الجامع لمسائل المدونةكتاب الحج الثالث من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الحج الثالث من الجامع

[الباب الأول]

فيمن فاته الحج أو وقف غير يوم عرفة وكيف إن أفسد حجة مع ذلك.

روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من فاته الحج فليحل بعمرة وعليه الحج قابلاً».
قال مالك رحمه الله: ومن أحرم بالحج ففاته فله أن يثبت على إحرامه إلى قابل إن أحب ذلك، وأحبّ إليَّ أن ينفذ لوجهه في عمل العمرة على إهلاله الأوّل، ولا يهل بعمرة إهلالاً مستقبلاً ويقطع التلبية أوائل الحرم كمعتمر من ميقاته، ويحل من إحرامه ذلك ولا ينتظر قابلا.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن بقي على إحرامه إلى قابل فليهد احتياطاً، وقال عنه ابن القاسم، وابن وهب: لاهدي عليه، وقال أصبغ.
قال مالك: فإن اختار المقام على إحرامه / إلى قابل ثمّ بدا له فذلك له، وله أن يحل متى شاء ما لم تدخل أشهر الحج فليس له حينئذ أن يحل حتى يتم حجه.

الجزء: 5 - الصفحة: 633

ومن المدونة: وإنما له أن يثبت على إحرامه ذلك إلى قابل ما لم يدخل مكة، فإذا دخل مكة فليحل منه بعمرة يطوف ويسعى ويحل من إحرامه ولا يثبت عليه، فإذا كان قابلاً قضى الحج الذي فاته وأهرق دماً.
قال في كتاب ابن المواز: وهذا ما لم تدخل أشهر الحج أيضاً، ولو دخلت أشهر الحج فحلَّ فيها بعمرة فبئس ما صنع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا دخلت أشهر الحج فلا يعجبني أن يحل فيها بعمرة، فإن فعل أجزأه، ثم إن حج من عامه لم يكن متمتعاً؛ لأنه لم يبدأ بالعمرة، وإنما كان إحرامه بحج، وإحلاله منه بعمرة رخصة له، كذلك جاء في هبار بن الأسود وصاحبه حين فاتهما الحج، فقال لهما عمر: طوفا وأحلاً وعليكما الحج

الجزء: 5 - الصفحة: 634

من قابل والهدي.
وقال ابن القاسم أيضاً: إن فسخ ذلك في أشهر الحج في عمرة كان فعله باطلاً، وهو على إحرامه، وقال أيضاً: إنْ جهل ففسخ في عمرة في أشهر الحج، ثم حجّ من عامه كان متمتعاً، ولو ثبت على أوّل إحرامه بعدما دخل مكة حتى حجّ بإحرامه ذلك قابلاً أجزأه من حجة الإسلام.
واختلف عن مالك هل عليه هدي أم لا؟ قلت لابن القاسم: فإن أراد أن يطوف ويسعى قبل أشهر الحج من قابل ويجعل ذلك لحجه قابل؟ قال: أخاف ألا يجزئه.
قال ابن القاسم: ومن فاته الحج فليس له أن يحرم بحجة أخرى، فإن فعل لم يلزمه، وهو على إحرامه الأول، وليس له أن يردف حجاً على حج، إنما له أن يحل منه بعمرة أو يقيم على إحرامه الأول إلى حج قابل فيجزئه حجه.
م: وذكر ابن المنذر أنه اختلف قول مالك إذا فاته الحج فأقام على إحرامه إلى قابل هل يجزئه أن يحج مع الناس بإحرامه الأول أم لا؟ فروى عنه ابن نافع فذكر مثل رواية ابن القاسم.
قال: وروى عنه ابن وهب أنه إن أقام حراماً إلى قابل فلا يجزئه أن يحج به مع

الجزء: 5 - الصفحة: 635

الناس من قابل، وهذا قول الشافعي، وأصحاب الرأي.
قال: وقول الشافعي صحيح.
قال مالك كتاب ابن المواز: من فاته الحج بحصار العدو، أو بمرض، أو بخفاء من الهلال، أو بأي وجه غير العدو فلا يحله إلا البيت، ويحج قابلاً ويهدي، وأهل مكة وغيرهم في ذلك سواء.
قال ابن المواز: ومن دخل مفرداً بالحج أو قارناً من الحل من مكيّ وغيره ثم فاته الحج فليحل بعمرة ولا يخرج إلى الحل، ولو دخل بعمرة فحل منها ثم أنشأ الحج من مكة، أو أردف الحج بمكة أو بالحرم، ثم فاته فهذا يخرج إلى الحل فيدخل منه، ويحل بالطواف والسعي.
وقد تقدم هذا.

الجزء: 5 - الصفحة: 636

قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية فيمن أتى عرفة بعد الفجر يوم النحر فليرجع إلى مكة فيطوف ويسعى ويقصّر، وينوي بها عمرة، ويحج قابلاً ويهدي.
وقال عنه يحي بن يحي: إذا أخطأ أهل الموسم فكان وقوفهم بعرفات يوم النحر مضوا على عملهم وإن تبيّن ذلك لهم وثبت عندهم في بقية يومهم ذلك أو بعده، وينحرون من الغد، ويتأخر عمل الحج كله الباقي عليهم يوماً، ولا ينبغي لهم أن يتركوا الوقوف من أجل أنّه يوم النّحر، ولا أن ينقصوا من رمي الجمار الثلاثة الأيام بعد يوم النحر، ويجعلون يوم النحر للغد بعد وقوفهم، ويكون حالهم في شأنهم كله كحال من لم يُخْط.
قال: ولو وقفوا يوم النزوية لأعادوا الوقوف يوم عرفة.
م: أمّا هذا فصواب، وأمّا الأوّل فكان يجب أن يفوتهم الحج، ولا أراه أجزأهم إلاّ لأنهم اجتهدوا وهم أهل موسم، ولما يلحقهم من ضرورة الإعادة ومشقّتها؛ لأنهم وقفوا يوم الحج الأكبر، واختص وقوفهم بالمكان وبعض الزمان فقام ذلك مقام القضاء، والله أعلم.
ولأن غيرها من الفرائض كالصلاة والزكاة والصيام إذا فاتت جاز قضاؤها في غير وقت لها، وإنما فارقها الحج فلم يقض إلا في وقت حج؛ لأنّ فرضه لا يتكرر فاختير له ألاّ يقضي إلاّ في وقت حج، فإذا وقع مثل هذا الغلط جعل ذلك قضاءً لما فات كسائر الفرائض، والله أعلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 637

وقد سئل عن هذه المسألة أبو القاسم ابن الكاتب القروي / فأجاب فيها وأطال، وأنا أذكر عمدة فوائد جوابه وردّه على من منع من إجزاء الحج، ومعنى قول سحنون في ذلك.
قال أبو القاسم: ومن الدليل على صحة تأويل شيخنا أبي محمد أن الحج يجزيء ظاهر في كلام ابن القاسم وهو قوله: ولو أخطئوا فقدّموا الوقوف بعرفة يوم النزويةلم يجزئهم ذلك، فدل بذلك أن في المسألة يجزئهم إذْ أمرهم بتمام الحج، وهو قول جميع علماء الأمصار، ولا خلاف بينهم في ذلك.
والذي ذكر أبو محمد عن سحنون إنّما ذكره عقيب قول ابن القاسم إذا وقفوا يوم النزوية بعرف فإنهم يعيدون الوقوف من الغد يوم عرفة ولم يجزئهم الوقوف الأوّل.
قال: وقد اختلف قول سحنون في ذلك، ثم لم يذكر ما هذا الاختلاف، فيحمل إنما اختلف قوله فيمن وقف يوم النزوية؛ لأن عندنا عن سحنون أنّ الحج إذا وقع يوم النحر غلطاً أنّ ذلك مجزيء، وقد ذكر الباجي في كتابه أن هذا قول مالك، واللّيث، والأوزاعي والشافعي، وأبي حنيفة، وذكر جماعة من العلماء يكثر عددهم.
قال أبو القاسم: وإنما اختلف العلماء فيمن أخطأ فوقف يوم النزوية، فعند أصحابنا: أنه لا يجزئهم؛ لأن يوم عرفة بين أيديهم، وهذا مثل قولنا في الأسير تلتبس عليه الشهور، فإن صام قبل رمضان لم يجزه، وإن صام بعده أجزأه.

الجزء: 5 - الصفحة: 638

وقال الشافعي: إن حجه يوم النزوية يجزئه، واختلف قوله في الصوم، فقال مرة مثل قوله في الصوم، فقال مرة مثل قولنا، وهذا قول أبي ثور، وأصحاب الرأي.
وقال مرّة: يجزئه، صام قبل رمضان، أو بعده، واحتج بمسألة الحج يوم النزوية.
واحتج في الحج بأنّ أبا بكر حج بالناس في سنة ثمان من الهجرة ذي القعدة.
وحج أبي بكر عندنا لم يكن عن فرض، ومُحال أن يُفرض الحج أبو بكر دون النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما حج أبي بكر لينذر المشركين بسورة براءة، وأنذرهم ألا يقربوا المسجد الحرام بعد ذلك العام.
م: وقد ذكرنا الحجة في ذلك قبل هذا.
قال أبو القاسم: وقد قال ابن الماجشون في المحصر بعدوّ بعد أن أحرم بحجّة الإسلام وحل منها عن سنة الإحصار أنّها تجزئه من حجة الإسلام، وإنما استحب له مالك القضاء، فأين هذا من غلط هؤلاء ووقوفهم يوم النحر حتى علمهم فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 639

قال أبو محمد: واختلف فيه قول سحنون فيما أخبرنا به أبو بكر عن حمد يس عن سحنون.
وأخبرنا عن يحي بن عمر في أهل الموسم ينزل بهم ما نزل بالناس سنة العلوي، وهروبهم عن عرفة ولم ينمو الوقوف قال: يجزئهم ولا دم عليهم.
م: وهذه مثل الأولى إنما أجزأهم لمشقة الإعادة، ولعله يريد إنّ هربهم كان بعد وقوفهم بعد الزوال فأجزئهم لقوة الاختلاف فيه، وقوله: ولا دم عليهم، يريد: لأجل هروبهم ولم يتموا الوقوف لأنهم مغلوبون على ذلك، وهذا إذا عملوا بقية المناسك من المبيت بالمزدلفة، والوقوف بها، والرّمي، والإفاضة، فإن لم يعملوا شيئاً من ذلك فلا يحلّوا من إحرامهم إلا بطواف الإفاضة، ويكون عليهم لجميع ما فاتهم من الوقوف بالمزدلفة، والرمي يوم النحر وأيام منى الدّم، على اختلاف قولهم فيمن أٌحصر بعدوّ بعد وقوف عرفة، فقيل: لا دم عليه، وقيل: عليه لجميع ما فاته من الرمي، والوقوف بالمشعر هدْي واحد، بخلاف من أُحصر قبل الوقوف بعرفة، هذا لا هدي عليه عندنا، وقد بينا ذلك في الحج الثاني.

الجزء: 5 - الصفحة: 640

فصل [1 - فيمن فاته الحج ثم أصاب النساء والطيب والصيد والسيد قبل أن يحل منه بعمرة] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن فاته الحج، ثم أصاب النساء، والطيب، والصيد قبل أنْ يحل منه بعمرة فليحل منه بعمرة، وعليه في ذلك ما على الصحيح إلا أنه يهريق دم الفوات ودم الفساد / في حجة القضاء، وما أصاب من الصيد أو الطيب ألبس فليهريق له الدم متى شاء، والهدي عن جماعه قبل أن يفوته الحج، أو بعده أن فاته هدي واحد، ولا يعي العمرة لوطنه في إحرامها، كما ليس عليه إذا وطئ في الحج قبل يوم عرفة ثم فاته الحج منه في عمرة أنْ يقض هذه العمرة.
م: هذا بيان هذه المسألة، وهي في كتاب ابن المواز بينة، قال فيه: فإذا فاته الحج ثم وطئ فليحل بعمرة ويهدي لوطئه فيها وعليه حج قابل وهدي آخر للقضاء، ولا بدل عليه لهذه العمرة لوطئه فيها، كما ليس عليه قضاء عمرة إذا وطئ في الحج، يريد: قبل الحج ثم فاته.
قال ابن القاسم: وسواء أفسد حجه ثم فاته، أو أفسده بالوطء بعد الفوات قبل أن يطوف للعمرة، ويعمل عمل العمرة ويحل، وليس عليه غير حج واحد وهدّي للفساد وهدْى للفوات.
قال مالك: ومن أفسد حجّه ثمَ فاته فلا ينبغي أن يقيم إلى قابل على أمر فاسد وليحل بعمرة ثم يحج قابلاً.

الجزء: 5 - الصفحة: 641

م: يريد: ولو أقام على إحرامه هذا إلى قابل فحج به فليقضه في السنة الثالثة ويهدي هديين: هدّي للفساد، وهدْي للفوات.
[فصل 3 - في هدْي الفوات متى يُنْحر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن فاته الحج فلا يُقدّم هدْي الفوات وإن خاف الموت، ولا ينحره إلاّ في حجّة القضاء.
قال ابن القاسم: فإن اعتمر بعد أن فاته الحج فنحر هدْي الفوت في عمرته أجزأه؛ لأنّه لو هلك قبل أن يحج أُهْدِي عنه بعد الموت لمكان ذلك، ولو كان لا يجزئه إلاّ بعد القضاء ما أهْدي عنه بعد الموت، وبلغني أن مالكاً كان يُخففّه ثم استثقله، وأنا لا أحب له أن يفعل إلا بعد القضاء، فإن فعل قبله ثم حج أجزأ عنه.
قال أشهب: لا يجزئه.
قال ابن القاسم: وهدْي الغوات إنما يُنحر في قول مالك في حجة القضاء بمنى بعد أن يقف به بعرفة، فإن فاته أن ينحره بمنى اشتراه فساقه إلى الحل ثم قلده وأشعر إن كان مما يقلد ثمَ أدخله مكة فنحره بها وأجزأه.
فصل [3 - من أفسد نسكه أو فاته فإنه يقضي مثل الإحرام الذي أفسده أو فاته مِنْ إفْراد أو قِرانٍ أن تمتع] قال ابن القاسم: ولا يقضي قارناً عن إفراد ولا مفرداً عن قران، فإن فعل لم يجزئه، فإذا فات القارن فلا يفرّق القضاء الحج وحده والعمرة وحدها ولكن يقضي قارئاً.
قال: وإن أفرد الحج ثم جامع فيه فلا يقضي قارناً، فإن فعل لم يجزئه إلا أن يفرد

الجزء: 5 - الصفحة: 642

كما أفسد؛ لأن القارن ليس حجّه تاماً كتمام حج المفرد إلاّ بما أضاف إليه من الهدي.
قال أبو محمد: ورأيت لعبد الملك أن من أفسد حجّه مفرداً فقضى قارناً أنّه يجزئه.
م: ووجه ذلك: أن القران مع الهدي كالإفراد؛ لأنه قضاء لحج ناقص فجبره بالدّم فصار كالصحيح، كما لو أفسده مفرداً فقضى متمتعاً أنّه يجزئه.
وفي كتاب ابن المواز: من أفسد حجّه مفرداً لم يجزئه أن يقضيه قارناً، ولو أفسده قارناً لم يجزئه أن يقضيه مفرداً، ولو تمتع، ثمّ أفسد حجه فقضاه مُفْرِدَاً أجزأه، وعليه دم التمتع، وهدْي للفساد، وذكرها عيسى في العتبية عن ابن القاسم، وقال: يُعجّل هدْي التمتع ويؤخّر هدّي الفساد إلى حجّة القضاء.

الجزء: 5 - الصفحة: 643

[الباب الثاني]

جامع القول في فساد الحج

قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾.
فالرفث: ذكر النساء، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح المحرم.
ورأى عمر، وعلي، وأبو هريرة لمن أفسد حجه بإصابة أهله وهما محرمان أن يتما حجهما ويحجا قابلاً ويهديا.
م: كالوطء في الصوم أنّه يتمه ويقضيه ويكفر.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "ويفترق الزوجان في حجة القضاء، وروى ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 644

[فصل -1 الإيلاج في الفرج مفسد للحج والعمرة، وكذا كل إنزال عن استمتاع] قال عبد الوهاب: ولا خلاف إذا وطئ متعمداً، وكذلك الناسي عندنا خلافاً للشافعي.
ودليلنا: أنّه وطء صادف إحراماً منعقداً كالعمد.
قال: ولا خلاف أنّ الإيلاج وإن لم يُنزِل يُفسد الحج والعمرة، وكذلك كل إنزال يكون على أي نوع من الاستمتاع يُفسد/ الحج والعمرة عندنا، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ﴾.
ولأن الإنزال هو المقصود فهو أبلغ من الإيلاج، فإذا كان الإيلاج يفسد فالإنزال أولى.
ولأنها عبادة يفسدها الوطء في الفرج، فالإنزال مع المباشرة أو اللمس يُفْسِدها، أصله الصوم.
[فصل 3 - في التفريق بين الزوجين إذا أفسدا حجهما] ومن المدونة قال مالك: وإذا حج الرجل والمرأة فجامعهما فليفترقا إذا أحرما بحجة القضاء ولا يجتمعا حتى يحلا.

الجزء: 5 - الصفحة: 645

م: وروي ذلك عن عثمان، وعلي وابن عباس رضي الله عنهم.
م: ولأنهما يتذاكران ما كانا فيه فيدعوهما إلى الإفساد ثانية.
الأبهري: وقيل: إن ذلك عقوبة لهما إذْ فعلا ما لا يجوز لهما فعله في الإحرام فعوقبا أن لا يجتمعا في إحرام القضاء، كما مُنِعَ قاتل العمد من الميراث عقوبة لفعله الذي قصد به استعجال الميراث قبل وقته، فكذلك هذا استعجل الوطء قبل وقته فحُرمَه.
[فصل 3 - الإحرام في حجة القضاء لابدّ أنْ يكون من الميقات] ومن المدونة: قال مالك: ومن أفسد حجّه أو عمرته بإصابة أهله فليحرم لقضائها من حيث أحرم في الأولى إلاّ أن يكون إحرامه الأول أبعد من الميقات فليس عليه أنْ يحرم الثانية إلا من الميقات، فإنْ تعدى الميقات في القضاء ثم أحرم أجزأه، وعليه دم؛ لأن من أفطر في قضاء رمضان متعمداً إنما يقضي يوماً بلا كفارة.
وإذا طاف القارن أوّل ما دخل مكة وسعى، ثم جامع فليقض قارناً؛ لأن طوافه وسعيه إنما كان للعمرة والحج جميعاً، ألا ترى أنه لو لم يجامع ومضى على القرن صحيحاً لم يلزمه إذا رجع من عرفات أنْ يسعى لحجه، وأجزأه السّعي الأوّل.

الجزء: 5 - الصفحة: 646

ومن أفسد حجّه بالوطء فلم يتمه حتى أحرم بحج القضاء لم يلزمه ذلك ولا قضاؤه، وهو على حجّه الذي أفسده فيتمه، ويقضيه، ويهدي، ولا يكون ما جدد من إحرامه نقضاً لحجته الفاسدة.
م: وقال غيرنا: له أنْ يرفضه ويستأنف إحراماً جديداً.
وما قلناه: عليه إجماع الصحابة، وقال علي، وعمر، وابن عباس، وغيرهم.
قال ابن القاسم: ومن أحرم بعمرة فجامع فيها ثمّ أحرم بالحج قبل تمامها لم يكن قارناً ولا يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.
قال ابن المواز: وإرادفه الحج باطل لا يلزمه، ويرجع فيتم عمرته الفاسدة ثم يقضيها، وإن أحرم بالحج قبل أن يقضيها لزمه وعليه قضاء عمرته بعد تمام حجه.
م: وقال عبد الملك: يرتدف الحج على العمرة الفاسدة.

الجزء: 5 - الصفحة: 647

[فصل 4 - من قرن الحج والعمرة فجامع فيهما] ومن المدونة: ومن قرن الحج والعمرة فجامع فيهما فعليه الآن دم لقرانه هذا الفاسد يفعل فيه كما يفعل لو لم يفسده، وعليه أن يقضي قابلاً قارناً، وعليه مع حجة القضاء هديان: هدي لقرانه الثاني، وهدي لفساده الأول، وليس له أن يُفرّق القضاء فيقضي العمرة وحدها والحج وحده، فإن فعل لم يجزئه وأعاده قارناً، ويهدي إذا قرن هديين كما ذكرنا.
قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن لم يجد صام ستة أيام، وإن شاء أفطر بين كل ثلاثة، وإنْ شاء وصلها، ثم يصوم أربعة عشر يوماً بعد ذلك، ولو وجد هدياً واحداً صام عن الآخر ثلاثة أيام ثم سبعة.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم: وإنْ أفسد هذا القارن حجه ثم فاته الحج مع ذلك فعليه أربع هدايا: هدي لقرائه الأول، وهدي ثانٍ حين صار يعمل عمل العمرة.
ابن المواز: كأنه وطئ فيها ثم هدي لقران القضاء، وهدي للقضاء في الفوات.
ابن المواز: وروى أصبغ عن ابن القاسم إنما عليه ثلاث هدايا، والأوّل أحبّ إلينا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تمتع ثم أفسد حجه فعليه الآن دم المتعة، وهدي للفساد في حجة القضاء.
وقال اصبغ - في غير كتاب ابن المواز - عن ابن القاسم فيمن تمتع فاته الحج بعد الإحرام أنه يسقط عنه دم المتعة بخلاف / المفسد لحجه المتمتع.

الجزء: 5 - الصفحة: 648

م: كما قال فيمن تعدى ميقاته ثم فاته الحج أنه يسقط عنه دم التعدي بخلاف المفسد له.
[فصل 5 - فيمن أفسد حجه فقضاه ثم أفسد القضاء] ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن أفسد حجّه فقضاه قابلاً فأفسده أيضاً فعليه قضاء حجتين.
وقال مالك فيمن فطر في قضاء رمضان أنّه يقضي يومين.
قال ابن مواز: قال أصبغ: هذه الرواية في الصوم، ونقل: وليس عليه إلاّ قضاء يوم بخلاف الحج، وما ذلك في الحج بالقويّ، وهو أحبّ إلينا أن يقضي حجّه الآخر، ثم يقضي الأوّل.
وقال عبد الملك: ليس عليه إلاّ حجة واحدة ولا يعيد القضاء الذي أفسد.
وقال ابن المواز بقول عبد الملك.
ومن المدونة: قال: ومن جامع في حجة فاسدة ثم أصاب بعد ذلك صيداً بعد صيد، ولبس وتطيب مرة بعد مرة في مجالس شتى، وحلق مرة بعد مرة، ثم جامع مرة بعد مرة، فعليه فيما فعل من ذلك لكل مرة فدية وإنْ بلغ ذلك عدداَ من الفدية، وعليه جزاء كل صيد أصابه، وأما وطئه مرة واحدة أو مراراً، إمراة واحدة أو عدداً من النساء فليس عليه في ذلك إلاّ هدي واحد؛ لأنه بالوطء فسد حجه ولزمه القضاء.

الجزء: 5 - الصفحة: 649

قال عبد الوهاب: إنما لم يجب عليه بتكرار الوطء هدي خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن الثاني وطء لم يفسد الحج فلم يجب به هدي أصْله إذا وطيء المتظاهر ثانية قبل التكفير.
م: لأن الوطء الأول هو الذي أدخل الفساد له الحكم، كالثلاثة شركاء في عبد، يعتق أحدهم حصته منه، ثم يعتق الثاني بعده، فإنما التقويم على الأول؛ لأنه هو الذي أدخل الفساد، ولا تقويم على الثاني.
م: وفارق ذلك الصيد لقوله تعالى ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فهو لو قتل صيداً فعليه جزاء مثله، وكبيراً عليه جزاء مثله فكذلك جماعة صيد عليه جزاء مثلهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما ما فيه الفدية، فأن تأول أو جهل أن ليس عليه إتمام ما أفسد من الحج لما لزمه من القضاء فتطيّب ولبس وقتل الصيد مراراً عامداً لفعله يرى أن الإحرام سقط عنه فليس عليه فدية واحدة، إلا في الصيد فإن عليه لكل صيد قتله جزاءه.

الجزء: 5 - الصفحة: 650

[فصل 6 - فيمن أكره نساءه وهنّ مُحْرِمَات فوطئهن] قال مالك: وإن أكره نساءه وهنّ محرمات فوطئهن أحجّهن وكفّر عن كل واحدة منهن كفّارة وإنّ بِنّ منه منه ونكحن غيره، وأما إنْ طاوعته فذلك عليهن دونه.
قال في كتاب ابن المواز في التي أكرهها، ثمّ طلقها وتزوجت غيره أنّ على الأول أن يُحجّها، ويُجْير الثاني على الإذن لها، وإنْ وطئ أمته وقد أذن لها في الحج فعليه أنْ يحجّها ويهدي عنها.
قال ابن القاسم: والإكراه فيها من السيد وغير الإكراه سواء، وطوعها له كالإكراه.
قال عبد الملك: ولو باعها لكان ذلك عليه لها.
ابن المواز: وهو كعيب تردّ به إلا أن يبرأ منه السيد قال عبد الملك: ويهدي عنها ولا تصوم.
قال العتبي: روى عيسى عن ابن القاسم في محرم وطى أهله مكرهة وليس معه ما يهدي عنها وهي مليّة فليس عليها حج ولا صيام؛ وإنما ذلك على من أكرهها.
قال عنه ابن المواز: إذا لم يجد الزوج ما يحججها ويهدي عنها فلتفعل هي ذلك، وترجع به عليه، فإنّ صامت لم ترجع عليه من قبل الهدي بشيء.
وكذلك المُدْحل على المْحرِم شيئاً كرها يوجب الفدية.

الجزء: 5 - الصفحة: 651

م: إذ الصوم لا عوض له.
ولو أطعمت عن فدية الأذى لرجعت عليه بأقل من النسك والإطعام.
وإذا فلس الزوج فلزوجته محاصّة غرمانة بما وجب لها من ذلك ويوقف ما يصير لها حتى تحج به وتهدي، فإن ماتت قبل ذلك رجع حصة الإحجاج إلى الغرماء وأنفذ الهدي عنها.
ابن المواز قال ابن القاسم وأشهب: ومن تزوج بعد بعد رمي جمرة العقب قبل أن يفيض فسخ نكاحه، قال مالك: بغير طلاق، وقاله أشهب، وقال ابن القاسم: بطلاق.
ومن المدونة: قال لابن القاسم: وإذا ذكر المحرم إمرأنه بقلبه وأدام التذكرة للذة حتى أنزل فقد أفسد حجه، وعليه حج قابل.
قلت: فإن عبث المحرم بذكره فأنزل؟ قال: يفسد حجه.
وقد قال مالك: إذا كان راكباً فهزته دابته فاستدام ذلك حتى أنزل فقد أفسد حجه، وكذلك المحرمة إذا فعلت ما يفعل شرار النساء من العبث بنفسها حتى أنزلت فسد حجها.
قال مالك: وإذا لمس المحرم أو قبّل أو باشر فأنزل، أو أدام النّظرة للذة حتى أنزل فسد حجه، وعليه حجُّ قابل والهدي.
قال: فأمّا إنْ نظر المحرم ولم يتابع النظر ولا أدامه فأنزل فحجه تام،

الجزء: 5 - الصفحة: 652

وعليه الهدي.
الأبهري: إنما يهدي على طريق الاستحسان، ويجوز أن يكون ترك التحرز حتى وقع منه النظر.
قال مالك: وكذلك لو قبّل، أو غمز، أو جس، أو باشر، أو تلذذ بشيء من أهله إلا أنه لم ينزل ولم تغب الحشفة منه في ذلك منها فإنما عليه الهدْي، وحجّه تام.

الجزء: 5 - الصفحة: 653

[الباب الثالث]

ما يلقيه المحرم عن نفسه، أو بعيره، وغسل ثيابه، وبيعها، وجامع ما يجتنبه من اللباس، والطيب، وإلقاء التفث، وغير ذلك.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾، وقال: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فجعله مخيراً، وفي الآية من الاختصار في قوله تعالى: ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ يريد: فأماطه أذاه ففدية، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يريد: فأفطر فعدّه من أيام أخر، وهذا في كتاب الله كثير.
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، فأباح ذلك بعد التحلل.
وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: «أتؤذيك هوام رأسك؟» قال: نعم، فأمره بالحلاق، والفدية.
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم المحرم عن لباس العمائم، ومخيط الثياب، والبرانس، والسراويلات، والخفاف، وما مسْه وَرْس، أو زعفران، وأرخص لمن لم يجد نعلين قطع الخفين أسفل من الكعبين ولبسهما.
وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.

الجزء: 5 - الصفحة: 654

قال في الثالث: ولا يطرح عن نفسه القمل؛ لأنه من إلقاء التفث.
قال مالك: ولا بأس أن يطرح عن نفسه الحلمة والقراد والحمنان والبرغوث أو العلقة، ولا شيء عليه، وكذلك إنْ طرح العلق أيضاً من دواب جسد البعير والداب.
فأما لو طرح الحمنان والحلم والقراد عن بعيره أو دابته فليطعم شيئاً من طعام.
قال مالك: ولا يغْسل المحرم رأسه بخِطْمِيّ.
م: وهو زريعة الخُبيز، قال: فإن فعل افتدى أي الفدية شاء، قال: وله أن يفعل ذلك إذا حل له الحلاق قبل أن يحلق، وهو الشأن.

الجزء: 5 - الصفحة: 655

قال: وإن أصابته جنابة صب على رأسه الماء وحركها بيده، ولا بأس أن يصب الماء على رأسه وبدنه لحرّ يجده أو لغير حرّ.
م: لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعلوا ذلك؛ ولأن ذلك لا يقتل شيئاً من الدواب ولا يمنع من التبرد؛ لأن ذلك من الحرج.
ومن المدونة: قال مالك: وأكره له غمس رأسه في الماء خيفة قتل الدواب، فإن فعل أطعم شيئاً من طعام.
قال: وأكره للصائم الحلال أيضاً أن يغمس رأسه في الماء، فإن فعل فلا شيء عليه إذا لم يدخل الماء حلقه.
قال: ولا يدخل المحرم الحمام لينقي وسخه، فإنْ دخله فتدلك وأنقى الوسخ افتدى.
وقال: وأكره أنَ يغسل ثوبه إلا أن يصيبه جنابة فيغسله بالماء وحده.
ومن المدونة: قال: ولا يغسل ثوبه بالحُوَض خشي قتل الدواب.
قال مالك: ولا أرى للمحرم أنَ يغسل ثوب غيره خفية قتل الدواب، زاد في رواية الدّباغ قال مالك: فإنَ فعل افتدى، قال ابن القاسم: يتصدّق بشيء من طعام لموضع الدواب التي قتل في الثياب.

الجزء: 5 - الصفحة: 656

قال ابن القاسم: ولا بأس أن يبدّل ثيابه التي أحرم فيها وأنّ يبيعها لقمل آذاه فيها أو غيره وقال سحنون: إذا باع الثياب فقد عرّض القمل للقتل.
قال مالك في العتبية: ولا بأس للمحرم يرى القملة في ثوبه أو بدنه فينقلها في مكان آخر من ثوبه أو جلده.
فصل [1 - فيما يجتنبه المحرم من اللباس] ومن المدونة: وكره مالك أن يدخل منكبيه في القَبَاء وإن لم يدخل يديه في كميّه ولا زرّه عليه؛ لأن ذلك دخول فيه ولباس له، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن لباس البرانس ومخيط الثياب.
قال ابن القاسم: ولم يكره له أن يطرح قميصه على ظهره ينزدى به من غير أن بدخل فيه، وكره له أن يَزُرّ الطيلسان على نفسه، أو يُخَللّ عليه كِسَاءه، وأجاز له

الجزء: 5 - الصفحة: 657

أم يَحْتبي، وأن يتوشَح بثوبه ما لم يعقد ذلك، فإنْ عقد على نفسه ثوبه الذي توشّح به وذكر ذلك مكانه فحلّه، أو صاح به رجل فحلّه فلا شيء عليه، وإنْ طال ذلك حتى ينتفع به افتدى.
قال ابن القاسم: وكذلك إنْ خلّل عليه كساءه، أو لبس قميصه فنزعه، أو صاح به أحد فنزعه فلا شيء عليه، وإن طال ذلك حتى انتفع به افتدى.
قال مالك: وجائز للمحرمة لباس الحرير والخز والعصب والحلى، قال: وجائز للمحرمة لباس السراويل ومخيط الثياب.

الجزء: 5 - الصفحة: 658

قال ابن القاسم: وغير المحرمة عندي أحرى.
وكره مالك للمرأة لباس القباء في الإحرام وغيره لحرة أو أمة لأنه يصفهن.
وكره للمحرم لباس الجوربين والجرموقين والقفازين، قال: وإذا لم يجد نعلين ووجد خفين فلقطعهما أسفل من الكعبين ويلبسهما، ولا شيء عليه، وإن وجد نعلين فاحتاج إلى لبس الخفين لضرورة بقديمه فقطعهما أسفل من الكعبين فليلبسهما ويفتدي، قال ابن القاسم: لأنّ لباسه الخفين لضرورة يشبه الدواء فلذلك لذمته الفدية، والأوّل غير متداوي وقد جاء فيه الأثر.
وإن وجد النعلين بشراء فلا رخصة له في قطع الخفين إلا أن يرفع عليه في الثمن كثيراً، وإن زيد عليه يسيراً فليشترهما.
فصل [3 - إحرام الرجل في وجهه ورأسه، وإحرام المرأة في وجهها ويديها] قال مالك: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه، والمرأة في وجها ويديها، والذقن هما فيه سواء لا بأس بتغطيته لهما.
وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول.
ومن المدونة: قال مالك: وإن غطى المحرم وجهه أو رأسه ناسياً أو جاهلاً فإن

الجزء: 5 - الصفحة: 659

نزعه مكانه فلا شيء عليه، وإن تركه حتى انتفع به افتدى.
قال ابن القاسم: وكذلك المحرمة إن غطت وجهها مثل الرجل إلا أن مالِكاً وسّع لها أن تسدِل رداءها من فوق رأسها على وجهها إذا أرادت ستراً.
يريد: لا من حرّ ولا من برد، قال: فإن لم ترد ستراً فلا تسدل، وما علمت أنّ مالكاً كان يأمرها إذا أسدلت رداءها أنن تجافيه عن وجهها، ولا ينهى أن يصيب الرّداء وجهها، وإن رفعت خمارها من أسفل رأسها على وجهها افتدت بخلاف السدل لأنه لا يثبت إذا رفعته حتى تعقده.
وكره لها مالك أن تتبرقع، أو أن تلبس القفازين فإن تعلمت افتدت كفدية الرجل.
فصل [3 - إذا حلق الحلال رأس المحرم أو طيّبه أو غطى رأسه ووجهه فالفدية على الفاعل] قال مالك: وما جره المحرم على وجهه من لحافه وهو نائم فانتبه فنزعه فلا شيء عليه وإنْ طال، بخلاف المستيقظ.
وإن نام فغطىّ رجل رأسه ووجهه أو طيبه أو حلق رأسه ثم انتبه فنزع ذلك، أو نزع الطيب عنه فلا شيء عليه، والفدية على من فعل ذلك به.

الجزء: 5 - الصفحة: 660

قال ابن المواز: ولا يجزيء الفاعل أن يفتدي بالصيام ولكن بالنّسك أو الإطعام، وإن كان الفاعل عديماً أو لم يقدر عليه فليفتد هذا المحرم عن نفسه ويرجع على الفاعل إن أيسَر أو قدر عليه بالأقل من ثمن الطعام أو ثمن النسك إن افتدى بأحدهما، وأما إن صام فلا يرجع على الفاعل بشيء.
م: وما ذكره ابن المواز من أنه إذا كان الفاعل عديماً أن يفتدي هذا المحرم عن نفسه إلى آخر ما ذكره إنما ذلك وعلى روايته فيمن أكره زوجته فوطئها وهما محرمان وهو عديم أنّ عليها هي أن تحج قابلاً وتتْبَعُ بذلك زوجها، فإن لم تجد هي ما تهدي صامت، ولم ترجع على زوجها بشيء من ثمن الهدي؛ لأنها لم تهد وإنما صامت، والصيام لا ثمن له.
م: فما ذكره محمد: إنما يجوز على هذه الرواية في الذي أكره امرأته، وقد قال ابن القاسم في العتبية: إنّ الزوج إذا كان عديماً وهي مليئة فليس عليها هي حج ولا صيام، فعلى هذه الرواية: ليس على النائم المُطِّيب إذا كان الفاعل عديما أن يفتدي هو عن نفسه؛ لأن الفدي إنما تعلقت بغيره.
م: وهذا بّين: واختلف أبو محمد، وابن القابسي إذا طيّب محرم محرماً نائما، قال ابن القابسي: يجب على الفاعل فديتان: فدية لمسّه الطيب، وفدية لتطيييبه النائم.
وقال أبو محمد: ليس عليه إلاّ فدية واحدة؛ لأني لو ألزمته فديتين لألزمته ذلك إذا طيب نفسه لمسَّه الطيب ولتطيبه، ولكن إنما تلزمه فدية واحدة فكذلك تطييبه غيره.

الجزء: 5 - الصفحة: 661

م: وقول أبي الحسن أصوب.
وقال أشهب في مدونته: ما فعل بالمحرم وهو نائم مما يكون عليه فيه الفدية لو فعله بنفسه فلا شيء عليه ولكنه إذا انتبه غسل عنه الطيب مكانه، فإن أخّره فعليه الفدية، وهذا فيما لا يبقى له في منفعة بعد انتباهه، فأما لو قص من شعره أو حلق رأيت عليه الفدية؛ لأنه بقي له الانتفاع بما فعل به، ثم يرجع بما افتدى على الذي فعل ذلك به يرجع عليه بالأقل من ثمن النسك أو الإطعام، وإن افتدى بالصوم فلا يرجع عليه بشيء إذْ لا ثمن له.
م: وهذا خلاف للمدونة في التفرقة بين ما يبقى وما لا يبقى.
وفي آخر الكتاب مسألة من تقلّب في نومه على جراد أو ذباب أو غيره أنّ عليه الكفارة.
فصل [4 - يجوز للمحرم أن يحمل على رأسه ما تدعو الحاجة إليه من زاده ونحوه] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يحمل المحرم على رأسه إذا كان راجلاً ما لابد له منه مثل خرجه فيه زاده أو جرابه.
قال ابن حبيب: ولا شيء عليه.
قال مالك: ولا يحمل ذلك لغيره على رأسه طوعاً ولا بإجازة، فإن فعل افتدى.
قال ابن القاسم: ولا أحب له أن يحمل على رأسه تجارة لنفسه من بز أو غيره، ولا ينبغي له أن يتجر فيما يغطي به رأسه في إحرامه.

الجزء: 5 - الصفحة: 662

قال ابن حبيب: فإن فعل افتدى، وقال أشهب: إلا أن يكون ذلك عيشه فله ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يَشُدِّ منطقته التي فيها نفقته على وسطه ويدخل السيور في الثقب ويربطها من تحت إزاره، قال ابن القاسم: فإن ربطها من فوق إزاره افتدى؛ لأنه قد احتزم من فوق إزاره، وقد قال مالك: إذا لم يرد المحرم العمل فلا يحتزم، فإن احتزم من فوق إزاره بحبل أو خيط افتدى، وإن أراد أن يعمل فلا بأس أن يحتزم.
قال ابن حبيب: وقد رأى الرسول صلى الله عليه وسلم رجلا محتزما بحبل وهو محرم فقال له: "انزع الحبل، ويلك، انزع الحبل، ويلك"، وقال رجل لابن عمر: أخالف بين طرفي ثوبي ثم أَعْقده من ورائي وأنا محرم؟ فقال له ابن عمر: "لا تعقد عليك شيئاً إلا منطقتك التي فيها نفقتك فأوثقها.
ومن المدونة: ولم يّوسع له مالك أن يجعل منطقته التي فيها نفقته إلاّ في وسطه، وكره أن يجعلها في عضده أو فخذه أو ساقه، قال ابن القاسم: فإن فعل فأرجو أن يكون خفيفاً ولا فدية عليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 663

وقال أصبغ: إن هو جعلها في عضده افتدى.
قال ابن القاسم: / ولا يجوز أن يحمل نفقة غيره في وسطه ويشدّها على بطنه، فإن فعل افتدى، وإنما أرْخَص له في حمل نفقة للضرورة إلى ذلك.
قال: ولو ربطها أوّلاً لنفقته، ثمّ أودعه رجل نفقته فجعلها فيها فلا شيء عليه؛ لأن أصل ما شدّها لنفسه لا لغيره.
قال بعض المتأخرين فإن نفدت نفقة المحرم لم يسغ له بقاء وديعة غيره فيها لارتفاع ما من أجله أبيح له ذلك.
قال ابن حبيب: وإن كان في منطقته لؤلؤ أو جوهر للتجار فلا يشدّه على وسطه، فإن فعل افتدى.
م: كما ليس له أن يحمل التجارة على رأسه، وله أن يحمل زاده.
ومن المدونة: قال مالك: وإن ألجيء المحرم إلى تقليد السيف فلا بأس به.
قال عنه ابن المواز: فإن تقلده لغير حاجة فلا فدي عليه ولينزعه، وقاله أصبغ.
وقال ابن وهب: إن تقلّده لغير ضرورة افتدى.
قال ابن القاسم: ولم يكره مالك أنْ يعصب المحرم على جراحه خٍرّقاً، وكان يرى عليه إذا فعل ذلك الفدية.

الجزء: 5 - الصفحة: 664

قال: وإن عصب رأسه من صداع أو جرح، أو عصب على جسده أو على بعض جسده لجرح أو غير ذلك، أو ربط الجبائِر على كسر به، أو ألصق على صدغيه مثل ما يصنع الناس فليفقد، إن شاء صام، أو أطعم، أو نسك.
قال: ولو ألصق على قروح به خرقاً صغاراً فلا شيء عليه، وإن كانت كباراً افتدى، وإن جعل على أذنيه قطناً لشيء وجده فيهما افتدى، كان في القطنة طيب أو لم يكن.
م: لأن ذلك موضع الإحرام بخلاف الجسد، وسواء فعله لضرورة أو غيرها، وحكي نحو هذا لأبي محمد.
ومن المدونة: وكره مالك للمحرم شمّ الطيب وإن لم يمسه بيده، قال ابن القاسم: فإن تعمّد شمه ولم يمسه بيده فلا شيء عليه، قال مالك: وإن مسّه افتدى، قال عنه ابن حبيب: وجد ريحه أو لم يجد، لصق بيديه أو لم يلصق.
محمد: ومسّ الطيب أشد من شمه، وشربه أشد من مسه، والفدية في شربه أو مسه.
م: وإنّما منع المحرم من الطيب؛ لأن الطيب من دواعي الوطء، فمنع منه كما منعته المعتدّه.

الجزء: 5 - الصفحة: 665

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره له مالك أن يمرّ في موضع العطارين، ورأى أن يقام العطارون من بين الصفا والمروة أيام الحج، وكره له أن يتجر بالطيب إذا كان قريباً منه يمسه أو يشمّه، وكره له مالك شمّ الريحان، وقال: إن شمه أو مسّه رأيته خفيفاً ولا شيء عليه، وكذلك الورد والياسمين والخِيرِيُّ وما أشبهه، بخلاف الطيب المطّيب إن مسه افتدى.
قال مالك: وإن مسه خلوق الكعب فأرجو أن يكون خفيفا، ولا شيء عليه إذْ لا يكاد يسلم منه إذا دخل البيت.
قال في غير المدونة: وإن أصابه من ذلك كثير فلينزعه عنه، وإن كان يسيراً فإن شاء غسله أو تركه.
وقال ابن وهب: عليه الفدية.
قال مالك: وإن أصاب كفّه خلوق الركن فأحبّ إليّ أن يغسل الكثير، وهو من اليسير في سعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا أري أن تُخَلّق الكعبة أَيام الحج.
فصل [5 - في المحرم يخضب رأسه أو لحيته بحناء أو يدّهن أو يأكل أو يشرب ما فيه طيب] قال ابن القاسم: وإذا خضب المحرم رأسه أو لحيته بحنّاء أو بوسِمَة أو خضبت

الجزء: 5 - الصفحة: 666

المحرمة يديها أو رجليها أو رأسها أو طَرقت أصابعها فليفتديا.
وإن خضب الرجل أصبعه بحناء لجرح أصابه فإن كانت رقعة كبيرة افتدى، وإن كانت صغيرة فلا شيء عليه، وأمّا إن داوى جرحه بما فيه طيب برقعة صغيرة أو كبيرة فليفتد بخلاف الحّناء كالرّيحان ليس بمنزلة المؤنث من الطيب.
وكره مالك للمحرم أن يتوضأ بالريحان، يريد: غسل يديه، فإن فعل فلا فدية عليه، قال: ولا بأس أن يتوضأ بالحرض، وأكره له أن يغسل يديه بالأشنان المطيب بالريحان، ولا شيء عليه إن فعل.
قال: وإن كان طيب الأشنان بالطيب افتدى.
قال: ولا بأس أن يغسل يديه بالأشنان غير المطيب، والغاسول، وشبه ذلك.
قال: وإن دهن قدميه وعقبيه من شقوق فلا شيء عليه، وإن دهنهما لغير علّة، أو دهن ذراعيه أو ساقيه ليحسنهما لا مِن علّة افتدى.
قال: وإن دهن / شقوقاً في يديه أو رجليه بزيت أو بشحم أو دك فلا شيء عليه، وإن دهن ذلك بطيب افتدى.
قال مالك: وإن دهن بطون قدميه أو بطون كفيه من شقوق ليمرنهما للعمل فلا بأس بذلك، وأما إن دهن ظهور قدميه أو باطن ساقيه أو ركبتيه لخوف أن يصيبه شيء فلفْتَدْ.
وكره مالك للمحرم والحلال شرب الماء فيه الكافور لناحية السرف.

الجزء: 5 - الصفحة: 667

قال: وإن شرب المحرم دواء فيه طيب افتدى، وكره مسالك أن يشرب شراباً فيه كافور، أو يأكل دِقة مُذَعفَرة، فإن فعل افتدى.
وقال أشهب في غير المدونة: لا يفتدي من أكل أو شرب ما فيه طيب، بخلاف التداوي به، ورواه ابن وهب عن مالك.
قال ابن المواز: وهذا عندنا فيما مسته النار أو تغّير لونه ولم يوجد له لون مثل التِرْيَاق وشبهه.
وكره مالك في كتاب محمّد، وابن حبيب الفالوذج وإن طبخته النار، لأنه ربما صبغ الفم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أكل طعاماً مسته النار فيه زعفران أو ورس فلا شيء عليه، وإن لم تمسه النار فلا خير فيه.
قال: وإن دهن رأسه بزيت أو زَنْبَق أو بان أو شيرج الجُلْجُلان أو زيت

الجزء: 5 - الصفحة: 668

الفجل وشبه ذلك افتدى، كان شيئاً من ذلك مطيّباً أم لا.
م: بخلاف من أراد الإحرام هذا له أن يدهن رأسه بالزيت وباليان السمح، قاله في الحج الأول.
م: لأنّه غير محرم بعد، وهو شيء لا يبقى ريحه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وجائز أن يأتدم في طعامه بدهن الجلجلان، وهو كالسمن، ويكره أن يأتدم بالزَّنْبَق والبَنَفْسَج وشبهه أو يَشْتَعط بذلك، وجائز له أن يستعط بالزيت والسمن ولا بأس بأكله.
فصل [6 - في اكتمال المحرم] قال مالك: ولا بأس أن يكتحل المُحْرِمُ من حرّ يجده في عينيه بالإِثْمِدِ والصبِر والمرّ زنحوه، ولا فدية عليه إلاّ أن يكون فيه طِيْب فليفتدي.
وكره مالك أن يكتحل لزينة، قال ابن القاسم: فإم فعل افتدى.
قال مالك: ولا تكتحل المُحْرِمَةُ لزينةٍ ولا بإثمد لغير زينة؛ لأنه زينة لها، فإن

الجزء: 5 - الصفحة: 669

اكتحلت بالإثمِد لزينة افتدت، وإن اضطرت إلى الإثمد لوجع بعينها فاكتحلت به فلا فدية عليها.
ابن المواز: وكذلك الرَّجُل.
قال ابن القاسم: وإنما لم يكن عليها فدية لأن الإثمد ليس بطيب، وإنما اكتحلت به لضرورة لا لزينة، والضرورة عند مالك مخالفة لغير الضرورة في هذا، ألا ترى أن لو دهن المحرم يديه ورجليه بالزيت لزينة لزمته الفِدية عند مالك، ولو دهن شُقوقاً في يديه ورجليه بالزيت لم يفتد، فكذلك اكتحاله بالإثمد.
م: وإنما فرق بين هذا وبين اللباس والطيب؛ لأن هذا لم يرد نص في اجتنابه كما ورد في الطيب واللباس، وقد قال عليه والسلام لمن آذاه هوامً رأسه: "إحلق وافتد"، فرأى مالك أن ما ورد النص في اجتنابه لا تُسْقِط الضرورة الفدية عن فاعله قياساً على حلق الرأس، وما لم يرد نصِّ في اجتنابه خففه في الضرورة؛ لأن ذلك حرج، والله رؤوف بعباده.
فصل [7 - في المحرم يحلق رأسه حال، وفي الحجامة للمحرم] ومن المدونة: قال مالك: ولا يحلق المرحم رأس حلال، فإن فعل افتدى، قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يتصدى بشيء من طعام لموضع الدواب التي في الرأس ويجزئه، وقال سحنون.
قال بعض البغداديين: فوجه قول مالك في أنه ألزمه الفدية التي نص الله عليها:

الجزء: 5 - الصفحة: 670

فلانّه لما كان أصل الفدية هو الحلق، وكان المحرم منهياً عنه، فوجب إذا فعل حلقاً أن يفتدي.
ووجه قول ابن القاسم: أن الفدية إنما يجب على من أماط عن نفسه أذى، وهذا لم يمط عن نفسه أذى، وإنما ألقى عن غيره قملاً، فوجب عليه الإطعام لذلك.
م: وقول ابن القاسم أبين إن أراد مالك أن عليه الفدية التي نص الله عليها، ويحتمل أن يكون معنى قول مالك: يفتجي: أن يفتدي بشيء من طعام لقتله القمل فتتفق القولان، أو يكون ذلك على ما روى عنه فيمن قتل قَمْلاً كثيراً أنه يلزمه الفدية الكاملة.
وقد قال ابن الماجشون في المحرم يحلق / رأس محرم وهو نائم أنه يلزمه فديتان: فدية لقتله القمل، والفدية المرجوع بها عليه، فظاهر هذا أنّ على من قتل قملاً كثيراً الفدية الكاملة.
قال مالك: ولو حجم المحرِم حلالاً فحلق موضع المحاجم فإن أيقن الحجام أنه لم يقتل قملاً فلا شيء عليه، ولو اضطر مُحْرِم إلى الحجامة جاز لمحرم غيره أن يحلق موضع المحاجم ويحجمه إذا أيقن أنه لا يقتل قملاً، والفدية على المفعول به ذلك.
قال ابن حبيب: وأكره الحجامة للمحرم إلا لضرورة ولا فدية عليه في ذلك إذا لم

الجزء: 5 - الصفحة: 671

يحلق شعراً، وإن حلق لها شعراً في القفي أو في الرأس أو سائر الجسد فليفتد كان ذلك لضرورة أو غيرها.
وقال سحنون: لا بأس أن يحتجم إذا لم يحلق الشعر، ولا يحتجم في الرأس وإن لم يحلق شعراً خيفة قتل الدواب.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أراد محرم أن يسوي شعره أو يحلق قفاه فلا ينبغي له أن يفعل ذلك.
وإن دعى مُحْرِمٌ إلى أن يفعل به ذلك فَأكْرَهُ للحجام أن يُعِيْنه على ذلك وإن أيقن أنه لا يقتل دواباً، فإن فعل فلا شيء على الحجام، والفدية على المحرم.
قال مالك: وإن قَلم مُحْرِمٌ أظفار حلال فلا بأس عليه، ولا ينبغي للمُحْرِم أن يُقلم أظفاره، فإن فعل ناسياً أو جاهلاً افتدى، وإن قلمها له محرم بأمره فالفدية على من قُلَمت أظفاره.
وإن كان مُكْرَهاً أونائماً فقلمها له محرم أو حلال فالفدية على الفاعل.
وإن قلم المحرم ظفراً واحداً لإماطة أذى افتدى، وإن لم يمط به عنه أذى أطعم شيئاً من طعام، وإن انكسر ظفره فقلّمه فلا شيء عليه.
م: كاكتحاله وادهانه لضرورة به.

الجزء: 5 - الصفحة: 672

قال: وإن أصاب أصابعه قروح فاحتاج إلى أن يداويها ولم يصل إلى ذلك إلاّ بقصَ أظفاره فليفتد، كفدية من أماط الشعر من الأذى.
قلت: فإنْ أخذ المحرم من شاربه؟ قال: قال مالك: من نتف شعره أو شعرات يسيرة أطعم شيئاً من طعام، كان جاهلاً، أو ناسياً، وإن نتف من شعره ما أماط به عنه أذى فليفتد.
قال عنه ابن المواز: إذا أخذ من شاربه افتدى.
ابن المواز: وكذلك إن نتف ما يخفف به عن نفسه أذى وإن قل فإنه يفتدي.
ومن المستخرجة: وسئل مالك همّن شأنه أكل أظفار هو شعر لحيته فيفعل ذلك وهو محرم؟ قال: أرى أن يفتدي بصيام أو نسك أو إطعام.
يريد - فيما أظن -: وإن كان مراراً.
ابن المواز: قال مالك: وليس من شأن المحرم والمحرمة النّظر في المرآة، وذلك خِيفة أن يرى شَعَثَاً فيصلحه، وإن نظر فيها فلا شيء عليه، وليستغفر الله.

الجزء: 5 - الصفحة: 673

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما سمعت مالكاً يحدّ فيما دون إماطة الأذى أكثر من حَفْنَة من شيء من الأشياء، وقد قال في قملة أو قملات حَفْنَ من طعام، قال: والحَفْنة عند مالك بيد واحد.
قال مالك: ولا شيء على المحرم فيما انقلع عند وضوءه من لحيته أو شاربه أو رأسه أو أنفه إذا امتخط، وما حلق الإِكَاف والسَّرج في الركوب من ماقه، وهذا خفيف لابدّ للنّاس منه.
قال: وما فعله القارن من إماطة الأذى، أو طيب، أو نقص من حجه فكفارة واحدة تجزئه لا كفارتين.
وقد تقدمت الحجّة في ذلك.
فصل [8 - من فعل شيئاً من ممنوعات الإحرام، ونوى أن يفعله بعد ذلك ويكرره فإنّ الفدية تتحد في ذلك وإن تراخي الثاني عن الأول] وسئل مالك عن محرم لبس قلنسوة أو عمامة لوجع في رأسه ثم نزعها فعاد إليه ذلك الوجع فلبسها؟ قال مالك: الشأن فيه إنْ كان نزعها على البُرْء وتركها فعليه فديتان، وإن نوى حين إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه فدية واحدة.
وإذا وطئ المحرم مرّة بعد مرّة، ولبس الثياب لوجع به مرّة بعد مرّة ونوى أن يلبسها إلى بُرْئة، يخلعها بالليل ويلبسها بالنهار ومضى لذلك عشرة أيام، أو لم يكن به أذى فديتان، وإن نوى حين نزعها إن عاد إليه وجعه أعادها فإنّما عليه كفّارة واحدة فيما وطئ ولبس.

الجزء: 5 - الصفحة: 674

م: يريد: وليس عليه فيما وطئ إلا هدي واحد، وليس عليه فيما لبس إلاّ كفّارة واحدة.
قال ابن القاسم: لأنّه على نّيته في لبسها، وكذلك المعتمر الذي طاف على غير وضوء فلبس الثياب إنّما عليه فدية واحدة؛ لأنه إنّما أراد لبساً واحداً، وما أصاب هذا المحرم من صيد مرّة بعد مرّة، أو تطيّب مرّة بعد مرّة، فعليه لكل صيد جزاؤه، وكذلك الطيب لكل مرّة فدية، إلاّ أن يكون به جرح فتوى أن يتعالج بدواء فيه طيب حتى يبرأ فإنّما عليه فدية واحدة، وإن لم ينو ذلك فلكل مرّة فدية، فإن أصابه رمد فداواه بدواء فيه طِيب مراراً فليس عليه لكل ما داوى به رمده ذلك إلا فدية واحدة، فإن انقطع رمده ذلك ثمّ رمد بعد ذلك فداواه فعليه فدية أخرى؛ لأنّ هذا وجع غير الأول، وكذلك إن كان في جسده قُرْحة فداواها بدواء فيه طيب مراراً فلي عليه إلاّ فدية واحدة إذا أراد أن يدويها حتى يبرأ، فإن ظهرت به قُرْحة أخرى فداواها بذلك الدواء الذي فيه الطيب فعليه كفارة أخرى.
قال مالك: وإن احتاج المحرم في فور واحد إلى لباس أصناف لضرورة، فلبس خُفين، وقلنسوة، وقميصاً وسراويل، ونحوه فإنّما عليه في تلك الثياب كلها كفارة واحدة.
قال مالك: وإن احتاج إلى خفين فلبسهما ثم احتاج بعد ذلك إلى قميص فلبسه فعليه كفّارتان؛ لأن حاجته إلى القميص إنما كانت بعدما وجبت عليه الكفارة في الخفين، وعلى هذا اجتمع أمر الناس.
ابن المواز: قال ابن الماجشون: وغن احتاج المحرم إلى لباس قميص، ثمّ استحدث لباس سراويل مع القميص ففدية واحدة، ولو احتاج أوّلاًً إلى السراويل فلبسه، ثم لبس

الجزء: 5 - الصفحة: 675

قميصاً ففديتان، وأمّا إن لبس قلنسوة، ثمَ بدى له فلبس عمامة أو لبس عمامة ثم نزعها فلبس قلنسو قفدية واحدة في هذا كله.
قال عنه ابن حبيب: وكذلك إن احتاج إلى لباس قميص فلبسه ولم ينو لباس غيره، ثمّ احتاج إلى لباس جبّة فلبسها، ثم احتاج إلى لباس فَرْوٍ فلبسه فليس عليه إلا فدية واحدة، وكذلك لو لبس قلنسوة، ثم احتاج إلى عمامة، ثم إلى التّقيّب والتظلل فعليه فدية واحدة في ذلك كله.
ومن كتاب ابن المواز، والعتيبّة: قال مالك: ولا بأس أن يتّخذ المُحْرِمُ خِرقَة يجعل فيها فرجه عند النوم، وهو بخلاف لفها عليه للمني والبول، هذا يفتدي، فإن استنكحه ففدية واحدة تجزئه إذا استدامه، ولو اعتمر بعد حجه افتدى لذلك فدية ثانية.
قال في كتاب محمد: ولا بأس أن يستظل تحت المحمل، أو يجعل يده على رأسه، أو يستر بيده وجهه من الشمس، وهذا لا يدوم.
وقال سحنون: لا يستظل تحت المحمل وهو سائر.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: ولا بأس أن يستظل المحرم إذا نزل بالأرض، ولا بأس أن يلقي ثوباً على شجرة ويقيل تحته، وليس كالرّاكب والماشي وهو كالنازل بخِبَاءٍ مضروب.
وعن ابن المواز: لا يستظل إذا نزل بأعواد ويجعل عليها كساءً أو غيره ولا محمله.

الجزء: 5 - الصفحة: 676

قال: وإنما وسَع له في الخِبَاءِ والفُسطاط والبيت المبني.
قال يحي بن عمر: لا بأس بذلك كله إذا نزل بالأرض.
ومن المدونة قال: وإن قلم أظفار يده اليمنى اليوم، ثم قلم أظفار يده الأخرى من الغد فعليه فديتان.
قال مالك: وإن لبس الثياب، وتطّيب، وحلق شعر رأسه، وقلّم أظفاره في فور واحد لم يلزمه في ذلك إلا فدية واحدة، وإن فعل ذلك شيئاً بعد شيء ففي كل وجهٍ فدية.
وكذلك قال مالك في مُحْرِمَة أصابتها حُمٌى فتعالجت بأدوية مختلفة فيها طِيب فقال: إن كان ذلك في موضع واحد وكان ذلك قريباً بعضه من بعض فليس عليها لذلك كله إلا فدية واحدة.
قال مالك في كتاب ابن المواز: ولا يَنْبغي أن يفعل المحرم ما فيه الفدية من غير ضرورة ليسارة الفدية عليه، وأنا أعظه عن ذلك فإن فعل فليفتد؟ قال: وإن لبس لغير علّة ثمّ مرض فتركه ثمّ صح فتركه ففدية واحدة تجزئه، ولو لبس لمرض ثم تمادى لبسه / بعد أن صح فلعيه فديتان، وكذلك ذكر ابن حبيب من أوّل المسألة عن ابن الماجشون، وزاد: ولا يُبالي مرض مَرْضَةً ثانية بعد الأولى ثم صح منها وهو عليه أو لم يمرض ثانية فليس عليه إلا فديتان.

الجزء: 5 - الصفحة: 677

الباب الرابع

في تفسير فدية الأذى، وموضع وجوبها

[فصل فدية الأذى على التخيير، له أن يذبحها حيث شاء من البلاد، وله أن يصوم حيث شاء].
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَاسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.
قال ابن القاسم: وهذه الفدية التي ذكر في إماطة الأذى وما ضارعه من اللباس والطيب وغيره مما يفعله لحاجة لا يحكم فيها الحكمان، ولا يحكم عليه إلا في جزاء الصيد وحده.
قال: والرجل مُخَير في الفِدْية كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، وكذلك الذي يلبس أو يتطيب جَهْلاً من غير أذى يُخير فيما ذكرنا، كما يخير من فعله من أذى.
والنسك شاة يذبحها أين شاء من البلاد.
ابن المواز: في ليلٍ أو نهار، وإن شاء أن يَنْسك ببعير أو بقرة ببلده فذلك له، وفعله علي بن أبي طالب، وله أن يجعله هَدْياً ويُقلٌده ويُشعره ثمّ لا ينحره إذا قلده إلا بمنى أو بمكة إن أدخله من الحلٌ.

الجزء: 5 - الصفحة: 678

وإذا افتدى بشيء قبل أن يفعله ثم فعله لم يجزه.
ومن المدونة: وكذلك الإطعام والصيام حيث شاء من البلاد.
وخلافاً لأبي حنيفة، والشافعي أن النسك لا يكون إلا بمكة، وإليه ذهب ابن الجهم، وخالف في ذلك مالكاً وأصحابه.
وقال الشافعي: وكذلك الإطعام لا يكون إلا بمكة.
والدليل لمالك: أن الله تعالى ونبيه عليه الصلاة والسلام أطلقا ذلك ولم يخصّا به موضعاً، فمن ادّعى خلافه فعليه الدليل.
وقد سمىّ الله تعالى الفدية نسكاً، والجزاء هدْياً، وجعل محل الهدْي مكة، لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾، ولم يذكر للفدية محلاً ولا سمّاها هدْياً فأينما ذُبحت أجزأت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ذبح نُسك الأذى بمنى أو بمكة لم يكن عليه وقوفها بعرفة ولا خروجها إلى الحل وإن لم يدخلها منه.
قال: والصيام: ثلاثة أيام، والإطعام: ستة مساكين، مدّين مدّين لكل مسكين بِمْدّ النبي صلى الله عليه وسلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 679

والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ ... الآية﴾، وبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله لكعب ابن عجرة: «أتؤذيك هوامّ رأسك؟» فقال: نعم، قال: «إحلق وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، مدّين مدين لكل مسكين، أو نسك بشاة، أيّ ذلك فعلت أجزأ عنك».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا اختار الإطعام فليطعم ستة مساكين مُدّين مُدين من عَيش أهل ذلك البلد من بُرً أو شعير، ككفّارة اليمين، ولا يجزئه أن يغدّي ويعشي ستة مساكين؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمىّ مُدين مُدين، وأجزأ ذلك في كفّارة اليمين؛ لأنها مُدّ مُدّ، والغداء والعشاء أفضل من مُدّمُدّ.

الجزء: 5 - الصفحة: 680

[الباب الخامس]

جامع ما يحرم من الصيد على المحرم، وحكم الجزاء أو الطعام أو الصيام في ذلك، وفي الصيد في حرم مكة أو المدينة

[فصل 1 - لا فرق بين الخطأ والعمد في قتل الصيد في وجوب الجزاء] قال الله سبحانه: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ ... الآية﴾، فذكر الكفارة في القتل في أعلى وجوهه ليدل سبحانه أن ما دونه من الخطأ تُكَفّره الكفارة، كما قاله سبحانه في الإماء: «فإذا أحصن فإن أتين بفاحش فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب»، فكان ذكر الجلد في إحصانهنّ الذي هو أعلى يُبَيٌن أنّ ما دون ذلك يجزيء فيه الجلد، وكان قتل الصيد لا يخرج أن يكون ما ذكر فيه دية أو كفّارة لقوله فيه: «أو كفارة طعام مساكين»، فقد سمّاها كفّارة، وقد ذكر الله الكفّارة في قتل المؤمن خطأ، فهذا مثله، وقد ساوينا بين ما ذكر الله تعالى في قتل الصيد العمد وبين ما سكت عنه في الخطأ في تحريم اكله، فكذلك ينبغي أن يستويا في الكفارة.
والله أعلم.
قال الأبهري: فإن قيل: فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فلم يوجب على المخطئ شيئاً، وإنما أوجب على العامد.
قيل له: إنما خرج الكلام على الأغلب من فعل الناسي، كما لم يمنع أن تكون

الجزء: 5 - الصفحة: 681

الربيبة التي ليست في الحِجْر مُحرّمه، وإن كان التّحريم إنّما هو في اللفظ في التي في الحِجْر، فكذلك الجزاء يجب في الخطأ وإنْ كان النّص إنما ورد في العمد لاستوائهما فيما ذكرناه من علة الإتلاف.
[فصل 3 - سيد الحرم حرام على الحلال والمحرم، وفيه الجزاء على من يقتله] م: وأباح الله سبحانه للمحرم صيد الماء بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾.
وأبان الرسول صلى الله عليه وسلم تحريم الصيد في حرم مكة، وحرم ما بين لابتي المدينة، ونهى عن الصيد فيه، وأباح صلى الله عليه وسلم للمحرم قتل خمس من الدواب:

الجزء: 5 - الصفحة: 682

الكلب العقور، والعقرب، والفأرة، والحِدَأة، والغراب».
قال عبد الوهاب: وقال داود: لا يتعلق الجزاء بحرمة الحرام أصلاً.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والاسم ينطلق على المحرم والحرام بالإحرام، وبالمكان.
[فصل 3 - هل يجب الجزاء في حرم المدينة؟] قال: وقال ابن أبي ذنب: في حرم المدينة أيضاً الجزاء.
فوجه قول مالك: قوله صلى الله عليه وسلم: «من وجدتموه صاد في حرم المدينة فأوجعوه ضرباً واسلبوه ثيابه»، فلو كان فيه الجزاء لأمر به، ولأنه غير محل للمناسك فلم يتعلق فيه الجزاء، أصله الحِلّ.

الجزء: 5 - الصفحة: 683

ووجه إيجاب الجزاء: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن إبراهيم حرم مكة، وإنّي أحرٌم المدينة بمثل ما حرّم إبراهيم مكة ومثله معه لا يختلي خلاها، ولا يُعْضَد شجرها، ولا يُنفّر صيدها».
ولأنه حرم يمنع الاصطياد فيه فيتعلق الجزاء فيه كحرم مكة.
قال: وهذا أقيس عندي مع قول أصحابنا: إنّ المدينة أفضل من مكة وأن الصلاة بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أفضل من الصلاة بالمسجد الحرام.
م: وقد قال مالك في غير المدونة من رواية أشهب: لم أسمع أنّ فيما قتل في حرم المدينة جزاء، ومن مضى أعلم من بقي، ولو كان هذا لسنّوا فيه دية صيد، وقد صيْدَ بها وقُتِل.
قيل له: فهل يؤكل ما صيد فيه؟ قال: ليس كالذي يُصاد بمك، وإنّي لأكرهه فراجعه، فقال: لا أدري، وما أحبٌ لك أن تسأل عن مثل هذا أحداً.

الجزء: 5 - الصفحة: 684

[فصل 4 - للمحرم أن يقتل السِّباع التي تعدو على الناس وتفترس، جائز له قتلها على كل حال] ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس أن يقتل المُحْرِم سِبَاع الوحش، والنّمور التي تَعْدو وتفترس، يبتدئها وإن لم تبتدئه، ولا شيء عليه في ذلك، لدخول ذلك في اسم الكلب العقور، ولما جاء في حديث أبي سعيد الخدري من قوله صلى الله عليه وسلم: «ليس على المحرم في قتل الفُوَيسقَة.
والحِدَأة والسَّبُع العادي جناح».
قال عبد الوهاب: فله عندنا قتل السباع العَادية من الوحش، والطير، فيقتل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، ومن الطير: الغراب، والحِدَأَة.
ووافقنا أبو حنيفة في الذئب والكلب العقور، وخالفنا في السبع، والفهد والنّمر وغيرها من السباع.
وقال: من قتلها فعليه جزاؤها.
والحج عليه الأخبار المروية.
وقال: من قتلها فعليه جزاؤها.
والحجة عليه الأخبار المروية.
وقال الشافعي: كل ما لا يؤكل لحمه من الَّيد فلا جزاء فيه إلاّ الضيع.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾، وقوله تعالى:

الجزء: 5 - الصفحة: 685

﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يقتل صغار أولاد السِّباع العادّية؛ لأن الصّغار لا تَعْدو ولا تفترس.
ابن المواز: قال أشهب: فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب: لا جزاء عليه، وقال ابن القاسم.
ويقتل المحرم الفأرة، والحيّة والعقرب صغارهن وكبارهن وإن لم تؤذه.
ومن المدونة: وكره مالك قتل الهر الوحشي، والثعلب، والضبع، فإن فعل فعليه الجزاء إلا أن يبتدئوا فلا شيء عليه فيهم.
وكره له مالك قتل سباع الطير، وغير سباعها، قال: فإن قتل سباع الطير فعليه الجزاء إلاّ الحِدَأة، والغراب فإنه إن قتلهما ولم يبتدياه فلا جزاء عليه لأذاهما إلاّ أن يكونا صغيرين.
قال ابن القاسم / في كتاب محمد: وأحبٌ إليّ أن لا يقتل الغراب والحِدَأة حتى يؤذياه، وإنْ قتلهما قبل أن يؤذياه فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وإنْ عدى عليه شيء من سباع الطير ويخافها فقتلها فلا جزاء عليه؛ لأنّه لو عدى عليه رجل يريد قتله فدفعه عن نفسه فقتله لم يلزمه شيء.

الجزء: 5 - الصفحة: 686

قال مالك: ولا بأس للمحرم بصيد البحر كله، والأنهار، والبِرَك، والغُدْران، وإن أصاب طيراً من طير الماء فعليه جزاؤه.
قال: ويؤكل صيد البحر الطافي وغير الطافي، والضَّفْدِعُ، وترس الماء من صيد البحر.
قال ابن القاسم: وهذه السلحفاة التي تكون في البراري هي من صيد البّر، إذا ذُكيت أُكلت، ولا تحل إلاّ بالزكاة، ولا يصيدها المحرم.
فصل [5 - يحرم قطع ما ينبت بنفسه من نبات الحرم، ولا جزاء فيه] قال: ولا يقطع أحد من شجر الحرم شيئاً، يبس أو لم يبس، في حرم مكة، أو المدينة، للحديث، فإن فعل فليستغفر الله، ولا جزاء عليه فيه، خلافاً لأبي حنيفة، والشافعي، لأنه لو كان فيه جزاء لكان على المحرم بقطع الشجر في الحل.

الجزء: 5 - الصفحة: 687

ومن المدونة: قال مالك: ولا بأس بقطع ما أنبته الناس في الحرم من الشجر مثل النّخْل، والرُّمان، والفاكهة كلها، والبقْل كله، والكراث، والخس، والسِّلق، وشبهه، والسَّني والإِذْخِر.
م: إنما قال ذلك: لأن ما أنبته الناس أنيساً مثل إنسي الحيوان، فلم يكن بأس بقطعه وأكله، كما لا بأس بذبح الحيوان الإنسي وأَكلِه.
قال: وجائز الرّعي في حرم مكة وحرم المدينة في الحشيش والشَّجر.
قال: وأكره أن يحتش في الحرم حلال أو حرام خيفة قتل الدواب، وكذلك الحرام في الحل، فإن أسلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك.
ومَرَّ الرسول صلى الله عليه وسلم برجل يرعى غنماً له في حرم المدينة وهو يخبط شجرة منها فنهاه عن الخبط، وقال: «هشوا وارعوا».

الجزء: 5 - الصفحة: 688

قال مالك: الهشّ: أن يضع المحجن في الغُصْن فيحركه حتى يقع وَرَقُه.
م: والمحجن: هو المخطاف عندنا، قال مالك: ولا يعضد، ومعنى العضد: الكسر.
فصل [6 - يكره للمحرم ذبح الحمام الوحشي وغير الوحشي] وكره مالك أن يذبح المحرم الحمام الوحشي وغير الوحشي؛ لأن أصله مما يطير، وأكره أن يذبح شيئاً مما يطير ولا الحمام الرومية التي لا تطير وإنما تتخذ للفراخ؛ لأن أصلها مما يطير.
قال: ولا بأس أن يذبح الإوَزّ والدجاج، لأن أصلها مما لا يطير.
م: أما الدجاج فليس لها أصل يطير، وأنا البُرَك، والإِوَز فلها أصل يطير في الوحشية، فينبغي على هذا أن لا يذبحها المحرم.

الجزء: 5 - الصفحة: 689

قال ابن حبيب: كره مالك للمحرم ذبح الحمام المتخذ في البيوت للفراخ، ولم ير فيه جزاء إن فعل.
وكان عطاء لا يرى بذبحه بأساً.
قال: وكره مالك ذبح الحمام الأخضر، وقال: حنسه يمام وله عِرْق في الوحشية.
ابن المواز: قال أصبغ: وما ذبح المحرم من حمام بيته وهو أنيس قفليفده.
ومن المدونة: قال: وما دخل مكة من الحمام الوحشي والإنسي.
م: مما قد صيد في الحل، قال: فجاز للحلال أن يذبحه فيها، كما يجوز للحلال أن يذبح الصيد في الحرام إذا دخل به من الحل؛ لأن شأن أهل مكة في ذلك يطول، وهم محلّون في ديارهم، والمحرم إنما يُقيم محرماً أياماً قلائل.
قال: وما أدركت ممن افتدي به من يكره للحلال ذبح صيد في الحرم قد دخل به من الحل إلاّ عطاء بن أبي رباح، ثم ترك ذلك، وقال: لا بأس به.
م: وقال أبو حنيفة: لا يجوز للحلال أن يذبح صيداً في الحرم قد كان ملكه في الحل.

الجزء: 5 - الصفحة: 690

ودليلنا: أنه لما جاز له إمساكه والتصرف فيه في الحرم باتفاق جاز له ذبحه كالنَّعم؛ ولأن كل من جاز له تملّك صيد بالشّراء والهبة جاز له ذبحه كالحلال، وفارق حرمة الوضع في هذا حرمة الإحرام؛ لأن الإحرام لا يدوم، وحرمة الموضع دائمة فافترقا / كالنكاح، والوطء في ذلك؛ لأن حرمة الإحرام تمنه منهما، وحرمة الموضع لا تمنع لدوامها فرفع حرج ذلك عن الأمة؛ ولأن الشيء اللازم للإنسان لا حكم له، بخلاف المنقطع كالاستحاضة، وسلس البول، والقرحة تسيل ولا تكف، هو في ذلك كله بخلاف المنقطع.
ومن المدونة: قال مالك: وما وقع من الجراد في الحرم فلا يصيده حلال ولا حرام، قال: ولا يُصاد الجراد في حرم المدينة، ونهى عن الصيد في حرم المدينة، لم ير فيما قتل من الصيد في حرمها جزاء.
وقد تقدم هذا.
فصل [7 - التسبب في إتلاف الصيد هل يوجب الضمان إذا أفضى إلى الإتلاف؟] قال ابن القاسم: ولو ضرب محرم فسطاطه فتعلق بأطنابه صيد فعطب، أو حفر بئراً للماء فعطب فيه صيد فلا جزاء عليه، وذلك فعل الصيد بنفسه، كقول مالك فيمن حفر بئراً بموضع يجوز له فمات فيه رجل أنه لا دية فيه رجل أنه لا دية فيه على الحافر.

الجزء: 5 - الصفحة: 691

قال ابن القاسم: وإذا رأى الصيد محرماً ففرغ منه فحضر فمات في حضره فعلى المحرم جزاؤه؛ لأنه نفر من رؤيته.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء عليه، وقال سحنون، وهو أصوب، لأن ذلك فعل الصيد بنفسه، أصله إذا تعلق بأطناب فسطاطه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نصب المرحم شرَكاً للذئب والسِّباع مخافة على غنمة ودوابه أو على نفسه فوقع فيه صيد ظبي أو غيره فعطب فيه فعليه جزاؤه؛ لأن مالكاً قال فيمن حفر في منزله بئراً للسارق أو عمل في داره شيئاً ليتلف به السارق فهو ضامن إنْ وقع فيه سارق فمات.
وقال سحنون في الصيد: لا جزاء عليه؛ لأنّه فَعَلَ ما يجوز له فعله، وأمّا السارق ففعل مالا يجوز له.
ابن المواز: وقال أشهب: إن كان موضعاً يتخوّف فيه على الصيد وداه، وإلاّ

الجزء: 5 - الصفحة: 692

فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: وهذا أحبٌ إلينا.
فصل [8 - في كون العمد والسهو في الإتلاف سواء في وجوب الجزاء] ومن المدونة: قال مالك: وإذا أمر المحرم عبده أن يرسل صيداً كان معه فظنّ العبد أنّه أمره بذبحه فعلى السيد الجزاء.
قال ابن القاسم: وإن كان العبد مُحْرِماً فعليه الجزاء أيضاً، ولا ينفعه خطؤه.
م: لأنّ الخطأ والعمد عندنا في قتل الصيد سواء.
[فصل 9 - إذا اشترك جماعة محرمون في قتل سيد فعلى كل واحد جزاء كامل] قال ابن القاسم: ولو أمره بذبحه فأطاعه فذبحه، كان عليهما الجزاء جميعاً.
قال: وإذا دلّ على صيد محرماً أو حلالاً فقتله المدلول عليه فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: إذا دلّ المُحْرِمُ مُحْرِماً على صيد فقتله فعلى كل واحد منهما جزاؤه، وإن دلّ عليه حلالاً فليستغفر الله الدّال، ولا شيء عليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 693

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن أشار المحرم، أو أمر بقتله فلا شيء عليه إلاّ أن يكون المأمور عبده، فيكون على الآمر جزاء واحداً، وقد أساء، وعلى القاتل الجزاء إن كان مُحْرِماً، وإن كان حلالاً في الحل فلا شيء عليه.
وإذا اجتمع محرمون على قتل صيد، أو اجتمع محلون على قتل صيد في الحرم، أو محل، وحرام قتل صيداً في الحرم، فعلى كل واحد الجزاء كاملاً.
وقال الشافعي: عليهم جزاء واحد.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وهذا خطاب لكل قاتل في نفسه، ولأنه اشتراك في قتل تجب فيه الكفارة فكانت الكفارة بعدد القاتلين، كقتل الآدمي.
ومن المدونة: قلت: فإن اجتمع مُحْرِمُون على قتل صيد فجرحه كل واحد منهم جرحاً؟ قال: قال مالك: إذا جرح المحرم صيداً فغاب عنه الصيد فعليه جزاؤه.
قال ابن القاسم: وليس في جراح الصيد إذا أيقن أّنها سلمت من ذلك الجرح شيء.

الجزء: 5 - الصفحة: 694

قيل: فإذا سلم الصِّيد بعد الجرح هل يحكم فيه كالحكم في جراح الرجل الحر أم كجراح العبيد ويكون فيه ما نقصه؟ قال: لا أرى فيه شيئاً إذا استيقن أنه سلم.
قال ابن المواز: هذا إذا برأ على غير نقص وإلا ففيه ما بين قيمته صحيحاً وقيمته مجروحاً، وقال ابن القاسم.
وقال بعض علمائنا: وهذا خلاف لما في المختلطة.
م: ويحتمل أن يكون وفاقاً.
ويحتمل قول ابن القاسم: لا شيء عليه إذا استيقن أنه سلم: أي سلم بغير نقص.
والله اعلم.
قال: وقد قال ابن القصَّار: إذا فقأ عين صيد، أو كسر رجله، أو ما أشبه ذلك، فلا شيء عليه؛ لأن الجزاء إنما يجري مجرى الكفارة، فكما لا تجب الكفّارة في أبعاض الآدميين، فكذلك لا تجب في أبعاض الصيد.
قال: وقال المخالف: كل ما أصله مضموم فكل جزء منه مضمون، وإنما ذلك فيما يصح الإبراء منه من حقوق الآدميين.

الجزء: 5 - الصفحة: 695

قال بعض أصحابنا: وهذا الذي ذكر ابن القصّار مثل ما في المختلطة وبخلاف ما قال ابن المواز فاعلمه.
وقال ابن حبيب فيمن رمى صيداً وهو محرم فأصابه فتحامل الصيد حتى غاب عنه فإن أصابه بما يموت بمثله فليوده، فإن وداه، ثم وجده لم يعطب، ثم عطب بعد ذلك فليده ثانية؛ لأن الجزاء الأول كان قبل وجوبه، قال ابن الماجشون.
ومن المدونة: وإذا أمسك مُحرِم صيداً لغير القتل وإنما أراد أن يرسله فقتله حرام فعلى القاتل جزاؤه، وإن قتل حلالٌ فعلى الممسك جزاؤه، لأن قتله من سببه.
وقال سحنون: لا شيء عليه.
م: يريد: ويغرم الحلال للمُمْسِك الأقل من قيمة الصيد أو الجزاء على قول ابن القاسم.
ولا شيء على قول سحنون؛ لأنه لم يُوجب عليه غُرْماً.
قال ابن القاسم: وإن أمسكه لمن يقتله، فإن قتله مُحْرِم فعليهما جزاءان، وإن قتله حلال فعلى المحرم جزاؤه، ولا شيء على الحلال إذا كان في الحل.
ابن المواز: قال أشهب: وإذا أخذ مُحْرِم صيداً فقتله في يده حلال في الحرم فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه، ويغرم الحلال قيمته للمحرم، كان القاتل حراً، أو عبداً، أو صبياً، أو نصرانياً، إلاّ أنه لا جزاء على النصراني.
وإن كان في الحل غرم له قيمته، وعلى المحرم وحده جزاؤه.

الجزء: 5 - الصفحة: 696

قال ابن المواز: وإنما يرى على قاتله لصاحبه القيمة، إلا أن تكون أكثر من الجزاء فلا يلزمه إلاّ الجزاء، لحجة المحرم عليخ إنّي كنت أقدر على السلامة بإطلاقه فعليك ما أدخلت عليّ بقتله، وإن كان في الحرم غرم جزاءً ثانياً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إن أحرم وفي بيته صيد فلا شيء عليه فيه ولا يرسله، وإن أحرم وهو بيده، أو يقوده، أو في قفص معه فليرسله ثمّ لا يأخذه حتى يحل.
م: وسواء كان إحرامه من منزله أو من ميقاته بخلاف ما تأوله بعض أصحابنا أنه إن كان إحرامه من منزله وفي بيته صيد فعليه أن يرسله، كما قال في القفص.
م: والفرق بين القفص والبيت: أنّ القفص هو حامل له ومنتقل به فهو كالذي بيده، وما كان في البيت فليس هو بيده وهو مرتحل عنه وغير مصاحب له وهو بخلاف القفص فافترقا.

الجزء: 5 - الصفحة: 697

ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أحرم وبيده صيد فأرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأن ملكه زال عن الصيد بإحرامه كزوال ملكه عما ندّ له من الصيد وطال زمانه ولحق بالوحش؛ لأنه لو أخذه بعد ذلك أحد لكان له لزوال ملك الأول عنه، وأما إن أخذه بحدثان ما ندّ له فإنه يرده إليه؛ لأن ملكه باقٍ عليه.
قال ابن القاسم: ولأنه لو حبس الصيد بيده حتى يحل لوجب عليه إرساله، وكذلك لو بعث به إلى بيته بعد أن أحرم وهو بيده ثم حل لوجب عليه إرساله.
وقد اختلف الناس في هذا، هل عليه أن يرسله أم لا؟ فقال بعض الناس: يرسله وإن حل من إحرامه، وكأمه صاده وهو حرام.
ورأى بعض الناس أن له حبسه؛ لأنه قد حل.
ولا أخذ به ابن المواز.
وقال أشهب: على الذي أرسله من يده فيمته، وقول ابن القاسم أحب إلينا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما صاده في إحرامه فليرسله، فإن لم يفعل حتى أرسله من يده حلال أو حرام لم يضمن له شيئاً؛ لأنه لم يجب له فيه ملك، وإنما فعل ما كان يؤمر الذي صاده أن يفعله.
وإن صاده في إحرامه أو أحرم وهو بيده فأتاه محرم / ليرسله من يده فتنازعاه فقتلاه بينهما فعلى كل واحدٍ منهما جزاؤه.

الجزء: 5 - الصفحة: 698

وإن نازعه حلال فعلى المحرم الجزاء، ولا قيمة له على الحلال، ولا يضمنا له أيضاً الجزاء؛ لأن القتل جاء من قبله حين منعهما من إرساله، يعني: إذا كان في الحل.
قال في العتبية: ولو أمسكا الصيد حتى حلاٌ فأكلاه، فعليهما جزاؤه؛ لأنه قد وجب عليهما إرساله.
قال: وخالفني أشهب فقال: لا شيء عليهما جميعاً.
فصل [10 - يجب الجزاء على من طرد سيداً فأخرجه من الحرم، ويجب على من رمى من الحل إلى الحرم أو بالعكس] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن طرد صيداً فأخرجه من الحرم فعليه جزاؤه.
م: قيل: إنما هذا إذا كان الصيد لا ينجو بنفسه؛ لأنه قد عرضه للقتل، فأما إن كان ينجو بنفسه فلا شيء عليه، سواء أجلاه قريباً أو بعيداً، وقال أشهب، ونحوه لابن القاسم في المدونة.
ومن المدونة: قال مالك: وإنْ رمى صيداً في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله، فعليه الجزاء.
م: لأن من أصله أن يحرم بالأقل.

الجزء: 5 - الصفحة: 699

قال: وإن رمى صيداً في الحل وهو في الحل فهرب الصيد وتبعته الرمية فأصابته في الحرم فعليه جزاؤه.
وقال أشهب: فيمن رمى صيداً قريباً من الحرم فأصابته الرمية ولم تبلغ مقاتله فتحامل فدخل الحرم فمات فيه، فإنه يؤكل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أرسل كلبه أو بازه قرب الحرم، وهو والصيد جميعاً في الحل فأخذه في الحل فلا شيء عليه، وإن أخذه في الحرم فقتله فيه أو طلبه حتى أدخله الحرم ثم أخرجه منه فقتله في الحل فعليه الجزاء ولا يؤكل.
وقال ابن الماجشون: لا بأس أن يرسل الحلال كلبه من الحرم على ما في الحل، ويؤكل ما أصاب.

الجزء: 5 - الصفحة: 700

م: وهذا خلاف لابن القاسم، وعليه جزاؤه عند ابن القاسم ولا يؤكل، كإرساله سهمه من الحرم على صيد في الحل.
ووجه قول ابن القاسم: فلأن أصل اصطياده وابتدائه من الحرم، فلا يراعى أين أخذه، كالنكاح في العدة، والوطء بعدها أنه يحرم كالوطء فيها.
ووجه قول ابن الماجشون: أن المراعاة تمام الاصطياد فأين ما وقع فله حكمه، وهذا جارٍ على قولهم: ولا يحرم عليه إلاّ الوطء في العدّة.
ومن المدونة: قال: ولو أرسل كلبه، أو بازه على صيد في بعد من الحرم فقتلا الصيد في الحرم أو أدخلاه في الحرم ثم أخرجاه منه فقتلاه في الحل فلا يؤكل، ولا جزاء عليه؛ لأنه لم يُغرّر بالإرسال.
وإن أرسل كلبه على صيد في الحرم فَأَشلاه رجل آخر فأخذ الصيد، فإن انشلى الكلب بإشلاء هذا، فعلى الذي أشلاه الجزاء أيضاً.
وقال أشهب: فلا شيء عليه.
فوجه قول ابن القاسم: فلأن الإشلاء عون للكلب وسبب لأخذ الصيد ومعونة للمرسل، فوجب على كل واحدٍ جزاؤه.
ووجه قول أشهب: فلأن أصل الاصطياد الإرسال فله الحكم.
م: وقول ابن القاسم أبين.
والله أعلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 701

قال ابن القاسم: وإن أرسل كلبه على ذئب في الحرم فأخذ صيداً، فعليه الجزاء؛ لأنه سبب أخذه، وكالمغرٌر بقرب الحرم.
ابن المواز: وهو أحب إليّ.
وقال أشهب: لا شيء عليه إلا أن يرسله بحضرة صيد يعرف من موضعه.
م: ووجه هذا: فلأنه فَعَلَ ما يجوز له، كمن أرسل على صيد في بُعْدٍ من الحرم فأخذه في الحرم.
وقول ابن القاسم أبين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن صاد طيراً فنتفه ثم حبسه حتى نسل فطار فلا شيء عليه.
وقد تقدم أن الجزاء على قاتل الصيد عمداً، أو خطأً، كان أول ما أصابه، أو كان قد أصابه قبل ذلك، وأنه إن أصاب الصيد، والنساء، والطيب مداراً على وجه الإحلال والرفض لإحرامه فعليه لكل صيد أصابه الجزاء؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾.
وأما جميع لبسه، وطيبه فكفارة واحدة؛ لأنه فعله على وجه الإحلال والرفض للإحرام، فذلك مساوٍ لصاحبه فإذا اجتمعا فكفارة واحدة كالوضوء لجميع الأحداث.
م: وكذلك لتكرار الجماع كفارة واحدة، أي هدي واحد، مع قضاء

الجزء: 5 - الصفحة: 702

الحج، لاتفاق ذلك في الإيجاب، وجزاء ما أصابه القارن جزاء واحد، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فعم.
فصل [11 - في الحاج يقتل سيداً بعد رمي جمرة العقبة] قال: ومن قتل صيداً في الحل من الحاج بعد رمي جمرة العقبة فعليه الجزاء.
م: لأنه لم يتكامل إحلاله كإصابته إياه قبل الرّمي.
قال: وإن قتله بعد الإفاضة وقبل الحلاق فلا شيء عليه لتكامل إحلاله، وبقاء الحلاق خفيف في كل شيء.
قال: وكذلك المعتمر إن أصاب صيداً في الحل فيما بين طوافه وسعيه، فعليه الجزاء، وأمّا بعد السعي وقبل الحلاق فلا جزاء عليه.
فصل [13 - لا يجوز ذبح المحرم للصيد، وإذا ذبحه فلا يحل له ولا لغير الأكل منه] قال مالك: وما ذبح المحرم من الصيد بيده، أو صاد بكلبه، أو بازه فأدّى جزاءه فلا يأكل حلال ولا حرام لأنّه ميتة لم يصح للمحرم تذكيته.
وقال الشافعي: تصح تذكيته.

الجزء: 5 - الصفحة: 703

ودليلنا قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، والقتل في الشرع: عبارة عن الإتلاف الذي لا يبيح الأكل.
ومن المدونة: قال مالك: وإن أكل هو من لحمه لم يكن عليه جزاء آخر ولا قيمة ما أكل؛ لأنه أكل لحمه ميته وما لا يحل له.
وقال أبو حنيفة: عليه الجزاء وضمان قيمة ما أكل.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فلم يوجب سواه، ولأن الإتلاف بعد القتل لا يوجب جزاء كما لو قتله وأحرقه، ولأنه إنما أكل لحم ميتة فلا قيمة له.
ومن المدونة قال مالك: وما ذبح من أجل محرم بأمره أو بغير أمره ولي ذبحه حرام أو حلال فلا يأكله محرم ولا حلال.

الجزء: 5 - الصفحة: 704

ولم يأخذ مالك بحديث عثمان بن عفان حين قال لأصحابه: «إنما صيد من أجلي فكلوا» وأبى أن يأكل هو.
ومن العتبية قال ابن القاسم في المحرم يأكل من الصيد ولم يصد من أجله وهو عالم بذلك لا جزاء عليه وبئس ما صنع، وإنما يديه من صيد من أجله إذا أكل وهو عالم بذلك.
ابن المواز: قال أشهب عن مالك: فإن أكل منه من صيدَ من أجله وهو بذلك عالم وداه، وإن أكل منه غيره من أصحابه وهو يعلم فلا شيء عليه، لما جاء عن عثمان، ولكن لا ينبغي أن يأكل من ذلك حلال ولا حرام.
وقال أيضاً في محرم قُتِلَ من أجل صَيْد، أو من أجل محرم غيره، ثم أكل منه وهو عالم، فعليه جزاؤه، وإن لم يعلم فلا جزاء عليه، وروي مثله عن ابن القاسم.

الجزء: 5 - الصفحة: 705

وقد قيل: لا جزاء عليه علم أو لم يعلم؛ لأنه إنما يأكل لحم ميتة، إلا أن يعلمه قبل ذبحه فيذبحه على ذلك أو يأمرهم بصيده، فهذا عليه جزاؤه، ونحوه لأصبغ.
م: وقال الشافعي: لا جزاء عليه بحال.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون ما لم تصيدوه أو يضاد لكم»، فقد ساوى عليه الصلاة والسلام بين تحريم ما صاده أو صيد له، وكذلك يجب أن يستويا في الجزاء.
قال عبد الوهاب: ولأن رضاه بصيده له كفعله بنفسه؛ ولأن فعل الوكيل كفعل الموكل في الحكم؛ ولأن في ذلك ذريعة إلى استباحة الاصطياد، فوجب حسم الباب.
ابن المواز: وقال أشهب بن مالك: لا بأس أن يأكل المحرم من صيد ذبح لِمُحْرِمْينِ قبل أن يحرموا أو صِيدَ من أجلهم قبل أن يحرموا، تقوم بأعيانهم، أو بغير أعيانهم.

الجزء: 5 - الصفحة: 706

قال عنه ابن القاسم: لا بأس بأكله للمحرم وإن صِيْدَ من أجله قبل أن يحرم، وروى عنه أيضاً أنه كره له أكله، فإن فعل فلا جزاء عليه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يأكل المحرم لحم صَيْدٍ، وإن صاده حلال في الحل.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: «لحم الصيد لكم حلال وأنتم محرمون.
ما لم تصيدوه أو يصاد لكم».
فصل [13 - في المحرم يقتل بازاً مُعَلّماً] ومن المدونة: قال: وإذا قتل المحرم بازاً مُعَلماً فعليه جزاؤه غير مُعَلم، وعليه قيمته لربه مُعَلَّماً.
م: وقال غيرنا: لا جزاء عليه.

الجزء: 5 - الصفحة: 707

ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ فعمّ، ولأنه ممنوع من قتله لحرمة الإحرام، كالذي ليس بمملوك.
فصل [14 - في الصبي يصيب صيداً سيداً أو ما تجب عليه به الفدية هل الجزاء والفدية على الأب أو في مال الصبي] قال ابن القاسم: وإذا أحرم الأخرس فأصاب صيداً حُكِمَ عليه كما يحكم على غيره، لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ فعم.
قال: وإذا حج بالصغير الذي لا يعقل والده فأصاب صيداً أو لبس أو تطيّب، فالفدية والجزاء على الأب، وإن كان للصبي مال، وكذلك كل شيء وجب على الصبي من الدم في الحج، فذلك على والده؛ لأنه أحجه.
م: قال بعض أصحابنا: يكون ذلك على الذي أحجّه، وإن كان خروجه به نظراً إذ لا كافل له؛ لأنه كان قادراً أن يخرج به ولا يحجه، فلما أدخله في الحج، كان ما وجب على الصبي من أمور الحج على من أحجه.
وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: ولا يحج بالرضيع، فأما ابن أربع سنين أو خمس فنعم، وإذا حجّ به أبوه فما أصاب من صيد أو ما فيه فدية ففي مال الأب، إلا أن يخرج به نظراً؛ لأنه لو تركه ضاع، فيكون ذلك في مال الصبي، وإن لم يكن له مال اتبعه به.
وقد قيل: إن ما أصاب من صيد في ماله، يريد: كالجناية.

الجزء: 5 - الصفحة: 708

م: وهذا نص خلاف ما تأوله من ذكرنا، وإن كان ما قال له وجه في القياس، ولكن الصواب ما قاله مالك، لأن ما يتخوف أن يطرأ عليه في إحجاجه إياه من الجزاء والفدية أمر غير متيقن، وإحجاجه إياه طاعة وأجر لمن أحجه، لقوله صلى الله عليه وسلم للتي سألته: ألهذا حج؟ وكان صغيراً، فقال: «نعم ولك أجر».
م: فهذا حج تطوّع للصبي وأجر لمن أحجّه، فلا يُترك لأمرٍ قد يكون، أو لا يكون، وهذا هو أصلنا أنّه لا يترك أمر متحقق لأمر يكون أو لا يكون؛ لأن الأمر الطارئ لا حكم له، فلما أبيح له إحْجَاجه لم يلزمه ما طرأ عليه من أمور الحج؛ لأنه غير متعدّي في إحجاجه إيّاه، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم ولا يصوم عنه والده في الجزاء والفدية، ولكن يُطعم عنه أو يهدي.
فصل [15 - ما لزم العبد من جزاء سيد أو فدية فذلك عليه إن كان إحرامه بإذن سيده ولا يمنعه سيده من الصوم] وإذا أحرم العبد بإذن سيده فما لزمه من جزاء صيد أو فدية لإماطة أذى من ضرورة أو فوات حج أصابه لم يتخلف له عامداً فلزمه هدي في ذلك كله على العبد، وليس له أن يُخْرِخَ ذلك من مال سيده إلاّ بإذنه، فإن لم يأذن له صام، ولا يمنعه سيده من الصوم وإن أضرّبه أن يهدي عنه أو يطعم.

الجزء: 5 - الصفحة: 709

وما أصاب العبد عمداً مما وجب عليه به الهدي أو الفدية، فلسيده مَتْعه أن يفتدي بالنُّسك، أو بالصدقة، ولا يمنعه من الصوم، إلا أن يضرٌ به في عمله فيمنعه.
وكذلك قال مالك في العبد إذا ظاهر: أنه لا سبيل له إلى زوجته حتى يكفر، ولا يمنعه سيده من الصوم إلا أن يضر سيده في عمله فيمنعه إن شاء؛ لأنه أدخل الظهار على نفسه وليس له أن يضرّ سيده.
وقال ابن الماجشون في الواضحة: إذا تظاهر العبد فليس لسيده منعه من الصوم وإن أضر به في عمله.
م: ووجه هذا: فلأن السيد أذن له في النكاح، وعنه يحدث الطلاق والظهار فقد ملكه ذلك فلا يمنعه من الصوم وإن أضرٌ به، إذ هو أصل ذلك.
فصل [16 - إن أتلف المحرم أو الحلال بيضاً في الحرم فعليه عشر ثمن أمه] ومن المدونة: قال مالك: وإذا كسر المحرم أو الحلال بيض طير وحشي في الحرم فعليه عُشْر ثمن أمه، كجنين الحرة من دية أمّه، كان فيه فرخ أم لا، وكذلك لو خرج الفرخ يَضْطَرب ما لم يستهل صارخاً، فإذا صرخ ففيه ما في كبير ذلك الطير.
قال ابن المواز: بحكومة عدلين، قال: وأحب إلينا إن خرج فيه فرخ أن يُجزى

الجزء: 5 - الصفحة: 710

للشك في حياته، ولعله مات من الكسرة.
وقال ابن القاسم: إلا أن يوقن أنه مات قبل ذلك بالرائحة ونحوه.
م: يريد: فلا يكون عليه شيء.
قال: وفي بيض حمام مكة ثمن شاة.
ابن المواز: قال مالك: وإذا دخل مكة حمام إنسي أو وحشي فللحلال أن يذبحه، وإن ذبحه بها محرم فعليه قيمته طعاماً، وليس عليه شاة في هذا إذا لم يكن من حمام الحرم.
وحمام الحرم كحمام مكة عند مالك، ولم يره ابن القاسم مثله، وقال: فيه حكومة.
قال أصبغ: / ويقول مالك أقول.
وقماري مكة كحمامها.
قال أصبغ: وكذلك يمامها، وقماري الرحم، ويمامه.
وقال عبد الملك: في القماري واليمام حكومة إلا حمام مكة والحرم ففيه شاة، فإن لم يجد صام عشرة أيام، قاله مالك وليس في ذلك صدقة ولا تخيير؛ لأن الشاة فيها

الجزء: 5 - الصفحة: 711

تغليظ.
قال في الواضحة: وسبيل هذه الشاة سبيل هدي الجزاء لا يُذْبح إلا بمكة بخلاف النسك.
الأبهري: وإنما جعل في حمام مكة شاة؛ لأن ذلك مروي عن عمر، وعثمان وابن عباس؛ وإنما خصوا حمام مكة والحرم بالشاة، تغليظاً لحرمة الحرم، ولأن الحمام يكثر فيها ويأوي إليها، فلو جعل فيها قيمتها لتسرّع الناس إلى قتلها لخفّة أمر القيمة عليهم.
قال في كتاب الصيد: ولا بأس بصيد حمام مكة في الحل للحلال.
م: فهذا من قوله يدل: أن المحرم إذا أصابها في الحل إنما عليه قيمة ذلك وإنما فيه شاة إذا أصابه بمكة أو بالحرم.
قال في المختصر: وفي بيض النّعَامة عُشر ثمن البَدَنة وفي بيض الطير عشر ثمن أمه، وكذلك في الموطأ، وفي بعض الموطأت في بيض النعامة عشر ثمن النعامة.

الجزء: 5 - الصفحة: 712

ومن المدونة قال ابن القاسم: وإنما شبه مالك البيض بجنين الحرّة، فلو ضرب رجل بطن امرأة فألقت جنيناً ميتاً أو حياً وهو يضطرب فمات قبل أن يستهل صارخاً فليس عليه إلا عشر دية أمه، ولا قسامة فيه، وإن استهل صارخاً ففيه الدية كاملة بقسامة، فعلى الجنين فقس البيض في كل ما يرد عليك منه.
وقال ابن نافع في العتبية: لا آخذ بقول مالك في بيض النّعام، وآخذ فيه بما ذكر عن عطاء بن يسار عن النبي صلى الله عليه وسلم: «في كل بيضة صيام يوم».

الجزء: 5 - الصفحة: 713

وقال ابن وهب في كسر بيض النعامة: إن كان فيها فرخ آخذ فيه بقول مالك، وإن كان ماءً فعليه طعام مسكين، أو صيام يوم، كالحُرَّة تُسقط ماءً، أو ما أشبهه.
قال أبو محمد: يريد: فلا غُرَّة فيه.
ومن المدونة: قال: وإذا شوى المحرم بيض النعام لم يصلح أكله لا لحلال ولا لحرام، وكذلك لو كسره وأخرج جزاءه لم يصلح أكله بعد ذلك لأحد.
قال: وإن أفسد وكر طير لا بيض فيه ولا فراخ فلا شيء عليه، وإن كان فيه بيض أو فراخ فالجزاء عليه في الفراخ، وعليه في البيض مثل ما على المحرم في الفراخ؛ لأنه عرّض البيض للهلاك.
قال أبو محمد: أراه يريد: لاحتمال أن يكون البيض تفقص ثم يهلك بعد ذلك لقفس العش.
وفي رواية أخرى عن ابن القاسم: إذا أفسد الوكر وفيه فراخ أو بيض فعليه في البيض ما يكون على المحرم في البيض، وفي الفراخ ما يكون على المحرم في الفراخ.

الجزء: 5 - الصفحة: 714

وفي رواية الدباغ: فعليه في البيض ما على المحرم في الفراخ والبيض.
م: وجه هذا: أنه لما احتمل أن يفسد البيض قبل أن يقفص، واحتمل أن يقفص ثم يهلك بفقد العش ولم يدر كيف فساده جعل عليه كلا الأمرين احتياطاً.
قال: وإذا ضرب مُحْرِم بطن عنز من الظباء فألقت جنيناً ميتاً وسلمت الأم فعليه في الجنين عُشْرُ قيمة أمّه، ولو ماتت العنز بعد ذلك، كان عليه في الجنين عُشْرُ ثمن أمّه، وفي العنز الجزاء كاملاً، ولو استهل الجنين صارخاً، ثمّ مات وماتت أمه، كان عليه جزاء الجنين، وجزاء أمه كاملاً، كقول مالك فيمن ضرب بطن أمه خطأ فألقت جنيناً ميتاً ثم ماتت بعده كان في الجنين عشر دية أمه وفي المرأة الدية كاملة / تحمل ذلك كله العاقلة، ولو استهل الجنين صارخاً ثم مات وماتت أمه كان فيهما على العاقلة

الجزء: 5 - الصفحة: 715

ديتان بقسامة.
قال مالك: ويحكم في صغار كل شيء أصابه المحرم من الصيد والطير والوحش مثل ما يحكم في كباره من جزاء أو إطعام أو غيره.
قال ابن القاسم: كمساواة الحرّ الصغير للكبير في ديته.
ومن قتل فيلاً فعليه جزاؤه بدنة من البدن العظام الخراسانية التي لها سنامان، فإن لم توجد فعليه قيمته طعاماً، قاله ابن ميسر، وقيل: ليس للفيل مثل، وإنما يطعم بقدر وزنه من الطعام لقيمته، لأن ذلك رُبما كَثُر بغلاء عظامه وأنيابه.
وفي كتاب ابن حبيب عن ربيعة في الفيل الوحشي: بدنة.
وقال عطاء في محرم أصاب قرداً أنه يحكم عليه فيه.

الجزء: 5 - الصفحة: 716

[الباب السادس]

جامع القول في الحكمين في جزاء الصيد

[فصل 1 - التحكيم يكون من اثنين عالمين بأحكام الصيد، وتعتبر العدالة فيهما] قال الله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.
قال مالك: وإذا أصاب المحرم صيداً حكم فيه حكمان كما قال الله تعالى، ولا يكونا إلاّ عدلين فقهين، ويجوز أن يكونا دون الإمام، ولا يكتفيا في الجزاء بما روي، وليبتدئا بالاجتهاد، ولا يخرجا باجتهادهما عن آثار من مضى.
قال في كتاب ابن المواز: ويحكم في كل شيء من الصيد يصيبه المحرم، صغيره وكبيره، الجراد فما فوقه حكمان، فإن كفّر قبل الحكمين أعاد بهما.
قال عنه أشهب: ولا يكتفيا في الجراد، أو النعامة، أو البقرة فما دون ذلك بالذي جاء في ذلك حتى يؤتنف فيه الحكم، ولا يخرجا عن آثار من مضى.
قيل لمالك: فإن أصاب صيداً فأفتاه مفتٍ بما جاء في ذلك؟

الجزء: 5 - الصفحة: 717

قال: لا يُجتزى في ذلك إلاّ بحكمين، وقال أيضاً: لا: حتى يكون معه غيره، ولو كان في جرادة، وهذا في كل صيد، إلاّ حمام مكة فإن فيه شاة، لا يحتاج فيه إلى حكمين.
قال ابن المواز: وأحب إلينا أن يكون الحكمان في مجلس واحد من أن يكون واحداً بعد واحد، وليس فيما دون الظبي من جميع الأشياء إلا الطعام أو الصيام إلاّ في حمام مكة والحرم.
وتوقف ابن القاسم في حمام الحرم.
وفي الضب اختلاف، روى ابن وهب عن مالك أن فيه شاة، وروى ابن القاسم قيمته طعاماً أو عدل ذلك صياماً، وكذلك الثعلب.
ومن المدونة: وإن حكما فاختلفا، ابتدأ الحكم فيه غيرهما حتى يجتمعا على أمر واحد، وإن أخطأ خطأً بيناً فحكما بشاة فيما فيه بدنة أو بقرة، أو ببدنة فيما شاة انتفض حكمهما ويؤتنف الحكم فيه، والمحكوم عليه مخيّر إنْ شاء أن يحكما عليه بالجزاء من النعم فحكما به فأصابا فأراد بعد حكمهما أن يرجع إلى الطعام أو الصيام فحكما عليه به هما أو غيرهما فذلك له.

الجزء: 5 - الصفحة: 718

قال مالك: ولا يحكم في جزاء الصيد إلا بالجذع من الضأن والثني مما سواه، وما لم يبلغ جزاؤه ذلك ففيه طعام أو صيام.
قال: ولا يحكم بجفرة، ولا بعناق، ولا بدون المُسِن.
ومن المستخرجة: قال ابن وهب: ومن السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصَّيد كما خيره الله تعالى في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مسكين أو عدل ذلك صياماً، فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب من الصيد ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة، لأنها أدنى الهدي، وما لم يبلغ عدله شاة حكما فيه بالطعام بخبراته في أن يُطعم ذلك للمساكين، أو يصوم مكان كل مد يوماً.
ومن المدونة: وإن أراد أن يحكما عليه بالطعام فليقوّما الصيد نفسه حياً بطعام، ولا يقوما جزاءه من النهم، ولو قوما الصيد بدراهم، ثم اشتريا بها طعاماً رجوت أن يكون واسعاً، ولكن تقويمه بالطعام أصوب، ثم إن شاء الصيام، نظر كم ذلك الطعام بمد النبي صلى الله عليه وسلم، فيصوم لكل مُد يوماً، وإن جاز ذلك شهرين أو ثلاثة.
قال: وإن كان في الطعام كسر مُدّ فأحب إليّ أن يصوم لكسر المد يوماً.
قال مالك: ويقوم الصيد على حاله التي كان عليها حين أصابه ولا ينظر إلى فراهته ولا إلى جماله ولكن إلى ما يسوى من الطعام بغير فراهة ولا جمال.
وكذلك البازي إذا أصابه، والفارِه وغير الفارِه سواء.

الجزء: 5 - الصفحة: 719

ويقوّم الصيد بالحنطة، وإن قوّم بشعير، أو تمر أجزأ إذا كان ذلك طعام ذلك الموضع، ويتصدق على كل مسكين من ذلك مدًّا، مُدًّا بمد النبي صلى الله عليه وسلم مصل الحِنطة.
قال: ولا يُطعِم بمُدّ هشام إلا في كفارة الظهار وحده.
قيل: أيقوم الصيد بشيء من القطاني، أو بزبيب، أو أقط، وهو عيش أهل ذلك الموضع الذي أصاب فيه الصيد؟ قال: يجزئ فيه ما يجزئ في كفارة الأيمان، ولا يجزئ فيه مالا يجزئ في كفارة الأيمان.
م: ونقلها أبو محمد: وأما القطنية فلا، ويجزئ فيه من الحبوب ما يجزئ في كفارة الأيمان.
وفي كتاب ابن حبيب: أنّ القطنية لا تجزي في كفارة اليمين، ولا في زكاة الفطر.
وقال أشهب في كتبه: لا بأس أن يخرج في تقويم الصيد، وفي كفّارة اليمين من القطنية إذا كان هو معاشه وقوت عياله.

الجزء: 5 - الصفحة: 720

م: وفي كتاب الزكاة اختلاف الرواية في جواز ذلك في زكاة الفطر.
ومن المدونة: قال: ولو قوّم عليه الصيد بطعام، فأعطى المساكين قيمة الطعام دراهم أو عرضًا لم يجزه، ككفارة الأيمان.
وإن حكم عليه في الجزاء بثلاثين مدًّا فأطعم عشرين مسكينًا ولم يجد عشرة تمام الثلاثين، فله أن يدع الجزاء، ولا يجزئه أن يصوم مكان العشرة، وإنما هو إطعام كله، أو صيام كله، كالظهار، وكفارة الأيمان.
م: يريد: يدع بقية الطعام حتى يجد المساكين وإلا أسقط ما أطعم ورجع إلى الصيام.
[فصل 3 - لزوم التحكيم فيما حكم فيه الصحابة وفيما لم تحكم] قال عبد الوهاب: وإنما قلنا إن التحكيم يلزم فيما حكمت فيه الصحابة وفيما لم تحكم، خلافًا للشافعي في قوله: إنه يكتفي فيما حكمت فيه الصحابة بما تقدم الحكم به، لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فعمّ.
وإنما قلنا أن ليس به أن يخرج شيئًا من ذلك بنفسه دون التحكيم، ولا يكتفي بأقل من اثنين؛ لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾؛ ولأن عمر بن الخطاب دعى عبد الرحمن بن عوف ليحكم معه على رجل قتل صيدًا وهو

الجزء: 5 - الصفحة: 721

محرم، وكذلك دعى كعبًا في قضية أخرى، ولأنه عدد مشترط بالنص، كالحكمين في النشوز.
[فصل 3 - لا يجوز أن يكون الجاني أحد الحكمين] ولا يكون القاتل أحد الحكمين، خلافًا للشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، فخاطب بذلك من يلزمه التحكيم، فاقتضى أن يكون الحكمان غير المحكوم عليه، كما قال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فاقتضى أن يكون الشاهدان غير المشهود عليه.
ولأنّ الجزاء بدل من المتلف، فلم يرجع فيه إلى أمانة المتلف كتقويم سائر المتلفات.

الجزء: 5 - الصفحة: 722

[فصل [4 - كفارة قتل الصيد على التخيير] وإنما قلنا إن كفارة قتل الصيد على التخيير، والمحكوم عليه مخير خلافًا لما يحكي عن ابن عباس وغيره من أنها على الترتيب، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾، وأو: موضوعها التخيير إذا وردت أمرًا، أو إباحة جنس.
ولأن صفتها ها هنا كهي في قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، ومفهومها في ذلك الموضع التخيير، فكذلك مسئلتنا./ [209/ أ] [فصل 5 - إذا اختار الهدي فلابدّ فيه من الإشعار والتقليد ويرسل من الحل إلى مكة وينحر ويتصدق به فيها] وإنما قلنا إن اختار المثل أن يكون هدْيًا لقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾.
ولا بد أن يُساق من الحل إلى الحرم، خلافًا لأبي حنيفة، والشافعي في أنه إذا اشتراه من الحرم ونحوه أجزأه عندهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ساق هدْيه من الحل إلى

الجزء: 5 - الصفحة: 723

الحرم، وكان فعله بيانًا للمناسك.
[فصل 6 - ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة] م: وإنما قلنا إنّ ما لا يبلغ مثله هدْيًا ففيه حكومة، وهي مثل قيمة لحمه؛ لأنّ هذا سبيل سائر المتلفات أنّ المراعاة فيما له مثل وجوب مثله، فإن عدم المثل فالقيمة مقامه.
ولأن الناس قائلان: معتبر للقيمة في سائر الصيد، ومقتصر بها على ما لا مثل له من النعم، فقد تضمن ذلك الإجماع.
وإنما قلنا إن اختار التكفير بالإطعام قوّم الصيد نفسه بالطعام، لا المثل، خلافًا

الجزء: 5 - الصفحة: 724

للشافعي في أنه يقوّم المِثْل، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾، وظاهره أن يكون الإطعام جزاء عن المقتول ومعتبر به دون المثل، ولأن المتْلَف هو الصيد دون المثل، فوجب أن يكون هو المقوّم كسائر المتْلَفات.
[فصل 7 - في صفة التقويم] وإنما اخترنا أن يقوم الصيد بالطعام دون الدراهم؛ لأن الطعام بدل من الصيد، فوجب أن يقع به التقويم.
وإنما يقوم بالدراهم: إذا كانت هي المأخوذة في القيمة، وهذا هو الاختيار.
فإنْ قوم الصيد بدراهم ثم اشترى بها طعامًا جاز؛ لأن ذلك يؤول إلى معرفة القيمة من الطعام.
وإنما قلنا يصوم لكسر المدّ يومًا؛ لأن إسقاط الصوم غير جائز، وتبعيضه غير ممكن، فلم يبق إلا جبره بالإكمال، كالأَيْمَان في القَسَامة.
[فصل 8 - في موضع التقويم] وإنما قلنا يقوم في الموضع الذي قتل فيه الصيد بغالب طعام ذلك الموضع إلاّ أن يكون موضعًا لا طعام فيه ولا قيمة فيعدل إلى أقرب المواضع إليه؛ لأنه لا يوصل إلى معرفة القيمة بأكثر من ذلك.

الجزء: 5 - الصفحة: 725

وإنما قلنا يطعم لكل مسكين مدًّا اعتبارًا بسائر الكفارات.
وفدية الأذى ليست بكفارة، إنما هي فدية مخصوصة بتقدير.
[فصل 9 - إن اختار الصيام صام عن كل مد يومًا] وإنما قلنا إن اختار الصوم صام لكل مُدّ يومًا.
وقال أبو حنيفة: يصوم لكل مُدّين يومًا.
ودليلنا: اعتبارًا بكفارة الفطر في رمضان؛ لأنه صيام بدل عن إطعام وجب لحرمة عبادة، ولا تدخل عليه كفارة الظهار؛ لأنه ليس لحرمة عبادة، ولا فدية أذى.
[فصل 10 - الواجب في الصيد مثله من النعم أو مقاربه في الخلقة والصورة] ومن المدونة: قلت: فهل يبلغ بشيء من جزاء الصيد هدْيين؟ قال: ليس من الصيد شيء إلا وله نظير من النعم.
قال: وإن أصاب صيدًا نظيره من الإبل فقال: أحكموا عليّ من النعم ما يكون مثل البعير أو مثل قيمته، فلا يحكم عليه إلا بنظير ما أصاب، إنْ كان من الإبل فمن الإبل، وإن كان من البقر فمن البقر، وإن كان من الغنم فمن الغنم، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، وإنما ينظر إلى مثله في نحوه وعظمه.

الجزء: 5 - الصفحة: 726

قال عبد الوهاب: وإنما قلنا يحكم عليه بمثله لا بقيمته، خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنه مضمون بالقيمة، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، ففيه أدلة: أحدها: إنّ إطلاق المماثلة من النعم يقتضي الخِلْقَة في هذا النوع دون غيره.
والثاني: قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وهذا كناية عائدة على الجزاء وهو المثل من النعم، ولا ذكر للقيمة في الظاهر.
وأوجب أن يكون نفس الشيء المحكوم به هديًا بالغ الكعبة، وهذا لا يمكن في القيمة.
وقوله صلى الله عليه وسلم: «والضبع صيد وفيها كبش إذا أصابها المحرم»، ففيه أيضًا أدلة: أحدها: أنه عين الواجب فيها وهو الكبش، وعند المخالف أن الواجب القيمة.
والثاني: أنه جعل فيها جزاءً مقدرًا، وعندهم لا يتقدر؛ لأنه يزيد وينقص باختلاف القيمة.
ولأنه إجماع الصحابة: عمر، وعثمان، وعلي، وعبد الرحمن بن عوف، وابن عمر، وابن عباس وزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعائشة، ومعاوية رضوان الله عليهم،

الجزء: 5 - الصفحة: 727

ولا مخالف لهم؛ ولأنه حيوان يخرج في كفارة، فوجب أن لا يكون على وجه القيمة كإعتاق الرقبة.
قال: وفي النعامة بدنه بذلك حكمت الصحابة/ رضي الله عنهم لأنها أشبه [209/ ب] شيء بها من بهيمة الأنعام.
وفي حمار الوحشي والأَيْل بقرة؛ لأنها أقرب شبهًا بهما من الإبل والغنم.
وفي الغزال شاة لأنها أشبه بها من الإبل والبقر.

الجزء: 5 - الصفحة: 728

وفي حمام مكة والحرم شاة بذلك حكمت الصحابة.
[فصل 11 - في صغار الصيد مثل ما في كباره] وفي صغار الصيد مثل ما في كباره، خلافًا للشافعي في قوله: إن في النعامة الكبيرة بدنة، وفي الصغيرة فَصيلاً، وفي حمار الوحش بقرة، وفي سخْلِه عجلاً.
ودليلنا قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾، فلو تركنا وهذا لقلنا مثله في الكبر والصغر والصورة فلما قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ اقتضى ما يتناوله اسم الهدي بحق الإطلاق، وذلك يقتضي الهدي التام لأمرين: أحدهما: إن الصحابة قالت: إن الهدي بدنة أو بقرة وأدناه شاة، فلما علم اسم الهدي لم يبق هدي إلا ما هذه صفته.
والآخر: إن من قال: علي هدي، لزمه هدي تام لا صغير.
ولأنه حيوان مخرج باسم الكفارة فلم يختلف باختلاف سن المتلف، أصله الرقبة في كفارة القتل، والظهار.

الجزء: 5 - الصفحة: 729

ومن المدونة: قال مالك: ومن ترك من نسكه شيئًا يجب عليه به الدم، وجزاء الصيد أيضًا، فإن ذلك لا يذبح ولا ينحر إلا بمكة أو بمنى إن كان أوقفه بعرفة ولا يخرجه إلى الحل ثانية.
م: وهذا يدل على أن عرفة في الحل.
قال مالك: وإن أراد أن يحكم عليه في الجزاء بالطعام فإنما يحكم عليه في الموضع الذي أصاب الصيد فيه، فإن حكم عليه فيه بالطعام فلا يطعم في غير ذلك المكان.
قال مالك: يحكم عليه بالمدينة ويطعم بمصر!! إنكارًا لمن يفعل ذلك.
قال ابن القاسم: يريد: إن فعل لم يجزه.
قال في كتاب محمد: إلاّ أن يتفق سعراهما فيجزئه.
وإن أصابه بمصر وهو محرم فأطعم بالمدينة أجزأه؛ لأن السعر بالمدينة أغلى.
قال أصبغ: إذا أخرج على سعره بموضعه ذلك أجزأه إن شاء الله حيث ما كان.
قال مالك: وإن أصاب صغيرًا من الصيد قوّم بالطعام كم يسوى الكبير منه؟ وكما يهدي عن صغيره مثل ما يهدي عن كبيره.
ومن المدونة قال مالك: وأما الصيام في الجزاء فحيث ما شاء من البلاد، والنسك كذلك له أن ينسك أو يطعم أو يصوم أين ما شاء من البلاد.

الجزء: 5 - الصفحة: 730

قال: وإن قال: أحكما علي بالجزاء، ففعلا، فله أن يهديه متى شاء، إن شاء أهداه وهو حلال أو حرام، ولكن إن قلده وهو في الحج لم ينحره إلا بمنى، وإنْ قلده وهو معتمر أو بعث به نحر بمكة.
[فصل 12 - كُلُّ ما صغر عن أن يكون له نظير من النعم يُهْدى، فإنه ليس فيه إلا الطعام أو الصيام] وإن أصاب المحرم اليربوع، أو الضب، أو الأرنب، وشبهه حكم عليه فيه بقيمته طعامًا، وخُيّر المحرم، فإن شاء أطعم كل مسكين مُدًّا، أو صام لكل مدّ يومًا، وقد تقدم أن في حمام مكة والحرم شاة، وأما دُبْسِيّ الحرم وقمريه، فإن كان من الحمام عند الناس ففيه شاة، واليمام مثل الحمام، وأما حمام غير مكة والحرم ففيه حكومة.
قال: وإذا وطئ المحرم ببعيره على ذباب، أو ذر، أو نمل، فليتصدق بشيء من طعام، وكذلك لو تقلب في نومه على جراد، أو ذباب، أو غيره من الصيد، فعليه الكفارة.
ثمّ كتاب الحج الثالث من الجامع لابن يونس، وهو آخر كتاب الحج بحمد الله تعالى وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الجزء: 5 - الصفحة: 731

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل