كتاب بيع الخيار
[الباب الأول]
في بيع الخيار وما يجوز من الأجل فيه
[الفصل 1 - حكم بيع الخيار وصفته] والبيع على الخيار جائز وهو أن يقول: أشتري منك هذا الشيء، وأنا وأنت فيه بالخيار إلى وقت كذا، دليله حديث الموطأ قوله - صلى الله عليه وسلم - (البيعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) فأخبر أن من البيع ما فيه خيار.
الجزء: 13 - الصفحة: 783
وروي (إلا أن تكون صفقة خيار)، ولما لم يكن في الحديث المذكور فيه أن البائعين بالخيار ما لم يفترقا حد مؤقت من وقت الإفتراق ينتهيان إليه مع احتماله للافتراق باللفظ في اللغة، لم يجب أن يفرق بين عقد البيع وسائر العقود اللازمة باللفظ دون التفرق إلا بالبيان من السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاً مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء:130] وهذا الافتراق بالكلام، والمتساومان يقع عليهما اسم متبايعين كما قال - صلى الله عليه وسلم - (لا يبع بعضكم على بيع بعض) فسمى المساومة بيعًا، فاحتمل أن يكون معنى قوله - صلى الله عليه وسلم - (المتبايعان بالخيار) يعني المتساومين، ويدل على أن البيع ينعقد باللفظ قوله - صلى الله عليه وسلم - (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه)، لأنه لو كان فيه خيار لغيره لم يبح للمبتاع بيعه فالخيار فيه لغيره، والصرف بيع ولا خيار فيه، لقوله - صلى الله عليه وسلم - (إلا هاء وهاء).
الجزء: 13 - الصفحة: 784
قال بعض البغداديين: ولأنه عقد معاوضة كالنكاح.
م ولأنه لو كان لا يتم العقد إلا بالافتراق كما / يقول الشافعي لم يصح للأب أن يشتري لابنه الصغير من نفسه لنفسه؛ لأن مفارقة الإنسان نفسه لا تصح وهو جائز.
[فصل 2 - إذا انعقد البيع فلا خيار لأحد المتبايعين]
ومن المدونة: قال مالك رحمه الله: فإذا انعقد البيع فلا خيار لواحد من المتبايعين إلا أن يشترطاه.
قال أشهب: وقد أجمع علماء أهل الحجاز على هذا، وحديث ابن عمر (البيعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يفترقا إلا بيع الخيار) قال فيه مالك: ليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه.
قال أشهب: ونرى والله أعلم أنه منسوخ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: (المسلمون على شروطهم) وبقوله - صلى الله عليه وسلم - (إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع).
وقال غيره: فلو كان الخيار بينهما قائمًا ما كلف البائع يمينًان ولكان له أخذ سلعته دون الاختلاف في الثمن.
الجزء: 13 - الصفحة: 785
وقاله ابن حبيب:
قال ابن حبيب: وقد قال الرسول - صلى الله عليه وسلم - (إن من حديثي ناسخًا ومنسوخًان فخذوا بآخر حديثي فبذلك أمرت).
فصل [3 - في مدة الخيار]
ولما كان الخيار رفقًا بالمتبايعين للنظر والرأي والمشورة والاختبار كان أمد الخيار مختلفًا فيما تبايعاه بقدر ما يحتاجان إلى ذلك خلافًا لأبي حنيفة والشافعي في قصرهما ذلك على ثلاثة أيام.
ودليلنا قوله - صلى الله عليه وسلم - (لكل مسلم شرطه).
وقوله: إلا بيع الخيار) فأطلق؛ ولأنها مدة ملحقة بالعقد فجاز أن تكون أكثر من ثلاثة أيام
الجزء: 13 - الصفحة: 786
كالآجال ولأنها مدة يحتاج فيها إلى اختبار المبيع كالثلاثة أيام؛ ولأن الخيار موضوع لتأمل المبيع واختبار المبيعات مختلفة في ذلك، وفي قصرها على مدة محصورة إبطال للفائدة.
ومن المدونة: قال مالك فأما الثوب فيجوز فيه الخيار اليوم واليومين وشبه ذلك، وما كان أكثر من هذا فلا خير فيه؛ لأنه غرر لا يدري كيف يرجع الثوب إليه.
قال: والخيار في الجارية مثل الخمسة أيام إلى الجمعة وشبه ذلك، لاختبار حالها وعملها.
[قال] ابن حبيب: وكذلك الخيار في العبد.
[قال] ابن المواز: وأجاز ابن القاسم الخيار في العبد إلى عشرة أيام.
قال ابن المواز: فإذا وقع في العبد أو الأمة الخيار عشرة أيام لم أفسخه، وأفسخه في الشهر.
وقد روى ابن وهب أن مالكًا أجازه في الشهر وأباه ابن القاسم وأشهب.
ومن المدونة: قال مالك: والدابة تركب اليوم وشبهه ولا بأس أن يشترط أن يسير عليها البريد ونحوه ما لم يتباعد، قال أشهب: والبريدين يختبر فيهما سيرها.
الجزء: 13 - الصفحة: 787
وقال ابن حبيب: يجوز الخيار في الدابة اليومين والثلاثة كالثوب.
م وإنما شرط مالك اليوم في شرط ركوبها، فأما على غير ذلك فلا فرق بينهما وبين الثوب.
م وإنما فرق بين الدواب والرقيق في أمد الخيار؛ لأن الرقيق يعقل، فقد يظهر العبد أو الأمة من النشاط والعمل ما لا يدوم عليه، والدواب هذا غير موجود فيها، فكان الأمد فيها أقصر.
ومن المدونة: قال مالك: والخيار في الدار - يريد وسائر الربع - الشهر ونحوه.
قال ابن حبيب: الخيار في الدور والأرضين الشهر والشهران.
قال مالك: وللأشياء وجوه تشترى إليها، ليختبر المشتري ويشاور بما كان على ما وصفنا، فلا بأس بالخيار فيه، وما بعد من أجل الخيار فلا خير فيه؛ لأنه غرر لا يدري ما تصير السلعة إليه عند الأجل، ولا يدري صاحبها كيف ترجع إليه، وسواء كان الخيار فيما وصلت لك للبائع أو للمشتري.
قال أشهب: وقد يزيده المبتاع في ثمن السلعة لتكون في ضمانه إلى بعيد الأجل، فذلك غرر، وقد كره مالك شراء سلعة بعينها إلى أجل بعيد بغير اشتراط النقد.
قلت: فإن اشتراط المبتاع استخدام العبد وركوب الدابة ولباس الثوب، فقال: أما لباس الثوب فلا يصلح، وأما ركوب الدابة واستخدام العبد فلا بأس بذلك
الجزء: 13 - الصفحة: 788
ما لم يكن ركوب الدابة إلى سفر بعيد يخاف عليها في مثله تغير شيء من حالها، ولا بأس أن يشترط ركوبها البريد والبريدين وشبهها يختبرها في ذلك، وكذلك العبد يختبره ليعرف نفاذه ونشاطه من ضعفه وكسله، وأما الثوب فلا يختبر باللباس، فلذلك خالف العبد الأمة.
قال أشهب: ولا يشترك لبس / الثوب؛ لأنه لا يختبر باللبس كما تختبر الدابة بالركوب، والعبد بالاستخدام.
م وإذا فسد البيع في اشتراط لبس الثوب في أيام الخيار ونقض، كان على المبتاع قيمة لبسه.
وذكر بعض أصحابنا أنه اختلف إذا فسد البيع باشتراط النقد في أيام الخيار فهلكت السلعة فيها ممن ضمانها؟ فقيل من البائع فيكون الحكم في قيمة اللبس نحو ما قدمنا، وقيل إن ضمانها من المبتاع من يوم قبضها كسائر البيوع الفاسدة، فيكون على هذا لا شيء عليه في اللبس كسائر الغلات.
م ولم أر في إذا فسد البيع باشتراط النقد خلافًا أن المصيبة من البائع، وإنما اختلف إذا فسد البيع باشتراط الخيار الطويل الذي لا يجوز في تلك السلعة، فقال من المشتري من يوم القبض؛ لأن الخيار وقع فاسدًا، قال: وذلك بخلاف إذا صح الخيار، وفسد البيع لاشتراط النقد فيه أن الضمان ها هنا من البائع، لأن الخيار ها هنا صحيح لم يفسد البيع.
الجزء: 13 - الصفحة: 789
م فعلى هذا تكون قيمة لبس الثوب، على المشتري بلا خلاف فانظر.
[فصل 4 - فيمن اشترى شيئًا من رطب الفواكه على أنه بالخيار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى شيئًا من رطب الفواكه والخضر على أنه بالخيار، فإن كان الناس يشاورون غيرهم في هذه الأشياء ويحتاجون فيها إلى رأيهم، فلهم من الخيار بقدر حاجة الناس مما لا يقع فيه تغيير ولا فساد، والأجل في مثل ذلك أقرب منه فيما لا يسرع فيه الفساد من طعام أو عرض.
قال سحنون: قال أشهب: من غير أن يغيب المبتاع على ما لا يعرف بعينه من مكيل أو موزون، فيصير تارة سلفًا وتارة بيعًا، لأنك لو بعت ذلك من رجل فغاب عليه ثم أقلته من بعضه، وأخذت ثمن ما بقي كان بيعًا وسلفًا، بخلاف إقالتك من أحد عبدين أو ثوبين، وذلك جائز فيما يعرف بعينه.
ولو بعت عبدين بثمن إلى أجل على أن يرد عليك أحدهما عند الأجل بنصف الثمن - قال سحنون: يريد بعينه على ما هو به يومئذٍ من نماء أو نقص - لجاز؛ لأنه إنما اشترى أحدهما بعينه واستأجر الآخر إلى ذلك بالثمن الذي يبقى عليه، وذلك جائز؛ لأن كل ما يعرف بعينه وينتفع به بغير إتلافه تجوز إجارته، ولا تجوز إجارة ما لا يعرف بعينه من طعام أو إدام ونحوه ولا كل ما لا ينتفع به إلا بإتلافه إما بأكل أو غيره.
م يريد لأنه سلف جر منفعة، يرد عليك مثل ما استأجر منك فهو سلف، وما يأخذ من أجرته فهو النفع.
الجزء: 13 - الصفحة: 790
م وإنما تصح مسألة العبدين إذا سمى ما يستعمل فيه المردود أو دخلاً على أن يعمل شيئًا قد عرفاه وإلا فهو كمن استأجر أجيرًا ولم يستعمله فيه، فذلك فاسد قاله غير واحد من شيوخنا، قالوا: وإن لم يعين المردود وإنما شرط ارداد أحدهما مبهمًا فذلك فاسد ويردان ما لم يفوتا، فإن فاتا فهما شريكان في العبدين، وعلى المبتاع نصف قيمتهما ونصف إجارتهما؛ لأن أحدهما مبيع والآخر مستأجر ولا يعرف المبيع من المستأجر، وكذلك إن فات أحدهما فعليه نصف قيمته ونصف إجارته ويرد الباقي.
فصل [5 - فيمن ابتاع حيوانًا على أنه بالخيار أربعة أشهر]
ومن العبية: [قال] سحنون عن ابن القاسم فيمن ابتاع حيوانًا أو غيره على أنه بالخيار أربعة أشهر وقبضها وشرط النقد أو لم يشترطه، فمصيبتها من بائعها إذا لم يتم فيها بيع.
قال سحنون: وإن كانت دارًا وشرط فيها الخيار لأحدهما ثلاث سنين أو أربعًا أو ما لا يجوز إليه الخيارن فبنى فيها المبتاع أو غرس، فإن كان الخيار للبائع، فليس البناء فيها فوتًا وترد إلى بائعها، وليس عليه للمبتاع في البناء شيء ويعطيه قيمته منقوضًا.
وإن بني بعد أجل المشترط فالبناء وعليه قيمتها يوم خرج وقت الخيار.
الجزء: 13 - الصفحة: 791
وروى ابن سحنون / عن أبيه فيمن اشترى سلعة وشرط خيار سنة أو سنتين أن البيع فاسد وضمانها من المشتري من يوم قبضها.
وقال: إنه مثل ما قال أصحابنا فيمن باع سلعة على أنه متى رد الثمن فهو أحق بسلعته أنه بيع فاسد، والمشتري ضامن من يوم القبض.
وفرق بينه وبين المشتري إلى ما يجوز فيه الخيار واشتراط النقد.
فقال في هذه ضمانها من البائع وإن قبضها المشتري إلى أن يقبضها بعد أجل الخيار، وذلك لأن الخيار هاهنا صحيح لم يفسد به البيع.
قال أبو محمد: ورواية العتبي عنه أحسن وبعد هذا باب يه إيعاب هذا.
الجزء: 13 - الصفحة: 792
[الباب الثاني]
في أحد المتبايعين يغمى عليه أو يجن أو يموت في أيام الخيار
[فصل 1 - في خيار المغمى عليه]
قال ابن القاسم: ومن أغمى عليه في أيام الخيار انتظرت إفاقته ثم هو على خياره إلا أن يطول إغماؤه أيامًا، فينظر السلطان، فإن رأى ضررًا فسخ البيع، وليس له أن يمضيه بخلاف الصبي والمجنون، وإنما الاغماء مرض.
وقال ابن المواز: قال أشهب له أن يجيز أو يرد في أيام الخيار، وليس له بعد زوالها إلا الرد فقط.
م قال بعض شيوخنا: انظر قول ابن القاسم إن رأى ضررًا فسخ البيع، وليس له أن يمضيه.
وقال في العَرْصة المعارة - يريد هدمها المعار - ورب العرصة غالب - أن السلطان ينظر، فإن رأى أخذ النقص لرب العرصة بقيمته ملقًا فذلك، له فيجب على هذا أن يكون له هاهنا إجازة البيع أو رده في أيام الخيار كما قال أشهب؛ لأن نظره للغائب كنظره للمغمى عليه، فبان أن قول أشهب أقيس.
م ويحتمل أن يكون الفرق بينهما عند ابن القاسم أن الاغماء الغالب فيه زواله عن قرب قد تطول غيبته، فهو كالصبي والمجنون.
الجزء: 13 - الصفحة: 793
[فصل 2 - في خيار المجنون والأجذم والأبرص]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن جن فأطبق عليه في أيام الخيار فالسلطان ينرظ له في الأخذ أو الرد أو يوكل بذلك من يرى من ورثته أو غيرهم، وينظر في ماله وينفق منه على عياله، كما ينظر في ما المفقود.
وقال مالك: يتلوم السلطان للمجنون وينفق على امرأته في التلوم، وبلغني عنه أن تلومه له سنة، فإن برئ وإلا فرق بينهما.
قال مالك: والأجذم البين جذامة يفرق بينه وبين امرأته، وأما الأبرص فلا.
قال سحنون: وقال بعض الرواة إذا اشتدت رائحة الأبرص فرق بينهما.
فصل [3 - في موت من له الخيار]
قال مالك والخيار يورث عن الميت؛ لأنه حق له، قال بعض البغداديين، وخالف ذلك أبو حنيفة، ودليلنا قوله تعالى ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء:12] فهو على عمومه وقوله - صلى الله عليه وسلم - (من ترك مالاً أو حقًا فلورثته)؛ ولأنه خيار في عقد بيع
الجزء: 13 - الصفحة: 794
كالرد بالعيب؛ ولأن من ورث شيئًا ورثه بحقوقه كالدين بالرهن، والرد بالعيب.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وقد جعل مالك تأخير الورثة ببرئ الغريم الذي حلف للميت لأقضينك حقك إلا أن تؤخرني، وكذلك تأخير الوصي على النظر إن لم يرثه من ييلي نفسه أو تأخير الغرماء إن أحاط الدين بماله وإبرؤا ذمة الميت وإلا فلا.
وقال أشهب وسحنون: لا يجوز تأخير الوصي، وبيان ذلك كله في كتاب النذور.
فصل [4 - فيمن تزوج امرأة وشرطت عليه إن تزوج عليها فأمرها بيد
أمها واختلاف الورثة فيما ورثوه]
قال ابن القاسم: ولقد سئل مالك فيمن تزوج امرأة وشرطت عليه في العقد أنه إن نكح أو تسرر أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد أمها ثم ماتت الأم، فإن كانت أوصت بما كان لها من ذلك إلى أحد فذلك إليه.
قال ابن القاسم: وإن لم توصِ فكأني رأيت مالكًا يرى أن ذلك للإبنه، أو قال ذلك لها ولم أتبينه منه.
وروى علي عن مالك: أن ذلك لا يكون بيد أحد غير من جعله الزوج بيده؛ لأنه يقول: لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيده لنظره وقلة عجلته.
قال ابن القاسم: وإن أوصت الأم إلى أحد ولم تذكر ما كان / لها من ابنتها، لم يكن للوصي ولا للإبنة شيء من ذلك.
قال أشهب: يورث الخيار عن البائع أو عن المبتاع ثم ليس للورثة إلا الاجتماع على رد أو إجازة وكذلك الوصيان.
الجزء: 13 - الصفحة: 795
وإن اختلف وارثوا الخيار وهم رشداء، فشاء بعضهم إمضاء البيع وشاء بعضهم رده، فليس لهم إلا أن يجيزوا كلهم أو يردوا كلهم، وهذا النظر لأن ميتهم لم يكن له إجازة بعض الصفقة ورد بعضها فكذلك هم.
واستحسن لمن أجاز من ورثة المبتاع أن يأخذ مصابة من لم يجز إن شاء، فإن أبى رددنا الجميع إلا أن يسلم له البائع أخذ حصته فقط فلا يكون له عليه إلا ذلك.
قال أشهب: وكذلك ردهم بعيب فيما ابتاع وليهم بغير خيار، أو مشتريان أصابا عيبًا فرضيه واحد ورده الآخر على ما ذكرنا، ليس ذلك لهما إلا أن يردا جميعًا أو يحبسا أو يأخذ المتماسك جميع السلعة، وقاله مالك.
قال ابن القاسم في هذا الكتاب وفي كتاب التدليس إن لمن شاء من المشترين أن يأخذ أو يرد بخيار أو عيب.
قال: ولا قول للبائع إذ لا يتبع ذمة كل واحد إلا بحصته وأما الورثة فإنما ورثوا ذلك عمن لم يكن له أخذ بعض دون بعض، فهم كإياه.
قال أشهب: وينظر السلطان في اختلاف الوصيين للصغار بخلاف الورثة، فيمضي قول أصوبهما، فإن كان مع الأصاغر وارث كبير فتماسك ورد الوصيان أورد وتماسك الوصيان، فذلك كاختلاف الورثة، فإن تماسك الوارث وأحد الوصيين.
الجزء: 13 - الصفحة: 796
ورد الآخر نظر السلطان بالأصلح أيضًان فإما أمر الراد بالإجازة أو أمر المجيز بالرد، ثم ليس لمختار ألخذ من الوصيين أو الوارث إلا أخذ الجميع أورد الجميع إلا أن يشاء الحي من المتبايعين التماسك بحصة الراد، فليس لأحد منعه.
وقد فسر أبو محمد هذه المسألة في غير مختصره فقال: إذا أجاز البيع أحد ورثة المشتري ورد الآخر، فهاهنا إن رضي البائع أن يتماسك بنصيب الراد ويجيز للآخر نصيبه لزم الآخر نصيبه، ولم لكن له في النظر ولا في الاستحسان أخذ نصيب الراد إلا برضى، البائع.
فأما إن قال البائع لا أجيز لهذا الذي رضي بالبيع أخذ نسيبه، فها هنا يفترق النظر والاستحسان، فأما على وجه النظر فإنه يقال للمتمسك: يلزمك أن ترد نصيبك على البائع، كما رد صاحبك، وليس لك أن تتماسك بنصيبك، فتكون قد أخذت بعض الصفقة بغير رضا البائع، ولا لك أخذ نصيب صاحبك؛ لأنه قد رده على البائع، فليس لك أخذه بغير رضاه.
وهذا وجه النظر.
وأما وجه الاستحسان: فإن الذي تماسك بالبيع إن شاء أن يرد الجميع أو يأخذ الجميع، فإن رضي أخذ الجميع كان ذلك له، وإن كره البائع؛ لأنه يقال له أنت إنما كنت تطلب من المشتري ثمن سلعتك فإذا رضي المتمسك أن يدفع إليك جميع الثمن، ويأخذ جميع السلعة، فلا حجة لك عليه في الاستحسان، وكذلك ما جرى في الوارث
الجزء: 13 - الصفحة: 797
الكبير الذي يلي نفسه إذا أراد رد البيع وخالفه الوصيان، فينظر السلطان في ذلك أنه ينظر إلى البائع، فإن رضي أن يتماسك بنصيب الكبير، ويسلم للأوصياء نصيب المولى عليه كان ذلك له في النظر والاستحسان، ولا قول للأوصياء، وإن لم يرض البائع بتماسك الأوصياء لزمهما الرد كما رد الكبير، وهذا في النظر، وأما في الاستحسان فللأوصياء حينئذٍ رد الجميع أو أخذ الجميع، وإن كره البائع؛ لأنه إذا وجد جميع الثمن الذي كان يطلب من المبتاع فلا حجة له.
م وهذا كله في اختلاف ورثة المبتاع وأما في اختلاف ورثة البائع فإنه يصير الذي يريد فسخ البيع منهم بمنزلة الذي يريد إمضاء البيع من ورثة المشتري ويجري الجواب في ذلك كما تقدم في ورثة المشتري.
[فصل 5 - في الميت إذا أحاط الدين بماله]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أحاط الدين بمال الميت فاختار غرماؤه ردًا أو أخذًا وذلك أوفر لتركته وأرجى لقضاء دينه فذلك لهم دون الورثة، فإن ردوا لم يكن للورثة الأخذ إلا بعد أن يردوا الثمن من أموالهم دون مال الميت.
وحكي عن أبي محمد أن الغرماء إذا اختاروا الأخذ إنما يجوز ذلك لهم إذا كان ما طلع من فضل فللميت يقضوا به دينه، وإن كان نقصانًا فعلى الغرماء، بخلاف المفلس يؤدي عنه الثمن، هذا ما كان من فضل أو نقص فللمفلس وعليه.
الجزء: 13 - الصفحة: 798
والفرق بينهما أن الثمن لازم للمفلس، والذي ابتاع بخيار لم يلزمه ثمن إلا بمشيئة الغرماء، فلم يجب أن يدخلوا على الورثة ضررًاز قال بعض فقهائنا القرويين: وإذا اختار الغرماء رد السلعة التي اشتراها الميت بخيار، وكان أخذهم نظرًا فليس للسلطان أن يجعلهم يأخذونها، لأنهم يقولون قد وجب لنا أن نأخذ حقوقنا مما ترك فلا يلزمنا أن نتجر للميت، بخلاف إذا وهبت هبة للثواب فأراد الغرماء ردها، وكان أخذها نظرًا، فليس للغرماء ردها والفرق أن هبة الثواب قد ضمنها الموهوب بقبضه إياها وبيع الخيار ضمانه من بائعه فافترقا.
الجزء: 13 - الصفحة: 799
[الباب الثالث]
في المتبايعين يجعل أحدهما لصاحبه الخيار وفي المكاتب يعجز في أيام الخيار
[الفصل 1 - في الخيار بعد تمام البيع]
قال ابن القاسم: ومن باع سلعة من رجل ثم جعل البائع للمبتاع الخيار بعد تمام البيع أو جعل المبتاع للبائع الخيار لزم ذلك إذا كان يجوز في مثله الخيار، وهو بيع مؤتنف بمنزلة بيع المشتري لها من غير البائع، وما أصاب السلعة في أيام الخيار فهو من المشتري، لأنه صار بائعًا.
م قال بعض شيوخنا: وهذا إذا انتقد البائع الأول، وأما إن لم ينتقد لم يجز؛ لأن الثمن صار دينًا في ذمة المشتري، فدفع فيه سلعة فيها خيار.
م وظاهر المدونة أن الضمان من المشتري، جعل هو للبائع الخيار أو جعله البائع له وكأن البائع قال للمشتري: إن شئت بعها مني ولك الخيار، فالمشتري هو البائع، جعل هو الخيار أو جعل له.
وروي عن المخزومي أنه قال: إن جعله البائع فالضمان منه لأنه خيار الحقه بعقده، فكانه في العقد، وإن جعله المشتري فالضمان منه؛ لأنه صار بائعًا بخيار.
فصل [2 - في خيار المكاتب]
قال مالك: وإذا ابتاع المكاتب شيئًا بالخيار ثلاثًا فعجز في الثلاث فلسيده من الخيار ما كان له.
الجزء: 13 - الصفحة: 800
[الباب الرابع]
فيمن اشترى سلعة على خيار رجل أو رضاه أو مشورته
[الفصل 1 - فيمن يشتري سلعة ويشترط خيارًا لرجل آخر]
قال ابن القاسم: ومن باع سلعة من رجل على أن فلانًا - رجلاً آخر - بالخيار أيامًا جاز ذلك، وقد قال مالك في الرجل يبيع السلعة، ويشترط البائع إن رضي فلانًا البيع، فالبيع جائز وكذلك مسألتك.
م وإنما قال ذلك لقوله (واشترط الخيار ثلاثًا) ولم يفرق، وإن الخيار وضع لتأمل المبيع ورضاه وحظ مشترطه، وقد لا يعرف ذلك فيشترطه لغيره فيعرفه إياه.
قال مالك: ولا بأس أن تشتري سلعة / لفلان على أن يختار فلان أو يشتري
الجزء: 13 - الصفحة: 801
لنفسه على رضا فلان أو خياره، لم ليس للمبتاع رد أو أجازة دون خيار من اشترط.
م لم يبين ها هنا هل للبائع خلاف من اشترط خياره أو رضاه، وبينه في الشمتري وحمل أبو محمد أن ذلك للبائع دون المشتري على ظاهر تفسير قول مالك.
وذكر عبد الوهاب أن ابن القاسم اختلف قوله في ذلك، فقال مرة: أن للبائع أن يخالف خيار من اشترط خياره أو رضاه إلى رد أو إجازة، وليس للمشتري أن يخالف الأجنبي.
قال: وروى عنه أن البائع والمشتري سواء وله أن يخالفه.
م فلم يختلف قوله في البائع أن له أن يخالفه، وإنما اختلف في المشتري.
قال: فوجه قوله أن لهما مخالفة الأجنبي، فلأن الأجنبي لم يشترط له الخيار على وجه التمليك لكن على التنبيه له، ولأن ثبوت الخيار للأجنبي فرع على ثبوته للبائع أو للمشتري، فيمتنع أن يثبت الرفع وينتفي [به] الأصل.
ووجه التفرقة بين البائع والمشتري، أن حال المشتري أضعف؛ لأن البائع أملك بسلعته، وملك المشتري لها لا يتم إلا بالقبول، فقد ساوى الأجنبي في العقد وحقوقه.
الجزء: 13 - الصفحة: 802
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو ابتاع على أن يستشير فلانًا جاز، وله أن يخالفه إلى رد أو أجازة، ولا يمنعه البائع.
قال أبو محمد: أراه [يعني] لأن قوله على أن فلانًا بالخيار - يريد علينا جميعًا، فكأنه شرط لهما، وإذا قال على أن أشاور فلانًا فهذا خص نفسه أن يشاوره هو لنفسه، فله أن يدع رأيه، وليس للبائع هاهنا حق شرطه.
م قال بعض أصحابنا: لو جرى الأمر على مراعاة الاشتراط في ذلك كله - إما أن يجعلا ذلك للأجنبي خاصة أو لأحدهما خاصة - لما افترق خيار ولا رضاء ولا مشورة، وإنما يفرق بينهما الاشتراط لكان ذلك صوابًا.
وقد قال بعض القرويين: لا يصح التفريق بين ذلك إلا على هذا المعنى والله أعلم.
م وذكر ابن المواز في كتاب النكاح أن الخيار والمشورة سواء، وله الرد والأخذ دون خيار من اشترط ذلك فيه، وكذلك قال ابن حبيب في البيع على أن فلانًا بالخيار أو على أن يستشروه في ذلك سواء، ولمشترط ذلك من بائع أو مبتاع الأخذ أو الرد دون رضا من اشترط، وليس لصاحبه عليه حجة من بائع أو مبتاع.
الجزء: 13 - الصفحة: 803
وروي عن ابن القاسم مثله.
وروى ابن مزين عن ابن نافع أن المشورة والخيار سواء ولا رد له إلا برأي من اشترط.
م ووجه هذا كأنه أسقط خيار نفسه ومشورتها واشترط ذلك لغيره لمعرفته ونظره، وتراضى المتبايعان بذلك، وانعقد البيع عليه، فكان هو المقدم عليهما إلا أن يجتمعا على إسقاطه.
م وهذا يؤيد ما قدمنا من مراعاة الاشتراط بإسقاطه.
قال ابن حبيب: ومن اشترى لغيره على خيار رجل حاضر أو غائب قريب الغيبة، فليس لهذا الرجل أن يجيز البيع دونه.
[الفصل 2 - تقييد جواز البيع على مشورة فلان بأن يكون قريبًا]
ومن المدونة: قال مالك: وإنما يجوز البيع على مشورة فلان أو رضاه إذا كان قريبًان وإن استثنى مشورة رجل ببلد بعيد فسد البيع، ولو ترك المبتاع مشورة فلان الغائب مجيزًا للبيع لم يجز، لوقوعه فاسدًاز
م وذكر عن أبي سعيد بن أخي هشام قال: وإذا اشترط المبتاع رضا فلان أو خياره، فمات فلان قبل أن يرضى أو يختار لم يلزم البائع بيع إلا برضاه.
م وهذا على قوله: ليس للمشتري مخالفة من اشترط خياره، وأما على قوله: له أن يخالفه فيرجع إذا مات فلان للمشتري.
الجزء: 13 - الصفحة: 804
قال مالك: ومن اشترى سلعة / لرجل واشترط خيار المشترى له، فليس للمشتري رد أو أجازة دون خيار المشترى له.
[فصل 3 - في ضياع الثوب المشترى على خيار لآخر]
ومن كتاب ابن الموازك ومن ابتاع لرجل ثوبًا وقد أمره أن يشتري له ثوبًا واشترط الخيار حتى يريه صاحبه فضاع، فروى ابن القاسم عن مالك أن الثوب إن هلك من الآمر، وأحب إلينا أن لا يكون على الآمر وأن يكون على الرسول إلا أن يكون بيّن للبائع أن فلانًا أرسله ليبتاع له ثوبًا فيلزم البائع ويحلف الرسول لقد ضاع.
م أراه إنما جعله من البائع؛ لأن الآمر لم يأمره أن يشترط أن يريه إياه، ولو أمره بشرط ذلك لكان هلاك الثوب منه.
قال مالك: وإذا كان الخيار للمتبايعين جميعًا لم يتم البيع إلا باجتماعهما على الإجازة.
قال: وإذا اختار من له الخيار من المتبايعين ردًا أو أجازة، وصاحبه غائب، وأشهد على ذلك جاز على الغائب.
الجزء: 13 - الصفحة: 805
[الباب الخامس]
ما يعد من فعل ذي الخيار اختيارًا وتعديه وجنايته وبيعه
[الفصل 1 - القول في الرضا بالخيار والأفعال التي تقطع الخيار أو لا تقطعه]
والقضاء أن الذي له الخيار في السلعة إذا فعل بها فعل المالك عند ذلك منه اختيارًا لها، كان بائعًا أو مبتاعًا وقد قضى عمر رضي الله عنه بثواب الهبة لمن يرى أنه أراد ثوابًا وإن لم يلفظ باشتراطه.
قال ابن القاسم: والذي له الخيار من المتبايعين إذا وهب أو تصدق أو رهن أو أجر أو دبر أو كاتب أو أعتق أو قبل أو باشر أوطئ فذلك كله من المبتاع رضا بالبيع، ومن البائع رد له.
قال ابن حبيب: وكذلك أن حلق رأس الوصيف أو حجمه فهو رضا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان الخيار في الدابة فهلبها أو ودجها أو عربها أو سافر عليها فهو رضا، وتلزمه الدابة إلا أن يركبها شيئًا
الجزء: 13 - الصفحة: 806
خفيفًا في حاجة له ليختبرها فيكون على خياره، وكذلك من اشترى دابة فوجد بها عيبًا ثم تسوق بها او اشترى ثوبًا بالخيار، فاطلع على عيب به ثم لبسه بعد ذلك، فذلك قطع لخياره ورضا منه به.
وإن كان الخيار للمبتاع في الجارية فجردها في أيام الخيار ونظر إليها، فليس ذلك رضا منه، وقد تجرد للتقليب إلا أن يقر أنه فعل ذلك تلذذًا فهذا رضا، ونظر المبتاع إلى فرج الأمة رضا؛ لأن الفرج لا يجرد في الشراء ولا ينظر إليه إلا النساء ومن يحل له الفرج.
قال بعض أصحابنا: قوله: وقد تجرد الأمة للتقليب يريد أن الناس يصنعون ذلك، وأما في وجه العلم فلا ينبغي ذلك.
م وظاهر الكتاب أنه جائز أن تجرد للتقليب، ووجهه أنه قد يكون في جسمها عيب، برص أو غيره فتخفيه، فوجب لذلك أن تجرد للتقليب.
وقوله في الفرج لا ينظر إليه إلا النساء ومن يحل له الفرج: يدل على جواز نظر الرجل إلى فرج زوجته وأمته وهو مذكور في غير المدونة، وما كره من ذلك بعض الناس فليس بشيء ولا كراهية في ذلك في باب الفقه.
الجزء: 13 - الصفحة: 807
وقد سئل أصبغ أينظر الرجل إلى فرج امرأته؟ فقال: نعم ويلحسه بلسانه.
قال ابن حبيب: وإن قرصها أو مس بطنها أو ثدييها فهو رضا، وكذلك إن خضب يديها بالحناء أو ظفر رأسها بالغِسل فهو رضى، إلا أن تفعل ذلك الجارية بغير أمره فلا يكون رضا.
ومن كتاب ابن المواز والواضحة: وكره مالك للمشتري عند استعراضه الجارية أن يضع يده حول عجزها أو على ثديها، ولا يكشف منها معصمًا ولا صدرًا ولا ساقًا.
قال في الواضحة: وليسأل بائعها عن ما يريد في ذلك.
وفي كتاب ابن المواز /: وليجعل النساء يلين ذلك منها ولم ير ما ورى عن ابن عمر في ذلك.
قال ابن حبيب: قد أجيز للعازم على الشراء ولم يفعله متلذذًا ولا عاتيًا ذلك، وكان ابن عمر يضع يده على ثديها وعلى عجزها ويكشف عن ذلك، وذلك إذا أعجبته وإلا لم يفعل.
الجزء: 13 - الصفحة: 808
وقال عطاء: لا أحب أن ينظر إلى جواري البيع إلا لمن أراد الشراء.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وله أن ينظر إلى كفيها وكره إلى معصميها وساقيها، وليخبر عنها كما يخبر عن الحرة، وكرهه مسه بعضدها.
قال أصبغ: وصدرها ولا ينظر إلى وجهها وكفيها وقدمها وشعرها وما ظهر من نحرها لغير لذة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن زوج المشتري الأمة أو زوج العبد أو ضربه أو جعله في صناعة أو في الكتاب، أو ساوم بهذه الأشياء للبيع، أو أكرى الرباع والدواب وذلك كله في أيام الخيار فهو رضا وقطع لخياره.
وإن جنى على العبد عمدًا، قطع يده أو فقأ عينه فذلك رضا وله رده في الخطأ وما نقصه، وفي الدابة مثله إن جنى عليها عمدًا فذلك رضا ويغرم الثمن كله وله ردها في الخطأ وما نقصها من ثمنها، وإن كان عيبًا مفسدًا ضمن الثمن كله وقال سحنون: بل يضمن القيمة في المفسد في العمد والخطأ وإن لم يكن مفسدًا حلف في الخطأ، وردها وما نقصها، وتلزمه في العمد.
قال ابن المواز: إذا قطع يد الأمة عمدًان فقال أشهب: لا يقطع ذلك خياره، ولا يظن بأحد أن يفعل ذلك رضا.
الجزء: 13 - الصفحة: 809
[قال] ابن المواز: وتعتق عليه.
وقال ابن القاسم: هو في العمد رضا وإن كان خطأ حلف إن اتهم وردها وغرم ما نقصها إلا أن يكون عيبًا مفسدًا فيضمن الثمن كله، كما لو فعله تعمدًا بعبد أجنبي.
وقال سحنون: يضمن القيمة ويعتق عليه.
م قال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم يضمن الثمن كله أي يضمن القيمة أو يكون قد اختار قبل ذلك فيجب عليه الثمن.
م وظاهر الكتاب خلاف ذلك، ولأبي القاسم بن الكاتب إذا أصاب المشتري السلعة خطأ والخيار له، فاختار إمساكها، فينبغي أن يغرم ما نقصها غير الثمن الذي اشتراها به، لأن أرش الجناية قد وجب للبائع قبل أن يختار المشتري حبسها، كما لو جني عليها أجنبي وحكى مثله عن بعض شيوخه.
ومن المدونة: ولم ير أشهب الإجارة والرهن وتزويج العبد وإسلامه للصناعة، والسوم والجناية رضًا بعد أن يحلف في الرهن والإجارة وتزويج العبد ما كان ذلك منه رضًا بالبيع.
وقال عنه ابن المواز بعد أن يحلف في هذه الوجوه كلها.
قال ابن المواز: وإنما اختلفا في تزويج العبد، وأما تزويج الأمة فهو رضا عندهما.
الجزء: 13 - الصفحة: 810
م قال ابن الكاتب القروي: سمعت من يفرق بين العبد والأمة على قول أشهب أن العبد له حل ما عقد عليه، والأمة ليس لها حل ذلك.
قال: وليس ذلك بشيء، وإنما الفرق لما كانم وطؤه يعد اختيارًان إذ قد حرمها على سيدها إلا بعد الاستبراء، فكذلك إذا وطئها غيره، لأنه قد حرمها على سيدها وليس هذا في العبد.
وقيل: إن الفرق أن يقول في تزويج العبد فعلته نظرًا لمولاه، فإن رضيه وإلا فسخه، وليس له ذلك في الأمة، إذ لا يصح التزويج فيها إلا لمولاها فافترقا.
م والصواب ما قاله ابن القاسم؛ لأنه فعل في ذلك فعل المالك فَعُدَّ منه، إنما فعله اختيارًا، وذلك أشد من حلق شعره وحجامته الذي يلزمه بفعله الاختيار.
فصل [2 - في بيع المشتري للسلعة التي لا يزال فيها خيار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولا يبيع الرجل السلعة إذا / كان فيها خيار له حتى يستوجبها لنفسه ويشهد ثم يبيعها بعد ذلك.
وروى عنه علي في البيع أنه لا ينبغي أن يبيع حتى يختار وإن باع فإن بيعه ليس باختيار، ورب السلعة بالخيار إن شاء أجاز البيع وأخذ الثمن، وإن شاء نقض البيع.
الجزء: 13 - الصفحة: 811
وطرح سحنون من قوله أن البائع مخير، وقال: إنما في رواية على أن الربح للبائع؛ لأنها كانت في ضمانه.
م وهذا هو الصواب؛ لأنه إنما يتهم أن يكون باع قبل أن يختار، فيقول له البائع: بعت سلعتي وما في ضماني فالربح لي، وأما نقض البيع فليس ذلك له؛ لأن بيع المبتاع لا يسقط خياره، فلو نقض البيع لكان له أن يختار أخذ السلعة فلا فائدة في نقضه.
وقال ابن حبيب: من ابتاع شيئًا بالخيار له، فباعه بربح في أيام الخيار قبل أن يخير صاحبه باختياره، فإن قال: بعته بعد إن اخترت صدق مع يمينه إن كذبه صاحبه - يريد بعلم يدعيه - وله الربح، وإن قال بعت قبل أن أختار فالربح لربه؛ لأنه في ضمانه، قال مالك وأصحابه ونحوه في كتاب محمد عن ابن القاسم.
[قال] ابن حبيب: وإذا تسوق من له الخيار بالسلعة فهو رضا إلا أن يزعم أنه أراد أن يختبر ثمنها ليعرف رخصها من غلائها، فيحلف ويكون على خياره، فإن نكل لزمته.
الجزء: 13 - الصفحة: 812
[الباب السادس]
في عتق البائع في أيام الخيار ومسائل مختلفة من بيع الخيار وغيره
[الفصل 1 - في عتق البائع الأمة في أيام الخيار]
قال ابن القاسم: وإذا كان الخيار للمبتاع في أمة فأعتقها البائع في أيام الخيار فعتقه موقوف، فإن رد المبتاع البيع لزم البائع عتقه كقول مالك فيمن أخدم أو أجر أمته سنه ثم أعتقها، أن أعتقها موقوف، فإذا تمت السنة عتقت بغير إحداث عتق، وهو في عتقه قبل السنة مضار نادم فيما أوجب على نفسه من الشرط وقد لزمه ولا يستطيع الرجوع فيه.
[فصل 2 - فيمن أسكن رجلاً داره حتى يموت الرجل
فتوفي صاحب الدار وعليه دين]
[قال] ابن وهب: وقد قال ابن شهاب فيمن أسكن رجلاً داره حياة الرجل، فتوفى رب الدار وعليه دين، فلا تباع الدار للغرماء حتى يموت الرجل، قال عبد الله بن عمر: ولو كانت مدة السكنى عشر سنين لم ترجع إلى الورثة إلا بعد انقضاء المدة.
الجزء: 13 - الصفحة: 813
قال ربيعة: وكذلك من أسلف رجلاً مالاً إلى أجل فليس له أن يتعجله منه قبل الأجل؛ لأنه معروف صنعه.
فصل [3 - في الرجل يبتاع السلعة على أنه بالخيار إذا نظر إليها]
قال ابن القاسم: ومن اشترى ثيابًا أو رقيقًا أو غنمًا على أنه بالخيار إذا نظرها، فنظر إليها وصمت حتى رأى آخرها فلم يرضها فذلك له، ولو كانت حنطة فنظر إلى بعضها فرضيه ثم نظر إلى ما بقي فلم يرضه، فإن كان الذي لم يرضه على صفة ما رضي لزمه الجميع لتساويه؛ لأن الصفقة واحدة، وإن خرج آخر الحنطة مخالفًا لأولها لم يلزم المشتري من ذلك شيء، وله رد الجميع إن كان الاختلاف كثيرًا، وليس للمبتاع أن يقبل ما رضي بحصته من الثمن ويرد ما خرج مخالفًا إلا أن يرضى البائع، ولا للبائع أن يلزمه ذلك إذا أبى المبتاع، وكان الاختلاف كثيرًا.
وكذل هذا في جميع ما يكال أو يوزن.
وفي العتبية: إذا وجد العيب بالقليل من الطعام لزم البيع في باقيه وإن كثر لم يلزم أحدهما إلا باجتماعهما.
وقال أبو المواز عن ابن القاسم: سواء كان المعيب يسيرًا أو كثيرًا فليس للمبتاع أن يأخذ إلا الجميع أو يدع.
وفي كتاب العيوب إيعاب هذا وشرح أبي محمد فيه.
الجزء: 13 - الصفحة: 814
[الباب السابع]
في ضمان السلعة واختلافهما في وقت هلاكها وما يحدث فيها من العيوب في أيام الخيار
[الفصل 1 - في ضمان السلعة في أمد الخيار]
/ والقضاء أن الضمان في أمد الخيار مما يحدث بالسلعة من البائع، إذ لا يتم البيع إلا باختيار إمضاء البيع أو ما يعد اختيارًا لإمضائه، فالسلعة بملك البائع معلقة إذ هو أقدم ملكًا فلا ينتقل الضمان عنه إلا بتمام انتقال ملكه عنها، والضمان منه فيما قبضه المبتاع مما لا يغاب عليه، وفيما يثبت هلاكه مما يغاب عليه؛ لأن هلاكه ظاهر بغير صنعه وأنه غير متعد في قبضه كالرهن والعارية وأما ما لم يثبت هلاكه مما يغاب عليه فالمبتاع يضمنه؛ لأن قبضه خارج من قبض الأمانة، وإنما قبضه لمنفعة نفسه، وعلى وجه المبايعة دون الأمانة، وكقبض الرهن والعارية التي جعلها الرسول - صلى الله عليه وسلم - مضمونة في السلام، فكان مما يغاب عليه مثله.
[فصل 2 - في الرجل يشتري العبد على أنه بالخيار فيموت في أيام الخيار]
قال مالك: ومن اشترى عبدًا بعيد والخيار لأحدهما أولهما جميعًا وتقابضا فمصيبة كل عبد في الخيار من بائعه؛ لأن البيع لم يتم، ولا يتم بينهما حتى يقع الخيار.
الجزء: 13 - الصفحة: 815
قال: ومن ابتاع دابة بالخيار على أن ينقد ثمنها فنقده ثم ماتت في أيام الخيار، فمصيبتها من البائع، وإن كان البيع فاسدًا لاشتراط النقد فيه ويرد الثمن.
ومن كتاب ابن المواز: وقال في مبتاع الداية يركبها يختبر سيرها والسيق يختبره والقوس ينزع عنها فتصاب في ذلك، فلا ضمان عليه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن قال المبتاع: هلك المبيع في أيام الخيار، وقال البائع بعدها فالقول قول البائع؛ لأن المبتاع يطلب نقض البيع فعليه البينة.
قال أبو محمد: يعني وقد تصادقا اليوم أن أيام الخيار مضت وأما لو قال المبتاع لم تنقض، لصدق مع يمينه؛ لأن البائع يريد تضمينه.
فصل 3 - ما يصيب الجارية من عيوب في أيام الخيار فممن ضمانه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا أصاب الجارية في ايام الخيار صمم أو بكم أو عور أو عيب أقل من ذلك فهو من البائع، وقد قال مالك أن موتها من البائع فكذلك العيوب.
والمشتري بالخيار إن شاء أخذ بجميع الثمن ولا يحط عنه شيء لقيمة العيب، وإن شاء ترك، وكذلك ما أصابها في عهدة الثلاث أو في المواضعة، وقد قبضها المبتاع أو لم يقبضها، والخيار للبائع أو للمبتاع، فذلك كله من البائع، ويخير المبتاع بين أخذها معيبة بجميع الثمن أو ردها وليس له أن يحبسها ويوضع عنه قيمة العيب الذي حدث، وانخساف البئر في أيام الخيار من البائع.
الجزء: 13 - الصفحة: 816
[فصل 4 - الجناية على الأمة في أيام الخيار أو الهبة لها
وكذلك تلف مال العبد]
ولو جنى على الأمة أجنبي في أيام الخيار فقطع يدها أو أصابها ذلك من أمر الله تعالى، فللمبتاع ردها ولا شيء عليه أو يأخذها معيبة بجميع الثمن، والأرض للبائع، وعليه طلب الجاني، وما وهب لها أو تصدق بها عليها في أيام الخيار فللبائع، وعليه نفقتها في أيام الخيار.
م وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب فيما وهب للجارية في أيام الخيار إنا يكون للبائع إذا لم يشترط المبتاع مالها، وأما لو اشترطه لكان ما وهب لها بمنزلة مالها المشترط، قياسًا على من كاتب عبده على أنه بالخيار فوهب للمكاتب مال في أيام الخيار، أنه إن أمضيت الكتابة فالمال يكون تبعًا للعبد كماله الأول الذي كان له قبل عقد الكتابة.
قال: ولو تلف مال العبد وهو رقيق أو حيوان أو عرض.
[قال] ابن المواز: أو حدث به عيب في عهدة الثلاث، وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد، ولا يرجع بشيء لذلك، ولو هلك العبد في عهدة الثلاث انتقض البيع وعلى المبتاع / رد ماله وليس له التمسك بالمال ودفع الثمن، ولو حدث بالعبد في الثلاث عيب مفسد أو جني عليه، فإما رده المبتاع بماله أو حبسه بماله بجميع الثمن، والأرش للبائع.
الجزء: 13 - الصفحة: 817
قال: ولا يرجع المبتاع على البائع بحصة العيب الذي أصابه في العهدة؛ لأن مصيبته في العهدة من البائع، وعليه عقل جنايته في أيام العهدة، وقد جعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لحبان بن منقذ العهدة فيما اشترى ثلاثة أيام، وقضى به عمر وابن الزبير وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنهم.
[فصل 5 - في ولد الأمة في أيام الخيار وجناية العبد في الخيار]
قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة في أيام الخيار كان ولدها معها في إمضاء البيع أو رده لمن له الخيار بالثمن المشترط ولا شيء على المبتاع من نقص الولادة إن ردها.
وقال أشهب: الولد للبائع فإن اختار المشتري البيع وقبض الأم قيل لهما: إما أن يضم المشتري الولد أو يأخذ البائع الأم فيجمعان بينهما - يريد في حوز أحدهما - وإلا نقضنا البيع.
وقال ابن أبي زمنين: هذه المسألة فيها نظر؛ لأن المعروف من قول أصحاب مالك أن الحامل الحرة إذا جاوزت ستة أشهر كان حالها حال المريضة، وبيع المريض عندهم لا يجوز، وعلى هذا الأصل يجب أن يكون ما قال ابن القاسم وأشهب في الجارية
الجزء: 13 - الصفحة: 818
تباع بالخيار، فتلد في أيام الخيار، أن معنى ذلك أنه باعها ولم يتبين أنها حامل والله أعلم.
م وفي المبسوط لإسماعيل القاضي: قيل لعبد الملك ما يمنع من بيع الأمة إذا كانت حاملاً، فقال: إذا أثقلت وصارت في الحد الذي إذا صارت إليه الحرة مُنعت إلا من ثلثها، وذلك إذا جاوزت ستة أشهر: وهو قول مالك: فيمنع من بيعها ما يمنع المريض المدنف.
وإذا قتل العبد رجلاً في أيام الخيار فللمبتاع رده.
قال ابن المواز: كان ذلك خطأ أو عمدًا، هذا إذا كان الخيار للمبتاع وإن كان الخيار للبائع كان الخطأ فيه مخالفًا للعمد، أما في العمد فليس له أن يلزمه المشتري وأما في الخطأ إذا فداه، فهو كعيب ذهب فهو على خياره.
قال ابن المواز: ولو جرح العبد رجلاً في أيام الخيار، والخيار للمشتري، خير البائع في إفتكاكه أو إسلامه، فإن افتكه فالمشتري على خياره، كان الجرح عمدًا أو خطأ، وإن أسلمه بالجناية وثمنه أكثر منها، كان للمبتاع أن يفتكه منها ويكون
الجزء: 13 - الصفحة: 819
للبائع بقية الثمن؛ لأن المشتري يقول أنا قد اشتريته بثمن فليس لك أن تسلمه بأقل منه.
وإن كان الخيار للبائع فافتدلاه، والجرح خطأ لا يلزم العبد به عيب، فالبائع على خياره، وله أن يلزم المشتري أخذه، وإن أسلمه البائع لم يكن للمبتاع أن يقول له قد أسلمته بأقل مما اشتريته أنا به؛ لأن الخيار للبائع، فإسلامه أياه للمجروح نقض للبيع، كما لو وهبه أو باعه من غيره في أيام الخيار، فإن ذلك له.
فصل [6 - في العيب يطلع عليه المبتاع أنه كان عند البائع أو يحدث
عنده في أيام الخيار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى أمة بالخيار بخمسين دينارًا فحدث بها عيب في أيام الخيار قبل أن يقبضها أو بعد أن قبضها، ثم اطلع على عيب كان بها عند البائع، فإنما له أن يأخذها معيبة بجميع الثمن أو يردها، وليس له أن يحبسها ويرجع بحصة العيب؛ لأنه علمه وهي في ضمان البائع فكأنه عليه اشترى.
ولو حدث بها عيب في أيام الخيار فعلمه، ثم حدث عيب مفسد عنده بعد زوال الخيار وخروجها من الاستبراء ثم ظهر على عيب قديم دلسه به البائع، خير فإن أراد حبسها قومت بعيب الخيار يوم / الصفقة - يريد خرجت من المواضعة ودخلت في ضمان المبتاع - فيقال قيمتها مئة ثم قومت يومئذٍ بزيادة عيب التدليس، فيقال ثمانون فقد نقصها الخمس، فيرجع عليه بخمس الثمن، قل أم كثر، وهو في هذه المسألة عشرة، فيصح له في ثمنها أربعون دينارًا.
الجزء: 13 - الصفحة: 820
قال ابن القاسم: وإن أراد أن يرد عمل كل ما وصفنا حتى يعلم كم ثمنها بعيب التدليس، ليرد قيمة العيب الحادث عنده من أمة معيبة، فقد علمت أن قيمتها بعيب التدليس ثمانون.
فيقال: وكم قيمتها بالعيب الثالث الحادث عند المشتري.
فيقال ستون.
فقد نقصها من قيمتها بعيب الخيار والتدريس الربع، فيرد عليه معها ربع ما ضح في ثمنها وذلك عشرة، فيصير إن أراد أن يتماسك رجع على البائع بعشرة، وإن أراد أن يرد أمسك البائع من الثمن عشرة، ورد عليه أربعين، ونحو هذه فسره ابن المواز، وقد بيناه في كتاب العيوب.
قال ابن المواز في الجارية تباع بيعًا فاسدًا وتقبض بعد المواضعة، فإنما تقوم بقيمتها يوم قبضها بعد الاستبراء وكذلك في البيع الصحيح إذا فتت، وقام بعيب؛ لأن ضمانها من البائع في الاستبراء، ولا يلزمه إلا بعد الاستبراء.
فدل قول محمد أنه إنما تقوم يوم قبضها بعد الخيار وخروجها من المواضعة إن كان فيها مواضعة، وهو يوم دخلت في ضمان المبتاع.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا ينظر إلى العيب الذي حدث في أيام الخيار في شيء من ذلك.
قال ابن أبي زمنين معناه: لا ينظر إلى نقصانه فيرده المشتري كما يرد ما نقص العيب [المفسد] الحادث عنده.
وقال ابن القاسم في باب بعد هذا: ولو فسد البيع باشتراط النقد في الخيار والمسئلة بحالها، وحدث بها أيضًا بعد أيام الخيار وبعد أن قبضها عيب مفسد، فإنه إن شاء حبسها ووضع عنه قدر العيب الأقدم من قيمتها يوم قبضها.
قال سحنون بعد أيام الخيار - يريد وبعد المواضعة.
الجزء: 13 - الصفحة: 821
[قال] ابن القاسم: لأنه بيع فاسد وجبت فيه القيمة فصارت كالثمن الصحيح.
وإن شاء ردها وما نقصها العيب الحادث من قيمتها يوم قبضها.
م وأبين من هذا أن تقول إن أراد حبسها لزمته قيمتها يوم قبضها بعد ايام الخيار والمواضعة بعيب التدليس وعيب الخيار، وإن شاء ردها وما نقصها العيب الحادث عنده من هذه القيمة.
قال ابن القاسم: ولو لم يحدث عنده عيب مفسد ولكن تغيرت عنده في سوق أو بدن، فله ردها بالعيب إذ حوالة السواق لا تفيت الرد بالعيب، وله حبسها بقيمتها يوم قبضها بعد زوال الخيار.
وذكر ابن المواز وغيره أنه إن لم يحدث بها غير حوالة الأسواق وشاء أن يحبسها، فإن عليه قيمتها بعيب الخيار فقط على أنها سليمة من عيب التدليس، لأن حوالة الأسواق لا يفيت ردها بالعيب، فكأنه رضي به، ويفيت البيع الفاسد، فصارت القيمة كالثمن الصحيح لا ينقص منها لعيب يملك الرد به.
قال ابن عبدوس: وهذا قول ابن القاسم وأشهب، وخالفهما سحنون فقال عليه قيمتها بالعيبين جميعًا، وحجة سحنون أنه إنما يجب عليه قيمتها يوم قبضها، وقد قبضها وبها العيبان جميعًا.
قال ابن طالب: ولو لم يتغير سوقها ولا حدث عنده عيب مفسد لفسخنا لابيع، ولم يكن له خيار في حبسها.
الجزء: 13 - الصفحة: 822
الباب الثامن]
فيمن اشترى ثوبين بالخيار فيهما أو في أحدهما فضاعا أو أحدهما [وما أشبه ذلك
[فصل 1 - فيمن اشترى ثوبين بالخيار صفقة فضاعا في أيام الخيار]
قال ابن القاسم: ومن اشترى ثوبين بالخيار / صفقة فضاعا في يده في أيام الخيار لم يصدق ولزماه بالثمن، كان أكثر من القيمة أو أقل، وإن ضاع أحدهما لزمه بحصته من الثمن.
قال بعض فقهائنا القرويين: ولو كان المالك منهما وجه الصفقة لوجب أن يلزماه جميعًا كضياع الجميع، ويحمل على أنه غيبة والله أعلم.
فصل [2 - فيمن اشترى عبدين فادعى ضياعهما في أيام الخيار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كانا عبدين أو ما لا يغاب عليه فادعى ضياع ذلك، صدق مع يمينه ولا شيء عليه إلا أن يأتي ما يدل على كذبه.
قال ابن القاسم: ولو كان المبتاع إنما أخذ الثوبين ليختار أحدهما بعشرة دراهم فضاعا لم يضمن إلا ثمن أحدهما وهو في الآخر مؤتمن، وإن ضاع أحدهما ضمن نصف ثمن التالف، ثم له أخذ الثوب الباقي أو رده، وكذلك قال مالك في الذي سأل رجلاً دينارًا فيعطيه ثلاثة دنانير ليختار أحدها، فيزعم أنه تلف منها ديناران، فإنه يكون شريكًا، قال سحنون: وهذا إن كان تلف الدينارين لا يعلم إلا بقوله.
قال أشهب: فإن كان في موضع الثوبين عبدان فالهالك من البائع، وللمبتاع أخذ الباقي بالثمن أو رده.
الجزء: 13 - الصفحة: 823
وقال في غير المدونة: ولو كان شراؤه العبدين على أن يختار أحدهما على الإلزام فهلك واحد، فهو من البائع والباقي للمبتاع لازم.
قال أبو محمد: كمن قال لعبديه أحدكما حر فمات أحدهما فالباقي حر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وللمبتاع أخذ أحد الثوبين بالثمن الذي سميا فيه قرب من أيام الخيار، وإن مضت أيام الخيار وتباعدت فليس له اختيار أحدهما وينتقض البيع إلا أن يكون قد أشهد أنه قد اختار أحدهما في أيام الخيار أو فيما قرب منها.
قال: وله اختيار أحدهما بغير محضر البائع، فإن اختار ببينة أشهدهم عليه بقول أو بقطع أو ببيع أو رهن أو ما يلزمه به من الأحداث، كان في الباقي أمينًا إن هلك فمن بائعه.
م وهذا كله في أخذه أحد الثوبين على غير الإلزام.
[فصل 3 - في شراء عبدين على أن يختار أحدهما بألف ونحوها]
قال ابن القاسم: ولا بأس بشراء عبدين أو ثوبين على أن يختار أحدهما بألف درهم، وذلك لازم لأحدهما.
وأما إن اختلف الثمن، فقال هذا بخمسة، وهذا بعشرة، أو قال هذا بدينار وهذا بشاة على الإلزام لأحدهما، لم يجز عند مالك، وهو من بيعتين في بيعه، وإن لم يكن على الإلزام ولكن لكل واحد من الأخذ أو الرد ما للآخر فجائز، وإنما كرهه مالك إذا كان على الإلزام؛ لأنه كأنه فسخ ثمن هذه في هذه وثمن هذه في هذه، وإذ قد تكون إحداهما أرخص من الأخرى فيدخله المخاطرة في التخيير.
وأجاز ابن أبي سلمة شراء هذا الثوب بسبعة وهذا بخمسة يختار أحدهما على الإلزام، إذا كان الوزن واحدًا وكأنه أخذ الذي بسبعه ثم رده وأخذ الذي بخمسة
الجزء: 13 - الصفحة: 824
ووضع عنه درهمين من السبعة، فصار كأنه اشترى درهمين من السبعة التي عليه والثوب الذي بخمسة بالثوب الذي كان أخذه بسبعة، وبقيت عليه خمسة.
قال: وإن كانت الدراهم مختلفة الوزن، هذه نقص وهذه وازنة لم يجز عند مالك ولا ابن أبي سلمه.
وإن اتفق العدد، إذ ليس موضع قصاص، وكأنه يعطي وازنة تارة من ناقصة لزمته.
[فصل 4 - فيمن اشترى ثوبًا قد لزمه يختاره من ثوبين]
ومن كتاب ابن المواز: ومن ابتاع ثوبًا من ثوبين يختاره قد لزمه فإن كان الثمن واحدًا والثوبان من جنس واحد فجائز.
فإن هلك أحدهما بيد المبتاع في الخيار أو دخله عيب فالهالك أو المعيب بينهما والسالم بينهما وعليه نصف ثمن كل ثوب، ولو اختلف الثمن فألزم نفسه أحدهما على الوجوب لم يجر، فإن هلكا فعليه نصف قيمتهما، وإن هلك أحدهما فعليه نصف قيمته ويرد الباقي إن لم يفت / بشيء، فإن فات فهو بينهما، وعليه نصف قيمته.
قال: ولو كانا صفة واحدة والثمن واحد فأخذهما على أن يختار واحدًا إن شاء، وإن شاء ردهما، فهلكا أو أحدهما، فالجواب كالجواب في أخذ أحدهما على الإلزام يختاره ويكون الباقي بينهما، ويغرم نصف ثمنهما جميعًا، لأنه أخذ أحدهما على وجه
الجزء: 13 - الصفحة: 825
الشراء والآخر على غير وجه الشراء، فليس عليه إلا ضمان واحد منهما، وهو الذي وقع عليه الشراء فلما لم يعرف كان نصف هذا ونصف هذا، وكذلك إن ضاعا جميعًا وهو عنده بمنزلة الدينارين يعطيه على أن يختار أحدهما من حقه، ولو قال المبتاع إنما ضاع أحدهما بعد أن اخترت هذا الباقي، فالقول قوله ويحلف ولا شيء عليه في التالف وقاله أصبغ.
[فصل 5 - في انقضاء مدة الخيار قبل أن يختار]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ذهبت أيام الخيار انتقض البيع إلا أن يكون قد أشهد أنه قد أخذ قبل مضي أيام الخيار.
م وظاهر هذا أنه لم يصدقه أنه اختار أحدهما إلا أن يشهد خلاف ما في كتاب محمد.
قال بعض أصحابنا: وما في المدونة أحسن؛ لأنه يتهم لرفع ضمان ما هلك عنده فلا يصدق إلا ببينه.
[فصل 6 - في هلاك أحد الثوبين المبيعين قبل أن يختار المشتري]
ومن كتاب ابن المواز: قال أصبغ: ولو لم يختر حتى هلك واحد فله رد الباقي وغرم نصف ثمن التالف فإن اختار حبس الباقي فليس له إلا نصفه إلا أن يرضى له البائع؛ لأنه لزمه نصف التالف، وهو لم يبعه ثوبًا ونصفًا وإنما باعه ثوبًا واحدًا.
الجزء: 13 - الصفحة: 826
قال بعض فقهائنا: إذا اشترى أحد الثوبين على الإيجاب فضاعا جميعًا أو أحدهما بيد المبتاع، فما تلف فبينهما وما بقي فبينهما، سواء قامت بينة على الضياع أو لم تقم إذ على الإيجاب أخذه، ولا خيار للمبتاع في أخذ الثوب الباقي كله، ولو ذهبت ايام الخيار وتباعدت، والثوبان بيد البائع أو بيد المبتاع لزمه نصف كل ثوب ولا خيار له؛ لأن ثوبًا قد لزمه ولا يعلم أيهما هو، فوجب أني كونا فيهما شريكين وهذا بخلاف أن لو أخذه على غير الإلزام، هذا إذا مضت أيام الخيار وتباعدت، لم يكن له أخذ واحد منهما، كانا في يد البائع أو المبتاع، إذ بمضي أيام الخيار ينقطع اختياره ولم يقع البيع على ثوب معين فيلزمه أخذه، ولا على إيجاب أخذه لأحدهما فيكون شريكًا، ولو كان إنما اشترى الثوبين جميعًا بالخيار فمضت أيام الخيار وتباعدت وهما بيد المبتاع، لزمه أخذ الثوبين.
م فصار ذلك على ثلاثة أوجه في شرائه للثوبين يلزمانه جميعًا، وفي أخذ أحدهما على الإيجاب يلزمه نصف كل ثوب، وفي أخذه على غير الإيجاب لا يلزمه منهما شيء.
م قال بعض أصحابنا عن بعض شيوخه بالقيروان، قال: وما وقع في مسألة الدنانير، ومعناه أن تلفه الدينارين لا يعلم إلا بقوله، هذا ليس بصحيح على ما قدمنا في مسألة الثوبين إذا كان أحدهما على الإيجاب، وسواء علم تلف الدينارين
الجزء: 13 - الصفحة: 827
أو لم يعلم إلا بقوله.
م وقد أسقط أبو محمد وغيره (قوله)، ومعناه أن تلف الدينارين لا يعلم إلا بقوله، ولذلك نقلتها أنا (وإن كان لا يعلم تلف الدينارين إلا بقوله)، ولا فرق بين أن لا يعلم ذلك إلا بقوله أو بالبينة.
وكذلك روي لنا عن ابن مناس القروي وغيره وهو الصواب.
[فصل 7 - قيمن اشترى ثوبًا واحدًا وأخذ أربعة ليختار منها واحدًا
فضاعت]
[قال] ابن المواز.
قال ابن القاسم: ومن اشترى ثوبًا واحدًا ثم أخذ من البائع أربعة أثواب على أن يختار منها واحدًا فضاعت، فإن كان البائع تطوع له بذلك لم يضمن إلا واحدًا، وإن كان هو / سأل البائع ذلك ضمنها كلها.
قال محمد: لا يعجبنا هذا، وذلك سواء ولا يضمن إلا واحدًا؛ لأن البائع لم يعطه إياها إلا عن رضا إذ سأله.
ومن كتاب ابن حبيب قال: ومن اشترى ثوبين بالخيار بثمن واحد، فهلك بيده أحدهما، لزمه بحصته من الثمن، وإن اشترى منه كل ثوب منهما بثمن سماه لكل ثوب على أن يأخذهما إن شاء أو أحدهما ويرد الآخر فضاع أحدهما فإنه يضمنه بما سمى له من الثمن، وله أخذ الباقي أو رده، ولو ضاعا جميعًا ضمنهما بالثمن الذي سمي لكل واحد، وكذلك إن شرط على أن أحدهما قد لزمه بما سماه إلا أنه يختار هذا أو
الجزء: 13 - الصفحة: 828
هذا، فضاع أحدهما فإنه يضمنه بما سمى له من الثمن، وله أخذ الباقي بثمنه أو رده ولو ضاعا جميعًا ضمنهما بالثمن الذي سمي لكل واحد، وكذلك لو كانت عشرة أثواب، سمي لكل ثوب ثمنه على أن يأخذ أيهم شاء، قد لزمه منها واحد فضاعت كلها، ضمن جميعها بما سمي من الثمن، ولا يكون في شيء منها مؤتمنًا كما قال ابن القاسم؛ لأنه لم يؤمن على شيء منها، وإنما أخذها على الخيار فيها كلها ينتقل بخياره من هذا إلى هذا، حتى يوقع خياره على أيهما شاء، وعاب تفرقة ابن القاسم بين أن يأخذها كلها على الخيار فيضيع بعضها، أنه يضمنه أو أن يأخذها على أن واحدًا قد لزمه أنه يكون شريكًا فيما ضاع وفيما بقي.
وقال: وأي غلط أبين من هذا، بل ذلك كله سواء أن يأخذها كلها أو يردها كلها، أو على أن يأخذ منها واحدًا قد لزمه، أو إن شاء أخذه أو رده، فإنه يضمن ما ضاع منها إلا في وجه واحد إذا شاء ربها، على أن واحدًا لزمه بخياره فضاع منها واحد، فإن قال اخترته ثم ضاع لزمه بالثمن ورد ما بقي، وإن قال ضاع قبل أن أختاره لزمه أيضًا بالثمن المسمى له، وقيل له اختر واحدًا من بقيتها لا بد لك من ذلك ثم أغرم ثمنه ولا يكون شريكًا في شيء منها، وإن لم يأخذها ليختار أحدها على الإلزام ضمن الذاهب ورد ما بقي إن شاء، وله أن يأخذ منها واحدًا أو يردها كلها، قال: وقاسها ابن القاسم بمسألة مالك فيمن له قبل رجل دينار، فقبض منه
الجزء: 13 - الصفحة: 829
ثلاثة دنانير ليزنها ويأخذ واحدًا فضاعت أن واحدًا منها قد لزمه وهو في باقيها أمين، وليست تشبهها؛ لأن هذه فيها أمانة بينة والثياب في البيع كلها على الضمان؛ لأنه مخير في كل واحد.
م والدنانير أيضًا مخير في كل واحد منها، فلا فرق بين أن يدفع إليه ثلاث أثواب يختار واحدًا منها قد لزمه ولا بين ثلاثة دنانير يختار واحدًا منها قد لزمه، فلو فهم ابن حبيب قول ابن القاسم لم يفرق بينهما، وإن تحامله وتغليطه لابن القاسم لقبيح.
قال ابن حبيب: وفي مسألة مالك أيضًا تفسير أسقطه وإنما يكون واحد من الدنانير منه إذا لم يشك أن فيها وازنًا فأما إن جهل ذلك وقال قد ضاعت قبل الوزن، فهو مصدق ويحلف أنه ما علم أن فيها وازنًان ولا وزنها حتى ضاعت ثم يرجع بديناره ويكون فيها أمينًا إلا أن تكثر الدنانير حتى يعلم أن مثلها لا يخلو أن يكون فيها وازن، فحينئذٍ إذا ضاعت قبل الوزن يكون دينار منه، وهو في باقيها أمين، وهكذا قال لي من كاشفت من أصحاب مالك في ذلك كله، لم يختلفوا إلا في وجه واحد، إذا كانت الثياب مختلفة الأثمان، فإن مالكًا كره أن يأخذ منها واحدًا على الإلزام، وأراه يضارع بيعتين في بيعة.
وقاله ابن الماجشون: وأجازه عبد العزيز بن أبي سلمه، وبه أقول ولا يدخله / بيعتان في بيعه، وإنما بيعتان في بيعة أن يشتري أحدهما بدينار نقدًا أو دينارين إلى أجل أو بدينار أو شاة نقدًا وشبه ذلك.
الجزء: 13 - الصفحة: 830
[فصل 8 - فيمن ابتاع ثوبين على أنه فيهما بالخيار فاختار بغير محضر
البائع وأشهد]
قال: ولو ابتاع ثوبين على أنه فيهما بالخيار، فاختار أحدهما بغير محضر البائع وأشهد على ذلك ثم ادعى هلاك الباقي، فابن القاسم لا يضمنه؛ لأنه أمين فيه حين اختاره غيره، ومن سواه من أصحاب مالك يضمنه، وهو الصواب؛ لأنه أخذه على الشراء، فلا يبرأ إلا برده على البائع، ولا يقبل قوله في ضياعه، بعد اختيار الذي اختار.
قال أبو محمد: هكذا في كتاب ابن حبيب، فإن كان يعني أنه إنما يختار أحدهما فهو قول ابن القاسم، وإن كان يريد هو فيهما بالخيار يأخذهما أو يردهما، فليس بقول ابن القاسم.
م وظاهر كلام ابن حبيب إنما يريد على أنه يختار أحدهما والصواب في ذلك كله قول ابن القاسم وبالله التوفيق.
[فصل 9 المشتري يدفع إلى البائع ثمن سلعة اشتراها منه ويأمره
بوزنها فتهلك]
ومن كتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل دنانير ثمن سلعة ابتاعها منه، وقال له زنها، أو قال له خذها على أن تزنها، فإن كانت وفاء فهي لك وما زاد فاردده وما بقي أوفيتكه، فهلكت فهي من قابضها إذا قبضها على وجه القضاء أو الرهن، ولو كان بمعنى الوديعة لكانت من الدافع.
قال أصبغ: هذا قبضها على وجه القضاء لا شك فيه، ولو لم يكن على القضاء كانت رهنًا، لأنه سبب ما دفع عليه، وقد قلت لابن القاسم فلو كان
الجزء: 13 - الصفحة: 831
حلف ليوفينه فدفع على هذا فمضى الأجل ثم وجدها قدر حقه قال لا يحنث؛ لأن هذا رهن.
قال أصبغ: وإن كان له عليه ثلاثة دنانير قائمة، فدفع إليه ثلاثة دنانير، وقال له زنها فما وجدت من قائم فخذه فإن ضاعت قبل أن يعرف أن فيها قائمًا فهي من الدافع.
فصل [10 - فيمن أخذ ثوبًا بالخيار من رجل وثوبًا من آخر بالخيار ثم لم
يدر ثوب كل واحد]
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال مالك: ومن ابتاع ثوبًا بالخيار من رجل وابتاع من آخر ثوبًا غيره بالخيار أيضًا ثم لم يميز ثوب هذا من ثوب هذا، وادعى كل واحد أجودهما فإنه يلزمه الثمنان في هذا إذا تقارَّا في الأثمان واختلفا في الثياب، ولو ادعى كل واحد الأرفع وقال: ثمنه عشرة وقال المشتري: بل ثمن أحدهما خمسة والثاني عشرة ولا أدري من ثمن ثوبه عشرة ولا أيهما ثوبه، فهذان يحلفان، ويخير المشتري في أن يدفع إلى كل واحد عشرة ويأخذ الثوبين أو يدفع الأرفع لأحدهما ويدفع إلى الآخرة عشرة وقال في المسألة الأولى: إلا أن يزعم أنه يعرف ثوب كل واحد فيصدق ويحلف أو تعرفه بينة غيره، فلا يحلف.
قال في كتاب محمد: فإن لم يعرف حلف البائعان، ثم للمشتري أن يدفع أرفعهما إلى من شاء منهما، ويدفع إلى الآخر ثمن ثوبه الذي راضاه عليه وذلك له.
قال ابن القاسم: وإن نكل البائعان عن اليمين قيل للمبتاع ادفع الأرفع إليهما ودع الأدنى حتى يدّعياه بعينه.
الجزء: 13 - الصفحة: 832
قال ابن القاسم في العتبية: إن كان أحدهما بعشرة وألاخرة بخمسة وادعى كل واحد أجودهما، فإن نص لكل واحد ثوبه حلف وبرئ إليه منه، وإن قال هذا ثوبه بعشرة ولا أدري أيهما ثوبه، وهذا ثوبه بخمسة ولا أعرف ثوبه فقد لزماه، فإن شاء دفع أرفعهما إلى من شاء وغرم للآخر ما سمي له من الثمن.
وإن قال مع جهله ثوب كل واحد، ولا أدري من ثوبه بعشرة قيل له: ادفع إلى كل واحد عشرة واحبس الثوبين - يريد ويحلفان -.
م وقد تقدم في الباب الأول أن من قول مالك إذا انعقد البيع / باللفظ فلا خيار لواحد منهما إلا أن يشترط الخيار وحديث ابن عمر (البيعان بالخيار ما لم يفترقا) ليس بمعمول به وهو منسوخ بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (المسلمون على شروطهم) وبقوله (إذا اختلف المتبايعان استحلف البائع) فلو كان الخيار بينهما ما كلف البائع يمينًا، وقد قال مالك الأمر عندنا في اختلاف المتبايعين في الثمن أنه يقال للبائع، أما أن تصدق المشتري أو فاحلف بالله أنك ما بعت سلعتك إلا بما قلت، فإن حلف قيل للمبتاع أما أن تأخذها بما قال البائع أو فاحلف ما اشتريت إلا بما قلت وتبرأ.
قال شريح: إذا حلفا ونكلا ترادا وإن حلف أحدهما ونكل الآخر لزمه البيع.
الجزء: 13 - الصفحة: 833
[الباب التاسع]
ما يجوز فيه الخيار أم لا وضمان ما هلك فيه واشتراط النقد
[الفصل 1 - في الخيار في الصرف]
قال مالك: ولا يجوز في الصرف خيار وإن قرب.
قال ابن القاسم: وإن عقداه عليه لم يجز وإن أسقطا الخيار قبل التفرق إلا أن يستقبلا صرفًا جديدًا.
قال مالك: ولا يجوز في الصرف حوالة ولا كفالة ولا شرط ولا رهن إلا المناجزة، لقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - (لا تبيعوا الذهب بالورق ولا الورق بالذهب إلا هاء وهاء) وقال عمر بن الخطاب: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره.
[فصل 2 - الخيار في السلم]
قال مالك: ولا بأس بالخيار في السلم إلى أمد قريب يجوز تأخير النقد إلى مثله كيومين وثلاثة إذا لم يقدم رأس المال، فإن قدمه كرهته؛ لأنه يدخله سلف جر منفعة وسلف وبيع.
يريد أنه تارة بيع وتارة سلف، ويريد أنه لا يجوز هاهنا أن يتطوع بالنقد بعد العقد في السلم ويدخله إذا تم البيع بينهما فسخ دين في دين.
فصل [3 - في اشتراء الصبرة على الكيل والغنم كل شاة بدرهم]
قال مالك: ومن اشترى هذا الطعام كل إردب بدرهم أو هذه الثياب كل ثوب بدرهم، أو هذه الغنم كل شاة بدرهم على أنه بالخيار ثلاثًا، فليس له أن يأخذ بعضًا
الجزء: 13 - الصفحة: 834
ويترك بعضًا، فأما أخذ الجميع أو ترك لأنه صفقة واحدة إلا أن يرضى البائع أن يجيز ذلك له.
فصل [4 - في بيع الخيار يقع فاسدًا]
قلت: فمن أخذ من رجل سلعة بمائة دينار إن رضيها أو على أن يريها فماتت أو تلفت قبل أن يرضاها أو يريها ممن ضمانها؟
قال: قال مالك: ضمان ما بيع على خيار مما لا يغاب عليه أو مما يثبت هلاكه مما يغاب عليه من البائع وإن قبضه المبتاع، وما لم يثبت هلاكه مما يغاب عليه فالمبتاع يضمنه ويلزمه الثمن، وكذلك إن وقع بيع الخيار فاسدًا باشتراط النقد كان ما هلك في الخيار من البائع وإن قبضه المبتاع فيما لا يغاب عليه كالبيع الصحيح ويرد ما انتقد، وسواء كان الخيار هاهنا للبائع أو للمبتاع، وإنما كان ضمان ما بيع على خيار من البائع؛ لأن البيع لم يتم بينهما حتى ينقضي أمد الخيار لهلاك الأمة في المواضعة والإستبراء وفي عهدة الثلاث أن ذلك من البائع، وقضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره، وقد تقدم كثير من هذا.
الجزء: 13 - الصفحة: 835
فصل [5 - في اشتراط النقد في بيع الخيار]
قال ابن القاسم: وكل ما بيع على خيار من حيوان أو ريع أو عروض، فلا يجوز اشتراط النقد فيه، قرب الأجل أو بعد واشتراط ذلك يفسد البيع.
قال غيره: لأن ذلك يصير تارة ثمنًا وتارة سلفًا، فحرم وضارع ما نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بيع العربان، الذي هو تارة ثمن وتارة عطية.
قال بعض أصحابنا: وإذا تشاحا في إيقاف الثمن في بيع الخيار لم يلزمه وقفه، ولا يدخل ذلك الاختلاف في إيقاف الثمن في بيع الغائب، والأمة التي فيها المواضعة.
والفرق بينهما أن / بيع الخيار لم ينبرم، وبيع الغائب والأمة التي فيها المواضعة قد انبرم وانعقد فافترق الحكم في ذلك.
[فصل 6 - عند عدم اشتراط النقد في بيع الخيار هل يجوز التطوع به؟]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن سلم العقد من اشتراط النقد جاز التطوع به بعد صحة العقد، وكذلك النقد في الاستبراء وعهدة الثلاث يجوز التطوع به بعد صحة العقد إلا في الخيار في السلم يفلا يجوز التطوع بالنقد فيه وإن بعد صحة العقد وقد تقدمت العلة فيه.
الجزء: 13 - الصفحة: 836
قال ابن سحنون: ومن شرط النقد في أيام لاخيار فهو كمن اشترى وأسلف.
م يريد وقبض السلف أن ذلك بيع فاسد، ويرد ما لم يفت بحوالة سوق فأعلى، فإن فات ففيه القيمة ما بلغت.
وقال أبو سعيد البراذعي في مختصره التمهيد: وقد جرى لابن القاسم غير هذا في مسألة من وجد عيبًا فيما ابتاعه بالخيار وشرط النقد يريد أنه جعل البيع فيها فاسدًا.
م وهذا وفاق لما قال سحنون، وإنما توهم البراذعي أن ابن سحنون أراد أنه مثله وإن لم يقبض السلف أو يكون حمل أن مذهب ابن القاسم فيمن اشترى وأسلف أنه عنده سواء، انتقد السلف أو لم ينتقده، فهذا خلاف ما نتأول نحن عليه.
ومذهبه عندنا هو ما فسره سحنون من التفريق بين أن يقبض السلف أو لا يقبضه، وكذلك روى عنه يحي ابن يحي، وقد تقدم شرحه في البيوع الفاسدة.
[فصل 7 - في تباعد مدة الخيار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تباعد أجل الخيار كشهر أو شهرين لم يجز، قدم النقد أم لا، ولا يجوز الخيار إلى مثل هذا الأجل في شيء من البيوع - يريد إلا في
الجزء: 13 - الصفحة: 837
الربع - قال: فإن عقد البيع على ذلك ثم ترك الخيار مشترطه قبل التفرق لم يجز لفساد العقد، وأما إن اشترط النقد لم يجز البيع وإن كان الخيار يومًا واحدًا وقاله مالك.
م ومسألة من اشترى جارية بخيار واشترط النقد فأصابها عيب في أيام الخيار وحدث بها عنده بعد أيام الخيار والاستبراء عيب مفسد مثل القطع، واطلع على عيب دلسه البائع، قد تقدم شرحها في باب ضمان السلعة وما يحدث بها من العيوب في أيام الخيار فأغنى عن إعادتها.
[فصل 8 - فيمن باع سلعة معيبة ولم يخبر به إلا بعد تمام البيع]
قال: ومن باع سلعة ثم قال بعد تمام البيع إن بها عيبًا، كذا قال مالك، فإن كان ظاهرًا أو كان خفيًا وقامت به بينة فالمبتاع حينئذٍ مخير بين أن يأخذ بجميع الثمن أو يرد، وإن لم يكن ظاهرًا ولا قامت بالخفي بينة، فالمبتاع بالخيار، إن شاء أن يرد أو يتماسك ببيعه، ولا يصدق البائع، ثم إن وجد ذلك العيب على ما قال البائع كان له الخيار إن شاء رد أو ترك وإيعاب هذا في العيوب.
الجزء: 13 - الصفحة: 838
[الباب العاشر]
في الدعوى في الخيار ورد السلعة بعد أيام الخيار والخيار إلى غير أجل
[الفصل 1 - في دعوى البائع أن السلعة المعادة إليه بالخيار ليست له]
قال ابن القاسم: ومن اشترى سلعة أو جارية بالخيار ثم ردها في أيام الخيار، فقال البائع ليست هذه سلعتي ولا جاريتي فالمبتاع مصدق مع يمينه.
وقد قال الملك فيمن قضى لرجل دنانير من دين ليقلب وينظر ثم ردها إلى الدافع فقال: ليست ذهبي، فالقول فيها قول الراد مع يمينه.
[فصل 2 - دعوى المشتري إباق الرقيق أو انفلات الدواب في أيام الخيار]
قال: ومن اشترى رقيقًا أو حيوانًا بالخيار فقبضها ثم ادعى إباق الرقيق وانفلات الدواب، وإن ذلك سرق منه وهو بموضع لا يجهل لم يكلف بينة وصدق مع يمينه ولا شيء عليه؛ لأن هذا لا يغاب عليه إلا أن يأتي بما يدل على كذبه.
قال ابن حبيب: ويحلف أيضًا أنه ما اختار حتى ذهب.
[فصل 3 - دعوى المشتري موت المبيع أو هلاك ما يغاب عليه في أيام الخيار]
قال مالك وإن ادعى / موتًا وهو بموضع لا يخفى، سئل عنه أهل ذلك الموضع؛ لأن الموت لا يخفى عليهم ولا يقبل إلا العدول، فإن تبين كذبه في مسألتهم أو لم يعلم ذلك بالموضع أحد فهو ضامن، وإن لم يعرف كذبه صدق مع يمينه.
الجزء: 13 - الصفحة: 839
م يريد والمتهم في هذا وغير المتهم سواء لا بد من يمينه وكذلك في عارية الحيوان وإجارتها يدعي ضياعها، فلا بد من يمينه؛ لأنه قبضها لمنفعته، فالمتهم وغيره فيها سواء، بخلاف الودائع التي لا منفعة له فيها فلا يحلف فيها إلا المتهم، قاله بعض فقهائنا.
ومن المدونة: قال وأما من ادعى هلاك ما يغاب عليه في أيام الخيار فهو ضامن ولا يصدق إلا ببينة أنه هلك بغير تفريط أو بأمر ظاهر من أخذ نصوص أو غرق مركب كانوا فيه، أو احتراق منزل وقد رأوا الثوب في النار.
[قال] ابن المواز: وعلم أن النار من غير سببه.
قال مالك: فإن سهدت بينة بهذا كان من البائع، وكذلك إن ثبت هذا في الرهن والعارية والصناع، كان من ربه وإلا فهو ممن هو بيده.
فصل [4 - في التداعي في بيع الخيار]
ومن كتاب ابن المواز: وإذا اختلف المتبايعان فقال البائع: بعتك على أن الخيار لي دونك، وقال له المبتاع: بل على أن الخيار لي دونك.
فقال ابن القاسم وأشهب يتحالفان ويثبت البيع.
الجزء: 13 - الصفحة: 840
قال ابن المواز: أما إن اتفقا على رد أو إجازة فلا يحلفان وإن اختلفا فمن أراد إمضاء البيع قبل قوله مع يمينه، كان بائعًا أو مبتاعًا، ولا يحلف صاحبه؛ لأن اليمين على من يحكم له وهذا يحكم عليه، وفي اختلافهما في الثمن كل واحد يحكم له على صاحبه.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في هذا قال: ينتقض البيع ولا يقبل دعوى واحد منهما.
وروى أصبغ عنه: إذا ادعى كل واحد أن الخيار له فالبيع لازم والخيار ساقط.
قال أصبغ: ويحلفان ولا أبالي من بديت باليمين، وأحب إليّ أ، يبدأ المبتاع؛ لأنه أوكد في الدعوى فإن حلفا أو نكلا فذلك، وإن حلف الواحد ونكل الآخر فالقول قول الحالف، فإن حلف المبتاع أولاً، فله الأخذ ويخير البائع في أن يحلف فيسقط عنه أو لا يحلف فيسلم، كما إذا اختلفا في الثمن، فيبدأ البائع فيحلف، فيتم له حتى يحلف صاحبه فيسقط أولاً يحلف فيؤدي الثمن.
فصل [5 - في القضاء أجل الخيار]
ومن المدونة: ومن اشترى سلعة أو ثوبًا على أنه بالخيار يومين أو ثلاثة فلم يختر حتى مضت أيام الخيار [ثم أراد الرد والسلعة في يده وأراد أخذها وهي بيد البائع فإن كان بعيدًا من أيام الخيار] فليس له ردها من يده ولا أخذها من يد البائع، وتلزم من هي بيده من بائع أو مبتاع، لا خيار للآخر فيها، وإن كان بعد غروب الشمس من آخر أيام الخيار كالغد أو قرب ذلك فذلك له.
الجزء: 13 - الصفحة: 841
قال: وإن شرط إن لم يأت المبتاع بالثوب قبل مغيب الشمس من آخر أيام الخيار ولزم البيع؟ قال مالك: فلا خير في هذا البيع، أرأيت إن مرض أو حبسه السلطان؟
قال ابن القاسم في كتاب محمد: ويفسخ البيع، وإن فات الأجل الذي يجب به البيع.
م وذكر لنا عن الشيخ أبي الحسن ابن القابسي أنه قال: هذه المسألة إنما تحمل على اختلاف قول مالك فيمن باع سلعة وشرط إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا وإلا فلا بيع بينهما، فقد قال فيها في أحد أقاويله يفسخ البيع بينهما، وإن أسقط الشرط ورآه بيعًا فاسدًا.
والذي قال محمد في هذه المسألة جار على هذا القول، ويحتمل أن يجري فيها الاختلاف كما جرى في هذه والله أعلم.
قال بعض أصحابنا: وفرق بعض الناس بينهما أن البيع في مسألة هذا الكتاب لم يتم، فوجب فسخه، وفي تلك قد تم، فوجب سقوط الشرط فيه.
م والصواب أن المسألتين سواء، ويدخلهما الاختلاف الذي ذكرنا.
قال في المدونة، فهذا يدل أن لمشترط الخيار الصحيح / أن يرد بعد الأجل إن كان بقربه واحتج بالتلوم للمكاتب بعد الأجل إذا قال لسيده إن جئتني بنجومك إلى أجل كذا وإلا فلا كتابة لك.
الجزء: 13 - الصفحة: 842
قال مالك الكتابة: جائزة والشرط باطل، فإن عجز تلوم السلطان له.
[قال] ابن المواز: وقال أشهب إن مضت الثلاث بلياليها فلا رد له، وإن رد قبل غروب الشمس من آخرها فله الرد، وكذلك قال ابن الماجشون.
[فصل 6 - في اختيار من له الخيار وصاحبه غائب]
ومن المدونة: قال وإذا اختار من له الخيار من المتبايعين ردًا أو إجازة وصاحبه غائب وأشهد على ذلك جاز على الغائب.
م قال بعض أصحابنا: إذا كان الثوب بيد البائع والخيار له لم يحتج بعد أمد الخيار إلى الإشهاد إن أراد الفسخ، وإن أراد إمضاء البيع فليشهد على ذلك، وإن كان الثوب بيد المشتري فأراد إمضاء البيع فلا يحتاج إلى الإشهاد، وإن أراد فسخه فليشهد، وهذا بيّن.
[فصل 7 - فيمن ابتاع جارية بالخيار ثلاثًا ولم ينقد وسافر فماتت الجارية]
ومن العتبية: قال سحنون فيمن ابتاع جارية بالخيار ثلاثًا ولم ينقد وسافر البائع فمرضت الجارية، ولم يأت المبتاع السلطان ولا أشهد على ردها حتى ماتت بعد عشرة أيام.
قال ابن القاسم: إذا قبض المبتاع الأمة والخيار له ثم أقامت في يديه بعد أيام الخيار ولم يشهد على قبول أو رد فكونها في يديه رضا.
الجزء: 13 - الصفحة: 843
قال سحنون: وهذا في وخش الرقيق.
قال أبو محمد يريد سحنون: إذ لا مواضعة فيها بعد زوال الخيار فيضمنها البائع.
فصل [8 - في المتبايعين إذا لم يضربا أجلاً للخيار]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع شيئًا بالخيار ولم يضربا له أجلاً جاز البيع، وجعل له من الأمد ما ينبغي في مثل تلك السلعة.
م يريد لأنه عرف فيها والعرف كالشرط.
الجزء: 13 - الصفحة: 844
[الباب العاشر]
فيمن باع من رجل عرضًا أو طعامًا على أن يختار أحدهما بعض ذلك وهو من باب بيعتين في بيعة
[فصل 1 - في اختيار الثوب من ثوبين]
روى مالك في الموطأ أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيعتين في بيعه وعن بيع الغرر، فكل بيع جرى فيه خطر، أو غرر فلا يجوز.
قال مالك: ولا بأس بشراء ثوب من ثوبين يختاره بثمن كذا، أو خمسين من مئة ثوب في عدل يختارها إن كانت جنسًا واحدًا ووصف رقاعها وجنسها وطولها وعرضها، وإن اختلفت القيم بعد ان تكون كلها هروية أو مروية، فإن اختلفت الأجناس لم يجز - يريد على الإلزام -؛ لأنه خطر حتى يسمى ما يختار من كل جنس منها من ثوب فيجوز، ولو كان هذا كله على غير الإلزام لجاز، وكذلك إن اجتمع حرير وخز وصوف وإبل وبقر وغنم لم يجز إلا على ما ذكرنا.
[فصل 2 - الخيار في العروض والحيوان]
قال: وكل شيء ابتعته من سائر العروض والماشية غير الطعام على أن يختار منه عددًا يقل أو يكثر بثمن مسمى، فذلك جائز في الجنس الواحد، ولا بأس أن يبتاع مئة شاة على أن يرد منها شاة أيتها شاء، وكأنه ابتاع تسعًا وتسعين يختارها منها، وكذلك ثلاثين أو أربعين يختارها منها فهو جائز.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن قال المشتري على أن أرد شاة بثمنها، فإن سمى ذلك الثمن جاز، وإن لم يسمه فالبيع ردئ.
الجزء: 13 - الصفحة: 845
ومن المدونة: وكذلك لو باعه المئة إلا شاه يختارها البائع لجاز، ولا يجوز أن يستثني البائع خيار أكثرها كتسعين من مائة أو ما كثر عدده.
قال بعض شيوخنا القرويين: يجوز أن يستثني البائع مثل ثلث الصفقة فأقل.
[قال] ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو استثنى البائع شاة من شرارها فإن ذلك يتقي.
فإن أصبغ: للخطر.
قال محمد: والقياس أن لا بأس به.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وما لم يذكر البائع خياره فيما يستثنيه من العدد أو المبتاع فيما يشتريه من العدد مما قل أو كثر فذلك جائز من كان منهما ويكون في الجميع شريكًا إن استثنى عشرًا كان شريكًا بالعشر، وإن استثنى شاة كان شريكًا بجزء من مئة وللآخر تسعة وتسعون جزءًا.
ومن كتاب ابن المواز: وإن اشترى عشرًا من هذه الغنم يختارها فلم يخترها حتى ابتاع هو أو غيره عشرًا يختارها فلا بأس به، وقد قيل أما غيره فلا يعجبنا إلا في الغنم الكثيرة جدًا، وإلا فكأن الثاني اشترى شرارها بشرط أن يختار عليه البائع أكثرها وقد أخبرتك يقول مالك أنه لا يجوز أن يستثنى البائع أن يختار إلا أيسرها.
الجزء: 13 - الصفحة: 846
[قال] أصبغ: قلت لابن القاسم أفيشتري الرجل عشرًا يختارها من شرارها.
قال: لا خير فيه إلا أن تكون الغنم يسيرة - يريد حتى يكون ما بقي بعد العشرا يسيرًا مما يجوز للبائع أن يستثني خياره.
قال: وقال ابن القاسم في الذي يستثنى من غنمه بيعه عشرًا من شرارها، إني أخافه وإن كانت الغنم كثيرة.
قال محمد: ولم نجد لكراهيته وجهًا؛ لأن المشتري إنما اشترى خيارها، فذلك جائز قليلة كانت أو كثيرة، وإنما يكره استثناء الكثير للبائع.
قال محمد: ولو كانت الغنم حوامل كلها، فاشترى منها عشرا يختارها، فلم يختر حتى ولدت فليس له إلا أن يختار عشرًا من الأمهات، وليس له من لغوها شيء يشتري عشرا ويأخذ عشرين، ليس له أن يختار إلا في رقابها وحدها.
[قال] محمد: وقد وضعت وهي في ضمان غيره ومن ماله ولو شرط أنهن حوامل فسد البيع.
[قال] محمد: ولو نقصتها الولادة فللمبتاع أن لا يقبلها ولو كان الخيار للبائع كان له.
قيل: فلو جز البائع صوفها؟ قال: ليس هذا للبائع فإن فعل فذلك للمبتاع إن اختار.
قيل له: فما أكل البائع من لبنا وسمنها؟ قال: لا شيء للمشتري فيه للضمان، قيل: فلو كن جواري اشترى عشرًا من مئة يختارهن وهن
الجزء: 13 - الصفحة: 847
حوامل فوضعن؟ قال: هذا لا يكون له الخيار في أخذ الأمهات، ويفسخ البيع من أجل التفرقة، وقيل لا يفسخ، والولد للبائع يخير المشتري، فإن اختار الأخذ خير أن يجمعا بينهما.
- يريد في ملك واحد - أو يبيعا ويقسما الثمن على القيم، ولو شرط في عقده البيع أنهن حوامل فسهخ البيع، وقد قيل: إن كان الحمل ظاهرا بينًا يعرفه كل أحد جاز في الجواري والغنم؛ لأن الشرط وغير الشرط سواء.
وقيل: إن كان ذلك على وجه البارءة من الحمل جاز في الوخش خاصة.
[فصل 3 - الخيار في الطعامين] ومن المدونة: قال: وأما الطعام فلا يجوز أن يشتري منه على أن يختار من صبر مصبره أو من نخيل أو شجر مثمر عددًا يسميه، اتفق الجنس أو اختلف، أو كذا وكذا عذقًا من هذه النخلة يختارها، ويدخله التفاضل في بيع الطعام من صنف واحد مع بيعه قبل قبضه إن كان على الكيل؛ لأنه يدع هذه وقد ملك اختيارها ويأخذ هذه وبينهما فضل في الكيل ولا يجوز فيه التفاضل، وكذلك إن اشترى منه عشرة آصع محمولة بدينار أو تسعة سمراء على الإلزام لم يجز ودخله ما ذكرنا وبيعه
الجزء: 13 - الصفحة: 848
قبل قبضه، وكذلك هذه الغنم عشرًا بدينار وهذه الثمرة عشرة إلزامًا ويدخله بيعه قبل قبضه، وهو من بيعتين في بيعة، وكذلك إن باع منه ثمر أربع نخلات من حائطه على أن يختارها المبتاع لم يجز، ولو ابتاعها بأصولها بغير ثمر جاز ذلك كالعروض، وأما الثمرة فلا، وليس كالبائع لثمر حائطه يستثنى خيار ثمر أربع نخلات أو خمس، هذا قد أجازه مالك بعد أن وقف فيه نحو أربعين ليلة وجعله / كمن باع غنمه على أن يختار منها البائع أربعة أكباش أو خمسة.
وقال ابن القاسم: ولا يعجبني ذلك، ولا رأيت من أعجبه ذلك ولا أحب لأحد أن يدخل فيه، فإن وقع أجزته لقول مالك فيه، ولا بأس به في الكباش لجواز التفاضل فيها بخلاف الثمر.
قال بعض أصحابنا: إنما أجاز مالك أن يستثنى البائع تمر أربع نخلات أو خمس؛ لأنه يعلم جيد نخله من دنيئه فكان الذي استثنى معلومًا عنده، فلم يحمل عليه أن يختار هذه ثم ينتقل إلى هذه كما يقول في المشتري؛ لأن المشتري لا يعلم له بالحائط فحمل عليه التنقل.
قال بعض أصحابنا: واختار قول مالك غير واحد من أهل النظر ورأوه أحسن من قول ابن القاسم بما ذكرنا.
وقد طعن بعض القرويين في هذه العلة وقال: لو كان البائع يعلم ذلك قبل البيع لاستثنى ثمرها بعينها، فلما شرط الخيار، دل أنه غير واثق بعلمه، وأنه يستقبل النظر فيما يأخذ لنفسه، فيتقي أن يلتزم شيئًا ثم يتركه وينتقل إلى غيره كالقول في المشتري.
م والأول أصوب؛ لأنه ما من أحد إلا يعلم خيار ثمره لتعاهده ذلك ونظره إليه من بدو إثماره.
الجزء: 13 - الصفحة: 849
قال بعض أصحابنا: ولو اشترط المشتري نخلات يختارها ولا ثمر فيها أن ذلك جائز، وإن لم يعلم جملة نخل الحائط؛ لأنه يكون له من اختار من ذلك مقدورًا.
وإذا لم يشترط الخيار وأبهم ذلك، فلا يجوز حتى يعرف عدد نخل الحائط؛ لأنه بقدر عدد ذلك كله يكون به شريكًا معه في الحائط إن كانت الخمس أو السدس فله سدس الحائط أو خمسه، وإن لم يعرف العدد كان قد اشترى جزءًا مجهولاً وذلك بين.
قال: وقال بعض شيوخنا: وإذا اشترط البائع خيار نخلات يسيرة فهلكت النخل كلها قبل أن يختار، فضمانه من البائع نقبل وقوع اختياره، وهي كلها متعلقة بضمانه قبل الاختيار والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو لم يشترط البائع أن يختار جاز [البيع] وكان شريكا بجزء العدد الذي سمى في تمر نخله، فإن استثنى البائع ثمر عشر نخلات غير معينة ولم يذكر خيارها وهي مئة نخلة كان شريكًا بالعشر فله عشر مكيلة ثمر نخلة.
م وقد جرى في هذا الكتاب وغيره مسائل من بيعتين في بيعة، ورأيت أن أزيد منها ليتبين أصلها ويتقرر محفوظها وبالله أستعين.
الجزء: 13 - الصفحة: 850
[الباب الحادي عشر]
في مسائل من بيعتين في بيعة
[الفصل 1 - الأصل في منع بيعتين في بيعه]
ومن كتاب ابن المواز: والأصل في منع جواز بيعتين في بيعة الخطر والغرر وكذلك شرطين في شرط، وذلك أن يشتري السلعة بثمنين مختلفين أو يشتري سلعتين مختلفتين بثمن واحد؛ لأنه لا يدري أن الثمنين ولا أي السلعتين تحصل له، فذلك كله غرر.
[فصل 2 - فيمن باع سلعة بدينار نقدا أو بطعام نقدا ونحوها]
قال مالك: ومن باع سلعة بدينار نقدًا أو بطعام نقدًا لزم ذلك البائع بخيار المشتري، أو لزم ذلك المشتري بخيار البائع في الأخذ بأحد الثمنين أو رد السلعة لم يجز وهو من بيعتين في بيعه، ويدخله مع ذلك في الطعام بيعه قبل قبضه.
قال ابن المواز: ولو لم يقل أحدهما لصاحبه أنت مخير علي ولم يزد على أن قال خذها إن شئت بدينار وإن شئت بهذه الشاه لم يجز؛ لأن قوله خذ كقوله قد بعتك أو هي لك، فقد ألزمه نفسه بغير خيار.
الجزء: 13 - الصفحة: 851
[فصل 3 - فيمن باع روايتي زيت بخمسة وعشرين نسيئه وأربعة
وعشرين نقدًا]
وقال أشهب عن مالك فيمن حبس روايتي زيت للبيع فسأله رجل: كيف بعت، فقال: بخمسة وعشرين على التقاضي، وبأربعة وعشرين نقدًا، فخذ بأيهما شئت.
قال: قد اخذت، فلا يجوز.
قال ابن / المواز: لإنه إيجاب على البائع بقوله خذ بأيهما شئت.
[فصل 4 - فيمن قال في عبدين هذا بخمسين إلى سنة
وهذا بأربعين إلى سنة]
وقال أشهب: عن مالك وإن قال في عبدين هذا بخمسين إلى سنة، وهذا باربعين إلى سنة، خذ أيهما شئت فلا باس بذلك.
قال ابن المواز: ورواية أشهب عن مالك الأولى أصح وهي رواية ابن القاسم وابن وهب.
[فصل 5 - فيمن واجر عبدًا هذا الشهر بخمسة والذي بعده بعشرة]
ومن واجر عبدًا هذا الشهر بخمسة والذي بعده بعشرة فجائز ويصير كل شهر بسبعة ونصف إلا أن يقصد على أنه إن مات العبد حاسبه على ما سمى فلا خير فيه حتى يكونا في كراء واحد.
الجزء: 13 - الصفحة: 852
[قال] ابن المواز: وهو خطر، وكذلك في الأكرية كما يفعله بعض الناس، يقول أكريك شهرًا من السنة بدينار وأحد عشر شهرًا بدرهم فلم يجز، وكأنه يقول إن سكنت شهرًا ثم تركت أو انهدمت الدار كان باقي السنة بدرهم وهو من بيعتين في بيعه.
[فصل 6 - فيمن تزوج امرأة بمئة دينار أو بعيد إيجابًا]
[قال] ابن حبيب: ومن تزوج امرأة بمئة دينار او بعبد إيجابًا فذلك فاسد ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده ولها الأكثر من صداق المثل أو من المئة أو من قيمة العبد وقاله ابن الماجشون.
تم كتاب بيع الخيار من الجامع لابن يونس بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا ..
الجزء: 13 - الصفحة: 853
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه