كتاب الوصايا الثاني
[الباب الأول]: في شهادة وارثين بعتق، أو أجنبيين بالثلث أو بعتق عبد آخر
.
قال ابن القاسم: وإذا شهد ولدان للميت أن أباهما أعتق هذا العبد، وشهد أجنبيان أنه أوصى بالثلث لرجل، والعبد هو الثلث، فإن كان عبداً يتهمان في جر ولائه, لم تجز شهادتهما وجازت الشهادة بالوصية، وإن لم يتهما في جر ولائه لدناءته جازت شهادتهما، وبدئ بالعتق؛ وهذا كشهادتهما بعتقه ومعهما من الورثة نساء، فإن كان ممن يتهمان في جر ولائه لم تجز شهادتهما، وإن لم يتهما فيه لدناءته جازت شهادتهما فيه، فما يتهمان فيه مع النساء يتهمان فيه مع الموصى له، وهذا قول مالك إذا كان معهما نساء، وهو رأيي في الوصية.
ابن المواز: لا يتهمان في هذا؛ واحتج بأن الميت جائز له أن يعتق في مرضه.
والولاء للرجال دون النساء، فلم يكن عتق محاباة للذكور ليصير الولاء لهم دون النساء.
ولعمري إن هذا أمر من جهة الأحكام لو أراد الميت غيره ما قدر، وإذا اتهم الوارثان عند ابن القاسم فنفذ الثلث بشهادة الشاهدين، والعبد هو الثلث عتق أيضاُ على الوارثين؛ لأنهما يقولان: إنه حر، وأن الثلث الذي خرج
الجزء: 19 - الصفحة: 792
ظلمنا فيه.
وجعل الثلث الخارج بشهادة البينة كأنه باق في أيديهما، ولم يجعله كما لو غضب من المال شيء، أو ضاع، أن العبد إنما يعتق في ثلث ما بقي إن حمله، أو ما حمل منه ثلث ما بقي، وأشهب يقول: لا يعتق إلا ثلثاه، وجعل الثلث الذي أخذه الموصى كجائحة أتت على المال، ولو لم يبق [125/أ] من المال إلا ثلثاه لعتق ثلثا العبد، لأنه ثلث ما بقي، وهذا هو الأشبه في القياس؛ لأن الورثة يقولون: قد ذهب ثلث المال بشهادة الشاهدين، ولا قدرة لنا عليه، فأشبه ضياع ذلك.
ومثل هذا المعنى إذا أقر أحد الوارثين بمئتي دينار أنها دين على أبيهما، وقد ترك مئتين وابنين أخذ كل واحد مئة، والمقر ممن لا تجوز شهادته، فعند أشهب يعطي المئة التي في يديه كلها لصاحب الدين، ويعد ما أخذ أخوه كجائحة طرأت على المال، فلم يبق منه إلا مئة، فالدين أولى بها؛ إذ لا يصح ميراث إلا بعد قضاء الدين.
وعلى مذهب ابن القاسم إنما يعطيه خمسين، ويعد ما أخذ أخوه بالأحكام كأنه قائم لم يضع ولم يتلف، فيقول: إنما إنما لك في يدي خمسون فخذها، ولك في يد أخي خمسون غصبكما.
وأما إن كان المقر عدلاً، فعلى مذهب ابن القاسم يمين صاحب الدين معه صواب، وأما على مذهب أشهب فما كان ينبغي أن يحلف؛ لأنه يحلف ليأخذ غيره؛ إذ هو ملزوم عنده بغرم المئة التي في يديه، فصار الحالف غير منتفع بيمينه، وإنما ينتفع بها غيره؛ وهذا نحو قولهم في شهادة الحميل في عدم الغريم أن الذي له الدين يحلف، وهو لو شاء لأخذ الحميل لما أنكر الذي عليه الدين، فصارت يمينه
الجزء: 19 - الصفحة: 793
إنما ينتفع بها الحميل.
ومن العتبية قال عيسى: سألت ابن القاسم عن رجل هلك وترك عبدين وابنين، وقيمة أحد العبدين ألف درهم، وقيمة الآخرألفاً درهم فأتى الذي قيمته ألفان بشاهدين يشهدان له بالعتق، وأتى الآخر بابني سيده يشهدان له أنه هو المعتق دون صاحبه، قال: أرى أن يبدأ بالذي شهد له الأجنبيان فيعتق في الثلث، ثم يرجع على الابنين فيعتق عليهما - الذي شهدا له - بما حمل الثلث منهما جميعاً إذا كان قولهما تكذيباً للشاهدين اللذين شهدا على عتق الآخر، قال: ولو أن الشاهدين شهدا على الميت أنه بتل عتق هذا في مجلس، وشهد الولدان أنه أعتق هذا في مجلس آخر، وقالا: لا علم لنا بما أشهدهما.
رأيت أن تثبت الشهادتان جميعاً ويسهم بينهما- إذا كان العبد الذي شهد له الابنان لا يتهمان في جر ولائه لدناءته - فأيهما خرج سهمه عتق منه ما حمل الثلث، ورق ما بقي؛ لأنهما في هذا لم يدفعا شهادة الشاهدين، ولا كذبهما، قال: وإن اتهما في جر ولائه لم تجز شهادتهما، وذلك إذا شهدا أنه أعتق بعد الموت، وإن كان عتق أحدهما بتلاً والآخر بعد الموت، وإن كان عتق أحدهما بتلاً والآخر بعد الموت، كان المبتل مبدأ قبل صاحبه كان تبتيله إياه قبل صاحبه أو بعده، وإن كانا جميعاً مبتلين بدئ الأول فالأول.
وفي آخر هذا الكتاب إيعاب هذا.
الجزء: 19 - الصفحة: 794
[الباب الثاني] في الوصية بخدمة أو بسكنى أو بمال وغيره
.
[(1) فصل: في الوصية بالخدمة]
[المسألة الأولى: فيمن قال يخدم عبدي فلاناً سنة ثم هو حر ولم يدع غيره ولم تجز الورثة]
قال ابن القاسم: ومن قال في وصيته: يخدم عبدي فلاناً سنة، ثم هو حر، ولم يدع سواه، ولم تجز الورثة، بدئ بالعتق، فعتق ثلث العبد بتلاً ويبقي للورثة ثلثاه وتسقط الخدمة.
قال سحنون: وعلى هذا أكثر الرواة.
م: وقال أشهب: يخدم ثلثه الموصى له بالخدمة سنة، ثم يعتق ثلث العبد.
ووجه هذا: أن الميت أمر بتبدئة الخدمة على العتق، فإذا لم يجز الورثة وأعتقوا ثلث [125/ب] العبد صاروا قد بدأوا العتق على الخدمة، وهو خلاف وصية الميت.
ووجه قول ابن القاسم أنهم لما لم ينفذوا ما قال الميت، ولم يتموا له مراده، قيل لهم: فأخرجوا ثلثة بتلاً، فصار في الوصايا مال وعتق والعتق مبدأ على الوصايا.
قال بعض الفقهاء: فإن قال الورثة: نجيز العتق ولا نجيز الخدمة بقي معتقاً إلى أجل، وكان للموصى له خدمة ثلثه؛ لأنه الذي يحمله الثلث، ولا حجة للموصى له بالخدمة؛ لأنه يقال له: لو شاء الورثة عجلوا عتق ثلث العبد فسقطت الخدمة كلها، فإذا أعطيت ما وسع الثلث من الخدمة فلا كلام لك، ولو قالوا: نجيز الخدمة ولا نجيز العتق لأعتق ثلثه بتلاً، وكان باقيه يخدم المخدم جميع
الجزء: 19 - الصفحة: 795
الأمد: يكون للعبد يوم، وللمخدم يومان، فإذا انقضت الخدمة رجع ثلثاه رقاً للورثة.
[(2) فصل: في الوصية بالخدمة والسكنى]
[المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة أو سكنى داره سنة وليس له مال غير ما أوصى أو له مال لا يفى]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة أو سكنى داره سنة، وليس له مال غير ما أوصى فيه، أو له مال لا يخرج ما أوصى به من الثلث، خير الورثة في إجازة ذلك للموصى له، أو يقطعوا له بثلث جميع ما ترك الميت بتلاً، وأما إن أوصى له برقبة عبده أو داره، والثلث لا يحمل ذلك، فإنه يقطع له بمحمل الثلث في تلك الأعيان، وقد اختلف قول مالك فيه، وهذا أحب إلي.
قال سحنون: وأما الوصية بالخدمة والسكنى فهو قول الرواة كلهم، لا أعلم بينهم فيه اختلافاً، وهو أصل من أصول قولهم.
وكذلك قال ابن أبي سلمة: إذا أوصى له بسكنى داره ولا مال له غيرها: إن الورثة يخيرون في إجازة ذلك أو يقطعوا له بثلثها بتلاً؛ لأنها جميع ثلثه.
وقد تقدمت الحجة في ذلك في الكتاب الأول.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة أو حياته ثم هو لفلان]
الجزء: 19 - الصفحة: 796
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة أو حياته، ثم هو لفلان، فإن حمله الثلث بدئت الخدمة، فإذا انقضت الخدمة أخذه صاحب الرقبة ولا تبالي زادت قيمته الآن بعد الخدمة أو نقصت عن القيمة التى نفذت في الثلث.
قال سحنون: وهذا قول الرواة، ولا أعلم بينهم فيه اختلافاً إذا حمله الثلث.
قال ابن القاسم: وإن لم يحمله الثلث وأبي الورثة أن يجيزوا، أسلموا ثلث الميت فجعل في العبد، ونظر إلى حمل الثلث منه، فإن حمل نصفه خدم الموصى له بالخدمة يوماً والورثة يوماً، وللورثة أن يبيعوا حصتهم ويصنعوا بها ما شاءوا، فإذا انقضى أجل الخدمة- إن كانت إلى سنة أو إلى حياة المخدم- رجع ما حمل الثلث من العبد إلى الموصى له بالرقبة.
ومن المجموعة قال أشهب: وإن أوصى: إن عبدي يخدم فلاناً سنة، ثم هو لفلان بعد سنتين، فإن حمله الثلث خدم الأول سنة ثم الورثة سنة، ثم أخذه الآخر، وإن كان العبد قدر ثلثي الميت، فلا أجعل نصفه يخدم هذا سنة والورثة سنة، ثم يأخذه الآخر فيكون الميت لم يستوف ثلثه ولا وصيته، ولكن يتحاصان في الثلث هذا بقيمة خدمته سنة، وهذا بقيمة مرجع الرقبة على غررها فيكونان شريكين للورثة بما أصابهما في جميع التركة.
م: وهذا إذا لم تجز الورثة.
الجزء: 19 - الصفحة: 797
قال بعض الفقهاء: لم يجعل صاحب الرقبة يأخذه في الرقبة.
وقد تقدم الاختلاف في ذلك، والله أعلم.
[المسألة الثالثة: فيمن هلك ولم يدع غير ثلاثة أعبد قيمتهم سواء فأوصى بأحدهم لرجل وبخدمة الآخر لرجل آخر حياته]
ومن المدونة: ومن هلك ولم يدع غير ثلاثة أعبد قيمتهم سواء، وأوصى [126/أ] بأحدهم لرجل، وبخدمة الآخر لآخر حياته، فإن لم يجز الورثة أسلموا ثلث الميت لأهل الوصايا، فضرب فيه صاحب الرقبة بقيمتها، وصاحب الخدمة بقيمتها على غررها على أقل العمرين: عمر العبد أو المخدم- يقال بكم يتكارى هذا العبد إلى انقضاء أقلهما عمراً- المخدم أو العبد- إن حيي إلى ذلك الأجل، فهو لكم، وإن مات قبل ذلك بطل حقكم- فما صار لصاحب الرقبة أخذه فيها، وما صار لصاحب الخدمة كان به شريكاً للورثة في سائر التركة.
محمد: وقاله أشهب، وقال: والورثة مخيرون فيما صار لصاحب الخدمة في الحصاص بين أن يكون شريكاً لهم، وبين أن يسلموا إليه العبد يختدمه إلى أجله، وهذا التخيير للورثة، إن شئت بدأت به قبل الحصاص أو بعده.
قال ابن القاسم في المدونة: وكذلك إن أوصى مع ذلك لآخر بالثلث، فإنهم يتحاصون في ثلث الميت إذا لم يجز الورثة كما وصفنا.
محمد: وقال أشهب: إن كان الثلث ثلاثين، والعبد الموصى به قيمته ثلاثون،
الجزء: 19 - الصفحة: 798
وقيمة الخدمة خمسة عشر، فالثلث بينهم على خمسة - والمال كله خمسة عشر جزءاً- فلصاحب العبد جزءان، ولصاحب الثلث جزءان، ولصاحب الخدمة جزء، فسهما صاحب العبد يأخذهما فيه فيصير له خمساه، وتبقي ثلاثة عشر جزءاً من التركة في عبدين وثلاثة أخماس عبد، للورثة عشرة، ولصاحب الثلث جزءان، ولصاحب الخدمة جزء، هم في الجميع شركاء.
قال: ولو أوصى برقابهم لرجل وبخدمة أحدهم لرجل حياته، فأثلاثهم لصاحب الرقاب يبدأ منهم صاحب الخدمة بثلث الذي فيه الخدمة، فإذا مات رجع إلى صاحب الرقاب، ولو حملهم الثلث لعجل لصاحب الرقاب الاثنان منهما، وبدئ المخدم بالثالث يخدمه، فإذا مات رجع إلى الآخر.
ولو لم يملك غيرهم فأوصى لرجل بثلث كل عبد منهم بتلاً ولآخر بثلث واحد بعينه بتلاً قال: فلكل واحد ثلاثة أرباع وصيته، فيصير للموصى له بثلث كل عبد ربع كل عبد، وللموصى له بثلث العبد ربع ذلك العبد، ويصير نصفه للورثة مع ثلاثة أرباع الآخرين.
[(3) فصل: في الوصية بالمال وبالخدمة]
[المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بمئة دينار ولآخر بخدمة عبده حياته ثم هو حر والعبد كفاف الثلث]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بمئة دينار ولآخر بخدمة عبده حياته، ثم هو حر، والعبد كفاف الثلث، فليعمر الموصى له بالخدمة حياته أو
الجزء: 19 - الصفحة: 799
العبد إن كان أقصرهما عمراً، فتقوم خدمة العبد تلك السنين ذهباً، ثم يتحاص هو والموصى له بالمئة في خدمة العبد، فإذا هلك الموصى له بالخدمة خرج العبد حراً.
قال ابن القاسم: وإن لم يحمل العبد الثلث، ولم تجز الورثة، عتق من العبد مبلغ الثلث، وسقطت الوصايا بالخدمة وغيرها.
محمد قال ابن القاسم وأشهب: وإن كان العبد أقل من الثلث قدم العتق يعني إلى الأجل.
قالا: ثم يحاص صاحب الخدمة بقيمتها وأهل الوصايا بوصاياهم في بقية الثلث وفي الخدمة، فيأخذ أهل الوصايا ما صار لهم في التركة وفي الخدمة، ويأخذ أهل الخدمة ما صار لهم في الخدمة، ولو كان أهل الوصايا أوصى لهم في شيء بعينه أخذوا فيه ما نابهم.
وقال ابن القاسم: يضرب المخدم بقيمة الخدمة في الخدمة، وفي بقية الثلث، ولا يجمع له حقه في الخدمة.
وقال أصبغ في كتاب ابن المواز: وإن كان العبد مع عشرة دنانيرهوالثلث، أخذ العشرة الموصى له بالمئة وهي عشر وصيته، ويعطي أيضاً لصاحب الخدمة عشر الخدمة، ثم يتحاصان في تسعة أعشارها [126/ب] بقدرما بقي لكل واحد من وصيته، فإن كانت قيمة الخدمة عشرة دنانير، فقد صار عشرها للخدم ويتحاصان في تسعة أعشارها على أحد عشر جزءاً: عشرة أجزاء
الجزء: 19 - الصفحة: 800
لصاحب المئة وجزءٌ لصاحب الخدمة, ولو كان باقي الثلث خمسينَ أخذَها صاحب المئة في نصف وصيّته, وأخذَ صاحبُ الخدمة نصفَها, ثم يتحاصان في نصفها بما بقيَ لهما, فإن كان قيمةُ الخدمة كلها خمسين تحاصا على الثلث والثلثين, وإنما تُقَوَّمُ الخدمةُ على أقل العُمرَينِ على غررها أيبلغها أم لا, فلا عُهدَةَ في ذلك ولا رجعة.
قال أصبغ: فيأخذ صاحبُ الخدمة ما صار له فيها, ويُخيّرُ الورثةُ فيما ناب صاحبَ المئة من الخدمة أن يَفدُوُه منه ببقية مَنَابِتهِ, أو يدَعوا له ما أصابه منَ الخدمة.
قال أحمد بن ميسر الإسكندراني, واختلفا إذا انكشفَ الأمرُ عَلَى خلاف ذلك التعمير, فقال أشهبُ: يؤتَنَفُ الحصاص مرةً أحرَى.
وقال ابن القاسم: لا يردُ ذلك كحكمٍ مضى.
[المسألة الثانية: فيمن قال في وصيته لفلان مئة دينار ولفلان خدمة عبدي هذا حياته ثم هو لفلان والثلث لا يحمل وصيته]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال في وصيته: لفلانٍ مئةُ دينارٍ, ولفلانٍ خدمةُ عبدي هذا حياتَه, ثم هو لفلان, والثلث لا يحمل وصيَّته, فإن لم يُجز الورثةُ, أسلموا الثلثَ فضرب فيه صاحب المئة بمئته ولا يضرب صاحب الرقبة
الجزء: 19 - الصفحة: 801
وصاحب الخدمة إلا بقيمة الرقبة فقط, فما صار لهما في المحاصة من الثلُث أخذاه في العبد, فما صار لهما من العبد بُدِئ فيه المُخدمُ بالخدمة, فإذا مات المُخدم رجع ما كان مِنَ العبد في الخدمة الرقبة, وما صار لصاحب المئة كان به شريكاً للورثة فيما بقيَ في أيديهم من العبد وفي جميع التركة, ولا يُعَمرُ المخدم في هذه المسألة كما عُمَّرَ في التي قبلها.
[المسألة الثالثة: فيمن قال في وصيته عبدي يخدم فلاناً ولم يقل حياته ولا أجلا, وأوصى أن رقبته لفلان ولم يقل بعده]
قال ابن القاسم: ومَن قال في وصيته: عبدي يخدم فلاناً, ولم يقل حياته ولا أجلاً, وأوصى أنّ رقبته لفلان, ولم يقُل: مِن بعده, قُوَّمَت الرقبة وقُوَّمَت الخدمةُ على غررها حياة الذي أُخدم.
وفي كتاب أبي محمد: حياة المُخدَم, والمعنى واحدً.
قال: ثم يتحاصان في رقبة العبد بِقدرِ ذلك.
وقال أشهبُ: بل هي وصيّةٌ واحدةٌ, والخدمةُ حياةَ فلان, ثم يرجعُ إلى صاحب الرقبة.
قال أبو محمد: قول أشهبَ أحسنُ؛ لأنك إن حملت ذلك على أنه حياةَ العبد, فهي رقبةً أوصى بها لرجلين, فهي بينهما, ولا معنى لحصاص المخدم بقيمة الخدمة, وإنما يحاص بقيمة الرقبة, وإن كانت حياة المُخدم كان مبدأً على
الجزء: 19 - الصفحة: 802
صاحب الرقبة.
م: وابن القاسم: جعله يضربُ بالخدمة ويأخذ ما وقع له في الرقبة, وهذا خلاف أصلهم؛ لأنه إنما يرجعُ في الرقبة مَن أوصى له بالرقبة على اختلاف قول مالك.
وقد قال سحنون: كلامُ غيره أحسنُ.
وذكر ابنُ المواز المسألة, فقال: قال بن القاسم: يتحاصان هذا بقيمة خدمته حياتَه, وهذا بقيمة مرجع رقبته.
وقال أشهبُ: يبدأُ بالخدمة فيخدُمه حياتَه, ثم تكونُ رقبتُه للآخَر, وإن لم يخرج منَ الثلث, فما خرج منه على هذا المعنى.
قال محمد: وهذا هو الصوابُ, وأصلُّ قَولِ مالك, وقد قاله ابنُ القاسم فيمن أوصى لرجل بخدمة عبدِه حياتَه, ولآخر برقبته, ولآخر بمئة دينارٍ, والثلثُ لا يحمل ذلك, ولم يُجز الورثةُ, أنهما يتحاصان -الموصى له [بالرقبة وصاحبُ الخدمة]- بقيمة الرقبة فقط, فما صار لهما أخذاه فيها, وبُدِّئ صاحب الخدمة, فإذا مات أخذه صاحب الرقبة؛ بمنزلة مَن قال: اخدم فلاناً حياته ثم أنت [127/أ] بعد ذلك لفلان, قال في أول المسألة: وهذا بقيمة مرجع رقبته, وقال في المجموعة: بقيمة رقبته.
مثل ما قال في المدونة, وهو أصوب.
[المسألة الرابعة: فيمن أخدم عبده رجلاً أجلاً فمات الرجل قبل انقضاء الأجل]
ومن المدونة قال مالك: وإن أخدمت عبدك رجلاً أجلاً مسمى فمات
الجزء: 19 - الصفحة: 803
الرجل قبل انقضاء الأجل, خدم العبدُ ورثته بقية الأجل إذا لم يكن من عبيد الحضانة والكفالة وإنما هو مِن عَبيد الخدمة, ومَن قال: قد وهبتُ خدمة عبدي لفلان, ثم مات فلانٌ, فإنَّ لورثته خدمةَ العبد ما بقيَ إلا أن يُستدل مِن قوله على أنه أراد حياة المخدم.
قال أشهبُ: الخدمة هاهنا إنما هي حياة فلانٍ, ولو كان إنما أراد حياة العبدِ لكانت الرقبة للموهوب له الخدمة.
م: وقال بعض أصحابنا: وقولُ ابن القاسم جيدٌ, وليس كهبة الرقبة؛ لأنه بيّن ما أراده مِنْ هبة الخدمة فقط دون مالٍ يموتُ عنه العبدُ, وأرش الجنايات عليه, هذه أبقاها لنفسه فلا يلزمهُ ما قال أشهبُ مِنْ أنها هبةٌ للرقبة.
قال ابن المواز: ولو قال في وصيَّته: يخدم عبدي فلاناً.
ثم مات ولم يكن وَقَّتَ وقتاً -فليس بين أصحابنا فيه اختلافٌ عَلمتُهُ-: إن ذلك حياة المخدم, وهو إن شاء الله قولُ ابن القاسم وأشهبَ.
محمد: ومَن أوصى لرجل بخدمة عبده حياتَه, وأوصى بوصايا لغيرِه فلم يدَع غير العبد, فأجاز الورثةُ الوصيةَ بالخدمة, فليُبع ثلث العبدِ, فيتحاص في ثمنه أهلُ الوصايا وصاحب الخدمة بالتعمير.
م: بثلُث الخدمة.
فما صار له أخَذَه بتلاً, ثم يستخدم ثُلثَي العبد حياته, ثم يرجع إلى الورثة.
وقاله أصبغ.
الجزء: 19 - الصفحة: 804
[الباب الثالث] فيمن أوصى بوصايا لقوم وبباقي الثلث لآخرين
.
قال مالك: ومَن أوصى بخدمة عبده لرجل حياتَه, وما بقي من ثُلثُه فلفلانٍ, وكان العبدُ هو الثلث بُدئ بالخدمة, فإذا انقضت الخدمةُ كانت الرقبة لصاحبِ باقي الثُلث.
قال ابن القاسم: زادت قيمتُه الآن أو نقصَت.
قال مالك: وكذلك مَن قال: داري حبسٌ على فلان, وما بقيَ من ثُلُثي فلفلان, والدار كفافُ الثلُث, فإذا رجعت الدار كانت لصاحب باقي الثلُث.
[م:] ولو مات العبد قبل التقويم لأحيى بالذكر, وأضيفت قيمته إلى ما بقيَ, إن كان هو الثلث فلا شيء للموصَى له ببقية الثلث, ولو أوصى مع ذلك بوصايا أُخرجَت الوصايا من ثُلُث ما بقيَ, ثم أحيى الميت بالذكر وحُسب مع الوصايا, فإن بقيَ بعد ذلك بقيةً منَ الثلث أَنفذتُ للموصىَ له ببقية الثلُث, وإن لم يبقى شيء فلا شيء للموصىَ لَه.
قال ابن المواز: وإذا كان العبدُ في المسألة الأولى أقل من الثلث يوم النظر والحكم, كان للموصىَ له ما بقي من الثلث ما فَضَلَ من الثلث عن قيمة العبد, ومرجع العبد أيضاً متى ما رجع إن كان هو باقياً, أو إلى ورثته مِن بعده إن كان ميتاً, وإن كان العبد يوم النظر في أمره أكثرَ منَ الثلُث خُيَّر الورثةُ: فإن شاءوا أجازوا للمخدم العبدَ كلَّه يخدمه حياته على أنه إذا رجع كان ما حمل
الجزء: 19 - الصفحة: 805
الثلُث منه اليومَ ليس يومَ يرجع للموصَى له بما بقيَ منَ الثلُث, وإن أَبَوْا فليقطعوا للمخدم بثلُث مال الميت منْ كل شيء تركه [127/ب] بتلاً, وتسقط الوصيَّةُ بباقي الثلث.
م: ونزلت عندنا فيمن أوصى أن يكاتبَ عبده بستين ديناراً, وبباقي ثلُثه لفلان والعبدُ كفافُ الثلُث أو أقل, ورضيَ العَبد بالكتابة, فقال جماعَةُ من أصحابنا: إنَّ الكتابةَ تكون لصاحب باقي الثلُث, وكذلك إن بقيَ بعدَ قيمة العبد من الثلث شَيءُ, فإنه يكون له مع الكتابة؛ لأن العبد إذا كان كفاف الثلث يوم التقويم فقد استوفى الميت ثُلُثه, والورثة الثلثين, فلا شيء لهم منَ الكتابة ولا حجةَ لهم أن الميت أخرج أكثرَ منْ ثُلُثِه؛ لأنَّ الكتابة غلةُ ذلك الثلُث, فهي كبقيته, فلا شيء للورثة فيها, ألا ترى أنَ المريضَ إذا كاتَبَ عبده بألف وقيمَةُ رقبته مئةُ وذلك كفافُ الثُلُث, وأوصى بكتابته لرجل: إن الكتابة والوصيَّةَ جائزةٌ؟ فَلما خرج العبد منَ الثلُثَ لم يُرَاعُوا ما يُقبَضُ منه منَ الكتابة؛ لأن ذلك غلةُ ما خرج منَ الثلُث, وكأنه لم يُخرج إلا ثُلُثه فقط.
وقد قيل في هذه المسألة: إنه يَجعل قيمةَ الكتابةِ في الثلُث, وإن كانت أكثرَ من قيمة الرقبة, فإذا حملها الثلثُ بعد إسقاط قيمة الرقبة من مال الميت جازت الوصية والكتابة, يريد: وإن كان ذلك كلُّه أكثرَ منَ الثلُث, ولا يجوز أن تُقَوَّمَ الرقبةُ والكتابةُ في الثلُث, فاعلَم ذلك.
[(1)] فصل [في مسألة الباب من العتبية, وكيف إن مات العبد الموصى به أو رد أحد أهل الوصايا وصيته]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: قال مالك: فيمن أوصى بوصايا لقومٍ وأوصى ببقية ثلُثه لرجل, ثم أقام أيَّاما فأوصى بعتق رقيقٍ له وأوصى بوصايا لقوم آخرين, ولم يُغَيَّر منَ الوصيَّة الأولى شيئاً ثم ماتَ, قال مالك: يُبدأ بالعتق, ثم يكون أهل الوصايا الأولين والآخرين في الثُلث سواءً, إن وَسعَهُم
الجزء: 19 - الصفحة: 806
أخذُوه, وإلا تحاصوا فيه بقدر وصاياهم بعد العتق, ولا يكونُ للموصىَ له ببقيَّة الثلُث شيءً إلا بعد العتق, وبعد أخذِ أهل الوصايا الأولينَ والآخرين وصَاياهم.
قال ابن القاسم: وإن مات أحدُ العبيد أو استُحق فأخذوا له قيمةً, أو رَد أحدٌ من أهل الوصايا وصيته, لم يكن للذي أوصى له ببقية الثلث في ذلك شيءٌ, ويدخل في الثلث قيمةُ الميت وثمن المستحق ووصية الرَّادِّ, ويكون ذلك للورثة, فإن فَضَلَ بعد ذلك شيءٌ منَ الثلَث أخذَه, وإلا فلا شيء له.
وقال: فيمن أوصى لرجل بعشرةٍ, ولآخرَ بعشرة, ولآخرَ بعبده, أو أوصى بعتقه, ولآخَرَ ببقية الثلُث فمات العبدُ قبل النظر في الثلُث, فإنه يُنظَرُ في ذلك؛ فإن كان الثلُث -بالعبد- قدر العبد والعشرتين, فلا شيءَ لصاحب باقي الثلُث, وإن كان ثُلُثه قدرَ قيمة العبد فقط, زال صاحبُ باقي الثلث, ورجع صاحبا العشرتين فأخذا وصيَّتَهما من ثُلُث ما بقيَ بعد العبد أو ما حمل منهما؛ لأن ما هلك من التركة كما لم يكن, وإنما اعتبرنا قيمتَه لصاحب باقي الثلث [ليعلم بذلك قدر وصيته كأن وصيته إنما كانت بعد العبد] , ولو لم يُوص بباقي الثلُث كانت الوصايا في ثُلُث ما بقيَ, وأُلغيَ العبدُ.
قال في كتاب ابن الموَّاز: يأخذُ أهل التسمية ما سُمِّيَ لهم من ثُلُث ما بقيَ بعد العبد كأنه لم يكن, ثم يُحيى العبد الميت بالذكر, فتضم قيمته إلى ما ترك
الجزء: 19 - الصفحة: 807
الميتُ, ثم يُخرج من ثلُث الجميع: العبدُ والوصايا, فإن بقيَ بعد ذلك شيء منَ الثُلث كان لصاحب بقي الثلُث, وإلا فلا شيءَ له.
ومن المجموعة [128/أ] قال علي وابن وهب وابن القاسم عن مالك: ومَن أوصى بعتق عبده ولرجل بباقي ثلثه, فمات العبد قبل النظر فيه, قال: يُقَوَّمُ وتُضَمُّ قيمتُه إلى باقي المال, ثم يُنظَرُ ثلثُ ذلك, فيُطرح منه قيمةُ العبد, فما بقيَ, فهو كلُّه للموصَى له بباقي الثلث, وقاله ابن كنانةَ.
وقال المغيرة: يُنظَرُ إلى قيمة العبد صحيحاً فيُطرَحُ من ثلُث ما بقيَ من مال الميت سوى العبد, فإن بقيَ منه شيءٌ كان لصاحب باقي الثلث.
وقال علي: ولو أوصى مع ذلك بعشرةٍ لرجلٍ, حملت قيمة العبد على بقيَّةِ المالِ, ثم أزلت من ثلُث الجميع قيمة العبد, ثم العشرة فما بقيَ فلصَاحب باقي الثلث, فإن لم يكن فيه بعدَ العبد عشرةً نُظرَ إلى ثلُث المال غير العبد فأُعطىَ منه صاحب العشرة عشرةً, وكان ما بقي للورثة.
وقال عبد الملك: موتُ العبد في الوصايا المسماة من رأس المال, وفي الذي له باقي الثلُث منَ الثلُث.
م: وهذا هو الأصلُ, فاعتمد عليه, ووجه ذلك أن الموصَى له ببقية الثلث قد خصه إن كذا وكذا مبدأُ عليه, وإنما له ما بقيَ بعده فكأنه إنما أوصى له بتلك البقية لا يعدوها, فسواءٌ هلكت تلك الوصايا المبدأَةُ أو بقيت, إنما لهذا ما
الجزء: 19 - الصفحة: 808
بقيَ بعد تقدير إخراجها, كذلك أراد الميتُ, والوصايا المسماة لم يخصَّها بشيء, وإنما قال: لفلان كذا, وعبدي حرٌ, ولفلان كذا فإن مات العبد قبل ذلك فكأنه لم يُوص فيه بشيء وبقيَ من قوله لفلان كذا, فوجب أن تكون من ثُلُث ما بقيَ والآخَرُ إذا مات العبدُ بقيَ من قوله لفلان ما بقيَ بعد العبد, فوجب أن يكون كذلك, والله أعلم.
قال على عن مالك: وإذا أوصى لرجل بمالٍ, ولآخرَ بباقي الثلُث فمات الموصىَ له بالتسمية قبل موت الموصي ولم يعلم به, فإنما لصاحب الثلُث ما بقيَ بعد إخراج التسمية منَ الثلث, ثم تعود التسميةُ ميراثاً.
وقال في التي أوصَت بعتق أمةٍ لها, وبعشرةٍ لفلان, وخمسةٍ لفلان, وباقي الثلُث لفلان, ثم صحت فأعتقت الأمةَ, وماتَ الموصَى لهم بالمال, ثم ماتت هي, فلصَاحب باقي الثلُث ما بقيَ بعد قيمة الجارية, وبعد الخمسةَ عشرَ.
ومن العتبيَّة والمجموعة قال ابن القاسم: قال مالك: فيمن قال: اكتُبوا ما بقيَ من ثُلُثي لفلان, فإني أريد أن أُوصيَ غداً فمات قبل أن يوصىَ, فلا شيء لفلان.
قال ابن القاسم: لأنه لا يدري أن لو أوصى, أيبقى له شيء أم لا؟
وقال أشهب في العتبية: له الثلثُ كلُه.
قال عيسى عن ابن القاسم: ولو أوصى لرجلٍ بعشرة دنانيرَ, ثم قال: أنا أريد أن أوصيَ غداً, ولكن اشهدوا أنَّ ما بقيَ من ثُلُثي لفلان, ثم مات قبل أن يوصىَ, فلا شيءَ لَهُ.
الجزء: 19 - الصفحة: 809
[الباب الرابع] فيمن أوصى بشيء مجهول وأوصى معه بوصايا
.
قال مالك رحمه الله: ومَن قال في وصيَّته: قِدُوا في هذا المسجد مصباحاً أقيموه له, وأوصى مع ذلك بوصايا, فليحاص للمسجد بقيمة الثلُث, ولأهل الوصايا بما سمى لهم في الثلُث, فما صار للمسجد في ذلك من المحاصة وُقف له, فيستصبح به فيه حتى ينجز.
قال سحنون: وقاله الرواة.
قال ابن الماجشون في المجموعة: ومَن أوصى بما لا أمد له في غير شيء وأوصى بوصايا غيرها, فإنه يُضرَبُ للمجهُولات كُلِّها بالثلُث وكأنها صنفٌ واحدٌ, ولو لم يوص بغير المجهولات قُسِّم الثلُثُ [128/ب] على عدد المجهولات.
م: وقال بعضُ الفقهاء: إذا أوصى بوقيد قنديل في مسجد كلَّ ليلةٍ للأبد, وأن يسقى كل يوم راوية ماء, فعلى قول مَن قال: يَضربُ للمجهولات كلّها بالثلُث يجب أن يُنظَرَ كَم ثمنُ راوية كل يوم, وكم ثمن وقيد قنديل كل ليلة, فيقسم بينهما على قَدر ذَلكَ.
م: وهذا خلاف ما ذكرَ ابنُ الماجشونَ: لأنه قال: يُقسم الثلُث على عدد المجهولات, ووجه هذا: فلأن كُلَّ مجهولٍ لو انفرد لضُرب له بالثلُث, فإذا اجتمعوا قُسِّم الثلث على عددهم.
قال: وقد قيل: يَضربُ لكل مجهول بالثلُث, فعلى هذا يجب أن يُقسم الثلث بينهما نصفين لتساوي الضرب بينهما؛ إذ كُلُّ واحد منهما ضرب له بالثلث.
الجزء: 19 - الصفحة: 810
ومن كتاب ابن المواز وأراه لأشهب: ومن أوصى أن يُنفَقَ على فلان درهم في كل شهر, أوصى بعتق, وحَمَلانٍ في سبيل الله, وأن يُتصدق بدرهم كل شهر, فليعمَّر صاحب النفقة ويحاص له بدرهم كلَّ شهر مبلغ تعميره, ويحاص للفرس والعبد بقيمة وسطة, ويحاص للصدَقة بالدرهم كل شهر بالثلث كُلِّه, وإن قلتَ بالمال كله كان حسناً, فإن خرج نصفُ وصاياهم أنفق على الموصَى له بدرهم كل شهر نصفَ درهمٍ, وأما الصدقةُ بدرهمٍ كلَ شهرٍ فيُتصدقُ بدرهم كاملٍ كلَ شهرٍ؛ لأن تعجيل الصدقة أفضلُ, وإن لم يصر للعبد والفرس ما يُشترى به ذلك, أُعين به فيهمَا.
وذكر ابن القرطيى أن أشهبَ يرى أن يُحَاصَّ بما أوصى به مما لا أمد له من وقيد مسجدٍ أو سقي ماءٍ بالمالِ كُلَّه.
الجزء: 19 - الصفحة: 811
[الباب الخامس] فيما يُختَلع لأهل الوصايا فيه منَ الثلُث, والوصيَّةُ بالعين والديْن
[(1) فصل: فيما يختلع لأهل الوصايا فيه من الثلث]
قال مالك: ومَن أوصى بسكنى داره لرجل -ولا مال له غيرُها- قيل للورثة: أسلموا له سكناها, أو فاقطعوا له بثلُثها بتلاً, إن أوصى أن تؤجرَ أرضُه سنين مسماة بثمن معلوم, وقيمة الأرض أكثرُ من الثلث ولم يُجز الورثةُ, قيل لهم: فأخرجوا له من ثلُث الميت بتلاً بغير ثمن.
م: وحَكَى لنا بعضُ فقهاء القرويينَ أنه قال: ولو أوصى أن تكرى أرضُه من رجل, ولم يُسَمَّ ما تكرى به منه, والثلُث يحملها فبذلها الورثة للموصَى له بحطيطة ثلُث الكراء, فلم يقبل إلا أن يُحطَ عنه أكثرُ, فإنّ الورثة إن لم يكروا منه بما قال قطَعوا له بثُلُث الأرض يزرعُها بغير كراء, ولو لم يحملها الثلثُ وأبى الورثةُ أن يحطوه ثلثَ الكراءَ -م: يريد: أو أبَوا أن يُكْرُوها منه- فليَقْطَعُوا له بثُلُث الميت من كل شيء تَرَكهُ, ولو سَمى الميت أن تُكرى منه بكذا لم يُحط من تلك التسمية شَيءٌ.
وفي كتاب محمد: وإن أوصى بدنانيرَ, وله دُورٌ وعينٌ, والوصيةُ تخرج من ثلُث الجميع, فذلك جائزٌ, ولم يَجعَل للورثة حجةٌ في أن الميتَ جمع ثلُثَه في العين وعوضهم عن ذلك العروضَ.
وفي غير كتاب محمد: إنهم مُخَيّرُونَ إن شاءوا دفعوا الدنانيرَ أو قطعوا له بثلُث الميت في الدنانير والعروض.
الجزء: 19 - الصفحة: 812
وقال بعض فقهاء القرويين: ينبغي إن كانت عروضاً لا مشقة في بيعها: أن ذلك لازمٌ لهم, كما للميت أن يقصد بثلُثه داراً من دوره أو عبداً من عبيده ولا كلام للورثة, فكذلك له أن يجعل ثُلُثه في العين, إذ لا مشقةَ عليهم ولا ضرَرَ في بيع ذلك العرض, وأما لو كانت العروضُ أو الدورُ يشق بيعها ويطول, فإنهم مُخَيَّرُونَ في إجازة ذلك, أو يقطعوا له بالثلُث في كل شيء.
[المسألة الأولى: فيمن أوصى بوصايا وله مال حاضر ومال غائب ولا تخرج الوصايا مما حضر]
ومن المدونة: ومَن أوصى بوصايا وله مال حاضر ومال غائبٌ ولا تخرج الوصايا مما حضر, خُيَّر الورثةُ بين إخراجها مما حضر, أو إسلامِ ثلُث الحاضر وثلُث الغائب لأهل الوصايا يتحاصون فيه.
قال مالك: وكذلك إن أوصَى لرجل بمئة دينارٍ, وله دُيُونٌ, زولا تخرج المئة من ثُلُث ما حضر, خُيِّر الورثة بين أن يُعَجلُوا له المئة [129/أ] مما حضر أو يقطعوا له بثلث الميت في الحاضر, فإذا خرج الدَّينُ أخذ ثُلُثه.
قال عبد الملك في المجموعة: وقد أعتق النبي صلى الله عليه وسلم ثُلثَ العبيد الذينَ أعتق الميتُ جميعَهم فمنع بعضهم العتقَ, والميت قد أشاعه في جميعهم, قال: وعلى هذا جماعة أهل المدينة.
واحتج غيرُه في غير المجموعة بما وافقنا به المخالفُ في جناية العبد بما يقل أرشُه, فيأبى سيَّدُه أن يفديَه ويسلمه, فيُسلمُ كثيراً في قليل إذا أبى أن يفديَه,
الجزء: 19 - الصفحة: 813
فكذلك على الورثة للميت في إسلاَم وصيتِه أو إسلام ثُلُث تَركتَه.
[(2) فصل: في الوصية بالعين والدين]
[المسألة الأولى: فيمن ترك مئة عيناً ومئة ديناً فأوصى لرجل بثلث العين ولآخر بثلث الدين]
ومن المدونة قال مالك: وإن لم يترك إلا مئة عيناً ومئة ديناً, فأوصى لرجل بثُلُث العين, ولآخَرَ بثُلُث الديْن, فذلك نافذٌ, ولكل واحد ثُلُثُ مئته بلا حصاص, وإن أوصى لهذا بخمسين منَ العين, ولهذا بأربعين منَ الديْن, فإن لم يُجز الورثة أسلموا ثلثَ العين وثلثَ الدين إليهما, ونُظر كم قيمة الأربعين الدين نقداً, فإن قيل: عشرون.
كان ثُلُث العين والدين بينهما على سبعة أجزاء: للموصَى له بالعين الخمسينَ خمسةُ أجزاء, وللموصًى له بالأربعين الدين جزءان, فهكذا يقتسمون ثلُث الحاضر وثُلُث الدين على سبعة أسهُم كما وصفنا.
محمد: قال مالك: وإن لم يترك إلا مئة عيناً ديناً, فأوصى لرجل بنصف العين, ولآخَرَ بنصف الدين أو بثُلُث هذه وثلُث هذه, أو بعدد من هذه ومنَ الأخرى بعددٍ مثله, أو لهذا بالمئة العين ولهذا بالمائة الدين, فلكل واحدٍ ما سمى له من مئته إن حملَه الثلُثُ, وإلا فلكُل واحد ثُلُثُ مئَته, فأما إن خلف غيرَ المئتين ولا يخرج ما سمى من الثلُث, فلا بد أن يُخيَر الورثةُ فيجيزوا أو يسلموا الثلُثَ من كل شيء فيتحاص فيه صاحب العين بعدد وصيته, وصاحب الدين بقيمة وصيته.
وقاله ابن القاسم وأشهبُ في المجموعة.
قالا: وكذلك لو ذكر لهذا منَ العدد في العين خلاف ما سمى للآخَر من الدين, ولم يحمل الثلُث ذلك, كان التخييرُ للورثة, فإن لم يجيزوا أسلموا ثلُثَه فيتحاصان
الجزء: 19 - الصفحة: 814
فيه بعدد العين وقيمة الدين.
قال سحنون: سواء اتفقت وصيتُهما أو اختلفت إذا لم يُجز الورثةُ قطعوا لهما بالثلُث فيتحاصان فيه في العين بعدده, وفي الدين بقيمته, ألا ترى لو أوصى بمئة الدين ولم يُجز الورثةُ لضيق الثلث أنهم يقطعون للموصًى له بالثلث, ولا يكون كَعرضٍ بعينه لَهُ فيه.
م: وقولُ سحنون موافقٌ لما في المدونة, ونحوُه لابن القاسم في المستخرجة.
[المسألة الثانية: فيمن ترك ديناً وعيناً فأوصى بالعين أن يخرج عنه وقيمة الدين مثل العين, وكيف إن أوصى بالدين]
م: قال ابن القاسم: إذا ترك الميت دَيناً وعًيناً, فأوصى بالعين أن يُخرج عنه, وقيمة الدين مثل العين, قال: لا يلزم ذلك الورثةَ لتعذر بيع الدين أو لغيبة مَن هو عليه, فلا يجوز بيعُه, فيصير الميت قد أخذ منهم ما هو ناض وأبقى لهم ما عليهم من ضررٌ.
وأما لو أوصى بالدين وقيمته الثلث لجاز؛ لأنَّ الدينَ كالعرض, فكأنه أوصى بعرض قيمته الثلثُ؛ مثل أن يترك عيناً ومئةً ديناً, وقيمة المئة الدين خمسون, فوصيتُهُ بها جائزة ولا كلامَ للورثةِ, ولو لم يحمل الدين الثلث لخُيَّرَ الورثةُ, فإما أجازوه أو قطعوا له بثُلُث العين والدين, وقيل: يقطع له بالثلث في الدين كالعرض الموصىَ له به ولا يحمله الثلث أنه يُقطع له فيه.
وروي عيسى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل باثنى عشر ديناراً, هي له عليه -وهو معدَمٌ- وأوصى لآخرَ باثنى عشر عيناً تركها لا مال له غير ذلك فلك يُجز الورثة, قال: يُخرج ثلث الاثنى عشرَ العين, وهي أربعةٌ لأهل الوصايا,
الجزء: 19 - الصفحة: 815
ويكونُ ثُلُثَاها ثَمانيةٌ للورثة, ثم يُنظرُ كم قيمةُ الاثنى عشر الدين الساعة, فإن كان أربعةً ضَرب الذي أُوصي [129/ب] له بالاثنى عشر الدين بأربعةٍ؛ لأنها وصيتهُ, وضَرب الموصَى له بالعين باثنى عشر, عدد وصيته في هذه الأربعة التي هي ثلث العين, فيصير للموصىَ له بالعين منها ثلاثةٌ فيأخذها, ويصير للآخَر دينارٌ, فيوقَفُ ويطرح عنه مثلُه من الدين, ثم يرجع إلى ثُلث الاثنى عشر الدين, فيعاد فيها الضرب كما صُنع في الأولى: يضرب الذي هي عليه بأربعة, والآخر باثنى عشر يضربان بذلك في ثُلُثها, وثُلُثُاها للورثة, فثُلُثُها أربعةٌ فيصير لصاحب الاثنى عشر ثلاثَةٌ, ولصاحب الأربعة واحدٌ فتطرح عنه من الدين الذي هو عليه, وقد طُرحَ عنه آخَرُ مكان الدينار الذي صار له من العين في المحاصة فتبقى عليه عشرة, ثم يرجع الورثةُ والذي أوصىَ له بالعين إلى الدينار الذي أوقف فيتحاصون فيه بمقدار ما ناب كل واحدٍ من الاثنى عشر الدين, فيضرب فيه الورثة بقدر موارثيهم وهو ثمانية, والموصىَ له بالعين بثلاثة أسهمُ التي صارت له بالمحاصة فيها, ولا يضربُ الموصَى له بالدين بشيءٍ فيه؛ لأنه قد ضرب فيه مرة, وإنما هذا شيء صار له في المحاصة وأخذ منه في الدين الذي عليه ثم ما اقتضى من العشرة الباقية عليه فعلوا فيه مثل ذلك سواء, ولا يدخل الذي عليه الدين معهم في شيء من ذلك.
قال ابن القاسم فيها وفي المجموعة: ولو كانت له مئة ٌعلى ملئ ومئة على مُعدَم, وترك مئة عيناً لا غير, وأوصى للغريمين, لكل واحد بما على صاحبه
الجزء: 19 - الصفحة: 816
ولم يجز الورثة, فليتحاصوا في ثُلثِ المئة الحاضرة, وثلث المئتين الدين.
قال في المجموعة: يُنظَرُ إلى قيمة المئة التي على المليء إن كانت لم تَحُلُ أن لو بيعت بالنقد, فإن قيل: ستُّونَ, وقيل في التي على المعدم ثلاثون, فثلثَا الثلث للمعدم, وثلُث الثلث للمليء من عينٍ ودين, فصار للمعسر مما على الموسر ثلثا ثلثه, وذلك اثنان وعشرون ديناراً وتسعا دينارٍ, وللموسر مما على المعسر ثلثُ ثلثه وهو أحدَ عشرَ وتُسع, وليس له أن يقاصه بهَا, لأنَّ عليه دَيناً للورثة, فيُؤخَذُ من الموسر ما كان للمعسر فيُضم إلى ما للمعسر بالحصاص من المئة الناضة, وذلك اثنان وعشرون وتُسُعَان أيضاً, فيكون الجميع أربعةً وأربعين وأربَعَةَ أتساعٍ, يتحاص في ذلك كله الورثةُ والموسر بقدر ما للكُل واحد عند المعسر.
م: يريد: الذي للموسر على المعسر أحدَ عشر وتُسعٌ, وللورثة عليه ستةٌ وستون وثلُثان, ثلُثا المئة التي عليه, فيقتسمون ذلك على سبعة أجزاء, للورثة ستةُ أجزاء وللمليء جزءٌ, فيقع للورثة من ذلك ثمانيةُ وثلاثون وستةُ أسباع تسعٍ, وللمليء ستةُ وثلاثون أسباع وسبع تسع.
الجزء: 19 - الصفحة: 817
ويسقط عن المعدَم جميع ما أوصى له به وذلك تُسُعَا كل مئة, وهو ستة وستون وثُلُثان, وتبقى عليه ثلاثة وثلاثون وثلُثُ, فكل ما اقتضى منه بعد ذلك من شيء فيقتسمه الورثة والمليء على سبعة أجزاء كما وصفنا.
قال ابن القاسم: ولو كانت المئةُ التي على المليء حالةً لضرب المعسر في الحصاص بعددها بعد أن تُؤخَذَ منَ المليء فتضمُ إلى المئة الأخرى, فيكون كمن ترك مئتين عيناً ومئة ديناً على عديم, فأوصىَ بالمئة الدين لرجل, وبمئة منَ العين لآخَرَ, فيُعمل فيه على ما مضى منَ التفسير.
م: وهذا كله موافقٌ لما في المدونة.
وذكر ابن المواز المسألة فقال: إذا كانت له مئةٌ على مليء, ومئة على معدَم, وأوصى لكل واحد بما على صاحبه, قال: هذا بمنزلة ما لو أوصى بكل مئة منهما لأجنبي, فإن حمل ذلك الثلثُ, فلكل واحد مئتُه التي أوصى له بها بعينها, وإن لم يكن له غيرُهما واستوت وصيتُه من كل مئة بعددٍ أو جزءٍ أكثرَ منَ الثلث,
الجزء: 19 - الصفحة: 818
قُطع لكل واحد منهما بثُلُثِ مئته [130/أ] التي أوصى له بها بعينها, ولا يشتركان في كل مئة, ولا حصاص بينهما, وإنما يشتركان أبداً أن لو كان للميت شيءٌ آخَرُ غيرُ المئتين الدين, ولا تحمل وصيتُه الثلث, ولا يجيز ذلك الورثة؛ لأن هاهنا يُقطع لهما بالثلث, فيكونان شريكين بما قُطع لهما, ويتحاصان بقيمة وصية كل واحد؛ لأنهما إذا شاركا الورثة في كل شيء, لم يقدر على إنفاذ الوصية بعينها فيما أوصى لهم به بعينه.
قال محمد: وقولُ مالكٍ وابن القاسم وأشهبَ أنه لا يُقَوَّمُ الدين الموصىَ به وإنما يحسب عدده, فإن خرج ذلك من الثلُث, وإلا لم يكن بُدُّ من قطع الثلث من كل شيء بعينه, إلا أن يُنَفذَ الورثة الوصيةَ.
وأنا أستحسن إن كان الدين إذا قُوِّمَ خرج منَ الثلُث قومتُه بالنقد, ثم كان لكل واحد مئتُه بعَينِها, وإن لم يخرج لم أُقَوِّمهُ.
ومذهب المغيرة المخزومي وابن وهب: يُقَومُ الدين الموصىَ به على كل حال, فإن خرج, وإلا كانت المحاصة على القيَم, وساويا بين الوصية بالدين لهما أو لغيرهما.
وأنا أرى أنه مفترقٌ؛ فإن أوصى به لغير مَن هو عليه, فإنه يُقَومُ وإن لم تكن معه وصيةٌ لغيره, وإن أوصى به لمن هو عليه, فإن كان حالاً ولم تكن معه وصية لغيره فلا يُقَومُ, ويحسب عددُه في الثلُث؛ لأنه كالحاضر؛ إذ يتعجله لنفسه مكانَه, وإن كان معه وصيةُ وهو عديمٌ, فلا بُدَّ
الجزء: 19 - الصفحة: 819
منَ التقويم في ضيق الثلث؛ لأنه كالأجل, وكذلك إن كان إلى أجل قُوم, فإن خرج من الثلُث, وإلا خُلعَ الثلثُ من كل شيء إذا لم تُجز الورثة.
قال: ومَن أخَذَ بقول مالك في الدين أنه إنما يُحسب عدده ولا يُقومُ, فإنما ذلك إذا لم يُوصَ معه لغيره, فأما إن أوصى لغيره فلا بد منَ التقويم في ضيق الثلُث للمحاصة, قال مالك وابنُ القاسم والمغيرة وابنُ كنانةَ وأصحابُ ابن القاسم.
قلت: فإن كان له على رجل عشرونَ ديناراً فأوصى له بتركها, وله ناض ثلاثون ديناراً, ولم يوص لغيره والدين حالٌ, فأسقط عن الغريم ستةَ عشرَ ديناراً وثُلثَي دينارٍ, وهو ثُلثُ الجميع, ويتبَعُه الورثةُ بما بقيَ عليه من دينهَ وهو ثلاثة دنانيرَ وثُلثُ دينارٍ, وإن كان الدين لم يَحل فإنه يُقَومُ, فإن خرج منَ الثلُث نفذت له الوصيةُ, وإن لم يخرج خُيَّرَ الورثةُ بين إنفاذ ذلك أو القطع له بثُلُث الميت, فيعطى ثلُثَ الحاضر مُعَجلاً ويسقط عنه ثلثُ الدين, فإذا حل الأجلُ اتبعوه بثُلُثَي ما عليه الدين.
قلت: فإن أوصى معه لغيره بثلث ماله والدين حالٌ, كيف يُقَومُ؟ قال: أما
الجزء: 19 - الصفحة: 820
إن كان الذي عليه الدينُ موسراً, فإن ذلك يُؤخَذُ منه, فلا يكون فيه تقويمٌ, وإن كان عديماً فهي كالآجلة, فلا بد من تقويمها بالعَرض أو الطعام نقداً, ثم يُقَومُ ذلك بالعين نَقداً, فإن كان قيمة ذلك خمسة عشرَ -كأن جميعَ مالِ الميت خمسةٌ وأربعونَ, فالثلثُ الذي أوصى به خمسةَ عشر- وقيمة الدين الذي أوصى بَتركه لمن هو عليه خمسةَ عشرَ, فصار الثلثُ بينهما نصفين, فيُترك للذي عليه الدين نصف ما عليه, ويؤدي ما بقيَ, ويكون صاحب الثلث شريكاً للورثة في سائر مال الميت مما بقيَ على هذا المديان وغيره على خمسة أجزاء, للموصَى له جزءٌ وللورثة أربعةُ أجزاءٍ, وفيه وجهُ آخَرُ أنهما يشتركان في ثلُث الدين, وثلث العين فما صار للذي عليه الدينُ من العين أخَذَه شريكُه في الوصية, والورثة يقتسمونه على خمسة أجزاء ويسقط عن المديان مثلُه مما بقيَ عليه؛ كالجواب [130/ب] إذا لم يحل الدينُ.
م: وهذا خلافُ الوجه الأول.
قال محمد: وإذا لم يحل الدينُ ولم يُجز الورثة, فلا بد للورثة من أن يقطعوا لهما بثلُث العين والدين, فيكون ذلك بين الموصىَ لهما فما صار للذي عليه الدينُ سُلم إليه, فإذا حل ما عليه من الدين أتبعه الورثةُ والموصىَ له بالثلث بما بقيَ لهم عليه, وذلك ستةَ عشرَ وثلثان, فيقتسمان ذلك على خمسة أجزاء للموصىَ له سهمٌ, وللورثة أربعةُ أسهُمٍ.
قلتُ: فلو كانت له عشرةُ دنانير على موسر, وعشرة على معدَم, وله عشرةٌ أخرى ناضة, فأوصى بما على الموسر لرجلٍ, وبما على المعدَم لرجل آخَرَ, قال: لو لم يكن له غيرُ العشرتين الدين, لكان لكل واحد منهم ثلثُ عشرته التي أوصى له بها؛ لأنه استوت وصيتُهما من كل عشرة, فأما إذا كان له سواهما مما لا يُخرج
الجزء: 19 - الصفحة: 821
العشرتين منَ الثلُث, ولم يُجز الورثة فلا بد أن يُقطع للموصىَ لهما بثُلُثِ كل عشرةٍ من الناض والدين فيقتسمان ذلك على قدر قيمة عشرة كل واحد منهما, ويصير للورثة ثلُثا كل عشرة, وكذلك إن كانت العشرتان إلى أجل ولم يحلا, فليقتسما ثلثَ الناضبة بينهما على قدر قيمة عشرة كل واحد منهما, وكلُّ ما حلت عشرةٌ أخَذَ الورثةُ ثلثيها واقتسم هذان ثلُثَها على ما وصفنا.
وكذلك لو أوصى بما على الموسر للمعسر وبما على المعسر للموسر, قال: ولو أوصى لكل واحدٍ بعشرته التي عليه وقد حلتا لقطع لكل واحدٍ بنصف عشرته التي عليه, فيستوعبان بذلك ثلث الميت, إلا أن يكونَ ما على المعدَم مما لا يُرجى فلا تكونُ له قيمةٌ, وكأنه لم يوص لصاحبهما بشيءٍ ويُقطع لصاحب العشرة التي تُرجى بثلثيهما, سبعةٌ إلا ثلثاً.
قلت لمحمد: وقد كنا نعرف من قول مالك إذا أوصى بما على المليء للمعدَم وبما على المعدم للمليء, وله عشرةٌ ناضَّة أن يكونَ لكل واحدٍ ثلثُ العشرة الموصىً له بها, ويكون ثلُث الناضَّة بينهما نصفين, قال: كنت أقول به, وقال به مَن أرضى, ثم رأيته لا يعتدل, وإن اعتدل إذا حَلتا لم يعتدل إذا لم يحلا أو حل أحدُهما؛ لأنك تجعل للمعدَم نصيبَه من العين ويُقطع له مما عليه فقد استوفى وصيته ولم يستوفِ الورثةُ ما لهم.
والصوابُ أن يُقطَعَ لهما بثلُث كل مئةٍ
الجزء: 19 - الصفحة: 822
فيتحاصان في ذلك على القيم, أوصى بذلك لمن ذلك عليه أو لأجنبي.
قال: ومن أوصى لرجل بعشرة دنانير, وليس له إلا مئة دينارٍ ديناً فيقبض من المئة عشرةً, فلا يُجيزُ الورثة في دفعها أو القطع له بثلُث الميت؛ لأن الميت قد علم أن جميعَ ماله دينٌ, فإنما أشركه في المئة بعشرةٍ, ولم يقُل من أولها ولا من آخرها فقد أوصىَ له بعُشرها, ولو كان منَ الميت شيءٌ يدل على تبديَته وقع التخييرُ.
قيل: فلو قبض منَ المئة ثلاثينَ, أيُعطَى الموصَى له منها عشرةً؟ فقال: لا يُعطَى منها إلا عُشرُها, ولو كان قبض الميت منها خمسةَ عشرَ قبل أن يموت, أو كان عنده خمسةَ عشرَ من غيرها, خُيَّر الورثةُ بين دفع العشرة نقداً أو القطع له بالثلُث كُله بتلاً, وكذلك لو كانت خمسةً يخيرون بين دفع الخمسة, ويكونُ شريكاً فيما بقيَ بخمسةٍ وبين القطع له بالثلُثِ بتلاً.
الجزء: 19 - الصفحة: 823
[الـ]ـباب [السادس] فيمن أوصىَ بعتق وله على وارثه دينٌ
ومن كتاب ابن المواز: وعن امرأةٍ تركت زوجَها وابنَها وتركت مدبرةً أو موصى بعتقها, قيمته مئةٌ ولها على زوجها مئة, وهو عديمٌ, فالمال بينهم على ستة أسهم: سهمان للأمةِ, وهو الثلُث, وربعُ ما بقي للزوج وهو واحد, وثلاثة للابن, فأزل سهم الزوج؛ لأن عنده أكثرَ من حقه, تبقى خمسةٌ يقسم [131/أ] عليها ما حضر وهو قيمة الأمة, للابن ثلاثةُ أسهمٍ, وللأمة سهمان, فَيعتق خمسا الأمة, ويسقط عن الزوج مما عليه ما يخصه وهو ثلث المئة التي عليه؛ لأن له سدسَ جميع التركة فيسقط ذلك مما عليه ويُتبَعُ بما زاد على ميراثه, وهو في مسألتنا ثلثا المئة التي عليه, ثم كل ما قُبضَ منَ الزوج من ثُلُثي المئة الباقي عنده كان للابن ثلاثةُ أخماسه, وخمسة يعتق فيه من بقية الأمة حتى يَكمُل عتق ثلثيها, ويكمل للابن مئةٌ وهي التي له من التركة, ويبقى للزوج ثلث المئة, وهو حقه.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب: وإن تركت مع ذلك مئة عتق أربعةُ أخماس الأمة؛ لأن الفريضة من ستة, سهمان للأمة, وثلاثة للابن, وسهم للزوج فأسقطه, ويُقسم ما حضر وهو مئتان بين الأمة والابن على خمسة: فللأمة خمسا المئتين -ثمانون- يَعتق فيها أربعة أخماسها, ولابن المئةُ الناضَّةُ وعشرون في الأمةِ, ويسقط عن الزوج مما عليه بمقدار ما كان يرث منَ المئتين وذلك ثلثُ المئة, ثم كل ما تُقُوضيَ من الزوج شيءٌ مما بقيَ عليه عتق من المدبرة ما يخص خمسيه وقُبض عن الابن ثلاثة أخماسه, فإذا تم عتق الأمة بقيَ للزوج خمسون مما بقيَ عليه وهو حقه, وصار للولد خمسون ومئة, وهو حقه.
الجزء: 19 - الصفحة: 824
محمد: وإن لم يترك غير المدبرة وقيمتُها مئةُ دينارٍ وعلى الزوج أربعُمئة دينار' عجَّل عتق خُمُسي المدبرة, ولو كانت الأربعمئةٍ على الابن, عُجلَ عتقُ ثُلُثي المدبرة, لأن ما حضَرَ منَ التركة بين الزوج والمدبرة سهمان لها, وسهمٌ له.
ولو ورثها ابنان وزوج وعلى أحد الابنين دَينٌ قل أم كَثُرَ, عُجلَ من عتق الأمة أربعة اتساعها؛ لأن الفريضةَ من اثني عشر للأمة الثلثُ أربعةٌ, وربع ما بقي: للزوج سهمان, ولكل ابنٍ ثلاثةٌ, فأسقط منهم سهمَ الابن المديان تبقى تسعةٌ: أربعةٌ منها للأمة, ولو كان الدين على الزوج عُجلَ عتقُ خُمُسها, ولو تركت ابناً لها عليه مئةُ دينارٍ, وزوجاً لعُتق ثُلُثا الأمة ويبقى ثُلثُها للزوج, وعند الابن حقه, فكل واحد قد أخذ حقه.
ولو كان على الزوج لأجنبي دينٌ مثلُ ما لزوجته, فإن مُصابه من الأمة هو السدس نصفه في دين الأجنبي, ونصفه بين الأمة والابن على خمسة, على ما ذكرنا.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم: إذا تركت مدبرة قيمتها مئة وخمسون, ولها على الزوج مثلُها, وتركت زوجها وأخاها, أنه يُعجلُ عتقُ نصف الأمة؛ لأن لها ثلثَ نفسها, وثلثٌ للزوج, وثلثٌ للأخ, فيؤخذ ثلثُ الزوج فيما عنده من الدين, فيكون بين الأخ والأمة نصفين, ويبقى على الزوج فاضلاً عن
الجزء: 19 - الصفحة: 825
حقه خمسون بين الأخ والمدبرة نصفين.
م: أما الذي في النوادر: ويبقى على الزوج فاضلاً عن حقه خمسون للأخ وخمسون للمدبرة, وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ الزوج أخذَ منه ثلثُ المدبرة فيما عليه, فيُسقط عنه بذلك خمسون, وتَسقط عنه خمسون أخرى حصته من الدين, وبقيَ عليه خمسون أُخرى بين الأخ والمدبرة نصفين, خمسةُ وعشرون لكل واحدٍ -فيعمل الأخ في سهمه ما شاء من بَيعٍ وغيره, ويُعجل بيع ما للمدبرة عليه بعرض, ثم يُباع بعينٍ, ويعطى للأخ ليتعجل عتق ما قابل ذلك منها.
قال ابن القاسم: وهذا أحبُ إلى من أن يُنسأ ذلك على الزوج فيورثُ حقه أو يُباع أو يُفلس, ولو كان الزوج غائباً بعيد الغيبة لا يُعرف حالُه لم يُبع مما عليه شيء إلا أن يكون قريباً يعرف ملؤهُ من عُدمِهِ, ولو لم يُبع مما عليه شيء ولا أيسر حتى حالت قيمة المدبرة بزيادة أو نقص, ثم أيسر لم يُؤتنف فيها قيمة, والقيمة المتقدمة كحكم نَفَذ, ولو ماتت الأمةُ قبل ذلك وقد تركت المرأةُ زوجَها وابنَها, فإن ما كان لها على الزوج للابن كُله, ولو استوفى منَ الزوج وقد زادت قيمةُ الجاريةِ حتى صارت قيمةُ ثلاثة أخماسها
الجزء: 19 - الصفحة: 826
أكثرَ مما كان, لم يُنظر إلى ذلك, ولم يَعتق منها غَيرُ ما عَتق, ولو قُبض منَ الزوج بعد ما نقصت فَليَعتقَ منها تمام الثلثين, زادت قيمتها أو نقصت, ولو يئسَ مما على الزوج فباع الابنُ ثلاثةَ أخماسها, ثم أيسر الزوج, فَليُنقض من ذلك البيع تمام ثُلُثيها فَيَعيق, زادت قيمتُها أو نقصَت ويرد الابن على المشتري حصة ذلك ولا يُمنَع الابنُ أو الأخُ من بيع ما بيده منها, وإن لم ييأَس مما على الزوج بعُدمٍ أو موتٍ, ولكن إن شاء البيع بُدئَ ببيع ما للمدبرة على الزوج ليُعجل منه عتقُها, ويأخذ الابن ثمنَه, ثم تُطلق يده على بيع ما بقيَ له فيها إلا أن يُيأس مما على الزوج لعدم أو موت فللابن تعجيلُ بيع جميع ما بيده منها, ثم إن طرأ للزوج مالٌ, نُقض من ذلك البيع ما يُتم به عتق ثلثيها, ولو لم يكن عتقٌ وكانت وصيةٌ بمالٍ لرجلٍ أو صدقة, وعلى أحد الورثةِ دينٌ, فالجواب مثلُ ما تقدم في العتق سواءٌ, ويحاصُّ ذوا الوصية الوارثَ الذي لا دين عليه فيما حضر, وسواءٌ كانت الوصيةُ دنانيرَ بعينها أو بغير عينها, فهو سواء عند مالك وأصحابه, إلا شيء ذُكرَ عن أصبَغَ.
قال محمد: وقولُ مالكٍ أبيّنُ وأصوبُ.
م: ونقلت مسألة مَن رد وصيته أنها ترجع ميراثاً, ويحاصُّ بها أهل الوصايا إلى مسائل مَن مات قبل الموصي في آخر الكتَاب.
الجزء: 19 - الصفحة: 827
[الباب السابع] بقيةُ القول فيما يُختلع منَ الثلث في وصيته بدين أو عين أو شيء بعينه.
[(1) فصل: فيمن أوصى فقال في وصيته على ثلثه, أو أوصى بأكثر من ثلث ماله الحاضر فأبى الورثة]
قال مالك: ومَن أوصىَ لرجل بدين له ولم يحمل ذلك الثلثُ, وأبى الورثةُ أن يجيزوا قطعوا له بثلث العين والدين, وإن أوصى بنقد ولم يكن فيما ترك الميت من النقد ما يخرج وصيته من ثُلث النقد, فقالت الورثةُ: قد عَالَ, وليس له أخذ العين ويعطينا العرض, فإما أعطَوه ذلك من النقد وإلا قطعوا له بثلُث الميت حيثما كان.
وأصلُ هذا من قول مالك أن مَن أوصى بوصيةٍ فيها على ثُلُثه, أو أوصى بأكثرَ من ثلث ماله -العين الحاضرِ- فأبى الورثةُ أن يُجيزُوا, فإنهم يُخرجون لأهل الوصايا من ثلُث ما ترك الميتُ من عرض أو عين أو دين أو عَقَارٍ أو [131/ب] غيره إلا في خصلةٍ واحدةٍ, فإنّ مالكاً اختلف قولُه فيها, فقال مرة: إذا أوصى له بعبد بعينه أو بدابة بعينها وضاق الثلثُ, فإن لم يُجز الورثة قطعوا له بثلُث مال الميت من كل شيء, وقال مرة: يقطعون له بمبلغ ثلث جميع التركة في ذلك الشيء بعينه؛ لأن وصيتهُ وقعت فيه.
وهذا أحبُّ إليّ, بخلاف الوصيةِ بالخدمة والسكنى.
ومن كتاب ابن المواز ونحوه في المجموعة قال أشهبُ إذا أوصىَ لرجل بعبدٍ بعينه ولآخرَ بفرس بعينه حاضران, فإن خرجا من ثُلُث ما حضر مضى ذلك, وإلا أنفذ منهما ما يخرج منَ الحاضر, فإن كان جميعُ الحاضر ثلاثمئة
الجزء: 19 - الصفحة: 828
والعبد مئة والفرس مئة.
أنفذ نصف العبد لهذا ونصف الفرس لهذا, وخُيرَ الورثة في نصفهمَا أن ينفذوا ذلك أو يقطعوا للرجلين بثُلُث الغائب يتحاصان فيه.
قال ابن المواز: وقد قيل: إن ما حمله ثلثُ الحاضر يأخذَانه في الأعيان, ويأخذان ثلُث الغائب في كل شيء إذا أبى الورثة أن يجيزُوا, ونحن نستحسنُ أن يُخَيرَ الورثةُ, فإما أنفذوا الوصيةَ كما أوصى, أو قطعوا لهما بثُلُث الميت فيما حضر وغاب في كُل شيءٍ منه.
قال أشهب: وإذا أوصى لرجلٍ بعشرةِ دنانيرَ ولم يُخَلف عيناً غيرها وله عُروض وشوَارٌ ورقيقٌ ودوابٌ -يريد حاضرةً- قال: يُدفع إليه العشرةُ وإن كَره الورثةُ, سواءً أوصى بعشرةٍ بعينها, أو قال: بعشرةٍ هكذا, ولو لم يُخَلف منَ العين إلا خمسةً لأخذَها وبيعَ له بخمسةٍ, قيل: فيُباع له من ساعته, قال: نعم.
إلا أن يكون ضررٌ, فيؤخر اليومين والثلاثة.
وقال ابن القاسم: إذا أوصى بمئة دينارٍ وترك عُروضاً, وليس له مالٌ غائبٌ, أنه لا تَخَيرَها هنا وتُباعُ عروضُه, ويُعطَى المئةَ, وإن كاننت المئة حاضرةً بدأت بالوصية ولم أنتظر البيعَ.
قال ابن المواز: إذا كان مالُه عُروضاً أو حيواناً أو طعاماً وذلك حاضرٌ.
الجزء: 19 - الصفحة: 829
فهو كالعين الحاضر لا يُخيرُ فيه , بخلاف الدين والمال الغائب, ولتعَجلُ وصيةُ الميت إن أوصى بشيءٍ, فإذا ترك مئة عيناً وقد أوصى بمئة, وباقي التركة عُروض وحيوان حاضرة, فلا يُنظر بَيعَ ذلك, وليأخُذ الموصَى له المئة, إن حملها الثلثُ.
قال ابن القاسم: وكذلك إن أوصى له بدنانيرَ, والتركة كُلها عُروضٌ حاضرةً, فليس عليهم خلعُ الثلث إن لم يَصبر, وعليه أن يَصبر حتى تُباعَ العروضُ ويُعطَى, وإذا أوصَى له بعبدٍ بعينه لم يُعجلُ له حتى يَعرفَ الورثةُ تحصيلَ المال بالقيمة.
محمد: ليُعرف خُرُوجُه منَ الثلُث.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: فيمن لم يترك لا ثلاثَةَ أدوُرٍ وأوصى بخمسة دنانيرَ لرجل, فأبى الورثةُ أن يُعطُوه مالًه, فلا بد أن يُعطُوه ذلك أو يقطعوا له بثُلُث الميت.
قيل: ولا يبيع السلطانُ من دوره بخمسة دنانير؟ قال: لا, وقاله مالك فيه, وفي المالِ الغائبِ والمفترقِ.
وقال عنه عيسى بنُ دينارَ وابنُ المواز وابن عبدوس: وإنْ كان له زرع أخضرُ أو ثمرةٌ صغيرةٌ, وتَرَك رقيقاً وأوصى بوصايا يضيق عنها ثُلُثه, فإن كانت الوصايا بالمالِ فليُبَيع رقيقه ولا يُوقف, ويُعطَى لأهل الوصايا ثُلُثُ ما نضَّ, فإذا حلَّ بَيعُ الرزعِ والثمرةِ بيعَ فأخَذُوا ثُلُث الثمَن,
الجزء: 19 - الصفحة: 830
وأما إن كان في وصايا عتق, أو أوصى ببعض الرقيق لأحد, فلا يباع من فيه
وصية منهم ويوفقون, فإذا حل بيع الزرع بيع, ولا يقسم من المال شيء, لا
ثلث ولا غيره حتى يباع الزرع, إلا أن يجيز [132/أ] الورثة ذلك فيقتسمون بقية
المال ويبقى لهم الزرع.
وقال أصبغ في العتبية: وإن لم يجز الورثة وكان الزرع أول ما بذره
ويتأخر الأشهر الكثيرة, وفي ذلك عطب الحيوان والضرر على العبيد, فليعتق منهم
محمل ما حضر, ويرجى الزرع.
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بعتق عبده, وله مال حاضر ومال
غائب, والعبد لا يخرج مما حضر, فليوقف العبد حتى يجتمع المال الحاضر والغائب,
فإذا اجتمع, قوم العبيد في ثلثه, فإن خرج, وإلا عتق منه محمل الثلث.
قال ابن القاسم: فإن قال العبد: المال الغائب بعيدا عنا, أو أجله بعيد
فأعتقوا مني ثلث المال الحاضر, وأوقفوا ما بقي حتى ينظر في المال الغائب, فإن
خرج أعتقتم مني ما حمل الثلث, وإن لم يخرج كنت قد عتق مني مبلغ ثلث المال
الحاضر؛ لأني أخاف أن يتلف المال الحاضر.
فلا أرى ذلك له.
قال سحنون: إلا أن يضر ذلك بالموصي له وبالورثة فيما يعسر جمعه ويطول.
وكذلك روى أشهب عن مالك وقاله ابن القاسم قال: وإنما هذا
فيما يُقبض إلى أشهر يسيرة أو عرض يباع, ما يبعد جداً أو تبعد غيبته,
الجزء: 19 - الصفحة: 831
فليعجل العتق في ثلث ما حضر, ثم إذا قبض ما بقي أتم فيه.
قال ابن المواز: وقال أشهب: بل للعبد أن يعجل منه عتق ثلث الحاضر
حتى لو لم يحضر غيره لعجل عتق ثلثه ويوقف باقيه, فكلما حضر شيء من
الغائب زيد فيه عتق ثلث ذلك حتى يتم أو ييأس من المال الغائب.
قال: ولا أرى أن يوقف جميع العبد لاجتماع المال, وإن كان
قد قاله لي مالك.
ولم يأخذ سحنون بقول أشهب, وقال: لو كان هذا الأخذ الميت أكثر
من ثلثه؛ لأنه استوفى ثلث الحاضر وصار باقي العبد موقوفاً عن الورثة.
وقال ابن المواز: وإن كان المال الغائب غير بعيد انتظر, وإن كان بعيداً
مثل الأشهر الكثيرة أو السنة أنفذ ثلث الحاضر, وأنفذ الميراث,
ولو كان مع ذلك وصايا خير الورثة في إنفاذ الوصايا أو القطع بثلث الحاضر
والغائب فأبديء العتق فيما حضر وما بقي فلأهل الوصايا, وأما إن أوصى بعتق,
وجميع ماله عروض حاضرة, أو دور حاضرة أو غائبة, والرقيق يخرجون من ثلث
ذلك لو بيع, لعجل عتقهم.
وكذلك روى أشهب عن مالك إذا أوصى بعتق
وله دور فطلب الورثة التأخير حتى تباع الدور, فليس لهم ذلك, ويعجل عتق العبد
إذا حمله الثلث
الجزء: 19 - الصفحة: 832
[الـ] باب [الثامن] فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة وذكر
إجازة الورثة أم لا؟ وكيف إن أوصى مع ذلك بدنانير أو شيء بعينه؟
[(1) فصل: فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثه]
قال مالك في غير كتاب: فيمن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بنصف
ماله, فليقسم الثلث بينهما على خمسة إن لم يجز الورثة, وإن أجازوا أخذ كل
واحد وصيته واقتسم الورثة السدس الباقي, فإن أجازوا لصاحب النصف وحده
أخذه, وأخذ الآخر خمسي الثلث, وإن أجازوا لصاحب الثلث وحده أخذه
وأخذ الآخر ثلاثة أخماس الثلث.
محمد: وقال أشهب: يتحاصان, فما صار للذي أجازوا له, أتموا له من مواريثهم.
محمد: وإن لم يجز إلا بعضهم, نظر إلى خروجها بغير إجازة فما وقع لمن
لم يجز أخذه, وينظر إلى خروجها على أنهم أجازوا, فما وقع للمجيز أخذه وما فضل عن حصته لو لم يجز, فللموصي له.
وبيان ذلك: أن يهلك الهالك ويترك الدين, ويوصى لرجل بثلث ماله
ولآخر بنصفه, فأجاز أحد [132/ب] الوالدين الوصيتين, ورد الآخر الوصيتين,
فتعمل الفريضة على تقدير إجازتها جميعاً, وذلك أن تنظر إلى أقل عدد له ثلث
ونصف صحيح وذلك ستة, فتخرج ثلثها ونصفها للموصي لهما, وذلك خمسة,
فيبقى واحد لا ينقسم على الولدين, فتضرب الستة في اثنين فتكون اثني عشر,
للموصى له بالنصف ستة, وللموصى له بالثلث أربعة, وتبقى اثنان لكل ابن واحد,
ثم تعملها على أنهما لم يجيزا, فتأخذ ثلث الستة ونصفها وذلك خمسة فتجعلها
ثلث مال يكون جميعه خمسة عشر, فللموصى له بالثلث اثنان, وللموصى له
الجزء: 19 - الصفحة: 833
بالنصف ثلاثة, ولكل ابن خمسة, ثم توفق بين المسألتين: أعني مسألة الإجازة
ومسألة الرد, فتجدهما تتفقان بالأثلاث, فتضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر,
وذلك أربعة في خمسة عشر, أو خمسة في اثني عشر, فيكون ستين,
فمنها تصح الفريضتان,
فتقسمها على مسألة الرد - خمسة عشر - فيقع لكل سهم أربعة, فمن كان له
شيء من خمسة عشر أخذه مضروباً في أربعة, فللموصى له بالثلث سهمان في
أربعة بثمانية, وللموصى له بالنصف ثلاثة في أربعة باثني عشر, ولكل ابن خمسة في
أربعة بعشرين فيأخذ الابن الذي لم يجز عشرين وينصرف,
ثم تقسمها على مسألة الإجازة - اثني عشر- فيقع لكل سهم خمسة, فمن كان له
شيء من اثني عشر أخذه مضروباً في خمسة, فللابن المجيز واحد من اثني عشر في
خمسة بخمسة, فيأخذها ويستفضل عما وقع له لو لم يجز خمسة عشر فيدفعها
للموصي لهما يقتسمانها على خمسة, فيصير لصاحب الثلث منها ستة يضيفها
إلى الثمانية التي وقعت له في مسألة الرد فيصير له أربعة عشر,
ويصير للآخر من هذه الخمسة عشر تسعة, فيضيفها إلى الاثني عشر التي وقعت له
في مسألة الرد فيصير له أحد وعشرون, وللابن المجيز خمسة, وللراد عشرون,
فجميع ذلك ستون.
وهذا وما أشبه سنذكره في كتاب الفرائض بهذا الكتاب مشروحاً
إن شاء الله.
[(2) فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثة وأوصى مع ذلك بدنانير]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بماله, ولآخر بنصفه, ولآخر
بثلثه, ولآخر بعشرين ديناراً, فإنه ينظر إلى مبلغ وصيه كل واحد منهم ومبلغ
العشرين من مال الميت, فيتحاصون في الثلث على الجزاء إن لم يجز الورثة.
الجزء: 19 - الصفحة: 834
وتفسير ذلك أن تجعل التركة ستين دينارً فخذ لصاحب الكل ستة أجزاء,
ولصاحب النصف ثلاثة أجزاء, ولصاحب الثلث جزأين, ولصاحب العشرين
سهمين - لأن العشرين هي من جملة المال الثلث - فذلك ثلاثة عشر جزءاً,
فيقسم الثلث عليها, فيأخذ كل واحد ما سمينا له,
وكذلك إن أوصى لرجل بثلث ماله ولآخر بربعه, ولآخر بخمسة أو سدسه ولم
يجز الورثة فإنهم يتحاصون في الثلث من عين ودين وعرض
وغيره على الأجزاء,
وهذا على حساب عول الفرائض سواء.
قال مالك: وما أدركت الناس إلا على هذا.
قال سحنون: وهذا قول الرواة كلهم, لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
قال ربيعة وأبو الزناد: ومن أوصى لرجل بثلث الثلث, أو بربع الثلث
ولآخرين بعدد دنانير فليتحاصوا في الثلث.
[(3) فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة من ثلثه وأوصى مع ذلك بشيء بعينه]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بربع ماله أو بثلث ماله, وأوصى بأشياء
بأعيانها لقوم شتى, نظر إلى قيمة هذه المعينات وإلى ما أوصى به من ثلث أو
ربع فيضربون في ثلث الميت بمبلغ وصاياهم, فما صار لأصحاب الأعيان أخذوه في
ذلك الذي أوصى لهم به, وما صار للآخرين كانوا به شركاء مع الورثة, وهذا
قول مالك: فإن هلكت الأعيان [133/أ] التي أوصى بها بطلت الوصايا فيها
الجزء: 19 - الصفحة: 835
وكان ثلث ما بقى بين أصحاب الثلث والربع يتحاصون فيه.
قال: ومن أوصى لرجل بثلثه, لآخر بعبده وقيمته الثلث, فهلك العبد
بعد موت السيد قبل النظر في الثلث, فإن ثلث ما بقي للموصى له بالثلث,
كأن الميت لم يوص إلا بثلث لهذا فقط.
وذكر بعض فقهاء القرويين عقي هذه المسائل مسألة موت
الموصى له قبل موت الموصي, وقد ضاق الثلث قال: ويجب أن يدخل هذا
الاختلاف في موت العبد الموصى به أو له قبل قسمة المال, فعلى قوله: يحاص به
أهل الوصايا.
يحيى العبد الميت بالذكر ويحاص به أهل الوصايا؛ لأن الميت
كأنه إنما أوصى لهم مع هذا العبد فقام الورثة مقامة,
وعلى القول الآخر: لا يحاص به أهل الوصايا, وما مات قبل القسمة كأنه لم يكن
ولم يوص الميت فيه بشيء.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن أوصى بعتق عبده الآبق وأوصى بوصايا,
فلينظر إلى قيمة العبد على أنه آبق فيعتق من ثلثه وتكون الوصايا فيما بقي من
ثلثه, فإن ثبت أنه مات قبل سيده كان الشيء لم يكن, ورجع أهل الوصايا إلى
ثلث المال كله لا يحسب فيه الآبق, وإن ثبت أنه مات بعد موت السيد قبل
النظر في الثلث حاص الورثة أهل الوصايا بقيمته ونزلوا منزلته فصار لهم ما وقع
له في المحاصة بقيمته.
وهذا خلاف لقول مالك, وقول مالك الصواب والفقه.
وإذا
أوصى بأشياء بأعيانها وأوصى بأشياء بغير أعيانها فماتت المعينات, فإن كان حكم
الجزء: 19 - الصفحة: 836
بأن تقطع لهم شائعة قبل موتها - على القول الذي يرى أن يقطع لهم - شائعاً - كان
ضمان ما هلك بعد القطع شائعا من جملة الموصى لهم؛ لأن أصحاب الأعيان
نفذ حكم لهم بالقطع شائعاً فصار حقهم شائعاً كغيرهم,
وأما إن ماتت الأعيان قبل القطع فلا خلاف أن وصاياهم قد سقطت على القول
الذي يقول يقطع لهم فيها, والقول الذي يقول يقطع لهم شائعاً وهم على أن
الأعيان لهم حتى يحكم لهم بالقطع شائعاً.
[(4)] فصل [فيمن أوصى لجماعة بأجزاء مختلفة وبشيء بعينه والعين هو الثلث]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بعبده, ولآخر بسدس ماله,
والعبد هو الثلث, فللموصى له بالعبد ثلثاً الثلث في العبد, والآخر شريك
للورثة بسبع ما يبقى من بقية العبد, وسائر التركة,
وإن كان العبد السدس, كان جميعه للموصى له بالعبد, والآخر شريك للورثة
بخمس بقية التركة.
وقاله علب بن زياد ورواه عن مالك.
وقاله أشهب
في المجموعة.
قال أشهب: ومن قال: إن الموصى له السدس يكون له سدس الخمسة
أسداس, ويكون سدس العبد بينه وبين الآخر؛ لأنه أوصى لهما جميعاً بسدسه فقد
أخطأ, وإنما يؤخذ في الوصايا بما يُرى أن الميت أراده؛ كما قال عمر رضي الله
عن: من وهب هبة يرى أنها للثواب ...). ولو قلت إذا القلت: إن وصيته
بالسدس رجوع في سدس العبد عن الأول.
الجزء: 19 - الصفحة: 837
قال سحنون: لا يدخل الموصى له بالثلث على أهل التسمية ولا يكون
رجوعاً عن شيء من العبد.
قال سحنون: فإن أجاز الورثة كان العبد للموصى له به, والثلث كاملاً
للموصى له به, ولا يحمل انه أدخل الموصى له بالثلث على صاحب العبد, ولا يكون رجوعاً عن العبد أيضاً.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية أنه قال: إن أجازوا,
فليس عليهم تسليم العبد مع جميع الثلث, ولكن يسلموا العبد [133/ب] وثلث ما
بقي, فيقسم ثلث العبد بينهما؛ لأنه أوصى لهما به فيأخذ الموصى له بالثلث سدس
العبد وثلث ما بقى سوى العبد, ويأخذ الآخر بقية العبد.
قال أبو محمد: وهو الذي أنكره أشهب وابن المواز.
ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لرجل بعبد ولآخر بسدس ماله,
وقيمة العبد مئة دينار, وترك خمسمئة دينار عيناً, قال: يأخذ الموصى له بالعبد
جميع العبد والآخر مئة دينار.
وذكر أصبغ عن ابن القاسم خلاف هذا, وذلك أن يأخذ الموصى له بالعبد
خمسة أسداسه, والآخر سدس العين, ويكون سدس العبد بينهما.
ولم يعجبنا
هذا؛ لأن الوصايا إنما تُحمل على ما ظهر من مقاصد الموصى لا على اللفظ.
وذكر مثل ما تقدم عن أشهب.
الجزء: 19 - الصفحة: 838
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل
بدار ولآخر بعبد, ولآخر بحائط, فضاق الثلث ولم يجز الورثة, قال: يتحاصون
في الثلث بقيمة ما سمى لكل واحد, فما وقع لكل واحد أخذه فيما أوصى له به,
ولو أوصى معهم لرجل بمئة دينار, لقطع لهم بالثلث في جميع ماله, ولم يأخذوا
وصاياهم فيما سمى لهم خاصة؛ لأن الوصايا قد حالت, ولابد من بيع ذلك أو
بعضه بسبب العين.
ومن المجموعة قال ابن القاسم: إذا أوصى لرجل بعد, وهو أكثر من
الثلث فلم يجز الورثة, فقد اختلف فيه قول مالك فقال مرة:
يجمع له الثلث في العبد.
وقال مرة: يكون له الثلث في جميع المال إن لم يجز الورثة.
واختار ابن
القاسم: أن يجمع له في العبد إن كان المال حاضراَ,
فإن كان له ديون فله الثلث من كل شيء إن لم يجز الورثة,
وكذلك لو أوصى له بشيء غائب, فلا يقطع له في ذلك الغائب
ولكن في كل شيء.
قال ابن عبدوس: وإذا أوصى بوصايا لا تخرج من ثلث ما حضر, وله مال
غائب خير الورثة بين إجازة ذلك, أو خلع الثلث من الحاضر والغائب
في هذا وفي غيره.
قال: وقال عبد الملك: وإذا خلع الثلث لهم فقد اختلف في أخذهم في
الجزء: 19 - الصفحة: 839
أعيان ما أوصى لهم به من عبد أو دار أو عرض, فقال مالك: يأخذ كل واحد ما
صار له من الثلث فيما أوصى له فيه بعينه.
وقال غيره: يكونون شركاء في جميع
التركة.
وقاله عبد الملك, وابن كنانة.
وروى ابن القاسم وأشهب
القولين عن مالك, واختار أن يأخذ كل واحد فيما أوصى له فيه بعينه.
قالوا كلهم: فإن مات العبد المعين قبل خلع الثلث بطلت وصية صاحبه.
وقال
أشهب: فلذلك قلت: يأخذ في ذلك الشيء بعينه؛ لأنه كان في ضمانه.
قال ابن عبدوس: وإذا أوصى لرجل بعبد لا يحمله الثلث فقال الرجل: أنا
أؤدي بقية ثمنه للورثة ويكون لي, وقال الورثة: نحن نعطيك قيمة حقك ويبقى
لنا, فليس ذلك للجميع, والعبد يبقى بينهم يتقاوونه أو يبيعونه.
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لرجل بدار, ثلثه يحملها, فأبى الورثة
أن يعطوه الدار, وقال الورثة: نحن نعطيك ثلث الميت حيث كان, فليس
ذلك للورثة, وللموصى له أخذ الدار.
قال ابن القاسم: ألا ترى أن الدار لو غرقت فصارت بحراً لبطلت وصيته,
فهذا يدلك أنه أولى بها.
الجزء: 19 - الصفحة: 840
[الـ] باب [التاسع] فيمن أوصى لوارث وأجنبي وبقية القول في الوصية للوارث
[134/أ]
[(1) فصل: في فيمن أوصى لوارث وأجنبي]
روى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة»
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعبده أو بوصية لوارث, وأوصى لأجنبي بوصية
فليحاص الوارث الأجنبي بوصيته في الثلث, ثم تكون حصة الوارث لجميع الورثة.
قال مالك: ومن قال: ثلث مالي لفلان وفلان, وأحدهما وارث ومعه وارث
غيره, فللأجنبي نصيبه, أما نصيب الوارث فيرجع إلى جميع الورثة
قال مالك: وإن أوصى لوارث بوصية ولم يدع غيره وأوصى بوصايا
لأجنبيين ولم يسع ذلك الثلث, وبدئ بالأجنبيين ولم يحاصهم الوارث
بشيء من وصيته.
ومن كتاب ابن المواز وغيره قال مالك وأصحابه: فيمن أوصى
لوارث وأوصى بوصايا لأجنبيين, فإن كان مع الوارث وارث من زوجة أو
غيرها فإنه يحاص الأجنبي في الثلث فما صار للوارث رجع ميراثاً
وإن لم يكن معه وارث غيره, فللأجنبيين وصاياهم بغير حصاص للوارث, وكأنه
أوصى له بميراثه, وإذا كان معه وارث علم انه أراد تفضيله عليه بما أوصى له به,
فيحاص بذلك ويقاسمه فيما وقع له من ذلك,
الجزء: 19 - الصفحة: 841
ولو أوصى لجميع ورثته مع الأجنبي فأنصباؤهم في الميراث والوصية سوا, فالأجنبي
مقدم ولا حصاص فيه, إلا أن يكون الورثة ذكوراً وإناثاً فيساوى بينهم في
الوصية, فقد عُلم أنه خص الأنثى دون الذكر بوصيته, فيحاص الأجنبي.
وقد اختلف بماذا يحاص؟
فروى أصبغ عن ابن القاسم: في ابن وابنة أنه إذا أوصى لكل واحد بمئة
ولأجنبي بمئة أن الأنثى تحاص الأجنبي بخمسين, وهي التي زادها على مورثها, لما
أعطى الذكر مئة كان يجب لها خمسين, وقاله أبو زيد:
وقال لي غيرها من أهل العلم: يحاص بثلث المئة؛ لأن مورثها من المئتين
ثلثا مئة فيحاص بالزائد وهو ثلث المئة,
ولو أوصى لورثته بما جعله بينهم على سهام مواريثهم
كانوا كوارث واحد ولا حصاص لهم,
وكذلك لو أوصى بشيء سماه لجملتهم ولم يفصل ولم يقسم,
فلا حصاص لهم مع أهل الوصايا,
وكذلك لو أوصى بوصايا وأوصى بخدمة عبده لولده, فإن لم يرثه غيره فلا
حصاص له مع الأجنبي, فإن كان يرثه غيره وقع الحصاص, فما صار له من قيمة
الخدمة شاركه فيه الورثة إن شاءوا.
ومن المجموعة قال أشهب: وإذا قال: مالي بين ابني وابنتي يعني نصفين,
ولفلان ثلث مالي, ولا وارث له غيرهما, فلهما الحصاص مع الأجنبي يحاصصانه
بستة أسهم وهو بسهمين, فيقع له ربع الثلث, وباقيه لهمل على الفرائض, إلا إن
يجيز البن لأخته.
قيل: ولا يطرح قدر نصيب الابن والابنة بالميراث وما زاد
حوصص به الأجنبي؟ قال: لا.
الجزء: 19 - الصفحة: 842
ولو أوصى لهما بقدر المواريث لم يكن حصاص, مثل أن يوصي للابن بعشرين
وللابنة بعشرة, فلا يحاصص الأجنبي ويسلما إليه الثلث فيأخذ منه وصيته.
وقال ابن القاسم: مثله من أول المسألة.
ومن العتبية قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى بالثلث لإخوته
ولم يدع غيرهم, وهم أخوان لأبوين وأخوان لأم وأخوان لأب, فليقسم الثلث
على ستة, فما صار للذين للأب أخذاه؛ لأنهما لا يرثانه, وتُضم الأربعة بقية الثلث
إلى بقية ثلثي [134/ب] المال, فيكون ميراثاً.
قال ابن وهب: ولو أوصى لهم بذلك, وله ابن ثم مات الابن قبله
فالجواب سواء.
[(2)] فصل [في بقية القول في الوصية للوارث]
ومن المجموعة وكتاب محمد قال أشهب عن مالك: في امرأة أوصت
إلى بعض ورثتها, وقال الزوج: كنت كاتب الصحيفة, وما علمت أنه لا وصية
لوارث, قال: إذا حلفت أنك ما علمت ذلك لم يلزمك ذلك.
[(3)] فصل [فيمن أوصى بثلث ماله وأوصى أن لا تنقص أمه من السدس]
قال محمد: ومن أوصى بثلث ماله أو بأكثر, وأوصى أن لا تُنقص أمه من
السدس, فلتعزل وصية الأجنبي, ويقسم ما بقي على الورثة, فما أصاب الأم نُظر
ما بقي لها إلى تمام السدس, فحاصصت به الأجنبي في الثلث, فما صار لها من
ذلك, فإن أجازة الورثة كان لها, وإلا رجع ميراثاً, ولو أجازوا لها وللأجنبي
خرجوا لهما من النصف, وقسم الورثة ما بقي على مواريثهم بعد طرح سهم الأم.
الجزء: 19 - الصفحة: 843
وإذا تركت المرأة زوجها وأمها وأختين لأم وأختين لأب أو شقائق وأوصت أن
لا تُنقص الأم من السدس فأجاز الورثة, فالفريضة بالعول من عشرة: للأم منها
سهم فأسقطه فتبقى تسعة, ثم أعط الأم السدس من أصل المال, واقسم ما بقي
على تسعة: للزوج ثلاثة وللأختين للأم سهمان, وللأختين للأب أربعة, وكذلك
لو تركت الأم نصيبها للورثة, أو قالت معي نصيبي.
وتصح المسألة من أربعة وخمسين؛ لأنك إذا أخرجت للأم السدس من
أصل الفريضة بقيت الخمسة أسداس لا تنقسم على تسعة, فتضرب ستة في تسعة تك
أربعة وخمسين, فمن كان له شيء من ستة أخذه مضروباً في تسعة, فللأم واحد من ستة
في تسعة بتسعة, ومن كان له شيء من تسعة أخذه مضروباً في الخمسة المنكسرة
فللزوج ثلاثة في خمسة بخمسة عشر, للأخوات للم اثنان في خمسة بعشرة, لكل
واحدة خمسة, وللشقائق أربعة في خمسة بعشرين لكل واحدة عشرة.
وهذا وما أشبهه يأتي موعباً في كتاب الفرائض إن شاء الله
[(4)] فصل [فيمن أوصى بثلثه لفلان إلا نصيب أمه فيبقى لهل]
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم وهو عنه في
المجموعة: فيمن أوصى بثلثه لفلان إلا نصيب أمي منه فيبقى لها, قال: يُعزل
الثلث ثم يؤخذ منه سهم الأم - يريد هو سدس الثلث - فيرد إلى ثلثي المال
فيقسم بين جميع الورثة, إلا أن يجيز لها ذلك باقي الورثة.
ولو أوصى بثلث ماله لرجل وأوصى أن لا تُنقص أنه من سدسها,
فيُخرج الثلث لأجنبي فيُوقف, ثم تأخذ الأم ميراثها مع الورثة, ثم ينظر سدس
الثلث الموقوف منه وما للأم فيحاص بذلك الأجنبي في الثلث, فما صار لها, كان
الجزء: 19 - الصفحة: 844
للورثة أن يدخلوا معها فيه بقدر مواريثهم, أو يجيزوا لها.
وهذه مخافة للتي قبلها؛ لأن الموصي قال في وصيته: وفروا لأمي سهمها
وثلث ما بقي من التركة لفلان, فإنما وصى له بثلث خمسة أسداس المال فيأخذه
ووصى للأم بسدس ثلث المال, فيعود ذلك ميراثاً إن لم يُجيزه الورثة,
والثانية: إنما أوصى للأجنبي بالثلث, وللأم بسدس الثلث فوجب أن يتحاصا في
الثلث بذلك, فما صار للأم في المحاصة دخل فيه بقية الورثة, فاعلم ذلك.
[(5)] فصل [فيمن أوصى بثلثه في السبيل فأراد بعض الورثة أن يغزو به]
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: فيمن أوصى بثلثه في السبيل فأراد
بعض الورثة أن يغزو به, فلا بأس بذلك, والوارث أحق من خرج فيه أذن له
الورثة وطيبوا.
وقال أيضاً يحيى بن سعيد: فيمن أوصى بثلثه في سبيل الله, فإن وليه يضعه
في سبيل الله, فإن أراد أن يغزو به, وله ولد غيره يريدون الغزو, فإنهم يغزون فيه
بالحصص, وإن لم يرثه [135/أ] غيره فلا بأس باستنفاقه فيما وضع فيه.
قال بعض شيوخنا في قول يحيى بن سعيد يغزون فيه بالحصص:
معناه يُعطي كل إنسان ما يكفيه إن حمل ذلك الثلث, فإن ضاق الثلث تحاصوا فيه
على مقدار كفاية كل واحد لا على قدر مواريثهم.
قال ربيعة: وإن أوصت امرأة إلى بعض ورثتها بوصية, وفي سبيل الله بوصية
فسلم زوجها الوصية رجاء أن يُعطوه الوصية التي في السبيل؛ لأنه غاز, فمُنع منها
فأراد أن يرجع فيما أجاز للورثة, فليس له في ذلك رجوع, ويلزمه ما أجاز.
الجزء: 19 - الصفحة: 845
[الباب العاشر] جامع القول في الوصية بالحج
,
قال ابن القاسم: ومن أوصى عند موته أن يحج عنه, فأحب إلى أن ينفذوا
ما أوصى به, ويحج عنه من قد حج أحب إلي, وإن استؤجر من
لم يحج أجزأ عنهم.
قال مالك: وتحج المرأة عن الرجل, والرجل عن المرأة,
قال ابن القاسم: ولا نجزي أن يحج عنه صبي أو عبد أو من فيه عُلقة رق؛
إذ لا حج عليهم, ويضمن المال من دفعه إليهم, إلا أن يكون عبداً ظنه حُراُ ولم
يعرفوه, فلا يضمن الدافع.
وقال غيره: لا يزول عنه الضمان بجهله.
فوجه قول ابن القاسم, فلأن الوصي مأذون له صرف هذا
المال على الاجتهاد بإذن مالكه, فلا يضمن؛ كالأجير إذا كسر شيئاً في البيت
المأذون له لدخوله؛ والراعي إذا مات ما أُذن له في رعايته - وقد اختلف في
المخطئ في الزكاة يدفعها إلى نصراني أو عبد أو غني وهو لا يعلم, فضمنه ابن القاسم في المدونة,
وفي الأسدية: لا ضمان عليه؛ فمن لم يضمنه جعله كالموكل إذا فعل ما أُمر
به فأخطأ, فلا ضمان عليه كما قُلنا في الوصي
الجزء: 19 - الصفحة: 846
ومن ضمنه جعله مخطئاً على مال غيره؛ فأشبه الماشي في الطرق يعثر على مال
رجل أنه يضمن, والأشبه ألا ضمان عليه في الزكاة؛ لأنه كالوكيل على تفريقها,
والماشي في الطريق وإن كان المشي له مباحاً, فقد أخطأ بمشيه على مال غيره
فوجب ضمانه.
[المسألة الأولى: إن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي بمال]
قال ابن القاسم: وإن أوصى أن يحج عنه عبد أو صبي بمال, فذلك نافذ,
ويدفع ذلك إليه به إن أذن السيد لعبده أو الوالد لولده, ولا تُرد وصيته
ميراثاً؛ لأن الحج بر وإن حج عنه صبي أو عبد؛ لأن حجة الصبي والعبد تطوع,
والميت لو لم يكن ضرورة فأوصى بحجة تطوع أنفذت ولم ترد؛ فهذا مثله,
وإن لم يكن للصبي أب فأذن له الوصي في ذلك, فإن كان على الصبي في ذلك
مشقة وضرر وخيف عليه في ذلك ضيعة, فلا يجوز إذنه له,
وإن كان الصبي قوياً على الذهاب, وكان ذلك نظراً له ولم يكن عليه في ذلك
ضرر جاز إذنه له؛ لأن الولي لو أذن له أن يتجر فأمره بذلك جاز, ولو خرج في
تجارة من موضع إلى موضع بإذن الولي لم يكن به بأس؛ فكذلك يكون إذنه له في
الحج على ما وصفنا.
وقال غيره: لا يجوز للوصي أن يأذن لليتيم في هذا.
قال ابن القاسم: فإن لم يأذن له وليه وقف المال إلى بلوغه, فإن حج به, وإلا
رجع ميراثاُ؛ لأنه حين أوصى أن يحج عنه الصبي علمنا أنه أراد التطوع لا الفريضة.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: ولو كان ضرورة - حتى يُعلم أنه أراد
الجزء: 19 - الصفحة: 847
الفريضة, يريد: فظن أن حج الصبي والعبد يجزئه - أنفذ ذلك لغيرهما
مكانه, ولم يُنتظر به عتق العبد, ولا بلوغ الصبيِّ؛ لأنا علمنا أن الموصي إنما قصد
الفرض, فليس غلطه أن الصبي والعبد يؤديان عنه الفرض بالذي يُسقط قصده
[135/ب] الذي قصد إليه من أداء الفرض.
قال ابن القاسم: ولأن الصبي ممن لا حج عليهما؛ كمن أوصى بعتق
عبد فان, فأبى ربه بيعه, فإن كان في واجب جُعل ذلك في غيره, وإن كان
تطوعاً عاد ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
وحكي لنا عن غير واحد من فقهائنا المتأخرين في الذي
يوصي أن يحج عنه عبد فيأبى السيد أن يأذن له, لا يُستأنى في ذلك كما يستأنى
في الصبي إذا لم يأذن له وليه؛ لأن الصبي ينتظر إلى وقت يتحصل ويعرف, والعبد
لا يُنتظر إلى وقت معلوم, وليس هذا كالعبد يُوصى أن يشتري فيُعتق فهاهنا يُنتظر
لحرمة العتق, والله أعلم.
وفي كتاب ابن المواز قال أشهب: إذا لم يأذن للصبي وصيه
وللعبد سيده, تُرُبِّص بذلك حتى ييأس من عتق العبد وبلوغ الصبي, فإن عُتق
العبد وبلغ الصبي فأبيا عاد ميراثاً.
وهذا هو الصواب؛ لأنه كما كان يُنتظر في العتق لحرمة العتق
كذلك يُنتظر في الحج لحرمة الموصى به؛ لأنه أراد به البر لنفسه, وهذا الذي يدل
عليه كلام ابن القاسم, والله أعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 848
[المسألة الثانية: فيمن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه فأبى ذلك الرجل]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان صرورة فسمي رجلاً بعينه يحج
عنه فأبى ذلك الرجل أن يحج عنه, فليحج عنه غيره, بخلاف المتطوِّع الذي قد حج
إذا أوصى أن يحج عنه رجل بعينه تطوعاً, هذا إذا أبى الرجل أن يحج عنه رجع ذلك
ميراثاً؛ كمن أوصى لمسكين بعينه بمال فمات المسكين قبل الموصي, أو أبى أن يقبل,
فذلك يرجع ميراثاً؛ وكمن أوصى بشراء عبد بعينه للعتق من غير عتق واجب عليه, فأبى
أهله أن يبيعوه, فالوصية ترجع ميراثاً بعد الاستيناء والإياس من العبد.
وقال غيره: في الموصي بحجة تطوع إذا أبى الرجل أن يحج عنه لا يرجع
ميراثاً, والصرورة في هذا وغير الصرورة سواء؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه, بخلاف
الوصية لمسكين بعينه بشيء يرده, أو بشراء عبد بعينه للعتق.
[المسألة الثالثة: فيمن قال أحجوا فلاناً ولم يقل عني]
قال ابن القاسم: ومن قال في وصيته: أحجوا فلاناً ولم يقل عني, أُعطي من
الثلث قدر ما يحج به إن حج, فإن أبى أن يحج فلا شيء له, وإن أخذ شيئاً رده إلا
أن يحج به, وإن أوصى أن يحج عنه وارث في فرض أو تطوع أنفذت وصيته ولم يُزد
الوارث على النفقة والكراء شيئاً, ولو أوصى أن يصوم عنه وارث وله كذا, فليرد ذلك
ولا يصوم أحد عن أحد, وكان مالك يكره الوصية بالحج, فإن نزل أمضاه.
[المسألة الرابعة: فيمن قال ادفعوا ثلثي لفلان يحج به عني, وكيف إن كان وارثاً]
قال مالك: وإن قال: ادفعوا ثلثي لفلان يحج به عني, فإن كان وارثاً لم يُدفع
إليه إلا قدر نفقته, وقيمة كرائه - يريد:
الجزء: 19 - الصفحة: 849
ذاهباً وراجعاً - ويرد ما بقي على الورثة,
وإن كان أجنبياً كان له فضل من الثلث يصنع به ما شاء؛ كمن أخذ نفقة يحج
بها عن رجل ففضل منها شيء, فإن استأجروه فله ما فضل, وإن أخذها على
البلاغ فليرد ما فضل - والبلاغ: قولهم تحج بهذه الدنانير عن فلان وعلينا ما نقص
عن البلاغ - أو خُذها فحج منها عن فلان.
والإجازة: أن يُستأجر بمال على أن
يحج عن فلان, فهذا يلزمه الحج, وله ما زاد, وعليه ما نقص.
الجزء: 19 - الصفحة: 850
[الـ] باب [الحادي عشر] فيمن أوصى لرجل كل سنة بكذا من غلة داره أو حائطه, أو قال من غلة كل سنة, وكيف إن أوصى مع ذلك بوصايا والوصية بالنفقة أجلاً أو عمراً
[(1) فصل: فيمن أوصى لرجل كل سنة بكذا من غلة داره أو حائطه أو قال من غلة كل سنة
المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل من غلة داره بدينار كل سنة]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل من غلة داره بدينار كل سنة, أو من
غلة حائطه بدينار كل سنة, أو بخمسة أو سُق كل سنة والثلث يحمل الدار
والحائط فأكرى الورثة الدار أول سنة بعشرة دنانير, واستغلوا من [136/أ]
الحائط خمسين وسقاً, فأخذ كل عام ما بقي من غلة العام الأول شيء؛ لأن ذلك من
كراء الدار وغلة الحائط ولا شيء للورثة من ذلك حتى يأخذ الموصى له وصيته,
فإن لم يبق من ذلك شيء وبارت بعد ذلك سنين, فإذا غل ذلك أخذ منه لما
تقدم, وكذلك لو أكروا الدار أول سنة بعشرة دنانير فضاعت, إلا ديناراً منها
كان ذلك الدينار لموصى له, وكذلك الحائط.
ولو أكروها بعد موت الموصى بعشرة دنانير وانتقدوها, لوجب عليهم
أن ينتقدوه ديناراً, ولو تلفت كلها إلا ذلك الدينار لوجب للموصى له؛ لأنه من
الجزء: 19 - الصفحة: 851
كراء الدار, ولو انهدمت بعد ستة أشهر لأخذ من حصة ما مضى الدينار؛
لأنه الباقي من كراء الدار, ولا قول لمن قال: بل يأخذ نصف دينار؛ لأنه إنما
يأخذ الدينار من كراء السنة كلها وهذا خطأ؛ لأنهم لو أكروها وقد بقي من
السنة شهر بدينار لوجب أن يأخذه؛ لأنه من كراء الدار وهذا بين,
ولو مات الموصى له بعد ستة أشهر فقد قيل: ليس له إلا نصف دينار؛ لأنه إنما
أعطى من كرائها كل سنة بدينار, فيجب له في نصف السنة نصف دينار؛
وكما لو مات بعد موت الموصي قبل أن تُكرى الدار ما كان لورثته من الكراء
إن أُكريت تلك السنة شيء, وأما لو أُكريت وهو حي لانبغى أن يكون له من
الكراء ديناراً؛ لأنه قد وجبت له وصيته قبل موته.
[المسالة الثانية: فيمن أوصى لرجل من غلة كل سنة قدراً معيناً]
ومن المدونة: ولو قال: أعطوه من غلة كل سنة خمسة أو سق أو من كراء
كل سنة ديناراً لم يكن له أن يأخذ من غلة سنة عن سنة أخرى لم تُغل,
ولو أكريت الدار أول عام بأقل من دينار, أو جاءت النخل بأقل من خمسة
أو سق لم يرجع بذلك في عام بعده.
وقال مالك.
وقاله أشهب عن
مالك في العتبية.
قيل: فإن أكريت الدار نصف سنة لا ينبغي أن يكون له نصف دينار إذا
تعطلت بقية السنة؛ لأنه إنما أعطاه ديناراً من كراء كل سنة, فيكون له نصفه
الجزء: 19 - الصفحة: 852
في نصف السنة.
قال أشهب في العتبية: فإن لو يحمل الثلث داره, أو حائطه فليخير الورثة
بين إنفاذ ذلك أو القطع له بثلث التركة من كل شيء, قال: فإن حملها الثلث
فوقفت لذلك فبارت سنة, ثم أغلت فيأخذ مما أغلت السنة, ويجبر به ما تقدم
ويُحبس أيضاً لما يُخشى من بوارها, أو نقص من غلتها من الوصية, فيوقف بيد
عدل إلا أن تكون كثيرة جداً, فلا يحبس منها إلا بقدر ما أوصى به من قلته
وكثرته وما يخاف في ذلك, ومن الحوائط ما لا يؤمن عليه, ومنها المأمون كأرض
خيبر فلا يوقف في هذا شيء.
[(2)] فصل [فيمن أوصى لرجل بدرهم كل شهر من غلة عبده وأوصى مع ذلك بوصايا
المسألة الأولى: فيمن أوصى لرجل بثلثه ولآخر بدرهم كل شهر من غلة عبده ولم يدع غيره, وكيف أن أوصى لرجل بخدمة عبده ولآخر بدرهم من غلة ذلك العبد كل شهر]
قال ابن القاسم: ولو أوصى لرجل بثلثه, ولآخر بدرهم كل شهر من غلة
عبد له لم يدع غيره, تحاصاً, فيضرب صاحب الثلث بثلث قيمته, ويضرب
الآخر بتعميره, فما بلغ حسب لكل شهر درهم, وحاص بذلك, فما أصابه
وُقف له بيد عدل يُنفق منه عليه, فإن مات قبل نفاذه عاد الباقي إلى صاحب
الثلث, وإن فني وهو حي ورجع على صاحب الثلث بما يرى أنه بقي له من
الجزء: 19 - الصفحة: 853
عُمره لو حوصص له بذلك أولاً - قال أبو محمد: وقد اختلف في ائتناف
الحصاص بعد التعمير إذا
ظهر خلاف ما مضى, ويأتي ذكره بعد هذا إن شاء الله -
وإن أوصى لرجل بخدمة عبده, ولآخر بدرهم من غلة ذلك العبد كل شهر, والعبد
هو الثلث, فليبدأ صاحب الدرهم بدرهمه على صاحب الخدمة كم أوصى بثلثه
لرجل ولآخر بمئة من ثلثه, فليبدأ صاحب المئة [136/ب] , فإن شاء المُخدم
أدى كل شهر درهماً وأخذ الخدمة, وإلا استؤجر العبد فيبدأ بالدرهم من إجازته,
وكذلك من أوصى لرجل بثمرة حائطه, ولرجل آخر بعشرة أصبغ من ثمرته كل
سنة [فالآصع] مبدأة كل سنة, وما فضل فللآخر, ولو أصاب أقل من عشرة
آصع أخذ تمام العشرة من العام المقبل.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في الموصى له من غلة عبده
أو حائطه دينار كل شهر حياته, والثلث يحمل ذلك, فإن ضمن له الورثة
ذلك, وإلا أوقفوا العبد والحائط, وإن لم يحمله الثلث وحالت الوصية ووقعت
المحاصة حوصص بقدر تعميره, ويكون في العبد على أقل العُمرين.
[المسالة الثانية: فيمن أوصى بوصايا لرجل بنفقته حياته من بقية الثلث ثم مات فلم ينظر في ذلك حتى مات الموصى له بالنفقة]
قال عنه أصبغ - وهو في كتاب ابن المواز-: وإن أوصى بوصايا,
الجزء: 19 - الصفحة: 854
وأوصى لرجل بنفقته حياته من بقية الثلث, ثم مات فلم ينظر في ذلك حتى مات
الموصى له بالنفقة, فإن فضل من الثلث شيء أُعطي منه ورثة الموصى له
بالنفقة قدر ما كان عاش صاحبهم بعد موت الموصي لا من يوم يجمع المال
قال ابن القاسم: وكذلك لو لم يمت الموصى له بالنفقة, فغنما يحسب له ما
كان يصيبه من النفقة من يوم مات الموصي؛ كمن أوصى بخدمة عبده أجلاً مسمى
فلم يُجمع المال, ولم تُنفذ الوصايا حتى مضى بعض الأجل, إن ذلك محسوب للعبد
في الخدمة من يوم مات السيد؛ كما لو أبقها أو مرضها, فالأجل من يوم وجبت
الوصية, وهو يوم مات الموصي.
قال ابن القاسم: وإن لم يقل: ينفق عليه من باقي ثلثي, ولكن قال: يُنفق
على فلان حياته.
ويُحاصص ورثة الوصي له بالنفقة أهل الوصايا في جميع الثلث
بقدر ما عاش صاحبهم بعد موت الموصى بنفقة مثله؛ لأنه لو كان حياً
لعُمر من يوم مات الموصي ووُقف له نفقة مثله,
فإن مات قبل أن يستنفذ ذلك رجع أهل الوصايا فيما فضل من ذلك حتى
يستوعبوا وصاياهم, وإن فضل بعد ذلك شيء دُفع لورثة الموصي, فإن فني ما
أصابه وبقى حياً لم يرجع على أهل الوصايا بشيء, ولم يُؤتنف له تعمير, وهو
كحكم نفذ.
وهو أحب إلي.
قال محمد: بل الرجوع أصوب.
وقد قال ابن القاسم: وأما القياس,
فالرجوع والتعمير ثانية, ومن رأى ذلك, فإنه يرجع على أهل الوصايا على كل
واحد بما ينوبه ولا يتبع المليء بما على المعدم, كطريان وصية لم يُعلم بها, وذلك
الجزء: 19 - الصفحة: 855
على قول من يرى الرجوع, ولست أراه.
وقال أصبغ: إذا كان لا يرجع على أهل الوصايا إذا استنفذ النفقة في حياته
فلا يرجع إذاً على ورثته إذا مات وقد بقي منها شيء, ويكون ميراثاُ لورثته,
وينفذ له ما وقع له في المحاصة في التعمير بتلاً, ولا يوقف عليه.
وقاله عبد الملك.
قال أصبغ وهذا رأيي, ولا أعلم ابن القاسم إلا وقد رجع إليه, لا شك فيه.
قال: ومن رأى أن ذلك يرجع إلى أهل الوصايا إذا مات وقد بقي مما أُقف له
شيء فهو أيضاً يرجع عليهم إذا نفذت النفقة في حياته, ويأتنف المحاصة ثانية
بتعميره ما بقي من عمره.
قال أصبغ: وهو القياس.
وهو رأي أشهب, وتفرقة ابن القاسم في هذا المجال
قال ابن عبدوس عن عبد الملك مثل ما قال عنه أصبغ: إن ما وقع له في
الحصاص بالتعمير فليأخذه يصنع به ما شاء, ولو زاد عمره لم يرجع بشيء
قال: وقاله سحنون: لأن الوصايا لما حلت فإنما يأخذ ما وقع له, وكذلك
السكني, وإن جاوز قيمة السكني.
وقاله ابن نافع.
قال ابن عبدوس: وقال ابن القاسم- وذكره عنه عيسى [137/ب]
في العتبية-:إن ما نابه في الحصاص في النفقة بالتعمير يأخذه بتلاً, ثم إن مات
بعد ذلك بيوم لم يرجع عليه الورثة بشيء؛ لأنهم خيِّروا فاختاروا خلع الثلث,
الجزء: 19 - الصفحة: 856
وكذلك سائر أهل الوصايا كحكم نفذ, ولو زاد عمره على التقدير
لم يرجع على أحد بشيء, ولو أنفذ الورثة الوصية على وجهها لرجعوا بما بقي
له في موته قبل فناء ما أخذ, وكذلك لو حمل الثلث النفقة وبقي من الثلث بقية
بعدما أُقف له في هذا نفقة تعميره, فهذا إن مات قبلها رد ما بقي, وإن فنيت
هو حي رجع في بقية الثلث بنفقة عمره, وكذلك في الوصية بالسكنى في
التعمير إذا خلع الثلث فلا رجوع له, ولا عليه زاد عمره أو نقص.
وقال أشهب: إذا عمر فكان في الثلث ملغ وصاياهم, ووصايا غيرهم
وبقيت فضلة أخذها الورثة, فإن مات جميع أهل النفقة قبل فراغها
رُد الباقي إلى الورثة,
وإن فنيت وهو أحياء رجعوا بدءاً في بقية الثلث حتى يفرغوا به,
ولو أعدم الورثة لم يرجعوا على أهل الوصايا إلا بعد فراغ باقي الثلث,
ولو وجد بعض الورثة مليئاً أخذوا منه مما بيده فضلة والثلث ويرجع هو على
باقي الورثة بما يصيبهم كما لو كانوا أملياء,
ولو لم يبق من الثلث شيء رجعوا على أهل الوصايا فحاصوهم - يريد: يأتنفون
حصاصاً بتعمير مؤتنف- ويحسب عليهم ما أخذوا أولاً, وما رجعوا به من ببقية الثلث.
قال أشهب: فإن وجدوا أهل الوصايا عُدماً إلا واحداً منهم, فلا يأخذوا منه
إلا ما يصيبه بمحاصتهم بخلاف الورثة, أولئك لا ميراث لواحد منهم, حتى يؤدوا الوصايا
كغريم طرأ على ورثة, وهو مع أهل الوصايا كغريم طرأ على غرماء.
قال: وإذا كانوا قد حاصوا موصى له برقبة عبد, وموصى له بخدمة عبد
الجزء: 19 - الصفحة: 857
سنة فبقي ما بيد أهل النفقة فلينظر الآن إلى قدر ما بقي من أعمارهم, فيُنظر ما
كان ينبغي أن يحاص لهم به فينتزع من الآخرين ما كان ينقصهم ذلك, فأما
صاحب العبد فيؤخذ من العبد حصة ذلك فيُباع ويُوقف لهم, وأما المُخدم سنة
فيُنظر فيه بما كان يُعمل فيه لو كان الثلث أولاً ضيقاً, فإنما كان يخير الورثة
بين إجازة ذلك أو خلع الثلث للحصاص فيما وقع لهذا المخدم أخذه في جميع
التركة؛ لأن وصيته قد حالت وصاحب العبد يأخذ في عين العبد, فليُنظر الآن في
هذا المخدم, فإن كان قد خدم السنة نًظر إلى قيمتها فاحتبس منها ما كان يقع له
في حصاصه ويُرد ما بقي لهؤلاء مع ما أخذ من صاحب العبد, فإن اكتفوا
بذلك في بقية أعمارهم وإلا أخذوا العبد الراجع إلى الورثة- يريد: لأنه بقية
الثلث- فيوضع لهم, فإن استغرقوه أيضاً ائتنفوا حصاصاً مع أهل الوصايا, ورجعوا
عليهم, ولا يرجعون على الورثة إذ لم يبق بأيديهم من الثلث شيء, وإن
انقرضوا وبقي من ذلك شيء رُد إلى أهل الوصايا بقدر ما انتقصوا.
قال سحنون: إنما ينبغي أن يجمع الثلث كله ما استخدم المخدم والعبد الموصي
به والعبد الذي رجع إلى الورثة بعد الخدمة وما صار على هؤلاء بالنفقة, ثم
يتحاصون في ذلك كله هؤلاء بالنفقة الأولى, وهؤلاء بقدر ما يرى أنه بقي من
أعمارهم, وصاحب الرقبة بالرقبة وصاحب الخدمة بالخدمة.
[المسألة الثالثة: فيمن أوصى لرجل بعشرين ديناراً ولآخر بعشرة ولآخر بدينار كل شهر حياته]
قال ابن نافع: ومن أوصى لرجل [137/ب] بعشرين ديناراً, ولآخر بعشرة,
الجزء: 19 - الصفحة: 858
ولآخر بدينار كل شهر حياته, فعمر ذو الحياة فكان عمره ثلاثين شهراً, فذلك
ثلاثون ديناراً, فإن كان الثلث أربعين ديناراً أخذ كل واحد ثلثي وصيته, فينفق
على صاحب النفقة ثلثا دينار كل شهر مما اجتمع بالحصاص, ولا يُتم له منه دينار
لنقص الوصية, فإن مات وقد بقي مما نابه شيء رد إلى أهل الوصايا
فيتحاصون فيه بقدر ما بقي لهم.
وفيمن أوصى أن ينفق على فلان عشر سنين فعُزل ذلك كله له, ثم مات
بعد سنة إن الباقي راجع إلى ورثة الموصي؛ كما لو أوصى بالنفقة عليه حياته فعُزل
لذلك مال, ثم مات قبل إنقاذه.
قال ابن المواز: لأنه لم تكن معه وصايا تضرب بالثلث, فتكون محاصة.
[المسألة الرابعة: فيمن أوصى لخمسة نفر بنفقتهم حياتهم]
ومن المجموعة وكتاب محمد والعتبية قال مالك: فيمن أوصى لخمسة نفر بنفقتهم حياتهم, قال: يعمرون سبعين سنة ويجمع ما صار لهم بيد عدل, فيُنفق
عليهم منه, فكلما مات منهم أحد رجع على من بقي من الخمسة, فإن ماتوا كلهم
رجع ما بقي إلى أهل الوصايا, إن بقي لهم شيء, فإن استوعبوا رجع ما بقي إلى
الورثة, وإن فرغ المال وهم أحياء, فلا رجوع لهم شيء على أهل الوصايا.
قال ابن كنانة والمغيرة: وإن نابهم نصف وصاياهم لم يعطوا مما أُوقف
لهم كل شهر إلا نفقتهم كاملة لا نصف نفقة كل شهر.
قال غيرهما عن مالك: وكذلك الموصى له بدينار كل شهر فيقع له في
الحصاص نصف دينار كل شهر, فيجمع له, فلا يُعطى منه كل شهر إلا ديناراً؛
الجزء: 19 - الصفحة: 859
لأن الميت قصد التوسعة عليه, فإن مات وقد بقي منه شيء رجع إليهم, وإن عمر
أكثر من ذلك فقد استوفى وصيته.
وقد تقدم لابن نافع أن يعطى من وصيته نصف دينار كل شهر.
[(3)] فصل [في مقدار تعمير من أوصى لهم أعمارهم]
قال - في هذه الكتب - أشهب عن مالك: في الوصية لنفر أن ينفق عليهم أعمارهم, قال: يعمرون سبعين سبعين.
قال غيره عن مالك: يعمرون
ثمانين ثمانين, وإن كان ابن ثمانين عُمر تسعين, وإن كان ابن تسعين عمر مئة,
ويُعمر في كل شيء بقدر ما يرى الإمام من الاجتهاد.
قال ابن المواز: في التعمير في المفقود وغيره من السبعين إلى المئة, والمئة كثير.
قال ابن القاسم: وأحب التعمير إلى سبعون.
وقال علي عن مالك: يعمر أعمارهم أهل زمانه.
[(4)] فصل [في الموصى لهم بالنفقة ما عاشوا, ماذا يفرض لهم؟]
ومن كتاب محمد - وهو يف المجموعة عن مالك - قال في الموصى
لهم بالنفقة ما عاشوا: يفرض لهم الطعام والإدام والماء والحطب والدهن
والثياب, ولا أدري ما ثياب الصون.
الجزء: 19 - الصفحة: 860
قال أبو محمد: يريد: التي يُصان بها لمثل الجمعة وغيرها.
وقال عبد الملك: لا يفرض للموصى له بالنفقة الخدمة, ولا يكون ذلك إلا بوصية
وقال أشهب: إذا أوصى أن ينفق عليهم عشر سنين عُزل لهم ذلك,
فأما الذين يُنفق عليهم حياتهم فيعزل لهم ثلث الميت لا شك فيه,
فيُنفق على كل إنسان منهم, بقدر حاله, وشدة مؤنته وكثرة عياله, فإن مات أحد
منهم كان ما أُوقف له ينفق على بقيتهم, إلا أن يعلم أن من بقي لا يستوعب ذلك
فيُحبس له ما يرى أنه ينفقه, ويرد إلى الورثة ما بقي,
فإن ماتوا وبقي شيء رُد إلى الورثة, وإن نفذت النفقة وبقوا, فلا شيء لهم, إلا
أن يكون رُد إلى الورثة منه شيء فيرجع فيه.
محمد: عن مالك فيمن أوصى لفلان بنفقته وكسوته سنين فدُفع إليه نفقة
سنة, فمات قبل تمامها بأشهر, فما كان من خلق ثوب وشبهه فلا يُرجع فيه,
وما كان من طعام, فإنه يُرجع بما بقي منه.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية روى أشهب [138/أ] عن مالك:
فيمن أوصى لخمس أمهات أولاد له أن يعطين من غلة أعذق له من حائطه في
كل سنة ما عشن لكل [لفلانة] خمسة آصع, ولفلانة عشرة ولفلانة كذا
حتى أتمهن كلهن فأخذن كذلك, ثم مات منهن أربع قال: يرجع نصيبهن إلى
الورثة دون الباقية؛
الجزء: 19 - الصفحة: 861
لأنه سمى لكل واحدة ما تأخذ, فلا تزاد,
ولو قال: لكل واحدة خمسة آصع فبقيت واحدة ولم تُغل الأعذق إلا خمسة
آصع, فليس لها منها إلا حصاصها, ولو أصابت النخل ستين صاعاً في
حياتهن, فأخذن ما سمى لهن, فلهن إيقاف ما بقي إذا كانت النخل قد لا تُغل ما
سمى لهن في المستقبل, فيُتم لهن من ذلك, فإن لم يبق منهن إلا واحدة لم يوقف لها
ذلك كله, وليوقف لها منه ما يُرى, وليس لهم أخذ ذلك الفاضل وإن ضمنوه لها
إلا برضاها.
- يعني ما يوجب الحكم إيقافه_.
قال ابن المواز: ولو لم يُسم ما لكل واحدة من الكيل لكان نصيب من
مات منهن لمن بقي, وذلك إذا ماتت قبل طيب الثمرة, فأما بعد طيبها وحلول
بيعها, فذلك لورثة من مات منهن بالوجهين - إذا سمى لكل واحدة
أو لم يسم - وقاله مالك وابن القاسم.
وإن مات بعضهن بعد الإبار, فاختلف فيه أصحاب مالك,
فقال أشهب: ذلك لورثة من مات ممن حُبس علية.
وقال مالك وابن القاسم: لا شيء لورثة من مات إلا بعد طيبه وحلول بيعه.
قال أشهب: وسواء حبس حياة المحبس أو حياة المحبس عليه.
[(5)] فصل [فيمن أوصى لرجل بمئة دينار ينفق عليه منها كل سنة كذا وعلى الموصى له دين]
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن أوصى لرجل بمئة دينار
ينفق عليه منها كل سنة كذا, وعليه دين, فقال أهل الدين: عمروه لنا وأعطونا
الفضل, فليس ذلك لهم؛ لأن الفضلة ترجع إلى ورثة الموصى,
الجزء: 19 - الصفحة: 862
ولو أوصى له بنفقة دينار كل شهر, فقالوا: أعطنا ما يفضل من الدينار عن النفقة فذلك لهم؛ لأن الدينار صار مالاً من ماله.
وقال عبد الملك في المجموعة: في الموصى له بالنفقة والخدمة والسكنى
يُفلس, فغن سمى له فضلاً بيناً, مثل خمسة دنانير في الشهر, فهذه وصية بالنفقة
وبغير النفقة, فإن سمى مثل ما بين ضيق وسعتها, فلا شيء فيه للغرماء,
وكذلك في فضل المسكن.
الجزء: 19 - الصفحة: 863
[الباب الثاني عشر] فيمن أوصى بغلة داره, أو جنانه أو غيره للمساكين أو لقوم بأعيانهم وشراء ذلك من الموصى له به
.
[(1) فصل: فيمن أوصى بغلة داره أو جنانه أو غيره للمساكين أو غيرهم
المسألة الأولى: فيمن أوصى بغلة داره أو جنانه أو غيره للمساكين أو غيرهم]
قال ابن القاسم: ومن أوصى بغلة داره أو جنانه للمساكين, جاز ذلك.
محمد: قال أشهب: فإن لم يحمل الثلث الدار أو الجنان أُخرج من ذلك بعينه
ما حمل الثلث, ولا تخيير للورثة فيه ولا قطع الثلث من جميع المال, ولكن ما أوصى
به بعينة, وكذلك لو أوصى بذلك في سبيل الله أو في اليتامى والأرامل فلا تخيير فيه
وإن لم يحمله الثلث, ويكون ما حمل منه موقوفاً تكون غلته فيما ذُكر
كالوصية بالرقبة؛ إذ لا مرجع له إلى الورثة يرجى,
ولو كان على قوم بأعيانهم فلم يسعه الثلث, ولم يُجز الورثة,
قُطع لهم بثلث التركة بتلاً؛ إذ له مرجع إذا هلكوا,
ولو أوصى للمساكين بعدة أو سق من بستانه, أو بدنانير من غلة داره كل عام,
فهذا بخير فيه الورثة, فإما أجازوا أو قطعوا له بالثلث بتلاً, بخلاف وصيته بالجميع
لمن لا انقطاع له.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بظهر دابته أو بخدمة عبده أو سكن داره للمساكين فلمن يلي النظر أن يؤجر ذلك ويقسم بينهم أو يوقفه فمن احتاج منهم انتفع]
قال ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى بظهر دابته أو بخدمة عبده أو
سكنى داره [138/ب] للمساكين, فلينظر من جعل النظر إليه فيه , فإن رأى
أن يؤجر ذلك ويقسم إجارته في المساكين فعل, وإن رأى أن يوقفه فمن احتاج
سكن أو ركب أو اختدم فعل, كمن أوصى بعبد للمساكين, فإن رأى ولي
النظر بيعه وتفرقة ثمنه فعل, وإن رأى أن يدفعه برمته للمساكين يصنعون به ما
الجزء: 19 - الصفحة: 864
شاءوا فعل, فإن لم يحمله الثلث فما حمل منه صنع فيه مثل هذا, ولا يخير الورثة في
هذا؛ لأن الميت استوعب ثلثه وقطعه عنهم للأبد.
قال أبو محمد: يريد لأنه لما أبده للمساكين, فكأنه أوصى لهم بعينه.
[(2)] فصل [في شراء ما أوصى له به]
ومن المدونة قال مالك: ومن أسكن رجلاً داراً حياته, ثم أراد بعد ذلك
أن يبتاع منه السكنى, فلا بأس به.
قال ابن وهب وابن نافع: وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة,
قال سحنون: والرواة كلهم في الدار على ذلك.
لا أعلم بينهم فيه اختلافاً.
قال ابن القاسم: ولا بأس لورثته أيضاً أن يشتروا سكناها, يريد: لأنهم
ورثوا ما كان لميتهم وحلوا محله.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أوصى له بثمرة حائطه حياته فلا بأس
لصاحب النخل أن يشتري الثمرة, وإن مات الموصي والثلث يحمل الحائط, فلورثته
أيضاً أن يشتروا الثمرة من الموصى له؛ لأن الأصل لهم, وإنما شراؤهم
للثمرة قبل أن تثمر كشرائهم للسكنى في الغرر سواء, لا بأس به.
وإنما جاز ذلك؛ لأن أصله معروف, فأُرخص فيه كما أُرخص في شراء
العرية بخرصها تمراً, والامتناع من مثل هذا داعية إلى انقطاع المعروف, فخفف لهذا, والله أعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 865
قال ابن القاسم: وكل من حبس على رجل حائطاً له حياته, أو داراً حياته
ثم أراد أن يشتريهما جميعاً, فلا بأس به, وكذلك من أخدم رجلاً عبده حياته أو
أوصى بالخدمة أو السكنى حياته, فلصاحب ذلك أن يشتريه هو أو ورثته من
المعطي, ولا يجوز بيع ذلك من أجنبي, وقد قال مالك فيمن أعرى عرية, ثم
باع بعد ذلك حائطه أو ثمرته أنه يجوز لصاحب الثمرة أن يشتري تلك العرية
بخرصها تمراً, كم يجوز لصاحب الحائط, وكذلك الموصى له بالخدمة حياته يبيع
تلك الخدمة من ورثة الموصى بدين, ولا يجوز بيع تلك الخدمة من أجنبي, وإنما
يجوز أن تبيع خدمة العبد من أجنبي أو تُؤجره إياها مدة قريبة كسنة أو سنتين,
وأمد مأمون, ولا يكريه إلى أجل بعيد غير مأمون, بخلاف كرائه لعبده.
وقد قال مالك: ومن أكرى عبده من رجل عشر سنين, فلا بأس به, وما
رأيت أحداً فعله.
قيل لابن القاسم: فلم أجاز لسيد العبد أن يكريه عشر سنين, ولم يجز
للمخدم حياته أن يكريه أجلاً بعيداً؟ فقال: لأن سيد العبد إذا مات لزم ورثته تمام
الكراء بقية الأجل, والمُخدم حياته إذا مات بطل فضل ما تكاراه إليه؛ لأنه يرجع
إلى ورثته كما رجع إلى ورثة مالكه, فلا يجوز من بيع خدمته إلا الأمد المأمون,
وأما الموصى له بخدمة عبد عشر سنين, فلا بأس أن يكريه فيها؛ لأن المخدم هاهنا
إذا مات ورث ورثته خدمة العبد بقية الأجل
وقال غيره: لم يعتبر موت العبد في الإجازات؛ لأنه أمر لا يقدر على
دفعة, وإن بطلت الإجازة بموت غير العبد فذلك غرر, فمتى صارت الإجازة تبطل
بموت غير العبد لم تجز.
وقال ابن المواز: ومن اسكنه رجل داراً حياته, فلا يجوز له أن يكريها إلا
الجزء: 19 - الصفحة: 866
مدة قريبة [139/أ] كالسنة وشبه ذلك إن اشترط النقد, وإن لم يشترط النقد,
فلا بأس؛ لأنه متى مات انفسخ الكراء ورجعت الدار إلى صاحبها
ومن المدونة: والموصى له بخدمة العبد حياته إذا صالح الورثة من خدمته
على مال, فمات العبد ويقي المخدم حياً, فلا يرجع عليه الورثة بشيء مما أخذ
منهم, وللرجل أن يؤجر ما أوصى له به من سكنى دار أو خدمة عبد, إلا أن
يكون عبداً - قال له: اخدم ابني ما عاش, أو اخدم ابنتي أو ابن أخي وشبه هذا,
ثم أنت حر- وهو من العبيد الذين لا يراد منهم الخدمة وإنما ناحيتهم الحضانة
والكفالة, فليس له أن يؤجره؛ لأن مالكاً قال: فيمن قال لعبده أو لجاريته: اخدم
ابني أو ابنتي أو ابن أخي عشر سنين, أو حتى يبلغ أو ينكح, ثم أنت حر, مات
الذي قيل له: اخدمه قبل الأجل, فإن كان ممن أريد به الخدمة خدم ورثة الذي
مات بقية الأجل, ثم هو حر, وإن كان ممن لا يصلح للخدمة لفراهيته وإنما أُريد
به ناحية الحضانة والكفالة والقيام, عُجل له العتق الساعة ولم يؤخر.
قال مالك: وقد نزل هذا ببلدنا وحكم به وأشرت به.
قال ربيعة: ومن قال لعبده: إذا تزوجت ابني فأنت حر, فبلغ الابن النكاح وهو
موسر, فأبى أن ينكح وتسرر, فإن العبد يعتق الآن؛ لأنه أراد بلوغ أشده وأن
يستعين بالعبد فيما قبل ذلك من السنين.
قال بعض أصحابنا عن غير واحد من فقهائنا: ولو بلغ الابن
النكاح وهو معسر لم يعتق العبد حتى يكون للولد ما يتزوج به مثله في حاله.
الجزء: 19 - الصفحة: 867
[الباب الثالث عشر] فيمن أوصى لرجل بحائط فأثمر, أو بعبد فأفاد مالاً, أو بأمة فولدت.
[(1) فصل أوصى لرجل بحائط فأثمر
المسالة الأولى: فيمن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمر الجنان قبل موت الموصى ثم مات الموصى والثلث يحمل الجنان وما أثمر]
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجب برقبة جنانه, فأثمر الجنان قبل موت
الموصي بسنة أو سنتين فمات الموصي والثلث يحمل الجنان وما أثمر, فالثمر للورثة
دون الموصى له, وكذلك إذا أُبرت النخل, وأُلقحت الشجر قبل موت الموصي؛
لأن مالكاً قال فيمن أوصى بأمة لرجل, وأوصى بعتقها بعد موته فولدت الأمة قبل
موت الموصي: إن ولدها رقيق للورثة, ولا شيء للموصى له في الولد إلا أن يموت
قبل الإبار أو قبل الولادة, فيكون ذلك للموصى له كالبيع.
وذلك أن الوصايا كلها إنما تنفذ بعد موت الموصي؛ إذ لو شاء
الموصي لرجع عنها, فما كان بعد الموت فكأنه وهبه حينئذ, فكأنه وهب العبد وله
خراج, والأمة ولها ولد, والجنان وقد أبر, فلا يدخل ذلك إلا الموصى به
وحده, وإذا قُومت الأصول وحدها فخرجت من الثلث وكانت الغلات تبعاً لها
وقد كان أُنفق على الجنان نفقة من مال الميت إلى أن نمت ثمرته, فيجب أن يكون
على الموصى له تلك النفقة؛ لأنه لما حمله الثلث كأنه لم يزل ملكاً للموصى له؛
ولأن الميت لم ينتفع بالغلة ولا كثر بها ماله, فلذلك تكون النفقة على الموصى له
والله أعلم.
[المسألة الثانية: فيمن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمرت بعد موت الموصي وقبل النظر في الثلث]
قال ابن القاسم: وما أثمرت الجنان بعد موت الموصي, وقبل النظر في الثلث,
الجزء: 19 - الصفحة: 868
فتلك الثمرة للموصى له إن حمل الثلث الجنان, ولا تقوم الثمرة مع الأصل؛
لأنها ليست بولادة, وإنما تُقوم مع الأصل بعد موت الموصي الولادة وشبهها,
والثمرة هاهنا بمنزلة الخراج والغلة,
وكذلك ما أفاد المدبر والموصى به لرجل من فوائد بعد موت
الموصي, قبل النظر في الثلث [139/ب] فلا يُقوَّم معهم في الثلث, وإنما يقوم
معهم من أموالهم ما مات السيد وهو بأيديهم, أو نما من ربحه بعد موته,
وليس لهم أن يتجروا فيه بعد موته, فإن فعلوا فالربح بمنزلة رأس المال,
وكذلك لا يقوم مع المُبتل في المرض ما أفاد بعد عتقه قبل موت السيد أو بعد
موته, وهذه فوائد لهم, وللموصى له بالعبد إن حما الثلث رقابهم - يعني: وإن
حمل الثلث بعض الرقاب- أُوقف ذلك المال بأيديهم,
واستحداث الميت الدين في المرض يرد ما بتل من العتق في مرضه, ويضر بالعبد
كما يضره ما تلف.
قال سحنون: وقد قال غير هذا, وهو أكثر الرواة: أن ما اجتمع بعد
موت السيد في حال الإيقاف لاجتماع ماله في يد المدبر أو الموصى بعتقه, أو
برقبته لرجل من مال تقدم لهم أو ما ربحوه فيه من تجارة أو بعمل أيديهم, أو بهبة
أو بغيرها من الفوائد, فإن ذلك كله يقوم معهم في الثلث, خلا أرش ما جُني على
المدبر فليس له, وذلك للسيد كبعض تركته,
وكذلك المبتل في المرض يُقوم ماله معه, وما أفاد من ذلك كله بعد العتق قبل موت
السيد أو بعده, وكذلك الجنان الموصى بها لرجل أن ما أثمر بعد موت الموصي
يُقوم مع الأصول في الثلث, فإن حمل الثلث جميع العبيد الذين ذكرنا كان المال لهم
الجزء: 19 - الصفحة: 869
وللموصى له بالعبد, كذلك الجنان إن حملها الثلث بثمرته كانت الثمرة للموصى
له, وإن حمل الثلث نصف ما ذكرنا وقف المال بأيدي العبيد ولا يُنتزع ممن جرت
فيه حرية منهم, ويكون للموصى له بالجنان نصف النخل ونصف الثمر.
قال سحنون: وهذا أعدل أقاويل أصحابنا.
[(2) فصل: فيمن أوصى لرجل بعبد فأفاد مالاً أو بأمة فولدت]
قال بعض الفقهاء: وذلك أن نماء العبد لم يُختلف فيه, أنه إنما يُقوم على
هيئته يوم التقويم, وكذلك ولد الأمة, ولم يُذكر فيه اختلاف أنه يقوم معها كنماء
أعضائها؛ فكذلك يجب أن تُقوم الغلات مع الرقاب؛ لأنها كالنماء في الموصى
به, وإذا قومنا الغلة مع الأصول, فالنفقة على ذلك من مال الميت؛ لأن في ذلك
انتفاعاً له بتكثير ماله بالغلة مع الأصول.
قال: وإذا مات العبد الموصى به لرجل وترك مالاً- على مذهب من يرى
أن ماله يتبعه في الوصية - فيجب أن يُقوم ماله, فإن خرج من الثلث أخذه الموصى
له, ولو اغتل غلة بعد الموت- فعلى قول من قومه بما اغتل - تُقوم الغلة
للموصى له به, كذلك كأن يجب.
وفي كتاب محمد: إن ما اكتسب, لورثة سيدة إذا مات ولم يكن له مال
مأمون, وكذلك عبده لو جًني عليه فأخذ لذلك أرشاً كان لورثة سيده, ولا شيء
الجزء: 19 - الصفحة: 870
للموصى له به من ذلك, وكذلك لو قتل فقيمته لورثة سيده.
قال بعض الفقهاء: والأشبه أن يكون ذلك الموصى له به, كما وهبه
عبداً فقُتل أن قيمته للموهوب, وأما الموصى بعتقه, فلا شك أن قيمته لورثة سيده؛
إذ لم تتم حريته بل مات عبداً, أما من لم ير تقويم الغلة, فإذا مات العبد فقد
يقال إن ما ترك للورثة لما لم يصح أن تكون الغلة تبعاً له.
حُكي عن بعض شيوخنا القرويين: في العبد الموصى بعتقه إذا
كان له مال اكتسبه قبل الموت, فإنه يقوم معه على القولين, وأما ما اكتسبه بعد
الموت فلا يقوم معه على القول الواحد, وذلك إذا حمله الثلث؛ لأنه إذا كان
الثلث حاملاً له ظهر لنا أن العبد من حين مات سيده وجبت حريته, ومال الحر
تبع له [140/أ] فلا يقوم معه, وأما إن لم يحمل الثلث العبد, فلابد أن يُقوم بماله,
لأنه يوقف بيده؛ إذا قد وجبت الشركة فيه.
قال: وأما ثمر النخل فلا تقوم مع الصول, حمل الأصول الثلث أو لم
يحملها - على أحد القولين - لأن التمر ينقسم, ويبين فيه كل واحد بحقه, والمال
موقوف بيد العبد لا يُقسم, فالمسألتان مفترقة, والله أعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 871
[الباب الرابع عشر] فيمن أوصى لرجل بولد أمته أو غنمه وبرقبتها لآخر أو أوصى بالولد أو بزرع أو ثمر حائطه وأوصى مع ذلك بوصايا أو أوصى بثلث غلة حائطه أو بغلة ثلثه
.
[(1) فصل: فيمن أوصى لرجل بولد أمته أو أوصى بولدها لرجل وبرقبتها لآخر]
ومن العتبية: قال أصبغ عن ابن وهب: فيمن قال: أوصيت لفلان بما
ولدت جاريتي هذه أبداً, فإن كانت يوم أوصى حاملاً فهو له, وإن لم تكن
يومئذ حاملاً فلا شيء له, ولو حدث بها بعد ذلك حمل لم يكن له فيه شيء,
ولربها بيعها إن شاء.
ومن كتاب محمد واراه لأشهب: وإذا أوصى بولد أمته لرجل وبرقبتها لآخر, فهو كذلك لهذا ما تلد ما دام حياً, وعليه نفقتها, فإذا مات فرقبة الأمة
للموصى به بالرقبة.
وهذا أصوب من قول ابن وهب
قال ابن المواز: وهذا إن لم تكن يوم أوصى حاملاً, فإن كانت حاملاً
يومئذ, فليس له إلا حملها فقط.
قال: ومن أوصى لرجل بما تلد غنمه أو بصوفها أو بلبنها وبرقبتها لآخر
فنفقتها على صاحب الغلة, وله ما كان عليها من صوف تام يوم مات, وما في
ضروعها من لبن وما في بطونها من ولد وما تلد بعد ذلك إلى مماته, ثم هي
لصاحب الرقاب.
الجزء: 19 - الصفحة: 872
م: أراه يريد: ولم تكن حوامل يوم الوصية, وإنما حملت يوم مات؛ فلذلك
قال: وما تلد غنمه بعد ذلك إلى مماته, ولو كانت حوامل يوم الوصية لم يكن
للموصى له بولدها غيره, إلا بأن يوصى له بما تلد حياته أو يُعلم أنه أراد ذلك.
[(2) فصل: فيمن أوصى بما في بطن أمته أو غنمه أو بثمر نخله وأوصى مع ذلك بوصايا]
ومن المجموعة قال عبد الملك: وإذا أوصى بما في بطن أمته أو غنمه
أو بثمر نخله وأوصى مع ذلك بوصايا, فإن ولدت الأمة والغنم قبل النظر في
ذلك, حُوصص بذلك على قدر ما هو به من حسنٍ وقبيحٍ, ونقص وتمام, وصحة
ومرض, وإن لم تضع حوصص بغير قيمة الأمهات, فإن أخطأ ذلك قبل فوات
الأمهات فبان وخابت أو ماتت, رد ما أوقف من ذلك على أهل الثلث.
قال أبو محمد: أراه في قوله: فبان وخابت أو ماتت يريد: فبان ألا حمل بها أو خابت.
قال عبد الملك: وإن فاتت أعيان الأمهات وعمي أمرها, وكان الحمل بينا,
مضى الحصاص على غير قيمة الأمهات.
قال: وقال بعض أصحابنا: إن الأمهات تباع ولا تُنتظر ولا تكون أسوأ.
خالاً ممن يُعتق ما في بطنها, ثم يموت, فإنها تباع في دينه.
والأول أحب إلي.
وقال: في ثمرة النخيل: يُنظر كم تسوى لو حل بيعها فيحاص بذلك,
وكذلك يحاص في العبد الآبق - يوصى به- بقيمته على غرره.
الجزء: 19 - الصفحة: 873
قال ابن القاسم: في الموصى له بزرع لم يبد صلاحه فليستأن به حتى يحل بيعه
فيحاص به الثلث, فما نابه أخذه في الزرع, وإن أُجيح الزرع بطلت وصيته.
قال أشهب: وإن أوصى بما في بطن أمته, فإن حمل الثلث الأم حاملاً وقفت
حتى تضع, فيأخذه الموصى له به, أو يعتق إن أوصى بعتقه.
ومن كتاب ابن المواز والعتبية قال ابن القاسم: ومن أوصى فقال: لفلان
ثمرة حائطي.
لم يزد على هذا, ولم يذكر أي ثمرة, ولا كم من المدة, فإن كان فيها يوم
الوصية ثمرة لم يكن له غيرها سنته تلك, وإن لم تكن فيها يومئذ ثمرة - قال أصبغ: ولا
حمل يريد: بالأمة [140/ب] قال ابن القاسم: فله ذلك الحائط حياته.
[(3) فصل: فيمن أوصى بثمرة في حائطه أو بغلة ثلثه]
قال أشهب في كتاب محمد والمجموعة: وإن أوصى بثمرة في حائطه
ولم يدع غيره, فإن أُبرت قومت وقوم الحائط, فإن خرجت من الثلث جاز أو ما
خرج منها, وإن لم تؤبر لم يلزمهم إيقاف الحائط, كله حتى يؤبر أو يجذ,
فإما أجازوا, وإلا حائطه أبداً أو سنة, فإن حمله الثلث أُنفذ ذلك, وإن لم
يحمله خير الورثة في إمضاء ذلك له أو القطع له بثلث التركة, وأما إن أوصى له
بغلة ثلث حائطه فبخلاف الأول, وهذا جائز لازم للورثة؛ كما لو أوصى بثلث
حائطه ملكاُ, وأما قوله ثلث غلة حائطي, فهذا إيقاف لجميع الحائط, ولا يصلح
فيه القسم, والآخر يصلح فيه القسم؛ لأنها وصية بغلة ثلث الحائط, وللورثة غلة الحائط.
قال أبو محمد: يريد: وإن خرج من الثلث.
الجزء: 19 - الصفحة: 874
قال سحنون في المجموعة: إذا أوصى بغلة ثلث حمامه للمساكين, ثم أراد
الورثة قسمته, فليس ذلك لهم وإن كان الحمام يخرج من الثلث, ويبقى موقوفاً كله
مثل مالا ينقسم من العبيد والحيوان؛ لأن الميت أولى بثلثه من الورثة,
وإن لم يحمله الثلث خير الورثة: فإما أوقفوه كله, وإلا قطعوا له بثلث مال الميت
للمساكين.
قال أبو محمد: إنما قال سحنون: هذا في الحمام؛ لأنه لا ينقسم, فلابد أن
يبقى جميعه موقوفاً, ولو كان داراً يحملها القسمة لافترق قوله: ثلث غلة داري, من
قوله غلة ثلث داري؛ كما ذكر أشهب في الحائط.
قال أشهب: وإذا أوصى حائطه التي فيه الآن لرجل, وبغلته فيما
يُستقبل لآخر حياته, فإن خرج من الثلث فذلك جائز لهما أُبرت الثمرة أو لم تؤبر
أو طابت, فإن لم يخرج من الثلث أو لم يترك غيره نظرت, فإن طابت الثمرة
أو أُبرت قُومت, وقومت الغلة حياة الآخر, فإن كانت قيمتها سواء, فلصاحب
هذه الثمرة نصف الثلث في تلك الثمرة بعينها, وللآخر نصف الثلث يكون
به شريكاً للورثة في جميع التركة, وإن لم تؤبر الثمرة كان ثلث التركة بينهما بتلاً
بقدر قيمة وصاياهما, إن لم يجز الورثة.
تم كتاب الوصايا الثاني بحمد الله وعونه.
الجزء: 19 - الصفحة: 875
بسم الله الرحمن الرحيم