الجامع لمسائل المدونةكتاب الوديعة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: في القضاء في الودائع والأمانات، وما يوجب ضمانها أم لا؟

[(1) فصل: في عدم لزوم الإشهاد في رد الوديعة] قال الله سبحانه: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾، وأمر تعالى أن تؤدى الأمانات إلى إهلها، ولم يأمر بالإشهاد في ردها، كما أمرنا بالإشهاد في غير ذلك من: الدين والبيع ودفع أموال اليتامى إليهم، وإن كانت أموال اليتامى أمانة فإنما يدفع إلى غير الذي ائتمنه، فلذلك يشهد، وكذلك كل من دفع إلى غير من دفع إليه وائتمنه عليه، فعليه الإشهاد، وإلا لم يصدق في رده إذا أنكره المدفوع إليه.
[فرع: في تفريق الإمام مالك بين الوديعة والقراض والشيء المستأجر، وبين الرهن والعارية في دعوى الضياع] قال إسماعيل القاضي في كتاب المبسوط: فرق مالك بين الوديعة

الجزء: 18 - الصفحة: 364

والقراض والشيء المستأجر وبين الرهن والعارية في دعوى الضياع: فجعل القول قول المودع والمستأجر والمقارض؛ لأن عظم منفعة ذلك لربه، وجعل في الرهن والعارية القول قول ربه؛ لأن منفعة ذلك للمرتهن والمستعير، ونحوه ذكر أبو بكر الأبهري قال: إنما ينظر لمن المنفعة في المقبوض، فالقول قوله، والوديعة المنفعة لربها خاصةً، فصدق قابضها في ضياعها، وكذلك القراض والشيء المستأجر أكثر المنفعة فيهما لربها، فصدق قابضها في ضياعها، وأما الرهن والعارية، فالمنفعة لقابضهما، فلذلك لم يصدق في الضياع، والله أعلم.
[(2) فصل: في ضمان المودع] قال ابن القاسم: ولا يضمن المودع ما أودعه إلا أن يتعدى فيه.

الجزء: 18 - الصفحة: 365

قال: ومن أودعته مالاً، فدفعه إلى زوجته أو خادمه ليرفعه له في بيته - ومن شأنه أن تدفع له - لم يضمن ما هلك من ذلك، وهذا مما لا بد منه، وكذلك إن دفعه إلى عبده أو أجيره الذي في عياله أو رفعه في صندوقه أو بيته ونحوه لم يضمن.
قال: ويصدق أنه دفعه إلى أهله وأنه أودعه على هذه الوجوه التي ذكرنا - أنه لا يضمن فيها - وإن لم تقم له بينة.
م: قال بعض أصحابنا: لأنه إذا دفعه لمن شأنه أن يرفع له - وعرف الناس الدفع إلى مثل هؤلاء من غير إشهاد - كان ذلك كالشرط؛ وكأن المودع على ذلك دخل - حين أودعه - فصار كالإذن له في ذلك.
قال: فإن دفعه إلى زوجته فأنكرت أن يكون دفع إليها شيئاً، حلف إن كان متهماً، وإلا فلا يمين عليه.
م: يظهر لي أنه يحلف، كان متهماً أم لا؛ لأن ها هنا من يدعي تكذيبه، كقوله: رددت الوديعة إلى ربها، وربها ينكر في ذلك، فإن المودع يحلف كان متهماً أم لا؛ لأن ربها يدعي تكذيبه.
قال: وإن أحلفته لكونه متهماً، فنكل عن اليمين عرم، وإن كان عديماً كان لرب الوديعة أن يحلف زوجته، كانت متهمةً أم لا؛ لأنها تقوم مقام زوجها في يمينها؛ كما يتبع الإنسان غريم عريمه.

الجزء: 18 - الصفحة: 366

قال: ولو لم يكن من شأنه أن يدفع إلى [55/أ] زوجته أو أمته، وأنه كان لا يثق بدفع ماله إليهم، فدفع الوديعة إليهم، فإنه يضمن، وليس له اختبار أمانتهم بمال غيره، وظاهر الكتاب في قوله: ومن شأنه أن يدفع له.
يؤيد ذلك، والله أعلم.
م: فقد قال محمد: إذا لم يكن شيء من هذا أو رفعها عند غير من يكون عنده ماله والقيام له به، ضمن.
وقال أشهب في كتبه: إذا أودع الوديعة لغيره من خادمٍ أو عبدٍ أو أجيرٍ ممن في عياله أو في غير عياله، فهو ضامنٌ، وأما في وضعه إياها في بيته أو في صندوقه أو في غير ذلك من بيته أو بيت غيره - إذا لم يكن يأتمنه عليها - فلا يضمن.
م: قال بعض الفقهاء: وهذا إذا حملته على أن عادة الناس لا يسلمون ما أودعوه ولا أموالهم إلى الزوجة والخادم والعبد صح الجواب، ولم يكن خلافاً لما تقدم، وحمل الأمر على العادة.
[(3) فصل: فيمن استودع وديعة في المسجد فجعلها على نعليه فذهبت، وكيف إن نسيها في موضع دفعت إليه، أو خرج بها في كمه يظنها نقوده، فسقطت، أو دخل بها الحمام] [المسألة الأولى: فيمن استودع وديعة في المسجد فجعلها على نعليه فذهبت] ومن العتبية، روى أصبغ عن ابن وهب: فيمن استودع وديعةً في

الجزء: 18 - الصفحة: 367

المسجد أو في المجلس، فجعلها على نعليه فذهبت، فلا ضمان عليه، قلت: ألم يضيع إذا لم يربطها؟ قال: يقول لا خيط معي، قلت: يربطها في طرف ردائه.
قال: يقول: ليس عليّ رداءٌ، قلت: فإن كان عليه رداءٌ.
قال: لا يضمن، كان عليه رداءٌ أو لم يكن.
[المسألة الثانية: فيمن نسي الوديعة في الموضع الذي دفعت إليه، وكيف إن خرج بها في كمه يظنها نقوده فسقطت] قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وإن نسيها في موضع دفعت إليه وقام، ضمنها؛ لأنها جنايةٌ، وليس ذلك كسقوطها من كمه أو من يدع في غير نسيان لأخذها، هذا لا ضمان عليه.
م: نسيانه حتى تسقط من كمه أو من يده كنسيانه لأخذها، ويجب ألا يضمن، والله أعلم.
قالا: وأما لو أودعها فكانت في بيته، فأخذها يوماً ما فأدخلها في كمه، فخرج بها يظنها دراهمه فسقطت، فإنه يضمن.
م: أما هذه فصوابٌ؛ لأنه غير مأذونٍ له في التصرف فيها، فنسيانه في ذلك كتعمده؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وأما في وضعها على نعليه أو حملها من موضع أودعها إلى داره في يده أو كمه، فهو غير متعد في ذلك، فنسيانه إياها في موضعه أو نسيانه إياها في كمه حتى سقطت أمر يعذر به؛ كالإكراه على أخذها منه، والله أعلم.

الجزء: 18 - الصفحة: 368

م: قال بعض الفقهاء: ضمنه بالنسيان، وهو أمر مختلفٌ فيه؛ لأنهم قالوا فيمن أودعه رجلٌ مئة درهمٍ، ثم جاء هو وآخر فادعى كل واحد منهما أنه أودعه إياها، ونسي هو من هو منهما، فاختار محمد أن يضمن لكل واحدٍ مئة.
وقيل: لا يضمن إلا مئةً واحدةً، ويحلفان هما ويقتسمانها، فإذا وجب ألا يضمن لهما إلا مئة، فإن غلبة النسيان عليه كضياع الوديعة، فيجب إذا نسيها وقام وتركها أو نسي موضعها في بيته ألا يضمن.
[المسألة الثالثة: فيمن دخل الحمام بوديعة في ثيابه فضاعت] وقال سحنون: فيمن أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته، ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها، فإنه ضامنٌ.
م: قال بعض الفقهاء: لعله إنما ضمنه لدخوله بها الحمام.
[(4) فصل: فيمن استودع وديعة فأراد سفراً أو خاف عورة منزله] ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: وإن أراد سفراً أو خاف عورة منزله ولم يكن صاحبها حاضراً فيردها عليه، فليودعها لثقةٍ ولا يعرضها للتلف، ثم لا يضمن.
م: لأنه لا يمكن حفظها بأكثر مما صنع.
قال ابن القاسم: وإن أودعها لغير هذا الذي يعذر به ضمن، إلا أنه لا

الجزء: 18 - الصفحة: 369

يصدق أنه أراد سفراً أو خاف عورة منزله فأودعها، إلا أن يعلم سفره وعورة منزله فيصدق.
وحكى عن أبي محمد أنه قال: إذا علم سفره أو عورة منزله فأودع الوديعة بغير بينة، لم يضمنها إذا أنكرها الذي زعم هذا أنه أودعه إياها أو قال: أودعني وتلفت [55/ب]؛ لأنه لما خاف عورة منزله أو سافر كان له مباحاً أن يودع لغيره وإن لم يؤمر بذلك.
م: كدفعه إلى زوجته وخادمه ومن شأنه أن يدفع له.
م: وينبغي على أصلهم أن يضمن إذا لم تقم بينة على إيداعه؛ لأنه دفع إلى غير من دفع إليه؛ أصله ولي اليتيم، ولكنهم لم يضمنوه للعذر، والله أعلم.
[المسألة الأولى: فيمن استودع وديعة وهو في مكان غير آمن فخاف عليها] م: وقال أشهب في كتبه: ومن استودع وديعةٌ وهو في خرابٍ فخاف عليها وأودعها لغيره في أعمر من مكانه، فإن كان ربها قد علم بخراب موضعه وخوفه ولم يزد خرابه إلى ما هو أخوف؛ المودع ضامنٌ، وإن زاد خراب موضعه وخوفه على ما كان في وقت الوديعة، فلا شيء عليه في إيداعه لغيره.
[المسألة الثانية: فيمن استودع وديعة فسافر بها] ومن كتاب الوديعة قال مالك: وإن سافر فحمل الوديعة معه فقد ضمن، وإن أودعت لمسافرٍ ملاً فأودعه في سفره فضاع، ضمن، بخلاف الحاضر يسافر، وقال مالك: في امرأةٍ هلكت في الإسكندرية، فكتب وصيها إلى ورثتها

الجزء: 18 - الصفحة: 370

وهم بالمدينة، فلم يأته منهم خبر، فخرج بتركتها إليهم فهلكت في الطريق، فهو ضامنٌ من حيث خرج بها من غير أمر أربابها.
[(5) فصل [فيمن استودع وديعة فبالغ في الاحتياط في حفظها مخالفاً لأمر ربها] قال محمد بن عبد الحكم: فيمن أودع رجلاً وديعةً فقال له: اجعلها في تابوتك ولا تقفل عليها، فجعلها في تابوته وقفل عليها فتلفت، فإنه يضمنها؛ لأن السارق إذا رأى التابوت مقفولاً كان أطمع فيه، ولو قال: اجعلها في التابوت ولم يقل غير ذلك، لم يضمن إن قفل عليها، ولو قال له: اقفل عليها قفلاً واحداً، فقفل عليها قفلين، لم يضمن؛ لأن السارق يطمع فيما يقفل بقفل أو بقفلين.
م: والسارق أطمع فيما يقفل بقفلين؛ لأنه خلاف العادة، فمزيد طمعه يوجب الضمان، والله أعلم.
ولو قال: اجعلها في قدر فخارٍ، فجعلها في سطلٍ نحاسٍ فضاعت، لضمن؛ لأن السارق عينه إلى سطل النحاس أكثر من الفخار، ولو قال: اجعلها في سطل نحاس، فجعلها في قدر فخارٍ فضاعت، لم يضمن.
[(6)] فصل [فيمن استودع دراهم فخلطها بمثلها، ثم ضاع المال كله أو بعضه أو خلطها بدراهم مختلفة عنها، وكيف إن كان الخلط من صبي، وفي قسمة المخلوط] ومن المدونة: ومن أودعته دنانير أو دراهم فخلطها بمثلها، ثم ضاع المال كله لم يضمن، وإن ضاع بعضه كان ما ضاع وما بقي بينكما؛ لأن دراهمك لا تعرف من دراهمه، ولو عرفت بعينها كانت مصيبة كل واحدةٍ من ربها، ولا

الجزء: 18 - الصفحة: 371

يغيرها الخلط، وإن أودعته حنطةً فخلطها بحنطةٍ مثلها، وفعل ذلك على الإحراز والرفع فهلك الجميع، لم يضمن.
لأن المودع على مثل هذا دخل، وقد يشق على المودع أن يجعل كل ما أودعه على حدة؛ ولأنه لو تعدى على الوديعة فأكلها ثم رد مثلها، ثم ضاعت بعد رده، لم يلزمه شيءٌ فخلطها بمثلها كرد مثلها، فلا يضمن إذا ضاعت.
م: وقد اختلف الناس في الدنانير إذا تسلفها ثم رد مثلها، ثم ضاعت فقيل: لا ضمان عليه كما لو لم يتسلفها، وقيل: يضمن؛ لأنها بالسلف صارت في ذمته فيلزمه إيصالها إلى يد ربها، ويدخل هذا القول فيما قال في المدونة.
[المسألة الأولى: في خلط الوديعة بشيء مختلف عنها] قال في المدونة: وإن كانت مختلفةٌ ضمن، وكذلك إن خلط حنطتك بشعيرٍ ثم ضاع الجميع، فهو ضامنٌ؛ لأنه قد أفاتها بالخلط قبل هلاكها - لأنها لا تتميز وليس كصنفٍ واحدٍ من عينٍ أو طعام - وإن أودعته حنطة فخلطها صبي أجنبي بشعيرٍ للمودع، ضمن الصبي ذلك في ماله؛ فإن لم يكن له مالٌ، ففي ذمته، لهذا مثل حنطته ولهذا مثل شعيره - يريد: ويباع هذا المخلوط عليه فيما لزمه - قال: وإن اختارا ترك الصبي ويكونان في المخلوطين

الجزء: 18 - الصفحة: 372

[56/أ] شريكين بقدر قيمة طعام كل واحدٍ بعد العلم بكيله، جاز.
[المسألة الثانية: في قسمة المختلط، وكيف إن كان المتعدي جائز التصرف] قال ابن المواز: لا يجوز أن يصطلحا على أن يقتسما ذلك بينهما على قيمة الطعامين، وأما على قدر كيل طعام كل واحدٍ، فجائزٌ إذا رضيا، ونحوه لأشهب؛ لأنهما ينتقلان عن كيلٍ معلومٍ إلى قيمةٍ مجهولةٍ، وأجاز ذلك ابن القاسم، قال: ولو كان المتعدي جاز الأمر لم يلزمه رضاهما بقسمة المختلط؛ لأنه يقول لهما: إنما لكا عليّ قمحٌ وشعيرٌ غير مختلط، فليس لكما أن تأخذا غير الواجب لكما عليّ، وأما لو ضمنه أحدهما مثل حنطته أو مثل شعيره، ثم قال الآخر: أنا أشاركك فيها، فهذا بينٌ أن ليس له ذلك؛ لأن نصيب الذي ضمنه صار للمتعدي، فصار من أراد أن يشركه يأخذ منه قمحاً وشعيراً عن قمحٍ أو شعيرٍ بغير رضاه، ولو تراضوا بذلك وأعطاه ذلك يداً بيدٍ جاز؛ لأنه أعطاه في شعيرٍ قمحاً وشعيراً، فلا تحريم في ذلك.
ومن المدونة: ولو أعطى أحدهما الآخر مثل طعامه على أن يدع له جميع المخلوط لم يجز؛ لأنه بيعٌ، إلا أن يكون هو المتعدي في خلطه فيجوز؛ لأنه قضاءٌ لما لزمه.
ونحوه لأشهب في المجموعة.

الجزء: 18 - الصفحة: 373

وقال يحيى: أجاز أشهب أن يعطي لصاحبه مثل طعامه إذا رضيا.
قال يحيى: وقبل أن يتفرقا وإلا لم يجز، وروى أبو زيدٍ: وجائزٌ أن يبيعاه ويقتسما الثمن على قدر قيمة طعام كل واحدٍ منهما.
قال أبو محمد: يريد يوم خلطه الصبي.
م: وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب الغصب.
[(7) فصل [فيمن استهلك من الوديعة شيئاً، ثم هلك بقيتها] ومن المدونة: ومن أودعته دراهم أو حنطةً أو ما يكال أو يوزن، فاستهلك بعضها ثم هلك بقيتها لم يضمن، إلا ما استهلك أولاً، لم يضمن شيئاً إن ضاعت بعد ذلك، وهو مصدق أنه رد فيها ما أخذ منها كما يصدق في ردها إليك وفي تلفها.
وفي كتاب ابن المواز: وهو مصدق في رد ما تسلف منها مع يمينه، وكذلك ذكر أشهب في كتبه أنه مصدق مع يمينه.
وقال محمد في كتاب الإقرار: فيمن استودع دنانير فتسلف دنانير منها ثم ردها فضاع ذلك، أنه لا يضمن إن كان تسلفها بغير بينة، والقول قوله،

الجزء: 18 - الصفحة: 374

وإن كان ببينة، فلا قول له إلا ببينة.
قال يحيى بن عمر: اختلف قول مالك في الذي ينفق من وديعةٍ عنده شيئاً ثم يرده، فقال: لا شيء عليه، وأخذ بهذا ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال أيضاً مالك: إن ردها بإشهادٍ بريء وإلا لم يبرأ، وبه أخذ ابن وهب.
وقال أيضاً مالك: لا يبرأ وإن ردهح لأنه دين ثبت في ذمته، وهذا قول أهل المدينة من أصحاب مالك وروايتهم عن مالك، ورواه المصريون ولم يقولوا به.
م: فوجه قول ابن القاسم؛ فلأنه منفقٌ لها على وجه التأويل واعتقاد ردها، فلم يخرجه ذلك من الأمانة، فوجب قبول قوله.
ووجه مذهب ابن وهب أنه يأخذها تخلدت في ذمته، ما تخلد في الذمة لا يبرأ المقر به أنه رده إلا ببينة أو بإقرار المقر له كسائر الديون.
ووجه قوله لا يبرأ وإن رده ببينة؛ لأنه بتعديه أخرج نفسه من الأمانة، ولزمت ذمته، فرده إياها لموضعها لا يزيل عنه الضمان؛ لأنه غير أمينٍ بعد؛ وكما لو

الجزء: 18 - الصفحة: 375

جحدها ثم اعترف بها وادعى تلفها، لم يقبل منه، فكذلك هذا.
[المسألة الأولى: إذا استودعها مصرورة فحل صرارها وسلف منها] قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: وإذا استودعها مصرورةٌ فحل صرارها ثم تسلف منها شيئاً، فقد ضمنها [56/ ب] كلها إن تلفت بعد أن رد فيها ما تسلف أو قبل، وكذلك لو حلها ولم يستلف منها لضمنها حين تعدى فحل وثاق ربها وأفضى إليها، ولو استودعها منثوره فتسلف منها، ثم تلفت لم يضمن غير ما تسلف، وهو مصدقٌ في در ما تسلف منها، ولو تلف بعد أن رده، لم يضمن شيئاً.
وقال ابن القاسم وأشهب وأصبغ: المصرورة والمنثورة سواءٌ، والأول أحب إليّ.
م: وتسلفه من المنثورة ورده أشد من حل المصرورة فقط، وإذا قبل رده في المنثورة وتلفها بعد ذلك، وجب قبول قوله في المصرورة أنها تلفت بعد أن حل صرارها؛ لأن ذلك ليس هو الذي أوجب إتلافها؛ فكذلك إذا تسلف من المصرورة ثم رد فيها ما تسلف منها وجب قبول قوله في الرد والتلف كما قبل قوله في المنثورة في الرد والتلف.
[المسألة الثانية: فيمن أودع وديعة، وقيل له تسلف منها] ومن كتاب ابن شعبان: ومن أودع وديعةً، وقيل له: تسلف منها إن

الجزء: 18 - الصفحة: 376

شئت فتسلف منها وقال: رددتها، فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها.
ومن كتاب الوديعة: ولو تسلف جميعها، ثم رد مثلها مكانها لبريء، كان أخذه إياها على السلف أو على غيره، ولا شيء عليه إن هلكت بعد أن ردها، ولو كانت ثياباً فلبسها حتى بليت واستهلكها ثم رد مثلها، لم يبرأ ذمته من قيمتها؛ لأنه إنما لزمته قيمتها، ومن أودع وديعةً بيده لغير عذرٍ ثم استردها فهلكت، لم يضمن؛ كرده لما تسلف منها.
[(8)] فصل [في اختلاف المودع والمستودع في هلاك الوديعة بعد إقرار المستودع أنه استعملها] قال ابن المواز في كتاب الإقرار: ومن استودع دابةً أو ثوباً، فأقر المستودع بركوب الدابة، ولباس الثوب، فهلك ذلك، فقال ربه: إنما هلك ذلك بيدك قبل أن ترده إلى موضعه، وقال المستودع: بل بعد ارددته، قال: فهو مصدقٌ مع يمينه إذا كان مقراً بالفعل، وأما إن لم يقر وقامت بذلك بينة، فلا يصدق أنه رد ذلك إلى موضعه إلا ببينة، وهو قول أصحابنا.
ومن كتاب الإقرار لابن سحنون: إذا أقر أنه لبس ثوباً وديعةً عنده، أو كانت دابة فركبها، ثم قال: هلكت بعدما نزلت عنها، فهو ضامنٌ؛ لأنه لما ركبها ضمن بالتعدي، ولو قال: ركبتها بإذن ربها فأنكر ربها، فالقول قول ربها مع يمينه، ولو أقام البينة أنه نزل عنها سالمةً ثم تلفت، بريء من ضمانها، وقال بعض أصحابنا: هو ضامنٌ حتى يردها بحالها.

الجزء: 18 - الصفحة: 377

م: وهذه الأقوال في مسألة الثوب والدابة جارية على الخلاف في قول مالك في رده ما تسلف من الوديعة.
وإن خلط الدراهم بمثلها، فضاع بعض ذلك، فعلى مذهب مالك: يكون ما ضاع على قدر ما لكل واحدٍ، إن خلط عشرةً بخمسةٍ له فضاع من الجملة دينارٌ أو ردهمٌ، فعلى مذهب مالك يكون على صاحب العشرة ثلثاه، وعلى صاحب الخمسة ثلثه، وعلى مذهب ابن القاسم يكون الضائع بينهما نصفين؛ لأن كل واحدٍ يدعي أن الضائع من مال الآخر، فيقسم بينهما.

الجزء: 18 - الصفحة: 378

[الباب الثاني] في المودع والمقارض يدعي رد ذلك إلى ربه بنفسه أو مع رسوله، وفي الرسول يدعي دفع ما أرسل به، وفي موته وموت المودع والمقارض وإقرارهما عند الموت

[(1) فصل: في المودع والمقارض يدعي الرد بنفسه، وكيف لو ادعى الضياع أو السرقة] [المسألة الأولى: في المودع والمقارض يقبض المال بغير بينة، ثم يدعي الرد] قال ابن القاسم عن مالك: ومن بيده وديعةٌ أو قراضٌ لرجل، فقال له: رددت ذلك إليك، فهو مصدق.
قال في كتاب ابن المواز: مع يمينه، وقاله ابن حبيب عن ابن الماجشون: أنه مصدقٌ مع يمينه.
م: لقوله سبحانه: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ فضرف ذلك إلى أمانتهم.
[المسألة الثانية: في المودع والمقارض يقبض المال ببينة، ثم يدعي الرد] قال في كتاب [57/أ] الوديعة: إلا أن يكون قبض ذلك ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة.
قال أبو محمد: لأنه ائتمنه بتوثق، فلا يخرج من ذلك إلا ببينة.
[المسألة الثالثة: في المودع والمقارض يقبض المال ببينة ثم يدعي ضياعه أو سرقته] قال مالك: ولو قبضه ببينةٍ، فقال: ضاع مني أو سرق، صدق،

الجزء: 18 - الصفحة: 379

يريد: ولا يمين عليه إلا أن يتهم فيحلف.
قال أبو محمد: وقاله أصحاب مالك.
قال محمد بن عبد الحكم: فإن نكل المتهم عن اليمين ضمن، ولا ترد اليمين ها هنا.
وروى ابن نافع عن مالك: أن المودع يحلف، وإن لم يكن من أهل التهم، وكذلك ذكر القاضي إسماعيل عن ابن نافع عن مالك.
[فائدة: في الفرق بين دعوى الرد أو الضياع] م: والفرق بين دعواه الرد، وبين دعواه الضياع على أحد القولين: أن رب الوديعة في دعواه الرد يدعي يقيناً أنه كاذبٌ فيحلف، كان متهماً أو غير متهم، وفي الضياع لا علم له بحقيقة دعواه، وإنما هو معلومٌ من جهة المودع فلا يحلف إلا أن يكون متهماً.
م: وهو الصواب.
ألا ترى أنه مصدقٌ في دعواه الضياع بإجماعهم وإن كان الدفع إليه ببينة، فإنما اختلفوا في يمينه، ولا يصدق في دعواه الرد إذا كان قبضه ببينة، فلا يبرأ إلا ببينة، فالرد والضياع مفترق.
ومن أخذ الوديعة بمحضر قومٍ ولم يقصد إشهادهم عليه، فهو كقبضة بلا بينة حتى يقصد الإشهاد عليه.

الجزء: 18 - الصفحة: 380

[(2) فصل: في المودع والمقارض يدعي الرد مع رسوله] ومن كتاب الوديعة: ولو قال في الوديعة والقراض: قد رددت ذلك مع رسولي إلى ربه، ضمن إلا أن يكون رب المال أمره بذلك.
[المسألة الأولى: في المستودع يأذن له صاحب الوديعة أن يدفعها لمن جاءه بأمارة] ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن وهب: في المستودع يأذن له ربها أن يدفعها إلى من جاءه بأمارةٍ ذكرها له، فجاءه رجلٌ بالأمارة، فدفع إليه المال، ثم مات ربه، وقام ورثته على الرسول الذي قبض المال بالأمارة، فقالوا: ما صنعت به؟ قال صنعت به ما أمرني به ربه، قالوا وما الذي أمرك به ربه؟ قال: ليس عليّ أن أخبركم، قال: يحلف لقد صنع به ما أمره به ربه ويبرأ، وقاله ابن القاسم.
[(2) فرع: فيمن بيده مالٌ وديعة أو دين، فأشهد على نفسه دون علم صاحب المال، ثم ادعى الرد] ومن كتاب ابن الماجشون: فيمن بيده مالٌ وديعةً أو ديناً، فأشهد بذلك على نفسه قوماً ورب المال لا يعلم بإشهاده، ثم ادعى رد الوديعة وقضاء الدين، قال: هو مصدقٌ في الوديعة وعليه البينة في الدين، ولو مات رب الوديعة أو الدين، فادعى رد الوديعة وقضاء الدين وكذبه الورثة، فعليه البينة فيهما جميعاً.
قال أبو محمد: يريد: أنه ردها إلى الورثة وهم غير من أودعه.
[(2) فرع: فيمن استودع وديعة فأقر بها عند ثقة من غير إشهاد، ثم يموت، فيقوم ربها] ومن العتبية وكتاب محمد قال ابن القاسم عن مالك: فيمن استودع

الجزء: 18 - الصفحة: 381

وديعة فيقر بها عند ثقةٍ من غير أن يشهد بها عليه، ثم يموت، ثم يقوم ربها، قال مالك: هذه أمورٌ لها وجوهٌ: أرأيت لو تقادم هذا عشرين سنة أو عشر سنين، ثم مات، فقام ربها، فهذا لا شيء له.
قال ابن القاسم: وكأني رأيته إن كان قريباً أن يكون ذلك له.
قال في العتبية: كالأشهر والسنة وشبه ذلك، ثم مات، وقام ربها: إن ذلك في مال الميت.
[(3)] فصل [في رسولك يدعي الدفع، والآخر ينكر] قال مالك: ومن دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجلٍ، فقال: دفعته إليه، وأنكر ذلك الرجل، فإن لم يأتِ الدافع ببينة، ضمن، قبض ذلك منه ببينة أو بغير بينة - كالوصي يدعي الدفع إلى الأيتام - ولو شرط الرسول أن يدفع المال إلى من أمرته بغير بينة، لم يضمن وإن لم تقم له بينة بالدفع إذا ثبت هذا الشرط - لقوله عليه الصلاة والسلام: ((المسلمون على شروطهم)) - وإن قال الرسول: لم أجد الرجل، فرددت إليك المال صدق إلا أن يكون قبضه ببينةٍ،

الجزء: 18 - الصفحة: 382

فلا يبرأ إلا ببينة.
م: معناه: أنه بعثه إلى من معه بالبلد، وأما إن بعثه إلى من بغير البلد، لم يجب أن يكون القول [57/ب] قوله في الرد؛ لأنه متعد في الرد؛ لأن الواجب عليه - إذا لم يجده - إيداعها له، فإذا كان متعدياً في الرد، وجب عليه الضمان، فإذا صارت في ذمته لتعديه في ردها، وجب ألا يقبل قوله - رددتها - وإن أخذها بغير بينة.
فإن قال: قد سلمت في الرجوع وبرئت ذمتي، كردي لما تسلفت من الوديعة، قيل له: الوديعة رددتها حيث أمرت بإبقائها فيه وهذه رددتها في غير الموضع المأذون لك بإبقائها فيه، فلم تبرأ ذمتك بردها.
ومن المدونة قال مالك: وإن بعثت بمالٍ بضاعة إلى رجلٍ ببلدٍ وقدمها الرسول، ثم مات، فزعم الرجل أن الرسول لم يدفع إليه شيئاً، فلا شيء لك في تركة الرسول، ولك اليمين على من يجوز أمره من ورثته أنه ما يعلم له شيئاً، قال مالك: وإن مات الرسول قبل أن يبلغ البلد، فلم يوجد للمال أثرٌ، فإنه يضمنه ويؤخذ من تركته.
قال سحنون: رواية سوء، وقول أشهب أعدل.
قال أشهب: لا يبرأ ورثة الميت من المال، وعليهم غرمه إلا أن يقيموا بينة أن الرسول دفعه؛ وقال: لما كانت البينة على هذا المأمور بالدفع في حياته، لم يكن موته بالذي يضع ذلك عنه، سواءٌ مات في الطريق أو بعد بلوغه،

الجزء: 18 - الصفحة: 383

وقاله أصبغ: وفي كتاب محمد عكس ما في المدونة في أحد القولين.
م: فوجه ما في المدونة أنه إذا مات في الطريق، فلم توجد حمل أمره في ذلك على أنه تعدى عليها؛ كما لو أودعها في الحضر، فمات ولم يدع ضياعها أنها في ماله، وإذا مات بعد وصول البلد حمل أمره على أنه دفعها ولو كان حياً لأخبر بمن يشهد له، والمنكر لا يخير بمن يشهد عليه، وضمنه في كتاب محمد في هذا؛ لأن عليه الإشهاد إذ لا يمكن أن يخفى ذلك على ورثته إذا بحثوا عليه، وإذا مات في الطريق برئت ذمته ويحمل أمره على الضياع لا على التعدي، وأخذ محمد بقول أشهب.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن بعث معه بمالٍ إلى رجل صدقةً أو صلةً أو سلفاً أو من ثمن بيع أو ليبتاع لك به سلعة، فقال دفعته إليه، وأكذبه الرجل لم يبرأ الرسول إلا ببينة - وإن صدقه بريء - وكذلك إن أمرته بصدقته على قومٍ معينين وإن صدقه بعضهم وكذبه بعضهم، ضمن حقة من كذبه، ولو أمرته بصدقته على قوم غير معينين، صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة.
م: يريد: إنما يحلف إذا كان متهماً، والله أعلم.
[(4)] فصل [في موت المودع والمقارض وإقرارهما عند الموت] [المسألة الأولى: فيمن هلك وقبله قراضٌ وودائع ولم يوص بشيء] ومن هلك وقبله قراضٌ وودائع لم توجد ولم يوص بشيء، فذلك في ماله، ويحاص بذلك غرماءه، فإن قال عند موته: هذا قراض فلان وهذا وديعة فلانٍ، فإن

الجزء: 18 - الصفحة: 384

لم يتهم صدق، وذلك للذي سمى له.
[المسألة الثانية: في إقرار المقارض والمودع بالمال لصاحبه عند الموت] وقال أشهب في كتابه: وإذا قال عند موته: قراض فلانٍ، ووديعة فلانٍ في موضع كذا، فلم توجد حيث قال، فلا ضمان عليه.
[المسألة الثالثة: فيمن هلك وترك ودائع ولم يوص بشيء] ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم: إذا ترك ودائع ولم يوص، فتوجد صرر عليها مكتوبٌ: هذه لفلان.
وفيها كذا، ولا بينة على إيداعه، فلا شيء له إلا ببينة أو بإقرار الميت، ولعله صانع أهل البيت.
[فرع: في الخط هل يعد بينة يقضى بها] قال عنه عيسى: فيمن بيده ودائع للناس - وهو يعلم أنه يتفق منها - فيوصي بودائع، فيوجد في تابوته كيسٌ فيه دنانير فيه مكتوبٌ: أنها لفلانٍ وأن عددها كذا، فيوجد العدد أقل، فإن ثبت أن ذلك خطة ببينة كان ما نقص في ماله، وإن لم يشهد على خطة أحد، حلف الورثة أنهم ما يعلمون من ذلك شيئاً ولا شيء عليهم.
وكذلك لو وجد قرطاسٌ مكتوبٌ فيه: حسابٌ لفلان عندي كذا، فإن شهد بأن ذلك خط الميت، كان ذلك لفلان [58/أ] في ماله، وإلا فلا شيء له.
وقال أصبغ: وكذلك لو وجد خط صاحب المال على الكيس مع وجدانه في

الجزء: 18 - الصفحة: 385

حوز المستودع حيث أقره، فإنه يقضى له به.
قال أصبغ: وهذا على قول من يقضي بالخط، والخط عندنا ثابتٌ صحيحٌ، وقد بلغنا أن عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - قضى بالخط في شهادة الشاهد وهو أشد، وأما على خط المقر بعينه فهو الإقرار الصراح، وقد قال مالك: إذا شهد على الخط شاهدان لم يكن على صاحب الحق يمينٌ؛ لأن ذلك إقرارٌ، وإن كان شاهداً واحداً حلف معه واستحق، وإن كان شاهداً على الخط وشاهداً على الحق تمت الشهادة.

الجزء: 18 - الصفحة: 386

الباب الثالث: في القضاء في التداعي في الودائع وغيرها

[(1) فصل: في اختلاف رب المال والقابض على ماذا كان القبض] قال مالك: ومن قال لرجلٍ: أقرضتك كذا وكذا، وقال الرجل: بل أودعتنيه، وتلف المال، صدق رب المال.
م: لأن القابض مقر بوضع يده على مال رجلٍ، مدعٍ لطرح ضمانه.
وقال أشهب: القول قول المودع، ولا يؤخذ أحدٌ بغير ما أقر به.
قال ابن القاسم: وإن قال رب المال: بل غصبتنيه أو سرقته مني، فهو مدعٍ؛ لأنه من معنى التلصص، فلا يصدق عليه، ولا يضمن له الرجل شيئاً، لإبطال الدعوى التي أراد بها تضمينه.
م: قال بعض الفقهاء: إنما معنى هذا؛ لأنه ادعى الغصب على من لا يليق ذلك به، فصار كأنه ادعى ما لا يشبه، فلم يصدق، ولو كان ممن يليق به الغصب لكان القول قول رب المال؛ لأنه ادعى ما يشبه، كدعواه القرض على جملة الناس.
[(2) فصل: في اختلاف دافع المال والقابض فيما كان دفع المال] ومن المدونة: ومن أخذ من رجلٍ مالاً، فقال له الدافع: إنما قضيتك من دينك عليّ، أو رددته من القراض الذي لك عندي، وقال الآخر:

الجزء: 18 - الصفحة: 387

بل أودعتنيه فتلف، صدق الدافع مع يمينه وإن كان لك عند رجلٍ ألف درهم قرضاً وألف درهمٍ وديعةً، فأعطاك ألفاً أو بعث بها إليك، ثم زعم أنها القرض وأن الوديعة قد تلفت، وقلت أنت: بل الذي قبضت الوديعة، فالقول قول المستودع، كما يصدق في ذهاب الوديعة.
قال أبو محمد: وهذه مسألةٌ مبينةٌ في كتاب محمد بن سحنون: أن القول قول الدافع للدنانير أنها هي المئة الدين، ولا يلتفت إلى قول رب المال، والمستودع مصدقٌ في ذهاب الوديعة.
وقال أشهب في كتابه: إن دفع الألف إلى ربها ببينة قبل قوله أنها القرض، وإن دفعها بغير بينة، صدق ربها، ولا يخرجه من الدين إلا البينة.
م: وهذا إذا كان دفع إليه رب المال الوديعة بغير بينة، فإذا رد بغير بينة دل أنها الوديعة؛ إذ لا إشهاد يلزمه فيها، وإن رد ببينة دل أنها القرض ولا يبرئه منه إلا البينة، ولو كان إنما دفع إليه رب المال الوديعة ببينة، لوجب إن رد ببينة أن يكون القول قول المودع؛ كما قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً فجحدك إياها فأقمت عليه البينة، أنه يضمن.

الجزء: 18 - الصفحة: 388

الباب الرابع: في القضاء في إيداع الصبي والعبد ومن فيه بقية رِق وفيما قبضوه بإذن ساداتهم فاستهلكوه

[(1) فصل: في إيداع الصبي] [58/ب] قال ابن القاسم: ومن أودع صبياً صغيراً وديعةً بإذن أهله أو بغير إذنهم، فضاعت لم يضمن - يريد: وكذلك السفيه؛ لأن أصحاب ذلك سلطوا يده على إتلافه - قال مالك: ومن باع منه سلعةً فأتلفها، فليس له اتباعه بثمن ولا قيمة، ولو ابتاع من الصبي سلعةً ودفع إليه الثمن فأتلفه، فالمبتاع ضامنٌ للسلعة ولا شيء له قبل الصبي من الثمن.
[(2) فصل: في دفع الوديعة للعبيد] [المسألة الأولى: في إيداع العبد المحجور عليه والمأذون له في التجارة] وإن أودعت عبداً محجوراً عليه وديعةً، فأتلفها، فهي في ذمته إن عتق يوماً ما، إلا أن يفسخها عند السيد في الرق فذلك له؛ لأن ذلك يعيبه فيسقط ذلك عن العبد في رقه وبعد عتقه، وما أتلف المأذون له في التجارة من وديعةٍ بيده، فذلك في ذمته لا في رقبته؛ لأن الذي أودعه متطوعٌ بالإيداع، وليس للسيد أن يفسخ ذلك عنه.
وقال أشهب في كتابه: في العبد المحجور عليه يتلف الوديعة قد أودعها، فإن كان مثله يستودع فهي في ذمته، رق أو عتق، وإن كان وغداً لا يستودع مثله فلا شيء عليه في رقه، رد ذلك عنه السيد أو لم يرده حتى يلي نفسه بالعتق.
يريد: فيتبع.
وأنكرها سحنون.

الجزء: 18 - الصفحة: 389

وقال أشهب: وقد قال مالك في العبد غير المأذون يتاجر الناس بغير إذن السيد، فإن كان فارهاً، مثله يتاجر الناس، فذلك في ذمته.
[المسألة الثانية: في إيداع العبد الوغد المأذون له في التجارة] قال أشهب: وإذا استئجر عبده الوغد، فلسيده أن يبطل عنه ما أتلف من أمانةٍ؛ لأنه لم يأذن له في أخذ الودائع ومثله لا يودع.
[(1) فرع: في العبد المحجور يدعي أن سيده بعثه للاستعارة] م: فإذا أتى العبد المحجور عليه إلى رجلٍ، فقال له: سيدي أمرني أن أستعير منك كذا، فصدقه ودفع إليه ما ذكر، فأنكر سيده.
فقيل: للسيد أن يطرح ذلك عن ذمة العبد بعد يمينه أنه ما بعثه، وقيل: إن ذلك دينٌ عليه في ذمته لا يسقطه عنه السيد، والأول أشبه؛ لأن الذين صدقوه هم أتلفوا متاعهم إذ لم يستثبتوا.
وأما ما تعمد أخذه، فذلك جنايةٌ في رقبته، فكذلك ما تعدى عليه السفيه والصبي يتبعون به في ذمتهم، وكل ما لزم رقبة العبد لزم ذمة الصبي، واختلف في الأمة تكون بين حرٍّ وعبدٍ فيطأها العبد، فقيل: ذلك جنايةٌ من العبد في رقبته، وقيل: في ذمته.
م: والأول أشبه.
[(3) فصل: فيما قبضه العبد ومن فيه بقية من رق فاستهلكه، وفيما أفسده العبد المأذون له في الصناعة] قال في العتبية: ومن أراد أن يودع رجلاً وديعةً، فقال له الرجل: ادفعها

الجزء: 18 - الصفحة: 390

إلى عبدي، ففعل فاستهلكها العبد فهي في ذمته، قلت: فإن غره السيد من العبد، قال: لا شيء على السيد بكل حال.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يكون في ذمته بإقراره أنه استهلكها حتى تقوم بينةٌ باستهلاكه إياها.
ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: وما أفسد العبد الصانع المأذون له في الصناعة، مما دفع إليه ليعمله أو يبيعه، فأتلفه ففي ذمته، وكذلك من ائتمنه على شيء أو أسلفه، فإن ذلك في ذمته لا في رقبته ولا فيما بيده من مال السيد، وليس للسيد فسخ ذلك عنه، وما قبضه العبد والمكاتب وأم الولد والمدبر من وديعة بإذن ساداتهم فاستهلكوه، فذلك دينٌ في ذمتهم لا في رقابهم، بخلاف الصبي يقبض وديعةً بإذن أبيه فيتلفها، هذا لا يلزمه شيءٌ ولا ينبغي ذلك لأبيه، ومن أودعته وديعةً فاستهلكها ابنه الصغير، فذلك من مال الابن، فإن لم يكن له مالٌ ففي ذمته، وإن استهلكها عبده، فهي جناية [59/أ] في رقبته، فإما فداه السيد ذلك أو أسلمه، ومن قتل عبداً، فقيمته في ماله حالةٌ، ولا تحملها العاقلة.

الجزء: 18 - الصفحة: 391

الباب الخامس: في دفع الوديعة لغير ربها، وشهادة الرسول بصدقتها على المودع، ودفع الثمن لرسول البائع

[(1) فصل: في دفع الوديعة لغير ربها] [المسألة الأولى: في المودع يدعي أنك أمرته أن يدفع الوديعة إلى فلان] قل ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً فادعى أنك أمرته بدفعها إلى فلانٍ ففعل، وأنكرت أنت أن تكون أمرته، فهو ضامن، إلا أن تقوم بينةٌ له أنك أمرته بذلك.
قال أشهب في كتاب: وسواءٌ أودعته ببينة أو بغير بينةٍ.
قال سحنون: ويحلف ربها، فإن نكل حلف المودع وبرئ.
[المسألة الثانية: في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها، وكيف إن جاءه بكتاب وأمارة] قال ابن القاسم: في المودع يأتيه من يزعم أن ربها أمره بأخذها، فصدقه ودفعها إليه، فضاعت منه، أن الدافع ضامنٌ لها، ثم له أن يرجع على الذي قبضها فيأخذها منه.
وقال أشهب في كتابه: لربها أخذها من أيهما شاء، ثم لا رجوع لمن أخذها منه على الآخر؛ لأن الدافع صدق الرسول أنه مأمورٌ بأخذها، فلا يرجع عليه إن غرمها.

الجزء: 18 - الصفحة: 392

م: ولابن القاسم في النكاح الأول في قبض الوكيل ما يدل على قول أشهب.
قال ابن المواز في كتاب الإقرار: ولو جاء بكتابه بأمارة، فدفعها إليه وهو يعرف خطه وأمارته فدفع إليه وصدق كتابه فأنكر ربها، فليحلف أنه ما أمره ولا كتب بذلك إليه، وأنه لا حق له عليه، ثم يغرم له الدافع، ثم يرجع بها على القابض ولا يمنعه ذلك من الرجوع عليه.
قال ابن المواز: وللذي جاءه بالكتاب - وإن عرف خطه وأمارته فيه -[أن] لا يدفع إليه ما أودعه الغائب أو حقاً للغائب عليه.
قال محمد بن عبدوس: في الذي قال للمودع بعثني ربها لأخذها منك، فدفعها إليه، ثم اجتمع مع ربها، فذكر ذلك له، فسكت، ثم طالبه بعد ذلك، قال: يحلف أنه ما أمر فلاناً بقبضها وما كان سكوته رضاً بقبضه، ثم يغرمه، ولو أن رب المال علم بقبض القابض، فجاء إلى المودع، فقال: كلم فلاناً القابض يحتال لي في المال، فقال: هذا رضى بقبضه، فليطلبه به، ويبرأ الدافع، ولو طلب ربها الدافع فجحده فقال ربها: احلف ما أودعتك.
فقال: يحلف له أنه مالك على شيءٌ.
قال أبو محمد: يريد على قول ابن الماجشون: ويعني أيضاً أن الدافع أيقن بأمر رب الوديعة له.

الجزء: 18 - الصفحة: 393

[(2) فصل: في شهادة رسولك بأن ما أرسلته معه من مال لرجل إنما هو صدقة عليه] ومن كتاب الوديعة قال مالك: وإن بعثت إلى رجلٍ بمالٍ، فقال: تصدقت به عليّ، وصدقه الرسول، وأنت منكرٌ للصدقة - وتقول: بل هو إيداعٌ - فالرسول شاهدٌ، يحلف معه المبعوث إليه ويكون المال صدقة عليه، قيل لمالك: فكيف يحلف ولم يحضر؟ قال: كما يحلف الصبي إذا كبر مع شاهده في دين أبيه.
محمد - وقاله عبد الله بن عبد الحكم -: وهو أحب ما سمعت فيها إليّ؛ لأن الرسول لم يتعد في الدفع؛ لإقرار ربها أنه أمره بذلك، فشهادته جائزةٌ، وكذلك إن كان للرسول بينةٌ على دفعه.
وقال أشهب في كتبه: لا تجوز شهادة الرسول؛ لأنه يدفع عن نفسه الضمان.
قال أبو محمد: يريد أشهب أن المتصدق عليه عديمٌ، وقد أتلف المال ولا بية للرسول على الدفع، فأما وهو مليءٌ حاضرٌ، فشهادة الرسول جائزةٌ مع يمين المشهود له، وكذلك إن قامت للرسول بينةٌ بالدفع في عدم المشهود له.
م: وعلى هذا التأويل يكون قول أشهب وفاقاً لابن القاسم: وكذلك [59/ب] علل محمد قول ابن القاسم، وعلل غيره قول أشهب أنه إنما لم تجز شهادته؛ لأنه دفع دفعاً لم يؤمر به، وذلك أن الآمر إنما أمره أن يدفع على جهة الإيداع، فدفع هو على جهة التمليك، فلا تجوز شهادته، ولا يؤخذ الآمر بغير ما أقر به من الدفع، قال: وابن القاسم إنما أجاز شهادته؛ لأنه أذن له

الجزء: 18 - الصفحة: 394

في الدفع، فدفع والمال حاضرٌ، فلم يستهلك بدفعه على باب التمليك شيئاً، فجازت شهادته.
قال بعض الفقهاء: ويجب على أصل أشهب إذا لم تجز شهادة الرسول ولم يجد المال فأغرم الرسول، فللرسول أن يرجع بذلك على المدفوع إليه، وإن كان عنده مظلوماً؛ لأنه يقول: الآمر ظلمك وأغرمني بسببك إذ لم يجد المال بيدك، كقوله في المودع يأتيه رجلٌ بخط رب الوديعة وأمارته أن ادفعها إلى فلان صلةً أو أنها له وهو لا يشك أنه بخطه وأمارته فدفعها إليه، ثم جاء ربها فأنكر وحلف وأغرم المودع، أن للمودع أن يرجع على من قبضها منه وإن كان يعلم أنه مظلومٌ؛ لأنه يقول: بسببك وصل إلى تغريمي.
م: ويحتمل أن يكون الفرق بين المسألتين، أن المأمور في المسألة الأولى متحقق بكذب الآمر، وأن المذفوع إليه مظلومٌ، فلا يجب أن يرحع عليه بشيءٍ، وفي المسألة الثانية: هو لا يقطع بحقيقة كذبه؛ إذ قد يضرب على خطه ويعرف أمارته؛ فلهذا وجب أن يرجع عليه، وأما على أصل ابن القاسم فلا يجب له الرجوع عليه؛ كقوله فيمن استحقت من يده دابة وهو يعلم أنها نتاجٌ عند بائعها منه، وأن المستحق ظالمٌ له، وأن بينته شهدت بروز، فقال ابن القاسم: لا رجوع له بالثمن على بائعه، فكذلك هذا، وقد وقع لأشهب ما يدل أنه اختلف قوله في هذا الأصل، قال: في المودع يأتيه رجلٌ، فيقول له: إن ربها بعثني إليك لآخذها منك، فصدقه ودفعها إليه فادعى ضياعها، فأتى ربها، فأنكر أن يكون بعثه

الجزء: 18 - الصفحة: 395

وحلف وغرم المودع، فقال: لا رجوع له على الرسول، بخلاف ما تقدم له، وابن القاسم يرى له الرجوع في هذه المسألة على الرسول؛ لأنه لم يتحقق صدقه.
[(3) فصل: في دفع الثمن لرسول البائع] ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: وإن بعت من رجلٍ ثوباً وبعثت معه عبدك أو أجبرك ليقبض الثمن، فقال: قبضته وضاع مني، فإن لم يقم المشتري بينة بالدفع إلى رسولك، ضمن، بخلاف من دفعت إليه مالاً ليدفعه إلى رجلٍ، فقال: دفعته إليه بغير بينة وصدقه الرجل، هذا لا يضمن.
م: يريد: ليدفعه إلى الرجل من دين له عليه أو صدقةٍ عليه، فيبرأ الدافع بتصديقه؛ إذ لا طلب للآمر أو غيره فيه، وأما لو أمره بدفعه إليه ليكون وديعةٌ عنده أو ليوصله إلى غيره، فيدعي أنه قبضه منه وتلف، فلا يبرأ الدافع إلا ببينة على دفعه.
قال بعض الفقهاء: إنما لم يصدق المشتري في الدفع إلا ببينة؛ لأنه دينٌ في الذمة، فلا يبرأ من ادعى دفعه إلا ببينة، ولو كان أصله وديعةً، فقلت لآخر: اقبضه لي منه، فقال: قبضته وضاع، لصدق الدافع، وفي كتاب محمد: لا يبرأ إلا بالبينة؛ لأنه دفع إلى غير من دفع إليه؛ فعليه البينة، وابن القاسم إنما جعل إقامة البينة في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ خيفة أن ينكروا، فإذا أقروا فلا ضمان على الوصي، فكذلك هذا إذا أقر بالقبض برئ المودع.

الجزء: 18 - الصفحة: 396

الباب السادس: فيمن أودع وديعة أو أبضع بضاعة لرجلين عند من يكون المال منهما؟

قلت: فالرجل يستودع الرجلين أو يبضعهما عند من يكون ذلك منهما؟ وهل يكون [60/أ] عندهما جميعاً؟ فقال: قال مالك في الوصيين: إن المال يجعل عند أعدلهما، قال مالك: فإن لم يكونا عدلين وضعه السلطان عند غيرهما، وتبطل وصيتهما إذا لم يكونا عدلين، قال ابن القاسم: ولم أسمع من مالك في الوديعة والبضاعة شيئاً، وأراه مثله، وقاله أشهب في كتبه.
قال: وكذلك البضاعة تكون عند أعدلهما، فإن اقتسماها أو كانت عند أدناهما في العدالة ما لم يكن بين الفجور، فلا ضمان على من كان المال في يديه ولا من لم يكن.
قال سحنون في المودعين لا تكون عند أحدهما ولا تنزع منهما، بخلاف الوصيين، وإن اقتسم المودعان أو العاملان المال في القراض لم يضمنا.
قال يحيى: ولا يضمن الوصيان إذا اقتسماه، وقاله أشهب وابن عبد الحكم.
وفي الوصايا لابن حبيب خلافه، وأن كل واحدٍ يضمن ما سلم بالتسليم وما صار بيده؛ لرضاه برفع يد الآخر عنه، والموصي لم يرضهما إلا جميعاً.

الجزء: 18 - الصفحة: 397

وقال القاضي إسماعيل في كتابه المبسوط: الوديعة لا تشبه الوصية؛ لأن الميت إذا مات صار ماله لغيره، فلا يجوز أن يوصي به إلا إلى ثقةٍ، والحي يختار لوديعته من أحب، فلا يجوز للمودعين أن يقتسما الوديعة؛ لأنه لم يرض واحداً منهما منفرداً على شيء من الوديعة، لكن يجعلانها في موضعٍ يثقان به، وتكون أيديهما فيها واحدةً.
ومن الله التوفيق.

الجزء: 18 - الصفحة: 398

الباب السابع: فيمن أودعته أمة فوطئها، أو دابةً أو حيواناً فأنفق عليها، أو أنزى عليها أو أكراها

[(1) فصل: فيمن أودعته أمة فوطئها] قال ابن القاسم: ومن أودعته أمة فوطئها، فعليه الحد، والولد عبدٌ لك.
[(2)] فصل [فيمن أودعك دابة أو حيواناً فأنفقت عليها] ومن أودعك دابة وغاب، فأنفقت عليها بغير أمر السلطان، فإنم إن أقمت بينةٌ أنه أودعكها منذ وقت كذا، فإن الإمام يبيعها ويعطيك ما ادعيت من النفقة وإن لم تشهد بها إذا لم تدع شططاً.
[فائدة: في الفرق بين من أودعك دابة وغاب، وبين الزوجة تدعي في غيبة زوجها أنها أنفقت من مالها على نفسها] م: إن قيل: ما الفرق بين هذا المودع، وبين الزوجة تدعي في غيبة زوجها أنها أنفقت من مالها على نفسها، فلا يقبل منها إلا أن تكون رفعت أمرها في ذلك إلى السلطان أنه لم يترك لها نفقة.
قيل: الفرق بينهما أن هذا قد أقام البينة أنه أودعه إياها ولم تذكر البينة أنه ترك لها مع ذلك نفقةً ولا شعيراً، والزوجة تركها في داره وموضع ماله، فدل سكوتها أنها أنفقت من ماله إذا لم ترفع ذلك إلى السلطان، وأيضاً فإن الغالب أن الرجل لا يغيب حتى يترك النفقة لزوجته وأهله، ولو ترك لها دابةً فادعت أنها

الجزء: 18 - الصفحة: 399

أنفقت عليها من مالها، لكان ذلك كدعواها النفقة على نفسها لما ذكرنا.
قال في العتبية: فيمن بيده جاريةٌ وديعةً فأنفق عليها ثلاثين صاعاً من تمرٍ، فأراد ربها أن يغرم تمراً، فقال المنفق: كان يوم أنفقت أغلى من اليوم.
فأخذ بذلك السعر، قال ابن القاسم: إن اشترى التمر، فليرجع بالثمن، وإن أنفق تمراً من عنده، فلا يرجع إلا بمثله؛ لأنه سلفٌ منه.
قال عيسى: فيمن أودع عنده متاعٌ، فعدا عليه عادٍ فأغرمه عليه [60/ب] مالاً، فلا شيء على رب الوديعة من ذلك.
[(3)] فصل [فيمن أودعته بقراً أو نوقاً فأنزى عليهن، أو كانت أمة فزوجها فحملت فماتت من الولادة] ومن كتاب الوديعة: ومن أودعته بقراً أو أتاناً أو نوقاً، فأنزى عليهن فحملن فمتن من الولادة، أو كانت أمةً فزوجها فحملت فماتت من الولادة، فهو ضامنٌ، وكذلك لو عطبت تحت الفحل.
وقد روى عن مالك فيمن رهن جاريةً عند رجلٍ فزوجها المرتهن بغير أمر صاحبها فحملت فماتت من النفاس: أن ضمانها من الراهن، وقال ابن القاسم: ضمانها من المرتهن.

الجزء: 18 - الصفحة: 400

وقال أشهب في كتبه: لا شيء عليه من ذلك في الإنزاء على حيوان أو تزويج الجواري.
قال أشهب: وإن نقص ذلك كله الولادة، فلا شيء عليه؛ لأن الولادة في الجواري ليس من فعله إنما زوجهن، فكان الحمل من غيره، فلا يضمن، ولو سألتني في البهائم قبل أن ينزيها هل ينزيها؟ لرأيت أن لا يدعها من الإنزاء؛ لأن ذلك مصلحةٌ لها، ولم أضمنه في الجواري ما نقصهن النكاح؛ لأن ذلك نكاحٌ لا يثبت وإن رضي به ساداتهن، ولو كانوا ذكوراً لم يضمن شيئاً، لأن للسيد أن يجيزه، فلا يضمنه وقد أجاز فعله، وإن فسخه رجع العبد إلى حاله من غير نقصٍ.
م: قال بعض الفقهاء: والصواب أن لا يضمن إذا ماتت من الولادة وهو المعروف من قوله: كما لو غصب حرةً فزنى بها وهو غير محصنٍ فحملت فماتت من أجل الوضع أنه لا يقتل بها؛ لأن هذا سبب آخر ماتت به ليس هو نفس العدا، وكمن غر من أمة فزوجها من رجلٍ على أنها حرةٌ فماتت، لم يضمن قيمة ولدها للأب إذا غرم الأب قيمتهم لسيد أمهم، وأما إذا ماتت تحت الفحل، فالصواب أن يضمن؛ لأنه لم يؤذن له في الإنزاء، واختلف في إنزاء الراعي، فلم يضمن عند ابن القاسم؛ لأنه كالمأذون له، وضمنه غيره.
[(4)] فصل [فيمن أودعته إبلاً فأكراها] ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: ومن أودعته إبلاً فأكراها إلى مكة ورجعت بحالها، إلا أنه حبسها عن أسواقها ومنافعك بها، فأنت مخيرٌ في تضمينه قيمتها يوم تعديه، ولا كراء لك، أو تأخذها وتأخذ كراءها، وكذلك المستعير يزيد على المسافة أو المكتري، ونحوه لأشهب في كتبه.

الجزء: 18 - الصفحة: 401

[(5)] فصل [فيمن أودعته أمة فزوجها] قال ابن القاسم: ومن أودعته أمةٌ فزوجها بغير أمرك، فهو ضامنٌ لما نقصها التزويج - قال أبو محمد: يريد: ويفسخ النكاح - قال ابن القاسم: وإن ولدت وكان في الولد ما يجبر به نقص النكاح، لم يغرم لنقص النكاح شيئاً، وربها مخيرٌ إن شاء أخذها وولدها، وإن شاء ضمنه قيمتها بلا ولدٍ.
قال يحيى: يوم بنى بها الزوج على أنها خاليةٌ بلا زوجٍ.
قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن رد أمةً ابتاعها بعيبٍ وقد زوجها فولدت، أنه يجبر نقص النكاح بالولد؛ كما يجبر بزيادة قيمتها، والنكاح ثابتٌ زوجها من عبدٍ أو من حر؛ لأنه زوجها وهي في ملكه؛ كما لو أعتقها جاز عتقه، وإن أعتقها بعد علمه بالعيب، لم يرجع بشيء، وإن لم يعلم رجع بحصته، ولو تسوق بها بعد علمه بالعيب لزمته ولم يردها.
وقال غيره: لا يجبر بالولد نقص النكاح.
م: فوجه قول ابن القاسم: فلأن بإحبال الزوج إياها وجب على المودع قيمتها، فصار النماء الحادث فيها من الولد بعد دخولها في ضمانه، فأشبهت المشتراة وبها عيبٌ أنها بالشراء دخلت في ضمان المشتري، فأجبر ما دخلها من نقص الولادة بنماء الولادة.

الجزء: 18 - الصفحة: 402

قال بعض الفقهاء: وقول أشهب: أصوب؛ لأن هذا النماء لو لم يحدث عند [61/أ] المشتري عيبٌ ما شارك به، ولا كان له فيه شيءٌ، بخلاف ما أحدث من صبغٍ وخياطةٍ، فإن لم يكن له فيه شيءٌ لو لم يحدث عنده عيبٌ فكذلك يجب أن لا يجبر به ما حدث عنده من نقصٍ.

الجزء: 18 - الصفحة: 403

الباب الثامن: فيمن أودعته وديعة فأنفقها على أهلك، أو تجر بها، أو جحدها ثم صار له بيدك مثلها، أو استهلكها ثم ادعى هبتها

[(1) فصل: فيمن أودعته وديعة، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك، وصدقوه] قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةً، فقال: أنفقتها على أهلك وولدك، وصدقوه في ذلك، فهو ضامنٌ إلا أن يقيم بينة، ويكون ما أنفق يشبه نفقتهم.
يريد: وأنت مقر أنك لم تبعث إليهم بالنفقة ولا تركت لهم نفقةً، أو يكونون طلبوا ذلك عند قاضٍ ففرض لهم فيه فيبرأ, م: وينبغي إذا فرض لهم قاضٍ أو أقررت أنت أنك لم تترك لهم نفقةً ولا بعثت لهم بها وصدقوا المنفق أنه أنفق عليهم من الوديعة فقة مثلهم أنه لا يضمن وإن لم تقم بينةٌ بذلك إذا صدقته الزوجة الكافلة للولد؛ لأنها لو أنفقت من عندها لرجعت بذلك على الزوج.
قال أشهب في كتبه: ولو قال ربها: تركت لهم النفقة، أو كنت أبعث بها إليهم ووصلت إليهم، فليحلف على ذلك وعلى وصولها إليهم، ثم يضمن الموجع، ولا يرجع على أهل ربها بشيء إن كان قال لربها: لم تفعل، أو قال: أمرتني بالدفع إليهم.
وإن كان لم يقل هذا، فله الرجوع على من كان منهم يلي نفسه بقدر حصته من النفقة، وهذا ما لم يكن السلطان قضى على هذا الغائب بالنفقة، فأما إن قضى عليه بها، فلا يصدق في قوله بعثت بها أو تركتها لهم إلا ببينة، فإن أقام بينة كان الجواب على ما تقدم.

الجزء: 18 - الصفحة: 404

[(2) فصل: فيمن أودعته وديعة فتاجر بها] ومن كتاب الوديعة قال ابن القاسم: ومن أودعته وديعةٌ فتجر بها، فالربح له، وليس عليه أن يتصدق بالربح، وتكره التجارة بالوديعة.
قال أبو محمد: ومن قول مالك وأصحابه: إن من تجر في وديعةٍ عنده أو في مال يتيمه لنفسه أن الربح له، إلا ما روى ابن حبيب عن ابن الماجشون، فإنه قال: إن تجر في الوديعة ونحوها تعديا وهو مليءٌ أو مفلسٌ فالربح له بضمانه، إلا أن يتجر في مال يتيمه لنفسه وهو مفلسٌ، فإن مالكاً قال فيه قولاً مستحسناً، قال: إن ربح فيه فالربح لليتيم؛ لأنه المدبر لماله، فلم يكن من النظر له أن يتجر به لنفسه في عدمه، وإن هلك فهو ضامنٌ له.
قال: وإن تجر به لنفسه وهو مليءٌ، فالربح لولي اليتيم، وأخذ به ابن الماجشون، وأبى ذلك المغيرة وغيره من أصحابنا، وقالوا: المفلس والموسر في ذلك سواءٌ، وولي اليتيم في ذلك كغيره، وبهذا قال المصريون، وهو قول العامة.
[المسألة الأولى: في المودع يشتري بمال الوديعة جارية لنفسه] محمد: قال مالك في مال الوديعة يشتري به المودع لنفسه جاريةً أو غيرها فليس عليه إلا مثل المال، والربح له والخسارة عليه، فإن حملت منه وهو عديمٌ اتبع ذمته.
[المسألة الثانية: في الوديعة تكون طعاماً أو سلعةً فيبيعها المودع بثمن أو يبتاع بها سلعة] محمد: ولو كانت الوديعة طعاماً أو سلعةً فباعها بثمنٍ أو ابتاع بها جارية أو سلعة، فرب الوديعة مخيرٌ إن شاء أغرمه مثل طعامه أو قيمة سلعته إن فات ذلك،

الجزء: 18 - الصفحة: 405

وإن لم يفت أخذه بعينه، وإن شاء أخذ فيها ما أخذ من ثمنٍ أو جاريةٍ أو غيره، فإن حملت الجارية فلرب الوديعة أخذها وقيمة ولدها أو قيمتها فقط كالمستحقة، [61/ب] ولو أن المشتري للسلعة باعها بأكثر مما اشتراها به، فلربها إجازة بيع المشتري وأخذ الثمن، ويرجع المشتري على بائعه بالثمن، ولو كانت الوديعة دنانير أو دراهم فصرفها لنفسه، فليس لربها إلا ما كان له وليس له أن يأخذ ما صرفها به إلا أن يرضى المودع، وإن صرفها لربها فلا يحل لربها أن يأخذ ما صرف وإن رضيا؛ لأنه صرف فيه خيارٌ، ولكن تباع هذه إن كانت دراهم بمثل دنانيره، فما كان من فضل فلربها، وما كان من نقصٍ ضمنه المتعدي، ولو أودعه حماراً أو استعاره فباعه بعشرةٍ، ثم ابتاعه بخمسةٍ، فربه مخيرٌ إن شاء أجاز بيعه وأخذ عشرةٌ لا غيرها، وإن شاء أخذ حماره، ثم ينظر إلى المتعدي، فإن كان اشترى الحمار لنفسه فالخمسة الفاضلة له، وإن اشتراه لربه فالخمسة الفاضلة لرب الحمار مع الحمار.
وهذا في البيوع مذكورٌ.
[(3)] فصل [فيمن لك عليه مال من وديعة أو قرض أو بيع فجحدك، ثم صار له بيدك مثل ذلك المال بإيداع أو بيع] ومن المدونة: ومن لك عليه مالٌ من وديعةٍ أو قرضٍ أو بيعٍ، فجحدك ثم صار له بيدك مثله بإيداعٍ أو بيعٍ أو غيره، فلا تجحده.
قيل لابن القاسم: لم قال ذلك مالك؟ قال: أظنه للحديث الذي جاء: ((أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك)).

الجزء: 18 - الصفحة: 406

ومن العتبية وروى ابن القاسم عن مالك: فيمن له على رجلٍ دينٌ بلا بينة، فهلك المطلوب ولا دين عليه لأحد غيره، وقد كان للميت على الطالب حق مثله بلا بينة، فأراد حبس ذلك بدينه، وعرف أنه إن أقر أدى، ولم يجد بينة بالذي له، وعرف أن لا دين على الميت.
قال مالك: ما أرى إلا أن يخبر ورثته وينتهي الأمر إلى حيث ما انتهى ويحتسب ماله.
قال عنه سعد بن عبد الله: ومن جحدك فلا تجحده.
قال أبو بكر بن محمد: فيمن جحدك مالاً فقدرت له على مثله، فقد اختلف فيه.
فروى أشهب عن مالك قال: لا آمرك بذلك ولا آمرك إلا بطاعة الله عز وجل، وإن أردت أن تفعله فأنت أعلم.
وروى عنه ابن وهبٍ: أنه أن كان على الجاحد دينٌ إن قيم به لم يقع

الجزء: 18 - الصفحة: 407

له ذلك في المحاصة فلا يأخذه، وإن علم ألا دين عليه فليأخذه.
وروى ابن نافع مثله، وزاد: وأمن أن يحلف كاذباً، فليأخذ قدر حقه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس أن يأخذ وإن كان عليه دينٌ ما لم يفلس.
م: قال بعض فقهاء القرويين: اختلف في هذا فقيل: ذلك للمجحود له، كان الذي جحد له ديناً أو وديعةً، وهو قول محمد بن عبد الحكم، وقد برئ أن لو حلف فحلف، لم يضره ذلك؛ كالمكره على اليمين في أخذ ماله فيحلف ولا يضره ذلك عند عبد الملك.
وابن القاسم يقول: يحنث، إلا أن يؤدي ذلك إلى ضربه وسجنه، وقيل: إن أمن أن يحلف جاز له، أو يجتزئ منه المحلف بقوله: مالك عندي حق.
فيجوز له ذلك حينئذ على هذا، وأما لو قدر على أخذ مثله من مال الجاحد، فإن كان لا دين على الجاحد جاز لهذا أن يأخذ ذلك، وإن كان عليه دينٌ لم يجز له أن يأخذ إلا القدر الذي ينوبه في الحصاص؛ إذ لو قام عليه لأمكن أن يقول الجاحد بأني أحاص بين الغرماء، قال: ووقع لمحمد بن عبد الحكم: أن يأخذ الجميع وإن كان عليه دينٌ؛ لأن لم يفلس بعد.
م: وقد ذكرنا ذلك، وإنما جاز له أخذ قدر ما ينوبه، وإن كان

الجزء: 18 - الصفحة: 408

للغرماء الدخول معه فيه؛ للضرورة التي تلحقه لو أظهر ذلك، فمتى لم يضر بالغرماء بأخذ ما ينوبه، جاز له ذلك.
[(1) فرع: فيمن غصبك شيئاً وهو باق بعينه واستطعت أن تأخذه خفية] قال ابن المواز: ومن غصبك شيئاً ثم خفي لك أخذه بعينه، فلا بأس به، قيل: فإن لم أجد متاعي بعينه، وظفرت له بغيره من ماله [62/أ] قال: لو أعلم أنه لا دين عليه يحيط بماله لم أر عليك شيئاً.
[(2) فرع: في ميت أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد على ذلك إلى الوصيّ وعلى الصبي دين] قال ابن المواز: قال مالك: في ميت أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد على ذلك إلا الوصيّ، فإن خفي له دفع ذلك حتى لا يتبع به، فله دفع ذلك دون السلطان، وكذلك لو دفعه فلم يقبل شهادته السلطان، ثم خفي له دفع ذلك، فله دفع ذلك، قيل: فإن غصبني رجلٌ شيئاً ثم خفي لي أخذه، قال: ذلك لك بخلاف من جحدك لما جاء فيه.
[المسألة الأولى: فيمن أودعته وديعة فاستهلكها] ومن كتاب الوديعة: ومن أودعته وديعةٌ فاستهلكها، ثم ادعى أنك وهبتها له وأنكرت، فالقول قولك.
يريد: وتحلف.

الجزء: 18 - الصفحة: 409

[الباب التاسع: فيمن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ أو غيره، أو أودعك وديعةً وهو حرٌ أو عبدٌ ثم غاب، وكيف إن طلب سيد العبد أخذها؟

[(1) فصل: فيمن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ فهلك] قال: ومن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ أو في أمر يعطب في مثله، فعلك ضمنته، وأما إن بعثته لشراء بقلٍ أو غيره من حاجة بقرب منزلك، لم تضمن؛ لأن الغلام لو خرج في مثل هذا لم يمنع منه.
[(2)] فصل [فيمن أودعك وديعة ثم غاب] ومن أودعك وديعةً، ثم غاب فلم تدر أين موضعه - أو حيٌّ هو أو ميت - ولا من ورثته، فإنم تتأنى بها، فإن طال الزمان وأيست منه، فينبغي أن يتصدق بها عنه - يريد: ثم إن جاء ربها ضمنها له - وإن أودعك عبدٌ وديعةٌ وهو مأذونٌ له أو غير مأذون، ثم غاب، فقام سيده ليأخذها، فذلك له، وقال مالك: فيمن ادعى متاعاً بيد عبدٍ غير مأذون وصدقه العبد، فقال رب العبد: بل المتاع لي، أو قال: لعبدي، صدق السيد.
م: يريد مع يمينه، ولو قال: هو بيد عبدي ولا أدري، هل لك فيه شيءٌ أم لا؟ فهو للعبد، ولا يمين على السيد، إلا أن يدعي الآخر على السيد أنه يعلم أنه له، فليحلفه على علمه، قاله بعض شيوخنا.
قال مالك: ولو كان العبد مأذوناً كان القول قول العبد، وكذلك في إقراره بدينٍ.

الجزء: 18 - الصفحة: 410

الباب العاشر: في مسائل من الودائع مما ليس في المدونة وفيمن امتنع من دفع الوديعة، ثم ادعى تلفها، أو جحدها ثم أقام بينة بردها أو قال: لا أدري: أرددتها أم ذهبت أم أين دفنتها، أو لا أدري لأي الرجلين هي

[(1) فصل: فيمن امتنع من دفع الوديعة، ثم ادعى تلفها] ومن العتبية روى أصبغ عن ابن القاسم: فيمن له عند رجلٍ مالٌ وديعة فطلبه منه فاعتذر بشغلٍ، وأنه يركب إلى موضع كذا فلم يقبل عذره فتصايحا، فحلف ألا يعطيه ذلك الليلة، فلما كان في غدٍ، قال: قد ذهبت، فإن قال: تلفت قبل أن تلقاني، ضمن؛ لأنه أقر بها، وإن قال: لا أدري متى ذهبت حلف، ولا ضمان عليه.
قال أصبغ: ويحلف ما علم بذهابها حين منعه، قال ابن القاسم: وإن قال: قد ذهبت مني بعد ما حلفت وفارقتك، ضمنها؛ لأنه منعه إياها، إلا أن يكون كان على أمرٍ لا يستطيع فيه أن يرجع، ويكون عليه فيه ضرر، فلا يضمن، وقال أصبغ: لا يضمن كان عليه شغلٌ أو لم يكن، إلا أن تكون في يديه أو تكون عند بابه وليس فيه فتحٌ ولا غلق ولا أمر لا يتم إلا برجوعه ونظره؛ فإن جاء مثل هذا، فهو ضامنٌ، وإلا لم يضمن.

الجزء: 18 - الصفحة: 411

الجزء: 18 - الصفحة: 412

بالدفع فهلك ذلك قبل القضية وبعد طلب أربابه، قال: إن كان دفع ذلك إليه بلا بينةٍ، فهو ضامنٌ.
[(4)] فصل [فيمن جحد الوديعة ثم أقام البينة بردها] قال ابن حبيب: عن ابن القاسم وأشهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ: فيمن استودع وديعةً ببينة ثم جحدها، ثم أقر أنه ردها وأقام البينة بردها، فإنه ضامنٌ؛ لأنه أكذب بينته إذا قال لم أجدها يريد: إذا قال: ما أودعتني شيئاً، وأما إن قال: ما لك عندي شيءٌ، فالبينة بالبراءة تنفعه، وكذلك في القراض والبضاعة.
[(5)] فصل [في الوديعة يطلبها صاحبها، فيقول المودع لا أدري: أضاعت مني أو رددتها إليك] ومن العتبية قال أصبع: في الوديعة يطلبها ربها، فيقول المودع: لا أدري أضاعت مني أو رددتها إليك، فلا ضمان عليه؛ لأنه ذكر أمرين هو مصدق فيهما إلا أن يأخذها ببينة فلا يبرأ حتى يقيم بينة بردها.
قال عبد الله بن عبد الحكم: ولو قال المودع لربها: إن كنت دفعت إليّ شيئاً فقد ضاع، وقد قبض الوديعة ببينة، فليس عليه إلا يمينه.
[(6)] فصل [في الوديعة يطلبها صاحبها فيقول المودع دفنتها فضل عني موضعها] قال أصبغ في العتبية: ولو قال: دفنتها فضلٌ عني موضعها، فهو ضامنٌ؛

الجزء: 18 - الصفحة: 413

لأنه فرط إلا أن يقول دفنتها في بيتي، وحيث يجوز له دفنها فطلبتها في ذلك الموضع فلم أجدها، فلا يضمن.
[(7)] فصل [فيمن استودع مالاً فيأتي رجلان يدعيانه فيقول المودع رددتها لأحدكما] ومن كتاب محمد: ومن استودع مئة دينارٍ فأتى ردلان يدعيانها، فقال: رددتها إلى أحدكما، فإن لم يثبت أيهما هو، فإنه ضامنٌ لكل واحدٍ منهما مئةً؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، وكقوله للمودع لا أدري هل أودعتني؟ فهو كالنكول، فليحلف المدعي ويضمنه، وكذلك لو كانوا عشرةً.
وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحدٍ مئةً، وأما في الوديعة فلم أره مثل الدين.
قال محمد: وهما عندي سواءٌ.
قال في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحدٍ منهما ويحكم له بمئةٍ، ومن نكل لم يكن له شيء وكانت لمن حلف، فإن نكلا جميعاً لم يكن على المقر إلا مئةٌ واحدةٌ يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه.
قال محمد: فإن رجع المودع فقال: أنا أحلف أنها لهذا،

الجزء: 18 - الصفحة: 414

لواحدٍ منهما فذلك له؛ لأنه إنما قال أولاً: لا أدري.
فإن رجع وقال: أنا أحلف أنها ليست لواحدٍ منهما: فلا بد من غرم مئةٍ يقتسمها الرجلان بعد إيمانهما؛ لأنه قد أقر أن عليه [63/أ] مئةً [ثابتةً] فلا حجة له في إسقاطها، ولا حجة لأحدهما في طلب تمام المئة لنفسه؛ لأن المودع لو قال له: رجعت معرفتي أنه لا شيء لك.
لم يلزمه غير اليمين؛ فاليمين التي حلف بها لهما تجزئ عمن طلب منهما تمام المئة لنفسه، وكذلك لو كانت المئة التي عليه دينا فيما ذكرنا.
[(8)] فصل [فين بيده وديعة فيأتيه رجلان فيدعيانها ولا يدري لمن هي منهما] ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن بيده وديعةٌ مئة دينارٍ فيأتيه رجلان كل واحد يدعيها ولا يدري لمن هي منهما، قال: تكون بينهما بعد أيمانهما، فمن نكل منهما، فلا شيء له وهي كلها لمن حلف، وأما في الدين فيغرم لكل واحدٍ مئةً.
وقال سحنون: فيمن استودع وديعةً ثم مات فادعاها رجلان كل واحدٍ منهما لنفسه، وقال ابن الميت: لا أدري إلا أن أبي ذكر أنها وديعةٌ، فإنها توقف أبداً حتى يستحقها واحدٌ بالبينة، وقال أيضاً: في رجلٍ أودعه رجلٌ مئة دينار والآخر خمسين فنسي من صاحب المئة منهما، وادعى كل واحدٍ منهما المئة.
قال: يتحالفان على المئة، ثم يقتسمانها،

الجزء: 18 - الصفحة: 415

والخمسون الباقية يقتسمانها أيضاً؛ إذ ليس لها مدعٍ، وقال بعض أصحابنا: يغرم لكل واحد منهما مئةً بعد إيمانهما.
[(9)] فصل [فيمن شك أي الرجلين أعطاه مالاً ليتصدق به، وكلاهما يدعي أنه الآمر] قال ابن المواز: ومن قال: دفع إليّ فلانٌ مئة دينارٍ لأتصدق بها ففعلت، ثم قال: بل هو فلانٌ دفعها إليّ لأتصدق بها ففعلت، وادعى كل واحدٍ منهما أنه الآمر، فقال بعض أصحابنا - وقاله أشهب -: إن الصدقة نافذةٌ لمن كان منهما، ولا تباعة عليه.
وقال محمد: بل يغرم لكل واحدٍ مئةً.
والله أعلم.
تم كتاب الوديعة بحمد الله تعالى وعونه وحسن توفيقه، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وصحبه

الجزء: 18 - الصفحة: 416

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وآله وصحبه

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعة
الباب الأول: في القضاء في الودائع والأمانات، وما يوجب ضمانها أم لا؟[الباب الثاني] في المودع والمقارض يدعي رد ذلك إلى ربه بنفسه أو مع رسوله، وفي الرسول يدعي دفع ما أرسل به، وفي موته وموت المودع والمقارض وإقرارهما عند الموتالباب الثالث: في القضاء في التداعي في الودائع وغيرهاالباب الرابع: في القضاء في إيداع الصبي والعبد ومن فيه بقية رِق وفيما قبضوه بإذن ساداتهم فاستهلكوهالباب الخامس: في دفع الوديعة لغير ربها، وشهادة الرسول بصدقتها على المودع، ودفع الثمن لرسول البائعالباب السادس: فيمن أودع وديعة أو أبضع بضاعة لرجلين عند من يكون المال منهما؟الباب السابع: فيمن أودعته أمة فوطئها، أو دابةً أو حيواناً فأنفق عليها، أو أنزى عليها أو أكراهاالباب الثامن: فيمن أودعته وديعة فأنفقها على أهلك، أو تجر بها، أو جحدها ثم صار له بيدك مثلها، أو استهلكها ثم ادعى هبتها[الباب التاسع: فيمن أودعك عبداً فبعثته في سفرٍ أو غيره، أو أودعك وديعةً وهو حرٌ أو عبدٌ ثم غاب، وكيف إن طلب سيد العبد أخذها؟الباب العاشر: في مسائل من الودائع مما ليس في المدونة وفيمن امتنع من دفع الوديعة، ثم ادعى تلفها، أو جحدها ثم أقام بينة بردها أو قال: لا أدري: أرددتها أم ذهبت أم أين دفنتها، أو لا أدري لأي الرجلين هي
كتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل