الجامع لمسائل المدونةكتاب الحبس
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الباب الأول] السنة في الأحباس وهل تورث أو تباع

[(1) فصل: في السنة في الأحباس] رُوي أن الرسول صلى الله عليه وسلم حبس سبع حوائط أوصى له بها محيريز لما قُتل يوم أحد بأن يضعها حيث أراه الله عز وجل فحبسها، وهي من أموال بني النضير وذلك لاثنين وثلاثين من الهجرة.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر بن الخطاب في الحائط الذي أراد صدقته: ((حبس أصله وصدق ثمرته)) ففعل، وذلك على سبع سنين من الهجرة.

الجزء: 19 - الصفحة: 507

ابن حبيب: ويقال له ثمغ.
وقال محمد بن سعد بن زرارة: ما أعلم أحدًا من المهاجرين والأنصار من الصحابة إلا وقد أوقف من ماله حبسًا، منهم: عمر بن الخطاب وابن عمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وزيد بن ثابت وعمرو بن العاص وعبد الله بن زيد وأبو طلحة وأبو الدحداح وغيرهم، وجعلها عمر للسائل والمحروم والضيف ولذي القربى، وفي سبيل الله وابن السبيل.
[(2) فصل [فيمن أنكر الحبس] قال مالك: وقال شريح: لا حبس عن فرائض الله تعالى.
م: يريد أنه يورث.
قال مالك: تكلم شريح ببلده، ولم يرد المدينة فيرى أحباس الصحابة باقية، فينبغي للمرء ألا يتكلم إلا فيما أحاط به خُبرًا.
قال ابن عبدوس: والأحباس من ناحية المساجد، فإن جاز أن تورث المساجد جاز ذلك في الأحباس، ولا خلاف في المساجد، وبقاء أحباس السلف دائرة دليل على منع ميراثها وبيعها.
[(3) فصل: في بيع الحبس] [المسألة الأولى: متى يصح بيع الحبس؟] قال سحنون: ولم يجز أصحابنا بيع الحبس بحال إلا دارًا بجوار مسجد احتيج

الجزء: 19 - الصفحة: 508

أن تضاف إليه ليتوسع بها فأجازوا ذلك، ويُشترى بثمنها دار تكون حبسًا، وقد أدخل في مسجد النبي عليه الصلاة والسلام دور حبس كانت تليه.
وذكر ابن وهب في موطئه: أن ربيعة أرخص في بيع ربع دثر وتعطل أن يعاوض به في ربع نحوه في عمارة تكون حبٍسًا.
وقال ابن القاسم عن مالك: لا يُباع الحبس من الدور وغيرها وإن خربت الدار وصارت عرصة، ولقد كان البيع أمثل.
[المسألة الثانية: إذا غلب على حبس سلطان فضمه إلى ملكه] قال مالك: ومن باع حبسًا فسخ البيع، إلا أن يغلب على بيعه سلطان فأدخله في موضعه، ودفع إليهم ثمنًا، فليشتروا به دارًا مكانها من غير أن يُقضى به عليهم، وكذلك إن باعها فأُدخلت في مسجد، وقاله ابن القاسم.
وقال عبد الملك: يُقضى عليه أن يشتري بثمنها مثلها.
[المسألة الثالثة: فيما إذا استحق الحبس] قال: وأما إن استحق الحبس أو الصدقة فأخذ فيه ثمنًا، فليصنع به المحبس أو المتصدق ما شاء؛ لأنه لم يحبس الثمن إنما حبس شيئًا بعينه فاستحق، وقاله ابن القاسم وأشهب وهو قول مالك.
[المسألة الرابعة: إذا هلك الحيوان الحبس] وقال عبد الملك: ومن حبس عبدًا للمسجد- يخدم فيه- أو فرسًا في

الجزء: 19 - الصفحة: 509

السبيل فيقتلان، فليخلف بأثمانهما مثلهما في ذلك الحبس.
[المسألة الخامسة: في مال العبد المحبس يهلك] وقال: في مال العبد الحبس إذا مات يُخلف به مثله في مثل ذلك؛ لأنه خلده، ولو حبسه على رجل بعينه حياة العبد فمات العبد لرجع ماله إلى سيده.
[المسألة السادسة: في بيع الحبس من الرقيق، والدواب تكون في السبيل، وكيف إن هزلت ولم ينتفع بها، وفي حبس الثياب والسروج وكيف إن بليت] ومن المدونة قال: ومن حبس رقيقًا أو دواب في سبيل الله، استعملوا في ذلك ولم يباعوا، ولا بأس أن يحبس الرجل الثياب والسروج.
قال مالك: وما ضعف من الدواب المحبسة في سبيل الله حتى لا تكون فيها قوة على الغزو، بيعت واشترى بثمنها ما يُنتفع به من الخيل، فتجعل في السبيل.
قال ابن القاسم: فإن لم يبلغ ثمن فرس أو هجين أو برذون فليعن بذلك في ثمن فرس.
قال ابن وهب عن مالك: وكذلك الفرس يخبث ويكلب.
قال ابن القاسم: وما بلي من الثياب المحبسة ولم تبقَ فيها منفعة، بيعت

الجزء: 19 - الصفحة: 510

واشتري بثمنها ثياب ينتفع بها، فإن لم يبلغ تصدق به في السبيل.
[المسألة السابعة: فيمن قال: إنه لا يباع ما لم يعد به نفع من حيوان أو ثوب فيما حبس من أجله] قال سحنون: وقد روى غيره أنه لا يباع ما حُبس من عبد أو ثوب؛ كما لا يباع الربع المحبس إذا خرب، وبقاء أحباس الصحابة خرابًا دليل على أن بيعه غير مستقيم، وإن كان قد روي عن ربيعة وغيره في الرباع، والحيوان خلاف هذا إذا رأى ذلك الإمام.
قال ابن الجهم: إنما لم يبع الربع المحبس إذا خرب؛ لأنه يمكن أن يوجد من يصلحه بإجارته سنين فيعود كما كان، وأما الفرس إذا حطم فلا يرجع كما كان أبدًا، فذلك يباع ويشتري غيره.
قال أبو محمد: أصل هذا في غير الرباع حديث عمر في الفرس الذي تصدق به فخبث فبيع فنهاه النبي عليه الصلاة والسلام عن شرائه لئلا يكون كالعائد في صدقته، ولم ينه غيره.

الجزء: 19 - الصفحة: 511

[الباب الثاني] في الحبس المبهم، أو على مجهولين أو معينين

ومن قال حبس صدقة أو حبس سكنى

[(1) فصل: في الحبس المبهم] [المسألة الأولى: فيمن قال في حبسه هو في سبيل الله] قال مال: ومن حبس في سبيل الله فرسًا أو متاعًا، فسبل الله كثيرة ولكن يصرف ذلك في الغزو، ويجوز أن يصرف في مواحيز الرباط كالإسكندرية ونحوها، وسواحل الشام، ومصر وتونس بالمغرب، وسُئل عمن أوصى بمال في سبيل الله فأراد وصيه أن يفرقه في جدة فنهاه مالك عن ذلك وأمره أن يفرقه في السواحل، فقيل لمالك: أن العدو نزل بها، فقال: إنما كان ذلك مرة شيئًا خفيفًا، وسأله قوم أيام كان من دهلك ما كان وقد تجهزوا يريدون الغزو إلى عسقلان والإسكندرية، واستشاروه أن ينصرفوا إلى جدة فنهاهم عن ذلك، وقال لهم: الحقوا بالسواحل.
قال يحيى بن عمر: دهلك أمير ناحية من بلد السودان.
ابن وهب وقال ربيعة: كل ما جعله حبسًا أو حبسًا صدقة فذلك يُصرف في مواضع الصدقة حيث يجوز النفع به، إن كانت دواب ففي الجهاد، وإن كانت غلة أموال فعلى ما يراه الإمام من أوجه الصدقة.

الجزء: 19 - الصفحة: 512

قال مالك في المجموعة: فيمن حبس في سبيل الله، قال: هذا لا يكون إلا في الجهاد.
قال أشهب: كل سبيل خير يدخل فيها، قال: والقياس في أي سبيل الخير وضع فيها جاز، والاستحسان أن يجعل في الغزو؛ لأنه جل ما يعنون به ذلك، وهو أحب إليّ، إلا أن يكون في سواحل المسلمين المخوف فيها من العدو.
قال ابن كنانة: من حبس دارًا في سبيل الله فلا يسكنها إلا المجاهدون والمرابطون، ثم من مات منهم فيها فلا تخرج امرأته منها حتى تتم عدتها، ويخرج منها من ليس بمرابط ولا مجاهد، والصغار من ولد الميت.
قال: ومن حبس ناقته في سبيل الله عز وجل فلا ينتفع بها ولا بنتاجها إلا في سبيل الله، وله أن ينتفع بلبنها لقيامه عليها.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بشراء عبد ليجعل في السبيل] ومن العتبية قال ابن القاسم: ولو أوصى بشراء عبد يجعله في السبيل قال: يُشترى ويُجعل في الرباط يخدم الغزاة، قيل: فطعامه، قال: يعمل في طعامه.
قال سحنون: ومن قال: ثمر حائطي حبس ولا يسمى أجلاً، فإن كان فيه حينئذ ثمر قد أبر، فله الثمرة تلك السنة.
م: أراه يريد: وإن لم يكن فيها ثمر، فيكون ثمره أبدًا في سبيل الله.

الجزء: 19 - الصفحة: 513

[المسألة الثالثة: فيمن قال داري حبس، ولم يجعل لها مخرجًا] ومن المدونة قال مالك: ومن قال في وصيته: داري حبس، ولم يجعل لها مخرجًا فهي حبس على الفقراء والمساكين، قيل له: إنها بالإسكندرية، وجل ما يحبس الناس بها في سبيل الله، قال: ينظر في ذلك الإمام ويجتهد، وأرجو أن تكون له سعة في ذلك.
[(2) فصل [في الحبس على مجهولين أو معينين، وفيمن قال حبس صدقة أو صدقة حبس] [المسألة الأولى: فيمن قال داري حبس أو صدقة على فلان وعقبه ولم يذكر لها مرجعًا] قال مالك: ومن قال: هذه الدار حبس على فلان وعقبه أو عليه وعلى ولده وولد ولده أو قال: حبس على ولدي ولم يجعل لها مرجعًا، فهي موقوفة لا تباع ولا توهب، وترجع بعد انقراضهم حبسًا على أولى الناس بالمحبس يوم المرجع وإن كان المحبس حيًا.
قال مالك: ومن تصدق بداره على رجل وولده ما عاشوا، ولم يذكر لها مرجعًا إلا صدقة هكذا لا شرط فيها، فهلك الرجل وولده، فإنها ترجع حبسًا على فقراء أقارب الذي حبس ولا تورث.
قال ابن عبدوس: في الذي قال: صدقة على فلان وعقبه، ولم يقل حبسًا.
فقد قال بعض أصحابنا: إنها تكون لآخر العقب مالاً، ثم تورث عنه،

الجزء: 19 - الصفحة: 514

وكذلك إن كان [آخرهم] امرأة أو شيخًا فانيًا، فليبع ويصنع كيف شاء، وأكثرهم يراه بسبيل الأحباس.
ومن المدونة قال بعض رجال مالك: كل حبس أو صدقة- لا مرجع لها- على مجهول من يأتي فهو الحبس الموقوف، ولا يرجع ملكًا، مثل أن يقول: على ولدي ولم يسمهم، فهذا مجهول، ألا ترى أن من حدث من ولده بعد هذا القول يدخل فيه، وكذلك لو قال: على ولدي وعلى من يحدث لي بعدهم، فإنها لا ترجع ملكًا.
[المسألة الثانية: فيمن تصدق على جماعة من الناس لا يحاط بعددهم] قال ربيعة: إذا تصدق الرجل على جماعة من الناس لا يحاط بعددهم فهو بمنزلة الحبس الموقوف لا يرجع ملكًا، وأما إن تصدق على قوم بأعيانهم وسماهم بأسمائهم- ومعناه: ما عاشوا- ولم يذكر عقبًا، فهذا تعمير، وترجع بعد انقراضهم إلى صاحبها ملكًَا، ويبيعها إن شاء بعد أن ترجع إليه.
قال مخرمة بن بكير: وإن مات الرجل قبل أن ترجع إليه رجعت إلى ورثته ملكًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 515

[المسألة الثالثة: فيمن قال صدقة وفيمن قال حبسًا صدقة] قال ابن القاسم: وأصل قول مالك ومذهبه أنه إذا قال حبسًا ولم يقل صدقة، فهي حبس إذا كانت على مجهولين، وإن كانت على معينين فقد اختلف قوله فيه: فقال مرة: ترجع بعد انقراضهم إلى ربها ملكًا أو إلى ورثته بعد موته ملكًا تباع، وقال مرة: لا ترجع ملكًا ولكن حبسًا كقوله لا تباع، وأما إن قال في المعينين: حبسًا صدقة أو قال: حبسًا لا تباع ولا توهب فانقرضوا، فلم يختلف قوله أنها لا تباع وترجع إلى أقرب الناس بالمحبس يوم المرجع، ولا ترجع إلى المحبس على حال وإن كان حيًا.
ابن حبيب: قال مطرف وابن القاسم: ومن حبس على رجل حبسًا فسماه حبسًا فهو حبس موقوف وإن لم يذكر صدقة ولا عقبى ولا قال لا تباع؛ لأن الحبس لا يرجع إلا بشرط، إلا أن يقول: ما عاش أو على فلان بعينه أو قال: فلان وفلان بأعيانهم بلفظ، يقول: بعينه أو بأعيانهم، فتكون عمرى ترجع إليه ملكًا، ولا يخرمها مع ذلك قوله: صدقة ولا قوله: لا تُباع أو لعقبه إذا قال: ما عاشوا أو ما عاش أو ما قال: بعينه أو بأعيانهم.
وقال ابن الماجشون وابن كنانة: إذا كانت على إنسان بعينه فهي عُمرى وإن سماها صدقة ما لم يقل لا تُباع ولا تورث أو بعقبها، وبه أقول.

الجزء: 19 - الصفحة: 516

[(1) فائدة: تلخيص كلام الإمام في المسألة السابقة] م: وتحصيل ما في المدونة من ذلك ونحوه في كتاب ابن المواز- وهو الصواب إن شاء الله- أنه إذا قال: هذه الدار حبس صدقة، أو صدقة، حبس على قوم بأعيانهم أو بغير أعيانهم، فإنها ترجع بعد انقراضهم حبسًا على فقراء أقارب المحبس.
وإن قال: هي صدقة سكنى على معينين أو مجهولين، فإنها ترجع بعد انقراضهم إلى صاحبها ملكًا.
قال ابن المواز: وأحسن ما فيه أن ينظر إلى مراده، وأسباب مخرج قوله فيوجه إلى ذلك، فإن كان المحبس حيًا وعري قوله من دليل سألته وقبلت قوله.
[المسألة الرابعة: فيمن قال: داري حبس، ولم يسم أحدًا] قال ابن القاسم: وإن لم يسم أحدًا، ولكن قال: داري حبس كانت حبسًا أبدًا على الفقراء والمساكين أو في سبيل الله إن كانت في موضع جهاد.
[(2) فائدة: فيما يرجع ميراثًا، وفيما يرجع حبسًا] قال عيسى عن ابن القاسم: وكل ما يرجع ميراثًا فهو لأولى الناس به يوم موته، وكل ما يرجع حبسًا فلأولاهم به يوم المرجع من ولد أو عصبة، وبالله التوفيق.

الجزء: 19 - الصفحة: 517

[الباب الثالث] فيمن يستحق مرجع الحبس ومن يدخل في أصله

[(1) فصل: فيمن يستحق مرجع الحبس] ومن كتاب ابن المواز قيل لمحمد: من أقرب الناس بالمحبس الذين يرجع إليهم الحبس بعد انقراض من حبس عليهم؟ قال: قال مالك: على الأقرب من العصبة، ومن النساء من لو كانت رجلاً كانت عصبة للمحبس فيكون ذلك عليهم حبسًا، قال مالك: ولا يدخل في ذلك ولد البنات ذكرًا كان أو أنثى ولا بنو الأخوات ولا زوجة ولا زوج.
قال ابن القاسم: وإنما يدخل من النساء مثل العمات والجدات وبنات الأخ والأخوات أنفسهن شقائق كن أو لأب، ولا يدخل في ذلك الإخوة، والأخوات لأم.
محمد: واختلف في الأم، فقال ابن القاسم: تدخل في مرجع الحبس، وقال أشهب عن مالك: لا تدخل.
وقال عبد الملك: لا تدخل أمه ولا أحد من الإناث إلا من يرثه منهن، قال في المجموعة: كالبنات وبنات الأبناء والأخوات، وأما الأم فلا؛ لأنها ليست من جذم النسب.
قال في الكتابين: فأما عمة وبنت عم وبنت أخ فلا، وإن كان

الجزء: 19 - الصفحة: 518

أخ وأخت فذلك بينهما نصفين؛ لأنه لو كانت الأخت وحدها لأحاطت به، وسواء كان في أصل حبسه: وللذكر مثل حظ الأنثيين أم لا، فإن المرجع الذكر والأنثى فيه سواء.
[المسألة الأولى: إذا كان مع النساء عصبة والنساء أقرب] قلت: فإن كان ثم من سميت من النساء وثم عصبة معهن والنساء أقرب، قال ابن القاسم قال مالك: يدخلون كلهم إلا ألا يكون سعة فيبدى بإناث ذكور ولده على العصبة، ثم الأقرب فالأقرب- ممن سميت وكذلك العصبة الرجال يبدى الأقرب فالأقرب- ويدخل في ذلك مواليه إذا لم يكن ثم من العصبة أقرب منهم، وإذا لم يكن ثم إلا النساء كان كله لهن على قدر الحاجة إلا أن يفضل عنهن.
قال أصبغ: لا يُعجبني قوله: إلا أن يفضل عنهن، وما فضل عن سد حاجتهن فليرجع عليهن؛ لأن الأحباس إذا استووا في الغنى أو الحاجة لم يصرف إلى غيرهم من السبيل.
وقال عبد الملك: لا يفضل ذو الحاجة على الغنى من أهل الحبس إلا بشرط من المحبس؛ لأنه إنما تصدق على ولده وهو يعلم أن فيهم الغني والمحتاج ولم يفضل بعضهم على بعض.
قال محمد: وأحسن ما سمعت فيه أن ينظر إلى حبسه أو ما حبس، فإن كان

الجزء: 19 - الصفحة: 519

إنما أراد المسكنة وأهل الحاجة جعل مرجعه كذلك على من يرجع، فإن كانوا أغنياء لم يعطوا منها، وإن كان إنما أراد مع ذلك القرابة وأثرتهم رجع عليهم وأوثر أهل الحاجة إن كان فيهم أغنياء، قاله مالك، وإن كانوا كلهم أغنياء فهي لأقرب الناس بهؤلاء الأغنياء إذا كانوا فقراء.
محمد: فإن لم يكن فيهم فقير ردت إليهم إن استووا في الغنى وكان أولاهم بها الأقرب فالأقرب، والذكر والأنثى سواء في المرجع، وإن اشترط أن للذكر مثل حظ الأنثيين فلا شرط له؛ لأنه لم يتصدق عليهم؛ ألا ترى لو لم يكن أقعد به يوم المرجع إلا أخت أو ابنة لكان ذلك لها وحدها، وكذلك إذا كان معها ذكر كان بينهما شطرين.
[المسألة الثانية] [في مرجع الحبس الذي حبسه صاحبه على ولده وولد غيره] ومن المدونة قال ربيعة: ومن حبس داره على ولده وولد غيره فليسكنوها بقدر مرافقهم، فإذا انقرضوا فهي لولاته دون ولاة من ضم مع ولده.
قال يحيى بن سعيد: ومن حبس داره على ولده، فهي على ولده وولد ولده ذكورهم وإناثهم إلا أن ولده أحق من أبنائهم ما عاشوا، إلا أن يكون فضل فيكون لولد الولد.

الجزء: 19 - الصفحة: 520

[(2) فصل: فيمن يدخل في أصل الحبس] [المسألة الأولى: فيمن قال: هذا حبس على ولدي] قال مالك: ومن قال: حبس على ولدي، فإن ولد الولد يدخلون مع الآباء ويؤثر الآباء، وإن قال: على ولدي وولد ولدي، دخلوا أيضًا ويبدأ بالولد، فإن كان فضل كان لولد الولد، وكان المغيرة وغيره يساوي بينهم.
ومن المجموعة قال ابن القاسم عن مالك: فيمن حبس على ولده، أو قال: على ولدي وولد ولدي، فذلك سواء، ويبدأ بالآباء فيؤثرون، فإن كان فضل كان لولد الولد.
قال ابن المواز: وقد اضطرب قول مالك في دخول ولد الولد مع الأعيان واختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب.
فروى ابن القاسم عن مالك: فيمن حبس على عقبه ولعقبه ولد، فإنه يساوي بينهم وبين آبائهم فيه إلا أنه يفضل ذو العيال فيه بقدر عياله، والذكر والأنثى فيه سواء، وقال عنه: فيمن حبس داره على ولده حبسًا صدقة، فولد لهم أولاد، فإنهم مع آبائهم في حياة الآباء، وقال عنه: فيمن حبس داره على ولده وولد ولده أن الأبناء إنما يسكنون مع الآباء إن وجدوا فضلاً، وإلا فالآباء أحق.
وذهب أشهب: إلى أنه إذا قال: على ولدي فأدخلنا ولد الولد معهم بالتأويل فليبدأ بالأعيان إذا استوت الحال، أما إن قال: على ولدي وولد ولدي فلا يكون

الجزء: 19 - الصفحة: 521

الآباء أولى في استواء الحال؛ كقوله: على ولدي وأجنبي، وإن اختلف الحال أوثر الأحوج من ولده أو ولد ولده.
وقال ابن القاسم: ذلك سواء ويبدأ بالأعيان وللأبناء ما فضل في استواء الحال، فأما إن كانت الحاجة في ولد الولد فليؤثروا، ويكون الآباء معهم، وقال مثله عبد الملك.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم استحسان، وقد قال مالك: لا يدخل ولد الولد إلا في الفضل، وشأن الأحباس أن يؤثر أقربهم ممن حبسها، وكذلك في مرجعها.
وقال محمد: وقوله: على ولدي يتعدى إلى ولد الولد، أما قوله: على ابني فلا يدخل فيه ولد الابن، ولم أجد لقول أشهب حجة إذا سمى ولد الولد، ولعل مالكًا أراد ذلك فيما فيه الفضل والسعة، وكان جواب مالك في ذلك سواء، قال ولدي أو قال ولدي وولد ولدي، وأما قول ابن القاسم: إلا أن تكون الحاجة في ولد الولد فيؤثر ويعطي الأب أيضًا معه إنما قال ذلك في رأيي لئلا ينقطع سببه وإن كان غنيًا، ولو كانت الحاجة في الأعيان لم يدخل معهم ولد الولد إلا بعد غناء الآباء، فإن اعتدلوا بدئ بالأعيان، فأما إذا بلغوا حتى يكون الولد أغنى عن ذلك من ولد الولد أعطي معهم ولد الولد.
[المسألة الثانية] [إذا قال: حبس على ولدي: فهل يدخل ولد البنات في ذلك؟] قال مالك: وإذا قال: هذه الدار حبس على ولدي لم يكن لولد البنات شيء

الجزء: 19 - الصفحة: 522

في ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ [النساء: 11]، فأجمع الناس على أنه لا يقسم لولد البنات شيء إذا لم يكن له بنات لصلبه، وأن بني البنين الذكور والإناث يقسم لهم الميراث ويحجبون من يحجبه من كان فوقهم إذا لم يكن فوقهم أحد.
[المسألة الثالثة: فيمن قال: حبس على ابنتي وعلى ولدها] ومن العتبية: قال سحنون عن ابن القاسم: ولو قال: حبس على ابنتي وعلى ولدها، فإنه يدخل في ذلك ذكور ولدها وإناثهم، فإذا ماتوا كان لولد ذكور ولدها إناثهم وذكورهم، ولا شيء لولد بناتها من ذكر وأنثى، قاله مالك، وقال غيره: إنما يكون حبسًا على ولد الابنة دنية من الذكور والإناث، فإذا ماتوا لم يكن لأولادهم شيء.
[المسألة الرابعة: فيمن حبس على بنات له، فهل تدخل بنات بنيه الذكور؟] قال عيسى عن ابن القاسم: ومن حبس على بنات له حبسًا، فبنات بنيه الذكور يدخلون مع بناته لصلبه في الحبس.
[المسألة الخامسة: فيمن حبس على مواليه ولهم أولاد، وله موال لبعض أقاربه يرجع ولاؤهم إليه] قال ابن القاسم عن مالك: ومن حبس على مواليه ولهم أولاد، وله موال لبعض أقاربه يرجع ولاؤهم إليه، فلا يكون في الحبس إلا مواليه الذين أعتق، وأولادهم يدخلون مع آبائهم في الحبس إلا أن يحصهم بتسمية، وقال مالك بعد ذلك: إن موالي الأب والابن يدخلون مع مواليه، ويبدأ بالأقرب من ذوي الحاجة إلا أن يكون الأباعد أحوج.

الجزء: 19 - الصفحة: 523

[الباب الرابع] في قسم الحبس بين أهله في السكنى والغلة، وهل

يخرج أحد لأحد

[المسألة الأولى: فيمن لم يجد مسكنًا في دار حبست عليه] قال مالك: ومن حبس دارًا على ولده فسكنها بعضهم ولم يجد بعضهم فيها مسكنًا، فقال الذي لم يجد: أعطوني من الكراء بحساب حقي، فلا كراء لهن ولا أرى أن يخرج أحد لأحد، ولكن من مات أو غاب غيبة يريد المقام بالموضع الذي انتقل إليه استحق الحاضر مكانه، وأما إن أراد السفر إلى موضع ثم يرجع فهو على حقه، وكذلك في كتاب محمد.
وقال عطاء: لا يخرج أحد لأحد إلا أن يكون بيده فضل مسكن.
[المسألة الثانية: فيمن حبس على ولده وأعقابهم ولا عقب له يومئذ فأنفذه في صحته ثم هلك هو وولده وبقي ولد ولده] قال مالك: ومن حبس على ولده وأعقابهم ولا عقب له يومئذ، فأنفذه في صحته ثم هلك هو وولده وبقي ولد ولده وبنوهم فذلك بين جميعهم إن تساووا في الحاجة والحال والمئونة سواء بينهم، إلا أن الأولاد ما داموا صغارًا لم يبلغوا ولم ينكحوا ولم تعظم مؤونتهم، فإنه لا يقسم لهم ولكن يعطى للأب بقدر ما

الجزء: 19 - الصفحة: 524

يمون، وإذا نكح الأبناء وعظمت مؤونتهم وكانت حاجتهم كحاجة أبيهم كانوا بقسم واحد مع آبائهم.
قال ربيعة: إن كثر المال دخل الولد مع الأعمام، وإن قل فالأعمام أحق وقد يكون العسر واليسر فينظر في ذلك.
[المسألة الثالثة: فيمن يقدم ويبدي من أهل الحبس في الغلة والسكنى] قال ربيعة: لا فضل في الحبس إلا في كثرة عيال- في سعة مسكن- وعظم مؤنة.
ومن العتبية وكتاب ابن حبيب قال ابن القاسم: في قسم الحبس بين أهله في الغلة والسكنى ليس على كثرة العدد، والمبدى به والمقدم فيه أهل الحاجة منهم، وليس على عددهم ولكن بقدر كثرة عيال أحدهم إن كانت سكنى، أو عظم مئونته وخفته إن كانت غلة، وأعظمهم فيها حظًا أشدهم فاقة، فما فضل بعد حاجتهم رد على الأغنياء، فسكن كل واحد منهم على قدر حاجته، ليس الأعزب كالمتأهل المعيل.
والحاضر أولى بالسكنى من الغائب، والغلة بين الحاضر والغائب سواء، والمحتاج الغائب أولى فيها من الغنى الحاضر، وذلك على الاجتهاد.
[المسألة الرابعة: هل يخرج أحد لأحد، وكيف إن خرج رجل من أهل الحبس فسكن في بلد آخر ثم قدم] ولا يخرج أحد من مسكنه وإن كان ثم من هو أحوج منه، ومن خرج من بلده فأوطن بلدًا غيره فالمقيم أولى منه، ثم إن قدم لم يخرج له وإن كان القادم أحوج منه، أو كان المقيم غنيًا، وأما إن خرج لتجارة أو حاجة ثم رجع فهو كالحاضر.

الجزء: 19 - الصفحة: 525

[المسألة الخامسة: إذا خرج أحد الساكنين من أهل الحبس خروج انتجاع] ومن كتاب محمد قال: ومعنى قول مالك: إن هرج أحد من الأدنين خروج انتجاع سكن الذين يلونهم، وإنما ذلك إذا لم تكن سعة فسكن من هو أولى، فإن رجع المنتجع لم يخرج له.
[المسألة السادسة: فيمن يُقدم ويبدى في فضلة الكراء والغلات من الثمر] قال مالك: هذا الشأن في السكنى، وأما فضلة الكراء والغلات من الثمر وغيره فإن حق من انتجع أو غاب لا يسقط، وإنما يسقط عنه السكنى إذا لم يكن فيه فضل.
قال ابن القاسم: وإنما ذلك فيمن حبس على ولده أو ولد فلان، أو آله أو آل فلان، فأما على قوم بأعيانهم مسمين ليس على التعقيب فإن حق المنتجع منهم ثابت في السكنى، محمد: غنيهم وفقيرهم سواء.
قال ابن القاسم: وإذا طلب المنتجع من غير المعينين أن يكري منزله أو يُقطع له بقدر حصته يكريها، لم يكن له ذلك.
[المسألة السابعة: في الحبس على غير المعينين إذا خرجوا ثم عادوا وكان فيه سعة وفضل] قال مالك: وإذا رجع فلا يخرج له من مسكنه ولكن له حقه فيما تقدم من المساكن إن كان فضل، وليس انقطاعه عن البلد يقطع عنه حقه فيما تفرغ من المساكن ولا كراء من غلة أو ثمر، إنما ذلك في المساكن التي لا فضل فيها، فإنه

الجزء: 19 - الصفحة: 526

إذا سكن مَنْ سكن- لأنه أحوج- ثم حدث به غنى وقدم المنتجع فلا يُخرج له الساكن إلا أن يكون فضل فيدخل فيه المنتجع، ولو خرج غير منتجع ثم قدم فليرد إليه منزله، ويخرج له من فيه، وله أن يكري منزله إلى أن يرجع.
[المسألة الثامنة: فيمن يُفضل في قسم الغلة] ويُفضل في قسم الغلة أهل الحاجة والعيال بالاجتهاد، فإن تكافأت حاجتهم أو غناهم قُسمت الغلة بينهم على العدد، الذكر والأنثى في ذلك سواء، إلا أن يشترط في أصل حبسه أن للذكر مثل حظ الأنثيين فيكون كما شرط ولو شرط ذلك ثم رجعت إلى أولى الناس به لم يكن له في المرجع شرط، وكان الذكر والأنثى سواء؛ لأنه لم يتصدق عليهم.
قلت: فلو كانت قبل أن يرجع كان آخر عقبة امرأة واحدة وقد كان شرط أن للذكر مثل حظ الأنثيين، قال: تكون أحق بالجميع؛ لأن معنى قوله إنما هو إذا كان معها رجل، قال: وإذا كانت المساكن من أول لا تسعهم وقد استووا في الحال أكريت واقتسموا الكراء إلا أن يرضى أحدهم أن يسكن بكراء فيسكن.
قال فإن هلك بعض من سكن- لأنه أولى- وبقيت امرأته فإن لم يترك ولدًا من أهل الحبس تُركت لتمام عدتها هي وعياله ثم أُخرجوا، وإن كان له ولد من أهل الحبس لم يخرجوا منه وسكنوا فيه بأمهم على ما سكن أبوهم.

الجزء: 19 - الصفحة: 527

[الباب الخامس] فيمن حبس في مرضه دارًا على ولده وولد ولده

فترك أمًا وزوجة- هي مسألة ولد الأعيان-.
قال ابن القاسم: ومن حبس في مرضه دارًا على ولده وولد ولده، والثلث يحملها ثم مات وترك أمًا وزوجة فإنها تُقسم على عدد الولد وولد الولد، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، وما صار لولد الأعيان كان بينهم وبين الأم والزوجة على الفرائض موقوفًا بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان فتخلص الدار كلها لولد الولد حبسًا، ولو ماتت الأم أو الزوجة كان ما بأيديهما لورثتهما موقوفًا، وكذلك يُورث نفع ذلك عن ورثتهما أبدًا ما بقي أحد من ولد الأعيان، قال: وإذا مات أحد ولد الأعيان قُسم نصيبه بالتحبيس على بقية ولد الأعيان وولد الولد على عددهم فما صار لولد الأعيان دخلت فيه أم الميت الأول، وزوجته بحق الميراث عنه وكذلك ورثتهما- إن كانا ماتا- بمثابتهما، وما بقي من نصيب ولد الأعيان من ذلك قُسم بين من بقي من ولد الأعيان وبين الميت منهم، فما وقع للميت فهو الذي يجب لورثته عنه يكون لهم بالميراث عنه موقوفًا بأيديهم حتى ينقرض ولد الأعيان فتخلص الدار كلها لولد الولد، فإن انقرض ولد الأعيان وولد الولد رجعت الدار حبسًا على أقرب الناس بالمحبس.
وقد فسر أبو محمد- رحمه الله- هذه المسألة وأنعم شرحها، وأنا أذكر من ذلك ما يليق ذكره، ولا يسع جهله، بلفظ لين وشرح بين واختصار حسن إن شاء الله: قال أبو محمد: اعلم أن هذه المسألة من المسائل التي يتسع فيها المقال ويتفرع فيها السؤال ويدق فيه الفقه، وقد قال سحنون: إنها من حسان المسائل، وقل

الجزء: 19 - الصفحة: 528

من يعرفها، وهي في أكثر الكتب خطأ لدقة معانيها وغامض تفريعها., فاعلم أنه لما حبس على ولده وولد ولده، والثلث يحمل ذلك كان في ذلك حبس على غير وارث وهم: ولد الولد، وعلى وراث وهو: الولد.
فنحن لا نقدر أن نُبطل ما كان للولد من ذلك- إن شاء ذلك بقية الورثة-؛ لأن فيه شرطًا لغير وارث من ولد الولد، وما يتناسل من الأعقاب فلم يكن بد من إيقاف ذلك على معاني الأحباس إلا أن ما صار من ذلك بيد ولد الأعيان قام فيه بقية ورثة الميت من أم وزوجة وغيرهما إن لم يجيزوا فيدخلون في تلك المنافع، إذ ليس لوارث أن ينتفع دون وارث معه، إذ لا وصية لوارث، فكأنا جعلنا الميت ترك: زوجة وأمًا وثلاثة بنين وثلاثة من ولد الولد- لكل واحد من ولد الأعيان ولد- قال مالك وأصحابه: فيقسم أصل الحبس من غلة أو غيرها على ستة أسهم: ثلاثة لولد الولد فتنفذ لهم بالحبس- قال سحنون وابن المواز: إذا كانت حالهم واحدة، وإلا فعلى قدر الحاجة.
قال عيسى عن ابن القاسم: والذكر والأنثى فيه سواء- وما صار لولد الأعيان أخذت الأم سدسه، والزوجة ثمنه، وقسم ما بقي على ثلاثة- عدد ولد الأعيان؛ لأنهم ذكور، ولو كانوا ذكورًا وإناثًا، فللذكر مثل حظ الأنثيين- لأن الذكر يحتج بالميراث ليوفى سهمه كما احتجت الأم والزوجة- وسواء اختلفت حاجتهم أو لم تختلف؛ لأنهم ها هنا بالميراث أخذوه.

الجزء: 19 - الصفحة: 529

واختلف إن مات واحد من ولد الأعيان: فقال سحنون وابن المواز ويحيى بن يحيى عن ابن القاسم: ينتقض القسم كما ينتقض لحدوث ولد لولد الأعيان أو لولد الولد.
ويُقسم جميع الحبس على خمسة عدد بقية الولد وولد الولد، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس وما صار لولد الأعيان أخذت الأم سدسه والزوجة ثمنه وقُسم ما بقي على ثلاثة عدد أصل ولد الأعيان فيأخذ الحيان منهما سهميهما، وورثة الميت سهمًا بينهم تدخل فيه أمه وزوجته إن كان له زوجة، وولده وهو أحد ولد الولد فيصير لولد هذا الميت نصيب بمعنى الحبس من جده في القسم الأول والثاني، ونصيب بمعنى الميراث.
وعلى ما روى عيسى بن دينار عن ابن القاسم وفيما ذكره سحنون في المجموعة: لا ينتقض القسم، ويُقسم ما كان أخذه في القسم أولاً وهو سدس الحبس: يؤخذ ما بيده ويضم إليه ما خرج منه للأم والزوجة وهو ثلث ما في أيديهما حتى يكمل له السدس- ويقال لهما: قد كنتما تحتجان عليه أن يستأثر بذلك دونكما وأنتما وارثان معه فلما مات لم تبق لكما حجة في بقاء ما أخذتما منه بأيديكما لقيام ولد الولد فيه بحق التحبيس ولا حجة لكما على ولد الولد إذ هم غير ورثة- فيقسم هذا السدس على ولد الولد ثلاثة، وعلى

الجزء: 19 - الصفحة: 530

من بقي من ولد الأعيان وذلك اثنان، فيقسم على خمسة ثلاثة لولد الولد، وسهمان لولد الأعيان.
قال في العتبية: فما صار لولد الأعيان قُسم عليهم وعلى ورثة الهالك منهم على الفرائض، وتأخذ فيه الأم والزوجة سهميهما.
يعني: أن هذه السهمين اللذين صارا لولد الأعيان تقوم فيهما أم الميت الأول وزوجته فيأخذان سدسهما وثمنهما، ثم يُقسم ما بقي منهما على ثلاثة- عدد ولد الأعيان- يُحيا الميت بالذكر فيكون لكل حي سهم، وسهم الميت لورثته، يكون بينهم على الفرائض موقوفًا، فيصير بيد ولد هذا الميت نصيب بمعنى الحبس من جده في القسم الأول والثاني، ونصيب بمعنى الميراث عن أبيه هذا على ظاهر ما في العتبية، وكذلك فسره أبو محمد.
وقال سحنون في المجموعة: فما صار لولد الأعيان ضُم إليه السدسان اللذان كانا بأيديهما بعد رد الأم والزوجة ما كان أخذتا منهما، ويجمع ذلك كله ثم يخرج منه ثمنه للزوجة وسدسه للأم، ويقسم ما بقي على ثلاثة أسهم للأحياء من ولد الأعيان سهمان وسهم لورثة الميت منهم يكون بينهم موقوفًا على فرائض الله تعالى.
م: وإن شئت قلت: فما صار لولد الأعيان من قسم سدس حبس الميت منهم وذلك خمسان تأخذ الأم منه سدسه والزوجة ثمنه، ويضمان ما بقي من

الجزء: 19 - الصفحة: 531

ذلك إلى ما كان بقي في أيديهما في قسم الحبس أولاً بعد أخذ الأم والزوجة سدسه وثمنه، فيقسمان ذلك على ثلاثة: لهما سهم ولورثة الميت سهم موروث على الفرائض، وهذا والأول سواء وهما جميعًا يرجعان إلى نقض القسم سواء؛ لأن سدس الحبس إذا قُسم على خمسة صار سدس كل واحد من ولد الولد خمسًا، وإذا ردت الأم والزوجة ما كانتا أخذتا من ولد الأعيان صار في أيديهما الخمسان، فصار الأمر إلى أن الحبس يُقسم على خمسة ثم تدخل الأم والزوجة في سهمي ولد الأعيان، فلا معنى لتطويل ما ذكره سحنون، وقسمه جميع الحبس على خمسة أبين، وإنما المسألة على مذهبين: نقض القسم، وما ذُكر في العتبية فهو غير نقض القسم.
قال أبو محمد: وإنما قُسم سهم الميت من ولد الأعيان على خمسة لقيام ولد الولد في ذلك بمعاني قسم الحبس بوصية الميت ليتوفر سهم لهم بنقصان عدد أهل الحبس، فما حصل لولد الأعيان صارت الحجة عليهم فيه لمن ورث الميت الأول- المحبس- معهم، وكذلك صارت لمن يرث الميت من ولد الأعيان حجة أيضًا أن ينالوا نفع ما ورثه وليهم مادام أحد من الورثة ينتفع بمعنى الميراث عن الميت الأول، قال: وإنما يختلف نقض القسم من غير نقضه على ولد الأعيان وعلى ورثة الميت منهم، فأما على ولد الولد أو على أم المحبس وزوجته فلا.
وإن شئت اعتبار ذلك: فاقسم الحبس بموت الجد على ألفين ومئة وستين

الجزء: 19 - الصفحة: 532

فالسدس لكل واحد ثلاثمائة وستون، فتأخذ الزوجة ثمن ما بيد كل واحد من ولد الأعيان فيجتمع لها مائة وخمسة وثلاثون، وتأخذ الأم السدس من كل واحد فيجتمع لها مائة وثمانون، فلما مات واحد من ولد الأعيان زدت إليه ما أخذت الزوجة منه وذلك خمسة وأربعون، ومن عند الأم: ستون، فيعود السدس كما كان ثلاثمائة وستين، فتُقسم على خمسة، اثنان وسبعون: لكل واحد من ولد الولد، وولدي الأعيان، فتأخذ الأم سدس ما بيد كل واحد من ولدي الأعيان، وذلك اثنا عشر، والزوجة ثمنه وذلك تسعة، فيبقى لكل واحد: واحد وخمسون، فجميع ذلك مئة وسهمان، فيأخذ كل واحد ثلثه: أربعة وثلاثين، ولورثة أخيهما الميت أربعة وثلاثون، ويصير لكل واحد منهما مائتان وتسعة وثمانون، وبيد زوجة الأب مئة وثمانية، وبيد أمه مئة وأربعة وأربعون، وبيد كل واحد من ولد الولد أربعمائة واثنان وثلاثون، فهذا ما صار لهم في ظاهر قول ابن القاسم الذي لا يرى فيه نقض القسم.

الجزء: 19 - الصفحة: 533

وإذا قسمت ذلك على ما رواه عنه يحيى بن يحيى وقول سحنون وابن المواز في نقض القسم بموت واحد من الولد، فإنك تقسم أصل الحبس وهو ألفان ومئة وستون على خمسة، فخمس ذلك أربعمئة واثنان وثلاثون- وكذلك كان بيد كل واحد من الولد في القسم الأول- ثم تأخذ زوجة الأب من كل واحد من ولدي الأعيان ثمن ما بيده، وذلك أربعة وخمسون، فيجتمع لها مئة وثمانية- كما كان لها في القسم الأول- وتأخذ الأم منهما سدس ما بأيديهما: مئة وأربعة وأربعين- كما كان لها في القسم الأول- ثم ينظر إلى ما بقي بيد ولدي الأعيان، فوجدناه ستمئة واثني عشر، تُقسم على ثلاثة، فثلث ذلك لورثة أخيهما وذلك مئتان وأربعة، فزادهما في هذا القسم- أعني: نقض القسم على القسم الأول في ظاهر قول ابن القاسم- مئة وسبعين؛ لأنه إنما كان لهم أربعة وثلاثون، فهذه الزيادة كانت عند عميهما، ونقص كل واحد من عميهما خمسة وثمانون عما كان بيده في القسم الأول؛ لأنه كان قد استقر بيد كل واحد منهما مئتان وتسعة وثمانون، وأن ما بأيديهما الآن في هذا القسم: مئتان وأربعة، فالذي نقصهما هو الذي زاد ورثة أخيهما، وهذا هو أشبه- والله أعلم- بحجة ولد الميت من ولد الأعيان أن يتساوى أبوهما فيما يُورث

الجزء: 19 - الصفحة: 534

عنه، وعماهما فيما يجري فيه حكم الميراث والله أعلم.
قال سحنون في المجموعة: وإنما هذا في الثمار وأشباهها من الغلات يقسم عند كل غلة على من وجد يومئذ حيًا من ولده لصلبه وولد ولده ثم يجمع حق ولد الصلب فيقسم على الفرائض، فأما فيما يسكن من دار أو يزرع من أرض فلابد من نقض القسم في جميع الحبس، فيقسم على من بقي من ولد الأعيان، وولد الولد فما صار لولد الأعيان دخل فيه أهل الفرائض، وما صار لولد الولد أخذوه.
م: وهذا القول إنما يصح على قول من لا يرى نقض القسم في جميع الحبس، وسحنون يقوله في المجموعة كنقض القسم سواء، فانظر.
م: وإن مات ثان من ولد الأعيان، فعلى نقض القسم بينهم: يُقسم جميع الحبس على أربعة، فما صار لولد الولد أخذوه في الحبس، وما صار للباقي من ولد الأعيان أخذت الزوجة ثمنه، والأم سدسه، وقسم ما بقي على ثلاثة، يحيا الميتان بالذكر فما صار لكل واحد منهما أخذه ورثته على الفرائض موقوفًا، وما صار للحي كان له أيضًا.
وعلى قول من لا يرى نقض القسم يسترجع من يد الأم، والزوجة ومن يد ورثة الهالك أولاً من ولد الأعيان تمام خمس جميع الحبس على ما في يد الهالك الثاني ليكمل له الخمس- وهو ما كان صار له في القسمة الثانية بعد موت أخيه وقد أخذت الأم سدسه، والزوجة ثمنه، وورثة أخيه ثلث ما بقي في يديه وهو تسع وثمن الخمس- فيأخذ ذلك منهم فيكمل له الخمس فيقسمه على أربعة:

الجزء: 19 - الصفحة: 535

لولد الولد ثلاثة، والباقي من ولد الأعيان سهم، فتأخذ أم المحبس من هذا السهم سدسه، وزوجته ثمنه، ثم يُقسم ما بقي على ثلاثة يحيا الميتان بالذكر، فما صار للحي أخذه، وما صار لكل ميت ورثه عنه ورثته على الفرائض موقوفًا، فإن مات الثالث من ولد الأعيان خلص جميع الحبس لولد الولد.
ولو كان إن ما مات أولاً واحد من ولد الولد ولم يمت من الأعيان أحد لم يأخذ سهمه وورثته؛ لأنه بمعنى الحبس.
وقال ابن المواز وغيره: وينتقض القسم بموته كقوله في موت ولد الأعيان، ويقسم جميع الحبس على خمسة، فما صار لولد الولد نفذ لهم بالحبس، وما صار لولد الأعيان أخذت الأم سدسه، والزوجة ثمنه، وقسم ما بقي على ثلاثة- عدد ولد الأعيان- وجعل الأم والزوجة يدخلان فيما ازداده ولد الأعيان من قبل ولد الولد.
وقال عيسى عن ابن القاسم: لا ينتقض القسم، ويقسم نصيب الميت من ولد الولد وهو السدس على خمسة: عدد بقية ولد الولد وولد الأعيان، فما صار لولد الولد نفذ لهم في الحبس، وما صار لولد الأعيان الثلاثة دخلت فيه الأم، والزوجة أو ورثتهما إن ماتا، فيكون ذلك على مواريثهم، وكذلك قال سحنون في كتاب ابن عبدوس فتدخل فيه الأم والزوجة وكل من ورث المحبس؛ لأن ما رجع إلى ولد الأعيان من نصيب ولد الولد إنما يرجع بسبب الوصية لا بالولاية؛ لأنه على مجهول من يأتي، قال: وهذا قول أكثر الرواة.

الجزء: 19 - الصفحة: 536

قال غيره: ولو كان بسبب مراجع الأحباس لأثر به أهل الحاجة من أقرباء الموصي.
قال سحنون في العتبية: لا تدخل فيه الأم والزوجة لأن وصية الميت قد نفذت أولاً وارتفعت التهمة- يريد: وإنما يرجع إليهم هذا بالولاية-، قال غيره: ويلزم من ذهب إلى هذا أن يؤثر أهل الحاجة من ولد الموصي؛ لأن ذلك سنة مراجع الأحباس.
م: وما ذكره عنه ابن عبدوس أبين، وما ذكره ابن المواز من نقض القسم لا يختلف، إذا أدخلا الأم والزوجة فيما صار لولد الأعيان في الوجهين؛ لأن أخذ السدس والثمن من الثلاثة أخماس التي أصابت ولد الأعيان في نقض القسم مثل أخذها من الثلاثة أسداس التي تأتيهم في القسم أولاً من ثلاثة أخماس السدس التي تأتيهم فيا القسم الثاني؛ لأن ثلاثة أسداس كل عدد، وثلاثة أخماس سدسه مجموعين مثل ثلاثة أخماسه، فلا فرق بين أخذ الأم والزوجة السدس والثمن من ذلك مجتمعًا أو متفرقًا، فإذا صح ذلك فعمل نقض القسمة أخصر وأبين، وكذلك الحكم إذا لم يدخلا الأم والزوجة فيما ازداده ولد الأعيان في القسم الثاني، الجواب واحد لا يختلف، وإنما يختلف إذا أدخلتهما في قول ولم تدخلهما في الثاني، وهذا أبين، واعتبره بالأعداد تقف على صحته إن شاء الله.
ثم إن مات ثان من ولد الولد فعلى نقض القسم يُقسم الحبس كله على عدد من بقي من ولد الولد والأعيان وذلك أربعة، فسهم لولد الولد الباقي، وثلاثة لولد الأعيان، وتدخل الأم والزوجة معهم على هذا القول، ولا تدخل في قول غيره، فإن هلك الثالث من ولد الولد كان جميع الحبس لولد الأعيان؛ لأنهم أقرب الناس بالمحبس.

الجزء: 19 - الصفحة: 537

قال سحنون في العتبية: إذا انقرض ولد الولد رجع ما كان بأيديهم إلى أقرب الناس بالمحبس وهم ولد الأعيان ولا تدخل فيه الأم والزوجة؛ لأن وصية الميت قد نفذت أولاً، وارتفعت التهمة- يريد: وإنما يرجع هذا إليهم بالولاية- قال: وقد قيل: إن ما دار إلى ولد الأعيان من ولد الولد حتى انقرضوا أو ما دار إليهم عن واحد منهم أن زوجة المحبس وأمه يدخلان فيه، وهو الذي ذكره عنه ابن عبدوس، وقاله عيسى ويحيى عن ابن القاسم.
قال سحنون: وإذا انقرض ولد الولد، وصار ما بأيديهم لولد الأعيان، ثم مات واحد منهم فلتأخذ الأم والزوجة ميراثهما مما في يديه من السدس الذي أخذ أولاً مما دار إليه عن ولد الولد، فما بقي قسم بين ولدي الأعيان.
م: يريد سحنون بالأم والزوجة: أم هذا الميت وزوجته؛ لأن أم المحبس الأول وزوجته قد أخذتا أولاً من هذا السدس سدسه وثمنه، فلا يرد من عندهما لانقراض ولد الولد اللذين لهم في ذلك حجة، ولكن يُقسم ما بيديه من بقية ذلك السدس على ورثته: لأم نفسه سدسه، ولزوجته حقها الربع، ولبقية ورثته ما بقي، فإن كان أخواه هذين فهو لهما، وأما ما بيده عن ولد الولد وهو سدس ثان، فهو سبيل الأحباس عنده، وفي رواية العتيبي لا شيء لورثته

الجزء: 19 - الصفحة: 538

فيه، ويرد إلى أولى الناس بالمحبس، وهو أخو هذا الميت بينهما نصفين- يريد إذا استووا في الحال- كذلك فسره أبو محمد.
قال أبو محمد: وإن كان إن ما مات أولاً واحد من ولد الأعيان فقُسم نصيبه على ما فسرنا، ثم إن مات بعد ذلك ولد من ولد الولد فإنه يؤخذ ما كان بيد هذا الميت من ولد الولد، وهو الخمس المأخوذ في قسم الحبس من قبل جده، ومن قبل موت أبيه دون ما بيده عن أبيه بالميراث، فيُقسم هذا الخمس على أربعة أسهم، فلكل واحد من ولد الولد سهم، وسهمان للحيين من ولد الأعيان تأخذ فيهما أم الجد، وزوجته السدس والثمن، ثم يُقسم ما بقي من السهمين على ثلاثة: سهمان لولد الأعيان الحيين، وسهم لورثة أخيهما الميت تدخل فيه أمه بالسدس، وزوجته بالثمن- وإن لم يكن له الآن ولد؛ لأنه إنما يُقسم ذلك على قسم ما ورث عليه يوم مات لا اليوم- الباقي لولده الذي قد مات، فحكم ذلك: أنه يضم نصيب ولده من ذلك لورثة ولده، فتأخذ منه أمه أيضًا الثلث، إذ لا ولد له ولا إخوة، وتأخذ زوجته من الربع وما بقي لعميه، وإنما جعلنا ذلك لولد الميت من ولد الأعيان ثم قسمناه بين ورثته؛ لأن ما قسم بالميراث فإنما يُقسم على القسم الأول، ثم يكون لورثة الميت، ثم لورثة ورثته أبدًا، وهذا على قول ابن القاسم في دخول الأم والزوجة في المرجع.
قالوا: وكل من مات من أهل السهام فلا يُنتقض بموته قسم، ويصير ما بيده لورثته على المواريث، وكذلك لورثة ورثتهم موقوفًا ما بقي من ولد

الجزء: 19 - الصفحة: 539

الأعيان أحد، فإذا انقرضوا رجع الحبس إلى لولد الولد، قالوا: وينتقض القسم بحدوث ولد لأحد من ولد الأعيان أو لأحد من ولد الولد، ولا أعلم اختلافًا في ذلك، ويقسم قسمًا ثانيًا على عدد الولد وولد الولد الأولين والذين حدثوا، وكذلك إن اشترط في حبسه: ليس لمتزوجة حق- إلا أن تردها رادة من موت أو طلاق- فتزوجت ابنة له، فهذه عند تزويجها ينتقض القسم، ولا يُقسم لها في قسم الحبس بشيء، ولكن ما صار للأعيان منه دخلت فيه بمعنى الميراث؛ لأنها أخت لهم، ثم إن رجعت انتقض القسم وقُسم لها في أصل الحبس، كنصيب الذكر إن كان حالهما سواء مع ولد الولد على عددهم، فما ناب ولد الأعيان دخلت فيه الأم والزوجة، وقُسم ما بقي على الميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين، وينتقض القسم أيضًا بتزويج واحدة من بنات الولد، وينتقض برجوعها إذا تأيمت، وما نابها مع ولد الولد، فلا يدخل فيه عليهم أحد.
م: وفيما ذكرنا من هذا كفاية، وبالله التوفيق، فهو الموفق للصواب، ولله المرجع والمآب.

الجزء: 19 - الصفحة: 540

[الباب السادس] في المسكن يشترط مرمة الدار، أو المحبس

يشترط مرمة الحبس أو نفقته، وهل يورث ما بُني في الحبس؟

[(1) فصل: في المسكن يشترط مرمة الدار أو المحبس يشترط مرمة الحبس أو نفقته] [المسألة الأولى: فيمن أسكن رجلاً دارًا حياته أو سنين مسماة على أن عليه مرمتها] قال ابن القاسم: ومن أسكن رجلاً دارًا حياته، أو سنين مسماة على أن عليه مرمتها لم يجز، وهو كراء مجهول، وأما إن أعطاه رقبتها على أن ينفق على ربها حياته فهو بيع فاسد، والغلة للمعطى بالضمان، وترد الدار إلى ربها، ويتبعه بما أنفق عليه، إلا أن تفوت فيغرم له قيمتها ويقاصه في ذلك بما أنفق عليه.
[المسألة الثانية: فيمن حبس دارًا على رجل وولده واشترط عليه إصلاح ما رث منها] قال ابن القاسم: ومن حبس دارًا على رجل وولده، وولد ولده واشترط على الذي حبس عليه إصلاح ما رث منها من ماله، لم يجز، وهو كراء مجهول، ولكن يمضي ذلك وتكون حبسًا، ولا مرمة عليه، وتكون مرمتها من غلتها؛ لأنها فاتت في سبيل الله ولا تشبه البيوع، وقد قال مالك: من حبس فرسًا على رجل واشترط على المحبس عليه حبسه سنة وعلفه فيها ثم هو له بتلاً بعدها، قال- في باب بعد هذا: أو دفعها إليه يغزو عليها سنتين أو ثلاثة وينفق عليها فيها ثم هو للمعطى بعد الأجل، أنه لا خير فيه؛ لأنه غرر إذ قد تهلك الفرس قبل تمام السنة فيذهب علفه باطلاً.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن لم يمض الأجل أن يخير الذي حبس الفرس، إما ترك الشرط وبتل الفرس للرجل أو أخذه وأدى للرجل ما أنفق عليه، فإن

الجزء: 19 - الصفحة: 541

مضى الأجل لم يرد وكان للذي بتل له بعد السنة بغير قيمة، وأما بائع العبد على أنه مدبر على المبتاع فقد فات بالتدبير، ويرجع البائع على المبتاع بتمام الثمن إن كان هضم له منه شيئًا.
قال أبو محمد: يريد: له الأكثر من القيمة أو الثمن.
وقال أشهب وغيره: في الفرس لا يُبطل شرطه العطية، ورواه ابن وهب عن مالك.
قال أشهب: وهو كمن أعاره لرجل يركبه سنة، ثم هو لفلان فترك المعار عاريته لصاحب البتل، أنه يتعجل قبضه، فهو إذ جعله عارية له ثم مصيره إليه، سقطت العارية ووجبت له الرقبة ولم يكن فيه خطر.
م: وحُكي عن بعض فقهائنا القرويين: في مسألتي الفرس المتقدم ذكرهما أنهما غير مفترقي الجواب كما قدمنا ها هنا، وكذلك جمعها أبو محمد، وقال: ويكون الفرس فيهما بعد الأجل ملكًا للمدفوع إليه كما قدمنا، وقال غير أبي محمد: معناهما مفترق؛ لأن المسألة الأولى ذكر فيها تحبيس الفرس فينبغي أن يكون الفرس بعد الأجل حبسًا على المعطى لا ملكًا، والمسألة الثانية لم يذكر فيها تحبيسًا فينبغي أن يكون الفرس بعد الأجل ملكًا للمعطى، قال: وكيف يكون الفرس في المسألة الأولى ملكًا للمعطى وقد ذكر فيها ابن القاسم أنه يأخذه بعد الأجل بغير قيمة وأمره لا يعدو أن يكون كراء فاسدًا أو بيعًا فاسدًا، فإن كان كراء فاسدًا فكيف أمضاه له بعد الأجل ولم يفسخه؟ وإن كان بيعًا فاسدًا فكيف يأخذه المعطى بغير قيمة؟ هذا أمر غير مستقيم، فلم يبق

الجزء: 19 - الصفحة: 542

إلا أن يكون بيده بعد السنة حبسًا كما شرط ربه، ويرجع هذا المعطى على رب الفرس، بما أنفق عليه السنة، وافتراق المسألتين في الكتاب بين؛ لأنه استشهد بالأولى على مسألة من حبس داره فاشترط على المحبس عليه أن ما احتاجت إليه الدار من مرمة رمها من ماله فقال: لا يصلح، وهو كراء فاسد، ولكن يمضي ذلك ويكون حبسًا وتكون مرمتها من كرائها؛ لأنها فاتت في سبيل الله تعالى، ثم استشهد بقول مالك في الفرس، فكذلك ينبغي إذا فاتت أن تكون حبسًا، ولما سُئل بعد هذا عمن وهب لرجل نخلاً وشرط لنفسه ثمرتها عشر سنين، فقال: إن سلم النخل للموهوب له يسقيها بماء نفسه لم يصلح؛ لأنه كأنه قال له: اسقها إلي عشر سنين ثم هي لك، ثم استشهد بمسألة الفرس الثانية فبان بذلك افتراقهما، وأن الأولى ترجع الفرس فيها إلى المحبس كما رجعت الدار، والثانية إلى ملك كما اشترط في النخل.
وذكر مثل هذا عن الشيخ أبي الحسن القابسي.
قال الشيخ أبو الحسن: في مسالة الفرس الأولى: إذا أدرك الأمر قبل تمام السنة فخُير المحبس وأسقط الشرط وأنفذ التحبيس فليدفع أيضًا ما أُنفق على الفرس؛ لأنها شرط من المحبس ثم بعد ذلك يتم الحبس، ألا ترى إلى قول مالك: أرأيت إن هلك الفرس قبل السنة أيذهب علفه باطلاً؟ وأما إن لم يُدرك حتى فات الأجل فقد فات بالتحبيس الذي لا شرط فيه، فلابد أن يغرم المحبس علف الفرس في السنة، وهو وجه قول مالك، والله أعلم.

الجزء: 19 - الصفحة: 543

وإنما لم يجعل على المحبس عليه قيمة الفرس إذا فات الأجل، من أجل أن الفوت إنما وقع من قبل المحبس، والمدبر إنما وقع فوته من قبل المشتري، وإنما شبهها بها في نفس الفوت فالعبد بنفس الشراء يكون مدبرًا، والفرس بتمام الأجل تكون حبسًا.
قال: ومعنى دفعه الفرس في المسألة الثانية أن المدفوع إليه يغزو عليه سنتين أو ثلاثة، ويكون ثواب عمل الفرس في الغزو للدافع، والمدفوع إليه ينفق على الفرس في الأجل ثم هو للمدفوع إليه بعد الأجل بتلاً، فصارت النفقة عليه في الأجل ثمنًا له، وشرط البيع إنما وقع بعد حلول الأجل، فهذا إن أدرك قبل تمام الأجل فالدافع بالخيار: فإن شاء أن يُمضي عطيته بلا شرط ويدفع ما أنفق عليه، وإن أبى ارتجع فرسه وغرم ما أُنفق عليه، وإن لم يعلم بذلك حتى مضى الأجل فإن لم يتغير الفرس بحوالة سوق فأعلى، فسخ البيع؛ لأنه الآن صار بيعًا فاسدًا فيُفسخ ويغرم له ما أنفق عليه، وإن فات بشيء من وجوه الفوت غرم القابض قيمة الفرس حين حل الأجل؛ لأنه من ذلك الحين ضمنه- يريد: ويرجع على الدافع بما أنفق عليه- قال: وإن كان إنما قبضه على أن يغزو عليه بنفسه من الدافع رجع عليه بأجر مثله إن كان قد غزا عنه.
قال يحيى بن عمر في الدار المشترط مرمتها على المحبس عليه، إن ذلك إذا وقع مضى الحبس وسكن المحبس عليه، فإن احتاجت إلى مرمة أخرجناه منها وأكريناها من غيره بقدر مرمتها، فإذا أرمت وانقضى أجل الكراء رجع فسكن، إلا أن يقول المحبس عليه: أنا أسكن وأرم بقدر ما يُكرى من غيري، فذلك له، ولا يخرج كذلك إن احتاجت بعد ذلك فهو على ما فسرنا، وهذا معنى ما في المدونة إلا أن هذا أقيس.

الجزء: 19 - الصفحة: 544

[(2) فصل فيما أدخله أحد المحبس عليهم في الحبس من زيادة] قال مالك: ومن حبس دارًا على ولده وولد ولده فبنى فيها أحد البنين أو أدخل خشبة أو أصلح، ثم مات ولم يذكر لما أدخل في ذلك ذكرًا، فلا شيء لورثته فيه.
قال ابن القاسم: وإن كان قد أوصى به، أو قال: هو لورثتي، فذلك لهم، وإن لم يذكرهم فلا شيء لهم فيه قل أو كثر.
وقال المغيرة: لا يكون من ذلك صدقة محرمة إلا الشيء اليسير مثل الستر والميازيب وما لا يتعاظم خطره، وأما البناء الذي له قدر، فهو مال من ماله يورث عنه، ويُقضى به دينه.
وكذلك في كتاب ابن المواز، وقال: ليس لورثته في اليسير حق أوصى به أم لا؛ لأنه أراد به الحبس.
م: وبه قال عبد الملك.
وقال ابن كنانة: من سكن دارًا محبسة فبنى فيها، ثم مات وصار سكناها لغير ورثته، فليس لمن بنى في الحبس قيمة بناء ولا عمارة.
قال عبد الملك: وإن عمر في غير حيزه الذي هو بيده وهو من أهل الصدقة، فهو كأجنبي عمره، فحقه فيه ثابت بغير الصدقة.

الجزء: 19 - الصفحة: 545

قال ابن القاسم عن مالك: ومن حبس على رجل حياته دارًا أو أرضًا فبنى فيها مسكنًا أو غرس نخلاً ثم مات قال: إن أرضى رب الدار ورثة الباني فذلك، وإلا قلعوا البناء والنخل، إلا أن يعطيهم قيمة ذلك ملقى.

الجزء: 19 - الصفحة: 546

[الباب السابع] في إخراج البنات من الحبس، وهل يخرج أحد لأحد

[(1) فصل: في إخراج البنات من الحبس] قال مالك: ويكره لمن حبس أن يُخرج البنات من محتبسه، وقد حبس جماعة من الصحابة على بنيهم وأعقابهم فما أخرجوا البنات من ذلك، ونهت عائشة رضي الله عنها عن إخراج البنات من الحبس وأغلظت فيه، وقالت: ما مثل ذلك إلا كما قال الله سبحانه في أهل الكفر: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ﴾ [الأنعام: 139]. قال سحنون: فهذا من قول عائشة رضي الله عنها يدل أن الصدقات فيما مضى إنما كانت على البنين والبنات حتى أحدث الناس ما أحدثوا من إخراج البنات، وقد أراد عمر بن عبد العزيز أن يرد صدقات الناس التي أخرجوا منها البنات.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: إخراجهن منه من عمل الجاهلية، وما أريد به وجه الله عز وجل لا يكون هكذا.
وقال عنه ابن القاسم أيضًا: إذا حبس على ولده وأخرج البنات منه إن تزوجن فالشأن أن يبطل ذلك.
ورأي ابن القاسم: إذا فات ذلك أن يمضي على ما حبس، وإن كان حيًا ولم يحز عنه الحبس، فليرده ويُدخل فيه البنات، وإن حيز عنه أو مات مضى على شرطه ولم يفسخه القاضي، ولم يذكر في كتاب ابن المواز: إن حيز عنه.

الجزء: 19 - الصفحة: 547

وقال مالك: في الذي شرط أن من تزوج من بناته أُخرجت من الحبس إلا أن تردها رادة، قال: أرى أن ينقض ذلك، ويجعله حبسًا مسجلاً.
قال محمد- وإنما يفعل ما قال مالك من فسخ الحبس وأن يجعله مسجلاً: إنما ذلك ما لم يأب عليه من حبس ذلك عليهم، فإن أبوا لم يجز له فسخه ويقر على ما حبس وإن كان حيًا إلا أن يرضوا له برده وهم كبار.
قال مالك: إن لم يخاصم فليرد الحبس حتى يجعله على الصواب.
قال ابن القاسم: وإن خوصم فليقره على حاله.
[(2) فصل في إخراج أحد المحبس عليهم لغيره عند ضيق الحبس] وقد تقدم أنه لا يُخرج أحد لأحد في الحبس، وأن من لم يجد مسكنًا فلا كراء له، وإن مات أو غاب غيبة انتقال استحق الحاضر مكانه، وإن كان يريد الرجوع فهو على حقه، وقد قال عطاء: لا يُخرج أحد لأحد إلا من بيده فضل مسكن، وأن من حبس على ولده وأعقابهم ولا عقب له يومئذ فأنفذه في صحته، ثم هلك هو وولده وبقي ولد ولده وبنوهم، فذلك بين جميعهم إن تساووا في الحال، إلا أن الأولاد ماداموا صغارًا لم يبلغوا ولم ينكحوا أو تعظم مؤنتهم لا يُقسم لهم، ولكن يُعطى الأب بقدر ما يمون، فإذا نكح الأبناء وعظمت مؤنتهم كانوا في القسم سواء.

الجزء: 19 - الصفحة: 548

[الباب الثامن] جامع القول في حيازة الأحباس والصدقات

[المسألة الأولى: فيما تتم به حيازة الأحباس والصدقات] قال مالك وأصحابه في غير موضع: لا تتم الأحباس والصدقات التي في الصحة إلا بأن تُحاز في صحة المحبس والمتصدق، إلا الأب في ولده الصغار وبناته الأبكار، فإن حبس على صغار ولده دارًا أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فإن حوزه لهم حوز، إلا أن يكون ساكنًا في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها، وأما الدار الكبيرة يسكن أقلها ويكري لهم باقيها، فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن، وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر داريهما وسكنا من ذلك منزلاًَ منزلاً حتى ماتا فنفذ حبسهما فيما سكنا وفيما لم يسكنا.
قال: فأما ما كان بمعنى الوصية للأجنبي في صحة أو مرض، أو ما بتل في المرض فلا تراد فيه الحيازة، وهو نافذ من الثلث؛ لأن أفعال المريض موقوفة إلى بعد الموت، هذا هو الأصل.
[المسألة الثانية: إذا حبس في صحته، وكتب في حبسه أنهم حازوا] وإذا حبس في صحته وكتب في حبسه أنهم حازوا فلا ينفع في ذلك إقرارهم بالحوز ولا إقرار المحبس حتى تُعاين البينة الحيازة، وكذلك الصدقة والهبة والرهن.
[المسألة الثالثة: فيمن حبس حائطه على المساكين في مرضه فلم يخرجه من يده حتى مات] قلت: فمن حبس حائطه على المساكين في مرضه فلم يُخرجه من يده حتى

الجزء: 19 - الصفحة: 549

مات أيجوز ذلك في قول مالك؟ قال: نعم إذا كان الثلث يحمله؛ لأنها وصية، كأنه قال: إذا مت فحائطي على المساكين حبس تجرى عليهم غلتها؛ ولأن ما فعله في مرضه من بت صدقة أو بت عتق لا يُحتاج فيه إلى أن يُقبض؛ ولأنه لو قبض من يده كان موقوفًا لا يجوز لمن قبضه أكل غلته إن كانت له غلة، ولا أكله إن كان مما يؤكل حتى يموت فيكون في الثلث أو يصح فينفذ البتل كله إن كان لرجل بعينه، وإن كان للمساكين أو في السبيل أمر بإنفاذ ذلك كله، ولا يجوز من فعل الصحيح إلا ما قُبض وحيز قبل أن يموت أو يُفلس، وقد كان له قول في فعل المريض إذا كانت له أموال مأمونة أنه يتم بتله.
[المسألة الرابعة: فيمن حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والخيل ولم ينفذها ولا أخرجها من يده حتى مات] ومن حبس في صحته ما لا غلة له مثل السلاح والخيل والرقيق وشبه ذلك فلم ينفذها ولا أخرجها من يده حتى مات فهي ميراث، وإن كان يخرجه في وجوهه وترجع إليه فهو نافذ من رأس ماله؛ لأنه خرج في وجهه، وإن أخرج بعضه وبقي بعضه فما أخرج فهو نافذ وما لم يخرج فهو ميراث.
قال أشهب في كتاب محمد والمجموعة: وما كان يرد إليه بعد القفول من العدو فيعلف من عنده الخيل، ويرم السلام وينتفع بذلك أيضًا هو في حوائجه ويعير ذلك لإخوانه ثم يموت، فإن ذلك ميراث؛ لأن المحبس إنما حاز لمنافعه.
[المسألة الخامسة: فيمن حبس في صحته أو تصدق به على المساكين فكان يكريه ويفرق غلته كل عام عليهم ولم يخرجه من يده حتى مات] ومن المدونة قال مالك: وما حبس في صحته أو تصدق به على المساكين من حائط أو دار أو شيء له غلة، فكان يكريه ويفرق غلته كل عام على المساكين ولم يخرجه من يده حتى مات لم يجز ذلك؛ لأن هذا غير وصية إلا أن يخرج ذلك من يده قبل موته أو يوصي بإنفاذه في مرضه لغير وارث فينفذ من

الجزء: 19 - الصفحة: 550

ثلثه، ولا يجوز من فعل الصحيح إلا ما قُبض وحيز قبل أن يموت أو يفلس.
[(1) فائدة: في الفرق بين الغلة يفرقها وبين السلاح وشبهه الذي يخرج من يده في وجهه ثم يرجع إليه] قال في المجموعة كتاب محمد: وليس تفرقة الغلة كالسلاح وشبهه الذي يخرج من يده في وجهه ويرجع إليه، يريد: لأن هذه الأشياء انتقلت من يده وأخرج جميعها، وفي الغلة لم يخرج الأصل من يده، فذلك مفترق.
قال ابن عبد الحكم عن مالك: وإن جعلها بيد غيره وسلمها إليه يحوزها ويجمع غلتها ويدفعها إلى الذي حبسها يلي تفريقها وعلى ذلك حبس، إن ذلك جائز، وأبى ذلك ابن القاسم وأشهب.
[المسألة السادسة: فيمن حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في السبيل وأنفذه ثم أراد أن ينتفع به مع الناس] ومن المجموعة قال ابن القاسم: فيمن حبس دارًا أو سلاحًا أو عبدًا في السبيل فأنفذ ذلك في وجهه زمانًا ثم أراد أن ينتفع به مع الناس، فإن كان من حاجة فلا بأس به.
[المسألة السابعة: فيمن وهب أو تصدق على من يحوز لنفسه من وارث أو غيره فلم يقبض ذلك حتى مرض المعطى] قال في المدونة: وإن وهب أو تصدق على من يحوز لنفسه من وارث أو غيره فلم يقبض ذلك المعطى حتى مرض المعطي، لم يكن للمعطى قبضها الآن، وكانت إن مات مال وارث، وكذلك الحبس والعمرى والعطايا والنحل،

الجزء: 19 - الصفحة: 551

قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: إلا أن ينحل ولده الصغير الذي لم يبلغ أن يحوز نحله فيعلن بها ويشهد فيجوز وإن وليه الأب.
قال مالك: فالأب يحوز للصغار من ولده ولمن بلغ من أبكار بناته ما وهبهم هو وأشهد عليه، قال أبو محمد: يريد: فيما يُعرف أو كانت دارًا ولم يسكن منها ما له قدر وبال.
[المسألة الثامنة: فيمن حبس دارًا أو غيرها في السبيل وجعل عليها رجلاً يكريها وينفق في السبيل ثم أكراها من ذلك الرجل] ومن المجموعة وقال عن مالك: فيمن حبس دارًا أو غيرها في سبيل الله وجعل رجلاً يكري ويرم منها ما يحتاج إلى المرمة ويُنفق في السبيل، ثم أكراها من ذلك الرجل ونقده الكراء، فكرهه، وقال: أراها ميراثًا عنه.
[المسألة التاسعة: فيمن حبس دارًا على ولده ثم اكتراها منهم] قال عنه هو وابن وهب وعلي: فيمن حبس الدار أو غيرها على ولده ثم يكتريها منهم بكراء يدفعه إليهم أو يعمل في الحائط مساقاة، فهذا يوهن الصدقة وهي باطلة إن مات، قالوا عنه إلا ابن وهب: ويُكره أيضًا من باب الرجوع في الصدقة.
[المسألة العاشرة: فيمن حمل رجلاً على فرس في السبيل فأقره عنده ليعلفه ويقوم عليه حتى يحضر العدو، وأشهد على ذلك، ثم مات المعطي قبل أن يقبضه المعطى] وقال مالك: فيمن حمل رجلاً على فرس في سبيل الله فأقره عنده ليعلفه له ويقوم عليه حتى يحضر العدو، وأشهد على ذلك وأمكنه من قبضه فتركه لذلك،

الجزء: 19 - الصفحة: 552

ثم مات المعطي قبل أن يقبضه المعطى، فذلك نافذ إذا أشهد كما ذكرنا.
قال محمد: ولا يصلح هذا إلا في مثل الفرس والسلاح وما لا غلة له.
[المسألة الحادية عشر: فيمن حبس حبسًا فسكنه زمانًا ثم خرج منه بعد ذلك] وقال مالك: فيمن حبس حبسًا فسكنه زمانًا ثم خرج منه بعد ذلك، فلا أراه إلا وقد أفسد حبسه وهو ميراث.
قال ابن القاسم: إن حيز عنه بعد ذلك في صحته حتى مات فهو نافذ، فإن رجع فسكن فيه بكراء بعد ما حيز عنه، فإن جاء من ذلك أمر بين من الحيازة فذلك نافذ، قاله مالك.
قال محمد: هذا إذا حاز ذلك المحبس عليه نفسه أو وكيله ولم يكن فيهم صغير ولا من لا يولد بعد، فأما من جعل ذلك بيد من يحوزه على المتصدق عليه حتى يقدم أو يكبر أو يولد أو كان بيده وهو يحوزه لمن يجوز حوزه عليه، ثم يسكن ذلك قبل أن يلي الصغير نفسه وقبل أن يحوزه من ذكرنا ممن حبسه عليه، فذلك يبطله.
قلت: وكم حد تلك الحيازة؟ قال: السنة أقل ذلك، قاله ابن عبد الحكم عن مالك.
[المسألة الثانية عشر: فيمن حبس على عبده حبسًا حياته ثم هي على فلان فقبضها العبد ثم مات السيد] ومن المجموعة: ومن حبس على عبده حبسًا حياته، ثم هي على فلان،

الجزء: 19 - الصفحة: 553

فقبضها العبد وحازها، ثم مات السيد فلا شيء للأجنبي؛ لأن عبده لا يحوز عنه كما يحوز عنه غيره؛ لأنه يقدر على أن ينتزع ذلك من عبده بخلاف الأجنبي، وكذلك لو قال: هذه الدار حبس على ابني فلان الصغير، وأنا أحوزها له، فإذا انقرض فهي على فلان فيموت الأب قبل أن يبلغ الابن الحوز فذلك يبطل في الأجنبي، ويكون للابن إلى تمام عمره لحيازة الأب له، وذلك بخلاف من قال: عبدي حبس عليك سنين ثم هو لفلان، فحيازه الأول حيازة الثاني، وإن مات سيده قبل أن يخرج من الخدمة، وكذلك لو جعل مرجعه للثاني بعد حيازة الأول كان له إذا تمت الخدمة.
وقال عبد الملك: إذا أعمره منزلاً فبعد أن حازه جعل مرجعه لآخر فلا تكون حيازة الأول حيازة للثاني إن مات ربه أو فلس، وأما لو كان ذلك في مرة حتى يكون قبض الأول عنه وعن الآخر، فذلك جائز.
[(المسالة الثالثة عشر: فيمن حبس على فلان حياته ثم هي في السبيل] قال مالك: وإن حبسها عليك حياتك ثم هي في السبيل فإنها من رأس المال إن حزتها عنه، ولو قال: هي حبس عليك حياتي ثم هي في السبيل فهي من الثلث في السبيل، وقاله ابن القاسم وأشهب.
وروى أشهب في هذا الأصل غير هذا: أنه يجعل ذلك من رأس المال؛ لأنها لا ترجع إليه ولا إلى ورثته من بعده.

الجزء: 19 - الصفحة: 554

[الباب التاسع] فيمن حبس ثمرة حائطه على قوم بأعيانهم فمات بعضهم

[المسألة الأولى: فيمن حبس ثمرة حائطه على رجل بعينه ثم مات المعطى وفيه ثمرة قد طابت] قال ابن القاسم: ومن حبس ثمرة حائطه على رجل بعينه حياته فكان يغتلها، ثم مات المعطى وفيه ثمرة قد طابت فهي لورثته، وإن لم تطب فهي لرب الحائط كما قال مالك فيمن حبس حائطه على قوم معينين- يريد: حياتهم- فكانوا يلونه ويسقونه فمات أحدهم بعد طياب الثمرة فإن نصيبه لورثته بلا اختلاف من قول مالك والرواة، وإن أبرأت ولم تطب فقال غير واحد من الرواة: إن حق الميت فيها أيضًا ثابت.
وقال ابن القاسم: إن أُبرت ولم تطب فجميع الثمرة لبقية أصحابه يقوون بها على العمل وإن لم يُلوا عملها، وإنما تقسم عليهم الغلة فنصيب الميت ها هنا لرب النخل، ثم رجع مالك فقال: بل يُرد ذلك على من بقي من أصحابه.
وقال في كتاب محمد: إلا أن يكون أوصى لكل رجل بمكيلة معلومة أو لهذا يومًا وهذا يومًا أو بسكنى، معروف لكل واحد أيام بعينها أو مسكنًا بعينه، فإن مات منهم أحد رجع نصيبه إلى صاحب الأصل.
[المسألة الثانية: فيمن حبس على قوم بأعيانهم ما يقسم من غلة أو ثمرة فمات أحدهم، وكيف إن كانت دارًا لا يسكنها غيرهم] ومن المدونة: وروى الرواة كلهم عن مالك: ابن القاسم وأشهب

الجزء: 19 - الصفحة: 555

وابن وهب وابن نافع وابن زياد والمغيرة أنه قال: من حبس على قوم بأعيانهم ما يقسم من غلة داره أو ثمرة حائطه أو خراج غلامه، فإنه إذا مات أحدهم رجع نصيبه إلى الذي حبسه؛ لأن هذا مما يقسم عليهم، فإن كانت دارًا لا يسكنها غيرهم، أو عبد يخدم جميعهم فنصيب الميت ها هنا لباقيهم؛ لأن سكناهم الدار سكنى واحد واستخدامهم العبد كذلك، فثبت الرواة كلهم عن مالك على هذا إلا ابن القاسم فإنه أخذ برجوع الإمام مالك فقال: يرجع على من بقي كان يقسم أو لا يقسم.
[المسألة الثالثة: إذا مات أحد الذين حبس عليهم ثمرة حائطه وقد أبر الثمر وكيف لو ولد لأحدهم ولد بعد الإبار أو قبله] قال سحنون: فإن مات منهم ميت والثمر قد أُبر، فحقه فيها ثابت، قاله غير واحد من الرواة.
قال مالك وابن القاسم في المجموعة وكتاب محمد: ولو ولد لأحدهم ولد بعد الإبار أو قبله كان على حقه في الثمرة، ولو ولد بعد طيبها، فلا شيء لهم من ثمرة العام ولهم ذلك في المستقبل.
قال محمد: ولو كانت محبسة حياة صاحبها فمات صاحبها وفيها ثمرة قد طابت فهي لهم، وإن أبرت ولم تطب فهي لورثة رب النخل، هذا معنى كلام محمد.
[المسألة الرابعة: إذا مات أحد المحبس عليهم قبل طياب الثمرة وقد تقدمت له فيها نفقة] م: قال بعض أصحابنا: وإذا مات أحد المحبس عليهم قبل طياب

الجزء: 19 - الصفحة: 556

الثمرة وقد تقدمت له فيها نفقة أن لورثة الميت الرجوع بالنفقة؛ لأن أصحابه انتفعوا بنفقته وهو مات قبل أن يجب له حق في الثمرة، ويستأنى حتى تطيب الثمرة فيرجع الورثة عليهم بالأقل من نفقة الميت الذي أنفق أو ما ينوبه من الثمرة بعد محاسبتهم للورثة بما أنفقوا أيضًا، ولو أُجيحت الثمرة لم يكن للورثة شيء، قاله بعض فقهائنا.
قال: وقال بعض شيوخنا القرويين: إذا تقدمت للميت نفقة فعلى أصحابه غرمها معجلاً؛ لأنه كالاستحقاق، وإذا استحق الأصل أن عليه غرم السقى والعلاج.
م: وهذا أبين إلا أن يشاءوا أن يبقوا على نصيب الميت في هذه الثمرة فلا تلزمهم له نفقة، والله أعلم.
وقد تقدم أن من أسكن رجلاً داره سنين مسماة أو حياته على أن عليه مرمتها أنه لا يجوز، وهو كراء فاسد، فإن أعطاه رقبتها على أن يُنفق عليه حياته فهو بيع فاسد، والغلة للمعطى بالضمان، ويرد الدار إلى ربها ويتبعه بما أنفق عليه، وبالله التوفيق.

الجزء: 19 - الصفحة: 557

[الباب العاشر] جامع مسائل مختلفة مما ليس في المدونة

[(1) فصل: فيمن حبس على ولده ولا ولد له] ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن حبس على ولده ولا ولد له، فله أن يبيع فإن ولد له ولد فلا يبيع.
قال ابن القاسم: وليس له أن يبيع حتى يُيأس له من الولد؛ لأني لو أجزت له أن يبيع لأجزت له إذا كان له ولد فماتوا أن يبيع ولم ينتظر إلى أن يولد له.
قال: فأما إن مات الأب قبل أن يولد له ولد فلا حبس، ويصير ميراثًا.
[المسألة الأولى: فيمن حبس على ولده ثم هي في السبيل فلم يولد له] قال: ومن حبس على ولده ثمرة ثم هي في السبيل فلم يولد له فله أن يبيع إن شاء، وإن وُلد له فلا سبيل له إلى البيع.
قال محمد: وذلك إذا أيس له من الولد.
قال عبد الملك: بل هي حبس.
[المسألة الثانية: فيمن حبس على رجل وعقبه ثم مصيرها إلى رجل بتلاً فانقرض الجميع] قال مالك: ومن حبس على رجل وعقبه ثم مصيرها إلى رجل بتلاً فانفرض ذلك الذي بتل له ثم انقرض المحبس عليه وعقبه فإنها ترجع ميراثًا بين ورثة الذي بتلت له على تناسخ الميراث يوم مات.

الجزء: 19 - الصفحة: 558

[المسألة الثالثة: فيمن قال: ثلث مالي لبني فلان فلم يوجد لفلان ولد] قال: ومن قال: ثلث مالي لبني فلان في وصية فلم يوجد لفلان ولد، قال ابن القاسم: فقال إن كان أوصى وهو يعلم أنه لا ولد له رأيت أن يوقف ذلك، وإن لم يكن يعلم لم يوقف وكانت الوصية باطلة.
وقال أشهب: إذا مات الموصي قبل أن يكون له ولد أو حمل، فالوصية باطلة.
م: وقول ابن القاسم مذكور في الوصايا من المدونة.
[(2) فصل فيمن قال في حبسه: إن احتاج المحبس عليهم باعوا] قال محمد بن المواز قال مالك: فيمن حبس داره على ولده وقال في حبسه: إن احتاجوا أو اجتمع ملؤهم على بيعها باعوا واقتسموا الثمن بينهم بالسواء ذكورهم وإناثهم فهلكوا جميعًا إلا واحدًا فأراد بيعها، قال مالك: ذلك له، ولا حق فيها لأحد من ولد بنات المحبس إن طلبوا ميراثهم، وقاله ابن القاسم: لأنه بتلها لبنيه خاصة في صحته فليس لسواهم من ورثة أبيهم فيها حق.
وقال مالك: فيمن تصدق على ابنين بدار على وجه الحبس وكتب إن شاءوا باعوا وإن شاءوا أمسكوا، فرهق ابنيه دين فللغرماء أن يبيعوا حتى يستوفوا دينهم.

الجزء: 19 - الصفحة: 559

[(3) فصل فيمن جعل مرجع الحبس لآخر شخص من الحبس عليهم] قال محمد بن المواز: وإذا قال داري حبس على عقبي وهي للآخر منهم فإنها تكون للآخر منهم بتلاً، وهي قبل ذلك محبسة، وسواء قال: للآخر أو على الآخر، فإن كانت آخرهم امرأة باعت إن شاءت أو تصدقت، وإن كان آخرهم رجلاً يرجى له عقب أوقفت عليه، فإن مات ولم يعقب ورثها عنه ورثته؛ لأنه قد تبين بموته أنها قد صارت له، ولو تصدق هكذا وجعلها للآخر منهم فاجتمعوا على بيعها الأبعد منهم والأقرب، فليس لهم ذلك، إذ لعلهم ليسوا بالذين هي لهم، إلا أن يكونوا نساء كلهن من ولده فذلك لهن؛ لأنا نعلم أن إحداهن آخرهن فلم يعدها الرضا بذلك.
قال ابن القاسم: وإذا قال رجل لرجلين: عبدي حبس عليكما وهو للآخر منكما، قال مالك: فذلك جائز وهو للآخر ملكًا، وقاله أشهب.
قال: إلا أن يقول حبس عليكما حياتكما وهو للآخر منكما، فلا يكون للآخر إلا حبسًا عليه حياته.
محمد: إلا أن يكون قوله: وهو للآخر منكما بعد أن ثبت قوله الأول فلا يكون للآخر إلا حبسًا.

الجزء: 19 - الصفحة: 560

[(4) فصل فيمن حبس حبسًا ثم أراد أن يبتله على من حبسه عليه] ومن العتبية: ومن سماع ابن القاسم: ومن حبس أمة حبسًا صدقة على أمه وأخته لا تباع ولا توهب ولا تورث، وأيتهما ماتت فهي للآخرة منهما، فماتت أخته فأراد أن يبتلها لأمه تبيع وتصنع بها ما شاءت قال: ذلك له بعد أن تفكر مليًا كأنه لم يرها مثل الدور.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: وكأنه رآه من ناحية البر، وأن ذلك يجوز في الحيوان ولا يجوز في الرباع.
قال محمد: إذا حوله إلى ما هو أفضل للعبد، وله هو في بر أمه، وأفضل لأمه، فإذا كان أفضل للثلاثة جاز في الحيوان، ولو حول إلى ما ليس بأفضل لم يجز.
قال في العتبية: وليس له أن يفعل ذلك في الدور إلا أن يكون شرط أن مرجعها إليه فله أن يفعل مثل هذا، أو يجعلها في غيرهما بعدهما.
قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن حبس داره على رجل وقال: لا تباع ولا توهب ثم بدا له أن يبتلها له وقال: هي عليك صدقة، فقال: هي له يصنع بها ما شاء، سواء قال في حبسه هي حبس عليك حياتك أو لم يقل.
قال أصبغ: لا أرى ذلك، وهي كالحبس المؤبد بعد موته وهي حبس أبدًا.
م: وهذا على اختلاف قول مالك في قول المحبس إذا قال داري حبس

الجزء: 19 - الصفحة: 561

على معينين فقال مرة: ترجع إليه بعد انقراضهم ملكًا، فعلى هذا القول يجوز أن يبتلها له كما قال ابن وهب، وعلى قوله: ترجع حبسًا لا يجوز أن يبتلها له؛ لأن فيها حقًا لغيره بعده.
[(5) فصل في حبس الرقيق والحيوان على العقب وكراهة الإمام مالك لذلك] ومن كتاب محمد بن المواز قال: وكره مالك حبس الرقيق والحيوان على أن تكون على العقب بخلاف الرباع؛ لأنه ضيق على العبد، إلا أنه لو وقع أمضاه على ما شرط، وإن أراد تغييره إلى ما هو أفضل للعبد وأقرب إلى الله تعالى جاز.
قال محمد: إن حوله إلى ما هو أفضل للعبد وله هو والمحبس عليه جاز.
قال ابن القاسم: ولو حول الحيوان إلى ما ليس بأفضل مما سُئل فيه لم يجز ذلك قاله مالك، بخلاف الدور؛ لأن الحيوان يموت ويمرض.
قال أشهب: الحبس نافذ على ما شرط في الرقيق والدواب، وإن شرط في ذلك ما شرط في الرباع مضى ذلك على ما حبس، ويرجع ذلك كما ترجع الدور على الأقرب فالأقرب من عصبة المحبس فيُسلك به سبيل الحبس أبدًا لا يباع.
وقد سُئل مالك: عمن أعمر أمه عبدين له حياتهما فلما حضرته الوفاة أعتق أحدهما قال مالك: لا يجوز ذلك إلا أن تجيزه أمه.
[المسألة الأولى: فيمن أوصى ببقر له أن تحبس ويُقسم لبنها على المساكين فتوالدت] وقال ابن القاسم وابن عبد الحكم عن مالك: فيمن أوصى ببقر له أن

الجزء: 19 - الصفحة: 562

تحبس ويقسم لبنها على المساكين فتوالدت، قال مالك: فما ولدت من أنثى حبس معها، وما ولدت من ذكر حُبس لنزوها، فإذا كبر عن النزو بيع الفضل عن ذلك أيضًا فيُشترى بثمن ذلك إناث، وكذلك ما كبر من أنثى فانقطع لبنها فإنها تباع وتجعل في مثلها.
[(6) فصل: في مل العبد الحبس، وكيف إن مات أو قتله السيد] قال محمد بن المواز: ومن حبس عبده على رجل ولم يشترط ماله، فماله بيده كالمخدم وليس لسيده ولا للمحبس عليه أخذه، ونفقته على المحبس عليه، وقال مثله في العتبية ابن القاسم عن مالك في العبد المخدم عمرى فماله موقوف بيده، وكذلك ما أفاد فلا ينزعه السيد ولا المعمر وهو يأكل منه ويكتسي بالمعروف، وإن مات ورثه سيده وله عقله إن قُتِل، وكذلك الأمة وما وُلد للأمة أو للعبد من أمته فبمثابتهما في الخدمة، وإن قتل السيد أحدهما خطأ فلا شيء عليه، وإن قتله عمدًا غرم قيمته، فيستأجر منها من يخدم المعمر، فإذا مات رجع الفضل إلى سيده.
سحنون: وقد قيل يشترى بتلك القيمة عبد يخدم مكانه، وكذلك الأمة إذا أحبلها السيد.
وقد تقدم هذا في كتاب العبيد مُوعبًا تم كتاب الحبس، والحمد لله وحده، وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الجزء: 19 - الصفحة: 563

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا ومولانا محمد وآله وصحبه

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل