الجامع لمسائل المدونةكتاب الاعتكاف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[باب -1 -] السنة في الاعتكاف ومن أفطر فيه أو مرض أو جامع

[فصل -1 - في حكم الاعتكاف وأدلته] قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ/ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ وقد اعتكف الرسول الله عليه وسلم في رمضان، ولم يوجبه الله ولا رسوله إيجابًا، وهو من نوافل الخير، ولكن قل من فعله من السلف لشدته.
قال مالك: لم يبلغني أن أحدًا من السلف ولا ممن أدركته اعتكف، إلا أبو بكر ابن عبد الرحمن، واسمه المغيرة، وهو ابن أخي أبي جهل، وهو أحد فقهاء/ تابعي المدينة.
وليس الاعتكاف بحرام، ولا أراهم تركوه إلا لشدته؛ لأن ليله ونهاره سواء.
قال في المجموعة: ومازلت أفكر في ترك الصحابة الاعتكاف وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم حتى قبضه الله تعالى، وهم أتبع الناس لأموره وآثاره حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقيل له: إنك تواصل؟ فقال: ((إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني))، فلا ينبغي لمن لا يقدر أن يفي

الجزء: 3 - الصفحة: 1193

بشروط الاعتكاف أن يعتكف.
[فصل -2 - في معنى الاعتكاف وأفضله] والعكوف في اللغة اللبث والملازمة للشيء.
قال الله تعالى: أي: ملازمًا.
وأفضل الاعتكاف العشر الأواخر من رمضان.
وروى ابن حبي: عن أبي سعيد الخدري قال: ((اعتكفنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأول من رمضان/ فأتاه جبريل، فقال: إن الذي تطلب أمامك فاعتكف العشر الوسط، واعتكفنا معه، فأتاه جبريل فقال: إن الذي تلتمس أمامك فاعتكف العشر الأواخر، فاعتكفنا معه)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1194

قال عبد الملك: فأفضل ما اعتكف فيه من الأيام والشهور العشر الأواخر من رمضان/ ولا بأس به في كل وقت، وقد بلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف في شوال، ورواه ابن وهب في المدونة.
[فصل -3 - في لوازم الاعتكاف وسننه] قال مالك وغيره: والسنة في الاعتكاف التتابع واجتناب الجماع ودواعيه، ولا يكون إلا في المسجد.
قال القاسم بن محمد، ونافع ومالك: ولا اعتكاف إلا بصوم؛ لقول الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
م وأجازه الشافعي والمزني بغير صوم.
ودليلهم ما رواه طاوس عن

الجزء: 3 - الصفحة: 1195

علي وابن عباس رضي الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس على المعتكف صوم إلا أن يوجبه على نفسه))؛ ولأنه كالطواف والوقوف بعرفة جعله الله تعالى عبادة مخصوصة في موضع مخصوص، فوجب جوازه من غير صوم.
ودليلنا ما رواه سفيان بن حسين عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا اعتكاف إلا بصوم))، ومثله عن علي وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم، ولا نعرف لهم مخالف.
وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم صائمًا، وأفعاله على الوجوب.
وقاله صلى الله عليه وسلم لعمر وقد سأل عن نذر عليه في الجاهلية: ((اعتكف وصم)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1196

وقد قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ فنهى عن المباشرة فيه، وقصر المخاطبة على الصائمين، وذكر موضع الاعتكاف.
فإن قيل: فإن قوله تعالى عز وجل: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾ كلام مؤتنف.
قيل: ويحتمل أن يكون عائدًا على الأول، فلما لم يعتكف النبي صلى الله عليه وسلم إلا في صوم وقع فعله موقع البيان، وأزال الاحتمال.
م وسواء كان الصوم له أو لغيره؛ لأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في رمضان وهو واجب لغير الاعتكاف، كما أن الصلاة لا تكون إلا بطهارة من الحدث لها أو لغيرها.
قال عبد الملك في المجموعة: وللرجل أن يعتكف في قضاء رمضان/ وفي كل صوم وجب عليه.
فأما من نذر اعتكافًا فلا يعتكفه في صوم واجب عليه من رمضان ولا في قضائه، ولا في كفارة/ ونحو ذلك؛ لأنه قد لزمه الصوم بنذره الاعتكاف، فلا يجزئه من صوم لزمه بغير ذلك، كما لو نذر مشيًا فلا يجعله في حجة الفريضة، وقاله سحنون في كتاب ابنه.
وفي كتاب ابن حارث عن محمد بن عبد الحكم أن له أن يجعل اعتكافه الذي نذره في أيام صومه التي نذرها.
ومن «المدونة» قال مالك: وإذا أفطر المعتكف متعمدًا انتقض اعتكافه، وإن كان

الجزء: 3 - الصفحة: 1197

ناسيًا/ قضى مكانه يومًا، ووصله باعتكافه، فإن لم يصله باعتكافه ابتدأ.
قال ابن حبيب: هذا في اعتكاف النذر، وأما في اعتكاف التطوع فلا يلزمه قضاء ما أكل فيه ناسيًا بصيام، ولا باعتكاف.
م قيل: قول ابن حبيب هذا خلاف لقول مالك، ويحتمل أن يكون وفاقًا.
والله أعلم.
[فصل -4 - في العذر يطرأ على المعتكف] ومن المدونة قال مالك: ومن أصابه مرض لا يستطيع الصوم معه خرج فإذا صح بنى على ما كان اعتكف، فإن فرط بعد صحته ولم يصله ابتدأ، وإن صح من مرضه في بعض النهار وقوي على الصوم فليدخل المسجد حينئذ ولا يؤخر.
وقد قال مالك في المعتكفة إذا طهرت من حيضتها أول النهار: إنها ترجع إلى المسجد ساعة طهرت، ثم تبني على ما مضى من اعتكافها.
قال ابن حبيب: فإن أخر الرجوع إلى المسجد بعد إفاقة المريض وطهر الحائض كان ذلك في ليل أو نهار فليبتد الاعتكاف.
قال مالك في المجموعة: ولا تعتد بيوم طهرها في نهاره، إلا أن تتطهر قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 1198

الفجر وتنوي الصيام فتدخل حين يصبح فيجزئها، فإن أخرت ذلك أو فرطت اتنفت، وذلك مثل الصيام، يريد المتتابع.
قال سحنون: لا يجزئها ذلك اليوم وإن تطهرت قبل الفجر حتى يكون دخولها من أول الليل كابتداء الاعتكاف.
قال عبد الملك:/ وإذا طهرت في بعض النهار فرجعت فلا تكف عن الأكل، ولو مسها زوجها أو باشرها وهي حائض فسد اعتكافها، وكذلك المريض يخرج لمرضه يفعل مثل هذا.
م وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: إذا خرجت المعتكفة فوطئها زوجها مكرهة أنه ينتقض اعتكافها، كما لو وطئها ناسية، لا فرق بين السهو والإكراه، كما لا فرق بينهما في إيجاب القضاء في الصوم.
م وكذلك عندي إذا وطئها نائمة أنه يفسد اعتكافها، بخلاف لو احتلمت.
والفرق بين ذلك أن الاحتلام أمر لا صنع لآدمي فيه، ولا يمكن الاحتراز منه، والنسيان والإكراه ووطء النائمة فعل آدمي يمكن الاحتراز منه؛ ولأن القضاء يجب على الناسي وشبهه في الصوم، ولا يجب على المحتلم، فافترقا.
ومن المدونة قال مالك في امرأة صامت شهرين في قتل نفس ثم حاضت فيهما: أنها إذا طهرت تبني على ما مضى من صومها، ولا تؤخر ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1199

قال ابن القاسم: وكذلك من اعتكف بعض العشر الأواخر - من رمضان- ثم مرض فصح قبل الفطر بيوم، فإنه يخرج ولا يبيت يوم الفطر في معتكفه؛ إذ لا اعتكاف إلا بصوم، ويوم الفطر لا يصام، فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه، فيبني على ما مضى، فهذا كله يبين ذلك.
وقال ابن نافع عن مالك: في هذا يكون يوم الفطر في معتكفه، ويشهد العيد مع الناس، ويرجع إلى المسجد، لا إلى بيته، ولا يعتد بذلك اليوم.
وقال سحنون: لا يشهد العيد، ولا يزول من المسجد؛ لأنه في حرمة العكوف.
قال ابن القاسم: وإن أغمي عليه أو جن بعد ما اعتكف أيامًا، فإذا صح بنى على ما كان اعتكف، فإن لم يصله استأنف، كالمرض.
وإذا مرض المعتكف أو حاضت المعتكفة/ فخرجا فهما في حرمة الاعتكاف خلا دخول المسجد والصوم.
وقال ابن القاسم/ عن مالك في العتبية: إنها إذا خرجت للحيضة فلها أن تخرج إلى حوائجها إلى السوف، وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال من قبلة أو جسة ونحوها.
قال سحنون: لا أعرف هذا، بل تكون في بيتها في حرمة الاعتكاف، ولكن لا تدخل المسجد.
[فصل -5 - في مفسدات الاعتكاف] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا جامع المعتكف ليلاً أو نهاراً ناسياً أو عامدًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1200

أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه ويبتدؤه مثل الظهار.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
وروى ابن وهب عن سعيد/ بن المسيب وعروة بن الزبير رضي الله عنهما أنهما سمعا عائشة رضي الله عنها تقول: ((السنة في المعتكف أن لا يمس امرأته، ولا يباشرها، ولا يعود مريضًا، ولا يتبع جنازة، ولا يخرج إلا لحاجة لإنسان، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)).
قال ابن عباس: إذا أفطر المعتكف بإصابة أهله أعاد الاعتكاف.
قال ابن شهاب ويعاقب على ذلك.
وقال ابن المسيب في امرأة اعتكفت تسعة وعشرين يومًا فرجعت إلى بيتها فجامعا زوجها: فقد أتيا حدًا من حدود الله تعالى، وأخطئا السنة، وعليها أن تستأنف شهرًا.
وقاله القاسم وسالم.
قال ابن شهاب وعطاء: وإن أحدث ذنبًا مما نهى عنه في اعتكافه ابتدأه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1201

قال ابن القاسم: وإن سكر المعتكف ليلاً وصح قبل الفجر فسد اعتكافه وابتدأه.
قال سحنون: يدل على ذلك قول ابن شهاب في من أحدث ذنبًا.
[فصل -6 - في ما يجوز للمعتكف فعله أو يكره] قال مالك: وليس للمعتكف أن يشترط في الاعتكاف ما يغير سنته، وقد اعتكف النبي صلى الله عليه وسلم وعرف المسلمين سنة الاعتكاف.
قيل لابن شهاب: فإن شرط المعتكف أن يطلع قريته اليوم واليومين قال: لا شرط للمعتكف في السنة التي مضت.
م وذكر لنا/ عن ابن القصار أنه قال: إذا شرط في الاعتكاف ما يغير سنته فلا يلزمه ذلك الاعتكاف.
قال مالك: فإن سافر أو عاد مريضًا أو شهد جنازة ابتدأ، ولم ينفعه شرطه.
قال: وليقبل المعتكف على شأنه، ولا يعرض لشيء مما يشغل به نفسه، ولا بأس أن يأمر من يكفيه أمر ضيعته وضيعة أهله ومصلحته وبيع ماله أمرًا خفيفًا لا يشغله، ولا بأس أن يتحدث مع من يأتيه، ولا يكثر، ولو كان يخرج لشيء لكان أحسن ما يخرج إليه عيادة المرضى والصلاة على الجنائز واتباعها، ولا يكون معتكفًا حتى يجتنب ذلك كله، ولا يخرج إلا لحاجة الإنسان.

الجزء: 3 - الصفحة: 1202

قال ابن شهاب: ولا بأس أن يخرج المعتكف لحاجته تحت سقف، وفعله أبو بكر ابن عبد الرحمن.
قال مالك: وأكره له أن يخرج لحاجة الإنسان في بيته للذريعة إلى أهله والشغل بضيعته، وليتخذ مخرجًا غير بيته قريبًا من المسجد، فأما الغريب المجتاز فليخرج لذلك حيث تيسر عليه، ولا أحب له أن يتباعد.
قال مالك: ولا بأس أن يخرج المعتكف لغسل الجمعة أو الجنابة، ولا ينتظر غسل ثوبه من الاحتلام وتجفيفه.
وأحب إلي أن يعد ثوبًا آخر يأخذه إذا أصابته جنابة.
قال في المجموعة: إذا اعتكف في الشتاء وخاف أن يتطهر بالماء البارد فليتطهر بالماء الحار، ولا يدخل/ الحمام.
قال مالك: ولا يعجبني إذا أصابته جنابة أول الليل أن يقيم حتى يصبح ثم يغتسل.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يخرج فيشتري طعامه إذا لم يجد من يكفيه ذلك، ثم قال: لا أرى ذلك.
وأحب إلي أن لا يدخل معتكفه حتى يفرغ من حوائجه ويعد ما يصلحه، فإذا خرج لحاجة فلا يمكث بعد قضائها

الجزء: 3 - الصفحة: 1203

شيئًا.
وقال عنه ابن نافع: ولا يعتكف إلا من كان مكفيًا حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان، فإن اعتكف غير مكفي جاز له أن يخرج لشراء طعامه، ثم يرجع ولا يقف مع أحد يحدثه.
قال عنه ابن القاسم: ولا بأس أن يشتري ويبيع/ في حال اعتكافه إن كان شيئًا خفيفًا لا يشغله.
فصل -7 - [في حكم خروج المعتكف] قال ابن القاسم: وإذا خرج المعتكف يطلب حدًا له أو دينًا، أو أخرج فيما عليه من حد أو دين فسد اعتكافه.
وقال ابن نافع عن مالك: إن أخرجه قاض أو غيره لخصومة أو غيرها كارهًا فأحب إلي أن يبتدئ/، وإن بنى أجزأه، ولا ينبغي له إخراجه لخصومة أو غيرها حتى يتم اعتكافه، إلا أن يتبين له أنه إنما اعتكف لواذًا أو فرارًا من الحق فيرى فيه رأيه.
قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يعجبني أن يصلي على الجنازة وإن كان

الجزء: 3 - الصفحة: 1204

في المسجد.
قال عنه ابن نافع: وإن انتهى إليه زحام المصلين عليها.
م فإن صلى على جنازة في المسجد لم يفسد ذلك اعتكافه؛ لأنه خفيف.
ابن حبيب: ولا يخرج للصلاة على جنازة أبويه.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا مرض أحد أبويه فليخرج إليه، ويبتدئ اعتكافه.
قال عنه ابن نافع في المدونة: ولا يعود مريضًا معه في المسجد، إلا أن يصلى إلى جنبه فيسأله عن حاله ويسلم عليه، ولا يقوم لأحد ليهنئه أو ليعزيه في المسجد إلا أن يغشاه ذلك في مجلسه فلا بأس به.
ولا يمشي إلى ناس في المسجد ليصلح بينهم، أو ليعقد نكاحًا لنفسه أو لغيره، فإن أتوه في معتكفه فنكح أو أنكح أو أصلح بين قوم فلا بأس به إذا كان خفيفًا.
قال عنه ابن القاسم: لا بأس أن يتطيب وينكح.
ابن وهب: وقاله عطاء رضي الله عنه، وقال: هو كلام.
قال ابن حبيب: ولا يحرم عليه ما يحرم على المحرم، إلا ملامسة النساء فقط.
ومن المدونة قال مالك: ولا يشتغل في مجالس العلم، فقيل له: أفيكتب العلم في المسجد؟ فكره ذلك.
قال ابن نافع في الكتاب: إلا أن يكون الشيء الخفيف.
وإن كان المعتكف حاكمًا فلا يحكم إلا فيما خف.

الجزء: 3 - الصفحة: 1205

قال ابن وهب: وسئل مالك رحمه الله أيجلس المعتكف في مجالس العلماء أو يكتب العلم؟ قال: لا يفعل إلا الشيء الخفيف، والترك/ أحب إليه.
قال في المجموعة: ولا يخرج لمداواة رمد بعينيه، وليأته من يعالجهما، ولا يخرج لأداء شهادة، وليؤدها في المسجد.
قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يأخذ المعتكف من شعره، وأظفاره في المسجد، ولا يدخل إليه لذلك حجامًا وإن كان يجمعه ويلقيه.
قال ابن القاسم: ولم يكره له ذلك إلا لحرمة المسجد.
أبو محمد: ولا أكرهه له في غير المسجد.
قال ابن القاسم: وكره مالك للمؤذن المعتكف أن يرقى على ظهر المسجد للأذان.
واختلف قوله في صعوده المنار، فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم.
وجل قوله فيه الكراهة، وذلك رأيي.
م وكذلك اختلف قوله في ظهر المسجد.
ابن وهب: وكره مالك أن يقيم الصلاة مع المؤذنين؛ لأنه يمشي إلى الأمام، وذلك عمل.
وسئل مالك في سماع ابن القاسم أيؤذن المعتكف؟ قال: عساه، وضعفه، وقال: ما رأيت مؤذنا اعتكف، وكأنه كرهه، وذلك رأيي،

الجزء: 3 - الصفحة: 1206

وفي سماع أبي زيد وسئل مطرف بن عبد الله أيؤم القوم المعتكف؟ قال: لا بأس بذلك، وقد رأيت الحسن بن زيد اعتكف في المسجد وهو يؤمنا، وكان إذ ذاك أمير المدينة، فلم ينكر ذلك أحد، وقد اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أسمع/ أنه أمر أحدًا يؤمهم، ومحمله عندنا أنه كان يؤم الناس.
ومن المدونة قال ابن نافع: وسئل مالك عن المعتكف يدخل البيت لحاجة الإنسان فيلقاه ولده فيقبله أو يشرب ماء وهو قائم، قال: ما أحب ذلك، وأرجو أن يكون في سعة.
قيل له: فإن كان بيته قريبًا من المسجد أيأكل فيه؟ قال: لا يأكل ولا يشرب إلا في المسجد أو في رحبته، وأكره أن يخرج منه فيأكل بين يدي بابه، ولا يأكل ولا يقيل فوق ظهر المسجد.
قال عنه في المجموعة: وله أن يأكل داخل المنار، ويغلق عليه بابها.
قال مالك: ولا بأس أن تأتيه زوجته/ في المسجد فتأكل معه وتحدثه، وتصلح رأسه، ما لم يلتذ منها بشيء في ليل أو نهار.
م يريد ويخرج لها رأسه من باب المسجد، قالت/ عائشة رضي الله عنها: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1207

[باب -2 -] في مواضع الاعتكاف وهل يعتكف في الثغور؟

[فصل -1 - في مواضع الاعتكاف] قال الله تعالى: ﴿وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾.
قال مالك: ولا يعتكف إلا في المسجد، وقد فعله الرسول صلى الله عليه وسلم والسلف بعده، والإجماع على ذلك.
قال مالك: ويعتكف من لا تلزمه الجمعة في أي مسجد شاء؛ لأن الله تعالى قد عم المساجد كلها، فأما من تلزمه وهو في بلد تجمع فيه، فإنما يكره له أن يعتكف في غير الجامع كراهية أن يخرج من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة أو يدعها.
قال عبد الملك في المجموعة: فإن اعتكف في غير الجامع، ثم خرج إلى الجمعة فسد اعتكافه.
وقال سحنون: وقال أبو بكر بن الجهم: يخرج إلى الجمعة ويتم اعتكافه في الجامع.
قال عبد الملك وسحنون: وله أن يعتكف في مسجد غير الجامع أيامًا، يعني قبل مجيء الجمعة، فإن مرض فيها فخرج، ثم صح فجاءت الجمعة وهو في معتكفه فليخرج إليها، ولا ينتقض اعتكافه؛ لأنه دخل بما يجوز له.

الجزء: 3 - الصفحة: 1208

م وقال بعض أصحابنا: إذا بقي له بعد صحته أيامًا لا تدركه فيها الجمعة فخرج إلى الجمعة فليتم اعتكافه في المسجد الجامع ولا يرجع إلى معتكفه.
ومن «المدونة» قال مالك: وتعتكف المرأة في مسجد الجماعة، ولا يعجبني أن تعتكف في مسجد بيتها، وإنما الاعتكاف في المساجد التي توضع لله، وقال أبو حنيفة: تعتكف في مسجد بيتها.
دليله؛ لأنهن مأمورات بالستر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «صلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في/ المسجد».
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، فعم؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فعلى كل معتكف من ذكر أو أنثى التأسي به؛ ولأن كل شرط في الاعتكاف لزم الرجل يلزم المرأة، كالصوم والنية.
ومن «المدونة» قال مالك: وليعتكف في عجز المسجد، ولا بأس أن يعتكف في رحابه، ولا يبيت المعتكف إلا في المسجد، إلا أن يكون خباؤه في بعض رحابه، يدل على ذلك قول عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل البيت إلا لحاجة الإنسان».
[فصل -2 - في الاعتكاف في الثغور] ويعتكف أهل السواحل والثغور فيها - يريد في مساجدها- إن كان زمن أمن

الجزء: 3 - الصفحة: 1209

لكثرة الجيوش أو لغير ذلك، فأما في زمان الخوف فلا يدع ما يخرج له من الغزو ويشتغل بغيره من الاعتكاف.
قال: ومن اعتكف منهم في زمان أمن ثم نزل الخوف فليخرج، فإذا أمن ابتدأ، ثم رجع فقال: يبني.
وكان ربيعة يكره الاعتكاف في مساجد المواجز؛ لأن أهلها رصدة في ليلهم ونهارهم/ فلا اعتكاف أفضل مما هم فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1210

[باب-3 -] في اليمين بالاعتكاف. واعتكاف العبد والمكاتب والمرأة تموت أو تطلق أو يموت عنها زوجها

[فصل-1 - في حكم الاستثناء في الاعتكاف] قال مالك رضي الله عنه: ولا استثناء ولا لغو إلا في اليمين بالله.
قال ابن القاسم: فمن قال: إن كلمت فلانًا فعليّ اعتكاف شهر إن شاء الله لزمه إن فعل ذلك، ولا ثنيا له؛ لأن مالكًا قال: لا ثنيا في عتق ولا طلاق ولا مشى ولا صدقه، فهذا مثله.
وإن قال: إن كنت دخلت دار فلان فعليّ اعتكاف شهر فذكر أنه دخلها لزمه الاعتكاف.
فصل-2 - [في حكم العبد وذات الزوج] قال مالك: ومن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما.
قال ابن القرطي: وله أن يرجع فيمنعهما منه ما لم يدخلا فيه.
قال ابن القاسم: وإذا جعل العبد على نفسه اعتكافًا فمنعه سيده ثم أعتق أو أذن/ له سيده فليقضه.
قال ابن عبدوس: قال سحنون/: هذا إذا نذر

الجزء: 3 - الصفحة: 1211

اعتكاف أيام بغير عينها، ولو كانت بعينها فمنعه السيد فيها لم يلزمه قضاؤها إن عتق.
ومن المدونة قال مالك: ولو نذرت أمة مشيًا إلى بيت الله وصدقة مالها فلسيدها أن يمنعها، فإن عتقت يومًا ما لزمها أن تفعل ما نذرت من مشى أو صدقة إن بقى مالها الذي حلفت عليه في يدها.
قال: وإذا نذر العبد والأمة نذرًا يوجباه على أنفسهما، ثم اعتقا لزمهما ذلك، إلا أن يكون السيد قد أذن لهما أن يفعلا ذلك في حال رقهما، فيجوز لهما، وإذا نذر المكاتب اعتكافًا يسيرًا لا ضرر فيه على سيده فليس له منعه، وإن كان كثيرًا يكون فيه ترك لسعايته فله منعه؛ إذ قد يعجز في اعتكافه، فلا يقدر أن يخرجه منه.
فصل-3 - : [في المعتكفة تطلق أو يموت زوجها هل تخرج لتعتد في بيتها؟] قال مالك: وإذا طلقت المعتكفة أو مات زوجها فلتمض على اعتكافها، ولا تخرج منه حتى تتمه، ثم ترجع إلى بيت زوجها، فتتم فيه باقي العدة.
قال ربيعة: وإن حاضت في العدة قبل أن تقضى اعتكافها خرجت، فإذا طهرت رجعت إلى تمام اعتكافها، فإن سبق الطلاق الاعتكاف فلا تعتكف حتى تحل، وقاله جابر بن عبد الله وابن شهاب.
م قيل: فإن نذرت شهرًا بعينه فطُلّقت أو مات زوجها قبله فأخذت في العدة، ثم دخل الشهر فلتمض في عدتها ومبيتها في دارها، وتكون صائمة فيه،

الجزء: 3 - الصفحة: 1212

ولا قضاء عليها للاعتكاف لسبق العدة، وذلك عذر كالمرض.
م ظهر لي هذا، ثم ظهر لي بعد ذلك أن تخرج إلى المسجد تعتكف فيه؛ لأن الدخول في الاعتكاف كان لازمًا لها قبل العدة، وهى كمن نوت الاعتكاف ودخلت فيه؛ لأن الدخول في الاعتكاف يوجب ما نوى منه، والنذر يوجب ما نذر منه وإن لم يدخل فيه بالفعل، فالنية والدخول مثل النذر المعين/.
والله أعلم.
ويجوز للمستحاضة أن تعتكف، وقد روى البخاري عن عائشة رضي الله عنها ((أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتكف معه بعض نسائه وهى مستحاضة ترى الدم، فربما وضعت الطست تحتها من الدم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1213

[باب -4 - ما يوجب الاعتكاف من نذر أو نية وفي أقل الاعتكاف وأكثره

[فصل-1 - في ما يوجب الاعتكاف من نذر أو نية] قال ابن القاسم: والاعتكاف يجب بالنية والدخول فيه، وبالنذر بلسانه، وإن لم يدخ فيه.
قال مالك: فإذا دخل معتكفة/ ونوى أيامًا لزمه ما نوى، وإن نذرها لزمه ما نذر.
قال عبد الملك في المجموعة: وله ترك ما نوى قبل الدخول فيه.
قال هو وسحنون: فإذا اعتكف في خمس بقين من رمضان ونواها مع خمس من شوال أو دخل فير غيره ينوى عكوف عشرة أيام على ان يفطر منها بعد خمسة أيام يومًا هذه نيته فإنا ننهاه عن ذلك قبل الدخول فيه، فإذا دخل فيه لم يلزمه إلا الخمسة الأولى، ولا يلزمه الأيام التي بعد فطره يريد إلا أن يكون نذرها بلسانه.
م وإنما كان يلزمه ما نوى من الاعتكاف بالدخول فيه بخلاف من نوى صومًا متتابعًا فلا يلزمه بالدخول فيه إلا اليوم الأول منه؛ لأن الاعتكاف ليله ونهاره سواء فهو اليوم الواحد من الصوم، وصوم الأيام المتتابعة يتخللها الليل، فصار فاصلًا بين ذلك، وإنما يشبه الصوم جوار مكة الذي ينقلب فيه إلى الليل إلى منزله فيكون الليل فاصلًا بين اليومين، فلا يلزمه بالدخول فيه إلا اليوم الأول منه.
ومن المدونة قال مالك: والاعتكاف والجوار سواء، إلا من نذر مثل

الجزء: 3 - الصفحة: 1214

جوار مكة يجاور النهار وينقلب الليل إلى منزله، فليس عليه في جواره هذا صيام.
قال مالك: ولا يلزمه هذا الجوار بالنية، إلا أن ينذر ذلك فيلزمه، يريد: إلا اليوم الأول، فإنه يلزمه بالنية والدخول فيه، وكذلك إن دخل في اليوم الثاني فإنه يلزمه.
م وحُكي لنا عن أبى عمران أنه/ قال: لا يلزمه في هذا الجوار شيء وإن دخل فيه؛ إذ لا صوم فيه؛ لأنه إنما نوى أن يذكر الله تعالى، والذكر يتبعض فما ذكر منه يصح أن يكون عباده، وكذلك لو نوى قراءة معلومة فلا يلزمه جميع ما نوى وإن دخل فيه؛ لأن ما قرأ منه يثاب عليه، فهو بخلاف الصوم الذي لا يتبعض، والعكوف مثله، والله أعلم.
قال ابن القاسم: وجوار مكة أمر يتقرب به إلى الله تعالى/ مثل: الرباط والصيام، ومن نذر جوار مسجد، مثل: جوار مكة لزمه في أي البلاد كان إذا كان ساكنًا في ذلك البلد.
قال مالك: ومن نذر أن يصوم بساحل من السواحل، كالإسكندرية وعسقلان أو بموضع يتقرب بإتيانه إلى الله، مثل: مكة والمدينة وإيليا لزمه الصوم في ذلك الموضع وإن كان من أهل مكة والمدينة وإيليا.
قال في العتبية:

الجزء: 3 - الصفحة: 1215

وأما من نذر ذلك في مثل العراق وشبهها فلا يأتيه ويصوم ذلك بمكانه.
وقال ابن القاسم: ومن نذر اعتكاف شهر في مسجد الفسطاط فاعتكفه بمكة أجزأه، ولا يخرج إلى مسجد الفسطاط، وليعتكف بموضعه، ولا يجب الخروج إلا إلى مكة والمدينة وإيليا.
وإن نذر اعتكاف في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم لم يجزئه اعتكافه بمسجد الفسطاط.
وقد قال مالك: من نذر أن يأتي مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فليأته؛ للحديث الذي جاء.
قال: وهذا لما نذر الاعتكاف فيه قد نذر أن يأتيه، يريد: وكذلك لو نذر بمسجد مكة وإيليا فليأتهما لذلك، ولا يجزئه في غيرهما.
م ولو نذر اعتكافًا بساحل من السواحل فليعتكف بموضعه، بخلاف الصوم؛ لأن الصوم لا يمنعه من الحرس والجهاد، والاعتكاف يمنعه ذلك، إلا بقطع ما هو فيه من الاعتكاف، فاعتكافه بموضعه الذي هو فيه أفضل.

الجزء: 3 - الصفحة: 1216

فصل-2 - : [في أقل الاعتكاف وأكثره] وقد اعتكف الرسول صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان.
قال/ ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال: أقل الاعتكاف يوم وليلة، فسألته عنه: فقال: أقله عشرة أيام، وذلك رأيي لا ينقص من عشرة أيام؛ لأن النبي صلى الله عليه لم ينقص منها، ولكن إن نذر أقل من ذلك لزمه.
وسئل مالك في العتبية عن اعتكاف يوم أو يومين قال: ما أعرف هذا من اعتكاف الناس.
قال ابن القاسم: وقد سئل عنه قبل ذلك فلم ير به بأسًا، وأنا لست أرى به بأسًا؛ لأن الحديث قد جاء ((أقل الاعتكاف يوم وليلة)).
ومن المدونة: وأما في النذر فيلزمه ما نذر، فمن نذر اعتكاف يوم لزمه ليلة ويوم؛ لأنه اليوم التام والليلة السابقة لليوم، وذلك أقل ما يصح فيه الصوم؛ ولذلك قال مالك: إن أقل الاعتكاف يوم وليلة، وقاله ابن عمر.
وإن نذر اعتكاف ليلة لزمه أيضًا يوم وليلة.
وقال سحنون: لا شيء عليه إن نذر اعتكاف ليلة منه؛ إذ لا صيام في الليل.
وقال أبو السح/ بن القابسي في كتابه الممهد: إن نوى بنذره اعتكافًا على سبيل العكوف الشرعي الذي لا يقرب فيه النساء، فيلزمه ليلة ويوم، وإن نوى

الجزء: 3 - الصفحة: 1217

أن يكون معتكفًا على ذكر الله تعالى ولم يُرد العكوف الشرعي، فلا يلزمه إلا ما نوى بنذره.
قال سحنون: وأما من نذر اعتكاف يوم لزمه ليلة ويوم، ويدخل معتكفة عند غروب الشمس من ليلته، وإن دخل قبل الفجر فاعتكف يومه لم يجزئه، وإن أضاف الليلة المستقبلية لم يجزئه، ويومه الأول ساقط، وعليه اليوم الثاني مع الليلة المتقدمة، فيجزئه.
م أراه؛ لأنه نذر اعتكاف يوم فيلزمه يوم تام، وذلك ليلة ويوم.
وأما لو نوى اعتكاف يوم فيدخل فيه قبل الفجر لأجزأه، وكذلك قال الأبهري.
وقال عبد الوهاب: ويستحب لمريد الاعتكاف أن يدخل معتكفة قبل غروب الشمس من أول ليلة من اعتكافه ليكمل له اليوم بليلته، فإن دخل بعد الغروب وقبل/ طلوع الفجر في وقت ينوى فيه الصوم أجزأه؛ لأن الليل كله وقت لنية الصوم، فأى وقت نوى فيه أجزأه.
م فيحمل هذا على أنه نواه، وقول سحنون على أنه نذره، ولا يكون اختلاف/ قول.
م وظاهر الرواية أنهما قولان مختلفان يدخلان في النذر أوالنية.
والله أعلم.
فصل-3 - : [السنة في الاعتكاف التتابع] والسنة في الاعتكاف التتابع.
قال ابن القاسم: فمن نذر اعتكاف شهر أو ثلاثين يومًا فلا يفرقه وليعتكف ليله ونهاره، ومن نذر اعتكاف شعبان فمرضه كله

الجزء: 3 - الصفحة: 1218

فلا قضاء عليه، مثل من نذر صومه، وإن فرط فيه فعليه القضاء.
وقد قال مالك في من نذر حج عام بعينه أو صوم شهر بعينه فمرضه أو حبسه أمر من الله تعالى لم يطق ذلك فيه، فلا قضاء عليه، فالاعتكاف مثله.
وإن نذرت امرأة اعتكاف شعبان فحاضت فيه فإنها تصل القضاء بما اعتكفت قبل ذلك، فإن لم تصل ابتدأت.
قال ابن عبدوس: فإذا حال بينها وبين القضاء رمضان فلا يجزئها أن تعتكف فيه؛ لأن صومه واجب، فلا يجزئها عن نذرها، ولكن تبقى في حرمة العكوف حتى يخرج رمضان وتفطر يوم الفطر وتصل قضاء ما بقى عليها بعد يوم الفطر متصلًا به.
وقال ابن عبدوس: وكذلك من مرض بعضه بعد الدخول فيه، بخلاف النذر لصومه خاصة؛ لأن هذا لما دخل فيه بقى حكم العكوف عليه، وإن لم يكن صائمًا، ولا عكوف بغير صوم، فلزمه القضاء، فإذا لم يكن دخل فيه لم يلزمه قضاء ما مرض منه.
يريد: وكذلك لو حاضت المرأة قبل الدخول فيه فلا يلزمها أيضا قضاء.
قال: وأما من نذر اعتكاف رمضان فمرضه كله فعليه في قضائه أن يعتكفه؛ لأن هذا يلزمه قضاء الصوم، فلما وجب الصوم وجب الاعتكاف، هذا معنى ما ذكر/ ابن عبدوس.
وذكر ابن سحنون عن أبيه في ناذر اعتكاف رمضان مثله، وقال: وأما غير رمضان فلا يقض حائض أو مريض أيام الحيض أو المرض كان قد دخل فيه أم لا؛ لأنه لما لم يلزمه قضاء الصوم

الجزء: 3 - الصفحة: 1219

سقط عنه بذلك الاعتكاف.
م والصواب قول ابن عبدوس أن يلزمه القضاء إذا مرض بعد الدخول فيه، كمن نذر حج عام بعينه فأحرم له، ثم مرض بعد الإحرام حتى فاته الحج فإنه يلزمه قضاؤه، فكذلك الاعتكاف إذا مرض بعد الدخول فيه، والله أعلم.
ومن «المدونة» قال ابن القاسم: ومن نذر اعتكاف أيام التشريق فكناذر صومها لا يلزمه، إلا اليوم الرابع منها، وإن نذر اعتكاف أيام النحر فلا شيء عليه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامها، ولا اعتكاف إلا بصوم.
قال عبد الملك في من نذر اعتكاف العشر الأول من ذي الحجة فمرض في بعضها ثم صح فليرجع، ويفطر يوم العيد وأيام التشريق، ويخرج يوم العيد ويرجع/ إلى المسجد، وإن كانت امرأة أو عبدًا فلا يخرجان.
ومن «المدونة» ابن وهب: قال مالك: وبلغني أن النبي صلى الله عليه وسلم كان حين اعتكف وسط الشهر يرجع إلى أهله حين يمسي من آخر اعتكافه، وإنما يجلس حتى يصبح من اعتكف في العشر الأواخر وتلك السنة أن يشهد العيد من مكانه ثم يرجع إلى أهله، واستحب مالك حديث أبي سعيد الخدري، وقال عليه:

الجزء: 3 - الصفحة: 1220

رأيت الناس أن من اعتكف العشر الأواخر من رمضان دخل معتكفه حين تغرب الشمس من ليلة إحدى وعشرين فيصلي فيه المغرب، ثم إذا كان يوم الفطر فلا يذهب إلى بيته يلبس ثيابه، ولكن يؤتى بها إلى المسجد، فيلبس، ثم يخرج منه إلى العيد، ثم يرجع من المصلى إلى أهله.
ومن غير «المدونة» ولا يدخل الحمام لغسل العيد، ولكن يغتسل/ بموضع كان يتوضأ فيه.
وقال ابن القاسم: فإن خرج ليلة الفطر من معتكفة فلا قضاء عليه.
وقال سحنون في «العتبية»: إذا خرج ليلة الفطر من معتكفه فسد اعتكافه؛ لأن ذلك سنة مجتمع عليها، يريد: في مبيته/ ليلة الفطر في معتكفه، وقاله عبد الملك.
وقال عبد الملك: وإذا فعل في ليلة الفطر ما ينقض الاعتكاف بطل اعتكافه لاتصالها به كاتصال ركعتي الطواف به، ولو انتقض فيها وضوءه بطل الطواف.
وقال سحنون في كتاب ابنه عن قول عبد الملك: هذا خلاف قول ابن القاسم وغيره، ولا أقول به.
أبو محمد: وهذا خلاف قوله في «العتبية».
م وهو الذي استحب ابن القابسي، وأنكر قول العتبي: أن ذلك سنة

الجزء: 3 - الصفحة: 1221

مجتمع عليها.
قال: وقد قال مالك في موطئه في رجوعه إلى أهله بعد شهود العيد، وهذا أحب ما سمعت إليّ، وهذا إنما يقوله فيما سمع فيه اختلافًا.
قال عبد الملك في المجموعة: وإذا دخل في اعتكافه قبل الفجر فلا يحسب ذلك اليوم فيما ألزم نفسه من الاعتكاف، فإن كان عشرة أيام فليأتنفها بعده بلياليها، إلا أنه في هذا اليوم الذي ترك بعض ليلته معتكف يلزمه ما يلزم المعتكف، وكذلك في العقيقة لا يحسب فيها مثل ذلك.
سحنون: إذا ولد قبل الفجر فإنه محسوب.
ومن المدونة قال مالك: ومن نذر اعتكافًا فمات لوم يفعله وأوصى أن يطعم عنه فليطعم عنه عدد الأيام أمدادًا مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم لكل مسكين، ولو نذره وهو مريض لا يستطيع الصوم، ثم مات قبل صحته وأوصى بالإطعام إن لزمه، فلا شئ عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1222

[باب-5 -] جامع ما جاء في ليلة القدر

ابن وهب قال مالك: سمعت من أثق به يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرى أعمار الناس فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل ما بلغه غيرهم من طول العمر فأعطاه الله عز وجل ليلة القدر خير من ألف شهر.
وقال مالك في حديث النبي صلى الله عليه وسلم ((التمسوا ليلة القدر في التاسعة والسابعة والخامسة))، قال: أرى -والله أعلم- أنه أراد بالتاسعة من العشر الأواخر ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين، يريد في هذا على نقصان الشهر، وكذلك ذكر ابن حبيب.
وذكر البخاري عن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ((في التاسعة لتسع بقين، وفي الخامسة لخمس بقين، وفي الثالثة لثلاث بقين، فينبغي على هذا أن يتحرى اليومين على النقصان والتمام.
قال ابن حبيب: وأن عبد الله بن أبى أنيس الجهني قال: يا رسول الله إني

الجزء: 3 - الصفحة: 1223

شاسع الدار فمرني بليلة أنزل لها فقال عليه السلام: أنزل ليلة ثلاث وعشرين من رمضان.
قال مالك: وبلغني أن ابن المسيب قال: من شهد العشاء الآخرة/ ليلة القدر فقد أخذ بحظه منها.
وفي الأحكام اختصار بكر القاضي عن ابن المسيب ((من صلى المغرب والعشاء في جماعة فقد أصاب ليلة القدر أو وافق القدر، فزاد المغرب وبين شهودها يعنى في الجماعة.
قال بعض أصحابنا: وإنما أريد بذلك أنه نال منها حظًا، وليس يكون له ثواب من قامها واجتهد فيها، وقال: والله عز وجل أعلم.
قال ابن حبيب: وروى أن ليلة القدر هي الليلة المباركة في قوله سبحانه:

الجزء: 3 - الصفحة: 1224

﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾.
يعنى القرآن جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل بعد ذلك شيئًا فشيئًا.
وجعلها الله عز وجل خيرًا من ألف شهر في تفضيل العمل فيها، وأخفاها ليجتهد في إصابتها لتكون أكثر لأجورهم.
والذي كثرت فيه الأخبار أنها من رمضان في العشر/ الأواخر.
وقد جاء ((أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوقظ أهله فيهن/)).
وروى أنه كان يغتسل في كل ليلة منهن، ويحييهن، وروى أنها في السبع الأواخر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((التمسوها في كل وتر)).
فتأول أبو سعيد

الجزء: 3 - الصفحة: 1225

الخدري أنها ليلة إحدى عشرين، من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لقد رأيتني أسجد في صبيحتها في ماء وطين، قال الخدري: فرأيت أثر الطين في جبهته وأنفه في صبيحة هذه الليلة، وقال صلى الله عليه وسلم للذي قال: إني شاسع الدار فمر لي بليلة أنزل فيه، فأمره أن ينزل ليلة ثلاث وعشرين، وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم أشد اجتهادًا من سائر الشهر، وكان يقوم في غيرها وينام، وكان يحي ليلة ثلاث وعشرين وليلة أربع وعشرين.
قال ابن حبيب: يتحرى أن يتم الشهر أو ينقص فيتحراها في أول ليلة من السبع البواقي، فإذا كان الشهر تامًا كان أول السبع ليلة أربع وعشرين، وإن نقص فأول السبع ليلة ثلاث

الجزء: 3 - الصفحة: 1226

وعشرين.
وكان ابن عباس يحي ليلة ثلاث وعشرين وليلة أربع وعشرين على هذا، وقال: إنها لسبع بقين تمامًا.
وقال عنه غير ابن حبيب: إنها ليلة سبع وعشرين.
وروى ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
وروى عن ابن عباس رضي الله عنه أنها ليلة سبع وعشرين، وعد السورة كلمة كلمة فكانت الكلمة السابعة والعشرون (هي)، وبقي تمام السورة حتى مطلع الفجر.
قال ابن حبيب: وكان ابن مسعود فيما روى عنه يقول: إنها في الشهر كله، وروى عنه أنها في السنة كلها فمن قام السنة أصابها، فقال أبي بن كعب رضي الله عنه: يرحم الله أبا عبد الرحمن لقد علم أنها في شهر رمضان ولقد عمى على الناس لكي لا يتكلوا، فوالذى أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم إنها لفي شهر رمضان، وإنها لفي ليلة سبع وعشرين، قلت: بم علم ذلك؟ قال: الآية التي أتانا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بها./ قلت: وما الآية قال: أن تطلع الشمس

الجزء: 3 - الصفحة: 1227

غداة إذ ليس لها شعاع.
قال ابن الهاد: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ليلة القدر أكانت مرة؛ ثم رفعت أم هي في كل سنة؟ قال: بل هي في كل سنة من شهر رمضان في العشر الأواخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1228

[صفحة مكررة في الأصل المطبوع]

الجزء: 3 - الصفحة: 1229

[باب-6 -] في صيام العشر ويوم التروية ويوم عرفة ويوم عاشوراء

قال ابن حبيب: ومما روى من الترغيب في صيام العشر ويوم التروية ويوم عرفة ويوم عاشوراء/ أن صيام يوم من العشر كصيام شهرين من غيره، وأن صيام يوم التروية كصيام سنة، وصيام يوم عرفة كصيام سنتين، وأن العمل في العشر أفضل من سائر السنة، وقيل إن يوم عرفة هذا هو اليوم المشهود، ولما روى من تجاوز الله عز وجل فيه عن العباد.
قال: وفطره للحاج أفضل ليقوى فيه على الدعاء، وقاله عمر بن الخطاب رضي الله

الجزء: 3 - الصفحة: 1230

عنه، وأفطر النبي صلى الله عليه وسلم في الحج.
فصل-1 - [في صيام يوم عاشوراء] وصيام يوم عاشوراء مرغب فيه، وليس بلازم، ويقال: إن فيه تيب على آدم واستوت سفينة نوح على الجودي، وفلق البحر لموسى ابن عمران عليه السلام، وأغرق فرعون وقومه، وفيه ولد عيسى بن مريم، وفيه خرج يونس من بطن الحوت، وفيه خرج يوسف من الجب، وتاب الله عز وجل على قوم يونس

الجزء: 3 - الصفحة: 1231

وفيه تكسا الكعبة في كل عام.
وقد خص بشيء لم يخص به غيره من الأيام أن من يبيت صومه حتى أصبح أن له أن يصومه أو باقية إن كان أكل.
روى ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن غير واحد من السلف.
وكان ابن عباس رضي الله عنهما يوالى صوم اليومين خوفًا أن يفوته، وكان يصومه في السفر.
وفعله ابن شهاب رضي الله عنه.
وجاء الترغيب من النبي صلى الله عليه وسلم في النفقة فيه على العيال.
وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من وسع على أهله يوم عاشوراء أوسع الله عليه سائر/ السنة.
وأن أهل مكة والمدينة يتحرون ذلك

الجزء: 3 - الصفحة: 1232

اليوم حتى كأنه يوم عيد.
قال قتادة: وبلغني أن صيام يوم عاشوراء يكفر ما ضيع الرجل من زكاة ماله.
قال ابن حبيب/:يريد: بنسيان أو نقصان.
فصل-2 - [في صيام الأشهر الحرم] روى أن النبي صلى الله عليه وسلم صام الأشهر الحرم وهى المحرم ورجب وذو القعدة وذو الحجة، وقد خصها الله تعالى وفضلها، ويقال: تضاعف فيها السيئات كما تضاعف الحسنات، ورغب أيضًا في صيام يوم سبعة وعشرين من رجب فيه بعث النبي صلى الله عليه وسلم ويوم خمسة وعشرين من ذي القعدة أنزلت الكعبة على آدم

الجزء: 3 - الصفحة: 1233

ومعها الرحمة، وفي أول يوم من عشر ذي الحجة ولد إبراهيم عليه السلام.
[فصل-3 - في صيام شعبان] وقد رغب في صيام شعبان وكان صلى الله عليه وسلم يصوم فيه أكثر من غيره، وقيل: فيه ترفع الأعمال، ورغب في صيام يوم نصفه وقيام تلك الليلة.
[فصل-4 - في فضل الصيام.
وما ينبغي أن يكون الصائم] وروى عن النبي صلى لله عليه وسلم أنه قال: الصيام باب العبادة، وجنة من

الجزء: 3 - الصفحة: 1234

النار، وإن في الجنة بابًا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون، وخلوف فم الصائم أطيب عند الله تعالى من ريح المسك.
وقال أبو هريرة/ ومن فطر صائمًا فله مثل أجره.
وجاز أن يقول الرجل: إني صائم معتذرًا ولا يقوله متزينًا.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: للذي قال: ما أفطرت منذ كذا ((ما أفطرت ولا صمت))، وأمر صلى الله عليه وسلم أن يفطر على تمر فإنه بركة، أو على ماء فإنه طهور.
وقال صلى الله عليه وسلم: من لم يدع في صيامه قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه.
وينبغي أن ينزه صومه عن الرفث والخنا واللغو والمنازعة والمراد الغيبة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1235

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل