الجامع لمسائل المدونةكتاب الصوم من الجامع
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وهو الجزء الثاني من جامع الإمام أبي بكر محمد بن عبد الله بن يونس رحمه الله تعالى ورضي عنه ونفعنا به وبعلومه، آمين.

باب - 1 - في وجوب الصوم ومعناه وطرق العلم بدخوله وفروضه

[فصل] في فريضة الصوم وصيام شهر رمضان فريضة واجبة على الأعيان المكلفين المطيقين المقيمين؛ لقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) إلى قوله: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "بني الإسلام على خمس"، فذكر صوم شهر رمضان، ولا خلاف في ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1074

[فصل -2 - في معنى الصيام] والصيام في اللغة الإمساك، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي نذرت إمساكا عن الكلام.
[فصل - 3 - في طرق العلم بدخول رمضان] وللعلم بدخوله ثلاث طرق، وهي: الرؤية، والشهادة عليها، فإن لم يوصل إلى ذلك، فإكمال عدة شعبان ثلاثين يوما.
فأما بالرؤية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته"؛ ولأن الرؤية حق مقطوع به، وما سواها مظنون، فإذا وجب الصوم بالمظنون كان بالمتحقق أولى، وأما بالشهادة فلورود الأخبار بذلك، وإجماع الأمة عليه، فإن لم يوصل إلى ذلك أكمل عدة شعبان ثلاثين؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم، فأتموا ثلاثين يوما".

الجزء: 3 - الصفحة: 1075

[فصل -4 - في معنى قوله صلى الله عليه وسلم: فإن غم عليكم فاقدروا له].
قال بعض أصحابنا البغداديين: / وقال في حديث آخر: "فإن غم عليكم فاقدروا له".
والإقدار: هو التمام.
قال الله تعالى: (قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) أي تمامًا.
قال ابن أبي زمنين في قوله عليه السلام: "فإن غم عليكم" يعني التبس العدد، وليس من باب القيم، ولو كان كذلك لقال: "فإن غيم عليكم"، هكذا فسره بعض أهل اللغة، وقاله بعض أصحابنا البغداديين.
وقال أشهب: فإن غم عليكم أكملوا شعبان ثلاثين يوما فإن غم عليكم هلال شوال أكملوا رمضان ثلاثين يوما.
[فصل - 5 - في فروض الصوم] وفروضه ثلاثة: تبييت الصوم، والنية لرمضان وإمساك طرفي المفترض، أي يكف عن الأكل والشرب وقرب النساء من لدى طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
فأما تبييت النية فلقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من

الجزء: 3 - الصفحة: 1076

الليل".
وأما النية فلقوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) ولقوله (صلى الله عليه وسلم): "إنما الأعمال بالنيات"، وقد تقدم شرح ذلك وأما الإمساك فلقوله تعالى: (وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ) يريد حتى تقاربوا بيان الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، كما قال تعالى: (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) يريد قاربن بلوغ أجلهن، ولا فرق بين أول اليوم وآخره، فكما لا يجوز أيفطر حتى يدخل جزء/ من الليل، فكذلك لا يأكل إلى دخول جزء من النهار، ودل بذلك أيضا أن لا صيام إلا لمن بيته؛ لأنه إذا لم يجزئه بدء

الجزء: 3 - الصفحة: 1077

الصيام بعد مضي شيء من النهار لم يجد بدًا أن يكون انعقاد الصوم قبل أوائل أجزاء النهار.
وقال النبي (صلى الله عليه وسلم): "من لم يجمع على الصيام قبل الفجر فلا صيام له" وهو حديث معروف أسنده ابن وهب وغيره.
قال ابن القاسم: قال مالك: ومن لم يبيت الصوم أول ليلة من رمضان أجزأه من بقيته، وكذلك من نذر صوم شهر بعينه أو شهور متتابعة أجزأه التبييت أول ليلة، وقال الشافعي رضي الله عنه: لا يجزئه، حتى ينوي لكل يوم منفرد ودليله أنه صوم فوجب أن ينوي لكل يوم، كالقضاء والنذر؛ ولأن كل يوم منفرد بنفسه لا يتعدى فساده إلى غيره دليله صلاتان، ودليلنا قوله

الجزء: 3 - الصفحة: 1078

(صلى الله عليه وسلم): «من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له».
فلما جاز التبييت من أول الليل لأول يوم وبينه وبين اليوم مهلة وجزء من الليل يفطر فيه، فكذلك اليوم الثاني والثالث، وسائر الشهر.
وقد قال الرسول (صلى الله عليه وسلم): «وإنما لامرئ ما نوى».
وهذا قد نوى صوم الشهر كله وأما تشبيهه بالصلاة فهو غير لازم؛ لأن الصلاة النية فيها مقارنة لها، وفي الصوم يجوز أن يكون بينهما تراخ إذ/ لو لزم أن تكون النية مقارنة لأول النهار؛ لم يجز الصوم إلا لمن كان منتبهاً قبل الفجر إلى ما بعده، ولو كان ذلك لأدى إلى الحرج، ولم يجعل الله علينا في الدين من حرج، فلما جاز التراخي في اليوم الأول جاز فيما بعده، وأما تشبيهه بالقضاء والنذر فغير لازم أيضاً؛ لأن ذلك يجوز تفريقه، فلما جاز له أن يفطر اليوم الثاني احتاج إلى تجديد النية له، وكذلك الثالث والرابع، ولما كان رمضان لا يجوز فطر شيء منه أجزأته النية له كله، كاليوم الواجب، وكذلك كل صوم متتابع، وهذا بين.
وبالله التوفيق.
قال أبو إسحاق: وذلك أن التبييت في رمضان إنما أجزأ أول ليلة؛ لأنه لا يتخلله زمن فيصح فيه الفطر، والليل ليس بموضع للصوم فصيام الشهر كله كالصلاة الواحدة، وأجزأ التبييت في أوله.

الجزء: 3 - الصفحة: 1079

قال في سماع ابن القاسم: وكذلك من نذر صوم يوم بعينه أبدا فذلك يجزئه من تجديد نية التبييت فيه لكل يوم.
قال في المختصر وكتاب ابن حبيب: وكذلك من شأنه صوم يوم بعينه أو شأنه سرد الصيام ليس عليه التبييت في كل يوم، وقال الأبهري: يشبه أن يكون قول مالك في ترك التبييت لمن عود نفسه صوم يوم بعينه / أو سرد الصيام استحسانا، والقياس أن عليه التبييت كل ليلة لجواز فطره.
م ويحتمل أن مالكا رحمه الله أراد بقوله في من شأنه صوم يوم بعينه أو سرد الصيام، أي: شأنه بنذر كان نذره، فإذا كان نذر أجزأته النية الأولى فيه؛ إذ لا يجوز له فطره، والله أعلم.
ومن العتبية: قال موسى عن ابن القاسم عن مالك: لا يجزي الصيام في السفر في رمضان إلا بنية في كل ليلة؛ لجواز الفطر له.
قال محمد بن الجهم: والذي يقضي رمضان عليه التبييت في كل ليلة.
قال أبو محمد: ويتبين لي أن من سافر في رمضان ثم قدم أن عليه أن يأتنف التبييت، وكذلك المرأة تحيض ثم تطهر، والرجل يمرض ثم يفيق.

الجزء: 3 - الصفحة: 1080

وقد قال مالك في المعتكفة: إذا خرجت للحيضة ثم طهرت نهارا فلا تعتد بيوم تطهر فيه، ولكن ترجع إلى المسجد، إلا أن تطهر قبل الفجر وتنوي الصيام وتدخل حين/ يصبح فيجزئها، فقوله: وتنوي الصيام دليل أن من مرض ثم أفاق أنه يأتنف التبييت.

الجزء: 3 - الصفحة: 1081

[باب - 2 -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره

/ [فصل - 1 - في آخر وقت السحور] قال مالك رحمه الله: ويحرم الأكل بطلوع الفجر المعترض في الأفق، لا بالبياض الظاهر قبله.
قيل لابن القاسم: ما الفجر عند مالك؟ فقال: سألنا مالكا عن الشفق ما هو؟ فقال: هو الحمرة.
قال مالك: وإنه ليغع في قلبي، وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب أن الفجر يكون قبله بياض ساطع، فذلك لا يمنع الصائم من الأكل، فكما لا يمنعه ذلك من الأكل حتى يتبين الفجر المعترض في الأفق، فكذلك البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا يمنع مصليا أن يصلي العشاء.
م قول مالك: " وما هو إلا شيء فكرت فيه منذ قريب" يريد أنه لم يفكر في صورة الفجر، وإنما فكر في الاحتجاج بالفجر الأول على مخالفه في صلاة العشاء الذي يقول: لا يصلي العشاء حتى يذهب البياض الباقي بعد الحمرة، وذلك أنه ومخالفه يقولان: لا حكم للفجر الأول، وهو بياض قبل البياض المعترض في الأفق.
قال مالك: فكذلك ينبغي أن يكون البياض الذي يبقى بعد الحمرة لا حكم له، فلا يمنع مصليا أن يصلي العشاء، وقد عبر بعض البغداديين عن

الجزء: 3 - الصفحة: 1082

ذلك، فقال: لما وجدنا ثلاث طوالع تلي النهار، وهي: الفجر الأول، والفجر الثاني، وطلوع الشمس، وثلاث غوارب تلي الليل وهي غروب الشمس والشفق الأول والشفق الثاني، فلما اتفقنا على أن الاعتبار بالطالعة الوسطى وجب أن يكون الاعتبار أيضا بالغاربة الوسطى.
والله أعلم.
فصل - 2 - : [السنة تعجيل الفطر وتأخير السحور] ومن السنة أن يعجل الفطر عند غروب الشمس، ولا يؤخر، وأن يؤخر السحور؛ لقوله (صلى الله عليه وسلم): "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر".
وروي أنه (صلى الله عليه وسلم) "كان يتسحر، ويقوم لصلاة الغداة".
قال أنس: كان بين ذلك قدر خمسين آية.
وفي بعض الحديث: "أن من عمل النبوة تعجيل الفطر، وتأخير السحور".
ومن المجموعة قال أشهب: يستحب تأخير السحور ما لم يدخل إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 1083

الشك في الفجر، ومن عجله فواسع يرجا له من الأجر ما يرجا لمن يرجا لمن أخره/ إلى آخر أوقاته.
وكره مالك لمن شك في الفجر أن يأكل.
قال مالك: ومن أكل في رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء، إذ لا يرتفع فرض بغير يقين.
قال ابن حبيب: وإن كان قد روي عن ابن عباس في من شك في الفجر: أن يأكل فليأكل حتى يوقن به، وهو القياس؛ لقوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) وهو العلم به، وليس الشك علما به، ولكن الاحتياط أحب إلينا أن لا يأكل في الشك، قال مالك.
فإن أكل بعد شكه فعليه القضاء استحبابًا، إلا أن يتبين أنه أكل بعد الفجر فيكون واجبًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1084

قال أشهب في المجموعة: من أكل أو شرب أو جامه وهو شاك في الفجر فإنما عليه القضاء.
وذكر عن ابن عمران في قول ابن حبيب/: إنما عليه القضاء استحبابًا أنه خلاف لقول مالك، بل القضاء عليه واجب؛ لأن الصوم في ذمته بيقين، فلا يزول عن ذمته إلا بيقين؛ ولأن الشاك في صلاته هل صلى ثلاثًا أم أربعًا؟ إنما يبني أمره على أنه صلى ثلاثًا، فكذلك هذا إذا شك في الفجر فهو كمن لم يدر أكل قبل الفجر أو بعده، فيحمل أمره على أنه أكل بعده/ فوجب عليه لذلك القضاء إيجابا، لا استحبابًا، ولم يكن عليه كفارة؛ لأنه غير قاصد لانتهاك حرمة الشهر، وروي عن بعض الأندلسيين: أنه إن أفطر شاكا في غروب الشمس أن عليه القضاء والكفارة، بخلاف أكله وهو شاك في الفجر، وذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما أن ذلك سواء، وليس عليه إلا القضاء في الوجهين؛ لأنه غير منتهك لحرمة الشهر، وهذا أصوب.
قال مالك: ومن أكل في قضاء رمضان، ثم شك أن يكون أكل قبل الفجر أو بعده فعليه القضاء؛ إذ لا يرتفع فرض بغير يقين.
قال ابن حبيب: ويجوز تصديق المؤذن العارف العدل أن الفجر لم يطلع.
قال: وإن سمع الأذان، وهو يأكل، ولا علم له بالفجر، فليكف،

الجزء: 3 - الصفحة: 1085

ويسأل المؤذن عن ذلك الوقت فيعمل على قوله, فإن لم يكن عنده عدلاً ولا عارفًا فليقض, وإن كان في قضاء رمضان فليقض, ومباح له فطر ذلك/ اليوم أو التمادي.
قال: وإن طلع عليه الفجر, وهو يأكل, فليلق ما في فيه, وينزل عن امرأته إن كان يطأ, ويجزئه الصوم إلا أن يُخَضْخِض الواطئ بعد ذلك.
وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: أما في الوطَء فليقض؛ لأن إزالته لفرجه جماع بعد الفجر, ولكنه لم ينتهك ولم يتعمد؛ فلذلك لم يكفر, ولا شيء عليه في الطعام؛ لأن طرحه ليس بأكل.
قال ابن القصار: إذا طلع عليه الفجر, وهو مولّج فلبث قليلاً متعمداً, ثم أخرجه أن الكفارة تلزمه مع القضاء.
ومن «المدونة» قال مالك: ومن تسحر بعد الفجر, ولم يعلم بطلوعه فإن كان في تطوع فلا شيء عليه, ولا يفطر بقية يومه, فإن فعل قضاه, وإن كان صومه هذا من نذر أوجبه على نفسه, مثل: قوله: لله علي صوم عشرة أيام متتابعة بغير عينها فنابه ذلك بعد أن صام بعضها ترك الأكل في بقية يومه, وقضاه ووصله بصومه, فإن لم يصله أو أفطر باقي يومه ابتدأ, وإن نابه ذلك في أول يوم منها, فإن شاء أفطره وابتدأ صوم عشرة أيام, ولا أحب له أن يفطره, فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 1086

فعل فإنما عليه عشرة أيام أحدها قضاء ذلك اليوم.
قال ابن القاسم: وإن كانت أيامًا بأعيانها أو شهراً بعينه نذره فصام بعضها, ثم تسحر بعد طلوع الفجر ولم يعلم أو أكل ناسيًا فليتماد علي صومه ويقض يومًا مكانه.
قال: فإن نابه ذلك في رمضان فليتم صومه ويقض يومًا آخر أيضًا.
قال: وإن كان في قضاء رمضان, فأحب أن يفطر يومه ذلك أفطره وقضاه وأحب إلي أن يتمه ويقضيه, وإن كان في صيام تظاهر أو قتل نفس مضى في صومه وقضى ذلك اليوم , ووصله بصومه, فإن لم يصله بصيامه استأنف الصوم.
م يريد وكذلك إن نسي أن يصله فإنه يستأنف الصوم؛ لأنه بيت الفطر اليوم الذي يلي صومه, فهو بخلاف من بيت الصوم وأكل في النهار ناسيًا.
وقد قال مالك: في من حلف بالطلاق ليصومن غدًا فبيت الصوم, ثم أكل/ ناسيًا أنه يتمادى علي صومه, ولا حنث عليه, يريد ولو بيت الفطر ناسيًا ليمينه

الجزء: 3 - الصفحة: 1087

فأفطر ثم علم فأمسك لم ينفعه ذلك وحنث, ولأن أهل العلم أجمعوا أنه إن نسي النية بطل الصوم, واختلفوا إن أكل ناسيًا.
ومن المدونة: وذكر مالك: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أفطر يومًا في رمضان في يوم غيم ورأى أنه قد غابت الشمس, ثم قيل له: قد طلعت الشمس, فقال عمر بن الخطاب: الخطب يسير وقد اجتهدنا.
قال مالك: يريد بالخطب القضاء.
وإلي هذا ذهب الحنفي والشافعي.
وذهب الحسن وابن سيرين إلي أن لا قضاء/ عليه.
وكذلك إذا أكل بعد الفجر يظنه قبله, ودليلهم قوله صلي الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولحديث عمر هذا؛ فإنه قال: ((والله لا يقضي)) فلم ينكر عليه أحد.

الجزء: 3 - الصفحة: 1088

ودليلنا: أن النبي صلي الله عليه وسلم نزل به مثل ذلك فأمرهم أن يقضوا يومًا مكانه, ولأنه أكل نهارًا في رمضان, فأشبه العامد.
وأما احتجاجهم بقوله عليه السلام: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان)) فمحمول علي رفع المأثم,/ وما رووه من قول عمر: "والله لايقضي", فيجوز -إن صح منه- أن يكون ذلك مذهبًا لعمر, والسنة مقدمة عليه.
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد في من وطئ أو أكل في رمضان ناسيًا: أنه يتم صومه, ويقضي يومًا مكانه, وقاله مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي في من أكل ناسيًا: لا قضاء عليه, ودليلهم ما رووه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم: ((من أكل أو شرب ناسيًا في رمضان فلا قضاء عليه ولا كفارة)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1089

وروي أنه قال: ((ليتم صومه فإن الله أطعمه وسقاه))؛ ولأنه أكل ناسيًا في الصوم فأشبه ما لو أكل في صوم التطوع, وكمن تكلم في صلاته ناسيًا.
ودليلنا قوله تعالي: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة:187] , وهذا غير متم له؛ ولأن الأكل عامدًا تجب عليه الكفارة كالواطئ/ ساهيًا؛ ولأنه مكلف حصل أكلاً في نهار رمضان, فأشبه العامد في القضاء؛ ولأن السهو نوع من الأعذار فلم يمنع القضاء أصله المرض؛ ولأن الإمساك أحد أركان الصوم فكان تركه سهوًا يوجب عليه القضاء أصله النية, فإذا ثبت هذا فما رووه من الحديث غير ثابت عندنا, ولا حجة لهم في الحديث الثاني؛ لأنه ليس فيه أن لا قضاء عليه.
وأما احتجاجهم بالتطوع فهو بخلاف الفرض؛ إذ لا كفارة في عمده, وأما احتجاجهم بالكلام في الصلاة فالكلام غير مناف للصلاة؛ لأنه لو تكلم عامدًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1090

في إصلاح الصلاة لم تبطل صلاته, والأكل مناف للإمساك, كما أن الحدث في الصلاة مناف لها, وعمد ذلك وسهوه يبطلها, فكذلك الأكل عمده وسهوه يبطل الصوم, وإنما يرتفع عن الناسي والساهي المأثم والكفارة؛ لقوله عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ لأن الكفارة لرفع الإثم, فإذا لم يكن إثم فلا كفارة فيه.
وبالله التوفيق.
وليس قصدنا هذا الباب, وإنما نذكر منه بعض مسائل لئلا يخلو هذا الكتاب من هذا المعنى.

الجزء: 3 - الصفحة: 1091

[باب-3 -] في الصوم والفطر للهلال والشهادة فيه, ومن رآه وحده

[فصل-1 - لا يصام ولا يفطر إلا برؤية الهلال] قال الله سبحانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة:189]. ونهى الرسول صلي الله عليه وسلم عن الصوم والفطر إلا للأهلة, وقال: ((الشهر ثلاثون وتسعة وعشرون)) , وقال: ((فإن حال دونه غمام فأتموا العدة ثلاثين)) , وقال: ((فإن غم عليكم فاقدروا له))؛ ولأن الأصل بقاء شعبان فلا ينتقل عنه إلا بأن يثبت دخول رمضان, وليس إلا بالرؤية, أو بالشهادة, أو إكمال العدة.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "إذا شهد في الهلال رجلان مسلمان فصوموا, أو قال أفطروا".
قال مالك: ولا يجوز في رؤية هلال رمضان شهادة رجل واحد, وإن كان عدلاً, فإن عثمان بن عفان أبى أن يجيز شهادة هشام بن

الجزء: 3 - الصفحة: 1092

عتبة وحده علي هلال رمضان.
قال سحنون/: ولو كان مثل عمر بن عبد العزيز ما صمت/ ولا أفطرت بشهادته.
[فصل-2 - الرؤية لا تثبت إلا بشهادة رجلين] قال مالك: ولا يصام ويفطر ولا يقام الموسم إلا بشهادة رجلين حرين مسلمين عدلين علي رؤية الهلال.
ومن المجموعة قال أشهب: وإن علم الشاهد من نفسه أنه غير عدل فإن كان مستورًا يمكن أن تقبل فعليه أن يشهد, وإن كان مكشوفًا فأحب إلي أن يشهد, وما عليه بالواجب, ولا تجوز فيه شهادة جماعة نساء ولا عبيد ولا الإماء ولا المكاتبين ولا أمهات الأولاد.
م وإنما لم تجز شهادة النساء فيه؛ لأنها لا تجوز إلا حيث أجازها الله عز وجل في الدين, وفيما لا يطلع عليه أحد إلا هن, فتجوز للضرورة, والهلال فالرجال مطلعون غالباً عليه, وإنما لم تجز شهادة العبيد؛ لأن شهادة غير العدول غير مقبولة, والحرية من شروط العدالة, كالإسلام, وإنما لم تجز فيه

الجزء: 3 - الصفحة: 1093

شهادة واحد خلافاً للشافعي؛ لقوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل فصوموا وافطروا)) فشرط العدد في الشهود يثبت وجوبه؛ ولأنه حكم يثبت في البدن فلم يقبل في الشهادة عليه واحد, أصله النكاح والطلاق؛ ولأنها شهادة علي رؤية كالفطر, وهو يقول فيه: لا يجزئ أقل من اثنين.
ومن المدونة قال مالك في الذين قالوا يصام بشهادة واحد: أرأيت إن أغمي هلال شوال كيف يصنعون؟ أيفطرون أم يصومون واحدًا وثلاثين؟ فإن أفطروا خافوا أن يكون ذلك اليوم من رمضان.
م وذلك أن مخالفنا يقول: يصام بشهادة رجل واحد, ولا يفطر إلا بشهادة رجلين, فإذا صاموا بشهادة رجل واحد وأغمي آخر الشهر فإن أكملوا ثلاثين بشهادته وأفطروا فقد أفطروا بشهادة واحد, ونقضوا قولهم, وإن صاموا إحدى وثلاثين فقد خالفوا الأمة وكذبوا شاهدهم.
م ولا ينظر في هذا إلي قول المنجمين؛ لقوله عليه السلام: ((من صدق كاهنًا أو منجمًا فقد كفر بما أنزل علي محمد))؛ ولأن صاحب الشرع قصر ذلك على

الجزء: 3 - الصفحة: 1094

الرؤية أو الشهادة أو إكمال العدة, فلم يجز إثبات زيادة عليه, ولا يلتفت إلي صحو أو غيم, خلافًا لأبي حنيفة, في قوله: إن/ كانت مصحية لم يقبل فيه إلا شهادة العدد المستفيض, وإن كانت متغيمة قبلت فيه شهادة واحد.
ودليلنا قوله صلي الله عليه وسلم: ((فإن شهد ذوا عدل)) ولم يفرق؛ ولأنه معني يتعلق بالشهادة فلا يتعلق بالصحو والغيم كسائر الأشياء المشهود فيها, وقاله بعض أصحابنا البغداديين.
وروي عن مالك: في شاهدين شهدا في هلال شعبان فيعد لذلك ثلاثين يومًا ثم لا يرى الناس الهلال ليلة إحدى وثلاثين والسماء صاحية, قال: هذان شهيدا سوء.
وسئل سحنون في عدلين شهدا في الهلال والسماء صاحية, ولا يشهد غيرهما قال: وأي ريبة أكبر من هذا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1095

قال أبو بكر بن اللباد: قال لنا يحيى بن عمر تجوز عندي شهادة عدلين في الصحو في الصوم والفطر.
قال أبو محمد: قال غيره من أصحابنا: قول سحنون في المصر العظيم والصحو البين أنه لا يبعد أن ينفرد هذان برؤية على هذه الحال.
قال أبو إسحاق: وما روي عن مالك لا يدفع قول يحيى بن عمر في إجازة شاهدين في الصحو؛ لأن مالكًا إنما أنكر أن يكون بعد تمام ثلاثين أن يخفي الهلال، وذلك صحيح؛ لأنه لا يمكن أن يخفى الهلال بعد الثلاثين، وإنما أجاز يحيى شهادة رجلين في الصحو في نقص الشهر إذا كان تسعًا وعشرين؛ لأنه عنده يكون خفيًا فيمكن أن يخفى، ولو نظر الناس كلهم إلى موضعه ما أمكن في الغالب أن يخفى على الناس كلهم، كما قال أبو محمد في غالب العادة، ولكن قد يخطئ الناس في النظر، ينظر قوم إلى موضع لا ينظر إليه غيرهم مع خفائه لدقته في نقص الشهر، يمكن أن يخفى إلا على اثنين، فلهذه العلة جاز عند يحيى بن عمر شهادة رجلين في الصحو.
قال يحيى بن عمر: ولو شهد واحد على هلال رمضان وآخر على هلال شول لم يفطر بشهادتهما.
قال محمد بن عبد الحكم: ولو شهد شاهدان في الهلال فاحتاج القاضي أن يكشف عنهما، وذلك يتأخر فليس على الناس صيام ذلك اليوم، فإن زكيا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان في الفطر فلا/ شيء عليهم فيما صاموا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1096

وذكر ابن حبيب وابن سحنون عن ابن الماجشنون: أنه إذا رأى هلال رمضان عامة بلد وعمهم علمه بالرؤية أو بالشهادة عند الحاكم فذلك يجزئ من لم يعلم به منهم ويجزئه الصوم، وإن لم يبيته، وكذلك الغافل والمريض والجاهل لا يعلم، وكذلك من قرب من البلد، كالليلة ونحوها.
وقال سحنون: لا يجزئ أحدًا منهم، إلا من علم قبل الفجر وبيت الصوم.
م وهو الصواب، والحق إن شاء الله تعالى؛ لقوله عليه السلام: "لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل".
وقال محمد بن عبد الحكم: وقد يأتي من رؤيته ما يشتهر حتى لا يحتاج فيه إلى الشهادة والتعديل مثل: أن تكون قرية كبيرة فيراه فيها الرجال والنساء والعبيد ممن لا يمكن منهم التواطؤ على باطل فيلزم الناس/ الصوم بذلك من باب استفاضة الأخبار لا من باب الشهادة.
قال مالك في المجموعة: وإذا صام أهل بلد ثم جاءهم أن أهل بلد غيرهم صاموا قبلهم فإن استوقن ذلك فليقضوا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1097

قال ابن القاسم: وكذلك إن جاءهم أنهم رأوا الهلال فليقضوا، وإن جاءهم أنهم رأوا هلال شوال فليفطروا.
قال في العتبية: ولا يصلوا العيد إن جاءهم ذلك بعد الزوال.
قال أبو محمد: وأخبرت عن ابن ميسر أنه قال: إذا أخبرك عدل أن الهلال قد ثبت عند/ الإمام فأمر بالصيام أو نقل ذلك إليك عدل عن بلد آخر لزمك العمل على خبره، وهو من باب قبول خبر الواحد الصادق لا من باب الشهادة.
قال أبو محمد: كما أن الرجل ينقل إلى أهله أو ابنته البكر [مثل ذلك] فيلزمهم تبييت الصوم بقوله.
م وحكي عن أبي عمران أنه قال: الذي في الأصل لابن ميسر أنه قال: إذا وجه القوم رجلًا إلى بلدة فأخبرهم أنهم رأوا الهلال أنهم يصومون بقوله فهذا قد صار كالمستكشف لهم، فأما على نقل أبي محمد فيجب أن لا يلزمهم

الجزء: 3 - الصفحة: 1098

الصوم، ولا فرق بين شهادته أنه رأى الهلال وبين شهادته على قوم أنهم رأوه، وليس هذا كنقل الرجل إلى أهله؛ لأنه القائم على أهله والناظر لهم.
م ولا فرق بين أن يرسلوه إلى بلد مستكشفًا لهم فيخبرهم أنهم رأوا الهلال فيه، أو يخبرهم من غير إرسال؛ لأنه من باب نقل الأخبار، لا من باب الشهادات، وكذلك نقل الرجل إلى أهله؛ وذلك كله سواء.
والتفريق بين ذلك كله ضعيف.
ومن كتاب أبي إسحاق بإثر كلام ابن الماجشون: وإذا كان موضع ليس فيه إمام ولو كان يصنع ذلك فينبغي للناس أن يراعوا ذلك ويعتقدوه، فمن يثبت ذلك عنده برؤية نفسه أو برؤية من يثق به صام عليه وأفطر، وحمل عليه من اقتدى به.
فصل-3 - : [في أحكام من رأى الهلال وحده] ومن المدونة قال مالك: ومن رأى هلال رمضان وحده فليعلم الإمام لعل غيره رآه معه فتجوز شهادتهما، فإن لم يره غيره رد الإمام شهادته ولزمه الصوم في نفسه فإن أفطر لزمه القضاء والكفارة.
قال أشهب: إلا أن يفطر متأولًا.
م وإنما أوجب مالك عليه القضاء والكفارة؛ لأنه لما ألزمه الصوم بإخباره غيره عن رؤيته، وهي مظنونة كان برؤية/ نفسه أولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 1099

وقال أبو حنيفة: لا تلزمه كفارة إن أفطر إذا لم يحكم الإمام بصومه.
ودليلنا أنه هاتك لحرمة يوم هو عنده من رمضان يقينًا، أصله اليوم الثاني؛ ولأنه لما لزمته الكفارة مع حكم الحاكم بوجوبه كان برؤية نفسه أولى.
قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: وإن رأى هلال شوال وحده فلا يفطر.
قال أشهب: ولينو الفطر بقلبه، ويكف عن الأكل والشراب، وليس عليه فيما بينه وبين الله في الأكل شيء لكن عليه من باب/ التغرير بنفسه في هتك غرضه.
قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يكون وحده في سفر في مفازة فإنه يفطر.
م ولا يجوز له حينئذ أن يصوم؛ لأنه لم يتيقن أن الناس لم يروه، ولا ظهر عنده أنهم رأوه كما رآه هو فلا يصوم يوم الفطر بالشك أن الناس لم يروه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1100

قال أشهب في المجموعة: وإذا ظهر عليه -يريد في الحضر- فإن لم يكن ذكر ذلك قبل أن يؤخذ عوقب إن لم يكن مأمونًا، وإن كان مأمونًا، أو ذكر ذلك قبل أن يؤخذ وأفشاه فلا عقاب، ثم يتقدم إليه في الإمساك عن المعاودة فإن عاد عوقب إلا أن يكون من أهل الدين والمروءة فلا يعاقب، ويعنف، ويغلظ عليه في عظته.
[فصل-27 - : في إذا رئي لهلال نهارًا فهو للغد] وإذا رأى الهلال آخر يوم من شعبان أو من رمضان نهارًا فهو لغده رئي قبل الزوال أو بعده.
وفرق أبو يوسف بين أن يرى قبل الزوال أو بعده، فجعل رؤيته قبل الزوال لليوم، ورؤيته بعد الزوال للغد.
ونحوه لابن حبيب، وقال: جاءت الرواية في رؤيته قبل الزوال مفسرة عن عمر بن الخطاب أنه قال: إذا رئي قبل الزوال فهو لليلة الماضية، وإذا رئي بعد الزوال فهو لليلة القابلة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1101

قال: وكان إبراهيم النخعي وسفيان الثوري يفتيان بذلك.
قال ابن حبيب: وقد نزل ذلك عندنا غير عام، فاستشارني فيه الإمام، فقلت: هو لليلة الماضية، وأعلمته بحديث عمر بن الخطاب، وزعم بعض أصحابنا أنه سواء رئي قبل الزوال/ أو بعده أنه لليلة القابلة، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى أتت الكتب من سواحلنا أنه رئي في تلك الليلة التي في صبيحتها رئي.
م والدليل لمالك رحمه الله: قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: <<أن الأهلة بعضها أكبر من بعض فإذا رأيتم الهلال نهارًا فلا تصوموا/ ولا تفطروا إلا أن يشهد رجلان أنهما أهلاه بالأمس>>، وهو قول عمر وابن عباس.
قال ابن الجهم: وما رواه ابن حبيب عن عمر لا يصح، وإنما رواه سماك وهو مجهول.

الجزء: 3 - الصفحة: 1102

باب -4 -] في اللماس والقبلة والمباشرة والجماع للصائم

[فصل-1: في الرخصة في الأكل والجماع ليلة الصيام] قال الله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) وكان من قبلنا إذا نام لم يحل له أن يطعم أو يجامع فكان الرجل منا إذا نام في شهر رمضان لم يحل له أن يطعم أو يجامع؛ لقوله: (كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)، ثم نسخ ذلك لقوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) الآية.
وقيل: نزل ذلك في صرمة بن قيس الأنصاري أكل بعد أن نام، وعمر ابن الخطاب جامع بعد أن نام فخشيا أن ينزل فيهما فنزلت الرخصة من الله تعالى بقوله عز وجل: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إلَى نِسَائِكُمْ) إلى قوله: (وكُلُوا واشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ) فأباح الله عز وجل الأكل والشرب والجماع الليل كله رحمة لهذه الأمة، ومنع من ذلك في نهار الصيام.
[فصل-1: في حكم القبلة والمباشرة والملاعبة ونحو ذلك للصائم] وروي أشهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهي الشاب الصائم عن القبلة وأرخص للشيخ

الجزء: 3 - الصفحة: 1103

لملكة نفسه.
وقاله أبو هريرة وأبو أيوب الأنصاري وابن عمر وابن عباس في الشيخ والشاب، وقد نهي ابن عمر وابن عباس عن المباشرة للصائم.
ابن عمر: كان ذلك في رمضان أو غيره، وكذلك القبلة، و/ قاله مالك.
قال ابن القاسم: شدد مالك في القبلة للصائم في الفرض والتطوع.
قال أشهب: ولمس اليد أيسر منها، والقبلة أيسر من المباشرة، والمباشرة/ أيسر من العبث بالفرج على شيء من الجسد، وترك ذلك كله أحب إلينا.
قال ابن حبيب: والقبلة من الدواعي في من تخامره اللذة؛ ولأنه لا يملك نفسه بعدها فلا يقبل.
قال مالك: والقبلة والملاعبة والجسة والمباشرة والمجاذبة وإدامة النظر تنقص أجر الصائم وإن لم تفطره، وكان مالك يشدد

الجزء: 3 - الصفحة: 1104

في القبلة في الفريضة، ويرخص فيها في التطوع، وتركه أحب إليه من غير تضييق، ويشدد فيها على الشاب في الفريضة ما لا يشدده على الشيخ، ولا يقضي في قبلة أو جسة، وإن أتعظ حتى يمذي.
ومن المدونة قال مالك: وكان الأفاضل يجتنبون دخول منازلهم نهار رمضان خوفًا على أنفسهم، واحتياطًا أن يأتي من ذلك بعض ما يكرهون، وقد أوجب الرسول صلى الله عليه وسلم على منتهك حرمة الشهر بالوطء الكفارة.
فكان كذلك من أنزل الماء بشيء من دواعي الوطء.
قال مالك في من قبل امرأته قبلة واحدة في نهار رمضان فأنزل: فعليه القضاء والكفارة، وإن كان من المرأة مثل ذلك طوعًا فعليها القضاء والكفارة، وإن أكرهها فالكفارة عليه عنه وعنها وعليها، هي القضاء على كل حال.

الجزء: 3 - الصفحة: 1105

قال أبو محمد: يعني يكفر عنه وعنها كالوطء، وكذلك نقلها في مختصره.
وقال ابن شبلون: لا يكفر عنها على ظاهر الكتاب، بخلاف الوطء.
وكان الشيخ أبو عمران يجئ إلى هذا؛ لأن الواطئ ينتهك حرمة الصوم ويفسده، وإن لم يكن منه لذة، والقبلة لا تفسده، وإنما يفسده ما يكون عنها من اللذة، ففارقت حكم الوطء، ويرجح فيها فيما ذكر عنه إذ لم يذكر في المدونة كفارة عنها، وسكت عن ذلك.
قال مالك: وإن باشرها أو لمسها أو عالجت ذكره بيدها وأمكنها منه حتى أنزل في ذلك كله فعليه القضاء والكفارة.
سحنون وقال أشهب: إن تابع اللمس والقبل حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن كان ذلك منه في قبلة أو جسة فليقض ولا يكفر، وبه أقول، وقول ابن القاسم في النظر دليل على هذا.
قال مالك: وإذا قبل أو لمس أو باشر/ فلم يخرج ذلك منه منيًا ولا انعظ ولا التذ فلا شيء عليه في ذلك كله، وإن أمذى فعليه القضاء،

الجزء: 3 - الصفحة: 1106

ولا كفارة في ذلك كله.
قال مالك: وإن باشرها باليد فالتذ وأنعظ ولم يمذ فعليه القضاء بلا كفارة أيضًا، وكذلك روي عنه ابن القاسم في العتبية في القبلة: أنه يقضي إذا انعظ/ وإن لم يمذ، وأنكره سحنون.
وقال أبو إسحاق: وانظر لماذا أوجب أن يكون مضطرًا بالمذي وإن كان قاصدًا اجتلاب المني بقلة أو مباشرة كالفطر متعمدًا فيجب أن يكون عليه الكفرة؛ لأن من قصد هتك حرمة الصوم يجب عليه الكفارة وهم لم يوجبوا على من قصد لما يكون عنه المذي الكفارة، وإن تعمد ذلك بمباشرة أو جماع دون الفرج وهذا يدل أن وجوب القضاء فيه ليس بالقوي.
ومن المدونة روي ابن وهب وأشهب عن مالك في من قبل امرأته أو غمزها أو باشرها نهارًا في رمضان فأمذى فعليه القضاء، وإن لم يمذ فلا شيء عليه [فصل-3 - في أحكام النظر للمرأة بقصد الالتذاذ وهو صائم] قال ابن القاسم: وإن نظر إليها في رمضان وتابع النظر حتى أنزل فعليه القضاء والكفارة وإن لم يتابع النظر إلا أنه نظر نظرة واحدة فأنزل فعليه القضاء بلا كفارة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1107

م وذكر عن ابن القابسي أنه قال: إن نظر نظرة واحدة/ متعمدًا فأنزل فعليه القضاء والكفارة.
م ويظهر لي أنه خلاف ظاهر الكتاب، ويدل على ذلك أيضًا استدلال سحنون بالنظرة على القبلة والجسة فلم ير عليه في ذلك كفارة وهو متعمد، وستدل بالنظرة.
وقال بعض أصحابنا: قول ابن القابسي: وفاق، والله أعلم.
قال مالك: وإن نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر على غير تعمد أو على تعمد فأمذى فعليه القضاء، وفي كتاب ابن حبيب: إذا نظر عن غير تعمد فأمذى فلا قضاء عليه، وإن أمنى فليقض، ولا يكفر حتى يستديم ذلك.
م وتلخيص هذا الاختلاف في هذه المسائل أن من نظر أو لمس أو قبل أو باش متعمدًا فأدام ذلك هو على أربعة أقسام: إن أنزل فعليه القضاء والكفارة، وإن أمذى فعليه القضاء فقط، وإن لم يمذ ولا التذ ولا أنعظ فلا شيء عليه، لا خلاف في ذلك كله، وإن أنعظ ووجد منه لذه ولم يمذ فلا شيء عليه في النظر واللمس، واختلف في المباشرة والقبلة، فقيل: يقضي، وقيل: لا شيء عليه إلا أن يمذي، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة، وغيره لا يرى عليه شيئًا إلا أن يمذي في ذلك كله، وإذا لم يلتذ ولا أمذى فلا شيء عليه في ذلك كله بإجماع منهم.
قال في المدونة: فإن وطئها فيما دون الفرج فأنزل فعليه القضاء والكفارة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1108

[باب -5 -] في الكحل وصب الدهن في الأذن وفي السعوط والحقنة والحجامة وذوق الطعام وما يدخل في الحلق من غير تعمد. وفي القلس والقيء والمضمضة والسواك

[فصل-1 - في حكم اكتحال الصائم وصب الدهن في أذنه] روي ابن وهب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن يكره الكحل/ للصائم، وكره السعوط وما يصبه في أذنه.
قال ابن القاسم: قال مالك: في الكحل للصائم وصب الدهن في الأذن هو أعلم بنفسه، منهم من يدخل ذلك في حلقه ومنهم من لا يدخل، فإن كان ممن يدخل حلقه فلا يفعل، فإن اكتحل بإثمد أو صبر أو غيره أو صب الدهن في أذنيه لوجع أو غيره فوصل ذلك في رمضان إلى حلقه فعليه القضاء بلا كفارة.
ابن حبيب: والمستعط كذلك فيما يصل إلى حلقه أو لا يصل.
[فصل-2 - في حكم الحقنة والسعوط للصائم] قال ابن القاسم: كره مالك الحقنة والسعوط للصائم، فإن احتقن في

الجزء: 3 - الصفحة: 1109

فرض أو واجب بشيء يصل إلى جوفه فليقض ولا يكفر.
ومن المجموعة قال أشهب: ويدل على كراهة الاستعاط قول النبي صلى الله عليه وسلم: <<وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا>> وأرى على المستسعط القضاء إذ لا يكاد يسلم أن يصل إلى حلقه، وأما المحتقن فلا شك فيه، وليقضيا في الواجب والتطوع؛ لأنهما متعمدان ولا يفطرا ولا يكفرا إن كانا في رمضان.
قال أبو إسحاق: والحقنة لا يمكن أن تكون في الغالب منها هذا فلماذا أوجب فيها القضاء، وهو يقول في الرضاع أنها لا تحرم/ إلا أن تكون غذاء، وذكر في الكحل أن عليه القضاء، ولو علم أنه يصل إلى حلقه، فلا كفارة عليه؛ لأنه لم يقصد بذلك هتك حرمة الصوم.
ومن المدونة سئل مالك عن الفتائل تجعل للحقنة، فقال: أرى ذلك خفيفًا، ولا شيء عليه.
قال عنه ابن وهب/ في السيور أرجو أن لا يكون به

الجزء: 3 - الصفحة: 1110

بأس، والسيور الفتلة.
قال ابن القاسم: فإن قطر الصائم في أحليله دهنًا فلا شيء عليه، وهو أخف من الحقنة.
وقال أشهب مثل ما قال ابن القاسم في الحقنة والسعوط والكحل وصب الدهن في الأذن.
وقال: إن كان في صوم واجب تمادى في صومه وقضاه، ولا كفارة عليه إن كان في رمضان.
قال ابن القاسم: وإذا داوى جائفة بدواء مائع أو غير مائع فلا قضاء عليه ولا كفارة؛ لأن ذلك لا يصل إلى مدخل الطعام والشراب، ولو وصل إليه لمات من ساعته.
[فصل - 3 - في حكم الحجامة للصائم] قال مالك: وإنما تكره الحجامة للصائم خيفة التغرير، فإن احتجم فسلم فلا شيء عليه؛ لأن الغالب منها لحوق الضعف، فربما أدى ذلك إلى

الجزء: 3 - الصفحة: 1111

الفطر.
وقد روي هذا المعنى عن علي وابن عباس وجماعة من الصحابة.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا تفطر الصائم: الحجامة والقيء والحلم».
وروي عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم، وأرخص لجعفر بن أبي طالب رضي الله عنه أن يحتجم وهو صائم.
فإن قيل: قد روي أنه عليه السلام قال: «أفطر الحاجم والمحجوم».
قيل: يحتمل أن يكون ذلك منسوخًا يدل على ذلك ما رواه أنس بن

الجزء: 3 - الصفحة: 1112

مالك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص في الحجامة للصائم بعد أن كان نهى عنها.
ويحتمل أن يكونا أفطر بأكل ونحوه، وعلم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهما، ومع ذلك فقد روي عن بعض الصحابة أنهما كانا يغتابان الناس، ويكون معنى قوله: "أفطر الحاجم والمحجوم" بمعنى أنه نقص أجرهما وثوابهما.
فقال: أفطرا مجازًا.
[فصل - 4 - حكم ذوق الطعام للصائم] ومن المدونة: وكره مالك للصائم ذوق العسل والملح وشبهه، وإن لم يدخل جوفه، وكره مضغ العلك أو مضغ الطعام للصبي، أو يداوي الحفر فيه ويمج الدواء، وكره للذي يعمل الأوتار من العقب أن يمر ذلك في فيه بمضغه أو يلمسه بفيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1113

[فصل - 5 - في حكم ما يدخل الحلق من غير تعمد] وقال مالك في الصائم يدخل في حلقه الذباب أو يكون بين أسنانه فلقة الحبة، ونحوها فيبتلعها مع ريقه فلا شيء عليه، ولو كان في صلاة لم يقطع ذلك صلاته.
قال أبو محمد: وقال أشهب: أحب إلي أن يقضي، وليس ذلك بالبين.
وقال عنه ابن عبد الحكم: وأما إن تعمد ذلك فليقض، يريد إن أمكنه طرحها.
قال ابن حبيب: إذا ابتلع ما بين أسنانه من حبة التينة، وفلقة الجذيذة ونحوها فقد أساء ولا شيء عليه، فعله سهوًا أو عمدًا، عن جهل أو علم، إلا أن يأخذ ذلك من الأرض فيبتلعه، فيلزمه في سهوه القضاء، وفي عمده جاهلاً أو عالمًا القضاء، والكفارة؛ لاستخفافه بصومه، لا لأنه غذاء بعينه.
وهكذا فسر لي من لقيت من أصحاب مالك، ولا معنى لتفرقته بين أن يكون ذلك في فمه أو يأخذه من الأرض؛ لأنها لم تكن في فيه إلا برفعها من الأرض إليه، فلا يغير الحكم طول إقامتها / فيه، كما لو كانت تينة كاملة أو لقمة.
قال ابن حبيب:

الجزء: 3 - الصفحة: 1114

وإن كان في فيه حصاة أو لؤلؤة أو نواة أو لوزة أو عود أو مدرة فسبق ذلك إلى حلقه فعليه القضاء في السهو والغلبة، وإن تعمد ذلك تعبثًا فليكفر، قاله ابن الماجشون.
وقال أصبغ: وحكاه عن ابن القاسم: أن ما كان من ذلك لا غذاء له في الجوف ولا انحلال مثل الحصاة واللوزة بقشرها فلا يقض في سهره، ويقضي.
في العمد، وما كان له غذاء وانحلال / في الجوف مثل النواة والمدرة فعليه القضاء في / السهو والغلبة، وفي عمده القضاء والكفارة، والأول أحب إلينا، وهو قول سحنون في كتاب ابنه.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون في الغبار يكثر في حلق الصائم حتى يتجاوز إلى جوفه: فلا قضاء عليه، في فريضة ولا نافله؛ لأنه [أمر] غالب.
وقال في المجموعة: ولا أعلم أحدًا أوجب فيه شيئًا، وقاله سحنون، ولم يعذره أشهب بغبار الدقيق.
وقال: إن كان خفيفًا فدخل غباره في حلقه فليقض في رمضان، والواجب، ولا يقض في التطوع.
وقال ابن حبيب وسحنون: الغبار أمر غالب فلا يقع به فطر.
قال أبو محمد: بخلاف الغبار؛ لأنه أمر غالب.
قال أبو إسحاق: ويحتمل أن يكون أراد

الجزء: 3 - الصفحة: 1115

سحنون وعبد الملك غبار الطريق؛ لأن غبار الطريق أمر لا يمكن التحفظ منه، ولا يمنع الناس من المشي في رمضان، وانظر غبار غير الطريق مثل غبار الجبس الذي عادتهم أن يدقوه وغبار الدباغ لمن عادته أن يدقه هل يخفف لهم في ذلك؛ لأنه صنائعهم التي لا يستغنون عنها، أو يضيق عليهم في عملها في رمضان؛ لأنهم لا يجدون غيرها من الأعمال.
م وكذلك غبار الدقيق للدقاق.
قال ابن سحنون عن أبيه في البلغم يخرج من صدر الصائم أو دون رأسه فيصير إلى طرف لسانه ويمكنه طرحه فيبتلعه ساهيًا فعليه القضاء، وشك في الكفارة في عمده.
وقال: أرأيت لو أخذها من الأرض متعمدًا ألا يكفر.
وقال ابن حبيب: من تنخم، ثم ابتلع نخامته من بين لهواته أو من بعد وصولها إلى طرف لسانه فلا شيء عليه، وقد أساء؛ لأن النخامة ليست بطعام ولا شراب، ومخرجها من الرأس، ولو قلس ماءً أو طعامًا ثم رده بعد وصوله إلى طرف لسانه أو إلى موضع يمكنه طرحه منه فعليه القضاء والكفارة في عمده؛ لأنه طعام وشراب ومخرجه من الصدر ويقضي في سهوه.
قال: وهو يقطع صلاته إن فعله فيها عمدًا كما يفسد صومه/، وإن رده من بين لهواته أو من موضع لا يمكنه طرحه منه فلا شيء فيه، وقاله ابن الماجشون.

الجزء: 3 - الصفحة: 1116

فصل - 6 - [في حكم القيء] ومن المدونة قال مالك: ومن ذرعه القيء في رمضان فلا شيء عليه، وإن تقيأ فعليه القضاء.
ابن وهب وفعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وروى غيره عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من استقاء عامدًا فعليه القضاء، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه)).
ابن وهب وقاله ابن عمر وعروة بن الزبير.
م وقال طاوس: لا قضاء عليه فيهما.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر القيء.
وقال ربيعة: يقضي فيهما.
ودليله أن النبي صلى الله عليه وسلم ((قاء فأفطر)).
قال: ((ومن استقاء عامدًا فعليه القضاء)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1117

م ومحمل ما استدل به طاوس عندنا أنه في من ذرعه القيء.
ومحمل ما استدل به ربيعة أنه استقاء، وحديثنا المفسر يقضي على أحاديثهم المجملة وبين معناها.
والله أعلم.
ومن المدونة قال أشهب: إن كان صومه تطوعًا فاستقاء فإنه يفطر، وعليه القضاء، وإن تمادى ولم يفطر فعليه القضاء، وإن كان صومه واجبًا فليتمه ويقضي، وإن ذرعه القيء فلا شيء عليه.
ابن حبيب: ومن استقاء فقاء في التطوع فلا يقضي، قاله مالك بخلاف الفرض.
قال: والقيء الغالب إذا عرف / صاحبه أنه رجع إلى حلقه منه شيء بعد وصوله إلى فيه فليقض في الواجب، ولا يقض في التطوع.
قال أبو بكر الأبهري: قال ابن الماجشون: من استقاء متعمدًا عابثًا لغير مرض ولا عذر لزمه القضاء والكفارة.
وقال أبو الفرج المالكي: لو سئل مالك عن مثل هذا لألزمه الكفارة.
م إن علم هذا أنه رجع إلى حلقه شيء فليكفر، وإلا فليقض، وقد علل بعض أصحابنا فقال: إنما لزم المستقيء القضاء؛ لأنه لا يأمن / أن يكون جاز

الجزء: 3 - الصفحة: 1118

إلى حلقه منه شيء في تردده وهو الذي استدعى ذلك، والذي ذرعه القيء يأمن أن يجوز منه إلى / حلقه شيء؛ لأنه يندفع اندفاعًا.
م ولأنه لا صنع له فيه، فأشبه الاحتلام.
قال ابن أبي زمنين: روى ابن وهب عن مالك في من ذرعه القيء وهو صائم فبقيت منه في صدره بقية نهم بها فعالج حتى طرحها فعليه القضاء.
ذكره ابن عبدوس.
وفي السليمانية: وسألته عن من شرب نبيذًا في ليل رمضان فأصبح ثملاً فغالبه القيء فتقيأ؟ قال: إن ذرعه القيء فتقيأ فلا شيء عليه إلا الحد لشرب المسكر.
وإن استقاء فعليه القضاء مع الحد.
[فصل - 7 - في حكم اغتسال الصائم وتمضمضه] ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يغتسل الصائم ويتمضمض من حر يجده، وذلك يعينه على ما هو فيه.
قال: فإن تمضمض لذلك أو لوضوء فسبقه الماء إلى حلقه فليقض في الفرض والواجب، ولا كفارة عليه، وإن كان في تطوع فلا يقضي.
فصل - 8 - : [في حكم السواك للصائم] قال مالك: ولا بأس بالسواك أول النهار وآخره بعود يابس، وإن بله بالماء،

الجزء: 3 - الصفحة: 1119

وقد استاك الرسول صلى الله عليه وسلم مرارًا وهو صائم.
وقال: ((خير خصال الصائم السواك))، وكان يفعله ويداوم عليه.
قال مالك: وأكره السواك بالعود الرطب؛ لأن له طعمًا وحرارة ينجلب بذلك البلغم.
م ولا ينقطع ذلك منه بعد فراغه من سواكه فيتقى أن يبتلع ريقه وطعمه في فيه.
ابن حبيب: ولو مج ما يجتمع في فيه فلا شيء عليه، وهو في النافلة أخف، ويكره للجاهل الذي لا يحسن إلقاءه، وإن وصل ذلك إلى حلقه فليقض في الواجب ولا يكفر، وقد كان عروة بن الزبير يستاك بالسواك الرطب وهو صائم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1120

[باب - 6 -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره

[فصل - 1 - في حكم الصوم في السفر] قال الله تعالى: ﴿ومَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ ولِتُكْمِلُوا العِدَّةَ﴾ يعني بالقضاء فالفطر في السفر رخصة من الله تعالى، فمن شاء أخذ بها، ومن شاء أخذ بالعزيمة.
قال مالك رحمه الله: ومن سافر سفرًا مباحًا يقصر في مثله الصلاة فإن شاء صام، وإن شاء أفطر؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم صام في السفر وأفطر.
وقال ر جل للنبي صلى الله عليه وسلم: أجد لي قوة على الصيام، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((هي رخصة من الله تعالى فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)).
وقال في غزوة حنين /: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)).
وقال أنس بن مالك: كانوا يرون الصيام أفضل.

الجزء: 3 - الصفحة: 1121

قال عبد الوهاب: والفرق بينه وبين الفطر أنه إذا صام فقد أتى بالعبادة في وقتها وبرئت ذمته منها، وإذا أفطر فهي متعلقة بذمته، وأداء العبادة في وقتها أفضل من تأخيرها، فلذلك استحب مالك الصوم في السفر.
ومن المدونة قال مالك: الصوم في السفر لمن قوي عليه أحب إلي.
وقاله أشهب.
قال: وذلك أنه في حرمة الشهر، والمفطر فيه يكفر، ولا يكفر في قضائه، فحرمة قضائه دون حرمته، فكذلك أجره فيه يرجى أن يكون أكثر من قضائه، كما أن الخطيئة فيه أعظم، وقاله مالك، وكل واسع، وقال ابن حبيب: الصوم له أفضل، إلا في الجهاد، فإن الفطر فيه أفضل؛ ليتقوى على العدو، كما أن فطر / يوم عرفة للحاج أفضل.
م وقول الرسول صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين: ((من كان له ظهر أو فضل فليصم)) يدل على خلاف ما استحب.
ابن حبيب قال: وقد استحب كثير من السلف الفطر في السفر، وهو أشبه بتيسير الدين؛ لقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾.

الجزء: 3 - الصفحة: 1122

وكان ابن عمر يفطر / في السفر على شدته، وهو آخر فعل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح.
قال مالك في المختصر وغيره: إنما يفطر في سفر الإقصار، في ثمانية وأربعين ميلاً وما قاربها.
قال: وإن قدم بلدًا فنوى أن يقيم بها اليوم واليومين فليفطر حتى ينوي إقامة أربعة أيام فيلزمه الصوم، كما يلزمه الإتمام.
[فصل - 2 - في زمن الفطر لمن أراد السفر] ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في السفر صائما في رمضان ثم أفطر لعذر من عطش أو مرض فليقض فقط، وروى أشهب: أن النبي صلى الله عليه وسلم أفطر بالكديد من عطش أصاب الناس.
قال مالك: وإن تعمد الفطر لغير عذر فعليه القضاء والكفارة؛ لأنه كان في

الجزء: 3 - الصفحة: 1123

سعة أن يفطر أو يصوم، فلما صام / لم يكن له أن يخرج منه إلا لعذر.
وقال المخزومي وابن كنانة: لا يكفر.
وقال أشهب: إن تأول له الفطر؛ لأن الله تعالى قد وضع عنه الصيام.
وقال ابن القاسم في العتبية: إن مالكًا والليث قالا في من بيت الصوم في السفر ثم أفطر متأولا بأكل أو جماع: أن عليه الكفارة.
ومن المدونة قال مالك وأشهب: وإن أفطر متأولا بعد دخوله الحضر فليكفر، ولا يعذر أحد في هذا.
قال مالك: وإن أصبح في حضره صائمًا في رمضان وهو يريد سفرًا فلا يفطر ذلك اليوم قبل خروجه، ولا أحب له أن يفطر بعد خروجه، فإن أفطر بعد أن سافر لزمه القضاء بلا كفارة؛ لأنه كان من أهل الصوم، فخرج مسافرًا فصار من أهل الفطر، فمن ها هنا سقطت عنه الكفارة.
وقال المخزومي وابن كنانة: عليه القضاء والكفارة؛ لأن الصوم وجب عليه في الحضر.
قال مالك في المختصر: وإن أفطر قبل خروجه فعليه الكفارة.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا أكل قبل

الجزء: 3 - الصفحة: 1124

خروجه ثم خرج لسفره فلا كفارة عليه؛ لأنه متأول.
وقاله ابن الماجشون في المجموعة، قال: وقد فعله أنس بن مالك.
قال ابن الماجشون: إلا أن يكسل عن السفر في يومه فلا بد من الكفارة.
وقال أشهب: لا يكفر خرج أو لم يخرج؛ لأنه غير منتهك.
م وتحصيل اختلافهم أن المسألة على أربعة أوجه: أصبح صائمًا في السفر ثم أفطر، أو أصبح صائمًا في الحضر ثم سافر فأفطر، أو أفطر ثم سافر، أو أفطر ولم يسافر، ففي كل وجه قولان: قيل: يكفر، وقيل: لا يكفر.
وروي عن مالك في مسافر أصبح في السفر صائمًا فجهده الصوم فمد يده إلى الطعام ليأكل ثم ذكر أنه لا ماء معه فترك، قال: أحب إلي أن يقضي.
قال أبو محمد: وأعرف رواية أخرى أنه لا قضاء عليه، وهو جل قوله؛ لأن النية لا توجب شيئًا حتى يقارنها عمل، وكذلك في غير الصوم حتى يدخل في عمل أو قول بنية.
[فصل - 3 - في المسافر يعلم أنه يدخل بيته نهارصا أيصوم أو يفطر؟] ومن المدونة قال مالك: ومن علم في رمضان أنه يدخل / بيته من سفره أول النهار فليصبح صائمًا، وفعله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابن عمر.
قال

الجزء: 3 - الصفحة: 1125

ابن عمر: من شاء صام ومن شاء أفطر.
قال مالك: فإن أصبح ينوي الإفطار ثم دخل بيته قبل طلوع الشمس فنوى الصوم لم يجزئه، وعليه قضاؤه وله أن يأكل في بقية / يومه، ويطأ امرأته إن وجدها قد طهرت، أبو محمد: قال بعض أصحابنا: فإن كانت نصرانية وهي طاهرة في يومها فليس له وطؤها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم.
قال ابن القرطي: وكذلك إن وجدها قد طهرت من يومها فلا يطأها؛ لأنها متعدية فيما تركت من الإسلام والصوم.
قال بعض فقهائنا: إنما يجوز وطؤها إذا كانت كما طهرت، كما لو كانت مسلمة، وأما إن كانت طاهرة قبل قدومه فلا يطأها؛ لأنها متعدية.
[فصل - 4 - في من أفطر في رمضان لعذر ثم زال هل يلزمه الإمساك بقية النهار؟] قال ابن حبيب: ومن أفاق من إغماء أصابه نهارًا أو امرأة طهرت من حيض أو حاضت فلا / يؤمروا بالكف عن الأكل.
قال: وأما إن أفطر من عطش أصابه فشرب فزال عطشه فلا يفطر بعد ذلك، فإن أفطر لم يكفر؛ لأنه كالمريض.
وقال ابن سحنون عن أبيه: له أن يتمادى مفطرًا ويطأ ويأكل، وعاب قول من قال: لا يفعل.
م وقول ابن حبيب هنا كقوله في المضطر لا يأكل من الميتة إلا ما يقيم به رمقه.
وقول مالك: إنه يشبع منها ويتزود، فإن احتاج إليها، وإلا طرحها.

الجزء: 3 - الصفحة: 1126

قال عبد الوهاب: من أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه فذلك على ضربين: فإن كان عذرًا يبيح له الفطر مع العلم بأن اليوم من رمضان لم يلزمه أن يمسك بقية يومه، كالحائض والمريض والمسافر، وإن كان عذرًا إنما ساغ له الفطر لعدم العلم بأنه من رمضان ثم علم أو تسحر بعد الفجر ولم يعلم أو أكل سهوًا وشبه ذلك فإن زوال العذر يوجب الإمساك.
قال مالك في المجموعة: ومن أفطر في رمضان لعذر ثم زال عذره في بقية يومه من عطش شديد أو مرض ثم تلذذ بإصابة أهله بعد ذلك فأخاف عليه الكفارة.
قال عبد الملك: إن بدا بإصابة أهله كفر، وإن بدأ بأكل وشرب لم يكفر، وإن أصاب أهله بعد ذلك.
[فصل - 5 - في من صام في سفر تطوعًا فأفطر هل عليه قضاء؟] ومن المدونة قال مالك: ومن أصبح في الحضر صائما متطوعًا ثم سافر / فأفطر أو صام في السفر متطوعًا ثم أفطر، فإن كان من عذر فلا قضاء عليه، وإلا فليقض.
قال في المجموعة: ومن نذر صوم الاثنين والخميس فسافر فإن لم تكن له

الجزء: 3 - الصفحة: 1127

نية فليصمها، فإن شق عليه فليفطر ويقض.
في المختصر: ومن سافر في شهري ظهاره فأفطر فليبتد، بخلاف المريض.
وقال في كتاب الظهار: إن سافر فيهما فمرض فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حر أو برد أهاجه السفر لأجزأه أن يبني، ولكني أخاف، وبالله التوفيق.

الجزء: 3 - الصفحة: 1128

[باب - 7 -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور

[فصل في حكم صيام يوم الشك] روى أشهب عن أبي هريرة رضي الله عنه أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تقدموا الشهر بيوم ولا بيومين إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم، صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين ثم أفطروا)).
وروى ابن القاسم: عن ابن عمر أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تصوموا حتى تروا الهلال، ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له)).
ونهى عليه السلام عن صيام يوم الشك.
قال مالك: ولا ينبغي أن يصام اليوم الذي من آخر شعبان الذي يشك فيه أنه من رمضان، يريد احتياطًا، ويجوز تطوعًا.
قال في الواضحة: ومن

الجزء: 3 - الصفحة: 1129

صامه حوطة ثم علم أن ذلك لا يجوز فليفطر متى ما أفاق لذلك، وكذلك إن صام يوم واحد وثلاثين خوفًا أن يكون أول يوم من صيامه لم يكن من رمضان فليفطر إذ لا يجوز له صوم يوم الفطر.
قال عبد الوهاب: وقال بعض أصحابنا /: ويكره أن يصام تطوعًا، فوجه قول مالك: "إنه يصام تطوعًا" لقوله عليه السلام: ((إلا أن يوافق ذلك صومًا كان يصومه أحدكم فليصمه))؛ ولأنه يوم يحكم له بأنه من شعبان فيصح صومه، أصله إذا وافق / صوما كان يصومه.
ووجه الكراهية: وهو قول محمد بن سلمة والشافعي: أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام يوم الشك فعم؛ ولأن عمار بن ياسر امتنع أن يصومه، وقال: من صام هذا اليوم فقد عصا أبا القاسم صلى الله عليه وسلم.
ووجه قوله أيضًا: إنه لا يصام احتياطًا.
وأبو حنيفة يجيزه قوله عليه السلام: ((فإن غم عليكم فأكملوا

الجزء: 3 - الصفحة: 1130

العدة))، ولم يقل: صومه / حوطة.
ومن المدونة قال مالك: ومن صامه حوطه أو تطوعًا ثم ثبت أنه من رمضان فليقضه.
قال مالك: ومن أصبح فيه ينوي الفطر ولا يعلم أن يومه ذلك من رمضان ثم علم أول النهار أو آخره قبل أن يأكل أو يشرب أو بعد ما أكل أو شرب فليكف عن الأكل بقية يومه ويقضيه، ثم إن أكل بعد علمه بذلك لزمه القضاء بلا كفارة، إلا أن يأكله منتهكًا لحرمته عالمًا بما على متعمد الفطر فيه فليكفر.
[فصل - 2 - في من صام يوم العيد ثم أفطر: لعلمه النهي هل يقضيه؟ وفي قضاء التطوع] قال مالك: ومن أصبح يوم الفطر أو يوم الأضحى صائمًا ثم علم أنه لا يجوز صومهما؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأفطر، فلا قضاء عليه.
قال ابن القاسمك وأما من صام يومًا غيرهما متطوعًا فأفطر فعليه القضاء في قول مالك، وروى ابن وهب أن عائشة وحفصة أصبحتا صائمتين متطوعتين فأهدي إليهما طعام فأفطرتا عليه فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أقضيا يومًا مكانه)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1131

قال مالك: ولا ينبغي أن يفطر من صام متطوعًا، إلا لضرورة، وبلغني أن عبد الله بن عمر قال: من صام متطوعًا ثم أفطر من غير ضرورة فذلك الذي يلعب بصومه.
قال في العتبية: وأن حسين بن رستم حضر صنيعًا عن رجل له شرف فأراده على الفطر وألح عليه وصيامه تطوع فأبى وقال: أكره أن أخلف الله ما وعدته.
ابن حبيب: وإن حلف عليه رجل بالطلاق أو العتق فليحنثه، ولا يفطر، إلا أن يكون لذلك وجه، وإن عزم عليه أبواه فأحب إلي أن يطعيهما وإن لم يحلفا إذا كان رأفة منهما لإدامة صومه.
ومن / المدونة قال ابن القاسم: ومن أصبح صائمًا ينوي به قضاء يوم عليه من رمضان، ثم ذكر أول النهار أنه قد كان قضاه، فلا يجوز له أن يفطر.
أبو محمد: يريد فإن أفطره فعليه قضاؤه.
قال: وقال أشهب: لا أحب

الجزء: 3 - الصفحة: 1132

له أن يفطر، فإن أفطر فلا قضاء عليه، وهو كمن شك في الظهر فأخذ يصلي، ثم ذكر أنه قد صلى فلينصرف على شفع أحب إلي، فإن قطع فلا شيء عليه.
م ولمالك نحوه، وهو أصوب؛ لأن هذا اليوم إنما التزمه ظنًا منه أنه عليه، فإن أفطره لم يقضه، كما قال في الصلاة، وفي العتبية: لو ذكر العصر فلما صلى منها ركعة ذكر أنه صلاها، قال: يشفعها بأخرى، وليس كمن قصد النفل بعد العصر، ومثله.
ذكر ابن حبيب عن مالك قال: وإن ذكر قبل أن يركع قطع، ولو كانت غير العصر لتنفل على إحرامه ركعتين.
ومن المجموعة: ابن نافع عن مالك في المفطر متعمدًا في التطوع: فليس لكفه عن الطعام بعد ذلك وجه، وقد أساء ويقضي.
قال ابن وهب عن مالك في الرجل تأمره أمه بالفطر: فإن كان ممن يسرد الصوم أو يكثر فليطعها، وقد فعل ذلك رجال من أهل العلم بأمهاتهم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1133

فصل / - 3 - [في التباس شهر رمضان بغيره] ومن المدونة وإذا التبست الشهور على أسير أو تاجر أو غيره في أرض العدو فصام شهرًا ينوي به رمضان، فإن كان قبله لم يجزئه، وإن كان بعده أجزأه.
أبو محمد: وإن لم يدر أصام قبله أو بعده فذلك يجزئه حتى ينكشف له أنه صام قبله، وقاله أشهب وعبد الملك وسحنون.
وقال ابن القاسم: يعيد؛ إذ لا يزول فرض بغير يقين.
وقول أشهب: أبين؛ لأنه قد صار فرضه.
الاجتهاد، وهو قد اجتهد وصام فهو على الحق حتى ينكشف خلافه، أصله من اجتهد في يوم غيم وصلى فلم يدر أصلى قيل الوقت أو بعده.
قال: ولو صام ثلاثة أعوام شعبان فليعد الشهر الأول ثم كل شعبان بعده قضاء عما قبله.
أبو محمد يريد بقوله: يعيد الشهر الأول، أي يلغي شعبان الأول، ويكون الثاني قضاء عن رمضان الأول، وشعبان الثالث قضاء عن رمضان الثاني، ويبقى عليه رمضان الثالث فيقضيه.
وقيل: يقضي جميع الشهور لاختلاف نيته في ذلك؛ لأن شعبان الثاني لم ينوه لرمضان الأول، وشعبان الثالث لم ينوه لرمضان الثاني.
قال ابن أبي / زمنين: وهذا

الجزء: 3 - الصفحة: 1134

القول هو الصواب عند أهل النظر، ولو صام شوالاً سنين قضى يومًا واحدًا من كل شهر، وهو يوم الفطر.
قال ابن عبد الحكم: ولو كان شوال هو الذي صامه ثلاثين يومًا ورمضان تسعة وعشرين فلا قضاء / عليه؛ إذ ليس عليه إلا عدة ما أفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو صام شهرًا تطوعًا أو لنذره فإذا هو رمضان ولم يعلم لم يجزئه عن رمضان ولا لنذره، وعليه قضاؤهما.
قال في العتبية: ولو صام شهرًا لنذر عليه فإذا هو رمضان ولم يعلم به لم يجزئه لرمضان ولا لنذره.
م لأنه لم ينو به رمضان، ولا يصح فيه صوم غيره.

الجزء: 3 - الصفحة: 1135

[باب - 8 -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان

[فصل - 1 - في حكم صيام من أصبح جنبًا.
وأدلة ذلك] روى ابن وهب عن عائشة أن الرسول صلى الله عليه وسلم واقع أهله ليلاً ثم نام فلم يغتسل حتى أصبح فاغتسل وصلى، ثم صام يومه ذلك.
وروى مالك في الموطأ عن عائشة رضي الله عنها وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا: إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصبح جنبًا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم.
وكان أبو هريرة يقول: من أصبح جنبًا أفطر ذلك اليوم، فأخبر بقول عائشة وأم سلمة هذا، فقال: لا علم لي، إنما أخبرنيه مخبر.
قال مالك: قالت عائشة: وأن رجلا قال: يا رسول الله إني أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وأنا أصبح جنبًا وأنا أريد الصوم فأغتسل وأصوم ذلك اليوم))، فقال الرجل: يا رسول الله إنك لست مثلنا قد غفر الله

الجزء: 3 - الصفحة: 1136

لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: ((والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله، وأعلمكم بما أتقي)).
ومن المدونة قال مالك رحمه الله: ولا بأس أن يصبح الرجل جنبًا في رمضان.
م يريد بالإصباح طلوع الفجر.
قال أشهب: ولم يختلف العلماء في صيام الجنب أنه يجزئه، وهو كمن صام على غير وضوء.
قال: ولو أقام جنبًا بقية نهاره لم يفسد / صومه ولا قضاء عليه.
قال عبد الوهاب: ومن احتلم في نهار رمضان لم يفسد ذلك صومه، ولا قضاء عليه؛ لما روي ((ثلاث لا يفطرن الصائم)) فذكر الاحتلام، وللإجماع على أن المراعاة في ذلك سبب يكون من المفطر، والاحتلام ليس من سببه.
وأما الحيض والنفاس فلا / خلاف أنه يفسد الصوم، ويجب قضاؤه.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة.

الجزء: 3 - الصفحة: 1137

والفرق بينهما لحوق المشقة في قضاء الصلاة لتكررها والصوم لا يتكرر.
[فصل - 2 - في أحكام الحائض في رمضان] ومن المدونة قال مالك: وإن حاضت امرأة أو طهرت في رمضان أول النهار أو آخره فلتفطر بقية يومها، وكذلك إن رأت الطهر بعد الفجر.
وأنكر في المجموعة ما قيل عن الأوزاعي: إن لم تكن أكلت فلتتم صيام ذلك اليوم، قال: ولقد احتمل عظيمًا من أفتى بهذا قال: وإن كان لرجلاً صالحًا، ولكنكم كلفتموه فتكلف.
ومن المدونة قال: وأما إن رأته قبل الفجر اغتسلت بعد الفجر وأجزأها صومها.
وقاله ابن القاسم وأشهب وعبد الملك في المجموعة.
قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك بن الماجشون، ومحمد بن سلمة: لا يجزئها.
ودليلنا: أنها محدثة زال حدثها قبل الفجر ولم يبق عليها إلا التطهير، كالجنب.
ومن المدونة قال مالك: وإن استيقظت بعد الفجر فشكت أطهرت قبل الفجر أو بعده؟ فلتصم يومها ذلك، وتقضيه إذ لا يزول فرض بغير يقين، فأمرها بالقضاء خوفًا أن يكون طهرها بعد الفجر، وأمرها بالصوم خوفًا أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1138

يكون طهرها قبل الفجر.
قال عبد الملك في المجموعة: وإن طهرت قبل الفجر فأخذت في الطهر حين رأته بغير توان فلم تتم إلا بعد الفجر فهي فيه كالحائض.
م والظاهر من المذهب ألا يراعى فراغها من الغسل في الصوم، بخلاف الصلاة، والفرق بينها أن الصلاة لا تصح إلا بغسل فلذلك قدر لها الوقت بعد فراغها منه مجتهدة، والصوم يصح بغير غسل فلا / يحتاج إلى تقدير الفراغ منه، بل بارتفاع الحيض يصير حكمها حكم الجنب.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإذا رأت المرأة في ثوبها دم حيض في رمضان لا تدري متى أصابها وصلت كذلك أيامًا فلتطهر وتقضي يومًا واحدًا من الصوم، وتعيد الصلاة من أحدث لبسة لبسته، هذا إن كانت تنزعه، وإن كانت لا تنزعه فتعيد الصلاة من أول ما لبسته.
قال مالك في المختصر: وإذا رأت الحامل الدم فلتفطر ما لم يطل بها الدم، ولا تفطر إذا رأت الماء الأبيض.

الجزء: 3 - الصفحة: 1139

فصل - 3 - [في أحكام المغمى عليه في رمضان] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه ليلا في رمضان وقد نوى صوم ذلك اليوم فلم يفق إلا عند المساء أو بعد ما أضحى لم يجزئه صوم ذلك اليوم ويقضيه.
م إنما قال ذلك؛ لأن الإغماء معنى ينافي التكليف فخرج من وجد به أن يكون من أهل النية، فإذا أفاق وجب عليه قضاء ما أغمي عليه فيه، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قولهما: أن لا قضاء عليه.
دليلنا أن الإغماء مرض منعه الصوم، فوجب عليه قضاؤه؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولأنه مسلم عرض له ما منع انعقاد / صومه فلزمه قضاؤه عند زواله، كالحيض.
قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض من مضى من أهل العلم أنه قال: من أغمي عليه قبل الفجر فلم يفق إلا بعده لم يجزئه صومه، وهو بخلاف النائم؛ لأنه لو نام قبل الفجر فانتبه عند الغروب أجزأه صومه، ولو كان ذلك إغماء لمرض به لم يجزئه صومه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1140

م والفرق بينهما أن النوم أمر لازم لنا، فلو لم يجز الصوم إلا من كان منتبهًا قبل الفجر إلى ما بعده لأدى ذلك إلى الحرج، والله تعالى رفعه عنا، والإغماء غير ملازم، وإنما هو أمر طارئ فافترقا؛ ولأن المغمى عليه غير مكلف فلم تصح له نية، والنائم مكلف؛ لأنه لو نبه لانتبه.
قال ابن/ القاسم: وإذا أفاق المغمى عليه بعد أيام لم يجزئه صوم يوم إفاقته؛ لأنه لم يبيت الصوم.
قال مالك: وإن أغمي عليه بعد أن/ أصبح ونيته الصوم فأفاق نصف النهار أو أغمي عليه وقد مضى أكثر النهار أجزأه صوم ذلك اليوم.
قال: وإن أغمي عليه قبل طلوع الشمس فأفاق عند الغروب لم يجزئه صومه؛ لأنه أغمي عليه قبل طلوع الشمس أكثر النهار.
وقال أشهب:

الجزء: 3 - الصفحة: 1141

هذا استحسان، ولو اجتزأ به ما عنف.
وقال ابن نافع في غير المدونة: يجزئه صومه.
قال ابن حبيب: وقاله مطرف وابن الماجشون.
م وهو أصوب.
قال ابن الماجشون: والإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، إنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، وأما ما قل من الإغماء ولم يكن لمرض فهو كسكر أو نوم، فلو طلع عليه الفجر وهو كذلك ثم تجلى عنه أنه يجزئه صومه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينظر في ذلك إلى المرض، وكذلك قال ابن القاسم وأشهب.
م وهو أصوب؛ لأنه خرج من حد التكليف.
وقال محمد بن عبد الحكم: القليل من الإغماء والكثير سواء، وعليه القضاء وإن كان بعد العصر.
م إنما يفسد صومه عدم النية فإذا صحت نيته لم يفسد صومه ولو

الجزء: 3 - الصفحة: 1142

أغمي عليه نهاره كله، كمريض في نهار رمضان لم يأكل ولم يشرب فإنه يجزئه صومه.
ووجه قول ابن عبد الحكم: أن الإغماء معنى يمنع إنعقاد الصوم فيه، فوجب أن لا يفترق قليله من كثيرة أصله الحيض.
فصل -4 - [في أحكام المجنون في الصوم] ومن المدونة قال مالك: ومن بلغ وهو مجنون مطبق فمكث سنين ثم أفاق فليقض صوم تلك السنين، ولا يقض الصلاة، كالحائض، ولم يختلف فيها.
م وأيضًا فإن الله تعالى إنما خاطب بالصلاة ذوي العقول، فقال تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ والإيمان هو الإخلاص، فلما كان المجنون لا يفهم الإخلاص فكأنه غير مخاطب بالصلاة، وأما الصيام فوجب عليه قضاؤه؛ لأنه كالمريض.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وكذلك/ القول في المغمى عليه، وهما بخلاف النائم؛ لأن النائم يستطاع إنباهه في وقت الصلاة فتوجه عليه الخطاب، ولا يستطاع إزالة الجنون والإغماء فانتفى عنهما التكليف في تلك الحال.
وقال ابن حبيب: قال المدنيون من أصحاب مالك: إنما يقضي الصوم في مثل خمس سنين ونحوها، فأما عشر أو خمس عشر فلا قضاء عليه، وذكره عن مالك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1143

وقاله أصبغ.
م ورواية ابن القاسم أعدل.
ورواية ابن حبيب استحسان.
فصل -5 - [في وقت وجوب الصوم على الصغير] ومن المدونة قال مالك: ولا يؤمر الصبيان بالصيام حتى تحيض الجارية ويحتلم الغلام، بخلاف الصلاة.
م وفي رواية ابن وهب: يجب عليهم إذا بلغوا، وهو معنى رواية ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يجب عليهم إلا بالبلوغ، ويستحب لهم بالطاقة عليه.
م والفرق بين الصيام والصلاة أن الصيام لا كبير تعليم فيه، إنما هو الإمساك واجتناب النساء، والصلاة تحتاج إلى علوم فأمروا بها قبل البلوغ حتى لا يأتي الاحتلام إلا وهو قد تعلم فرائضها وسننها وجميع أوقاتها، هذا من طريق المعنى، وأما من طريق السنة فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((رفع القلم عن ثلاثة)) فذكر الصبي حتى يحتلم، فكان الأصل أن لا يؤمر بشيء حتى يتوجه عليه الفرض، فخرج الأمر بالصلاة من ذلك بالسنة، وهو قوله عليه السلام: ((مروا الصبيان بالصلاة لسبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1144

وبقي ما سواه على أصله/.
قال ابن حبيب: وكان عروة بن الزبير يأمر/ بنيه بالصلاة إذا عقلوا، وبالصيام إذا أطاقوا.
قال ابن الماجشون: يلزمهم إذا أطاقوه، ويؤمروا بقضاء ما أفطروا بعد الطاقة، إلا ما كان من غلبة أو عجزت عنه طاقتهم.
م ووجه هذا: أن الصوم فرض على الأعيان فوجب على الصبيان إذا أطاقوه أصله الصلاة.
قال ابن حبيب: وإذا بلغ الغلام والجارية جبرا على الصوم/ أطاقاه أو لم يطيقاه، وإن تأخر الاحتلام والحيض فإذا بلغا خمس عشرة سنة من المولد، فإن جهل المولد فإذا انبتا، فإن لم ينبتا حملا على التقدير والتحري، إلا أن يطيقا دون ذلك.
قال أبو محمد: المعروف من قول مالك وأكثر أصحابه: أنه إذا فقد الحيض والاحتلام والإنبات رفعا إلى سن لا يبلغه أحد إلا احتلم، وذلك سبعة عشرة سنة إلي ثماني عشرة سنة أكثره، وما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاز ابن عمر يوم الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة فليس فيه حجة؛ لأنه صلى الله عليه وسلم لم يسأله

الجزء: 3 - الصفحة: 1145

ولا غيره عن مولده، وإنما نظر فمن أطاق القتال بمرأى العين أجازه.
والذي جاء في الحديث ((انظروا إلى مؤتزره فمن جرت عليه المواسي فاضربوا عنقه))، هو أولى، والبلوغ أقصى ذلك، إلا أن ما يكون عليه من حد وقتل فيتهم أن لا يقر بالاحتلام فيعمل فيه بالإنبات، وما كان من شيء بينه وبين الله سبحانه وتعالى قيل له: إن بلغت لزمك هكذا.
قال يحيى بن عمر: وهو قول حسن، وقال بعض أصحابنا: إذا احتلمت المرأة ولم تحض فهو بلوغ أيضًا.
ومن المجموعة: قال أشهب: ومن أسلم قبل الفجر فليصم ذلك اليوم، وإن أسلم بعد الفجر فله أن يأكل ذلك اليوم ويشرب.

الجزء: 3 - الصفحة: 1146

[باب -9 -] في من أفطر ناسيًا أو متأولاً أو مكرهًا

[فص -1 - في حكم من أفطر في رمضان ناسيًا] قال الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾، وقال الرسول عليه السلام: ((حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه))، يريد في فرع المأثم.
قال مالك: فمن أكل أو شرب أو جامع في رمضان ناسيًا فعليه القضاء فقط.
م لأن الكفارة إنما وضعت لرفع المأثم، وهذا لا إثم عليه؛ لأنه لم يتعمد ذلك فسقطت عنه الكفارة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا قضاء على الآكل ناسيًا، وقد تقدمت الحجة في ذلك في باب السحور.
ووافقونا في الواطئ أن عليه القضاء.
وقال ابن الماجشون، وأحمد بن حنبل: عليه/ القضاء والكفارة.
ودليله قوله صلى الله عليه وسلم للذي قال له: ((وطئت في رمضان أعتق رقبة))، ولم يقل إني وطئت عمدًا؛ ولأنه مكلف جامع في رمضان فوجبت عليه الكفارة أصله العامد؛ ولأنه لو جامع في رمضان عامدًا لزمته الكفارة، فكذلك لو وطئ ناسيًا.

الجزء: 3 - الصفحة: 1147

دليله: الحج.
ودليلنا قوله صلى الله عليه وسلم: ((رفع عن أمتي الخطأ والنسيان))؛ ولأن المتعمد تجب عليه الكفارة، كالآكل عامدًا، فوجب أن لا يكون على الناسي كفارة، كالآكل ساهيًا، فإذا ثبت ذلك؛ لما رووه من الحديث، فمحمول أنه وطئ عمدًا، وعلم النبي صلى الله عليه وسلم منه ذلك.
وأما اجتجاجهم بالحج فالحج سهوه وعمده سواء، والصوم بخلافه، دليله الأكل فيه أن عمده مخالف لسهوه.
قال/ ابن الماجشون: وأما من طلع عليه الفجر وهو يطأ، ولم يعلم، ثم تبين له أنه وطئ بعد طلوع الفجر فلا كفارة عليه، بخلاف العامد؛ لأنه كان على أصل حتى يتبين له الفجر، وكذلك من ظن أن الشمس قد غربت فوطئ ثم ظهرت؛ لأنه مأمور بتعجيل الفطر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظن الذي وطئ أو أكل ناسيًا أن ذلك يفسد صومه فتعمد الأكل ثانية فعليه القضاء بلا كفارة.
وقد قال مالك في امرأة رأت الطهر ولم تغتسل/ حتى أصبحت فظنت أن لا صوم لمن لم

الجزء: 3 - الصفحة: 1148

يغتسل قبل الفجر فأكلت، وفي مسافر قدم إلى أهله ليلاً فظن أن أن لم يدخل نهارًا قبل المساء أن صومه لا يجزئه، وله أن يفطر فأفطر، وفي عبد بعثه سيده يرعى له غنمًا على مسيرة ميلين أو ثلاثة أميال فظن أن ذلك سفر فأفطر فليس على هؤلاء إلا القضاء بلا كفارة.
م لأن الكفارة إنما هي على منتهك حرمة الشهر، وهؤلاء غير منتهكين له.
وقال ابن الماجشون والمغيرة في المجموعة: إن من أفطر ساهيًا، ثم أكل بعد ذلك أو وطئ متأولا فليكفر.
وقال عنه ابن حبيب: أما إذا وطئ متأولا فلابد من الكفارة، وإن أكل ثانية متأولا لم يكفر.
م فوجه ما في المجموعة: أن فطره ناسيًا لا يبطل صومه؛ لأن صومه منعقد والنسيان محمول عنه فتأويل الفساد فيه تأويل بعيد، ووجه التفرقة بين الأكل والجماع، فلأن عبد الملك لا يعذره/ في الجماع ناسيًا، فجماعه متأولا أحرى.
م والقياس أن يعذر في الوجهين؛ لأنه غير منتهك، وقد عذره ابن القاسم في أبعد من هذا.
قال في من احتجم فتأول أنه قد أفطر فأفطر: إنه

الجزء: 3 - الصفحة: 1149

يعذر، وعذر أشهب الذي رأى هلال رمضان وحده ثم أفطر، وتأويل هذين أبعد من تأويل من أكل ناسيًا ثم أكل أو جامع متأولا.
[فصل -2 - في حكم من أفطر في رمضان متأولا] ومن المدونة قال ابن القاسم: وما رأيت مالكًا يجعل الكفارة في شيء من هذا الوجه على التأويل إلا في امرأة قالت: اليوم حيضتي، وكان ذلك يوم حيضتها فأفطرت أول النهار ثم حاضت في آخره، والذي يأكل في رمضان أول النهار متعمدًا ثم يمرض في آخره مرضًا لا يقدر على الصوم معه، فقال: عليهما القضاء والكفارة.
وقاله المخزومي.
وقال ابن عبد الحكم: يعذر صاحب حمى الربع والحائض تقول اليوم حيضتي فتحيض بالتأويل.
م وهو أقيس، ووجه الأول أنهما تأولا أمرًا لم ينزل بعد بهما، وهو قد يكون أولا يكون، فأصلهم في مثل هذا أن لا حكم له.
قال ابن حبيب: كل متأول في الفطر فلا يكفر إلا في التأويل البعيد، مثل: أن يقول اليوم تأتيني الحمى أو تقول المرأة اليوم أحيض أو يحتجم أو يغتاب فيتأول أن له الفطر بذلك، فلا يعذر بهذا.
وقال ابن القاسم في العتبية في من

الجزء: 3 - الصفحة: 1150

احتجم فتأول أن له الفطر فأكل فليس عليه إلا القضاء.
قال أصبغ: هذا تأويل بعيد.
فصل -3 - [في حكم الصائم يكره على الفطر بأكل أو شرب أو جماع] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أكره أو كان نائما فصب في حلقه ماء في رمضان فعليه القضاء بلا كفارة، وكذلك لو فعل به ذلك في نذر متتابع أو غير متتابع أو في صيام ظهار أو صيام كفارة القتل فعليه القضاء، ويصله بما كان من الصوم متتابعًا، وإن كان صومه تطوعًا فلا قضاء عليه عند مالك، ولو جومعت نائمة في نهار رمضان فعليها القضاء فقط؛ لأنه كالإكراه.
قال ابن حبيب: ويكفان عن الأكل بقية يومهما، والكفارة عنهما على من فعل ذلك/ بهما.

الجزء: 3 - الصفحة: 1151

[باب -10 -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج

[فصل -1 - في خلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ هل هي منسوخة أو للشيخ والشيخة] قال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال مالك: كان أول الأمر أن من أراد أن يفطر ويطعم مكان كل يوم مسكينًا مدًا فعل، ثم نسخ ذلك بقوله عز وجل: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وقيل: إنها لم تنسخ.
وقال عكرمة: نزلت في الحبلى والمرضع والشيخ والشيخة.
وكان ابن عباس يقرؤها ((وعلى الذين يطيقونه ولا يطيقونه)) ويقول: إنها في الشيخ والشيخة.
قال ابن بكير: وهذا محال أن يطوق من لا يطيق؛ والله تعالى لا يكلف نفسًا إلا وسعها.
وقد قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الآية.
فكيف يقال: هذا لمن لا يطيق الصوم.
فأما الحامل فلها حكم/ المريض، ولما أشكل أمر المرضع أن تكون داخلة في قوله

الجزء: 3 - الصفحة: 1152

تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾.
وأنها لم تنسخ عنها أو تكون داخلة في معنى المسافر والمريض؛ للضرورة التي تخشى على ولدها.
جعل مالك عليها الأمرين القضاء والإطعام احتياطًا.
وبالله التوفيق.
ابن حبيب: وروي عن ابن عمر وابن عباس وكثير من التابعين: أنهم قالوا في الحامل والمرضع والمستعطش يفطرون ويطعمون يريد مدًا لكل يوم مسكين.
وقال القاسم وسالم: لا إطعام عليهم واجب.
وكان أنس بن مالك: إذ كبر يفطر ويطعم مدًا لكل يوم.
قال ابن وهب عن مالك: لا إطعام على المستعطش.
قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر أن يقضي فذلك عليه.
[فصل -2 - في أحكام الحامل في رمضان] ومن المدونة قال مالك رحمه الله: الحامل كالمريضة إن خافت إذا صامت أن تسقط فلتفطر فإذا صحت وقويت قضت ما أفطرت ولا إطعام

الجزء: 3 - الصفحة: 1153

عليها؛ لأنها مريضة.
قلت: فلو كانت الحامل صحيحة فخافت إن صامت أن تطرح ولدها، قال: إذا خافت أن تسقط أفطرت؛ لأنها لو أسقطت كانت مريضة.
ابن وهب: وقد كان مالك يقول في الحامل تفطر وتطعم، ويذكر أن ابن عمر قاله.
قال أشهب: وهو أحب إلي من غير إيجاب؛ لأنه فرض.
وأما الصحيحة تخاف إن صامت أن تسقط ولدها فيستحب/ لها أن تطعم؛ لأنها في الحال صحيحة، وإنما يتوقع أمرًا يكون أو لا يكون، وهذا لا حكم له، فأما من أثقلت وصارت في حد المرض فهي كالمريضة، والمريضة لا إطعام عليها.
قال ابن حبيب: إن خافت على نفسها فلتفطر ولا تطعم، وإن خافت على ولدها أطعمت مدًا لكل يوم، وإن أمنت في الوجهين فلا تفطر.
وقال في المرضع: إذا أفطرت وأمكنها القضاء ففرطت حتى دخل

الجزء: 3 - الصفحة: 1154

رمضان آخر فلتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط.
[فصل -3 - في أحكام المرضع والكبير في رمضان] قال مالك: وأما المرضع إذا خافت على ولدها فإن قبل غيرها وقدرت أن تستأجر له أوله مال فلتستأجر وتصم، فإن لم يقبل غيرها أفطرت وقضت، وتطعم لكل يوم أفطرته مدًا لكل مسكين؛ لأنها صحيحة، والحامل مريضة.
قال ابن حبيب: فإن فرطت حتى دخل عليها رمضان آخر فتطعم عن كل يوم مدين مدًا للرضاع ومدًا للتفريط.
ومن المدونة روى ابن وهب: أن القاسم وسالماً قالا: من أدركه الكبر فضعف عن صوم رمضان فلا فدية عليه.
فصل -4 - [في أحكام المريض في رمضان] ومن المجموعة قال أشهب في مريض لو تكلف الصوم لقدر عليه أو الصلاة قائمًا لقدر إلا أنه بمشقة وتعب: فليفطر، ويصلي/ جالسًا، ودين الله يسر.

الجزء: 3 - الصفحة: 1155

قال مالك: رأيت ربيعة أفطر في رمضان لمرض به لو كان غيره لقلت: يقوى على الصوم، وإنما ذلك بقدر طاقة الناس.
قال أبو محمد: من قول أصحابنا: أن المريض إذا خاف إن صام يومًا أحدث عليه زيادة في علته أو ضررًا في بصره أو غيره من أعضائه فله أن يفطر.
وفي المجموعة: قال ابن وهب: سئل مالك عمن أصابه عطش شديد أيفطر؟ قال: الله أعلم بخلقه، وما أذن لهم فيه، ثم قال: قالت عائشة: لو نهى الناس عن حاجم لقال قائل: لو ذاقه.
[فصل -5 - إذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه] ومن المدونة قال مالك: وإذا علمت المرأة أن زوجها يحتاج إليها فلا تصوم تطوعًا إلا بإذنه، وإن كان لا حاجة له فيها فلا بأس أن تصوم بغير إذنه.
ابن حبيب: وكذلك إن كان مسنًا لا ينشط فلا إذن له عليها.
قال: وأم الولد والسرية كالزوجة.
ومن السليمانية قلت: فإن استأذنته/ في الصوم، فقال لها: لا تصومي فإني احتاج إليك، فأصبحت صائمة، قال: له أن لا يقبل منها

الجزء: 3 - الصفحة: 1156

ويجامعها إن أراد، وكذلك لو دعاها إلى فراشه فقامت فأحرمت/ بالصلاة تريد أن تمنعه من ذلك فله أن لا يتركها، ويقطع عليها صلاتها ويضمها إلى نفسه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1157

[باب -11 -] في قضاء رمضان في العشر أو غيره. ومن فرط في قضائه أو مات وعليه صيامه فأوصى أن يطعم عنه وشيء من التبدأة في الوصايا

[فصل -1 - في قضاء رمضان في عشر ذي الحجة أو في أيام التشريق] واستحب عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، وقاله القاسم وسالم، وقالا: [نعم] ويقضيه يوم عاشوراء.
م وإنما استحبوا ذلك لفضلها، فإذا لم يمكنه التطوع قضى فيها الواجب.
قال مالك: ولا بأس أن يقضي رمضان في عشر ذي الحجة، ولا يقضي في أيام التشريق كلها.
ولا يصام يوم الفطر ولا يوم النحر، وأما اليومان اللذان بعد يوم النحر فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي، ولا يصومهما من نذر ذا الحجة أو كان عليه صوم واجب، وأما اليوم الرابع فليصمه من نذره أو نذر ذا الحجة، ولا يصومه متطوعًا، ولا يقضي فيه رمضان، ولا يبتدئ فيه صيام واجب متتابع من ظهار أو قتل نفس أو غيره، إلا أن يكون قد صام قبل ذلك ثم مرض ثم صح في أيام النحر فلا يصمها، وليصم هذا اليوم الرابع يصله بصومه.
وقال أشهب في غير المدونة: لا يصوم هذا اليوم الرابع أحد وإن نذره؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن صيام أيام منى فلا يصومها إلا المتمتع الذي لا يجد الهدي؛ يريد لقوله تعالى: {فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ

الجزء: 3 - الصفحة: 1158

إِذَا رَجَعْتُمْ}.
وأما يوم النحر فلا يصومه أحد.
[فصل -2 - في حكم من ظاهر مرتين فصام شهرين ثم ذكر أنه نسي يومين لا تدري من أيهما] قال ابن سحنون عن ابن القاسم في من صام لظهارين فوصل أربعة أشهر ثم ذكر يومين لا يدري من أي ظهار: فليصم يومين ويأت بشهرين، وفي كتاب ابن عبدوس وابن سحنون: قال عبد الملك: أقل ما يجزئه يوم يصله بالشهرين الآخرين، ثم يأتي بشهرين؛ لأن أكثر ما عليه أن يكون عليه يوم من آخر الكفارة الأولى ويوم من أول الثانية، ولو أفطر ثلاثة أيام متتابعة فليصل الآخرة بيومين، ثم يبتدئ كفارة، ولو وصل ثلاث كفارات، ثم ذكر يومين متصلين فليأت بيوم وكفارتين.
قال أبو محمد: على أصل ابن القاسم يأتي بيومين يصلهما بآخر كفارة، ويقضي كفارتين، وكذلك لو كانت كفارتين صام يومين في أحدهما، ثم كفارة واحدة، وقوله أولى؛ لأنه لا ينبغي أن يزول عن كفارة حتى يصلحها على أبعد الاجتماع فيها، كذاكر سجدة من ركعة لا يدري من أي ركعة هي أنه/ يصلحها بأعلى إمكانه ذلك فيها، فإن كان لابد له من أن يأتي بركعة واحدة.
وقول أشهب: أن لا يجزئه بسجدة في رواية البرقي عنه.
فصل -3 - [في أحكام التفريط في قضاء رمضان حتى يحل رمضان آخر] وكفارة من فرط في قضاء رمضان حتى دخل عليه/ رمضان آخر مد لكل

الجزء: 3 - الصفحة: 1159

مسكين عن كل يوم، وكذلك إن مات فأوصى به.
قال سحنون في كتاب ابنه في من تعمد الفطر في رمضان ففرط في القضاء أيضًا إلى رمضان آخر فإنه يقضي، ويكفر أيضًا المتعمد، ويكفر للتفريط بمد لكل يوم.
قال أبو محمد: ومن فرط في قضاء رمضان، ثم جاء رمضان ثان وثالث، وصامهما، ولم يقض الأول، فإنه يقضي الأول، ولا يلزمه في تفريطه إلا كفارة واحدة مد لكل مسكين في كل يوم.
وقد روى أشهب في كتبه أن رجلا سأل ابن عمر فقال له: إني أفطرت في رمضان في سفر فلم أقضه حتى دخل علي رمضان آخر فأفطرته في سفر أيضًا، ثم لم أقضهما حتى دخل، رمضان ثالث، فأفطرته يريد بمرض أو سفر فأمره أن يقضي الثلاثة أشهر، ويتصدق عن كل يوم بمد للشهرين.
[فصل -4 - في من أفطر في رمضان لعذر فتمادى به إلى رمضان آخر هل عليه إطعام مع القضاء؟] ومن المدونة قال مالك: ومن أفطر في رمضان لمرض أو سفر، ثم تمادى

الجزء: 3 - الصفحة: 1160

به المرض أو السفر إلى رمضان آخر فليصم هذا الدخل، ثم يقضي الأول، ولا إطعام عليه؛ لأنه لم يفرط، يريد وكذلك لو صح أو قدم بعد خروج رمضان فتمادت به الصحة والإقامة حتى دخل شعبان فمرضه كله أو سافر فيه فلا إطعام عليه؛ لأن/ له أن يؤخر القضاء إلى شعبان، وهذا كمن أخر الظهر والعصر إلى قدر خمس ركعات من النهار ثم أغمي عليه أو حاضت امرأة فإنه لا قضاء عليهما لذلك كله؛ إذ الوقت قائم بعد، فكذلك هذا.
قال مالك: وإن صح أو قدم قبل دخول رمضان الثاني بأيام أقل من شهر أو شهرين فلم يصمها حتى دخل عليه رمضان المقبل فعليه عدد هذه الأيام التي فرط فيها أمداد يفرقها إذا أخذ في القضاء في أوله أو آخره، وإن لم يفرقها حتى فرغ من القضاء فليفرقها بعد ذلك، ولا يسقط عنه الإطعام على كل حال وقاله سعيد بن جبير والقاسم بن محمد.
قال ابن حبيب: والمستحب في تفرقة هذا الطعام كلما صام/ يومًا أطعم

الجزء: 3 - الصفحة: 1161

مسكينًا، ومن قدم الإطعام أو أخره أو جمعه أو فرقه أجزأه.
وقال أشهب في المجموعة: ومن عجل كفارة التفريط قبل دخول رمضان الثاني، ثم لم يصم حتى دخل الثاني لم يجزئه ما كفر قبل وجوبه، فإن كان عليه عشرون يومًا فلما بقي لرمضان الثاني عشرة أيام كفر عن عشرين يومًا لم يجزئه منها إلا عشرة أيام، وكذلك لا يجزئ المتمتع أن يصوم عن التمتع قبل أن يهل بالحج.
[فصل -5 - في أحكام التبدأة في الوصايا] ومن المدونة قال مالك: ولا يجزئه أن يطعم أمدادًا كثيرة لمسكين واحد، ولكن مدًا لكل مسكين، فإن لم يخرج ذلك حتى مات وأوصى أن يطعم عنه فذلك في ثلثه يُبدأ على الوصايا، والزكاة تُبدأ على هذا الإطعام إذا أوصى بها وعلى المعتق وغيره إلا المدبر في الصحة وحده، فإنه يبدأ على الزكاة، ولا تفسخ الزكاة التدبير.
قلت: فالعتق في الظهار، وقتل النفس إن أوصى بها مع هذا الإطعام

الجزء: 3 - الصفحة: 1162

بأيهما يُبدأ؟ قال: العتق في القتل والظهار يبدأن على كفارة الأيمان.
م يريد وكفارة الأيمان تبدأ على الإطعام في قضاء رمضان، فإن أوصى بهذا الإطعام وبطعام نذره للمساكين بُدئ بالطعام لقضاء/ رمضان؛ لأنه أكد.
قال مالك: وإن مات ولم يوص بإخراج الإطعام لقضاء رمضان لم يلزم ورئته إلا أن يشاءوا كالزكاة وغيرها تجب عليه فلا يوصي بها فلا يلزم ورئته إلا أن يشاءوا.
م وشرح مسألة التبدأة وإيعابها في كتاب الوصايا، وأنا أذكرها هنا منها جملة كافية، فأول ما يبدأ به في ثلث الميت المدبر في الصحة، وقيل: صداق المنكوحة في المرض.
وقيل: إنهما يتحاصان، ثم الزكاة التي فرط فيها، ثم العتق في الظهار وقتل النفس معًا.
وقيل: إن عتق قتل النفس يبدأ به؛ إذ لا بدل منه في المال وعتق الظهار منه بدل، وهو الإطعام، ثم كفارة/ الأيمان، ثم الإطعام عن قضاء رمضان، ثم المدبر والمبتل في المرض معًا إذا كانا في كلمة واحدة، أو فور واحد، فإن

الجزء: 3 - الصفحة: 1163

كان بعضهما قبل بعض بدئ بالأول فالأول، وقد قيل: أن المبتل يبدأ به وإن كان في فور واحد؛ إذ لو صح الموصي لتمت حرية المبتل، ووقف المدبر إلى الموت، ثم الموصي بعتقه بعينه أو على مال يعجله أو إلى أجل قريب كالشهر ونحوه، فإن بعد أجل عتقه مثل السنة ونحوها بدئ بمن ذكرنا عليه، وبدئ على الموصي بكتابته، أو بعتق على مال فلم يعجله، فإن بعد أجل عتقه كالعشر سنين ونحوها تحاصوا بينهم، وفيه اختلاف، ثم النذر مثل قوله: ((لله علي إطعام عشرة مساكين))، ثم الوصايا بالعتق بغير عينه، وبالمال وبالحج.
وقيل: بل تبدأ الرقبة على الحج.
فصل -6 - [إذا اجتمع صوم هدي وقضاء رمضان بأيهما يبدأ] قال في كتاب الصيام: ومن عليه صوم هدي وقضاء رمضان فليبدأ بصوم الهدي إلا أن يرهقه رمضان الثاني فيقضي رمضان، ثم يقضي صيام الهدي بعد ذلك/، وإنما أمر أن يبدأ بصيام الهدي ليصل صومه بما كان صامه في الحج، وإن له تأخير قضاء رمضان إلى شعبان، فإن بقي له إلى رمضان الثاني قدر ما يقضي فيه ما أفطره في الأول، بدأ بقضاء رمضان لئلا يفرق بين صوم الأول وبين قضائه بصوم رمضان الثاني، وذلك يوجب عليه الإطعام، فما أوجب عليه حكمًا أكد مما لم يوجبه عليه، وإن لم يصم للهدي ولا للقضاء حتى دخل رمضان الثاني فصامه فليبدأ بعده بصوم قضاء رمضان؛ لأنه قد فرق بينهما جميعًا وصوم قضاء رمضان أكد فينبغي أن يبدأ به.
ابن حبيب: ومن عليه قضاء رمضان فلا ينبغي أن يتطوع بالصوم قبله وقبل

الجزء: 3 - الصفحة: 1164

نذر عليه، وكان أبو هريرة يقول: ((إبدأ بحق الله ثم تطوع بما شئت)).
قال ابن حبيب: وأرجو أن يكون واسعًا أن يبدأ بتطوع ما يرغب فيه، مثل: عاشوراء وأيام العشر ونحو ذلك.
قال/ ابن القاسم في العتبية: ولا أحب ذلك.
قال أشهب في المجموعة: ومن لم يزل مريضًا من الأول إلى انقضاء رمضان الثاني فليبدأ إذا أفاق بالأول، وإن بدأ بالثاني أجزأه، وإذا كان عليه قضاء رمضان وصوم ظهار بدأ بأيهما شاء إلا أن يرهقه رمضان فيبدأ بقضاء رمضان.
فصل -7 - [في بيان ما يلزم صومه متتابعًا وما لا يلزم] ومن المدونة قال مالك: وما ذكر الله تعالى من صيام الشهور فمتتابع، وأما الأيام مثل: قضاء رمضان وكفارةاليمين، وصيام الجزاء، والمتعة، وصيام ثلاثة أيام في الحج فأحب إلى أن يتابع في ذلك كله، فإن فرقه أجزأه، وإن صام يوم التروية، ويوم عرفة، ويومًا من آخر أيام التشريق أجزأه.
قال أشهب: وإن ابن عباس وأبا عبيدة بن الجراح وعروة بن الزبير/ ومعاذ

الجزء: 3 - الصفحة: 1165

ابن جبل وعمر بن العاص قالوا: لا بأس أن يفرق قضاء رمضان إذا أحصيت العدة، وأن علي بن أبي طالب وابن عمر وسعيد بن المسيب كرهوا أن يفرق قضاء رمضان، وقالوا: يقضيه حسبما أكله.
قال ابن حبيب: وقد بلغني أن الرسول صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك، فأرخص فيه، وقال: ((لو كان لأحدكم على أخيه دين فقضاه إياه متقطعًا أكان يقبل ذلك ويتجاوز عنه؟، قالوا: نعم قال: فالله تعالى أحق بالتجاوز.
ومن المدونة قال مالك: ومن أسلم في رمضان فليس عليه قضاء ما مضى منه، وليصم باقيه، واستحب له قضاء اليوم الذي أسلم فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 1166

[باب -12 -] جامع في صوم النذر المعين وغير المعين والمتتابع وغير ذلك

قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه))، فعلى من نذر شيئًا من الطاعات من صوم وغيره الوفاء بما نذر.
[فصل -1 - في أحكام صوم النذر غير المعين] قال مالك: ومن نذر صوم أيام أو شهر أو شهور غير معينة فليصم عدد ذلك، إن شاء تابعه وإن شاء فرقه إلا أن ينويه متتابعًا.
ابن حبيب/ وقال ابن كنانة: يتابعها إلا أن ينوي التفرقة.
وقال ابن الماجشون: أما الشهر والسنة أو جزء من شهر فليتابعه حتى ينوي التفرقة، وأما أيامًا فله أن يفرقها حتى ينوي التتابع، وهو قول ابن شهاب، وبه أقول.
م فوجه قول مالك: فأنه نذر صومًا لم ينذره متتابعًا فلزم تتابعه، فإذا أتى بعدة ذلك فقد أتى بما نذره؛ ولأنه نذر صوم شهر فلزمه، فإذا أتى بأقصى عدة أيامه أجزأه، ولم يلزمه تتابعه، أصله قضاء رمضان.
ووجه قول ابن كنانة: أنه يلزمه تتابع ما نذر قياسًا على قول من يلزمه تتابع قضاء رمضان، وهو ابن عمر، ولأنه إذا أتى به متتابعًا أجزأه باتفاق.
ووجه قول ابن الماجشون: أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1167

الشهور يلزمه تتابعها والأيام يجوز تفريقها؛ لأن الشهر كشيء واحد، فوجب تتابعه، والأيام كأشياء فجاز تفريقها، وقياسًا على ما في كتاب الله تعالى أنه تابع الشهور، ولم يتابع الأيام.
وقول مالك أبينها.
والله عز وجل أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وإن نذر صوم شهور بغير عينها متتابعة فله أن يصومها للأهلة أو لغير الأهلة/، فإن صامها للأهلة فكان الشهر تسعة وعشرين يومًا أجزأه، وما صام لغير الأهلة أكمله ثلاثين يومًا، وإن شاء صام بعض شهر، ثم صام بعد ذلك للأهلة إن شاء، ثم يكمل الشهر الأول ثلاثين يومًا.
قال ابن القاسم: إلا أن ينذرها شهورًا بأعيانها فليصمها بأعيانها.
قال ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: في ناذر شهر بغير عينه إن بدأ في

الجزء: 3 - الصفحة: 1168

نصف شهر فليكمل الشهر ثلاثين يومًا على ما صام منه كان ناقصًا أو تامًا، وقيل: إن كان النصف الذي صام أربعة عشر يومًا فليعتد به نصفًا ويتبعه خمسة عشر يومًا؛ والأول أحب إلينا.
قال ابن القاسم في العتبية: ومن قال: لله علي صوم هذه السنة وقد قضى نصفها فعليه صيام اثنا عشر شهرًا، ولو قال: لله علي صوم سنة ثمانين وهو في نصفها لم يلزمه إلا صوم/ باقيها، بخلاف لو لم يسم.
ومن المدونة قال مالك: ومن نذر صوم سنة بغير عينها صام اثني عشر شهرًا ليس فيها رمضان ولا يوم الفطر ولا أيام النحر.
وفي المختصر وغيره: ولا أيام منى، وهو أبين؛ لأنها سنة بغير عينها، فصار اليوم الرابع لم ينذره، وهو لا يصومه عنده إلا من نذره، وكذلك بينه ابن حبيب وغيره.
قال ابن القاسم: فما صام من هذه السنة على الشهور/ فعلى الأهلة، وما كان منها يفطر مثل رمضان ويوم الفطر وأيام الذبح أفطره، وقضاه، ويجعل الشهر الذي أفطر ثلاثين يومًا.
قال أبو محمد: قوله: ((وما أفطر فيه))، فيه نظر، ولو كان الفطر في أوله

الجزء: 3 - الصفحة: 1169

كان بينًا.
وقد روى ابن سحنون عن أبيه في من نذر شهرًا بغير عينه فصامه للأهلة، وكان الشهر تسعة وعشرين يومًا، قال: يجزئه.
قلت: فإن أفطر فيه يومًا؟ قال: عليه يوم كما أفطر.
قلت: إن غيرنا يقول: لما أفطر فيه يومًا زال الصوم للأهلة وعليه إتمام ثلاثين يومًا.
قال: ليس الأمر إلا كما قلت لك، وقاله مالك في المختصر: إن من صام أوله على الهلال فإنما يقضي عدد ما أفطر لمرض أو غيره، وإن كان تسعة وعشرين يومًا.
م ولو كان شوال تسعة وعشرين يومًا قضى يومين؛ لأن يوم الفطر في أوله فعليه تمام ثلاثين يومًا.
[فصل -2 - في أحكم صوم النذر المعين] ومن المدونة قال مالك: وإن كانت السنة بعينها صامها وأفطر منها يوم الفطر وأيام الذبح، ويصوم آخر أيام التشريق، ولا قضاء عليه فيها ولا في رمضان؛ إلا أن ينوي قضاء ذلك، كمن نذر صلاة يوم فليس عليه في الساعات التي لا تحل الصلاة فيها قضاء، وإن جاء المنع منه فعليه القضاء.

الجزء: 3 - الصفحة: 1170

ثم سئل مالك عن من نذر ذا الحجة، فقال: يقضي أيام الذبح، إلا أن يكون نوى أن لا يقضيها.
قال ابن القاسم: وقوله الأول أحب إليّ أن يصوم ما كان يصام، ويفطر ما كان يفطر، ولا قضاء عليه ذلك إلا أن ينوي قضاءه.
قال أبو إسحاق: أما قوله من نذر أن يصوم أياماً أو شهراً بغير عينه أنه إن شاء تابع، وإن شاء فرق فصواب؛ لأنه إذا أتى به مفرقاً فقد أتى بالشهر، كقضاء رمضان.
وأما نذره سنة بعينها فلا يلزمه قضاء رمضان، ولا أيام الذبح، ولا يوم الفطر، وهو الصواب.
وإن قصد صيام ما لا يجوز صومه لما عليه صومه مثل رمضان، فهو نذر في معصية لا يلزم، كقوله: لله عليّ أن أصلي في الوقت الذي لا يجوز فيه الصلاة، وإن لم يقصد أن يصوم ما نهى عنه فهو أبعد أن لا يلزمه؛ لأن نذره إنما يقع فيما يصح فيه الصوم، لا فيما لا يصح فيه.
وأما القول الثاني: أن عليه القضاء، إلا أن ينوي أن لا قضاء عليه ففيه ضعف، ويلزم عليه إن نذر صلاة في وقت لا يحل له أن عليه قضاءها، ومن نذر صدقة ما لا يملك أن عليه أن يخرج مثله، وهذا بعيد أن يقال.
وقال/ ابن القاسم: وما أفطر من/ السنة المعينة لعذر من مرض أو غيره فلا قضاء عليه فيها, وإن أفطر منها شهراً لغير عذر قضاه, فإن كان الشهر تسعة وعشرين يوماً قضى عدد أيامه.
قال: ومن صوم شهر بعينه فمرضه كله لم يقضه, وإن أفطره متعمدًا

الجزء: 3 - الصفحة: 1171

يريد أو ناسياً قضى عدد أيامه.
قال ابن القاسم: وأحب إلي أن يقضيه متتابعاً, فإن فرقه أجزأه؛ لأن رمضان لو فرق قضاءه أجزأه.
وقال سحنون: لا يقضيه إذا أفطر ناسياً, كمن مرضه.
قال مالك: وإن أفطر منه يوماً قضاه, إلا أن يكون لمرض, وإن قال: لله عليِّ صوم غد فأفطر فلا كفارة يمين عليه؛ لأنه نذر له مخرج, وعليه قضاؤه, ومن نذر صوم شهر متتابعاً فصام منه عشرة أيام ثم أفطر يوماً من غير عذر فليبتد الصوم, ولا يبني, وإن كان لعذر قضاه ووصله, فإن لم يصله ابتدأ الصوم كله, ومن نذر صوم كل يوم خميس يأتي لزمه, فإن أفطر خميساً متعمداً قضاه.
وكره مالك: أن ينذر صوم يوم بوقته.
قال أبو القاسم: ومن نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم ليلاً فليصم صبيحة تلك الليلة, ولو قدم نهاراً ونية الناذر الفطر فلا قضاه عليه لذلك اليوم.
قال أبو إسحاق: وهو الصواب؛ لأنه كناذر صوم يوم بعد طلوع الفجر, وذلك غير لازم؛ لأن الصوم إنما يجب علية لقدوم فلان, وفلان لم يقدم إلا نهاراً, فصار كأنه حينئذ نوى في اليوم صوم اليوم فلا يلزمه, وألزمه أشهب القضاء, فقال: ما تقول لو قال رجل بعد طلوع الفجر: لله علىّ صوم هذا اليوم, فإن قال: لا يلزمه, أو وقع النذر في وقت لا يصح فيه الصوم لعدم التبييت, قيل:

الجزء: 3 - الصفحة: 1172

وكذلك هذا, وإن قال يلومه القضاء, كناذر صوم الفطر على أحد القولين, كأنه يريد مثله, فقد قدمنا ضعف ذلك القول.
وقال أشهب وعبد الملك في المجموعة: وهو في بعض روايات المدونة يقضي ذلك اليوم.
قال أشهب: ولو قد بيت صومه تطوعاً أو لقضاء رمضان أو غيره فلا يجزئه لنذره, ولا لما صامه له.
قال ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل أول النهار فبيت الصوم لم يجزئه؛ لأنه صامه قبل وجوبه.
قال عن ابن حبيب: وليصم اليوم الذي يليه, وقاله أشهب وأصبغ.
وقال ابن القاسم:/ إن مرضه أو قدم نهاراً فلا شيء عليه, وبالأول أقول.
قال أشهب في المجموعة: ولو قدم فلان ليلة الفطر أو يومه فلا قضاء عليه, كناذر صوم غد فمان يوم الأضحى وهو يعلم أو لا يعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم:/ وإن نذر صوم يوم قدومه أبداّ فقدم يوم الاثنين صام كل اثنين فيما يستقبل.
قال أشهب في المجموعة: إلا أن

الجزء: 3 - الصفحة: 1173

يوافق يوماً لا يحل له صومه، فلا يصمه، ولا يقضه، ولا قدم ليلة الاثنين وهي ليلة الفطر فلا يصوم صبيحتها، ولا كل اثنين يوافق يوماً لا يحل له صيامه فيما يستقبل ولا يقضيه.
وقاله ابن القاسم وابن وهب عن مالك.
قال: ولا يقض ما مرض فيه من ذلك إلا أن ينوي قضاءه وقضاء ما يلزمه فطره فيلزمه ذلك.
قال سحنون في العتيبة: قال ابن القاسم: ومن نذر صيام يوم يقدم فلان أبداً فقدم في يوم فنسيه قليصم آخر يوم من أيام الجمعة، وهو يوم الجمعة.
قال ابن سحنون عن أبيه: ومن نذر صوم يوم بعينه فنسيه، قال: يصوم أي يوم شاء.
وقال أيضاً: يصوم آخر يوم من أيام الجمعة، كأنه قضاء له.
إن تقدمه ثم رجع، فقال: يصوم الجمعة كلها ولو نذر صومه أبداً فليصم الدهر كله.
قال: ومن قال: لله عليّ أن أصوم هذا الشهر يوماً فليصم يوماً واحداً، وإن قال: لله علي أن أصوم هذا اليوم شهراً فليصم مثل ذلك اليوم ثلاثين يوماً.

الجزء: 3 - الصفحة: 1174

م يريد إن كان يوم الأحد صام ثلاثين أحداً، ومن مولدات ابن عبد الحكم عن من قال: لله عليّ صيام هذا اليوم شهراً.
قال: إن كان ذلك اليوم يوم خميس أو اثنين أو غير ذلك من الأيام فإنه يصوم ذلك اليوم كل جمعة من شهر، وذلك أربعة أيام، وإذا قال: لله عليّ صيام هذا الشهر يوماً كان عليه صيام ذلك الشهر بعينه يوماً ما إن كن شعبان فشعبان.
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم في من نذر في سفره صيام خميسه في أهله/ إن شاء الله فقدم فلم يصم، ثم سافر فإنه يصومها في سفره وتجزئه.
ومن المدونة: ومن نذر صوم غد فإذا هو يوم الفطر أو يوم الأضحى وقد علم به أولاً فلا يصومه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صيامها، ولا قضاء عليه في ذلك، وإن نذرت امرأة صوم سنة ثمانين فلا تقضي أيام حيضتها؛ لأن الحيضة كالمرض، ولو مرضت السنة كلها لم يكن عليها قضاء.
قال مالك: وإن نذرت صوم الاثنين والخميس ما بقيت فحاضت فيهن أو مرضت فلا قضاء عليها.
قال: وأما السفر فلا أدري ما هو.
قال ابن القاسم: وكأني رأيته يستحب القضاء فيه.
قال ابن القاسم: وإن نذرت صوم أيام حيضتها فلا قضاء عليها.

الجزء: 3 - الصفحة: 1175

ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: ومن نذر صيام الدهر فأفطر يوماً ناسياً فلا شيء عليه، وإن أفطر عامداً فعليه الكفارة، كمن أفطر يوماً من رمضان؛ إذ لا يجد له قضاء.
وقال سحنون في كتاب ابنه: كفارته إطعام مسكين.
قال سحنون: وإن لزمته كفارة يمين بالصوم فليصم ثلاثة/ أيام ليمينه، ويطعم عن كل يوم مداً.
قال ابن حبيب: وإن لزمه صيام شهرين لظهاره فليصمها لظهاره، ولا شيء عليه لما نذر من صيام الدهر.
قاله مالك.
قال أبو محمد: وعلى قول سحنون يطعم عدد ما صام لكل يوم مداً، وهو أدنى الكفارة في صوم كفارة التفريط.

الجزء: 3 - الصفحة: 1176

[باب-13] في الكفارة في رمضان وما يوجبها من وطء أو إفطار

[فصل-1 - في وجوب الكفارة على منتهك حرمة الصوم] وأوجب الرسول صلى الله عليه وسلم على منتهك حرمة الشهر بالوطء الكفارة, فكان منتهكه بالفطر مثله, إذا هما محرمان.
وقد روي من غير حديث "أن رجلاً أفطر في رمضان فأمره الرسول صلى الله عليه وسلم أن يكفر بعتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكيناً) , فخيره النبي صلى الله عليه وسلم في أصنافها؛ لأن أو موضوعها التخيير.
واستحب مالك: الإطعام على العتق والصيام.
قال في كتاب الظهار: وما للعتق وماله؟.
يقول الله تعالى ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ ...﴾. قال ابن الماجشون: هو الذي استحب مالك وغيره من أصحابنا؛ لأنه المفعول في الحديث.
قال غيره: ولأنه أعم نفعاً؛ لأن العتق يخص المعتق, والصيام لا منفعة فيه لغير الصائم , والإطعام يسقط الفرض, ويعم نفعه جماعة المساكين.
قال ابن الحبيب: وما فعل ذلك أجزأه, وأحب إلينا العتق, ثم الصوم, ثم

الجزء: 3 - الصفحة: 1177

الإطعام.
ويكفر السفيه بالصيام؛ لأن في غير ذلك ماله, وكفارة الإفطار هو مخير فيها؛ فلذلك استحب له مالك الصوم.
وقد اختلف في كفارته عن ظهاره هل يكفر بالعتق أو بالصوم؟ لأنه كالمعدم من أجل الحجر الذي عليه.
قال عبد الحق: ففي كفارة الفطر في رمضان أولى أن يكفر بالصوم, ولأن كفارة الفطر في رمضان ليست على الترتيب, وهو مخير في أحدها, فإن أبي من الصيام فيجوز لوليه أن يكفر عنه بما يراه من العتق أو الإطعام على القول الذي قال الصيام أنه يكفر عنه العتق.
قال عبد الحق: ويحتمل أن يقال: تبقى الكفارة عليه أن أبى من الصوم, ولا يكفر عنه وليه في فطرة في رمضان, ويكون ذلك خلاف مسألة الظهار؛ لأنه في مسألة الظهار قد يرى له من النظر [الكفارة] لئلا يطلق الزوجة فيحتاج إلي إخراج المال في تزويجه, ولا نظر له في الكفارة في مسألة الفطر؛ لكونه مطلوباً بها, وهذا أبين مما قدمنا, والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1178

ومن كتاب آخر ويكفر العبد والأمة بالصيام, إلا أن يضر ذلك بالسيد فيبقى ديناً عليهما, إلا أن يأذن لهما السيد بالإطعام، ولو وطئ العبد/ من يلزمه أن يكفر عنها فهي جناية، أما أن يسلمه السيد فيها، أو يفديه بالأقل من ذلك أو من قيمته/ ولو طلبت المفعول بها ذلك.
وتصوم عن نفسها لم يجزئها وإن رضي السيد؛ لأنه لم يجب لها فيصير ثمناً للصيام، والصيام لا ثمن له.
فصل-2 - [في أحكام تجب بمغيب الحشفة في الفرج] ومن المدونة قال مالك: ومغيب الحشفة يُوجب الكفارة، ويُفسد الصوم والحج، ويوجب الغسل والحد، يريد: ويوجب الصداق، ويحصن الزوجين، ويُحل المطلقة ثلاثاً، فيوجب العدة ويرفع العنة والإيلاء، ويفيت البيع الفاسد.
وقد زاد بعض الفقهاء في ذلك حتى بلغ نحو ستين وجهاً، وهذه الوجوه قد يشاركها فيها غيرها، والذي يختص بمغيب الحشفة فقط أربعة أوجه، وهي: وجوب الحد، وإحصان الزوجين، وتحليل المطلقة ثلاثاً، ورفع العنة لا غير.

الجزء: 3 - الصفحة: 1179

ومن المدونة ولم يعرف مالك في الكفارة إلا الإطعام، والإطعام ستين مسكيناً مداً مداً، ولا يجزئ إطعام ثلاثين مسكيناً مدين مدين، وإن أكره امرأته في نهار رمضان فوطئها فعليها القضاء، وعليه عنه وعنها الكفارة، فإن أكرهها في الحج ووطئها فليحججها ويهدي عنها.
وقال سحنون: لا كفارة عليه عنها؛ لأنها لم تجب عليها، فهي لا تجب عليه.
قال: والحج مخالف لهذا؛ لأن سهوه وعمده سواء.
قال مالك: وإن وطئها في رمضان أياماً فعليه لكل يوم كفارة، وعليها هي مثل ذلك إن طاوعته/، وإن أكرهها فذلك كله عليه، وعليها القضاء لكل يوم، وإن وطئها في يوم مرتين فعليه كفارة واحدة؛ لأنه إنما أفسد يوماً واحداً، ولو وطئها أياماً لزمه لكل يوم كفارة، وسواء كفر عن الأول أم لا،

الجزء: 3 - الصفحة: 1180

خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إن لم يكفر عن الأول حتى وطئ في الثاني فكفارة واحدة تجزئه قياسًا على الحدود.
ودليلنا: أنه هتك حرمة اليوم الثاني كالأول، وليس تأخير/ الكفارة عن الأول يُوجب سقوطها في الثاني، أصله لو كان ذلك في شيئين؛ ولأنه حكم لزم بالفطر فأشبه القضاء.
ومن المدونة قال مالك: وإن طاوعته امرأته في الوطء أول النهار ثم حاضت في آخره فلابد لها من القضاء والكفارة.
قال أبو محمد: قال بعض أصحابنا: إن وطئ أمته كفر عنها وإن طاوعته؛ لأن طوعها كالإكراه للرق، وكذلك الأمة المستحقة لا تحد بوطء السيد.
م إلا أن تطلبه هي: بذلك وتسأله فيه، فيلزم الأمة الكفارة، وتحد المستحقة إن لم تعذر بجهل.
م وإذا كفر الرجل عن نفسه خير في عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا مدًا مدًا بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وإذا كفر عن زوجته خير في وجهين العتق أو الإطعام، وإذا كفر عن أمته فليس له إلا الإطعام، ولا

الجزء: 3 - الصفحة: 1181

يجوز له العتق؛ لأن الولاء له، والصوم لا يصوم أحد عن أحد.
فصل -3 - [في من أصبح في رمضان ينوي الإفطار فلم يأكل حتى غربت الشمس] قال مالك: ومن أصبح ونيته الإفطار في رمضان ولم يأكل ولم يشرب فليقض ويكفر، ولو نوى الصيام قبل طلوع الشمس لم ينفعه ذلك، وعليه القضاء والكفارة.
م يريد: لأنه بيت الفطر.
وقال أشهب: لا كفارة عليه.
م يريد: لأنه لم يفطر وإنما نوى الفطر، فلا تجب الكفارة بالنية دون الفعل.
م ولعل أشهب يريد إذا كان قد تقدمت له نية الصوم ثم نوى الفطر، فهذا لا يرفض النية الأولى عنده إلا بالفعل، وأما لو نوى فطر أول يوم من رمضان من الليل فيجب أن يكفر باتفاق، لأنه لم يبيت الصوم.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل»، والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 1182

قال أشهب في غير المدونة: ولو ظن هذا الذي أصبح ونيته الإفطار أن صومه قد فسد فأكل فليكفر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو نوى الفطر بعدما أصبح نهاره كله إلا أنه لم يأكل ولم يشرب، فقد قال مالك: في ذلك شيئًا، فلا أدري قال: القضاء والكفارة، أو القضاء/ بلا كفارة، وأحب إلي أن يكفر.
قال سحنون: إنما يكفر من بيت الفطر، فأما من نواه في نهاره فلا، وإنما يقضي استحبابًا.
[فص -4 - في حكم الجارية تحيض في رمضان أو الغلام يحتلم فيأكلان بقيته] قال ابن القاسم: وإذا حاضت جارية أو احتلم غلام في رمضان فأفطر بقيته أو أفطر فيه السفيه البالغ/ فعلى كل واحد منهما القضاء والكفارة لكل يوم، ولا يكفر المفطر في قضاء رمضان، وإن تعمد ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 1183

[باب -14] في من أفطر في قضاء رمضان أو صام رمضان قضاء عن رمضان عليه

. [فصل -1 - في حكم من أفطر في قضاء رمضان] قال في كتاب الظهار: ومن أفطر في قضاء رمضان فإنما يقضي يومًا واحدًا، وكذلك روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية، وروى عنه سحنون، وقاله مالك في كتاب الحج منها: أن عليه يومين.
قال مالك وابن القاسم: والحج مثله إذا أفسد حجة القضاء فعليه حجتان وهديان.
سحنون: وقال ابن وهب: ليس عليه إلا حجة واحدة وهديان.
قال مالك: وإن أفطر في قضاء القضاء عن رمضان فعليه يومان، وقال أيضًا: ليس عليه إلا يوم واحد.
وقال يحيى/ بن يحيى عن ابن القاسم: وإن أفطر في قضاء التطوع من غير عذر فليقض يومين.
م وجه قولهم: ((إذا أفطر في قضاء رمضان فعليه يومان))؛ فلأنه لما أفسد هذا القضاء فعليه قضاؤه وعليه القضاء الذي كان عليه رمضان؛ لأنه لم يقضه.
ووجه قولهم: ((يقضي يومًا واحدًا؛ فلأنه إذا قضى القضاء فقد صح القضاء الأول لرمضان، ولا شيء عليه غير ذلك، وهذا أحب إلي.

الجزء: 3 - الصفحة: 1184

فصل -2 - [في حكم من صام رمضان ينوي به قضاء رمضان كان عليه] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن صام رمضان ينوي به قضاء رمضان كن عليه أجزأه لهذا، وعليه قضاء الأول؛ لأنه صامه بنية فرض هذا الشهر، وزاد نية القضاء فكانت ملغاة.
وأما الذي نوى الحج عن نذره وفرضه فإنه يجزئه لنذره، وعليه قضاء الفريضة؛ لأنه لما اجتمع فرض ونذر كان أولاهما بالقضاء أوجبهما عند الله عز وجل.
قال أبو محمد: قال أبو الفرج: يجزئه صومه.
قال ابن القاسم: يجزئه صومه عن/ الشهر الذي حضره، وعليه أن يأتي بما كان عليه من قضاء المتقدم، وهو كما بينا هاهنا عن ابن القاسم.
ومن الناس من يتأول أن معنى قول ابن القاسم: أنه يجزئه عن الماضي ويقضي هذا.
وذكر الأبياني أنه قول ابن القاسم، وكذلك قال سحنون في رواية سليمان للمدونة.
وروي عن ابن القاسم: أنه لا يجزئه عن الأول، ولا عن الثاني.
وقاله أشهب.
قال أشهب: ولا كفارة عليه في هذا.
قال أبو محمد: يريد أشهب: إلا كفارة التفريط فهي عليه، وذكر عن ابن المواز أنه يطعم عن الأول مدًا لكل يوم مسكينًا، وعن الثاني ستين مدًا،

الجزء: 3 - الصفحة: 1185

يريد لكل يوم مدين.
قال أبو محمد: يذكر هذا عن ابن المواز، ولم أروه.
م وقال الشيخ أبو عمران: ذكر هذا القول الأبياني عن ابن المواز، وقال أبو محمد: يريد: وهذا إذا لم يعذر بجهل أو تأويل، والصواب ما قاله أشهب: أنه لا كفارة في هذا.
وقال ابن حبيب: إن صامه عن قضاء رمضان آخر لم يجزئه عن واحد منهما، ولو جهل فنوى به عنهما جميعًا أجزأه لهذا، ويعيد ما كان عليه، وقاله أصبغ.

الجزء: 3 - الصفحة: 1186

[باب -15 -] ما جاء في قيام رمضان

[فصل -1 - في فضل قيام رمضان وأدلة مشروعيته] وقام رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، ورغب فيه من غير أن يأمر بعزيمة، وقال: ((من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)).
وقال في حديث آخر: ((من صامه وقامه احتسابًا وجبت له الجنة))، وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال: ((شهر خير وبركة يغشاكم الله فيه بالرحمة، وتحط فيه الخطايا، ويستجيب فيه الدعاء، وينظر الله فيه إلى تنافسكم، ويباهي بكم الملائكة، فأروا الله من أنفسكم خيرًا، فإن الشقي من حرم فيه رحمة الله)).
وروي: ((أن النفقة فيه كالنفقة في سبيل الله عز وجل))، ((وأن لله تعالى في كل ليلة فيه خمسمائة ألف عتيق من النار إلا مفطرًا على حرام أو مسكرًا أو أذى مسلم)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1187

وكان الناس يقومون وحدانا، منهم في بيته، ومنهم في المسجد، فمات عليه السلام والناس على ذلك/، وفي أيام أبي بكر الصديق/ وصدر من خلافة عمر رضي الله عنهما، وجمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب رضي الله عنهم في قيام رمضان، ثم خرج عمر ليلة والناس يصلون بصلاة إمامهم، فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون يعني آخر الليل، وكانوا يقومون من أوله.
وقال نافع: أدركت الناس يقومون بتسع وثلاثين ركعة يوترون منها بثلاث.
قال مالك: وهو الذي لم يزل عليه الناس.
وقد أمر عمر بن عبد العزيز: القراء يقومون بذلك ويقرأون في كل ركعة

الجزء: 3 - الصفحة: 1188

عشر آيات.
قال مالك: وأراد الأمير أن ينقص من ذلك، فنهيته عن ذلك.
قال عبد الله بن أبي بكر: كنا ننصرف ونستعجل السحور خيفة الفجر.
قال مالك: والأمر في رمضان الصلاة، وليس القصص بالدعاء.
قال مالك: وقيام الرجل في بيته أحب إلي لمن قوي عليه، وليس كل الناس يقوي على ذلك، وقد كان ابن هرمز وربيعة وكثير من علمائهم ينصرفون فيقومون في بيوتهم.
قال مالك: وأنا أفعل ذلك.
قال: ولا يؤم أحد بإجارة في قيام رمضان.
قال ابن القاسم: والإجارة في الفريضة أشد.
وكره مالك للقراء أن يقرأ أحدهم في غير الموضع الذي انتهى إليه صاحبه.
وقال: إنما يقرأ هؤلاء ما خف عليهم؛ ليوافق ذلك ما يريدون، وليقرأ الثاني من حيث انتهى الأول، وهذا الذي كان عليه الناس.

الجزء: 3 - الصفحة: 1189

وسئل مالك عن الألحان في الصلاة؟ فقال: لا يعجبني، وأعظم القول فيه.
وقال: إنما هو غناء يتغنون به ليأخذوا عليه الدراهم.
قال مالك: وليس ختم القرآن بسنة في قيام رمضان.
قال ربيعة: ولو أمهم رجل بسورة حتى ينقضي الشهر لأجزأ.
[فصل -2 - في حكم قراءة الإمم من المصحف في قيام رمضان] وأجاز مالك أن يؤم الإمام الناس في المصحف في قيام رمضان، وكره ذلك في الفريضة.
قال: وإن ابتدأ النافلة بغير مصحف وبين يديه مصحف/ منشور فلا ينبغي إذا شك في حرف أن ينظر فيه، ولكن يتم صلاته ثم ينظر.
قال: ولم يكن الأمير يصلي فيما مضى مأمومًا، ولو صنع ذلك لم أر به بأسًا.
وقال ربيعة: لا يفعل ذلك، وليصل في بيته، إلا أن يأتي فيؤم بالناس؛ وليقوله عليه السلام: ((لا يؤم الرجل في سلطانه)).

الجزء: 3 - الصفحة: 1190

[فصل -3 - في التنفل بين الترويحتين] قال مالك: ولا بأس بالتنفل بين الترويحتين لمن يتم ركعتين ويسلم، وأما من يقف يقرأ وينتظرهم حتى يدخل معهم فلا يعجبني ذلك.
قال ابن القاسم: ومعنى قوله: ((حتى يدخل معهم)) أي: يثبت قائمًا حتى إذا قام الناس دخل معهم بتكبيرته التي كبرها أو يحدث لذلك تكبيرة أخرى.
ابن وهب: وأن عامر بن عبد الله بن الزبير وأبا بكر بن حزم ويحيى بن سعيد كانوا يصلون بين الأشفاع.
[فصل -4 - لا يقنت في رمضان ولا غيره] قال مالك في الحديث الذي يذكر ((ما أدركت الناس إلا وهم يلعنون الكفرة في رمضان)): ليس عليه العمل، ولا أرى أن يعمل به، ولا يقنت في رمضان، لا في أوله، ولا في آخره، ولا في غير رمضان، ولا في الوتر أصلا.
وقال ابن أبي زمنين: يريد القنوت الذي جاء عن عمر بن الخطاب أنه كان يقنت في النصف الآخر من رمضان بعد رفع رأسه من ركعة الوتر، فيصلي

الجزء: 3 - الصفحة: 1191

على النبي صلى الله عليه وسلم ويستغفر للمؤمنين والمؤمنات ويدعو لهم، ويلعن الكفرة ويدعو عليهم، وقد جرى به العمل بعد عمر بن الخطاب رضي الله عنه زمانًا فكان الإمام يقنت ويجهر بما يقوله، ويدعو به، وكان من خلفه ينصتون له، ويؤمنون على دعائه كلما وقف.
ذكره ابن حبيب.
[فصل -5 - في عمل الإمام في الوتر وأفضل وقته] ومن المدونة قال مالك: والوتر آخر الليل أحب إلي لمن قوي عليه.
قال: ويفصل الإمام بين الشفع والوتر بسلام، وهو الشأن، ومن صلى خلف من لا يفصل بينهما فلا يخالفه.
قال مالك: وكنت أنا أصلي معهم فإذا جاء الوتر انصرفت ولم أوتر معهم/، وبالله التوفيق.
تم كتاب الصيام، والحمد لله وصلى الله على سيدنا محمد وآله.

الجزء: 3 - الصفحة: 1192

بسم الله الرحمن الرحيم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامع
باب - 1 - في وجوب الصوم ومعناه وطرق العلم بدخوله وفروضه[باب - 2 -] في الفطر والفجر والسحور في رمضان أو غيره[باب-3 -] في الصوم والفطر للهلال والشهادة فيه, ومن رآه وحدهباب -4 -] في اللماس والقبلة والمباشرة والجماع للصائم[باب -5 -] في الكحل وصب الدهن في الأذن وفي السعوط والحقنة والحجامة وذوق الطعام وما يدخل في الحلق من غير تعمد. وفي القلس والقيء والمضمضة والسواك[باب - 6 -] ما جاء في الصوم والفطر في السفر ومن أفطر لعذر ثم زال عذره[باب - 7 -] في صوم يوم الشك ويوم الفطر والأضحى وفطر المتطوع والتباس الشهور[باب - 8 -] في صيام الجنب والحائض والمغمى عليه والمجنون والصبيان[باب -9 -] في من أفطر ناسيًا أو متأولاً أو مكرهًا[باب -10 -] في صيام الحامل والمرضع والكبير والمريض وذات الزوج[باب -11 -] في قضاء رمضان في العشر أو غيره. ومن فرط في قضائه أو مات وعليه صيامه فأوصى أن يطعم عنه وشيء من التبدأة في الوصايا[باب -12 -] جامع في صوم النذر المعين وغير المعين والمتتابع وغير ذلك[باب-13] في الكفارة في رمضان وما يوجبها من وطء أو إفطار[باب -14] في من أفطر في قضاء رمضان أو صام رمضان قضاء عن رمضان عليه[باب -15 -] ما جاء في قيام رمضان
كتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل