها فلا أرى ذلك.
قل: ولا يجمع في السفينة مرتين.
ومن المدونة قال مالك: وإذا جمع قوم في مسجد له إمام راتب ولم يحضر فله إذا جاء أن تجمع فيه.
قال مالك: وإذا صلة فيه / إمامه وحده، ثم أتى أهله لم يجمعوا فيه وصلوا أفذاذًا؛ لأن إمامهم قد أذن وصلى.
قال ابن القاسم: وإن أتى هذا الإمام الذي صلى وحده إلى مسجد آخر فأقيمت فيه الصلاة فلا يعيدها في جماعة؛ لأن مالكا قد جعله وحده جماعة.
قال مالك: ومن وجد مسجدا قد جمع أهله فإن طمع بإدراك جماعة في مسجد غيره خرج إليها، وإن كانوا جماعة فلا بأس أن يخرجوا من المسجد فيجمعوا، إلا أن يكون المسجد الحرام أو مسجد الرسول عليه السلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 574

قال ابن القاسم: أو مسجد بيت المقدس فلا يخرجون منه، وليصلوا فيه أفذاذًا إذ هو أعظم لأجرهم من الصلاة في غيره في جماعة.
ابن حبيب: وروي أن الرسول عليه السلام قال: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة في غيره من المساجد".
وقال في الموطأ: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام".
ابن حبيب: وقال الرسول عليه السلام: "إن صلاة في بيت المقدس خير من خمسة مئة صلاة في غيره من المساجد، وإن صلاة/ في المسجد الجامع حيث المنبر والخطبة أفضل من خمس وسبعين صلاة في غيره من المساجد، وإن صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بخمس وعشرين صلاة، هذا إذا كانت

الجزء: 2 - الصفحة: 575

الجماعة أقل من خمسة وعشرين، وإن كانت أكثر من ذلك فالثواب على عدد الرجال، وكذلك إن كان العدد في الجامع أكثر من خمسة وسبعين فالثواب على عدد الرجال، وكذلك في الثلاثة مساجد.

الجزء: 2 - الصفحة: 576

باب- 15 -] ما يكره أن يصلى فيه أو إليه أو به أو عليه، وما لا يكره

روى ابن وهب أن النبي علي السلام نهى عن الصلاة في المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق وظهر بيت الله الحرام ومعاطن الإبل.
م والعلة في ذلك أن المزبلة والمجزرة ومحجة الطريق لا تخلوا من النجاسات، والمصلي على ظهر بيت الله يستدبر بعضها، وأما أعطان الإبل فلأنهم كانوا يستترون بإبلهم في الناهل للغائط والبول، فهي بذلك نجسة، وقيل: لأنها خلقت من جان، فتشغلهم عن الصلاة.
وقد امتنع النبي (صلى الله عليه وسلم) من الصلاة بواد، وقال إن به شيطانا.
قال ابن حبيب: ويعيد من صلى في ذلك كله في العمد والجهل أبدًا، وفي السهو في الوقت، إلا أن يضيق المسجد بالناس فيجوز أن يصلي في الطريق.
قال ابن حبيب: وفي الحديث والمقبرة.
قال ابن حبيب: تأويل ذلك

الجزء: 2 - الصفحة: 577

مقبرة المشركين.
قال غيره: لأنها حفرة من حفر النار، كما جاء في الحديث كانت دائرة أو حديثة.
قال ابن حبيب: فمن صلى فيها عامدًا أو جاهلاً، فإن كانت عامرة أعاد أبدًا، وإن كانت دراسة لم يعد، وقد أخطأ.
قال أبو محمد: وقد صلى النبي (صلى الله عليه وسلم) على قبر السوداء وإن كان ذلك خاصا إذ لم يصل على غيره.
ففيه دليل على إباحة الصلاة في المقبرة، وقد صلى فيها الصحابة.
ومن المدونة: قال مالك: ومن صلى وبين يديه جدار مرحاض أو قبر، فلا بأس به إذا كان مكانه طاهرًا، وفي مرابض الغنم.
قال ابن القاسم: ومرابض البقر.
قال مالك: ولا يصلى في أعطان الإبل التي في المناهل.

الجزء: 2 - الصفحة: 578

ابن وهب: ونهى الرسول عليه السلام عن الصلاة في معاطن الإبل، وأمر أن يصلى في مراح الغنم والبقر.
قال ابن حبيب: ومن صلى في معاطن الإبل أعاد أبدا في العمد والجهل، كمن صلى على موضع نجس، وقد كره مالك الصلاة فيها، وإن بسط عليها ثوبًا طاهرًا.
ابن وهب: وقال أبو هريرة أحسن إلى غنمك وامسح الرغام عنها وأطب مراحها، وصل في ناحيتها، فإنها من دواب الجنة.
وكره مالك الصلاة على قارعة الطريق لما يصيبها من أرواث الدواب وأبوالها واستحب أن يتنحى عنها، وكره مالك الصلاة في الكنائس لنجاستها وللصور التي فيها، وقاله عمر بن الخطاب.
قال مالك: إلا المسافر يلجئه إليها مطر أو برد أو نحوه ويبسط فيها/ صوبا طاهرا، وإن وجد غيرها فلا ينزلها.

الجزء: 2 - الصفحة: 579

قال سحنون في العتبية: وأحب إلى أن/ يعيد من صلى فيها لضرورة أو غير ضرورة في الوقت، كثوب النصراني.
وقال ابن حبيب: من صلى بثوب نصراني أو بثوب مسلم لا يتنزه عن البول والخمر والنجاسة أعاد أبدًا.
[فصل- 1 - : ما يكره أن يصلى إليه] ومن المدونة: وقد كره مالك أن يصلى إلى القبلة فيها تماثيل.
م لأنه يصير كأنه ساجدا إليها ويلهيه أيضا نظره إليها.
قال ابن القاسم: وسألت مالكا عن التماثيل تكون في الأسرة والقباب والمنابر وشبهها، فقال: هذا مكروه؛ لأنها خلقت خلقا.
م وقال الرسول عليه السلام: "إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه تماثيل أو صورة".
قال مالك: وأما ما كان في الثياب والبسط والوسائد وما يمتهن فلا بأس به.
وقد كان أبو سلمة بن عبد الرحمن يقول: ما كان يمتهن فلا بأس به،

الجزء: 2 - الصفحة: 580

وأرجو أن يكون خفيفًا، ومن تركه غير محرم له فهو أحب إلى.
قال مالك: ولا يلبس خاتم فيه تماثيل ولا يصل به.
قال مالك: ولا يصلي في الكعبة، ولا في الحجر فريضة ولا ركعتي الطواف الواجب ولا الوتر/ ولا ركعتي الفجر، فأما غير ذلك من ركوع الطواف والنوافل فلا بأس به؛ لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) تنقل فيها، ويقال: أنه دعا فقط.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: من صلى في الكعبة فريضة أعاد في الوقت، كمن صلى إلى غير القبلة يريد؛ لأنه يستدبر بعضها، ويريد أنه صلى فيها ناسيًا؛ لأنه جعله كمن صلى إلى غير القبلة.
وقد قال أصبغ في كتاب ابن المواز: من صلى في الكعبة عامدًا أعاد

الجزء: 2 - الصفحة: 581

أبدًا، فدل أن الناسي عنده يعيد في الوقت، وقال ابن حبيب: من صلى فوق ظهر الكعبة أو في داخلها فريضة أعاد أبدًا في العمد والجهل، كمن صلى إلى غير القبلة.
قال محمد بن عبد الحكم عن أشهب: لا إعادة عليه.
م وقول ابن حبيب: أشبه بظاهر المدونة، وإنما فرقوا بين سهوه وعمده، وجعلوه بخلاف من صلى في مكة إلى غير القبلة ناسيًا، فقد قالوا: فيه يعيد أبدًا؛ لأنه معاين لها؛ لأن الذي صلى في الكعبة/ قد صلى إلى بعضها، فهو بخلاف من استدبر جميعها.
ولما روى أن النبي عليه السلام تنفل فيها، والتنفل لا يجوز إلا إلى القبلة، كالفريضة فكان ينبغي على هذا أن لا يعيد، وإن تعمد، خلا أنه روي في حديث آخر أنه إنما دعا فيها فقط، فلهذا توسط مالك أمره،

الجزء: 2 - الصفحة: 582

فجعله يعيد في الوقت.
م ويحتمل عندي في من صلى في مكة إلى غير القبلة ناسيًا أن يعيد في الوقت، ويكون بخلاف من أسقط شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا لقوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ نزلت في من صلى في غيم إلى غير القبلة، ثم علم بعد الوقت.
وقد قال الرسول عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه))، والرواية أنه يعيد أبدًا، والله أعلم بالصواب.
وذكر بعض أصحابنا أن بعض أهل العلم قال في من صلى بالمدينة إلى غير القبلة: أنه يعيد أبدًا؛ لأن جبريل عليه السلام أقام قبلتها فهو مثل من صلى بمكة إلى غير القبلة أنه يعيد أبدًا، ويعيد في غير هذين الموضعين في الوقت؛ لأن/ صلاته في الوقت مجتهدًا أتم من صلاته بعد الوقت مجتهدًا، فلذلك لم يعد بعد الوقت، والله أعلم.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: ومن صلى المكتوبة في الحجر أعاد في الوقت، وإن ركع فيه الركعتين الواجبتين من طواف السعي أو الإفاضة أعاد واستأنف مادام بمكة، وإن رجع إلى بلده ركعهما وبعث بهدي.
م جعله في الفريضة يعيد في الوقت، وكان يجب على هذا أن لا يعيد الركعتين إذا بلغ بلده لذهاب الوقت، ويجب على قوله في الركعتين أن يعيد

الجزء: 2 - الصفحة: 583

الفريضة أبدًا، وإلا كان ذلك تناقضًا، والله أعلم.
فصل-2 - : [في الصلاة على جلد الميتة أو به] ومن المدونة قال مالك: ومن صلى ومعه جلد ميتة لم يدبغ أو شيء من لحمها أو عظمها أعاد في الوقت.
م يريد أنه إذا صلى بذلك ناسيًا.
قال مالك: ولا يعجبني أن يصلي على جلد ميتة وإن دبغ، فإن فعل أعاد في الوقت.
م لعله يريد في هذا فعله ناسيًا أو عامدًا لحديث: ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)).
ويحتمل أن يكون ساوي بينهما/ كمساواته بينهما في البيع، والله أعلم.
وقال ابن وهب: في العتبية: لا بأس أن يصلي بجلود الميتة أو عليها أو معها إذا دبغت، وقد قال الرسول عليه السلام: ((زكاة كل أديم دباغه))، وفي

الجزء: 2 - الصفحة: 584

حديث آخر ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)).
ومالك يقول: طهر للانتفاع به والجلوس عليه، لقوله عليه السلام: ((ألا انتفعتم بجلدها))، وأما الصلاة عليه والبيع فلا.
قال مالك: ولا بأس أن يصلي على جلود السباع وتلبس إذا ذكيت لاختلاف الصحابة في أكلها، ومالك يكره أكلها من غير تحريم.
ثم قال: ولا يصلى على جلد حمار وإن ذكي؛ لأن الزكاة لا تعمل منه؛ لأن النبي عليه السلام حرم أكله.
قال ابن القاسم: وتوقف مالك عن الجواب في الكيمخت، ورأيت تركه أحب إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 585

ومن العتبية قال سحنون: وقال علي عن مالك: ما زال الناس يصلون بالسيوف وفيها الكيمخت، قال موسى: وقد جعله الصحابة في سيوفهم، ورأوا أن دباغه طهوره.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا بأس به في السيوف خاصة لحاجة الناس/ إلى ذلك، وإنما كره مالك بيعه والصلاة عليه، قال: والبغل بمنزلة الحمار، وأما الفرس فهو أمثل.
قال ابن حبيب: ولو جعل أحد من الكيمخت شيئًا يسيرًا في غير السيف مثل زمام بغل أو لوزة في خف أخطأ وأعاد أبدًا، وقاله مالك.
م ويحتمل أن يكون هذا خلاف للمدونة؛ لأن مالكا إنما استجب تركه ولم يحرمه، وقد روى الصحابة أن دباغه طهوره، فكيف يعيد من صلى به أبدًا.؟ قال سحنون في من ألقي عليه ثوب نجس، وهو في الصلاة فسقط عنه مكانه ولم يثبت: أرى أن يبتدئ الصلاة.
ومن المدونة قال مالك: وكل ما يؤخذ من الميتة، وهي حية فلا يكون نجسًا، فلا بأس أن يؤخذ منها بعد موتها، ولا يكون ميتة، مثل: صوفها

الجزء: 2 - الصفحة: 586

ووبرها وشعرها واستحسن غسله.
وكره مالك أخذ القرن منها والعظم والسن والظلف من/ الميتة ورآه ميتة، وكره أخذ القرن منها وهي حية أيضًا.
ابن المواز: وما قطع من طرف القرن والظلف مما لا يؤلم الحي، ومما لك أخذه وبيعه في حياته فلك أخذه بعد موته.
ومن المدونة: وكره مالك الإدهان في أنياب الفيل وعظام الميتة والمشط بها وبيعها وشرائها؛ لأنها ميتة.
ابن المواز: وإنما كرهه مالك ولم يحرمه لإجازة من أجاز أن يمتشط بها، منهم: عروة بن الزبير وربيعة وابن شهاب.
قال أبو إسحاق: وقد قيل: أن غلي العظام في الماء المسخن كالدباغ للجلود، وأنها تطهر بذلك.
م البخاري: قال الزهري: أدركت ناسًا من سلف العلماء/ يمتشطون

الجزء: 2 - الصفحة: 587

بعظام الميتة، كالفيل وغيره، ويدهنون فيها، ولا يرون به بأسًا.
وقال ابن سيرين وإبراهيم النخعي: لا بأس بتجارة العاج.
م فوجه إجازتهم الامتشاط بها قياسًا على جلودها، وقد قال الرسول عليه السلام «ألا انتفعتم بجلدها».
فكما جاز الانتفاع بجلدها كذلك يجوز بعظمها.
ووجه قول مالك: أن الله تعالى قال: (حرمت عليكم الميتة والدم) فكان الواجب أن يحرم منها كل شيء، إلا أن السنة خصت الانتفاع بالجلد، وبقي ما سواه على أصل التحريم، خلا أنه كرهه ولم يحرمه مراعاة للخلاف.
قال مالك في «المدونة»: ولا ينتفع بشيء من عظام الميتة ولا يوقد بها الطعام ولا الشراب.
قال سحنون: فإن فعل لم يفسد الطعام ولا الشراب، وأكرهه نديًا.
م يريد بخلاف ما يشوى عليه من خبز أو لحم؛ لأن ودك العظام تنجسه.

الجزء: 2 - الصفحة: 588

قال مالك: ولا يحل اللبن في ضروع الميتة؛ لأنه ميتة بمنزلة الدم واللحم، ولو كان طاهرًا لأنجسه، الوعاء أيضًا.
قال أبو إسحاق: وأما القدر إذا طبخت بذلك، فإن كان الدخان لا يدخل القدر أكلت، وإن انعكس الدخان فصار في القدر لم يؤكل، وأما ما طبخ بها من خبز فيشبه أن يكون طاهرًا؛ لأن الميتة إذا أحرقت صارت رمادًا ذهب عين الميتة وانقلبت إلى رماد، فأشبه انقلاب الخمر إلى الخل على مذهب من يرى ذلك طاهرًا، وأن الخل يؤكل.
قال مالك: ومن صلى بماء غير طاهر، وهو يظنه طاهرًا ثم علم، فليغسل ما أصاب ذلك الماء من جسده وثيابه ويعيد الصلاة ما دام في الوقت.
م يريد ما لم يتغير أحد أوصافه، ولو تغيرت أعاد أبدًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 589

[باب-16 -] في وقت من أسلم أو صلى إلى غير القبلة أو أفاق أو جن أو بقي تحت الهدم

[فصل-1 - في المصلي يستدبر القبلة أو يشرق أو يغرب] قال أبو محمد: روى أبو هريرة أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: ((ما بين المشرق والمغرب/ قبلة))، وذكره مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب قال: وذلك إذا توجه إلى البيت.
قال مالك: وعليه الأمر عندنا.
وروى ابن وهب عن جابر بن عبد الله قال: صلينا ليلة في غيم، وخفيت علينا القبلة، وعلمنا علمًا، فلما أصبحنا فإذا نحن قد صلينا إلى غير القبلة، فذكرنا ذلك لرسول (صلى الله عليه وسلم) فقال: ((قد أسحنتم)) ولم يأمرنا بالإعادة.
وقال ابن شهاب وابن المسيب وربيعة وغيرهم: يعيد في الوقت، فإن مضى الوقت لم يعد.

الجزء: 2 - الصفحة: 590

قال مالك: ومن علم وهو في الصلاة، أنه استدبر القبلة أو شرق أو غرب قطع، وابتدأ الصلاة بإقامة، ولا يدور إلى القبلة، وإن علم بذلك بعد الصلاة أعاد ما دام في الوقت، ووقته/ في الظهر والعصر اصفرار الشمس، وفي العشائين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس، ولو علم وهو في/ الصلاة أنه انحرف عن القبلة يسيرًا فلينحرف إلى القبلة، ويبني على صلاته، ولا يقطعها؛ لقوله عليه السلام: ((ما بين المشرق والمغرب قبلة)).
م قال أبو محمد: ورأيت لبعض أصحابنا أن الدليل في النهار على رسم القبلة: أن ينظر إذا انتهى آخر نقصان الظل، وهو أن يأخذ في الزيادة، فإن الظل حينئذ قبالة رسم القبلة وذلك قبل أن يأخذ في الزيادة، فيرجع إلى المشرق، ويستدل عليها بالليل بالقطب الذي تدور عليه بنات نعش، فاجعله على كتفك الأيسر واستقبل الجنوب بوجهك فما لقي بصرك فهو القبلة، والقطب نجم خفي وسط السمكة التي تدور عليه وتدور عليها بنات نعش الصغرى والكبرى، ورأس السمكة أحد الفرقدين وذنبها الجدي.
م وأما ما ذكر من الاستدلال بالليل فصواب؛ لأنه لا يختلف في الشتاء

الجزء: 2 - الصفحة: 591

والصيف، وأما الاستدلال بالزوال في النهار فالزوال يختلف في الشتاء والصيف؛ لأن الشمس تطلع في الشتاء من قرب القبلة، فلا يصح ما رسم من الاستدلال بالزوال.
فصل-2 - : [في أوقات الضرورة] روى أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قال: ((من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها، ومن أدرك من العصر ركعة قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها، وهذه أوقات الضرورة.
قال ابن القاسم: في المرأة تحيض أو تطهر، والمسافر يخرج أو يقدم، والرجل يغمي عليه أو يفيق من الإغماء أو من جنون مطبق فوقتهم في الصبح ما لم تطلع الشمس، وفي الظهر والعصر ما لم تغرب الشمس، وفي العشائين ما لم يطلع الفجر، فإذا بقي من وقت الصلاة قدر صلاة أو ركعة منها فذلك وقت للآخرة، وهم مدركوها، فتسقط عن التي حاضت حينئذ، وعن الذي أغمي عليه، ويقصرها من سافر حينئذ وظعن، وتجب على التي طهرت أو على من

الجزء: 2 - الصفحة: 592

أفاق، ويتمها القادم حينئذ، ولو/ بقي من الوقت قدر صلاة وركعة من الأخرى كانوا مدركين للصلاتين جميعًا على ما فسرنا، وكذلك النصراني يسلم والصبي يحتلم.
قال سحنون: قال ابن القاسم وأشهب وأكابر أصحابنا: فإن بقي من الليل قدر أربع ركعات صلوا المغرب والعشاء.
م لأنه إذا صلى المغرب ثلاثًا بقيت ركعة للعشاء، وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها))، وهو الصواب.
وقال عبد الملك: إن كان لأربع ركعات فأقل صلوا العشاء فقط، وإنما للمغرب من الليل ما فوق أربع ركعات.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن طهرت في السفر لثلاث ركعات من الليل فليس عليها إلا العشاء ركعتين، وقاله أشهب وأصبغ.
قال أصبغ: وهذه آخر مسألة سألت عنها ابن القاسم، وأخبرته أن ابن عبد الحكم نازعني فيها، وقال: تصلي الصلاتين جميعًا فقال لي: أصبت وأخطأ، وأخبر سحنون يقول ابن عبد الحكم وأصبغ، فقال: أصاب ابن عبد الحكم؛ لأنها لو صلت العشاء

الجزء: 2 - الصفحة: 593

لبقيت ركعة للمغرب، والقوت لآخر الصلاتين، وكذلك لو حاضت لهذا التقدير لم تقضهما/ وروى سحنون مثل هذا عن ابن القاسم في المجموعة/.
م فصار في هذا الأصل ثلاثة أقاويل: قول: إنه يراعي فيه أن يدرك الصلاة الأولى وركعة من الثانية ويقدر ذلك على أن يبتدئ بالأولى، وقول: يراعي فيه أن يدرك الصلاة وركعة من الأخرى ويقدر ذلك على أن يبدأ بالأولى أو بالآخرة، فأيهما صح له ذلك صلاهما جميعًا، ويبدأ بالأولى، وقول: يجعل الوقت كله لآخر الصلاتين، فما فضل جعله للأولى، وإن لم يبق لها شيء جعلها فائتة.
قال سحنون عن ابن القاسم في العتبية: وإن حاضت في الحضر لقدر خمس ركعات قبل الغروب ولم تكن صلت الظهر والعصر فلا قضاء عليها، وإن كان لقدر أربع ركعات إلى ركعة/ قضت الظهر فقط؛ لأن وقتها قد خرج، ولو كانت ناسية للظهر وقد صلت العصر، وحاضت لأربع ركعات فأدنى فلا تقضي

الجزء: 2 - الصفحة: 594

الظهر؛ لأنه وقت لها.
م لأن كل من صلى العصر ناسيًا للظهر فذكر لأربع ركعات من النهار فإنه يصلي الظهر خاصة ولا يعيد العصر، إلا أن يبقي من الوقت بقية بعد صلاة الظهر، فصارت الظهر أحق بهذه الأربع ركعات من العصر المصلاة.
قال عنه عيسي: وكمسافر قد صلى العصر ناسيًا للظهر، وقد دخل لأربع ركعات فليصل الظهر حضرية، وكذلك لو لم يتم وضوءه حتى غابت الشمس فليصل الظهر حضرية، كما وجبت عليه، وغير هذا خطأ.
وقال يحيي بن يحيي عن ابن القاسم: إذا حاضت لقدر أربع ركعات فأدنى ناسية للظهر وقد صلت العصر فإنها تقضي الظهر، كما لو نسيتهما جميعًا؛ لأن الظهر قد خرج وقتها وهذا وقت العصر.
ابن حبيب: وقاله ابن الماجشون وابن عبد الحكم، قالوا: هو وقت العصر وتقضي الظهر كصلاة خرج وقتها ولم تصلها حتى حاضت، وكذلك في التي تطهر ومسافر يقدم أو يظعن أو مغمى عليه يفيق لمقدار صلاة من النهار فهي للعصر صلت الظهر أم

الجزء: 2 - الصفحة: 595

نسيت، ويروى في المسافر يقدم لركعة وقد صلى العصر ونسي الظهر أن يصلي الظهر سفرية؛ لأنه قد خرج وقتها، والذي دخل فيه وقت للعصر.
قال ابن حبيب: وأنا احتاط فأرى أن على المسافر يقدم لركعة مصليًا للعصر ناسيًا للظهر أن يصلي الظهر حضرية، وأوجب على الحائض حينئذ قضاءها.
وقد قال أصبغ أن الاستحسان عماد العلم، ولا يكاد المفرق في القياس إلا مفارقًا للسنة.
وقال ابن المواز: قال ابن القاسم في الحائض تطهر والمغمى عليه يفيق لقدر أربع ركعات من النهار ثم يذكر صلاة نسيها: فإنه يبدأ بالفائتة، ثم يصلى العصر.
م لأن الفائتة قد تخلدت في الذمة وقد طهرت في وقت العصر/

الجزء: 2 - الصفحة: 596

فوجبت عليها، ولكن تبدأ بالفائتة، كما لو ذكرت صلاة نسيتها لقدر أربع ركعات ولم تكن صلت العصر فإنها تبدأ بالفائتة ثم تصلي العصر، وكما لو حاضت حينئذ لسقطت العصر، فكذلك إذا طهرت حينئذ يجب عليها؛ لأن ما سقط/ بالحيض يجب بالطهر، وهذا بين.
قال ابن المواز: ثم رجع ابن القاسم فقال: لا تصلي العصر إلا أن يبقي من الوقت بقية.
قال ابن المواز: والأول أصوب؛ لأن من أصل مالك وأصحابه في من سافر لركعتين ناسيًا للظهر والعصر أنه يصلي الظهر حضرية والعصر سفرية؛ لأنه كمسافر سافر في وقتها، وعلى القول الآخر ينبغي أن تصلي الظهر ركعتين والعصر أربعًا.
م لأنه جعل ذلك الوقت للظهر فوجه قول ابن القاسم هذا الآخر عندي كأنه رأى أن هذا الوقت الفائتة أولى به؛ لقوله عليه السلام: ((من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها)) فإن الله تعالى قال: {أقم الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 597

لذكري}.
فلما كان هذا الوقت مستحقًا للفائتة لم تجب عليها العصر لخروج وقتها، ولأنه لما وجب عليها أن تبدأ بالفائتة إذ لا تصح صلاتها إلا بذلك وجب أن تراعي الوقت بعد فراغها منها، كالغسل الذي لا تصح صلاتها إلا به، وهي إنما تراعي الوقت بعد فراغها منه.
م والقول الأول أصوب لما قد بينا.
فصل-3 - : [أصحاب الضرورات ينظرون لما بقي من الوقت] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإنما تنظر الحائض إلى ما بقي من القوت بعد/فراغها من غسلها وجهازها من غير توان ولا تفريط، وكذلك المغمى عليه إنما يراعي بعد وضوئه، وهو القياس فيه وفي النصراني، إلا أني استحسن في النصراني يسلم أن ينظر إلى ما بقي من الوقت ساعة يسلم؛ لقول مالك إذا أسلم النصراني في رمضان وقد مضى بعض النهار أنه يكف عن الأكل، ويقضي يومًا مكانه، فالصلاة أحرى أن تكون عليه إذا أسلم في وقتها.
وقال سحنون في كتاب ابنه: المراعاة في/ الحائض تطهر والذي يسلم

الجزء: 2 - الصفحة: 598

أو يفيق من الإغماء سواء، ينظر إلى ما بقي من النهار أو الليل بعد غسل المغتسل ووضوء المتوضئ، لا ما قبل ذلك.
م وهذا هو القياس، وهو الصواب إن شاء الله.
ابن حبيب: وقاله أصبغ، وقال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم: تنظر الحائض إلى ما بقي من الوقت بعد الغسل، وأما النصراني يسلم والمغمى عليه يفيق فمن وقت أسلم أو أفاق، وبه أقول.
م والصواب والقياس ما قال سحنون، والاستحسان ما قال ابن القاسم، وأما اختيار ابن حبيب فلا وجه له؛ لأن المنع في الحائض والمغمى عليه من أمر الله فلا معنى للتفرقة بينهما، وأما النصراني فالمنع كان من قبله فاستحسن له أن يصلي ما أسلم في وقته، وما هو بالبين.

الجزء: 2 - الصفحة: 599

قال أبو محمد: وينبغي في الصبي يحتلم أن يكون مثل قولهم في الحائض، ولم يختلف فيها قولهم.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن أحدثت الحائض بعد غسلها أو المغمي عليه بعد وضوئه فتوضأ فغربت الشمس فليقضيا ما لزمهما قبل الحدث، وأما إن علما قبل الصلاة أن الماء الذي كان به الوضوء أو الغسل كان نجسًا فليعد هذا الغسل وهذا الوضوء بما طاهر، ثم ينظر إلى ما بقي من الوقت بعد الغسل والوضوء الثاني فيعملان عليه، وإن لم يعلما حتى صليا وغابت الشمس لم يعيدا الصلاة.
وذكر ابن سحنون عن أبيه أنه ساوي بين الحدث ونجاسة الماء، وألزمهما ما لزمهما بعد الطهر والوضوء الأول.
قال: لأن هذا الماء النجس كان يجزئهما الصلاة به، وإن خرج الوقت.
قال أبو محمد: يريد نجاسة لم تغير الماء.
م فكأنه/ يقول: إن الصلاة لازمة بهذا الطهر، وإنما الغسل الثاني استحسان.

الجزء: 2 - الصفحة: 600

ووجه قول ابن القاسم أن الغسل والوضوء بذلك الماء لا يجوز ابتداء، كالذي تغير أحد أوصافه فهما كمن لم يتطهرا فيعملان على ما لزمهما بعد الطهر الثاني.
وقال أشهب في العتبية/ في الحائض تتم طهرها لثلاث ركعات من النهار، ثم علمت بنجاسة الماء -يريد نجاسة لم تغيره- فإن كانت إذا أعادت الغسل غربت الشمس فلتصل بذلك الماء في الوقت أحب إلي من صلاتها بماء طاهر بعد الوقت.
قال في المجموعة: ثم تتطهر وتعيد الصلاة احتياطًا.
فصل -4 - : [في الحائض تقدر بعد طهرها مقدار ما بقي من الوقت] قال في العتبية: وإن قدرت بعد طهرها خمس ركعات فلما صلت الظهر غربت الشمس، قال: فلتصل العصر، فإن قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقي من النهار بقية فلتصل الظهر فقط، إلا أن يبقى من النهار بعدها ركعة فلتعد العصر.
وقال ابن حبيب: إذا قدرت أربعًا فصلت العصر، ثم بقي قدر ركعة فلتصل الظهر والعصر كما كان لزمها وإن غربت الشمس.

الجزء: 2 - الصفحة: 601

م ولم يعذرها بخطئها في التقدير، وعذرها أشهب، وجعلها كالناسية للظهر تصلي العصر، ثم تذكر لأربع ركعات فأدنى تصلي الظهر، ولا تعيد العصر، إلا أن يبقى للعصر بعد ذلك قدر ركعة.
م وقول أشهب أبين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان)).
وقال عيسى عن ابن القاسم: وإن قدرت خمس ركعات فلما صلت ركعة غربت الشمس فلتضف إليها أخرى وتسلم، وتصلي العصر، وكذلك/ لو صلت ثلاثًا، ثم غربت الشمس لأضافت رابعة، فتكون نافلة، وتصلي العصر.
ابن المواز قال أصبغ: ولو قطعت في الوجهين كان واسعًا.
م وهذا على اختلافهم في من أقيمت عليه المغرب وهو في المغرب فعلى مذهبه في المدونة أنه يقطع عقد ركعة أم لا، فيلزمه هاهنا أن يقطع إذ لا يجوز له أن يتنفل حينئذ، وعلى قوله يشفع الركعة يشفع هاهنا؛ لأنه لم يتعمد ابتداء التنفل.
فصل -5 - : [في حكم من تحل عليه الصلاة وهو تحت الهدم أو مكتومًا ونحو ذلك] ومن المدونة قال مالك: ومن كان تحت الهدم فلم يستطع الصلاة

الجزء: 2 - الصفحة: 602

فعليه أن يقضي ما خرج وقته؛ لأنه في عقله، بخلاف المغمى عليه.
م وهذا كالمريض الذي لا يجد من يناوله ماءً ولا ترابًا.
وقال ابن نافع وأشهب عن مالك في غير المدونة/: لا يعيد الذي تحت الهدم.
وروى معن عن مالك: في الأسارى يكتفهم العدو لا يصلون أياماً فلا صلاة عليهم، إلا ما أدركوا وقته.
وذكر أبو جعفر الأبهري في الذي تحت الهدم والمصفدين إن كانوا على طهارة فعليهم الإعادة لما تركوا من أدائها بقدر طاقتهم، وإن لم يكونوا على طهارة فيجب أن لا يكون عليهم إعادة، كعجزهم عما لا تصح الصلاة إلا به من وضوء أو تيممم.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم في المريض لا يجد من يناوله ماءً ولا ترابًا: قال: يصلي ويعيد أبدًا، وقال أصبغ: لا يصلي إلا بوضوء أو تيمم، وإن خرج الوقت، وقاله ابن حبيب وغيره من البغداديين.
ومن سماع أشهب قال في المعطوبين واحد متعلق على رجل وآخر

الجزء: 2 - الصفحة: 603

متعلق على لوح فليصلوا كذلك إيماء، ولا إعادة عليهم، إلا أن يخرجوا فمن الوقت.
قال أبو محمد: وقيل: لا إعادة عليهم أصلاً، ونحوه لأشهب/.
فصل -6 - : [في المجنون يفيق بعد سنين يقضي الصوم ولا يقض الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن أصابه جنون فأقام به سنين، ثم أفاق بعلاج أو غيره فليقض الصوم، ولا يقض من الصلاة إلا ما أفاق في وقته.
قال ابن القاسم: وكذلك من بلغ مطبقًا، ثم أفاق بعد دهر.
م أما إعادة الصوم فلقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وإنما لم يلزمه إعادة الصلاة فلأنه غير مخاطب بها لرفع القلم عنه، لقوله عليه السلام: ((رفع القلم عن ثلاثة - فذكر - المجنون حتى يفيق))، وقياسًا على الحيض؛ لأن الحيض عندهم

الجزء: 2 - الصفحة: 604

كالمرض فهي تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة بالإجماع، وبه جاء الأثر، وكان ابن عمر إذا أغمي عليه لا يقضي الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 605

[باب -17 -] في اللباس في الصلاة وصلاة الحرائر والإماء والعراة والمكفتين ثيابهم

. قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، وصلى عليه السلام في ثوب واحد واضعًا طرفيه على عاتقيه، وقال: ((ومن لم يجد ثوبين فليصل في ثوب واحد ملتحفًا به، وإن كان الثوب قصيرًا فليأتزر به)).
قال البخاري: ((من صلى في ثوب فليخالف بين طرفيه)).
قال في حديث آخر: ((فإن كان واسعًا التحف به، وإن كان ضيقًا ايتزر به)).

الجزء: 2 - الصفحة: 606

وقال في حديث آخر: ((أو كلكم يجد ثوبين))، وذكره البخاري، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تصلي المرأة إلا في الدرع السابغ والخمار، وقال: ((لا يقبل الله صلاة امرأة بلغت المحيض إلا بخمار))، وكانت عائشة رضي الله عنها تصلي في الدرع والخمار السابغ.
وقالت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم: تصلي في الخمار والدرع السابغ الذي يستر ظهور القدمين.
[فصل -1 - في صلاة الحرائر] قال مالك رحمه الله: وإذا صلت المرأة بادية الشعر/ أو الصدر أو ظهور القدمين أعادت الصلاة في الوقت.

الجزء: 2 - الصفحة: 607

قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإنما أعادت في الوقت؛ لأن الإعادة لم تكن في ذلك بالقوية عند أهل العلم، وسواء كانت جاهلة أو عامدة أو ناسية.
قال مالك في العتبية: ووقتها في الظهر وفي العصر إلى اصفرار الشمس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا صلت المرأة منتقبة بشيء أنها لا تعيد، وذلك رأيي، والتلثم مثله.
وقال ابن حبيب: ولا ينبغي أن تصلي متلثمة أو منتقبة، فإن فعلت أخطأت، ولم تعد، وقاله ابن القاسم.
قال عبد الوهاب: وقد نهى الرسول صلى الله عليه وسلم أن يغطي الرجل أنفه في الصلاة، وقال: ((خطم كخطم الشيطان)).
قال مالك: وإذا كانت الحرة بالغة أو مراهقة فلا تصل إلا وهي مستترة، بمنزلة المرأة الكبيرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 608

قال ابن القاسم: والجارية الحرة التي لم تبلغ المحيض ومثلها قد أمرت بالصلاة، وقد بلغت إحدى عشرة سنة أو اثنتي عشرة سنة تؤمر بأن تستر من نفسها في الصلاة ما تستر الحرة البالغة.
وقال أشهب: وإذا صلت الصبية التي لم تبلغ المحيض بغير قناع - وهي ممن تؤمر بالصلاة - فلتعد في الوقت، وكذلك الصبي يصلي عريانًا، فإن صليا بغير وضوء أعادا أبدًا.
وقال سحنون: إنما يعيدان بالقرب، ولا يعيدا بعد اليومين والثلاثة.
[فصل -2 - في لباس أم الولد في الصلاة] ومن «المدونة» قال مالك: ولا تصل أم الولد إلا/ بقناع كالحرة بدرع أو قرقل تستر به صدور قدميها، فإن صلت بغير قناع فأحب إلي أن تعيد في

الجزء: 2 - الصفحة: 609

الوقت، ولا أوجبه عليها كوجوبه على الحرة.
[فصل -3 - في لباس الأمة في الصلاة] قال: والأمة تصلي بغير قناع وذلك شأنها، وقاله ابن عباس وربيعة والنخعي.
قال مالك: وكذلك المكاتبة والمدبرة والمعتق بعضها، ولا تصلي الأمة إلا بثوب يستر جميع جسدها.
قال ابن القاسم: والتي لم تلد من السراري تصلي كما تصلي الأمة التي لم يتسرأها سيدها.
قال أصبغ في الواضحة: ويستر الأمة في الصلاة ما يستر الرجل، ولو صلت هي والرجل مكشوفي البطن ما ضرهما، وعورتهما من السرة إلى الركبتين، ويجوز أن تصلي الأمة في ثوب واحد متوشحة به.
قال أصبغ: ولو صلت الأمة مكشوفة الفخذ لأعادت في الوقت، ولو صلى الرجل مكشوف الفخذ لم يعد، وهي قيما انكشف مما بطن من عورتها كالحرة.

الجزء: 2 - الصفحة: 610

[فصل -4 - في عورة المرأة والرجل] قال أبو محمد عبد الوهاب: وجميع بدن الحرة عورة، إلا الوجه والكفين؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾، وأما عورة الرجل فمن سرته إلى ركبته، وقيل: من فوق العانة إلى الركبة، خلافًا لمن قال العورة السوأتان فقط، دليلنا قوله عليه السلام: ((إن الفخذ عورة))، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قال: وكذلك عورة الأمة مثل عورة الرجل لجواز تقليبها عند الشراء، ورؤية شعرها وذراعيها، وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يضرب الإماء إذا لبس الأزر، ويقول لا تتشبهن بالحرائر.
فصل -5 - : [في الأمة تعتق في الصلاة] قال ابن القاسم في الأمة تعتق في الصلاة بعد عقد ركعة من الفريضة

الجزء: 2 - الصفحة: 611

ورأسها منكشف: فإن لم تجد من يناولها خمارًا ولا وصلت إليه صلت ولم تعد، وإن قدرت على أخذه ولم تأخذه أعادت في الوقت، وكذلك العريان يجد ثوبًا.
وقال أصبغ: لا تعيد كالمتيمم يجد الماء بعد أن دخل في الصلاة، وإنما استحسن لها الاستتار حينئذ، وليس بواجب عليها وإنما تعيد في الوقت إذا أخذها العتق قبل أن تدخل في الصلاة/، كناسي الماء في رحله، وإن كنت أقول في هذا أنه يعيد أبدًا؛ لأنه من أهل الماء.
وقال سحنون: إذا عتقت في الصلاة ورأسها منكشف فلتقطع، وتبتدئ، وكذلك العريان يجد ثوبًا في الصلاة.
فوجه قول ابن القاسم: فلأنها دخلت في الصلاة بما يجوز لها فلم تجب عليها إعادة، كواجد الماء بعد أن دخل في الصلاة، فإن وصلت إلى الخمار ولم تستتر به أعادت؛ لأنها قدرت على الاستتار من غير بطلان ما تقدم لها فخالفت واجد الماء في رحله في هذا.

الجزء: 2 - الصفحة: 612

ووجه قول أصبغ: فلأنها كواجد الماء بعد دخوله في الصلاة بالتيمم كما قال.
ووجه قول سحنون: فلأنها حرة صلت بعض صلاتها بغير خمار فوجب أن تعيد أصله الجميع.
وروي عن ابن القاسم إذا أعتقت في الصلاة جعلتها نافلة، وإن لم تصل إلا ركعة أضافت إليها أخرى وسلمت، ولو أن إمامًا صلى بقوم فوقع ثوبه عنه وهو راكع فانكشف فرجه ودبره فإن أخذه مكانه ورفع رأسه فذلك يجزئه، وكذلك إن أخذه بعد رفع رأسه إذا لم يبعد.
قال سحنون: وليعد كل من نظر إلى فرجه ممن خلفه، ولا شيء على من لم ينظر إليه.
وروي عن سحنون أن صلاته وصلاة من خلفه فاسدة، وإن أخذه مكانه قال أبو إسحاق: لم يجعل في الجواب الأول انكشافه يضره إذا استتر بالقرب، وقد مر به وقت وهو فيه منكشف وهو يصلي، وفي هذا نظر، إلا أن يستخف ذلك؛ لأن ستر العورة ليس من فروض الصلاة فيستخف ذلك ليساره مدة انكشافه، وأما قول سحنون أن من نظر إلى فرجه فسدت صلاته ففيه نظر؛ لأن النظر إلى فرجه متعمدًا معصية، وليس إذا عصى في الصلاة فسدت صلاته ولا

الجزء: 2 - الصفحة: 613

أرأيت لو سرق في الصلاة داراهم أو غصب ثوبًا في صلاته أكان يفسد صلاته يفعله المعصية في الصلاة.
قال عطاء في المدونة في المرأة لا يكون لها إلا الثوب الواحد، قال: تأتزريه، قال وكيع يعني إذا كان صغيرًا.
فصل -6 - : [في مسائل متنوعة] قال مالك: ويصلي العريان قائمًا ويركع ويسجد ولا يومئ ولا يصلي قاعدًا، فإن كانوا جماعة في نهار صلوا أفذاذا متباعدين قيامًا، وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضًا جمعوا وتقدمهم إمامهم.
قال مالك: ولا بأس/ أن يصلي الرجل محلول الأزرار وليس عليه مئزر

الجزء: 2 - الصفحة: 614

سراويل، وهو أستر من الذي يصلي متوشحًا بثوب واحد.
قال في آخر الكتاب: ولا بأس بالسدل في الصلاة وإن لم يكن عليه قميص إلا مئزر ورداء وبطنه منكشف، ورأيت عبد الله بن الحسن وبعض الفضل يفعل ذلك.
قال أشهب في مرضى في بيت صلى أحدهم في ليلة مظلمة إلى غير القبلة وهم يظنون أنهم إلى القبلة، أو كان الإمام إلى القبلة وهم إلى غيرها، أو هم إليها وهو إلى غيرها ولم يتعمد، قال: إن أصاب الإمام القبلة لم يعد، وأعاد من خلفه، وإن أخطأ الإمام القبلة أعاد هو وهم أصابوا القبلة أو أخطأوها.
قال أبو إسحاق: في هذا نظر؛ لأن الإمام إذا أخطأ القبلة وأصابها من وراءه يجب أن يجزئهم على قياس قولهم: إذا كان الإمام ناسيًا للوضوء أن الصلاة تجزئهم؛ لأن الوضوء لا يحمله الإمام عنهم، وإنما تفسد صلاتهم بأمر يكون فعل الإمام فعلا لهم، يكون هو حامله عنهم كالقراءة، وأما استقبال القبلة فهو فرض عليه وعليهم فلا يحمله عنهم، كالوضوء.
والسدل أن يسدل طرفي إزاره ويكشف صدره وفي وسطه مئزر أو سراويل فتتم صلاته؛ لأنه مستور العورة.
قال في العتبية: واشتمال/ الصماء المنهي عنه أن يشتمل بالثوب على منكبيه ويخرج يده اليسرى من تحته وليس عليه مئزر، وأجازه مالك إن كان عليه مئزر،

الجزء: 2 - الصفحة: 615

ثم كرهه.
قال ابن القاسم: وتركه أحب إلي للحديث، وليس يضيق إذا كان مؤتزرًا.
قال مالك: والاضطباع أن يرتدي ويخرج ثوبه من تحت يده اليمنى/ قال ابن القاسم: وهو من ناحية الصماء.
قال مالك في المدونة: ومن صلى بسراويل أو مئزر وهو قادر على الثياب لم يعد في وقت ولا غيره.
وكره مالك في العتبية الصلاة في السراويل؛ إلا أن لا يجد غيرها.
م لأنه من زي العجم؛ ولأنه يصف والمئزر أفضل منه، وقد صلى جابر بن عبد الله بقوم وعليه ثوب شده إلى ثندويه أو فوقهما، وقال: ((إن

الجزء: 2 - الصفحة: 616

النبي عليه السلام فعله)).
ابن حبيب: ويكره للرجل أن يصلي في ثوب رقيق يصف، أو خفيف يشف، ومن فعل ذلك أعاد الصلاة رجلا كان أو امرأة؛ لأنه شبيه بالعريان، إلا أن يكون رقيقًا صفيقًا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد.
فصل -7 - : [في المكفتين ثيابهم ونحوها] قال مالك: ومن صلى محتزمًا أو جمع شعره بوقاية أو شمر كميه فإن كان ذلك لباسه قبل ذلك وهيئته أو كان في عمل حتى حضرت الصلاة فصلاها كما هو فلا بأس بذلك، وإن كان إنما فعل ذلك ليكفت به شعرًا أو ثوبًا فلا خير في ذلك.
قال سليمان: ليكفت ليستر، قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا﴾ أي: سترًا.
م وإنما قال ذلك؛ لقول النبي عليه السلام: ((أمرت أن أسجد على سبعة

الجزء: 2 - الصفحة: 617

أعضاء ولا أكفت شعرًا ولا ثوبًا)).
فأخبر أن النهي عن ذلك إنما هو إذا قصد به الصلاة.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل وشعره معقوص، وكرهه علي بن أبي طالب، وأن عمر بن الخطاب حل شعر رجل كان معقوصًا في الصلاة حلا عنيفًا، وكرهه ابن مسعود، وقال: ((إن الشعر يسجد معك، ولك بكل شعرة أجر)).
وقال أبا بن عثمان: مثل الذي يصلي عاقصًا شعره مثل المكتوف.
قال سليمان: المعقوص المضفور.

الجزء: 2 - الصفحة: 618

[باب -18 -] ما جاء في قضاء المأموم

روي أن الرسول عليه السلام جعل مدرك ركعة مدركًا للصلاة [فصل -1 - في من أدرك مع الإمام ركعة هل يكبر بعد سلامه للقضاء؟] قال مالك رحمه الله: ومن أدرك مع الإمام ركعة فقام بعد سلامه يقضي فلينهض بغير تكبير، وكذلك إن أدرك معه ثلاث ركعات فليقم/ بغير تكبير؛ لأنه كبر حين رفع رأسه من آخر سجود الإمام، والإمام حبسه، إذ لم يستطع خلافه فجلس معه، وليس بموضع جلوس له، فأما لو كان موضع جلوس له كمدرك ركعتين فليقم بتكبير.
م فكل من أدرك ركعتين قام بتكبير، وما سوى ذلك يقوم بغير تكبير.
وقال ابن الماجشون: يقوم بتكبير سواء أدرك معه ركعة أو ثلاثًا، وعاب قول ابن القاسم.
فوجه قوله: إن السنة التكبير في كل خفض ورفع، وهذا/ من ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 619

قال مالك: وإن أدرك التشهد الأخير قام بتكبير، فإن قام بغير تكبير أجزأه.
قال أبو إسحاق: على قياس قوله: إنه يقوم بغير تكبير؛ لأن التكبيرة الأولى التي جلس بها هي تكبيرة الإحرام فأشبه تكبيرة السجود الأخير إذا أدرك الركعة الأخيرة أنه يجزئه ولا يحتاج وقت قيامه إلى تكبيرة؛ لأنه قد أنابه، وإنما حبسه الإمام عن القيام، وإذا أدرك الإمام في التشهد الآخر أحرم وجلس، ولم يقل يجلس بغير إحرام ليدرك الإمام؛ لأن له فضلاً في إدراكه التشهد.
وقد اختلف إذا أدركه في التشهد في الصبح ولم يركع ركعتي الفجر فروى ابن القاسم عن مالك أنه/ يحرم ويجلس، فإذا طلعت الشمس ركع للفجر.
قال ابن حبيب: إذا لم يركع للفجر فجلس بغير إحرام فإذا سلم الإمام ركع ثم أحرم [فصل -2 - في العمل في قراءة المسبوق] قال مالك: وإن أدرك من الظهر ركعة قرأ فيها بأم القرآن فإذا قام بعد سلام الإمام يقضي فليأت بركعة بأم القرآن وسورة ويجلس، ثم يتشهد؛ لأنها ثانيته، ثم يأتي بركعتين يقرأ في الأولى بأم القرآن وسورة ويقوم؛ لأنها

الجزء: 2 - الصفحة: 620

ثالثة، ويقرأ في الرابعة بأم القرآن وحدها ويتشهد ويسلم؛ لأنها آخر صلاته، وإن كانت صلاة جهر جهر في قضاء الأوليين، وكذلك فعل ابن عمر، وهو الأمر عندنا.
قال مالك: ما أدرك مع الإمام فهو أول صلاته، يريد في القيام والجلوس.
قال مالك: إلا أنه يقضي مثل الذي فاته، -يريد- من القراءة، وقاله ابن عمر وابن مسعود ومجاهد.
قال مالك: ومن أدرك ركعة من المغرب صارت صلاته جلوسًا كلها.
قال ابن المسيب: وكذلك من فاتته منها ركعة.

الجزء: 2 - الصفحة: 621

قال مالك: ومن وجد الإمام قد سجد سجدة أحرم وسجد معه ولم ينتظره؛ لقوله عليه السلام: ((إنما جعل الإمام ليؤتم به)) الحديث، وكذلك كان يفعل ابن عمر.
قال مالك: وإن أحرم والإمام راكع فلم يركع معه حتى رفع الإمام رأسه فليس بمدرك للركعة، وقد قال عبد الله بن عمر: إذا فاتتك الركعة فقد فاتتك السجدة.
قال مالك: هو وزيد بن ثابت: وإن أدرك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدرك السجدة، وهو في الموطأ.
قال أبو محمد: وكل فذ أو إمام فبان -يريد- في القيام/ والجلوس والقراءة، قال: وكل مأموم فقاض في القراءة خاصة، لا في قيام أو جلوس.
م واختصاره أن كل مصل فإن في القيام والجلوس والقراءة، والمأموم في القراءة خاصة فإنه يقضي على نحو ما فاته.

الجزء: 2 - الصفحة: 622

[باب -19 -] في صلاة النافلة وتحية المسجد وما يكره من أوقاتها ومواضعها

. [فصل -1 - في صلاة النافلة] قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ وصلى النبي صلى الله عليه وسلم النافلة بالمرأة واليتيم، وقال: ((صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى)).
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة.
وقال عليه السلام: ((ما من امرئ تكون له صلاة بليل فيغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة)).
قال مالك رحمه الله: ولا بأس بصلاة النافلة في جماعة ليلا أو نهارًا.
قال ابن أبي زمنين: معناه أن يكون القوم قليلا كالرجلين والثلاثة مما لا يكون مشتهرًا.

الجزء: 2 - الصفحة: 623

قال ابن حبيب: قال مالك: ولا يصلي بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس، وقاله النبي صلى الله عليه وسلم.
قال مالك: وكذلك الرجل يجمع الصلاة النافلة بأهل بيته وغيرهم فلا بأس بذلك.
قال: ومن دخل مسجدًا قد صلى أهله المكتوبة فلا بأس أن يتطوع قبل المكتوبة إن كان في بقية من الوقت.
وكان ابن عمر وغيره يبدأ بالمكتوبة.
قال أبو إسحاق: لأن الكراهية أن يدخل الإنسان المسجد فيجلس/ ولا يصلي فيصير كالبيوت المسكونة، فإذا صلى فرضًا أو نفلاً أجزأه ذلك، وإن جاء بعد الفجر فركع ركعتين قبل ركعتي الفجر لجاز ذلك، ولو اجتزأ بركعتي الفجر لأجزأه ذلك، ولو ركع الفجر في داره ثم أتى المسجد لا ينبغي أن يركع

الجزء: 2 - الصفحة: 624

ركعتين قبل جلوسه؛ لأن الصلاة بعد الفجر وقبل صلاة الصبح قد تجوز لمن فاته حزبه من الليل فداخل المسجد أولى أن يركع.
قال مالك: وإن ذكر صلاة بقيت عليه فلا يتنفل قبلها، وليبدأ بها.
قال ابن القاسم: وليس هذا مثل الأول؛ لأن ذلك معه بقية من الوقت.
ولم يوقت مالك قبل الصلاة ولا بعدها ركوعًا معلومًا، وإنما يوقت في هذا أهل العراق.
قال مالك: ومن دخل في نافلة فقطعها عامدًا لزمه أعادتها، وإن كان ذلك لعلة لم يعدها.
قال مالك: وإن أحرم في نافلة ثم أقيمت عليه الصلاة المكتوبة قبل أن يركع، فإن كان ممن/ يخفف ركوعه إذا أسرع وقرأ بأم القرآن فقط أدركه قبل أن يركع فليتم ركعتين، ويدخل معه، وأما الثقيل/ فليقطع بسلام، ويدخل معه، ولا يقضي النافلة التي قطعها إلا أن يشاء؛ لأنه لم يتعمد قطعها، ولكن جاء ما قطعها عليه، وإن لم يقطع بسلام أعاد الصلاة؛ لأنه دخل في الفريضة بنية

الجزء: 2 - الصفحة: 625

النافلة وقد أحرم أيضًا قبل إمامه فليعد أبدًا.
قال: وكان مالك يكره إذا أخذ المؤذن في الإقامة أن يتنفل أحد، ويذكر أن الرسول صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد في صلاة الصبح وقد أقيمت الصلاة وقوم يركعون ركعتي الفجر، فقال: أصلاتان معًا؟ -يريد- بذلك نهيًا.
قال مالك: ومن أوتر في المسجد فأراد أن يتنفل بعده تربص قليلا، ثم يتنفل ما أحب.
م لأن الوتر خاتمة لما قبله، لقوله عليه السلام: ((صلى ركعة توتر له ما قد صلى))، فإذا أوصله بالركوع بعده فقد خالف، وإذا تربص قليلاً كان كابتداء تنفل.
قال ابن القاسم: وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب.
قال مالك: ومن كان وحده أو وراء إمام فلا بأس أن يتنفل بعد سلامه في موضعه أو حيث أحب من المسجد، إلا يوم الجمعة، وأما الإمام فلا يتنفل في موضعه في جمعة ولا غيرها، وليقم عنه.
قيل لابن القاسم: هل فسر لكم

الجزء: 2 - الصفحة: 626

مالك لم كره للإمام أن يتنفل في موضعه؟ قال: لا، إلا أنه قال: عليه أدركت الناس، وفي الثاني إيعاب هذا.
فصل -2 - : [في تحية المسجد] وكره مالك لمن دخل المسجد فأراد القعود أن يقعد حتى يركع ركعتين قبل أن يجلس؛ لقول النبي عليه السلام: ((إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس))، وهو في الموطأ.
قال مالك: إلا أن يكون مجتازًا لحاجته فجائز أن يمر فيه ولا يركع، وذكر مالك عن زيد بن ثابت وسالم بن عبد الله أنهما كانا يخرقان المسجد لحاجتهما ولا يركعان، وبلغ مالكًا عن زيد بن ثابت أنه كره أن يمر فيه مجتازًا ولا يركع، ولم

الجزء: 2 - الصفحة: 627

يعجبه ما كره زيد من ذلك.
قال أبو عمران: أجاز زيد المرور في المسجد ابتداء ولا يركع، وفعله وكرهه في الرجوع، ولا يركع وهو نص/ في المجموعة لا إشكال فيه، وهو في المدونة مشكل يفهم منه الخلاف، وليس بخلاف.
وقال ابن القاسم: ورأيت مالكًا يخرقه مجتازًا ولا يركع، ومسجد الجماة ومسجد القبائل في ذلك سواء؛ لعموم الحديث.
قال مالك: وصلاة النافلة في الليل والنهار مثنى مثنى، وقاله ابن عمر.
[فصل -3 - في الوقت الذي ينهى عن الصلاة فيه] قال مالك: ولا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس وسط السماء في جمعة ولا غيرها، ولا أعرف النهي عن ذلك، وما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يهجرون، ويصلون نصف النهار، وما يتقون شيئًا.
م وإنما تكره الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها؛ لما رواه مالك في الموطأ أن النبي صلى الله عليه وسلم/ قال: ((لا تتحروا بصلاتكم عند طلوع الشمس ولا عند

الجزء: 2 - الصفحة: 628

غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان، أو قال على قرن شيطان أو نحو هذا)).
وكان عليه السلام يقول: ((إذا بدا حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تبرز وإذا غاب حاجب الشمس فأخروا الصلاة حتى تغيب)).
وروي في حديث آخر أنه عليه السلام: ((نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس))، وهذه حجتنا على الشافعي رضي الله عنه في جواز ما له سبب مثل: تحية المسجد،

الجزء: 2 - الصفحة: 629

وسجود القرآن، وصلاة الخسوف أن تصلى في ذلك الحين.
قال مالك في المستخرجة: ولم يزل من أمر الناس الصلاة في المساجد يهجرون ويصلون، وأما في الليل ففي البيوت أحب إلي، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم، يصلي في بيته، والتنفل في البيوت أحب إلي من التنفل في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، إلا للغرباء ففيه أحب إلي.
ابن حبيب: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم واجعلوا بيوتكم مساجد، ولا تجعلوها قبورًا، فإن صلاة المرء في بيته نور/)).

الجزء: 2 - الصفحة: 630

وقال عليه السلام: "فضل صلاة التطوع في الخلوة على صلاة العلانية كفضل صلاة الجماعة في الفريضة على صلاة الفذ".
وسئل عليه السلام عن صلاة الأوابين فقال: "صلاة الضحى وما بين المغرب والعشاء".
ومن العتبية قال مالك: ومن دخل/ المسجد الحرام فليبدأ بالطواف قبل الركوع، وأما في مسجد الرسول عليه السلام فليبدأ بالركوع قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم وكل واسع، وأحب مواضع التنفل فيه مصلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو العمود الحلق، وأما في الفريضة فالتقدم إلى الصفوف أحب إلي.

الجزء: 2 - الصفحة: 631

[باب-20 -] في الإشارة في الصلاة والتسبيح والضحك والعطاس والتثاؤب والنفخ والنظر في كتاب وانفلات الدابة فيها

قال الله تعالى: (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ) وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عمل النبوة الاستكانة في الصلاة وكانوا يتكلمون فيها حتى نزلت (وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) فحرم الكلام.
[فصل-1 - في الإشارة في الصلاة] قال ابن القاسم: ولا بأس بالإشارة الخفية في الصلاة إلى الرجل ببعض حوائجه، وقد أجاز مالك أن يرد جوابًا بالإشارة، فهذا مثله، وقد أومأت عائشة إلى نسوة -وهي في الصلاة- أن كلن.

الجزء: 2 - الصفحة: 632

ولم يكره مالك السلام على المصلي؛ لأنه قال: من سلم عليه- وهو يصلي- في فريضة أو نافلة فليرد مشيرًا بيده أو برأسه.
وقد رد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة إشارة بيده، وروى بإصبعه، وقاله ابن عمر.
[فصل -2 - في التسبيح في الصلاة].
قال مالك: ولا بأس بالتسبيح في الصلاة للحاجة للرجال والنساء، وضعف مالك أمر التصفيق؛ لحديث التسبيح وهو قوله: "من نابه شيء في صلاته فليسبح".

الجزء: 2 - الصفحة: 633

قال ابن القاسم: ومن استأذن رجلاً في بيته وهو يصلي فسبح به، يريد أن يعلمه أنه في الصلاة فلا بأس به.
قال ابن حبيب: وما جاز للرجل أن يتكلم به في صلاته من معنى الذكر والقراءة فرفع بذلك صوته لينبه به رجلا أو ليستوقفه فذلك جائز.
وقد استأذن رجل على ابن مسعود- وهو يصلي- فقال: (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ).
فصل -3 - : [في الضحك في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: وإن قهقه المصلي وحده قطع، وابتدأ الصلاة، وإن كان مأمومًا تمادى مع الإمام فإذا فرغ الإمام أعاد صلاته، ولا شيء عليه إن تبسم، صلى وحده أو مأمومًا.
قال ابن القاسم في العتبية: ساهيًا كان أو عامدًا، وقال أشهب عن مالك: يسجد الساهي قبل السلام وقال ابن الحكم: يسجد له بعد السلام.

الجزء: 2 - الصفحة: 634

م فوجه قوله: إذا قهقه المصلي أعاد صلاته قوله صلى الله عليه وسلم: "من قهقه في الصلاة أعادها".
ووجه قول ابن القاسم: ولا شيء عليه إن تبسم قوله عليه السلام: "من قهقه فليعد" فدل أن من تبسم لا شيء عليه، ولم يأمره بإعادة، ولا سجود؛ ولأنه يسير، كالإشارة، أو التسبيح للشيء، أو الاستماع لخبر يسير، واليسير لا يمكن التحرز منه.
ووجه قول أشهب: فلأنه نقص من الهيئة التي هي الخشوع والاستكانة.
ووجه قول ابن عبد الحكم: فلأنه زيادة.
قال أبو محمد عبد الوهاب: وقول ابن الحكم أصح من قول أشهب؛ لأن الاعتبار ينقص الأفعال والأقوال دون الاعتدال.

الجزء: 2 - الصفحة: 635

م وقول ابن القاسم أصحها لما بينا.
ومن المدونة ابن وهب: وقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم وبين يديه حفرة فأقبل رجل في عينيه شيء نحوه للصلاة والقوم ينظرونه فسقط فيها فضحك بعض القوم فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ضحك فليعد صلاته".
قال سحنون: إذا ضحك الإمام ناسيًا، فإن كان شيئًا خفيفًا سجد لسهوه بعد السلام؛ وإن كان عامدًا أو جاهلاً فسدت عليه وعليهم.
قال ابن حبيب: من قهقه عامدًا أو ساهيًا أو مغلوبًا فسدت صلاته، وليقطع، وإن كان مأمومًا تمادى وأعاد/، وإن كان إمامًا استخلف في السهو والغلبة، ويبتدئ في العمد، ورواه عن مالك.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إذا قهقه الإمام متعمدًا أعاد

الجزء: 2 - الصفحة: 636

الصلاة، وإن كان مغلوبًا استخلف من يتم بهم ويتم هو معهم ثم يعيد، ويعيدون، إذا فرغوا.
قال يحيى بن عمر: قوله: وإن كان مغلوبًا فلا يعجبني إن أخرها.
م والقياس ما قال سحنون: أنه كالكلام؛ لأنهم جعلوا النفخ كالكلام، فهذا أشبه به منه.
ووجه قول ابن حبيب: أن النبي صلى الله عليه وسلم/ "أمر من ضحك أن يعيد" ولم يسأل من سهو ولا غلبة، وإنما قال: يستخلف الساهي والمغلوب؛ لأنه جعله كمن أحدث في صلاته ساهيًا أو مغلوبًا، وهذا أحوط، والأول أقيس.
فصل -4 - : [في العطاس والتثاؤب في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يحمد الله المصلى إن عطس، فإن فعل ففي نفسه، وتركه خير له.

الجزء: 2 - الصفحة: 637

قال ابن القاسم: ولا يرد على من شمته إشارة، كان في فريضة أو نافلة، ورأيا مالكًا إذا تثائب- في غير الصلاة- وضع يده على فيه ونفث، ولا أدري ما فعله في الصلاة.
وقال مالك في الواضحة: من تثائب وهو يقرأ في صلاة أو غيرها فليقطع قراءته، وليضع يده على فيه حتى ينقطع تثاؤبه.
فصل -5 - : [في النفخ في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ولا يعجبني النفخ في الصلاة، وأراه بمنزلة الكلام.
قال ابن القاسم: ومن نفخ متعمدًا أو جاهلاً أعاد الصلاة، كمن تكلم متعمدًا/، وإن كان ناسيًا سجد لسهوه.
قال ابن عباس: "النفخ في الصلاة كلام".
وقال علي بن زياد عن مالك أكره النفخ، ولا أراه يقطع الصلاة،

الجزء: 2 - الصفحة: 638

كالكلام، واختلف عنه في التنحنح، فروى عنه أنه كالكلام، وروى عنه أنه لا شيء عليه.
وذكر الأبهري عن ابن القاسم: إذا تنحنح ليسمع إنسانًا أو أشار إليه أنه لا شيء عليه.
قال الأبهري: لأنه ليس بكلام، وليس له حروف هجائية.
فصل -6 - : [في النظر في كتاب في الصلاة].
ومن المدونة قال ابن القاسم قال مالك: ومن كان في فريضة أو نافلة فنظر في كتاب بين يديه فجعل يقرأ- يريد في نفسه- قال: إن كان ناسيًا سجد لسهوه، وإن كان عامدًا ابتدأ الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 639

قال سحنون في المجموعة: إلا أن يكون الشيء الخفيف فلا يبطل ذلك صلاته.
فصل -7 - : [في الكلام في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن سلم من اثنتين ساهيًا، ثم التفت فتكلم، فإن كان شيئًا خفيفًا بنى على صلاته، وسجد لسهوه، وإن تباعد وأطال القعود والكلام ابتدأ الصلاة، ولا حد في ذلك/.
وأما إن خرج ممن المسجد فليبتدئ الصلاة.
قال ابن القاسم: ولو أكل أو شرب في انصرافه ابتدأ الصلاة، وإن لم يطل، وقد تكلم النبي صلى الله عليه وسلم ساهيًا، وبنى على صلاته، ودخل فيما بنى بتكبير، وسجد لسهوه بعد السلام.
فصل -8 - : [في انفلات الدابة في الصلاة] قال ابن القاسم قال مالك: ومن انفلتت دابته- وهو يصلي- مشى إليها فيما قرب، إن كانت بين يديه، أو عن يمينه أو عن يساره، وإن بعدت

الجزء: 2 - الصفحة: 640

طلبها وقطع صلاته وابتأها.
وروى موسى بن معاوية في العتبية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا انفلتت دابة أحدكم فليتبعها حتى يأخذها، ويرجع إلى صلاته لا يشتد عليه طلبها".
م ولأنه يشغل سره بها فلا يدري ما يصلي.
قال مالك: وإن خشي على دابته أو صبي الهلاك من السقوط في بئر ونحوه قطع، وكره له الانحراف أو القطع في الشاة تأكل عجينًا أو ثوبًا.
قال ابن حبيب: إن كان فسادًا كثيرًا قطع.
ومن كتاب ابن سحنون في إمام مسافر صلى ركعة ثم انفلتت دابته وخاف عليها أو على صبي أو أعمى أن يقع في بئر أو نار أو ذكر متاعًا خاف عليه التلف فذلك عذر يبيح له أن يستخلف، ولا تفسد على من خلفه.
وروى موسى أن

الجزء: 2 - الصفحة: 641

عائشة رضي الله عنها قالت: أتت هدية إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي وأنا نائمة فكسلت أن أقوم فأفتح الباب فمضى رسول/ الله صلى الله عليه وسلم ففتح الباب ورجع إلى مصلاه، وخرج صاحب الهدية فمضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغلق الباب ورجع إلى الصلاة".
قال موسى: وكانت نافلة.

الجزء: 2 - الصفحة: 642

[باب -21 -] في صيانة المسجد وخروج النساء والصبيان إليه

. قال الله تعالى: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "النخامة في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها".
فصل -1 - : [في صيانة المسجد من البصاق] قال مالك رحمه الله: فلا يبصق أحد على الحصير المسجد، ويدلكه برجليه، ولا بأس أن يبصق تحت الحصير.
قال ابن القاسم: وكذلك إن كان المسجد غير محصب فلا يبصق تحت قدمه ويحكه برجله بمنزلة الحصير.
قال مالك رحمه الله: وإن كان المسجد محصبًا فلا بأس أن يبصق بين يديه وعن يمينه ويساره وتحت قدمه ويدفنه/ ويكره أن يبصق أمامه في حائط القبلة.
قال: وإن كان عن يمينه رجل وعن يساره رجل في الصلاة بصق أمامه ودفنه، وإن كان لا يقدر على دفنه فلا يبصق في المسجد بحال، كان مع

الجزء: 2 - الصفحة: 643

الناس أو وحده.
ورأى النبي صلى الله عليه وسلم نخامة في قبلة المسجد فحتها، ثم قال: "أيحب أحدكم أن ينتخم أو يبصق في وجهه، إذا صلى أحدكم فلا يبصق في ثوبه ويعركه بيده، هذا معنى الحديث.
قال في رواية ابن وهب: وليبصق عن يساره وتحت رجله اليسرى.
وقال الرسول عليه السلام: "من أكل الثوم فلا يقربن مسجدنا يؤذينا برائحته".
فصل -2 - : [في انفلات الدابة في الصلاة] قال مالك: وأكره قتل القملة والبرغوث في المسجد، فإن أصاب قملة

الجزء: 2 - الصفحة: 644

في الصلاة فلا يلقيها في المسجد، ولا يقتلها فيه، وإن كان في غير صلاة.
قال ابن نافع: وليصرها في ثوبه.
قال مالك: ولا بأس أن يطرحها إن كان في غير المسجد.
ابن حبيب: قتل البرغوث في المسجد أخف من القملة، وأجاز قتلها في الصلاة في غير المسجد، قاله مطرف وابن الماجشون.
فصل -3 - : [في حكم البناء يكون فوق المسجد أو تحته].
قال مالك في باب بعد هذا: ومن بنى مسجدًا وبنى فوقه بيتًا يرتفق به فلا يعجبني ذلك؛ لأنه يصير مسكنًا يجامع فيه ويأكل.
وقد كان عمر بن عبد العزيز إمام هدى وكان يبيت فوق ظهر المسجد، -مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- فلا تقربه فيه امرأة.
قال مالك: وجائز أن يكون البيت تحت المسجد، ويورث البنيان الذي تحت/ المسجد، ولا يورث المسجد إذا كان صاحبه قد أباحه للناس.
قال ابن القاسم: وإنما هو حبس من الأحباس.

الجزء: 2 - الصفحة: 645

فصل -4 - : [في خروج النساء إلى المسجد].
قال مالك: ولا يمنع النساء من الخروج إلى المسجد.
قال في الموطأ: وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله".
وقال في حديث آخر: "من شهدت منكن العشاء فلا تمس طيبًا".
وكانت عاتكة زوجة عمر بن الخطاب تستأذنه إلى المسجد فيسكت فتقول: لأخرجن، إلا أن تمنعني فلا يمنعها.
ويدل على خروجهن إليه قول عائشة رضي الله عنها: "كان النساء ينصرفن من صلاة الصبح متلفعات بمروطهن ما يعرفن من الغلس".
وقد قالت عائشة رضي الله عنها أيضًا: "لو أدرك رسول الله

الجزء: 2 - الصفحة: 646

صلى الله عليه وسلم ما أحدث النساء لمنعهن من المساجد كما منعه نساء بني إسرائيل".
قال في المدونة: وأما العيدين والاستسقاء فلا بأس أن تخرج كل امرأة متجالة.
فصل -5 - : [في الصبي يؤتى به في المسجد] قال مالك: وإذا كان الصبي يعبث لصغره فلا يؤتى به المسجد، وإذا كان لا يعبث ويكف إذا نُهي فلا بأس به.
قال مالك: ويؤمر الصبيان بالصلاة إذا أثغروا، وهو حين تنزع أسنانه.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال/: "مروا الصبيان بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع".
قال أشهب: قال مالك: إذا أثغر الصبي أمر بالصلاة، وأدب عليها.
قال

الجزء: 2 - الصفحة: 647

عيسى/ عن ابن القاسم: وحينئذ يفرق بينهم في المضاجع.
وقال ابن حبيب: إذا بلغ أحد منهم عشر سنين فلا أحد منهم مع أحد من أبويه، ولا من إخوته، ولا من غيرهم، إلا وعلى كل واحد منهم ثوب، والله المستعان وبه التوفيق.

الجزء: 2 - الصفحة: 648

[باب -22 -] القنوت في صلاة الصبح والدعاء في الصلاة وغيرها

. فصل -1 - : [في القنوت في صلاة الصبح] روى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "سلوا الله حوائجكم البتة في صلاة الصبح".
ودعا النبي صلى الله عليه وسلم على مضر، فجاءه جبريل عليه السلام فأومأ إليه أن أسكت فسكت، فقال: يا محمد إن الله لم يبعثك سبابًا ولا لعانًا، إنما بعثك رحمة، ولم يبعثك عذابًا، ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون.
قال: ثم علمه هذا القنوت: "اللهم إنا نستعينك ونستغفرك، ونؤمن بك/ ونتوكل عليك ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق"، فقنت به النبي صلى الله عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 649

وسلم في الفجر.
وأن ابن مسعود والحسن وأبا موسى الأشعرى وابن عباس، وغيرهم قالوا: القنوت في الفجر سنة ماضية.
-يريد- مضي العمل بها، وليست بسنة لازمة.
وقد كان ابن عمر لا يقنت في الصلاة، قاله مالك في الموطأ.
وكذلك ذكر ابن حبيب أن القنوت ليس سنة ولا فريضة، ولكنه مستحب مرغب فيه.

الجزء: 2 - الصفحة: 650

وقد قنت النبي صلى الله عليه وسلم وترك، ولم يتركه نهيًا عنه ولا كراهية له، لكنه كان يفعل ذلك فيما لم يكن فرضًا، ولا سنة لازمة لتعرف أمته المفروض والمسنون من غيره.
ودل على ذلك أن الصحابة وتابعيهم عملوا به من بعده، ونهى مالك وأصحابه عن تركه.
ومن المدونة قال مالك: القنوت في الصبح قبل الركوع وبعده واسع، والذي آخذ به في نفسي قبل الركوع.
وروى أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قنت في الفجر بعد الركوع.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله.
قال في المدونة: وأن ابن سيرين وغيره قنتوا قبل الركوع.
ابن حبيب وفعله علي وعروة بن الزبير.

الجزء: 2 - الصفحة: 651

ومن المدونة قال مالك: وإذا قنت رجل قبل الركوع فلا يكبر له، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كبر حين قنت في الفجر وكبر حين ركع.
وهذا يدل أنه كان يقنت قبل الركوع.
قال ابن القاسم: ولا يجهر به إمام أو غيره.
قال مالك: ولا سهو على من نسيه.
م إذ ليس بلازم عنده.
قال: وليس عنده فيه دعاء مؤقت ولا وقوف مؤقت.
ولابن سحنون أنه يسجد له، وهو مذهب الحسن وسفيان الثوري.
وابن القاسم يرى أنه إن سجد له أبطل الصلاة.
فصل -2 - : [في الدعاء في الصلاة] قال مالك: وللمصلي أن يدعو في قيامه وقعوده وسجوده بجميع حوائجه لدنياه وأخراه، وبلغني أن عروة بن الزبير قال: إني لأدعو الله في

الجزء: 2 - الصفحة: 652

حوائجي كلها في الصلاة حتى في الملح.
قال ابن وهب عن مالك: لا بأس أن يدعو الله في الصلاة على الظالم، وكان مالك يكره الدعاء في الركوع.
وسئل أبو محمد بن أبي زيد هل يدعوا في الصلاة لقوم بأسمائهم؟ فقال: ذلك جائز يقول:/ اللهم افعل بفلان.
وذكر ابن القرطي أنه إن بدأ بالاسم، فقال: يا فلان فعل الله بك كذا فسدت صلاته، وما رأيته لغيره.
فصل -3 - : [في الذكر أدبار الصلوات] ومن الموطأ روي عن/ أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، في كل يوم مئة مرة، كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء إلا أحد عمل أكثر من ذلك".
و"من قال سبحان الله وبحمده في كل من يوم مئة مرة حطت عنه

الجزء: 2 - الصفحة: 653

خطاياه، وإن كانت مثل زبد البحر".
و «من سبح دبر كل صلاة ثلاثًا وثلاثين، وكبر ثلاثًا وثلاثين، وحمد ثلاثًا وثلاثين، وختم المئة بلا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت ذنوبه، ولو كانت مثل زبد البحر».
وروى مالك عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول إنما الباقيات الصالحات قول العبد: الله أكبر، وسبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

الجزء: 2 - الصفحة: 654

[باب -23 -] في صفوف الرجال والنساء وتسوية الصفوف وسد الفرج

. وروى أن "خير صفوف الرجال أولها، وخير صفوف النساء آخرها"، وذلك أن شأن النساء التستر.
وقال عليه السلام: "لو يعلمون ما في الصف الأول لاستهموا عليه".
وكان عليه السلام يقول- قبل أن يحرم-: "اعتدلوا وتراصوا"، وكان أمير المدينة يعاقب من خرج عن الصف.
فصل -1 - : [في موقف المأموم والصلاة خلف الصف وحده] قال مالك رحمه الله: ومن صلى خلف الصفوف وحده أجزأه.
قال ابن وهب: إذا خرج أحد عن الصف صحت صلاته، ولا بأس أن يصلي كذلك، وهو الشأن، ولا يجبذ إليه أحدًا، فإن جبذ إليه أحدًا؛ ليقيمه

الجزء: 2 - الصفحة: 655

معه فلا يتبعه، وهذا خطأ ممن فعله، وخطأ من الذي جبذه.
قال ابن حبيب: ولا بأس إن رأى رجلا بقربه خرج عن الصف أن يشير إليه أن يستوي، إن لم يشغله ذلك عن صلاته.
قال مالك في المدونة: ومن دخل المسجد- وقد قامت الصفوف- قام حيث شاء، إن شاء خلف الإمام أو عن يمينه أو عن يساره.
وتعجب مالك ممن يقول: يمشي حتى يقف/ حذو الإمام، وإن كانت طائفة عن يمين الإمام، أو حذوه في الصف الثاني أو الأول فلا بأس أن تقف طائفة عن يسار الإمام في الصف، ولا تلصق بالطائفة التي عن يمينه.

الجزء: 2 - الصفحة: 656

ابن حبيب: وهو كصف يبني عليه.
فصل -2 - : [في سد الفرج في الصفوف] وكره مالك تقطع الصفوف، ونهى عنه، والشأن في الصلاة سد الفرج وتسوية الصفوف.
فإذا رأى المأموم فرجة أمامه أو عن يمينه أو عن يساره حيث يجد السبيل إلى سدها فليتقدم إليها ليسدها، ولا بأس أن يخرق إليها صفوفًا/ رفقًا.
قال مالك: ولا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد، يعني أنه لا بأس أن تكون الصفوف متصلة بالعمد- يريد- وليس ذلك من تقطع الصفوف الذي نهى عنه.
وكره ابن مسعود الصلاة بين السواري -يريد- إذا كان المسجد متسعًا.
فصل -3 - : [في المرأة تصلي بين صفوف الرجال] قال مالك: وإذا صلت امرأة بين صفوف الرجال لم تفسد على أحد من

الجزء: 2 - الصفحة: 657

الرجال صلاته، ولا على نفسها.
قال مالك: ومن وجد المسجد قد امتلأ من الرجال وامتلأت رحبته من النساء فصلى خلف النساء فصلاته تامة، ولا يعيد.

الجزء: 2 - الصفحة: 658

[باب -24] جامع القول في الصلاة والتزويق والمصحف والحجر يكون في القبلة

فصل -31 - : [في من انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه] قال مالك رحمه الله: ومن انصرف من صلاته لحدث أو رعاف ظن أنه أصابه، ثم تبين له أنه لا شيء به، ابتدأ الصلاة، ولو كان إمامًا أفسد على من خلفه.
قال ابن القاسم: ومن قول مالك: إن الإمام إذا قطع/ صلاته عامدًا أفسد على من خلفه.
قال سحنون في الذي انصرف من صلاته لرعاف ظن أنه أصابه: معناه إذا كان يستطيع أن يعلم ما خرج منه في المحراب؛ لأنه خرج على غير يقين، ولو كان في ظلمة أو وقت لا يعرف الدم من الماء لابتدأ هو الصلاة وحده وصلاة القوم تامة.
قال مالك: ومن أحدث بعد التشهد وقبل السلام أعاد الصلاة.

الجزء: 2 - الصفحة: 659

فصل -2 - : [في اختلاف نية الإمام عن المأموم] قال مالك: ومن دخل مسجدًا وهم في صلاة الظهر فظن أنهم في العصر، فصلى معهم ينوي العصر لم تجزئه عن العصر، وعليه إعادتها؛ لقوله عليه السلام: "إنما جعل الإمام/ ليؤتم به، فلا تختلفوا عليه" فلم تجز مخالفته في نية ولا غيرها.
قال مالك: وإذا نوى الإمام بصلاته الظهر، ونوى من خلفه العصر أجزأته، ولم تجزئهم، وأعاد بهم العصر.
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه قال في من أتى المسجد يوم الخميس يظنه يوم الجمعة، فوجد الإمام في الصلاة، فدخل معهم ينوي الجمعة فصلى الإمام الظهر أربعًا، فصلاته تجزئه؛ لأن الجمعة ظهر، وإن أتى يوم الجمعة يظنه يوم خميس فوجد الإمام في الصلاة، فدخل معهم ينوي الظهر، فصلى الإمام الجمعة فليعد صلاته، وذلك رأيي؛ لأن الجمعة لا تكون إلا بنية.
وتحصيلها أنه إذا وقع الظن على يوم الجمعة أجزأه، وإلا لم يجزئه.

الجزء: 2 - الصفحة: 660

قال ابن المواز: ولا يبني على إحرامه الأول: وقال أشهب: لا تجزئة في الوجهين جميعاً.
مم وهو أقيس.
وقال أصبغ: يجزئه في الوجهين جميعاً، ولو أنه حين دخل ينوي صلاة إمامه أجزأه ما صادف من ذلك، سحنون مثله، وقال في مقيم أو مسافر دخل مع الإمام لا يدري ما هو، ونوي صلاته أجزأته وإن خالفه، ويتم المقيم بعد المسافر، ويتم المسافر مع المقيم.
وقال أشهب في مسافر دخل مع إمام يظنه مسافراً أو يظنه مقيماً فتبين له خلاف ظنه أنه يجزئه في الوجهين جميعاً.
وقال/ ابن القاسم: لا تجزئه.
ابن المواز: وهو الصواب؛ لأن المسافر إذا أحرم على اثنتين، فأتمهما أربعاً فهي فاسدة، وإذا أحرم لأربع، فسلم من اثنتين أن صلاته فاسدة، ولا يشبه ذلك من جاء يوم خميس يظنه يوم الجمعة، فأحرم للجمعة فتمادي الإمام حتى أتمم أربعاً أن ذلك يجزئه؛ لأن هاتين حضريتان، وقد زاد ولم ينقص، وكذلك من دخل يوم الجمعة، وقد رفع الإمام رأسه من الركعة الثانية وهو يرى أنه

الجزء: 2 - الصفحة: 661

مدرك للصلاة فتمادي بإحرامه ذلك فأتمم أربعاً، أن ذلك يجزئه، وكان أحب إلى مالك أن يبتدئ إحراماً جديداً.
فصل 3 - : [لا بأس بالشيء الخفيف يكون في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان في صلاة فريضة فأنصت لمخبر يخبره فإن كان شيئاً خفيفاً فلا بأس به، قال: والصغير إذا أتي أباه - وهو في المكتوبة - نحاه عن نفسه، / ولا بأس بتركه في الناقلة.
ومن العتيبة قال ابن العباس في امرأة تحمل ولدها تركع به وتسجد في الفرض، قال: لا ينبغي ذلك، فإن فعلت ولم يشغلها ذلك عن الصلاة لم تعد، قال أشهب: وسئل مالك عن حمل النبي صلي الله عليه وسلم أمامة بنت ابنته زينب في الصلاة ووضعها إذا سجد هل ذلك للناس اليوم؟ قال: ذلك جائز

الجزء: 2 - الصفحة: 662

للضرورة، وأما أن يجد من يكفيه ذلك فلا.
فصل-4: [في الالتفات في الصلاة] ومن المدونة قال مالك: ومن كان بين أسنانه طعام كفلقة الحبة فابتلعه في صلاته لم يقطع ذلك صلاته.
قال ابن القاسم: وإذا التفت المصلي لم يقطع ذلك صلاته، قال ابن القاسم: وإن كان بجميع جسده.
وقال الحسن: إلا أن يستدبر القبلة فيبتدئ صلاته.
وقال أبو هريرة: ما التفت عبد قط في صلاته إلا قال الله له: أنا خير لك مما التفت إليه.

الجزء: 2 - الصفحة: 663

ابن حبيب: قال الرسول صلي الله عليه وسلم: "إياكم والالتفات في الصلاة؛ فإنه المهلكة".
فصل-5: [ما يكره في الصلاة من قرن الرجلين ووضع شيء في فمه أو كمه ونحو ذلك] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يروح رجليه في الصلاة، وعاب أن يقرنهما/ وهو أن يعتمد عليهما معاً، ولا يعتمد على إحداهما.
وقد كان بالمدينة ومن يفعل ذلك فعيب ذلك عليه.
قال أبو محمد: أعاب أن يجعل حظهما من القيام سواء راتباً لا بد من ذلك، فهذا لا خير فيه، فإن فعل ذلك اختياراً وكان متى شاء روح واحدة،

الجزء: 2 - الصفحة: 664

وقام على الأخرى فهذا يجوز.
وأنها مكروهة؛ لأنه خلاف فعل النبي صلي الله عليه وسلم، والسلف بعده، ويصير يشتغل بذلك عن الصلاة.
وكره مالك أن يصلي وفي فيه دراهم أو دينار، أو شيء من الأشياء.
قال ابن القاسم: فإن فعل فلا إعادة عليه.
وكره مالك أن يصلي وفي فيه دراهم أو دينار، أو شيء من الأشياء.
قال ابن القاسم: فإن فعل فلا إعادة عليه.
وكره مالك أن يصلي وكمه محشو بخبز أو غيره، وكره أن يفرقع أصابعه في الصلاة، وقال ابن عباس.
إنما كره مالك ذلك كله؛ لاشتغاله عن الصلاة.
قال مالك: ومن كثر التراب بجبهته أو كفه فله مسحه، وإذا سلم

الجزء: 2 - الصفحة: 665

المصلي انصرف، إن شاء عن يمينه أو عن يساره.
فصل-6: [في القراءة في الركعتين الآخرتين] قال ابن القاسم: قال مالك: ولا أعرف التسبيح في الركعتين الأخيرتين.
خلافاً لمن يري أنه يسبح/ فيهما ولا يقرأ، ودليلنا قوله عليه السلام: "كل ركعة لم يقرأ بأم القرآن/ فيه قلم يصلها إلا وراء إماماً".
قال مالك: وإذا مر الإمام بذكر النار؛ وهو يقرأ في الصلاة، فتعوذ رجل من

الجزء: 2 - الصفحة: 666

خلفه قال: ترك التعوذ أحب إلى، فإن تعوذ قسراً.
فصل-7: [في الفتح على الإمام في القراءة] قال مالك: وإذا وقف الإمام في قراءته فليفتح عليه من كان خلفه، وإن كان هذا في صلاة، وهذا في صلاة أخرى فلا يفتح أحدهما على صاحبه، ولا ينبغي لأحد أن يفتح على من ليس معه في صلاة.
قال ابن القاسم في المجموعة: فإن فعل أعاد صلاته أبداً، وهو كالكلام.
وقال ابن حبيب: لا يعيد.
وروي ابن وهب أن النبي صلي الله عليه وسلم صلي للناس يوماً الصبح فقرأ (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ) فأسقط آيه فلما فرغ قال: أفي المسجد أبي بن كعب؟ قال: نعم ها أنذا يا رسول الله! قال: ما منعك أن تفتح على حين أسقطت؟ قال: خشيت

الجزء: 2 - الصفحة: 667

أنها نسخت، قال: فإنها لم تنسخ.
وكره مالك إذا بشر الرجل ببشارة أن يخر ساجداً.
فصل-8: [في التزويق في القبلة] قال ابن القاسم: ويتصدق بثمن ما يجمر به المسجد ويخلق به أحب إلى من تجمير المسجد وتخليقه.
قلت: فهل كره مالك أن يكون في القبلة مثل

الجزء: 2 - الصفحة: 668

الكتاب الذي كتب في مسجد الفسطاس؟ قال: سمعت مالكاً، وذكر له مسجد المدينة وما عمل فيه من التزويق في قبلته وغيرها، فقال كره ذلك الناس حين فعلوه؛ لأنه يشغل الناس في صلاتهم، ويلهيهم نظرهم إليه، ولقد أراد عمر ابن عبد العزيز حين ولي الخلافة نزعة، فقيل له: إن ذلك لا يخرج منه كبير شيء من الذهب فتركه.
[فصل في المصحف والحجر يكون في في القبلة] قال مالك: وإذا جعل المصحف في القبلة ليصلي إليه فلا خير فيه، وإن كان ذلك موضعه ومعلقه فلا بأس به.
وكان ابن عمر يكره الصلاة إلى هذه الحجارة التي توضع بالطريق تشبيهاً بالأنصاب.
قيل لمالك: أفتكره ذلك؟ قال: أما الحجر الواحد فإني أكرهه، وأما

الجزء: 2 - الصفحة: 669

الحجارة التي لها عدد، فلا بأس بذلك.
وبالله التوفيق.
كمل كتاب الصلاة الأول من الجامع، والحمد لله.

الجزء: 2 - الصفحة: 670

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأول
[باب -1 -] في فرض الصلاة وذكر المفروض والمسنون والفضيلة والنافلة منها، ومن ترك الفريضة مكذبًا أو مقرًا بها، وذكر فرائضها وسننها وفضائلها وأسمائها[باب - 2 -] جامع القول في أوقات الصلاة[باب-3 -] جامع القول في الأذان والإقامة وتسوية الصفوف ووقت القيام للصلاة[باب -4 -] في الإحرام والسهو عنه، وذكر التوجيه[باب-5 -] جامع القول في القراءة والسهو عنها[باب-6 -] في القراءة خلف الإمام. وما يفعل من فرغ من السورة قبل الإمام وتعايي الإمام[باب -7 -] في الدب في الركوع والنعاس والغفلة عنه[باب-8 -] في الركوع والسجود والجلوس وما يتصل بذلك من تكبير وتسبيح ودعاء وذكر الإقعاء والاتكاء والاعتماد ووضع اليد على اليد وغير ذلك[باب-9 -] في السجود على الثياب وغيرها[باب-10 -] في صلاة المريض والقادح والجالس والراكب[باب-11 - في الإمام يصلى أرفع المأموم أو تحته أو خلفه أو قريبا منه[باب - 12 -] جامع القول في الإمامة[باب - 13 -] في فضل الجماعة وإعادة الصلاة فيها، وفي / شهود العتمة والصبح[باب -14 -] في جمع الصلاة مرتين في المسجدباب- 15 -] ما يكره أن يصلى فيه أو إليه أو به أو عليه، وما لا يكره[باب-16 -] في وقت من أسلم أو صلى إلى غير القبلة أو أفاق أو جن أو بقي تحت الهدم[باب -17 -] في اللباس في الصلاة وصلاة الحرائر والإماء والعراة والمكفتين ثيابهم[باب -18 -] ما جاء في قضاء المأموم[باب -19 -] في صلاة النافلة وتحية المسجد وما يكره من أوقاتها ومواضعها[باب-20 -] في الإشارة في الصلاة والتسبيح والضحك والعطاس والتثاؤب والنفخ والنظر في كتاب وانفلات الدابة فيها[باب -21 -] في صيانة المسجد وخروج النساء والصبيان إليه[باب -22 -] القنوت في صلاة الصبح والدعاء في الصلاة وغيرها[باب -23 -] في صفوف الرجال والنساء وتسوية الصفوف وسد الفرج[باب -24] جامع القول في الصلاة والتزويق والمصحف والحجر يكون في القبلة
كتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل