الجامع لمسائل المدونةكتاب الزكاة الثاني من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الزكاة الثاني من الجامع

الباب الأول:] في فرض زكاة الماشية

[ومقادير النصاب في زكاة الإبل

[فصل 1 - في دليل فرضيتها، وشروط الوجوب] وزكاة الماشية فريضة واجبة، وتجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والنصاب والحول، ومجيء الساعي، وقد تقدم وجه ذلك في الأول.
وفرضها في كتاب الله قوله تعالى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وقوله تعالى ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ﴾ فأجملها تعالى في كتابه وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن ذلك ما بينه صلى الله عليه وسلم في كتابه لعمرو بن حزم أن ليس فيما دون خمس ذود من الإبل

الجزء: 4 - الصفحة: 193

صدقة فإذا بلغت خمساً ففيها شاة إلى تسع فإذا بلغت عشراً ففيها شاتان إلى أربعة عشر فإذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث شياة إلى تسع عشرة فإذا بلغت عشرين ففيها أربع شياة إلى أربع وعشرين فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض، فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر فما زاد إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون، فما زاد إلى ستين ففيها حقة طروقة الفحل، فما زاد إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فما زاد إلى تسعين/ ففيها ابنتا لبون، فما زاد إلى عشرين ومئة ففيها حقتان طروقتا الفحل، فما زاد على ذلك ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون".

الجزء: 4 - الصفحة: 194

قال ابن القاسم: وبهذا كان يأخذ مالك.
ابن وهب: قال ابن شهاب: نسخة هذا الكتاب عند آل عمر بن الخطاب أقرانيها سالم بن عبد الله بن عمر فوعيتها على وجهها وهي التي انتسخ عمر بن عبد العزيز من سالم وعبيد الله ابني عبد الله بن عمر وأمر عماله بالعمل بها.
[فصل 2 - في أسماء جماعات الإبل] قال ابن حبيب في شرح الموطأ في قول صلى الله عليه وسلم "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة" كأنه قال: ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة، لأن الذود ثلاثة وأربعة

الجزء: 4 - الصفحة: 195

وخمسة إلى السبع، وما فوق السبع شنق، إلى أربع وعشرين فينقطع عنها اسم الشنق ويحملها اسم الإبل، ولا ينقص الذود فيكون واحداً كما لا ينقص من عدد النفر فيكون واحداً.
والنفر من ثلاثة إلى سبعة، وما فوق السبعة إلى العشرة رهط، وفوق ذلك إلى الأربعين عصبة، وفوق ذلك إلى المئة فأكثر أمة.
قال ابن مزين عن عيسى بن دينار: أقل الذود واحد.
وقاله غيره.
قال ابن قتيبة: الذي عندي أن الذود ما بين الثلاثة إلى العشرة، وهو أول أسماء جماعات الإبل قال: ولو كان الذود واحداً ما جاز أن يقال: خمس ذود، وكان يقال: خمس أذواد، كما يقال: خمسة أثواب، ولا يجوز أن يقال: خمسة ثوب ومما يشبه هذا:

الجزء: 4 - الصفحة: 196

قولهم ثلاثة رهط، وخمسة رهط، والرهط في الناس: ما بين الثلاثة إلى العشرة وهو جمع لا واحد له من لفظه.
[فصل 3 - في أسنان الإبل الواجبة في الزكاة] قال ابن حبيب: وبنت مخاض من الإبل بنت سنتين، سميت بذلك؛ لأن أمها صارت في حد المخاض وهو الحمل وإن لم يكن بها حمل، فإن دخلت في سنة ثالثة فهي بنت لبون، أي في حال يكون لأمها لبن ترضع به ما تلد بعدها وإن لم يكن لها حينئذ ولد، فإذا دخلت في سنة رابعة صارت حقة أي استحقت أن يحمل عليها وأن يطرقها الفحل، فإذا دخلت في الخامسة فهي جذعة، فإذا دخلت في السادسة فهي ثنية.
[فصل 4 - في الإبل تبلغ خمساً وعشرين فلم توجد فيها بنت مخاض ولا ابن لبون] ومن المدونة قال مالك: وإذا كانت الإبل خمساً وعشرين فلم يجد الساعي فيها بنت مخاض ولا ابن لبون ذكر جبر ربها على أن يأتيه بابنة مخاض.
قال في كتاب محمد: وليس الساعي مخيراً، ولا يأخذ منه إلا بنت مخاض.

الجزء: 4 - الصفحة: 197

م: لأن عدمهما بمنزلة وجودهما إذ ليس لأحدهما مزية على الآخر.
قال في المدونة: إلا أن يشاء ربها أن يأتيه بخير منها فليس للساعي ردها.
قال ابن القاسم: فإن أتاه بابن لبون ذكر فذلك إلى الساعي إن أراد أخذه ورأى ذلك نظراً، وإلا ألزمه بنت مخاض على ما أحب أو كره.
ابن المواز: وقال أشهب: ليس إلى المصدق بخلاف المئتين، فإذا كان السنان في الإبل أو لم يكونا فليس له إلا بنت مخاض وإن كان فيها أحد السنين فليس له غيره.
م: وذهب أبو حنيفة إلى أن له أن يأخذ ابن لبون مع وجود بنت مخاض.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "فإن لم توجد بنت مخاض فابن لبون ذكر" وكل حق تعلق بالمال فنقل منه إلى غيره لعدم المنقول عنه فلا يجوز الانتقال إليه مع وجوده اعتباراً بالكفارات.

الجزء: 4 - الصفحة: 198

[فصل 5 - الواجب في الإبل إذا زادت على عشرين ومئة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا زادت الإبل على عشرين ومئة واحدة كان الساعي مخيراً في أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
ابن المواز: وقاله أشهب.
قاله ابن القاسم: وقال ابن شهاب: ليس للساعي أن يأخذ الحقاق، وإنما يأخذ بنات اللبون، وبه أقول؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم وقول عمر رضي الله عنه: "فإذا زادت على عشرين ومئة ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة" فليس له إلا بنات اللبون كان السنان في الإبل أو أحدهما أو لم يكونا.
وقال ابن عبدوس: قد روى أشهب، وابن نافع، وابن الماجشون عن مالك: ليس فيها إلا حقتان، قال عنه ابن الماجشون: وإنما يعني في الحديث بقوله فما زاد على عشرين ومئة يريد: زيادة تحيل الأسنان فلا يزول عن الحقتين إلى ثلاثين ومئة.
م: فوجه مالك الذي جعل الساعي فيه مخيراً: أنه لما كان في الحديث:

الجزء: 4 - الصفحة: 199

فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون، وكانت زيادة الواحدة يقع عليها اسم زيادة ووجدنا الإحدى وعشرين ومئة يصلح فيها حقتان ويصلح فيها ثلاث بنات لبون إذ فيها أكثر من خمسينين وأكثر من ثلاث أربعينات وجب تخيير الساعي اللتين صلحت فيهما أربع حقاق وصلحت فيهما خمس بنات لبون فخير الساعي فكذلك هذه.
قال ابن المواز: وللساعي في إحدى وعشرين ومئة على هذا القول أخذ ما طلب كانت إحدى/ السنين في الإبل أم لا، يريد: لما في الحديث من الاحتمال بخلاف المئتين.
وقال مالك في المجموعة: إذا كانت إحدى السنين في الإبل لم يكن للساعي غيرها كما قال في المئتين.
م: ووجه قول ابن شهاب وابن القاسم أنه لما قال في الحديث: "فما زاد ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" فأي زيادة حصلت أوجبت تغيير الفرض بحق الظاهر، قال أبو جعفر الأبهري: ويؤيد ذلك ما روي في الكتاب الذي

الجزء: 4 - الصفحة: 200

كتبه النبي صلى الله عليه وسلم وهو عند آل عمر في حديث ابن شهاب أنه قال: "وفي إحدى وعشرين ومئة ثلاث بنات لبون" وهذا نص.
قال عبد الوهاب: ووجه قول مالك الذي رواه ابن الماجشون وغيره أنه إنما أراد في الحديث زيادة تحيل الأسنان عن فرضها وذلك عشرة فأكثر، ولأنا وجدنا كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها تكون داخلة في التزكية، وكل ما لا يحيل الأسنان عن فرضها إنما هو وقص غير داخل في التزكية، فلو قلنا إن الفرض يتغير بزيادة واحدة وتدخل في التزكية لكان في ذلك مخالفة للخبر وإيجاب لبنت لبون في أربعين وثلث، وإن قلنا إن الفرض يتغير بها ولا تدخل في التزكية كان في ذلك مخالفة الأصول، ولأن في حديث ابن عمر: "فإذا كثرت الإبل ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين بنت لبون" والكثرة لا تكون بزيادة الواحدة، ويؤيد ذلك ما روى في حديث عمر بن عبد العزيز الذي نسخ

الجزء: 4 - الصفحة: 201

له من عند آل عمر بن الخطاب أنه لا شيء فيما زاد على العشرين ومئة حتى تبلغ ثلاثين ومئة وهذا نص، قال أبو بكر الأبهري: وهذا أقيس الأقوال وأحسنها.
م: وظهر لي أن هذا القول أضعفها وأن في توجيهه ضعفاً لما ذكر في الحديث وهو مقابل بما ذكر في الحديث في رواية ابن شهاب وإن قول ابن شهاب أقيسها وذلك أنا وجدنا أول كل زيادة تحيل الأسنان عن فرضها بعد كمال وقصها واحداً وما بعده إلى الفرض الثاني وقص، وذلك أن التسعة من الإبل خاتمة فرض الشاة بوقصها فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وما بعد ذلك إلى الأربع عشرة وقص، فإذا زادت واحدة أيضاً غيرت الفرض، وكذلك في الأربع وعشرين خاتمة فرض الشنق فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في البقر التسع والثلاثون خاتمة فرض التبيع بوقصه فإذا زادت واحدة غيرت الفرض، وكذلك في الغنم المئة وعشرون خاتمة فرض الشاة بغاية وقصها فإذا زادت واحدة كان فيها شاتان، وكذلك المئة وعشرون من الإبل هي خاتمة فرض الحقتين بوقصها، فإذا زادت واحدة وجب تغيير الفرض، فلا تجد زيادة الواحدة أبداً على خاتمة الفرض بوقصه إلا تغيره، ولأن أول فرض الحقتين من إحدى

الجزء: 4 - الصفحة: 202

وتسعين إلى عشرين ومئة لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلى عشرين ومئة".
وإلى ها هنا: غاية، وحكم الغاية أن يكون ما قبلها مخالفاً لما بعدها، كما كانت في الخمسة وعشرين، والخمسة وثلاثين، والخمسة وأربعين، والستين، والخمسة وسبعين، والتسعين غاية، وكان ما بعد ذلك مخالفاً لما قبله، وتغير ذلك بزيادة واحدة، فكذلك المئة وعشرون، وهذا بين.
والله أعلم بالصواب.
[فصل 6 - الواجب في الإبل إذا بلغت ثلاثين ومئة فما فوق] ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغت الإبل ثلاثين ومئة ففيها حقة وبنتا لبون ولا خلاف في ذلك، وفي الأربعين ومئة حقتان وابنة لبون، وفي الخمسين ومئة ثلاث حقاق، وفي ستين ومئة أربع بنات لبون، وفي سبعين ومئة حقة وثلاث بنات لبون، وفي ثمانين ومئة حقتان وابنتا لبون، وفي تسعين ومئة ثلاث حقاق وابنة لبون، يريد: أبداً في زيادة العشر حقة وتنقص بنت لبون، وفي المئتين الساعي مخير إن شاء أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون إذ صلح فيها السنان جميعاً، وهذا إن كان السنان في الإبل أو لم يكونا) وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره.
قال ابن المواز: إلا أن يكون في الأربع حقاق قوام رب الإبل ومصلحته فليس للساعي أخذها لأنه يضر به وليكلفه ما يجزيه.
ابن المواز: وذكر عن ابن القاسم أنها إن خلت من السنين فما أتاه به ربها فليقبله، وقال أصبغ: ليس هذا بشيء والساعي مخير عليه.
م: فوجه قول ابن القاسم أنه لما أتاه ربها بأحد السنين فكأنه كان موجوداً فيها فليس له رده.

الجزء: 4 - الصفحة: 203

ووجه قول أصبغ أنهما لما عدما في الأصل وجب تخيير الساعي فلا ينقله عن ذلك ما أتى به ربها؛ لأن ذلك يوجب رفع تخيير الساعي/ أبداً.
[فصل 7 - الغنم لا تعود في صدقة الإبل بعد العشرين ومئة] ومن المدونة: قال مالك: وإذا صارت الفريضة في الإبل إلى عشرين ومئة لم يرجع إلى الغنم يريد: أنه لا يبتدي الحكم في الزائد، قال سحنون: إلا أن ترجع الإبل إلى أقل من فريضة الإبل فيرجع إلى الغنم ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "فما زاد على عشرين ومئة ففي كل خمسين حقة وفي كل أربعين بنت لبون" ولم يقل: فما زاد ففي كل خمس شاة إلى أربع وعشرين كما قال في ابتداء الصدقة.
[فصل 8 - فيمن أعطى أفضل مما عليه وأخذ عوضاً أو أعطى دون ما عليه وأدى عوضاً] قال ابن القاسم: ولا يأخذ الساعي دون السن المفروضة وزيادة ثمن، ولا فوقها ويؤدي ثمناً.
قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة فيمن يعطي أفضل ويأخذ ثمناً، أو أدنى ويؤدي ثمناً: إنه لا ينبغي، فإن نزل أجزأه.
وقال أصبغ- في كتاب محمد- إن أعطى أفضل مما عليه، وأخذ للفضل ثمناً

الجزء: 4 - الصفحة: 204

فلا شيء عليه إلا رد الزيادة، وإن أعطي دون ما وجب عليه وزيادة دراهم، فعليه البدل كله.
م: والصواب أن يجزئه؛ لأنه إنما اشترى ما عليه بما دفع وبالدراهم، فهو من ناحية كراهية اشتراء الرجل صدقته، وقد قال مالك: من الناس من يكره اشتراء الرجل صدقته، ومنهم من لا يرى به بأساً، والصواب كراهية ذلك: لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه" لكنه إن نزل مضى للاختلاف فيه، وإذ يتأول معنى الحديث: "العائد في صدقته" يريد: بلا ثمن، وإنما كرهه مالك لعموم الحديث واستحب أن يترك شراءها وإن كانت قد قبضت منه، وقد قال عمر لرجل سأله عن ذلك: "لا تشترها ولا تعد في صدقتك".

الجزء: 4 - الصفحة: 205

م: ويجب على قول أصبغ إذا دفع أدنى وزاد ثمناً فلم يجزه أن يرجع على الساعي فيما دفع إن كان قائماً، وإن فرَّقه وفات لم يرجع عليه بشيء؛ لأنه سلطه على إتلافه فهو كمن عوّض من صدقة وهو يظن أن ذلك يلزمه أنه لا يرجع بشيء على من أخذه إن فات، قاله بعض فقهائنا.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن وجب عليه معز فأعطى ضأناً فليقبل منه، فأما معز عن ضأن فلا، قال أشهب: إلا أن تبلغ لرفاهيتها مثل ما لزمه من الضأن فلا بأس بذلك.
[فصل 9 - لا يُشترى من الساعي شيء قبل خروجه، ولا يشتري أحد الصدقة التي عليه بدين إلى أجل] ومن المدونة: ابن وهب: قال مال: ولا يشتري أحد من الساعي قبل خروجه شيئاً من الصدقة وإن وصف أسنانها إذ لا يدري ما يقتضي في نحوها وهيئتها قال: ومن ابتاع الصدقة التي عليه بدين إلى أجل لم يصلح لأنه دين بدين، وقاله عمر بن عبد العزيز.
قال أبو الزناد وأصل ذلك أن عمر بن الخطاب كان ينهي العمال أن يبيعوا من أحد فريضة أو شاة تحل عليهم بدين.

الجزء: 4 - الصفحة: 206

[فصل 10 - نتاج السائمة حوله حول أصله] قال مالك: ومن كانت له خمسة من الإبل فهلكت منهن واحدة قبل الحول بيوم ونتجت أخرى فتم الحول بالتي نتجت خمساً ففيها شاة.
[فصل 11 - تفسير الشنق، ومن أي صنف تؤخذ الشاة الواجبة في صدقة الإبل؟] قال: والشنق من الإبل ما يزكى بالغنم وهو أربع وعشرون، فإذا بلغت الفريضة أن تؤخذ من الإبل لم تكن شنقاً.
ويؤخذ في الإبل من الغنم من الصنف الذي هو جل أغنام ذلك البلد، من ضأن أو معز، وافق ما في ملك ربها أو خالفه، يكلف أن يأتي بما يلزمه من ذلك إلا أن يتطوع ربها بدفع الصنف الأفضل، فذلك له.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن نافع عن مالك: يأخذ في ذلك ما تيسر على رب الإبل من ضأن أو معز لا يكلف ما ليس عنده، وما أدى من ضأن أو معز أجزأ عنه.
قال ابن المواز: قال مالك: أهل الحجاز أهل ضأن، وأهل السواحل أهل معز، قال ابن حبيب: إن كان من أهل الضأن فمنها، وإن كان من أهل المعز فمنها، وإن كان من أهل الصنفين أخذ الصدق من أيهما شاء.
وبالله عز وجل التوفيق.

الجزء: 4 - الصفحة: 207

[الباب الثاني]

جامع ما جاء في زكاة البقر

[فصل 1 - في أدلة الوجوب ومقادير النصاب] قال ابن القاسم: وكان مالك يأخذ في زكاة البقر بحديثه الذي يذكر عن طاؤوس عن معاذ، وروي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر صدقة فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع إلى أن تبلغ أربعين فإذا بلغت أربعين ففيها بقرة مسنة إلى ستين فإذا بلغت ستين فتبيعان إلى أن تبلغ سبعين فإذا بلغت سبعين ففيها بقرة وعجل جذع حتى تبلغ ثمانين فإذا بلغت ثمانين ففيها مسنتان ثم على نحو هذا".
قال ابن وهب: وأخبرني رجال من أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وسلم/ حين بعث معاذاً إلى اليمن أمره بهذا.
وأن معاذاً صدق البقر كذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 208

وروى أشهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يؤخذ من البقر شيء حتى تبلغ ثلاثين فإذا بلغت ثلاثين ففيها تابع جذع أو جذعة".
[فصل 3 - السن الذي يجب في الثلاثين] وقال مالك: الذي جاء في ثلاثين تبيع وهو ذكر، ولا تؤخذ المسنة إلا أنثى، قال أبو محمد: ويجوز أن يؤخذ في التبيع أنثى إذا أطاع بها ربها.
م: يريد: على قول مالك هذا وأما على ما رواه أشهب فللساعي أخذ ما طلب.
قال عبد الوهاب: وكذلك في كتاب عمرو بن حزم أن في كل ثلاثين تبيعاً جذعاً أو جذعة، قال: وأو: موضوعها التخيير فللساعي حينئذٍ أن يأخذ ما طلب كانا جميعاً في البقر أو لم يكونا وإن كان فيها أحدهما لم يكن له غيره كالمئتين في الإبل.
[فصل 3 - الواجب في البقر إذا بلغت عشرين ومئة] قال ابن المواز: وإذا كانت البقر عشرين ومئة كان الساعي مخيراً في ثلاث مسنات أو أربع توابع كانا في البقر أو لم يكونا، وإن كان فيها أحد السنين لم يكن له غيره كالمئتين من الإبل.

الجزء: 4 - الصفحة: 209

ومن المدونة: قال الليث: وسنة الجواميس في السعاية سنة البقر سواء، قال مال: الجواميس من البقر.
[فصل 4 - تفسير الجذع والمسن] قال ابن حبيب: والجذع من البقر هو التبيع ابن سنتين، والثني منها ما أوفى ثلاثاً ودخل في الرابعة وهو المسن، وقال ابن نافع في المجموعة: الجذع من البقر: ما أوفى سنتين ودخل في الثالثة.

الجزء: 4 - الصفحة: 210

[الباب الثالث]

جامع ما جاء في زكاة الغنم

[فصل 1 - في مقادير النصاب، وصفة الشاة المأخوذة في زكاة الغنم] روى ابن وهب، أن في كتاب عمرو بن حزم، الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة، إلى عشرين ومئة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومئة ففيها شاتان، إلى مئتي شاة، فإذا كانت مئتي شاة وشاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاث ومئة، فما زاد، ففي كل مئة شاة شاة، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، ولا يخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية».
وقال صلى الله عليه وسلم - في أول ما أخذ الصدقة للمصدقين-: «لا تأخذوا من حزرات الناس»، وقال في حديث آخر:

الجزء: 4 - الصفحة: 211

"إياك وكرائم أموالهم خذ الجذعة والثنية".
وروي أن عمر مُرَّ عليه بغنم من الصدقة فرأى فيها شاة حافلاً ذات ضرع عظيم، فقال: "ما أعطى هذه أهلها وهم طائعون، لا تفتتنوا الناس، لا تأخذوا حزرات المسلمين"، وقال عمر للساعي: "تعد عليهم السخلة يحملها الراعي، ولا تأخذها، ولا الرُّبى التي وضعت ولا الأكولة شاة اللحم ولا الحامل الماخض، ولا فحل الغنم، وتأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين غذاء المال وخياره".
قال ابن أبي زمنين: الغذاء: صغار الماشية، واحدها غذي، والخيار: الكبار.
قال عبد الوهاب: وقد روي: "ولا ذات عيب، ولا اللئيمة، ولا المريضة، ولا المسنة، ولكن من وسط أموالكم؛ فإن الله عز وجل لم يسألكم خياره ولم يأمركم بشره".

الجزء: 4 - الصفحة: 212

قال مالك: وإذا كانت الغنم رُبى كلها أو ماخضاً أو أكولة أو فحولة لم يكن للمصدق أن يأخذ منها شيئاً، وليأت ربها بجذعة أو ثنية مما فيه وفاء، وليس للساعي أن يأبى ذلك، ويلزمه قبولها.
[فصل 3 - معاني الغريب في حديث الصدقة] قال ابن حبيب: والسخلة هي المولودة من الخرفان أو الجديان، والأكولة: هي التي تعوهدت بالرعي وكثر أكلها، من ذكر أو أنثى كما تتعاهد العليف، والأكيلة: التي قد أكلت أو تؤكل، ويقال: شاة عليف، والعلوف: الرجل الذي يعلفها مثل قتيل وقتول، والماخض ما دنى ولادتها، والربى: التي كما ولدت، أو قرب ما ولدت، والحافل: الكبيرة الضرع، وحزرات الناس: خيار مواشيهم، والهرمة: الشارفة، والعوار بالفتح: العيب وهو الذي في الحديث فيما لا يؤخذ في الصدقة، وأما برفع العين فمن العور، والفصلان: صغار الإبل ما لم تبلغ السن المذكور المأخوذ، وكذلك العجاجيل من البقر.
ومن المدونة قال: والوقص: هو ما بين الفريضتين والنصاب: ما فيه الزكاة،

الجزء: 4 - الصفحة: 213

والسائمة: الراعية، قال الله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي ترعون.
[فصل 3 - ذِكْر أسنان ما يؤخذ في زكاة الغنم وصفاتها] قال مالك: ولا يأخذ ما فوق الثني ولا ما تحت الجذع، ولا يأخذ إلا الثني أو الجذع إلا أن يشاء رب المال أن يعطيه ما هو أفضل من ذلك فليأخذه لقوله صلى الله عليه وسلم/ للذي أعطى ناقة سمينة مكان بنت مخاض: "ذلك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك" قال: والجذع من الضأن والمعز في أخذ الصدقة سواء، يريد: أنه يجزي أحدهما في الصدقة ذكراً أو أنثى، قال أشهب وغيره، وكذلك فيما يؤخذ منها عن الإبل.

الجزء: 4 - الصفحة: 214

وذهب ابن حبيب إلى أنه إنما يؤخذ الجذع من الضأن أو الثني من المعز كالضحايا، قال أبو محمد: وليس هذا بقول مالك ولا أصحابه.
وقال عمر بن عبد العزيز: لا يجزئ في الضحايا والهدايا إلا الثني من كل شيء، ذكر ذلك في المختلطة، وذكره مالك في موطأه عن ابن عمر.
م: ووجه هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في العناق في الضحايا: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" فكذلك الهدايا والزكاة ولأن ذلك كله قربة إلى الله عز وجل.
ووجه ما في المدونة من أن الجذع من الضأن والمعز يجزئ في الزكاة، ولا يجزئ الجذع في المعز في الضحايا قوله صلى الله عليه وسلم لأبي بردة بن نيار في الضحايا في العناق من المعز: "اذبحها ولن تجزئ عن أحد بعدك" وإنما جاز ذلك في الزكاة لقول عمر رضي الله عنه: "خذ الجزعة والثنية وذلك عدل بين غذاء المال وخياره".

الجزء: 4 - الصفحة: 215

ووجه قول ابن حبيب أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من الجذع من المعز في الضحايا فكذلك يجب أن يكون في الزكاة.
قال علي بن زياد، وابن حبيب، وغيرهما: والجذع من الضأن والمعز: ابن سنة وقيل: ابن عشرة أشهر، روى ذلك ابن وهب، وقيل: ابن ثمانية، وقيل: ابن ستة أشهر، روى ذلك علي بن زياد، وقال: والثنية: التي طرحت ثنيتها.
ومن المدونة، قال مالك: ويؤخذ الثني من الضأن ذكراً أو أنثى، ولا يؤخذ الثني من المعز إلا أنثى لأن الذكر منها تيس، ولا يأخذ المصدق تيساً، والتيس دون الفحل إنما يعد مع ذات العوار ويحسب على رب الغنم كما تحسب عليه العمياء والمريضة البين مرضها والهرمة والسخلة والعرجاء التي لا تلحق بالغنم، وذوات العوار هي ذوات العيب فلا يأخذها.
قال ابن حبيب: وقد نُهى عن أخذ التيس في الحديث إلا أن يكون مسناً من كرام المعز فيلحق بالفحول لهذا يؤخذ إن أطاع به ربه.

الجزء: 4 - الصفحة: 216

[فصل 4 - في رداءة النوع] ومن المدونة قال مالك: وإن كانت الغنم كلها قد جربت أو ذوات عوار أو سخالاً أو كانت البقر عجاجيل كلها والإبل فصلاناً كلها وفي عدد كل صنف منها ما تجب فيه الصدقة كُلف ربها أن يشتري ما يجزئه.
قال عبد الوهاب: وقال داود: لا شيء في الصغار، وقال أبو حنيفة: لا شيء فيها إلا أن يكون معها نصاب من الكبار، وقاله الشافعي.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "وفي خمس وعشرين من الإبل بنت مخاص، وفي الثلاثين من

الجزء: 4 - الصفحة: 217

البقر تبيع، وفي الأربعين من الغنم شاة" فعم، والاسم في ذلك كله يقع على الصغار والكبار، وروي: "وتعد صغارها وكبارها" وروي ذلك أيضاً عن عمر وعلي ولا مخالف لهما، ولأنه نماء حادث عن مال تجب في جنسه الزكاة فأشبه ربح المال.
ودليلنا على قول أبي حنيفة فلأنه نتاج حادث عن حيوان تجب في عينه الزكاة فحكمه حكم الأمهات أصله إذا كانت الأمهات نصاباً.
ومن المدونة قال مال: وإذا رأى المصدق أن يأخذ ذات العوار والتيس والهرمة أخذها إن كان ذلك خيراً له ولا يأخذ من هذه الصغار شيئاً، قال وكما لو لم يكن عنده إلى بُزل كلها اشترى له من السوق ما يجزيه ولم يُعطه منها فكذلك إذا كان عنده الدون اشترى له من السوق ما يجزئه.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: سأل عثمان ابن الحكم مالكاً عن

الجزء: 4 - الصفحة: 218

الساعي يأتي الرجل فيجد غنمه عجافاً كلها قال: يأخذ منها وإن كانت عجافاً.
قال سحنون: وهو قول المخزومي.
قال أصبغ: وأخبرني ابن وهب عن مالك وابن شهاب أو عن أحدهما أنه قال: لا يؤخر الساعي الصدقة وإن عجفت الغنم وليأخذها في الخصب والجدب ولا يضمنوها.
وذكر ابن المواز رواية ابن الحكم هذه، وقال: يؤخذ منها عجافاً، وإن كانت ذات عوار أو تيوساً فليأت بغيرها، قال ابن المواز: وكذلك العجاف يشتري له ما يعطيه، وهذا معنى قول مالك: يأخذ منها يريد: أنه يزكيها لا يدعها ولكن لا يأخذ عجافاً وليكلف ربها أن يأتيه بما يجزئه.
م: وظاهر هذه الرواية خلاف ما ذكر محمد وأنه يأخذ منها بعينها وإن كانت عجافاً؛ لأنه قال: تؤخذ عجافاً، وإن كانت ذات عوار فليأت بغيرها فدل أن العجاف بخلاف ذات العوار/ وأنه يأخذ منها بعينها.
والله أعلم.
م: وأنا أرى إن كانت أكثر أغنام الناس عجافاً، وإنما فيها السمين القليل، فليأخذ من العجاف؛ لأن السمين حينئذ هو من حزرات الناس، وقيمة العجيف حينئذ كقيمة السمين في وقت تكون كلها سماناً، وإن كان إنما عجفت غنم هذا وحده لعلةٍ دخلت عليه خاصة، فليكلف حينئذٍ أن يأتيه بما يجزئه، ولا يأخذ العجاف؛ لأنها لا قيمة

الجزء: 4 - الصفحة: 219

لها حينئذٍ فيضر بالمساكين.
[فصل 5 - لا زكاة في الأوقاص] ومن المدونة قال مالك: ولا شيء في الوقص وهو ما بين الفريضتين من جميع

الجزء: 4 - الصفحة: 220

الماشية وقد سأل معاذ النبي صلى الله عليه وسلم عن الأوقاص قال: "ليس فيها شيء".
ثبت ذلك عن معاذ عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق.
[فصل 6 - نتاج السائمة يضم إلى أصله في تكميل النصاب] قال مالك: ومن كانت له ثلاثون من الغنم فتوالدت قبل قدوم الساعي بيوم فتمت أربعين زكاها عليه، وإن كان الأصل غير نصاب لأنها إنما زادت بولادتها بخلاف ما لو أفادها إليها.
قلت: هل كان مالك يعرف أن المصدق يجمع الغنم ثم يفرقها ثم يخير رب الغنم أي الفريقين شاء ثم يأخذ هو من الفرقة الأخرى فقال: لم يعرفه مالك وأنكره.
[فصل 7 - وجوب الزكاة في العوامل] قال مالك: ومن كانت له إبل أو بقر أو غنم يعمل عليها ويعلفها ففيها الصدقة إن بلغت ما تجب فيه الصدقة والعوامل وغير العوامل سواء.

الجزء: 4 - الصفحة: 221

قال عبد الوهاب: وخالفنا أبو حنيفة، والشافعي.
ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة".
وقال: "وفي كل ثلاثين من البقر تبيع" فعم؛ ولأن اختلاف الصفات عليها كاختلاف الأسنان، فإذا كان اختلاف الأسنان لا يؤثر في الزكاة، فكذلك اختلاف الصفات.
[فصل 8 - في زكاة الخيل] ولا زكاة في الخيل خلافاً لأبي حنيفة في إيجابه الزكاة في إناثها.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" وقوله: "ليس على

الجزء: 4 - الصفحة: 222

المسلم في عبده ولا فرسه صدقة" وقوله: "ليس في الجبهة ولا في الكُسْعة ولا في النُّحِّةِ صدقة" قال أهل العربية: الجبهة: الخيل، والكُسعة: الحمير والنُّحِّةُ: الرقيق؛ ولأنه حيوان يقتنى للزينة كذكورها، وكالحمير؛ ولأنه حيوان لا يجزي في الضحايات والهدايا كالدجاج والوحش.

الجزء: 4 - الصفحة: 223

[الباب الرابع]

في زكاة ماشية القراض والمدير

[فصل 1 - ماشية القراض زكاتها على رب المال في رأس ماله] قال مالك رحمه الله: ومن أخذ مالاً قراضاً فاشترى به غنماً فتم حولها وهي بيد المقارض فزكاتها على رب المال في رأس ماله ولا شيء على العامل.
[فصل 3 - زكاة الفطر عن عبيد القراض] قال أبو محمد: وكذلك زكاة الفطر في عبيد القراض على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض ونحوه في كتاب ابن المواز، وظاهر ذلك: المساواة بين الماشية وعبيد القراض وأن ذلك على رب المال في رأس ماله وليس من مال القراض.
وقال ابن حبيب في عبيد القراض: إن زكاتهم كالنفقة ملغاة، ورأس المال هو العدد الأول، قال: وأما الغنم: فمجمع عليها في الرواية عن مالك من المدنيين والمصريين أن زكاتها على رب المال من هذه الغنم لا من غيرها، فتطرح قيمة الشاة المأخوذة من أصل المال، ويكون ما بقي رأس المال، قال: وهي تفارق زكاة الفطر، لأن هذه تزكى من رقابها، والفطرة مأخوذة من غير العبيد.
م: واختلف أصحابنا في قول ابن حبيب هذا فقال أكثرهم: هو وفاق للمدونة، وظهر لي أنه خلاف لما في المدونة، والدليل على ذلك مساواة الإمام أبي محمد بن أبي زيد بينهما في المختصر وفي النوادر ولا مدخل للتأويل في كلامه مع ما يسعده من ظاهر

الجزء: 4 - الصفحة: 224

المدونة، وكتاب محمد، والقياس، وذلك أنا اتفقنا أن المقارض إذا أشغل بعض المال لم يكن لربه أن ينقص منه شيئاً؛ إذ عليه عمل العامل فله شرطه، ولا خلاف أعلمه بين أصحابنا في هذا، فإذا ترك الساعي رب المال وأخذها من العامل كان قد نقص من المال بعد إشغاله.
فإن قيل: فإنه إذا أدّاها رب المال من عنده كان ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال وذلك لا يجوز، قيل: إنما الزيادة التي لا تجوز ما وصل إلى يد العامل وانتفع به، وهذا لا يصل/ إلى يد العامل منه شيء، إنما يأخذه الساعي، ولو كان ذلك زيادة في القراض لكان في زكاة الفطر عن عبيد القراض زيادة.
فإن قيل: فإن الغنم زكاتها من رقابها؛ فلذلك أخذت من رب المال، قيل: والدنانير أيضاً زكاتها منها، فيلزمك أن تقول: إذا كان رب المال يدير والعامل لا يدير، وبيده سلع ومال عين أن يزكي عن العين من مال القراض، وهذا خلاف النص، وقد قال محمد وغيره: إن زكاة ذلك على رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي من عنده، ولا يزكي العامل ما ينوبه إلا بعد المفاصلة لعام واحد.
وأيضاً: فيلزمك أن تقول إذا كانت الإبل شنقاً تزكى بالغنم أن زكاتها على رب المال؛ لأن زكاتها من غيرها، كعبيد القراض، فإن قلته فقد خالفت قول ابن حبيب وانفردت بقولك، وإن قلت على العامل فقد نقضت حجتك، إذ حجتك أن كل ما يزكى من غيره فهو على رب المال.
وأيضاً فإنا نقول: إن الشاة المأخوذة من الأربعين، إنما هي زكاة عن رقابها، والفطرة أيضاً زكاة عن رقاب العبيد، فاستويا؛ فوجب أن تكون زكاتهما على من له الرقاب، والمقارض لا شيء له في الرقاب، وإنما الذي يأخذه كالإجارة، فلا ينبغي أن يكون عليه من زكاة الرقاب شيء.
فإن قلت: فإنه إذا أسقطت قيمة الشاة من أصل مال القراض لم يدخل على العامل في ربحه نقص، قيل: يدخل عليه ذلك إذا حالت أسواق الغنم بزيادة بعد ذلك، وهذا كله إذا كان رب المال غائباً عنه، فللساعي أخذ الشاة من العامل إذ قد لا يجد رب المال فيؤدي ذلك إلى إسقاط الزكاة عنها، فإذا أخذها سقطت قيمة الشاة من مال

الجزء: 4 - الصفحة: 225

القراض، وكان ما بقي رأس مال، ويكون أخذ للشاة كالاستحقاق، ولا يجوز لربها أن يدفع حينئذٍ قيمة الشاة إلى العامل، فيكون ذلك زيادة في القراض بعد إشغال المال، ويكون القول في هذا ما قاله ابن حبيب لما يدخل على الساعي من الضرر في مطالبة رب المال.
وبالله التوفيق.
[فصل 3 - الغنم وإن اشتريت للتجارة فالواجب فيها هو زكاة الماشية] ومن المدونة قال مالك: ولا يقوم المدير غنمه في شهره الذي يزكي فيه، وإن ابتاعها للتجارة، لأن في رقابها زكاة السائمة، وليزك رقابها كل عام، لأن الغنم فريضة في الزكاة وسنة قائمة، وقد قال مالك في الرجل يبتاع الغنم للتجارة بعد ما زكى ثمنها بثلاثة أشهر أو أربعة أشهر: إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها.
فهذا يدلك أن الغنم إذا اشتريت خرجت عن زكاة المال وصارت إلى زكاة الماشية، وسواءً كان مديراً أو غير مدير إنه يستقبل بها حولاً من يوم اشتراها ثم يزكى رقابها.
[مسألة: في المدير يبيع غنمه قبل أن يأتيه الساعي] قال مالك: ولو باعها قبل الحول أو باعها بعد حول قبل مجيء الساعي فإنها ترجع إلى زكاة الذهب ويزكى الثمن لحول من يوم أفاده أو زكاه.

الجزء: 4 - الصفحة: 226

[مسألة: إن زكى عينها ثم باعها فحول ثمنها من يوم زكاة عينها] قال: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب.
[مسألة: إن كانت دون النصاب قومها المدير مع عروضه] ابن المواز: ولو كانت الغنم التي اشترى المدير أقل من أربعين فإنه يقومها مع عروضه في شهره الذي يقوم فيه ولا ينظر إلى حولها وهي بمنزلة العرض.
[مسألة: إن بلغت النصاب بعد تقويمها فأتى الساعي أخذ منها زكاة الماشية] م: وقال بعض شيوخنا: فإن قوّم هذه الغنم ثم بعد ذلك تمت بولادة أو بُدل قليل بكثير فأتى الساعي وهي نصاب أخذ منها الزكاة ولا يُسقِط عنه الزكاة ما تقدم من تقويمه إياها قبل مجيء الساعي، والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 227

[الباب الخامس]

في اجتماع الضأن والمعز والبقر والجواميس

[فصل 1 - يضم الجنس إلى جنسه في تكميل النصاب] قال مالك: وتضم الضأن إلى المعز في الزكاة، والجواميس إلى البقر، والبخت إلى الإبل العراب/.
قال بعض البغداديين: لأن الاسم والجنس يُجمع ذلك كله فدخل في عموم قوله: "في كل خمس من الإبل شاة، وفي كل ثلاثين من البقر تبيع، وفي كل أربعين شاة شاة".
[فصل 3 - الغنم تكون فيها الضأن والمعز تؤخذ الصدقة من أكثرها وإن كانت متساوية خير الساعي] ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن له سبعون ضائنة وستون معزة فعليه شاة من الضأن وأخرى من المعز، ولو كانت المعز خمسين كان عليه شاة واحدة من الضأن، ولو كانت ستين من الضأن.
وستين من المعز أخذ الساعي واحدة من أيهما شاء، ولو كانت عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة أخذ من الضأن واحدة ومن المعز أخرى، ولو كانت المعز ثلاثين أخذ شاتين من الضأن.
ومن المجموعة: قال مالك: ومن له ضأن ومعز تجب فيهما شاة أخذها المصدق من أكثرهما، فإن استويا فمن أيهما شاء.

الجزء: 4 - الصفحة: 228

قال ابن القاسم: وإن كان فيهما شاتان، فإن كان في أقلهما عدد الزكاة.
م: يريد: وكونها أوجبت الشاة الثانية أخذ من كل صنف واحدة.
م: لأن زيادة ما لا يوجب حكماً إنما هو وقص فلذلك شرطنا أن كونها أوجبت الشاة الثانية.
وإن كانت القليلة ليس فيها عدد الزكاة، يريد: أو كان كونها لم يوجب الشاة الثانية أخذ الشاتين من الكثيرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 229

وإن كان فيهما ثلاث شياة وكانت القليلة كونها أوجبت زيادة الواحدة وفيها مع ذلك عدد الزكاة أخذ الثالثة منها، وإن لم يوجب كونها زيادة الواحدة.
م: يريد: وإن كانت أكثر من نصاب فهي وقص لا يأخذ منها وإن كثرت.
م: ولو كان فيهما أربع شياة وكانت القليلة أوجبت الشاة الرابعة ابتدأ الحكم في المئة الرابعة فيأخذ الشاة الرابعة من أكثر المئة الرابعة، فإن استويا خيّر الساعي في الرابعة؛ لأن الحكم انتقل إلى المئتين، وكذلك يصنع فيما زاد يبتدي الحكم في المئة الآخرة.
قال أبو محمد: ورأيت لسحنون ولم أروه؛ فيمن له عشرون ومئة ضائنة، وأربعون معزة، أن يأخذ الشاتين من الضأن.
م: يريد: كأنه جعل في الأربعين من الضأن شاة، فيبقى منها ثمانون، والمعز أربعون، فيأخذ الشاة الثانية من الضأن؛ لأنها أكثر.
قال أبو محمد: والذي ذكر ابن القاسم أبين، وهي بخلاف من له أربعون بقرة وعشرون جاموساً، قال في هذه: يأخذ واحدة من كل صنف.
م: لأنه يجعل في الثلاثين من البقر تبيعاً، وتبقى عشرة منها مع عشرين جاموساً؛ فيأخذ تبيعاً من الأكثر وهي الجواميس.

الجزء: 4 - الصفحة: 230

م: والفرق بينهما أن الثمانين الزائدة على الأربعين في الضأن وقص لا شيء فيها، والعشرة الزائدة على الثلاثين في البقر ليس هي وقصاً؛ لأنها أحالت الفريضة عن حالها.
م: ولو كانت الضأن مئة وإحدى وعشرين لأشبهت مسألة الجواميس مع البقر؛ لأن الإحدى والثمانين الزائدة على الأربعين شاة ليس بوقص، لأنها أحالت الفريضة وصارت الأربعون معزاً حينئذٍ وقصاً فوجب أن يأخذ الجميع من الكثير.
قال أبو محمد: ولو كانت مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزاً، أو مئة وإحدى وعشرين ضائنة وأربعين معزاً ينبغي أن يأخ الجميع من الكثير.
م: صواب.
ومن المدونة: ولو كانت ثلاث مئة ضائنة، وتسعين معزة، أخذ ثلاث ضوائن، ولا

الجزء: 4 - الصفحة: 231

شيء في المعز؛ لأنها هاهنا وقص حتى تبلغ مئة فتكون فيها معزة ولو كانت ثلاثة مئة وخمسين ضائنة وخمسين معزة أخذ ثلاث ضوائن وخير الساعي في الرابعة إن شاء معزة أو ضائنة، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وستين والمعز أربعين أخذ أربع ضوائن وكذلك من كانت له ستون ضائنة وأربعون معزة أنه يأخذ شاة من الضأن، ولو كانت الضأن ثلاث مئة وأربعين، والمعز ستين، أخذ ثلاث ضوائن ومعزة، ولو كانت مئتي ضائنة ومئة من المعز، أو مئة وخمسين أخذ ضائنتين ومعزة، وكذلك في تسعين ومئة ضائنة وستين ومئة معزة، وإن كان في كل صنف مئة وخمسة وتسعون/ أخذ من كل صنف واحدة وأخذ الثالثة من أيهما شاء.
[فصل 3 - في اجتماع الجواميس مع البقر والبخت مع الإبل العراب] وكذلك يجري في اجتماع الجواميس مع البقر، والبخت مع الإبل العراب، فإن كان له عشرون جاموساً وعشرة من البقر فعليه تبيع من الجواميس، وإن كانت أربعين جاموساً وعشرة من البقر أخذ من الجوامس مسنة، وإن كانت أربعين جاموساً وثلاثين من البقر أخذ من الجواميس مسنة ومن البقر تبيعاً، ولو كانت البقر عشرين أخذ من كل صنف تبيعاً، ولو كانت عشرين جاموساً وعشرين بقرة أخذ مسنة من أيهما شاء، وإن كان من كل صنف ثلاثون أخذ من كل صنف تبيعاً.

الجزء: 4 - الصفحة: 232

[الباب السادس]

في زكاة ماشية المِدْيان وحبه وزكاة الفطر عن عبده

[فصل 1 - لا يُسْقِط الدين زكاة حب ولا ماشية ولو ماثله وإنما يُسقِط زكاة العين فقط] قال مالك رحمه الله: ولا يسقط الدين زكاة الماشية وإن كان يغترقها ولا مال له غيرها، أو كان الدين مثل صفتها، ولا يمنع الغرماء المصدق من أخذ الزكاة منها، وكذلك لو رفع من أرضه حباً أو ثمراً، وعليه من الدين صفة ما رفع، لم تسقط عنه الزكاة، وإنما يسقط الدين زكاة العين خاصة.
قال ابن القاسم: والفرق بينهما: أن السنة إنما جاءت في الضمار وهو المال المحبوس.
وفيه كان عثمان يصيح في الناس: "هذا شهر زكاتكم فمن كان عليه دين فليقضه حتى تخلص أموالكم فتؤدون منها الزكاة" فكان الرجل يحصي دينه ثم يؤدي مما بقى في يديه إن كان تجب فيه الزكاة، وأما الماشية والثمار فقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده يبعثون السُّعاة والخرّاص لزكاة مواشيهم وثمارهم ولا يأمرونهم بقضاء ما عليهم من الديون، والعين مصروف إلى أمانتهم، مقبول قولهم فيه.

الجزء: 4 - الصفحة: 233

وقد تقدم هذا في الكتاب الأول.
[فصل 3 - فيمن له عبد، وعليه عبد دين هل يزكي عن عبده زكاة الفطر] قال ابن القاسم: وأما من له عبد، وعليه عبد مثله في صفته، فلا يزكي للفطر عنه إن لم يكن له مال، وفي كتاب محمد: وعنده ما يخرج منه زكاة الفطر.

الجزء: 4 - الصفحة: 234

وقال سحنون: يزكي وقد قيل: إنه بمنزلة الحب والثمر وعليه الزكاة وهو أحسن، وروي ذلك عن مالك وهو قول ابن القاسم.
م: ووجه ذلك أن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ فكان الواجب ألا يسقط الدين زكاة لعموم الآية فخصت السنة العين من ذلك وبقي ما سواه على أصله مع ما أبانت السنة في المواشي والثمار، والعبد مثل ذلك.
ووجه قوله: لا يزكي الفطرة عنه: أن الفطرة لما كانت موكولة في إخراجها إلى أمانته ولا ساعي فيها أشبهت العين، والعين يُسقِطُه الدين، فكذلك هذا.

الجزء: 4 - الصفحة: 235

[الباب السابع]

في الماشية تباع أو تستهلك، أو يبادل بها

قال مالك: ومن أشترى غنماً للتجارة ثم باعها قبل الحول أو بعده قبل مجيء الساعي، فليزك الثمن؛ لأن حوله من يوم أفاده أو زكاه، ولا زكاة فيها للمصدق.
وقد تقدم هذا.
[فصل 1 - فيمن استهلكت ماشيته فأخذ فيها دراهماً، أو جنساً غيرها] قال ابن القاسم: ومن استهلكت غنمه بعد الحول قبل مجيء الساعي، وهي أربعون شاة فأخذ في قيمتها دراهم زكاها مكانه؛ لأن حولها قد تم.
م: يريد إذا كانت الدراهم التي أخذ فيها نصاباً، وكانت الغنم للتجارة، وإن كانت للقنية دخل في القيمة اختلاف قول مالك، هل يستقبل بها حولاً أم لا؟.
قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة إبلاً أو بقراً فلا شيء عليه، ويستقبل بها حولاً من ذي قبل.
قال سحنون: وقال عبد الملك: عليه الزكاة في الإبل والبقر، وقاله مالك في العتبية.
م: وجه ذلك: فلأنه أخذ جنساً فيه الزكاة عن جنس فيه الزكاة كأخذه عن

الجزء: 4 - الصفحة: 236

الذهب ورقاً أو عن غنم عنماً أن الثانية على حول الأولى، وذكرهم للقيمة لغو.
ووجه قول ابن القاسم/ فلأنه إنما وجب له عنده قيمة، فأخذ فيها إبلاً، فهو كاشترائه بالعين إبلاً أن حولها مؤتنف، وكمن أخذ إبلاً عن غنم أن الحول موتنف عند ابن القاسم.
[فصل 2 - من استهلكت غنمه فأخذ بالقيمة غنماً في مثلها الزكاة] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخذ بالقيمة غنماً في مثلها، فلا زكاة عليه أيضاً، ولابن القاسم قول ثان، أنه يزكيها كالمبادلة بها، والقيمة لغو إلا أن تكون أقل من أربعين، فلا شيء عليه فيها.
قال سحنون: والقول الأول أحسن قال أشهب: كما لو باع الأولى بدنانير ثم أخذ بالدنانير غنماً.
قال حمد يس: إنما يختلف قوله إذا دخلها عيب يوجب له قيمتها، فكان مخيراً بين أخذ قيمتها أو عينها، فتارة يعد أخذه للغنم عوضاً عن العين، وتارة عوضاً عن القيمة، وأما لو ذهبت العين أصلاً حتى لا يكون له إلا القيمة، فأخذ فيها غنماً فلا يختلف قوله ألا زكاة عليه فيها.
والله أعلم.
فصل [3 - فيمن باع ماشيته قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية] ومن المدونة: قال مالك: ومن ورث نصاب غنم، أو اشتراها للقنية ثم باعها بعد الحول قبل مجيء الساعي بما فيه الزكاة لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً بعد قبضه إلا أن

الجزء: 4 - الصفحة: 237

يبيعها فراراً فتلزمه زكاة السائمة، ثم قال مالك: أرى أن يزكي الثمن الآن، وكذلك إن باعها بعد ستة أشهر من يوم ابتاعها أو ورثها فإنه يزكى الثمن لستة أشهر أخرى، وعلى هذا ثبت وهو أحب إلي.
م: يريد: لأن القنية لا تقدح في الماشية فلا تمنع المصدق من زكاتها؛ لأن الزكاة في أعيانها كالدنانير والدراهم فخالفت غيرها مما يقتنى.
قال ابن القاسم: ولو باعها بعد أن زكى رقابها زكى الثمن لتمام حول من يوم زكى الرقاب.
قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه أنه يزكي الثمن لحول من يوم زكى الرقاب كانت لقنية أو ميراث أو من تجارة، وإنما اختلف قوله فيمن باعها قبل أن يزكيها قبل الحول أو بعده وهي ميراث أو مشتراة لقنية فقال: يأتنف بالثمن حولاً، ثم قال: يزكي لحول من يوم ملكها ولا ترجع إلى أصل حول ثمنها؛ لأن القنية أبطلت زكاة الذهب، وهذا إنما باع بما فيه الزكاة ولم يبع فراراً، وعلى هذا جل أصحابه إلا أشهب فثبت على قوله الأول.
ولم يختلفوا أنها لو كانت للتجارة لرجعت إلى حول أصل ثمنها ويزول حول الغنم، وهو قول مالك ما لم يزك الرقاب قبل البيع، وكذلك لو كانت الموروثة أقل من أربعين وبيعت بعد الحول بما تجب فيه الزكاة أم لا أو بيعت التي زكيت بما لا زكاة فيه فلا زكاة في ثمنها ويستقبل به حولاً عند مالك وأصحابه.
[فصل 4 - فيمن أشترى غنماً للتجارة أو للقنية بعين له بيده شهوراً، وفي الغنم المقتناة تباع بعد أن زكاها] قال ابن حبيب: لم يختلف مالك وأصحابه أن من ابتاع غنماً للتجارة أو للقنية

الجزء: 4 - الصفحة: 238

بعين له بيده شهوراً أنه يأتنف بالغنم حولاً ثم إن باع المشتراة للتجارة بعد ما زكاها بشهور أنه يزكى الثمن لحول من يوم زكى الرقاب.
م: وهذا كله وفاق لما ذكر محمد.
قال: واختلف قوله في المقتناة تباع بعد أن زكاها، فقال: يأتنف بالثمن حولاً من يوم البيع.
م: هذا خلاف لما تقدم لابن المواز.
قال: ثم قال مالك: يزكيه لحول من يوم زكى الرقاب.
وأخذ بالأول: مطرف، وأشهب، وأخذ بالآخر: ابن كنانة، وابن القاسم، وابن الماجشون وأصبغ، وبه أقول.
وكذلك اختلف قوله في المقتناة، والموروثة يبيعها قبل الحول، وأما التي للتجارة فترجع إلى أصلها لم يختلف فيها قوله، قال: وهذا كله إذا كان ببلد تأتي فيه السعاة، وأما إن كان ببلد لا تأتي فيه السعاة، وباعها بعد الحول فإنه يزكي زكاة السائمة.

الجزء: 4 - الصفحة: 239

[فصل 5 -] م: فإن قيل: ما الفرق بين من زكى ماله العين ثم اشترى به بعد أشهر نصاب ماشية للقنية أنه يأتنف بالماشية حولاً وبين من زكى ماشيته ثم باعها بعد أشهر بعين فيه الزكاة أنه يبنى على حول الأولى.
قيل: الفرق أن الأصل عندنا في كل من اشترى بالعين شيئاً نواه للقنية فقد أبطل/ حول العين، سواء كان ما اشترى غنماً، أو غيرها، فلذلك استقبل بالماشية حولاً ولم يبن على حول العين؛ لأنه قد بطل، وقاله مالك وأصحابه؛ ولأن الأصل أيضاً فيمن باع شيئاً مقتنى أن يستقبل به حولاً، فلما كانت الماشية لا تقدح فيها نية القنية وأن للساعي أخذ الزكاة منها إذا حل حولها من يوم اشتراها أو ورثها فارقت غيرها من الحيوان والعروض وغير ذلك وخرجت عن حد ما يقتنى فبطل أن يستقبل بها حولاً فلم يكن بد من البناء على حولها، وأشبهت ما لا يباح اتخاذه من أواني الذهب والفضة التي لا تقدح فيها نية القنية، أو كالعين المضروب، مع إجماع مالك وأصحابه على ما ذكره ابن المواز في هذا.
م: ولأن الدنانير لما كانت أثمان الأشياء وبها تقوم المتلفات فإذا أخذها عوضاً من الماشية فهي كالماشية لأنها التي يقضى له بها لو أتلفها كما لو أتلف ما يكال أو يوزن إنما عليه مثله فالقيمة أيضاً كالمثل، فصار إذا أخذ عيناً كأنه بادل غنماً بغنم.
والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 240

م: وقد رأيت لأشهب أنه إذا ابتاع بالعين بعد أشهر من يوم زكاة ماشية في مثلها الزكاة أنه يبني على حول الذهب، فلم يحتج أشهب إلى فرق، وهو قياس واحد.
[مسألة: من باع ماشية دون النصاب لم يزك ثمنها وإن مضى عليها حول إذا كان أصها قنية أو ميراثاً] ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له أربعة من الإبل فباعها بعد حول لم يزك الثمن ويستقبل به حولاً.
م: يري إذا كان أصلها قنية أو ميراثاً، وهي مخالفة للتي تُزكى.

الجزء: 4 - الصفحة: 241

[فصل 6 - فيمن باع ماشية بجنسها أو باعها بغير جنسها] قال مالك: ومن باع غنماً بإبل، أو بقراً بغنم بعد أشهر من يوم زكى رقابها فليأتنف بالذي أخذ حولاً من يوم ابتاعها وقد انتقض الحول الأول، لأنهما صنفان لا يُجْمعان في الزكاة، فهو بمنزلة من كان له عين فاشترى به بعد أشهر نصاب ماشية أنه يستقبل بالماشية حولاً من يوم الشراء.
قال: وإن باع جنساً بمثله كغنم بغنم أو بمعز فالثانية على حول الأولى؛ لأن ذلك صنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الصدقة والفوائد إلا أن تنقص الثانية عما فيه الزكاة مثل أن يبيع أربعين شاة لها عنده أشهراً بثلاثين شاة فلا زكاة عليه فيها لتمام الحول، وإن باعها بأربعين فأكثر زكاها.
قال ابن المواز: ولم يختلف مالك وأصحابه فيمن باع صنفاً بصنفه من الأنعام أنها على حول الأولى، وكذلك ضأن بمعز، أو معزاً بضأن، أو بقراً بجواميس، أو جواميس ببقر.
م: لأن ذلك مما يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، فأشبه بيع الذهب بالفضة.
قال ابن المواز: فأما إن باع جنساً من ذلك بخلافه فاختلف فيه قول مالك وأصحابه:

الجزء: 4 - الصفحة: 242

فقال ابن القاسم، وأشهب: يأتنف بالثانية حولاً، وهي رواية ابن القاسم عن مالك.
وروى أشهب، وابن وهب، وعبد الملك عن مالك: أنها على حول الأولى.
قال: لأن المواشي كلها واحد فكلما أخذت بماشيتك مما تكون فيه الزكاة قائمة فه على وقت الأولى كما لو أخذت بماشيتك ذهباً، وبه قال ابن وهب وعبد الملك.
وقد تقدم نحوه.
[فصل 7 - فيمن باع غنماً بمال ثم اشترى به غنماً غيرها] قال ابن المواز: ومن باع ماشية بذهب وسط الحول ثم اشترى به مثلها، فقال ابن القاسم وأشهب عن مالك أنه يأتنف بالثانية حولاً، قال ابن القاسم: وكذلك لو باع غنمه بإبل أو بقر أو عرض فلم يقبض ذلك حتى أخذ به غنماً مثل عدد غنمه التي باع؛ فإنه يستأنف بالغنم الآخرة حولاً؛ لأن حول الأولى سقط حين باعها بما ذكرنا، وصارت الثانية كأنها اشتريت بذلك.
قال: وكذلك لو باع غنمه بذهب ثم استقال منها فرد ثمنها، فإنه يستأنف بها حولاً، وسواء قبض ثمنها أو لم يقبضه، والإقالة بيع حادث، ولم يره مالك في الشفعة بيعاً حادثاً، لتهمتهما عنده أن يكونا أرادا نقض البيع الأول فراراً من الشفعة فيه.
قال ابن المواز: وذهب عبد الملك فيمن باع غنمه بذهب ثم اشترى به مثلها إلى أن يزكى الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أخذ بذلك الثمن إبلاً أو بقراً؛ لأنه لم

الجزء: 4 - الصفحة: 243

يخرجها إلا إلى ما فيه الزكاة ثانية ما لم تكن الأولى ذهباً أو ورقاً اشترى/ بها ماشية لقنية أو لتجارة فإنه يستأنف بالماشية حولاً؛ لأن النقود هي أموال الناس.
وذكر عنه سحنون في كتاب ابنه فيمن رفع حباً فزكاه، ثم ابتاع به غنماً بعد اشهر، ثم تم حول من يوم حصاده قال: فليزك الغنم، وخالفه سحنون.
قال: وأما إن قبض عينا في غنم فلا يزكيها إلا لحول، قال سحنون: وقوله في العين صحيح.
م: واختصار هذا الانتقال في العين والمواشى أنه لم يختلف إذا باع جنساً بمثله أو بما يجمع معه في الزكاة أن الثاني على حول الأول، واختلف إن باعه بخلافه مما فيه الزكاة فقيل: يبني على حول الأول، وقيل: يأتنف بها حولاً.
[فصل 8 - فيمن باع غنماً ثم رُدت عليه بعيب بعد حوْل أو أخذها في تقْليس المشتري] ومن كتاب ابن سحنون: من ابتاع غنماً فأقامت عنده حولاً ثم ردها بعيب قبل مجئ الساعي فزكاتها عى البائع.
م: هذا على قولهم أن الرد بالعيب نقض بيع، وعلى قولهم إنه بيع مبتدأ: يجب أن يستقبل بها حولاً.
قال: ولو ردها بعد أن أدى عنها شاة فليردها ولا شئ عليه في الشاة التي

الجزء: 4 - الصفحة: 244

أخذها المصدق، ولو فلس المشترى فقام الغرماء وجاء الساعي فالزكاة مُبَدأة، وما بقي للغرماء، وكذلك الحائط يُشتْرى بثمره فيأتي المصدق وقد طابت الثمرة فالمصدِّق مبدأ، ولو طلب بائع الغنم أخْذَ الغنم في التقليس فليأخذ المصدِّق شاة، ثم للبائع أخْذُ الغنم ناقصة بجميع الثمن إن شاء، ويكون ما أخذ المصدق منه.
ولو هرب المشتري بالغنم عن السّاعي وهي أربعون، ثم جاء في السنة الثانية وقد فلس فليأخذ الساعي منها شاة، وتكون من البائع إن استرجع الغنم، ولا شئ له عليه في السنة الثانية ولا على المبتاع، وإن لم يأخذها البائع كان على المشتري فيها شاتان، يريد: على مذهب سحنون؛ لأنه ضامن لها فصارت الشاة الأولى في ذِمته.

الجزء: 4 - الصفحة: 245

[فصل 9 - فيمن باع ماشيته بعد الحول قبل مجئ الساعي فراراً من الزكاة] ومن المدونة: قال مالك: ومن باع بعد الحول نصاب إبل بنصاب غنم هرباً من الزكاة أخذ منه المصدق زكاة ما أعطى، وإن كان زكاة الذي أخذ أفضل؛ لأن ما أخذ لم يجب فيها بعد زكاة.
قال: ولو باعها غير فار فلا شئ عليه إذْ حوْلها مجئ الساعي، ويستقبل بالتي أخذ حولاً، ولو باعها بعد الحول بدنانير زكي الثمن الآن إن لم يبع فراراً.
قال ابن القاسم: والدنانير مخالفة لما سواها مما بيعت به هذه الإبل.
قال: وإن قبض الثمن بعد أعوام زكاه لعام واحد، وإن أخذ الثمن ثم أقرضه زكاه لعامين.
م: ذكر عن أبي القاسم بن الكاتب القروي في مسألة من باع غنماً هرباً من الزكاة قال: إنما يعد هارباً متى باع بعد الحول، فأما إن باع قبل الحول لم يراع فراره من غيره؛ لأنه لم يجب عليه شئ حين بيعه، وليس كمسألة الخليطين إذا اختلطا عند الحول أو قربه أن ذلك لا ينفعهما؛ لأن هؤلاء قد بقيت مواشيهم في أيديهم حتى حال الحول

الجزء: 4 - الصفحة: 246

عليها، والذي باع قبل الحول ليس في يده شئ بعد الحول، فلذلك افترقا.
والله أعلم.
م: وليس ذلك بصواب لأن بيعها بعد الحول قبل مجئ الساعي مثل بيعها قبل حولها إذْ حولها مجئ الساعي فلا فرق؛ ولأن المتخالطين إنما ألزما حكم الافتراق لأنهما أرادا بذلك إسقاط شئ من الزكاة، والفارّ إنما أراد إسقاط الزكاة، كلها، فهذه هي العلة الجامعة بينهما؛ ولأنه أراد أخذ ما وجب للمساكين فمنعه كمنع القاتل الميراث الذي لم يجب له بعد وأراد تعجيله.

الجزء: 4 - الصفحة: 247

[الباب الثامن]

في زكاة فائدة الماشية، وذكر شيء من فائدة العين

[فصل 1 - من أفاد ماشية بشراء أو ميراث أو غيره فلا يزكي إلا بعد الحول ومجيء الساعي].
والسنة أن لا زكاة على من عنده ماشية في مثلها الزكاة إلا بعد حول من يوم ملكها، ملكها بشراء، أو ميراث، أو غيره، مع مجيء الساعي، وحول نسلها حول الأمهات.
قال مالك: ومن مات عن ماشية بعد الحول قبل مجيء الساعي لم يلزمه ولا وارثه شيء حتى يأتي حول من يوم ورثها الوارث فيزكيها الساعي حينئذ، وإن كانا وارثين في الماشية فهما كالخليطين لا زكاة على من لا زكاة في حظه، ولو كانا قد اقتسماها فعلى كل واحد ما يلزمه.
قال: ولو مر به الساعي قبل حول من يوم ورثها فلا شيء عليه لتمام حوله حتى يمر به من عام قابل فيأخذ منه/ لعام واحد، وهذا كله إذا لم يكن للوارث نصاب ماشية.
قال في غير «المدونة»: ومن مر به الساعي فزكى غنمه ثم مات فورثه وارث فضمها إلى نصاب له عنده حول فمر به الساعي فليزك ما ورث مع ماشيته

الجزء: 4 - الصفحة: 248

لأنهما ملكان مختلفان.
[فصل 2 - فائدة الماشية تزكي على حول الأولى إن كانت الأولى نصاباً] ومن المدونة: قال مالك: ومن أفاد غنما إلى غنم، أو بقراً إلى بقر، أو إبلا إلى إبل بإرث، أو هبة، أو شراء، زكى الجميع لحول الأولى إذا كانت الأولى نصاباً تجب فيها الزكاة، وسواء ملك لثانية قبل تمام حول الأولى بيوم أو بعد محلها قبل قدوم الساعي، وإن كانت الأولى أقل من نصاب أستقبل بالجميع حولاً من يوم أفاد الآخرة إلا أن تكون الفائدة من ولادتها فيزكي الجميع لحول الأولى نصاباً كانت الأولى أم لا.
وقال الشافعي: إذا لم تكن الفائدة نتاجاً استقبل بها حولاً كفائدة العين، وإليه ذهب محمد بن عبد الحكم.
[فصل 3 -] م: والفرق بين فوائد المواشي وفوائد العين الضرورة التي تلحق الساعي في تردده، فكان العدل في ذلك أنه إذا أضاف الفائدة إلى نصاب زكي لحول الأولى، وإن اضافها إلى أقل من نصاب زكى الجميع لحول الثانية فخفف عنه تارة وثقل أخرى للضرورة في

الجزء: 4 - الصفحة: 249

تردد الساعي كما فعلوا في تخلف الساعي سنين أنه يزكي ما وجد بيده لسائر السنين وقد تكون في سائر السنين كثيرة واليوم هي قليلة فخفف عنه أو كانت في سائرها قليلة واليوم كثيرة فثقل عليه ها هنا؛ لأن الزكاة موكولة إلى النظر إلى أرباب الأموال والفقراء، فإذا لحق أحد الفريقين رفق أو تثقيل نظر للفريق الآخر بمثله، فلما كان إذا كان عنده أقل من نصاب لم يضم ما أفاد إليها، وفي ذلك رفق لربها وضرر على المساكين، فكذلك إذا كان عنده نصاب ضم ما أفاد إليها فكان فيه رفقاً بالمساكين وضرراً بربها فأشبه ذلك الخُلْطة وتخلف الساعي في أنها تارة تخفف، تارة تُثقَّل.
[فصل 4 - من لا يأتيه السعاة لِبُعْدِه يزكي كل فائدة لحولها] ولو كان ممن لا يأتيه السعاة لبعده ولا يستطيع جلبها إليهم لزكى كل فائدة لحولها كزكاة العين؛ لأنه ساعي نفسه، ولا ضرورة تلحق أحداً في ذلك، وقاله أبو محمد بن أبي زيد.
وفي كتاب ابن سحنون ما يؤيد ذلك قال- فيمن ورث إنما فمضى له حول، ومر الساعي بالناس وهو لا يمر به- فليزكها حينئذ، ويكون ذلك حوله؛ لأنه ساعي نفسه، وتصير كزكاة العين.

الجزء: 4 - الصفحة: 250

م: وقال بعض أصحابنا عن بعض شيوخ القرويين أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكيَ على حول الأولى مثل بلد فيه السعاة.
وفي المستخرجة ما يدل أنه يضيف الفائدة الآخرة إلى الأولى ويزكي لحول الأولى مثل بلد فيه السعاة.
والذي في المستخرجة: قال أصبغ عن بعض المصريين فيمن له نصاب ماشية فأفاد إليها غنماً كثيرة فنقص النصاب قبل حوله عما فيه الزكاة فلا يزكيه إلا مع حول الفائدة الآخرة إلا أن تزيد الأولى بولادة فيتم عدد الزكاه فليزكها مع الثانية لحول الأولى، وكذلك لو أفاد الثانية إلى غير نصاب ثم تناسلت الأولى قبل حولها فتمت نصاباً فليزكها لحولها مع الفائدة الآخرة.
وأصل هذا أن ينظر إلى الغنم الأولى فإن كانت الزكاة تجب فيها فليزك معها الفائدة، وإن كانت لا تجب فيها سقطت الزكاة عن الفائدة، ويزكي الجميع لحول الفائدة، إلا أن تكون ممن يأتيك الساعي، فتؤخر زكاتك إلى مجيئه.

الجزء: 4 - الصفحة: 251

ونحوه في المجموعة وكتاب محمد في زيادة النصاب ونقصه خاصة.
[فصل 5 - ما هلك من المال بعد الحول وقبل الأخذ منه من غير تفريط سقطت زكاته] ومن المدونة: قال مالك: ومن كانت له مئتا شاة وشاة فهلكت منها واحدة بعد نزول الساعي قبل العدد لم يأخذ غير شاتين، ولو كانت له أربعون شاة فنقصت واحدة قبل الحول بيوم ثم أفادها من يومه إئتنف بالجميع حولاً إلا أن تكون من ولادتها فليزك الجميع لحول الأولى.

الجزء: 4 - الصفحة: 252

[فصل 6 -] قال: ومن أفاد جنساً إلى غيره كإبل إلى غنم، والأولى نصاب أم لا، فكل صنف على حوله بخلاف الجنس الواحد.
[فصل 7 - في زكاة الفائدة إذا كانت دية أو صداقاً] قال مالك: ومن وجبت له إبل في دية فقبضها بعد أعوام فليأتنف بها حولاً من يوم يقبضها، وكذلك المرأة تنكح على إبل مضمونة، فإن تزوجت على إبل أو غنم بأعيانها أو على نخل فأثمرت فالزكاة في ذلك عليها وإن لم تقبضها، ولو قبضتها بعد حول زكت ذلك مكانها ولم تؤخره لأنها قد ملكتها من يوم عقد النكاح، وضمانها منها، والتى بغير أعيانها ضمانها من الزوج حتى تقبضها فلذلك استقبلت بها حولاً.
فصل/ [8 - في زكاة المال المستفاد إذا كان إرثاً بيد الوصي] قال مالك: وإذا هلك رجل وترك بنين كباراً كلهم أو كباراً وصغاراً وأوصى إلى رجل فباع الوصي تركته، وأقام المال بيده ما شاء الله فلا زكاة على أحد منهم حتى يقتسموا، فيستقبل الكبار بحظهم حولاً بعد قبضه، ويستقبل الوصي للصغار بحظهم حولاً من يوم القسم، وإن كانوا صغاراً كلهم كان الوصي قابضاً لهم، ويستقبل لهم حولاً من يوم نض الثمن في يديه.
[فصل 9 - الماشية إذا ورثها وحال عليها الحول وجبت زكاتها وإن لم يقبضها، بخلاف الدنانير] قال: ومن ورث مالاً نصاباً غائباً عنه فقبضه بعد أعوام فليستقبل به حولا بعد

الجزء: 4 - الصفحة: 253

قبضه وكذلك لو وكل من يقبضه فليستقبل به حولاً بعد قبض الوكيل وإن لم يصل إليه بعد.
قيل: فلو ورث ماشية تجب فيها الزكاة فحال عليها الحول قبل أن يقبضها وهى في يد وصي أو غيره؟ قال: عليه زكاتها وإن لم يقبضها بخلاف الدنانير.
والفرق بينهما أن الغنم لا يسقطها الدين، والعين يسقطه الدين فلا ينبغي أن يزكي عليه وهو غائب خوفاً أن يكون مدياناً أو يرهقه دين قبل مجئ السنة.
وقال سحنون: الدنانير في ضمانه من يوم ورثها كالماشية ولكن لا تزكى خوفا أن يكن مدياناً فإذا قبضها ولا دين عليه زكاها لماضي السنين.
وقد تقدم قي الزكاة الأول إيعاب هذا.

الجزء: 4 - الصفحة: 254

[الباب التاسع]

في من أوصى بزكاة ماله من ماشية أو عين، وذكر شئ من التبدية في الوصايا.

[فصل 1 - فيمن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها] قال مالك: ومن له ماشية تجب فيها الزكاة فمات بعد حولها قبل مجئ الساعي وأوصى بزكاتها فهي من الثلث غير مبدأة، وعلى الورثة أن يفرقوها في المساكين الذين تحل لهم الصدقة وذكرهم الله في كتابه، فلهم أوصى الميت، وليس للساعي قبضها؛ لأنها لم تجب على الميت، وكأنه مات قبل حولها إذ حولها مجئ الساعي مع مضي عام.
م: وذهب ابن حبيب إلى أن من مات وقد حال الحول على ماشيته ولم يأته الساعي أن زكاتها واجبة على ورثته كزكاة الحبوب والثمار.
والفرق عند مالك وأصحابه في ذلك قوله عز وجل: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) فقد أوجب الله عز وجل زكاته بطيابه، فإذا مات بعد الطياب فقد مات بعد وجوب الزكاة عليه، وأوجبت السنة أن لا زكاة في الماشية إلا بعد الحول، وبعد قدوم الساعى، فإذا مات قبل قدوم الساعي فقد مات قبل حولها، وكما لو ماتت الماشية بعد الحول قبل قدوم الساعي أنه لا يجب عليه زكاتها، فكذلك موته حينئذ لأنه مات قبل حولها.
ومن المدونة: وإنما يبدأ في الثلث ما كان فرط فيه من زكاة العين وأوصى به فإنه يُبدأ على ما سواه من الوصايا من العتق والتدبير في المرض وغيره إلا المُدَبر في الصحة،

الجزء: 4 - الصفحة: 255

وإن لم يوص بإخراج زكاة العين لم يلزم لورثة إخراجها إلا أن يشاءوا.
قال: ولو حل عليه في مرضه زكاة العين أو أتاه مال غائب فأمر بزكاته فذلك في رأس ماله لأنه لم يفرط، قال ابن القاسم: وإن لم يوص بها، أمر بذلك الورثة ولم يجبروا.
وأشهب يقول: هى من رأس ماله أوصى بها أو لم يوص.
م: وإنما كان ما فرط فيه من الثلث وما حل عليه في مرضه من رأس المال؛ لأن ما فرط فيه لا يعلم صدقه فيه، وممكن أن يكون أخرجه وأراد الضرر بالورثة بالصدقة من رأس ماله وهو لا سبيل له إلى رأس ماله في مرضه فمنع من ذلك، وجعلت في الثلث مُبَدأه، وقوي أمرها على سائر الوصايا؛ إذ يمكن أن يكون صدق وهو لو علم صدقه يقيناً لكانت من رأس ماله، وأما ما حل عليه في مرضه فقد بان صدقه فيه فكان من رأس ماله؛ لأن الزكاة فريضة وجبت عليه.
قال مالك: وإن أوصى بزكاة وجبت عليه، وبعتقٍ من ظهار، وقتل نفس فضاق الثلث، بدي بالزكاة ثم/ العتق الواجب من الظهار وقتل النفس، ولا يُبدأ أحدهما على صاحبه.
م: وقيل: يبدأ بقتل النفس.

الجزء: 4 - الصفحة: 256

م: وإنما قدمت الزكاة عليهما؛ لأن العتق في ذلك منه عوض عند العدم وهو الصيام ثُم الإطعام في الظهار، ولا عوض في الزكاة فقدمت لهذا.
واختلف في معنى قوله في العتقين: ولا يبدأ أحدهما على صاحبه فقيل: يقرع بينهما فأيهما خرج له السهم اشتريت له الرقبة، وقيل: بل يتحاصان فما ناب الظهار أطعم به وما ناب القتل شورك به في رقبة، ووجه قول من قال يبدأ بقتل النفس لأنه لا عوض منه في المال، وعتق الظهار منه عوض الإطعام.
قال: والعتق في الظهار وقتل النفس يبدأن على عتق التطوع لوجوبهما، والعتق التطوع يبدأ على ما سواه من الوصايا.
وقد روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتبدية العتق على الوصايا، وقد تقدم في الصوم ترتيب ما يبدأ، وفي الوصايا إيعابه.

الجزء: 4 - الصفحة: 257

م: وبلغني عن بعض شيوخنا فيمن كان ببلد لا سعاة فيه، فيحل حوله ثم يموت، فيوصي بإخراج زكاته أنها من رأس ماله، لأنه ساعي نفسه، وإن لم يوص لم يلزم ورثته إخراجها كزكاة العين تحل في مرضه، وهي بخلاف زكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها تلك في رأس المال وأوصى بها أو لم يوص إذ قد يكون في الماشية والعين أنه أخرج الزكاة عنهما من غير علم الورثة فلا يلزم الورثة أداؤها حتى يوصي، والثمار إنما تؤدى زكاتها عند جذاذها فقد بان أنه لم يخرجها فذلك مفترق.
: وأشهب يري في زكاة العين تحل في مرضه، وفي زكاة الفطر أن ذلك من رأس ماله أوصى بذلك او لم يوص كزكاة الثمار تطيب ثم يموت ولا يوصي بإخراج زكاتها.
م: وذلك قياس واحد.
وقال ابن حبيب: من حلت عليه في مرضه زكاة ثمر أو حب فمات ولم يوص بإخراجهما، فإن جذ ذلك وحصده ولم يضم ذلك إلى بيته أخرج ذلك من رأس ماله وإن لم يوص بها، وأما إن ضمها إلى بيته فهي كزكاة ناضة إن كان ببلد لا ياتيه السعاة لزكاة الثمر والحب وكان صاحبه يلي تفرقته، فإن لم يوص بها أمر الورثة بإخراجها ولم يجبروا، وإن أوصى بها فهي من رأس ماله، وإن كان ببلد تأتيه السعاة فهي مأخوذة بكل حال؛ لأن وقتها لم يفت، ثم يورث ما بعدها، وإن حل عليه في مرضه زكاة ماشية فهي مأخوذة من رأس ماله أوصي بها أو لم يوص؛ لأن الفريضة التي وجبت فيها قائمة، وليس تركه إخراجها، أو الوصية بها كتركة ذلك في زكاة الناض وفي زكاة الحب.

الجزء: 4 - الصفحة: 258

والثمر إذا ضمه إلى بيته؛ لأن ذلك مضمون بالغيبة عليه، والماشية حيوان لا يغاب عليه.
م: يريد ابن حبيب فى الماشية إذا كان ببلد لا يأتيه السعاة فهو ساعي نفسه، وأما لو كان ببلد يأتيه السعاة فالزكاة لا تجب عليه إلا بمجئ الساعي فإذا كان الأمر كذلك فهو خلاف لما ذكره بعض شيوخنا فاعلم لك.
م: وتحصيل اختلاف ذلك أنه لا خلاف في زكاة الحب والثمار يموت ربها وقد طاب ولم تجذ أو جذ ولم يدخله بيته ويغيب عليه أن زكاة ذلك في رأس ماله وإن لم يوص به، واختلف في زكاته إذا أدخله بيته، وفي زكاة العين وزكاة الفطر وزكاة الماشية وهو ساعي نفسه يَحُل ذلك كله في مرضه ثم يموت فقيل: عليه زكاته أوصى به أو لم يوص به، وقيل: لا شئ عليه إلا أن يوصي ويؤمر الورثة بإخراجها ولا يجبروا.
قال ابن حبيب: وكل ما فرط فيه من زكاة ماشية أو حب أو عين فإن ذلك في ثلثه إن أوصي به مُبِدة عند ابن القاسم على كل شئ إلا المدبر في الصحة، وقال ابن

الجزء: 4 - الصفحة: 259

الماجشون: لا يُبدا على مالا يقدر الموصي أن يرجع عنه من/ عتق قتل أو تدبير في مرض أو صحة، وبه أقول.
والصواب عندنا قول ابن القاسم لما قدمتا، والله الموفق للصواب.

الجزء: 4 - الصفحة: 260

[الباب العاشر]

في وقت خروج السعاة وتصديقهم للناس

[فصل:- السنة أن يبعث الإمام من يقبض زكاة الحرث والماشية] وكان النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء يبعثون سعاة تقبض زكاة الحرث والماشية، وقال رجل: يا رسول الله: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ورسوله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((نعم إذا أديتها إلى رسولي برئت منها ولك أجرها، وإثمها على من بدلها)).
[فصل:2 - في وقت بعث السعاة] ومن المدونة: قال مالك: وسنه السعاة أن يبعثوا قُبلَ الصيف وحين تطلع الثريا ويسير الناس بمواشيهم إلى مياههم؛ لأن في ذلك رفقاً للناس في اجتماعهم على الماء وعلى السعاة، لاجتماع الناس.
قال مالك: ولا أحب لصاحب الماشية أن تنزل السعاة عنده ولا يعيرهم دوابه يريد: خيفة التهمة أن يخففوا عنه، قال: وشرب السعاة الماء من منازل أرباب الماشية

الجزء: 4 - الصفحة: 261

خفيف.
[فصل: 3 - في خروج السعاة في سنة الجدب] وقال عنه أشهب- في المجموعة وكتاب محمد-: يبعث السعاة في كل سنة إلا في سنة شديدة الجدب فلا يبعثوا؛ لأنه يأخذ مالا يجلب وإن بيع فلا ثمن له، وقال عنه ابن وهب: لا تؤخر الصدقة وإن عجفت الغنم.
قال ابن شهاب: وقد بعث الخلفاء السعاة في الخصب والجدب.
قال ابن المواز: روى أصبغ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لاثنيا في الصدقة)) وتفسيره: لا تؤخر الصدقة عن عامها عند أهلها لجدوبة ولا عجوفة حتى تثنى، ولو كانت ذوات عوار، أو تيوس كلها، كان عليه أن يأتي بما يجزى عنه، إلا أن يرى المصدق أخذ ذلك.
قال ابن المواز: والعجاف مثل ذلك، يأتيه بصدقتها من غيرها مما يجوز في الصدقة.
وقد تقدم هذا.
ومن المدونة: قال مالك: ومن مر به الساعي وفي ماشيته ما تجب فيه الزكاة فقال: إنا أفدت غنمى منذ شهر ونحوه صدق مالم يظهر كذبه.

الجزء: 4 - الصفحة: 262

أبو محمد: زاد أبو زيد: ويحلف.
وقال مالك: لا يحلف، وقد أخطأ من يحلف الناس من السعاة.
قال مالك: وإذا كان الإمام عدلاً مثل عمر بن عبد العزيز فلا يخرج أحد زكاته حتى يأتيه المصدق فإن أتاه فقال: قد أديتها لم يقبل قوله ولياخذه بها.
وقال أشهب: لا شئ عليه إلا أن يتهم بمنع الزكاة.
قال مالك: وإن كان الإمام غير عدل فليضعها مواضعها إن خفي له ذلك وأحب إلى أن يهرب بها عنهم إن قدر، فإن خاف أن يأتوه ولم يقدر ان يخفيها عنهم فليؤخر ذلك حتى يأتوه، فإن أخذوها منه أجزأه.

الجزء: 4 - الصفحة: 263

ابن مهدي: وإن أبا سعيد الخدري وسعد بن مالك وأبا هريرة وعبد الله بن عمر قالوا: يجزيك ما أخذوا.
قال الحسن وأنس: ما أعطيت في الطرق والجسور فهو صدقة.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عيه وسلم قال: ((أما والله لولا أن الله قال: (خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بها) ما تركتها جزية عليكم تؤخذون بها بعدي، ولكن أدوها إليهم فلكم برها وعليهم إثمها)) ثلاث مرات.
قال ابن وهب: وأمر بدفعها إلى السلطان الصحابة والتابعون.
قال ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك: وإن أخذها منه الساعي قبل محلها

الجزء: 4 - الصفحة: 264

لم تجزه.
وقال ابن القاسم: إن أخذه بزكاة زرعه بعدما يبس أو بزكاة غنمه أو ماله قبل محله فإن كان بقرب محلها أجزأه، والزرع أبينه.
وبعد هذا باب فيه من معاني هذا الباب.

الجزء: 4 - الصفحة: 265

[الباب الحادي عشر]

جامع القول في زكاة ماشية الخلطاء

[فصل 1 - الخلطة في الماشية مؤثرة ومشروعة] وفي كتاب عمرو بن حزم الذي كتبه له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية/، ولا يجمع بين مفترقين ولا يفرق بين مجتمعين خشية الصدقة)).
أشهب: وكذلك قال عمر بن الخطاب: ((وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية)).
قال بعض العلماء من أصحابنا: الخليط في الغنم: الذي لا يشاركه صاحبه في الرقاب.
ويخالطه في الاجتماع والتعاون، قال مالك: وغنمه معروفة من غنم صاحبه.
والشريك: المشارك في الرقاب ولا يعرف غنمه من غنم صاحبه، وله حكم

الجزء: 4 - الصفحة: 266

الخليط، فكل شريك خليط، وليس كل خليط شريكاً.
[فصل 2 - في أوجه الخلطة، وهل من شرطها اجتماع جميع صفاتها؟] ومن المدونة: قال مالك: ومما يوجب الخلطة أن يكون الراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت واحداً، فهذه أوجه الخلطة.
قال ابن القاسم: وأوجه الخلطة إذا لم تكن كلها وانخرم بعضها لم يخرجهم ذلك من الخلطة، ولو جمعها الراعي والدلو والمراح والفحل وافترقت في المبيت والحلاب في دور أو قرى مفترقة ويجمعها راعِ واحد أو رعاة فهم خلطاء، وقد ضعف مالك المبيت، ولو فرقها الدلو واجتمعت فيما سواه فهم خلطاء، وهذا أهون من تفرقة المبيت، وكذلك لو كان راعي هؤلاء أجرته عليهم خاصة، وراعي الآخرين أجرته عليهم خاصة، وهم يتعاونون فيها فهم بمنزلة الراعي الواحد إن كان أربابها جمعوها أو أمروا الرعاة بجمعها فجمعوها حتى كان المراح والدلو والمسرح واحداً فهم خلطاء.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا يكونوا خلطاء حتى يجتمعوا في جل ذلك.
قال الأبهري: لا يجزي عندي اقل من وجهين من أوجه الخلطة.
وقال ابن حبيب: أصل الخلطة الراعي فإذا جمعها الراعي اجتمعت في أكثر ذلك، وإن فرقها الراعي فليسوا بخلطاء وإن جمعها المرعى.
ومعنى الفحل واحد: أن يضرب فحل كل واحدة الأخرى.

الجزء: 4 - الصفحة: 267

ومن المدونة: قال مالك: وإن فرقها الدلو وسط السنة وجمعها في طرفيها فهم خلطاء، وكذلك الفحل إذا كان الدلو والمراح واحداً.
قال مالك: وإن لم يختلطوا إلا في شهرين من آخر السنة فهم خلطاء، وإنما يُنظر إلى آخر السنة لا إلى أولها.
قال ابن القاسم: وإن اجتمعت في آخر السنة أقل من شهرين فهم خلطاء مالم يقرب الحول جداً فيصير إلى الحديث الذي نهي فيه ألا يجمع بين مفترق لا يفرق بين مجتمع.
قال ابن المواز: وكذلك أقل من شهر مالم يقرب الحول جداً.
وقال ابن حبيب: لا يجوز بأقل من شهر.
ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: وتفسير لا يجمع بين مفترق: أن يكون ثلاثة لكل واحد أربعون شاة فإذا أظلهم الساعي جمعوها ليؤدوا شاة واحدة.
والتفريق بين مجتمع: أن يكونا خليطين لكل واحد منهما مئة شاة وشاة، ففيها ثلاث شياه فإذا أظلهما الساعي إفترقا ليؤديا شاتين فنهوا عن ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 268

قال عبد الوهاب: فإذا ثبت المنع فمتى فعل لم يؤثر ذلك في حكم الزكاة وأخذوا بما كانوا عليه قبل ذلك؛ لأن في ذلك ذريعة إلى نقص الزكاة وضرراً بالفقراء، ولذلك قلنا إن من أبدل عينة بعين مثلها، أو ماشية بماشية من صنفها أن ذلك لا يسقط عنه الزكاة ولا تعد الثانية الآن مشتراه وليبنِ على حول الأولى، خلافاً لأبي حنيفة؛ لأن ذلك ذريعة إلى إسقاط الزكاة، ولذلك قلنا: إذا بادل صنفاً بخلافه فراراً من الزكاة فليأخذه المصدق بزكاة ما كان عنده.
ومن المدونة: قال مالك: والخليطان في الإبل والبقر والغنم سواء، قال ابن القاسم: فإذا بلغت إبلهما عشرين ومائة أخذ منها حقتين، فإن كان لأحدهما خمس من الإبل، وللآخر خمس عشرة ومئة فأخذ الساعي منهما حقتين فليترادا قيمتهما على أربعة وعشرين جزء، على صاحب الخمس جزء منها وهو ربع السدس، وما بقي فهو على الآخر.
قال مالك: وإذا كان لأحدهما تسع/ من الإبل وللآخر خمس فعلى كل واحد شاة، ثم رجع مالك فقال: يترادان في الشاتين للخلطة.
م: وهو الصواب للحديث، وإنما اختلف قول مالك؛ لأنه رأى أن الإفتراق

الجزء: 4 - الصفحة: 269

عليهما والإجتماع سواء، وأما لو كان لأحدهما ست وللآخر تسع فلا يختلف قوله في ذلك أنهما يترادان؛ لأن اجتماعهما أوجب عليهما ثلاث شياة، وفي الافتراق شاتين، فمتى تغير الحكم باختلاطهما فلا يختلف فيه قول مالك أنهما يترادان.
وبلغني ذلك عن بعض شيوخنا.
[فصل 3 - الخلطة تصح في الماشيتين إن كانتا مما يضم إحدهما إلى الأخرى في الزكاة] ومن كتاب ابن سحنون: ولا بأس أن يختلطا لهذا ضأن ولهذا معز ثم يأخذ المصدق منهما كما ياخذ من الرجل الواحد، فإن كان فيها شاة أخذها من الأكثر عدداً، ثم يترادان فيما أخذ، ولا يقال: إن صاحب ضان زكى بمعز ولا صاحب معز زكى بضأن؛ لأنهما كرجل واحد.
وقال في غيره: وكذلك في البقر والجواميس، والبخت مع الإبل العراب.
[فصل 4 - يعتبر النصاب في حصة كل واحد من الخلطاء] ومن المدونة: قال مالك: وإن كانوا ثلاثة: لواحد خمسون شاة، ولآخر أربعون، ولآخر واحدة وهم خلطاء، فأخذ الساعي منهم شاة فهي على صاحبي التسعين على

الجزء: 4 - الصفحة: 270

تسعة أجزاء ولا شيء على صاحب الواحدة إذ لم يضرهما فإن أخذها الساعي غرماها له على تسعة أجزاء: خمسة على صاحب الخمسين، وأربعة على صاحب الأربعين.
م: فإن كانت هذه الشاة شاة لحم رجع عليهما بشاة وسط؛ لأن الساعي ظلمه وأخذ زيادة على حقه، قاله بعض شيوخنا، قال: ولو كانت هذه الشاة معيبة لا تؤخذ في الزكاة لم يرجع على صاحبيه بشيء، لأن الزكاة باقية عليهما، وهما مأموران بإخراجها.
م: وهذا إذا كانت لا تجزي بحال؛ لأنها عجفاء أو سخلة، وأما إن كانت من ذوات العوار ورأى الساعي أخذها نظرًا فهي تجزيهما ويغرمان له قيمتها، والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان يترادان بالسوية، وقاله ابن أبي سلمة.
قال ابن القاسم: ولو كان لواحد أربعون وللآخر ثلاثون فأخذ الساعي شاة فهي على رب الأربعين وحده، ولا شيء على صاحبه؛ لأنه لم يدخل عليه مضرة.

الجزء: 4 - الصفحة: 271

قال مالك: ولا يكونا خليطين حتى يكون لكل واحد من الماشية ما تجب فيه الزكاة، ومن لم يبلغ حظه ذلك فلا زكاة عليه، والزكاة على من بلغ حظه ذلك خاصة ولا تحسب عليه غنم خليطه، فإن لم يبلغ حظ واحد منهما منفردًا ما تجب فيه الزكاة وفي اجتماعهما عدد الزكاة فلا زكاة عليهما فإن تعدى الساعي فأخذ منهما شاة من غنم أحدهما فليترادا فيها على عدد غنمهم يعني كقضاء قاض بقول قائل، وهو قول ربيعة.
ومن العتبية قال ابن القاسم في خلطاء أربعة لكل واحد عشر شياة فيأخذ الساعي منهم شاة فليترادوها على عدد غنمهم، ولو أخذ شاتين من غنم أحدهم فالواحدة مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحدة.
قال سحنون: فإن تفاضلت الشاتان تحاصوا في الدنية، وقال قبل ذلك: في نصف قيمة كل واحدة.
م: وهذا أعدل إلا أن تكون الدنية لا تجزي فليتحاصوا في الأفضل إلا أن تكون الأفضل شاة لحم فليتحاصوا في شاة وسطة.
قال ابن القاسم: وإن أخذ الشاتين من غنم رجلين كانت نصف شاة من كل

الجزء: 4 - الصفحة: 272

واحد منهما مظلمة وقعت عليه ويترادون الواحده، قال عنه يحي: للشبهة التي تأول المصدق والثانية مظلمة على صاحبي الشاتين فلما لم تعرف التي أخذت في الصدقة من التي تعدي فيها فليتحاص الأربعة في نصف قيمتها، والنصف الآخر بين هذين.
قال عنه عيسى: ولو كان لواحد أربعون، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من غنم أحدهما فهي على صاحب الأربعين ويرجع عليه صاحب الثلاثين إن أخذها له، ولو أخذ شاتين من صاحب الأربعين لم يرجع على صاحبه بشيء؛ لأن الواحدة وجبت عليه، والثانية مظلمة.
قال: وإن أخذها من صاحب الثلاثين رجع بواحدة على صاحب الأربعين وكانت الثانية مظلمة عليه.
قلت: فلو كان لواحد عشرون ومئة، ولآخر ثلاثون فأخذ شاة من صاحب الثلاثين قال: يرجع بها على صاحبه، ولو أخذ شاتين من صاحب العشرين ومئة أو من

الجزء: 4 - الصفحة: 273

صاحب الثلاثين لترادا قيمتهما على عدد غنمهما للاختلاف في ذلك.
قال في كتاب ابن سحنون: وكذلك لو أخذ من غنم هذا شاة ومن غنم هذا شاة لترادا فيهما جميعًا، ولا أجعل الواحدة من صاحب العشرين ومئة ويترادان في الأخرى.
م: وقاله سحنون، وابن المواز.
وقال ابن عبد الحكم: الواحدة على رب العشرين ومئة خاصة ويترادان في الأخرى على عدد غنمهما كاملة.
م: يريد: إذا أخذهما من غنم صاحب العشرين ومئة.
م: ووجه ذلك: أن الواحدة تلزم صاحب العشرين ومئة خاصة لأنه لو لم يأخذ غيرها لكانت عليه خاصة ويتراجعان في الثانية على عدد غنمهما كاملة؛ لأنها هي المظلمة فيجب التراجع فيها، ولأن الذي ذهب إلى أن يترادا في الشاتين يرى أن يتراجعا في كل شاة على عدد غنمهما، فأخذ ابن عبد الحكم في الواحدة بقولنا وفي الثانية بقول

الجزء: 4 - الصفحة: 274

المخالف.
والله أعلم.
وأما وجه قول ابن القاسم في أنهما يترادان في الشاتين جميعًا لأن هكذا رأى من ذهب إلى هذا، فهو حكم ينفذ على ما قالوا ولا ينقض.

الجزء: 4 - الصفحة: 275

ومن المدونة: ولو كان لأحدهما عشرة ومئة شاة وللآخر إحدى عشرة شاة فأخذ الساعي شاتين فيترادا فيهما جميعًا؛ لأن صاحب العشرة ومئة دخلت عليه المضرة من صاحبه ولولاه ما لزمه غير شاة.
وعلى مذهب ابن الحكم: إن أخذهما من غنم صاحب العشرة ومئة ترادا في واحدة، والعلة في ذلك ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وإن كان لأحدهما اثنان وثلاثون من الإبل وللآخر أربعة فأخذ الساعي منهما إبنة لبون فليترادا قيمة بنت اللبون على تسعة أجزاء على صاحب الإثنين والثلاثين ثمانية أجزاء، وعلى الآخر جزء واحد بقدر حصته، لأن أخذ المصدق لها على التأويل.
وقال بعض العلماء: على صاحب الكثيرة بنت مخاض، ثم يترادان زيادة قيمة بنت اللبون على قيمة بنت مخاض على تسعة أجزاء: ثمانية على صاحب الكثيرة، وجزء على صاحبه.
م: وهذا على مذهب من قال: يترادان في شاة في المسألة المتقدمة، والأولى على مذهب من قال: يترادان في الشاتين، وهو أصوب.

الجزء: 4 - الصفحة: 276

[فصل 5 - في الرجل يتزوج المرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى حال عليها الحول عند الزوج] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج إمرأة على ماشية بعينها فلم تقبضها حتى تم الحول عند الزوج فطلقها قبل البناء وقبل مجيء الساعي، فإن أتى ولم يقتسماها أو وجدهما قد تخالطا بعد اقتسامهما فهما كالخليطين لا زكاة عليهما حتى يكون في حظ كل واحد منهما ما تجب فيه الزكاة، وإن بلغ ذلك حظ أحدهما كانت الزكاة عليه في غنمه خاصة، ولا تكون للزوج فائدة إذ كان له شركة في نمائها ونقصانها، ألا ترى أنها لو ماتت كلها أو نقصت ثم طلقها لم يرجع عليها إلا بنصف ما بقي ولو نمت أضعاف عددها أخذ نصف جميع ذلك، وكذلك قال مالك: فيما أصدقها من العروض.
قال ابن المواز: وقال أشهب: نصيب الزوج فائدة في الاستحسان؛ لأنه لم يكن ينتفع منها بغلة.

الجزء: 4 - الصفحة: 277

والقياس: أنهما كالخليطين، ولا يأتنف الزوج حولاً، ومن قاله لم أعبه عليه؛ لأنه كان ضامنًا لها، وهذا قول ابن القاسم أنه كالخليط.
قال ابن المواز: وقول أشهب أحب إلي لأن حولها قد انتقض بعقد النكاح، ولو كان على قول ابن القاسم لبقيت على حولها عند الزوج، وهذا ليس بقولهما ولا قول مالك، وقال سحنون مثل قول ابن المواز.
قال ابن المواز: والغلة قبل الطلاق في هذا بينهما، وأما النفقة فقد قيل: على الزوجة، وأنا أرى أنها من الغلة إلا أن تجاوزها فلا ترجع على الزوج، وهذا استحسان.
م: وفي كتاب النكاح الثاني: وقد قيل: إن كل غلة للمرأة خاصة بضمانها.
م: وهذا يجري على قياس قول من يرى أنها للزوج فائدة؛ لأنه بالتزويج بها انتقلت عن ملكه وانتقل حولها فكأنه بالطلاق أفادها، وقد قال أشهب: إنه لو تزوجها بجارية، ثم وطئها قبل البناء أنه يحد، وابن القاسم لا يرى عليه الحد، ورآها شبهة، إذ لو طلق وجب له نصفها؛ ولأنه شريك في النماء والنقصان، ولو وطئها بعد البناء لحد

الجزء: 4 - الصفحة: 278

باتفاق.
وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال مالك: وكل ما أصدقهما من العروض والحيوان والدنانير فهو شريك لها في نماء ذلك ونقصه، إلا ما باعت من ذلك واشترت للتجارة أو لغير ما يصلحها لجهازها، فإن لها نماؤه وعليها نقصه.
وفي النكاح إيعاب هذا.
فصل [6 - اجتماع الخلطة والانفراد] قال مالك: ومن له أربعون شاة ولخليطه مثلها، وله ببلد آخر أو ببلده أربعون لا خليط له فيها فليضم ذلك إلى غنم الخلطة فيأخذ الساعي للجميع شاة: ثلثاها على رب الثمانين، وثلثها على رب الأربعين، وهكذا يتراجعان في هذا الوجه كله.
قال ابن المواز: وقال عبد الملك: يكون على رب الأربعين نصف شاة، وعلى رب

الجزء: 4 - الصفحة: 279

الثمانين ثلثا شاة، قال ابن المواز: وقول مالك أحب إلينا، وعليه جل أصحابه.
قال أبو محمد: وقال سحنون بقول عبد الملك، وقال: هو أحب إلي من قول ابن القاسم وأشهب، وأنا أشك أن يكون ابن وهب رواه عن مالك.
قال سحنون في المجموعة: ولو أن البعض الذي له فيها خليط لا تجب فيها الزكاة إلا مع غنمه الأخرى فله حكم الخلطة مع شريكه، لأن عليه الزكاة فيما غاب وحضر.
[فصل 7 - في تعدد الخلطة] ومن كتاب ابن المواز: قال ابن عبد الحكم وأصبغ فيمن له ثمانون شاة فرقتين، له في كل أربعين منها خليط بأربعين، فهم كلهم خلطاء.
قال ابن المواز: والذي آخذ به أن صاحب الثمانين خليط لهما، وليس أحدهما خليطًا لصاحبه فيقع على صاحب الثمانين شاة وعلى كل واحد من صاحبيه ثلث شاة ثلث شاة.
قال: ومن له عشرة من الإبل ببلده وله فيها خليط بخمسة، وله ببلد آخر عشرة أخرى له فيها خليط بخمسة فهو خليط للرجلين ولا خلطة بينهما، فعلى كل واحد من الرجلين خمس بنات مخاض، وعلى صاحب العشرين ثلثا بنت مخاض، فجملة ذلك بنت مخاض وخمس ثلث بنت مخاض، فمن وجد في إبله بنت مخاض أخذها، فإن أخذها من إبل صاحب العشرين أخذ أيضًا بقية حقه من أيهما شاء وهو ثلث خمس قيمة بنت مخاض، ويرجع الذي أدى بنت مخاض وهو رب العشرين بثلث قيمتها على صاحبيه حتى

الجزء: 4 - الصفحة: 280

يغرم كل واحد ما عليه، وإن أخذها من أحد صاحبي الخمسة رجع على صاحبيه بما عليهما على ما فسرنا.
ولو كان خليطًا لرجلين، له مع هذا عشرة ومع هذا خمسة، ولكل واحد من الرجلين خمسة خمسة، فعليه ثلاثة أخماس بنت مخاض وعلى صاحبيه شاة شاة على كل واحد.
ومن العتبية: قال بعض المصريين: ومن له ثلاثون بعيرًا مفترقة، قد خالط بكل عشرة منها خليطًا له أيضًا عشرة، ففي الجميع حقه، فعلى صاحب الثلاثين نصف قيمة حقه، لأنه خليط لجميعهم، وعلى كل واحد من خلطائه ربع قيمة بنت لبون؛ لأنه يحسب عليه جميع ما لخليطه، وذلك ثلاثون، وله هو عشرة فالجميع أربعون وفيها بنت لبون، فعليه في عشرته ربع قيمة بنت لبون، وكذلك من له خمسة عشر مفترقة في كل خمسة خليط بخمسة فالجميع ثلاثون ففيها بنت مخاض فعلى صاحب الخمس عشرة نصف قيمة بنت مخاض وعلى كل واحد من أصحابه شاة؛ لأنه له خمسة ولخليطه خمسة عشر فذلك عشرون ففيها أربع شياه فعلى صاحب الخمس شاة.
ثم على هذا يجري ما ورد عليك من هذا الباب.
فصل [8 - فيمن خالط عبدًا أو ذميًا] ومن كتاب ابن المواز والعتبية: قال ابن القاسم: في السيد يكون خليط عبده لا يوجب ذلك خلطه وليؤد كما يؤدي وحده، ولو زرع معه لم يكن على السيد شيء

الجزء: 4 - الصفحة: 281

إلا أن يكون في حصته خمسة أوسق، وكذلك عبد غيره، وكما لو كان خليطه أو شريكه نصرانيًا.
وذكر ابن حبيب فيمن هو خليط لعبده أو لعبد غيره أو لذمي فليأخذ منه على حساب الخلطة في الماشية ويسقط عن العبد والذمي، وقاله ابن الماجشون، فإن لم يسقط عنه وأخذها من غنم المسلم فهى كلها منه، وإن أخذها من العبد أو الذمي رجعا بنصفها على الحر المسلم.
ومن المجموعة والعتبية قال ابن القاسم عن مالك فيمن وهب لابنه الصغير غنمًا ووسمها وحازها له فإن هو ضمها إلى غنمه كان فيها شاتان، وإن فرقها كان فيها شاة فلا يضمها إلى غنمه، فإن فعل فأعلم المصدق أنه إنما له فيها كذا وكذذا فليصدقه إن كان على صدقته بينة هكذا في رواية عيسى، قال سحنون: إذا كلفه البينة فلم يصدقه.

الجزء: 4 - الصفحة: 282

[الباب الثاني عشر]

في الغنم يحول عليها الحول فيذبح منها ربها أو تموت ثم يأتي المصدق

قال مالك رحمه الله: وما ذبحه الرجل بعد الحول أو مات من ماشيته قبل قدوم الساعي ثم قدم لم يحاسبه بشيء من ذلك، وإنما يزكي ما وجد بيده حاضرًا وقاله ابن شهاب.
قال سحنون: وقد قال المشيخة السبعة: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك.
قال ابن المواز: قال مالك: وله أن يذبح ويبيع وإن حل الحول ولم يأت الساعي وإن نقص ذلك زكاتها إلا من فعل ذلك فرارًا من الزكاة فيلزمه ما فر منه.
قال ابن القاسم: وإن عزل منها ضحايا لعياله قبل مجيئه فإن أشهد عليها، يريد: أشهد أنها لعياله لفلان كذا ولفلان كذا فلا زكاة فيها وإن جاء وهي حية بعد إلا أن يكون لم يشهد فليزكها وإنما لا يزكى ما لو مات المعطي صحت لمن أعطاها له.
قال مالك: ومن مر به الساعي وغنمه أقل من أربعين فجاوزه ثم رجع في عامه إليه وقد صارت أربعين بولادة فلا يزكها ولا يمر به في عام واحد مرتين، ولو نزل الساعي به مع المساء فسأله عن غنمه فقال: مئتين، فقال: غدًا آخذ منك شاتين، ثم نتجت تلك الليلة واحدة أو كانت مئتي شاة وشاة فماتت واحدة فلا ينظر إلا إلى عدتها عند وقوفه

الجزء: 4 - الصفحة: 283

عليها لعددها والأخذ منها لا قبل ذلك، وقاله أصبغ.
م: ولو نزل به الساعي فعد غنمه فكان فيها ما تجب فيه الزكاة فهلكت كلها بأمر من الله عز وجل أو غصبت للوقت قبل أخذ المصدق ما وجب فيها فلا شيء على ربها لأنها ليست في ضمانه ولا هو أتلفها وقد هلك ماله ومال المساكين، ولو بقي منها مالا زكاة فيه لم يكن على ربها شيء كمال حل حوله فهلك قبل إخراج زكاته بغير تفريط أو بقي منه ما لا زكاة فيه فلا شيء على ربه فيه، وقاله أبو عمران، وقد قيل: ما عده المصدق فقد وجبت زكاته وإن هلك بأمر من الله عز وجل ويأخذها مما بقي وليس ذلك بشيء.
وقد قيل في العين يهلك بعضه ويبقى بعضه أن للمساكين ربع عشر ما بقي لأنهم كانوا شركاء معه فيها بتمام الحول فما ذهب فمنهم وما بقي فبينهم، ويدخل هذا القول في الماشية، وله وجه الأول أصوب، لأنهم ليسوا كالأشراك على الحقيقة لأن له أن يعطيهم من غير ذلك المال وليس له ذلك مع الشريك فدل أنه لم يتعين حق المساكين فيه.
والله أعلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 284

[الباب الثالث عشر]

في زكاة من هرب بماشيته عن الساعي

قال مالك -رحمه الله-: ومن هرب بماشيته عن الساعي وهي ستون شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها ثم أفاد بعد ذلك مئتي شاة قضمها إليها ثم أتى في السنة الخامسة تائبًا فليؤد عن كل عام زكاة ما كان عنده من الغنم ولا يؤدي عن ما أفاد في العامين الآخرين لماضي السنين.
قال ابن القاسم: وإنما قال ذلك مالك فيما رأيت لأن الذي هرب بماشيته كان ضامنًا لزكاتها ولو هلكت كلها بعد ثلاث سنين ولم يضع عنه الموت ما وجب عليه، والذي لم يهرب لو جاءه الساعي بعد هلاك ماشيته لم يكن عليه شيء فلما كان الهارب ضامنًا لما مات منها فما أفاد إليها فليس منها، ولما كان الذي لم يهرب لا يضمن ما مات منها فما ضم إليها فهو منها، وهذا أمر بين، وقد نزلت بالمدينة فاختلفنا فيها فقال مالك فيها هذا القول غير مرة وهو أحب ما فيها إلي.
قال ابن المواز: وقال أشهب: أما إذا زادت في هربه فهو كمن غاب عنه الساعي ولا يكون أحسن حالاً منه، قال: وهو في نقصانها ضامن يأخذه كل سنة بزكاة ما كانت عليه فيه لأنه ضمن ذلك بهربه.

الجزء: 4 - الصفحة: 285

قال ابن المواز: وهو قول عبد الملك، وهو القياس، وبه أقول لأنه أفاد الزيادة إلى نصاب.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم فيمن هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا بفائدة ثم يأتيه الساعي فليأخذ منه شاة للسنة الأولى وتسع شياة لهذه السنة.
قلت: فلو هرب بثلاث مئة شاة ثلاث سنين ثم جاء في الرابعة وقد هلكت إلا أربعون.
قال: يأخذ تسع شياة للثلاث سنين، وشاة لهذه السنة.
قلت: فلم لا تكسر التسع شياة الأربعين كما كسرت الشاة المأخوذة من الألف المئة؟ قال: لأنه إنما يبدأ أبدًا بالأولى فالأولى فهو لو أخذ في المسألة الأولى من الأربعين شاة لأول سنة بقي عنده ما لا زكاة فيه في السنتين الباقيتين فلذلك أخذ منه شاة لأول سنة وتسع شياة عن هذه الرابعة، ولو أخذ في هذه المسألة الثانية من الثلاث مئة في كل سنة ثلاث شياه لم تنقص الغنم عن ما فيه الزكاة فلذلك أخذ تسع شياه عن الثلاث سنين وشاة عن الرابعة، فهذا فرق ما بينهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 286

م: وإنما كان يصح هذا الفرق لو سأله لم لم يأخذ في مسألة الأربعين في الثلاث سنين ثلاث شياة كما أخذ في مسألة الثلاث مئة تسع شياة فيكون الفرق ما ذكر، وأما فيما سأله عنه فالصواب ألا فرق بينهما لأن الشاة التي وجبت في الأربعين شاة تخلدت في الذمة كالتسع شياة في الثلاث مئة، فلما كسرت الشاة الألف فكذلك التسع شياه تكسر الأربعين أو تكون الشاة لا تكسر ما وجب عليه في الألف لأنها كانت عليه دينًا، والدين لا يسقط زكاة الماشية ويكون الأمر فيها كما قال في التسع شياه إنها لم تسقط زكاة الأربعين فيكون الحكم فيهما واحدًا وهو الصواب ألا تسقط الشاة ولا التسع شياة زكاة شيء مما وجد بيده، وبالله التوفيق.
وكذلك لا تسقط الشاة المأخوذة عن الأربعين زكاة الأربعين في العام الثاني ولا في الثالث، وليأخذ عن كل سنة شاة شاة وعن الرابعة عشر شياة لا يبالي بدأ بالسنة الأولى أو بالآخرة؛ لأن ذلك متخلد في ذمته فلا يسقط زكاة ما بيده، والله عز وجل أعلم.
قال ابن المواز: قال بعض المدنيين، وابن القاسم: يبدأ بالسنة الأولى ثم يزكي ما بعدها، ولا يعجبنا هذا، وإنما يبدأ عند أصبغ بالسنة الآخرة، وهو الصواب؛ لأن ما قبل ذلك قد صار دينًا واجبًا في عنقه، ولا يسقط الدين زكاة الماشية، وبقول أشهب، وعبد الملك أقول أنه يزكيها في الزيادة لما مضى.
م: فعلى قول أصبغ إذا هرب بأربعين شاة ثلاث سنين فصارت في الرابعة ألفًا ثم تاب فجاءه المصدق فليأخذ لهذه السنة عشر شياه وعن الثلاث سنين ثلاث شياه.
وقال عبد الملك في المجموعة يأخذ منه لهذه السنة عشر شياه، ثم إن علم أنها

الجزء: 4 - الصفحة: 287

في الثلاث سنين أربعين أخذه بثلاث شياه لأنه ضامن فلا ينقصها الأداء، وإن لم يكن إلا قوله أخذه بعشر شياه عشر شياه للثلاث سنين، وفي السنة الأولى بشاة.
وقال سحنون في كتاب ابنه أرى أن يقبل منه ويأخذ منه شاة شاة لثلاث سنين، وفي السنة التي صارت فيها ألفًا عشر شياة.
قال عيسى عن ابن القاسم في الفأر بأربعين شاة فأقام ثلاث سنين وهي بحالها فليس عليه إلا شاة واحدة، وقاله سحنون، وسواء كان له مال أو لم يكن له مال، وقال في كتاب ابنه: إن عليه لكل سنة شاة؛ لأنه كان ضامنًا لها، والدين لا يسقط زكاة الغنم.

الجزء: 4 - الصفحة: 288

[الباب الرابع عشر]

جامع ما جاء في من تخلف عنه الساعي سنين

قال مالك في من تخلف عنه الساعي سنين ثم أتاه: فإنما ياخذ منه زكاة ما وجد بيده لماضي السنين، ما بينه وبين أن تنقص بأخذه عن عدد تجب فيه الزكاة؛ لأنها لو هلكت في غيبته لم يضمنها.
قال مالك: وإن غاب عنه الساعي خمس سنين وغنمه فيها ألف شاة، ثم نقصت في غيبته ببيع أو أكل أو غيره، فوجدها حين أتى ثلاثًا وأربعين شاة، أخذ منها أربع شياة لأربع سنين ويسقط عن ربها سنة؛ لأنها صارت يأخذه أقل مما تجب فيه الزكاة، وإن وجدها قد رجعت إلى ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق، وكذلك الإبل والبقر إذا رجعت إلا ما لا زكاة فيه فلا شيء للمصدق.
قال مالك: وإن كانت غنمه في أول عام غاب عنه الساعي وفي الثاني والثالث والرابع أربعين شاة، ثم صارت في العام الخامس ألفًا فليزك هذه الألف للسنين الماضية كلها ولا يلتفت إلى يوم أفادها، وكذلك الإبل والبقر إذا كانت في أول سنة غاب عنها الساعي نصابًا عرف عددها في كل سنة أو لم يعرف.
قال مالك: لأن الفتنة حين نزلت أقام الناس ست سنين لا سعاة لهم فلما استقام

الجزء: 4 - الصفحة: 289

أمر الناس بعث الولاة السعاة فأخذوا مما وجدوا في أيدي الناس لماضي السنين ولم يسألوهم عن ما كان في أيديهم قبل ذلك مما مات ولا مما أفادوه.
ابن القاسم: فبهذا أخذ مالك، وهو الشأن.
قال ابن المواز وابن حبيب: إذا غاب الساعي عن أربعين شاة خمس سنين ثم صارت في العام الخامس ألف شاة فإنه يأخذه لأول سنة بعشر شياه، وعن الأربعة الباقية بتسع تسع.
م: وهو مذهب المدونة.
وقال عبد الملك: يزكي عن الأربع سنين بشاة واحدة، وعن السنة الخامسة بتسع شياه، ولو كانت أولاً مئة زكى عن الأربع سنين بأربع شياه، وفي هذه السنة بتسع شياه وهو مصدق في ذلك كله، قال: وإنما معنى قولهم يزكي ما وجد بأيديهم عن ماضي السنين إذا لم يدعوا أنها كانت فيها دون ذلك، وهذا قول عبد الملك.
م: وقال سحنون بقول ابن القاسم، وأشهب أنه يزكي الألف لأول سنة بعشر ويزكي عن الأربع سنين بتسع تسع.

الجزء: 4 - الصفحة: 290

قال سحنون: وإذا أتى الساعي بعد غيبة سنين فقال له رجل معه ألف شاة إنما أفدتها منذ سنة أو سنتين فهو مصدق بغير يمين ويزكيها لها.
وقال أشهب عن مالك: ولو غاب أربع سنين عن أربعين شاة فلم تزد فلا يأخذ منه إلا شاة، أخذها منها أو من غيرها.
قال سحنون: ولو أكل منها شاة قبل قدومه، أو باعها، أو وهبها فلا شيء عليه للسنين كلها.
قال محمد: ولو أفاد إليها ثلاثا بقرب قدومه أخذ منه أربع شياة.
ولو باعها بعد الفائدة قبل قدوم الساعي بأكثر من عشرين دينارًا زكى الثمن عن أربع سنين عن كل سنة ربع عشره، فإن كانت الغنم اثنين وأربعين زكى عن ثلاث سنين، وإن كانت إحدى وأربعين أدى عن سنتين هكذا ما لم ينقص الثمن عن ما فيه الزكاة.
قال: ولو تخلف عن أقل من أربعين شاة فتمت في السنة الرابعة أربعين بولادتها فلا يأخذ الساعي إلا شاة، وكذلك لو تناسلت أكثر من ذلك لم يأخذه إلا بزكاة عامه

الجزء: 4 - الصفحة: 291

هذا، حتى لو غاب عن نصاب ثم نقصت عن النصاب ثم تمت قبل مجيئه بولادتها أو ببدل قليل بكثير فصارت ألفًا وقد غاب خمس سنين لزكاها عما يجد لكل سنة غاب فيها، والقول في ذلك قول رب الغنم بلا يمين، ولو كانت زيادتها بفائدة فلا يزكي إلا من يوم أفاد تمامها بعد نقصها عن النصاب، وقاله إصبغ.
م: والفرق بين الولادة والفائدة: أن زيادتها بالولادة حولها حول الأصل وكأنه لم يزل مالكًا لها من يوم ملك الأصل، والفائدة تفترق، فإن أفادها إلى نصاب فحولها حول النصاب، عليه يبني في السنين كلها، وإن أفادها إلى أقل من نصاب فحولها حول الفائدة، عليه يبني في السنين كلها.
م: والقياس ألا فرق بين غيبته عن نصاب أو أقل منه إذا كان زيادتها بولادة أو بدل، وقاله أشهب.
والعلة في ذلك: أنهم جعلوا سنين تخلف الساعي كسنة واحدة، فإذا غاب عن نصاب فأكثر خمس سنين فصارت في الخمسة ألفًا بفائدة أو ولادة زكاها للسنين كلها، عن الآخرة بعشر، وعن الأربع سنين بتسع تسع.
وإن غاب عن أقل من نصاب فصارت ألفًا بفائدة زكاها على حول الفائدة وإن زادت بولادة فقال مالك وابن القاسم يزكيها من يوم تمت نصابًا إلى يوم يأتيه الساعي،

الجزء: 4 - الصفحة: 292

وقال أشهب يزكي ما وجد بيده للسنين كلها.
م: إذ لا فرق بين زيادتها بالولادة على نصاب أو أقل منه أن حول ذلك الأصل فيمن لم يتخلف عنه الساعي، فكذلك في الذي تخلف عنه الساعي إذ جعلوا سنين تخلفه كسنة واحدة في غيره، وبالله التوفيق.
ابن المواز: قال أشهب: قال مالك: وإن غاب عنه وغنمه عشرون، ثم صارت في العام الثاني ثلاثين فأتى في الثالث وهي أربعون فعليه شاة واحدة.
قال أشهب: والذي أرى إن كان نماؤها بولادة أو بدل حتى تمت أربعين أنه يزكي لكل سنة مضت حتى ترجع إلى مالا زكاة فيه، وإن كان نماؤها بفائدة أفادها إليها فلا زكاة فيها أصلاً.
قال ابن المواز: وإن كان نماؤها بولادة فإنما فيها الزكاة لسنة واحدة، وقاله مالك، وابن القاسم، ولم يعجبنا قول أشهب، ولو كان كما قال لكان من اكتسب عشر شياه فأقامت سنين تتوالد حتى تمت أكثر من أربعين أن يزكي لكل سنة مضت من يوم أفاد الأصل، ولكان أيضًا من اكتسب أقل من عشرين دينارًا وأقام ذلك عنده عشر سنين ثم ربح فيه فتم بربحه خمسة وعشرين دينارًا أن يخرج زكاة العشر سنين كلها إذا كان ذلك في يده إلى اليوم.

الجزء: 4 - الصفحة: 293

م: لا يلزم أشهب ما اعتل به عليه محمد لأنه اعتل عليه بسنين من لم يتخلف عنه الساعي، وبالعين وذلك مخالف للذي تخلف عنه الساعي، وإنما يشبه سنين تخلف الساعي عنه سنة واحدة من سنين من لم يتخلف عنه، فلما كان لا فرق بين زيادة الولادة على نصاب أو أقل منه في سنة من لم يتخلف عنه الساعي فكذلك لا فرق بين زيادة الولادة على النصاب أو أقل منه في سنين تخلف الساعي.
م: ووجه قول مالك: أن مالك أقل من نصاب غير مخاطب بالزكاة فتخلف الساعي عنه وغير تخلفه سواء فلذلك كان حكمه حكم من لم يتخلف عنه الساعي والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عنها خمس شياه لأن زكاة الإبل هاهنا من غيرها.
قال مالك: وإن غاب الساعي عن خمس وعشرين من الإبل خمس سنين ثم أتى فليأخذ عن السنة الأولى بنت مخاض ولباقي السنين ست عشرة شاة.
م: يريد وسواء أخذ بنت مخاض من غيرها أو منها فإنما عليه بنت مخاض وفي باقي السنين عن كل سنة أربع شياة.
وقال عبد الملك في المجموعة: إنما هذا إذا أخذها من عددها، وإن لم تكن منها فليأخذ في العام الثاني مثل ما أخذ في العام الأول.

الجزء: 4 - الصفحة: 294

وقد قال أشهب وابن نافع: إذا غاب الساعي عن أربعين جفرة سنين أو كانت غنما فلم يبق إلا أربعون من غذائها فليس عليه إلا شاة وإن كانت تشترى له.
سحنون: ولا حجة للساعي أنها من غيرها بخلاف الشنق من الإبل.
م: وهذا وفاق المدونة.
ومن المدونة قال مالك: ولو غاب عن مئة وعشرين من الإبل خمس سنين أخذ منه عشر حقاق، ولو كانت إحدى وتسعين أخذ حقتين وثمان بنات لبون.
قال أبو الزناد: كان من أدركت من فقهاء المدينة وهم سعيد بن المسيب، وعروة ابن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن

الجزء: 4 - الصفحة: 295

زيد وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وسليمان بن يسار في مشيخة سواهم من نظرائهم أهل فضل وفقه ودين وربما اختلفوا في الشيء فيؤخذ بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا فكانوا يقولون: لا يصدق المصدق إلا ما أتى عليه لا ينظر إلى غير ذلك.
قال أبو الزناد: وهي السنة والأمر عندنا، وقاله عمر بن عبد العزيز ومن قبله من الفقهاء.
وقد تقدم القول في السعاة أنهم يبعثون قبل الصيف وحين تطلع الثريا ويصير الناس بمواشيهم إلى مياههم إذ فيه رفق بالناس وبالسعاة.

الجزء: 4 - الصفحة: 296

[الباب الخامس عشر]

في من غصبت ماشيته ثم ردت إليه بعد أعوام وأخذ المصدق فيها عينًا

قال ابن القاسم: ومن غصبت ماشيته فردت إليه بعد أعوام فليزكها لعام واحد.
م: كما لو غصبه عينًا فردها عليه بعد سنين أنه يزكيها لعام واحد، فكذلك هذا لعلة الضمان فيهما وأنه أحق بذلك إن وجده بعينه فاستويا.
وقال أيضًا ابن القاسم وأشهب إنه يزكيها لكل عام مضى إلا أن تكون السعاة قد زكتها كل عام فتجزئه لأنها لم تزل عن ملكه، كما لو غصبه نخلاً ثم ردها بعد سنين مع ثمرتها فإنه يزكي ما رد منها فكذلك هذا، وليس هذا بمنزلة العين؛ لأن العين إذا غصبه عاد ليس بمال له وصار الغاصب غارمًا له.
م: يريد: فلا يزكي العين ربه إذا رجع إليه بعد سنين إلا لعام واحد، وقاله

الجزء: 4 - الصفحة: 297

مالك في سماع ابن وهب.
قال ابن المواز: ولم يختلف أصحاب مالك في هذا وإنما اختلفوا في الماشية.
م: ولم يختلفوا في الثمرة ترد إليه أنه يزكيها كل عام، ولا في الماشية إذا كانت السعاة قد زكتها كل عام أنه لا يزكيها؛ لأنها غنم قد أخذ منها الزكاة عن ربها فتجزيه.
م: وقيل إن الخلاف يدخل وهو خطأ، والصواب أن الماشية كالثمرة يزكيها كل عام إلا أن يكون السعاة قد زكتها لأن رجوعها إليه بعينها كرجوع الثمرة بعينها وقد تقدم ذكر وجه القول الآخر من أنها كالعين، ولو كانت هذه الماشية تزيد وتنقص ولم يزكها السعاة فحكمه فيها كحكم من تخلف عنه الساعي لأنه غير فار، هذا على قولهم يجب عليه زكاتها كل عام، وبالله التوفيق.

الجزء: 4 - الصفحة: 298

وذكر ابن حبيب عن مالك في العين المغصوب يرجع إلى ربه بعد سنين أنه لا يزكيه حتى يأتنف به حولاً، كان ربه يرجوه أو يئس منه، رده الغاصب طوعًا أو بحكم، بخلاف الدين.
قال: وأما ما يسقط منه فإن قوي رجاؤه فيه حتى اتصل ذلك بوجوده فليزكه لعام واحد، وإن كان على إياس منه استقبل به حولاً.
وقال المغيرة، وسحنون: بل يزكيه لكل سنة كالمال المدفون يضل عنه مكانه.
ابن المواز: ومن سقط له مال أو ضاع أو غصبه ثم وجده بعد أعوام فليزكه لعام واحد، وقاله مالك وأصحابه، وأما لو دفنه أو رفعه فنسي موضعه ثم وجده بعد سنين فليزكه لكل سنة، قال محمد: إلا أن يدفنه في صحراء أو في موضع لا يحاط به فليزكه لعام واحد كالمال المغصوب.
وقال مالك في ملتقط اللقطة تقيم عند سنين لا يريد أكلها ولا صدقتها، أو حسبها ليتصدق بها عن ربها فلا زكاة عليه فيها، وإن حبسها ليأكلها فليزكها لحول من يوم نوى ذلك فيها إن كان له بها وفاء.
ابن سحنون: وقاله المغيرة، وسحنون: إذا نوى حبسها أو أكلها فقد ضمنها ووجب عليه زكاتها لحول من يوم نوى ذلك فيها حركها أو لم يحركها.
وقال ابن القاسم فيه: وفي المجموعة: إذا عرفها سنة ثم حبسها لنفسه

الجزء: 4 - الصفحة: 299

للحديث؛ فإن لم يحركها فلا زكاة علهي فيها وإن حركها فمن يومئذ دخلت في ضمانه ويزكي لحول من يومئذ، وأنكره سحنون.
م: وإختصار ذلك كله: أنه لم يختلف في المال يدفنه بموضع يحاط به ثم يجده به أنه يزكيه لسائر السنين، وقيل في المغصوب منه يرجع إليه: أنه يزكيه لعام واحد، وقيل: يستقبل به حولاً ثم يزكيه، وقيل في اللقطة ترجع إليه: أنه يزكيها لعام واحد، وقيل: بل لكل عام، وقيل: أنه يزكيها لحول من يوم نوى ذلك فيها، وقيل: بل لحول من يوم حركها.
فصل [في إخراج القيمة في الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ومن جبره المصدق على أن أدى في صدقته دراهم رجوت أن يجزيه إذا كان فيها وفاء بقيمة ما وجب عليه وكانت عند محلها.
قال سحنون: إنما أجزأ ذلك؛ لأن يحيى بن سعيد قال: من الناس من يكره اشتراء صدقة ماله، ومنهم من لا يرى به بأسًا فكيف بمن أكره.
وقال مالك: ولا يشتري الرجل صدقة حائطه ولا زرعه ولا ماشيته، وقد كره ذلك عمر بن الخطاب وابن عمر وجابر بن عبد الله.

الجزء: 4 - الصفحة: 300

ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: وإذا أخذ السعاة في صدقة الحب والماشية ثمناً طوعاً أو كرهاً أجزأ ذلك إذا كان السعاة والعمال يضعون ما يأخذون من الصدقة مواضعها، وأما الجائز يضعها غير مواضعها غير مواضعها فلا يجزي عن صاحبها أخذها منه طوعاً أو كرهاً قاطعة أو لم يقاطعه، اشتراها منه بعد وصولها إليه أو لم يشترها.
قال أصبع: وقد كان قبل ذلك يقول: إذا أخذت منه كرهاً في محلها أجزأت عنه، وسمعت ابن وهب يقول: تجزيه إذا أخذت منه كرهاً، وهو رأيي إذا حلت ووجبت في المكوس والسعاة.
قال أبو محمد: يعني بالمكوس من يجلس بالطريق لأخذ الزكاة.
م: والصواب أن يجزيه كما لو أخذ منه الماشية بعينها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا أديتها برئت منها ولك أجرها وإثمها على من بدلها"

الجزء: 4 - الصفحة: 301

[الباب السادس عشر]

جامع ما جاء في زكاة الحبوب والثمار

قال الله تعالى: ﴿وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقامت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بمقدار ما فيه الزكاة من الكيل ألا صدقة في حب ولا تمر حتى يبلغ خمسة أوسق.
م: وهذا حجتنا على أبي حنيفة في قوله: إن الزكاة واجبة في قليلة وكثيرة.
ولأنه مال تجب في عينه الزكاة فاعتبر بالنصاب كالعين والماشية، وجعل صلى الله عليه وسلم فيما سقت السماء أو العيون أو البعل العشر، وفيما يسقى بالنضح

الجزء: 4 - الصفحة: 302

نصف العشر.
وبعث صلى الله عليه وسلم معاذاً وكتب له أن خذ من الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وأمر بخرص النخل والعنب ثم بأخذ والعنب ثم بأخذ زكاتها من التمر والزبيب.
وذكر في كتاب عمرو بن حزم الزكاة في السلت وفي حديث آخر الذرة، وكان العلس والدخن والأرز والقطاني حبوباً تقرب مما ذكرنا في الخلقة والاقتيات فألحقها العلماء بها في وجوب الزكاة.
والترمس من القطنية.

الجزء: 4 - الصفحة: 303

وروي عن عمر رضي الله عنه أن في الزيتون الزكاة وروي ذلك عن ابن عباس.
وقال الشافعي: لا زكاة في الزيتون.
ودليلنا: ما روي عن عمر، وابن عباس رضي الله عنهما، ولأنه حب يقتات زيته غالباً فأشبه السمسم؛ ولأن الزكاة في الحمص واللوبيا، والزيتون أعم نفعاً في باب الأقوات.
قال بعض العلماء: ولم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الزيتون أثر، لأنه لم يكن بالمدينة زيتون وإنما هو بالشام، والشام لم يفتح في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما/ فتحها عمر فأمرهم

الجزء: 4 - الصفحة: 304

بأخذ الزكاة من الزيتون، وذلك بحضرة الصحابة فلم يختلف عليه منهم أحد.
قال مالك: وما يجمع من الزيتون والتمر والعنب من الجبال فلا زكاة فيه وإن بلغ خرصه خمسة أوسق ولا يكون أهل قرية ذلك الجبل أحق به وهو لمن أخذه، والأرض كلها لله ولرسوله.
قال ابن المواز: إلا ما كان من ذلك في أرض العدو فإن في جميع ما سميت لك الخمس إن جعل في الغنائم.
ومن المدونة قال مالك: والجلجلان وماله زيت من حب الفجل- ابن المواز- أو حب القرطم مثل الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق لأن زيت ذلك كله إدام يقتات به.
واختلف عن مالك في حب القرطم وبرز الكتان فقال مرة: لا زكاة في ذلك وبه أخذ سحنون وقال مرة: فيهما الزكاة وبه أخذ أصبغ وروى عنه ابن القاسم في حب القرطم: الزكاة من زيته، ولا زكاة في برز الكتان ولا في زيته.

الجزء: 4 - الصفحة: 305

ولم يأت أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء أخذوا من الخضر زكاة واتصل العمل بذلك فكانت الفواكه مثلها إذ ليس ذلك من أصل المعايش المقتاتة.
وهذا قول مالك وأصحابه إلا ابن حبيب فقال: في الثمار التي لها أصول الزكاة، مدخرة كانت أو غير مدخرة، واحتج في ذلك بقوله عز وجل: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وحقه: الزكاة المفروضة، فعم الثمار كلها، وقد سمي الرمان باسمه تلخيصاً وتصريحاً، فالزكاة فيه وفي

الجزء: 4 - الصفحة: 306

غيره من الثمار، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك "ليس فيما دون خمسة أوسق من الثمار صدقة" فعم جميع الثمار، وقال: "ليس في الخضر زكاة" فدل أن الثمار بخلافها.
وقال أبو حنيفة: في جميع الخضر الزكاة، والحجة عليه ما تقدم.
قال ابن القصار: يرجح في التين قول مالك، قال: وإنما تكلم على بلده ولم يكن التين عندهم وإنما كان يجلب إليهم، فأما بالشام وغيره ففيه الزكاة لأنه مقتات عندهم غالباً كما يقتات السمسم والتمر بالعراق.

الجزء: 4 - الصفحة: 307

ومن المدونة قال مالك: فإذا بلغ كيل ما ذكرنا مما فيه الزكاة حبا خمسة أوسق كان فيما سقت السماء أو شرب سيحاً أو بعلا لا يسقى العشر وفيما سقت السواني بغرب أو دالية أو غيره نصف العشر.
قال ابن حبيب: البعل: ما يشرب بعروقه من غير سقي ولا غيرها، والسيح: ما يشرب بالعيون والعثري ما تسقيه السماء، والنضج: ما يسقى بالسواني والزرانيق وبالدلو باليد.
قال: والوسق: ستون صاعاً، والصاع أربعة أمداد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فخمسة أوسق ثلاث مئة صاع وهي عشرة أرادب، قال سحنون: وهي ستة

الجزء: 4 - الصفحة: 308

أقفزة وربع بأفريقية.
م: وهي عندنا بصقلية عشرة أمداد وسبعة أثمان غير مدين وذلك أن الصاع ثلاثة أمداد وثلث مد بمدنا فثلاث مئة صاع هي ألف مد بمدنا وذلك عشرة أمداد بالكبير وسبعة أثمان غير مدين بالصغير.
م: والذي اتفق عليه أصحابنا أن تجب الزكاة من أوسط أعناب بلدنا من ثلاث مئة رطل بالكبير، وذلك أن ثلاث مئة رطل إذا زببت رجعت إلى الخمس وذلك ستون رطلاً والستون رطلا فيها ألف ومئتا رطل بالصغير، والرطل الصغير في كيله مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم فذلك ألف ومئتا مد بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك ثلاث مئة صاع وهي خمسة أوسق.
ومن المجموعة قال ابن نافع وعلي عن مالك فيمن له النخل والعنب فيسقى نصف السنة بالعين فينقطع فيسقى باقيها بالنضح والسانية فليخرج زكاة ذلك نصفه على العشر، ونصفه على نصف العشر وقاله المغيرة، وابن القاسم، وعبد الملك.
وإن سقي أكثرها بأحد الصنفين كان القليل تبعاً للكثير، وقاله عبد الملك تقدم

الجزء: 4 - الصفحة: 309

الكثير أو تأخر.
قال ابن القاسم: وجل ذلك ثلثا سقيه أو ما يقارب ذلك، فأما ما زاد على النصف باليسير فليخرج نصفين.
قال عبد الوهاب: واختلف في ذلك فقيل: الأقل تبع للأكثر، وقيل: يؤخذ من كل واحد بحسابه وقيل: ينظر إلى الذي حيي به الزرع فيكون الحكم له.
فوجه الأول: فلأن غالب الأصول أن الأقل تبع للأكثر، كالضأن والمعز إذا اجتمعا في الزكاة والغنم المأخوذة في صدقة الإبل فكذلك مسألتنا.
ووجه الثاني: قوله: فيما سقت السماء العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر فعم ولأنه زرع سقي سقيا له تأثير في الزكاة فكان المأخوذ منه معتبراً بسقيه.
ووجه الثالث: أن الغرض بالسقي كمال الزرع وهذا لا يوجد إلا في الآخر، والأصول شاهدة كالرجل يداين قوماً في سقي زرعه، والنفقة عليه ثم يفلس أنه يبدأ بآخرهم نفقة، لأنه الذي حيي الزرع بنفقته وسقيه، فكذلك مسئلتنا، فما كمل به فالحكم له.
م: وكما يبدأ من ثمن الزرع في التفليس من تم الزرع بنفقته، فكذلك هذا.
قال ابن أبي زمنين: وما يسقى باليد بالدلو فهو بمنزلة ما سقي بالسواني وبالزرانيق، قال: ورأيت فيما نقله بعض شيوخنا أن ابن حبيب سئل عن الزرع يعجزه الماء فيشتري صاحبه ما يسقيه به كيف يزكيه؟ قال: يخرج عشرة، وسئل عنها عبد الملك

الجزء: 4 - الصفحة: 310

ابن الحسن فقال: يخرج نصف العشر.
م: قال بعض فقهائنا: وهذا أعدل؛ لأن الحديث إنما فرق بين النضح وغيره لمشقة السقي، وهذا فيه المشقة بإخراج الثمن وقد يحتاج في سقي النضح بالسواني إخراج الثمن للأجراء ومن يتولى له ذلك، فلا فرق.
م: وينبغي على هذا القياس في عمل الكروم ومشقتها أن يخرج فيها نصف العشر لأن ذلك أشد من السقي وأكثر تعباً ونفقة، ولو قاله قائل كان صواباً.
فصل [1 - في خرص العنب والتمر] ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص إلا العنب والتمر للحاجة إلى أكلهما رطبين ويخرص الكرم عنبا إذا طاب وحل بيعه والنخل إذا أزهت وطابت وحل بيعها لا قبل ذلك، يقال في هذا الكرم من العنب كذا وكذا ثم يقال ما ينقص هذا العنب إذا تزبب وما يبلغ أن يكون زبيبا، فإن بلغ خمسة أوسق أخذ منه وإلا فلا، وكذلك النخل ينظر كم مكيله الرطب ثم يقال ما ينقص إذا يبس وصار تمراً فيسقط ذلك، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه.

الجزء: 4 - الصفحة: 311

ابن شهاب: وكان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله رواحة فيخرص النخل حين يطيب أوله قبل أن يؤكل شيء منه ثم يخير اليهود أيأخذونها بذلك الخرص أو يدفعونها إليه، وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالخرص لكي تحصى الزكاة قبل أن يؤكل الثمر و: يفرق فكانوا على ذلك.
قال مالك: وإن كان رطب هذا النخل لا يكون تمراً، ولا هذا العنب زبيبا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه العشر إن كان مما تسقيه العيون والسماء، وإن كان يشرب بالسواني فتصف العشر، كان ثمن ذلك أقل من عشرين ديناراً أو أكثر، وكذلك النخل يكون بلحاً لا يزهي، كذلك يباع ويؤكل إذا بلغ خرصها خمسة أوسق أخذ من ثمنها لا من تمرها، وإن لم يبلغ خرص ذلك كله خمسة أوسق فلا شيء فيه وإن كثر ثمنه، وهو فائدة لا يزكيه صاحبه إلا بعد حول من يوم يقبضه.

الجزء: 4 - الصفحة: 312

وقال مالك في كتاب ابن سحنون في العنب الذي لا يتزبب يبلغ خرصه إن لو تزبب خمسة أوسق أنه إن وجد في البلد زبيباً فليشتره للزكاة وإن لم يبع بالبلد زبيب أخرج من ثمنه، قال ابن المواز: ليس له أن يخرج زبيباً وليخرج ثمناً، وقال ابن حبيب: يخرج من ثمنه وإن أخرج منه عنباً أجزأه، وكذلك الزيتون الذي لا زيت له أو الرطب/ الذي لا يتمر إذا أخرج من حبه أجزأه.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرص الزيتون أهله عليه كما يؤمنوا على الحب فإذا بلغ كيل حبه خمسة أوسق أخذ من زيته.
وفي السليمانية: ولا ينظر إليه في وقت رفعه حتى يجف ويتناهى في حال جفافه فإذا كان فيه خمسة أوسق بعد التجفيف ففيه الزكاة من زيته وإلا فلا.
ومن المدونة: وإن كان لا زيت له كزيتون مصر فمن ثمنه على ما فسرنا في النخيل والكرم.
قال ابن القاسم: ومن باع زيتوناً له زيت، أو رطباً يكون تمراً، أو عنباً زبيباً فعليه أن يأتي بزكاة ذلك زيتاً أو تمراً أو زبيباً من عشر أو نصف عشر، قال مالك وإن لم يضبط خرصه ولا أن يتحرى له فليؤد من ثمنه، قال: وأما لا يكون زبيباً ولا تمراً ولا زيتاً فإنما عليه عشر ثمنه أو نصف عشر ثمنه إذا بلغ خمسة أوسق.

الجزء: 4 - الصفحة: 313

م: قال عبد الوهاب في الزيتون الذي له زيت والرطب والعنب الذي يكون تمراً أو زبيباً يباع حباً فقيل: يخرج من ثمنه وقيل: من زيت أو تمر أو زبيب مثله.
قال: فمن أصحابنا من جعل الإخراج من ثمنه رواية في أخذ القيم في الزكاة، ومنه من علله بأن الإخراج من عين ذلك قد فات ببيعه، وهذا هو الصحيح.
ولا يجوز إخراج القيم عندنا في الزكاة خلافاً لأبي حنيفة لقوله صلى الله عليه وسلم: "خذ الإبل من الإبل والبقر من البقر، والغنم من الغنم، والحب من الحب".
فنصه صلى الله عليه وسلم على ما يؤخذ من كل جنس يمنع التخيير بينه وبين غيره، ولأن الزكاة حق يخرج على وجه الطهرة كالرقبة في الكفارة، وهو لو تصدق بقيمة العبد لم يجزئه، فكذلك الزكاة، ولأنه لو أخرج في زكاة الفطر نصف صاع من غير قوت بلده قيمته قيمة صاع من قوت بلده لم يجزئه؛ لأنه أخرج زكاته بقيمة، وفي ذلك أيضاً معنى شراء الصدقة.
ومن المجموعة وكتاب ابن سحنون قال علي وابن نافع عن مالك: لا يبعث في الخرص إلا أهل المعرفة والأمانة.
قال عنه ابن نافع: ويخرص الحائط نخلة نخلة حتى يفرغ منه ثم يجمع ذلك.

الجزء: 4 - الصفحة: 314

ومن المدونة: قال مالك: ولا يترك الخراص لأصحاب الثمار شيئاً لمكان الأكل والفساد وإن لم يكن في الخرص إلا خمسة أوسق أخذ من الخمسة ولم يترك له شيء.
وقال ابن حبيب: وليخفف الخارص ويوسع على أهل الحوائط لما ينتفعون وينالون من رؤس النخل، وهذا خلاف قول مالك.
ابن المواز: قال مالك: ويحسب على الرجل كل ماجذ أو علف أو تصدق به أو وهبه من زرعه بعد ما أفرك إلا الشيء التافه، ولا يحسب ما كان من لك قبل أن يفرك.
قال ابن القاسم: وأما ما أكلت الدواب بأفواهها عند الدارس فلا يحسب، ويحسب ما علفهم منه.
قال في العتبية عن مالك: ولا يحسب عليه ما أكل بلحاً، وليس هو مثل الفريك يأكله من زرعه ولا الفول والحمص يأكله أخضر، هذا يتحراه فإن بلغ خرصه على التيبيس خمسة أوسق زكى وأخرج عنه حباً يابساً من ذلك الصنف، قال في كتاب ابن المواز: وإن شاء أخرج من ثمنه.

الجزء: 4 - الصفحة: 315

وقال أشهب: من استأجر على خرط زيتونه على الثلث فعليه زكاة ذلك الثلث.
ومن المجموعة، وكتاب ابن سحنون قال مالك: وإذا خرص خارص مئة وسق، وخرص آخر تسعين، وآخر ثمانين، أخذ من قول كل واحد ثلثه.
ومن المدونة: قال: ومن خرص عليه أربعة أوسق فرفع خمسة أحببت له أن يزكي لقلة إصابة الخراص اليوم.
م: قال بعض شيوخنا القرويين: ولفظة: أحببت ها هنا على الإيجاب وإن كان موضوعها الاستحباب فربما وردت على الإيجاب.
م: وهو صواب.
وقد قال مالك في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: يؤدي عن كل ما زاد على ما خرص عليه.
قال في كتاب ابن المواز: إن كان الخارص من أهل الأمانة والبصر لم يكن على صاحب الثمرة إلا ما خرص عليه ولكن الخراص اليوم لا يبصرون فأرى أن يؤدي زكاة ما وجد إذا خرص عليه أربعة فأصاب خمسة، وفي كتاب ابن سحنون: وروى ابن نافع

الجزء: 4 - الصفحة: 316

وعلي عن مالك أنه إن خرص عالم فلا شيء عليه فيما زاد وإن خرصه جاهل فليزك الزيادة، وقال ابن نافع: يزكي الزيادة خرصه عالم/ أو غير عالم.
م: وهو القياس كالحاكم يحكم بحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح لم يختلف فيه.
فصل [2 - في الحائط يكون فيه من أعلى التمر أو أدناه، كيف يؤخذ منه] ومن المدونة قال مالك، وإذا كان الحائط صنفاً واحداً من أعلى التمر أو أدناه أخذ منه، وإن كان أجناساً أخذ من أوسطها جنساً، ابن وهب: وقال أبو أمامة بن سهل: في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ قال هو الجعرور ولون حبيق فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤخذ في الصدقة.
وكتب عمر بن عبد العزيز بأن يؤخذ البرني من البرني واللون من اللون

الجزء: 4 - الصفحة: 317

ولا يؤخذ البرني من اللون وأن يرخذ من الجرون ولا يضمنونها الناس.
يعني بالجرن أنادر التمر.
وقال ابن نافع عن مالك في المجموعة: إذا كان الحائط رديئاً كله أو جيداً كله فليبتع له رب الحائط وسطاً من التمر، وقاله عبد الملك، قال ابن نافع: رآه بمنزلة الغنم، وليس كذلك.
وقال عنه ابن القاسم، وأشهب: بل يؤدي منه، وقال به ابن نافع.
قال عنه أشهب: وإن كان في الحائط رديء وجيد أخذ من كل صنف بقدره، وكذلك إن كان أحدهما أكثر، وهو كاجتماع الشعير والقمح، وقاله أشهب، وقال عنه ابن القاسم في أصناف من التمر يؤدي من وسطه، وقال به، وقد روى القولين عن مالك ابن القاسم وأشهب، وابن نافع، وقال مالك: العجوة من وسطه.

الجزء: 4 - الصفحة: 318

م: فصار في الحائط إذا كان فيه من أعلى التمر أو أدناه قولان: أحدهما: أن يؤخذ منه بعينه، والثاني: أن عليه أن يأتي بالوسط، فوجه هذا قياساً على الماشية، ووجه الأول: أن الأصل كان أن يؤخذ زكاة كل شيء من عينه لقوله صلى الله عليه وسلم: "صدقة كل مال منه" فخصت السنة في الماشية أن يؤخذ من الوسط وبقي ما سواه على أصله.
وإن كان في الحائط أجناساً فقولان أيضاً: أحدهما: أن يؤخذ من أوسطها جنساً، والآخر: من كل جنس بقدره.
فوجه الأول: قياساً على الماشية، ووجه الثاني: قياساً على الأصل.
فصل [3 - في وقت وجوب الزكاة في الحب والثمار] ومن المدونة: قال مالك: ومن مات وقد أزهى حائطه، وطاب كرمه، وأفرك زرعه واستغنى عن الماء وقد خرص عليه شيء أو لم يخرص فزكاة ذلك على الميت إن بلغ ما فيه الزكاة أوصى بها أم لا بلغت حصة كل وارث ما فيه الزكاة أم لا، وأما إن مات قبل الأزهاء والطيب فلا شيء عليه، والزكاة على من بلغت حصته من الورثة ما فيه الزكاة دون من لم تبلغ حصته ذلك.
فصل [4 - في المال يكون بين شركاء، كيف يزكى؟] قال مالك: والشركاء في النخل والزرع والكرم والزيتون والذهب والورق والماشية لا يؤخذ من ذلك الزكاة حتى يكون لكل واحد منهم ما تجب فيه الزكاة، وليس على من لم تبلغ حصته من ذلك مقدار الزكاة زكاة.
فصل [5 - في أخذ الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله] قال مالك: وتؤدى الزكاة عن الحوائط المحبسة في سبيل الله أو على قوم

الجزء: 4 - الصفحة: 319

بأعيانهم أو بغير أعيانهم، وقد حبس الصحابة بالمدينة حوائط فلم تزل الزكاة تؤخذ منها.
قال ابن المواز: إن بلغ حظ كل واحد من المعينين ما فيه الزكاة، ولا زكاة على من يبلغ حظه ذلك وإن كان في جملة الحائط ما فيه الزكاة.
وقال سحنون: المعينون وغيرهم سواء إذا خرج من الجميع خمسة أوسق ففيه الزكاة.
وقال عبد الملك: إذا حبست على من تحلُّ له الزكاة فلا زكاة فيها، وإن كان على غيرهم زكيت.
م: فوجه قول سحنون وهو ظاهر «المدونة» أن المحبس عليهم إنما يملكون الحوائط ملك انتفاع لا ملك ابتياع ولا ميراث ولا يتصرفون فيها تصرف المالك فكأنها مبقاة على ملك المحبس وأجرها جار على عليه فكان الاعتبار في الزكاة بملكه لا بملكهم.
ووجه قول ابن المواز: أن الزكاة إنما هي في الثمرة لا في الحوائط فمن وجبت له الثمرة فعليه الزكاة كما لو أوصى لرجل بثمرة حائطه سنين والثلث يحمله لكان عليه الزكاة فكذلك هذا.
ووجه قول ابن الماجشون إذا حبست على من يأخذ الزكاة/ فلا زكاة فيها فلأنها

الجزء: 4 - الصفحة: 320

إذا كانت تعود إليهم فلا فائدة في أخذها منهم، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل إبلاً له في سبيل الله يحبس رقابها ويحمل على نسلها أو أوقف مئة دينار يسلفها الناس ففي ذلك الزكاة، وإن أوقف الدنانير أو الماشية لتفرق في سبيل الله أو على المساكين أو لتباع الماشية ويفرق الثمن فيدركها الحول قبل أن يفرق فلا يؤخذ منها زكاة لأنها تفرق ولا تترك مسبلة.
م: لأنها على غير ملك مالك فتزكي عنها.
قال ابن المواز: وما كان يفرق أصلها من العين خاصة فإنه لا يزكي كان على معينين أو مجهولين.
وأما الأنعام يفرق أصلها أو ثمنها فلم يفرق حتى جاء الحول فقال ابن القاسم مرة: هل مثل الدنانير، ولا أعلم أن مالكًا قاله، وقال ابن القاسم أيضًا ورواه عن مالك وقاله أشهب: إن كنت تفرق على مجهولين فلا زكاة فيها وإن كانت على معينين فالزكاة على من بلغت حصته ما فيه الزكاة.
قال محمد: وهذا أحب إلينا بخلاف الدنانير، لأن من أوصي له بمال لا يزكيه حتى يقبضه، وأما الغنم فإنها تزكي وإن لم تقبض.

الجزء: 4 - الصفحة: 321

قال: وإن كانت الأمهات موقوفة ويفرق نسلها أو أصول نخل ويفرق ثمرها فقال ابن القاسم إن كانت على معينين فلا زكاة من ليس في حصته ما فيه الزكاة من ثمرة أو نسل، وإن كانت على مجهولين ففي جملة الثمرة وفي الأولاد الزكاة إذا تم للأولاد حول من وقت الولادة في الوجهين جميعًا.
وقال سحنون إذا كان في جملة الثمرة خمسة أوسق ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين، وكذلك في نسل الأنعام إذا كان في جملة الأولاد نصاب ففيها الزكاة كانت على معينين أو مجهولين.
م: ولا خلاف أن في الأمهات الزكاة لأنها موقوفة لما جعلها له.
قال ابن القاسم: أو وقفت الأنعام ليكون غلتها من لبن وصوف ونحوه يفرق على معينين أو غير معينين فالزكاة في الأمهات والأولاد جميعًا وحولها واحد لأن ذلك كله موقوف.
فصل [6 - كل نوع من أنواع المال يجمع إلى نوعة في الزكاة] ومن المدونة قال مالك: ويجمع التمر كله بعض إلى بعض في الزكاة، وكذلك العنب يجمع بعضه إلى بعض في الزكاة، قال مالك: وإن كانت كرومة مفترقة في بلدان شتي جمع بعضها إلى بعض، وكذلك بجمع الماشية والحب.

الجزء: 4 - الصفحة: 322

فصل [7 - ما اتفق في الزرع والنبات والحصاد من الجنس الواحد أضيف بعضه إلى بعض وكمل منه النصاب].
م: قال مالك: وإذا كانت الأرض تزرع مرتين في السنة فليؤدي في كل مرة ولا يجمع عليه ما حصد في المرتين، وإنما ينظر إلى كل حصاد، وكذلك في المختصر، قال ابن سحنون عن أبيه: أما إن كان يحصد في كل مرة خمسة أوسق فليزك، وإن كان لم يصب إلى أقل من خمسة أوسق في كل مرة فإن ما زرع في الصيف في أوله يضم إلى ما وزع في آخره ويجعل كالبكري والمتأخر، وكذلك يضم ما زرع في أول الشتاء إلى آخره ولا يضم زريعة الصيف إلى زريعة الشتاء.
فصل [8 - إذا استقر وجوب الزكاة في الحبوب والثمار ثم ضاع المال قبل إخراج زكاته، فهل يضمن زكاته؟].
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن حصد زرعه وجذ تمره وفيه ما تجب فيه الزكاة فلم يدخله بيته حتى ضاع القمح من الأندر، والتمر من الجرين فلا يضمن زكاته، وكذلك لو عزل عشر ذلك في أندره أو جرينه ليفرقه فضاع بغير تفريط فلا شيء عليه، وقد قال مالك فيمن أخرج زكاته ليفرقها عند محلها فضاعت من غير تفريط فلا شيء عليه فكذلك هذا.

الجزء: 4 - الصفحة: 323

محمد: قال أشهب: هذا إذا كان هو الذي يلي تفرقة زكاته وإن لم يلها فعليه زكاة ما بقي فقط للمصدق.
ومن المدونة قال مالك: وإن أدخل ذلك في بيته قبل قدوم المصدق فضاع ضمن زكاته وكذلك لو عزل عشرة في بيته حتى يأتيه المصدق فضاع ضمنه؛ لأنه قد أدخله بيته، قال ابن القاسم: والذي أري أنه إذا أخرجه وأشهد عليه فتأخر عنه المصدق لم يلزمه ضمانه.
م: يريد: إذا عزله في بيته وأشهد عليه لم يضمن عند ابن القاسم، ويضمن عند مالك.
قال ابن القاسم: وقد بلغني عن مالك أنه قال في ذلك إذا لم يفرط في الحبوب لم يضمن.
قال سحنون: وقد قاله المخزومي: إذا عزله وحبسه للمصدق فتلف بغير سببه فلا شيء عليه إذا ليس عليه أكثر مما صنع وليس إليه دفعه.

الجزء: 4 - الصفحة: 324

وقال عنه في غير المدونة إذا عزل عشرة ثم استقرضه أو أكله أوباعه فقد ضمنه فإن فلس لم يحاص به السلطان غرماءه لأنه لو مات لم يلزم ورثته إخراجها إلا بوصية/ فتكون في ثلثه.
وقال أشهب: إذا كان هو يلي إخراج زكاة زرعة فعزل عشرة ليفرقه فلم يفرط في تفرقته حتى ضاع فلا شيء عليهولا فيما بقي، وإن فرط ضمن، وإذا لم يكن يلي إنفاذ ذلك وإنما يأخذه المصدق لم يجزئه إن تلف ما عزله، وعليه زكاة ما بقي، وبهذا أخذ ابن المواز، قال: ولو أدخله بيته بعد انتظار منه للمساكين فطال ذلك وخاف ضياعه فلا ضمان عليه بعد ذلك.
وقد تقدم في أول كتاب الزكاة الأول كثير من معاني هذا الفضل.
فصل [9 - في اجتماع العشر والخراج] وفي المدونة قال مالك: ومن اكتري أرض خراج أو غيرها فزرعها فزكاة ما أ×رجت الأرض على المكتري، ولا يضع الخراج الذي على الأرض زكاة ما خرج منها عن الزراع كانت الأرض له أو لغيره وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: إن العشر والخراج لا يجتمعان.

الجزء: 4 - الصفحة: 325

ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: " فيما سقت السماء العشر" فعم، واعتباراً بأرض الصلح المكتراة؛ لأن الخراج كراء، والعشر زكاة فلم يمنعها الخراج، كمن اكتري أرضًا فزرعها.
وقال أبو حنيفة: فيمن اكتري أرضًا فزرعها أن الزكاة على رب الأرض.
ودليلنا قوله تعالي: [وآتوا حقه يوم حصاده] وربها غير زارع ولا حاصد، وإنما المخاطب الزارع لأنه هو الحاصل والمالك لذلك الحب دون غيره.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أخرجت أرضه طعامًا كثيرًا تجب فيه الزكاة فباعه ثم أتي المصدق فليأخذ من البائع العشر أو نصف العشر طعامًا ولا شيء له على المبتاع، فإن أعدم البائع ووجد الساعي الطعام بعينه عند المبتاع أخذ منه المصدق ورجع المبتاع على البائع بقدر ذلك من الثمن لأنه باع منه طعامًا معينًا فاستحق بعضه، وقال غيره: لا شيء على المبتاع لأن البائع كان له البيع جائزًا، قال سحنون: وقاله أشهب، وهو عندي أعدل.

الجزء: 4 - الصفحة: 326

م: فوجه قول ابن القاسم أن البائع باع حقه وحق المساكين فنفذ بيعه في حق نفسه وبطل في حق غيره، وأما في يسره فتؤخذ الزكاة منه لتعلق الزكاة بذمته، ولا ضرر على المساكين في مطالبته، والقياس: قول أشهب؛ لأنه لما كان له أن يعطي الزكاة عنه من غيره لم يكن حق المساكين ثابتًا في عينه فلما لم يتعين حق المساكين فيه كان البيع جائزًا فإذا باعه فقد تعلق الوجوب بذمته فلا يزيله عدمه.
ومن المدونة: قال مالك: ومن باع أرضه بزرعها وقد طاب فزكاته على البائع.
قال في المستخرجة: ولا بأس أن يأمن المبتاع عليه فإذا فرغ منه وكاله أخبره بما وجد فيه فأخرج زكاته، قال ابن القاسم وإن باعه من نصراني فأحب إلى أن يتحفظ من ذلك حتى يعلم ما يخرج منه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن كان الزرع حين البيع أخرض فاشترطه المبتاع فزكاته

الجزء: 4 - الصفحة: 327

على المبتاع، قال في المستخرجة: فإن اشترط زكاته على البائع لم يجز.
م: لأنه غرر إذا لا يعلم مقداره.
قال عنه يحيي بن يحيي: ولو باع ثمرة نخل قد أزهت وفيها خمسة أوسق فوجبت زكاتها على البائع فأصابتها جائحة أنقصتها من خمسة أوسق، قال: إن بلغت الجائحة الثلث حتى يرجع على البائع من أجلها فلا زكاة عليه وإن لم تبلغ الجائحة الثلث لم يرجع على البائع بشيء وكانت عليه الزكاة كما هي لأنه باع ما تجب عليه فيه الزكاة ولم يرجع عليه بشيء.

الجزء: 4 - الصفحة: 328

ومن المدونة قال: ومن منح أرضه ذميًا أو عبدًا أو إكراهًا منه فلا زكاة على رب الأرض لأنه غير زارع ولا على من زرعها من عبد أو ذمي إذ لا زكاة في أموالهم وزروعهم.
قال مالك: وأما الصبي يمنح أرضًا أو يزرع أرضه بنفسه فعليه العشر؛ لأن الصغير في ماله الزكاة.
فصل [10 - فيمن مات وقد أوصي بزكاة زرعة الأخضر أو بثمر حائظه قبل طيبة] قال مالك: ومن مات وقد أوصي بزكاة زرعه الأخضر أو بثمر حائطة قبل طيبة فهي وصية من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه، ولا تسقط هذه الوصية عن الورثة زكاة ما بقي لهم لأنه كرجل استثني عشر زرعة لنفسه وما بقي فللورثة فإن كان/ في حظ كل وارث وحده ما تجب فيه الزكاة عليه وإلا فلا، قال: وإن كان في العشر الذي أوصي به للماسكين خمسة أوسق فأكثر زكاة المصدق وإن لم يقع لكل مسكين إلا مد إذ ليسوا بأعيانهم وهم كمالك واحد ولا يرجع المساكين على الورثة بشيء مما أخذ منهم المصدق وإن حمل ذلك الثلث لأنه كشيء بعينه أوصي لهم به فاستحق أو بعضه.
وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ منهم شيء لأنها إلى المساكين ترجع.

الجزء: 4 - الصفحة: 329

ومن المدونة قال مالك: وكذلك لو أوصي بثمرة حائطه أو بزرعه كله قبل طيبة للمساكين، أو قال ثمرة حائطي سنتين أو ثلاثة للمساكين لم يسقط عنهم زكاة ذلك وإن لم يصر لكل مسكين إلا مد لأنهم ليسوا بأعيانهم فهو بخلاف الورثة.
وإما أن أوصي بزكاة زرعه قبل طيبه لرجل بعينه كان كأحد الورثة، وعليه النفقة معهم لأنه استحقه يوم مات الميت، والزرع أخضر، والمساكين لا يستحقون ذلك إلا بعد بلوغه وسقيه وعمله والنفقة عليه من مال الميت حتى يقبضوه.
قال ابن حبيب: جميع ما يحتاج إليه نصيب المساكين من سقي وحصاد وغيره في جملة مال الميت، وحكاه عن ابن القاسم وأشهب.
م: وحكي عن أبي محمد أنه قال: نفقة العشر الموصي به للمساكين من ثلث الموصي فإن ناف ذلك الزرع بنفقته على الثلث أخرج منه محمل الثلث فإن لم يكن للميت مال غير الزرع قيل للورثة: أنفقوا عليه وتقاصوهم بنفقتكم في ثلث الزرع الموصي بعشرة لهم فإن بقي في ثلثه بعد إخراج فقتكم منه أكثر من عشر جميعه كان لهم العشر، وما بقي فلكم، وإن بقي العشر فأقل لم يكن لهم غيره لأنه باقي ثلث مال الميت بعد خراج نفقتكم فإن أبي الورثة أن ينفقوا أو لم يكن لهم مال دفعوه

الجزء: 4 - الصفحة: 330

مساقاة وكان كالموصي لهم بعشر الجميع يأخذونه من حصة الورثة التي وقعت لهم في المساقاة إلا أن يكون عشر الجميع أكثر من ثلث ما وقع في حصتهم من المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك، وذلك أن الزرع إذا كان يخرج عشرة أوسق فقد حصل للموصي لهم بعشرة: وسق، فهم أبدًا يأخذونه مما رجع إلى الورثة بعد المساقاة ما لم يكن عشر جميع الزرع أكثر من ثلث ما يحصل للورثة في المساقاة فلا يزاد الموصي لهم على ثلث ذلك إذا كأنه جميع ما خلفه الميت.
وقال أشهب: إذا أوصي بزكاة زرعه الأخضر فقال: تؤدي زكاته عني فوصيته باطلة في حصة من تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة من الورثة؛ لأنها وصية لوارث، ومن لم تبلغ حصته ما تجب فيه الزكاة لم يؤخذ منه شيء ويؤدي ذلك من مال الميت يريد: من ثلثه، وإن كانوا لا تجب في حصة أحد منهم الزكاة أدي ذلك منه إذا بلغ خمسة أوسق يريد: من ثلثه غير مبدأ، وإن كان نصيب كل واحد ما فيه الزكاة فالوصية باطل، والزكاة عليهم.
م: معني قول أشهب: كأن الميت أراد أن يدفع الزكاة عن من تجب الزكاة في حصته من الورثة فيؤدي ذلك عنه من ثلثه، فلو فعل ذلك كانت وصية لوارث إذ قد أدي عنه ما يلزمه من الزكاة وأبقي حصته يوفرها فردت وصيته لهذه العلة وألزم الوارث

الجزء: 4 - الصفحة: 331

ما يلزمه من الزكاة، وأما من لا يلزمه في حصته فلم يدفع عنه الميت شيئًا ولم يوص له بشيء فأنفذت وصيته وكانت من الثلث غير مبدأة إذا لم تلزمه بعد.
فصل [11 - يما يضم بعضه إلى بعض من الحبوب] ومن المدونة قال مالك: والقمح والشعير والسلت كصنف واحد يضم بعضه إلى بعض في الزكاة ولا يضم معها غيرها فمن رفع من جميعها خمسة أوسق فليزك ويخرج من كل صنف بقدره.
م: إنما قال يضم ذلك لتقاربه في الخلقة والانتفاع كالضأن والمعز والجواميس والبقر والإبل والبخت وأخذ من هذا من كل صنف بقدره لأنه ينقسم وفيه فيه رأس واحدة من الماشية أخذه من أكثرها لأنها لا تنقسم، وإن استويا خير الساعي.
ومن العتيبة قال ابن وهب وأصبغ في الأشقالية وهي حبة مستطيلة مصوفة هي أقرب خلقه إلى الست والقمح من الشعير وليست من القمح والشعير/ وهي صنف منفرد.
وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يقال له العلس يكون باليمين يجمع من الحنطة.
م: وهو أصوب.

الجزء: 4 - الصفحة: 332

قال ابن حبيب: وهو قول مالك فيه وجميع أصحابه إلا ابن القاسم فإنه قال: إنه صنف منفرد لا يضم إلا القمح والشعير والسلت، وقال ابن كنانة: هو صنف من الحنطة يجمع إليها، وهو الصواب.
ومن المدنة: قال مالك: وأما الدخن والأرز والذرة فأصناف لا يضم بعضها إلى بعض ولا تضم إلى غيرها ولا يزكي حتى يرفع من كل صنف منها خمسة أوسق.
قال: والقطاني كلها الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وما ثبتت معرفته عند الناس أنه من القطاني فإنه يضم بعضه إلى بعض من الزكاة فمن رفع من جميعها خمسة أوسق أخرج من كل صنف بقدره.
محمد: فإن قيل كيف تجمع القطنية في الزكاة وهي يجوز الواحد منها بالاثنين من غيره؟ قيل: فالذهب والورق يجمعها في الزكاة وقد يؤخذ بالدينار أضعافه من الدراهم.

الجزء: 4 - الصفحة: 333

م: والترمس والبسيلة من القطنية.
قال أشهب عن مالك في العتيبة في الكرسنة أنها من القطنية، وقال ابن حبيب: بل هي صنف على حدته.
قال مالك: وليس في الحلبة زكاة.
وقد تقدم أن في حب الفجل الزكاة إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق أخذ من زيته، وكذلك الجلجلان إذا كان يعصر أخذ من زيته إذا بلغ كيل حبة خمسة أوسق، قال: وإن كان قوم لا يعصرون الجلجلان وإنما يبعونه حبًا ليزيت للأدهان فأرجو إذا أخذ من حبه أن يكون خفيفًا، وقال مالك في المختصر: ويجزي من ثمنه، وقد تقدم اختلاف قول مالك في حب القرطم وبزر الكتان هل فيه زكاة أم لا.
فصل [13 - فيمن زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة] وإذا زرع جنسًا واحدًا زراعة بعد زراعة فإن كان حصاده الأول بعد زراعة الثاني أو كانت زراعة الثاني بعد حصاد الأول لم يضم بعضه إلى بعض فإن كان في كل واحد منهما بانفراده دون خمسة أوسق لم تجب فيهما زكاة وإن زرع ثالثًا بعد حصاده الأول وقبل حصاد الثاني لم يضم الأول إلى الثالث وضم الأوسط إلى الأول والثالث فإن كان في الأول وسقان والثالث كذلك والأوسط ثلاثة أوسق زكي عن الجميع لأنك إن

الجزء: 4 - الصفحة: 334

أضفت الأوسط إلى الأول كانا خمسة أوسق وإن أضفته إلى الآخر كانا خمسة أوسق أيضًا، وهذا قول ابن مسلمة وإن كان الأوسط، وسقا أو سقين لم يجب في شيء من ذلك زكاة وإن كان الأوسط وسقين والآخر وسقين والأول ثلاثة زكي الأول والأوسط دون الآخر، وإن كان الأول وسقين والأوسط وسقين والآخر ثلاثة زكي الأوسط والآخر دون الأول، وإذا كانت زراعة الثاني عندما قرب حصاد الأول لما يضافا؛ لأن الأول في معني المحصود وإن يبس ولم يبق إلا حصاده كان أبين.

الجزء: 4 - الصفحة: 335

[الباب السابع عشر]

جامع القول في زكاة الفطر

[فصل 1 - في حكمها] وزكاة الفطر واجبة، واختلف هل هي فرض أو سنة فقيل فيقول الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى (14) وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى) أنه في إخراج زكاة الفطر ثم الغدو إلى المصلي بعده، وقيل: إنها داخلة في قول الله تعالي: (وآتُوا الزَّكَاةَ)، وقاله مالك، وروي عنه أيضًا وعن أكثر أصحابه غير ذلك أنها مما سن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفرض على ما جاء في الحديث " أن الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فرضها على الناس صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير.
م: معني قوله: "فرضها" أي قدرها، قال الله تعالي (قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ) أي: قدَّرها.

الجزء: 4 - الصفحة: 336

[فصل 3 - في قدر المخرج] وفي حديث أبي سعيد الخدري: "كنا نخرج زكاة الفطر على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعاً من تمر أو صاعًا من أقط أو صاعًا من زبيب"، فقيل: إن الطعام المذكور عني به

الجزء: 4 - الصفحة: 337

البر، قال ابن المواز: وكان الصحابة يسمون القمح الطعام، ألا تري إلى قول سعد أبن أبي وقاص لوكيله حين فني علف دابته: خذ من طعام أهلك فابتع به شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله، يريد: مثلاً بمثل، فهذا يدلك أن الطعام المذكور وإنما عني به القمح.
قيل: فما روي ابن وهب أن في كتاب عمرو بن حزم أن تؤدي زكاة الفطر مدين من حنطة، أو صاعًا من تمر، وذكر أشهب أن عمر بن الخطاب كتب إلى الأجناد: " أدوا صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو مدين من حنطة"، قال: وسئل مالك عن ذلك فأنكر ما روي من

الجزء: 4 - الصفحة: 338

الحديث في نصف صاع ولم يصح عنده، قال: ويدل أن ذلك لا يجزي على القيمة أن ما ذكر في الحديث الصحيح بعضه أعلى قيمة من بعض، والكيل متفق، والحنطة أفضل ذلك، فلا ينبغي أن ينقص مخرج البر من صاع لارتفاع قيمته، أو لا تري أن ذلك متساوي في جميع الكفارات، فكذلك هذا.
وذهب أبو حنيفة أن زكاة الفطر غير واجبة وتؤدي نصف صاع من بر، وصاعًا

الجزء: 4 - الصفحة: 339

مما عداه، وكذلك ذهب ابن حبيب إلى أن تؤدي من البر مدين لهذه الأحاديث كقول أهل العراق والحجة عليهم ما ذكرنا.
فصل: [3] وجعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الحر والعبد والصغير والكبير من حاضر وباد وغيره من المسلمين.
[فصل 4 - في وجوبها على الفقراء] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويؤدي زكاة الفطر من يحل له أخذها، قال أبو محمد: واختلف قول مالك فيه.
قال ابن حبيب: وإن أعطي منها قدر قوته يوم الفطر فليس عليه أن يخرجه، وإن كان فيه فضل عن قوت يومه ذلك فليخرج من ذلك الفضل، وإن لم يدخل عليه شيء إلا في غد يوم الفطر فلا شيء عليه، لأن يوم الفطر قد زال، وليس من أهلها.

الجزء: 4 - الصفحة: 340

وقال ابن وهب عن مالك في المجموعة: إن كان له قوت شهر أو خمسة عشر يومًا فهي عليه.
ومن المدونة قال مالك: ويؤديها المحتاج إن وجدها، فإن لم يجد ووجد من يسلفه فليستلف ويؤدي، قال ابن القاسم: فإن لم يجد من يسلفه ولم يكن عنده شيء حتى مضي لذلك أعوم ثم أيسر لم يلزمه قضاؤها لماضي السنين.
وقال ابن المواز: ليس عليه أن يتسلف.
قال مالك: وإن أخرها الواجد سنين فعليه قضاؤها لماضي السنين.
م: وسئل أبو عمران: ما الفرق بين تأخير زكاة الفطر وتأخير الأضحية حتى ذهبت أيامها، وذلك كله حق في المال؟ فقال: الأجماع أن لا يضحي بعد انقضاء أيام النحر، والقرب إنما تكون حسب ما رتبته الشريعة، وأما زكاة الفطر فإنها تجب بحلول يوم الفطر أو ليلته، كوجوب زكاة الأموال بحلول الحول، فإن أخرها ضمنها؛ لأن الصدقة تنفع المساكين متى تصدق بها عليهم.
م ولقوله عز وجل: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ) فخض الأيام المعلومات بها فلا ذبح في غيرها، ولا حق فيها

الجزء: 4 - الصفحة: 341

للمساكين فيصل إليهم نفعها متى أخرجت، وزكاة الفطر مخصوص بها المساكين كزكاة الأموال، فمتي أخرجت إليهم نفعتهم، وقد اختلف قول مالك هل هي داخلة في قوله تعالي: (وَآتَوُا الزَّكَاةَ) فقياسها على زكاة الأموال أولى.
[فصل 5 - في وقت إخراجها] قال ابن القاسم: واستحب مالك أن تؤدي زكاة الفطر بعد الفجر من يوم الفطر قبل الغدو إلى المصلي.
م: لقوله الله تعالي: (قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى وذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى).
يريد به: من أخرج زكاة الفطر ثم غدي ذاكرًا لله إلى المصلي فصلي.
قال ابن المواز: وروي أشهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أمر بأدائها قبل الغدو إلى المصلي، وقال عليه الصلاة والسلام: "أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم"، وذلك ليأكل منها

الجزء: 4 - الصفحة: 342

الفقراء قبل غدوهم، كما استحب للإنسان أن يأكل قبل غدوه.
ومن المدونة قال مالك: وإن أداها بعد الصلاة فواسع.
م: لأنه يغنيهم عن الطلب في ذلك اليوم.
قال ابن القاسم: فإن أداها قبل الفطر بيوم أو يومين فلا بأس به، وكان ابن عمر يبعث بها إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين وثلاثة.
وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيومين لم تجزه، وإنما كان ابن عمر يبعث، بها قبل ذلك بيومين يدفعها لمن يلي الصدقة فيخرجها يوم الفطر.
م: ويحتمل أن يكون ابن القاسم إنما أراد بإخراجها قبل الفطر بيومين أي: يدفعها لمن يلي الصدقة كفعل ابن عمر، ومن حمل قوله على ظاهره لزمه أن يقول: يجزئه إخراجها من أول الشهر، وذلك لا يجوز، لأنه أخرجها قبل وجوبها.

الجزء: 4 - الصفحة: 343

[فصل -6 المسافر يخرج صدقة الفطر عن نفسه حيث كان] ومن المدونة قال مالك ويؤديها المسافر حيث هو، وإن أداها عنه أهله ببلده أجزأه.
[فصل 7 - زكاة الفكر تلزم الرجل عن نفسه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين] قال مالك: ويؤديها الرجل عن كل من يحكم عليه بنفقته من الأحرار والعبيد من المسلمين خلافًا لداود في قوله: لا تلزمه إلا عن نفسه.
ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم "أدوا زكاة الفطر عمن تمونون".

الجزء: 4 - الصفحة: 344

ومن المدونة قال مالك: إلا المكاتب فإن نفقته، على نفسه، وعلى السيد زكاة الفطر عنه.
قال ابن المواز: لأن المكاتب عبد له خارجه بشيء معلوم جعله عليه، وعلى أن عليه نفقة نفسه، وكان ذلك كله مالاً لسيدة قبل أن يشترطه.
م: يريد: فسيده المنفق عليه إذا شرط عليه أن ينفق من مال هو له، إذا العبد وماله لسيده، وكما لو خارج عبداً له بشيء يؤديه كل شهر أو كل سنة، وعلى أن علي العبد نفقة نفسه، فإن السيد يؤدي عنه زكاة الفطر.
قال ابن حبيب: ولم يختلف/ في ذلك عنه أهل المدينة.
م: وقال أهل العراق: يؤديها المكاتب عن نفسه كالنفقة، وقال عبد الوهاب: وفي المكاتب روايتان: فإذا قلنا إنها تلزم السيد فللرق، وإذا قلنا لا تلزمه فلأنها تابعة

الجزء: 4 - الصفحة: 345

للنفقة، وإشارته إلى الروايتين لأصحابنا.
[فصل 8 - في زكاة الفطر عن العبد المعتقد بعضه] ومن المدونة قال مالك: ومن له نصف عبد وباقية حر فليؤد الذي له نصفه نصف صدقة الفطر عن نصفه، وليس على العبد أن يؤدي النصف الآخر عما عتق منه؛ لأنه لا زكاة عليه في ماله.
قال ابن المواز: وقاله أشهب، قال: وهو القياس، وأما الاستحسان وهو أحب إلي أن يؤدي السيد عن جميعه صدقة الفطر تامة.
وقال عبد الملك: على السيد جميع ذلك، وكذلك في كتاب ابن سحنون، ورواه عن مالك، قال: لأنه وارثه وهو حابسه عن أحكام الحرية ولم يعرف سحنون هذه الرواية وقال مثل ما في المدونة.
وقال ابن حبيب عن أشهب: يؤدي من له فيه الرق بقدر ملكه ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وهو القياس، ويقول عبد الملك أقول استحسانًا.

الجزء: 4 - الصفحة: 346

م: فوجه أن السيد يؤدي عن نصفه ولا شيء علي العبد فلأن أحكام الرق أغلب عليه بدلالة منع شهادته وميراثه ونقصان طلاقه وحده وسقوط الحج عنه، فكذلك الزكاة ساقطة عنه، ويؤدي السيد بقدر ملكه فيه، كما يلزمه أداء الجميع في ملك جميعه، ونصفها إذ كان بينه وبين غيره، وكما لو كان هذا العبد بينه وبين عبد غيره للزم السيد الحر الأداء عن نصفه، ولم يلزم العبد أن يؤدي عن حصته شيئًا، فكذلك هذا.
ووجه القول بأن السيد يؤدي جميع الزكاة عنه: لأنه محبوس عليه بالرق كالذي يستغرقه الرق، ولأنه وارثه.
ووجه القول بأن علي العبد بقدر ما فيه من الحرية: اعتباراً بالعبد بين الشريكين، ولأنهما يتقاسمان في الخدمة والمنافع، فكذلك هذا في الفطرة، ولأن الفطرة تابعة للنفقة، ونفقته بينهما، فكذلك الفطرة.
م: وبالأول أقول.
[فصل 9 - في زكاة الفطر عن العبد بين شريكين] ومن المدونة قال مالك: وإذا كان عبد بين رجلي أدي كل واحد منهما نصف صدقة الفطر عنه، وإن كان لأحدهما سدسه وبقيته للآخر فسدس الزكاة على الذي له سدسه وخمسة أسداسها على شريكه.
وقاله عبد الملك في كتاب ابن سحنون، وروي عن مالك خلافه أن على كل

الجزء: 4 - الصفحة: 347

واحد عنه زكاة كاملة، ولم يعرفها سحنون.
م: وقال أبو حنيفة: لا شيء على ساداته.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صدقة الفطر على كل حر وعبد" فعم، وقال: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون"، ولأنه حق يتبع النفقة فكانت عليهم كالنفقة.
قال ابن المواز عن عبد الملك: ولو كان العبد بين حر وعبد فإن على الحر نصف زكاته فقط، قال عنه ابن حبيب: وقاله مالك.
[فصل 10 - في زكاة الفطر عند العبد الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر] ومن المدونة: قال ابن القاسم: والفطرة على الموصي بخدمته لرجل وبرقبته لآخر على صاحب الرقبة إن قبل الوصية كمن أخدم عبده رجلاً أمدًا فصدقه الفطر عنه على سيده الذي أخدمه.
وقال عنه ابن المواز: إن ذلك على المخدم كالنفقة في الوجهين جميعًا.
قال: وقال أشهب: ليس على المخدم شيء، وهي على مالك رقبته في الوجهين

الجزء: 4 - الصفحة: 348

جميعًا كقول ابن القاسم في المدونة، قال أشهب: وليس للمخدم في الرقبة حق وهو مثل من أجر عبده وشرط على من أستأجره نفقته فإن زكاة الفطر عنه على سيدة، لأن المستأجر والمخدم لا يملكون منه إلا خدمة أفعن الخدمة يزكون؟ قال ابن المواز: ويقول أشهب أقول؛ لأنه بمنزله من أخدم عبده شهرًا بطعامه، أو قاطع عبده في الشهر على أن عليه طعامه، وقال ابن عبد الحكم بقول ابن القاسم، واحتجا بخادم الزوجة أن فطرتها على الزوج/ الذي عليه نفقتها ولا شيء على مالكه رقبتها).
وليس في ذلك حجة؛ لأن خادم الزوجة إنما يؤديها عن الزوجة لوجوب نفقتها، إذا لو لم يكن لها خادم لكلف الزوج أن يخدمها خادمًا وينفق عليها ويزكي عنها؛ لأن ذلك من مؤن الزوجة ويجبر الزوج عليها، ولو قالت الزوجة: أنا أنفق على نفسي وخادمي وأبي ذلك الزوج وقال: أنا أنفق كان ذلك له، ولو تزوجها على ذلك ما جاز، ولو أبي صاحب رقبة المخدم أن ينفق إلا هو ويمنع المخدم من النفقة كان ذلك للسيد مثل الإجارة سواء، ولو أخدمه على أن لا نفقة للمخدم كان ذلك للسيد، فهذا فرق ما بينهما.
[فصل 11 - زكاة الفطر عند العبد الأعمي والمجنون والأبق] وم المدونة: قال مالك: ومن له عبد أعمي أو مجنون أو مجذوم فليؤد عنه زكاة

الجزء: 4 - الصفحة: 349

الفطر ولا يعتق عليه لما أصابه من البلاء.
قال: ولا يؤديها عند عبده الآبق إباق إياس فأما من يرتجيه لقربه فهي عليه عنه.
[فصل 13 - زكاة الفطر عن رقيق التجارة وعن عبيد القراض] قال: ومن كان عنده رقيق للتجارة مسلمين فليؤد عنهم زكاة الفطر وإن لم تبلغ قيمتهم مئتي درهم.
قال: ومن أخذ مالاً قراضًا فاشتري به رقيقًا فزكاة الفطر عنهم على رب المال في رأس ماله، وليس في مال القراض، وأما نفقتهم فمن مال القراض، وقال أشهب إن بيعوا فكان فيهم فضل مثل ثلث الثمن فعلي العامل سدس تلك الزكاة، وإن كان الربع فعليه الثمن إن قارضه على النصف.
وقال ابن أبي زمنين: وعلى مذهب أشهب: تؤخذ الزكاة مما بيد المقارض، فإذا تفاصلاً نظر إلى الربح فيكون ما ذكر، كذلك فسره بعض شيوخنا.
م: والصواب عندي أن يؤديها رب المال، فإذا تفاصلا نظر إلى الربح، والدليل على ذلك: أن الزكاة إنما هي عن رقابهم، والرقبة فلا حق متعين للمقارض فيها، وقد لا يكون له فيها حق أبدًا، وهي اليوم لرب المال فهو الذي يؤدي عنها، وهذا أصلنا في أكثر الأحكام إنما يراعي الحكم يوم وقع لا إلى ما يكون أو لا يكون، وليس لرب المال أن ينقص من مال القراض بعد إشغاله لأمر هو لازم له على الحقيقة، وبالله التوفيق.

الجزء: 4 - الصفحة: 350

وذهب ابن حبيب إلى أن فطرتهم كنفقتهم من جملة القراض، ورأس المال هو العدد الأول، واختار ابن المواز رواية ابن القاسم وقوله: إن فطرتهم على رب المال، قال: لأنه شيء ليس على المال وجب، وقد لزم ذلك قبل أن يجب للعامل شيء، وما يأخذه العامل كالإجازة وتلزمه زكاته في نضوضه وبعد أن يصير له بعد الحول، ألا تراه لو كان العامل لا يدير ورب المال يدير أن رب المال يقوم ما بيد العامل ويزكي كل عام، ولا يزكي العامل إلا ما ينويه بعد المفاصلة لعام واحد، وكذلك في زكاة رقاب غنم القراض على رواية ابن القاسم، وهذا كله نقل أبي محمد.
وقد تقدمت الحجة في زكاة ماشية القراض.
[فصل 13 - زكاة الفطر عن العبد الجاني والمغصوب والمرهون] ومن المدونة: ومن جنى عبده جناية عمد فيها نفسه فحل عليه الفطر قبل أن يقتل فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.
قال ابن القصار في العبد المغصوب إن كان يئس منه فهو كالعبد الآبق.
قال مالك: ومن رهن عبده فنفقته وزكاة الفطر عنه على سيده.

الجزء: 4 - الصفحة: 351

[فصل 14 - في وقت وجوب زكاة الفطر] قال ابن حبيب: اختلف عن مالك متى حد وجوب الفطرة، فروى أشهب عن مالك: أنها تجب بغروب الشمس من ليلة الفطر، وبه قال.
م: وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة.
قال ابن حبيب: وروى ابن القاسم وعبد الملك ومطرف عن مالك أن حد ذلك طلوع الفجر من يوم الفطر، وبه قالوا، وبه أقول.
م: وذكر عبد الوهاب هاتين الروايتين عن مالك، قال: وقال جماعة من أصحابنا تجب بطلوع الشمس.
م: فوجه قوله بغروب الشمس: ما روى أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان""، فأضاف الفطر إلى رمضان، وحقيقته: بغروب الشمس؛ ولأن من ولد بعد غروب الشمس لم يدرك شيئاً من رمضان، فلم يلزم إخراج الفطرة عنه كمن ولد بعد الفجر.
ووجه قوله: أنها تجب بطلوع الفجر: ما روي أنه صلى الله عليه وسلم: ((فرض زكاة الفطر من رمضان))، وإطلاق ذلك لا يفهم منه إلا يوم الفطر؛ ولأنه حق في مال

الجزء: 4 - الصفحة: 352

يخرج يوم العيد على طريق المواساة فوجب أن يتعلق بطلوع الفجر، أصله الأضحية.
ووجه قول من قال: إنها تجب بطلوع الشمس: فلأنه نسك مضاف إلى العيد، فكان وقته صلاة العيد، كالأضحية.
وفائدة هذا الخلاف/ فيمن اشترى عبداً، أو ولد له ولد، أو تزوج امرأة قبل غروب الشمس، أو بعده، أو باع العيد، أو طلق الزوجة، أو مات الولد في ذلك: فإن قلنا: إن الزكاة تجب بغروب الشمس، فلا تجب عليه فيهم زكاة إلا إذا كانوا عنده قبل الغروب؛ لأن وقت الوجوب صادفتهم في ملكه، وكذلك إن بقوا في ملكه إلى طلوع الشمس، فتتفق الأقوال: أن عليه زكاتهم، وإن باع أو طلق أو مات الولد بعد الغروب وقبل الفجر فلا شيء عليه في قول من أوجبها بطلوع الفجر أو الشمس، وإن كان ذلك بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس لم تجب عليه على قول من يقول تجب بطلوع الشمس، وإنما يراعى أن يصادفهم الوقت وهم في ملكه.
[فصل 15 - في العبد يباع يوم الفطر على من تجب زكاته؟] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً يوم الفطر أدى عنه المشتري زكاة الفطر، ثم رجع مالك فقال: بل يؤديها عنه البائع؛ لأن الزكاة وجبت عليه فيه قبل بيعه، قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلىّ.
قال ابن المواز: وإن باعه قبل غروب الشمس من آخر يوم من رمضان فالفطرة عنه على المشتري، وإن باعه بعد غروب الشمس فيستحب للبائع إخراجها عنه، وهي لازمة للمشتري، وقد استحب أشهب فيمن اشتراه يوم الفطر أن يؤدي عنه، وأما البائع

الجزء: 4 - الصفحة: 353

فذلك عليه واجب، بمنزلة المال يزكيه ربه عند حوله ثم يبتاع به سلعة قد حال على ثمنها أحوال عند صاحبها فإن البائع يزكي ذلك المال بعينة ثانية مكانه.
[فصل 16 - في زكاة الفطر عن العبد يشترى بالخيار، وعن الأمة تباع على المواضعة] ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع عبداً على أن البائع والمبتاع فيه بالخيار ثلاثة أيام، أو باع أمة على المواضعة فغشيهم الفطر قبل زوال أيام الخيار والإستبراء فنفقتهم وزكاة الفطر عنهم على البائع، وسواء رد العبد مبتاعة بالخيار أم لا لأن ضمانهما من البائع حتى يخرج العبد من الخيار، والأمة من الإستبراء.
[فصل 17 - العبد المشترى بيعاً فاسداً فطرته على مشتريه] قال: ومن اشترى عبداً بيعاً فاسداً فجاءه الفطر وهو عنده فنفقته وزكاة الفطر عنه على المشتري، رده يوم الفطر أو بعده، لأنه ضمانه كان منه حتى يرده.
[فصل 18 - العبد الموروث فطرته على وارثه] قال: ومن ورث عبداً فلم يقبضه حتى مضى يوم الفطر فنفقته وزكاة الفطر عنه على الذي ورثه، ولو كانوا فيه أشراكاً فعلى كل واحد منهم بقدر حصته.

الجزء: 4 - الصفحة: 354

[فصل 19 - في حد وجوب الفطرة على من لم يكن من أهلها مثل النصراني يسلم، والحمل يولد] قال مالك: ومن أسلم بعد طلوع الفجر من يوم الفطر أحببت له أن يؤدي زكاة الفطر، والأضحية أبين عليه في الوجوب.
م: لأن إسلامه بعد وقت الفطر كإسلامه في باقي الفطر والأضحية هي ثلاثة أيام فقد أسلم ووقتها قائم فوجبت عليه.
قال ابن حبيب: وأجمعوا عن مالك أنه إن أسلم قبل الفجر أنها واجبة عليه وهي بعد الفجر مستحبة.
م: كيف يكون هذا إجماعاً من مالك ومن يقول بقوله تجب بغروب الشمس لا يوجبها عليه لأنها وجبت وهو غير مسلم.
قال: وقال أشهب: إذا لم يسلم قبل الفطر بيوم وليلة حتى يلزمه صوم يوم منه فليست عليه بواجبة.
قال ابن حبيب: وهذا شاذ، ولو وجبت بالصوم لسقطت عن المولود، وإنما تجب بإدراك حلول اليوم الذي فرضت فيه، وقال أشهب في كتاب محمد: وقد سئل مالك عن الذي يُسلم يوم الفطر فقال: إنما تجب الزكاة على من صام رمضان ولا أرى هذا صام شيئاً منه، فروجع في ذلك فقال: إن فعل فحسن، وما أرى ذلك عليه واجباً.

الجزء: 4 - الصفحة: 355

م: وبه قال أشهب.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي عن الحمل زكاة الفطر إلا أن يولد ليله الفطر حياً أو يومه فيؤدى عنه.
قال ابن حبيب: ولم يختلفوا عن مالك فيمن ولد قبل الفجر أو بعده أنها على الأب، وقال ابن الماجشون: هو فيه بعد الفجر مستحب، وقاله أشهب.
ومن المدونة قال مالك: ومن أراد أن يعق عن ولد له بعد انشقاق الفجر لم يحتسب بذلك اليوم وحسب سبعة أيام سواه ثم يعق عنه يوم السابع ضحى وهو سنة الضحايا والعقائق والنسك، وإن ولد قبل الفجر احتسب بذلك اليوم.
وهذا في كتاب الضحايا مستوعب.
قال ابن القاسم ومن مات ليلة الفطر أو يومه ممن يلزمك أداء الفطر عنه من مماليك وأولاد صغار وزوجة وأبوين لم يزلها موته، وقاله مالك إذا ماتوا بعد انشقاق الفجر.
م: وهذا من قول ابن القاسم في قوتهم ليلة الفطر يدل أنها واجبة بغروب الشمس، وكذلك قوله فيمن مات ليلة الفطر وأوصى بزكاة الفطر عنه أنها من رأس ماله، وهو خلاف ما روى عنه ابن حبيب من أنها واجبة بطلوع الفجر، فاعرفه.

الجزء: 4 - الصفحة: 356

[فصل 20 - فيمن مات ليلة الفطر أو يومه وأوصى بالفطرة عنه] ومن المدونة قال: وإذا مات/ ليلة الفطر أو يومه فأوصى بالفطرة عنه كانت من [166/ أ] رأس ماله، وإن لم يوص بها أمر ورثته بها ولم يجبروا عليها كزكاة العين تحل عليه في مرضه أو يأتيه مال كان غائباً عنه يعلم يقيناً أنه لم يخرج زكاته فيأمر بإخراجها فتكون من رأس ماله.
ابن المواز: وقال أشهب هي من رأس المال أوصى بها أو لم يوص.
[فصل 21 - زكاة الفطر لا تلزم الرجل عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى] ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤدي الرجل زكاة الفطر عن عبده أو امرأته أو أم ولده النصارى، ولا يؤديها إلا عن من يحكم عليه بنفقته من المسلمين خلي المكاتب.
م: وقال أبو حنيفة يؤديها عن عبيده النصارى ودليلنا حديث ابن عمر: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر من رمضان على كل حر أو عبد ذكراً وأنثى من المسلمين)) فقيده بالإسلام، وروى ابن عباس: ((فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طهرة

الجزء: 4 - الصفحة: 357

للصائم من اللغو والرفت ((وطعماً للمساكين)) فأخبر عن علة فرضها.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يؤديها عن عبد عبده كما لا تلزمه نفقته.
[فصل 22 - زكاة الفطر تلزم الرجل عن نفسه وعن امرأته وعن أولاده ذكوراً وإناثاً] قال مالك: ويلزم الرجل أداؤها عن نفسه وعن الإناث من ولده حتى يدخل بهن أزواجهن، أو يدعى الزوج إلى البناء فحينئذٍ تسقط عن الأب وتلزم الزوج مع النفقة، ويلزمه أداؤها عن ولده الذكور حتى يحتلموا، ومن كان من ولده له مال ورثه أو وهب له أنفق عليه منه وزكى عنه الفطر وضحى عنه منه وحاسبه إذا بلغ، وتلزم الرجل عن امرأته وإن كانت مليئة؛ لأن عليه نفقتها، خلافاً لأبي حنيفة.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((أدوا عمن تمونون)).

الجزء: 4 - الصفحة: 358

[فصل 23 - زكاة الفطر تلزم الزوج عن خادم امرأته] ومن المدونة: قال مالك: ويؤديها عن خادم واحدة من خدم امرأته التي لابد منها.
ومن العتبية: قال أصبغ- عن ابن القاسم-: يؤدي الرجل زكاة الفطر عن خادمين من رقيق امرأته إذا كانت بهذه المنزلة من الغنى والشرف، ولو ارتفع قدرها مثل بنت السلطان والملك العظيم والهاشميات رأيت أن يزاد في عدد الخدم لما يصلحها من الأربع والخمس، ويلزم الزوج نفقتهن وزكاتهن.
[فصل 24 - في إخراج زكاة الفطر عن خادم الزوجة إذا كانت صداقاً] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأة ثيباً أو بكراً في حجر أبيها على خادم بعينها ودفعها إليها فأتى الفطر وهي بيد الزوجة ثم طلقها بعد يوم الفطر قبل البناء فزكاة الفطر عن الزوجة وعن الأمة على الزوجة إن كان الزوج ممنوعاً من البناء؛ لأنه مضى يوم الفطر وهي لا، ولا نفقة لهما على الزوج، قال: فإن لم يكن ممنوعاً من البناء،

الجزء: 4 - الصفحة: 359

قال ابن المواز: ودعوه إلى البناء فذلك عليه عنهما؛ لأن نفقتهما قد وجبت عليه.
[فصل 25 - في زكاة الفطر عن المطلقة طلاقاً رجعياً أو بائناً] م: ولو طلق المدخول بها طلقة رجعية لزمته النفقة عليها وأداء الفطرة عنها؛ لأن أحكام الزوجية باقية عليها، وأما لو طلقها طلاقاً بائناً وهي حامل فلا يزكي عنها للفطر وإن كانت النفقة عليه لها؛ لأن النفقة ها هنا إنما وجبت عليه للحمل لا لها.
[فصل 26 - من لزمته نفقة أبويه لحاجتهما أدى زكاة الفطر عنهما] ومن المدونة: قال مالك: ومن لزمته نفقة أبويه لحاجتهما لزمه أداء زكاة الفطر عنهما.

الجزء: 4 - الصفحة: 360

قال ابن القاسم: فإذا حبس الأب عبيد ولده الصغار لخدمتهم ولا مال للولد سواهم فعلى الأب أن ينفق على العبيد، فإذا لزمته نفقتهم لزمه أداء زكاة الفطر عنهم، ثم يكون له ذلك في مال الولد وهم العبيد؛ لأنهم أغنياء، ألا ترى أن من له من الولد عبيد فهو مال تسقط به النفقة عن أبيه؛ لأن له أن يبيع العبيد وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وينفق ثمنهم عليه، قال: وإن كان للعبيد خراج أنفق منه الأب على عبيده وعلى الولد، وأدى عنهم منه زكاة الفطر إن حمل ذلك، وإن لم يكن لهم خراج وأبى الأب أن ينفق عليهم جبره السلطان على بيعهم أو الإنفاق عليهم، لأن الأب هو الناظر لهم، وبيعه جائز عليهم، وكذلك قال مالك في السيد يأبى أن ينفق على عبده فإن السلطان يجبره على أن ينفق عليهم أو يبيع.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم في البكر لها خادم لا شيء لها غيرها فعلى الأب النفقة على الابنة خاصة، ويقال لها: إما أنفقت/ على الخادم أو بعت، وقال أشهب: لا [166/ ب] نفقة عليه لابنته؛ لأن لها خادماً ولبيعها وينفق عليها ويزكي زكاة الفطر عنها، قال ابن المواز: وإن كان الولد لابد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم

الجزء: 4 - الصفحة: 361

ويجبر على ذلك، وإن كان للولد غنى عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكي ويكتب عليه ذلك، فإذا باع استوفى، وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب.
[فصل 27 - صدقة الفطر يؤديها الوصي عن اليتامى وعن رقيقهم من أموالهم] ومن المدونة قال مالك: ويؤدي الوصي صدقة الفطر عن اليتامى الذين عنده من أموالهم إن كانوا صغاراً، ويؤديها عن عبيدهم أيضاً، قال: ومن كان في حجره يتيم بغير إيصاء أحد، وله بيده مال رفع أمره إلى الإمام لينظر له، فإن لم يفعل وأنفق منه عليه وبلغ الصبي فهو مصدق في نفقة مثله في تلك السنين، ولو قال قد أديت عنهم صدقة الفطر في هذه السنين صدق كانوا في حجره أو في حجر الأم.

الجزء: 4 - الصفحة: 362

[فصل 28 - في الجنس الذي تخرج منه زكاة الفطر] قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والأقط، قال ابن حبيب: والعلس.
وذهب ابن حبيب إلى أنها تؤدى من البر مدين، وهو قول أهل العراق، وقد تقدمت الحجة عليه.
قال محمد: بل تؤدى من البر صاعاً، وقد أخبرني بذلك: عبد الملك، وابن عبد الحكم، وابن بكير.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يخرج أهل مصر إلا القمح؛ لأن ذلك جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فلا أرى به بأساً أن تؤدى منه، قال: وأما ما ندفع نحن بالمدينة فالتمر.
قال أشهب في المجموعة: أحب إلي أن تؤدى بالبلدان من الحنطة، وبالمدينة من التمر، ولو كانوا يؤدون الحنطة كان أحب إلى ولكن لا يؤدونها بها، قال: والسلت

الجزء: 4 - الصفحة: 363

أحب إلي من الشعير، والشعير أحب إلي من الزبيب، والزبيب أحب إلي من الأقط، ومن كان عيشه شيئاً من هذا فليؤد منه وغن كان غيره أفضل.
وقال ابن حبيب: من قدر على أحد هذه الثلاثة: القمح، والشعير، والتمر فليخرج مما يأكل منها، فإن أكل من أفضلها وأدى من أدناها أجزأه، وكان ابن عمر يخرج تمراً، وربما شعيراً، وكان يأكل البر والتمر والشعير، وأحسب أن التمر جل قوتهم، وأما السبعة الأصناف الباقية فليخرج مما هو قوته منها، فإن أخرج من غيره لم يجزه، ومن اخرج من غير العشرة الأصناف لم يجزه، وإن كان ذلك عيشهم.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزئه أن يخرج فيها دقيقاً أو سويقاً، قال ابن حبيب: إنما نهى عن إخراج الدقيق من أجل ريعه فمن أخرج منه قدر ما يزيد على

الجزء: 4 - الصفحة: 364

كيل القمح أجزأه، وقال أصبغ في كتاب النذور، والخبز كذلك، قال: وليس غربلة القمح بواجب، وهو مستحب إلا أن يكون غلئاً.
م: وليس قول ابن حبيب في الدقيق بخلاف لما في المدونة، قاله بعض علمائنا من القروينن ومن أهل بلدنا.
وقال ابن الماجشون: يؤدي زكاة الفطر من الغالب من عيش بلده، قال ابن المواز: بل مما يأكل هو وعياله مما يفرض على مثله، وقاله أشهب.
وفي كتاب الأبهري: وإذا كان رجل يخص نفسه بقوت أجود من غالب قوت بلده فيستحب له أن يخرج منه، فإن أخرج من الغالب أجزأه، وإن كان يأكل دون القوت الغالب كان عليه أن يخرج من الغالب إذا أمكنه، فإن لم يمكنه أخرج مما يأكل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وبلغني عن مالك أنه كره أن يخرج فيها تيناً، وأنا أرى إن فعل ذلك أنه لا يجزئه، قال ابن القاسم: وكل شيء من القطنية أو من هذه الأشياء التي ذكرنا أنها لا تجزى فإذا كان ذلك عيش قوم فلا بأس أن تؤدوا من ذلك ويجزئهم.
قال في العتبية: هذا مال لا يكون عيشهم، ولو كان ذلك عيشهم رجوت أن

الجزء: 4 - الصفحة: 365

يجزئهم، قال عن مالك في قوم ليس طعامهم إلا التين قال: لا يؤدون منه زكاة الفطر.
وفي كتاب ابن المواز: وإن كان عيش قوم بعض هذه القطاني، أو التين فأخرج من ذلك زكاة الفطر فلا يجزئه.
وفي كتاب ابن عبد الحكم: كل ما تجب فيه الزكاة فإنه يخرجه في زكاة الفطر إذا كان هو طعامه.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجزى/ أن يخرج مكان زكاة الفطر عيناً أو عرضاً.
قال مالك: ولا يجزي أن يدفع في الفطرة ثمناً، وروى عيسى عن ابن القاسم: إن فعل أجزأه.

الجزء: 4 - الصفحة: 366

[فصل 29 - في دفع زكاة الفطر إلى الإمام، أو تفريقها دونه، وصفة من يحل له أخذها، وهل تضمن إن تلفت] ومن المدونة: قال مالك: ويفرق كل يوم قوم زكاة الفطر في أمكنتهم من حضر أو بدو أو عمود، ولا يدفعونها إلى الأمام إن كان لا يعدل، وإن كان عدلاً لم يسع أحداً أن يفرق شيئاً من الزكاة، وليدفعها إليه فيفرقها الإمام في مواضعها ولا يخرجها منه إلا أن لا يكون بموضعهم محتاج فيخرجها إلى أقرب المواضع إليهم فيفرقها هناك.
قال: ولا بأس أن يعطي الرجل صدقة الفطر عنه وعن عياله لمسكين واحد، قال ابن حبيب: وليس لما يعطي منها حد، وقد روى مطرف عن مالك: أنه استحب لمن ولي تفرقة فطرته أن يعطي كل مسكين ما أخرج عن كل إنسان من أهله من غير إيجاب، وله إخراج ذلك على ما يحضره من الإجتهاد.
قال في كتاب ابن المواز: ولو أعطى زكاة نفسه وحده مساكين لم يكن به بأس، وكره مالك أن يسأل المساكين في العيد في في المسجد والمصلى، قال: وقد جاء: ((أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)).

الجزء: 4 - الصفحة: 367

ولا يعطى منها أهل الذمة ولا العبيد.
قال: ومن اخرج زكاة الفطر عند محلها فضاعت أو أهراقت فلا ضمان عليه، وكذلك زكاة العين، ولو تلف ماله وبقيت لزمه إنقاذها، ولو أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط كان ضامناً لها.
تم كتاب الزكاة الثاني من الجامع مع حمد الله وعونه وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

الجزء: 4 - الصفحة: 368

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل