الجامع لمسائل المدونةكتاب كراء الدور والأرضين
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب كراء الدور والأرضين

[الباب الأول]

فيمن اكترى دارا أو أرضا وفيها نخل فاشترط ثمرها

] الفصل 1 - فيما يتبع الدار والأرض المكتراة من ثمر الشجر الموجود فيها قبل الكراء [ قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا أو أرضا، وفيها سدرة أو دالية، أو كان في الأرض نبذ من نخل أو شجر، ولا ثمرة فيها حينئذ، أو فيها ثمرة لم تزه، فالثمرة للمكري، إلا أنه إن اشترط المكتري ثمرة فإن كانت تبعا مثل الثلث فأقل فذلك جائز.
وبلغني توقيت الثلث عن مالك، فأما في سؤالي إياه فلم يبلغ به الثلث، ومعرفة ذلك أن يقوم كراء الأرض أو الدار من دون شرط الثمرة.
فإن قيل: عشرة.
قيل: فما قيمة الثمرة فيما عرف مما تطعم كل عام بعد طرح قيمة العمل والمؤنة؟ فيعلم الوسط من ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 137

فإن قيل: خمسة فأقل، جاز ذلك.
ابن المواز قال أصبغ: وهذا إذا علم أن الثمرة تطيب قبل انقضاء مدة الكراء، وإلا لم يجز أن يعقداه.
م/: وإنما يصح هذا التقويم إذا لم يكن في الشجرة ثمرة، فأما إن كان فيها ثمرة مأبورة قد صحّ عقدها، فإنما تقوم هذه الثمرة المأبورة التي فيها يوم عقد الكراء إذا طابت، فينظر قيمتها بعد إلغاء ما بقي من مؤونتها، فإن كانت تبعا لكراء الأرض أو الدار بغير شرط الثمرة جاز، وإلا لم يجز.

الجزء: 16 - الصفحة: 138

م/ وإنما أجيز ذلك للضرورة التي تدخل على المكتري في دخول رب الدار لإصلاح الثمرة وجذاذها، كما أجيز شراء العريَة بخرصها تمرا؛ لدخول المعري لإصلاح العرية وجذاذها، وكذلك هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: وإذا اكترى الدار سنين، فكانت الثمرة في بعض السنين تبعا، وفي بعضها ليست بتبع، إلا أنها إذا أضيفت جملتها إلى جملة الكراء كانت تبعا، فالأشبه أن لا يجوز.
وينبغي إذا اكتريت سنين أن ينظر إلى ثمرة كل سنة، فإن كانت تبعا جاز، وإلا لم يجز، كما لو اكترى دورا في صفقة واحدة، وفي إحداها ثمرة ليست بتبع، أو اكترى دارًا، أو اشترى عرضا في صفقة، وفي الدار ثمرة غير تبع، إلا أنها تبع إذا أضيفت إلى كراء الدور، أو العروض، كانت الثمرة تبعا للجميع أن لا يجوز، فكذلك حكم الثمرة في كراء الدار سنين، لا ينظر هل هي تبع إلا لكل سنة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وهذا كالمساقاة، فإذا كان معها بياض قدر الثلث فأدنى، في قيمة كرائه من قيمة الثمرة على عرف نباتها، بعد إلغاء قيمة مؤونتها جازت المساقاة، وإن كانت قيمة كراء البياض أكثر من الثلث لم يجز جمعها في صفقة واحدة.

الجزء: 16 - الصفحة: 139

[الفصل 2 - اشتراط المكتري الثمرة إذا كانت أكثر من ثلث الكراء] قال ابن القاسم: وكذلك إذا كانت الثمرة التي في الدار أكثر من الثلث لم يجز للمكتري أن يشترطها إذا كانت غير مزهية، فإن وقع ذلك فالثمرة لرب الدار والأرض، وللمكتري أجر ما سقى وعالج، وعليه قيمة كراء الدار والأرض بلا ثمرة إن كان قد سكن أو زرع.
م/: يريد: وكذلك لو قبض الدار أو الأرض فلم يسكن ولم يزرع حتى انقضت المدة المكتراة، وكان هو الذي ترك ذلك فعليه قيمة كرائها.
قال ابن القاسم: ولو كانت الثمرة مزهية جاز للمكتري اشتراط جميعها وإن جاوزت الثلث؛ لجواز بيعها مفردة.
م/: يريد: ثمرة ذلك العام فقط.
قال: ومن اكترى وفيها زرع، أو بقل لم يطب، فاشترطه، فإن كان تافهاً جاز، ولا أبلغ بهذا الثلث.
قال: وإذا كانت الثمرة التي في الأرض أو الدار تبعا فاشترط المكتري نصفها لم يجز، وإنما جاز إذا كانت تبعا أن تلغى بالسنة، فإذا اشترط نصفها صار ذلك كبيع ثمرة قبل زهوها.

الجزء: 16 - الصفحة: 140

قال: وكذلك حلية السيف، ومال العبد، وأجاز ذلك كله أشهب اعتبارا باستثناء الجميع.
قال ابن القاسم: وإنما جاز في المساقاة اشتراط ما خرج من البياض بينهما؛ لأن العمل والزريعة من عند العامل.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن كانت الثمرة في كراء الأرض أكثر من الثلث فاشترط منها الثلث فأقل لم يجز.
م/: وينبغي على قول أشهب أن يجوز ذلك.
والله أعلم.
] الفصل 3 - في الدار المكتراة تنهدم قبل نهاية الأمد وفيها نخلة قد اشترط المكتري ثمرتها [ قال يحيى بن عمر فيمن اكترى داراً سنة، وفيها نخلة فاشترط ثمرتها وهي دون الثلث، فانهدمت الدار في نصف السنة، وقد طابت الثمرة، فإنه ينظر إلى قيمة ما سكن خاصة، وقيمة الثمرة على المتعارف منها كل عام، فإن كانت الثمرة من ذلك الثلث فأدنى كانت الثمرة للمكتري، وإن كانت الثمرة أكثر كانت لرب الدار، وفسد فيها البيع، فإن جذها المكتري رطبا رد قيمتها، وإن جذها تمرا رد مثلها.
وإن انهدمت الدار، والثمرة لم تطب، فلابد من ردها لرب الدار كانت تبعا لما سكن أو غير تبع.

الجزء: 16 - الصفحة: 141

قال ابن المواز: إذا كانت قدر ثلث الصفقة أولا ثم انهدمت الدار بعد نصف المدة فلابد أن يرد الثمرة بحصتها من الثمن، طابت الآن أو لم تطب، ويكون على المكتري نصف ما وقع على الدار دون الثمرة من الكراء.
م/ وهذا كقول يحيي بن عمر.
وروى العتبي عن أبي زيد عن ابن القاسم إذا كانت قدر ثلث الصفقة يوم العقد، ثم انهدمت الدار في نصف المدة، فإن كانت الثمرة قد طابت كانت للمكتري، وعليه ثلُثَا الكراء، وإن لم تطب كانت لرب الدار، وكان له ثلث الكراء يريد: إن استوت قيمة أكريه الشهور.
وقال بعض فقهاء القرويين: وكان يجب على هذا أن تكون الثمرة للمكتري وإن لم تطب؛ لأن أصل العقد لم تكن فيه تهمة لكونها الثلث، فلا اعتبار بطريان الهدم.
وقاله في كتاب ابن حبيب.
] الفصل 4 - في مكتري الدار يطلب الإقالة، وفي الدار ثمرة قد اشترطها ولم تطب بعدُ [ قال ابن القاسم: وإن استقالة فأقاله، وقد نقد أو لم ينقد، ولم تطب الثمرة فينظر، فإن كانت الثمرة تبعا للستة أشهر الباقية، فالإقالة جائزة؛ لأنّه يصير كابتداء كراء من

الجزء: 16 - الصفحة: 142

المكتري، وإن كانت الثمرة قد طابت فليصنعا ما أحبا، نقد أو لم ينقد.
م/: ثم رجع ابن القاسم فقال: إنما هذا ما لم ينقد، فإن نقد كان بيعا وسلفا، وإن أبقى المكتري الثمرة لنفسه، فإن كانت قد طابت نظرت، فإن كانت تبعا للستة الأشهر الماضية جاز على القولين، وإن لم تكن تبعا لما مضى، فلا يجوز على رواية يحيي، ويحتمل أن يجوز على رواية أبي زيد عن ابن القاسم، كما قال في الهدم؛ إذ هي تبع في أصل العقد.
ويحتمل أن يفرق بين الإقالة والهدم؛ لأن الهدم أمر طارئ، والإقالة هما أحدثاها بالتراضي، فتدخله التهمة في بيع الثمر قبل بدو صلاحه، كما دخله التهمة في النقد أن يكون بيعا وسلفا.
وأما إن لم تطب الثمرة فلا يجوز أن تبقى للمكتري، كانت تبعا لما مضى، أو لم تكن تبعاً.
وذكر ابن حبيب مثل رواية أبي زيد أولا.
] الفصل 5 - في استحقاق الدار دون موضع الشجرة التي اشترط المكتري ثمرتها [ قال ابن حبيب: ولو استحقت الدار إلا موضع الشجرة، وذلك بعد ستة أشهر، رجعت الثمرة لربِّ الدار - يريد المكري - طابت أو لم تطب، جذت أو لم تجذ؛ لأنه ضمها إلى ما لم يملكه.
م/: إنما يصح هذا إذا كان المكري غاصبا، وأما إن كان مشتريا حتى يكون له كراء

الجزء: 16 - الصفحة: 143

ما مضى، فإن كانت الثمرة قد طابت، وكانت تبعا لكراء ما مضى فهي للمكتري.
والله أعلم.
وفي كتاب محمد: في استحقاق الأرض دون الزرع بعد يبس الزرع أن الزرع يمضي للمشتري بما ينوبه من الثمن.
م/: وهذا كان ينبغي أن يفسخ البيع في الزرع؛ لأنه ضمه إلى أرض لا يملكها، والمكري ضمه إلى كراء قد ملكه، فانظره.

الجزء: 16 - الصفحة: 144

[الباب الثاني]

ما يحل ويحرم في كراء الدور والحمامات من عقد وشرط، وكيف إن استحق بعض الكراء أو وُجد به عيب

] الفصل -1 - في اشتراط المكتري كنس المراحيض والتراب وغسالة الحمام ونحو ذلك على المكري [ قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً، أو حمّاماً، واشترط كنس المراحيض، والتراب، وغسالة الحمام على المكري جاز؛ لأنه وجه قد عُرف.
م/: قيل: معنى ذلك في كنس ما يكون بعد عقد الكراء، وأما ما كان يوم العقد في المراحيض فهو على المكري شرط عليه أم لا، كما لو كان في أحد البيوت المكتراة شيء فإن عليه إزالته وتفريغ البيت للمكتري، فكذلك المرحاض.
قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فعلى ربها مرمتها وكنس المرحاض وإصلاح

الجزء: 16 - الصفحة: 145

مائها وما وهى من الجدرات والبيوت.
م/: لعله يريد: في المرمة والإصلاح الخفيف، فهو بخلاف الهدم والإصلاح الكثير، أو يريد أنه عليه، ولا يجبر عليه إنْ أبَاهُ؛ لأنّه قال في باب بعد هذا: إذا هطل البيت لم يجبر رب الدار على الطر، وللمكتري الخروج في الضرر البين، إلا أن يطرها ربها، فكذلك هذا.
وقوله ههنا: وعلى ربها كنس المرحاض لعله يريد ما كان فيه قديما؛ لأن ظاهر كلامه في المسألة الأولى أن الكنس على المكتري، إلا أن يشترطه على رب الدار.
وكذلك عنه في غير المدونة، فإذا جعلت القديم على رب الدار، والجديد على المكتري اتفق الجوابان، وإلا كان ذلك تناقضا، وهذا كله ما لم يكن عرفاً أو شرطا فيحملان عليه.
وقال ابن حبيب عن ابن القاسم: يقضى بكناسة الدار على المكتري.
وكذلك روى عنه أبو زيد في العتبية.
قال: إلا في دور الفنادق، فإن كنسها على المكري.

الجزء: 16 - الصفحة: 146

قال ابن حبيب: وإن كانت سنة البلد أنّ كنس المرحاض على رب الدار، فاشترط رب الدار على المكتري كنسه، فابن القاسم يقول ذلك جائز.
وقال ابن حبيب: أما في مرحاض نقي فجائز، وإن تقدمت فيه رحاضة فذلك مجهول؛ لأنه لا يدري مبلغه.
م/: يريد: إلا أن يعلم مبلغه بالمشاهدة أو بصفة تقوم مقامها فيجوز.
] مسألة: في اشتراط المرمة على المكتري في الدار والحمام [ ومن المدونة قال مالك ومن اكترى دارا أو حماما على أن ما احتاجا إليه من مرمة رمَّها المكتري، فإن شرط أن ذلك من الكراء جاز، وإن شرط أن ما عجز عنه المكري أنفقه الساكن من عنده لم يجز.
ولا يجوز أن يشترط أنّ عليه ما احتاجت الدار من يسير مرمة، أو كسر خشبة إلا أن يكون ذلك من كرائها.

الجزء: 16 - الصفحة: 147

[الفصل -2 - فيمن اكترى حماما واشترط أنّ عليه لربه ما احتاج أهله من نورة أو حميم] قال ابن القاسم: ومن اكترى حماما على أن عليه لربه ما احتاج أهله من نورة أو حميم لم يجز، حتى يشترط شيئا معروفاً.
وقال ابن حبيب: ذلك جائز إذا عرف ناحية عيال الرجل، وكثرته من قلته، وعلم عدتهم.
وقد أجازه مالك، وأجاز أن يواجب الخياط على خياطة ما يحتاج إليه هو أو أهله من الثياب في السنة، أو الفرَّان على خبز ما يحتاج له من الخبز سنة أو شهرا، إذا عرف عيال الرجل، وما يحتاجون إليه من ذلك.
م/: وهذا معروف؛ لأن الأكل لابد منه، ومقدار أكل الناس معروف، والخياطة قريب منه.
وأما دخول الحمام فيمكن أن يدخل كل يوم، أو في الشهر مرة، والنورة يمكن أن تعمل في الشهر مرة، أو مرتين في شهر، فلا يجوز في ذلك إلا على أمر معروف، كما قال ابن القاسم، وهو الصواب إن شاء الله.
] الفصل -3 - فيمن اكترى دارا على أنّ عليه تطيينها [ ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا على أن عليه تطيين البيوت جاز إذا سمى تطيينها مرة أو مرتين في السنة، أو في كل سنتين مرة؛ لأنه معلوم.

الجزء: 16 - الصفحة: 148

وأما إذا قال: كلما احتاجت طينتها، فهذا مجهول لا يجوز.
ومن اكترى حمامين أو حانوتين في صفقة، فانهدم أحدهما، فإن كان ما أنهدم وجه ما اكترى رد الجميع، وإن لم يكن وجهه لزمه الباقي بحصته من الكراء.
فصل] 4 - في إجارة نصف العبد أو نصف الدابة أو كراء نصف الدار وهل في ذلك شفعة؟ [ قال: وتجوز إجارة نصف عبد أو نصف دابة ليكون للمستأجر يوم، وللذي له النصف الآخر يوم، كالبيع.
وما جاز لك بيعه من ثمرتك جاز لك الإجارة به، وكل ما يكال أو يوزن أو يعد، وما لا يعرف بعينه يجوز أن يكترى به ولا يجوز أن يكرى.
ولا بأس بكراء نصف دار، أو سدسها، أو جزء شائع، قَلّ أو كثر منها، كالشراء.
وإذا اكترى رجلان دارا بينهما فلأحدهما أن يكرى حصته.
قال مالك: ولا شفعة فيها لشريكه بخلاف البيع.
م/: وابن المواز وأشهب يرى أن له فيه الشفعة، وبقولهما أقول.

الجزء: 16 - الصفحة: 149

[مسألة: في كراء الدار أو بيعها واستثناء بعض ذلك] قال ابن القاسم: ومن أكرى مساكن له، واستثنى ربعها بربع الكراء، أو بغير كراء جاز ذلك، وكذلك من باع داره واستثنى ثلاثة أرباعها، فإنه جائز؛ لأنه إنما باع ربعها، ولا ينظر إلى لفظهما إذا صح الفعل بينهما.
فصل]-5 - في كون الكراء منفعة دار أخرى أو ثوب أو عبد ونحو ذلك [ ومن استأجر داراً سنةً بسكنى دار له أخرى جاز ذلك، ومن اكترى دارا أو أرضا بثوب أو بعبد مضمون بغير صفة أو بصفة، ولو يضرب له أجلا لم يجز، فإن سكن أو زرع فعليه كراء المثل.
وإن أكريت دارك بعبد بعينه على أن تقبضه فمات بيد المكتري فهو منك والكراء يلزمك، كالبيع.
م/: أعرفه خلاف قول محمد.
ولو كان بثوب بعينه في بيت المكتري، وقد وصفه، ثم ذكر أنه هلك، كان منه، وانتقض الكراء باقي المدة، ولك فيما سكن كراء المثل.
وكذلك لو قبضته فاستحق أو

الجزء: 16 - الصفحة: 150

رددته بعيب بعد أن سكن نصف المدة فعليه فيما سكن كراء المثل.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: ولم يذكر هل له تضمينه قيمة الثوب أم لا.
وقد ذكر محمد نحو هذا التضمين في مسألة الثوب الذي ادعى من أسلمه في طعام ضياعه، ولم يتركه وديعة أنه بالخيار، إن شاء فسخ السلم، وإن شاء ضمنه قيمته، فكذلك هذا.
وقد يقول ابن القاسم: إن العداء لما لم يتحقق كانت يمينه أوجبت الفسخ، ولم يغرمه قيمته.
] الفصل 6 - في الكراء يكون ثوباً فيُسْتَحَقُّ أو يجد به المكري عيباً [ ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس لك إذا وجدت العيب في الثوب أن تحبسه، وتأخذ قيمة العيب، وإنما لك حبسه معيباً، ولا ترجع بشيء، أو تردّه، ويكون كما وصفنا، ولو كان العيب خفيفا لا ينقص ثمن الثوب لم يكن لك رده، وإن كان عند الناس

الجزء: 16 - الصفحة: 151

عيباً.
ولو اطلعت على العيب بعد أن بعت الثوب لم ترجع بقيمته، أي بقيمة عيبه، وأما إن تصدقت به أو وهبته أو لبسته أو هلك ثم اطلعت على العيب فلك الرجوع بحصة قيمة العيب، وينتقض من الكراء بقدر حصة العيب؛ لأنه ثمنه.
قال أبو إسحق البرقي: فيما سكن، وفيما لم يسكن، وكذلك في استحقاق جزء منه.
قال ابن حبيب: وتفسير ذلك: أن يقوّم الثوب صحيحا ثم معيبا، فإن نقصه العيب الخمس، فإن لم يسكن المكتري رجع عليه بخمس السكنى، ولهما قسمته بالتراضي، أو بمقاواة، وإن كان العيب ينقصه كثيرا مما يضر بالمكترى إذا رجع عليه في السكنى فهو مخير، إن شاء على ذلك، وإن شاء ردها، ورجع بقيمة ثوبه معيبا، وإن قام بذلك وقد سكن نصف السنة، والعيب ينقصه الخمس، رجع رب الدار بخمس سكنى ما بقى من السنة، وخمس كراء الستة الأشهر الماضية.
وإن كان العيب كثيرا كما قلنا، فإن أحب المكتري سكن فيما بقى مع رب الدار

الجزء: 16 - الصفحة: 152

بحصته، وإلا ردّه، وكان على المكري للساكن قيمة ثوبه معيبا يوم قبضه، وأخذ منه قيمة كراء ستة أشهر ماضية، وإن قام عليه وقد سكن المكتري جميع السنة فإنه يرجع عليه بحصة العيب، قَلّ أو كَثُرَ، فيأخذ قيمة ما قابله من سكنى الدار ما بلغ.
وقاله أصبغ وغيره.
قال أبو محمد: كلام ابن حبيب هذا حسن، إلا قوله إذا سكن نصف السنة والعيب كثير يضر به أن يسكن معه من أجله في بقية السكنى، فاختار رد بقية السكنى، أنه يغرم قيمة كراء ما سكن، ويأخذ قيمة ثوبه، فليس هذا أصلهم بل يرجع بقيمة نصف ثوبه معيبا فيما رد من السكنى، ويغرم قيمة كراء ما وقع لنصف العيب في جميع الأشهر التي سكن.
م/: كما كان يرجع بقيمة كراء ما يخص جميع العيب إذا سكن جميع السنة، فكذلك يرجع بنصف ذلك إذا سكن نصف السنة، وهذا الذي يلزم على أصله.
وأما على أصل ابن القاسم في العيوب إذا قام عليه، وقد سكن نصف السنة، وهو إن رجع عليه بحصة العيب في بقية السكنى أضر به، فإنه يرجع عليه بجميع قيمة العيب

الجزء: 16 - الصفحة: 153

من قيمة السكنى لما سكن ولما لم يسكن، ويصير حكمه كما لو سكن السنة كلها، وذلك لضرر الشركة، كما قال فيمن باع عبدا بثوبين فهلك عنده أرفعهما، ووجد بالأدنى عيبا فإنه يرده، ويرجع في قيمة العبد، لا في عينه.
وعلى قول أشهبَ الذي لا يراعي ضرر الشركة، يرجع عليه ههنا في السكنى وإن أضر به، وللساكن أن يرد بقية السكنى لما دخل عليه من الضرر، كالاستحقاق، فإذا رجع بنصف قيمة ثوبه معيباً؛ لفواته، وكان عليه فيما سكن نصف ما يخص العيب من قيمة ما سكن، إن كان العيب ينقصه الخمس رجع عليه بقيمة خمس ما سكن، ولا يختلفون في هذا.

الجزء: 16 - الصفحة: 154

[الباب الثالث]

في كراء الدار مشاهرةً أو مساناةً وما لأحدهما فيه من الترك

] الفصل -1 - في عقد الكراء الذي لا يعين العاقدان بدايته ولا نهايته [ قال مالك: ومن قال لرجل: اكتري منك دارك، أو حانوتك، أو أرضك، أو غلامك، أو دابتك في كل شهر، أو في كل سنة بكذا، أو كل شهر، أو كل سنة بكذا، أو قال: في الشهر، أو في السنة، أو الشهر، أو السنة فلا يقع الكراء على تعيين، وليس بعقد لازم، ولرب الدار أن يخرجه متى شاء، وللمكتري أن يخرج متى شاء، ويلزمه فيما سكن حصته من الكراء.
م/: وكأنه في ذلك كله قال: أكريك من حساب الشهر، أو من حساب السنة بكذا، هذا موضع هذه الألفاظ، إلا أن ينقده في ذلك كله كراء شهر، أو سنة، فإنه يلزمه تمام ذلك كله.
وقال ابن حبيب: إذا قال: أكريك في كل شهر، أو كل شهر، أو الشهر بكذا،

الجزء: 16 - الصفحة: 155

فالشهر الأول في هذا لازم لهما، وما زاد عليه فلكل واحد منهما أن يخرج متى شاء، إلا أن يكون شرط ألا يخرجه، أو ينقده جميع الكراء، ويلزمه تمام المدة.
وقاله مطرف وابن الماجشون، وروياه عن مالك.
م/: والصواب رواية ابن القاسم.
وهذا استحسان ليس بالقوي.
] الفصل -2 - إذا عين المتكاريان وقت نهاية مدة الكراء لزم العقد [ ومن المدونة: وإن اكترى منه سنةً بعينها، أو شهراً بعينه، فلا يكون لأحدهما فسخه إلا أن يتراضيا جميعا.
قال ابن حبيب: وكذلك لو قال: سنة، أو شهراً، أو هذه السنة، أو هذا الشهر، أو إلى سنة كذا، أو إلى شهر كذا، فهذا كله وجيبه لازمة، إلا أن يشترط الخروج متى شاء فيلزمهما ذلك، ولا يجوز حينئذ فيه النقد، ويجوز في الأول النقد والتأخير.
ولم يختلف في هذا قول مالك وأصحابه.

الجزء: 16 - الصفحة: 156

[الفصل -3 - فيمن اكترى داراً مدة ولم يبيّن متى يسكن، أو أسكن معه غيره من غير ضرر جاز] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا سنة، أو سنتين، ولم يسم متى يسكن جاز، وسكن، أو يسكن غيره متى شاء ما لم يأت من ذلك ضرر بين على الدار.
يريد ضررا في السكنى.
قال مالك في المختصر الكبير: وإن أغلقها المكتري، وخرج فذلك له، وليس لصاحب الدار أن يقول: تخربها عليّ.
] الفصل -4 - إذا تعاقدَا سنة أو شهراً فتحسب من يوم التعاقد، فإن كان العقد من أول الشهر فينتهي بطلوع الهلال، وإن كان في أثنائه فيحسب ثلاثون يوماً [ قال ابن القاسم في كتاب المدبر: والسنة محسوبة من يوم التعاقد، كما لو قال: هذه السنة بعينها.
ومن كراء الدور قال مالك: من أكرى دارا في رأس الهلال كل شهر بكذا، فكان الشهر تسعة وعشرين يوماً، فله كراء الشهر كاملا.
قال: ومن اكترى دارا سنة بعدما مضى من الشهر عشرة أيام، حسب أحد عشر شهرا بالأهلة، وشهرا على تمام هذا الشهر ثلاثين يوماً، كالعدد والأيمان.

الجزء: 16 - الصفحة: 157

[الفصل -5 - فيمن اكترى داراً مدة معلومة، ومنع من سكناها بعض تلك المدة فيسقط من الكراء حصة المدة التي منع منها] قال: ومن اكترى دارا ثلاث سنين، فمنعه ربها من سكناها سنة، فخاصمه بعدها، فإنما يقضى للمكتري بسكنى سنتين، ثم عليه كراؤهما فقط، كالعبد يأبق أو يمرض في الإجارة، فليس عليه قضاء ذلك.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: وينبغي إذا غلبه رب الدار ومنعه من قبض الدار أن يكون للمكتري أن يغرمه كراء مثل الدار تلك السنة التي حبسها، أو يسقط عن نفسه حصتها من الكراء؛ لأن بالعقد وجبت للمكتري، فكأن المكري سكن دار المكتري تعدياً، فوجب عليه غرم كرائها، كعروض باعها واستهلك بعضها.
] الفصل -6 - في لزوم الكراء للمكتري إذا مُكّنَ من الدار وتركها [ ولو مكنه رب الدار منها فتركها المكتري سنة، فإن لم يكن رب الدار فيها، أو ساكن له، أو شاغل فجميع الكراء لازم للمكتري، كمن اكترى إبلا أو دواب فأتاه

الجزء: 16 - الصفحة: 158

بها ربها فأبى أن يركبها أن عليه جميع الكراء.
وإن اكتريت من رجل داراً هو فيها فبقي في طائفة منها لم يخرج، وسكنت أنت طائفة لم يجب عليك إلا حصة ما سكنت، وكذلك لو سكن أجنبي طائفة من دارك وقد علمت به فلم تخرجه لزمه كراء ما سكن.
م/: وهذه مثل الأولى؛ لأن بالعقد وجبت للمكتري، فله أن يغرم المكري قيمة ما سكن كمن سكن داره، أو يلزمه حصة ذلك من الكراء، كعرض باعه فاستهلك نصفه، فله أن يغرمه قيمة ما استهلك، أو يحسبه عليه بنصف الثمن؛ لأنّه إنما قبض منه نصف ما اشترى منه.
] الفصل -7 - فيمن استأجر بيتاً شهراً بدنانيرَ معلومة على أنّه إن سكن منه يوما واحدا لزمه كراء الشهر [ قال ابن القاسم: ومن استأجر بيتا بعشرة دنانير شهرا على أنه إن سكن منه يوما واحدا فالكراء له لازم جاز، إذا كان له أن يسكن البيت بقية الشهر، أو يكريه إذا

الجزء: 16 - الصفحة: 159

خرج، وإلا لم يجز.
م/: قال بعض فقهائنا القرويين: ظاهر هذا العقد أنه جائز وأنه بالخيار ما لم يسكن، فإذا سكن انعقد الكراء في شهر، فإذا أراد إن سكنت فالكراء لي لازم، وليس لي أن أكري من غيري، كان هذا من بيع الشروط التي يبيع منه على ألا يبيع ولا يهب، فعلى هذا لو أسقطوا الشرط على أحد القولين تم البيع، أي الكراء، وأما إن شرط إن خرجت عاد المسكن إلى المكري، وعليه جملة الكراء، فهذا فاسد لابد من فسخه؛ لأنّه غرر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولمن أكرى داره أن يأخذ كراء كل يوم يمضي إلا أن يكون بينهما شرط فيحملان عليه من نقد الكراء أو تأخيره، فإن لم يكن شرط، وكانت سنة البلد النقد فيقضي به.
ابن المواز: وإن اكترى داراً سنة باثني عشر دينارا، فنقده دينارا، وسكن شهرا فطلب رب الدار كراء الشهر، وتأخير الدينار إلى آخر السنة، وطلب الساكن أن يجعله لأول شهر، فإنه يقسم الدينار على شهور السنة، ثم يوفيه ما بقي من الشهر الأول، ثم كذلك كلما سكن، وكذلك لو شرط عليه نقد أربعة أشهر فنقده، فلما مضت أربعة أشهر طلبه

الجزء: 16 - الصفحة: 160

رب الدار بكراء ما مضى، وقال الساكن: قد نقدتك أربعة، وهي كراء ما سكنت، فإن الأربعة تقسم على السنة كلها، فيقع لكل شهر منها ثلث، ويوفيه الساكن ثلثي دينار لكل شهر مضى، ثم كلما مضى شهر دفع إليه ثلثي دينار.
ولو شرط نقد أربعة دنانير بعد أربعة أشهر، ثم اختلفا بعد حلولها فهذا تكون الأربعة لما سكن.
ولو شرط نقد أربعة أول السنة، ونقد أربعة أخرى بعد أربعة أشهر، فنقده الأولى ثم الثانية، ثم اختلفا، فالأربعة الأولى تقسم على السنة كلها، ثم يتم من الأربعة الثانية كراء الأربعة الأشهر الماضية، وذلك ثلاثة إلا ثلث، ويبقى دينار وثلث يقسم على الثمانية الأشهر الباقية، فيقع لكل شهر سدس مع ثلث متقدم.
فذلك نصف مقبوض من كل شهر، فكلما مضى شهر ودا نصف دينار.
فصل]-8 - موت المكري أو المكتري وما يجب على ورثة كل منهما [ ومن المدونة قال ابن شهاب: ومن مات بعد أن أكرى داراً عشر سنين فليس للورثة إخراج المكتري إلا برضاه، ولهم بيعها على أن للمكتري سكناه.
وقاله مالك في كتاب محمد: وقد قيل إنما يجوز إذا كان باقي السنين يسيرة، مثل السنة والسنتين وشبه ذلك، فأما إذا كانت كثيرة فقد كرهه مالك، وقال: لا يدري

الجزء: 16 - الصفحة: 161

المشتري كيف ترجع إليه؛ لأن البناء يتغير.
ومن المدونة قال ابن شهاب: وإن مات المكتري وقد سكن، أو لم يسكن، لزم ورثته الكراء في تركته.

الجزء: 16 - الصفحة: 162

[الباب الرابع]

فيمن اكترى دارا هل يكريها من غيره أو يعمل فيها ما شاء والتعدي في ذلك

] الفصل -1 - في المكتري يكري ما اكتراه من دار أو حانوت [ والقضاء أن المكتري ملك المنافع باكترائه كما ملك المبتاع الدار بابتياعه ما لم ينتفع المكتري بما فيه ضرر، أو خروج عن المتعارف.
وقال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فله أن يكريها من مثله بأكثر من الكراء أو أقل، ومن اكترى حانوتاً للقصارة فله كراؤه من حداد، أو طحان، أو غيره، إلا أن يكون ذلك أكثر ضرراً بالبنيان فيمنع، وله ذلك في المساوي، ومن اكترى دارا فله أن يدخل فيها ما شاء من الأمتعة والدواب، وينصب فيها الحدادين والقصارين والأرحية ما لم يكن ضررا على الدار، أو تكون دارا لا ينصب ذلك في مثلها؛ لارتفاعها، ويمنع مما يتعارف منعه.

الجزء: 16 - الصفحة: 163

[الفصل -2 - فيمن اكترى بيتا وشرط ألا يسكن معه غيره] ومن اكترى بيتا وشرط ألا يسكن معه غيره، فتزوج أو اشترى رقيقا فإن لم يكن في سكناهم ضرر على رب البيت لم يكن له منعه، وإن كان في سكناهم ضرر فله منعه، وقد تكون غرفة ضعيفة الخشب ونحوه فينظر في ذلك.
قال بعض فقهائنا القرويين: جعل شرطه إذا كان لا فائدة فيه ساقطا، ويتم الكراء.
فما الفرق بين هذا وبين من باع على أن لا يبيع ولا يهب؟ فيجعل البيع ههنا فاسداً.
م/: أما هذا فقد يكون إنما شرط عليه ألا يبيع ولا يهب خوفا أن يملك ملكه عَدُوٌّ لَهُ، فإن أنت أبطلت شرطه أبطلت غرضه، وما من أجله وضع من الثمن، وإن أبقيت شرطه لم يملك المبتاع ما ابتاع ملكا تاما فوجب فسخ بيعه، والمكري كأنه إنما شرط عليه ألا يدخل غيره عليه ضررا في داره فمتى لم يدخله عليه لم تكن له حجة.

الجزء: 16 - الصفحة: 164

[الفصل -3 - في كراء الحانوت لا يسمي ما يعمل فيه] قال في باب بعد هذا: ولا بأس بكراء حانوت لا يسمي ما يعمل فيه، وله أن يعمل فيه حدادا، أو قصارا، أو طحانا، إذ لم يضر ذلك بالبنيان، وإن كان ذلك فيه ضرر على البنيان، أو فساد للحانوت لم يكن له أن يعمله، وإن شرط المكتري على رب الحانوت أن يعمل في الحانوت ما ذكرنا، وفيه ضرر على الحانوت لزم ذلك ربه.
ومن أكرى حانوته من رجل، فإذا هو حداد أو قصار، ولا ضرر في عمله على البنيان إلا أنه يقذر الحانوت، وكره رب الحانوت تقذيره فله منعه؛ لأن فيه ضرراً عليه.
وقال غيره: إذا كانت الأعمال يتفاوت ضررها، وأكريتها، لم يجز كراؤها إلا على شيء معروف يعمل فيه، فإن لم يختلف فلا بأس به.
ولم يجز ابن القاسم في كتاب كراء الدواب كراء الدابة حتى يسميَ ما يحمل عليها؛ لتفاوت ضرر الحمل.
قال بعض فقهاء القرويين: إذا كان الحانوت في سوق قد عرف بشيء يعمل فيه فعلى ذلك دخل المكتري والمكري، والكراء جائز على عمل أهل ذلك السوق، أو غيره مما لا يضر بالحانوت، فإن عمل ما لا يعمل أهل ذلك السوق، وذلك يضر بالحانوت ويقذره منع من ذلك.
وأما لو كان في موضع يعمل فيه أشياء مختلفة، بعضها أضر من بعض، واكترى كراء،

الجزء: 16 - الصفحة: 165

لم يجز حتى يبين في العقد ما يعمل فيه، وهذا الذي أراد الغير.
فصل]-4 - في الرجل يتخذ في الدار المكتراه تنورا فتحترق منه الدار ودور جيرانه [ قال ابن القاسم: إذا اتخذ مكتري الدار فيها تنورا حيث يجوز له فاحترقت منه الدار وبيوت جيرانه لم يضمن.
م/: لأنّه عنده غير متعد، وأما إن كانت دارا لا يعمل ذلك فيها؛ لأنه يقذرها، ولا جرت العادة بعمل ذلك فيما هو مثلها ضمن.
قال ابن القاسم: ولو شرط عليه ربها ألا يوقد فيها نارا، فأوقد المكتري فيها نارا لخبزه فاحترقت الدار ضمن.
قال بعض شيوخنا القرويين: وكذلك لو احترقت دور جيرانه لضمن؛ لأنه فعل ما لا يجوز له، فصار متعديا بمخالفته ما شرط عليه، وإن كان مما يجوز له فعله لولا الشرط الذي شرط عليه.
وهذا كالذي يحفر في داره بئرا للسارق فإنه يضمن ما سقط فيه من سارق وغيره، وإن كان حفره للبئر جائزا في داره، لكنه لما فعله للسارق ضمن السارق وغيره؛ لأنه فَعَلَه

الجزء: 16 - الصفحة: 166

لما لا يجوز له.
] الفصل -5 - في المكتري يفعل ما يجوز له فعله في الشيء المكتري ثمّ ينشأ بعد ذلك ضرر لغيره، فهل يضمن؟ [ ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى دارا فأكراها المكتري لغيره فهدمها الثاني، ضمن الثاني لربها، ولا شيء على الأول؛ لأنه فعل ما لا يجوز له فعله.
ومن اكترى داراً فربط فيها دابة حيث يجوز له، فرمحت، فكسرت حائطاً في الدار، أو قتلت ابن رب الدار، وهو معه ساكن في الدار فلا شيء عليه.
وكذلك قال مالك فيمن أتى إلى حانوته فنزل عن دابته، وأوقفها في الطريق ليشتري حاجته فقتلت إنسانا أنه لا يضمن؛ لأنه فعل ما يجوز له، وكذلك كان لو نزل عنها بباب المسجد أو باب الأمير.

الجزء: 16 - الصفحة: 167

[الباب الخامس]

فيمن أكرى داره ممن يبيع فيها الخمر أو يظهر الدعارة والفسق

] الفصل -1 - في كراء الدار والحانوت والدابة ممن يستخدمها لبيع الخمر ونحوه من المحرمات [ قال ابن القاسم: وأكره للمسلم أن يكري داره أو حانوته من ذمي يبيع فيها خمراً أو خنازير، أو يكري دابته ليحمل عليها ذلك، أو ممن يعلم أنه يريدها لذلك، فإن فعل فالكراء فاسد، يفسخ متى ما عثر عليه، فإن فات بالسكنى فلا يعطي من الإجارة شيئا لا ما سميا ولا أجر مثله، وتؤخذ منه الإجارة إن قبضها، أو من المكتري إن لم يقبضها، فيتصدق بها أدبا له.
قاله ابن القاسم في كتاب الإجارة.
وقال في كتاب الأكرية: وإن لم يعلم أنه يفعل ذلك فيها، ولم يقع الكراء بينهما على بيع ذلك فيها جاز كراؤه من كتابي أو مجوسي، فإن فعل ذلك فيها فله منعه منه، كان في قرية أو مدينة، ولا يفسخ الكراء، وكذلك إن اتخذ في الدار كنيسة يصلي فيها هو وأصحابه، أو إذا أراد أن يضرب فيها ناقوسا فلرب الدار منعه من ذلك كله.
قال ابن حبيب: وإذا لم يشترط الذمي أن يبيع فيها الخمر والخنازير فباعها فيها فلرب الدار منعه، فإن لم يمنعه وتمت المدة فعليه أن يتصدق بالكراء إن قبضه، فإن أبى فللإمام انتزاعه منه أو من الذمي إن لم يقبضه، ويتصدق به ويعاقبهما.

الجزء: 16 - الصفحة: 168

م/: إنما يصح هذا إذا اشترط أن يعمل ذلك فيها، فأما إن لم يشترطه فالقياس أن لا يتصدق عليه بشيء من الكراء؛ لأنه كراء صحيح؛ ولأن المكتري قد ملك منافع الدار بالكراء كتملكه إياها بالشراء، وإنما كان لرب الدار منعه على وجه الاستحسان؛ لئلا يظن به أنه أكراها منه لذلك، فليس تركه الاستحسان يوجب عليه الصدقة بالكراء أو العقوبة، هذا هو النظر والله أعلم.
م/: وقد تقدم في كتاب الإجارة اختلاف شيوخنا فيمن أكرى داره أو باعها ممن يتخذها كنيسة، وأن اختيارنا أن يتصدق بالكراء، وفي البيع يتصدق بالزيادة على ثمنها لو بيعت لغير ذلك؛ لأن الرقبة في البيع باقية لم تستهلك، والمنافع في الكراء قد استهلكت، فأشبهت بيع الخمر.
وينبغي أن لو باع منهم شاة لقربانهم فذبحت أن يتصدق بجميع ثمنها؛ لاستهلاكها كاستهلاك المنافع.
وقد قال مالك فيمن باع كرمه ممن يعصرها خمرا أن يتصدق بثمنها.
قال: ولو اشتراه ليعصره خمرا، أو أكراه الدار ليبيع فيها الخمر، ثم صرف العنب لغير الخمر، والدار للسكنى، فالثمن لرب العنب، ورب الدار، والكراء سائغ لا يضره الشرط إلا أن يكون زاد عليه لذلك، فيتصدق بالزائد.
م/: وهذا خلاف ما تقدم لابن القاسم من أن الكراء فاسد.
قال: ومن أخذ دابة بغير إذن ربها فحمل عليها الخمر، أو داره فباع فيها الخمر، فعليه كراؤها فيما عطلها عليه، لا على ما استعملها فيه من الخمر، كان المتعدي مسلماً أو نصرانياً.

الجزء: 16 - الصفحة: 169

وفرق ابن القاسم بينهما، ولا يفترقان إلا أن يكون المسلم ليس كسبه إلا من الخمر وشبهه فيتصدق بما يؤخذ منه.
] الفصل -2 - في مكتري الدار يظهر فيها الخلاعة والفسق [ ومن المدونة: وإذا ظهرت من مكتري الدار خلاعة، وفسق، وشرب خمر لم ينتقض الكراء، ولكن الإمام يمنعه من ذلك، ويكف أذاه عن الجيران، وعن رب الدار، وإن رأى إخراجه أخرجه، وأكراها عليه.
ابن حبيب: وكذلك إن ظهرت فيها الدعارة، والطنابير، والزمر، وشرب الخمر، وبيعها فليمنعه الإمام ويعاقبه، فإن لم ينته أخرجه عن جيرانه، وأكراها عليه، ولا يفسخ الكراء، وقاله مالك في الفاسق: يعلن مثل ذلك في دار نفسه أنه يعاقبه على ذلك، فإن لم ينته باع الدار عليه.

الجزء: 16 - الصفحة: 170

[الباب السادس]

جامع مسائل مختلفة من الأكرية

[الفصل -1 - في الرجل يدخل بامرأته في دار اكتراها سنة فعلى أيهما يكون الكراء بعد الدخول؟] قال ابن القاسم: ومن نكح امرأة وهي في بيت اكترته سنة فدخل بها فيه، وسكن باقي السنة فلا كراء عليه، ولا لربها، وهي كدار تملكها هي إلا أن تبين له أني بالكراء أسكن، فأما وديت أو خرجت.
وقال غيره: عليه الأقل من كراء المثل، أو ما اكترت به.
م/: قال غير واحد من شيوخنا: عليه الأقل من ثلاثة أوجه: من كراء مثل الدار، أو كراء مثل ما يكون على مثله لمثلها، أو المسمى الذي اكترت به.
وحكي عن أبي الحسن القابسي أنه قال: إن كانت المرأة هي التي دعت الزوج إلى الدخول بها في دارها، أو في دار هي فيها بالكراء، ولم تذكر له أنها تغرمه الكراء فلا يلزمه شيء من الكراء، وإن لم تكن هي التي دعته إلى الدخول عندها، وهو الذي اختار ذلك فيلزمه كراء الدار التي هي فيها بكراء، أو كراء دارها بعد (أن تحلف ما أسكنته إلا

الجزء: 16 - الصفحة: 171

لأخذ) الكراء منه.
[الفصل -2 - في المعتدة تكون في دار تملكها، أو في مسكن بكراء فعلى من يكون الكراء؟] وقال في كتاب العدة: إذا كانت المعتدة في مسكن بكراء فطلبت الزوج بالكراء بعد تمام العدة أن لها ذلك إن كان موسراً حين سكنت.
قال ابن أبي زمنين: معنى هذه المسألة أنها اكترت المسكن بعد ما تزوجها، وأما إن تزوجها في بيت بكراء فقد قال في الأكرية: لا كراء على الزوج، إلا أن تكون بينت له أنها تسكن بكراء.
قال: وإن لم يكن هذا معنى المسألة فهو تناقض من قوله.
وقد ذكرنا هذا في كتاب العدة.
وقال بعض فقهاء القرويين: وينبغي لو كانت الدار لها، فطلقها الزوج، فقامت عليه بكراء العدة أن ذلك لها؛ لأنها تقول: إنما وهبته ما مضى، فإذ قد طلقتني فلا أهبه بقية السكنى الواجبة في العدة.
فإن قيل: فإن السكنى لما لم تطلبه بها فكأنها لم تكن وجبت، فلا يوجبها الطلاق، كالأمة إذا طلقت، فأعتقت، وزوجها حر، أن الطلاق لا يوجب لها عليه السكنى؛ لأنها لم تكن وجبت لها السكنى بحال؛ لأنها لو طلبت ذلك قبل الطلاق لم

الجزء: 16 - الصفحة: 172

يكن لها ذلك، فلا يوجب لها الطلاق ما لم يكن لها، والمرأة الحرة الساكنة مع زوجها في دارها هي أسقطت عند السكنى ولو طالبته بها وهي في عصمته لكان ذلك لها.
م/: فعلى هذا التعليل يكون الفرق بين مسألة هذا الكتاب، وبين مسألة كتاب العدة، أن الطلاق أوجب للمعتدة أخذه بالسكنى، كدار تمكلها؛ لأنها غير زوجة له، ومسألة الأكرية هي بعد متزوجة فلا كراء لها إلا أن تكون بينت له ذلك حين العقد، أو بقي من السكنى بقية فتطلبه بكراء ما بقي.
وأما لو كان الكراء مشاهرة لا عقد فيه على المرأة لكان الكراء على الزوج؛ لأن المرأة لم تملك شيئاً، لا منفعة ولا رقبة.
[الفصل -3 - في اكتراء الرجل داراً وهو ببلد آخر، والرجل يكتري الدار على أن يبتدئ سكناها بعد شهر ونحوه] ومن كتاب الأكرية قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً بإفريقية وهو بمصر جاز ذلك كالشراء، ولا بأس بالنقد فيها؛ لأنها مأمونة.
وإن قدم فلم يرضها حين رآها، وقال: هي بعيدة من المسجد.
فالكراء لا يصلح إلا أن يكون قد رأى الدار وعرف موضعها، أو علم صفة الدار وموضعها، وإلا فالكراء باطل.
قال: ومن اكترى داراً على أن يبتدئ سكناها إلى شهر، أو إلى شهرين جاز ذلك، وإن نقد الكراء.
والدور والأرضون المأمونة مخالفة للرقيق والحيوان في الكراء، ولو اكترى الدار على أن يقبضها إلى سنة جاز ذلك، وجاز النقد فيها لأمنها، وإن بعد الأجل جاز الكراء، ولا أحب النقد فيه، ولم يجز في سائر العروض والحيوان شراؤه على ألا يقبض إلا

الجزء: 16 - الصفحة: 173

إلى أجل؛ لغلبة الغرب في تغييره.
ومن اكترى داراً بدنانير ولم يصفها، والنقد مختلف، فإن عرف لنقد الكراء سنة قضي بها، وإلا فسخ الكراء، وعليه فيما سكن كراء المثل.
[الفصل -4 - في اكتراء الرقيق عشر سنين وتعجيل النقد في ذلك] قال مالك: ولا بأس بكراء دار، أو رقيق عشر سنين، وتعجيل النقد في ذلك.
وقال غيره في العبد: لا يؤاجره الإجارة الطويلة؛ لأن ذلك خطر.
وهو قول أكثر الرواة.
م/: والدليل لصحة قول ابن القاسم قوله تعالى حاكياً عن موسى وشعيب عليهما السلام: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَاجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص:27] الآية.
فإن قيل: هذه شريعة قد ذهبت، قيل: هذه شريعة الله تعالى نحن عليها حتى يأتي ما ينقلنا عنها، وهذه مذاهبنا.

الجزء: 16 - الصفحة: 174

وقد احتج مالك رحمه الله في القتل بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة:45]؛ لأن الكتابة كانت عليهم، لا علينا، فنحن على ذلك الشرع حتى يأتي من ينقلنا عنه.
[مسألة: فيمن اكترى داراً سنة ولم يشترط عليه النقد] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً سنة ولم يشترط عليه النقد غرم بحساب ما سكن.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون كراء الناس عندهم على النقد فيقضى به، وكذلك في الدواب.
[مسألة: هل ينتقض الكراء بموت أحد المتكارين؟] ولا ينتقض الكراء في الدور، ولا الكراء المضمون في الدواب والإبل بموت أحد المتكارين.
[مسألة: الرجلان يكتريان حانوتاً ويريد كل منهما مقدمه] وإذا كترى قصار وحداد حانوتاً، فأراد كل واحد مقدمه، ولم يقع كراؤهما على أن لأحدهما مقدم الحانوت من مؤخره، فالكراء لهما لازم، فيقسم بينهما إن انقسم، وإلا أكرى عليهما؛ لأنه ضرر، والبيت مثله.

الجزء: 16 - الصفحة: 175

[الباب الرابع]

فيما ينهدم من دار أو حمام وما يوجب الفسخ أو لا يوجب

[فصل -1 - فيمن يلزمه إصلاح ما انهدم من الدار الكتراة] قال ابن القاسم: ومن اكترى بيتاً فهطل عليه لم يجبر رب الدار على الطر، ولا للمكتري أن يطر من كرائها ويسكن.
وله الخروج في الضرر البين من ذلك إلا أن يطرها ربها فلا خروج له.
وقال غيره: الطر وكنس المراحيض مما يلزم رب الدار.
قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً فانهدمت كلها، أو بيت منها، أو حائط لم يجبر رب الدار على البنيان، إلا أن يشاء، فإن انهدم منها ما فيه ضرر على المكتري قيل له: إن شئت فاسكن -يريد بجميع الكراء ولم يكن نقد- أو فاخرج وناقضه الكراء، وليس للمكتري أن يصلح من كرائها، ويسكن، إلا أن يأذن له في ذلك ربها، فإن بناها ربها في بقية من وقت الكراء لزم المكتري أن يسكن ولم يكن له أن ينقض الكراء، هذا إذا بناها ربها قبل خروج المكتري، وأما إن بناها بعد خروجه وقد بقي من الأمد شيء لم يلزم المكتري الرجوع إليها لتمام ما بقي.

الجزء: 16 - الصفحة: 176

[الفصل -2 - في الدار تنهدم كلها أو ما يمنع السكنى فيها ثم يبنيها ربها فهل يلزم المكتري الرجوع إليها؟] قال ابن المواز: وإذا انهدمت الدار وما يمنع السكنى من الهدم فخرج المكتري منها إلى غيرها ثم يبنيها ربها فلا يصلح الرجوع وإن رضيا.
وكذلك الدابة تمرض في الطريق فيتركها ويكتري غيرها فقد وجبت المحاسبة، ولا يصلح الرجوع إليها وإن صحت.
م/: يريد: لأن بقية الكراء صار ديناً على رب الدابة فلا يصلح أن يدفع فيه كراء دابة، أو سكنى دار، وإن لم ينتقد الكراء جاز أن يتراضيا بسكنى ما بقي إذا علما ما يخص ما بقي من الكراء.
ابن المواز: قال أصبغ: إلا أن يكون بناء الدار وإصلاحها في مثل الأيام اليسيرة مما لا ضرر فيه على المكترى فيلزم منه ما بقي، وفسخ ما بين ذلك.
قال ابن ميسر: يريد أصبغ: في العمارة، لا في هدم البناء من أصله.

الجزء: 16 - الصفحة: 177

م/: قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين: هدم بعض الدار على ثلاثة أضرب: هدم لا يضر، أو فيه ضرر يسير، أو ضرر كثير، فما لا يضر كالشرفات ونحو ذلك، فهذا لا كلام فيه للمكتري، ولا يسقط عنه لذلك شيء من الكراء.
وأما ما فيه ضرر يسير وفيه منفعة للمكتري فهاهنا يسقط عنه من الكراء بقدر ذلك، كالاستحقاق اليسير من المبيع.
وأما الذي انهدم، وفيه ضرر كثير للمكتري رد الدار، وإن شاء سكن وودى جميع الكراء.
ولا يجوز أن يسكن ويودي بحساب ما بقي، وإن رضي؛ لأن ما يخص ذلك مجهول.
م/: وهذا الذي ذكر خلاف ما قال سحنون وابن حبيب: أن له أن يسكن فيما بقي، ويحط عنه من الكراء بقدر ما انهدم، أو يفسخ إذا كان الهدم مما يضر بالمكتري.
والأول جار على قول ابن القاسم في استحقاق بعض السلع بأعيانها مما فيه ضرر على المشتري ويوجب له الفسخ.
فقد قال ابن القاسم: لا يجوز له الرضى بما بقي؛ لأن حصة ذلك مجهولة، وهو قد وجب له الفسخ، فصار الرضى به كبيع مؤتنف بثمن مجهول.
وابن حبيب وغيره يوجب له الرضى بما بقي؛ لأن البيع الأول قائم بينهم، وإنما يرجع بحصة ما استحق، فكذلك الحكم في هدم ما يضر بالمكتري، كاستحقاق ما يضر بالمشتري، أو يحدث به عيباً، وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 178

ومن كتاب الجعل: وإذا انهدم من دار أو حمام ما أضر بالمكتري في السكنى أو منعه العمل فقال المتكتري: أنا أفسخ الكراء.
وقال ربها: بل أصلح لك، ولا أفسخ.
فالقول قول المكتري.
وقال ابن حبيب: إن كان يصر بالمكتري في تأخيره إلى إصلاحه فله الفسخ، وإن لم يكن ذلك مضراً ألزمه الكراء، وقيل للمكري: عجل البناء والإصلاح، والأمر في ذلك مختلف.
فأما الدار إذا انهدم منها يسير لا يمنع من سكنى سائرها فلا فسخ له، وإن انهدم أكثرها حتى يضر إلى الرجلة منها فله الفسخ إن شاء.
[الفصل -3 - فيما بوجي الفسخ في انهدام الحمام والرحى] وأما الحمام فما انهدم منه من قليل أو كثير فهو مانع من جميعه، فإذا قال ربه: أنا أبنيه وأرمه فلا يوجب ذلك الفسخ إن كان يمكنه ذلك في مثل الأيام، والشهر، والوجيبة سنة، وكذلك الرحى ينهدم بيتها، أو ينخرق سدها، أو ينكسر بعض أداتها وهو أوسع في الحمام والرحى من الدار التي يسكنها المرء بعياله، وهذا شأن الإرحاء فيما ينخرق من سد وينهدم من بيت، ولو كان يفسخ كراؤها كلما اعتلت ببعض ذلك ما تم فيها كراء أبداً، ولكن إذا ادعى ربها إلى إصلاحها فأجابه إلى ذلك لزم المكتري الوجيبة ما لم يطل حتى يذهب أكثر الجيبة فيفسخ في هذا.

الجزء: 16 - الصفحة: 179

قال: ولا يفسخ في غلقها لقلة الماء أو لكثرته، ومتى ما عاودها الماء، أو أغلقت من استقذاره في بقية الوجيبة لزم الكراء في بقيتها، كقول مالك في الأجير يمرض ثم يفيق ويسقط ما تعطل فيه هذا.
وهذا القول فيما تعطل من الحمام والرحى قول المكتري مع يمينه؛ لأنه كالمرتهن.
[الفصل -4 - في عدم إلزام رب الدار أن يصلح ما انهدم منها] قال: وإذا انهدم الدار، أو بيت منها، أو جدار فلا يجبر ربها على البناء وهو مخير إن شاء بنى ولزم المكتري السكنى بقية الوجيبة، وإن لم يشأ البناء قيل للساكن: إن شئت فاسكن فيما بقي من الدار ويحط عنك قدر ما نقص الهدم من منافعك، وإن شئت فاخرج إذا كان ما انهدم مضراً به في سكناه أو منتقصاً من عدة مساكنها.
وإن قال المكتري: أنا أبني ما انهدم من كرائها فليس ذلك له إلا برضى ربها، وإن قال أنا أصلح من مال نفسي، فليس لرب الدار منعه، فإذا تمت الوجيبة، وكان الإصلاح بأمر ربها فعليه له قيمة ما عمر قائماً.
قال أبو محمد: يريد في قوله: لا في قول ابن القاسم.
قال ابن حبيب: وإن أصلح بغير إذن ربه وقد أذن له السلطان في ذلك حسن طلبه، فلربه أن يعطيه قيمته منقوصاً أو يأمره بقلعه.

الجزء: 16 - الصفحة: 180

وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا انهدمت الدار وكان الهدم مما يضر بالساكن فيها فهذا يفسخ به الكراء وإن بناها ربها في بقية الوجيبة، إلا أن يرضى الساكن أن يتشبث بما بقي إذا بقي أكثر الدار ويحط عنه كراء ما انهدم فذلك له، أو يكون الساكن أمره بهدمها وإصلاحها ليسكن إذا تم، فلا فسخ له.

الجزء: 16 - الصفحة: 181

[الفصل -5 - فيما إذا انهدم من الدار ما ليس فيه ضرر على المكتري] ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا لم يكن فيما انهدم ضرر على ال مكتري، ولم يبنه رب الدار لزم المكتري السكنى وجميع الكراء، ولا يوضع عنه من الكراء شيء لذلك.
قال في رواية سليمان بن سالم: إلا أن يكون فيما انهدم سكنى ومرفق فيحط عنه بقدره.
قال ابن القاسم: وانهدام الشرفات لا يضر بسكنى المكتري، وإن أنفق فيها كان متطوعاً لا شيء له.
يريد: إلا أخذ النقض، فله أخذه إن كان ينتفع به.
ومن اكترى داراً فانهدمت، وربها غائب فليشهد المكتري على ذلك، ولا شيء عليه، ولا عذر ينقض به الكراء إلا هدم الدار، أو ينهدم منها ما يضر بالسكنى، فللمكتري أن يتركها إن أحب وكذلك إن خاف أن تسقط عليه، وكان البنيان مخوفاً فله أن يناقضه، وليس له أن يصلح من كرائها، وأما من اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها، ثم غارت

الجزء: 16 - الصفحة: 182

عينها أو انهدمت بئرها، وأبى رب الأرض أن ينفق عليها فللمكتري أن ينفق عليها حصة تلك السنة خاصة من الكراء ويرزم ذلك ربها، وإن زاد على كراء سنة فهو متطوع.
وكذلك من أخذ نخلاً مساقاة فغار ماؤها بعد أن سقى، أن له أن ينفق فيها قدر حصة صاحب الحائط من الثمرة سنته تلك، لا أكثر، والفرق بينها وبين الدار تنهدم أن الدار لا نفقة للمكتري فيها، فليس له أن يصلح من كرائها، والذي زرع أو ساقى قد تقدمت له نفقة فيما عمل، وفي نفقته إحياء لزرعه، ولو لم يزرع، ولا سقى النخر حتى غارت العين، أو انهدمت البئر لم يكن للمكتري أن ينفق فيها شيئاً وصارت بمنزلة الدور.
[مسألة: في المكتري يبني الدار إذا انهدمت وربها غائب] ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن اكترى داراً سنة، فسكن منها شهرين، ثم انهدمت، فبناها بما عليه من الكراء، وصاحبها غائب، ثم قدم بعد تمام السنة، فله من الكراء حصة ما سكن المكتري قبل الهدم، وله كراء العرصة بعد الهدم، وليس للمكتري إلا نقض بنيانه، إلا أن يعطيه ربها قيمته منقوضاً.

الجزء: 16 - الصفحة: 183

[الباب الثامن]

في اختلاف المتكاريين في الدور وبناء المكتري فيها بإذن ربها أو بغير إذنه وبناء الزوج في دار زوجته والتداعي في ذلك

[الفصل -1 - في اختلاف المتكاريين في قدر كراء الدور] قال ابن القاسم: وإذا قال رب الدار: أكريتك سنة بمائة دينار، وقال المكتري: بمئة إردب حنطة، تحالفا وتفاسخاً، كالبيوع، وكذلك لو سكن المكتري أياماً، أو شهراً، أو شهرين، أو أكثر السنة ثم اختلفا، تحالفا، ويبدأ رب الدار باليمين، ويفسخ الكراء كله، ويأخذ رب الدار فيما مضى كراء المثل، وكذلك لو قال رب الدار: أكريتك السنة بعشرة، وقال المكتري: بدينار، وقالا جميعاً ما لا يشبه، وقد سكن، أو لم يسكن فهو كما ذكرنا.
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا اختلف رب الدار ومكتريها في قلة الكراء وكثرته، أو قال: هذا بدنانير، وهذا بطعام، واتفقا في المدة، قد سكن بعض السنة،

الجزء: 16 - الصفحة: 184

أو لم يسكن، فإنما يتحالفان ويتفاسخان، ويفسخ ما بقي، وعليه فيما سكن بحساب ما أقر به الساكن.
م/: وهذا خلاف ما قاله في المدونة؛ لأنه إذا قال: هذا بطعام، وهذا بدنانير، إنما يكون عليه فيما سكن كراء المثل؛ لأنهما اختلفا في نوع الكراء، وكذلك إن أتيا في العين بما لا يشبه، ولم يراع ذلك في كتاب محمد، ولم يجعل على الساكن إلا على حساب ما أقر به؛ لأنه قبض ذلك، وسكن، وفات، فلا يكون عليه إلا قدر ما أقر به.
وما قاله في المدونة هو الاصل فاعتمد عليه.
قال بعض فقهاء القرويين: ويدخل هذا الاختلاف في السلم، لو ادعى أنه أسلم إليه سلعة في عشرة أرادب قمحاً، وقال المسلم إليه: بل في شعير، واختلفا، وقد فاتت السلعة، فليحلف وليدفع إليه الشعير الذي أقر به.
وقال القول الآخر يتحالفان، ويرد إليه قيمة السلعة كما رد قيمة السكنى، وهو أصوب.

[الفصل 2 - في اختلاف المتكاريين في مدة الكراء] قال في كتاب محمد: ولو نقده ثلاثة دنانير وقال: هي عن السنة كلها، وقال رب الدار: بل أكريتك السنة بستة دنانير وقد سكن ستة أشهر فليتحالفا، ويفسخ ما لم يسكن، وتقسم الثلاثة على السنة فيقع لما سكن دينار ونصف، ويرد ديناراً ونصفاً، والقول فيما مضى قول الساكن مع يمينه؛ لحيازته لما سكن.
وكذلك لو سكن السنة كلها ثم

الجزء: 16 - الصفحة: 185

اختلفا في الكراء لكان القول قول الساكن، ولا يكون عليه إلا من أقر به مما نقده، وكذلك لو لم ينقده؛ لأنه قد حاز سكناه، وصار مدعى عليه فلذلك كان القول قوله: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا إذا أتى بما يشبه، وإن لم يأت بما يشبه وأتى المكتري بما يشبه لكان القول قوله مع يمينه، وغرم له المكتري جميع ما ادعى، ولو لم يأتيا جميعاً بما يشبه تحالفا، وكان على المكتري قيمة ما سكن.
قال: ولو نقده نصف الكراء، وسكن نصف السنة، فقال: إنهما يتحالفان ويتفاسخان، ويكون للمكتري نصف ما أقر به المكتري.
قال: ولو لم يتفاسخا بعد التحالف، وكانت الدار مما تنقسم بغير ضرر على المكتري في سكناه نصفها، أعطاه المكري نصفها بنصف الكراء الذي انتقد؛ لأن القول قوله فيما حاز من النقد، فهو يقول: بقية السكنى لم أدفعه، وقد قبضت بعض ثمنه فادفع السكنى بقدر ما أقررت، وإن كان على الساكن في أخذه نصف الدار ضرر فسخت بقية السكنى، ورد المكري نصف ما قبض.
قال محمد: ولو اختلفا في المدة فقال الساكن: اكتريت سنة بستة دنانير، وقال رب الدار: بل تسعة أشهر بستة دنانير، وقد نقده ثلاثة دنانير، وسكن ستة أشهر، ولم يختلفا في النقد، ولا في السكنى فليتحالفا، ويفسخ ما بقي مما لم يسكن، ويقسم ما انتقد على قول رب الدار، وما لم ينتقد على قول الساكن، فيقع لما سكن من النقد ديناران، ومما لم ينقد دينار ونصف، فيدفع الساكن لرب الدار نصف دينار، فيصح له في السنة الأشهر التي سكن ثلاثة دنانير ونصف.

الجزء: 16 - الصفحة: 186

قال ابن المواز: وإنما قسمت النقد على قول رب الدار؛ لأنه قد حازه ولو قال: لم أكرك إلا ما سكنت بما قبضت لكان القول قوله، ولأن الساكن هاهنا مدع على صاحب الدار؛ لأنه يقول: إنما لك فيما نقدتك عن ما سكنت دينار ونصف، وصاحب الدار يقول: بل لي مما انتقدت ديناران فهو مطلوب في النصف دينار، فيكون القول قوله.
م/ يريد: والساكن أيضاً يقول لك علي مما لم أنقد دينار ونصف، ورب الدار يقول: ديناران، والساكن هو المطلوب، فيكون القول قوله.
قال ابن المواز: إنما تجعل أبدا القول قول المتبوع، كان المكري أو المكتري.
م/: وفي لفظ هذه المسألة في كتاب ابن المواز والنوادر إشكال، وقد تعلق به بعض أصحابنا وقال: ليس على الساكن فيما سكن إلا الثلاثة دنانير التي نقد؛ لأنه يقول: ليس علي فيما سكنت إلا ثلاثة دنانير، وقد نقدتها، فهو المطلوب في الزائد، فيجب أن يكون القول قوله، ولم يراع هذا القائل النقد في شيء من ذلك.
م/: وقد اتفق حذاق أصحابنا على ما قدمت لك.
ومن الدليل على صحة قولنا: أنا قد اتفقنا، ومن خالفنا أنهما لو اختلفا وقد نقده جميع الكراء فقال المكري: أكريتك تسعة أشهر بستة دنانير، وقال المكتري: بل سنة بستة دنانير، وقد سكن ستة أشهر ونقده السنة كلها أنهما يتحالفان ويتفاسخان في بقية المدة على قول ابن القاسم، وتقسم الستة دنانير على ما سكن، وما لم يسكن على قول رب الدار؛ لأنه انتقد، وهو المطلوب فيقع للستة الأشهر المسكونة أربعة دنانير، فيأخذها رب الدار مما انتقد ويرد دينارين، ولو كان لم ينقده شيئاً لقسمت الستة دنانير على السنة كلها التي ادعى كراءها المكتري؛ لأنه لم ينقد فهو المتبوع، فيقع على ذلك لما سكن ثلاثة

الجزء: 16 - الصفحة: 187

دنانير، فيدفعها الساكن، ولا يكون عليه غيرها، ولا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وإن كان إنما نقد النصف، وبقي النصف، فيجب أن يكون لكل نصف حكم جميعه، فاجعل للنصف المنتقد حكم ما لو نقد الجميع، وكما لو قال: هو جميع الكراء فيجب له منه ديناران، واجعل للنصف الذي لم ينتقد حكم ما لو لم ينتقد الجميع، وكما لو قال: هو جمع الكراء فيجب منه دينار ونصف، فجميع ذلك ثلاثة دنانير ونصف، وهذا بين لا يسع خلافه، وهو أصلنا في اختلافهما في المسافة في مسألة برقة وإفريقية، وقد بلغا برقة أنك تراعي النقد من غيره، وهو بخلاف اختلافهم في ثمن الكراء، قد قال ابن القاسم: في مسألة اختلافهما في الكراء بأيلة أن القول قول المكتري، وكذلك بينه ابن المواز قبل هذه المسألة وقال: القول قول المكتري فيما يخص ما سكن من النقد وما لم ينقده.
م/: لأن ما نقدهما متفقان أن الذي يخص ما سكن منه كذا؛ لأنهما لم يختلفا في المدة، وما لم ينقده فالمكتري مدعى عليه فيه فلا يلزمه إلا ما أقر به، فصار القول في الوجهين النقد باتفاقهما عليه وما لم ينقد؛ لأنه غارم، وفي اختلافهما في المدة حصة ما سكن من النقد هما مختلفان فيه فالقول قول جائزه؛ لأنه يقول: بعت سلعة وقبضت ثمنها فالمشتري مدعى عليه أنه قبض أكثر من ثمنها، وأما فيما لم ينقده فالمشتري يقول: اشتريت سلعة وأفتها، والبائع يدعي علي زيادة في ثمنها فيجب أن يكون القول قول المشتري، وهذا بين واضح، وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 188

فصل [3 - في دعوى المكتري أسكنه بغير كراء] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء فادعى أنك أسكنته بغير كراء فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك.
م/: يريد: وإن لم يشبه ما قلته فلك كراء المثل، وقال غيره: على الساكن الأقل من دعواك ومن كراء المثل بعد إيمانك.
م/: وإنما يحلف الساكن إذا كان كراء المثل أقل مما يدعي رب الدار؛ لأن يمين رب الدار توجب له التسمية، فإذا كانت مثل كراء المثل أو أقل فلا معنى ليمين الساكن، وإذا كان كراء المثل أقل فلا بد من يمين الساكن ليسقط الزائد عن كراء المثل، فإن نكل وحلف رب الدار لزمته التسمية.
م: قال بعض فقهاء القرويين: يلزم على قول ابن القاسم لو قال: بعت منك هذه السلعة بعشرة، وقال من هي بيده: وهبتها لي، وقد فاتت وقيمتها تسعة أن يأخذ ربها عشرة من يمينه، والآخر ما أقر بوضع يده على السلعة بشراء قط.
وقد وقع في كتاب محمد في الذي قال: بعت منك هذه السلعة، وقال الآخر: وكلتني على بيعها، فبعتها، أنهما يتحالفان، ويرتجع سلعته، وفي هذا أيضاً نظر؛ لأنهما يقران أن بيع الوكيل لا يجب أن ينقض؛ لأن ربها يقول: بعتها منه، فبيعه لا ينقض، والوكيل يقول: أمرتني ببيعها فلا ينقض بيعي فإن فاتت لم يصدق أحدهما على صاحبه،

الجزء: 16 - الصفحة: 189

وكان على الوكيل قيمة السلعة ما لم تكن أكثر من الثمن الذي يقر ربها أنه باعها به، فإن كان ما باعها به الوكيل أكثر من قيمتها، ومثل الثمن الذي يقر ربها أنه باعها به أخذ ذلك ربها؛ لأن الوكيل يقول: هو له.
وربها يقول: لي عليه مثله فيأخذه، ولو كان ما باعها به الوكيل أكثر فالوكيل يقر أن ذلك لربها، وصاحب السلعة يقول: ليس هو لي فإن لم يرجع بقربه تصدق عمن هو له.
وليس هذا الشرح كله في كتاب محمد وإنما نزلته على أصولهم، وأفادت المسألة أنه لم يجعل القول قول من قال بعته منك، وكذلك يجب إذا قال: أسكنتك بكراء، وقال الآخر: أسكنتني بغير كراء.
فصل [4 - فيما يدعي الساكن أنه زاد في الدار من خشبة أو فرش ونحوها] ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما ادعى الساكن أنه زاده في الدار من خشبة، أو فرش قاعة، أو سترة جدار فالقول قول ربها في تكذيبه.
وأما ما كان ملقى في الأرض من حجر، أو باب، أو خشبة أو سارية، فالقول قول المكتري فيه، وقد تقدم إذا اختلفا في قد الحمام فهي لرب الحمام؛ لأنها بمنزلة البنيان.

الجزء: 16 - الصفحة: 190

فصل [5 - في المكري يكذب المكتري فيما ادعى أنه أنفق من الكراء] وإن إذن رب الدار للمكتري أن ينفق من كرائها، وزعم أنه أنفق، وأكذبه رب الدار، فالمكتري مصدق؛ لأنه أمين إن تبين للعمل أثر، وإن تبين كذبه لم يصدق.
والعمل والبناء يتبين أثره، كبيت جديد يشبه أن يكون من بناء المكتري أو مرمة جديدة.
وقال غيره: على المكتري البينة؛ لأن الكراء دين لزم ذمته وعلى المكري اليمين.
قال بعض فقهاء القرويين: لما أمره بإخراجه من ذمته، وكان في الدار ما يدل على ذلك صدق ما لم يظهر كذبه، كما قال ابن القاسم فيمن أمر رجلاً أن يشتري له ثوباً بدين عليه فقال: اشتريته، وضاع، فقال: يكون القول قوله مع يمينه.
وإن كان ابن القاسم قد قال: إذا أمره أن يكيل ما في ذمته من طعام، ويعزله له فقال: قد فعلت، أن لا يصدق، وهذا يدل على أن هذا الأصل مختلف فيه.
فإن قيل: فأنت تقولون فيمن عليه دين فقيل له: ادفعه إلى غيرك، فقال: دفعته، وقال المدفوع إليه: قبضته وضاع، أن ذمة الذي عليه الدين لا تبرأ، فقوله: اقبضه من نفسك ويكون ما تشتري به عندك وديعة أحرى أن لا يصدق.
قيل: هذا هو القياس.
ولعل من أمر أن يشتري بما في ذمته كأنه مأمور أن لا يشهد على نفسه، بخلاف من أمر بالدفع إلى غيره.

الجزء: 16 - الصفحة: 191

فصل [6 - في الحكم فيما أحدثه المكتري في الدار من بناء وغيره] قال مالك: وإذا انقضى أجل الكراء وقد أحدث المكتري في الدار بناء أو غيره مما ينتفع به، بأمر رب الدار، أو بغير أمره من غير الكراء، فما كان لنقضه قيمة فلرب الدار أن يعطيه قيمته مقلوعاً، وليس للمكتري أن يأبى؛ لأنه مضار، ولرب الدار أن يأمره بقلعة، أحدثه بأمره أو بغير أمره؛ لأنه يقول: لم آذن لك في نفعك لأغرم لك شيئاً.
وأما ما لا ينتفع به إن نقض من جص وطين فلا شيء له فيه، إلا أن يكون له فيه نفع فيكون كما ذكرنا.
وقال ابن حبيب: ما بناه فيها وأصلحه منها بإذن ربها فله قيمته قائماً، وما عمله بغير إذن ربها فله قيمته منقوصاً، وما لم يكن له قيمة إن قلع فلا شيء له فيه.
قال مطرف وابن الماجشون، وروياه عن مالك، وأنكرا قول ابن القاسم.
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن بنى أو غرس في أرض زوجته أو دارها، ثم يموت أحدهما للزوج أو لورثته على الزوجة أو على ورثتها قيمة ذلك مقلوعاً، وإنما حاله فيما بنى أو غرس حال المرتفق به كالعارية يبنى فيها، وإنما يعطي القيمة قائماً من بنى في ميراث أو شراء ثم يستحق ذلك من يدجه أو يستشفع.

الجزء: 16 - الصفحة: 192

ابن وهب: ولو قالت الزوجة: إنما أنفق الزوج في البناء من مالي، وقال الزوج: من مالي، فالقول قول الزوج مع يمينه، والمرأة مخيرة في أن تعطيه قيمة ذلك منقوصاً، وإلا أمرته بقلعه.

الجزء: 16 - الصفحة: 193

[الباب التاسع]

في الوكالة في الكراء والتفليس فيه

[الفصل -1 - في الوكالة في الكراء] قال ابن القاسم: ومن وكل رجلاً يكري داره، فأكراها بغير العين، أو حابى في كرائها، فهو كالبيع لا يجوز.
م/: يريد: وله فسخ الكراء أو إجازته إن لم يفت، فإن فات رجع على الوكيل بالمحاباة.
قال: ولو أعارها، أو وهبها، أو تصدق بها، أو أسكنها، أو حابى في كرائها رجع ربها على الوكيل بالكراء في ملائه، ثم لا رجوع للوكيل على الساكن، فإن كان الوكيل عديماً رجع ربها على الساكن بالكراء، ثم لا رجوع للساكن على الوكيل.

الجزء: 16 - الصفحة: 194

فصل [2 - في التفليس في الكراء] ومن اكترى داراً سنة، فسكن ستة أشهر، ثم فلسن، فربها أحق ببقية السكنى، إلا أن يدفع إليه الغرماء حصة باقي الشهور بالتقويم، فإن أبوا، خير من الحصاص بجميع الكراء وإسلام الدار، أو أخذ باقي السكنى بحصته من الكراء، ويحاصص بحصة كراء ما مضى.
قال ابن المواز: فإن اكترى الدار باثني عشر ديناراً، وانتقد ستة دنانير، وسن ستة أشهر، ثم فلس المكتري، فإنه يقسم ما نقد على اثني عشر شهراً، فيصيب ما سكن ثلاثة دنانير من النقد، ويصيب ما لم يسكن ثلاثة أيضاً، فيردها، ويبقى من حق ما سكن ثلاثة، يحاص بها رب الدار الغرماء، ويحاصهم بحصة ما لم يسكن ثلاثة أيضاً، فيردها ويبقى من حق من سكن ثلاثة، وذلك ستة، فيحاصصهم بتسعة إن شاء، وإن شاء أخذ السكنى وحاصهم بالثلاثة الباقية من حصة ما سكن، إلا أن يشاء الغرماء أن يعطوه ثلاثة دنانير لبقية السكنى، ويتركوا له أيضاً الثلاثة حصة بقية السكنى من النقد، ويأخذون بقية السكنى، ويحاصهم بثلاثة حصة ما سكن مما لم ينقده فذلك لهم.
م/: وقد زدت فيها كثيراً من لفظي وهو تمام معنى ما ذكره محمد.
م/ ويجب على هذا لو نقده جميع الكراء أو نصفه وقبض الدار، ثم فلس قبل السكنى أن يرى جميع ما قبض ويحاصهم بجميع الكراء، أو يأخذ داره.
والذي أرى في هذا أنه إن قبض جميع الكراء، أو نصفه أنه أولى بما قبض، فإن قبض جميع الكراء لم يكن للغرماء إلا الدار يكرونها ويتحاصون في كرائها مع ما بيده، كعرض اشتراه ونقد ثمنه، فلا

الجزء: 16 - الصفحة: 195

سبيل لهم إلى نقض البيع على البائع ولا غير ذلك، وإن كان إنما قبض نصف الكراء فهو مخير بين أن يسلم لهم الدار ويحاصهم ببقية الكراء، أو يأخذ داره ويرد عليهم ما انتقد، إلا أن يدفع الغرماء إليه بقية الكراء، ويأخذوا الدار، والجواب عندي في مسألة محمد أيضاً أن يكون أولى بجميع ما انتقد لما سكن، ولما لم يسكن، ثم يخير فيما لم يسكن بين أن يسلم لهم بقية السكنى ويحاصهم بستة دنانير، ثلاثة لما لم يسكن، وثلاثة لما سكن ما لم ينتقده، أو يأخذ بقية السكنى، ويرد عليهم ثلاثة دنانير حصة ذلك من النقد، ويحاصهم بثلاثة حصة ما لم ينقده مما سكن، إلا أن يدفع إليه الغرماء بثلاثة دنانير حصة ما لم ينقده مما لم يسكن، ويأخذون بقية السكنى فذلك لهم، ويحاصهم بثلاثة حصة ما لم ينقده مما سكن، وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 196

[الباب العاشر]

جامع مسائل مختلفة من أكرية الدور من غير المدونة

[الفصل -1 - تمادي المكتري في سكنى الدار بعد انتهاء مدة كرائه] ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن اكترى داراً سنة فسكنها، ثم تمادى سكنها ستة أشهر بعد السنة.
فقيل: عليه بحساب الكراء الأول.
وقيل: عليه كراء المثل وهو أحب إلي.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: أما ما يرجع إلى ربه فيجوزه بغلق من دار، أو بيت، أو حانوت، ورب ذلك ساكت، عالم لا ينكر، فله بحساب الكراء الأول، وأما ما كان من مزرعة، وما إذا فرغت الوجيبة بقي براحاً لا جدار عليه، ولا غلق، فله فيما زاد الأكثر من القيمة، أو الوجيبة؛ لأنه تعدى عليه بغير أمره ولا علمه.
م/: والمحصول من قوله هذا: أنه إن كان رب ذلك عالماً فتركه حتى سكن أو زرع فله بحساب الكراء الأول، وكأنه رضيه، وإن لم يعلم فله الأكثر.
وهذا مثل قول الغير في المدونة في الدابة يحبسها بعد مدة الكراء وربها حاضر أو غائب.

الجزء: 16 - الصفحة: 197

فصل [-2 - في الرجل يكتري داراً مدة فيقبضها ثم تغتصب منه هل يكون لربها كراء فيما بقي؟] ومن الواضحة: ومن تكارى داراً سنة أو شهراً فقبضها، ثم غصبها إياه السلطان، فمصيبة ذلك على ربها، ولا كراء له فيما بقي.
وقال مالك في المسودة حين أخرجوا المتكاريين وسكنوا.
وكذلك في العتبية من سماع ابن القاسم.
قال ابن حبيب: وسواء غصبوا الدور من أصلها أو أخرجوا منها أهلها، وسكنوها، لا يريدون إلا السكنى حتى يرتحلوا، وكذلك الحوانيت يأمر السلطان بغلقها.
م/: وقد قيل: إن الجائحة من المكتري.
قاله ابن حارس عن سحنون.
واختار ابن حارث أنه إن غصبه أصل الدار فالجائحة من المكتري، وإن غصب السكنى فالجائحة من المكتري، وليس كل ذلك بشيء؛ لأن كل ما منع المكتري السكنى من أمر غالب لا يستطيع دفعه من سلطان أو غاصب فهو بمنزلة ما لو منعه أمر من

الجزء: 16 - الصفحة: 198

الله تعالى، كانهدام الدار، وامتناع ماء السماء حتى منعه حرث الأرض، فلا كراء عليه في ذلك كله؛ لأنه لم يتوصل إلى ما اكترى.
فصل [-3 - في جلاء الناس في الفتنة عن الدور المكتراه، وجلاؤهم عمن اكترى رحى سنة والكراء في ذلك كله] قال ابن حبيب: ومن اكترى رحى سنة، فأصاب أهل ذلك المكان فتنة أجلوا بها منازلهم، وجلا معهم المكتري، أو أقام آمناً إلا أنه لا يأتيه الطعام لجلاء الناس، فهو كبطلان الرحى من نقص الماء أو كثرته، فيوضع عنه بقدر المدة التي جلوا فيها، وكذلك الفنادق التي تكرى في أيم الموسم إذا أخطأها ذلك لفتنة نزلت أو غيرها، بخلاف الدور تكرى، ثم تجلو بفتنة وأقام المكتري آمناً، أو رحل للوحشة وهو آمن، فإن هذا يلزمه الكراء كله، ولو انجلى للخوف سقط عنه كراء مدة الجلاء.
فصل [-4 - في الإقالة في كراء الدورة إذا نقد وسكن بعض المدة] ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: لا تجوم الإقالة في كراء الدورة إذا نقد وسكن بعض المدة، بخلاف الإقالة في الحمولة بعد مسير بعض الطريق.
ابن القاسم: لأنهما لا يتهمان في الحمولة على البيع والسلف، وكراء الدول كالسلع المضمونة، يقيل من بعضها، إلا أن يكون لم ينقده.

الجزء: 16 - الصفحة: 199

قال ابن حبيب: لا يجوز أن يقيله في الدور مما لم يسكن بنقد ولا بدين، وهو في النقد كراء وسلف، وفي الدين دين بدين، وفي الحمولة يجوز وقد سار إلى أن ما لا تهمة فيه، بالنقد ولا يجوز بالدين.
هذا قول مالك وأصحابه.
[فصل -5 - في اختلاف المتكاريين في قبض الكراء بعد تمام المدة المكتراة] ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك في مكتري الدار سنة يقول بعد تمام السنة: دفعت الكراء، فلا يقبل منه، والقول قول رب الدار مع يمينه إن قام بحدثان ذلك، وإن قام بعد تباعد ذلك فالقول قول الساكن مع يمينه، وسواء خرج من الدار أو أقام.
قال ابن حبيب: ولو اكترى منه مساناة، أو مشاهرة صدق المكتري فيما قد انقضى أنه قد دفع كراءه، إلا في السنة الأخيرة أو في الشهر الأخير، فإن رب الدار إن قام بحدثان ذلك فله كراؤها مع يمينه، وإن تطاول وحاول دون ذلك نحو الشهر في الشهور والسنة وشبهها في السنين فلا شيء له، ويصدق المكتري مع يمينه، سواء خرج أو أقام في الدار.
وقال في الكتابين: ولو أكراه سنة بعينه فتمادى فسكن عشر سنين، ورب الدار حاضر لم يواجه على شيء، فقال الساكن: قد دفعت جميع الكراء، فلا شيء لرب الدار في السنة الأولى، وإن قام بحدثان انسلاخ التسع سنين فله كراؤها ويحلف، إلا أن يأتي الساكن ببراءة، فإن قام بعد تطاول فلا شيء له، إذا قال الساكن: دفعت الكراء، ويحلف.
قال في العتبية: ولو كان يجدد عليه الكراء في كل سنة من العشر سنين بالبينة، ثم طلب كراء الجميع فلا شيء له إن زعم الساكنين: أنه دفع ذلك إلا في السنة الأخيرة، فإنه

الجزء: 16 - الصفحة: 200

إن قام بحدثان ذلك فله كراؤها، وإن تطاول فلا شيء له، ولو أكراه العشر سنين في مرة ثم طلب كراءها بعد انسلاخها بحدثانه فله كراء جميع السنين مع يمينه، وإن قام بعد طول زمان فلا شيء له، ويحلف الساكن.
م/: ومعنى مسائل هذه الفصول في المدونة لمن تأمل ذلك، وإنما ذكرتها تأكيداً في بيانها والله نسأل التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 201

[الباب الحادي عشر]

في الأرض تكرى فتهور بئرها أو تغور عينها أو تعطش أو تغرق

[فصل -1 - في كراء الأرض التي تعذر الانتفاع بها أثناء مدة كرائها لانهيار بئر أو نحو ذلك] قال مالك: ومن اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها سنة أو سنتين، ثم تهورت بئرها، أو انقطعت عينها، فأراد أن يحاسب صاحبها، فلا يقسم الكراء على السنين سواء، ولكن يقسم على قدر نفاقها، وتشاح الناس فيها، وليس كراء الأرض في الصيف والشتاء واحداً، ولا ما ينقد فيه كالذي يستأخر نقده، وكذلك يحسب كراء الدور في الهدم، ولا يحسب على عدد الشهور والأعوام، وقد تكرى سنة لا شهر فيها، كدور مصر ومكة؛ لكثرة عمارتها في المواسم.

الجزء: 16 - الصفحة: 202

[الفصل -2 - في إنفاق المكتري بعض الكراء لإصلاح البئر أو العين] وقد تقدم أن من اكترى أرضاً ثلاث سنين فزرعها، ثم غارت عينها أو انهدمت بئرها، وأبى رب الأرض أن ينفق عليها، فللمكتري أن ينفق عليها حصة تلك السنة خاصة من الكراء، ويلزم ذلك ربها، فإن زاد على كراء سنة فهو متطوع.
وإنما كان ذلك؛ لأن المكتري متى ترك ذلك فسد زرعه، ولم يكن لرب الأرض كلام؛ إذ لو بطل زرع هذا لم يكن له كراء، فلا يمنع من أمر ينتفع به غيره، ولا ضرر عليه هو فيه.
ابن المواز: وإن كان ربها قد انتقد كراءها كلف إخراجه حتى ينفق كراء تلك السنة، فإن أعلم به قيل للمكتري: أخرج ذلك من عندك سلفاً منك له إن شئت؛ ليعيش زرعك ثم تتبعه به، وإن كان انقطاع ذلك في السنة الثانية فلينفق حصتها من الكراء، ولا ينفق من كراء الأولى شيئاً.
قال أشهب: وإن لم يكن زرع حتى انهارت البئر لم يجب على رب الأرض شيء.
م/: يريد: وللمكتري الفسخ إن لم يصلح له رب الأرض.
قال أشهب: فإن أنفق المكتري من عنده فلرب الأرض كراؤه كاملاً، ولا شيء للمكتري عليه فيما أنفق إلا في نقض قائم من حجر أو آجر، فله أن يعطيه قيمته منقوصاً، أو يأمر بقلعه.
ومن المدونة قال مالك: وكذلك لمن أخذ نخلاً مساقاة، فغار ماؤها بعد أن سقي أن ينفق فيها قدر حصة صاحب الأرض من الثمرة سنته تلك لا أكثر.

الجزء: 16 - الصفحة: 203

[الفصل -3 - في رد الأرض المكتراة للزراعة إذا غرقت أو استحق بعضها] قال: ومن استأجر أرضاً ليزرعها، فغرق بعضها قبل الزراعة أو عطش، فإن كان أكثرها رد جميعها، وإن كان تافها حط عنه بقدر حصته من الكراء في كرمه ودناءته لا بقدر قياس مساحته إذا كانت الأرض مختلفة، ولزمه ما بقي من الأرض بحصته من الكراء.
قال ابن القاسم: وكذلك في استحقاق بعض الأرض فيما يقل ويكثر.
قال بعض فقهاء القرويين: من جعل الغرق والعطش هنا كالاستحقاق فيجب إذا غرق نصف الأرض أو ثلتها أن يرد البقية.
وقد قيل في الأرض إذا استحق نصفها أنه لا رد به، وينبغي أن يراعي في ذلك الضرر، فإذا لم يكن على المكتري في ذلك ضرر باستحقاق النصف فلا حجة له، وإن كان عليه ضرر رد البقية.
[الفصل -4 - في أقسام أرض الزراعة ووقت جواز العقد في تلك الأقسام] قال: والأرضون على ثلاثة أوجه: فأرض نيل، وأرض مطر، وأرض عيون.
فابن القاسم: أجاز العقد فيهن كلهن بقرب زراعتهن، أو بعيد من ذلك إذ لا غرر فيه، ولم يجزه غيره إلا بقرب الزراعة في أرض النيل، وقرب الأمن ووقوع المطر في أرض المطر، ورأى أن ذلك إذا كان قبل هذا تحجير ملك.
وكلام ابن القاسم أبين أن المكري جائز له أن يبيع رقبتها على أن تقبض إلى سنتين، أو ثلاث، فكيف أن يكريها إلى ذلك، وهو قادر إذا أكراها على بيعها وهبتها ولم

الجزء: 16 - الصفحة: 204

يقع فيها تحجير بين ومسألة العبد إذا اكتراه على أن يقبض إلى شهرين أبين في المنع من مسألة الأرض؛ لأن العبد هناك لا يقدر على بيعه، والأرض ههنا يقدر على بيعها.
وقد أنكر سحنون قول الغير في منعه كراء أرض النيل إلا بقرب شربها.
[الفصل -5 - في كراء الأرض التي تعذر حرثها لأمر لا قدرة للمكتري على دفعه] ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً ليزرعها فقحطت السماء، فلم يقدر على الزارع، وكذلك لو زرع الأرض فانهارت بئرها، وانقطعت عينها، أو امتنع الماء الذي يحيا به الزرع من السماء قبل تمام الزرع حتى هلك الزرع لذلك فلا كراء على الزراع، وإن نقده رجع بجميعه؛ لأنه إنما اكتراها على حياتها من الماء، فإذا امتنع الماء فلا كراء عليه، وإن جاءه من الماء ما كفى بعضه، وهلك بعضه، فإن حصت ما له بال، وله فيه نفع، فعليه من الكراء بقدر نفعه، ولا شيء عليه إن حصد ما لا بال له ولا نفع له فيه.
قال في كتاب محمد: مثل الخمسة فدادين والستة من المئة، ولما كان إذا عطشت لم يكن للمكري من الكراء شيء؛ لأن المكتري ما انتفع بشيء، ولا تعطلت الأرض على ربها؛ إذ لو زرعها هو ما انتفع منها بشيء، وجب متى لم ينتفع المكتري بشيء لا

الجزء: 16 - الصفحة: 205

يجب عليه كراء، ولعل هذا الذي ذكر في كتاب محمد هو قدز زريعته فكأنه لم ينتفع بشيء.
[الفصل -6 - في كراء الأرض التي أصابتها جائحة بعد زراعتها] فأما إذا أتى مطر بعدما زرع، وفات إبان الزراعة فغرق زرعه حتى هلك لذلك فهي جائحة على الزرع، وعليه جميع الكراء، بخلاف هلاكه من القحط.
قال: وكذلك لو هلك زرعه ببرد أو جليد أو جائحة ما غير العطش فالكراء عليه، وأما لو أتى مطر فغرق زرعه في وقت لو انكشف الماء عن الأرض أدرك زرعها ثانية فلم ينكشف حتى فات الإبان فذلك كغرقها في الإبان قبل أن تزرع حتى فات الحرث فلا كراء عليه، ولو انكشف الماء في إبان يدرك فيه الحرث لزمه الكراء وإن لم يحرث.
[الفصل -7 - فيمن زرع في أرض الخراج وأرض الصلح فغرقت أو عطشت] ومن زرع في أرض الخراج بكذا، مثل أرض مصر، فغرقت أو عطشت قبل الحرث، فلا كراء عليه، وكذلك إذا لم يتم زرعها من العطش.
وأما أرض الصلح التي صالحوا عليها إذا زرعوا فعطش زرعهم، فعليهم خراج أرضهم.
قال غيره: هذا إن كان الصلح وظيفة عليهم، وأما إن كان صلحهم على الأرض خراجاً معروفاً فلا شيء عليهم.
م/: وأما أرض مصر إذا عطشت وضع الكراء عن المكتري؛ لأنها أرض عنوة أكراها السلطان للمسلمين، وأما أرض الصلح فإن كان إنما صالحهم على أن على أرضهم

الجزء: 16 - الصفحة: 206

خراجاً فالأمر كما قال الغير، ولا يمكن أن يخالفه ابن القاسم في هذا، وإن كان إنما صالحهم على أن على المصالحين خراجاً لملكهم الأرض، كما توظف بقدر اكتسابهم وأملاكهم صح ما قال ابن القاسم، وقاله بعض القرويين.

الجزء: 16 - الصفحة: 207

[الباب الثاني عشر]

في النقد في أرض النيل وأرض المطر وأرض السقي

[الفصل -1 - في النقد في أرض المطر وأرض النيل] قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء أرض المطر عشر سنين إن لم ينقد، فإن شرط النقد فسد الكراء، وإن اكتراها سنين وقد أمكنت للحرث جاز نقد حصة عامه هذا.
قال مالك: وإن اكتراها سنة قرب الحرث، وحين توقع الغيث، لم يجز النقد حتى تروى، ويمكن من الحرث.
وقال غيره: لا تكرى أرض المطر التي تروى مرة وتعطش أخرى إلا قرب الحرث وتوقع الغيث.
وقد أجازه الرواة، ولم يروا فيه تهمة إذا لم ينقده، ولا يجوز كراؤها بالنقد حتى تروى رياً مأموناً متوالياً، مبلغاً للزرع أو لأكثره، مع رجاء مطر غيره، ولا يجوز كراؤها إلا عاماً واحداً، إلا أن تكون مأمونة كأمن النيل في سقيه، فلا بأس بكرائها قرب إبان شربها وريها بالنقد أو بغير النقد.
قال سحنون: هذا أضيق إذا كانت مأمونة جاز كراؤها بالنقد سنين وبغير النقد.
قال مالك: ويجوز النقد في أرض النيل قبل ريها؛ لأمنها.
قيل لمالك: فإن كانت أرض المطر فيما اختبر منها لا تخلف، أيجوز النقد فيها؟ قال: النيل أبين شأناً، وأرجو جواز النقد فيها إن كانت هكذا، بخلاف التي تخلف من أرض المطر، أو ذات بئر قل ماؤها، ويخاف ألا يقوم بها، فالنقد في هذا خطر؛ لغلبة الغرر في أن يكفي ماؤها، فيغبن المكتري رب الأرض، أو لا يكون فيها ما يكفي فيكون

الجزء: 16 - الصفحة: 208

المكتري مغبوناً، ويصير النقد لهذا الغرر تارة ثمناً وتارة سلفاً، كالنقد في المواضعة وبيع الخيار وبيع العهدة، ولم يدخلا في المأمون في غرر، فإن انقطع الماء بأمر حادث فللمكتري إنفاق كراء سنة في غور بئر وعين، وليس له ذلك في غير المأمونة إن أبى ربها.
[الفصل -2 - في كراء أرض تسقى من بئر لا تكفيها] وفي كتاب محمد في كراء الأرض، ولها بئر لا تكفي، أن الكراء فاسد، نقد أو لم ينقد؛ لأنه خاطره على أمر لا يدري أيتم به الزرع أو لا يتم.
وظاهر المدونة أنه إنما كره النقد في ذلك، والأشبه أن ذلك لا يجوز، فإن قيل: ما الفرق بين هذا وبين كراء أرض المطر التي يمكن أن يأتيها المطر فيتم الزرع أو لا يأتيها؟ قيل: هذا غرر لا يقدر على دفعه فأبيح للضرورة، وغرر البئر أمر يقدر على دفعه؛ لأنه يمكنه إصلاح البئر قبل أن يكري، أو يكري بعض الأرض التي لا يشك أن الماء يكفيها.

الجزء: 16 - الصفحة: 209

[الباب الثالث عشر]

فيمن اكترى أرضاً ليزرعها شيئاً فغرس أو زرع غيره وكيف إذا انقضت المدة وفيها شجرة أو زرعه

[الفصل -1 - فيمن اكترى أرضاً ليزرعها شيئاً فغرس أو زرع شيئاً آخر] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً ليزرعها عشر سنين، فأراد أن يغرس فيها شجراً، فإن كان ذلك أضر بها منع، وإلا فله ذلك كحمله على الراحلة غير ما اكتراها له، وإن اكتراها ليزرعها شعيراً، فأراد أن يزرعها حنطة، فإن كان ذلك أضر بالأرض منع، وله أن يزرع ما ضرره كضرر الشعير فأدنى.
قال بعض فقهاء القرويين: انظر لو رضي له رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أم لا يجوز؟ والصواب أنه لا يجوز، كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.

الجزء: 16 - الصفحة: 210

فصل [-2 - في أمد الكراء ينقضي وفي الأرض شجر المكتري أو زرعه] قال مالك: وإن اكتريت أرضاً سنين مسماة، فغرست فيها شجراً، فانقضت المدة وفيها شجرك، فلا بأس أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة.
قال ابن القاسم: ولو اكتريتها من ربها، ثم أكريتها من غيرك فغرسها، ثم انقضت مدة الكراء وفيها غرسه، فلك أن تكتريها من ربها سنين مستقبلة، ثم إن أرضاك الغارس وإلا قلع غرسه، قال غيره: لا ينبغي ذلك حتى يتعامل الغارس ورب الأرض على ما يجوز، ثم يكري أرضه إن شاء إلا أن يكريك أرضه على أن يقلع عنك الشجر.
م/: وإنما جاز كراؤها عند ابن القاسم؛ لأن لرب الأرض أن يجبر الغارس على قلع غرسه بعد تمام كرائه، فكان المكتري إنما دخل على أن يقلع الغارس عنه غرسه؛ لأنه ملك من الأرض ما كان ربها يملكه، ولا يستطيع الغارس مخالفته فقد دخل على أمر معروف.
م/: قال بعض القرويين: انظر إن كانت علة الغير أنه لما كان لرب الأرض أن يعطي للمكتري الثاني قيمة غرسه مقلوعاً صار متى أكرى أرضه من الأول قبل أن يحاكم الثاني، فكأنه إنما أكرى منه على أن للأول أن يعطي للغارس قيمة غرسه مقلوعاً قضاء عن رب الأرض، ثم يعطيه رب الأرض إذا انقضى أمد كرائه الثاني قيمتها منقوضة، فأشبه

الجزء: 16 - الصفحة: 211

سلفاً أسلفه إياه على أن يكريه، فإن كانت هذه العلة التي منع من أجلها أن يكري من الأول فلا يجوز أيضاً أن يكري منه وهو الغارس قبل أن يحاكمه في الغرس؛ لأنه لما كان له أن يعطيه قيمة غرسه مقلوعاً فكأن ذلك وجب له عليه فتحول عنه إلى أن أكرى منه الأرض على أن يؤخره بذلك.
[الفصل -3 - في أمد الكراء ينقضي وفي الأرض زرع أخضر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان موضع الشجر زرعاً أخضر لم يكن لرب الأرض أن يكريها مادام هذا فيها؛ لأن الزرع إذا انقضت الإجارة لم يكن لرب الأرض قلعه، وإنما له كراء أرضه، ولو أن يقلع الشجر فافترقا، إلا أن يكريها ربها منك إلى تمام الزرع فلا بأس بذلك.
قال سحنون: إن كانت الأرض مأمونة.
يريد: في جواز النقد.
قال ابن القاسم: فإذا انقضت السنون، وللمكتري في الأرض زرع لم يبد صلاحه لم يجز لرب الأرض شراؤه، وإنما يجوز بيع زرع أخضر يشترط مع الأرض في صفقة واحدة، وكذلك الأصول بثمرها، وإن لم يشترطه المبتاع كان ما أبر من الثمرة أو ما ظهر في الأرض من الزرع للبائع، وإذا لم تؤبر الثمرة، ولم يظهر الزرع من الأرض فذلك للمبتاع.
م: قال بعض فقهاء القرويين: الأشبه أن يجوز لرب الأرض شراء ما فيها من زرع؛ لأن الأرض ملكه فصار مقبوضاً بالعقد، وما يحدث فيه من نماء إنما هو في ضمان

الجزء: 16 - الصفحة: 212

مشتريه؛ لكونه في أرضه، وإنما منع النبي -صلى الله عليه وسلم- من بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها لكون ضمانها من البائع؛ لأنها في أصوله بقوله: (أرأيت إن منع الله الثمرة بم يأخذ أحدكم مال أخيه) وعلى هذا التعليل أجاز عبد الملك شراء الجنان فيه ثمرة بقمح أو بجنان آخر فيه ثمرة تخالفها؛ لأن كل ثمرة مقبوضة فكانا متناجزين.
والدليل على أن الثمرة كان على المشتري قيمة الثمرة يوم اشترى الأصول؛ لأنه بشرائه الأصول صار قابضاً لها، وصار النماء في ملكه حدث، فإنما عليه قيمتها يوم اشترى الأصول.
[الفصل -4 - في أمد الكراء ينقضي ويصالح المكتري رب الأرض على بقاء الغرس في أرضه عشر سنين على أن له نصف الشجر] ومن المدونة: ومن اكترى أرضاً فغرسها شجراً، ثم انقضت المدة، فصالح ربها على بقاء الغرس في أرضه عشر سنين على أن له نصف الشجر لم يجز؛ لأنه أكراه بنصف

الجزء: 16 - الصفحة: 213

الشجر يقبضها إلى عشر سنين، وقد تسلم أولاً تسلم، ولو قال له: لك الآن نصف الشجر جاز.
وقال غيره: لا يجوز؛ لأنه فسخ دين في دين.
قال أبو محمد: يريد غيره: لأنه لما كان له أن يعطيه قيمة الشجر مقلوعاً فكأنه أكراه بقية نصف الشجر التي بقيت للمكتري في الأرض بالقيمة التي وجبت له عليه في نصف الشجر الذي أسلمه إليه، فصار كراء الأرض بدين لك على رب الأرض.
م/: وإن شئت قلت: إنما دخله الدين بالدين؛ لأن رب الأرض كان له أن يعطيه قيمتها مقلوعة، فكأن المتكاري تحول من تلك القيمة إلى نصف الشجر، تكون بيده عشر سنين، ثم يكون رب الأرض مخيراً عليه فيها أيضاً فلم يبن بالنصف الذي تحول إليه بينونة تامة.
قال ابن أبي زمنين: هكذا رأيته لبعض العلماء، وذكر أيضاً مثل ما ذكر أبو محمد.
[الفصل -5 - في المكري يشترط أن يسلمه المكتري الشجر بعد عشر سنين ويكون عوضاً عن كراء أرضه] ومن المدونة قال مالك: ومن اكترى أرضاً عشر سنين على أن يغرسها المكترى شجراً سماها على أن الثمرة للغارس، فإذا انقضت المدة فالشجر لرب الأرض لم يجز؛ لأنه أكراها بشجر لا يدري أيسلم الشجر أم لا.

الجزء: 16 - الصفحة: 214

ابن المواز: وقال أشهب: ذلك جائز إذا سمى مقدار الشجر، وهو كالبنيان، ولا يدري كيف يصير البنيان.
قال ابن المواز: هذا لا يجوز، بخلاف شراء الشجر المضمونة إلى عشر سنين، يسمى قدرها ومبلغ صفتها، يشتريها بالعين، فليس ذلك كالمغارسة التي هي من باب الجعل.
م/: قال بعض فقهاء القرويين: وافقه محمد في البينان، وخالفه في الشجر، وقال: لا يجوز كما لا يجوز أن يسلم فيها.
قال: والأشبه عندنا أن لا يجوز في شجر، ولا بنيان، إذا كان البنيان يتغير في هذه المدة، كما لا يجوز للبائع أن يستثنى سكنى الدار إلا السنة ونحوها لتغير البناء، إلا أنه لو كان بناءً متقناً لا يتغير في تلك المدة لجاز.
ومن المدونة: وقال سحنون: لا يجوز، ويدخله بيع الثمر قبل بدو صلاحها، وكراء الأرض بالثمر.
م/: يريد سحنون؛ لأن رب الأرض يأخذ الشجر بعد تمام المدة، فإن كان فيها ثمر لم يبد صلاحه فذلك بيع الثمر قبل بدو صلاحها، وإن كان قد بدا صلاحه فهو كراء الأرض بالثمر، وإن كان كامناً فهو كراء الأرض بما يخرج منها.
م/: وهذا إذا اشترط رب الأرض أن له الشجر بعد العشر سنين بما فيها من الثمر، أما إن لم يشترط ذلك، وإنما أكراها بعين أو غيره كراءً جائزاً فانقضت المدة في الشجر ثمر، فإن لم تؤبر فلرب الأرض أن يأمر المكتري بقلع الشجر، أو يأخذها بقيمتها مقلوعة،

الجزء: 16 - الصفحة: 215

وإن أبرت جبر على بقائها إلى تمامها، وعلى المكتري كراء المثل، كما لو انقضت المدة وفيها زرع لم يتم.
م/: وعلل بعض فقهاء القرويين قوله: ويدخله كراء الأرض بالطعام، قال: جعل الشجر في هذا للغارس، وهو مذهب ابن القاسم في المغارسة الفاسدة، فجعل الغارس يعطيها، وقد يكون فيها ثمر، فيصير كراء الأرض بالطعام.
قال: ومن علل أن بيع الثمر قبل بدو صلاحه جعل الغرس لرب الأرض؛ لأن الأرض قابضة له بوضع الغارس ذلك فيها، وللعامل قيمته يوم وضعه فيها، فصار رب الأرض أعطى للعامل في إجارته ثمر هذا الغرس قبل بدو صلاحه، وذلك بيع له.
قال: وكان يجب أن تفوت الأرض بالغرس، ويكون للعامل في العشر سنين، وعليه كراء المثل فيها إذا جعلوا الغرس للغارس، وأما إن جعلناه لرب الأرض وجب فسخ الكراء، وكان للعامل قيمة ما وضع فيها، إلا أنهم قالوا في شرط الغرس بينهما من دون الأرض: إن الغرس للغارس، ويعطيه رب الأرض قيمته مقلوعاً ولم يجعلوه كراء فات بالغرس، وفي المغارسة إيعاب هذا.
[الفصل -6 - فيمن اكترى أرضاً ليزرع فيها سنة فحصد قبل تمام السنة أو تأخر زرعه بعد تمامها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً سنة فحصد زرعه قبل تمام السنة، فأما أرض المطر فمحمل السنة فيها الحصاد، ويقضي بذلك فيها، وأما ذات السقي التي تكرى على أمد الشهور والسنين، فللمكتري العمل إلى تمام سنته، فإن تمت وله فيها زرع أخضر، أو بقل، فليس لرب الأرض قلعه، وعليه تركه إلى تمامه، وله فيما بقي كراء المثل على حساب ما أكراها منه.

الجزء: 16 - الصفحة: 216

وطرح سحنون في رواية يحيى على حساب ما أكراها منه، وأبقى كراء المثل، ونقلها أبو محمد في مختصره: وله فيما بقي كراء المثل لا على ما أكراه.
وفي المدونة على حساب ما كان اكترى.
م/: وكلام ابن القاسم جيد، ووجهه: أن المكري والمكتري دخلا على أن للمكتري الانتفاع بالأرض في جميع السنة، وقد علما أن بعض البطون قد يتقدم ويتأخر لما يطرأ فيها من العاهات، فكأنهما دخلا على ذلك، فلم يكن المكتري متعدياً؛ ولذلك قال: على المكتري في الزيادة كراء مثلها على حساب ما أكرى منه، ومعنى ذلك أن يقوم كراء الزيادة، فإن قيل: دينار.
قيل: وما قيمة السنة كلها؟ فإن قيل: خمسة.
فقد علمت أنه وقع للزيادة مثل خمس كراء السنة فيكون عليه الكراء الأول، ومثل خمسه، كما كان له لو تعطل عليه شهر من السنة لغور بئر الأرض، أو لغرقها أن يسقط عنه كراء مثله من حساب ما اكترى، وهو حصته من الكراء، فكذلك إذا زاد شهراً، يكون عليه كراء مثل من حساب ما أكرى، وهو حصته من الكراء، وكأنه داخل في العقد، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: وقال غير ابن القاسم: إن بقي من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرع فلا ينبغي له أن يزرع، فإن فعل فعليه في زيادة المدة الأكثر من الكراء الأول؛ إذ كأنه رضيه، أو كراء المثل.

الجزء: 16 - الصفحة: 217

يريد: ولو كان ربها عالماً به فتركه، فله على حساب الكراء الأول، كما قال الغير في كراء الدابة يكتريها مدة فيجاوزها.
قال ابن حبيب: إذا لم يبق من المدة إلا شهر أو شهران، وما لا ينتفع به في الزرع، فإن كانت من أرض الزرع فليس للمكتري أن يحدث فيها زرعاً إلا بكراء مؤتنف، ولا يحط عنه لما تقدم شيء، ولربها حرثها لنفسه، وليس للمكتري منعه؛ لأنه مضار.
فإن زرعها المكتري وهو يعلم أن الوجيبة تنقضي قبل تمام الزرع بالأمد البعيد فربها مخير: إن شاء حرث أرضه فأفسد زرعه، أو أقره وأخذه بالأكثر من قيمة الكراء، أو من كراء الوجيبة، وإن كان ظن أن زرعه ينقضي عند تمام الوجيبة فزاد عليها الأيام والشهر ونحوه، فليس لربها قلعه، وله فيما زادت المدة على حساب كراء الوجيبة، وإن كانت من أرض المباقل فله أن يعمل وينتفع إلى انقضاء الوجيبة، فإن انقضت ولم يبلغ إبانه، فإن كان حين وضع البقل في الأرض على رجاء من بلوغ إبانه وتمامه عند انقضاء الوجيبة فجاوز ذلك بأيام أو شهر، فله كراء ذلك كما ذكرنا، وإن علم أنه لا يبلغ تمامه إلا بعد انقضاء الوجيبة بأيام بعيدة فربها مخير في قلع ذلك، أو تركه، وأخذ الأكثر من كراء الوجيبة، أو كراء المثل.
فصل [-7 - فيمن اكترى أرضاً يزرعها كل سنة بكذا ولم يسم سنين معينة] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً يزرعها كل سنة بكذا، ولم يسم سنين بأعيانها جاز ذلك، ولكل واحد منهما أن يترك متى شاء ما لم يزرع فحينئذ لا ترك لأحدهما تلك السنة خاصة، ويلزمه كراؤها، ويترك بعد ذلك إن شاء.

الجزء: 16 - الصفحة: 218

وإن قال المكتري: أنا أقلع زرعي وأؤدي حصة ما بقي، لم يكن له ذلك كان في إبان الحرث أم لا؛ لأنه حين زرع فقد رضي بأخذ الأرض سنته تلك.
م/: وكما لم يكن لرب الأرض إذا حرث إخراجه، فكذلك لا يكون له أن يخرج، وإن قلع جميع زرعه، إلا أن يؤدي جميع الكراء لتلك السنة.
[الفصل -8 - فيمن اكترى من رجل أرضه أو داره أو غير ذلك على أن يقبضه بعد أجل مسمى] وإن اكتريت من رجل أرضه قابلاً، وفيها الآن زرع له أو لمكتر آخر، فإن كانت مأمونة كأرض النيل جاز شرط النقد فيها، وإن كانت إنما تحيا بالعيون والآبار المجوفة غير المأمونة فالكراء جائز، ولا ينبغي النقد فيها بشرط.
ومن اكترى داراً على أن يقبضها إلى سنة جاز ذلك، وجاز النقد فيها؛ لأمنها.
وإن بعد الأجل جاز الكراء، ولا أحب النقد فيها، ولم يجز في سائر العروض والحيوان شراؤه على أن يقبض إلى أجل لغلبة الغرر في تغييره.

الجزء: 16 - الصفحة: 219

[الباب الرابع عشر]

في الدعوى في كراء الأرض

[الفصل -1 - في الدعوى في أمد الكراءٍ] قال ابن القاسم: وإذا قال المكتري: اكتريت الأرض عشر سنين بخمسين ديناراً، وقال ربها: بل خمس سنين بمائة دينار، فإن كان بحضرة الكراء تحالفا وتفاسخا، وإن كان قد زرع سنة أو سنتين ولم ينقد فالقول قوله في ذلك؛ لأنه غارم، ولربها ما أقر به المكتري.
م/: وهو خمسة في كل سنة، إن أشبه ما يتغابن الناس بمثله ويحلف، وإن لم يشبه فعلى قول ربها إن أشبه مع يمينه، وهو عشرون دينارًا في كل سنة إذا استوت السنون، فإن لم يشبه فله كراء المثل فيما مضى، ويفسخ باقي المدة على كل حال، وإنما فسخنا بقية السنين لدعواه في كرائها أكثر من دعوى المكتري، وهذا إذا لم ينتقد.
ومن قول مالك: أن رب الأرض والدار والدابة مصدق في الغاية فيما يشبه، وإن لم ينتقد.
قال غيره: وإذا انتقد فالقول قول ربها مع يمينه فيما يشبه من المدة، فإن لم يأت بمد يشبه، وأتى المكتري بما يشبه صدق فيما سكن على ما أقر به، ويرجع ببقية المال على ربها بعد يمينه على ما ادعى، ويمين ربها فيما ادعى عليه من طول المدة، وإن لم يشبه ما قاله

الجزء: 16 - الصفحة: 220

واحد منهما تحالفا، وفسخ الكراء، وعلى المكتري قيمة كراء ما سكن، وإن أتيا بما يشبه صدق رب الدار مع يمينه؛ لأنه انتقد، ولم يسكن المكتري إلا ما أقر به المكري.
قال سحنون: وروى نحوه ابن وهب عن مالك، وهذا هو الأصل في الدور والرواحل والعبيد وغيرها، فرد إليه ما خالفه.
م/: وهذا الذي ذكر الغير موافق لقول ابن القاسم، إلا قوله: إذا أشبه قول ربها، وأشبه ما قالا: أن المكتري يلزمه أن يسكن ما أقر به المكري، فهذا يخالفه فيه ابن القاسم، ويرى أن يتحالفا ويتفاسخا في بقية المدة؛ لأنه كسلعة قائمة لم تقبض.
وهذا مذهب ابن المواز في الدور لا في الرواحل.
م/: فصار الاختلاف في هذا على ثلاثة أقوال: قول أنهما يتحالفان ويتفاسخان في بقية المدة في الدواب والدور وغيرها، وهو ظاهر المدونة.
وقول: أنه يلزمه التمادي إلى الغاية التي أقر بها المكري، وهو قول الغير هاهنا.
وقول: بأنه يلزمه التمادي في الدواب إذا سار أكثر الطريق، ويتحالفان ويتفاسخان في الدور، وهو قول ابن المواز.
والقياس قول ابن القاسم: أنهما يتحالفان ويتفاسخان في الجميع؛ لأن البقية كسلعة لم تقبض، والاستحسان ما قاله ابن المواز والله أعلم.
وقال بعض فقهاء القرويين: إذا اختلفا قبل الزرع تحالفا وتفاسخا على قول ابن القاسم، نقد الكراء أو لم ينقده؛ لأنه لم يجعل النقد المقبوض فوتاً، فأما على

الجزء: 16 - الصفحة: 221

مذهب من يجعل النقد المقبوض فوتاً، وأشبه ما قاله المكري، وكانت الأرض لا ضرر في قسمتها على المكتري، دفع رب الأرض نصفها، فيزرعها المكتري خمسن سنين؛ لأن ما حاز من النقد القول فيه قوله مع يمينه، وقد انتقد خمسين فدفع فيها نصف الأرض، وإن كان على المكتري في ذلك ضرر تحالفا وتفاسخا، ولم يكن النقد فوتاً؛ لضرر الشركة، وإن كان قد زرع سنة فالقول قول المكري: أن لي مما قبضت من الخمسين عشرة في سنة؛ لأنه حائز لها، ويحلف على ذلك؛ لأنه يقول: حصة هذه السنة عشرون.
والقول قول المكتري في العشرة الثانية، ويحلف أنه لم يبق له عليه شيء إذا أشبه ما قالا جميعاً، ثم يفسخ بقية السنين على قول من لم يجعل النقد فوتاً، أو لضرر الشركة بالمكتري، وأما لو اتفقا أن النقد وقع خمسين، ثم اختلفا في أمد السكنى، فقال المكتري: عشرة سنين، وقال رب الأرض: خمس سنين، فعلى قول ابن القاسم يتحالفان ويتفاسخان، وينبغي على ما في كتاب السلم الثاني أنه إذا طال انتفاع المكري بالنقد أن ذلك فوت، والقول قول المكري، ويسكن المكتري خمس سنين، كقوله أسلمت إليك في عشرة أرادب حنطة، وقال المسلم إليه: بل في خمسة، وأشبه ما قالاه جميعاً، وقد حل أجل السلم، وطال انتفاع البائع بالنقد، أن القول قوله.
وأما على ما هاهنا فيتحالفان ويتفاسخان أبداً وإن طال.
[الفصل -2 - في الرجل يزرع أرض آخر ويدعي أنه اكتراها منه وربها منكر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن زرع أرض رجل، وادعى أنه اكتراها منه، وربها منكر، فإن أقر ربها أنه علم به حين زرع فلم ينكر عليه، وقامت بذلك بينة، أو لم

الجزء: 16 - الصفحة: 222

تقم بينة فأحلف عليه فنكل، فليس له إلا ما أقر به المكتري مع يمينه، إلا أن يأتي بما لا يشبه.
م/: يريد: فيكون عليه كراء المثل.
م/: يريد: وسواء فات إبان الزراعة، أو لم يفت في هذا.
م/: أما قوله: فأحلف عليه فنكل إذا ادعى عليه المكتري كراء مسمى فيجب أن يكون القول قول المكتري، وإن أتى بما لا يشبه؛ لأن الناكل مكنه من جميع دعواه بنكوله.
هذا هو المشهور من المذهب.
م/: والصواب أن لا يراعى في هذا ما لم يشبه؛ لأنهما لم يختلفا في عدد الكراء فيردهما إلى ما يشبه.
وإنما قال ربها: لم أكرها منك، فكان القول قوله مع يمينه، فإن نكل حلف الزارع، وغرم ما أقر به، كما لو قال: أذنت لي أن أزرعها بغير كراء.
فنكل ربها وحلف الزارع، فإنه لا يكون عليه كراؤها، وقاله جماعة من أصحابنا.
ومن المدونة: وقال غيره: علم به أو لم يعلم، فله الأكثر من كراء المثل، أو ما أقر به المكتري بعد يمينه على دعوى المكتري إن كان كراء المثل أكثر من دعواه.
م/: يريد: وسواء فات إبان الزراعة، أو لم يفت إذا طلب من الكراء، فإذا طلبه أن يقلعه في الإبان لم يكن له ذلك إذا علم به فتركه؛ لأن ذلك شبهة له.
وإن لم يعلم به فله قلعه إذا حلف على دعوى الزارع، ولا يختلفان في ذلك.

الجزء: 16 - الصفحة: 223

قال ابن القاسم: وإن لم يعلم به ربها، ولا قامت عليه بذلك بينة، ولا أنه أكراها منه، وحلف على ذلك، فإن كان مضى إبان الزراعة فله كراء المثل، ولا يقلعه، يريد: ومد أقر به الزارع إن كان أكثر من كراء المثل.
قال: وإن لم يفت الإبان خير بين أن يأخذ من المكتري ما أقر به، قال غيره: أو كراء المثل.
قالا: وإن أبى فله أن يأمره بقلعه إلا أن يتراضيا على ما يجوز فينفذ بينهما.
م/: وقول غيره: أو كراء المثل.
خلاف لابن القاسم.
قال ابن القاسم: ولو ترك الزرع لرب الأرض جاز ذلك، إن رضيا بها - يرد: والزرع في هذا كله قد كبر، وصار لو قلع انتفع به.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن للمكتري في الزرع نفع إذا قلعه لم يكن له قلعه، وبقي لرب الأرض، إلا أن يأباه، فيأمره بقلعه.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: لم يجعل الغير قول الزارع قولا، وإن علم به رب الأرض؛ لأنه مدع لشراء سلعة لم يقر البائع أن باعها منه فله قيمتها إذا أفاتها المشتري، إلا أن يقر المستهلك بأكثر من القيمة، وهذا هو الأشبه.
م/: ووجه قول ابن القاسم أنه لما كانت العادة أن لا يحرث أحد أرض غيره، وهو ساكت، يراه ولا ينكر عليه إلا بكراء تقدم منه أو هبة، وجب أن يكون القول قول الزارع؛ لأنه مدع ما يشبه.
قال: وإذا كان في إبان الزرع، وحلف رب الأرض أنه مد أذن، وجب قلع الزرع.
ولم يكن له أخذه بقيمته مقلوعاً خيفة أن يكون ذلك بيعاً له

الجزء: 16 - الصفحة: 224

قبل بدو صلاحه، وهو إنما ينمو بعد الأخذ في أرضه، وكذلك منع من بيع ما زرعه في أرض اكتراها من رب الأرض، وإن كان إنما نماؤه في أرض مشتريه.
ولو رضى بأن يأخذ من الزارع الكراء، ويبقيه لجاز ذلك، إذا كان لو قلع كان فيه منفعة للزارع، ولو لم تكن فيه منفعة حتى يكون ذلك الحكم يوجب بقاءه لرب الأرض لم يجز لرب الأرض أن يراضيه على كراء؛ لأنه يصير بائعاً لزرع وجب له أخذه بالكراء الذي يأخذه، فذلك بيع الزرع قبل بدو صلاحه على البقاء، كذلك ذكر في كتاب محمد فيمن غصب أرضاً لرجل فزرعها فجاء بها، ولا منفعة للزارع في الزرع إذا قلعه أنه لا يجوز لرب الأرض أن يبقيه له بكراء.

الجزء: 16 - الصفحة: 225

[الباب الخامس عشر]

في النقد في كراء الأرض وشيء من ذكر العقود الفاسدة فيها

[الفصل -1 - في النقد في كراء الأرض] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً فتشاحا في النقد، فإن كان لأهل البلد سنة في كراء الأرض حملاً عليها- يريد في المأمونة-، وإلا نظر، فإن كانت كأرض النيل التي تروى في السنة مرة لزم المكتري النقد إذا رويت، وإن كان لا يتم زرعها إلا بالسقي أو المطر فيما يستقبل بعد الزراعة لم ينقده إلا بعد تمام ذلك.
وقال غيره: وإن كانت من أرض السقي، وكان السقي مأموناً، وجب له كراؤه نقداً.
قال ابن القاسم: وإن كانت تزرع بطوناً كالقضب والبقل نقده لكل بطن حصته بعد أن يسلم.
وقال غيره: عليه نقد حصة أول بطن.
قال ابن القاسم: والفرق بين النقد في الدور والرواحل، وبينه في الأرض غير المأمونة، أنه ليس له في الأرض بحساب ما يمضي؛ إذ لا كراء له إذا عطش الزرع، وفي تينك في كل وقت يمضي فقد وجب له كراؤه وتم نفعه، فإذا لم يكن للنقد فيها سنة وجب له كراء ما مضى.
ومن اكتريت منه أرضه الغرقة بكذا إذا انكشف عنها الماء،

الجزء: 16 - الصفحة: 226

وإلا فلا كراء بينكما جاز إن لم ينتقد، ولا يجوز كراؤها بالنقد إلا أن يوقن بانكشاف الماء عنها.
فصل [-2 - فيمن اكترى أرضاً أو داراً كراء فاسداً فقبضها أو لم يقبضها] ومن اكترى أرضاً أو داراً كراء فاسداً فقبض ذلك، فلم يسكن ولم يزرع حتى انقضت المدة فعليه كراء المثل - يريد على أنها مسكونة-.
قال: فإن لم يقبض الأرض، ولا الدار، لم يلزمه الكراء، وكذلك الدابة، وكل كراء فاسد ففيه إن سكن كراء المثل، كان أقل من المسمى أو أكثر.
م/: كالقيمة في فوات السلعة في البيع الفاسد، وقد تقدم هذا.
قال بعض فقهاء القرويين: ولأنه لما أسلم إليه ما يقبض منه المنافع صار كالقابض لها؛ ولأنه قد منع ربها من الانتفاع بها، وهذا هو الأكبر المقدور عليه في التسليم، فهو بخلاف بقاء السلعة بيد ربها في البيع الفاسد، وقد نقد ثمنها، ومكن من قبضها عند ابن القاسم، وإن كان أشهب قد ضمنه بالتمكين وإن لم يقبض، وقد يخالف بين الدور والأرضين، وبين الدابة والثوب إذا لم يلبس ولم يركب؛ لأن المنافع في ذلك قد بقيت لربها بترك اللباس والركوب فيحط عنه من كراء المثل قدر ما كان ينقصه اللباس والركوب كمن حبسه بعد مدة الكراء.

الجزء: 16 - الصفحة: 227

م/: والصواب أن له كراء المثل؛ لأنه قبض ومكن من الانتفاع، فليس تركه ذلك يسقط ما وجب لربها.
[مسألة: في لزوم الكراء للمكتري وإن مات أو حبس أو لم يجد بذراً] قال ابن القاسم: ولا ينتقض الكراء بموت المتكاريين أو أحدهما، وكذلك من اكترى داراً أو أرضاً فلم يجد بذراً، أو سجنه السلطان باقي المدة، فإن الكراء يلزمه، ولا يعذر بهذا، ولكن يكريها إذا لم يقدر هو أن يزرعها أو يسكن الدار.
وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 228

[الباب السادس عشر]

في كراء الأرض بما يخرج منها أو بطعام

[الفصل -1 - في كراء الأرض بما يخرج منها] روى مالك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن المزابنة والمحاقلة.
والمزابنة: اشتراء الثمر بالثمر، والمحاقلة: اشتراء الزرع بالحنطة، واكتراء الأرض بالحنطة.
قال ابن حبيب: أو بغيرها من الطعام مما تنبته أو لا تنبته.
قال ابن القاسم: ومن المحاقلة اكتراؤها بشيء مما تنبته كمن اكتراها بكتان فزرع فيها كتاناً.
وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها، وهي المخابرة التي نهى عنها في حديث آخر.
قال ابن عبدوس: وهو مذهب مالك وأصحابه أجمع.
وهذا لحديث رافع أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن كراء الأرض بما

الجزء: 16 - الصفحة: 229

يخرج منها.
قيل لرافع: فالذهب والورق.
قال: لا بأس بذلك.
وهو ناقل الحديث.
وذهب بعض العلماء إلى كراهية كرائها بشيء من الأشياء منهم: مكحول وعطاء ومجاهد، واحتجوا بحديث رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم- «نهى عن كراء الأرض مجملاً».
وقد بين رافع وجه ما نهى عنه صلى الله عليه وسلم على ما ذكرنا.
وقد اختلف قول الليث، فأجاز مرة أن تكرى بمكيل من طعام معلوم، ومنع منه

الجزء: 16 - الصفحة: 230

بالجزء مما يخرج منها، ومرة أجاز بالجزء مما تنبت منها، ومنع بالمكيل.
وإنما خاف مالك أن تكرى بما يخرج منها لو زرع فيها؛ لنهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عن كرائها بالجزء مما يخرج منها، وبالأوسق من الثمر والشعير في حديث رافع؛ ولأنه يكريها بشيء فتخرج هي أكثر منه.
قيل لسحنون: إن من أجاز كراءها بالجزء مما يخرج منها إنما يشبه بالقراض.
قال: هذا غلط؛ لأن القراض فيما لا يجوز أن يكري وهو العين، والأرض مما تكري، فلم يجز الكراء في العين، وجاز في الأرض فافترقا.
[الفصل -2 - في كراء الأرض بطعام تنبت مثله أو لا تنبت] ومن المدونة قال مالك: ولا يجوز كراء الأرض بشيء مما ينبت قل أو كثر، ولا بطعام تنبت مثله أو لا تنبت، ولا بما تنبته من غير الطعام من قطن وكتان أو اصطبه؛ إذ قد يزرع فيها ذلك فتصير محاقلة، ولا بقضب، أو قرظ أو تبن أو علف، ولا بلبن محلوب، أو في ضروعه، ولا بجبن، أو عسل، أو سمن، أو تمر، أو صبر، أو ملح، ولا بسائر الأشربة والأنبذة.

الجزء: 16 - الصفحة: 231

وإذا خيف في اكترائها ببعض ما تنبت من الطعام أن يدخله طعام بمثله إلى أجل خيف في كرائها بطعام لا تنبته أن يكون طعاماً بطعام خلافه إلى أجل.
ولا تكري بفلفل، ولا بزيت زريعة الكتان، ولا بزيت الجلجلان، ولا بالسمك، ولا بطير الماء الذي هو للسكين، ولا بشاه لحم؛ لأن هذا من الطعام، ولا بزعفران؛ لأنه مما تنبته، ولا بطيب يشبه الزعفران ولا بعصفر.
[مسألة: كراء الأرض بالعود والصندل والحطب والخشب والجذوع] ولا بأس بكرائها بالعود الهندي، والصندل، والحطب، والخشب، والجذوع.
قال ابن سحنون في كتابه: قلت لسحنون: لم أجازوا كراء الأرض بالعود، والصندل، والحطب، والخشب، والجذوع، وهذه الأشياء كلها مما تنبت الأرض؟ فقال: هذه الأشياء مما يطول مكثها ووقتها، فمن أجل ذلك سهل فيها.
[فصل -3 - كراء الأرض بالشجر والكلأ والطعام وببعض ما يخرج منها] قال غيره: ويجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن أن تنتبه إلا في سنة، وهو غير طعام، كجواز كرائها بالشجر.
وأجاز في كتاب محمد كراءها بالخضر.

الجزء: 16 - الصفحة: 232

قال أبو محمد: لأنه لا يزرع.
وأجاز ابن نافع أن تكري بالتمر والتين والزيت والسمن وسائر الطعام إلا الحنطة.
وقال عنه ابن حبيب: ولا بأس أن تكتري بشيء يؤكل، أو لا يؤكل، يخرج منها، أو لا يخرج منها، عدا الحنطة وأخواتها، إذا كان ما تكرى به خلاف ما يزرع فيها.
قال: وقال ابن كنانة: لا تكري بشيء إذا أعيد فيها نبت، ولا بأس بغير ذلك من كل شيء من طعام وغيره.
قال ابن مزين: وبه قال يحيى بن يحيى، وقال: إنه من قول مالك.
قال ابن مزين: وبه أقول.

الجزء: 16 - الصفحة: 233

قال عيسى بن دينار: فمن أكراها على أحد هذه الثلاثة الأقاويل أجزت كراءه، ولم أفسخه.
وأما مذهب الليث فكره أن يكريه بشيء مما يكون مضموناً على المكتري، فأما بالثلث والربع مما تنبت فجائز عنده.
وقال عيسى: وهذا إن وقع فسخته، وإن فات أوجبت عليه كراء مثلها بالدراهم.
وروى عنه ضد هذا، والأول أثبت عنده، وهو قول ابن سيرين والنخعي.
وشدد سحنون في كرائها بالجزء مما يخرج منها، وقال: من فعله فهو جرحه فيه.
قال أبو محمد: يريد: إذا كان عالماً أنه لا يجوز، إما لأنه مذهبه، أو اتبع فيه قول غيره ممن قلده من العلماء.
قال سحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشتري منه من ذلك الذي أخذ في كرائها، فإذا نزل فإنما لربها كراؤها بالدراهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 234

قال أبو محمد: وذكر غير واحد من شيوخنا أن عيسى بن مسكين وغيره من قضاة أصحابنا بأفريقية حكموا بأن ينظر إلى ما وقع له من ذلك الجزء من ثلث أو ربع، فيعطي قيمة ذلك الجزء دراهم.
قالوا: لأنه لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء بالعين؛ فذلك يعطي قيمة ذلك الجزء الذي تجري به أكريتهم ثمناً، أصاب قليلاً أو كثيراً، ولم يعتبروا كراءها يوم العقد؛ لأنه لا كراء على المكتري في الأرض إذا لم يصب فيها شيئاً.
قال ابن حبيب: وقول مالك، وابن القاسم، وأشهب، وابن وهب، وأصبغ، وابن عبد الحكم، ومطرف، وابن الماجشون: لا تكري بجزء مما يخرج منها، ولا بشيء من الطعام أو الشراب كان مما يخرج منها أو لا يخرج منها.
ومن كتاب ابن المواز: ولا بأس أن تكري بالخضر، يريد بالكلأ؛ لأنه ليس مما يزرع ولا من الطعام، ولا بأس بكرائها بالماء.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ويجوز كراؤها بالعين، وروي عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقاله عدد من الصحابة والتابعين.
ويجوز أن تكري أرضك بشجر بأصولها تأخذها من المكتري إن لم يكن فيها يومئذ ثمره - يريد إذا كانت أرضك مأمونة-.

الجزء: 16 - الصفحة: 235

قال ابن القاسم: وإن كان في الشجر ثمر لم يجز - يريد ثمراً لم يؤبر، ولو أبر لجاز؛ لأنها تبقى لربها-.
قال ابن القاسم: ولأن مالكاً كره شراء شجر فيها ثمر بطعام عاجل أو آجل.
قال: لا بأس ببيع نخل بثمر إلى أجل بثمر النخل إليه، كشاه لا لبن فيها بلبن إلى أجل.
ولا يباع كتان بثوب كتان إلى أجل؛ لأنه يخرج منه إلا أن يكون أجلاً قريباً لا يعمل في مثله من الكتان ثوب فلا بأس به، كالقصيل يسلم فيه شعيراً، وأما القصيل بالشعير إلى أجل قريب فلا بأس به؛ لأن القصيل إنما يباع على الجز فلذلك جاز أن يسلم في الشعير؛ لأنه لا يخرج منه بعد الجز شعير.
قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء أرض بأرض، أو دار بدار، ويجوز أن تكتري من رجل أرضه تزرعها أنت العام بأرضك عام قابل ليزرعها هو إذا كانت أرضك مأمونة يجوز النقد فيها؛ لأن أرضه كعرض انتقدته في أرضك.
قال يحيى بن عمر: ولا تبالي كانت أرض صاحبك مأمونة أم لا.

الجزء: 16 - الصفحة: 236

[الباب السابع عشر]

ما يحل ويحرم من كراء الأرض

[الفصل -1 - في اكتراء وشراء الشيء الذي يقبض بعد أجل مسمى والصرف في ثمن الكراء] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً يقبضها قابلاً بألف درهم إلى عشر سنين جاز ذلك.
وكذلك شراء الشيء الغائب بثمن إلى أجل أبعد من مسافته جائز أيضاً، وليس ذلك ديناً بدين؛ لأنه معين.
ومن أكرى أرضه بدنانير معلومة على أن يأخذ منها لكل دينار عشرين درهماً جاز، وكذلك بدراهم معلومة على أن يأخذ لكل عشرين درهماً ديناراً، والتعاقد واقع على المقبوض، واللفظ لغو، ولو ثبت الكراء بدراهم مؤجلة لم يجز أن يأخذ بها دنانير معجلة، أو مؤجلة، حتى يحل فيأخذ بها دنانير نقداً.
[مسألة: في الكراء يكون دنانير أو دراهم فإذا حل أجلهما أخذ عوضاً عنهما طعاماً أو ثياباً مؤجلة إلى ثلاثة أيام] ومن أكرى أرضه بدنانير مؤجلة فحلت فلا يأخذ بها طعاماً ولا إداماً، وليأخذ مد يجوز أن يبتدئ به كراءها.
وإن اكتراها بدراهم إلى أجل فلما حل الأجل فسخها في ثياب بعينها على أن يقبضها إلى ثلاثة أيام لم يجز، إلا أن يقبض الثياب قبل أن يفترقا؛ لأنه من وجه الدين بالدين.

الجزء: 16 - الصفحة: 237

[مسألة: فيمن اكترى أرضاً بدراهم وخمر في صفقة واحدة] ومن اكترى أرضاً بدراهم وخمر في صفقة واحدة فسد جميعها، ولم تجز حصة الدراهم، وإن رضي المكتري بترك الخمر لم يجز، وليس كالبيع والسلف الذي يجوز أن يسقط شرط السلف فيتم البيع.
م/: والفرق: أن الخمر ثمن شرط تملكه بالدراهم التي معه، والدنانير السلف إنما شرط النفع بها، ثم ترجع إلى ربها، فإذا تركت سقط النفع المنهي عنه، وقد قيل في البيع والسلف: إنه يفسخ على كل حال، كالبيع بدراهم وخمر؛ لأن النفع المشترط حرام كالخمر، وهذا أقيس.
[مسألة: في الكراء يكون صوفاً على ظهور الغنم يجز بعد أيام قليلة] قال ابن القاسم: ولا بأس بكراء الأرض بصوف على ظهور الغنم إن شرع في الجز مكانه، أو إلى ما قرب من خمسة أيام أو عشرة.
[مسألة: في كراء الأرض بالخيار لكلا المتكاربين أو لأحدهما] ويجوز كراء الأرض بالخيار لكما أو لأحدكما، وإن لم يؤجلاه جاز، وأجله الإمام إلا أن يكون قد مضى مقداره فيوقف الآن من له الخيار، فإن كانا بالخيار جميعاً فاختلفا في الأخذ والرد فالقول قول من أراد الرد.
ومن اكترى داراً بقفيز من حنطة، أو بقفيز من شعير، أيهما شاء المكتري، أو المكري، وذلك كله معين أو مضمون قد لزمهما، أو لزم أحدهما لم يجز ذلك كله، وهو من بيعتين في بيعة، فأما على غير الإلزام لأحدهما، ومن شاء رد فذلك جائز، وإن أعطيت لرجل أرضك يزرع لك فيها حنطة من عنده بطائفة من أرضك يزرعها لنفسه لم يجز؛ لأنك أكريته الأرض بما تنبت.

الجزء: 16 - الصفحة: 238

وإن دفعت إليه أرضاً لك يزرعها بحبك على أن له طائفة أخرى من أرضك غير مزروعة جاز ذلك.
وإن قلت له: اغرس لي أرضي هذه نخلاً أو شجراً بطائفة أخرى من أرضي جاز، وهو كراء الأرض بالخشب.

الجزء: 16 - الصفحة: 239

[الباب الثامن عشر]

باب جامع في المزارعة والمغارسة

[الفصل -1 - فيمن أكرى أرضه من رجل يزرعها على أن ما أنبتت بينهما] قال مالك رحمه الله: ومن أكرى أرضه من رجل يزرعها قصباً، أو قصيلاً، أو قمحاً، أو شعيراً، أو قطنية على أن ما أنبتت بينهما، أو هو مع الأرض بينهما لم يجز.
قال بعض فقهاء القرويين: ويجب إذا عمل أو زرع أن يكون الزرع له، وعليه كراء مثل الأرض؛ لأن العمل والزرع من عنده، فأشبه الشركة الفاسدة إذا أخرج أحدهما الأرض والآخر البذر والعمل، ولا يبعد أن يقال: إن نصف الزرع قد أفاته العامل في نصف الأرض لرب الأرض بإذنه، فعلى رب الأرض نصف البذر وإجارة العامل فيه، ويترقب بنصف العامل الذي زرعه لنفسه، فإن تم أدى الكراء، وإن بطل بطل عنه كراء ما زرع لنفسه، وأما إجارته في نصف رب الأرض فثابتة، تم الزرع أو لم يتم، وأما قوله على أن الأرض بيني وبينك نصفين فيجب على أحد التأويلين أن تكون نصف الزريعة قد زرعها لرب الأرض، فيكون عليه مثلها؛ لأن أرضه قابضة لها، وللعامل إجارته في النصف الذي لرب الأرض في حرثه وقيامه به، ويستأني بالنصف الذي زرعه العامل لنفسه، فإن تم كان عليه كراء المثل، إذا كان قد حكم بالفسخ في إبان الزراعة، فإن لم يتم الزرع فلا كراء له، وإن لم يحكم بالفسخ حتى تم الزرع فلا كراء عليه في النصف الذي اشترى، ولا يفيته الزرع ويرده، ويمكن أن ما زرعه لرب الأرض لا يفوت أيضاً ويكون لزارعه؛ لأنه كأنه لم يدفعه إلا بعد تمامه فهو لزارعه، وعليه نصف كراء الأرض لرب

الجزء: 16 - الصفحة: 240

الأرض.
قال: فإن قال له: اغرسها لي شجراً أو نخلاً فإذا بلغت النخل كذا وكذا سعفة، والشجر كذا فالنخل والشجر بيننا نصفين، فذلك جائز.
قال ابن القاسم: وإن قال: فالأصول بيننا فقط، فإن كان مع مواضعها من الأرض جاز، وإن لم يشترط ذلك، وشرط له ترك الأصول في أرضه حتى تبلى لم يجز.
[الفصل -2 - في وجه العمل في المغارسة عند العلماء] قال ابن حبيب وعيسى بن دينار عن ابن القاسم: ووجه العمل في المغارسة عند العلماء: أن يعطيه أرضه يغرسها صنفاً من الشجر أو أصنافاً يسميها له، فإذا بلغت شباباً سمياه، أو قدراً حداه يشبه الشرط في انبساطها وارتفاعها كانت الأرض والشجر بينهما على النصف، أو الثلث، أو الثلثين، أو جزءاً مسمى، ولا يجوز أن يسميا شباباً أو قدراً يثمر الشجر قبله؛ لأن العامل تكون له تلك الثمرة إلى أن يبلغ الشجر الشباب الذي سمياه، ثم يكون له نصف الشجر بأرضه، فكأنه أجر نفسه بثمر لم يبد صلاحه، وبنصف الأرض وما ينبت فيها فلذلك لم يجز.
قالا: ولا بأس أن يجعلا ذلك إلى إثمار الشجر، وهو وقت معروف، وهو أحب إلينا.

الجزء: 16 - الصفحة: 241

قال ابن حبيب: وإذا تغارسا، ولم يسميا حدا، ولا شباباً معلوماً، فذلك جائز، ويكون إلى الإثمار والشباب التام.
وروى حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية أن هذا فاسد حتى يسميا شباباً معروفاً، أو إلى الإثمار، ولو سميا عدة سنين يعمل العامل إليها ويغرسها ثم يكون بينهما، فذلك جائز إذا كانت الأرض مأموناً نباتها، ولا يثمر الشجر قبلها.
وإن غارسه على أن له في كل نخلة نبتت حقاً مسمى، ولا شيء له فيما لم ينبت، وعلى أنه إن شاء عمل وإن شاء ترك، فذلك جائز إذا اشترط شيئاً معروفاً.
قال ابن القاسم: ولو قال لرجل: استأجرك على أن تغرس لي في هذه الأرض كذا وكذا نخلة، فإن نبتت فهي بيني وبينك، فهو جعل وليس بإجارة، ولو شاء أن يترك ترك، ولو لم يكن جعلا ما جاز؛ لأنه لا يدري أيتم أم لا.
قال ابن حبيب: قال مالك: ولا تجوز المغارسة إلى أجل؛ لأنها من معنى الجعل.
قال لي مطرف: إنما يجوز الأجل في هذا أن يقول له: اغرسها لي شجر كذا، فإذا بلغت الإثمار، أو شباب كذا، فلك النصف ولي النصف على أن تقوم بنصفي كذا وكذا سنة فذلك جائز، وكأنه آجره على أن يغرس له نصف الأرض، أو يأتي هو بالغرس من عنده، ويقوم له به كذا وكذا سنة على أن أعطاه في إجارته نصف الأرض، فإن بطل الغرس بعد أن غرسه، قيل لرب الأرض: اعطه غرساً مثله يغرسه لك، ويقوم لك به إلى أجلك.
قلت: فهذه المغارسة بعينها إلى أجل.

الجزء: 16 - الصفحة: 242

ومالك إنما ينظر إلى العمل، ولا ينفع عنده حسن اللفظ إذا قبح العمل، فقال: هذا لا يعتدل في كل شيء.
ألا ترى أن لو قال لرجل: أؤاجرك سنة تقوم بجنابي هذا بنصف ثمرته لم يجز، ولو قال: أساقيك إياه سنة بنصف ثمرته جاز، فهل فسرق بينهما غير اللفظ؟ فكذلك ما فسرت لك.
م/ وقال أصبغ: الأصل أن لا فرق بين أساقيك بنصف الثمرة، أو أؤاجرك، ولا يضر قبح اللفظ إذا حسن العمل.
ولم يفرق ابن القاسم بينهما، وهو أصوب.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على أنه إذا تمت المغارسة، وأخذ نصفه قام بنصف رب الأرض سنين معلومة، فإن كان عمل هذا النصف معلوماً ومضموناً على العامل مات أو عاش، فذلك جائز، وإن شرط عمل يده بعينه فلا خير فيه؛ لأنه خطر لا يدري أيعيش العامل إلى ذلك الأجل أم لا.
وقال سحنون: هذا خطأ، ولا يجوز على كل حال؛ لأنه يكون جعلاً وبيعاً.
[الفصل -3 - فيما إذا غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض] قال ابن القاسم: وإن غارسه إلى حد الإثمار فأثمر بعضها وبقي البعض، فإن كان الذي أثمر منها الجل، وبقي الشيء التافه اليسير، فذلك تبع لما أثمر، ويكون العامل على شرطه، ويسقط عنه العمل في ذلك.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن حبيب: وإن كان الذي لم يثمر مما له بال وقدر، أو متناصفاً، أو متماثلاً، فإن كان متبايناً سقط عنه السقي والعمل فيما أثمر، ولزمه العمل والسقي فيما لم يثمر،

الجزء: 16 - الصفحة: 243

وإن كان ما أثمر مختلطاً في الشجر لزمه سقي الجميع حتى يتم كله أو جله.
قال: وأما ثمرة ما أثمر فبينهما، قلت أو كثرت، كان متبايناً أو مختلطاً.
فإذا ثبت بعض غرسه، ومات البعض، فما مات بعد بلوغه القدر الذي شرط سقط شرط العامل فيما مات، قل أو كثر، وصار حقه فيما ثبت وبلغ، قل أو كثر، وله أن يعيد غراسة ما مات إن شاء وقوي عليه.
وقال نحوه أصبغ عن أشهب في العتبية.
قال أصبغ: وقاله ابن القاسم فيما أعلم.
وقال حسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا مات أقلها وثبت جلها أو أكثرها فالأرض وما فيها بينهما، ولا يضر ما مات منها، وإن كان مات جلها أو أكثرها، فلا شيء له فيما ثبت من اليسير منها.
وقاله سحنون.
قال سحنون: كما يكون للعامل نصف الجميع إذا مات منها الشيء اليسير فيما مات وفيما ثبت، وكذلك لا يكون له قليل ولا كثير إذا كان الذي ثبت هو اليسير، ومات الكثير، لا مما ثبت، ولا مما لم يثبت.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: وإن تعدى رجل فقطع الشجر بعد تمامها، فإن طمع فيما قطع أن يرجع، وهو قائم على عمله، ولم يتركه فهو أحق بعمله، والأمر بينهما قائم، وإلا فلا شيء للعامل.

الجزء: 16 - الصفحة: 244

[الباب التاسع عشر]

جامع القول في المغارسة الفاسدة

[الفصل 1 - في المغارسة على النصف إلى أجل غير معلوم أو إلى وقت يكون الإثمار قبله أو إلى أجل مؤقت من عدة سنين] قال ابن حبيب: وإذا تعاقدا على أمر لا يجوز، مثل: أن يشترط شباباً معلوماً على أن يقوم الداخل بنصيب رب الأرض ما عاش، ولم يؤقت أجلاً، أو تغارسا إلى شباب يكون الإثمار قبله، أو إلى أجل موقت من عدة سنين، فهذا كله فاسد، وينفسخ قبل العمل، فإن فات وقد عامله على النصف فذلك بينهما نصفان، وعلى العامل نصف قيمة الأرض يوم قبضها خالية، وله على رب الأرض قيمة عمله وغراسه في نصف رب الأرض، قيمته يوم بلغ وتم، وأجرته فيه من يومئذ إلى يوم الحكم، وإن اغتلا قبل ذلك غلة نصفين مضى ذلك لهما، وإن كان الغارس اغتلها وحده رد نصف ذلك إلى رب الأرض- لأنها وجبت له، وضمن نصيبه من الشجر بقيمته يوم بلغ - قال: ولو بطل الغرس قبل بلوغ الشباب المشترط في هذا الفساد فلا شيء للغارس من الأرض؛ لأن المغارسة الصحيحة أو الفاسدة مجاعلة، فإذا لم تتم فلا شيء للغارس، وإن بطل الغرس بعد بلوغ الإثمار، أو ما شرط من الشباب، فقد وجب للغارس نصف

الجزء: 16 - الصفحة: 245

الأرض بقيمتها يوم قبضها، وله على رب الأرض قيمة غرسه يوم بلغ، ويكون ذهاب الغرس منهما.
قاله كله مطرف، وقاله أصبغ، ورواه عن ابن القاسم على أنه اختلف فيه قوله، وهذا أحسن.
م/: وكذلك استحسن عيسى عن ابن القاسم مثل قول ابن حبيب هذا.
وقد كان روى عنه مثل رواية ابن عاصم التي تأتي بعد هذا، ثم رجع ابن القاسم، وثبت على مثل رواية ابن حبيب، وكتب به إلى عيسى.
والذي روى عيسى وحسين بن عاصم عن ابن القاسم في العتبية: إذا وقعت المغارسة فاسدة، مثل: أن يغارسه على النصف، ولم يسميا شباباً: ولا قدراً ينتهيان إليه، أو إلى أجل يكون الإثمار قبله ففسخ ذلك بينهما، وقد ثبت الغرس.
قال: فالغرس بينهما نصفان، ويكون على العامل قيمة نصف الأرض براحاً؛ لتوقيته إياها بالغرس؛ لأنه ابتاع نصف الأرض بعمله إلى مالا أمد له، وذلك غرر، فصار بمنزلة من اشترى أرضاً بغرر ففوتها بالغرس.
[الفصل 2 - في الشجر يثمر في مغارسة فاسدة وقد اغتله المتغارسان زماناً] قال: وإذا أثمرت الشجر واغتلاها زماناً فما اغتل العامل في نصفه الذي ألزمناه قيمته فهو له؛ لأنه لا كراء عليه فيه، والنصف الآخر كان ربه أكراه بثمر لم يبد صلاحه فيرد تلك الثمرة التي قبض إلى ربها، إن قبضها ثمراً رد مكيلتها، وإن قبضها

الجزء: 16 - الصفحة: 246

رطباً رد قيمتها، ويأخذ من العامل كراء نصف الأرض خالية من الغرس يوم اغتلها.
ويصير جميع الغلة للعامل، ثم يكون رب الأرض مخيراً في نصف الغرس الذي في حصته من الأرض، إن شاء أخذه بقيمته مقلوعاً أو أمر الغارس بقلعه.
قال سحنون: بل تكون جميع الغلة لرب الأرض، وإن أخذ العامل منها شيئاً رده، وله على رب الأرض قيمة غرسه إن كان له قيمة، وأجر عمله.
ولو جعلت له الثمرة لكان بيع الثمر قبل بدو صلاحه.
وروى مثله عيسى عن ابن القاسم.
م/: واختصار ذلك ثلاثة أقوال: [1] أن الغلة بينهما، وعلى الغارس نصف قيمة الأرض يوم قبضها براحاً، وله قيمة غرسه وعمله يوم بلغ في نصف رب الأرض، وإجارة عمله من يوم اغتله في نصف رب الأرض.
[2] وقيل: بل تكون الغلة كلها للعامل، وعليه قيمة نصف الأرض يوم قبضها، وعليه كراء نصف الأرض التي لربها، ثم تخير رب الأرض في نصف الغرس بين أن يعطيه قيمته مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
[3] وقيل: بل الغلة كلها لرب الأرض، وعليه إجارة العامل وقيمة غرسه إن كانت له قيمة، ولا يكون للعامل على هذا القول في الأرض شيء.
قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: ولو اغتلاها زماناً، ثم بطل الغرس حتى ذهب، ورجعت الأرض براحاً فإنه أيضاً تكون نصف الأرض للعامل بقيمتها يوم أخذها براحاً؛ لأنه ساعة فوتها بالغرس وجبت عليه قيمتها وضمنها، فلا يسقط عنه الضمان رجوعها إلى حالتها الأولى، ويكون أيضاً للعامل الغلة كلها، وعليه كراء نصف الأرض من يوم اغتلها، فإن مات الغرس قبل أن يبلغ ذلك الشباب فليس للغارس في غرسه

الجزء: 16 - الصفحة: 247

أجر، كحافر البئر تهدم قبل فراغه أنه لا شيء له، وإن انهدمت بعد فراغه منها فهو من المستأجر، وعليه للحافر أجره كاملاً.
وقال سحنون: إذا هلك الغرس بعد الغلة فجميع الغلة لصاحب الأرض، ويعطي للعامل أجر مثله بعد أن يرد جميع ما أخذ.
فصل [3 - في المتغارسين يشترطان أن الثمرة بينهما فقط ما بقي الأصل] قال عيسى عن ابن القاسم: فأما إن لم يشترطا أن الأرض بينهما، ولكن شرطا أن الثمرة فقط بينهما ما بقي الأصل، فهذا فاسد، وتكون جميع الغلة للعامل، ويرد رب الأرض جميع ما أخذ منها إن كان ثمراً فالمكيلة، وإن كان رطباً فالقيمة، ويؤخذ من العامل كراء الأرض من حين أخذها منه، لا من حين أثمرت الشجرة، ولرب الأرض أن يعطيه قيمة الغرس مقلوعاً، أو يأمره بقلعه.
وكذلك روى عنه يحيى بن يحيى، إلا أنه قال: وعلى العامل كراؤها يوم وضع فيها الغرس إلى يوم ينظر في أمر كرائها نقداً بقدر تشاح الناس فيها.
وكذلك روى عنه حسين بن عاصم في شرطه أن الثمرة بينهما والأصول دون الأرض بينهما، إلا أنه قال: وعلى العامل كراء الأرض يوم اغتلها.
وقال سحنون في هذا: الغلة كلها لرب الأرض، ويكون للعامل أجر مثله.
قال: لأن مالكاً قال إذا تعامل المتزارعان على ما لا يحل كان الزرع لصاحب

الجزء: 16 - الصفحة: 248

الحب إذا تولى عمله، ولم يكن لصاحب الأرض إلا كراء أرضه، والشجر للذي غرسها وقام بها، كما أن الزرع للذي زرعه وتولى عمله.
م/: ويجب على ما علل أن تكون الغلة للعامل؛ لأنها ثمرة شجره، كما أن له ثمرة زرعه، ويكون لرب الأرض كراء أرضه.
قال ابن عاصم: وقلت لابن القاسم: لم جعلت للعامل قيمة الشجر مقلوعاً وهو إنما غرسها بوجه شبهة؟.
قال: لأن رب الأرض أكرى أرضه بثمر يخرج منها، وإلى أمد مجهول، فذلك فاسد من وجهين، فلابد أن ترد الأرض إلى ربها على حال ما أخرجت من يده براحاً، وإن لم يفعل ذلك، وجعلت عليه قيمة الشجر قائماً أدخلت عليه ما يحجبه عن أرضه؛ لأنك إن ألزمته القيمة فلم يقدر عليها صرت إلى أن بعت عليه شيئاً من أرضه للعامل في أجرته، وهو إنما أكراها منه بثمر إلى مالا أمد له، فهو بخلاف الذي غرسه على أن له نصف الأرض؛ لأنه إنما عامله على أن يغرس له نصف الأرض بالنصف الذي أعطاه، فإذا أفاتها بالغرس، وفساد المعاملة كانت له بقيمتها.
قال حسين: قلت لابن القاسم: فإن ذهب الغرس، ورجعت الأرض إلى حالها الأول، والمسألة بحالها؟.
فقال: تكون الثمرة كلها للعامل، ويكون عليه كراء الأرض من يوم اغتلها، ولا يكون له على رب الأرض فيما هلك من الغرس قيمة؛ لأنه إنما كان يعطيه قيمتها مقلوعاً، أو يأمره بقلعه، وقد ذهب وبطل؛ ولأنه إنما كان الغرس له، ولا لرب الأرض.
وفي المسألة الأولى التي غارسه فيها على أن له النصف في الأرض مع الشجر، إنما كان نصف الغرس الذي بطل بعد أن يبلغ الشباب، أو القدر لرب الأرض، لا للغارس، فلذلك أوجبت للغارس قيمة عمله فيه على رب الأرض، فهذا بيانه.

الجزء: 16 - الصفحة: 249

وقال سحنون: الثمرة كلها لصاحب الأرض، ويعطي العامل أجر مثله في عمله.
وقال ابن حبيب: إذا تعاملا على أن الثمرة فقط بينهما ما قامت الشجر، فإذا هلكت فلا شيء للعامل في الأرض، أو على أن الشجر دون الأرض بينهما لم يجز، وفسخ ذلك متى عثرت عليه، وردت الأرض بالشجر والغلة إلى رب الأرض، وعليه للعامل الأقل من قيمة عمله ثابتاً يوم فرغ منه وتم، أو نفقته التي أنفق، وثمن الغرس الذي غرس، وله مع ذلك أجرة يده في قيامه بالشجر إذا رجعت الغلة إلى رب الأرض، وإذا أبطلت الشجر بعد تمامها وبلوغها قبل أن ينظر فيها، فقال مطرف وابن الماجشون: ليس للعامل فيها قيمة عمل، ولا يرد ما أنفق؛ لأنه لم يخرج من يده شيئاً فيعوض منه، وإنما غرس على أن يكون ثمن غرسه في ثمره ذلك الغرس بعينه، وإن كان غرراً فلا شيء له إذا ذهبا، ولو كان محمله محمل الإجارة على شيء بغرر من غير لأعطى قيمة عمله، ذهب أو بقي، ويرد ما أخذ من الغرر إن أخذ منه شيئاً، وتمضي الغلة لمن اغتلها قبل ذهاب الشجر، اغتلاها جميعاً أو الغارس وحده، ولا ينظر بينهما في شيء إذا ذهب الغرس الذي تعاملا عليه وفات موضع تصحيحه بالقيمة، كما نظر في الذي فوت هذا.
قال أصبغ: إذا ذهب قبل الحكم بتصحيحه، وقد كان تم، وفرغ، أعطى العامل قيمة عمله يوم تم قائماً غير ذاهب كشرائه بثمن فاسد ثم فات، وفواته الفراغ منه، فلربه القيمة يومئذ، والغلة كلها لرب الأرض.
قال ابن حبيب: وبالأول أقول، وإنما تكون حجة أصبغ في المسألة الأولى؛ لأنه أعطاه فيها نصف الأرض ثمناً لغراسته النصف الآخر، فإذا غرس وجب له ما أعطى،

الجزء: 16 - الصفحة: 250

وصار ما فرغ لرب الأرض، صحيحة كانت معاملتهما أو فاسدة، فإذا لم يعطه شيئاً على أغراسه من الأرض فلا شيء للغارس في غراسته إذا ذهب قبل الحكم.
فصل [4 - فيما إذا غارسه على النصف ثم اختلفا بعد ذلك في تبعية الأرض والشجر للثمرة] قال حسين بن عاصم عن ابن القاسم: إذا غارسه على النصف، ولم يذكر الأرض والشجر، فقال العامل: عاملتك على أن نصف الأرض بغرسها لي.
وقال رب الأرض: بل على أن الثمرة بيننا وحدها، أو على أن الشجر وحده بيننا.
قال: إن كان للبلد سنة حملوا عليها على قول من ادعاها، يريد: بما يجوز أو لا يجوز، ويقضي فيما لا يجوز بما ينبغي مما تقدم.
قال: وإن كان أهل البلد يعملون على الوجهين فليصدق مدعي الحلال، وهو العامل.
وقال عنه أبو زيد: إن كان الغالب في عمل أهل البلد بما ادعى مدعي الحرام فهو على ما قال، فإن لم يثمر كلف العامل القلع إلا أن يعطيه رب الأرض قيمة الشجر مقلوعاً، ولا شيء له في عمله، وإن أثمرت فالثمرة للعامل، وعليه كراء الأرض من يوم أثمرت النخل، فإن كان عمل أهل البلد على الحلال سلكا بهما مسلكه، وإن كانوا يعملون بالأمرين تحالفا وفسخ الأمر بينهما.

الجزء: 16 - الصفحة: 251

فصل [5 - إذا غارسه على أن يحصن الأرض ويغرس فيها شجراً ثم إذا بلغ حداً معيناً كانت الأرض والشجر والتحصين بينهما] ومن العتبية قال أصبغ: وإذا غارسه على أن يضرب حولها جداراً، أو يزرب زرباً، أو يحفر سياجاً، وعلى أن يغرسها شجراً، فإذا بلغت حداً ذكراه، كانت الأرض، والشجر، والزرب، والجدار بينهما، وكان ذلك مما يخاف أن لا يتم إلا بهذا التحين لكثرة المواشي ومرور الناس، أو لا يخاف.
فإن كانت مأمونة أو مؤنة ذلك يسيرة فهو جائز، وإن كانت كثيرة لم يجز، وهذا مثل ما يستخف شرطه في المساقاة، وما لا يستخف بشرطه.
فصل [6 - فيمن غارس رجلاً على النصف فعجز العامل أو غاب، ثم عاد بعد أن دخل آخر مكانه] وقال أصبغ فيمن أعطى أرضه مغارسة على النصف يغرس بعضها أو جلها، فلم يتم العمل الذي شرطا حتى عجز العامل أو غاب، فأدخل رب الأرض في الغرس من قام به، ثم عمل ما بقي منه، أو عمله رب الأرض بنفسه، ثم قدم العامل فقام في ذلك، قال: يكون على حقه إذا قدم.
وكذلك إذا كان حاضراً لم يسلم، ولم ير أنه ترك ذلك رضا بالخروج منه فهو على حقه، ويعطي الذي عمل وأتمه قدر ما تكلفه بغير شرط مما لو وليه هو لزمه مثله، وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 252

[الباب العشرون]

جامع مسائل من أكرية الأرضين، واكتراء الأرض الغائبة، وبيع المراعي، وكراء الزوج والوصيّ.

[الفصل -1 - فيمن اكترى جزءاً شائعاً من أرض] قال ابن القاسم: ومن اكترى ربع أرض، أو جزءاً شائعاً قل أو كثر جاز ذلك، كالشراء.
ومن اكترى من رجل مئة ذراع من أرضه التي بموضع كذا جاز ذلك إذا كانت متساوية، ولا يجوز في المختلفة حتى يسمي الأرض من أي موضع منها، وقال غيره: لا يجوز وإن استوت حتى يسمي الموضع.
م/: إنما لم يجزه ابن القاسم في المختلفة؛ لأنه لما ذكر عدد أذرع الأرض فهم عنه إنما اشترط أن يأخذ مئة ذراع من ناحية منها، فكذلك شرط التساوي.
وأما لو قال: إن تكسير أرضك ألف ذراع، فأكترى منها مئة لجاز، ويكون شريكاً فيها بالعشر، وإنما لم يجز ذلك غيره، وإن استوت؛ لأن الأرض لا تكاد تتساوى جملة.
قال ابن أبي زمنين: إنما لم يجزه غيره؛ لأن من قول أصحاب مالك: أن من باع من رجل ثوباً من ثوبين، صفتهما وقيمتهما واحدة، على أن يضرب بينهما بالقرعة، فأينما خرج أخذه المشتري أن ذلك لا يجوز؛ لأن المبايعة في هذا ليست كالقسمة، وينبغي أن

الجزء: 16 - الصفحة: 253

يكون الكراء كالبيع.
فيكون حينئذ المتكاريان كأنهما تخاطرا؛ لأنهما إن تشاحا، ولم يتفقا، ودعوا إلى القسمة بالقرعة والتعديل لم يكن ذلك لهما، وهذا رأيته لبعض العلماء، وهو كلام صحيح المعنى إن شاء الله تعالى.
م/: ويلزم على هذا أنه لا يجوز أن يكتري ربع أرض أو جزءاً شائعاً منها؛ لأن الأمر يؤديه إلى أنه اكترى ما يخرجه السهم.
وكراء الجزء جائز باتفاق عندنا، ولا ينظر إلى ما يؤول إليه الأمر من القسمة؛ لجواز بقائه على الإشاعة، إما لانتفاع أو كراء، فتوقع أمر القسمة أمر يكون أو لا يكون، فهو كاستحقاق في البيع، فوجب ألا يعتبر به.
وإنما العلة عند الغير أن الأرض لا تكاد تتساوى، والله أعلم.
[الفصل -2 - فيمن اكترى أرضاً على أن يقلبها ثلاث مرات ويزرعها في الرابعة أو على أن يزبلها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً على أن يكربها ثلاث مرات، ويزرعها في الكراب الرابع جاز ذلك، وكذلك على أن يزبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً.
م/: يريد: إذا كانت مأمونة، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز.

الجزء: 16 - الصفحة: 254

م/: يريد: إذا كانت الأرض مأمونة؛ لأن زيادة الحرثات والتزبيل منفعة تبقى في الأرض إن لم يتم زرعها، فيصير كنقد اشترطه في غير المأمونة.
فإن نزل ذلك في غير المأمونة وزرع فلم يتم زرعه نظر إلى غالب عادة الناس في حرثهم لو لم يكن شرط، وهو عندنا حرثه، فينظر: كم يزيد كراؤها على حرثة في السنة الثانية لو حرثت ثلاث حرثات، فترجع عليه بالزائد؛ لأنه كنقد اشترطه فيها ولو تم زرعه فيها لانبغى أن يكون عليه كراء مثلها بشرط أن يحرث ثلاث حرثات؛ لأنه كراء فاسد للغرر الذي دخلا فيه.
ولو قيل: إنه لو حرثها حرثة فلم يتم زرعه أن ذلك يزيد في كرائها في السنة المقبلة لوجب أن يرجع عليه به إذا لم يتم زرعه.
وعلى هذا يجب أن يرجع بزيادة الثلاث حرثات المشترطة عليه، ونحوه لبعض القرويين.
وكذلك إن زبلها إن كان الذي يزبلها به شيئاً معروفاً، وإن شرط على أن يحرثها له ربها جاز ذلك، ولا بأس بالبيع والكراء في صفقة واحدة.
[مسألة: كراء الأرض أو الدار الغائبة] ولا بأس بكراء أرض أو دار غائبة ببلد قريب أو بعيد على صفة أو رؤية متقدمة، وينقده، كالبيع، ولا رد له إن وجدها على الصفة، وإنما يجوز ذلك على الرؤية المتقدمة منذ أمد لا تتغير في مثله.

الجزء: 16 - الصفحة: 255

[مسألة: بيع المراعي] وللرجل بيع مراعي أرضه إذا بلغ خصبها أن يرعى، لا قبل ذلك، فيبيع مرعاها سنة، لا أكثر.
[الفصل -3 - في كراء الزوج والوصي] وليس للرجل أن يكري ربع زوجته إلا بإذنها.
ولا أحب للوصي أن يشتري لنفسه شيئاً من مال يتمية، أو يكري أرضاً لها من نفسه، فإن نزل أعيد ما اشترى إلى السوق، فإن زيد عليه بيع، وإلا لزم الوصي ما سمى.
وكذلك الكراء، إلا أن يكون إبان الكراء قد فات، فيسأل أهل المعرفة عن الكراء، فإن كان فيه فضل، غرمه الوصي، وإلا ودا ما عليه.
قال بعض فقهاء القرويين: إنما يجب أن يعاد إلى السوق قبل أن يحول سوقه يوم اشتراه، فأما إذا حال سوقه نظر، فإن اشترى بقيمته يوم اشترى مضى، وإن كان بأقل غرم الزائد.
قال: انظر لو اشترى ما لا تفيته حوالة الأسواق، مثل المكيل والموزون بقيمته يوم اشتراه إلا أنه اليوم زاد سوقه فالأشبه أن يمضي ذلك، ولا يرد إلى السوق؛ لأن ذلك ضرر بالوصي، وهو لم يضر باليتيم ولا خانه.
وقد قال ابن القاسم: إن الوصي إذا اشترى شيئاً بالقيمة لم يرد.

الجزء: 16 - الصفحة: 256

ومن ابتاع زرعاً أخضر على أن يحصده الآن، ثم أذن له رب الأرض في بقائه بكراء أو بغير كراء لم يجز، إلا أن يشتري الأرض بعد شرائه للزرع، فيجوز أن يبقيه فيها.
م/: ولو اشترى الزرع على البقاء، ثم اشترى الأرض لفسخ بيع الزرع وحده، فإن فات وتغير عما كان عليه (بيسور) أو زيادة بعد شرائه فعليه قيمته يوم اشترى الأرض؛ لأنه يومئذ قبضه، وصار في ضمانه.
ولو اشترى الزرع، ولم يبرز من الأرض، ثم اشترى الأرض قبل بروز الزرع من الأرض لبطل بيع الأرض والزرع؛ لأن الزرع لما كان وجه الحكم رده صار كأنه اشترى الأرض على أن يبقى الزرع الذي لم يخرج من الأرض للبائع، فيبطل أيضاً بيع الأرض.
ومن أكرى أرضه من رجل سنة، ثم أكراها من غيره سنة أخرى بعد الأولى جاز ذلك.
ولا بأس أن يكري المسلم أرضه من ذمي إذا كان لا يغرس فيها ما يعصره خمراً.
وأكره للمسلم كراء أرض الجزية ذات الخراج، فإن اكتريتها فجاز السلطان عليك وأخذ منك الخراج، فإن لم يكن الذمي وداه رجعت عليه بالخراج المعلوم، لا بما جار، وزاد عليك السلطان، وإن كان الذمي قد وداه لم ترجع عليه بشيء.

الجزء: 16 - الصفحة: 257

[الباب الحادي والعشرون]

فيما انتثر للمكتري في الأرض من الحب فنبت عاماً قابلاً أو جره السيل من حب أو زرع أو شجر من أرض مصر إلى أرض أخرى

[الفصل -1 - فيما إذا انتثر للمكتري في الأرض حب فنبت عاماً قابلاً أو جر السيل حب رجل أو زرعه فنبت في أرض أخرى] قال مالك: وإذا انتثر للمكتري في حصاده حب في الأرض فنبت قابلاً فهو لرب الأرض، وكذا من زرع زرعاً فحمل السيل زرعه إلى أرض غيره قبل أن ينبت فنبت فيها.
قال مالك: فالزرع لمن جره السيل إلى أرضه، ولا شيء للزارع.
أبو محمد: وقيل في البذر يجره السيل إلى أرض غيره أن الزرع لرب البذر، وعليه الكراء.
قال سحنون في كتاب المزارعة: وإن جره السيل بعد أن نبت وظهر، فهذا يكون لرب الأرض، وعليه كراء الأرض ما لم يجاوز كراؤها الزرع، فلا يكون عليه أكثر منه.
قال في كتاب ابنه: وليس كالمخطئ، والمخطئ كالعامد، ولا يكون أسوأ حالاً من المكتري للأرض مدة فتنقضي المدة، وله فيها زرع أخضر، وقد علم حين زرعه أنه لا يطيب في المدة.
فقال مالك: له الزرع، وعليه كراء زيادة المدة.
قال أبو محمد: يريد سحنون: وإن كان رب الزرع مكترياً كان عليه كراء الأرضين جميعاً.
وروى أيضاً عن سحنون: أن الزرع لرب الأرض، وعليه للآخر قيمته مقلوعاً كما لو جره السيل إليه.

الجزء: 16 - الصفحة: 258

قال أبو بكر: والقول الأول أحسن.
[الفصل -2 - فيما إذا قلع السيل من أرض رجل شجرات فصيرها إلى أرض غيره فنبتت فيها] قال سحنون في كتاب ابنه: ولو قلع السيل من أرض رجل شجرات، فصيرها إلى أرض غيره فنبتت فيها، فإنه ينظر، فإن كان إن قلعت وردت إلى الأرض التي كانت فيها نبتت فلصاحبها قلعها، وإن كان إنما يقلعها للحطب لا ليغرسها في أرضه فهذا مضار، وله القيمة.
وإن كانت الشجر لو قلعت لم تنبت في أرض ربها، وإنما تصير حطباً، فهذا الذي قرت في أرضه مخير بين أن يأذن لربها بقلعها، أو يعطيه قيمتها مقلوعة.
ولو نقل السيل تراب أرض إلى أخرى، فإن أراد ربه نقله إلى أرضه، وكان معروفاً فله ذلك.
وإن أبى أن ينقله فطلبه من صار في أرضه بتنحيته عنه لم يلزمه؛ لأنه لم يكن عن فعله، وكذلك لو وقع إلى أشجار جاره وأضر بها.

الجزء: 16 - الصفحة: 259

[الفصل -3 - فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت إلا بعد أن اكترى الأرض آخر وزرع فيها مقثاة] قال أصبغ في العتبية فيمن زرع في أرضه كموناً فلم ينبت، وأبطأ حتى لم يشك أنه هلك فأكراها ممن غرس فيها مقثاة فنبتت المقثاة، ونبت معها الكمون معاً، فإن الكمون لربها، والمقثاة لغارسها، ويفض كراؤها الذي أكراها به على قدر ما انتفعا، هذا بكمونه، وهذا يمقتاته، فيسقط من الكراء ما ناب الكمون.
وإن أضر الكمون بالمقتاة حتى نقصها من حملها وتمامها فليس له قلعة، ولكن يوضع عنه من حصته من الكراء بقدر ما نقصت المقتاة؛ لأن هذا من سبب الأرض.
وكذلك لو أبطلها لرجع بجميع الكراء فأخذه، ومصيبة المقثاة منه، كما لو غرسها فلم تنبت أصلاً، فاعلم ذلك، وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 260

[الباب الثاني والعشرون]

فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق، وفي تفليس أحد المتكاريين وإقالته

[الفصل -1 - فيمن اكترى أرضاً بعبد أو عرض فاستحق] قال ابن القاسم: ومن اكترى أرضاً بعبد، أو ثوب بعينه، فاستحق بعد الزراعة، أو الحرث فعليه كراء مثلها.
وكذلك إن اكتراها بحديد، أو رصاص، أو نحاس بعينه، وقد عرفا وزنه، فاستحق فالكراء ينتقض، إلا أن يكون قد زرعها، أو حرثها، أو أحدث فيها عملاً فعليه كراء المثل.
قال بعض فقهاء القرويين: ولو أراد مستحق العبد أن يجيز بيع عبده بكراء الأرض، ويأخذ الأرض إن لم تحرث لكان له ذلك، وإن حرثها كان له أن يدفع إلى المكتري حق حرثه ويأخذ الأرض؛ لأنه كأنه مستحق لمنفعة هذه الأرض وجل منفعتها، وهو كمن استحق أرضاً بعد أن حرثها مكتر أن يدفع إليه حق حرثه، ويأخذ هو الأرض،

الجزء: 16 - الصفحة: 261

فإن امتنع دفع إليه المكتري كراء سنة، فإن امتنع أسلمها بحرثها، فحكم مستحق العبد في ثمنه كحكم المستحق.
وقد قالوا في غاصب العبد يبتاع به جارية فيحبلها، أن لمستحق العبد أن يجيز بيعه، ويأخذ الجارية، وقيمة ولدها كالمستحقة، فهو بخلاف مكتري الأرض بعبد فيستحق العبد، وقد حرث المكتري الأرض أنه ليس له أخذها ويعطيه قيمة حرثه، وإنما له عليه كراء أرضه؛ لتفويتها بالحرث.
ولو استحق العبد بعد أن زرع المكتري فله أن يجيز ويأخذ الأرض، ولا يكون كمن باع عبداً بقيمة كراء الأرض؛ لأنه إنما استحق الأرض؛ لأنها ثمن عبده فلما فلتت أخذ قيمتها.
[الفصل -2 - في تفليس المكتري] قال مالك: إذا فلس المكتري أو مات بعد أن زرع الأرض ولم ينقده، فربها أحق بالزرع في الفلس، وهو في الموت أسوة الغرماء.
وقيل: يكون أحق به في الموت والفلس.
فوجه أنه أحق به في الفلس؛ فلأنه خرج من أرضه، فهي كسلعة خرجت من يده فهو أحق بها في الفلس.
ولم يكن للمكتري فيها شركة بعمله وبذره كنفقة على العبد الصغير الذي لا منفعة له به، وكما قالوا في الأجير

الجزء: 16 - الصفحة: 262

على سقي الزرع: أنه أولى به في الفلس، وهو إنما حيي بماء رب الزرع وأرضه إلا أنهم جعلوا الأجير أولى به؛ لأنه بعمله تم.
ووجه أنه أحق به في الفلس والموت؛ فلأن الزرع كان في يده؛ لأن أرضه كيده وحامله له، فهي كحمل دوابه للمتاع، وهو لو أسلم دوابه لكان أولى بما على ظهورها، فكذلك الزرع.
وفي كتاب التفليس إيعاب هذا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك رب الدار في فلس المكتري هو أحق بالسكنى كلها إن لم يسكن المكتري.
وإن سكن شيئاً فربها مخير في أن يحاصص بجميع الكراء، أو يسلم بقية السكنى، أو يحاص بحصة كراء ما مضى، ويأخذ بقية السكن، إلا أن يدفع إليه الغرماء بقية الشهور بالتقويم، فلا كلام له إلا الحصاص بكراء حصة ما مضى.
وقد تقدم هذا.
[الفصل -3 - في تفليس المكري] وإن فلس الجمال فالمكتري أولى بالإبل حتى يتم حمله، إلا أن بضمن له الغرماء حملانه ويكروا له من أملياء، ثم يأخذوا الإبل، فيبيعونها في دينهم.

الجزء: 16 - الصفحة: 263

وقال غيره: لا يجوز أن يضمنوا حملانه.
وحكى عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: إنما هذا الاختلاف بين ابن القاسم وغيره إذا كانت الإبل المكتراة معينة، فرأي ابن القاسم أن ضمانهم لحملانه يجوز لضرورة التفليس، ومنع غيره من ذلك.
وإذا كان الكراء مضموناً فيجوز أن يضمنوا حملانه من غير خلاف بين ابن القاسم وغيره.
ألا ترى أن الحمالة بالمضمون تجوز، فإذا جازت الحمالة به جاز تحوله على الغرماء، والحمالة بالمعين لا تجوز.
فكذلك لا يجوز تحوله على الغرماء عند غيره.
ومن المدونة قال مالك: وإن فلس المكتري فالجمال أولى بالمتاع حتى يأخذ كراءه، ويكري الغرماء الإبل في مثل كرائه، وجميع الصناع أحق بما في أيديهم في الموت والفلس من الغرماء.
[الفصل -4 - في الإقالة في الكراء] وإن اكتريت أرضاً بدارهم فأقالك ربها على أن زدته دارهم فذلك جائز.
يريد: مقاصة إن كان قد نقده.
ولو استقاله المكري فأبى أن لا يزيد هو المكتري، فإن كان لم ينقده، وكانت الأرض مأمونة جاز.
وإن نقده لم يجز؛ لأنه يرد أكثر مما أخذه في

الجزء: 16 - الصفحة: 264

المنافع، وذلك لا يجوز على أحد القولين؛ لأن بيع المنافع كالدين لما كانت لا تقبض وضمانها من بائعها.
وكما لا تجوز الإقالة من الدار إذا سكن بعض السكنى ونقد، وفي ذلك اختلاف.
وإن كانت الأرض غير مأمونة لم يجز أن ينقده رب الأرض ما يزيده؛ لأنه كالنقد في غير المأمونة؛ لأن ربها صار مكترياً لها، وذلك كالإقالة بالزيادة في الجارية في المواضعة؛ لأنه لا نقد في المواضعة؛ لأنه تارة سلفاً وتارة ثمناً.
فإن قيل: لا تجوز هذه الإقالة بحال؛ لأن رب الأرض أخذ من دين له على المكتري كراء أرض قيل لا يشبه رب الأرض في هذا من أخذ من دين له كراء أرض؛ لأن رب الأرض رجعت إليه أرضه وهي في ضمانه، وبرئت ذمة المكتري من جميع الكراء.
والذي أخذ من دين له كراء الأرض لم تبرأ ذمة من أعطاه منفعة الأرض؛ لأنه إنما يقبضها شيئاً فشيئاً، ولم يقبض المنافع التي اكتراها، وضمانها من ربها، فافترقا.
ونحو هذا لبعض فقهاء القرويين.
وبالله التوفيق.

الجزء: 16 - الصفحة: 265

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل