كتاب الوصايا الأول
[الباب الأول] في الحضِّ على الوصيَّة, ومن تركها أو قللها,
والتشهد فيها.
[(1) فصل في الحض على الوصية, ومن تركها أو قلل من شأنها] وقد أذِن الله سبحانه في الوصية بقوله سبحانه: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:11] , وأبان الرسول عليه الصلاة والسلام أن الوصايا مقصورة على الثلث في قوله لسعد «الثلث, والثلث كثير, إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس ... الحديث» , وحض عليه الصلاة والسلام على الوصية بقوله: «ما حقُّ امرئ مسلم له شيء يُوصِي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته عنده مكتوبة» , قيل معناه: يبيت موعوكاً, فلا ينبغي لمن له
الجزء: 19 - الصفحة: 666
ما يوصي به من دَين أو زكاة أو كفارة أو غير ذلك أن يدع الوصية وذلك واجب عليه وإنما يُرَخَّصُ في ترك التطوع.
قال ابن نافع: كان ابن عمر يكتب وصيته ثم ترك ذلك, وقال: ما عندي ما أُحدث فيه وصية, رِباعي حبس, وحائطي صدقة, وما كان لي من شيء فقد أنفقته, فلما اتحتضر قال: قد كنت أصنع في الحياة ما الله أعلم به, أما الآن فلا أدري أحداً أحق به من هؤلاء.
وقيل لسعد بن المسيب في المحنة: اعهد عهدك, قال: لست ممن يوصي بأمره إلى الرجال, ما كان من أمر فقد أحكمته.
وقال على بن أبي طالب رضي الله عنه لمريض ذكر له الوصية: لا تُوصِ إنما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة:180] وأنت لا تترك إلا اليسير, دع مالك لبنيك.
وقيل لعائشة رضي الله عنها: أيوصي من ترك أربعمئة دينار وله عدد من الولد؟ فقالت: ما في هذا فضل عن ولده.
وقيل لميمون بن مهران: إن فلاناً مات وأعتق كل عبد له, فقال: يعصون
الجزء: 19 - الصفحة: 667
مرتين: يبخلون به وقد أمروا بالإنفاق فإذا صار لغيرهم أسرفوا فيه, لأن أوصى بالخُمُس أحبُّ إليَّ من الربع, وبالربع أحبُّ إليَّ من الثلث, ومَن أوصى بالثلث لم يترك شيئاً.
وقال عمر رضي الله عنه: الثلث وسط لا بخس ولا شطط.
[(2)] فصل [في تقديم ذكر التشهد قبل الوصية]
قال مالك في المدونة: ومَن كتب وصيته فليقدم ذكر التشهد قبل الوصية, وكذلك فعل الصالحون وما زال ذلك مِن عمل الناس بالمدينة, وإنه ليعجبني وأراه حسناً.
قال أشهب: وقال أيضاً: كل ذلك لا بأس به, تشهد أم له يتشهد, وقد تشهد ناس فقهاء صالحون وترك ذلك بعض الناس, وذلك قليل.
قال ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالك كيف هو.
وقد روى ابن وهب أن أنس ابن مالك قال: كانوا يوصون أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله, وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ربهم عز وجل ويصلحوا ذات
الجزء: 19 - الصفحة: 668
بينهم إن كانوا مسلمين, وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب: ﴿يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة:132] , وأوصى إن مات مِن مرضه هذا ... . وروى أشهب عن مالك في العتبية والمجموعة وكتاب محمد: قيل له: إن رجلاً كتب في وصيته أؤمن بالقدر خيرِه وشرِّه حلوِه ومرِّه, قال: ما أرى هذا! فألا كتب أيضاً: والصفرية والإباضية!!! قد كتب مَن مضى وصاياهم فلم يكتبوا مثل هذا.
الجزء: 19 - الصفحة: 669
[الباب الثاني] فيمن أوصى بعتق عدد أو جزء من عبيده, أو
أوصى بذلك لرجل فماتوا أو مات بعضهم.
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعتق عبد من عبيده ماتوا كلهم بطلت الوصية, وكذلك من أوصى له بعبد فمات العبد فلا حق له في مال الميت, قال غيره: لأن ما مات أو تلف قبل النظر في الثلث فكأن الميت لم يتركه, وكأنه لم يوصَ فيه بشيء؛ لأنه لا يُقَوِّم ميت ولا يُقَوِّمُ على ميت.
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعتق عشرة من عبيده ولم يُعيّنهم, وعدد عبيده خمسون, فمات منهم عشرون قبل التقويم عَتَقَ ممن بقي عشرة أجزاء من ثلاثين جزءاً بالسهم -وهو ثلثهم- خرج عدد ذلك أقل من عشرة أو أكثر, ولو هلكوا كلهم إلا عشرين عَتَق نصفهم في ثلث الميت, ولو هلكوا إلا خمسة عشر عَتق ثلثاهم, ولو هلكوا إلا عشرة عتقوا إِنْ حملهم الثلث, وكذلك من أوصى لرجل بعدد من رقيقه أو أوصى بعشرة من إبله في سبيل الله وله إبل كثيرة فهلك بعضها فعلى ما ذكرناه.
قال مالك: ومن قال ثلث رقيقي أحرار عتق ثلثهم بالسهم لا من كل واحد ثلثه, وإن قال: ثلثهم لفلان فله ثلثهم بالسهم, فإن هلك بعضهم أو أوصى له بثلث غنمه فاستُحق ثلثاها, فإنما للموصى له ثلث ما بقي من العبيد أو الغنم, ولا يكون له جميع الثلث الباقي وإن حمل ذلك الثلث, وسواء بقي ثلثهم أو أقل, فإن لم ينقسموا كان شريكاً بثلثهم, وإن أوصى له بجميع غنمه فهلك بعضها أو استُحق فللموصى له ما بقي إن حمله الثلث, وإن أوصى له بعشرة من غنمه وله مئة شاة فللموصى له عشرها يدخل
الجزء: 19 - الصفحة: 670
فيه ما دخل، فإن هلكت كلها فهي للموصي له وإن كانت تعدل نصف الغنم.
إذا حملها الثلث.
وإن أوصى له بعُشر غنمه وهي مئة فهلكت كلها إلا عشرة لم يكن للموصى له إلا عُشر ما بقي.
وقال ابن الماجشون: سواء قال: عشرة من رقيقي أحرار وهم ستون، أو قال ستون، أو قال سدسهم فمات بعضهم فإنما يعتق سدس من بقي.
فوجه قول ابن القاسم: إذا قال: عشرة، وسمى العدد فكأنه قصد ذلك العدد فإذا لم يمت منهم أحد وبقي أكثر من عشرة صار الورثة شركاء للعبيد وللموصى له بهم بأجزاء العدد فوجب أن يقرع بينهم في ذلك، فإذا وجبت القرعة سقط حكم العدد؛ إذ لا تتفق فيمتهم، فإذا لم يبق إلا العدد الذي سمى لم تبق شركة توجب الاقتراع، وكأن من مات منهم لم يكن، فصار كمن أوصى بعتقهم ولا عبيد له غيرهم.
ووجه قول عبد الملك: أنه لما كان الحكم يوم الوصية عتق سدسهم، فكأن الميت قصد ذلك، وكأنه إذا لم يعينهم قصد الشركة بينهم، فالهالك بينهم، والباقي بينهم فلا يعتق إلا السدس من بقي وعلى هذا القول لو كانت غنماً فتوالدت لكن للموصى له سدس الجميع فيكون له ذلك في الأمهات ولأولاد؛ لأنه كالشريك مع الورثة.
الجزء: 19 - الصفحة: 671
وروى البرقي عن أشهب: فيمن أوصى لرجل بعشرة من إبله وهي مئة فولدت مئة أخرى قال: فله عشرها بولادتها، وكذلك الغلة مثل الولد.
ولم يذكر على أي قول بناه، على قول ابن القاسم أو على قول عبد الملك.
م: وهذا لا يختلفون فيه؛ لأن ابن القاسم يجعله شريكاً للورثة بقدر العدد؛ إذ ليس شيئاً بعينه؛ فإذا نمت وجب أن يكون النماء بينهم؛ إذ لا مزية لأحدهم على الآخر؛ وكذلك هو عبد الملك.
م: ولأشهب قول آخر تركته.
قال سحنون: فيمن أوصى لرجل بعشر شياه من غنمهن وهي ثلاثون فصارت بعد موته بولادتها خمسين أن له خمسها.
وكأنه بناه على قول ابن القاسم؛ فكما تبقى التسمية إذا نقصت فكذلك بقاؤها إذا زادت، وكأنه قال: له عشر شياه من غنمي.
م: والأشبه ما قدمنا أنه كالشريك.
قال في كتاب العتق: وإن قال عند موته: أثلاث رقيقي أحرار أو أنصافهم عتق من كل واحد منهم ما ذكر إن حمل ذلك الثلث، وإن لم
الجزء: 19 - الصفحة: 672
يحمله عتق ما حمل ثلثه من كل واحد منهم بالحصاص بغير سهم.
وقال بعض أصحابنا: وأما لو قال: أثلاث رقيقي لفلان، فإن له ثلثهم بالقرعة؛ لأنه شريك في كل واحد، ومن له جزء في رقيق، جمع له نصيبه عند التقاسم بخلاف العتق؛ إذ لا يستبد أحدهم بالعتق دون صاحبه وقد تساووا في الوصية فلا يفضل بعضهم على بعض، وفى الوصية لفلان، العبد أين ما وقع في الرق يقع فلا يفرق على هذا نصيبه لغير منفعة تصل إلى العبد، بل جميع نصيبه لواحد أنفع له، فاعلم ذلك.
الجزء: 19 - الصفحة: 673
[الباب الثالث] فيمن أوصى بشراء نسمة للعتق فماتت قبل العتق
أو تلف ثمنها، أو جنت أو جني عليها، أو لحق دين بعد العتق.
قال ابن القاسم: ومن أوصى بنسمة تشترى فتعتق لم تكن بالشراء حرة حتى تعتق؛ لنه لو قتله رجل أدى قيمته قيمة عبد، وأحكامه في جميع أحواله أحكام عبد حتى يعتق، فإن مات بعد الشراء وقبل العتق كان عليهم أن يشتروا رقبة أخرى إلى مبلغ ثلث الميت.
قال محمد عن ابن القاسم: ما بقي هكذا أبداً.
قال محمد: مالم تمت بعد قسمة الميراث، فهاهنا إنما يشترى إن بقي من الثلث الأول شيء.
وقال يحي بن عمر: إذا مات العبد قبل اقتسام الورثة المال أو بعد، فذلك سواء وعليهم أن يشتروا رقبة أخرى من ثلث ما بقي أبداً من المال شيء.
قال في كتاب محمد: وكذلك أو أخرج ثمن العبد فسقط، فعليهم أن يشتروا عبداً من ثلث ما بقي ما لم يتلف بعد قسمة الميراث فإنما يشترون إن بقي من الثلث الأول شيء بمنزلة موت العبد سواء.
قال: ولو هلك الباقي قبل القسم لعتق أبداً من ثلث ما بقي رقبة أخرى ما لم ينفذ عتقه أو يقسم المال، فإن قسم المال وقد أخرج ثمنه فذهب فلا شيء على
الجزء: 19 - الصفحة: 674
الورثة- لأن المقاسمة كالفاصلة بين الورثة وبين الميت في ثلثه- قال: إلا أن يكون معه وصايا نفذت فليؤخذ مما أخذوا ما يبتاع به رقبة؛ لأن العتق مبدى عليه إلا أن يكون معه في الوصايا من الواجب ما هو مثله فيكونان في الثلث سواء، ولو بقي بيد الورثة من بقية الثلث شيء فيه ثمن رقبة، أُخذ ذلك منهم بعد القسم فاشترى به رقبة ونفذ لأهل الوصايا وصاياهم.
قال محمد: ولو جنى [106/أ] العبد قبل العتق خير الورثة، فإما أسلموه واشتروا غيره من ثُلث ما بقي أو فدوه، فأعتقوه هو أو غيره.
محمد: فإن اسلموه فكأنه لم يكن أو مات، ويعتقوا غيره من ثلث ما بقي، وإن فدوه فمن ثُلث ما بقي لا بأكثر منه؛ كأنهم ابتدأوا شراءه وذلك إن لم يكن قسم بالثلث.
قال أصبغ: ويرجع في هذا إلى باقي الثلث الأول- قال محمد: يريد إذا كان قد قسم به وقسم للورثة بالثلثين فينفذ لهم- ولا يرجع عليهم في ثلثهم بشيء في موت الرقبة ولا في إسلامها؛ لأنه صار ضمان كل قسم من أهله.
محمد: وذلك بعد اقتسام المال والفراغ منه.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: إذا ماتت الرقبة قبل العتق أو عزل ثمنها ليُشترى به فتلف، فإن لم يفرط الموصى في إنقاذ عتق المُشترى ولا في تأخير الشراء
الجزء: 19 - الصفحة: 675
بالثمن المعزول لم يضمن، ولا يرجع في الثلث بشيء إن كان قد فُرق في أهل الوصايا، ولو كان فضل منه فضل أو كان بحاله فالقياس ألا يرجع فيه بشيء، ولكن استحسن أن يشترى من بقيته رقبة ثانية، ولو جنت فالجناية فيها كموتها، وإن جني عليها جناية لا يجزي مثلها في الرقاب بيعت للميت، فاشترى بثمنها مع الأرش رقبة، وإن لم تنقصها عتقت، وأُعين بالأرش في رقبة، وإن فرط في عتق المشتراة حتى ماتت أو في الشراء حتى تلف الثمن ضمن الثمن، وكذلك إن فرط حتى جنت، وإن جُني عليها فذلك للميت على ما قلنا فيه إن لم يفرط.
ولو أوصى الميت بذلك الورثة فسواء فرطوا أو لم يفرطوا إن ماتت أو جني عليها أو جنت فلابد أن يعتقوا من ثلث ما بقي رقبة أخرى؛ لأنه لا ميراث لهم إلا من بعد إنقاذ الوصايا وهو الذين ولوا ذلك.
ولو كانت رقبة بعينها فسواء أوصى إلى وصي أو إلى ورثة إذا ماتت فلا شيء عليهم، فرطوا أو لم يفرطوا، وإن جنت والثلث يحملها فذلك دين عليها وهي حرة، وإن لم يحملها قُسمت الجناية على ما عتق منها وما رق، وإن جُني عليها فالأرش لها وهي حرة، وكذلك سمعت ابن القاسم يقول في ذلك كله.
[(1)] فصل [لو أوصى بعتق نسمة ولم يسم ثمناً، وكيف إن لحق
الميت دين قبل العتق]
ومن المدونة: ومن أوصى بعتق نسمة تُشترى، ولم يُسم ثمناً أُخرجت
الجزء: 19 - الصفحة: 676
بالاجتهاد بقدر قلة المال وكثرته، وكذلك إن قال: عن ظهاري.
محمد وقال أشهب: لا يُنظر إلى قلة المال وكثرته ولكن تُشترى رقبة وسطة كما قيل في الغُرة، ولو عجز الثلث عن رقبة وسطة اشتري بمبلغه، ولو كان هو المعتق عن نفسه أجزأه قلة الثمن وإن كان عن واجب وإن كان رضيعاً، وأما إذا أوصى بنسمة ولم يُسم الثمن فيخرج رقبة وسطة في الواجب وغيره يحاص به أهل الوصايا، وهذا الاستحسان، والقياس لأن يحاص بقيمة أدنى النسم كما يجزي عن المظاهر وقاتل النفس، والأول أحب إلي؛ كما قلت في المتزوجة على خادم أنهما تكون وسطة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وغن سمى ثمناً لا يسعه الثلث اشترى بثلثه إن كان فيه ما يشترى به رقبة، فغن لم يبلغ في التطوع شورك به في رقبة، فإن لم يبلغ أُعين به في مكاتب في آخر نجومه، وإن سمى ثمناً فيه كفاف الثلث، فاشتراها الوصي به فأعتقها عنه، ثم لحق الميت دين يغترق جميع ماله رد العبد رقاً، وإن لم يغترق الدين جميع ماله رد العبد وأعطى صاحب الدين دينه، ثم عتق من العبد مقدار ثلث ما بقي من مال الميت بعد قضاء الدين، ولا يضمن الوصي إذا لم يعلم بالدين.
الجزء: 19 - الصفحة: 677
[الباب الرابع] فيمن أوصى أن يُشترى عبد فلان لفلان أو ليعتق،
أو أن يباع عبده من فلان، أو ممن أحب العبد، أو ممن يعتقه
[106/ب]
[(1)] فصل: فيمن أوصى أن يشترى عبد فلان أو أن يباع عبده من
فلان فامتنع المشتري أو امتنع البائع]
قال مالك: ومن قال في وصيته: اشتروا عبد فلان لفلان أو فاعتقوه، أو بيعوا عبدي من فلان أو ممن أحب أو ممن يعتقه، فامتنع المشتري أن يشتريه بمثل ثمنه، أو امتنع البائع الذي يبتاع منه أن يبيعه بمثل الثمن، فإنه يزاد في المشترى وينقص في المبيع ما بينك وبين ثلث ثمنه لا ثلث الميت وإن لم يذكر الميت أن يُزاد أو ينقص.
قال أبو محمد قال بعض أصحابنا: إنما قال ذلك؛ لأنه قد علم أن الميت قصد التخفيف في ثمن المبيع والتوفير في ثمن المشترى إذا احتيج إلى ذلك، فخفف الثلث بالاجتهاد؛ إذ هو حد بين القليل والكثير، ووفر في المشترى على هذا.
قال ابن حبيب قال أصبغ: وخالف ابن وهب مالكاً في ذلك فقال: يُزاد في المشترى ويُنقص في المبيع ما بينك وبين ثلث الميت لا ثلث الثمن.
قال أصبغ: ولو قال: اشتروا عبد فلان بالغاً ما بلغ، فإني أستحسن أن يُزاد في هذا إلى مبلغ ثلث الميت، كقول ابن وهب في الوجه الأول.
[(2) فصل فإن أبى المشتري أن يأخذه إلا بأقل من ثلثي ثمنه، أو أبي الذي يبتاع منه أن يبيعه إلا بأكثر من ثمنه وثلث ثمنه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن أبى المشتري أن يأخذه إلا بأقل من
الجزء: 19 - الصفحة: 678
ثُلثي ثمنه، أو أبى الذي يبتاع منه أن يبيعه إلا بأكثر من ثمنه وثلث ثمنه فذلك يختلف: أما الموصى أن يُشترى فيعتق، فسيأتي بثمنه- يريد: ويبدى على الوصايا- فإن بيع وإلا رجع ثمنه ميراثاً بعد الاستيناء بذلك.
وقال في الوصايا الثاني: بعد الاستيناء والإياس من العبد.
وروى ابن وهب وغيره عن مالك: أن الثمن يوقف ما رُجي بيع العبد إلا أن يفوت بعتق أو موت.
قال سحنون: وعليه أكثر الرواة.
م: وهذ وفاق لقول ابن القاسم، وكذلك روى عنه ابن المواز مثل رواية ابن وهب أنه يستأنى إلى موته أو عتقه بثمنه وثلث ثمنه، أو ما حمل الثلث منه وإن قل.
وقال محمد، وقاله أشهب عن مالك وخالفه وقال: لا يُستأنى به إذا أبي ربه البيع.
م: قال بعض الفقهاء: اُنظر هل يدخل في ذلك الوصايا، أو يُدفع إلى الورثة كالذي رد الوصية، وهو أشبه.
[(3) فصل: فيمن أوصى أن يُشترى لفلان إن امتنع سيده من بيعه ليزداد ثمناً، دُفع ثمنه وزيادة ثلث ثمنه إلى الموصى له، فإن امتنع من بيعه أصلاً ضنا منه بالعبد عاد ذلك ميراثاً وبطلت الوصية.
الجزء: 19 - الصفحة: 679
وقال غيره: إن امتنع سيده أن يبيعه لزياده أو ضنا به لم يلزم الورثة أكثر من زيادة ثلث الثمن، وليكن ثمنه موقوفاً حتى ييأس من العبد فإن أيس منه رجع المال ميراثاً ولا شيء للموصى له؛ لأن الميت إنما أوصى له برقبة لا بمال.
سحنون: وهذا أصح.
م: فوجه قول ابن القاسم أن الميت لما أوصى أن يُشترى عبد فلان لفلان، فكأنه إنما قصد بالوصية المشترى له، وأن المشترى منه لو باعه بمثل ثمنه وثلث ثمنه كان العبد للمشترى له، وأن المشترى منه لو باعه بمثل ثمنه وثلث ثمنه كان العبد للمشترى له، فلما امتنع هذا من بيعه عاد ما بذل فيه إلى المشترى له؛ لأن ذلك عوضه.
م: وكان يجب على قياس قوله في الذي يُباع منه فأبى أن يشتريه بوضيعة الثلث أن يُدفع ثلث ثمنه له، [و] أن يكون في المشترى منه إذا امتنع من بيعه بمثل ثمنه وثلث ثمنه أن يُدفع ثمنه له؛ لأنه لو باعه بمثل ثمنه لم يكن للمشترى له، فأما أن يكون للمشترى منه أو يكون ميراثاً.
وقاله بعض القريين، قال: وإذا أوصى الميت بوصايا وأوصى أن يُشترى عبد فلان لفلان ونُظر ما يقع له في الحصاص فوُجد أقل من ثمن العبد وزيادة ثلث ثمنه وامتنع البائع أن يبيع على قول من جعل ألا شيء للموصى له في الثمن فيرجع ذلك إلى الورثة ولا يُقسم منه لأهل الوصايا كرد بعض أهل الوصايا
الجزء: 19 - الصفحة: 680
وصاياهم أن الورثة يتحاصون في ذلك وهو [107/أ] الأشبه.
[(4) فصل في الذي أوصى أن يباع عبده من فلان فطلب المشترى وضيعة أكثر من الثلث]
قال ابن القاسم: وأما الذي قال: بيعوه فلان، فطلب المشتري وضيعة أكثر من ثلث ثمنه، فإنه يخير الورثة بين بيعه بما سئلوا أو يقطعوا له بثلث العبد بتلا، وأما الذي يباع ممن أحب وليس من رجل بعينه، فيطلب المشتري وضيعة أكثر من ثلث ثمنه، فإنه يخير الورثة بين أن يبيعوه بما سئلوا أو يعتقوا ثلث العبد.
وروى غير واحد عن مالك: أن الورثة إذا بذلوه بوضيعة الثلث فلم يوجد من يشتريه إلا بأقل، فليس عليهم غير ذلك-يريد: ويرجع ميراثاً- قال ابن وهب قال مالك: وهذا الأمر عندنا.
م: وذلك أنه لما امتنع من الشراء بوضيعة الثلث، فكأنه رد الوصية؛ لأن الميت إنما أوصى له بالحطيطة بشرط شرائه، وهذا أشبه.
[(5) فصل: في الذي أوصى أن يباع عبده ممن يعتقه]
قال ابن القاسم: وأما الذي يباع ممن يعتقه فيُخير الورثة بين بيعه بما أعطوا أو يعتقوا ثلث العبد، وهذا مما لم يختلف فيه قول مالك.
م: وكذلك عن ابن القاسم في الرابع من الوصايا من كتاب ابن المواز في هذا كله.
وإن مالكاً لم يختلف قوله في البيع للعتق، كما ذكرنا هاهنا.
الجزء: 19 - الصفحة: 681
وقال ابن المواز: بل اختلف قوله بما هو أصوب، وبه أخذ أكثر أصحابه، فروى عن أشهب في المبيع للمعتق أو ممن أحب أنه إن حمله الثلث، فإنهم إن لم يجدوا من يأخذه بوضعية ثلث الثمن واستؤني به فلم يوجد فلا شيء عليهم فيه، وإن لم يحمله الثلث خيروا بين بيعه بوضعية ثلث ثمنه، وإلا أعتقوا منه مبلغ ثلث الميت كله؛ لأنه يصي عتقا مبدأ على وصية لفلان، هذا في المبيع رقبة للعتق أو ممن أحب، فإن بذلوه بوضعية ثلث الثمن فل يجدوا من يبتاع واستؤني به، فلا شيء عليهم فيه، وكذلك عن أشهب في المجموعة قال فيها: لو قال: بيعوه من فلان ولم يقب للعتق فلم يبيعوه منه بثلثي ثمنه لأنه لا يخرج من الثلث، قطعوا له بثلث الميت، ولو بذلوه بوضعية الثلث فأبى سقطت الوصية.
قال أشهب وسحنون: ليس للمريض أن يوصي ببيع عبده ممن يعتقه إن لم يحمله الثلث وإن لم يحاب؛ إذ لا حكم له في الثلثين، وليس عليهم بيعه بثلثي ثمنه ولا بثمنه كله لو وجدوا من يشتريه بذلك، ولكنهم يخيرون بين بيعه بوضعية ثلث ثمنه أو يعتقوا منه محمل ثلث الميت بتلاً.
م: قال بعض الفقهاء: فإن قيل لِمَ لَمْ يَقُل هاهنا يعتقون منه ما حمل الثلث من العبد بحطيطة ثلث ذلك المبيع، كما قال فيمن أوصى أن يُشترى عبد فلان، قيل لا يشبه هذا؛ لأن الميت عال على ثلث لمن أوصى به، فإن لم يُجز الورثة قطعوا له بالثلث، ولو بعنا منه ما حمل الثلث بحطيطة ثلث ثمنه لبقي للورثة ثلث المبيع فبقي لهم من الثلث وهم لم ينفذوا وصية الميت، وهذا لا يجوز، وإن كان مع ذلك وصايا ضرب الموصى له-بأن يشتريه- بثلث ثمنه مع أهل الوصايا، فما وقع له في الحصاص فهو الذي يحط عنه، كذا وقع في كتاب محمد، وفي ذلك نظر؛ لأن الورثة ليس عليهم بيع شيء من ثلثيهم، وهم قد أخرجوا
الجزء: 19 - الصفحة: 682
الثلث فيحاص فيه الموصى له، إلا أن يريد إن طاع الورثة بذلك، وإلا سلموا له ما وقع له في الحصاص.
قال أشهب: ولو لم يملك غير العبد فأوصي بثلثه لرجل وأن يباع منه بثلثيه بالقيمة، فلا وصية له في الثلثين.
وقال في الذي يباع ممن أحب: إذا لم يجدوا من يأخذه بوضعية الثلث ممن أحب، أن الوصية تبطل، وأنكر قول من قال-يعني ابن القاسم-: يقال لهم بعد ذلك: بيعوه بما وجدتم، وإلا فأعتقوا ثلثه، وقال: لو كان هذا لقيل لهم أول مرة، ولو كان هذا أصلاً لكان إن لم يفعلوا أعتقوا منه مبلغ ثلث الميت، هذا حكم ما حالت فيه [107/ب] الوصايا.
[(6) فصل فيمن أوصى أن يباع عبده ممن أحب]
قال أشهب وعبد الملك: في الذي يباع ممن أحب وأوصى بوصايا وضاق الثلث، قال: يقال للورثة: إما أجزتم، وإلا فاخلعوا الثلث، فإذا خلعوه دخل العتق وبُدِاءَ في الثلث، فإن فضل شيء كان لأهل الوصايا.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
وفي كتاب محمد: إن كان معه وصايا حاص بثلث ثمنه،، فما وقع له في الحصاص فهو الذي يوضع لمن أحب العبد أن يشتريه -يريد: إن رضى الورثة بذلك؛ لأن بقيته لا يلزمهم بيعه؛ لأنه من ثلثيهم- وينبغي على مذهب
الجزء: 19 - الصفحة: 683
ابن القاسم- القائل: إن لم يشتر أعتق ثلثه- أن يقول: إنه يبدأ على الوصايا فيعتقون منه ما حمل الثلث.
محمد وقال أشهب عن مالك: إذا أوصى أن يباع ممن أحب وأوصى بوصايا، فليوضع ثلث ثمنه ولا يبدأ على الوصايا، وإن أوصى أن يباع رقبته للعتق وضع ثلث ثمنه وبُدِاءَ على الوصايا.
قال أشهب: وإذا بيع للعتق كما ذكرنا، ثم طرأت وصايا فلا يضره ذلك، ولو قال: يباع ممن أحب أو من فلان، فهذا يحاصه أهل الوصايا، قال: ولو طرأ دين لرد عتقه وبيعه ممن أحب أو من فلان، إلا أن يكون الثلث واسعا بعد الدين فيمضي، وإن لم يكن كذلك وقد بيع ممن أحب فأعتقه المبتاع، فليرجع على المشتري فيما وضع له ويمضي عتقه إياه.
قال ابن القاسم وأشهب عن مالك: في الذي أوصى أن يباع عبده رقبة أو قال من فلان أو ممن أحب، فإنه يوضع فيه ثلث ثمنه ويُجبر الورثة على ذلك إذا حمله الثلث، ولا يبدأ على الوصايا منهم إلا الذي يباع رقبة للعتق.
قال أشهب: وإذا قال: بيعوه نسمة للعتق ولم يقل من فلان، فليس عليهم ذكر الوضعية، ولهم بيعه بما يمكنهم، إلا أنهم إن لم يجدوا فليحيطوا ما بينهم وبين ثلث ثمنه؛ لأن الوصية في هذا للعبد لا للمشتري، فإن قال: بيعوه من فلان لعتق أو غير عتق، فعليهم أن يخبروه بالوصية لأنها وصية له، فإن قال: بيعوه من فلان لعتق أو غير عتق، فعليهم أن يخبروه بالوصية لأنها وصية له' فإن لم يخبروه رجع عليهم بما زاد على ثلثي الثمن.
الجزء: 19 - الصفحة: 684
وقال ابن القاسم: ليس على الورثة إعلام المشتري بذلك.
وقال أشهب: وإن قال: ممن أحب العبد، فهي وصية للعبد، ولهم ألا يخبروا المشتري بالوصية، وقال أشهب عن مالك في العتبية والمجموعة.
قال في كتاب محمد: وإن قال: بيعوه ولم يقل للعتق ولا من ولا ممن أحب فليس بشيء ولهم أن لا يبيعوه لأنه لم يوص لأحد.
ولو قال: يخير في البيع أو البقاء لبيع إن خرج من الثلث وشاء العبد البيع؛ لأن ذلك وصية للعبد، إلا أنه لا يوضع لمشتريه شيء؛ لأنه بيع غير متقرر، ولم يخص أحداً بعينه لشرائه.
وإذا أوصى أن يباع عبده ممن أحب أو من فلان فاعتقه الورثة، فليس لهم ذلك وليبيعوه منه بوضيعة الثلث، ولو قال: بيعوه ممن يعتقه، فشاء الورثة كلهم عتقه، فذلك لهم.
ومن المجموعة قال ابن كنانة في الموصى له أن يباع ممن أحب: فلا يقام للمزايدة ولكن يجمع له الإمام ثلاثة أو أربعة فيقوم، ثم يحط ثلث تلك القيمة، وإن أوصى مع ذلك بوصايا لم يبدأ عليها، ولو أحب العبد أن يشتريه رجلان- قال أبو محمد يريد: هذا أو هذا' فليتزايدا عليه، فمن وقع له وضع عنه ثلث ذلك الثمن قال أبو محمد: أراه يريد: أن يتزيدا على أن
الجزء: 19 - الصفحة: 685
يحط الثلث، وإلا فلم يحط وقد تطوعا بالزيادة- قال ابن كنانة: وكذلك لو قال: بيعوه رقبة، قومه العدول، ثم يحط ثلث تلك القيمة ويبدأ هذا على الوصايا.
وقال أشهب- في الذي يباع ممن أحب-: إن أبى من أحب أن يأخذ بوضيعة الثلث، فله أن ينتقل إلى غيره ممن أحب وإلى ثالث، مالم يطُلْ ذلك حتى يضر بالورثة.
م: قال بعض القروين: وإذا أوصى أن يباع عبده من فلان، جعل في الثلث قيمة [108/أ] رقبة العبد، وإذا باع عبده في مرضه وحابى فيه لجعل في الثلث المحاباة.
والفرق: أن هذا بتل البيع على نفسه وعلى الورثة، والذي أوصى أن يباع إنما ألزم ذلك الورثة ولم يُلزم نفسه؛ لأنه لو عاش لم يلزمه من ذلك شيء، وإذا أوصى أن يُباع عبده من فلان، فكان قيمة العبد ثلاثين ديناراً، وأوصى لرجل بعشرة أو بعشرين، وترك من المال سوى العبد ستين، فوصيته كلها جائزة؛ لأن ثلثه حملها؛ لأن ما أوصى به من الدنانير يُجعل فيما يأخذه الورثة من الذي أوصى أن يباع منه العبد؛ لأن العبد قيمته ثلاثون يحط لمشتريه عشرة، ويؤخذ منه عشرون، فيجعل ذلك في وصية الميت.
الجزء: 19 - الصفحة: 686
[الباب الخامس] فيمن أوصى بعتق عبده أو جاريته، أو بيعها رقبة، فلم يقبلا
.
قال مالك: ومن أوصى في مرضه بعتق عبده فلم يقبل العبد، فلا قول له، هو حُر إذا مات سيده من الثلث أو ما حمل الثلث منه.
قال أصبغ: وكذلك الجارية.
قال: وإن أوصى أن تباع جاريته ممن يعتقها فقالت الجارية: لا أريد ذلك، فإن كانت الجارية من جواري الوطء فذلك لهان وإلا بيعت ممن يعتقها.
قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن اختارت الرائعة أن تباع بغير شرط العتق، فللورثة حبسها أو بيعها.
محمد: فإن بيعت بغير شرط العتق لم يوضع من ثمنها شيء، وإن بيعت بشرط العتق وضع ثلث ثمنها.
وقال أشهب في المجموعة: في التي أوصى لأن تباع للعتق، فإن أراد السيد الضرر بها- مثل أن تعصيه- والبقاء لمثلها في الملك أفضل أن تُتخذ للولد، وإذا عتقت لم يتزوجها إلا أوباش الناس، فلها أن تأبى، وإن كانت من الوخش فلتتبع للعتق وإن كرهت؛ لأن العتق أرجى لها، لأنها في الملك تُمتهن وتُستخدم.
وقال ابن المواز: ولأن العتق أضر بالجارية النفسية؛ وقد أبطل مالك وصية ابن سليمان أن تعتق جواريه بعد سبعين سنة، ورآه من الضرر.
الجزء: 19 - الصفحة: 687
قال سحنون في المدونة والمجموعة: وقد قيل: لا يُلتفت إلى قولها، كانت رائعة أو غير رائعة، وتُباع للعتق إلا أن لا يوجد من يشتريها بوضيعة ثلث الثمن.
وذكر ابن حبيب عن ابن القاسم مثل ما تقدم من التفرقة بين الرائعة وغيرها.
قال: وقال أصبغ: وكذلك لو قال لورثته: أعتقوها، فقالت: لا أُحب، فهو مثل قوله: بيعوها ممن يعتقها في القياس، ولكني أستحسن إن حملها الثلث أن تُعتق، وإن لم يحملها أو كان إنما قال: يُعتق نصفها أو ثُلثها فلم تُرد ذلك وهي رائعة، فالقول قولها، وهذا إذا قال: افعلوا ولم يقل هي حرة إذا مت أو نصفها حر، فأما إذا قال هذا، فلا ينظر إلى قولها وتنفذ بها الوصية.
[(1) فصل [في الموصى لها أن تُخير بين العتق أو البيع، فاختارت
أخذهما ثم بدا لها في الأخر]
ومن العتبية والمجموعة قال ابن القاسم عن مالك: في الموصى لها أن تخير في البيع أو العتق، فذلك لها، فإن اختارت البيع ثم بدا لها في العتق قبل أن تُباع فذلك لها، قال ابن القاسم: فإن اختارت العتق فلن تقوم حتى بدا لها في البيع فذلك لها عندي، فإن قالت: بيعوني من فلان، وقالوا: نبيعك في السوق فذلك لهم، ولا يوضع من ثمنها شيء، وإن اختارت البيع فأرادوا حبسها فليس ذلك لهم غلا برضاها، وغن رضيت ترك البيع وأن تبقى لهم، ثم شاءوا بيعها فذلك لهم.
قال عنه أو زيد: وإن اختارت البيع أو العتق ثم رجعت عنه، فإن كانت
الجزء: 19 - الصفحة: 688
[108/ب] في غير إيقاف من السلطان ولا بحضرة عدول ليخيروها فيشهدوا بذلك، فلها الرجوع ما لم يوقفها القاضي أو تشهد البينة بما اختارت، قيل: فإن سألها شهود عن رأيها في نفسها ولم يوقفوها للاختيار في أمرها وقطع اختيارها؟ قال: ذلك عندي سواء أوقفوها لقطع ما في يدها أو لم يوقفوها، إلا على وجه الاختيار، فلا رجوع لها وهو سواء.
قال عنه عيسى وابن عدوس: وإن اختارت البيع ثم رُدت بعيب فأرادت أن ترجع إلى العتق، فليس لها ذلك.
وقال مالك: وإن أعتقها بعض الورثة قبل أن تخير، فليس عتقه بشيء، وتُباع إن أحبت، وقاله ابن القاسم.
الجزء: 19 - الصفحة: 689
[الباب السادس] فيمن اشترى ابنه أو أباه في مرضه، أو أوصى
بشرائه به موته
قال مالك: ومن اشترى ابنه في مرضه جاز إن حمله الثلث وعتق وورث باقي المال إن كان وحده أو حصته مع غيره.
قال ابن المواز: وإن اشتراه بأكثر من ثُلثه عتق منه ما حمل الُثلث ولم يرثه.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: شراؤه إياه جائز لا يرد، فإن حمله الثلث عتق وورث، فإن لم يحمله الثلث عتق منه ما حمله الثلث ورق ما بقي للورثة، فإن كان الورثة ممن يعتق عليهم عتق ما بقي عليهم،
قلت: فإن اشترى أباه بماله كله، وورثته ممن يعتق عليهم، أيجوز اشتراؤه إياه؟
قال: شراؤه جائز ويعتق عليهم.
وسئل عنها سحنون فقال: اختلف في ذلك كله، فذكر عن ابن القاسم مثل ما في المدونة.
قال وقال ابن وهب: إذا اشترى من يعتق عليه وكان يحجب من يرث المشترى ويرث جميع المال كان ابنه أو غيره، فإنه يجوز شراؤه إياه بجميع ماله أو بما بلغ، ويعتق عليه ويرث ما بقي إن بقي شيء، وإن كان لا يحجب وله من يشركه في ميراثه، فلا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث ولا يرثه؛ لأنه إنما يعتق بعد موت المشتري وقد صار المال لغيره، قال سحنون وقال أشهب: لا يجوز له أن يشتريه إلا بالثلث، كان ممن يحجب أو ممن لا يحجب، ولا يكون له من الميراث شيء، وقال غيرهم: كل من يجوز له استلحاقة جاز اشتراؤه بجميع ماله، شركه في
الجزء: 19 - الصفحة: 690
الميراث غيره أو لم يُشركه؛ لأنه لو استحقه ثبت نسبه وميراثه.
م: وكذلك روى ابن حبيب عن ابن الماجشون قال: ولا يجوز له أن يشتري سوى الابن من الآباء والأمهات والأخوة والأخوات؛ لأنه لا يستلحقهم، وذا قول المدنيين: ابن دينار وابن نافع وغيرهما.
وقال ابن القاسم عن مالك: له أن يشتري الآبن والأب وغيره بالثلث ويرثه، وقاله أصبغ.
وقال ابن المواز: واختلف فيه قول أشهب، فقال مرة: له شراء ابنه بماله كله إذا لم يكن معه وارث يشاركه أو يكون ثم وارث يرث في رق الولد ويحجبه الولد لو كان حُراً، فأما إن كان معه مُشارك في الميراث فليس له أن يشتريه إلا بالثلث فأقل، وكذلك يقول في كل من يعتق عليه.
وأنكر قول مالك: لا يشتريه إلا بثُلثه، ولم يفصل.
وروى عنه البرقي جواباً كقول مالك.
م: قال بعض الفقهاء القرويين: لا يجوز عند ابن القاسم أن يشتريه بأكثر من ثُلثه - يريد: على مذهبه في المدونة - قال: ووجه هذا القول كأنه يقول: إنما للميت التصرف في ثُلثه فإذا اشترى به ابنه جاز، والحكم يُوجب له الميراث؛ لأن نسبه منه كان ثابتاً قبل اشترائه، فإن قيل: إن العتق لا يصح
الجزء: 19 - الصفحة: 691
إلا بعد التقويم فكيف يصح وقد مات عنه [109/أ] السيد وهو في حُكم العبيد؟ قيل: هذا هو القياس، وقد قال أصبغ: لا يرث بحال؛ لأنه لا يعتق إلا بعد الموت.
واستثقل ابن عبد الحكم توريثه إذا اشتراه في مرضه بثلثه وقال: كيف يرثه وهو لو أعتق عبداً بتلا لم يُوارث أحرار ورثته حتى يُقوم في الثلث بعد موته إلا أن يكون ل÷ أموال مأمونة.
ولكنه استسلم لقول مالك اتباعاً له.
[(1) فصل: في تبدية الابن إذا اشتراه مع غيره]
وقال أشهب: إن اشترى ابنه وأخاه في مرضه، فإن كان ذلك واحداً بعد واحد بُدِيء بالأول في ثُلثه، وإن كانا في صفقة، فعلى قياس قول مالك يتحاصان، وفي قولي: أبدأ الابن وأعتقه إن كان أكثر من الثلث وأورثه - يريد: على مذهبه الذي يرى أن يشتريه بجميع ماله إذا لم يكن معه وارث.
قال محمد: بل إن حمله الثلث بُديء به وعتق، وإن بقي من الثلث شيء عتق فيه الأخ أو ما حمل منه، وإن اشترى أخاه أولاًن فإن لم يحمله الثلث عتق منه محمل الثلث، وعتق الابن في بقية ماله وورثه إن خرج كله، وإن لم يخرج كله لم يعتق منه إلا بقية الثلث بع الأخ.
وقاله أيضاً أشهب.
وقال في رواية البرقي: إذا كانا في صفقة تحاصا.
وقال ابن القاسم: إذا اشترى أخاه في مرضه عتق منه ما حمل الثلث معجلاً ورق ما بقي، وإن صار إلى من يعتق عليه، عتق عليه بقيته.
الجزء: 19 - الصفحة: 692
ومن المدونة قال ابن القاسم: وغن أعتق عبداً له في مرضه واشترى ابنه فأعتقه وقيمته الثلث، فالابن مبدأ ويرثه؛ لأن مالكاً لما جعله وارثاً كان كمن اشتراه صحيحاً.
م: وفي هذا الاحتجاج نظر؛ لأنه إذا كان كمعتق في الصحة فيجب أن لو بتل عتق عبده واشترى ابنه أن الابن يبدأ به، وفي ذلك رجوع عن التبتيل وهو لا يقدر أن يرجع عنه.
م: وإنما الحجة فيه أنه كمن بتل عتقه في مرضه؛ لأنه لو صح لم يكن له الرجوع فيه، وإنما ورثه استحساناً؛ لأنه كأنه لم يزل حراً من يوم اشترائه، ألا ترى أن المبتل في أحد القولين إذا اغتل غلة بعد التبتيل أنه يقوم وحده في الثلث وكأن الغلة لم تزل ملكاً له يوم التبتيل.
[(2) فصل: فيمن أوصى أن يشترى أبوه بعد موته]
قال ابن القاسم: ومن أوصى أن يشترى أبوه بعد موته، فإنه يشترى ويعتق في ثلثه وإن لم يقل: فاعتقوه.
يريد: وكذلك كل من يعتق عليه إذا أوصى بشرائه.
الجزء: 19 - الصفحة: 693
[الباب السابع] فيمن شرط في وصيته إن مات من مرضه أو في
سفره.
ثم بريء أو قدم من سفره
قال ابن القاسم: ومن قال لعبده - لفظاً بغير كتاب أو بكتاب أقره عنه -: إن مت من مرضي هذا أو في سفري هذا فأنت حر، وقال لفلان كذا، فهذه وصية عند مالك، وله أن يغيرها ويبيع العبد إن شاء، وإن مات قبل أن يغيرها جازت من ثلثه إن مات من مرضه ذلك أو في سفره.
قال مالك: فإن قدم من سفره أو بريء من مرضه فلم يغيرها حتى مات فذلك باطل، ولا ينفذ منه شيء، إلا أن يكون كتب بذلك كتابا ووضعه على بدي رجل فلم يغيره بعد قدومه أو إفاقته وأقره على حاله ولم يقبضه حتى مات، فهذه وصية تنفذ في ثلثه.
قال سحنون: يريد: لم يغيره ولم يقبضه فهذه نافذة، وإن أخذه منه بعد البرء أو القدوم وأقره في يده حتى مات فهي باطل، وإن أشهد عليها.
م: وهكذا ذكر ابن المواز عن ابن القاسم مشروحاً.
وقال عن أشهب: إذا كان في وصيته [109/ب] الشرط فمات في مرض ثان أو سفر ثانٍ نفذت؛ لأنه لما أقرها في المرض الثاني فكأنه عناه، وسواء قال: إن مت من مرضي هذا أو في مرضي، وكذلك في السفر إذا مات في سفر آخر.
وإن مات عن غير مرض أو عن غير سفر لم يجز، وإن كانت وصية مبهمة فهى جائزة، مات فجأة أو عن مرض أو في سفر أو خص
الجزء: 19 - الصفحة: 694
سفراً أو حضراً.
يريد: إن كانت وصيته في يديه.
وقال أشهب في المجموعة: الاستحسان أنه إن مات في غير سفر ولا مرض أنها تنفذ إذا لم يُغيرها لما علم أن قصد الناس من ذكر السفر والمرض تخصيص ذلك؛ ألا ترى أن لو كتب: إن مت من سفري.
فبغته الموت قبل أن يُسافر لكانت نافذة.
م: وقال بعض الفقهاء: وهذا بين إذا بغته الموت، فأما إذا سافر فرجه، فلأشبه به سقوطها إلا أن يضعها على يدي غيره ولم يأخذها منه، إلا أن تكون عادة من أراد الوصية أن ذكرهم السفر والمرض لغو، وأن القصد منهم الموت لا يقصدون هذا السفر بعينه ولا هذا المرض بعينه، فيكون كما قال أشهب.
وفي المجموعة من رواية علي عن مالك: فيمن كتب وصيته إن مت من مرضي هذا، فعاش بعدها سنين ثم مات ووصيته تلك بيده لم يغيرها ولا أحث غيرها، أنها نافذة جائزة.
م: اختلف قول مالك في العتبية في الذي كتب: إن مت من مرضي هذا أو من سفري هذا ثم يفيق أو يقدم، ثم يمرض فيموت فتوجد تلك الوصية بعينها ولم يذكر لها ذكر فقال مالك مرة: إن وضعها على يدي رجل فهي جائزة، وقال أيضاً إذا وجدت تلك الوصية ولم يغيرها فهي جائزة.
قال في كتاب محمد: لأن أكثر وصايا الناس عند سفر أو مرض ثم يزول ذلك فيثق بوصيته أنها موضوعة، فيقرها فهي نافذة.
الجزء: 19 - الصفحة: 695
قال سحنون قول مالك في المسألة الأولى أجود ولا ينبغي أن تجوز ولا ينبغي أن تجوز إلا أن يجعلها عند غيره، وإلا لم تجز.
وقال عيسى عن ابن القاسم عن مالك في العتبية: إذا وجدت وصية رجل بعد موته مكتوبه بخطه وشهد الشهود أنها خطه لا يشكون فيها، فإنها لا تنفذ ولا يجوز منها شيء إلا أن يكون قد أشهد فيها على نفسه، وإلا فلا تجوز.
وكذلك روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة قال فيها: إذا شهدوا أنه كتابه بيده، فلا تجوز؛ لأنه لعله لم يعزم عليها وإنما كتبها ووضعها.
وقال في كتاب ابن المواز في الأول من الوصايا: وإذا أتى إلى الشهود بوصيته وقرأها عليهم إلى آخرها قال: لا تنفذ إلا أن يقول لهم: اشهدوا علي بما فيها ولم يجعل إتيانه بها إليهم وقراءتها عليهم بنفسه مما ينفذها.
وذكرها الشيخ أبو محمد في نوادره وذكر فيها ما في العتبية والمجموعة أنها لا تنفذ وإن قطعوا أنها خطه حتى يقول: اشهدوا علي بما فيها، ولم يذكر فيها من جميع الدواوين التي أدخل في نوادره عن مالك ولا عن أحج من أصحابه خلافاً.
الجزء: 19 - الصفحة: 696
[(1) فصل: فيمن كتب وصيته عند سفره أو مرضه ووضعها على
يد رجل ثم قدم أو بريء فقبضها منه]
ومن المدونة قال مالك: ومن كتب وصيته عند سفره أو مرضه ووضعها على يد رجل، ثم قدم من سفره أو بريء من مرضه، فقبضها ممن هي عنده وأقرها بيده حتى مات وشهدت عليها ببينه أنها هي الوصية فهي باطل ولا تنفذ، وإنما تنفذ إذا جعلها على يدي رجل.
يريد: إن مات من مرضه هذا أو من سفره هذا.
ونحوه عن ابن القاسم في كتاب ابن المواز.
وقال ابن شبلون: إذا قبضها ممن جعلها على يديه بطلت [110/أ] وإن لم يشترط فيها ذلك، وقبضه لها ممن هي في يديه يبطلها بخلاف ما لو تركها على يديه وهي مبهمة حتى مات، هذه تنفذ.
م: ولم أروه.
قال مالك: ومن كتب وصيته في مرض أو صحه وأشهد عليها وأقرها عنده حتى مات، فهي جائزة.
قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت الوصية مبهمة لم يذكر فيها موته من مرضه ولا في سفره، وغنما كتب فيها: متى ما حدث بي حدث الموت أو إن حدث بي حدث الموت وأخرجها من يده أو كانت على يديه، فهي جائزة إذا أشهد عليها الشهود
الجزء: 19 - الصفحة: 697
[الباب الثامن] في الإشهاد على الوصية وفي تغييرها
[(1) فصل في الإشهاد على الوصية]
قال ابن القاسم قال مالك: ومن كتب وصيته بغير محضر البينة ولا قرأها عليهم فدفعها إليهم مكتوبة، وقال لهمك اشهدوا علي بما فيها، فذلك جائز إذا عرفوا الكتاب بعينهن فليشهدوا عليها.
وقال ابن وهب عن مالك مثله إذا طبع عليها ودفعها إلى نفر وأشهدهم: أن ما فيها منه، وأمرهم ألا يفضوا خاتمه حتى يموت فذلك جائز.
محمد: قال أشهب: ذلك جائز، كانت مختومة أو منشورة، قرأها عليهم أو لم يقرأها، إذا قال لهم: اشهدوا علي بما فيها وأنها وصيتي وأن ما فيها حق، وكذلك لو قراؤها هم عليه وقالوا: نشهد بأنها وصيتك، فقال برأسه: نعم ولم يتكلمن فذلك جائز.
ومن العتبية قال أصبغ وسألت ابن وهب، عن امرأة أوصت، ودعت شهود فقالت: هذه وصيتي وهي مطبوعة اشهدوا علي بما فيها لي وعلي وقد أسندتها إلى عمتي، وما بقي من ثلثي فلعمتي، ثم ماتت، ففتح الكتاب فإذا فيه وما بقي من ثلثي فلليتامى والمساكين والأرامل.
قال: أرى أن يقسم بقية الثلث بين العمة وبين الصنوف الآخرين صنفين بالسواء؛ كما لو كانت لرجلين وسألت عنها ابن القاسم فقال له مثله سواء.
[(2) فصل [في تغيير الوصية]
ومن المدونة قال ابن القاسم: قال مالكك الأمر المجتمع عليه عندنا أن من أوصى في صحة أو مرض بعتق أو غيره، فإن له أن يغير من ذلك ما بدا له ويصنع
الجزء: 19 - الصفحة: 698
فيه ما شاء حتى يموتن وله أن يطرح تلك الوصية ويبدل غيرها.
قال في كتاب محمد: ولا يرجع فيما بتل.
ومن المجموعة قال ابن الماجشون: من صدر وصيته وكتب فيها: إن فلاناً حر قال: إذا أجراها مجرى الوصية فله الرجوع فيها.
ابن القاسم: وإن كنت في أمته أنها مدبرة إن لم أُحدث فيها حدثاً.
فهذه وصية.
قال في المجموعة: إلا أن يُفهم من قوله أنه أراد التدبير، فليس له أن يغير ذلك فيها.
وإن قال: عبدي مدبر بعد موتي فهي كالوصية.
وقال عنه محمد: إن قال: إن مت من مرضي هذا فعبدي مُدبر، فلا يرجع فيه.
وقال أصبغ: ينزل منه منزله التدبير، ولو دبره على غيره فله أن يرجع فيه.
ومن كتاب المدبر: ومن قال: عبدي حر بعد موتي.
فإن أراد التدبير فهو مدبر، وإلا فهي وصية.
وقال أشهب: إذا قال ذلك في غير إحداث وصية فهو تدبير.
الجزء: 19 - الصفحة: 699
[الباب التاسع] فيمن قال في وصيته: كل مملوك لي مسلم حر أو
قال: عبدي حر بعد موتي بشهر
[110/ب]
[(1) فصل: فيمن قال في وصيته: كل مملوك لي مسلم فهو حر]
قال مالك: ومن قال في صيته: إن مت فكل مملوك لي مسلم حر، وله عبيد مسلمون ونصارى، ثم أسلم بعضهم قبل موته لم يعتق منهم إلا من كان يوم الوصية مسلماً؛ لأنه لا أراه أراد غيرهم.
م: قال بعض الفقهاء القرويين: لعله فهم منه: أراد عتق هؤلاء بأعيانهم، فإن لم يكن قصد، فلأشبه دخول من أسلم في وصيته؛ لأن الموصي إنما يُوصي فيما يكون له يوم الموت لا أعيان من كان عنده، ألا ترى لو قال: إذا مت فعبيدي أحرار وعنده عبيد يوم أوصى، فباعهم واشترى غيرهم عبيداً آخرين فمات عنهم، لكانت الوصية في الذين مات عنهم؟ ولو كان القصد من كان عنده يوم أوصى لوجب أن لا يدخل من اشترى.
واختلف إن اشترى بعد الوصية عبيداً مسلمين:
فقال ابن المواز عن ابن القاسم: إنهم يدخلون في الوصية.
وقال ابن حبيب عن اصبغ: لا يدخلون فيها.
قال ابن المواز: وإن لم يكن في عبيده يوم الوصية مسلمون فهاهنا من أسلم من عبيده أو اشتراه مسلماً يدخل في الوصية.
الجزء: 19 - الصفحة: 700
[(2)] فصل (1) [فيمن قال في وصيته: أعتقوا عبدي بعد موتي بشهر] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قال في وصيته: أعتقوا عبدي بعد موتي بشهر أو قال: هو حر بعد موتي بشهر فهو سواء، فإن لم يحمله الثلث خُيِرَ الورثة بين أن يُجيزوا أو يعتقوا الآن منه محمل الثلث بتلا، فغن أجازوا الوصية خدمهم تمام الشهر، ثم خرج جميعه حُراً، وهو قول مالك، وكذلك لو حمله الثلث خدم الورثة شهراً ثم هو حر.
الجزء: 19 - الصفحة: 701
[الباب العاشر] فيمن قال: فلان وصيي، أو قال: وصيي في كذا
أو إلى مدة كذا
قال ابن القاسم: ومن قال: اشهدوا أن فلاناً وصيي ولم يزد على هذا فهو وصيه في جميع الأشياء وإنكاح صغار بنين ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن والثيب بإذنها.
وفي النكاح إيعاب هذا.
قال مالك في كتاب محمد: ومن قال: فلان وصيي فقد بالغ في الإيصاء، ويكون وصياً على كل شيء كمن سميت له الأمور.
قال ابن القاسم وأشهب: وإذا أوصي بماله فهو وصي على ماله وولده.
قالا في المجموعة: وإن قال: فلان وصي على ولدي كان إليه فيهم جميع الأمور من مال وغيره.
ومن المدونة: وإن قال: فلان وصيي على كذا لشيء خصه، فإنما هو وصيه على ما سمى فقط، وإن قال: فلان وصيي على قضاء ديني واقتضائه، أو قال: فلان وصيي على مالي، أو فلان وصيي على بُضع بناتي، أو قال: فلان وصيي حتى يقدم فلان فيكون القادم وصياً، فذلك كله جائز، ويكون كما قال.
م: وينبغي أن لو مات فلان قبل أن يقدم لكان هذا وصياً؛ لأنه إنما
الجزء: 19 - الصفحة: 702
خلع هذا بقدوم فلان الغائب، فمتى لم يقدم فهو باق على الوصية.
قال بعض الفقهاء: قلو قدم فامتنعن فالظاهر أن الوصي الأول قد سقطن لأنه علق نظره بغيبه فلان، فمتى قدم له لم يكن له نظر، إلا أن يكون المفهوم عنه أنه إذا جاء فقبل الوصية فيكون الوصي له، فمتى قدم فلم يقبل الوصية وجب أن يبقى هذا على ما كان عليه.
ومن المدونة قيل لمالك: فلو قال فلان: وصيي على قبض ديوني وبيع تركتي، ولم يوص إليه بأكثر من هذا هل له أن يزوج بناته؟
فقال مالك: لو فعل ذلك رجوت أن يكون مُخزياً، ولكن أحب إلي أن يرفع ذلك إلى السلطان فينظر السلطان في ذلك.
محمد وقال أشهب: له أن يزوج ولا يرفع إلى السلطان.
[قال] ابن القاسم: إن شاء الله.
وقال ابن القاسم قال مالك: فيمن أوصى بميراث بنت له صغيرة أن يُدفع إلي فلان أترى [111/أ] أن يلي بُضعها؟ قال: نعم.
وأراه حسناً أن لو رفع ذلك إلى الإمام فينظر فيه.
الجزء: 19 - الصفحة: 703
[الباب الحادي عشر] في وصي الوصي ووصي الأم والجد والأخ
[(1) فصل: في وصي الوصي]
قال مالك: وإذا مات الوصي فأوصى إلى غيره جاز ذلك وكان وصي الوصي مكان الوصي في النكاح والبيع وغيره.
قال يحي بن سعيد: وإذا كانا وصيين أو ثلاثة فأوصى أحدهم عند موته بما أوصي به إليه من تلك الوصية إلى غير شريكه جاز ذلك.
وقال أشهب وأباه سحنون.
وقال يحي بن عمر قال سحنون: لا يجوز لأحد الأوصياء أن يُوصي إلى أحد، وإنما ذلك إلى الحاكم، إن رأى أن يجعل مع الوصيين رجلاً مكان الميت فعل، وإن رأى أن يُقرهما ولا يجعل معهما غيرهما فعل.
وكذلك في العتبية عن سحنون.
م: ووجه ذلك أنه لا يستبد أحد الأوصياء بفعل دون صاحبه، وإذا أوصى هو إلى غيره صار مستبداً بذلك دون الآخر، فلذلك لم يجز.
[(2) فصل: في وصي الأم والجد والأخ]
قال ابن القاسم: وللمرأة أن توصي في مالها في إنقاذ وصاياها، وعلى قضاء دينها وإن لم يكن عليها دين، ولا يجوز إيصاؤها بمال ولدها الطفل إلا أن تكون
الجزء: 19 - الصفحة: 704
وصية للأب، وإلا لم يجز.
وسئل مالك: عن امرأة أوصت بتركتها إلى رجل، ولها ولد صغير، والذي تركت نحو ستين ديناراً فأجاز ذلك وخففه، وجعل الرجل الذي أوصت إليه وصياً على ذلك إذا كان عدلاً.
قال ابن القاسم: وذلك رأي، وعندي فيمن لا أب له ولا وصي.
قال في كتاب القسم: وذلك من مالك استحسان وليس بقياس.
وقال غيره: لا تجوز وصية المرأة بمال ولدها فيما قل أو كثر.
قال سحنون: قول غيره أعدل.
قال ابن القاسم: وإن كانت تركة المرأة كثيرة لم يجز ذلك ونظر الإمام فيه.
وإذا هلك رجل وله أخ صغير-يريد: ولا أب لخيه ولا وصي - فأوصى بتركته التي يرثها أخوه منه وبأخيه إلى رجل، فإن كان الأخ وصياً على أخيه جاز ذلك، وإلا لأم تكن وصيته تلك وصية وإن قل المال، وذلك إلى السلطان إن رأى أن يُقره وإلا جعل غيره بخلاف الأم؛ لأن الأم يجوز لها في ولدها أشياء كثيرة ولا تجوز للأخ، ولو أجزته للأخ لأجزته للعم أو للعصبة، وكذلك الجد إذا هلك وفي حجره ولد ابنه صغاراً لا أب لهم ولا وصي فأوصى الجد بهم إلى رجل، فإن لم يكن الجد وصياً لهم لم يجز ذلك.
وفي كتاب القسم شيء من هذا.
الجزء: 19 - الصفحة: 705
[الباب الثاني عشر]: في الوصي يقبل الوصية ثم يبدو له،
وكيف إن قبل بعضها
قال مالك: وإذا قبل الوصي الوصية في حياة الموصي فلا رجوع له بعد موته.
محمد: قال أشهب: ولو قبلها في حياته ثم بدا له قبل موته فذلك له؛ لأنه لم يغُره؛ لأن هذا يقدر على الاستبدال.
قال أشهب ولو قبل الوصية بعد موت الموصي أو جاء منه ما يدل على رضاه من البيع والاشتراء لهم مما يصلحهم والاقتضاء أو القضاء عنهم وغير ذلك لزمته الوصية.
وإذا أبى من قبولها في حياته وأبى منها أيضاً بعد مماته، ثم أراد قبولها فليس له ذلك إلا أن يجعله السلطان لحسن [111/ب] نظره.
قال ابن حبيب عن أصبغ: في الرجل يُوكله السلطان بالنظر لليتيم فيقبل ذلك منه، فليس له أن يعتزل ذلك، عُزِل ذلك السلطان أو لم يُعزل، إلا أن يُزيله السلطان على وجه النظر ويولي غيره لحُسن نظره.
م: وهذا خلاف ما تقدم لأشهب إذا قبل الوصية في حياة الموصي، ثم بدا له في حياته قال ذلك له ذلك له؛ لأنه لم يغره، لأنه يقدر على الاستبدال؛ لأن رضاه للسلطان كرضاه للموصي.
ومن العتبية روي أصبغ عن ابن وهب: فيمن أوصى إلى رجل بوصية وبما كان وصياً عليه فقبل وصيته في نفسه ولم يقبل ما كان عليه وصياً،
الجزء: 19 - الصفحة: 706
قال فذلك له، وليقم الإمام من يلي أمر الأول.
قال أصبغ: وصية الأول هي من وصية الثاني، فإما قبل الجميع أو ترك، فإن قبل بعضها فهو قبول للجميع وتلزمه كلها.
م: والذي أرى: أن يقول له الإمام: إما أن تقبل الجميع أو تدع الجميع؛ ألا ترى أن للإمام أن يقره على ما قبل، ويقيم من يلي وصية الأول، فذلك له.
الجزء: 19 - الصفحة: 707
[الباب الثالث عشر]: في الوصية إلى غير العدل أو إلى كافر،
ووصية الكافر إليهم، ووصية الرجل على مكاتبه أو عبده
[(1) فصل: في الوصية إلى غير العدل أو الكافر]
قال ابن القاسم قال مالك: لا يجوز إسناد الوصية إلى غير عدل، ويُعزل إن أوصى إليه.
محمد: وقاله مالك وأصحابه قال فيه وفي المدونة: لا تجوز الوصية إلى ذمي؛ لأنه غير عدل.
قال محمد: ولا يجوز إلى حربي وهو أشد، قال أبن القاسم وأشهب.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وكره مالك الوصية إلى اليهودي والنصراني، وكان قد أجازه قبل ذلك.
قال ابن القاسم: وإذا كان على صلة الرحم [مثل أن] يكون أخوه أو أبوه نصرانياً أو أخواله، فيصل رحمهم، فلا بأس به وهو حسن، وأما لغير هذا فلا.
قال عنه عيسى: وأما الأباعد فلا يعجبني.
الجزء: 19 - الصفحة: 708
قال ابن المواز وابن عبدوس: ولا يجوز أن يوصي إلى صبي أو ضعيف أو معتوه أو مأبون، ولا يجوز ذلك من النصارى إذا كانوا بهذه الأحوال.
محمد: قال ابن القاسم وأشهب: ومن أوصى إلى محمد في قذف، فذلك جائز إذا كانت منه فلتة، وكان ممن تُرضى حاله- وإن لم يتبين حُسن حاله- إذا كان يوم حُد غير مسخوط، فأما من حد في زنا أو سرقة أو خمر فلا يقع في مثل هذا من له ورع؛ فلا تجوز الوصية إليه إلا أن تحدث له توبة وتورع يُعرف فضله فيه، فتجوز الوصية إليه.
[(2) فصل: في وصية الكافر إلى المسلم والكافر]
قال: وتجوز وصية الذمي إلى الذمي؛ لأنه على ملته.
قال أشهب: ولو أوصى ذمي إلى حربي لم يجز، ولو كان مستأمنا، ولو أوصى الحربي المستأمن إلى ذمي جاز، قال: وتجوز وصية الحربي والذمي إلى المسلم.
قال فيه وفي المدونة مالك وابن القاسم: وإذا أوصي ذمي إلى مسلم فإن لم يكن في تركته خمر أو خنازير، ولم يخف أن يُلزم بالجزية، فلا بأس بذلك.
الجزء: 19 - الصفحة: 709
محمد: وقال أشهب: أنا أكرهه خوفا أن يلزم بالجزية وليس ببين في الكراهية، ولو قبل لجاز ولزمته، وإن كان غير ذلك فلا بأس به، وإن يكن فيها خمر وخنازير فتكون الوصية فيما سوى الخمر والخنازير.
ابن حبيب قال ابن الماجشون: وأما الذمي يوصي إلى الذمي وفى تركته خمر وخنازير وغيره مما يستحلونهن فلا أمنعه قسمته بينهم.
[(3) فصل: في وصية الرجل إلى مكاتبه أو عبده]
قال ابن القاسم: ومن أسند وصيته إلى مكاتبه أو عبده جاز ذلك، فإن كان في الورثة أكابر فقالوا: نحن نبيع العبد ونأخذ حقنا، اُشترِ يَ للأصاغر حصة الأكابر منه إن كان لهم مال يحمل ذلك فيكون العبد وصياً، وإن لم يكن في مالهم ما يحمل ذلك وأضر بهم بيعه، باع الأكابر حصته منه خاصة وتُرك حظ الأصاغر في العبد يُقَوم عليهم إلا أن يضر ذلك بالأكابر ويأبوا، فيقضى على الأصاغر بالبيع معهم.
الجزء: 19 - الصفحة: 710
[الباب الرابع عشر] في: فعل أحد الوصيين واقتسامهما المال
[(1) فصل في: الوصيين يتصرف أحدهما دون الأخر]
قال مالك: ومن أوصى إلى وصيين [112/أ] فليس لأحدهما أن يُزوج دون صاحبه إلا أن يوكله صاحبه فإن اختلفا نظر السلطان في ذلك.
قال ابن القاسم: ولا يجوز لأحدهما بيع ولا شراء ولا أمر دون الآخر.
قال غيره: لأن إلى كل واحد منهما ما إلى صاحبه، وكأنهما في فعلهما فعل واحد.
[(2) فصل في: اقتسام الوصيين المال وفي مخاصمة أحدهما وإقامة البينة دون الأخر.
المسألة الأولى في: اقتسام الوصيين المال]
قال ابن وهب قال مالك: وإذا أوصى رجل إلى قوم فلا يقتسمون ماله، ويكون عند أفضلهم.
قال عنه ابن القاسم: وإذا اختلف الوصيان عند يكون المال منهما' فليجعل عند أعدلهما ولا يقسم بينهما.
قال ابن القاسم: فإن استويا في العدالة جعله الإمام عند أحرزهما وأكفئهما.
قلت: أرأيت: إن أخذ أحدهما بعض الصبيان عنده، وقسما المال، وأخذ كل واحد منهما حظ من عنده من الصبيان، قال: قد أخبرتك أم مالكاً قال:
الجزء: 19 - الصفحة: 711
لا يقسم المال ويكون عند أعدلهما.
قال ابن حبيب في كتاب الصدقات قال ابن الماجشون: إذا اقتسم الوصيان المال ضمناه، فإن هلك ما بيد أحدهما ضمنه صاحبه حين أسلمه إليه.
وقال أشهب في كُتبه: لو اقتسماه لم يضمناه؛ لأم الموصي قد علم أنه لا بد أن يلي ذلك أحدهما.
[المسألة الثانية: في مخاصمة أحد الوصيين خصماء الميت دون الآخر وفي إقامة البينة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يخاصم أحد الوصيين خصماء للميت إلا مع صاحبه، ومن ادعى على الميت دعوى وأحدهما غائب، فليقم المدعي البينة ويُثبت حقه قدر على أحد الوصيين أو لم يقدر، ولأنا نقضي على الغائب، فإن جاء بالوصي الغائب بعد ما قضى القاضي على هذا الوصي الحاضر فكانت له حجة على الميت جهلها الوصي الحاضر، نظر في ذلك القاضي، فإن رأى ما يدفع به حجة هذا المستحق دفعها، ورد الحق إلى ورثة الميت، وإن لم يرد ذلك أنفذه.
الجزء: 19 - الصفحة: 712
[الباب الخامس عشر]: في بيع الوصي وشرائه وتأخيره بالدين
وحوالته به، [وفي أكل الوصي من مال التيم]
قال مالك: ولا يبيع الوصي عقار اليتامى إلا أن يكون ذلك وجه نظر، مثل أن يكون داراً ليس في غلتها ما يحملهم ولا مال لليتامى يُنفق عليهم منه، أو يجاوره ملك يحتاج إليها فيُرغبه في الثمن فيُعطي بها ثمناً فيه غبطة وما أشبه ذلك، فلا بأس حينئذ ببيعها، وأما على غير ذلك فلا.
قال عنه علي في المجموعة: لا يباع ربعهم إلا ثلاثة وجوه: في دين على الميت، أو في حاجة، أو خوفاً أن يخرب.
م: قال بعض أصحابنا: وللأب أن يبيع على ابنه الصغير عقاره ولا يُعرض عليه بخلاف الوصي، قال ولا يهب الوصي ربع الصغير للثواب، لأن الهبة للثواب إذا فاتت بيد الموهوب إنما عليه قيمتها وهو لا يبيع بالقيمة سواء، وللأب أن يهب مال ولده للثواب بخلاف الوصي؛ لأن الوصي إنما هو بسبب الوالد، فهو أضعف حكما منه.
م: والوصي العدل كالأب يجوز له ما جاز للأب؛ لأنه أقامه مقام نفسه، ولا يجوز للأب أن يبيع عقار ولده إلا لوجه نظر، كما قال في الوصي.
والله أعلم
ومن المدونة قال مالك: وعبد اليتامى إذا أحسن عليهم القيام، وحاط عليهم، فليس للوصي أن يبيعه إذا كان بهذه المنزلة.
الجزء: 19 - الصفحة: 713
قال مالك: ولا يشتري الوصي لنفسه من تركة الميت ولا يدس أو يوكل من يشتري له، وكان ينكر ذلك إنكاراً شديداً، قيل له: فإن فعل؟ قال: في ذلك، فإن كان فيه فضل كان لليتامى، وإن لم يكن فيه فضل تُرك في يد [112/ب] الوصي.
وأتى إلى مالك رجل من أهل البادية فسأله عن رجل أسند إليه وصيته فوجد في تركته حمارين من حُمر الأعراب، فتسوق بهما في أهل المدينة والبادية واجتهد فبلغ ثمنها ثلاثة دنانير، فأراد أخذهما لنفسه بما أعطي، فوسع له مالك في ذلك واستخفه؛ لقلة الثمن.
قال ابن القاسم: وإذا كان في الورثة أصاغر وأكابر فلا يبيع الوصي على الأصاغر التركة إلا بحضرة الأكابر، فإن كان الأكابر غُيباً بأرض نائية والتركة حيوان أو رقيق أو ثياب، فللوصي أن يبيع ذلك يجمعه ويرفع ذلك إلى الإمام حتى يأمره ويأمر من يلي معه البيع للغائب.
[(1) فصل في: تأخير الوصي الغريم بالدين وحوالته به
المسألة الأولى في: تأخير الوصي الغريم بالدين]
ولا يجوز للوصي أن يؤخر الغريم بالدين إن كان الورثة كباراً، وإن كانوا صغاراً جاز ذلك على وجه النظر لهم، ولم يُجزه غيره، وهو أشهب قال: لأنه معرف.
قال يحي: ولا يجوز تأخير الغرماء إلا أن يبرئوا ذمة الميت ويتبعوا الغريم.
م: وحكى اللبيدي عن أبي محمد أنه قال: إنما يجوز تأخير
الجزء: 19 - الصفحة: 714
الوصي -للحالف: لا أقضينك إلا أن تؤخرني.
والورثة صغار- ويبرأ الحالف، فذلك إذا كان على وجه النظر، مثل أن يكون الحالف لا بينة عليه فيخاف من جحوده، أو يكون كثير الدين، فغن طلبه وفلسه لم يقع للأطفال إلا بعض دينهم في الحصاص، وهو إن أخره رجاء أن يقتضي منه جميع دينهم، فإن كان لمثل هذا جاز وبريء الحالف، وإن كان تأخيره لغير وجه نظر، وإنما أخر الحالف من أجل يمينه لم يجز ذلك، ولا يبرا الحالف إلا أن يكون التأخير يسيرا مما لا ضرر على الأطفال فيه، فيبرأ الحالف ويكون مما يختلف فيه، فيقال فيه خسن نظر، ويقال: لا نظر في ذلك، فيجوز تأخير الوصي ويبرأ الحالف.
هذا معنى ما في كتاب ابن المواز، وكذلك كان شيوخنا يفسرونه.
ومن كتاب ابن المواز لأشهب: لا يؤخر الوصي بدين اليتيم إلا لوجه نظر من خوف جحود أو تفليس إن أقيم به، فيكون نظراً لليتيم، وكذلك لو وضع من دينه أو صالح عنه على هذا المعنى مما هو خير لليتيم ولو كان أمراً يرى لعض الناس أنه خير له، ولا يرى ذلك بعضهم، ففعله جائز -محمد: ما لم يفعله محاباة لم يفعله- قال: إذا كان بينا أنه ليس بنظر لم يجز ورد.
[المسألة الثانية في: قبول الوصي الحوالة بالدين]
قال أشهب في المجموعة: وله أن يبيع متاعهم بتأخير، وأن يحتال بدينهم وإن أُحيل على مُعدم ومُفلس، والآخر بين الفضل عليه في الملأ فاحتياله باطل، والدين على الأول بحاله.
الجزء: 19 - الصفحة: 715
[(2) فصل في: أكل الوصي من مال اليتيم]
ومن المجموعة قال ابن وهب عن مالك: أكره للوصي أن يأكل من مال اليتيم، إلا أن يصيب من اللبن والتمر والعنب.
محمد: قال مالك: لا يأكل من مال اليتيم، وقد قيل إلا أن يكون به وبماله مشغولاً فليأكل بقدر عمله إن كان محتاجاً، وإن استعفف فهو خير له.
قال: وللأب أن يأكل من مال ولده قدر ما يحكم له به، وليس كالوصي.
وقال في المجموعة: ولا أحب أن يركب دابة يتيمه ولا يتسلف ماله.
قال: ولا أحب للرجل أن يتسلف من مال بيده لغيره، وأجازه بعض الناس فرُوجع، فقال: إن كان له مال فيه وفاء وأشهد بذلك، فلا بأس به.
الجزء: 19 - الصفحة: 716
[الباب السادس عشر] فيمن أوصى فقال: وصيتي عند فلان
فصدقوه، أو ما قال فأنقذوه، أو ما ادعى علي فلان فأعطوه، وهل يكشف الوصي عما أنفذه؟
[(1) فصل فيمن قال: وصيتي عند فلان فأنفذوا ما فيها وصدقوه]
قال مالك رحمه الله: وإذا قال الميت: قد كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فأنفذوا ما فيها وصدقوه، فغنه يُصدق وينفذ ما فيها.
قال في العتبية وغيرها: فلما مات الموصي أخرج الرجل [113/أ] وصيته ولا بينة فيها غير البينة على قوله هذا، فإن كان من هي بيده عدلاً نفذ ذلك.
وقال ابن القاسم.
وقال سحنون: تنفذ الوصية كان الرجل عدلاً أو غير عدل.
قال بعض الفقهاء: وهو الأشبه؛ لأن الميت قد ائتمنه وأمر أن يٌقبل قوله، فهو كقوله: ما ادعى على فلان فصدقوه.
[(فصل فيمن قال: قد أوصيت بثلثي وأخبرت به فلاناً فصدقوه، وكيف إن قال الوصي: إنما أوصى بالثلث لابني]
قال فيهما وفي المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: قد أوصيت بثلثي وأخبرت به الوصي فصدقوه، فإنه يُصدق.
الجزء: 19 - الصفحة: 717
فإن قال الوصي: إنما أوصى بالثلث لأبني.
فقال ابن القاسم: لا يصدق؛ لأن مالكاً قال فيمن أوصى فقال: يجعل فلان
ثلثي حيث يراه: أنه إن أعطاه لولد نفسه أو لقرابة له، لم يجُز إلا أن يكون لذلك وجه يُظهر صوابه.
وقال أشهب: يصدق ويُقبل قوله قال: لبني أو لنفسي؛ لأن الميت أمر بتصديقه.
قال في المجموعة وكتاب محمد: وليس هو مثل الذي يشهد لابنه، ولا مثل الذي يوصي إلى فلان أن يجعل ثُلثه حيث يرى فيجعله لنفسه، فإن فعل حسب استحقاقه لم آخذه منه.
وقال ابن القاسم.
قال: فإن قال: لولدي أوصى به.
جعلته كشاهد له وكمسألة مالك فيما إذا قال فلان يجعل ثُلثي حيث يراه.
قال محمد قال مالك في هذا: أنه لا يأخذ هو منه، وإن كان محتاجاً وإن أعطى منه ولده وكان لذلك موضعاً جاز.
الجزء: 19 - الصفحة: 718
[(3) فصل فيمن أوصى أن يُجعل ثلثه حيث أرى الله الوصي]
وقال ابن عبدوس روى علي عن مالك: في الذي أوصى أن يجعل ثُلثه حيث أراه الله عز وجل لا يجوز أن يُعطي ذلك أقارب الميت، ولكن يُعطيهم كما يُعطي الناس.
قال مالك: وإذا كان قد علم حين أوصاه يجعل ثُلثه حيث أه الله عز وجل أنه أراد أن يرده على بعض الورثة فلا يجوز، وليرجع كله ميراثاً.
ومن العتبية وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: في الموصي إليه بالثلث يجعله حيث أراه الله، قال: ليجعله في سبيل الخير، وإن قال: اصرفه حيث شئت أو أحببت، فصرفه إلى أقارب الموصي أو أخوته، فلم يُجز ذلك الورثة، فليرجع ذلك ميراثاً.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا جعلها في بعض ورثة الميت قيل له: اتق الله واجعلها في غيرهم.
فإن أبى رجعت ميراثاً إن لم يجزها الورثة، وليس للموصى أن يأخذ منه شيئاً ولا يأكله.
قال: ولا يجبره السلطان أن يجعلها في سبيل الله عز وجل.
قال في كتاب محمد: ويُنظر فيما فعل، فإن كان من وجه ما يتقرب الناس به، وكان في ذي حاجة فلينفذ، وإن كان في غير ذي حاجة لم يجز؛ لأن الميت إنما قصد به وجه الصدقات.
الجزء: 19 - الصفحة: 719
قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن أوصى أن يُجعل ثلثه في أفضل ما يراه وأقربه إلى الله عز وجل، هل يُعتق به رقابً؟ قال: إن سأل عن ذلك قبل أن يفعل رأيت الصدقة خيراً له.
وقال مالك: الصدقة أفضل من العتق.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الصدقة شيء عجيب))، ومع أنه يبقى في العتق الولاء لورثته، ولو جسر ففعل وأنفذه لم يُرد، كان عتقاً أو غيره، والعتق أحب إلي من الحج، وإن كان صرورة، ولو كان حياً كان الحج أولى به.
[(4) فصل فيمن قال عند موته: على ديون وفلان ابني يعلم أهلها، فمن
سمى له شيئاً فأعطوه وكيف إن قال: من ادعى على ديناً فحلفوه وأعطوه بلا بينة، أو قال: كنت أعامل فلاناً فما ادعى علي فأعطوه
ومن كتاب ابن حبيب قلت لأصبغ: فيمن قال عند كوته: علي ديون وفلان ابني يعلم أهلها، فمن سمى أن له شيئاً فأعطوه.
فإن عندنا عن ابن القاسم أنه كالشاهد [113/ب]: إن كان عدلاً حلف معه المدعي وأخذ؟ فقال أصبغ: ما هذا بشيء، ولا أعرفه من قوله، ولكن يُصدق من جعل إليه الميت التصديق، كان عدلاً أو غير عدل؛ كقول مالك فيمن قال: وصيتي عند فلان فما أخرج فيها فأنقذوه: إن ذلك نافذ وما استثنى مالك عدلاً من غير عدل؛
الجزء: 19 - الصفحة: 720
وكقول مالك في الذي قال: من ادعى على من دينار إلى عشرين ديناراً فافضوه بلا بينة أنه جائز، ولم يقل إن كان عدلاً، ولا يزاد هذا من ماله على أكثر من عشرين إن ادعى أخذ أكثر منها، ويعزل العشرين من رأس ماله، ولا يعجل فيها حتى يعلم من يدعي شيئاَ وليكتم ذلك ولا يفش ولو ادعاها جماعة، قال ابن القاسم: فليتحاصوا في العشرين فقط إذا ادعى كل واحد منهم أقل من عشرين، ومن ادعى عشرين فأكثر فلا شيء له إلا ببينة، ومن له بينة فهو المبدأ على صاحب العشرين، وكذلك في كتاب ابن سحنون أن صاحب البينة يبدأ على هؤلاء.
قال: وبلغني عن ابن القاسم أن من ادعى عشرين كاملة فلا شيء له وقال عن مالك: يتحاص مدعي العشرين فأقل.
وفي العتبية قال ابن القاسم عن مالك: يتحاص مدعي العشرين فأفل، ومن ادعى أكثر، فلا شيء له.
وقال محمد بن خالد عن ابن القاسم: ومن ادعى مثل ما قال الميت
الجزء: 19 - الصفحة: 721
أعطي ذلك في يمينه، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[المسألة الثانية: فيمن قال: من ادعى على دينا فحلفوه وأعطوه بلا بينة]
قال ابن حبيب عن أصبغ: وأما إن قال: من ادعى علي ديناً فحلفوه وأعطوه بلا بينة، أو قال بلا يمين ولا بينة، ولم يؤقت للدين نهاية، فهذا يكون من ثلثه بخلاف الذي وقت، وقضى به ابن وهب قاضي سليمان بن عبد الله.
[المسألة الثالثة: فيمن قال: كنت أداين فلاناً أو كنت أعامل فلاناً، فما أدعى علي فأعطوه].
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن قال كنت أداين فلاناً وفلاناً، فهم مصدقون فيما ادعوا علي، قال: يعطون ما ادعوا بغير يمين.
وقال عنه أصبغ: إذا قال: كنت أعامل فلاناً، فما ادعى علي فأعطوه قال: يصدق في معاملة مثله، وأراه ذكره عن مالك.
قال ابن القاسم: ويكون من رأس ماله، وليس الناس في قلة المال وكثرته سواء، وإن ادعى ما لا يشبه بطلت دعواه، فلم تكن في ثلث ولا رأس مال.
وقال: يبطل ما زاد على ما يشبه معاملة مثله.
[(5) فصل في: متى يكشف الوصي عما أنفذه]
ومن العتبية والمجموعة وكتاب محمد قال مالك: فيمن أوصى بعتق أو بشئ في السبيل وغير ذلك وأسند ذلك إلى رجل، فطلب الورثة
الجزء: 19 - الصفحة: 722
أن ينظروا في ذلك، فإن كان الوصي وارثاً، فلباقي الورثة أن ينظروا في ذلك ويكشفوا عنه الوصي، وإن لم يكن وارثاً فلا يكشف عن شيء إلا عما يبقي للوارث نفعه من العتق الذي لهم ولاؤه، زاد ابن نافع عن مالك في المجموعة: إلا أن يكون الوصي سفيهاً مارقاً فليكشف عن ذلك كله، فرب وصي لا ينفذ من الوصية شيئاً.
الجزء: 19 - الصفحة: 723
[الباب السابع عشر]: في شهادة الوارث أو غيره في وصيته أو موته.
قال ابن القاسم: وإذا شهد وارثان أن أباهما أوصى إلى فلان، جاز ذلك.
قال غيره: إن لم يجرا بذلك نفعاً إلى أنفسهما جاز، فإن جرا بذلك نفعاً لم يجز.
قال ابن القاسم: وإن مات رجل فشهد على موته امرأتان ورجل، فإن لم تكن له زوجة ولا أوصى بعتق عبيد ونحوه، ولم يكن إلا مال يقسم، فشهادتهم جائزة.
قال سحنون: وقد أعلمتك ما قال غيره في شهادة النساء.
قال ابن القاسم: وإذا أقر وارث بوصية لرجل حلف معه إن كان عدلاً وقضي له، وإن نكل أخذ من حصة المقر ما يصير له من ذلك إن لم يول على المقر،
الجزء: 19 - الصفحة: 724
وكذلك إن [114/أ] أقر أن هذا الشيء أو العبد لفلان عند أبيه وديعة فليحلف مع شاهده إن كان عدلاً ويستحقه، فإن نكل كان له قدر ما ورث المقر من ذلك،
ومن الثاني: وإن أقر بهذا وعليه دين يغترق ماله وأنكر غرماؤه، فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز، وإن كان بعد ما قاموا عليه لم يجز، وكذلك إن أقر الولد بدين على أبيه أو بوديعة عند أبيه وقد مات أبوه، فإن أقر الولد بذلك بعد قيام غرماء الولد عليه لم يقبل إقراره إلا ببينة، وإقراره قبل القيام عليه جائز، فإن كان المقر له حاضراً حلف واستحق.
وفي الوصايا الثاني إيعاب هذا.
الجزء: 19 - الصفحة: 725
[الباب الثامن عشر] فيمن أوصى لزوجته أو لأم ولده، وكيف إن شرط إن تزوجت نزعت الوصية والحضانة منها، ومن أوصى بحمل امرأة فأسقطته
[(1) فصل: فيمن أوصى لزوجته أو لأم ولده].
قال مالك: قد أوصى عمر بن الخطاب إلى حفصة رضي الله عنهما، وأراه فعل ذلك لمكانها من رسول الله (صلى الله عليه وسلم).
وسئل الك في العتيبة: فيمن أوصى لزوجته فتزوجت فخيف على المال هل تكشف؟ فقال: إن كانت لا بأس بحالها لم تكشف، وإن خيف كشفت عما قبلها، وإن عزلت الولد في بيت وأقامت لهم خادماًَ وما يصلحهم فهي أولى بهم أيضاً، وإن لم تفعل نزعوا منها؟.
قال أبو محمد: أراه من باب الولاية بالوصية، فلذلك لم يمنعها الحضانة كما منعها إياها بالتزويج إذا لم تكن لهم وصية وكان لهم من يحضنهم، وهذه الأم الوصية تتزوج، فإن لم تكن لها أم ولا أخت فهي أحق من العصبة بالولد، لأن ولاء من الوصية.
محمد: قال ابن القاسم: وأما المال فوجه ما سمعت منه أن ينظر إلى حالها، فإن رضي حالها وسيرتها والمال يسير، لم يؤخذ منها.
محمد: ولم تكشف، وأما إن كان المال كثيراً وهي مقلة وخيف من ناحيتها نزع المال منها.
وقاله ابن القاسم، وهي على الوصية على كل حال إلا أن تكون مبرزة في إبقاء المال عندها بعد النجاح في الحزم والدين
الجزء: 19 - الصفحة: 726
والحرز والستر، فيقر بيدها.
[(2) فصل فيمن أوصى لامرأته وقال: إن تزوجت فانزعوا الولد والمال منها]
قال مالك: وإن قال الميت: إن تزوجت فانزعوا الولد منها فأرادت النكاح فإن عزلتهم في مكان عندها مع خادم ونفقة فهي أولى بهم، وإلا نزعوا منها.
محمد: لأن الميت لم يقل: إن تزوجت فلا وصية لها، إنما قال: ينزعون منها، فالوصية لها قائمة بعد، فإن عزلتهم في حرز وكفاية لم يؤخذوا منها, وأما المال فقد فسر ابن القاسم أمره تفسيراً حسناً.
ومن المدونة قال مالك: ومن أسند وصيتة إلى زوجته على ألا تتزوج، فتزوجت، فلتفسخ وصيتها.
قال ابن القاسم: وكذلك لو أوصى لأم ولده بألف درهم على ألا تتزوج فأخذتها، فإن تزوجت أخذت منها.
م: كما جاز أن تعطي المرأة زوجها مالاً على ألا يتزوج عليها وإن كان ذلك حلالاً لهما، إلا أنهما منعا أنفسهما من الانتفاع بالنكاح لانتفاعهما بما أخذا من المال، فمتى رجعا عن ذلك، رجع عليهما بما أخذاه.
[(3) فصل فيمن أوصى بحمل امرأة فأسقطته بعد موت الموصى]
قال مالك: ومن أوصى بحمل امرأة فأسقطته بعد موت الموصى، فلا شيء له، إلا أن يستهل صارخاً.
الجزء: 19 - الصفحة: 727
[الباب التاسع عشر] في دعوى الوصى دفع أموال اليتامى والنفقة عليهم
.
[(1) فصل في دعوى الوصي دفع أموال اليتامى]
قال مالك رحمه الله: وإذا قال الوصي: دفعت إلى الإيتام بعد البلوغ والرشد أموالهم فأنكروا [114/ب] لم يصدق إلا ببينة وإلا غرم، وقد قال الله سبحانه وتعالى: (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا).
م: لأنه وإن كان مؤتمناً فقد دفع إلى غير من ائتمنه، فعليه البينة بالدفع.
قال ابن المواز قال مالك: إلا أن يطول زمان ذلك، مثل ثلاثين سنة وعشرين سنة يقيمون معه ولا يطلبونه ولا يسألونه عن شيء، ثم يطلبونه الآن، فإنما عليه اليمين: لقد دفع إليهم أموالهم.
م: لأن العرف قبض أموالهم إذا رشدوا، فإذا أقاموا زماناً طويلاً لا يطلبونه صاروا مدعين لغير العرف، وهو مدع العرف، فكان القول قوله مع يمينه، كما قالوا في البياعات بغير اكتئاب وثائق إذا مضى من الزمان ما العادة فيه أن لا يتأخر البائعون إليه عن قبض أثمانهم: إن القول قول المشتري مع يمينه.
[(2) فصل في الوصي يقول: أنفقت عليهم وهم صغار].
ومن المدونة قال مالك: ولو قال: أنفقت عليهم وهم صغار، فإن كانوا في حجرة يليهم، فالقول قوله ما لم يأت بأمر يستنكر، أو بسرف من النفقة.
قال [في كتاب] محمد: إن كانوا في عياله أو عند غيره فكان يرى ينفق
الجزء: 19 - الصفحة: 728
عليهم ويكسوهم، فإنه ينظر فيما زعم أنه أنفق عليهم في تلك المدة، فإن كان سداداً أو زيادة اليسيرة حلف وكان مصدقاً، وإن جاء بسرف لم يحسب له من ذلك إلا السداد، كما لو كان على السرف بينة لم يحسب له من ذلك إلا السداد.
وقاله ابن القاسم عن مالك.
قال فيه وفي المدونة: وإن كان يليهم غيره مثلهم أمهم وأختهم أو غيرهما، فقال: أنفقت عليهم أو دفعت النفقة إلى من يليهم، وأنكروا، لم يصدق إلا ببينة، وإلا غرم.
[(3) فصل في كيفية إنفاق الوصي على الأيتام]
ومن العتبية قال أشهب عن مالك: وينفق الوصي على الأيتام على كل إنسان منهم بقدره من مصابته، ليس الصغير كالكبير.
محمد: قال ربيعة: وليوسع ولا يضيق، وربما قال: وله أن يشتري لهم بعض ما يلهون به، وذلك مما تطيب به نفسه وتشتهيه.
قال مالك: وإن كانت لهم سعة فليوسع عليهم ولا ينظر إلى صغير، فرب صغير أكثر نفقة من كبير.
ومن المجموعة قال مالك: وله أن يحجهم قبل أن يبلغوا، وهو خير في أدبهم، وله أن يحجهم بعد حجة الإسلام بعد بلوغهم.
قال ابن كنانة: وله أن ينفق على عرس اليتيم ما يصلح من صنيع وطيب
الجزء: 19 - الصفحة: 729
ومصلحة بقدر حاله وحال من تزوج إليه، وبقدر ذلك من كثرة ماله، وكذلك في ختانه، فإن خشي أن يتهم، رفع ذلك إلى الإمام فيأمره بالقصد من نحو ما ذكرنا.
قال مالك في العتبية: وإذا زوج يتيمه وأنفق على ابتنائه أو في ختانه النفقة العظيمة، فأما الصنيع المعروف من غير سرف جائز، وأما ما أنفق في الباطل وعلى اللاعبين فلا يلازم اليتيم.
قال عنه محمد: ولو أنفق عليهم سرفاً لم يحسب منه إلا السداد ويضمن السرف، وليزك مال يتيمه، ويخرج عنه وعن عبيده زكاة الفطر ويضحي عنه.
قال أبو محمد: وهذا إذا أمن آن يتعقب بأمر من اختلاف الناس، أو كان شيئاً يخفى له.
الجزء: 19 - الصفحة: 730
[الباب العشرون]: في الموصى بعتقها إلى أجل تلد أو تجني أو يجنى عليها أو يعجل أحد الورثة عتقها
.
[(1) فصل فيما تلده الموصى بعتقها إلى أجل قبل الأجل]
قال ابن القاسم: ومن أوصى بعتق أمته بعد موته بسنة، والثلث يحملها فما ولدت بعد موته وقبل مضي [115/أ] السنة فهو بمنزلتها يعتقون بعتقها، وأرش جراحها وقيمتها إن قتلت قبل السنة للورثة وتقوم كالآمة، وما أفادت بعطية أو اكتسبت من الأموال فهو لها مقر بيدها ولا ينتزعونه.
وقال غيره أيضاً: يتنزعونه ما لم يقرب الأجل.
م: لأنهم حلوا محل ميتهم.
وقال سحنون: لا يتنزعونه؛ لأنها به قومت في الثلث.
[(2) فصل: في الموصى بعتقها إلى أجل تجني]
قال ابن القاسم: وإن جنت خير الورثة، فإما فدوا الخدمة بجميع أرش الجناية أو يسلموا الخدمة للمجني عليه ويقاص بها في الجناية، فإن أوفت قبل السنة رجعت تخدم الورثة بقية السنة، وإن مضت السنة وقد بقى من أرش الجناية شيء عتقت وأتبعت بما بقي في ذمتها.
م: وأما من أعتق في صحته أمة إلى أجل، ثم مات فالأصوب من هذه أن يتنزعوا مالها، وهي أبين من الأولى، وله هو إذا مرض ان يتنزعه ولورثته بعد
الجزء: 19 - الصفحة: 731
موته؛ لأنها غير مقومة بمالها؛ لأنها معتقة إلى أجل في الصحة لا يغير ذلك مرضه ولا موته.
[(3) فصل: في تعجيل أحد الورثة عتق الموصى بعتقها إلى أجل]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بعتق أمته بعد موته بخمس سنين، والثلث يحملها وترك وارثا واحداً، فعجل الوارث عتقها قبل الأجل، جاز ذلك وهو وضع خدمة، والعتق من الميت لا من الوارث.
قال ابن القاسم: وليس للوارث بعد ما أعتقها أن يردها تخدمه إلى الأجل؛ لان عتقه إياها هبة لها منه خدمتها، وإن كانا وارثين فأعتقها أحدهما قبل الأجل فعتقه هاهنا وضع الخدمة، فيوضع عن الأمة حق هذا من الخدمة، ويكون نصيبه منها حراً، ولا يضمن لصاحبه قيمة خدمته منها، وتخدم هي الآخر نصف خدمتها إلى تمام الأجل، ثم تخرج حرة.
الجزء: 19 - الصفحة: 732
[الباب الواحد والعشرون] فيمن أوصى إلى عبده بثلث ماله أو بثلث نفسيه أو أن يعتق ثلثه أو بدنانير أقل من الثلث أو أكثر من التركة أو من ثمنه
.
[(1) فصل: فيمن أوصى لعبده بثلث ماله]
قال مالك رحمه الله: ومن أوصى لعبده بثلث ماله وقيمته الثلث عتق جمعيه، ويقوم بماله.
م: وذلك أن ثلثه معتق، لأنه ملك ثلث نفسه بالوصية وملك ثلث التركة، فيقوم ثلثاه فيما ملك من المال منها.
وقال مالك: وإن كان العبد أقل من الثلث أعطى ما فضل من الثلث بعد رقبته، وإن كان أكثر من الثلث أعتق منه محمل الثلث.
قال ابن القاسم: وإذا لم يحمله الثلث وكان مع العبد مال استتم منه عتقه ولو لم يعتق فيما في يده من ماله ما عتق فيما بقي من ثلث سيده الذي بعد رقبته.
م: وإذا جاز أن يقوم ثلثاه في بقية الثلث جاز أن يقوم فيها في يديه؛
الجزء: 19 - الصفحة: 733
لأن ذلك كله مال له.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: وإنما يستتم عليه عتق بقية رقبته؛ لأنه حين عتق عليه من نفسه شقص صار بمنزلة من أعتق شركاً له في عبد، فكان يقوم عليه، فالذي يعتق عليه شقص من نفسه أحرى أن يقوم عليه ما بقى من نفسه فيما يملك وهو قول مالك.
وعند ابن وهب لا يقوم في ماله، ويرق البقية منه.
وعند المغيرة لا يعتق إلا ثلثه فقط؛ لأن ما ملك من ثلث نفسه لا يملك رده فأشبه من ملك بعض من يعتق عليه بميراث أنه لا يقوم عليه البقية؛ لأنه لايقدر على رد ما ورث، فكذلك ما أوصى له به من ثلث نفسه لا يقدر على رده، فلا يقوم بقيته على نفسه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن أوصى بعتق ربع عبده لم يقوم على العبد باقية؛ لأن السيد هو المعتق بخلاف أن لو أوصى لعبده بربع نفسه هذا يعتق ربعه ويقوم باقيه على نفسه.
[115/ب].
قال مالك: لأنه لو كان العبد بين اثنين فأعتق أحدهما مصابته لقوم عليه الباقي، فالعبد إذا ملك بعض نفسه أحرى أن يقوم عليه ما بقي منه.
الجزء: 19 - الصفحة: 734
ومن المدونة قال ابن وهب: قال مالك: إذا أوصى لعبده بثلث ماله أو بسدسه جعل ذلك في رقبة العبد، فإن كان قيمة العبد السدس خرج حرا وإن لم يترك إلا العبد وأوصى له بثلث ماله، وفي يد العبد ألف دينار، فلا يعتق من العبد إلا الثلث ويكون المال بيده على هيئته.
وقال بعض كبار أصحاب مالك.
قال سحنون: وهو أصح؛ لأنه من أعتق بعضه لا يحكم في ماله بغير إذن من له فيف الرق.
[(2): فصل: [فيمن أوصى لعبده بمال]
قال مالك: وإن أوصى لعبد نفسه بمال، كان العبد إن حمله الثلث، وليس للورثة انتزاعه، فإن باعه الورثة، فليبعوه بماله، ولمن اشتراه انتزاعه.
م: والفرق بين الوارث والمشتري أن الوارث إذا انتزعه عادت الوصية ميراثاً، فصار لم ينفذ وصية الميت، وإذا باعه الورثة بماله فقد أعطى العبد ما أوصى له به ونفذت الوصية فلا يراعي بعد، انتزعته المشتري أو لم يتنزعه.
وقال سحنون في المستخرجة: وإنما يعطي العبد ما أوصى له به من الدنانير إذا كانت أقل من الثلث، فأما إن كانت أكثر من الثلث فليعتق فيها، ويصير كالموصى له بالثلث أو بجزء من ماله، وهو معنى قول ابن القاسم عندي، وهي مسألة جيدة.
الجزء: 19 - الصفحة: 735
وقال أصبغ كقول سحنون.
وقاله ابن المواز.
وقاله ابن حبيب عن أصبغ قال: وهذا استحسان.
م: وهذا كله إذا لم يجز الورثة فيقطع له بجميع ثلث الميت ويصير كمن أوصى له بجميع الثلث، وأما لو أجاز له الورثة ما أوصى له به من المال وكان ما بقى من التركة غير العبد يحمل ذلك المال لجاز، وبقي رقيقاً، والمال بيده؛ لأن من حجة الورثة أن يجيزوا له الوصية ثم يبيعوه بماله فيزيد ذلك في ثمنه، ثم يرثوا ذلك خير لهم من أن يمضي عليهم خروج الثلث أجمع، وروى أبن حبيب عن أصبغ كقول سحنون.
قال: وهذا استحسان، والقياس أن يعطي من نفسه ثلثها ومن كل شيء ثلثه إذا عالت الوصية على الثلث ولم يجز الورثة.
ومن كتاب ابن المواز: ومن أوصى لعبده بخمسة وعشرين ديناراً، فكانت تخرج من الثلث، فإن وجدت الخمسة والعشرون حاضرة ولم يحتج منها إلى شيء من ثمن العبد، لم يكن في ذلك عتق، وإن لم توجد إلا أربعة وعشرون والثلث خمسة وعشرون فلا يتم الثلث إلا من العبد، رجع ذلك كله عتقاً، فيعتق من العبد جميع ثلث الميت، وكذلك إن أوصى لعبده بدرهم أو بدينار واحد ولم يقل من ثمنه وليس له غير العبد، فليعتق منه قدر ذلك من ثمنه، فإن كان ذلك عشر ثمنه أو نصف عشر ثمنه عتق منه عشرة أو نصف عشرة،
الجزء: 19 - الصفحة: 736
وكذلك إن أوصى له بدنانير أو دراهم كثيرة، فإن كان للميت سوى العبد قيمة عدد ما أوصى به وذلك يخرج من الثلث، فلا عتق للعبد ويأخذ وصيته، وإن لم يكن فيما سوى العبد ما يحمل وصيته إلا أن وصيته تخرج من الثلث؛ لأن العبد أكثر من الثلين بمقدار ما؟ وإن قل فهذا ترجع الوصية في رقبته فيعتق بها.
محمد: لأنه على نفسه عتق حين ملك بعض نفسه، فإن فضل له من الثلث شئ عن رقبته أخذه، وإن بخس ثلثه عن عتق جميعه، عتق مبلغ الثلث من جميع التركة أو مبلغ وصيته أقلهما، فإن قال الورثة: نحن نعطي العبد ما أوصي له به من عدد الدراهم أو الدنانير ولا يعتق شيء منه فليس ذلك لهم؛ إذ لا نفع لهم في ذلك، وكما لو قالوا: نبيعه ونعطيه من ثمنه؛ لأن الوصية صارت فيه، فهم مضارون يأبون [116/أ] أن يعتقوا بالوصية ويصير لهم الولاء، فقد طلبوا ما يضر بهم وبالعبد.
وقال في المجموعة: فيمن أوصى لعبده بخمسين ديناراً وليس له غيره وثلثه لا يفي بالخمسين، فطلب الورثة بيعه ويعطونه ثلث ثمنه، وقال هو: بل يعتق ثلثي، قال: يعتق ثلثه إلا أن يعطيه الورثة الخمسين.
م: وهذا ينحو إلى ما قال أبن حبيب عن أصبغ أنه القياس، أن الورثة يخيرون في أن يعطوه الخمسين أو يعتقوا ثلثه.
الجزء: 19 - الصفحة: 737
وقال أشهب: إذا أوصى لعبده بمال أو بشئ بعينه فيه قدر ثلثه فأقل، فليس له غيره ولا عتق له، وإن جاوز الثلث أخذ منه قدر الثلث ولا عتق له؛ إذ لم يوص له في نفسه بشئ.
قال: وإن أوصى له بسكني داره حياته، أو غلة حائطه، وذلك يخرج من الثلث، فذلك له ولا عتق له، وإن لم يخرج من الثلث خير الورثة بين إنفاذ ذلك أو يقطعوا له بالثلث فيعتق فيه حينئذ ويأخذ فضلاً إن كان، ويصير كما لو أوصى له بالثلث.
م: وهذا الذي ذكر أشهب فيما أوصى له بشئ بعينه أكثر من الثلث أنه يقطع له فيه بقدر الثلث، هو على أحد قولي مالك في المدونة فيما إذا أوصى لرجل بشئ بعينه، فقال فيه: علي ثلثه.
قال أشهب: وكان لمالك في مقاسمة الورثة سائر المال قولان:
أحدهما: يكون له ثلث نفسه وثلث باقي التركة، فيعتق فيه باقية بعد عتق ثلث نفسه، ويأخذ الورثة ثلثي قيمته عيناً.
والقول الآخر: أن يعتق كله من الثلث، فإن كان هو نصف الثلث شارك الورثة بخمس ما بقي، وهذا أحب إلينا.
قال: وكذلك هذان القولان فيمن أوصى لعبده بثلث ماله أنه يعتق ثلث العبد، ويستتم عليه باقيه فيما ملك من بقية الثلث، وفي مال إن كان للعبد قبل ذلك، وكذلك قال ابن القاسم.
الجزء: 19 - الصفحة: 738
قال أشهب: والقول الآخر أن يعتق كله في الثلث في بقية ما أوصى له به، وما زاد كان به شريكا ً للورثة كما ذكرنا، وإن نقص لم يستتم في مال كان له قبل ذلك؛ لأن الورثة شركاؤه في ذلك المال، وإنما له فيه الكسوة والنفقة بالمعروف، ولا يأخذ هو منه شيئاً لنفسه دونهم، وقاله مالك، وذكره عنه ابن وهب، واختاره ابن المواز.
[(3) فصل: [فيمن أوصى لعبده بدنانير أقل من ثمنه]
ومن الجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم عن مالك: فيمن أوصى لأمته بعشرة دنانير من ثمنها، فلا يكون ذلك عتقاً.
قال ابن كنانة في المجموعة: فيمن أوصى أن يباع عبده فيعطى من ثمنه لأخت له من أبويه عشرة دنانير، وباقي الثمن للعبد، فلينفذوا ذلك إن حمله الثلث، وإن أوصى أن يباع منه بعشرة للأخت ويكون للعبد بقية نفسه فليبع منه بما ذكر للأخت، ويعتق باقيه إن حمله الثلث، ولو كان للعبد ما يؤدي منه العشرة، أخذت منه وعتق ويقوم في ذلك بماله، وذلك نفع للورثة في مزيد الولاء، ولم يضر بأحد، فلا يمنع من ذلك.
قال علي عن مالك: فيمن أوصى في أمة له أن يعطي ثمنها لابن لها حر، فليس بعتق وليتبع ويدفع إليه الثمن إن حملها الثلث، ولعله أراد نفعه بالثمن لئلا تعتق عليه.
الجزء: 19 - الصفحة: 739
قال ابن القاسم وأشهب: فيمن أوصى أن يباع عبده بثلاثين ديناراً فيعطي منها فلان عشرة، قالا: فإن بيع بثلاثين فأكثر فليس له إلا عشرة.
قال ابن القاسم: وإن بيع بأقل من ثلاثين وبأكثر من عشرين، فإنما له ما زاد علي عشرين، وإن بيع بعشرين فأقل لم يكن له شيء وكذلك روى عنه عيسى في العتبية، وقال عن محمد بن خالد: إن له ثلث ما بيع به [116/ ب] إن بيع بأقل من ثلاثين.
وقال أشهب: له عشرة يبدأ بها، وإن بيع إلا بها فأقل فله جميع الثمن.
[(4) فصل: [فيمن أوصى بعتق ثلث عبده]
ومن المجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: وإذا أوصى بعتق ثلث عبده وأوصى له بباقي ثلثه أو بمال مسمي، فلا يعتق منه إلا ثلث رقبته، ويكون ما أوصى له بيده وكذلك لو أوصى لعبده بثلث نفسه وبثلث ما بقي من ماله سوى العبد، فإنما يعتق ثلثه ولا يستتم باقية فيما بقى ولكن يأخذه، ولو لم يقل سوى العبد، ولكن قال: وله ثلث ما بقي لدخلت بقية رقبته في ذلك حتى يعتق كله أو ما حمل منه ثم يقوم ما بقي منه على العبد إن كان له مال في قول ابن القاسم.
الجزء: 19 - الصفحة: 740
قال ابن المواز: ورواية ابن وهب أحب إلي.
م: جعله إذا قال سوى العبد كالموصى له بمال مع ثلث رقبته، فإنه لا يقوم في ذلك المال، وإن لم يقل سوى العبد، فإنه يقوم في بقية الثلث وفي مال نفسه، وكان يجب أن لا يقوم في مال نفسه كما قال إذا أوصى له بثلث نفسه وبمال أنه لا تدخل رقبته في ذلك المال.
[(5) فصل: [فيمن أوصى لعبده بثلث ماله وترك ديناً شهد فيه شاهد واحد]
قال أشهب: إذا أوصي لعبده بثلث ماله وترك ديناً شهد فيه شاهد واحد فأن العبد يحلف مع الشاهد ويستحق، ولو أوصى أن عبدي حر لم يحلف العبد.
قال في كتاب محمد: لأنه كتسمية دنانير قدر رقبته فلا يحلف كما يحلف الموصى له بالثلث، وكذلك كل من أوصى له بدنانير، وقال ابن وهب وابن دينار.
[(6) فصل: [فيمن أوصى لعبده بثلث نفسه]
ومن المجموعة: قال عبد الملك: وإذا قال: ثلث عبدي له، وله مئة دينار، فليس له أن يأخذ المئة في نفسه عتقاً؛ لأنه مال أوصى له به فيأخذه ويعتق ثلثه ويبقي ثلثاه رقيقاً، ويعال له بالمال أهل الوصايا، وأما إن قال: ثلثي لعبدي فهذا يعتق جميعه في ثلثه أو ما حمل منه الثلث، وما فضل فله، والعبد في هذا مبدأ على أهل الوصايا، وما فضل عنه لا يبدأ
الجزء: 19 - الصفحة: 741
فيه ويحاص به.
وقاله كله مالك.
وأنا أقوله.
قال.
وقال المغيرة وابن دينار وعبد العزيز: أنه يعتق ثلثه ويحاص بما فضل أهل الوصايا - قال الشيخ أبو محمد يريد: فما وقع له كان بيده- قالوا: ولو لم تكن وصايا، كان له ثلث ما بقى من التركة؛ لأنه ليس لأحد أن يأخذ من الورثة شيئاً بقيمته كرهاً إلا الميت وحده، وليس للعبد أن يأخذ من الورثة بقية نفسه بالقيمة للعتق وإنما له وصيته.
قال ابن القاسم: فيمن أوصى لعبده بثلث ماله ولأجنبي بثلث ماله أنهما يتحاصان فما صار للعبد عتق فيه، وما صار للأجنبي أخذه ولم أبد العبد؛ لأنه عتق على نفسه.
م: فصار إذا أوصى لعبده بثلثه ثلاثاً أقوال:
قول: أنه يعتق جميعه مبدأ ويحاص بما فضل، وقول: أنه يعتق ثلثه ويحاص بما فضل، ولا فرق في الحقيقة بين أن يوصي له بثلثه أو بثلث نفسه ومئة دينار؛ لأن المعني في
الجزء: 19 - الصفحة: 742
الوجهين يؤول إلى معنى واحد، فإذا وجب أن يعتق في بقية الثلث وجب أن يعتق في المئة، وما وجب أن يعتق فيه وجب أن يكون مبدأ على الوصايا، وبدأه عبد الملك في بقية الثلث؛ لأنه يعتق فيه ولم يبدئه في المئة؛ إذ لا يعتق فيها، ولم يبدئه ابن القاسم؛ لأنه على نفسه عتق، وبدأه المغيرة في ثلث نفسه، ولم يبدئه بما فضل؛ إذ لا يعتق عليه فيه؛ لأنه غير قادر على رد عتق ثلث نفسه فأشبه من ورث بعض من يعتق [117/أ] عليه؛ لأنه لا يعتق عليه بقيته؛ إذ لا يقدر علي رد ما ورث، وقد تقدم هذا.
ومن العتبية قال عيسى قلت لابن القاسم: فلو أوصى لعبده بثلث ماله وأوصى بعتق عبد آخر من المبدأ منهما في الثلث؟ قال: المعتق مبدأ؛ لأنه يعتق على الميت، والموصى له بالثلث إنما يعتق على نفسه.
قلت: فلو أوصى لهذا العبد بثلث ماله، وأوصى لقوم بوصايا؟ فقال: العبد الموصي له بالثلث مبدأ على جميع أهل الوصايا إلا العتق.
م: هذا خلاف لما قدمنا أنهما يتحاصان.
قال سحنون: ولو أوصى لعبده بثلث ماله، وللعبد ولد بدئ بعتق الأب في الثلث، فإن بقي من الثلث شيء دخل فيه الابن فيعتق إن حمله الثلث أو ما حمل منه يبدأ عليه؟ فقال: الذي تبين لي أن لا يعتق عليه من ولده إلا ما
الجزء: 19 - الصفحة: 743
صار له منهم في الوصية ويأخذ ما بقي مالاً.
م: وهذا على قوله إذا أوصى لعبده بثلث ماله أنه إنما يعتق منه ثلثه ولا يقوم على نفسه، وأول قوله: على نفسه على قوله: يستتم هو في بقية الثلث.
قال الشيخ أبو محمد يريد: ويعتق على الأب لا بالوصية.
قال معن بن عيسى عن مالك: ومن أوصى بثلث ماله لجاريته فولدت قبل موته، فإن ولدها هؤلاء لا يعتقون معها في الثلث إن حملهم، وأما ما ولدت بعد موته فيعتقون معها في الثلث إن حملهم الثلث، وإلا فبالحصاص فيها وفيهم، وإن حملهم الثلث وبقيت بقية كانت لأمهم دونهم.
وقال ابن أبي حازم: مل ولد لها قبل موته وبعد الوصية- م: يريد: أو قبل الوصية - من ولد وما كان للميت ممن يعتق عليها، فإنها تبدأ هي عليهم حتى تخرج حرة في الثلث، فما بقي عتق فيه هؤلاء عليها، وإن لم
الجزء: 19 - الصفحة: 744
يسعها الثلث فلا عتق فيه لأحد من قرابتها.
ومن العتبية قال أبو زيد عن ابن القاسم: وإن أوصى بثلث ماله لابن عبده، والابن حر، فإن كان كبيراً وقبل الوصية عتق عليه أبوه، وإن لم يقبل الوصية عتق عليه ثلث الأب، وإن كان صغيراً عتق ثلثه فقط وإن كان الثلث يجاوز رقبة الأب، وكذلك في المجموعة عن ابن القاسم وأشهب، وروى علي عن مالك: في التي أوصت لابن ابنتها وهو حرصغير بنصف ثلثها، أنه يعتق من الأمة نصف ثلث الأم، ويكون له نصف ثلث سائر التركة.
قال علي وأشهب عن مالك: فيمن أوصى لرجل بثلث ماله وفي التركة أخ للموصى له، فإن أراد الموصى له أن يأخذ الوصية ويسكت عن أخيه لئلا يعتق عليه؟
قال: إن قبل الوصية عتق عليه كله، وأدى للورثة ثلثي قيمته، وقال أشهب.
قال الشيخ أبو محمد: يريد أشهب وله أن يقبل الوصية إلا ثلث أخيه فلا يقبله ولا يلزمه عتق باقيه، ولكن يعتق ثلثه.
[(7) فصل: فيمن أوصى بثلث ماله لعبده ولأولاده الأحرار من امرأة حرة]
ومن المدونة قال ربيعة: في عبد له امرأة حرة وولد منها أحراراً فأوصى سيد العبد لجميعهم بثلث ماله، فليعتق العبد في ذلك؛ لأن ولده ملكوا منه
الجزء: 19 - الصفحة: 745
بعضه وملك هو من نفسه البعض.
قال سحنون في كتاب العتق لابنه: وعلى مذهب ابن القاسم تطلق عليه امرأته؛ لأنها ملكت بعضه.
قال أبو محمد: يريد فسخاً بغير طلاق، وهذا إن قبلت.
قال سحنون: فإن كان ولده أربعة، فالثلث بينهم أسداس للعبد ثلث السدس من نفسه ولبنيه أربعة أسداس ثلثه، ويعتق نصيبهم ونصيبه منه، ويبقي للأم وهي الزوجة سدس ثلثه، وينظر إلى ما يقع له ولبنيه من بقية ثلث الميت فيعتق ما بقى من العبد في سهمه من باقي الثلث وسهام بنيه إن حمل ذلك ما بقي من رقبته، وإلا بما حمل منه، يكون سهم المرأة من ذلك المال لها، فإن بقي للعبد ولبنيه بقية من الثلث كانت بينهم على خمسة أجزاء، ثم يعتق سدس [117/ب] المرأة فيما صار للعبد من ذلك المال، فإن لم يحمله عتق منه ما حمل منه ويقوم باقيه على بنيه فيما لهم من ذلك المال ومن غيره إن قبلوا الوصية.
وإن لم يترك إلا العبد وحده عتق خمسة أسداس ثلث العبد على نفسه وعلى بنيه ويبقي سدس المرأة لها، ثم يقوم ذلك السدس على ولده إن كان لهم مال إذا قبلوا الوصية.
الجزء: 19 - الصفحة: 746
قال ابن سحنون: ويقوم عليهم ثلثا العبد الباقي للورثة مع سدس المرأة إذا كان لهم مال.
قال سحنون: ولا يقوم على العبد باقيه في مال إن كان له غير الوصية.
قال أبو محمد: يريد سحنون على رواية ابن وهب عن مالك.
قال سحنون: لأنه لما ملك بعض نفسه كان كعبد شركه في نفسه غيره، فلا يحكم في ماله بغير إذن شريكه.
قال بعض الفقهاء القرويين: في بعض كلام سحنون نظر؛ لأنه جعل ثلثي الورثة من العبد يقوم على العبد وعلى بنيه ولم يبتدئ بالتقويم على العبد، فإن عجز قوم على ولده، وقال في سدس الزوجة يبتدأ بتقويمه على العبد، فإن عجز قوم على بنيه فيما ورثوا عنه في غيره، ولا فرق في التحقيق من ثلثي الورثة وسدس الزوجة، وينبغي لو لم يقبل الولد الوصية على مذهب ابن القاسم أن يكون ما وقع لهم من رقبة أبيهم عتيقاً عليهم كمن أوصى له بجزء ممن يعتق عليه ولا يقوم عليه باقيه، وعلى قول غيره لا يعتق عليه منه شيء.
الجزء: 19 - الصفحة: 747
[الباب الثاني والعشرون]: في الوصية بالخدمة والسكنى والغلة، وفي بيع المخدم ومرجعه ونفقته
.
[(1) فصل: في الوصية بالخدمة والسكنى والغلة]
قال مالك: ومن أوصى لرجل بخدمة عبده أو غلته أو سكنى داره أو غلة حائطه سنة أو عمرى، جعل في الثلث قيمة الرقاب، فإن حملها الثلث نفذت الوصايا.
م: وإنما جعل في الثلث قيمة الرقاب؛ لأن الميت أخرج الرقبة عن الورثة أمد الخدمة وأمد السكنى مع إمكان أن لا يرجع ذلك إلى الورثة؛ إذ قد يموت العبد أو تنهدم الدار، ولهذا جعل قيمة الرقبة في الثلث.
قال مالك: وإن لم يجعل ذلك الثلث، خير الورثة في إجازة ذلك أو القطع للموصى له بثلث الميت من كل شيء تركه بتلاً.
م: لأنه حبس على الورثة أكثر من ثلثه وجعل لهم بما زاد عليهم عوضاً من ذلك مرجع الرقبة، ولم يوص بالرقبة فيخرج منها محمل الثلث، ولا كانت الرقبة في وصيته بالخدمة تخرج من الثلث فتنفذ وصيته على ما أوصى به، فلما كانت أكثر من الثلث لم يكن على الورثة إنفاذ ذلك، ولا لهم أن يحبسوا من ثلث الميت شيئاً، فيكونون لم ينفذوا وصيته، ولا أن يقولوا نقطع له من الرقبة ما حمل الثلث يخدمه ثم يرجع إلينا فيكون الميت لم يتم له وصية، ولا أنفذ له ثلثه فلما كان الأمر كذلك لم يكن بد من تخبير الورثة في إجازة وصية الميت على وجهها أو يبرأوا له من جميع ثلثه في كل شيء ولا يجعلوا للموصى له في شيء
الجزء: 19 - الصفحة: 748
واحد، فإذا لا يكون الثلث، ولكن من كل شيء يكون به شريكا للورثة، وهذا قول مالك وأصحابه رضي الله عنهم.
لا أختلاف بينهم في هذا الباب.
قال محمد: وهو الصواب؛ لقوله الله عز وجل: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا) فلا يكون ميراثاً إلا من بعد إنفاذ الوصية والدين، وإن عال على الثلث فاردده بالسنة إلى الثلث.
قال: وكذلك لو قال: عبدي لفلان بعد سنة أو قال: يخدم فلاناً سنة ثم هو لفلان.
قال ابن القاسم في الوثايا الثاني: وأصل قول مالك في هذا أن كل من أوصى بوصية عال فيها على ثلثه، أو أوصى بأكثر من ثلث ماله العين الحاضر، وأبي الورثة أن يجيزوا، فإنهم يخرجون لأهل الوصايا من ثلث ما ترك الميت من عين أو دين أو عرض أو عقار أو غيره، إلا في خصلة واحدة [118/أ]، فإن مالكاً اختلف قوله فيها:
فقال مرة: إذا أوصى له بعبد بعينه أو دابة بعينها وضاق الثلث، فإن لم يجز الورثة قطعوا له بثلث مال الميت من كل شيء.
وقال مرة ثانية: يقطعون له بمبلغ ثلث جميع التركة في ذلك الشيء بعينه؛ لأن وصيته وقعت فيه، وهذا أحب إلي.
قال محمد: هو الذي ثبت عليه قول مالك: وهو الصواب، وبه نأخذ؛
الجزء: 19 - الصفحة: 749
لأنا نقدر على استيعاب الثلث فيه بعينه بلا منفعة تبقى للورثة في شيء من الثلث أخر الدهر.
ومن الأول قال مالك: والوصية في العبد بالخدمة وبالغلة سواء.
[(2) فصل: في بيع العبد المخدم]
قال مالك: ومن أوصى لرجل بخدمة عبده سنة، لم يجز للورثة بيعه على أن يقبضه المشتري إلى سنة.
[(3) فصل: في مرجع العبد الذي أخدمه سيده مده ثم جعله هبة لآخرٍ]
قال مالك: ومن أخدم عبده لرجل سنين، ثم هو بعد ذلك هبة لرجل آخر فقبضه المخدم ثم مات السيد في الأجل كان قبض المخدم في العبد قبضاً لنفسه وللموهوب له، وسواء كانت الهبة والخدمة معاً والخدمة معاً أو وهبه بعد الخدمة وقبضه المخدم وفي صحة السيد، فالعبد بعد الأجل للموهوب له.
ومن قال في مرضه: يخدم عبدي فلاناً سنة، ثم هو حر، فلم يقبل فلان الخدمة، خدم العبد ورثة السيد سنة ثم يعتق، ولو وهبها للعبد أو باعها منه كان ذلك قبولاً للخدمة، ويعتق العبد مكانه، وإن كان الموصى له غائباً ببلد ناء أجره له السلطان، وأعتق للأجل، إلا أن يكون أريد به ناحية الحضانة والكفالة فينتظر به أو يكتب إليه أو يخرج العبد إليه،
الجزء: 19 - الصفحة: 750
فإن انقضت السنة من يوم مات الموصى فهو حر خدم فيها أو لا؛ لأن مالكا قال: فيمن قال لعبده اخدمني سنة وأنت حر فأبق العبد أو مرض حتى مضت السنة فإنه حر، وإنما رأيت أن يعتق إذا تمت السنة من يوم مات السيد؛ لان مالكاً قال: فيمن قال في وصيته وهو صحيح: عبدي حر بعد خمس سنين.
أن الخمس سنين إنما تحسب من يوم موته، لا من يوم وصيته.
قال ابن القاسم: وهذه وصية له أن يردها.
[(4) فصل: [في نفقة العبد الذي أخدمه سيده مدة ثم يكون بعدها هبة لآخرٍ]
قلت: فنفقة العبد على المخدم أم على الموصى له برقبته؟ قال: قال مالك: نفقته على الذي أخدم.
محمد: وكذلك قال ابن القاسم وأشهب: إن نفقة الموصى بخدمته لرجل وبرقبته بعد الخدمة لآخر على من له خدمته، وكذلك من أوصى لرجل بما تلد جاريته في حياته، وبرقبتها لآخر، فإن نفقتها على الموصى له بما تلد حياته، فإذا مات فرقبتها للآخر.
م: واختلف في زكاة الفطر عن العبد المخدم، فقيل على الذي له الخدمة اعتباراَ بالنفقة، وقيل: على من له مرجع الرقبة، وهو مذهب المدونة.
الجزء: 19 - الصفحة: 751
[الباب الثالث والعشرون]: في ولد المخدمة والموصى بعثقها وولد المدبرة والمدبر ومن فيها عقد
.
[(1) فصل: في الخدمة تلد حال الخدمة هل يخدم ولدها معها]
قلت: فمن أوصى أن تخدم أمته رجلا حياته ثم رقبتها بعد الخدمة لفلان فولدت بعد موت الموصى في حال خدمتها، هل يخدم ولدها معها؟ قال: نعم؛ لأن مالكاً قال: من أخدم أمته أو عبده رجلاً حياته أو أجلاً فولدت الأمة أو ولد العبد من أمته: إن ولديهما يخدمان معهما إلى انقضاء الخدمة.
قال محمد: والنفقة على المخدم.
[(2) فصل: فيما ولدت الموصى بعتقها قبل موت السيد]
قال ابن القاسم: وما ولدت الموصى بعتقها قبل موت السيد، فهم رقيق.
م: لأنه قد زايلها قبل وجوب شيء فيها؛ إذ له الرجوع عن الوصية.
قال: وما ولدت بعد موته فهم بمنزلتها، فيعتق أولادها معها في الثلث أو ما حمل منهم بغير قرعة.
قال محمد: وما ولدت [118/ب] الموصى بعتقها قبل موت السيد ولو بساعة، فهم رقيق؛ لأن له أن يرجع في وصيته وتعتق هي في قيمة نفسها وقيمة ولدها مع سائر التركة، وما ولدت بعد موته فيعتق معها الحصص كولد المدبرة، ولو ماتت الأم قبل أن يقام في الثلث، فإن ولدها يعتقون في
الجزء: 19 - الصفحة: 752
الثلث، وكذلك لو أوصى وهي حامل أنها حرة، وأن ولدها مملوك فوضعته بعد موته فليعتق معها، ولا يجوز استثناؤه.
[(3) فصل: فيما ولدت المدبرة بعد التدبير؛ وفي المدبر يولد له بعد التدبير]
ومن المدونة: وما ولدت المدبرة بعد التدبير مما حملت به قبل التدبير أو بعده، فهو بمنزلتها يكون مدبراً معها، ولدته قبل موت السيد أو بعده، فيعتق معها بالحصص.
[محمد]: وولد المدبر من أمته مما حملت به بعد التدبير بمنزلته، ولدته قبل موت السيد أو بعده، وإن كانت حاملاً يوم التدبير، فهو رقيق للسيد.
ومن المجموعة قال مالك: ومن أوصى أن تباع أمته ممن أحبت وكانت حاملاً، فتأخر ذلك حتى ولدت، فولدها معها في الوصية.
قال ابن القاسم: وإن أوصى أن يحج عنه بثمن جاريته فولدت بعد الموت: إن ولدها داخل في الوصية.
[(4) فصل: فيمن أوصى بأمر فزاد الموصى به فما حكم الزيادة]
قال مالك: وإن أوصى لنصرانية أنها حرة إن أسلمت فغفل عنها بعد موته حتى ولدت، ثم عرض عليها الإسلام فأسلمت، فإن ولدها يعتق معها؛ كما لو قال: إن أدت عشرة دنانير، أو إن رضي أبي فهي حرة، فغفل عن ذلك
الجزء: 19 - الصفحة: 753
حتى ولدت ثم أدت العشرة أو رضي الأب في التي اشترط رضاه، فإن ولدها معها، ولا يعجل بيعها إن أبت أن تبذل العشرة حتى يردد عليها فتأبى، ولها أن ترجع ما لم ينفذ فيها حكم بيع أو قسم.
قال سحنون: فيمن أوصى لرجل بعشر شياه من غنمه فمات وهي ثلاثون فولدت بعده فتمت خمسين: إن له خمسها.
واختلفت فيها قول أشهب فقال هذا مرة، وقال مرة أخرى: له من الأولاد بقدر ماله من الأمهات إن كانت الأمهات عشرين، أخذ عشرة من الأمهات ونصف الأولاد إن حملها الثلث أو ما حمل منها أو ما يصيبها من الأولاد.
[(1) فرع: فيمن وهب حمل أمته أو أوصى به لرجل أو تصدق به عليه ثم أعتقها هو أو وارثه]
ومن المدونة: ومن وهب حمل أمته أو أوصى به لرجل أو تصدق به عليه، ثم أعتقها هو أو وارثه عتقت عليه بما في بطنها وبطلت الوصية والعطية؛ ألا ترى أنه لو وهب ما في بطنها لرجل ثم فلس بيعت عليه، وكان ما في بطنها لمن اشتراها.
وقد تقدم في كتاب العتق كثير من هذا.
الجزء: 19 - الصفحة: 754
[الباب الرابع والعشرين]: في وصية الأحمق والسفيه والمصاب والمحجور عليه والصغير
.
[(1) فصل: في وصية الأحمق والسفيه والمصاب والمحجور عليه]
قال ابن وهب قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الأحمق والسفيه والمصاب الذي يفيق أحياناً تجوز وصاياهم إذا كان معهم من عقولهم ما يعرفونبه الوصية، وأما من كان مغلوباً على عقله فلا وصية له.
قال ابن القاسم: وتجوز وصية المحجور عليه.
م: وإذا ادان المولى عليه ثم مات، لم يلزمه ذلد إلا أن يوصى به وقد بلغ حال الوصية، فيجوز في ثلثه.
ولابن كنانة: وإن سمى أن يقضى ذلك الدين من رأس ماله ولم يجعله في ثلثه لم يجز ذلك على ورثته.
[(2) فصل: في وصية الصغير]
قال مالك: وتجوز وصية صبي ابن عشر سنين.
قال ابن القاسم: وابن أقل من عشر سنين بالشئ الخفيف تجوز وصيته إذا أصاب وجه الوصية إلا أن يكون في وصيته اختلاط، وقد أوصى غلام يافع ابن عشر سنين أو أثني عشر سنة ببئر جشم قيمتها ثلاثون ألفاً فأجازها عمر، وروى ابن وهب أن أبان ابن عثمان أجاز وصية جارية بنت ثمان
الجزء: 19 - الصفحة: 755
سنين أو تسع.
قال محمد: تجوز وصية الصغير ابن تسع سنين أو شبهه، ولم يختلف فيها قول ماكل ولا أحد من أصحابه [119/أ]، وهي السنة من عمر بن الخطاب رضي الله عنه أجازه وأمر به.
وقال أشهب: في صبي أوصى إلى غير وصيه أن يفرق ثلثه، فلم يجز ذلك وصيه، أن ذلك للوصي أن لا يلى غيره تفرقة ثلثه.
الجزء: 19 - الصفحة: 756
[الباب الخامس والعشرون]: في الوصية للوارث أو لعبده أو لعبد نفسه أو للقاتل أو للصديق، ومن أوصى لوارث فصار غير وارث أو لأجنبي فصار وارثاُ، وفي موت الموصى له بعد موت الموصى أو قبل.
[(1) فصل: في الوصية لوارث أو لعبد الوارث أو لعبد نفسه]
[المسألة الأولى: في الوصية لوارث]
قال الرسول: ((لاََ وَصيِةَ لِوَارث))، ومنع القاتل عمداً من الميراث فكان الموصى له إذا قتل الموصي عمداً أبعد من الميراث.
قال مالك: ومن أوصى لوارث بخدمة عبده سنة، ثم هو حر والثلث يحمله، دخل بقية الورثة في هذه الخدمة على المواريث إن لم يجيزوا له الخدمة، فإذا مضت سنة فهو حر، ومن أوصى أن يشتري عبد ابنه فيعتق لم يزد على قيمته بخلاف الأجنبي، ولا تجوز وصية رجلٍ لعبد وارثه إلا بالتافه كالثوب ونحوه مما يريد به ناحية العبد لا نفع سيده، كعبد كان قد نخدمه ونحوه.
وقاله أشهب في المجموعة.
[المسألة الثانية: في الوصية لعبد وارثه]
قال: وإن أوصى لعبد وارثه بالشئ الكثير، وعلى العبد دين يستغرقه أو يبقي منه ما لا يتهم فيه، فذلك جائز.
م: قال بعض القرويين: وفي ذلك نظر؛ لأن زوال الدين عنه يزيد في قيمته فيكون الوارث قد اتنفع، إلا أن يكون بقاء الدين عليه، وهو مأذون له متصرف لا ينقص من ثمنه كثيراً، وزواله عنه لا يزيد في ثمنه كثيراً، فيصح
الجزء: 19 - الصفحة: 757
الجواب، ويصير كأنه أوصى له بشئ يسير، مثل الثوب وشبهه.
قال أشهب: ولا تجوز الوصية لمكاتب وارثه إلا بالشئ اليسير التافه، وأما بالكثير، فإن كان المكاتب ملياً يقدر أن يؤدي، فذلك جائز، وإن لم يكن بالواجد لم يجز.
[المسألة الثالثة: إذا أوصى لعبد زارثه ولا وارث له غيره]
ومن المدونة: وإن أوصى لعبد ابنه ولا وارث له غيره جاز، قل ذلك أو كثر إذا حمله الثلث، ولا ينزع ذلك منه الابن فيصير لم ينفذ وصية أبيه.
قال أشهب في المجموعة: وإن أوصى مع ذلك لأجنبي تحاص مع العبد في الثلث إن ضاق الثلث، فما وقع للعبد كان له، وأما إن كان مع الابن ورثة، فينظر ما صار للعبد بحصاصه، فإن كان تافهاً فهو له، وإن كثر عاد ميراثاً إن لم يجزه الورثة، وليس وصيته لعبد وارثه لا يرثه غيره كوصيته لعبده؛ لأن ذلك للعبد حتى ينتزعه منه، فلذلك يحاصا، فأما إذا كثر صار كوصية لوارث، وأما وصية الرجل لمن يملك من عبد أو مدبر أو مكاتب أو أم ولد أو من يملك بعضه أو معتق له إلى أجل، فذلك جائز ويحاص الأجنبي.
[المسألة الرابعة: إذا أوصى لعبد نفسه، وكيف إن أوصى لعبد أجنبي أو مكاتب نفسه]
ومن المدونة: وإن أوصى لعبد نفسه بمال، كان للعبد إن حمله الثلث، وليس للوارث انتزاعه.
الجزء: 19 - الصفحة: 758
قال أشهب: إذا أنفذوا الوصية وتمتع بها العبد كما يتمتع أهل الأموال بأموالهم، جاز أن يتنزعوه إذا اجتمعوا على ذلك.
قال ابن القاسم: ويباع بماله، ولمن اشتراه انتزاعه، وإن أوصى لعبد أجنبي بمال فلسيده انتزاعه، وإن أوصى لمكاتب نفسه بمال جاز ذلك.
[(2) فصل: [في الموصى له إذا قتل الموصى خطأ]
قال ابن القاسم: والموصى له إذا قتل الموصى خطأ جازت الوصية له في المال دون الدية.
م: لأن الدية عنه [119/ب] أديت وهو يؤدي فيها، فلو أخذ منها صار كأنه لم يؤد شيئا أو أدى أقل مما يلزمه، وسواء مات بالفور أو حيي، وعرف ما هو فيه، بخلاف ما لو أوصى لغير القاتل بعد أن حيي وعرف ما هو فيه إن الوصايا تدخل في المال والدية؛ لأن الموصى له ليست الدية عليه كما هي على القاتل، وساوى بعض أصحابنا بينهما، وهو خطأ.
قال ابن القاسم: وإن قتله عمداً، فلا وصية له في مال ولا دية؛ كما قتل وارثه، إن قتله خطأ فإنه يرث من المال دون الدية، وإن قتله عمداً لم يرث من مال ولا دية إن مات مكانه.
وإن جنى ولم يغير وصيته، فقد اختلف في ذلك: فقيل: إن وصيته تكون في المال؛ لأن سكوته عنها كالمجيز لها، فوجب أن تجوز في ماله.
وقيل: قد
الجزء: 19 - الصفحة: 759
بطلت حتى يبتدئ إجازتها بلفظ آخر غير ما تقدم؛ كما قال في المدبر إذا قتل سيده فلم يمت في الحال بل بقي حياً حتى مات بعد ذلك أن تدبيره يبطل حتى يجدد غيره.
ومن المدونة: وإن أوصى له بعد أن ضربه وعلم أنه جنى عليه- قال ابن المواز: أو لم يعلم أن الجاني عليه؛ لأن الضارب هاهنا لايتهم أنه أراد استعجال شيء؛ لأن الوصية إنما كانت بعد الضرب- فإن كانت الضربة خطأ جازت الوصية في المال والدية، وإن كانت عمداً جازت الوصية في المال دون الدية.
قال أبو محمد: يريد: لأن قبول الدية كمالٍ لم يعلم به؛ لأنها لم تجب إلا بعد موته، فلا تدخل فيه الوصايا.
م: وقاله ابن القاسم: أن الوصايا لا تدخل في دية العمد إذا قبلت؛ لأنه مال لم يعلم به.
قال ابن القاسم: ولو أنه أوصى فقال: إن قبل أولادي الدية فوصيتي فيها أو أوصى بثلثها لم يجز، ولا يدخل منها في ثلثه شيء؛ لأن ذلك عند الميت يوم أوصى مال مجهول.
قال محمد: بل لا مال له، وكشئ لا يعلم أيكون أو لا يكون؟.
م: ولو أنفذ قاتلة، مثل أن يقطع نخاعه أو مصرانه فبقى حياً يتكلم فقبل أولاده الدية، وعلمها فأوصى فيها لدخلت فيها وصاياه؛ لأنه
الجزء: 19 - الصفحة: 760
مال طرأ له وعلمه قبل زهوق نفسه فوجب أن تجوز فيه وصاياه.
قال أبو محمد: وهذه المسألة في كتاب الهبات أيضاً، وجوابها في العمد مشكل، والذي كتبنا هو في كتاب ابن المواز، وذكره سحنون عن أشهب هو معنى كلام ابن القاسم في المدونة إن شاء الله.
[(3) فصل: [إذا قتل الموصى من لايتهم]
[المسألة الأولى: إذا أوصى لمعتوه أو إلى صبي فقتلاه]
من الخامس قال أشهب في المجموعة وكتاب محمد: وإن أوصى لمعتوه فقتله المعتوه بعد الوصية، فالوصية نافذة؛ إذ لا تهمة عليه، وكذلك الصبي، وكما لو قتل الصبي والمعتوه وارثه لورثه، والمعتوه أعذرهما، وقد يؤخذ الصبي بفعله.
قال: وإن أوصى لمكاتب رجل، فقتله سيد المكاتب، فإن كان المكاتب ضعيفاً عن الأداء- وأداء المكاتب أفضل لسيده- بطلت الوصية للتهمة، وإن كان قوياً على الأداء وعجزه أفضل لسيده؛ لكثرة ثمنه وقلة ما بقي عليه، فالوصية للمكاتب جائزة في الثلث، ولو كان القتل خطأ جازت له من ثلث ماله على كل حال، وأستحسن هاهنا أن تكون من ثلث عقله.
[المسألة الثانية: إذا أوصى لعبد رجل أو لمدبره فعمد سيده فقتل الموصي]
الجزء: 19 - الصفحة: 761
قال في كتاب محمد بن المواز: ولو أوصى لعبد رجل أو مدبره أو معتق له إلى أجل أو معتق بعضه فعمد سيده فقتل الموصي، فذلك كله سواء، وتبطل الوصية إلا أن تكون الوصية بشئ تافه لا يتهم السيد في القتل على مثله فتنفذ وإن كان له أن ينتزعه منه يوماً ما أو يبيعه بذلك، فإذا كان تافهاً فذلك نافذ في العمد والخطأ، وإن كان شيئاً له بال بطلت الوصية في العمد [120/أ] وتجوز في الخطأ في ثلث المال، وأستحسن هاهنا أن يكون في ثلث العقل.
[(4) فصل: [إذا أوصى لرجل فقتل الموصى أحد اقرباء الموصى له وفيمن وهب لرجل هبة في مرضه فقتله الموهوب]
[المسألة الأولى: إذا قتل الموصى أحد أقرباء الموصى له]
ومن أوصى لرجل بوصية فقتله ابن الموصى به، أو قتله أبوه أو أمه أو زوجته أو عبد أحدهما أو أم ولد الموصى له، فالوصية جائزة، كان القتل عمداً أو خطأ.
م: صواب؛ لأنه لا يهتم أحد أن يقتل من وصى لأبيه أو لابنه، لعل أباه أو ابنه أن يعطيه من ذلك.
[المسألة الثانية: فيمن وهب لرجل هبة في مرضه فقتله الموهوب]
ولو وهب لرجل هبة في مرضه فقتله الموهوب، فالهبة له جائزة من الثلث، قتله عمداً أو خطأ، قبضها أو لم يقبضها إذا كانت بتلاً، عاش أو مات ولم تكن وصية؛ لأن قتله أضر به؛ إذ لو عاش كانت من رأس ماله، وهي الآن من ثلثه، ولو أقر له بدين في مرضه فقتله، فالدين له ثابت.
محمد: ولو كثر الدين؛ لأنه ليس بقتله ثبت الدين، ولأن أم الولد إذا قتلت سيدها عمداً لعتقت إن عفي عنها.
الجزء: 19 - الصفحة: 762
ولو أقر لوارثه بدين أو وهب له هبة بتلا، فقتله الوارث، فلا شئ له من ذلك، بخلاف الأجنبي.
م: لأنه استعجل ذلك بالميراث، فأحرمه.
[(5) فصل [في المدبر وأم الولد يقتلان سيدهما عمداً أو خطا]
[المسألة الأولى: في المدبر يقتل سيده عمداً أو خطاً]
ومن كتاب محمد - وأراه لأشهب-: وإذا قتل المدبر سيده عمداً بطل تدبيره، وإن كان خطاً، فتدبيره بحاله، فإذا عتق لم يتبع من الدية بشئ؛ لأنه إنما لزمًه ذلك وهو عبده.
وقال ابن القاسم: يتبع بدية سيده في الخطأ.
[المسألة الثانية: في أم الولد تقتل سيدها عمداً
وأم الولد إذا قتلت سيدها عمداً فعفى عنها فلتعتق لأنه عتق لازم من رأس المال، ولا تتبع بعقلٍ في عمد ولا خطأ.
وقاله أبن القاسم في أم الولد، بخلاف المدبر عنه.
وقال عبد الملك: تتبع مثل المدبر.
[(6) فصل [في الوصية لوارث قتل مورثه عمداً فأبراه المقتول]
وإذا قامت بينة على وارث أنه قتل مورثه عمداً فأبراه المقتول، فإنه يتهم في إبرائه؛ لأنه ولده يرى أنه يوجب له ميراثاً زال عنه بالقتل، وهو عفو جائز لا يقتل به لكن لا يرثه بذلك، ولا يكون مصابه له وصية من ثلثه.
الجزء: 19 - الصفحة: 763
م: لأنه أراد أن يخرج ذلك من رأس المال فاشبه قوله: كنت أعتقت عبدي هذا في صحتي.
فلا يخرج من ثلث ولا رأس مال، وقيل: يخرج من الثلث.
قال في كتاب محمد: ولكن لو لم يبرئه وقال: نصيبه من الميراث هو وصية له، فذلك جائز؛ لأنها وصية لغير وارث.
قال أشهب: وإذا قامت بينة على وارث بالقتل عمداً فكذبهم بعض الورثة، وصدقهم البعض، فإن ما صار للمكذبين من ميراثهم - يريد: من الدية فهو للقاتل، وكذلك الموصى له بوصية، كما لو أقر الميت بدين لوارثه فصدقه بعض ورثته.
قال: ومن زوج أمته، ثم قتلها السيد قبل البناء، فالمهر كله للسيد؛ لأنه لم يجب له بالقتل.
[(7) فصل: [فيمن أوصى لوارث فأصبح غير وارث، أو أوصى لغير وارف فأصبح وارثا]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى لأخيه بوصية في مرضه أو في صحته وهو وارثه لم يجز، وإن ولد له ولد يحجبه جازت الوصية إن مات وهو يعلم بالولد؛ لأنه قد تركها بعد ما ولد له، فصار مجيزاً لها.
وقال أشهب: الوصية للأخ جائزة، علم الموصى بما ولد له أو لم يعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 764
قال محمد عن ابن القاسم: فإن لم يمت الموصى حتى مات الولد بطلت الوصية للأخ؛ لأنه صار وارثاً.
قال ابن القاسم في المدونة: ومن أوصى في صحته لامرأة بوصية ثم تزوجها، ثم مات بطلت الوصية.
ومن المجموعة وكتاب محمد: ومن أوصى لابنه وهو عبد أو نصراني فلم يمت حتى عتق العبد وأسلم النصراني بطلت الوصية، وكذلك لو أوصى لامرأة، ثم تزوجها في صحته ثم مات، ولو كان أقر لها بدين لزمه، كإقراره لوارث بدين في الصحة وكذلك لو [120/ب] أقر لابنه العبد أو النصراني بدين في مرضه ثم أسلم أو عتق، فذلك كله جائز.
م: كالإقرار بالدين لوارث في الصحة، والعلة أن الإقرار وقع في وقت جائز، فلا يراعى إلا ما يؤول إليه بعد ذلك، بخلاف الوصية؛ لأن الوصية إنما تصح بعد الموت فينظر إلى حال الموصى له حينئذ.
[(1) فرع: في الهبة لغير وارث ثم يصير وارثاً]
ابن المواز قال أشهب: ولو وهب لامرأة هبة في صحته، ثم تزوجها في صحته ثم مات، فإن حازتها في صحته فهي نافذة من رأس المال، وإن لم تحزها فهي ميراث، ولو وهبها في مرضه وقبضت الهبة ثم تزوجها في مرضه ثم مات، فالوصية جائزة في ثلثه؛ لأنها لا ترثه.
ولو بتل لرجل هبة في مرضه وهو غير وارث ثم صار وارثا فوقع في كتاب محمد أن الوصية لا تجوز، لأنها لا تثبت إلا بعد الموت.
الجزء: 19 - الصفحة: 765
قال بعض القرويين: والأشبه أن يجوز له من الثلث على مذهب أبن القاسم الذي يرى أن البتل في المرض لا يقدر على الرجوع عنه؛ لأن الوصية إنما تبطل إذا صار الموصى له وارثاً؛ لأنه قادر على الرجوع عنها، فكأنه إنما أوصى له بعد أن صار وارثاً، وقد وقع في كتاب محمد ما يدل على أن الهبة له من الثلث وإن صار وارثاً.
قال في حمالة المريض عن وارثه: إذا صح جازت الحمالة، يريد: لأنه يصير كمن تحمل عنه في الصحة.
قال: وكذلك لو لم يصح ولكن ولد له في مرضه ولد يحجبه عن الميراث ثم مات بعد ذلك الولد، فعاد وارثاً على حاله لتثبت الحمالة، يريد: لأنه لما ولد له ولد يحجبه صار كأنه تحمل لغير وارث، فلا يضره إن صار وارثاً بمنزلة الذي صح ثم مات، إلا أن الأول من رأس المال وهذا من الثلث؛ لأنه بمنزلة من تحمل في مرضه من غير وارث فهو من الثلث، ولا يضره إن صار وارثاً، وكذلك إذا بتل هبة في المرض لغير وارث ثم صار وارثاً أنها جائزة له من الثلث؛ لأنه لا يقدر على الرجوع فيها، كما لا يقدر على الرجوع في الحمالة، فالهبة في المرض لغير وارث إذا صار وارثاً كالحمالة لغير وارث في المرض ثم صار وارثاً إن ذلك جائزة لهما من الثلث في المسألتين.
[(8) فصل: [في الوصية للصديق]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وتجوز الوصية للصديق الملاطف - عند مالك- بالثلث فأقل منه، فإن زاد على الثلث لم يجز منه إلا الثلث إلا أن يجيزه الورثة، وإن أقر له بدينٍ جاز إن ورثه ولد أو ولد ولدٍ، وأما إن كان ورثته
الجزء: 19 - الصفحة: 766
كلالة أو زوجة أو أبوين أو عصبة ونحوه، لم يجز إقراره له.
قال سحنون: لا في ثلث ولا غيره.
م: لأنه لم يرد به الثلث، وإنما أراد أن يعطيه من رأس المال، ولا يكون من الثلث إلا الذي أريد به الثلث.
قال في الحمالة: وإن كان عليه دين يغترق ماله لم يجز إقراره للصديق الملاطف ولا وصيته له ولا كفالته عنه.
قال في العتبية: ومن أقر في وصيته أن فلاناً الميت كان أعطاه مئة دينار يتصدق بها فتلسفها، وفلان ليس له وارث سئل، فإن كان يرث المقر ولد أخرجت من رأس ماله، وإن كان يورث كلالة فإقراره باطل، ولو كان فلان حياً أو له ورثة فصدقوه فذلك جائز، وإن كذبوه بطل إقراره، وإذا أقر في مرضه في عبد أنه كان غصبه نفسه بأنه حر من أصله، فإن كان يورث كلالة بطل قوله، وإن ورثه ولده عتق من رأس ماله.
م: كقوله في أمته أنها كانت ولدت منى، ولا يعرف ذلك إلا بقوله، ولا ولد معها.
ويدخلها القول الآخر الذي قال فيه: لايعتق في ثلث ولا رأس مال؛ كقوله أعتقت عبدي في صحتي.
[(9) فصل: [في موت الموصى له بعد موت الموصى أو قبل]
قال مالك: وإذا مات الموصى له بعد موت الموصي، فالوصية لورثة الموصى
الجزء: 19 - الصفحة: 767
له علم بها أم لا، ولهم أن لا يقبلوها كشفعة له أو خيار [121/أ] في بيع ورثوه، وإن مات الموصى له قبل موت الموصى، فإن الوصية تبطل، علم الموصي بموته أو لم يعلم، واختلف قول مالك، هل يحاص بها ورثة الموصي أهل الوصايا أم لا؟
وفي الوصايا الثاني إيعا بُها، وإبعابُ الوصية للوارث.
والله أعلم.
الجزء: 19 - الصفحة: 768
الباب السادس والعشرون: فيمن أوصى بأكثر من ثلثه، وما تدخل فيه الوصايا مما لم يعلم به
.
[(1) فصل: في الوصية بأكثر من الثلث]
[المسألة الأولى: في وصية من لا وارث له بماله كله]
قال محمد: قال مالك: لا يجوز لمن لا وارث له أن يوصى بماله كله؛ قال الله تعالى: (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ)، فليس من أحد إلا وله وارث، عرف أو جهل.
قال أشهب: وبلغني عن علي وابن مسعود وعبيدة السلماني فيمت لا وارث له أن يوصي بماله كله؛ لأن له الثلث، وكأنه أنفذ الثلثين فيما ينبغي أن ينفذ فيه.
قال أشهب: وليس بقولنا، وللوصي أن ينفذ ذلك في وجهه، ولا ضمان عليه.
وقال أبو زيد عن ابن القاسم: في المسلم يموت ولا وارث له، قال يتصدق بما ترك، إلا أن يكون الوالي مثل عمر بن عبد العزيز يخرجه في وجهه فليدفع إليه، وكذلك من أعتق نصرانياً فمات النصراني ولا وارث له، فليتصدق بماله ولا يجعل في بيت المال
الجزء: 19 - الصفحة: 769
قال مالك في العتبية: في نصرانية تبعث بدينار إلى الكعبة أيجعل فيها؟
قال: بل يرد إليها.
[المسألة الثانية: في الرجل والزوجة يوصيان بأكثر من الثلث ولهما ورثه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أوصى في مرضه فعال على ثلثه جاز منه الثلث، إلا أن يجيزه الورثة، وأما المرأة ذات الزوج إذا عالت في عطيتها على ثلثها- يريد في الصحة- فلا يجوز منه شيئ؛ لأن المريض لا يريد الضرر، إنما يريد البر لنفسه، فيجوز من فعله الثلث، والمرأة ذات الزوج إذا زادت على ثلثها، فذلك ضرر عند مالك فيرد كله، ولا ينبغي أن يجاز بعض الضرر ويترك بعضه.
وفي الحمالة إيعاب هذا.
قال ابن القاسم: ومن أوصى لرجل بعبد له قيمته ألف درهم ولآحر بدار قيمتها ألف درهم وترك ألف دارهم، فلم يجزالورثة، فالثلث بين الموصى لهما في الأعيان، فيكون للموصى له بالعبد نصف العبد، وللموصي له بالدار نصف الدار، فهذا ثلث الميت، ويبقي في يد الورثة ألف درهم ونصف العبد ونصف الدار، وذلك ثلثا الميت.
الجزء: 19 - الصفحة: 770
[(2) فصل: [فيما تدخل فيه الوصايا مما علم به الميت أو لم يعلم]
ومن المدونة: وكل وصية فلا تدخل إلا فيما به الموصي، إلا المدبر في الصحة، فإنه يدخل فيما علم به الميت أو لم يعلم به من غائب أو حاضر.
قال في كتاب ابن المواز: وكذلك المدبر في المرض، فأما المبتل في المرض فلا يدخل في ذلك.
وقال مالك في المدونة: ومن أوصى بثلثه أو بعتق أو غيره ولا مال له يوم أوصى، أو كان له مال فذهب ماله ذلك، ثم أفاد مالاً بعد ذلك بمورث أو غيره، فإن علم بالمال المستفاد قبل موته في صحته أو مرضه دخلت فيه الوصايا، وإن لم يعلم لم تدخل فيه الوصايا إلا المدبر في الصحة، وكل دار أعمرها أو أرض حبسها على جهة التعمير فرجعت بعد موته، فإن الوصايا تدخل فيها ولو رجعت بعد عشرين سنة، ويرجع فيها من انتقص من وصيته ويأخذون ثلثه، وأما الحبس المبتل فلا يرجع ميراثاً ولا يرجع فيه أهل الوصايا.
قال ابن وهب عن مالك: ومن أوصى فقال: كل مملوك لي حر، وقد ورث رقيقاً لم يعلم بهم فلا يعتق منهم إلا من علمه منهم، ومن غاب عنه علمه فلا يعتق، والناس إنما يوصون فيما علموا من أموالهم.
[121/ب]
الجزء: 19 - الصفحة: 771
[الباب السابع والعشرون]: جامع القول فيما يكون من رأس المال وما يبدأ به فيه
.
م: أول ما يبدأ به من رأس مال الميت أسباب مواراته إلى دخوله قبره، فمن ذلك كفنه وحنوطه وحق غاسله وحامله وحافر قبره، ثم الدين ببينة أو بإقرار، كان لمن يجوز إقراره له أو لمن لايجوز قال الله سبحانه وتعالى (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) ومعناه: من بعد وصية لا دين معها أو دين لا وصية معه، فإن اجتمعا في مورث فالدين مبدأ، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((الدين مبدأ على الوصايا))، والإجماع على ذلك.
فإن كان الدين لم يجوز إقراره له أخذه، وإن كان لمن لا يجوز إقراره له عزل وورث، وكانت الوصايا في ثلث ما بقي، لأنه كذلك أراد أن تكون الوصايا في ثلث ما بقي.
وأن الدين فارغ من رأس المال، فلما منع من ذلك للتهمة نفذت الوصايا على ما أراده، إلا صداق المنكوحة في المرض والمدبر في الصحة.
محمد: والمدبر في المرض، فإنه إن ضاق ثلث ما بقي من المال عزل الدين لمن يتهم فيه استتموا في ثلث ذلك الدين وفي الموروث الذي لم يعلم به لقوة الاختلاف في ذلك.
وقد تقدم بعض هذا.
والمريض تحل عليه زكاته في مرضه، أو تقدم عليه مال حل حوله، فما عرف
الجزء: 19 - الصفحة: 772
من هذا وأخرجها في مرضه أو أمر بإخراجها ثم مات، فإنها فارغة من رأس ماله، وكذلك من مات يوم الفطر أو ليلته فأوصى بالفطرة عنه فهي من رأس المال، فإن لم يوص بها أمر ورثته بإخراجها، ولم يجبروا؛ كزكاة العين تحل في مرضه، وأشهب يقول: هي من رأس المال أوصى بها أو لم يوص؛ كمن مات وقد ازهى حائطه وطاب كرمه وأفرك زرعه واستغنى عن الماء، فزكاة ذلك كله على الميت في رأس ماله إن بلغ ما فيه الزكاة أوصى بذلك أو لم يوص، ولم يختلف في هذا.
وقد تقدم هذا في كتاب الزكاة
الجزء: 19 - الصفحة: 773
[الباب الثامن والعشرون]: جامع التبدية في العتق من وصية أو غيرها
[(1) فصل: في تبدية العتق على الوصايا، وفيما يقدم من الوصايا وما يؤخر]
من الثاني: روي أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أمر بتبدية العتق على الوصايا، وفعل ذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وقضوا به، وقاله ابن عمر والحسن.
قال ابن القاسم: ومن قول مالك: أنه لا يقدم ما قدم الميت في اللفظ أو في كتاب وصيته ولا يؤخر ما أخره، ولكن يقدم الأوكد فالأوكد إلا أن ينص على تبدية غير الأوكد فيقول: بدئوا عتق النسمة بغير عينها على التي بعينها، أو بدئوا بكذا فينفذ.
قال ابن الماجشون في الواضحة: ما أوصى به الميت أن يبدأ على ما هو أوجب منه، فذلك في كل ما كان وصية يجوز له الرجوع عنها، فأما ما ليس له الرجوع عنه من عتق بتل أو عطية بتلٍ أو تدبير في مرضه فلا يبدأ بما يقول، ولكن بما هو أولى؛ لأن تبدئته عليه رجوع عنه، وذلك لا يجوز.
قال ابن القاسم: وإن أعتق عبداً له في مرضه واشترى ابنه فأعتقه وقيمته الثلث، فالابن مبدأ ويرثه.
محمد: لأنه ساعة اشتراه حر، والمعتق لا يعتق حتى يقوم.
الجزء: 19 - الصفحة: 774
قال: ويبدأ على المبتل والمدبر في المرض، وإن اشترى ابنه وأخاه في مرضه، فإن اشتراهما واحداً بعد واحد بدئ بالأول، وإن اشتراهما في صفقة، فقيل يبدأ الابن، وقيل الأخ، وقيل يتحاصان، وقد تقدم هذا.
[(2) فصل: في العتق إذا كان بعينه هل يبدأ على الوصايا سواء كان في ملكه أو غير ملكه]
قال مالك: ومن السنة المعمول بها أن العتق يبدأ على الوصايا إذا كان بعينه، كان في ملكه أو في غير ملكه.
محمد: وقاله مالك [112/أ] وأصحابه.
قال أشهب: وقال لي الليث وابن أبي حازم وغيرهما: لا يبدأ إلا ما كان في ملكه، وأما النسمة تشتري بعينها فلا تبدأ.
قال أشهب: قول مالك أحب إلي.
قال مالك وأشهب: وإن أوصى بعتق رقبة عبده وبنسمة تشترى بعينها
الجزء: 19 - الصفحة: 775
بدئت التي في ملكه.
وقاله أشهب وعبد الملك في المجموعة.
قال عبد الملك: لتتم حريته، ولعل الآخر لا يتم شراؤه بامتناع أو غيره.
قال أشهب: وأجمع العلماء إلا من شذ منهم: أن الذي في ملكه يبدأ على الوصايا، وأكثرهم لا يبدئون الآخر على الوصايا.
وقال ابن القاسم: يتخاصمان
ابن وهب: وقاله ربيعة.
[(3) فصل: في تبدية المعتق على غير مال]
ومن المدونة قال مالك: وإن أوصى بعتق عبده مرزوق وبعتق عبده ميمون، على ان يؤدي ميمون مئة دينار إلى ورثته، فإن عجل ميمون المئة تحاصا، وإلا بدئ بمرزوق، فإن بقي من الثلث ما لا يحمل ميموناً، خير الورثة بين إمضاء الوصية أو يعجلوا فيه عتق بقية الثلث.
م: فإن أمضوا الوصية فلم يقدر ميمون على أداء المئة بعد التلوم عاد رقيقا.
وقال أشهب: يبدأ الذي يعتق على غير مال وإن عجل الآخر المال.
قال: وإن لم يعجل الآخر المال، أو أوصى بأن يكاتب عبد له آخر، فالذي
الجزء: 19 - الصفحة: 776
بعينه على غير مال مبدأ.
وذكر محمد عن أشهب كقول ابن القاسم: إن عجل الآخر المال تحاصا، وإلا بدئ الآخر، إلا أن يعني أن ذلك بتل على أن يبقي عليه المال فيتحاصان.
[(4) فصل: في العتق الناجز والمؤجل]
قال ابن القاسم في الكتابين: وإن أوصى بعتق عبده ناجزاً وبعتق عبده الآخر إلى شهر تحاصا لقرب الشهر، ولو بعد بدئ المعجل.
وقال أشهب: الشهر كثير، ويبدأ المعجل، إلا أن يكون اليومين والثلاثة فيتحاصان.
قال ابن القاسم: ولو قال: يخدم هذا فلاناً شهراً ثم هو حر، وفي الآخر يخدم فلاناً سنة ثم هو حر، فصاحب الشهر يبدأ.
ولو قال في الأول يخدم فلاناً سنة وفي الآخر يخدم فلاناً عشر سنين تحاصا.
وقال في المجموعة: ها متباعد، وكأنه يرى أن يعجل الذي إلى سنة، فأما لو تقاربا مثل ثمانية وسبعةٍ وخمسةٍ لجمعا في الثلث.
قال محمد: وإن أوصى بعتق عبد له وبعتق عبد له آخر بعد خدمة رجلٍ حياته، فضاق الثلث وأبت الورثة أن يجيزوا، فإنما يعتق منهما بتلاً محمل الثلث، ولا تبدئة للذي لم يوص فيه بخدمة هاهنا، وإن أوصي بكتابة عبده فلان وأن يعتق الآخر بعد سنة فضاق الثلث، فليسهم بينهما، فمن خرج أعتق في الثلث، فإن لم يحمله الثلث خير الورثة فإما أنفذوا قول
الجزء: 19 - الصفحة: 777
الميت، أو أعتقوا منه محمل الثلث بتلاً، فإن خرج الذي يعتق بعد سنة سقطت الخدمة.
قال محمد: وأحب إلى أن يبدأ المعتق إلى سنة؛ لأنه بتله ولا عجز فيه.
وقاله عبد الملك.
قال ابن القاسم في غير المجموعة: إذا لم يحملها الثلث، قيل للورثة: إما أن تجيزوا، وإلا عتق محمل الثلث منهما بتلاً.
قال سحنون: ولو أوصى بخدمة عبده لرجل سنة ثم هو لفلان، ثم أوصى بعتق عبد له آخر إلى عشر سنين ولم يحمل الثلث إلا أحدهما، فليبدأ المعتق إلى عشر سنين، ثم يخير الورثة: فإما أعطوا العبد الآخر للرجلين يبدأ فيه صاحب الخدمة، ثم يأخذه صاحب الرقبة، فإن أبوا أسلموا خدمة العبد الآخر إليهما يبدأ فيه الموصى له بالخدمة بقيمة خدمة الآخر سنة، وما فضل فهو للموصى له برقبة الآخر، ثم يعتق إذا تم الأجل.
ومن العتبية قال ابن القاسم: فيمن قال: ثلثي حر، وعبدي فلان حر، فليبدأ بالذي سمى، فما بقي من [112/ب] الثلث أشترى به رقاباً فأعتقت، ولو كان له رقاب لبدئ المسمى، فإن بقي من ثلثه شئ أسهم فيه بين من بقي من رقيقه.
[(5)] فصل: [في تبدية ما بتل]
ويبدأ بعتق المبتل في المرض والتدبير فيه على الموص بعتقه بعينه.
الجزء: 19 - الصفحة: 778
محمد: وقاله ابن القاسم وابن وهب وابن دينار، وهو أول قولي مالك.
وقال أشهب: يتحاصان.
وهو آخر قولي مالك.
محمد: وبقول ابن القاسم أقول؛ إذ له أن يرجع في الموصى بعتقه ولا يرجع في الآخرين.
وقال ابن وهب عن مالك: والصدقة البتل تبدأ على الوصايا.
قال ابن دينار: وتبدأ على الموصي بعتقه بعينه؛ إذ له أن يرجع فيه، ولا يرجع في المبتل.
وقاله عبد الملك وسحنون في المجموعة.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وقف مالك في تبدئة الصدقة البتل على الوصايا، وتبدأ أحب إلي، وأما مع العتق فليبدأ العتق.
قال محمد: إنما هذا إذا بتل العتق كما بتل الصدقة.
قال: والمبتل في المرض والمدبر في المرض لا يبدأ أحدهما فيه على الآخر إذا كانا في كلام واحد وفور واحد، وإن لم يكن في كلام واحد بدئ بالأول فالأول.
الجزء: 19 - الصفحة: 779
محمد: ولم يختلف في هذا قول مالك وأصحابه.
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون: المبتل في المرض مبدأ على المدبر فيه.
وقال في المجموعة: إذا دبر في الأرض وبتل فيه في فور واحد فإنهما يتحاصان فيه، إلا أن تكون له أموال مأمونة فيكون المبتل مبدأ، إذ قد تمت حرمته قبل موته ويعجلها من الثلث.
ومن المجموعة قال عبد الملك: وإذا بتل المريض عتق عبده وأعتق من آخر نصفه، فالمعتق جميعه يبدأ، ويبدأ استتمام ذلك النصف على الموصى بعتقه الذي له أن يرجع فيه، وهذا شئ يلزمه.
قال ابن القاسم: وإذا قال صحيح: لفلان عشرة دنانير من مالي - عشت أو مت- فإن قام عليه في صحته أخذها، وإن مات المعطى، فلورثته القيام فيها، وإن مات المعطي كانت في ثلثه مبدأة، وكذلك عتق البتل في المرض كما ذكرنا.
قال محمد: وإذا مات فصدقة البتل مبدأة في ثلثه، ولو كانت له أموال مأمونة كان للمعطي تعجيلها، وتكون من الثلث إن مات، وأما إن مات المعطي ثم مات المعطي، فلا شئ لورثة المعطي؛ إذ لا تتم صدقة إلا بحوز، فإذا رجعت إلى معنى الوصية فقد مات الموص له قبل موت الموصى فبطلت، وحملها أبن القاسم محمل البتل؛ إذ لم يكن له أن يرجع فيها، وهو عندي مختلف؛ لأن العبد حائز لنفسه بالعتق، والصدقة لم تحز؛ ألا ترى لو
الجزء: 19 - الصفحة: 780
قال صحيح لرجل: لك عشرة دنانير من مالي إلى عشر سنين، وأعتق عبده إلى عشر سنين، ثم مات السيد لبطلت الصدقة وصح العتق؟ وقاله ابن القاسم، ولو استحدث ديناً قبل العشر سنين لبطلت الصدقة.
قال أبو محمد: قول ابن القاسم حسن، لقوله: عشت أو مت فهي وصية في الموت، وعطية في الصحة.
الجزء: 19 - الصفحة: 781
[الباب التاسع والعشرون] جامع ترتيب ما يبدى بعضه على بعض في الثلث من العتق، وجميع أنواع الوصايا.
مجموع من المدونة وغيرها.
قال مالك: أول ما يبدأ به في الوصايا في الثلث المدبرفي الصحة على كل وصية، وعلى العتق الواجب وغيره؛ إذ ليس للميت أن يرجع فيه، وله
أن يرجع في وصيته بالعتق وغيره قبل موته إلا ما بتله في مرضه.
م: واختلف قول ابن القاسم في المدبر في الصحة وفي صداق المنكوحة في المرض إذا بني فيه:
فقال مرة: أول ما يبدأ به في الثلث المدبر في الصحة على صداق المنكوحة في المرض وغيره.
وقال مرة: يبدأ بصداق [123/أ] المريض.
وقال مرة: يتحاصان.
ثم بعد هذين: الزكاة يفرط فيها فيوصي أن تؤدي عنه- ولا فرق بين زكاة الأموال وزكاة الحرث والماشية إذا فرط في ذلك كله- ثم زكاة الفطر، ثم كفارة من أكل أو وطئ في رمضان عامدان، ثم العتق في الظهار وقتل النفس معاً لايبدأ أحدهما على الآخر، وقيل يبدأ بعتق قاتل النفس، ثم كفارة الأيمان، ثم الإطعام عن قضاء رمضان، ثم المبتل والمدبر في المرض إذا كانا في فور واحد، فإن كان بعضهم قبل بعض بدئ بالأول فالأول، وقيل: إن المبتل في المرض يبدأ على المدبر إن كانا في فور وكلمة واحدة، ثم الموصي بعتقه إذا كان في ملكه أو
الجزء: 19 - الصفحة: 782
أوصى أن يشترى به فيعتق وهو بعينه أو أوصى أن يعتق إلى أجل قريب كالشهر ونحوه، أو يعتق على مال، فعجله على مذهب ابن القاسم- وقد ذكرنا الاختلاف في ذلك- فإذا اجتمع من ذكرنا وضاق الثلث عنهم تحاصوا؛ لأنهم في رتبة واحدة عنده، ثم بعد ذلك الموصى أن يعتق إلى أجل بعيد كالسنة ونحوها، ثم من بعده الموصى أن يكاتب أو يعتق على مال - فلم يعجله معاً، فإن بعد أجل عتقه جداً كالعشر سنين ونحوها تحاص هو والموصى أن يكاتب أو يعتق على مالٍ- فلم يعجله- ثم النذر مثل قوله: لله على أن أطعم عشرة مساكين على مذهب أبن مناس، وأما أبو محمد فقدمه على المبتل والمدبر في المرض، ثم الموصى بالعتق بغير عينه وبالمال وبالحج، وقد قال ابن القاسم أيضاَ: إن العتق بغير عينه يبدأ على الحج.
ولم يختلف قوله أنه إذا أوصى بمال لرجل وأوصى بعتق بغير عينه أنهما يتحاصان، وإذا أوصى بحج وأوصى بمال أنهما يتحاصان.
والموصى برقبة وبحج وثلثه يحمل الرقبة وبعض الحج فبدأنا الرقبة، فإنه يحج عنه ببقية الثلث من حيث بلغ، ولو كان من مكة.
الجزء: 19 - الصفحة: 783
قال مالك: وإن أوصى أن يحج عنه فلم يبلغ ثلثه ما يحج به عنه إلا من المدينة أو من مكة، فلتنفذ وصيته.
قال ابن القاسم: وإن لم يوص فلا يحج عنه، وقد كره مالك أن يتطوع الولد من مال نفسه فيحج عن أبيه، وكان يقول: لا يعمل أحد عن أحد
م: فإذا اجتمع وصية بمال، وبحج عنه، وبعتق بغير عينه- على قوله يبدأ بالرقبة على الحج - فإنهم يتحاصون في ضيق الثلث، فما وقع للحج كانت الرقبة أولى به؛ كما لو كانا جميعاً، ومثلها إذا ترك الميت أخاً شقيقاً وأخاً لأب وجدا- على مذهب زيد - فإن الأخ الشقيق يحاسب الجد بالأخ للأب فيقتسمون المال على ثلثه، ثم يرجع الأخ الشقيق على الأخ للأب فيأخذ منه ما بيده؛ لأن الأخ الشقيق يحتج على الجد، فيقول له: لو كنا أخويا للأب لقاسمناك، فليس كوني شقيقاًمما يسقط عنك المقاسمة، ويحتج على الأخ للأب فيقول: لو كنت أنا وأنت لم يكن لك معي شئ، فليس كون الجد معنا مما يوجب لك شيئاًَ، وبالله التوفيق.
الجزء: 19 - الصفحة: 784
[(1) فصل: في] جامع مسائل مختلفة منه
[المسألة الأولى: في الضرورة يوصى بحجة ورقبة بغير عينها وبمال]
ومن كتاب ابن المواز قال أشهب عن مالك: في الصورة يوصى بحجة ورقبة بغير عينها وبمال فإنهم يتحاصون إن صار للحج ما يحج به، وإلا بدئ بالحج، وإن كان غير صرورة بدئ بالعتق والوصايا على الحج.
وقد قال ابن القاسم: يبدأ بالعتق بغير عينه على الحج وإن كان صرورة.
قال محمد: وقول ابن القاسم- الذي وافق فيه أصحابه أحب إلي - أن يحاص به مع الوصايا والعتق بغير عينه [123/ب] في حج الصرورة، ويحج بما وقع له من حيث بلغ، وإن لم يكن صرورة، فالوصايا مبدأة عليه، ونحوه لابن كنانة.
قال أصبغ: كان صرورة أو غير صرورة، فهو إسوة مع الوصايا والعتق.
وأجمعوا أن العتق والمعين يبدأ على الوصايا وحج الصرورة، إلا أبن وهب فإنه قال: إن الحج الصرورة يبدأ على العتق والمعين.
[(2)] فصل: [في تتمة مسائل مختلفة فيما يبدأ بعضه على بعض في الثلث]
[المسألة الثانية: فيمن أوصى بشئ في السبيل فيمن يبدأ منهم]
ومن المدونة قال مالك: ومن أوصى بشئ في السبيل بدئ بأهل الحاجة منهم.
قال مالك: ومن أوصى بثلثه في سبيل الله والفقراء واليتامى، قسم بينهم
الجزء: 19 - الصفحة: 785
بالاجتهاد، لا أثلاثا ولا أنصافاً.
[المسألة الثالثة: فيمن قال ثلثي لفلان والمساكين]
قال ابن القاسم: وإن قال: ثلث مالي لفلان وللمساكين، لم يعط لفلان نصف الثلث، وليقسم بينه وبين المساكين بالاجتهاد، ومن أوصى بعتق عبده بعد موته بسنة، ولفلان بثلثه أو بمئة دينار، والعبد هو الثلث بدئ بالعتق ولم يعتق إلا بعد سنة، وخير الورثة بين أن يعطوا الثلث أو المئة للموصى له بذلك ويأخذوا الخدمة، أو يسلموا هذه الخدمة للموصى له بذلك؛ لأنها بقية الثلث، فإن سلموها فمات العبد قبل السنة عن مال فهو لأهل الوصايا، وإن لم يحمل العبد الثلث، خير الورثة بين إجازة الوصية أو العتق من العبد مبلغ الثلث بتلاً، وتسقط الوصايا.
وقاله جميع الرواة إلا أشهب.
فقال أشهب في كتبه: إذا لم يحمل الثلث العبد قيل للورثة: إن شئتم فانفذوا ما قال الميت في العبد، ثم أنتم بالخيار في دفع ما أوصى به الميت، أو إسلام خدمة ما يخرج من الثلث من العبد، إن كان نصفه فنصف الخدمة، أو فاعتقوا منه الآن محمل الثلث بتلاً، وتسقط الوصايا.
[المسألة الرأبعة: فيمن دبر عبداً في مرضه وقال لأخر إن مت أنت حر]
ومن المدونة قال مالك: ومن دبر عبداً في مرضه، وقال لآخر: إن حدث بي حدث الموت، فأنت حر، فالمدبرمبدأ.
قال سحنون: وهو قول جميع الرواة إلا أشهب.
الجزء: 19 - الصفحة: 786
وقال أشهب في كتبه: إنما يبدأ بالمدبر إذا كان الميت قد بدأ في لفظه بالتدبير، وأما إن بدأ بالموصى له وبالعتق ثم دبر الآخر ولم يصح من مرضه ذلك حتى مات، فإنهما يتحاصان، في الثلث وقد رجع مالك عن قوله يبدأ بالمدبر إلى أنهما يتحاصان، وعلى هذا القول لقي الله عزو وجل.
[المسألة الخامسة: فيمن باع في مرضه عبدا أو حابي فيه واعتق عبداَ له آخر وقيمته الثلث]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع في مرضه عبداً أوحابى فيه وقيمته الثلث، وأعتق عبداً له آخر وقيمة المعتق الثلث بدئ بالمعتق؛ لأن المحاباة وصية؛ وقد قال مالك: فيمن أوصى في مرضه بوصية وأوصى بعتق عبد إن العتق مبدأ.
[المسألة السادسة إذا اشترى المريض عبداً بمحاباة فأعتقه]
ومن كتاب العتق: وإن اشترى المريض عبداً بمحاباة فأعتقه، فالعتق مبدا على المحاباة؛ لأن المحاباة وصية، فإن بقي بعد قيمة العبد شئ من الثلث كان في المحاباة، وأن لم يبق لم يكن للبائع غير قيمته من رأس المال، وقد قال ابن القاسم أيضاَ: يبدأ بالمحاباة؛ إذ لا يتم البيع إلا بها، فكأنه أمر بتبديتها في الثلث، فإن بقي من الثلث شيئ كان ذلك في العبد، أتم ذلك عتقه أم لا.
قال سحنون: وهذا القول أحسن من الأول.
الجزء: 19 - الصفحة: 787
[الباب الثلاثون]: تعطيل مسائل التبدية المرتبة المتقدم لذكرها
.
قال بعض أصحابنا: وجه قول ابن القاسم يبدأ المدبر في الصحة على صداق المنكوحة في المرض؛ فلأنه وجب له عقد في وقت كان له التصرف في جميع ماله وهو الصحة، وصداق المنكوحة في المرض إنما وجب لها في المرض الذي هو ممنوع فيه من ثلثي ماله فقوي حكم المدبر لهذا، والله أعلم؛ وأيضاً، فإن النكاح [124/أ] ابتدأة اختياراً بعد وجوب التدبير، فليس له أن يحدث عليه في مرضه حدثا يبطله وينقصه عما وجب له.
ووجه قوله يبدأ بصداق المنكوحة في المرض؛ فلأنه أشبه باب المعاوضة لأخذ المريض بضع الزوجة بالصداق الواجب لها، وأيضاً، فإن بعض الناس يراه كسائر البياعات ويجيزه ويجعل الصداق فيه من رأس المال، وهو إذا صح عندنا كان الصداق عليه من رأس المال، والمدبر إنما مصيره في الثلث على كل حال، فوجب لما قدمناه أن يكون الصداق أقوى، والله أعلم.
ووجه قوله يتحاصان؛ فلما قدمناه من ترجح وجه كل قولٍ وكأنهما تساويا عنده فرأى العدل بينهما التحاصص، والله أعلم.
ثم بعدهما الزكاة، وإنما ضعف حكمها عنهما؛ لأن وجوبها إنما هو معلوم من جهتة، ونحن لا ندري أصدق في ذلك أم كذب؟ وما قدمناه ثابت بالبينة، فهو أقوى؛ وأيضاً، فإن لهذين طالباً معيناً مستحقاً لهما، والزكاة يستحقها
الجزء: 19 - الصفحة: 788
المساكين وهم غير معينين.
وقال أشهب: إن الزكاة لا تبدأ على الوصايا.
ووجه هذا: أن الموصي إنما قصد أن تكون من رأس المال؛ فأشبه قوله: كنت أعتقت عبدي في صحتي، فلا ينفذ من ثلث ولا رأس مال على أحد القولين، وقال ابن القاسم: إنه من الثلث غير مبدأ، فلعل أشهب بنى الزكاة على هذا.
ثم زكاة الفطر، وإنما بدئت على كفارة القتل والظهارة؛ لأن هذا هو أدخله على نفسه؛ مع الاختلاف أن زكاة الفطر مفروضة.
ثم العتق في الظهار وقتل النفس، ووجه تبدية الزكاة عليهما، لأن فيهما العوض عن العتق في العدم وهو الصوم، ولا عوض في الزكاة، ولا بد من نفاذها فهي أقوى.
ووجه قوله: يبدأ بعتق قتل النفس؛ لأن عتق الظهار منه عوض في المال، وهو الاطعام، وعتق قتل النفس لا بدل منه في المال.
ووجه قوله: يتحاصان.
فلأنهما جمعا في كفارة، وقد استويا في العدم في الصوم، فوجب أن يستويا في المال.
ووجه من قال: يقرع بينهما؛ فلأنه لا يجزي عتق بعض رقبة عن كل واحد منهما، فأقرع بينهما ليصح العتق لأحدهما؛ إذ ليس هو مقدماً حقيقة، فمن طار له السهم، فالله عز وجل أعطاه وأحرم صاحبه؛ كمن أوصى بعتق عبيده أو أبتل عتقهم في مرضه ولم يحملهم الثلث، فلما استوى حكمهم أقرع بينهم.
ثم كفارة اليمين، وإنما بدئ العتق في الظهار وقتل النفس عليها؛ لأن كفارة اليمين هو فيها مخير بين العتق والإطعام والكسوة، وفي الظهار والقتل هو مقصور على العتق، ولا ينتقل عنه إلا بالعدم، وأيضاً فإن بدلهما في الصوم أكثر من بدل
الجزء: 19 - الصفحة: 789
كفارة اليمين، فبان أنهما أقوى، فبدئا لهذا.
ثم كفارة الوطء في رمضان، وإنما بدئ بالكفارة عليها؛ لأنها واجبة بكتاب الله عز وجل، وكفارة رمضان واجبة بالسنة، فهي أضعف؛ وكفارة الإطعام في قضاء رمضان دونها؛ لأنها باجتهاد العلماء.
ثم المدبر والمبتل في المرض معاً؛ وإنما بدئ بالإطعام عن رمضان عليهما؛ لأنه واجب بنص السنة، وهو عوض من الفرض؛ والتدبير والتبتيل هو اختياره، وأراد إدخال النقص على ما لزمه، فمنع من ذلك.
ثم الموصي بعتقه بعينه وهو في ملكه أو أن يشتري فيعتق أو إلى أجل قريب أو على مال يتعجله، يتحاصان في ضيق الثلث؛ لأنهم في رتبته؛ وإنما بدئ المبتل والمدبر في المرض على هؤلاء؛ لأن له الرجوع فيهم [124/ ب] والتبتيل والتدبير قد لزمه لا يستطيع الرجوع عنه.
ثم المعتق بعد موته بسنة، وإنما بدئ هؤلاء عليه؛ إذ قد يهلك قبل السنة فلا يصيبه عتق، وهؤلاء عتقهم ناجز.
ثم الموصي أن يكاتب أو على مال فلم يعجله؛ وإنما بدئ المعتق إلى سنة
الجزء: 19 - الصفحة: 790
عليهما؛ لأنه بتله ولا عجز فيه.
وإن بعد أجل عتقه كالعشر سنين ونحوها تحاصوا لكثرة الغرر في أن لا يصيبه العتق؛ إذ قد يهلك قبل تمام الأجل؛ وإذ قد يعجز هذا أو يهلك قبل الأداء، فكأنهم تساووا في الغرر.
ثم النذر عند ابن مناس، وعند أبي محمد هو قبل المبتل والمدبر في المرض.
فوجه قول أبي محمد أن النذر شئ أوجبه على نفسه في الصحة، فلا يدخل عليه في المرض مختاراً ما يبطله أو ينقصه من قدره.
ووجه قول أبي موسى بن مناس: إن كان أراد النذر في الصحة، فلأنه لما فرط في إخراجه حتى أوصى به بعد موته أشبه الوصايا، والعتق مبدأ على الوصايا.
وقال بعض أصحابنا: يحتمل أن يكون أبو محمد أراد: إن كان النذر في الصحة، وأبن مناس أراد: إن كان النذر في المرض.
وذلك محتمل.
وإنما بدئ النذر على الوصايا والعتق غير المعين والحج؛ لأنه شيء أوجبه على نفسه ولا يستطيع الرجوع عنه، وله ان يرجع في هذه الوصايا.
وإنما بدئ بالرقبة غير المعينة على الحج في أحد قوليه: لأن الحج عمل بدن، وقد كره أن يعمل أحد عن أحد، وبالله التوفيق.
تم كتاب الوصايا الأول بحمد الله وحسن عونه
الجزء: 19 - الصفحة: 791