كتاب المكاتب الأول
باب في التحضيض على الكتابة والوضيعة منها
قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور:33] فكان ذلك ندب ندَبَ الله إليه وكذلك قوله: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور:33] فضلٌ حض الله عليه.
قال مالك: فالكتابة ندبٌ من الله تعالى وليست بواجبة, وبه قال سائر الفقهاء.
وروي عن عطاء وعمرو بن دينار أنها واجبة.
الجزء: 8 - الصفحة: 885
والدليل لمالك أن الكتابة لا تخلو أن تكون:
ضرباً من البيع؛ لأنه باع العبد من نفسه بالمال الذي جعله عليه, أو عتقاً؛ لأن العبد يفضي بها إلى الحرية.
فلما أجمعوا: أنه لا يجبر أحد على بيع عبده, ولا على عتقه, كانت الكتابة كذلك إذ لا تخلو: أن تكون إما عتقاً أو بيعاً.
قال ابن الجهم: وأما الوضيعة من أجر الكتابة؛ فأكثر أصحابنا يأمرون بذلك من غير قضاء, ولو كانت واجبة لكانت محدودة, ولا حد لها في كتاب الله ولا في سنة نبيه عليه السلام.
وقال غيره: هذه عبرة مأخوذ فيها, والصواب أن يقال: لما كان ذلك غير مقرر في الحال ولا في الآل دل أنه ليس بواجب.
ووجه الأخذ في العبارة الأولى: أن صداق المثل في نكاح التفويض وغيره مما يجب فيه صداق المثل واجب وهو غير مقرر في الحال لكنه مقرر في المآل, وكذلك أرش العيوب في البيوع غير مقرر في الحال وهو مقرر في الآل؛ فبان أن العبارة الثانية أحسن.
قال بعض علمائنا: ولو كانت واجبة ومقدارها غير معلوم أدى ذلك إلى كون الكتابة مجهولة, ولا يجوز أن تكون الكتابة مجهولة عند العلماء, فاعلم ذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 886
ومن المدونة قال مالك: وسمعت غير واحد من أهل العلم يقول في قول الله تعالى: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ [النور: 33]: أن يوضع عن المكاتب من آخر كتابته شيئا مسمى.
قال مالك: وذلك أحسن ما سمعت, وعليه أهل العلم وعمل الناس عندنا.
قال مالك: وبلغني أن عبد الله بن عمر كاتب غلاماً بخمسة وثلاثين ألف درهم ثم وضع عنه من آخر كتابته خمسة آلاف درهم.
قال ابن وهب: وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه ربع الكتابة.
وقال النخعي: هو شيء خُثََّ عليه المولى وغيره.
م: واختُلف في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ أما الخير:
فقال ابن عباس: إن علمت أن يقضيها.
وقال مجاهد: الخير المال, وقال عطاء وتلا: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة:180].
وقال طاووس: قوة وأمانة.
ابن الموز: وقال مالك: الخير القوة على الأداء.
الجزء: 8 - الصفحة: 887
في إكراه العبد على الكتابة, وكتابة الصغير, ومن لا حرفة له.
روى بعض البغداديين عن مالك: أن للسيد إكراه العبد على الكتابة كما يعتقه عند مالك على أن يبيعه بمال.
قالوا: وكمان كان له أن ينكحه ويؤاجره ويعتقه مكرهاً, وهو لا ضرر عليه في الكتابة, وإنما يؤدي ما فضل عن نفقته, فإن قيل: يضر بالعبد لزوال النفقة عن سيده؟
قيل: لا ضرر فيه إذ لا يصلح مكانه من لا حرفة له ولا خير فيه, والخير: المال.
وذكر ابن المواز عن أصبغ مثل قول مالك: أن للسيد أن يجبر عبده على الكتابة وإن كره العبد, ولا يكون له الخروج من الكتابة إلا بعجز ظاهر معروف.
وقال أشهب وعبد الملك: لا يكاتب الرجل عبده إلا برضاه, ولا يجوز بغير رضاه, وكذلك روي عن ابن القاسم.
م: قال ابن شعبان: والدليل أنه لا يُكرَه العبد على الكتابة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ [النور: 33] الآيه.
فدل على أنه من لم يبتغها ويجيب إليها لم يلزمها.
الجزء: 8 - الصفحة: 888
والكتابة: أن يجعل بينه وبين عبده كتاباً بما يتفقان عليه لظاهر الكتاب.
وقال ابن القاسم في باب بعد هذا/: لا بأس بكتابة الصغير؛ لأن مالكاً قال: لا بأس بكتابة من لا حرفة له, وإن كان يَسأل ويتصدق عليه.
وقال أشهب وسحنون: لا يكاتب الصغير؛ لأن عثمان بن عفان قال: لا تكلََّفوا الصغير الكسب, فإنكم متى ما كلفتموه سرق إلا أن تفوت كتابته بالأداء, أو يكون بيده ما يؤدي عنه فيؤخذ من يده ولا يترك بيده فيتلفه بسفهه ويرجع رقاً.
قال أشهب: قيل لمالك: فعل تكاتب الأمة التي لا صنعة بيدها ولا لها عمل معروف, فقال: كان عثمان يكره أن تخارج الجارية التي لا صنع بيدها ولا عمل معروف فما أشبه الكتابة بذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 889
ما يحل ويحرم من عقد وشرط في الكتابة
روي أن النبي عليه السلام قال: «المكاتب عبد ولو بقي عليه عشرة دراهم».
وقال عمر وعثمان وزيد بن ثابت وابن عمر وجماعة من التابعين: هو عبد ما بقي عليه درهم.
قال ابن القاسم: والكتابة بالغرر جائزة؛ لأنه عبده يجوز فيما بينه وبينه من الغرر ما لا يجوز بينه وبين الأجنبيين ولا يشبه البيوع ولا النكاح.
م: قال أبو محمد: وهذا بخلاف مراباة العبد سيده؛ لأن ذلك تبايع وهذا كالخراج فجائز.
وقد قال مالك في غير المدونة: لا يجوز الربا بين العبد وسيده.
ابن المواز [68/ب.
ص] وقال أشهب: ومن كاتب عبده على عبد آبق أو بعير شارد أو جنين في بطن آمته, أو دين على غائب لا يعلم حاله, فلا أحب ذلك, ولا أفسخ الكتابة
الجزء: 8 - الصفحة: 890
به إن نزلت؛ لإجازة غير واحد الربا بين العبد وسيده, ولا يكون لهذا العبد عتق, حتى يكون لسيده ما شرط عليه ويقضيه.
وقال ابن القاسم في العتبية: الكتابة بذلك كله جائزة, فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز.
قال أشهب: ولو كاتبه على أنه بريء منه الآن عتق مكانه, وإن لم يقدر السيد على ذلك أبدا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن كاتب عبده على وصف؛ حمران أو سودان ولم يصفهم: أنه جائز ويعطى وسطا من ذلك الجنس كالنكاح بهم.
قال مالك: وإن كاتبه على وصيف أو وصيفين ولم يصفهم جاز وعليه الوسط من ذلك.
م: فإن لم يصف الجنس وفي البلد سودان وحمران ولا غالب في ذلك أنه يعطى النصف من كل جنس كمسألة النكاح بذلك وقال نحوه الفقيه أبو عمران رحمه الله.
قال بعض شيوخنا: ولم يسم العدد؛ فالكتابة باطل كما بينه في قول غيره: إذا كانت على لؤلؤ غير موصوف.
م: وهو الصواب.
الجزء: 8 - الصفحة: 891
وقال غيره من شيوخنا: لا تفسخ الكتابة وتكون عليه كتابة المثل وصفاً ما لم تنقص الكتابة المثل عن وصيفين.
قال وكذلك على قول غيره في مسألة اللؤلؤ: عليه كتابة المثل من ذلك ما لم تنقض عن لؤلؤتين, وجعله إذا أوصى أن يكاتب ولم يسم ما يكاتب به: أن الكتابة لا تفسخ ويكاتب بكتابة مثله.
وقال غيره من شيوخنا: لا يجوز ذلك في الصحة, ويجوز في الوصية, ويكاتب بكتابة مثله احتياطاً لإنفاذ الوصية وينجم, ونظراً للمريض إذ لا يقدر على استحداث ما أراد من البر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن كاتبه على قيمته؛ جاز, وينجم عليه بالوسط من قيمته.
قال مالك: إذا ما أوصى أن يكاتب عبده ولم يسم شيئاً؛ فإنه يكاتب على قدر ما يعلم الناس من قوته على الأداء, أو إن كاتبه على ألف درهم ولم يذكر أجلاً نجمَّت عليه, وشأن الكتابة: التأجيل والتنجيم, وكذلك إن أوصى أن يكاتب بألف درهم ولم يضرب لها أجلا, وإن كاتبه على عبد فلان جاز, ولا يجوز النكاح على ذلك.
قال سحنون: فإن لم يصل إليه فعليه قيمته.
قال ابن المواز: لا يتم شيء إلا بعبد فلان.
الجزء: 8 - الصفحة: 892
م: كما قال ابن القاسم: إذا كاتبه على عبد آبق, أو بعير شارد؛ فإن لم يأت بذلك وأيس منه فقد عجز.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على لؤلؤ غير موصوف؛ ولم يجز/لتفاوت الإحاطة بصفته.
قال ابن المواز وقال غير ابن القاسم: ذلك جائز في اللؤلؤ وله وسط كالكتابة على وصف لم يسمهم.
يريد: وقد ذكر العدد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه على وصيف موصوف فعتق بأدائه, ثم ألفاه السيد معيباً, فله رده, ويتبعه بمثله إن قدر, وإلا كان عليه ديناً ولا يرد العتق.
وقد قال مالك في امرأة نكحت على عبد موصوف فألفته معيباً بعد قبضه: أن لها ترده, وتأخذ مثله على صغته فكذلك الكتابة به [69/ب.
ص].
قال مالك: وإن كاتبه على طعام موصوف؛ جاز أن يصالحه منه على دراهم معجَلة.
قال ابن القاسم: ولا خير في بيعه من أجنبي.
قال سحنون: وإنما يجوز هذا على تعجيل عتق المكاتب.
قال ابن القاسم: ومما يبين ذلك: أن مالكا قال: لا بأس أن تبيع ما على مكاتبك من ذهب أو ورِق أو عرض حل أو لم يحل من المكاتب بعرض مخالف للعرض الذي عليه أو من صنفه تتعجل ذلك أو تؤخره ولم يره من الدين بالدين, ولا يحل بيعه من أجنبي إلا بثمن معجل, وإن أخره دخله الدين بالدين.
الجزء: 8 - الصفحة: 893
فصل
قال ابن القاسم: وإن كاتبه على خدمة شهر؛ فإن عجَل له العتق على خدمة شهر بعد العتق فالخدمة باطل, وهو حر, وإن أعتقه بعد الخدمة لزمت العبد الخدمة.
قال أشهب: إذا كاتبه على خدمة شهر؛ جازت الكتابة ولا يعتق حتى يخدم, قال: وقال مالك: كل خدمة اشترطها السيد بعد أداء الكتابة فباطل, وإن شرطها في الكتابة فأدى العبد قبل تمامها؛ فإنها تسقط.
م: إذا كاتبه على خدمة شهر فابن القاسم يسأله: هل أراد تعجيل العتق أو تأخيره بعد الخدمة؟ وأشهب يرى: أن العتق مؤخر بعد [الخدمة, كما هو مؤخر بعد أداء الكتابة, إلا أن يشترط تعجيل العتق قبل الخدمة؛ فلا يجوز عندهما, ويعتق مكانه] وتسقط الخدمة.
وقال أشهب في كتبه: إذا كاتبه على خدمة شهر فعجَل للسيد قيمة الخدمة؛ لزمه أخذها وعتق مكانه.
م: وحكى بعض أصحابنا عن غير واحد من شيوخنا أن ابن القاسم يخالفه في ذلك ويقول: ليس له تعجيل قيمة الخدمة.
م: كأنهم رأوه معتقا إلى أجل, وقد قال ابن المواز: فيما يشبهه: أن له تعجيل قيمة الخدمة كقول أشهب ولم يذكر فيه اختلافاً.
الجزء: 8 - الصفحة: 894
وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخنا القرويين في هذا الذي كاتبه على خدمة شهر: أن له حكم المكاتب لا حكم العتق إلى أجل؛ من أجل لفظهما بالكتابة, فكأن السيد إنما أجره على سنة الكتابة في حيازته ماله, ونفقته على نفسه.
م: فإذا كان له حكم المكاتب؛ فينبغي أن يكون له تعجيل قيمة الخدمة, وهذا عندي أصح من الأول, وإنما لا يكون له تعجيل قيمة الخدمة إذا قال له: اخدمني شهراً وأنت من بعده حر؛ فهذا ليس له تعجيل قيمة الخدمة؛ لأنه معتق إلى أجل.
ومن كتاب ابن المواز قال مالك: ومن كاتب عبده واشترط عليه أسفاراً وضحايا فأدى كتابته؛ فإنه إن أدى الضحايا وعجَلها خرج حرا وسقطت الأسفار.
قال بعد ذلك: إذا أدى جميع الكتابة وبقيت عليه الضحايا ولم تحلَ؛ فإن عجل قيمتها عجل عتقه على ما أحب السيد أو كره.
قال مالك: وليس قيمتها إلى محلها, ولكن قيمتها على أنها حلَت.
وكذلك روى أشهب عن مالك في العتبية: أنه إذا عجل الكتابة؛ فكل ما بقي من خدمة وأسفار ساقط, وما كان من الضحايا والرقيق والكسوة؛ فليغرم قيمة ذلك معجلاً ويعتق.
وقال أصبغ: عن ابن القاسم: إذا كاتبه وشرط عليه أن يخدمه أربعة أعوام كل يوم جمعة حتى يؤدي كتابته ثم لا خدمة عليه, وشرط عليه جزرة كل فطر وأضحى ما عاش المكاتب.
قال: لا أحب الكتابة على هذا, فإن وقعت فهي جائزة.
الجزء: 8 - الصفحة: 895
قال: فإن أدى كتابته قبل محلها أو بعد سقطت الخدمة, ويعمر المكاتب, وينظر إلى قيمة الجزر في تعميره [69/ب.
ص] , فإن أدى ذلك عجَل عتقه, وإن لم يكن له مال؛ لم يعتق حتى يؤدي قيمة ذلك قاله مالك.
قال ابن القاسم: يؤدي قيمة الجزر حالَة لا إلى أجلها.
ومن العتبية قال ابن القاسم: وإذا شرط ألا يخرج من خدمته حتى يؤدي؛ فلا تُفسخ بذلك الكتابة, والشرط لازم/ وإنما هو رجل.
قال: إن أديت إلىَ عشرة دنانير في كل سنة مع خدمتك إياي فيها, فأنت حر, فهو جائز وغيره أحسن منه
وقد أجاز مالك شرط الأسفار
قال مالك: وما كان بعد الكتابة من خدمة فإنها تسقط.
وقال أصبغ: لا يعجبني إلزامه الخدمة وذلك ساقط والكتابة جائزة كالشرط على أن يطأها أو يسترق ولدها, إلا خدمة غير مؤقتة لسفر وما أشبهه حتى يعتق.
قال ابن المواز: وكل ما اشترطه في الكتابة من خدمة بدنه أو عمل يده فأدى الكتابة وبقى ذلك العمل أو بعضه؛ فإنه ساقط, ولا يؤدي لذلك عوضا؛ لأن خدمة بدنه بقية من رقه, فإذا دخلت الحرية رقبته سقط كل رقَّ يبقى فيه, وكذلك من بتلى عتق عبده لم يجز أن يجعل عليه خدمة يشترطها؛ لأن خدمته بقية من رقه, وكما كان من أعتق بعض عبده يستكمل عليه بقيته حتى لا يبقى فيه شيء من الرَّق, فكذلك كل خدمة تبقى على مكاتب بعد أداء نجومه, أو على عبد بتل سيد عتقه فهي ساقطة؛ لأن ذلك بقية من رقه.
الجزء: 8 - الصفحة: 896
وروى أشهب عن مالك: فيمن عبده على مال وأسفار فلا ينبغي ذلك؛ لأنه لا تتم حرمته وعليه بقية من الرق, وليعطه مكان الأسفار عينا ويتم عتقه.
قال ابن المواز: ليس هذا بشيء, ورجع عنه مالك وجميع أصحابه إلا أنه لا يلزمه فيها عوض.
قال ابن المواز: وإنما يلزمه ذلك ما دامت الكتابة إلا من جعل عتق عبده بعد قضاء الخدمة والأسفار فيلزمه ذلك ولا يعتق حتى يقضي ذلك أو يعجل قيمته.
وروى ابن وهب وأشهب عن مالك فيمن قال لعبده: ابن لي هذه الدار وأنت حر, فمرض, فأراد أن يأتي بمن يعمل ذلك, فذلك له وإن أبى السيد.
قال أحمد بن ميسر: في العمل المفهوم كالبناء ونحوه, وأما الخدمة فلا إلاَ أن يرضى السيد؛ لأنه معتق إلى أجل.
قال ابن حبيب عن أصبغ في قول مالك: إن عجل الكتابة, سقطت الخدمة المشترطة.
قال أصبغ: إلا أن يقول: أعتقك على خمسين دينارا إلى خمس سنين تؤدي إلىَّ كل سنة عشرة على أن تخدمني إلى تمام الخمس سنين على أنك إن أديت جميع النجوم قبل الخمس سنين لم تعتق حتى تنقضي؛ فذلك يلزمه, والشرط فيه جائز, وكذلك لو قال: أنت حر إلى خمس سنين إن أعطيتني خمسين دينارا أو على أن تعطنيها إلى خمس سنين, أو إلى دونها, أو حاُلة؛ فهذا يلزمه تمام الخدمة إلى آخر الأجل وإن عجل المال, فإن انقضت الخمس السنون ولم يؤدَّ المال فلا عتق عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 897
قال أصبغ: وأصله: إن جعل عتقه بعد أمد يسميه؛ فلا يعتق قبله وإن عجَل المال, وأما إن جعل عتقه بعد الغرم؛ فهذا إن عجَل المال عتق, وسقطت الخدمة كمبتل شرط خدمته.
م: وحكى بعض أصحابنا عن بعض شيوخه القرويين في قول مالك: إذا عجل الكتابة؛ سقطت عنه كل خدمة, قال: إنما يصح ما قال في الخدمة اليسيرة؛ لأنها في حيَّز التبع فأما لو كان عِظَم الكتابة خدمة وأقلها مالا فعجّل المال, لم يستقم أن توضع عنه الخدمة.
م [70/أ.
ص]: وهذا الذي قال مخالف لما احتج به ابن المواز في علة إسقاط الخدمة إذ جعله كمن أعتق بعض عبده؛ لأنه جعل الخدمة إنما هي بقية من الرق فلو أعتق رجل عُشَر عبده لا ستتم عليه هتق بقيته, فكذلك إذا كانت الكتابة عُشر قيمة الخدمة فعجّلها؛ لسقطت الخدمة والله أعلم.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن شرط على مكاتبه أنه إن عجز عن نجم من نجومه فهو رقيق, وإن لم يؤد نجومه إلى أجل كذا فهو رقيق؛ لم يكن للسيد تعجيزه بما شرط, ولا يعجزه إلا السلطان بعد أن يجتهد له في التلّوم بعد الأجل, فإن رأى له وجه إذا تركه وإلا عجّزه والقطاعة كذلك في التلوم بعد الأجل.
قال ابن القاسم: ومن العبيد من يرجى له مال في التلَّوم ومنهم من لا يرجى له.
ابن وهب وقد أُتي عمر عبد العزيز بمكاتب وقد أخنى/ ببعض شروطه التي شُرطت عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 898
م: يريد: عجز عنها, فقال عمر لسيد: خذه فهو عبدك, لعمري ما يشترط الناس إلا لتنفعهم شروطهم.
وقال ابن شهاب: إن لم يف المكاتب بما اشترط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه؛ فلسيده رد كتابته, ويطيب له ما أخذ منه, وإن رجل كاتب غلاما له صانعاً على عشرين ألف درهم وغلاما يعمل مثل عمله, فأدى العشرين ألف درهم ولم يجد غلاما يعمل كعمله فخاصمه إلى عمر بن الخطاب فقضى عمر على الغلام فعتقه سيده بعد أن قضى عليه عمر.
م: وحكي عن بعض فقهائنا: فيمن شرط على مكاتبه أنك إن شربت خمراً أو نحو ذلك فأنت مردود في الرَّق؛ ففعل العبد ذلك؛ أن ليس للسيد أن يرده في الرق من أجل هذا الشرط, وليس كالمعتق إلى أجل يشترط عليه إن أبقت فلا حرية لك هذا له شرطه.
والفرق بينهما: أن ما يفعله المعتق من الإباق ضرر على سيده؛ لأنه يخل بمنافعه, وما أحدث المكاتب من شرب الخمر فلا يخل بنجومه, فإذا لم يعجز عنها لم يقدح شرب الخمر فيها, فلا ينفع السيد شرطه والله أعلم.
م: قول ابن شهاب إذا لم يوف المكاتب بما شرط عليه وخالف إلى شيء مما نهي عنه: فللسيد رد كتابته؛ خلاف ما قالوا, ووجب رد كتابته, والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وحكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود وغيرها حتى يؤدي ما عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 899
وروى ابن وهب أن أمهات المؤمنين كان يكون لبعضهنَّ المكاتب فيكشف له الحجاب ما بقى عليه درهم, فإذا قضاه أرخيته دونه وقد تقدم الحديث: (أن المكاتب عبد ما بقى عليه درهم).
فصل
قال ابن القاسم: وإن كاتب عبد على ألف دينار على أنه إذا أدى وعتق فعليه مائة دينار؛ فذلك جائز؛ لأن مالكا قال: من أعتق عبده على أن للسيد على العبد مائة دينار ذلك جائز على العبد.
قال ابن المواز: ويتبعه بالمال ولا يحاص به الغرماء.
وقال سحنون في المستخرجة قول مالك: أنت حر وعليك, أو أنت حر على أن عليك؛ سواء, وهو حر وعليه ما سمي, وبه أقول.
وقال ابن القاسم: في قوله: أنت حر على أن عليك: يخيّر العبد؛ فإن شاء بتات العتق على أن يتبع بذلك فذلك, وإن كره أن يكون غريما فلا حرية له.
م: وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب العتق الثاني.
قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته على ألف دينار نجّمها عليها على أن يطأها ما دامت في الكتابة [70/ب.
ص]؛ بطل الشرط وجازت الكتابة, وقيل له: لم لا يُبطل الشرط الكتابة إنما باعها نفسها بما سمى من المال على أن يطأها, ويكون كمن باع جاريته على أن يطأها
الجزء: 8 - الصفحة: 900
البائع إلى أجل كذا؟ فقال: لا تشبه الكتابة البيع؛ لأن البيع لا يجوز فيه الغرر، والكتابة يجوز فيها الغرر، قد أخبرتك أنه إذا كاتب عبده على وصف أو لم يصفهم أنه جائز ولا يجوز ذلك في البيع، فلذلك يبطل الشرط هاهنا، وتصح الكتابة، وكذلك إن أعتق أمته إلى أجل على أن يطأه فيه؛ فالشرط باطل وهي حرة إذا مضى الأجل، وقد قال مالك: فيمن شرط على مكاتبته أن ما ولدت في كتابتها هو عبد؛ أن هذا ليس من سنة الكتابة، ولا تكون الكتابة إلا على سنتها، والسنة: أن ما حدث للمكاتب من أمته، وللمكاتبة من ولد بعد الكتابة فهو بمنزلتها يرق برقها ويعتق بعتقها، قلت: فمن كانت أمته واستثنى ما في بطنها قال من قول مالك: أن من أعتق أمته واستثنى ما في بطنها أنه لا يجوز، وتكون حرة بما في بطنها، وكذلك المكاتبة تثبت الكتابة ويسقط الشرط في ولدها.
م: وذكر ابن المواز قول ابن القاسم في شرط وطئ المكاتبة واسترقاق ما تلد، وما يولد للمكاتب من أمته مثل ما في المدونة؛ أن الشرط يفسخ وتمضي الكتابة.
قال وقال أشهب عن مالك في ذلك كله: تفسخ الكتابة ولو لم يبق منها إلا درهم واحد، إلا أن يرضى السيد بطرح الشرط، وإن لم يستبق لذلك حتى أدوا الكتابة؛ فولد المكاتب والمكاتبة حر معهما وكذلك ما في بطن المكاتبة.
وقال ابن المواز في ذلك كله: إذا أدى ولو نجماً واحداً بطل الشرط، ومضت الكتابة، فأما قبل أن يؤدوا منها شيئاً؛ فالسيد مخير بين أن يبطل الشرط أو يفسخ الكتابة.
قال ابن المواز وقال ابن القاسم وأشهب: لو كان الشرط من المكاتب على سيده: أن ما تلد زوجته وهو أمة للسيد فهم معه في الكتابة؛ فذلك جائز، وما تلد ففي الكتابة، فإن باعها السيد ووهبها لم يدخل بعد ذلك ما تلد في الكتابة.
م: قال أبو محمد: يريد باعها ولا حمل بها.
الجزء: 8 - الصفحة: 901
قال ابن المواز: ولو كاتب السيد زوجته على حدة؛ سقط شرط المكاتب في ولدها.
م: يريد ما تلد بعد كتابتها، ولا يجوز أن يشترطهم الأب، فإن لم يستفق لإبطال شرطه حتى ولدت فسد شرطه فيما لم يولد بعد، وما لم يولد قبل إبطال الشرط وبعد كتابة الأم فهو مع كتابة الأب والأم يعتق مع أولهما عتقاً، ويسعى معهما معونة لهما، ويرث من مات من أبويه قبل العتق، فإذا أعتق مع أولهما لم يبق له مع الثاني سعاية ولا موارثة وما ولد لها بعد إسقاط الشرط ففي كتابتها خاصة.
في قطاعة المكاتب، وقطاعة أحد الشريكين له، وتبديته بأخذ حصته
قال مالك: الأمر عندنا فيمن قاطع مكاتبه بذهب على إن وضع عنه مما عليه من الكتابة ويعجل ما قاطعه عليه: إنه لا بأس به، وإنما كره ذلك من كره؛ لأنه جعله كالدين يكون لرجل على رجل فيضع عنه منه وينقده، وليس الكتابة مثل الدين؛ لأنه إنما قاطع عبده على مال يعجل به عتقه، وتمت حريته في الشهادة والميراث، وهو كمن قال لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بأقل منه فأنت حر، وليست الكتابة بدين ثابت، ألا ترى أنها لا يحاص بها السيد غرماء المكاتب في فلس ولا موت.
الجزء: 8 - الصفحة: 902
قال: ولا بأس أن يقاطعه على أن يؤخره ويزيده، أو يجعل ما عليه من دين حل أو لم يحل في عرض ويؤخره به إذ ليس بدين ثابت، وكذلك لو كانت الكتابة دراهم ففسخها في دنانير إلى أجل لم يكن به بأس، قال سحنون: وذلك إذا عجل عتقه.
قال ابن شهاب: لم يكن أحد من الصحابة ينفي المقاطعة على الذهب والورق إلا ابن عمر فكره ذلك إلا أن يعطي عرضاً.
قال مالك في العتبية وكتاب محمد: وكل من اشترى كتابة المكاتب فهو كالسيد في جميع ما ذكرنا.
ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يستأجر السيد مكاتبه بما عليه من الكتابة في عمل يعمله أو يقاطعه على أن يحفر له بئراً طولها كذا ويبني له بيتاً طوله كذا.
قال سحنون: إذا كانت القطاعة يعملها بيديه فذلك لا يجوز؛ لأن كل خدمة تبقى عليه بعد عتقه فهي ساقطة، وإن كانت عليه ديناً عاش أو مات.
والقطاعة جائزة إذا تعجل العتق بما قاطعه وإن لم يتعجل العتق لم يجز وكان ديناً بدين.
وقد كره مالك الربا بين العبد وسيده فكذلك مكاتبه لا يجوز ذلك بينهما إلا أن يتعجل العتق.
ومن الحوالة قال ابن القاسم: وإن أحالك مكاتبك بالكتابة على مكاتب له وله عليه دين مقدار ما على الأعلى؛ لم يجز إلا أن تبت أنت عتق الأعلى فيجوز، فإن عجز الأسفل
الجزء: 8 - الصفحة: 903
كان رقاً لك ولا ترجع على المكاتب الأعلى بشيء؛ لأن الحوالة كالبيع، وقد تمت حرمته.
قال ابن القاسم: ولا تجوز حمالة بكتابة الأعلى تعجيل العتق، وأما الحوالة فإن أحالك على من لا دين له قِبَله لم يجز؛ لأنها حمالة فلا تجوز إلا على تعجيل العتق، وإن كان له عليه دين حل أو لم يحل جازت الحوالة إن كانت الكتابة قد حلت، ويعتق مكانه، وكذلك إن حل عليه نجم فلا بأس أن يحيلك به على من له عليه دين حل أو لم يحل ويبرأ المكاتب من ذلك النجم، وإن كان آخر نجومه كان حراً مكانه، وإن لم يحل النجم لم يجز أن يحيلك به على من له عليه دين حال؛ لأن ذلك ذمة بذمة، وربا بين السيد ومكاتبه، وكذلك إن لم تحل الكتابة لم تجز الحوالة بها وإن حل الدين؛ لأنه فسخ دين لم يحل في دين حل أو لم يحل، وقد كره مالك: بيع الكتابة من أجنبي بعرض أو غيره إلى أجل؛ لأنه دين بدين ووسِّع في هذا بين السيد ومكاتبه، فلذلك كرهنا الحوالة على الأجنبي إذا لم تحل الكتابة؛ لأنه يكون ديناً بدين.
وقال أشهب: تجوز الحوالة وإن لم تحل الكتابة ويعتق مكانه؛ لأن ما على المكاتب ليس بدين ثابت وكأنه عجل عتقه على دراهم نقداً أو مؤجلة والكتابة دنانير لم تحل، وكمن قال لعبده: إن جئتني بألف درهم فأنت حر، ثم قال له: إن جئتني بخمس مائة درهم أو
الجزء: 8 - الصفحة: 904
بعشرة دنانير فأنت حر؛ فإن جاء بها كان حراً ولم يكن بيع فضة بذهب، ولا فسخ دين في أقل منه، وكأن لم يكن قبله إلا ما أدى.
ابن المواز: وهذا أقيس القولين وأجوزهما، وإنما مكروهه عند ابن القاسم فيما أظن: فيما لا يخرج به المكاتب حراً كله مكانه فلم يجز أن يحيله إلا بما قد حل من نجومه، وأما ما لم يحل منها فلا يجوز عنده إلا أن يعتق بذلك مكانه فتنفذ الحرية ويجوز ذلك فيه.
وقد قال: لا يجوز الضمان بالكتابة ولا الحول بها ولا الأخذ عليها إلا بتعجيل العتق، فإنه يجوز.
قال ابن المواز: صواب كله إلا في الحوال على حق المكاتب على رجل برضا السيد؛ فهو جائز، وإن كان بعض النجوم، وقد برئ المكاتب من ذلك.
وفي كتاب الحوالة زيادة في هذا.
فصل
ومن كتاب المكاتب قال مالك الأمر المجمع عليه عندنا في المكاتب يكون بين الرجلين: أنه ليس لأحدهما أن يقاطعه على حصته منه إلا بإذن شريكه؛ وذلك لأن العبد وماله بينهما فلا يجوز لأحدهما أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه، فإن أذن له فقاطعه من عشرين مؤجلة في حصته على عشرة معجلة ثم عجز المكاتب قبل أن يقبض هذا مثل
الجزء: 8 - الصفحة: 905
ما أخذ المقاطع؛ خُيِّر المقاطع بين أن يرد إلى شريكه نصف ما فضله به ويبقى العبد بينهما، أو يتماسك بما قبض، ويسلم حصته من العبد إلى شريكه رقاً.
قال ابن المواز: ولو كان إنما قاطعه من العشرين على عرض أو حيوان؛ نظر إلى قيمة ذلك نقداً يوم قبضه، ثم رد فضلاً إن كان عنده، وأخذ حصته من العبد إن شاء، وإن كان قاطعه على شيء له مثل من مكيلٍ أو موزونٍ رد مثله ورد الآخر كلما قبض وكان بينهما نصفين مع رقبة العبد إلا أن يشاء أن يتماسك بما قاطعه به ويسلم حصته من العبد لشريكه فذلك له.
ومن المدونة قال مالك: ولو مات المكاتب عن مال: فللآخر أن يأخذ جميع ما بقي له من الكتابة بغير حطيطة، حلت أو لم تحل، ثم يكون ما بقي من ماله بينه وبين الذي قاطعه على قدر حصصهم في المكاتب وقاله ابن المسيب.
قال ابن المواز: إذا قاطع أحدهما بإذن شريكه فاقتضى المتمسك أكثر مما أخذ المقاطع أو مثله ثم عجز المكاتب؛ لم يرجع عليه المقاطع بشيء، وبقي العبد بينهما، ولو مات ولم يدع مالاً أو ترك شيئاً يسيراً ليس فيه مثل حق المتمسك ولا مثل ما أخذ المقاطع؛ لم يرجع المتمسك على المقاطع بشيء مما عنده من الفضل، ولو لم يأخذ المقاطع جميع ما قاطعه عليه حتى مات المكاتب ولم يترك إلا أقل مما بقي عليه من الكتابة لتحاصا فيه جميعاً؛ المقاطع مما بقي له من قطاعته، والمتمسك بجميع ماله في الكتابة.
م: قال بعض أصحابنا: ولو لم يقبض المقاطع شيئاً مما قاطعه عليه، وقبض الذي لم يقاطعه شيئاً، ثم عجز المكاتب؛ فقال بعض شيوخنا من القرويين: إن كان الذي لم يقاطع
الجزء: 8 - الصفحة: 906
إنما قبض عند حلول كل نجم فلا رجوع للمقاطع عليه بشيء؛ لأنه رضي بتأخير المكاتب وترك لصاحبه ما أخذ وإن كان إنما عجل له المكاتب شيئاً قبل أجله فله فيه متكلم.
م: قال بعض أصحابنا: فيكون للمقاطع أن يأخذ من صاحبه نصف ما اقتضى.
م: والذي أدى إن اقتضى المتماسك نجماً مما حل عليه، فقام عليه المقاطع فيلتحاصا فيه؛ المقاطع بقدر ما قاطعه عليه، والمتمسك بقدر النجم الحال؛ لأن ذلك قد حل لهما جميعاً عليه فيتحاصا فيه بقدر ما حل لكل واحد، وأما إن عجل للمتمسك النجم قبل محله فللمقاطع القيام عليه فيأخذ منه قدر ما قاطعه عليه، فإن فضل شيء كان للمتمسك؛ لأن حق المقاطع قد حل، وحق الآخر لم يحل، فتعجيله له قبل أجله هبة منه له؛ فللمقاطع رد هبته وأخذها في حقه والله أعلم.
وهذا إذا لم يكن له مال غيره فإن كان له مال يأخذ منه المقاطع حقه أخذه منه وتم للآخر ما عجل له، ولو كان إنما قاطعه بغير إذن شريكه، وعلم
الجزء: 8 - الصفحة: 907
بذلك قبل عجز المكاتب وقبل موته؛ فإن ما قبض المقاطع يكون بينهما إلا أن يسلمه له شريكه ويتمسك هو بالكتابة، فيصير كأنه قاطعه بإذنه، فإن لم يرض فله أخذ نصف ما أخذ المقاطع؛ لأن العبد وماله بينهما فليس لأحدٍ أن يأخذ من ماله شيئاً إلا بإذن شريكه.
وقال بعض المتأخرين غير هذا، وهو خطأ.
قال ابن المواز: ولو قاطعه بغير إذن شريكه ثم عجز المكاتب عن حق المتمسك أو مات وقد استوفى المتمسك مثل ما أخذ منه المقاطع، أو ترك الميت مالاً يأخذ الآخر منه ما بقي له، أو مثل ما أخذ المقاطع؛ فلا حجة للمتمسك على المقاطع، لا يختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب، واخلفا: إذا عجز ولم يأخذ المتمسك إلا أقل مما أخذ المقاطع؛ لاختلاف قول مالك، فقال ابن القاسم: الخيار هاهنا للمتمسك؛ بين أن يرجع على المقاطع بنصف ما فضله به على ما أحب أو كره، ويكون العبد بينهما أو يتماسك بالعبد كله، ولا يكون للمقاطع أن يرد نصف الفضل، ويرجع بنصيبه في رقبة العبد، بخلاف المقاطع بإذن شريكه، ورواه عن مالك في موطئه.
وقال أشهب: إذا تمسك هذا بالعبد رجع الخيار للذي قاطع، فله رد نصف الفضل ويكون له نصف العبد.
قال ابن المواز: لأنه يصير كأنه قاطعه بإذنه أو علم به فرضي.
ورواه عن مالك ابن المواز، وعليه من أرضى من أصحاب مالك.
قال مالك: وكان ربيعة: يكره أن يقاطع أحد الشريكين وإن أذن شريكه، ويقول: إن فعل ثم مات العبد: فميراثه للذي لم يقاطع، والذي تقدم من قول مالك هو قول ابن المسيب وعليه جميع أصحاب مالك.
الجزء: 8 - الصفحة: 908
ابن المواز: قال مالك في مكاتب بين رجلين قاطعه أحدهما على نصف نصيبه على مائة وجميع الكتابة ثمانمئة وأبقى الربع الآخر مكاتباً بإذن شريكه؛ فذلك جائز، فإن عجز العبد قبل أن يستوفى المتمسك شيئاً، قيل للمقاطع: إن شئت فاردد على شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ربع العبد ولشريكك ثلاثة أرباعه.
قال: ولو قبض منه المتمسك مثل ما أخذ المقاطع في القطاعة وذلك مائة؛ كان المقاطع أيضاً بالخيار في عجزه إن شاء سلم للمتمسك ما أخذ وكان له نصف العبد شاء المتمسك أ, أبى، [وإن شاء أخذ منه ثلث المائة] وكان له ربع العبد، وللمتمسك ثلاثة أرباعه، وكذلك إن قبض المتمسك ما بقي فللمقاطع أخذ ثلثها وإن كره صاحبه، ويكون للمقاطع ربع العبد فقط، وإن شاء أخذ منه خمسين؛ نصف ما فضله به ليستويا في الأخذ، ويكون العبد بينهما نصفين.
م: يريد ولو قبض المتمسك ثلاثمائة لرجع عليه المقاطع فأخذ منه مائة حصة ما بقي له من العبد مكاتباً، وبقي العبد بينهما نصفين؛ لاستوائهما في الأخذ.
قال ابن المواز: وإنما خير المقاطع إذا قبض المتمسك ما يتبين أو أقل؛ لأن المقاطع لم يقبض غير ما قاطع عليه، وكان حقه أن يأخذ الثلث من كل ما يقتضي؛ لأن له ربع المكاتب مكاتباً، ولشريكه نصفه، فإن شاء أخذ ذلك ثم له أن يختار التماسك بما قبض ويكون له ربع العبد، أو يرد ما فضل به صاحبه ويكون له نصف العبد.
الجزء: 8 - الصفحة: 909
م: انظر لم هذا؟ وإنما كان ينبغي إذا عجز قبل أن يستوفي المتمسك شيئاً؛ أن يقال للمقاطع: إن شئت فاردد إلى شريكك نصف ما فضلته به ويكون العبد بينكما، وإن أبيت من ذلك بقي لك ثلث العبد ولشريكك ثلثاه؛ لأنك أبقيت ربع العبد مكاتباً لك، ولشريكك نصفه مكاتباً فله مثل مالك فيه فيكون بينكما أثلاثاً، كما لو كان العبد بين ثلاثة: لواحد نصفه، وللآخرين ربعاً ربعاً، فقاطعه واحد من الذين له ربعه بإذن شريكه ثم عجز العبد قبل أن يقبض المتمسكان شيئاً؛ فإنه يقال للذين قاطع: اردد إلى شريكيك ما فضلتهما به، ويبقى العبد بينكم حسب ما كان، فإن أبيت بقي العبد بين شريكيك أثلاثاً لصاحب الربع ثلث، ولصاحب النصف ثلثاه، فكذلك إذا كان بينهما فقاطع أحدهما نصف نصيبه؛ الحكم سواء.
م: والمسألة في الموطأ نحو ما ذكر في كتاب ابن المواز.
م: ووجه هذا: أن المقاطع لما رضي بما قاطعه به سيده فقد سلم ذلك الربع لشريكه خاصة؛ لأنه قد أخذ عوضه فوجب ألا يعود إليه منه شيء والله أعلم بالصواب.
ابن المواز: ولو قاطعه أحدهما بإذن شريكه من الأربعمائة، حصته على مائة وقبضها منه ثم زاده الآخر في النجوم على أن يزيده المكاتب على حصته مائة ورضي بذلك شريكه فذلك جائز.
الجزء: 8 - الصفحة: 910
م: هذا لا يجوز على ما يتبين.
سحنون: لأنه لم يتعجل عنقه.
قال ابن المواز: وإن عجز قبل أن يأخذ المزاد شيئاً؛ خير المقاطع: بين رد نصف ما فضله به ويكون العبد بينهما، أو يتماسك ويسلم العبد لشريكه، وإن قبض المزاد مثل ما أخذ المقاطع أو أخذ جميع حقه الأول بلا زيادة بقي العبد بينهما، وإن كان إنما مات العبد قبل أن يأخذ المزاد شيئاً وترك مالاً فليأخذ منه المزاد جميع ماله عليه من حقه الأول والزيادة، فإن فضل بعد ذلك شيء كان بينه وبين المقاطع نصفين، وإن لم يترك شيئاً لم يرجع المزاد على المقاطع بشيء.
وذكر عن الفقيه ابن عمران -رضي الله عنه-: في المكاتب بين الرجلين يقاطعه أحدهما بإذن شريكه ثم يقتل العبد فتؤخذ قيمته من القاتل.
قال: قيمته مثل تركته وليست كرقبته؛ لأن القيمة مال كتركته ومن جنس ما أخذ المقاطع، والرقبة معينة تقع الرغبة فيها، فلذلك بديناه فيها فيكون المبدأ بأخذه ما بقي له الذي لم يقاطع، ويكون ما بقي بينهما.
وقال غيره: القيمة عوض من الرقبة؛ فإن كان فيها مثل ما أخذ المقاطع أخذه المتمسك، وإن كان أقل أو أكثر كان كالجواب في عجزه.
م: والأول أصوب؛ وذلك كالمكاتبين يقتل أحدهما أن قيمته كتركته يعتق فيها صاحبه أو ولده فكذلك قيمته هاهنا كتركته والله أعلم.
ومن العتبية روى أبو زيد عن ابن القاسم في مكاتب بين ثلاثة قاطع أحدهم بإذن صاحبه وتمسك الثاني ووضع الثالث ثم عجز العبد: فإن رد الذي قاطع نصف ما قاطع به
الجزء: 8 - الصفحة: 911
إلى المتمسك كان العبد بين الثلاثة بالسواء، وإن أبى كان العبد بين المتمسك وبين الذي وضع نصفين.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حل نجمٌ من نجوم المكاتب بين الرجلين؛ فقال أحدهما لصاحبه: بدني به وخذ أنت النجم المستقبل ففعل ثم عجز العبد عن النجم الثاني؛ فليرد المقتضي نصف ما قبض على شريكه؛ لأن ذلك سلف منه له ويبقى العبد بينهما، ولا خيار للمقتضي، بخلاف المقاطعة، وهذا كقول مالك في الدين يكون لهما منجماً على رجل فبدّى أحدهما صاحبه بنجم على أن يأخذ هو النجم الثاني ثم أفلس الغريم في النجم الثاني؛ أنه يرجع على صاحبه لأنه سلف منه له.
قال في كتاب ابن المواز: إلا أن يعجز المكاتب أو يموت قبل محل النجم الثاني فليس له أخذه به حتى يحل النجم الثاني.
قال ابن المواز: ولو حل النجم الثاني قبل عجزه فتعذر على المكاتب وانتظر لما يرجى له كان على الشريك أن يعجل لشريكه سلفه ثم يتبعان المكاتب جميعاً بالنجم الثاني.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قدمه بنجم ثم حل نجم بعده فقال له: تقاض أنت وأنا واقضي ما أسلفتك، فليس ذلك عليه ولا له قبله شيء إلا أن يعجز المكاتب.
الجزء: 8 - الصفحة: 912
قال محمد: وكذلك لو حل على المكاتب نجم فلم يجد إلا نصفه فجاء به فقال الشريك: آثرني به وخذ أنت حقك في النجم الثاني، ففعل، كان أيضاً سلفاً منه لشريكه، يرجع عليه بحصته إن عجز المكاتب قبل أن يستوفي.
ولو قال الشريك: آثرني به وانظر أنت المكاتب؛ فرضي على هذا الشرط، أو كان إنما سأله المكاتب أن يدفع ذلك لشريكه وينظره هو بحقه، لكان ذلك انتظاراً منه للمكاتب في الوجهين، ولا يرجع به على الشريك إن مات المكاتب ولا شيء له إن عجز، ويكون العبد بينهما، وهذا إذا لم يكن فيسما جاء به زيادة على حق أحدهما، فأما لو كان فيه زيادة فأخذ ذلك الشريك بإذن شريكه واشترط فيه انتظار المكاتب، لم يلزم ذلك في الزيادة؛ لأن الزيادة من مصابة الذي لم يقبض، وقبض هذا لها كقبض صاحبها فإنما قبضها عنه وأحال بها القابض شريكه فيما لم يحل له، فإن لم يدفع ذلك المكاتب رجع الشريك بذلك على شريكه، وإنما الإنظار فيما قد حل لا فيما لا يحل.
قال: ولو سأل المكاتب أحدهم قبل محل شيء أن يؤخره بحصته من الكتابة كلها حتى يتم اقتضاء الآخر فرضي له بذلك؛ فذلك لازم لا رجعة له فيه بخلاف ما أحضره المكاتب؛ لأنه بإحضاره وجب لهما فإن كان جميع ما حل عليه من الكتابة فهو سلف من الشريك لشريكه لا يجوز فيه اشتراط أنه نظره منه للمكاتب لما قدمنا، وإن كان [نصف ما حل عليه] لا زيادة فيه فجائز للشريك أن يأس شريكه أن يسلم له ذلك، وينظر هو
الجزء: 8 - الصفحة: 913
المكاتب بحصته فيلزم ذلك، ولا رجعة له على شريكه حسب ما بيننا وبالله التوفيق.
ومن المدونة: ولو أخذ أحدهما جمع حقه من المكاتب بعد محله بإذن صاحبه فأخره صاحبه ثم عجز المكاتب؛ فلا رجوع للذي أخره على المقتضي، ويعود العبد بينهما، وهذا كغريم لهما قبض أحدهما حقه منه بعد محله وأخره الآخر ثم فلس الغريم؛ فلا يرجع الذي أخره على المقتضي بشيء؛ لأنه لم يسلف المقتضي شيئاً فيتبعه به ولكنه تأخير لغريمه.
قال ابن القاسم: وإن تعجل أحدهما جميع حظه من النجوم قبل محلها بإذن شريكه ثم عجز المكاتب عن نصيب شريكه؛ فهذا يشبه القطاعة عندي في عجز المكاتب إذا لم يكن له ذلك إلا بإذن شريكه، وقيل: ليس كالقطاعة، ويعد ذلك سلفاً من المكاتب للمتعجل وأما القطاعة التي أذن فيها أحد الشريكين لصاحبه فهي كالبيع؛ لأنه حظه على ما تعجل منه ورأى أنه ما قبض أفضل له من حظه في العبد إن عجز.
م: وبهذا أخذ ابن المواز ولم يعجله قول ابن القاسم: أنه كالقطاعة، ولا قول عبد الملك، وذكر أن عبد الملك يقول فيها: أنه إن عجز المكاتب قبل أن يحل عليه شيء من النجوم فليرجع على شريكه بنصف ما قبض وهو سلف من الشريك له، وإن عجز وقد حل شيئاً منها؛ فإنه يمضي للقابض نصيبه مما قد حل، ويخرج ما فضل عنده من ذلك ومما لم يحل؛ فيكون بينه وبين شريكه مع رقبة العبد مثل أن يعجز وقد حل عليه نجمان كل نجم عشرة لكل واحد خمسة من كل نجم فليجلس المقتضي حقه من النجمين وهو عشرة
الجزء: 8 - الصفحة: 914
ويخرج ما بقي منهما وهو عشرة مع سائر النجوم التي لم تحل مما قد اقتضاه، فيكون ذلك بينهما نصفين مع رقبة العبد.
ومن المدونة ابن وهب: وقال ربيعة: قطاعة الشريك بخلاف عتقه لنصيبه الذي يقوم عليه بقيته، ولكنه كشراء العبد نفسه.
م: قوله ولكنه كشراء العبد نفسه يريد: كشرائه من أحد سيديه حصته منه؛ فإنه لا يقوم عليه كما لا يقوم على المعتق بغير عوض، ولكنه ينظر: فإن كان ذلك بمعنى الكتابة؛ فإنه يرجع رقيقاً ويقتسمان المال إن أحبا.
باب في كتابة الجماعة، والتراجع بينهم، وتعجيل أحدهم الكتابة،
وعتق السيد بعضهم [وتدبيره أحدهم، وكتابة الجماعة لعبيدهم] والحمالة في ذلك.
قال مالك: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبيده في كتابة واحدة ويكون كل واحد ضامن عن بقيتهم وإن لم يشترط ذلك السيد، ولا يعتق أحد منهم إلا بتمام أداء الجميع، ولسيد أخذهم بذلك؛ فإن لم يجد عند جميعهم فله أخذ المليء بالجميع، وهذا سنة الكتابة، بخلاف حمالة الديون، لو أن ثلاثة تحملوا لرجل ولم يشترط عليهم أن كل واحد حميل بما على صاحبه؛ لم يكن على كل واحد منهم إلا ثلث ذلك المال إلا أن يشترط عليهم: أن كل واحد حميل بجميع المال؛ فله أخذه به وتمام هذا في كتاب الحمالة.
الجزء: 8 - الصفحة: 915
قال ابن المواز: وله أن يكاتب كل واحد من عبيده في كتابة، ويتحمل بعضهم ببعض، ولكن لا يبيع واحداً منهم، ولا بعض كتابه، ولا يعتقه بغير إذن صاحبه وإسقاط ضمانه.
قال أبو محمد: إنما يعني محمد: أن ذلك في عقد واحد، ويلزم على ما قال: إن أدى واحد قبل الآخر لم يعتق حتى يؤدي الآخر، قال: ولا بأس أن يتحمل عبد له بمكاتب له ويضمن عنه الكتابة بخلاف الأجنبي.
ومن المدونة قال مالك: ولا يوضع عن المكاتبين في كتابة شيء لموت أحدهم.
قال ابن القاسم قال مالك: وإذا كوتبوا جميعاً كتابة واحدة؛ قسمت الكتابة عليهم على قدر قوتهم عليها، وأدائهم فيها، لا على قيمة رقابهم.
قال في كتاب ابن المواز: تفض الكتابة عليهم على قدر غنائهم ورجائهم يوم عقدت فقد يكون من لا يملك شيئاً أرجا لبعد اليوم ممن عنده اليوم الغناء فليجعل على كل واحد منهم بقدر ما كان يطيق.
قال ابن القاسم: على قدر قوته وحدته واجتهاده يوم عقدت الكتابة.
ابن المواز وقال عبد الملك: بحصته على العدد، وكذلك إن استحق أحدهم وهم أربعة سقط عنهم ربع الكتابة.
الجزء: 8 - الصفحة: 916
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أدى أحدهم الكتابة حالة رجع على أصحابه بحصصهم منها على النجوم.
م: يريد: على ما يقع على كل واحد من الكتابة يوم عقدت على ما بيننا ويدخله الاختلاف.
وكى ابن حبيب عن ابن القاسم: أنه يرجع عليهم على قدر قوتهم على الكتابة.
وقال أشهب: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا.
وقال مطرف وابن الماجشون: على قدر قيمتهم يوم عتقوا ليس لوم كوتبوا.
وقال أصبغ: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا.
وأخذ ابن حبيب بقول مطرف وابن الماجشون.
م: وهو خلاف ما ذكر محمد عن ابن الماجشون.
م: فصار في فض ما أدى عنهم خمسة أقوال:
قول: على قدر قوتهم عليها.
وقول: على قدر عددهم.
وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا.
الجزء: 8 - الصفحة: 917
وقول: على قدر قيمتهم يوم عتقوا.
وقول: على قدر قيمتهم يوم كوتبوا، أو حالهم يوم عتقوا، أن لو كانت هي حالهم يوم كوتبوا.
م: وهذا فيما يرجع عليهم من أدى عنهم، وأما فيما يفضل عليهم في أداء الكتابة؛ فلا يصح إلا الثلاثة أقوال: على قوتهم عليها، وعلى عددهم، وعلى قيمتهم يوم كوتبوا.
م: وقول ابن القاسم على قدر قوتهم وغنائهم ورجائهم هو أثبتها والله أعلم.
قال ابن المواز قيل لأشهب: فإن كان فيهم صغير فبلغ السعي قبل أن يؤدوا؟
قال: فعليه بقدر ما يطيق يوم وقعت الكتابة على حاله.
قال محمد: يعني على حاله يوم الحكم أن لو كان هكذا يوم الكتابة.
قال أصبغ: ولا يعجبني هذا، ولكن على قدر طاقته يوم بلغ السعي، أن لو كان بهذا الحالة يوم الكتابة.
قال في باي آخر: وإذا كان فيهم يوم عقد الكتابة زمن لا سعاية له أو صغير فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: إلا أن يبلغ فينظر إلى حالته اليوم أن لو كان كذلك يوم وقعت الكتابة.
الجزء: 8 - الصفحة: 918
ابن المواز: وإذا أدى أحدهم الكتابة وعتقوا؛ فإن كانت الكتابة قد حلت رجع بذلك [حالاً إن كانوا أجنبيين، وإن كانت لم تحل رجع بذلك] على النجوم والحمالة قائمة عليهم كما كانت للسيد.
قال ابن القاسم: فإن فلس أحدهم حاص بما أدى عنهم غرماؤه.
قال ابن المواز: صواب؛ لأن ذلك سلف أخرجه عنهم من ماله فهو بخلاف السيد فيما يطالب من ذلك أو من قطاعة.
قال محمد: وإنما يرجع عليهم إذا أدى عنهم جميع الكتابة وعتقوا، وأما ما لا يعتقون به فلا يرجع بذلك عليهم إلا بعد العتاقة؛ لأن أخذهم بذلك الآن يضعفهم، وإنما أدى عنهم لتفرغهم للسعاية فلا يشغلهم باتباعهم عن الكتابة، ولو أخذ ذلك منهم لأخذه منه السيد عن نفسه وعنهم فنجوم السيد أولاً.
قال ابن القاسم فيه وفي المدونة: ولا يرجع على ما يعتق عليه أن لو ملكه بشيء.
فصل
قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن للمكاتب تعجيل المؤجل من كتابته، ويلزم السيد أخذه، وتعجيل العتق، وذلك: أنه يوضع عن المكاتب كل خدمة وسفر وعمل؛ لأنه لا تتم عتاقة رجل فتجوز شهادته وميراثه وعليه بقية من رق.
ابن وهب وقال ربيعة: ولأن مرفق التأجيل للعبد خاصة فإذا جاء بجميع كتابته فقد برئ، وقد أتى إلى عمر بن الخطاب مكاتب بكتابته وذكر أن سيده أبى أن يقبلها، فقال
الجزء: 8 - الصفحة: 919
عمر: خذها لا يرفأ فضعها في بيت المال، واذهب فأنت حر، فلما رأى ذلك مولاه قبضها، وكذلك فعل عثمان بن عفان.
فصل
قال ابن القاسم: ومن كاتب عبدين له أجنبيين كتابة واحدة ثم حدث بأحدهما زمانه فأدى الصحيح جميع الكتابة؛ فإن الكتابة تفض عليهما بقدر قوتهما على الأداء يوم عقد الكتابة فيرجع الصحيح على الزمن بما صار على الزمن منها.
قال سحنون: لأنه عتق بالأداء، وقاله أشهب وأكثر الرواة.
قيل: فإن أعتق السيد هذا الزمن قبل الأداء؟ قال: عتقه جائز، وإن كره الصحيح، وتبقى جميع الكتابة على الصحيح، ولا يوضع عنه لمكان عتق الزمن شيء إذ لا منفعة له فيه وإن ترك ورد عتقه من الضرر.
م: ولأن عتق هذا قد وقع وانتقل به إلى حرمة الأحرار من الشهادة والموارثة وغيرها وهو اليوم لا منفعة لصاحبه فيه بل عليه ضرر نفقته، وإنما منفعته شيء يرتجيه قد يصح له أو لا يصح؛ فلا يسقط حقاً وجب لأمر غير متيقن.
الجزء: 8 - الصفحة: 920
م: قيل: فإن زمن أحدهما فأدى صاحبه عنه وعن نفسه زماناً ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك قبل تمام الكتابة، هل يرجع الذي أدى عن الزمن بما كان أدى عنه؟ فقال أبو عمران -رضي الله عنه-: يرجع عليه بذلك؛ لأنه إنما أسقط السيد بالعتق باقي الكتابة، وما أدى هذا عنه كدين لزم الزمن قبل العتق، وبمنزلة ما لو أخذ المكاتب مالاً من أجنبي فأداه في بعض كتابتهما ثم أعتق السيد الزمن بعد ذلك؛ فالدين باقي في ذمة المكاتب والزمن.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانا قويين على السعاية؛ لم يكن للسيد عتق أحدهما، ويرد ذلك إن فعل، فإن أديا عتقا، وإن عجزا لزم السيد عتق من كان أعتق، كقول مالك فيمن أعتق عبده وعليه دين: فرد غرماؤه عتقه ثم أيسر السيد قبل بيعه فأدى إلى الغرماء؛ فإن العبد يعتق بالعتق الأول الذي كان أعتق.
قال سحنون: ومثل ذلك من أخدم عبده أو آجره ثم أعتقه قبل تمام المدة، فلم يجز المخدم ولا المؤاجر؛ فالعتق موقوف، فإذا تمت المدة عتق العبد بالعتق الأول الذي كان أعتق.
ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين فلم يجز الباقون ذلك فسعى معهم وأدى بعضه الكتابة ثم عجزوا وعتق الذي كان أعتق السيد؛ فلا يرجع على سيده بشيء مما كان أدى إليه بعد عتقه، وذلك كالغلة، وكذلك لو أدى معهم حتى عتقوا لم
الجزء: 8 - الصفحة: 921
يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه مما كان ينويه إلا أن يكون له فضل فيرجع به على أصحابه.
م: لو وجب أن يرجع على سيده بشيء مما أدى بعد عتقه؛ لكان يسقط ذلك عنه وهو في الكتابة ولكن السيد لما رد فعله بقي العبد مكاتباً على حاله فما أخذه منه كالغلة.
م: وليحيى بن عمر مثل كلام أصبغ.
وقال بعض القرويين: إن المسألة يدخلها القولان اللذان في مسألة من أجر عبده ثم أعتقه أنه إذا قال: أردت عتقه الآن؛ كانت بقة الإجارة للعبد، فكذلك المكاتب إذا قصد أعتقه للوقت فما يقتضى منه يرد على العبد، ولا فرق بين حق الإجارة وبين حق المكاتبين.
م: إذا كان يقتضي منه يرد عليه في هذا القول فيجب أن يسقط ذلك عنهم، ويكون ذلك عوضاً من سعيه معهم، إذ ليس عليه أن يؤدي أكثر مما يخصه إذا كانوا يقوون على السعي، فإذا أدوا أعتقوا كلهم، وإن عجزوا ولهذا مال أدوا عنه بقية الكتابة، ورجع عليهم بذلك، وإن لم يكن له مال رقوا، وعتق هذا بالعتق لأول.
وقال بعض أصحابنا: يسقط عنه حصته ويسعى معهم بعد ذلك ولا أدري ما وجه ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإنما مُنع السيد من عتق أحد المكاتبين وهما قويان على السعاية من أجل صاحبه الذي معه في الكتابة، فإن أجاز صاحبه عتقه
الجزء: 8 - الصفحة: 922
وكان صاحبه يقوى على السعاية كما ذكرنا ليس بصغير ولا زمن جاز عتقه ويوضح عن الباقي حصة المعتق من الكتابة، ويسعى وحده فيما بقي عليه، ولا يسعى معه المعتق، ولو أجاز على أن يسعى معه المعتق فيما بقي عليه لم يجز العتق وسعيا جميعاً في جميع الكتابة.
وقال ربيعة: لا يجوز للسيد أن يعتق أحدهم أو يقاطعه، وإن أذن في ذلك أصحابه ويرد إن فعله؛ لأن سعاية العتق وماله عون لأصحابه في العتق.
قال سحنون: وهذا أعدل.
م: ينبغي أن ينظر في ذلك: أي ذلك أنفع لهم، من إجازة عتقه لضعفه عن السعي له، أو رده لقوته فيه فيفعل الأنفع لهم من ذلك.
قال ابن المواز: إذا كانوا قد أشرفوا على العجز لولا هذا الذي أعتقه السيد لقوته على السعي أو لكثرة ماله وقد يكون قد تقارب عتقهم، فلا يجوز في مثل هذا إذنهم للسيد في عتقه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو دبر السيد أحدهما بعد الكتابة ثم أديا؛ عتقا، وإن عجزا: لزم السيد تدبير من كان دبر، وإن مات السيد قبل عجزهما والمدبر يحمله الثلث وهو قوي على الأداء حين مات السيد؛ لم يعتق إلا برضى صاحبه على ما ذكرنا في العتق.
قال أبو محمد بن أبي زيد: انظر إن رضوا هل يكون في الثلث الأقل من قيمته أو ما يقع عليه من بقية الكتابة كما لو كان وحده؟
م: نعم يكون في الثلث الأقل، ولا فرق بينهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 923
م: ذكر عن بعض شيوخنا أنه قال: ولو دبر أحدهما وهو زمن لا سعاية فيه ثم مات السيد؛ فإنما يجعل في الثلث قيمة الرقبة، ولا ينظر إلى الكتابة إذ هو عاجز عنها.
م: قال بعض أصحابنا: لا فرق بين الزمن وغيره؛ لأن الكتابة قائمة ومن معه في الكتابة يؤدي عنه فحكمها باق.
م: وهو الصواب؛ لأن من لم يعجز بعد، حكمه حكم المكاتب، وهذا بين والله أعلم.
وفي العتبية قال سحنون عن المغيرة: فيمن كاتب ثلاثة أعبد له كتابة واحدة وبعضهم حميل ببعض، فأبق أحدهم، وعجزهم السلطان، ثم قدم الآبق ومعه قوة على الأداء، والسلطان الذي عجزهم قائم، فالقادم على كتابته إن أداها عتق هو والمكاتبين معه ويرجع عليهم بما أدى عنهم.
قال بعض أصحابنا: إما ذلك إذا لم يعلم الغائب أو جهل وجه الحكم فعجز أصحابه دونهم فوجب نقض حكمه، فأما لو علم بالغائب فتلوم له وعجز الجميع ثم قدم الغائب؛ فالحكم ماض عليه وعلى أصحابه ويرقون أجمعون.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كان المدبر زمناً يوم مات السيد؛ عتق في الثلث، ولا يوضع عن أصحابه من الكتابة شيء كعتق الصغير والزمن.
الجزء: 8 - الصفحة: 924
قال عنه ابن المواز: وإذا زمن أحد المكاتبين فقال له السيد: إذا عجزت فأنت حر.
فهو حر الساعة، إذ لا نفع في توقيفه وكذلك الصبي.
ومن المدونة: وإذا أعتق السيد أحد المكاتبين، ودبر الآخر؛ فإن كان المعتق زمناً: جاز عتقه، وإلا لم يجز، فإن عجز ألزمه العتق والتدبير، وإن أديا [عتقا.
فصل
قال ابن القاسم وأشهب: ومن كاتب عبده على نفسه وعلى عبد للسيد غائب] لزم العبد الغائب وإن كره؛ لأن هذا يؤدي عنه ويتبعه إن لم يكن ذا قرابة له ممن يعتق على الحر بالملك، وتلزم الغائب الكتابة، كقول مالك فيمن أعتق عبده على أن عليه كذا وكذا فيأبى العبد: أن ذلك جائز، والمال لازم للعبد، وكذلك العبد يكاتب عن نفسه وعن أخ له صغير لا يعقل في ملك السيد أنه جائز.
ابن المواز: وكذلك لو ألزم عبديه الكتابة على كذا، أو في كل نجم كذا، فرضي أحدهما ولم يرض الآخر؛ فذلك يلزمه عند ابن القاسم، ويرجع عليه بما أدى عنه، كما لو كان غائباً، وقاله أصبغ على الاستحسان والاتباع للعلماء، قال: وكذلك عندي في العبد
الجزء: 8 - الصفحة: 925
الواحد يلزمه السيد الكتابة فذلك يلزمه على ما أحب أو كره، ولا حجة له فيها إلا بعجز ظاهر.
وقد تقدم في الباب الأول الاختلاف في إكراه العبد على الكتابة.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كان لك عبد ولرجل آخر عبد؛ لم يجز لكما جمعهما في كتابة واحدة، كل واحد منهما حميل بما على صاحبه؛ لغرر الكتابة، إذ لو هلك أحدهما أخذ سيد الهالك مال الآخر باطلاً، فهذا غرر، وهو كقول مالك في دار بين رجلين حبساها على أنفسهما على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبس على الباقي منهما، فقال مالك: لا خير في هذا؛ لأنه غرر ومخاطرة؛ لأنه إن مات أحدهما أخذ الآخر نصيب الآخر باطلاً فكذلك مسألتك.
قال سحنون: فإن نوى ذلك فالكتابة جائزة؛ لأنها حمالة والحمالة لا تبطل الكتابة.
قال ابن المواز: وأما عبدان بين رجلين، أو ثلاثة أعبد بين ثلاثة نفر، لكل واحد ثلث عبد؛ فقد اختلف في جميعهم في كتابة واحدة.
فلم يجزه أشهب قال: لأن كل عبد تحمل لغير سيده في عبد آخر، فهي كتابة منتقضة إلا أن يسقطوا حمالة بعضهم عن بعض؛ فيجوز إن لم يكن ثم عقد كتابة تلزم فتكون كتابة كل واحد على حدة، وعلى كل واحد ما يلزمه من الكتابة يوم عقدت.
الجزء: 8 - الصفحة: 926
قال أحمد بن ميسر: ليس كما احتج؛ لأن لكل واحد ثلث عبد، فإنما يقبض كل واحد عن ثلثه ثلث الكتابة، فلم يقتض أحدهم عن غير ملكه شيئاً.
قال أشهب: وإذا كاتب الرجل عبديه كتابة واحدة؛ فهو جائز، فإن أراد بيع أحدهما فلا يجوز، وكذلك لا يجوز بيع نصفهما، ولا بيع نصف أحدهما؛ لأنه يصير مثل ما وصفت لك، وذلك أن النصف المبيع يصير متحملاً عمن لا يملكه سيده.
قال: وله بيعها من رجل واحد لا من رجلين؛ لأن كل واحد من الرجلين تصير له حمالة بكتابة على من لا يملكه، وإن أسقطت الحمالة عنهم لم يجز؛ لأنه يعجزهم ويضعفهم.
قال ابن المواز: أما بيعهما من رجلين أو من رجل نصف كتابتهما جميعاً؛ فجائز، ولو ورثهما رجال جاز لكل واحد بيع نصيبه منهما وهبته، وقد أجاز ابن القاسم وأشهب بيع بعض المكاتب أو نجماً بغير عينه، وأكره لمن اشتراهما أو للورثة قسمتهما أن يأخذ هذا مكاتباً وهذا مكاتباً ولهما قسمة ما عليهما.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية: أن الورثة لا يجوز لهم اقتسام ما على المكاتب إلا عند انقضاء كل نجم؛ لأنه ليس بدين ثابت فيقسم كاقتسام الديون.
قال ابن المواز: وإذا كاتب الرجلان عبديهما كتابة واحدة؛ فجائز، لا تنقص خلاف ما قال أشهب.
الجزء: 8 - الصفحة: 927
قال مالك: ويوضع عن كل واحد منهما من الكتابة على قدر طاقته واجتهاده فيما يرى يوم الكتابة.
فصل
ومن المدونة ابن وهب وقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابته إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة الكتابة؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز لم ينتفع الحميل بما أدى في عتق ولا رق يملكه.
قال غيره: إجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وشبهها، إلا تكون في ذمة، فما أخرجه الحميل لا يكون له في ذمة العبد، وإن وجد عنده شيئاً أخذه، وإلا بطل حقه وذهب ماله باطلاً، وليس هكذا شروط المسلمين.
في عجز المكاتب وتعجيزه نفسه
قال ابن القاسم: وإذا غاب أحد المكاتبين في كتابة أو هرب وعجز الحاضر، لم يعجزهما إلا السلطان بعد التلوُّم.
الجزء: 8 - الصفحة: 928
قال مالك: وإذا غاب المكاتب وحل عليه نجم أو نجوم لم يكن للسيد أن يعجزه إلا عند السلطان.
قال ابن القاسم: ولو أشهد السيد أنه قد عجز ثم قدم المكاتب بنجومه التي حلت عليه؛ فهو على كتابته، ولا يقبل قول السيد عليه، ولا يعجزه إلا السلطان.
فصل
قال مالك: فإن كان للمكاتب مالٌ ظاهر معروف فليس له تعجيز نفسه، وإن لم يظهر له مال ذلك له دون السلطان ويمضي ذلك.
قال في كتاب محمد: وكذلك لو كان صانعاً لا مال له.
قال في المدونة: وكذلك إن عجز نفسه قبل محل النجم بشهر فله ذلك، وإنما الذي لا يعجزه إلا السلطان: الذي يريد سيده تعجيزه بعد محل ما عليه وهو يأبى العجز، ويقول: يؤدي إلا أنه مطل سيده، فالإمام يتلوم له، فإن رأى له وجه أداء تركه، وإلا عجزه بعد التوم ولا يكون تأخيره عن نجومه فسخاً لكتابته، ولا يعجزه إلا السلطان، ما دام العبد متمسكاً بالكتابة، وأما من عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له فذلك له دون السلطان.
قال سحنون في العتبية: لا يجوز التعجيز إلا عند السلطان.
قال ابن حبيب: وقال ابن كنانة وابن نافع: إذا عجز نفسه وكره الكتابة وأشهد بذلك؛ رد مملوكاً وإن كان له مال ظاهر.
وقول مالك أحب إلينا.
الجزء: 8 - الصفحة: 929
م: فصار في ذلك ثلاثة أقوال:
قول: لا يعجزه إلا السلطان على كل حال.
[وقول: له أن] يعجز نفسه على كل حال.
وقول: إن كان له مال ظاهر لم يعجز نفسه، وإن لم يكن له مال فله تعجيز نفسه وهو أصوبها.
ومن المدونة: وإن عجز نفسه وهو يرى أنه لا مال له ثم ظهر مال صامت أخفاه أو طرأ له؛ فهو رقيق، ولا يرجع عما رضي به أولاً.
قال ابن المواز: وإنما له أن يعجز نفسه ولا مال له إذا كان وحده، وأما إن كان معه ولد فلا تعجيز له، ويؤخذ بالسعي عليهم صاغراًَ، ولو تبين منه لدد رأيت عقوبته، فإن كان له مال ظاهر فلا تعجيز له، ويؤخذ ماله فيعطى لسيده شاء أو أبى.
أو محمد يريد: بعد محله ويعتق هو وولده.
وروى ابن وهب في المدونة أن عبد الله بن عمر: كاتب غلاماً له يقال له شرف بأربعين ألف درهم فخرج إلى الكوفة فكان يعمل بها على حُمرٍ له حتى أدى خمسة
الجزء: 8 - الصفحة: 930
عشر ألفاً، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت؟ تعذب نفسك وابن عمر يشتري الرقيق يميناً وشمالاً ثم يعتقهم، ارجع إليه، وقل له: إني عجزت، فجاءه بصحيفته فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال: لا والله امحها أنت إن شئت، فمحاها، ففاضت عينا عبد الله بن عمر، ثم قال له: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك الله: أحسن إلى ابني، فقال: هما حران، فقال أصلحك الله: أحسن إلى أمي ولدي، فقال: هما حرتان، فأعتقهم خمستهم في مقعد واحد.
في أداء المكاتب وله أو عليه دين
قال مالك: وإذا أراد المكاتب أن يؤدي ما عليه وسيده غائب ولا وكيل له على قبض الكتابة فليدفع ذلك إلى الإمام، ويخرج حراً حل الأجل أو لم يحل.
قال ابن القاسم: وإذا حل على المكاتب نجم، وللمكاتب مثله على السيد، فله قصاصة، إلا أن يفلس السيد، فيحاص الغرماء بماله على سيده، إلا أن يكون السيد قاصه بذلك قبل قيامهم فذلك ماض.
الجزء: 8 - الصفحة: 931
فصل
قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته وعليه دين فأراد غرماؤه أن يأخذوا من السيد ما قبض منه؛ فإن عُلم أن ما دفع من أموالهم؛ فلهم أخذه من السيد.
قال ابن القاسم: ويرجع رقاً.
يريد: مكاتبه.
م: هذا من قوله يدل: أنه إن دفع لسيده شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، أنه يرد عتقه، ويرجع مكاتباً خلاف ماله، بعد هذا قال مالك: وإن لم يعلم أنه من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك.
م: اختلف في معنى قوله: فإن علم أن ما دفع من أموالهم؛ هل يريد: أموالهم بعينها، أو دفع وقد استغرق الدين ما كان بيده؛ والذي أرى أنه إن دفع وهو مستغرق الذمة فلهم رده، وإن لم تكن أعيان أموالهم؛ لأنها أموالهم، أو ما تولد عنها، وكما لهم منع الحر من العتق والصدقة إذا كان استغرق الذمة فكذلك لهم منع هذا من أن يعتق نفسه بها، وقد قال مالك بعد ذلك: إذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز، فكذلك أداءه جميع كتابته.
م: ولا فرق بين أعيان أموالهم أو أثمان ذلك، أو ما اعتاض المكاتب منها، إن ذلك كأعيان أموالهم سواء، والغرماء أحق بها؛ لأن دينهم في ذمته ودين السيد ليس في ذمته.
الجزء: 8 - الصفحة: 932
وأما قوله: وإن لم يعلم أن ما دفع من أموالهم لم يرجعوا على السيد بشيء من ذلك: فهو ما أفاده بعمل يده، أو أرش جرحه، أو دفعه مما بيده، وليس بمستغرق الذمة، أو فيما بقي بيده وفاء لدينه ثم تلف بعد ذلك ما بقي بيده فهذا الذي ليس لهم فيما دفع إلى السيد متكلم والله أعلم.
م: وإنما كان ذلك؛ لأن عمل يده؛ كإجارته، وأرش جرحه؛ كرقبته، فكما كان الحر المديان لا يؤاجر ولا يباع في الدين فكذلك لا تسلط لهم على عمل يده ولا أرش جرحه، وكما كان لا رد للغرماء في عتق المديان إذا بقي بيده ما بقي بدينهم، [فكذلك المكاتب: إذا بقي بيده ما بقي بدينهم]، قيل: فإن أشكل فيما دفع المكاتب؛ هل ذلك من أعيان أموالهم وأعراضها وما تولد منها، أو من عمل يده وأرش جرحه، أو مال وهب له ليعتق؟ فقال بعض علمائنا: إذا أشكل ذلك، هل ذلك سن بعض الأسباب التي لا حق للغرماء فيها أو من أموالهم التي هم يبدون فيها على السيد؟ لم يكن إلى نقض العتق سبيل، ولو اعترف بذلك السيد؛ لكان القياس أن ينفذ العتق، ويرجع الغرماء على السيد بما قبض؛ لإقراره أنهم أولى بذلك منه إلا على قول سحنون فإنه زعم: أن كل ما اكتسبه المكاتب من عمل يده قبل عجزه فإنه للغرماء؛ لأنه أحرزه عن سيده، فلا يبقى له إلا أن يوهب له مال أو يوصى له بشرط أن يؤديه إلى سيده، أو يسلفه ليوم ما، ليتبعه به بعد براءة ذمته، وإن ما النظر لو قام الغرماء وبيد المكاتب مال مجهول الأصل فتنازع الغرماء والسيد فيه، وقد
الجزء: 8 - الصفحة: 933
عجز أو لم يعجز، وأشرف على العجز وهو باق على الكتابة؛ فالقياس أن يحتاط للغرماء بما لا يحتاط للسيد؛ لأنه قد عرض المكاتب بالكتابة للمداينات كالأحرار، فمهما أراد أن يمنع الغرماء من ما له، كان عليه البيان، لا سيما مع ما ذكرنا عن سحنون، وأما ما أداه إلى السيد وعتق به فالعتق حرّمه لاحتمال الأمرين، فإذا أنفذنا العتق لم نجد بداً من تمسك السيد بما قبض؛ لأنه فكاك الرقبة وغير معتدل أن ينتزعه من السيد ثم يمضي عليه العتق، وقال غيره: إذا كان ما على المكاتب يغترق ما في يديه؛ فهي أموال غرمائه حتى يعلم أن الذي دفع إلى سيده من عمل يده أو من ثمن خدمته.
م: وهذا موافق لظاهر المدونة مع ما يسعده من قول أشهب وسحنون: أن عمل يده للغرماء، كما أن ما في يد الحر من عمل يده للغرماء، وهو نحو ما قدمنا في صدر المسألة والله أعلم بالصواب.
وقال أشهب وابن نافع عن مالك: في مكاتب قاطع سيده فيما بقي عليه على عبد دفعه إليه فاعترف مسروقاً فأخذ منه؛ فليرجع السيد على المكاتب بقيمة العبد.
قال ابن نافع: وهذا إذا كان له مال، فإن لم يكن له مال رد مكاتباً كما كان قبل القطاعة، وهذا رأيي، والذي كنت أسمع.
وقال أشهب: لا يرد عتقه؛ لأن حرمته قد تمت، وجازت شهادته، ووارث الأحرار، ولكن يتبع بذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 934
قالا عن مالك: وإن قاطع سيده على وديعة أودعت عنده فاعترف بذلك سيده وأخذ منه؛ أنه لا يعتق المكاتب، وقال: أيعتق المكاتب هكذا بالباطل؟ لا يؤخذ الحق بالباطل.
م: يريد: ويرجع مكاتباً.
وقال ابن القاسم وغيره: إن غر سيده بشيء لم تتقدم له فيه شبهة ملك فهذا الذي لا يجوز له يعني: ويرد عتقه ويرجع مكاتباً.
قالا: وأما ما كان بيده يملكه وله فيه شبهة لطول ملكه له ثم استحق ذلك مضى عتقه ورجع عليه بقيمته، فإن لم يكن له مال أتبع به ديناً.
م: إن قيل: لِم لَم يرجع ببقية الكتابة التي قاطعه عليها كمن أخذ من دينه عوضاً ثم استحق؟ أنه يرجع بدينه قبل الكتابة [لأن الكتابة] ليست بدين ثابت؛ لأنها تارة تصح وتارة لا تصح، فأشبهت مالاً عوضه [معلوم من خلع أو نكاح، بعرض] يستحق؛ فأنه يرجع بقيمته فكذلك هذا.
قال مالك: وإذا كان المكاتب مدياناً فليس له أن يقاطع سيده، ويبقى لا شيء له؛ لأن غرماءه أحق بماله من سيده، فإن فعل لم يجز ذلك، وإن مات المكاتب وترك مالاً وعليه
الجزء: 8 - الصفحة: 935
دين؛ فغرماؤه أحق لماله ولا يحاصهم السيد بما قاطعهم به، كما لا يحاصهم بالكتابة، وقاله زيد بن ثابت، وقال شريح: يحاصهم بنجمه الذي حل، قال ابن المسيب: أخطأ شريح.
وإذا عجز المكاتب وعليه دين؛ كان رقيقاً لسيده، وبقي دين الناس في ذمته، لا في رقبته.
قال ابن شهاب: وإن كوتب وعليه دين كتمه: فإن كان ديناً يسيراً بدأ بقضائه قبل أداء الكتابة وأقر على كتابته، وإن كان ديناً كثيراً يحبس نجومه؛ خير سيده بين فسخ الكتابة، أو تركه يقضي دينه ثم يستقبل نجومه وبالله التوفيق.
في حكم المكاتب وتزويجه وسفره والحكم في ماله وأمته وولده
وفيما فضل له مما أعين به
قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «المكاتب عبد ما بقي عليه عشرة دراهم».
وقال جماعة من الصحابة والتابعين: والمكاتب هو عبد ما بقي عليه درهم واحد؛ فوجب بذلك أن يكون حكم المكاتب حكم الأرقاء في الميراث والشهادة والحدود والجراح والحجابة وغير ذلك حتى يؤدي ما عليه.
قال مالك: وليس للمكاتب أن ينكح إذا بإذن سيده؛ لأن ذلك يعيبه إن عجز.
ابن المواز قال مالك: وله أن يزوج عبيده وإماءه، وقاله ابن القاسم: إذا كان على وجه النظر، ورجاء الفضل.
وقال أشهب: لا يزوج عبده إلا بإذن سيده، وأما فإن خفف بذلك عن نفسه ثقلاً وأدخل مرفقاً يرى أن ذلك أفضل له جاز ذلك بغير إذن سيده.
الجزء: 8 - الصفحة: 936
قال أشهب: إن كان معه في الكتابة غيره؛ فليس للسيد إجازة نكاحه إلا بإجازة من معه إلا أن يكونوا صغاراً فيفسخ على كل حال، ويترك لها إن دخل ثلاثة دراهم، ولا يتبع إن أعتق بما بقي.
ابن القاسم: وما رد من عتقه وصدقته فلا يلزمه إن أعتق، وإن كان ذلك بيده، ولا يتزوج الرجل مكاتبته وإن رضيت ويزوجها لغيره برضاها.
ومن المدونة: ولا له أن يسافر أو يخرج من أرض سيده إلا بإذن اشترط ذلك عليه سيده أو لا.
قال ابن القاسم: إلا ما قرب من السفر مما ليس على سيده فيه إذا غاب كبير خوف لحلول نجم أو غيره فذلك له.
قال مالك: ولو شرط عليه السيد أنه إن نكح أو سافر بغير إذنه؛ فمحو كتابته بيده، لم يكن له محوها إن فعل المكاتب شيئاً من ذلك، وليرفع ذلك إلى السلطان.
ابن وهب [وقال ربيعة: للسيد فسخ الكتابة في بعيد السفر بحكم الإمام، وإن تزوج فُرِّق بينه وبين امرأته وانتزاع ما أعطي].
وقال ابن شهاب: ولا ينبغي لأهل المكاتب أن يمنعوه أن يتسرر وقد أحل الله له ذلك حتى يؤدي نجومه.
الجزء: 8 - الصفحة: 937
فصل
قال مالك: وإذا كاتب الرجل عبده تبع العبد ماله من رقيق أو عرض أو عين أو دين، كتم ذلك أو ظهره، ولم يكن للسيد أخذه بعد الكتابة إلا أن يشترط سيده حين الكتابة فيكون ذلك له.
قال: والمكاتب مثل المعتق إذا أعتق تبعه ماله وأحرزه عن سيده.
قال: ولا يتبع المكاتب ما تقدم له من ولد ولا حمل أمته، وإن كتم ذلك ويكون الولد إذا وقعته رقاً للسيد، والأمة تبعاً للمكاتب دون الولد وليس الولد كماله.
والعبد إذا عتق تبعه ماله في السنة ولا يتبعه ولده فيكون حراً مثله، وإذا فلس أخذ ماله، ولا يؤخذ ولده، والذي يبتاع عبداً يشترط ماله لا يقضى له بولده، وأما الأمة إذا كوتبت وهي حامل فولدها مكاتب معها يعتق بعتقها، وقد تقدم هذا.
قال ابن المواز: ولو كاتب عبده عليه وعلى أم ولده في كتابة واحدة أو مفترقين، فهو جائز، وتحرم على المكاتب أمته، وإن كاتبهما كتابة واحدة وهو انتزاع من السيد فلا تحل للمكاتب إلا بنكاح، وولدها للسيد، وإن مات المكاتب سعت وحدها؛ لأنها في عقد الكتابة، وإن ترك وفاء اعتقت فيه وأتبعها ولدها منه أو السيد إن لم يكن لها ولد بما أدى عنها، وذلك إذا ما لم يكن تزوجها، فإن كان المكاتب تزوجها بعد أن كاتبها السيد فلا يرجع عليها السيد ولا الولد بما أدى عنها من مال زوجه الميت، قال ابن المواز: وهو صواب إن شاء الله، ورواه أصبغ عن ابن القاسم.
الجزء: 8 - الصفحة: 938
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: والمكاتب إذا أعانه قوم على كتابته بمال فأدى منها كتابته وفضلت منه فضلة؛ فإن أعانوه بمعنى الفكاك لرقبته لا صدقة عليه، فليرد عليهم الفضلة بالحصص، أو يحللونه منها، وفعله زياد مولى ابن عياش رد عليهم الفضلة بالحصص.
قال ابن القاسم: وإذا عجز المكاتب فكل ما قبض السيد منه قبل العجز حل له، كان من كسب العبد أو من صدقة عليه.
قال مالك: ولو أعين المكاتب بشيء على فكاك رقبته فلم يف ذلك بكتابته؛ كان لكل من أعانه الرجوع بما أعطى إلا أن يحلل منه المكاتب فيكون له.
قال ابن القاسم: ولو أعانوه صدقة لا على الفكاك فذلك إن عجز حل للسيد.
قال سحنون وقال أشهب: إن عرفهم رد عليهم.
م: يريد: إذا أعانوه على الفكاك.
الجزء: 8 - الصفحة: 939
قال: وإن لم يعرفهم جعله في مكاتبين أو في رقاب.
قال سحنون: ولست أرى ذلك، وأرى إن لم يعرفهم أن يوقف المال بيده أبداً وهو كاللقطة.
م: يريد: في الإيقاف لا في المدة؛ لأنه قال: يوقف أبداً وفارق اللقطة في هذا؛ لأن هذا عرف أصحابه، واللقطة لا يعرف صاحبها، فأوقفت سنة كما جاء في الحديث، وهذا كالوديعة: يغيب صاحبها ولا يعرف له خبر فقد قيل: إنه يعمر ثم يتصدق بها ولا يقتصر في إيقافها على سنة.
قيل: فإن قال الذين أعانوه: إنما أردنا إفكاك الرقبة، وقال السيد: بل الصدقة.
نُظر إلى عُرف البلد: فيكون الأمر عليه؛ فإن لم يكن في ذلك عرف، فالقول قول الذين أعانوه: أنه منهم على الفكاك مع أيمانهم؛ حكي ذلك عن الفقيه أبي عمران، وقد تقدم في الباب الأول أن ابن القاسم: يجيز كتابة الصغير [ومن لا حرفة لهم].
وقال أشهب: لا تجوز كتابة الصغير ولا الأمة التي لا صنعة بيدها؛ لأن عثمان كان يكره مخارجتها.
الجزء: 8 - الصفحة: 940
فيمن أعتق بضع مكاتبه أو شقصاً له فيه صحة أو وصية
قال مالك: ومن أعتق شقصاً له من مكاتب له، أو كان بينه وبين آخر؛ فليس يعتق وإن عجز، وإنما هو وضع مال إن كان أعتق نصفه وضع عنه نصف كل نجم، وإن ثلث فثلث وقاله يحيى بن سعيد وغيره.
قال مالك: وإن أعتق ذلك عند الموت أو أوصى بذلك أو وضع له من كتابته؛ فذلك عتاقة؛ لأنه ينفذ من ثلثه على كل حال.
م: يريد: لأنه لو جعل ذلك وضع مال ثم عجز فرق للورثة صاروا لم ينفذوا وصية الميت، والميت أراد إبتالها، وألا يعود إليهم شيء منها، والصحيح إنما أراد التخفيف عن المكاتب، وإنه إن عجز كان رقاً، على هذا محمل أمره؛ لأنه إنما يملك منه اليوم مالاً ولو قصد إلى إبتال عتقه كما قصد الموصي، وأنه إن عجز كان ذلك النصيب حراً؛ لوجب عتقه واستتم عليه بقية عتقه.
وكذلك روى ابن سحنون عن مالك: أنه إذا أعتق نصف مكاتبيه فهو وضيعه، إلا أن يريد العتق ويعمد له فهو حر كله.
قال ابن المواز: والفرق بين الصحة في هذا وبين الوصية أنه في الوصية أشرك بين المكاتب وبين ورثته على قدر ما أوصى له به من نفسه، فصار شريكاً للورثة بقدر ذلك، فليس أحدهم أولى من صاحبه، وكما لو أوصى بذلك الجزء لرجلٍ لكان شريكاً للورثة بقدر ذلك، والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته دنانير أو دراهم.
م: فرق حسن.
الجزء: 8 - الصفحة: 941
ومن المدونة قال مالك: وإن كان المكاتب بينه وبين رجل فوضع عنه حصته، أو أعتق حصته منه في غير وصية؛ فإنه يوضع عنه حصته من كل نجم، فإن عجز رق لهما ولا يقو على الذي أعتق، وليس عتقه ذلك عتقاً إذ إنما يملك منه مالاً فعتقه وضع مال، وإن مات قبل أن يؤدي بقية كتابته وله مال، أخذ المتمسك مما ترك ما بقي له، ثم يقتسمان ما بقي بينهما، وقاله ابن المسيب، فلو كان ذلك عتقاً لكان ما ترك للمتمسك خاصة، ولكان إذا عجز يقوم على الذي أعتقه.
قال ابن القاسم: وإذا زمن الكاتب فأعتق سيده نصفه لم يعتق عليه النصف الباقي إلا بأداء بقية الكتابة.
م: يريد أنه لا يعتق منه شيء إلا بعد أداء بقية الكتابة.
قال مالك: وإذا هلك سيد المكاتب فورثه ورثته فأعتق أحدهم نصيبه منه ثم عجز المكاتب كان رقيقاً كله، لأن عتقه إنما هو وضع مال، ومما يبين لك ذلك: أن الرجل إذا مات وترك مكاتباً وترك بنين وبنات، وأعتق أحد البنين نصيبه من المكاتب، أن ذلك لا يثبت له من الولاء شيئاً، ولو كانت عتاقة لثبت الولاء لمن أعتق منهم من رجالهم ونسائهم، وإن من سنة المسلمين التي لا اختلاف فيها: أن الولاء لمن عقد الكتابة، وأنه ليس لمن ورث سيد المكاتب من النساء من ولاء المكاتب شيء وإن أعتقن نصيبهن، إنما ولاؤه لذكور ولد سيد المكاتب أو عصبته من الرجال.
الجزء: 8 - الصفحة: 942
قال ابن المواز: ومن قال لعبده: إن كلمت فلاناً فنصفك حر، فكاتبه ثم كلم فلاناً فليوضع عنه نصف ما بقي من الكتابة يوم حنث، فإن عجز رق كله ولا يلزمه حنث.
قال أشهب: كمن أعتق نصف مكاتبه، وكذلك لو حنث أحد الشريكين بعد أن كاتباه، وضعت عنه حصته، فلو كان عتقاً؛ لقوم عليه إن عجز، ولكنه يبقى رقيقاً بينهما، ولو كان إنما حلف بحرية جميع عبده ثم كاتبه مع آخر ثم حنث؛ فذلك عتق إن عجز، ولا يعجل عنقه حتى يعجز، وهو كمن أعتق أحد مكاتبيه.
م: قال بعض شيوخنا: ولو أعتق عضواً من مكاتبه كقوله: يدك حرة، أو عينك، أو نحو ذلك؛ لعتق عليه جميعه؛ لأنه قاصد للعتق هاهنا لا لوضع المال، بخلاف إذا أعتق منه جزاء كالنصف والثلث، ألا ترى أنه لو قصد هاهنا العتق وعمد له؛ لوجب عتقه كما قال مالك.
ابن سحنون: ومن قال لعبده: أخدم لاناً سنة فأنت حر، فوضع عنه المخدم نصف الخدمة؛ فإن أراد أنه ترك له خدمة ستة أشهر فهو كذلك، وإن أراد أنها ملك لك وتشاركني في الخدمة، وتصير لك ملكاً؛ كان حراً مكانه كله، كمن وهب لعبده نصف خدمته.
قلت لسحنون: فلم قلت في هذا المخدم: إذا وهبه نصف خدمته أنه يعتق عليه وإن أعتق نصف مكاتبه لم يعتق عليه وكان وضع مال؟ قال: هو مفترق، ولا أقول فيه شيئاً.
ابن سحنون: الخدمة مقام الرقبة.
الجزء: 8 - الصفحة: 943
م: فهبته بعضها كهبته بعض الرقبة؛ ولأن من عجل عتق عبده على خدمة سنة؛ أنه يعجل عتقه ولا خدمة عليه؛ لأن ذلك بقية رقة، فهو كمن أعتق بعض عبده، والمكاتب إنما يملك منه مال فعتقه نصفه وضع نصف ما عليه إلا أن يقصد إلى عتق الرقبة كما ذكرنا.
ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم: فيمن وضع عن مكاتبه نجماً من نجومه بغير عينه عند الموت؛ فإن كانت النجوم ثلاثة وضع عنه من كل نجم ثلثه، وإن كانت أربعة؛ وضع عنه من كل نجم ربعه، فإن أدى عتق، وإن عجز رق، فإن كانت النجوم ثلاثة عتق ثلثه، وإن كانت أربع عتق ربعه، ثم على هذا.
وروى عنه أبو زيد ومثله في المدونة: وإن أوصى أن يوضع عنه النجم الأول؛ نُظر إلى قيمته لو بيع في قرب محله؛ فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم على محل آجالها خمسين، علمت أن الوصية له بنصف رقبته، فيجعل في الثلث الأقل من نصف قيمة رقبته أو قيمة ذلك النجم، فأي ذلك حمل الثلث عتق نصفه، ووضع عنه ذلك النجم بعينه، وكذلك يعمل في النجم الآخر والأوسط، فإن لم يدع غير المكاتب خير الورثة بين أن يضعوا عنه ذلك النجم ويعتقوا نصفه، أو يعتقوا ثلثه، ويوضع عنه من كل نجم ثلثه.
وفي المكاتب الثاني إيعاب هذا.
الجزء: 8 - الصفحة: 944
فيمن وطأ مكاتبته أو ابنتها
قال مالك: ومن كاتب أمته فليس له وطؤها، فإن فعل درئ عنه وعنها الحد، أكرهها أو طاوعته، ويعاقب، إلا أن يعذر بجهل، ولا صداق لها ولا ما نقصها إن طاوعته.
يريد: وإن كانت بكراً.
قال ابن القاسم: وإن أكرهها فعليه ما نقصها.
يريد: إن كانت بكراً، وكذلك قال سحنون: إنما ينقصها إذا كانت بكراً؛ فيغرم ما بين قيمتها بكراً وثيباً.
قال ابن القاسم: وأما الأجنبي فعليه بكل حال ما نقصها طاوعته أو أكرهها، إذ قد تعجز فترجع إلى السيد ناقصة، فذلك حق للسيد لا يسقطه عنه طوعها.
قال مالك: وإذا وطأها السيد طائعة أو كارهة فهي على كتابتها إلا أن تحمل فتخير؛ أن تكون أم ولد أو تمضي على كتابتها.
قال سحنون وابن المواز: ولها إذا حملت أن تعجز نفسها وترجع أم ولد وإن كان لها مال كثير ظاهر وقوة على السعي، وليس ذلك للمكاتب أن يعجز نفسه إذا كان على هذه الصفة.
م: للاختلاف فيها قد قال سعيد بن المسيب، إذا حملت بطلت كتابتها وصارت أم ولد فذلك كان لها أن تعجز نفسها عند مالك وإن كان لها مال ظاهر.
قال سحنون في كتاب ابنه عن مالك: وإن اختارت المضي على كتابتها فنفقتها في الحمل على السيد ما دامت حاملاً كالمبتوتة.
الجزء: 8 - الصفحة: 945
قال ابن حبيب وكذلك سمعت من أرضى يقول؛ لأنه إنما ينفق على ولده.
وقال أصبغ: نفقتها في الحمل على نفسها لا على السيد؛ لأنها اختارت المضي على كتابتها فلها حكم المكاتب إلا أن تعجز فتكون أم ولد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ضرب رجل بطنها فألقت جنيناً ميتاً؛ ففيه ما في جنين الحرة موروث على فرائض الله تعالى، كقول مالك في جنين أم الولد من سيدها.
وروى ابن وهب عن ابن المسيب أنه قال: إذا وطأ السيد مكاتبته فحملت بطلت كتابتها وهي جاريته؛ يريد: أم ولد.
وقال النخعي: تبقى مكاتبته إذا وطأها، فإن عجزة رقت، وإن حملت فهي أم ولد.
وقال ربيعة: إن وطأها طائعة فولدت منه فهي أمة له ولا كتابة له فيها، يعني أم ولد، وإن أكرهها فهي حرة والولد لا حق به.
قال ابن القاسم: وإذا ولدت المكاتبة بنتاً ثم ولدت ابنتها بنتاً أخرى فرقت البنت العليا فأعتقها السيد جاز عتقه، وبقيت الأم مع البنت السفلى فإن أدتا؛ أعتقتا، وإن عجزتا رقتا.
قيل: فإن وطأ السيد البنت السفلى فأولدها؟
قال: ولدها حر، ولا تخرج هي من الكتابة، وتسعى معهم إلا أن ترضى هي وهم بإسلامها للسيد ويحط عنهم حصتها من الكتابة وتصير حينئذٍ أم ولد للسيد، فإن أبوا أو أبت: لم تكن أم ولد، وكانت في الكتابة على حالها.
قال سحنون: وهذا إذا كان الذين معها في الكتابة ممن يجوز رضاه.
قال: وإن كانت في قوتها وأدائها ممن يرجى نجاتهم بها، ويخاف عليهم إذا رضوا بإجازتها العجز؛ لم يجز ذلك إذ ليس لهم أن يرقوا أنفسهم.
الجزء: 8 - الصفحة: 946
قال سحنون وقال بعض الرواة: لا يجوز وإن رضوا ورضيت، وإن كان قبلهم من السعي والقوة مثل ما قبلها؛ لأنا لا ندري ما تصير إليه حالتهم من الضعف ولتبقى معهم على السعي، فإن عتقوا، وإن عجزوا كانت أم ولد.
م: قال أبو محمد: معرفة ما يخصها من الكتابة هو أن يقال: كم يلزم هذه حين بلغت السعي أن لو كانت هكذا يوم عقد الكتابة فيحط عنهم قدر ذلك على قول من أجاز ذلك وقال أصبغ.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كاتب المكاتب أمته بإذن السيد ثم وطأها المكاتب فحملت؛ فلا خيار لها في التعجيز وتمضي على كتابتها، فإن أدت خرجت مع ولدها أحرار، وإن أدى المكاتب قبلها خرج هو وولدها أحراراً وسعت هي فيما بقي عليها إن شاءت أو عجزت نفسها؛ فكانت له أم ولد.
ولو مات في كتابته قبل خروجها وترك وفاء بكتابته؛ خرجت هي حرة وولدها، وإن بلغ الولد قبل عتقها سعى مع أقربها عتقاً فعتق بعتقه، ولو كان معه ما يؤدي عن أبويه؛ أخذ من ماله ما يؤدي عنهما وأعتقوا.
وإن ماتت هي أولاً وتركت مالاً؛ أخذ المكاتب من مالها ما بقي عليه وعتق وولدها، وورث الولد ما بقي من مالها، وإن لم يكن فيه وفاء فللولد أخذه والسعاية فيه، وكذلك لو لم يدع شيئاً، فإن أدى عتق، وإن عجز كان في كتابة الأب.
قال ابن القاسم: فإن كان سيد المكاتب هو الذي وطأ هذه المكاتبة فأحبلها قال: هذه لها الخيار في أن تعجز نفسها، وتكون أم ولد للسيد الواطئ، ويغرم قيمتها للمكاتب، ولا
الجزء: 8 - الصفحة: 947
شيء عليه في الولد، وليس للسيد أن يحاسب بالقيمة المكاتب في كتابته إلا أن يشاء المكاتب، وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ غرم قيمتها يوم وطأها؛ قيمة أمة فتوقف تلك القيمة خيفة أن يعدم الواطئ عند العجز، ويكون ولداً حراً مكانه، فإن أدت عتقت وأخذ الواطئ القيمة التي أوقفت وإن عجزت؛ كانت القيمة لسيدها المكاتب، وكانت أم ولد للسيد الواطئ.
قال ابن القاسم: وإن ماتت قبل أن تؤدي كانت القيمة لسيدها المكاتب أيضاً.
وقال في العتبية: إن ماتت قبل الأداء أخذ من القيمة الموقوفة قيمة الولد فدفعت إلى المكاتب ورجع باقيها إلى الواطئ.
م: وذكر محمد فيها جواباً لأصبغ وأعابه قال: والجواب عندي: أن تخير؛ فإن اختارت العجز: كانت أم ولد لمحبلها، وغرم لمكاتبه قيمتها يوم أحبها، كما لو وطأ أمته، وإن اختارت المضي على كتابتها؛ لم يغرم الواطئ الآن شيئاً؛ لأنها استقامت على نجومها ولم يدخل عليه فيها نقص ولا ضرر فلا حجة له حتى تعجز، وإن عجزت رجعت أم ولد للسيد الواطئ على ما أحب أو كره، وغرم القيمة يوم الوطء، أو ما بقي عليها من الكتابة، [يغرم الأقل منهما، فإن رضي يغرم ما بقي عليها من الكتابة]؛ خرجت حرة ولم يتبعها من ذلك شيء، وإن هو غرم قيمة رقبتها كانت أم ولد، قال: ولا معنى لإيقاف القيمة؛ لما يلحق الواطئ من الضرر بإحضارها فقد يوجب ذلك تفليسه وقيام غرمائه عليه فلا منفعة بتعجيلها المكاتب، وفي إيقافها أيضاً غرر؛ إذ قد تتلف، ولو كنت أرى إيقافها لأوقفت ما تؤدي للمكاتب بعد الإيقاف؛ لأني لا أغرمه إلا قيمتها يوم الوطء، فيجب إيقاف ما
الجزء: 8 - الصفحة: 948
تؤدي حتى ينظر ما يصير إليه أمرها؛ لأنها إن عجزت فقد كانت أم ولد لواطئها من يوم وطئها فلا شيء للمكاتب من كتابتها، فقد صار إيقاف القيمة ضرر عليهما، ولكن أرى أن تترك على حالها الذي اختارته، تؤدي كتابتها لسيدها، فإن عجزت غرم الواطئ القيمة، ولم يرد المكاتب ما تؤدي منها بعد الوطء؛ لأنه أخذ ذلك قبل أن يمضي فيها حكم فاقتضاه على أنها مكاتبة وملكه، فهو كالعلة قبل الاستحقاق، وكمن أعتق أمته أو كاتبها، ثم استحقت بحرية أو بملك، فلا يرد من كانت بيده شيئاً من ذلك إلا من يوم ينظر الحاكم فيها فيوقفها فيوقف العلة إلى وقت الحكم، قال وإن ماتت في نجومها فلا شيء على واطئها؛ لأنه ليس من سبب الوطء ماتت، قيل: فلم لا يغرم الواطئ قيمة الولد وتكون تلك القيمة معونة لأمة في كتابتها كما قالوا فيمن اشترى أمة فأولدها ثم استحقت أنها مكاتبته أن الأب يغرم قيمة الولد فيأخذه السيد ويحبسه لأمته من آخر كتابتها؟ قال: لأن هذه ترجع إلى رق الكتابة، ولا تكون أم ولد للواطئ، فولدها بمنزلتها؛ فلذلك غرم الأب قيمتهم، ولولا السنة التي جرت بحريتهم لكان مكاتباً مع أمه؛ فإنما فداهم أبوهم عن الكتابة، ألا ترى أنه لو تأخر الحكم عن الأب حتى أدت الأم الكتابة وخرجت حرة؛ لم يكن على الأب فيهم غرم فمسالتك يؤول أمرها إلى أن أم ولد لمحبلها إذا عجزت فيغرم قيمتها وأي قيمة عليه في ولدها، أو يؤول إلى الحرية بالأداء؛ فلا غرم عليه على حال.
م: وذكر فيها ابن سحنون قولاً لسحنون تركته خشية التطويل.
الجزء: 8 - الصفحة: 949
ومن العتبية قال ابن القاسم: ومن وطأ مكاتبة ابنه فحملت؛ فإنها تخير بين أن تقوم عليه وتكون له أم ولد وتبطل كتابتها، وبين أن تسعى في كتابتها على حالها فإن أدت عتقت وإن عجزة قومت عليه.
وقال سحنون: لا خيار لها؛ لأن هذا من نقل الولاء وليس لها نقل ولائها إلا بعجز بين.
وقال: فإن عجزت فالابن مخير إن شاء قومها على أبيه.
قال أبو محمد: والمعروف لأصحابنا: أنه لابد أن يقومها عليه؛ لأنها أم ولد له.
قال ابن القاسم: وإن اختارت البقاء على كتابتها؛ أوقفنا القيمة من الأب، فإن أدت رجعت القيمة إليه، وإن عجزت أخذها الابن وصارت أم ولد للأب، وإنما توقفت القيمة لخوف عدمه، وإن جنى عليها جناية من ذهاب جارحة قبل عجزها؛ فإن كان في عقلها ما تعتق به عتقت ورجعت القيمة إلى الواطئ، وإلا سعت فيما بقي عليها، فإن أدت عتقت، وإن عجزت قوصص واطؤها بما أخذ سيدها من ثمن جسدها فيما عليه من القيمة، ولو أصابها ذلك بأمر من الله ثم عجزت أخذ الابن القيمة كلها بلا حطاط شيء.
م: وفيما ذكرناه كفاية، وفي كتاب أمهات الأولاد من معاني هذا الباب كثير.
الجزء: 8 - الصفحة: 950
في بيع المكاتب وبيع كتابته
قال مالك: لا تباع رقة المكاتب وإن رضي؛ لأن الولاء قد ثبت لعاقد الكتابة.
قال ابن القاسم: فإن بيعت رقبته ولم يعجز؛ رد البيع ما لم يفت بعتق، فيمضي، وولاءه لمن أعتقه.
وقد أخبرني الليث بن سعد أن يحيى بن سعيد باع مكاتباً ممن أعتقه، وأن عمرو بن الحارث دخل في ذلك حتى اشتراه، فلذلك أمضيت بيعه إذا فات العتق، وقاله الليث.
قال سحنون: وهذا إذا كان العبد راضياً ببيع رقبته فكأنه رضي منه العجز.
وقد تأول بعض أصحابنا أن يحيى بن سعيد إنما باع مكاتبه بعد عجزه.
الجزء: 8 - الصفحة: 951
قال ابن نافع: كما عجزت بريرة فاشترتها عائشة -رضي الله عنها-.
وقال غيره: عقد الكتابة عقد قوي؛ فلا يجوز بيع رقبته ويرد بيعه، وينقض عتقه وقاله أشهب.
وقال أشهب: وهذا إذا كان المكاتب لم يعلم بالبيع.
قال ابن القاسم: وكان مالك يقول في المدبر يباع فيعتقه المبتاع: أن بيعه يرد، ثم قال: لا يرد.
فصل
قال مالك: أحسن ما سمعت في المكاتب: أن سيده لا يبيع كتابته إذا كانت عيناً إلا بعرض نقداً ولا يؤخره فيكون ديناً بدين، وقد نهى الرسول -عليه السلام- عن الكالئ بالكالئ.
الجزء: 8 - الصفحة: 952
قال: وإن كانت الكتابة عرضاً بيعت بعرض مخال له أو بيعت نقداً ولا يؤخر شيئاً من ذلك، قال: ويتبعه في بيعها مكاتبه وماله، ويؤدي إلى المبتاع، فإن أدى وعتق كان ولاؤه للبائع وإن عجز رق للمبتاع، وقاله عطاء بن أبي رباح، وعمرو بن دينار.
قال ابن المسيب: والمكاتب أحق بكتابته إن بيعت بالثمن، وقضى به عمر بن عبد العزيز.
وقال عطاء: وكذلك من عليه دين فبيع فهو أولى به بالثمن، وقاله مالك في سماع أشهب، قال: وذلك إذا بيعت جميع كتابته حتى يعتق بذلك، فأما ما لا يعتق به فلا يكون أحق به؛ فإنه لا يرجع إلى حرية.
قال أصبغ عن ابن القاسم عن مالك فيمن اشترى كتابة مكاتب ثم مات المكاتب قال: ميراثه له لأنه لو عجز لاسترقه، وكذلك في الهبة والصدقة يرثه إن مات، وإن كان ما ترك أكثر من الكتابة فهو له.
وروى الصمادحي والدمياطي عن ابن القاسم فيمن وهب كتابة مكاتبه لرجل فعجز: فهو رق للمعطىَ كالبيع.
الجزء: 8 - الصفحة: 953
وروى عنه أبو زيد: أنه يرجع للواهب وقاله أشهب.
وروى عنه محمد مثل رواية الصمادحي عن ابن القاسم.
م: وروي لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن اشترى كتابة مكاتبه ثم وجد بالمكاتب عيباً قال: ينتظر به؛ فإن أدى كتابته فلا رجوع للمشتري بشيء؛ لأنه قد حصل له ما اشترى، وإن عجز فرق له، فله رده بالعيب، ويرد معه جميع ما أخذ من كتابته، ولم يكن ذلك كالعلة ألا ترى أن لو اقتضى تسعة أعشار كتابته ثم عجز فرده بالعيب أيكون له ما اقتضى؟ بل يرد ذلك؛ لأنه إنما اشترى الكتابة فليست كالغلة.
وقال غيره: ليس عليه أن يرد شيئاً مما قبض من الكتابة؛ لأن ذلك كالغلة.
قال: وله رده وإن لم يعجز؛ لحجته؛ لأنه بالعجز يرق له، ثم لا يرد معه ما قبض من كتابته، واحتج بأن الأمر كان فيه مترقب لا يدري ما يحصل له؛ الرقبة بالعجز، أو مال الكتابة فلما عجز فكأنه إنما اشترى رقبته فكان ما قبض غلة له.
م: والأول أبين؛ لأنه إنما اشترى الكتابة، والرقبة قد تصح له أو لا تصح، وما يكون أو لا يكون فلا حكم له.
قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبداً له فباع السيد كتابة الأعلى تبعه مكاتبه؛ لأنه مال وأدى الأسفل للأعلى، فإن عجز الأسفل رق للأعلى، وإن عجز الأعلى وحده أدى الأسفل للمبتاع ولا يرجع إلى المكاتب بعد أن عجز، فإن أدى عتق وكان ولاؤه للبائع.
ومن غير المدونة قال أشهب: بل الولاء للمبتاع؛ لأنه عبده.
الجزء: 8 - الصفحة: 954
وذكر ابن المواز عن ابن القاسم مثله وخالفه وقال: بل الولاء للبائع وهذا الصحيح.
وقال ابن القاسم في رواية سليمان: وبلغني أن ربيعة وعبد العزيز كانا يريان بيع كتابة المكاتب غررا لا يجوز.
وقال مالك في العتبية: ولا يجوز لأحد الشريكين بيع حصته وإن أذن له شريكه إلا أن يبيعا جميعاً.
قال ابن القاسم: وكذلك لا يشتري المكاتب نصيب أحد الشريكين إلا أن يشتري جميعه.
وقال ابن المواز: يكره بيع أحد الشريكين حصته في المكاتب من المكاتب؛ لأنه كالقطاع، وجائز من غيره.
وأجاز ابن القاسم وأشهب في العتبية بيع نصف المكاتب أو جزء منه أو نجم بغير عينه؛ لأنه يرجع إلى جزء منه.
في كتابة أحد الشريكين وتدبيره نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه
ومن كاتب بعض عبده
قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أنه لا يجوز أن يكاتب الرجل شقصا له من عبد بإذن شريكه أو بغير إذنه إلا أن يكاتباه جميعاً كتابة واحدة؛ لأن ذلك ذريعة إلى عتق النصيب بغير تقويم؛ وذلك خلاف قول الرسول -عليه السلام-: «فيمن أعتق شركا له في عبد فإنه يقوم عليه نصيب شريكه».
الجزء: 8 - الصفحة: 955
قال مالك: فإن كاتب نصيبه بإذن شريكه أو بغير إذنه؛ فسخ ذلك ورد ما أخذ، سواء قبض الكتابة كلها أو بعضها، فيكون ذلك بينه وبين شريكه مع رقبة العبد على قدر حصصهما، وتبطل كتابته ويبقى عبداً لهما على حالته الأولى.
قال غيره: إنما يكون ذلك بينهما إذا اجتمعا على قسمته، ومن دعا إلى رده إلى العبد فذلك له، إذ لا يجوز اقتسام مال العبد إلا بالرضا منهما.
قال ابن القاسم: ولو كاتب هذا حصته ثم كاتب الآخر حصته بغير إذن شريكه ولم يعلم أحدهما بكتابة الآخر؛ لم يجز إذا لم يكاتباه جميعاً كتابة واحدة، ويفخ، كاتباه على مال متفق أو مختلف؛ لأن كل واحد يقتضي دون الآخر، وليس ذلك وجه الكتابة، ولو جاز هذا؛ لأخذ أحدهما ماله بغير إذن شريكه.
وقال غيره: إن وافق الثاني كتابة الأولى في النجوم والمال؛ جاز ذلك وكأنهما كاتباه جميعاً، وإن اختلف لم يجز.
وقيل: إن كاتبه هذا بمائة إلى سنتين، وهذا بمائتين إلى سنة، فإن حط صاحب المائتين مائة وأخره بالمائة الباقية سنتين؛ جازت، فإن أبى؛ قيل للمكاتب: أترضى أن
الجزء: 8 - الصفحة: 956
تزيد صاحب المائة مائة وتعجلها إلى سنة ليتفق الأداء؟ فإن فعل جاز أيضاً وإلا فسخت الكتابة.
قال ابن اللباد: لم يروه يحيى ولكن هو لابن الماجشون.
م: وهو عندنا من رواية يزيد بن أيوب.
قال ابن القاسم: وأما إن أعتق هذا أو دبر، ثم فعل الآخر مثله أعتق أو دبر، ولم يعلم بفعل صاحبه؛ فذلك جائز.
فصل
قال ومن كاتب بعض عبده لم يجز ذلك ولا يكون شيء منه مكاتباً، وإن أدى لم يعتق منه شيء، كقول مالك: فيمن كاتب شقصا له من عبد والعلة في ذلك أيضاً: أنه يؤدي إلى عتق نصفه ولا يستتم عليه عتق بقيته، إذ ليس كتابته بصريح العتق، فمنع من ذلك؛ فئلا يكون خلاف السنة فيمن أعتق نصف عبده.
الجزء: 8 - الصفحة: 957
قال غيره: ومن عيب كتابة أحد الرجلين نصيبه بإذن شريكه؛ أنهما يتخاطران في ماله، فيقتضى هذا نجوماً وهذا خراجاً.
وإذا كاتب نصف عبد هو له؛ فأصل الكتابة لا تكون إلا على المراضاة؛ كأنها بيع، ألا ترى أن العبد لو أراد أن يكاتبه سيده بكتابة مثله أو أقل أو أكثر، لم يلزم السيد ذلك، إلا أن يرضى، فكذلك لا يلزم السيد أن يكاتب ما بقي بعد ما كاتب إلا بالرضا، كما كان بدون الكتابة، ولا يعتق إذا أدى عما كوتب منه إذ ليست الكتابة عتقاً، وإن كانت تصير إلى عتق.
الجزء: 8 - الصفحة: 958
في مكاتبة الأب لعبد ولده، والوصي لعبد يتيمه،
ومكاتبة المكاتب، والمأذون، والمديان، لعبيدهم.
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يكاتب الرجل عبد ولده على وجه النظر؛ لأن بيعه وشراءه على وجه النظر جائز، وقال مالك.
قال مالك: وإذا أعتق عبد ابنه الصغير جاز عتقه إن كان مليئاً يوم أعتق ويقوم عليه.
قال غيره: فإن لم يكن له مال فلم يرفع إلى الحاكم ولا نظر فيه حتى أفاد مالاً، تم عتقه للعبد، وكان كعبد بين شريكين، وأعتق أحدهما نصيبه ولا مال له، فلم يرفع إلى الحاكم حتى افاد مالاً؛ فإنه يقوم عليه ويتم عتق العبد كله.
قال مالك في كتاب القسم: وإن لم يكن الأب موسراً يوم أعتق فرفع إلى الحكم؛ رد عتقه للعبد إلا أن يتطاول زمانه، وتجوز شهادته ويناكح الأحرار فلا يرد، ويتبع الأب بقيمته.
قال في كتاب محمد: وإنما يلزمه العتق إذا أعتق عبد ابنه الذي في حجره وولايته، فأما الابن الكبير الخارج من ولايته فلا يجوز عتقه في عبده.
الجزء: 8 - الصفحة: 959
ابن المواز: وإن أعتق عبد ابنه الصغير عن الابن لم يجز ذلك، وإنما يلزمه، ويقوم عليه إذا أعتق عن نفسه، وفي كتاب العتق زيادة على هذا.
ومن المكاتب قال ابن القاسم: وللوصي أن يكاتب عبد من يلي عليه على النظر، ولا يجوز أن يعتقه على مال يأخذه منه إذ لو شاء انتزعه منه، ولو كان على عطية من أجنبي جاز على النظر كبيعه عليهم، وكذلك الحكم في المكاتب يكاتب عبده.
فصل
قال ابن القاسم: وإذا كاتب المكاتب عبده على وجه النظر بنفسه ثم عجز الأعلى أدى الكتابة الأسفل للسيد الأعلى، فإن أعتق السيد الأعلى المكاتب الأعلى بعدما عجز لم يرجع بشيء مما أدى هذا المكاتب الأسفل؛ لأنه حين عجز صار رقيقاً وصار ماله لسيده بما كان له على مكاتبه فهو مال للسيد؛ ولأن مالكاً [قال: إذا عجز المكاتب] الأعلى فولاء المكاتب الأسفل إذا أدى عتق للسيد الأعلى، ولا يرجع إلى المكاتب [الأول على حال أبداً]، وكتابة المكاتب عبده على ابتغاء الفضل جائزة، وإلا لم
الجزء: 8 - الصفحة: 960
تجز، وكذلك قوله لعبده: إن جئتني بكذا فأنت حر، فإنما يجوز ذلك إذا كان على ابتغاء الفضل، إلا أنه يتلوم للعبد في هذا بلا تنجيم.
قال في كتاب الولاء: ولا يعتق المكاتب عبده على مال يأخذه منه؛ لأنه يقدر أن ينتزعه منه، فأما على أخذ المال من أجنبي فجائز؛ كبيعه منه.
قال في كتاب الخلع: إذا خالع أو تصدق بإذن سيده، فجائز.
وقال في الحمالة: إن حمالته بالدين بإذن سيده جائزة.
وقال غيره: لا تجوز؛ لأن ذلك دعاية إلى رقه.
فصل
ولا يجوز للمأذون أن يكاتب عبداً له أن يعتقه إلا بإذن سيده، فإن فعل بإذنه وعلى المأذون دين يغترق ماله؛ لم يجز ذلك إلا بإذن غرمائه؛ لأن ماله للغرماء، وكتابته من ناحية العتق إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت كفافاً للدين أو لقيمة الرقبة فلا حجة للغرماء؛ لأنهم إذا قبضوا دينهم أو قيمة الرقبة التي كانت تباع لهم لو رُدت الكتابة لم يكن لهم حجة، وتباع لهم الكتابة فيستعجلونها إن شاءوا، فإن أدى المكاتب عتق، وإن عجز رق لمشتريه، وكذلك الجواب في الحر المديان يكاتب عبده.
الجزء: 8 - الصفحة: 961
م: سئل الفقيه أبو عمران: ما الفرق بين كتابة الوصي لعبد من يلي عليه، وبين كتابة المأذون لعبده؛ أن ذلك لا يجوز في المأذون إلا بإذن السيد؟ قال الفرق: أن الوصي أقامه الأب مقام نفسه وعوضاً منه، فهو كإياه في ذلك، والمأذون إنما أذن له في التصريف في المتاجرات والمبايعات بين الأجنبيين، وأما بيعه عبده من نفسه أو كتابته إياه فلم يأذن له فيه؛ لأن ذلك من ناحية العتق لا من باب المتاجرة، ألا ترى أنه لا يحاص الغرماء بالكتابة ولا بما أعتق عبده عليه؛ لأن ذلك من باب المعروف وليس في دمه، وذلك بخلاف متاجرته مع الأجنبيين، فحكم المتاجرة والكتابة مفترق.
قال: وساوى أشهب بين الوصي وبين المأذون وبين المكاتب في كتابة العبد ورأى أن الكتابة هاهنا طريقها التجارة وابتغاء الفضل كسائر المتاجرات، وذهب إلى أن: المأذون أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره الغرماء، وليس لغرمائه في ذلك مقال؛ أذن له السيد أو لم يأذن.
قال: وإن للحر المديان أن يكاتب عبده إذ وقعت بغير محاباة على وجه النظر وإن كره الغرماء، وأبى ذلك ابن القاسم في المديان.
واختلفا في المريض: فأجاب فيه كل واحد منهما بضد قوله في المديان.
قال ابن القاسم: كتابة المريض من ناحية البيع إذا لم تكن بمحاباة، وأبى ذلك أشهب في كتبه وإن غالاه ولم يحابه حتى يحمل رقته الثلث، وكان سحنون نحا أن الكتابة عنده من ناحية العتق في المريض والمديان؛ لأنه استشهد في المريض لما جاء بكلام أشهب بقول
الجزء: 8 - الصفحة: 962
ابن القاسم في كتابه المديان: أنه لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق فصار ابن القاسم يجيزه في المريض ولا يجيزه في المريض ولا يجيزه في المديان.
وقال أشهب بضده، وقال سحنون لا يجيزه فيهما.
واحتج أشهب بمنع المريض من الكتابة إذا لم يحمله الثلث: بأنه حابى نفسه بما جر إليه وغلى ولده من الولاء، وقد اعترض عليه في ذلك بما يجوز من كتابة المديان؛ لأنه حابى نفسه أيضاً بالولاء، وهذا أصل مضطرب فيه؛ هل الكتابة من ناحية البيع، أو من ناحية العتق؟ فمهما دل عليه في النازلة غلب الحكم له.
م: وهذا كله من كلام الفقيه أبي عمران الفاسي -رضي الله عنه- إلا ما اختصرت أنا منه وبينت.
قال ابن القاسم ومن كاتب عبده وعلى السيد دين وقد جنى العبد جناية قبل الكتابة فقيم عليه بذلك الآن، فقال العبد: أنا أؤدي عقل الجناية والدين وأثبت على كتابتي فذلك له.
م: قيل لأبي عمران: فهل يحاسب السيد في الكتابة بما أدى من دين أو جناية؟
قال: أما الدين فيحاسبه بذلك إذ لو صحت الكتابة ثم لحق السيد لم يكن على المكاتب منه شيء، وإنما تباع كتابته في الدين، فأما ما أدى في الجناية فلا يحاسب السيد
الجزء: 8 - الصفحة: 963
بشيء من ذلك؛ لأنه لو جنى بعد صحة الكتابة لم يكن على السيد منها شيء، وإنما يقال للمكاتب: قم بجنايتك وإلا عجزت، فلو كان يحاسبه بجنايته قبل الكتابة لحاسبه بها إذا كانت بعد الكتابة وهذا بين.
قال ابن القاسم: ومن كاتب أمته وعليه دين يغترقها فولدت في كتابتها من غيره ثم قال الغرماء؛ فلهم فسخ الكتابة، ويرقها الدين وولدها، إلا أن يكون في ثمن الكتابة إن بيعت بنقد؛ مثل الدين أو مثل قيمة رقبتها، فلا تغير الكتابة، ولكن تباع في الدين.
قال: ولو فلس سيد العبد بدين بعد الكتابة؛ بيعت الكتابة للغرماء، فيقبضون حقوقهم، ولا شيء لهم غير بيع كتابته وإن كثر الدين.
في مكاتبة النصراني لعبده وإسلام مكاتبه
قال ابن القاسم: وإن كاتب النصراني عبده النصراني، جازت كتابته، ثم إن أراد بيعه وفسخ الكتابة لم يمنع من ذلك، وليس هذا من حقوقهم التي يتظالمون فيها فيما بينهم، والعتق أعظم حرمة، ولو أعتقه ولم يبنه على يده ثم رده في الرق لم يمنع من ذلك، فكذلك الكتابة إلا أن يسلم العبد.
م: يريد فتلزمه كتابته وعتقه وهذا خلاف قوله في العتبية.
قال فيها في نصراني أعتق عبده ثم أراد بيعه: فليس للإمام منعه، فإن أسلم العبد أن يرجع في عتقه فإن كان بان عن يده حتى صار حاله كحال الأحرار فلا رجوع له فيه بعد إسلامه، وإن كان إذا أعتقه يستخدمه بحالته التي كان عليها حتى أسلم فله الرجوع فيه.
م: فلم يجعل لإسلامه حكماً إلا بالبينونة، والبينونة عندنا تمنع من الرجوع فيه وإن لم يسلم، ولا فرق بين العتق والكتابة في هذا، وظاهر المدونة: أنه يلزم العتق والكتابة وإن لم
الجزء: 8 - الصفحة: 964
يُبنه؛ لأنه حكم بين مسلم وذمي، وأما إذا ابانه؛ فذلك يلزمه، وإن لم يسلما، فلو كان الحكم للبينونة لم يكن لذكر الإسلام معنى، والله أعلم وقد جرى في كتاب العتق من هذا والله الموفق للصواب.
ومن المكاتب قال غيره: وإذا كاتب النصراني عبده النصراني، لم يكن له نقض الكتابة؛ لأن هذا من التظالم بينهم الذي لا ينبغي للحاكم أن يتركهم وذلك.
ومن العتبية قال سحنون في النصراني يكاتب عبده النصراني بمائة قسط من خمر ثم أسلم المكاتب بعد أن أدى نصف الخمر قال: على المكاتب نصف قيمة نفسه عبداً قناً، أو يكون عليه نصف كتابة مثله في قوته على السعاية، وكذلك لو كان إنما أسلم السيد؛ الجواب واحد.
وذكر ابن حبيب مثله عن ابن الماجشون إلا أنه قال: يكون عليه حصة ما بقي من كتابة مثله، إن ثلث فثلث وإن ربع فربع.
ومن المدونة قال مالك: وإذا اشترى ذمي عبداً مسلماً؛ لم يفسخ شراءه، ولكن يباع عليه من مسلم، فإن كاتبه قبل أن يباع عليه أو كاتب عبده النصراني ثم أسلم العبد بعد الكتابة؛ فإن كتابة هؤلاء كلهم تباع من مسلم، فمن عجز منهم رق لمشتريه، وإن أدى عتق وكان حراً، وولاءه الذي كوتب وهو مسلم للمسلمين دون مسلمي ولد سيده الذمي، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك، لم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد كان ثبت للمسلمين، وأما الذي أسلم بعد الكتابة فولاؤه لمن يناسب سيده من المسلمين من ولد ذكر أو عصبة، فإن لم يكونوا؛ فالجميع المسلمين، ثم إن أسلم سيده بعد ذلك رجع إليه ولاؤه؛ لأن ولاءه قد كان ثبت له حين عقد كتابته وهو على دينه.
الجزء: 8 - الصفحة: 965
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا؛ إنما هو الميراث، فأما الولاء فلا ينتقل عمن ثبت له.
وإذا أسلمت أم ولد الذمي فقال مالك مرة: توقف حتى تموت، أو يسلم فتحل له، ثم رجع وثبت على أنها تعتق ولا شيء عليها من سعاية ولا غير ذلك وولاؤها للمسلمين إلا أن يسلم سيدها بعد أن أعتقت عليه فيرجع إليه ولاؤها.
قال ابن القاسم في كتابة أمهات الأولاد: وإن أسلم سيدها بعد إسلامها وقبل أن تعتق؛ فهو أحق بها وتبقى له أم ولد، كما كانت، وإن طال ما بين إسلامها ما لم تعتق بقضية إمام.
قال في المكاتب: وأما إن أسلم ولده بعد أن أسلمت؛ فإنها تعتق عليه، وولاؤها للمسلمين، ولا يرجع إليه ولاؤها إن أسلم.
م: يريد وإن أسلم قبل أن تعتق عليه؛ فإنها تبقى له أم ولد، وولاؤها ثابت للمسلمين، لا يرجع إليه، كما لو دبر عبده بعد أن أسلم؛ فإنه يؤاجر عليه، فإن أسلم السيد أيضاً: رجع إليه مدبره، فإن مات وعتق في ثلثه كان ولاؤه للمسلمين، وبالله التوفيق.
قال: فيها قولان:
أحدهما: أن ميراثه كله للسيد كالعبد.
الجزء: 8 - الصفحة: 966
والقول الآخر: أن تؤخذ القيمة من السيد فيأخذ السيد منها باقي الكتابة، ثم يكون الفضل لقرابة السيد؛ فإن لم يكن له قرابة فهو للمسلمين.
فقيل له: كيف يغرم القيمة ويأخذ منها الكتابة؟
فقيل: الكتابة كدين له فلذلك أخذها من القيمة؛ كالرجل يقتل غريمه عمداً، إن دينه لا يسقط عنه، ولم يصرح إذا كان الدين إلى أجل هل يبقى إلى أجله، أو يحل بقتله إليه؟ وكأنه نحا إلى أن دينه يحل على ما ذكره السائل.
م: ومن مسائل ابن الكاتب -رضي الله عنه- قال: قول ابن القاسم إذا عجز المكاتب رجع ماله للسيد، وصار محجوراً عليه، ليس يريد عجزه عن الكتابة كالانتزاع، إنما أراد: أن العبد لا يجوز له التصرف في ماله، تدل على ذلك مسألة التدليس إذا وجد السيد عيباً فيما ولى المكاتب شراؤه وقد عجز، ومسألة أمهات الأولاد إذا أسلمت أم ولد المكاتب الذمي فإن عجز المكاتب؛ فإن كان مولاه مسلماً كان مثل النصراني يشتري أمة مسلمة فلو كان ماله يصير لسيده إذا عجز المكاتب لكانت أم ولده لسيده، ولم يحتج إلى بيعها.
وقيل عن الشيخ ابن سعيد: إنما يرجع المكاتب على حالته التي كان عليها قبل الكتابة، إن كان مأذوناً له رجع كذلك، وإن كان غير مأذون له، رجع كذلك.
والمشهور من قول ابن القاسم خلاف هذا.
ومسألة عجز المكاتب الأعلى أن الأسفل يؤدي إلى السيد الأعلى، دليل على ما قلنا إذ لم يجعله يؤدي إلى المكاتب العاجز، فلو كان باقياً على ملكه لكان يؤدي إليه.
تم المكاتب الأول بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره].
الجزء: 8 - الصفحة: 967
بسم الله الرحمن الرحيم
عونك يا الله
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما
كتاب المكاتب الثاني
في إسلام أحد مكاتبي الذمي، وهروب مكاتبه إلى بلد الحرب
قال مالك قال ابن القاسم: وإذا كاتب النصراني عبدين له نصارى كتابة واحدة فأسلم أحدهما فأحسن ذلك عندي: أن تباع كتابتهما جميعاً من مسلم ولا يفرقا لعقد الحماية رضيا أم كرها.
وكذلك إن كاتب عبداً له نصرانياً، فولد لمكاتبه ولد في كتابته من أمته، ثم أسلم ذلك الولد دون أبيه؛ فإنه تباع كتابتهما جميعاً.
م: ومعنى قوله: رضيا أم كرها: أي رضيا ببيع المسلم وحده؛ لأجل الحمالة، فلذلك لم يجزه؛ لأنهما يصيرا مكاتبين لرجلين أحدهما حميل بصاحبه، وأما لو رضوا بحل
الجزء: 8 - الصفحة: 968
الحمالة وفضوض الكتابة، وعلما ما يقع على كل واحد منهما؛ لجاز للسيد بيع كتابة المسلم منهما، كما لو أعتق السيد أحدهما، فرضي بذلك صاحبه: أنه يجوز.
ويحتمل: أن يكون إنما أجازه في العتق خاصة لحرمته ويستأنس بأن لا يجيزه في البيع وإن رضيا بحل الحمالة لقول ربيعة الذي لا يجيزه في العتق وإن رضوا، والله أعلم.
فصل
قال ابن القاسم: وإن غنمنا مكاتباً لذمي أو لمسلم هرب أو أسر رد إلى سيده إن عرف سيده، غاب أو حضر، ولا يقسم وإن عرف أنه مكاتب ولم يعرف سيده أقر على كتابته، وبيعت كتابته في المقاسم مغنماً، ويؤدي إلى من صار إليه، فإن أدى كان حراً ولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق لمن صار إليه.
م: وإن لم يعلم أنه مكاتب ولا علم سيده فبيعت رقبته في المغانم، ثم أتى سيده، قال في العتبية يقال للمكاتب: أد ما اشتراك به هذا وقم بنجومك؛ فإن فعل فذلك له، وإن
الجزء: 8 - الصفحة: 969
ألقى بيده وعجز نفسه؛ فقيل لسيده: إن شئت فافده وهو عبد لك لا كتابة فيه، أو فأسلمه رقيقاً للذي هو في يديه كالجناية، وفي كتاب الجهاد إيعاب هذا.
في الدعوة في الكتابة وبعثها إلى السيد
قال ابن القاسم: وإذا قال السيد لمكاتبه قد حل نجم، وقال المكاتب: لم يجل؛ فالقول قول المكاتب؛ لأنه غارم، كقول مالك فيمن أكرى داره سنة، أو باع سلعة بدنانير إلى سنة، فادعى حلوها فالمكتري أو المبتاع مصدق إن أكذبه.
قال ابن القاسم: وإن اتفقا أن الكتابة خمسون، وقال المكاتب: نجمتها على عشرة أنجم في كل نجم خمسة، وقال السيد: بل خمسة أنجم، في كل نجم عشرة؛ صُدِّق المكاتب مع يمينه، فإن أتيا ببينة؛ قضيت بأعدلهما، وإن تكافأتا صدق المكاتب، وكانا كمن لا بينة لهما، وقاله أشهب.
وقال غيره: يقضى ببينة السيد؛ لأنها زادت ألا ترى أن لو قال السيد: الكتابة ألف درهم، وقال المكاتب: تسعمائة؛ صُدِّق المكاتب، وإن أتيا ببينة قضى ببينة السيد لأنها زادت.
[قال أبو إسحاق: وقول ابن القاسم أعدل؛ لأن هذا تكاذب إذا كان في مجلس واحد، وكذلك القياس عنده في الزيادة أنها تكاذب، وأما جعل الغير أن الزيادة هاهنا لها حكم؛ وهي بينة السيد، فجعل الزيادة من جهة المعنى، وإلا فعشرة أشهر أكثر من خمسة في عدد الأشهر، ولكن من جهة هذا المعنى هذا المعنى أن الزيادة في الثمن إنما جاءت من جهة السيد وانظر
الجزء: 8 - الصفحة: 970
لو قال: كاتبني على عشرين ديناراً، وقال السيد: بل عبد موصوف أو عرض، فإذا قدرنا أن الكتابة فوق إذ لو لم يكن فوتاً لكانا يتحالفان ويتفاسخان في اختلافهما في القلة والكثرة مع اتفاقهما في الجنس الواحد، وإذا حكمنا في الجنس الواحد أن القول قول المكاتب مع يمينه وجب أن يرجع في اختلافهما في الجنس إلى قيمة، وانظر هل يرجع إلى كتابة مثله مؤجلة أو قيمة حالة؛ لأنا وجدنا في السلع إذا اختلف المتبايعان في جنسين أو في النكاح إذا اختلفا في جنسين؛ أن المرأة ترجع في الفوت إلى صداق المثل دراهم، والمتبايعان يرجعان إلى قيمة المبيع دراهم، ووجدنا اختلافهما في القلة والكثرة في المسلم فيه بعد الفوت يرجعان إلى الأوسط من سلم الناس على ما ذكره ابن المواز.
م: وهذا الذي احتج به الغير من اختلافهما في عدد مال الكتابة خاصة لا يخالفه فيه ابن القاسم ولا يلزمه به في مسألة اختلافهما في عدد النجوم حجة؛ لأن كل بينة فيها قد زادت بينة المكاتب زادت عدد النجوم، فانتفع بالتأخير وبقلة ما يقع لكل نجم، وبينة السيد زادت بكثرة ما يقع لكل نجم وبقلة النجوم، فيجب عند تكافئهما أن يسقطا، وأما في اختلافهما في عدد المال خاصة فبينة السيد قد انفردت بالزيادة؛ فلذلك قضي بها، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى المكاتب أنه كوتب بمائة، وقال السيد: بمائتين؛ صدق المكاتب إن كان قوله يشبه؛ لأن الكتابة فوت، ولأن مالكاً قال فيمن اشترى عبداً فكاتبه أو دبره أو أعتقه واختلفا في الثمن: إن القول قول المشتري لأنه فوت.
قال محمد بن عبد الحكم: قد اختلف في ذلك ابن القاسم وأشهب:
فكان أشهب يرى أن القول قول السيد.
والحجة له: أنه يقول: أنت مملوكي فلا تخرج إلى الكتابة إلا بما أقر لك، وذلك كالبيع، يختلفان فيه فالقول قول البائع، والمبتاع مخير.
الجزء: 8 - الصفحة: 971
والحجة لابن القاسم في قوله: إن القول قول المكاتب: إن الكتابة قد وجبت وهي فوت، فالسيد يدعي فضلاً، والعبد ينكر، فالبينة على المدعي، وعلى المنكر اليمين.
واختار بن المواز قول بن القاسم واحتج بمثل حجته في المدونة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم وكان مالك مرة يقول: إذا قبض المبتاع السلعة وبان بها وهي قائمة بعينها؛ فهو مصدق في الثمن مع يمينه، ثم رجع إلى أن يتحالفان ويترادا إن لم تفت السلعة بحوالة سوق فأعلى.
قال ابن حبيب عن أصبغ: فيمن قاطع عبده على مائة، وقال: هي حالة، وقال العبد: [إلى أجل؛ فالسيد مصدق مع يمينه، ولو كاتبه على مائة وقال: هي حالة، وقال العبد: هي] منجمة صدق العبد مع يمينه.
م: لأن سنة القطاعة التعجيل، وسنة الكتابة التنجيم، وهو العرف فيهما فمن ادعى العرف فالقول قوله.
م: ومن كان القول قوله حلف وقضى بما ادعى، فإن نكل حلف الآخر وقضى بما ادعى، فإن نكل لزمه ما ادعي عليه به، وذلك كاختلاف المتبايعين بعد فوت السلعة؛ لأن القطاعات والكتابة فوت.
الجزء: 8 - الصفحة: 972
م: وهذا على قول ابن القاسم في اختلاف المتبايعين يدعي البائع الحلول، والمبتاع الأجل؛ أن القول قول البائع، وأما على قوله القول قول المبتاع؛ فيجب أن يكون القول قول العبد؛ لأن القطاعة كفوت السلعة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا بعث المكاتب بكتابته إلى سيده وأنكر قبضها؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع؛ ضمن، كمن بعث بدين عليه أو امرأة اختلفت من زوجها بما فبعثت به إليه؛ فإن لم يقم الرسول بينة بالدفع وإلا ضمن، وقاله مالك.
ما يحل ويحرم في الكتابة من خيار أو رهن أو حمالة
قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده على أن السيد أو العبد بالخيار يوماً أو شهراً فلا بأس به، والخيار في الكتابة جائز كالبيع.
ومن كاتب أمته على أن أحدهما بالخيار فولدت ولداً في أيام الخيار؛ دخل الولد في الكتابة معها، فإن كان الخيار لها: كانت وولدها على الكتابة إن أحبت، وإن كرهت رجعت رقيقاً، وإن كان الخيار للسيد: فله أن يدخل ولدها معها في الكتابة على ما أحبت أو كرهت، أو يردها وولدها في الرق كالأمة المبيعة بالخيار تلد في أيام الخيار أن ولدها يدخل معها في إمضاء البيع أو رده لمن له الخيار بالثمن المشترط، ولا شيء على المبتاع من نقص الولادة إن ردها.
وولد المكاتبة في أيام الخيار أبين في دخوله معها في الكتابة على ما وصفنا.
الجزء: 8 - الصفحة: 973
وقال أشهب: الولد للسيد ولا يدخل في الكتابة إذا لم تتم إلا بعد الولادة، وكذلك أرش جنايتها، وما وهي لها فهو لمالكها قبل وجوب الكتابة، وكذلك الولد في البيع للبائع، ولا ينبغي للمبتاع أن يختار البيع للتفرقة، فإن اختاره وقبض الأم؛ قيل لهمام: إما أن يضم المشتري الولد إلى أمه، أو يأخذ البائع الأم فيجمعان بينهما في حوز أحدهما وإلا نقضنا البيع.
وقال ابن القاسم: أما ما وهب للأمة أو تصدق به عليها في أيام الخيار؛ فهو للبائع بخلاف الولد.
م: وهذا رجوع من ابن القاسم إلى أصل أشهب؛ لأن أشهب: يرى في بيع الخيار أنما انعقد يوم وقع الاختيار؛ فما ولدت أو وهب لها أو جني عليها فأخذت له أرشاً فللبائع؛ لأن البيع إنما انعقد بعد ذلك، وابن القاسم يرى إذا اختار البيع من له الخيار فكأنه إنما أمضى العقد الأول؛ فكأن البيع لم يزل منعقداً من حينئذ؛ فلذلك جعل الولد للمبتاع ومع المكاتبة، وكذلك يجب أن يكون ما وهب لها وأرش ما جنى عليها للمبتاع، وأراه إنما فرق بينهما: إنه لما ترجح وقت انعقاد البيع، وكان مال العبد في البيع للبائع جعل ما طرأ له من مال في أيام الخيار لمن له المال، والولد لمن تكون له الأم والله أعلم.
وقول أشهب أبين وأقيس وبه أقول، وبالله التوفيق.
[قال ابن القاسم: وكذلك أرش ما جني عليها في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث فهو للبائع؛ لأن منه ضمانها، وعليه نفقتها، والمبتاع بالخيار في أخذها معيبة بجميع الثمن، أو
الجزء: 8 - الصفحة: 974
ردها، وكذلك إن دخلها عيب في أيام الخيار أو في عهدة الثلاث؛ فأما أخذها معيبة بجميع الثمن أو ردها.
قال مالك: ولو هلك مال العبد في عهدة الثلاث وقد بيع به لم يكن للمبتاع رد العبد ولا يرجع بشيء.
ولو هلك العبد في الثلاث انتقض البيع، وعلى المبتاع رد ماله، وليس له التمسك به ودفع الثمن، بخلاف ما دخله من عيب، هذا له أن يرده وماله، أو يمسكه وماله.
م: لأن مال العبد إنما هو مستثنى للعبد فمتى انتقض البيع في العبد انتقض في ماله، وهذا مستوعب في كتاب بيع الخيار.
ومن اشترى عبداً واستثنى ماله؛ كان ما وهب له في أيام الخيار له لا للبائع؛ لأنه استثنى ما عنده وما يصح له من كسب، وهذا هو المعروف من المذهب، وإنما وقع في كتاب محمد في العبد الرهن يرتهن بماله، فيوهب له مال أن ما وهب له لا يدخل في الرهن.
م: قال أبو إسحاق: وفي ذلك نظر، ولعل هذا المفهوم في الرهن إذا رقبته لم تخرج من ملك سيده].
الجزء: 8 - الصفحة: 975
فصل
قال مالك: ومن كاتب عبده وأخذ منه عند الكتابة رهناً يملكه مما يغاب عليه، فضاع بيد السيد؛ فإنه يضمن قيمته، فإن ساوت الكتابة عتق مكانه وكانت قصاصاً.
قال ابن المواز: لأني لو أغرمت السيد ذلك لم أدفعه إلى المكاتب حتى تحل النجوم، إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فإن لم يأت به تعجيل ذلك سيده، وجعل ذلك من أول نجم إن لم يكن كفافاً للكتابة، ولم يكن على المكاتب شيئاً حتى تنقضي نجوم ذلك، وإن كان فيه فضلٌ عتق وأخذ الفضل من سيده.
ومن المدونة: وإن فلس السيد أو مات نظرت إلى الرهن؛ فإن كان في عقد الكتابة بشرط فهو انتزاع من السيد لا يحاص به المكاتب غرماء سيده كما لو كاتبه على أنه لو أسلف سيده دنانير أو باعه بيعاً بثمن مؤجل فذلك انتزاع لا يحاص به، ولو وجد الرهن بعينه في فلس أو موت فلا شيء له فيه، ولا محاصة له به، ولا لغرماء المكاتب فيه شيء، ولو كان الرهن بعد عقد الكتابة لنجم حل أو نحوه؛ فللمكاتب أخذه إن وجده بعينه، أو المحاصة بقيمته إن لم يجده فما صار له كان قصاصاً مما حل عليه، وما بقي له من قيمته ففي ذمة السيد يقاص به المكاتب فيما حل عليه.
وفي كتاب محمد وما صار له في المحاصة قوصص به فيما حل عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 976
قال ابن المواز: فيأخذه الغرماء ثم تباع لهم بقية الكتابة؛ فإن أدى كان حراً، وإن عجز رق للمشتري كله، وأتبع المولى ببقية قيمة رهنه، وإذا بيعت كتابته فله أن يحاص الغرماء في ثمنها كما كان يحاصصهم فيما بيده.
م: يريد: وإذا حاصهم فيما بيده فنابه أكثر مما حل عليه فليحسب ذلك من أول نجم ثم مما يليه، فإن كان فيه كفاف ما عليه من الكتابة؛ عتق مكانه، وكان قصاصاً؛ لأني لا أدفع ذلك للمكاتب حتى تحل النجوم إلا أن يأتي المكاتب برهن ثقة مكانه فيأخذ ذلك، ويثبت على كتابته، فذلك له واسع، ويتبع السيد بما بقي له من قيمة رهنه.
قال: ولو كاتبه بمائة دينار؛ فأرهنه بما رهناً قيمته مائتي دينار، فضاع بيد السيد، وعلى السيد دين لرجل مائتي دينار ففلسفة الغريم، فوجد بيد السيد مائتي دينار فليحاصه المكاتب فيها بقيمة رهنه فإن شاء المكاتب تعجل العتق بما يقع له، قال له الغريم: عليك من الكتابة مائة، فآخذ أنا من هذه المائتين مائة أيضاً ويتحاصا في المائة الثانية؛ فيقع للمكاتب خمسون فيأخذها ويخرج حراً، ويتبع السيد بخمسين بقية قيمة رهنه، فإن شاء المكاتب أخذ ما يقع له في الحصاص، ويأتي برهن مكانه، ويؤدي على نجومه تحاصا في المائتين، فتقع له مائة ويأتي برهن قيمته مائة، ويأخذ المائة ويؤدي إلى نجومه إلا أن يكون حل عليه شيء منها؛ فيأخذ الغريم من المائتين مثل الذي على المكاتب، ويتحاصا فيما بقي، فيأتي المكاتب برهن مثل ما يقع له في الحصص، فهذا وجه الحصاص وتفسيره وبالله التوفيق.
الجزء: 8 - الصفحة: 977
قال غير ابن القاسم في المدونة وهو أشهب: ليس ذلك انتزاعاً كان الرهن في أصل الكتابة أو بعدها، ويضمنه السيد إن لم تقم بينة بهلاكه، فإن كانت القيمة دنانير والكتابة دنانير تحاصا؛ لأن في وقف القيمة ضرر عليهما، إلا أن يتهم السيد العبداء على الرهن لتعجيل الكتابة قبل وقتها فتوقف القيمة بيد عدل، وإن كانت الكتابة عرضاً أو طعاماً، أوقفت القيمة لرجال رخص ما عليه عند محله، ويحاص الغرماء بالقيمة في الفصل والموت.
قال أبو إسحاق: ومذهب الغير أبين؛ لأن هذا إنما يكون انتزاعاً بأن بينهم ذلك، وأما شرطه الرهن في أصل الكتابة، فلا يفهم منه الانتزاع، وأما دعواه الضياع؛ فأوجب ابن القاسم المقاصة بظاهره، ولو أتى العبد برهن ثقة وذلك أنه لم يصح هلاك الرهن ولا غير هلاكه فكان الأمر مشكلاً، فلم يحمل عليه العداء فغرمه قيمته، فيوقف كما لو ثبت عداؤه ولم يسقط عنه ضمانه؛ لأنه مضمون فتوسط فيه إن ضمنه وجعله قصاصاً.
وظاهر مذهب الغير: أنه لا فائدة في إيقاف القيمة فقد يقول: إنه لو أتى برهن ثقة أنه يصير عليه إلى الأجل إذا كانت عليه أن الإنفاق ضرر، فإذا كان إنما العلة أن الإيقاف لا فائدة فيه، فإذا أتى برهن أخذ القيمة.
وعلة ابن القاسم غير هذا؛ أنه لما لم يتحقق علة العداء كان ذلك قصاصاً، وأنه لو تحقق أنه عداء لأوقفت القيمة.
وذهب ابن المواز: إلى أن له الحصاص به، وإن كان في أصل الكتابة، قال: لأنه وإن اشترطه رهناً فهو مال للمكاتب لم يشترطه السيد لنفسه بل اشترط أنه للمكاتب فلا
الجزء: 8 - الصفحة: 978
يظلم، وما نابه في الحصاص فليس للسيد أن يتعجله لنفسه، ولا لغرمائه، ويكون رهناً، وكذلك لو كاتبه على أن يسلفه أو يبيعه سلعة محلها إلى بعد الكتابة، ففلس السيد؛ كان له أن يحاص بقيمتها حالاً ويقبض ذلك المكاتب، إلا أن يكون قد حل عليه شيء من نجومه، فيقاصه بذلك.
م: سئل الشيخ أبو الحسن بن القابسي -رحمه الله-: ما وجه قول ابن القاسم: إذا كان الرهن في أصل الكتابة فضاع، أنه يرجع عليه بقيمته ما لم يفلس فإذا فلس لم يرجع عليه وراءه كالانتزاع؛ فإن كان انتزاعاً فيلزمه أن يقول: لا شيء للمكاتب فيه وإن لم يفلس، وإن لم يره انتزاعاً: فللمكاتب أن يحاص به غرماء سيده؟
فقال الشيخ أبو الحسن: إذا اشترطه في أصل الكتابة فكأنه انتزعه، وقوله: هو رهن؛ كأنه وعده أن يرده إليه بعد وفاء الكتابة، فصار كالهبة منه له، يقوم عليه بها ما لم يفلس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من غير المكاتب، فيصير كالحمالة، وذلك لا يجوز.
قال ابن المواز: [ولا يجوز أن يكاتبه ويرتهن رهناً من عبيده]، ولا يجوز الرهن بالكتابة إلا أن يكون للعبد فيكون بمنزلة حمالة المكاتبين بعضهم ببعض في كتابة واحدة، وإن كان من غير ملك العبد ولم يعلم السيد كان باطلاً كحمالة غيره بها، والسيد بالخيار إن شاء أن يمضي الكتابة بلا رهن فذلك له؛ لأن الرهن بمنزلة الحمالة، وإن أبى نقضت الكتابة.
ابن المواز: إلا أن يؤدي جل الكتابة فلا يفسخ، ويفسخ الرهن.
قال: ولو علم السيد أن الرهن ليس لعبده فسخ الرهن ولم يفسخ الكتابة.
الجزء: 8 - الصفحة: 979
فصل
ومن المدونة قال مالك الأمر المجتمع عليه عندنا: أن العبد إذا كاتبه سيده لم ينبغ أن يتحمل له أحد بكتابة عبده إن مات العبد أو عجز، وليس هذا من سنة المسلمين؛ لأن الكتابة ليست بدين ثابت، وإن مات المكاتب أو عجز؛ لم ينتفع الحميل بما أدى عنه في عتق ولا رق يملكه هو، وهذا من أكل المال بالباطل.
قال غيره: ولأن سنتها لا تكون في ذمة وإجازة الضمان فيها إصراف لها إلى الذمة وليس للضامن أن يرجع بما أدى في ذمة العبد فلم يحرم، وضمان أحد المكاتبين عن الآخر جائز، بخلاف الأجنبي؛ لأنه إنما ضمن ملكه عن ملكه.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا بأس بالحمالة بالكتابة، كما لو تحمل رجل عند عبد غير مأذون له في التجارة بمال، أو عن رجل في ولاية وهو يعلم بشيء اشتراه أحدهما؛ أن ذلك يلزمه، وإن ذهب ماله باطل؛ فهو الذي رضي بهذا.
م: ولا أعلم أن لي في هذا القول رواية.
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج مكاتبته لرجل على أن ضمن له كتابتها فولدت منه بنتاً ثم هلك الزوج فالحمالة باطلة، وتبقى المكاتبة على حالها، وابنته أمة لا ترث أباها، وميراثه لأقرب الناس منه.
ابن المواز قال ابن القاسم: إذا لم تؤد الحمالة حتى مات وترك مالاً كثيراً؛ قيل: يؤخذ ذلك من ماله بعد موته.
الجزء: 8 - الصفحة: 980
قال ابن المواز: لأنه شيء لم يحكم عليه به في حياته، إلا أنه لو أدى ذلك حتى يعتق ويفوت ذلك جاز للسيد، ورجع به الزوج عليه، ورجعت عليه هي بصداق مثلها يوم وقع النكاح، فيتقاصان، فمن كان له الفضل أخذه منه صاحبه.
م: وفي الأول شيء من هذا.
فيمن ورث شقصاً من مكاتب يعتق عليه أو أوصي له به
قال ابن القاسم: وإذا ورثت مع أخيك لأبيك مكاتباً هو أخوك لأمك، وضع عنه حصتك، وسعي لأخيك في نصيبه، وخرج حرا، وإن عجز عتقت حصتك فيه، ولا يقوم عليك بقيته، وأما لو وهب لك نصفه، أو أوصى لك به فقبلته؛ فإن المكاتب إن لم يكن له مال ظاهر فهو مخير: في أن يعجز نفسه ويقوم عليك باقيه، ويعتق كله إن كان لك مال، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه، ورق باقيه لشريكك فيه، وإن شاء ثبت على كتابته، وحطت عنه حصتك منها، فإن أدى فولاؤه لعاقدها، وإن عجز قوم باقيه [عليك إن كنت مليئاً وأعتق، وإن لم يكن لك مال أعتق نصيبك منه دون باقيه] مثل إذا عجز نفسه ولا مال له، سواء.
قال: وليس له أن يعجز نفسه إن كان له مال ظاهر للتقويم عليك.
م: وإن قيل ما الفرق بين من وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه فقبله، وبين من أعتق حصته من كاتب بينه وبين آخر؛ أنه جعل عتقه في هذا وضع مال، وأنه إن عجز لا
الجزء: 8 - الصفحة: 981
يعتق عليه حصته، ولا تقوّم عليه حصة صاحبه، وفي الذي وهب له بعض مكاتب ممن يعتق عليه إن عجز تقوم بقيته عليه.
قيل: الفرق بينها أن من يعتق عليه لما كان ممن لا يستقر ملكه عليه إن عجز ولابد من عتقه، جعلنا قبوله لما وهب له منه قصداً لعتق تلك الحصة من الرقبة، والآخر هو ممن إذا عجز يجوز له ملكه، وهو الآن لا يملك منه إلا مالاً؛ فإنما عتقه إياه وضع مال، ولو قصد إلى عتق الرقبة فيه، وإنه إن عجز كان ذلك الشقص حراً لاستوت المسألتان وبالله التوفيق.
قيل لابن القاسم: فلِم إذا قبله ولم يعجز نفسه يوضع عنه حصته وهو لم يملك منه رقاً، ولو أدى لكان ولاؤه لعاقد كتابته؟ قال: لأنه إن عجز وصار له؛ عتق عليه.
م: وإذا عجز فقوم على الأخ بقيته يكون ولاء هذا النصف للأخ وولاء النصف الموهوب للواهب؛ لأنه لو وهبه جميعه لأعتق، وكان ولاؤه للواهب، وكذلك هبة نصفه، وأما النصف الذي عتق على الأخ فولاؤه له؛ لأنه عتق عليه بعد أن صار رقاً، وبالله التوفيق.
في من يدخل على الكتابة بالولادة والشراء من القرابة
قال مالك: وكل ما ولد للمكاتب من أمته مما حملت به بعد الكتابة دخل في كتابته، وصاروا بمنزلته لا يعتقون إلا بأدائها، وإن بلغوا جازت بيوعهم، وقسمتهم بغير إذنه إن كانوا مأمونين، وليس له ولد له كشرائه إياهم بغير إذن السيد إذ لا يمنعه السيد وطأه أمته ولا استحاثه الولد منها.
الجزء: 8 - الصفحة: 982
قال: وكل ولد ولد له منها قبل الكتابة أو كوتب وأمته حامل منه؛ فلا يدخل ذلك الولد في كتابته إلا أن يكون عليه.
قال ابن القاسم في العتبية: وأما إن كاتب أمته علم بها أو لم يعلم؛ فإنه يدخل معها في الكتابة.
ابن المواز قال أشهب عن مالك: فإن خافت العجز لم يبع ولدها الذي حدث في الكتابة إلا بإذن السيد.
قال أشهب: وكذلك المكاتب في بيع ولده من أمته.
وكذلك في سماع أشهب.
قال ابن المواز: والأب والأخ لا يبيعه وإن ظهر عجزه إلا بإذن السيد؛ لأن السيد إذا عجز اتبع الولد لنفسه، فإذا أذن لأبيه في بيعه فلا حجة للولد ولا للأخ؛ لأنهم قد وقفوا على العجز كلهم، والرجوع إلى الرق.
م: فلا فرق بين ملك السيد لهم ولا بين ملك غيره، فلم تكن لهم حجة في بيعهم.
قال ابن المواز: وأما أم ولده فله إذا تبين عجزه أن يبيعها وإن لم يأذن له سيده، وذلك في الوضع الذي لو لم يبعها لعجز، فمنع السيد من بيعها ضرر؛ واستدعا رقه.
الجزء: 8 - الصفحة: 983
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون في مكاتب كاتب على نفسه وعلى ابنة له فعجز عن بعض نجومه فاستأذن سيده في بيعها فأذن له؛ قال: لا يجوز ذلك إذا لم يكن السلطان عجزه، فإن وقع ذلك وفاتت بحمل من مشتريها فلا ترد إليه؛ لأنها لا ترجع إلى أحسن من ذلك، وإن بقي بيد أبيها فضل عما أدى من ثمنها من الكتابة فهو له سائغ؛ كما لو قتلت.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا يجوز للمكاتب أن يشتري ولده أو أبويه إلا بإذن سيده فمن ابتاعه بإذنه من ولد أو ولد ولد، أو أبوين أو من يعتق على الحر بالملك دخل معه في الكتابة، وجاز بيعهم وشراؤهم وقسمتهم بغير إذنه ولا يبيعهم في عجزه، فإذا عجزا رقوا كلهم للسيد، ويصير إذا اشتراهم بإذن السيد؛ كأنه كاتب عليهم، وكأن السيد كاتبهم جميعاً كتابة واحدة، ولو مات الذي عقد الكتابة لسعى من دخل معه في الكتابة على النجوم بحال ما كانت، ولا تؤخذ منهم حالة، وإن اتباعهم بغير إذن السيد لم يفسخ بيعه ولا يدخلوا معه في الكتابة ولا يبيعهم إلا أن يخشى العجز، ولا بيع لهم ولا شراء ولا قسم إلا بإذنه، ويعتقون بأدائه، وكذلك أم ولده ليس لها أن تتجر إلا بإذنه، ولا له بيعها إلا أن يخاف العجز، وأما إن ابتاع من لا يعتق على الحر بالملك من القرابة بإذن السيد، أو بغير إذنه؛ لم يدخلوا معه في الكتابة وله بيعهم، وإن لم يعجز، ولا فعل لهم إلا بإذنه، وكل من اشتراه فدخل معه في الكتابة جاز شراؤه وبيعه ومقاسمته شركاءه، وكل من اشتراه فلم يدخل معه في الكتابة؛ فلا يجوز بيعه ولا شراؤه ولا مقاسمته إلا بإذن المكاتب.
وقال أشهب عن مالك -رحمه الله-: يدخل الولد والوالد إذا اشتراهم بإذن السيد، ولا يدخل الأخ.
الجزء: 8 - الصفحة: 984
وقال ابن نافع وغيره: لا يدخل في الكتابة بالشراء بإذن السيد إلا الولد وحده فقط إذ له أن يستحدثه.
وروي عنه أيضاً في غير المدونة: أنه يدخل الولد وإن اشتراه بغير إذن السيد إذ له أن يستحدثه.
قال ابن القاسم: وإذا كان المكاتب مدياناً فابتاع ابنه؛ لم يدخل معه في الكتابة، وإن أذن سيده حتى يأذن غرماؤه، وهو بخلاف ما ولد له في كتابته؛ لأن ذلك بمنزلته، الا ترى أن ولد المعتق إلى أجل، والمدبر من أمته بعد ما عقد لهما ذلك بمنزلتهما، وأما ما ولد لهما قبل ذلك أو كانت أمتاهما حاملاً يوم العقد منه فرقيق، وإن اشتريا ما ولد لهما قبل ذلك لم يكونوا بمنزلتهما، ولهما بيهم؛ إذا أذن لهما في ذلك السيد، إلا أن يأذن في ذلك للمعتق إلى أجل عند تقارب الأجل، أو يأذن للمدبر والسيد مريض؛ فلا يجوز إذنه حينئذ، وإنما يجوز إذن السيد في ذلك الموضع الذي يجوز للسيد أن ينتزعهم؛ فإن لم يأذن لهم ولم ينتزعهم حتى أعتقوا؛ كانوا لهم تبعاً كأموالهم ويعتقون عليهم.
وقال ابن القاسم: في باب بعد هذا: وللمكاتب أن يشري زوجته الحامل منه، وليس للسيد منعه، إلا أنه إذا ابتاعها بإذنه دخل حملها في الكتابة، وكانت به أم ولد، وإن ابتاعها بغير إذنه لم يدخل حملها في الكتابة ولم تكن به أم ولد.
ومن كاتب عبده ثم كاتب زوجة العبد على حدة؛ فما حدث بينهما من ولد فهو في كتابة الأم؛ يعتق بعتقها، ويروق برقها، ولا يعتق الولد بعتق الأب.
الجزء: 8 - الصفحة: 985
قال في كتاب النكاح: ونفقة هذا الولد على الأم، ونفقة الأم على الزوج، ولو كانت كتابة الأبوين واحدة كانت نفقة الأم والولد على الأب.
في سعي ولد المكاتب، وسعي أم ولده، وعتق السيد المكاتب دون ولده
قال ابن القاسم: ومن أدخلناه في كتابه المكاتب؛ فله حكم من عقدت عليه الكتابة، فإن مات المكاتب الذي عقدت عليه الكتابة لم يؤخذوا بأداء الكتابة كالة، وسعوا على النجوم.
قال: وما ولدت المكاتبة من ولد بعد الكتابة فهم بمنزلتها لا سبيل للسيد عليهم في السعاية ما دامت الأم على نجومها، ولها أن تستسعيهم معها؛ فإن أبوا آجرتهم، ولا تأخذ من أجارتهم ولا مما في أيديهم إلا ما تقوى به على الأداء والسعي، فإن ماتت سعوا، ولم يوضح عنهم شيء لموتها، ويسعى القوي على من أزمن منهم ثم لا يرجع عليه إن عتقوا.
قال في الجنايات: وإذا كاتب عبده وزوجته فحدث لهما ولد؛ فليس لهما أخذ ماله وكسبه، وعليه أن يسعى معهما بقدر قوته وأداء مثله، فإن خاف العجز؛ فلهما الأداء من ماله كما يؤديهما عنه في عجزه ثم لا تراجع بينهم.
ومن المكاتب: وإن ولد للمكاتب من أمته ولدان فاتخذ كل واحد منهما أم ولد؛ فأولدها، إلا أن أولادهما ملكوا ثم مات الجد فالولدان مع أمهما يسعون فإن أدوا أعتقت،
الجزء: 8 - الصفحة: 986
وإن مات أحدهما قبل الأداء ولم يدع ولداً وترك أم ولد؛ فإنها تباع، ويعتق أخوه في ثمنها ولا يرجع السيد عليه بشيء.
قال سحنون: لأن حرمتها بسيدها وبولده، فإذا ذهب الذي ثبتت به حرمتها قبل أن تتم له حرمة صارت أمة يستعان بها في الكتابة.
م: وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا.
فصل
قال مالك: وإذا ولد للمكاتب من أمته ولد بعد الكتابة فأعتق السيد الأب؛ لم يجز عتقه إذا كان يقوى على السعي، وإن كان لا يقوى على السعي؛ وإن كان لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه، ثم إن كان للأب مال يفي بالكتابة ولا سعاية في الولد أدى من مال الأب عن الولد حالاً وأعتقوا.
قال غيره: هذا إذا رضي الأب بالعتق، وإلا لم يجز؛ لأن السيد يتهم على تعجيل النجوم قبل وقتها.
م: وهذا تفسير وقاله جماعة من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: ولو لم يرضى الأب بالعتق وتمادى على الكتابة، ثم عجزوا؛ كان الولد رقيقاً ويعتق الأب بالعتق الأول [كمن أعتق أحد مكاتبيه فرده أصحابه ثم عجزوا أن ذلك المكاتب يعتق بالعتق الأول] وليس كمن جعل عتقه في يديه فرده؛ لأن هذا إنما رده لعلة استعجال المال، فهو كرد أصحابه عتقه.
الجزء: 8 - الصفحة: 987
م: وفيها نظر؛ وهو كمن عجل عتق مكاتبه على تعجيل كتابته، [فيأبى من ذلك ويتمادى على كتابته] ثم يعجز أنه يرق للسيد؛ لأنه لم يرض بما طلبه به سيده، وإنما أعتقه على صفة فلم يرضها فلم يلزم السيد عتقه والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن في مال الأب إلا قدر ما يؤدى عنهم إلى أن يبلغوا السعي أخذوا وأدى نجوماً إلى أن يبلغوا السعي، ولا يؤخذ حالاً؛ إذ لو ماتوا قبل بلوغ السعي كان المال لأبيهم، فإذا بلغ الولد السعي سعوا، فإن أدوا أعتقوا وإن عجزوا رقوا.
قال: وإن لم يكن في مال الأب ما يبلغهم السعي؛ مضى عتق الأب، ورقوا.
ولابن القاسم قول ثان: أنه يأخذه حالاً، وإن كان فيه ما يبلغهم السعي.
قال ابن المواز: وهو مثل ما لو مات وترك مالاً.
ومن المدونة قيل: أرأيت أن قووا على السعي حين عتق الأب وله مال؟
قال: قال مالك: إن أعتق السيد أحد الأولاد وهو قوي على السعي؛ لم يجز عتقه، وسعوا جميعاً ولا يوضع عنهم من الكتابة شيء، وإن كان الذي أعتق صغيراً؛ لا سعاية له، أو كبيرا فانياً، أو به ضرر، لا يقوى على السعي؛ جاز عتقه فيه، ولم يوضع عمن بقي من الكتابة شيء ولا يرجع الذي أدى على أخيه الزمن المعتق بشيء.
الجزء: 8 - الصفحة: 988
وقال غيره: إذا كان للأب الزمن مال والولد يقوى على السعي؛ لم يجز عتقه؛ لأن ماله معونة لهم كبدنه.
م: وروي عن مالك: أنه تؤدى جميع الكتابة من مال الأب، ويكونون أحراراً، وإن كانوا أقوياء على السعي يوم عتق أبوهم وله مال.
وقال ابن نافع: لا يجوز له عتق الصغير، ولا يعتق بغير رضاهم، إلا من لا يرجى نفعه يوماً ما ولا يزداد إلا ضعفاً.
في المريض يكاتب عبده، أو يقر بقبض كتابته
قال ابن القاسم: ومن كاتب عبده في مرضه والثلث يحمله؛ جاز، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين إمضاء كتابته أو عتق محمل الثلث منه بتلاً، ولو أجاز له الورثة ذلك قبل الموت وهم كبار لزمهم ذلك بعد موته وكذلك القول فيمن أوصى أن يكاتب عبده سواء، إن حمله الثلث كوتب كتابة مثله في جزائه وأدائه، وإن لم يحمله: خير الورثة في إجازة ذلك، أو أعتق محمل الثلث منه بتلاً.
قال: وإن كاتبه في مرضه وقبض الكتابة في مرضه.
قال في كتاب محمد: والثلث يحمله ثم مات.
قال فيه وفي المدونة: فإن لم يحابه؛ جاز ذلك، وكان حراً، لا سبيل للورثة عليه، بمنزلة بيع المريض.
وقد قال مالك: إن بيع المريض وشراءه جائز إذا لم يجاب؛ فإن حابى: كانت محاباته في الثلث.
الجزء: 8 - الصفحة: 989
وقال غيره: في الكتابة في المرض من ناحية العتق وقعت بمحاباة أو بغير محاباة.
سحنون وكذلك قال ابن القاسم في المديان يكاتب عبده: لا يجوز؛ لأن ذلك من ناحية العتق.
قال غيره: ويوقف المكاتب بنجومه، فإن مات السيد والثلث يحمله جازت كتابته، وإن لم يحمله: خيّر الورثة في الإجازة، أو عتق محمل الثلث منه بما في يديه من الكتابة.
وقاله أكثر الرواة.
ابن المواز وكذلك يقول أشهب: إن ذلك من ناحية العتق وليس كالبيع إذ لا تجوز كتابته، وإن غالاه في الثمن حتى يحمل الثلث رقبته، ولا يعجل عتقه إلا أن يكون للسيد مال مأمون، وإلا لم يعتق حتى يموت السيد ويحمله الثلث، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في عتقه أو يردوا إليه ما قبضه منه السيد، ويعتقوا منه بحمل الثلث بتلاً، ويبقى ماله بيده، ويقوم في الثلث بما ردوا عليه وبغيره من ماله إن كان له وعلى حاله وهيئته يوم يقوم لا قبل ذلك.
م: قال بعض شيوخنا القرويين: إذا كاتب عبده في مرضه وحابى، وقبض الكتابة؛ إنه يجعل في الثلث قيمة الرقبة كلها كما لو لم يحاب، بخلاف إذا حابى المريض في بيعه هاهنا إنما يجعل في الثلث المحاباة خاصة؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة.
قال: وإذا حابى فان الثلث يحمل رقبته؛ جاز ذلك، ولم يقوم في النجوم المقبوضة منه، ولا يضاف ذلك إلى مال السيد، وإن كان الثلث لا يحمله ردت النجوم المقبوضة إلى يد العبد، ثم يعتق محمل الثلث من رقبته بماله إذا لم يجز الورثة.
الجزء: 8 - الصفحة: 990
م: وإنما يفترق الحكم عند ابن القاسم: في أن يحابي أم لا، لأنه إذا لم يحاب وحمله الثلث عجل عتق العبد في حياة السيد، ويمضا فعله كما يمضا بيعه إذا لم يحاب، وإذا حابى وحمله الثلث أيضاً لم يكن بد من إيقافه إلى بعد الموت؛ لأن المحاباة وصية، وإن لم يحمله الثلث في الوجهين خير الورثة بين إجازة ما فعل الموصي أو يردوا إلى المكاتب ما قبض منه، ويعتق محمل الثلث منه بماله بتلا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في صحته، وأقر في مرضه بقبض الكتابة؛ جاز ذلك، وكان حراً، ولم يتهم السيد إن ترك ولداً، فإن كان ورثته كلاله والثلث لا يحمله؛ لم يصدق إلا ببينة، وإن حمله الثلث صُدِّق؛ لأنه لو أعتقه جاز عتقه.
وقال غيره: إذا اتهم بالميل والمحاباة معه إذا ورثته كلالة؛ لم يجز إقراره، حمله الثلث أو لم يحمله؛ لأنه في إقراره لم يرد به الوصية فيكون في الثلث، وإنما أراد أن يعتقه من رأس المال، فلما بطل ذلك لم يكن في الثلث، ولا يكون في الثلث إلا ما أريد به الثلث، وقاله ابن القاسم أيضاً غير مرة.
م: وقد قال في الأول من الوصايا: وإن أقر المريض لصديق ملاطف بدين جاز إن ورثه ولده، وأما إن كان ورثته أبوين أو زوجة أو عصبة ونحوه؛ لم يجز إقراره له.
قال سحنون في غير المدونة: لا في الثلث ولا غيره.
الجزء: 8 - الصفحة: 991
م: وهذا يشبه قول الغير هاهنا؛ لأن الإقرار بالدين كالإقرار بقبض الدين.
وقال ابن حبيب في إقراره بدين للصديق: إنه إن حمله الثلث جاز؛ كان ورثته كلالة أو ولد؛ لأنه لو أوصى له بالثلث جاز؛ وهذا يشبه قول ابن القاسم في إقراره بقبض الكتابة، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن كاتبه في مرضه وأقر بقبض الكتابة في مرضه ذلك فإن حمله الثلث خير؛ كان ورثته كلالة أو ولد، وكان بمنزلة من ابتداء عتقه في مرضه.
م: يريد: أنه كالمبتل في المرض؛ فإن كان مال السيد مأموناً عجل عتقه، وإن لم يكن مأموناً لم يعتق إلا بعد الموت.
قال: وإن لم يحمله الثلث خير الورثة؛ فإما أمضوا كتابته، وإلا أعتق محمل الثلث منه، وكان ما بقي رقيقاً لهم.
وقال غيره: يوقف بنجومه؛ لأن الكتابة في المرض عتاقة من الثلث، وليس من ناحية البيه؛ لأن ما يؤدي المكاتب إنما هو جنس من الغلة.
في الوصية بالكتابة أو بنجم منها لرجل أو للمكاتب ووصية المكاتب
قال ابن القاسم: وإن كاتبه في المرض بألف درهم وقيمته مائة درهم وأوصى بكتابته لرجل والثلث لا يحمل الكتابة؛ فإن حمل الثلث رقبته جازت الكتابة والوصية،
الجزء: 8 - الصفحة: 992
كالوصية أن يخدم فلاناً سنة ثم هو حر، فإن حمله الثلث جازت وصيته في العتق والخدمة، وإن لم يحمل الثلث رقبة المكاتب ولم يجز الورثة كتابته؛ فليعتق منه محمل الثلث، وتبطل الوصية بالكتابة لتبدية العتق عليها.
م: وذكر ابن المواز هذا القول عن أشهب وأخذ به، وذكر عن ابن القاسم: أنه إنما يجعل الأقل في الثلث إذا أوصى بالكتابة للمكاتب؛ لأنه عتق، وأما الأجنبي فإنما يجعل الكتابة في الثلث.
ابن المواز: ورواه عن مالك، قال وقول ابن القاسم جيد، وفيها نظر.
قال: وقال ابن القاسم في المكاتب في المرض بألف وقيمته مائة وأوصى بالكتابة لرجل، والثلث يحمل رقبته، ولا يحمل كتابته؛ أن الكتابة جائزة؛ لأن الثلث يحمل الرقبة، ثم تقوّم الكتابة بالنقد، فإن كان لا يحملها الثلث بعد إسقاط قيمة الرقبة من مال الميت؛ خير الورثة بين إجازة ذلك أو القطع له بالثلث من جميع ماله.
ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أوصى لرجل بمكاتبه أو بما عليه، أو أوصى بعتق مكاتبه أو بوضع ما عليه؛ جعل في الثلث الأقل من قيمة الكتابة أو قيمة الرقبة على أنه عبد مكاتب في جزائه وأدائه، كما لو قتل، وقاله ابن نافع.
وقال أكثر الرواة: ليس قيمة الكتابة ولكن الكتابة، قالوا كلهم: فأي ذلك حمل الثلث جازت الوصية.
الجزء: 8 - الصفحة: 993
قال: ومن أوصى لرجل بثلث ماله؛ كان الموصى له شريكاً للورثة في كل شيء تركه الميت من عين أو عرض أو كتابة مكاتب، وصار كأحد الورثة.
م: يريد: إلا فيما يطرأ للميت من مال لم يعلم به؛ فإنه لا شيء للموصى له فيه، وفي الوصايا بيان هذا، وقد تقدمت مسألة من أوصى أن يكاتب والثلث حمله؛ أنه يكاتب كتابة مثله، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك، أو عتق محمل الثلث منه بتلاً.
فصل
قال مالك: ومن وهب بمكاتبه من كتابته نجماً بعينه من أول الكتابة أو وسطها أو آخرها، أو تصدق به عليه، أو أوصى له به، وذلك كله في المرض، ثم مات السيد؛ قوم ذلك النجم وسائر النجوم بالنقد، يقال: ما يسوى هذا النجم وعدده وأجله كذا بالنقد؛ فيعلم ذلك، أو ما تسوى جميع النجوم، ومحل كل نجم منها كذا بالنقد؛ فينظر ما ذلك النجم من هذه النجوم، فيقدر حصة ذلك النجم من جميع الكتابة يعتق الآن من رقبة المكاتب، ويوضع عنه ذلك النجم بعينه إن حمله الثلث، ويسعى فيما بقي بعد ذلك، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة في إجازة ذلك أو عتق محمل الثلث من رقبة المكاتب، ويحط عنه من كل نجم بقدر ما أعتق منه، فإن كان الذي أعتق منه الثلثين وضع عنه من كل نجم ثلثاه، وإن كان أقل من ذلك أو أكثر فعلى هذا يحسب، ولا يحظ عنه النجم المعين إذا لم يحمله الثلث، ولم يخير الورثة؛ لأن الوصية قد حالت عن وجهها.
الجزء: 8 - الصفحة: 994
ومن كتاب ابن المواز وغيره قال أشهب: إنما يجعل في الثلث الأقل من قيمة النجم أو ما قابله من الرقبة؛ كما لو أوصى له بجميع الكتابة، وأخذ به سحنون، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم.
م: تفسيره: أن ينظر ما قيمة ذلك النجم من سائر نجوم الكتابة؛ فإن قيل: الربع: فالذي يقابله من الرقبة الربع، ثم ينظر الأقل من قيمة ذلك النجم ومن قيمة ربع الرقبة فيجعل الأقل في الثلث.
ابن المواز قال أشهب: وإن لم يكن للسيد مال غير المكاتب، وقد أوصى له بالنجم الأول فشح الورثة عليه، فإن خرجت قيمته من قيمة ما في الكتابة من الثلث جاز ذلك عليهم ووضع النجم بعينه، وإن لم يسع ذلك النجم الثلث عتق منه محمله، ووضع عنه بقدر ما يحمل الثلث منه، فإذا عجز كان منه حراً بقدر ذلك.
قال: ولا يخير الورثة في ذلك؛ لأنهم قادرون على بيع سائر الكتابة.
وقال ابن القاسم: بل يخيرون، فذكر عنه مثل ما في المدونة.
وقال ابن المواز بقول أشهب، قال: وتفسير ذلك: أن يقوم النجم الأول، فإن كانت قيمته خمسين وقيمة بقية النجوم مائة فقد حمله الثلث، فتوضع عنه بقيته، ويعتق ثلثه إن عجز، وإن كانت قيمة بقية النجوم خمسين وُضع عنه ثلثا النجم الأول، وعتق ثلث الرقبة إن عجز.
وقيل: إذا عرف قيمة النجم الموصى له به سعى، فإن عجز أعتق قدره، فإن تمادى؛ لم يوضع عنه ذلك من أول الكتابة، فإذا لم يبق عليه إلا قدره؛ عتق.
الجزء: 8 - الصفحة: 995
ابن المواز: وليس هذا بشيء، وقول مالك صواب، ولا حجة للورثة أن يقولوا: يبدأ العبد علينا؛ لأن لهم بيع بقية الكتابة نقداً وقد عدل بينهم في القيمة.
فصل
قال ابن المواز قال مالك: ومن وهب لرجل وهو صحيح كتابة مكاتبه فعجز؛ فهو رقيق للذي وهبت له الكتابة، فإن وهب نصفها رق له نصفه إن عجز، وكذلك سائر الأجزاء كما لو باعه كتابته أو نصفها، وقاله أشهب واصبغ ورواه موسى بن معاوية في العتبية عن ابن القاسم.
وروى عنه أبو زيد: أنه إن عجز كانت رقبته للمعطى، وروي نحوه عن أشهب.
م: فوجه الأولى: أنه يكون له بقدر ذلك من القربة قياساً على البيع كما ذكر.
ووجه الثانية: قياساً على هبة ذلك للمكاتب لا يعتق منه شيء إن عجز.
قال ابن المواز قال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب وكذلك إن وهبه نجماً من نجوم مكاتبه؛ فإنه يكون شريكاً له في النجوم كلها بقدر ذلك، كبيعه لنجم من نجومه ولم يسمه، فإنه شريك بقدر نجم من عدد نجوم الكتابة، وإن كانت خمسة أنجم للمشتري أو للموهوب خُمس كل نجم، فإن عجز كان له من رقبته خمسها، وقاله أصبغ.
قال ابن المواز: كان ذلك في صحة السيد أو مرضه، فأما هبته لنجم مسمى بعينه في صحته فلا يكون للموهوب من رقبة المكاتب شيء إن عجز، وكأنه إنما وهبه مال ذلك
الجزء: 8 - الصفحة: 996
النجم بعينه إن تم، ولا يجوز بيع ذلك النجم المعين؛ لأنه إن عجز كان له من رقبة المكاتب رق بقدر ذلك النجم، ولا يدرى ما قدره من العبد، بخلاف النجم المبهم، لأن ذلك يرجع إلى جزء مسمى.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: فيمن وهب لرجل نجماً من نجوم مكاتبه ثم عجز العبد؛ قال: يكون له في رقبة العبد حصة بقدر النجم الذي وهبه.
قال ابن المواز: وأما لو أوصى بالنجم بعينه لرجل؛ لكان له إذا عجز حصته من رقبة العبد رقاً، كما يكون إن أوصى به للمكاتب عتقاً، وقاله مالك.
قال ابن المواز: والفرق بين الحصة والوصية في هذا: أنه في الوصية قد أشرك بينه وبين ورثته على قدر ما أوصى له من نفسه، أوصى بذلك للرجل فصار العبد والرجل شريكاً للورثة ليس أحدهم أولى من صاحبه.
والصحيح يقول: لم أعط من الرقبة شيئاً إنما أعطيته مالاً.
قال ابن المواز: ولو اقتضى الموصى له ذلك النجم المعتق أو بعضهم ثم عجز وقيمته من سائر الأنجم نصف رقبة العبد ولا يرد مما أخذ شيئاً، قاله أشهب وذكر عن ابن القاسم: إنه إن رد ما أخذ للعبد رجع بنصيبه في رقبة العبد، وإن لم يرد؛ كان العبد للورثة.
والأول هو الصواب، وعلمت أحداً قال هذا ممن أوصى؛ لأن الموصى له إنما أخذ غلة مصابته؛ لأنها معجلة، وغلة مصابة الورثة متأخرة، وعلى ذلك قوم وعدل في القيمة، فلا ينظر في ذلك إلا ما ينصرف إليه مصابة الموصى له، ولا مصابة الورثة من كثرة أو قلة، ألا ترى أنهم لو قبضوا بعد قبضه لأكثر نجومهم ثم عجز المكاتب فقد أخذوا أكثر من
الجزء: 8 - الصفحة: 997
الثلثين في العدد، وإنما ذلك كعبيد ثلاثة مكاتبين قيمتهم سواء، أوصى بأحدهم لرجل فعجز بعد إن قبض أكثر نجومه وعجز الآخران ولم يؤديا شيئاً، فلا يقال: إن الموصى له صار له أكثر من الثلث؛ لأنه أمر نفذ بالقيمة وكما لو قبض الموصى له جميع كتابة عبده وخرج حراً، وقبض الورثة أكثر كتابة عبيدهم ثم عجزا فقد صار للورثة في هذا الحساب أكثر من الثلثين وبالله التوفيق.
قال ابن المواز: ولو لم يقبض الموصى له النجم حتى مات المكاتب وترك مالاً كثيراً؛ أخذ صاحب النجم نجمه، والورثة نجومهم على قدر المال لا على القيمة؛ لأن النجوم قد حلت بموته، واستوى المتقدم والمتأخر، فما فضل بعد ذلك كان بين الورثة وبين صاحب النجم نصفين؛ بقدر ما كان يقع له من رقبة العبد لو عجز، قال: ولو لم يترك المكاتب ما يفي بالكتابة لتحاصا؛ الموصى له بالنجم، والورثة في ذلك بقدر العدد لا على القيمة، ولو أوصى بألف درهم مما على مكاتبه، فقال الورثة: نحن نعجلها لك، فأبى، وقال: لعله يعجز فيصير لي من رقبته بحصته مع ما أخذت من نجم؛ فللورثة تعجيلها، كما لو عجلها المكاتب بإذن الورثة لجبر هذا على أخذها.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: إذا أوصى لرجل بنجم من نجوم مكاتبه، فقالت الورثة: نحن ندفع إليك نجماً، وقال هو: لا أرضى، لعله يعجز فيكون لي فيه جزء، قال: إن لم يحل النجم فذلك له، وإن حل فذلك للورثة.
الجزء: 8 - الصفحة: 998
قال ابن المواز: وإن أوصى بالنجم الأول لرجل، وبالثاني لآخر، وخرج المكاتب من الثلث، ثم عجز؛ فلصاحب الأول من رقبته بقدر فضل قيمة نجمه، ولو قبض الأول نجمه ثم عجز قبل قبض الثاني، فرقبه المكاتب بينهما على ما وصفنا، وللأول ما اقتضى، ولا يرجع عليه الثاني بشيء، ولو كان ثم نجمٌ ثالث يبقى للورثة فقبض صاحب النجم نجميهما ثم عجز؛ فالعبد بينهما وبين الورثة على قدر قيمة النجم الأول والثاني والثالث، ولا يرجع الورثة عليها بشيء.
وروي عن ابن القاسم في بعض مجالسه: أنهما إن ردا ما أخذا إلى المكاتب رجع فيه بأنصبائهما، وإن لم يردا فنصيبهما منه للورثة.
والصواب ما تقدم وهو قول أشهب، وروى أصبغ القولين لابن القاسم في العتبية.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: ولو أوصى بالنجم الآخر لرجل قبل أن يتأدى من الكتابة شيئاً فتقاضى الورثة نجومهم، وسلموا المكاتب للموصى له ليأخذ نجمه، فعجز عنه؛ فإنه تكون قربته بينه وبين الورثة، بقدر قيمة نجمه من قيمة نجومهم؛ لأنهم كانوا له فيه شركاء، وهذا بخلاف أن لو كان السيد قد تأدى نجومه إلا النجم الآخر أوصى به لرجل فينقذه له، ثم يعجز عنه المكاتب أو يموت؛ أن جميع العبد يرق له، وكأنه أوصى بجميع الكتابة إذا كان ما بقي عليه به يعتق ولا شرك لأحد معه فيه، وله جميع تركة المكاتب، وكما لو أوصى به للمكاتب صار حراً.
الجزء: 8 - الصفحة: 999
في وصية المكاتب وبيعه أم ولده لخوف العجز وبيع ولده إياها وهلاكه
وذكر من يرثه
قال مالك: وإذا أدى المكاتب كتابته في مرضه؛ جازت وصيته في ثلث ما بقي من ماله، وإن مات قبل دفع الكتابة لم تجز وصيته.
قال ابن القاسم: فإن أوصى أن يدفع إلى سيده الكتابة الساعة فلم تصل إلى سيده حتى مات، وقد كان أوصى بوصايا، فوصاياه باطل إذا لم يؤد كتابته قبل أن يموت.
م: قيل للفقيه الجليل أبي عمران -رحمه الله- فلو بعث بكتابته في مرضه إلى سيده فلم يقبلها السيد حين وصولها إليه، هل يكون حراً ويرثه ورثته؟ فقال: لا حتى يقضى عليه بذلك، إلا أن يكون بموضع لا حكم فيه فيشهد عليه فيكون ذلك كالحلم.
فصل
قال ابن القاسم: وإذا ولدت أمة المكاتب قبل الكتابة فليست بأم ولد له وله أن يبيعها وإن لم يخف عجزاً، الا ترى أن ولدها لغير المكاتب وهي بمنزلة أم ولد العبد يعتقه سيده فلا تكون له بذلك أم ولد، وأما إذا ولدت من المكاتب أمته بعد الكتابة فقال مالك: هي أم ولد له ولا يبيعها إلا أن يخاف العجز فيبيعها حينئذ.
قال ربيعة: وله أن يبيعها في عدمه لدين عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1000
قال ربيعة: وإن مات المكاتب عديماً وعليه دين للناس؛ فأم ولده في دينه وولده رقٌ لسيده.
ومن كتاب ابن حبيب قال أصبغ: إذا خاف المكاتب العجز فباع أم ولده وهي حامل منه فولدت عند المشتري؛ فإن كان المكاتب بحاله لم يعتق ولم يعجز رد بيعها لتعتق بعتقه أو يعجز فيبيعها دون ولدها، قال: وإن كان الأب قد عتق بأدائه أو عجز فرد رقيقاً؛ مضى بيع الأمة بقيمتها على أن جنينها مستثنى ورد الجنين فكان بحال أبيه من عتق أو رق، فإن لم يعثر على ذلك حتى أعتقها المبتاع وولدها فسواء عجز الاب أو أدى أو كان على كتابته، فإن العتق في الأمة ماض، وعليه قيمتها على أن جنينها مستثنى، ويرد عتق الولد، ويكون سبيله سبيل أبيه من عتق أو رق أو كتابة، وليس هذا كمن باع مكاتبه فأعتقه المبتاع؛ لأن هذا باعه غير سيده.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وإذا مات المكاتب وترك مالاً فيه وفاء بكتابته وترك أم ولد وولداً منها أو غيرها؛ عتقت أم ولده مع الولد فيه وإن لم يترك مالاً سعت أم ولده مع ولده منها أو من غيرها أو سعت عليهم إن لم يقووا وقويت هي على السعي وكانت مأمونة عليه.
قال مالك: وإن ترك أم ولد ولا ولد معها، وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فهي والمال ملك للسيد، ولا عتق لأم ولده؛ لأن المكاتب لم يترك ولداً بعد موته فيعتق أم ولده بعتقه.
قال ربيعة: وكذلك إن ترك ولداً ثم مات الولد؛ فهي والمال للسيد، قال في آخر الكتاب: وكذلك لو كان هو ولده في كتابة فمات ولده عن أم ولد لا ولد معها؛ فهي رق
الجزء: 8 - الصفحة: 1001
للأب، وإن ترك مالاً ك ثيراً إلا أن يترك ولداً كاتب عليه أو حدثوا في الكتابة فتعتق أم ولده بعتقه ويرق برقهم، وكذلك الإخوان في كتابة يموت أحدهما ويدع أم ولده ولا ولد معها؛ أنها رقيق، ولا تعتق، وتسعى أم ولد المكاتب بعده إلا أن يدع منها أو من غيرها كاتب عليهم أو حدثوا في الكتابة.
قال ابن المواز: وإن كان معهم أب أو أخ في الكتابة وترك أم ولد لا ولد معها؛ فقال ابن القاسم: هي رقيق للأب أو للأخ، وإن ترك وفاء بالكتابة.
وقال أشهب: إن ترك وفاء بها؛ عتقت مع الأب أو الأخ، وإن لم يترك وفاء؛ رقت: ولا تعتق في سعيهما بعد ذلك، قال: ولا تسعى هي إلا مع الولد.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن القاسم: في مكاتب مات عن أم ولد وولد منها أو من غيرها وترك مالاً أعتقوا به، قال: لا يرجعون عليها بشيء، قال: وكذلك لو لم يترك مالاً فسعوا فعتقت كانوا ولدها أو غير ولدها فلا يرجعون عليها بشيء.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن مات المكاتب وترك أم ولد وولداً منها حدث في كتابته فخشي الولد العجز؛ فلهم بيعها، وإن كانت أمهم.
قال عن مالك: وإن كان للأب أمهات أولاد سواها فخاف العجز الولد فلهم بيع من فيها نجاتهم كانت أمهم أو غيرها.
قال ابن القاسم: وأرى الا يبيع أمه إذا كان في بيع سواها ما يغنيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1002
ومن العتبية قال سحنون: يقرع بينهن أيتهن تباع غير أمه فلا تدخل في السهم.
وقال أيضاً: يباع من كل واحدة بقدرها، يريد: غير أمه، إلا أن يكون لكل واحدة ولد فيباع من كل واحدة بقدرها.
وقال في مكاتب مات وترك عليه من الكتابة مائة دينار وترك ثلاث أمهات أولاد من كل واحدة ولد وقيمة كل واحدة منهن مائة فتشاح البنون أيتهن تباع؟ قال: يباع من كل واحدة بثلث المائة، وإن اختلفت قيمتهن قضيت عليهن بقدر قيمتهن، فإن كانت قيمة الواحدة ثلاثمائة، والثانية مائتين، والثالثة مائة؛ فجميع قيمتهن ستمائة فالمائة الباقية من الكتابة من جميع القيم السدس، فيباع من كل واحدة سدسها فيقوم من ذلك المائة.
م: وإن شئت قلت: يباع من التي قيمتها ثلاثمائة بنصف المائة، ومن التي قيمتها مائتين بثلث المائة [والتي قيمتها مائة سدس المائة] فهذا أعدل إذ قد ينقص ثمن الجزء لما يدخل الباقي من الحرية، ولابد أن يباع منهن بمائة.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك المكاتب ومعه في الكتابة ولد وأجنبي وترك مالاً فيه وفاء بكتابته؛ فإن كتابته تحل بموته ويتعجلها السيد من ماله، ويعتق بذلك من معه في الكتابة، وليس لمن معه في الكتابة من ولد وأجنبي أخذ المال وأداؤه على النجوم إذا كان فيه وفاء يعتقون به الآن لما فيه من الغرر، فإن لم يف ببقية الكتابة فولده الذين معه في الكتابة أخذه إن كانت لهم أمانة وقوة على السعاية ويؤدون نجوماً.
الجزء: 8 - الصفحة: 1003
قال مالك في كتاب الجنايات: وإن ترك ولداً لا سعاية فيهم ولم يدع مالاً؛ رقوا مكانهم إلا أن يكون فيما ترك ما يؤدي على النجوم إلى أن يبلغوا السعي فيفعل ذلك بهم أو يترك ولداً ممن يسعى فيدفع المال إليهم، وإن لم يقووا ومعهم أم ولد للأب دفع إليها المال إن لم يكن فيه وفاء، وكان لها أمانة وقوة على السعي؛ فإن لم يكن فيها ذلك وكان في المال مع ثمنها إن بيعت كفاف الكتابة؛ بيعت وأدت الكتابة، وعتق الولد، أو يكون في ثمنها مع المال ما يؤدي إلى بلوغ الولد السعي، وإن لم يكن ذلك رقوا أجمعون مكانهم.
فصل
قال ابن القاسم في كتاب المكاتب: ولا يدفع ذلك المال لمن معه في الكتابة غير الولد من قريب أو أجنبي وليتعجله السيد من الكتابة ويسعوا في بقيتها، فإن أدوا عتقوا وأتبع السيد الأجنبي بحصة ما أدى من مال الميت وحاص به غ رماءه بعد عتقه، وليس هذا كالمعتق على أن عليه مالاً بعد العتق؛ لأن السيد لم يخرج عنه مالاً فيجب له أن يحاص به، وفي هذا قد أدي عنهم مال المكاتب فهو كالسلف فلذلك حاص به غرماءه.
وقال ربيعه: لا يدفع المال إلى ولد غيره وإن كانوا ذوي قوة وأمانة، إذ ليس لهم أصله، وهو لا يأمن عليه التلف إذا كان بأيديهم وليتعجله السيد ويقاصهم من آخر كتابتهم، فإ، كانوا صغاراً لا قوة فيهم على السعي فهم رقيق وذلك المال للسيد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1004
ابن المواز قال أشهب: يدفع ذلك المال إلى الولد وغيرهم من قريب أو أجنبي في كتابة واحدة إن كانوا مأمونين، وليس ذلك كالدين الثابت يحل بموتهم وهم قد كانوا يتقون بمكان الهالك وماله فإذا أخذ عنهم ما ترك ضعفوا وعجزوا، وإن لم يكونوا مأمونين: لم يتعجله السيد أيضاً، ودفع إلى أمين يؤديه إلى السيد على النحو.
وقال ابن القاسم: لا يدفع ذلك المال إلا إلى الولد مثل ما في المدونة.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وإذا مات المكاتب وترك ولداً حدث في كتابته ومالاً فيه وفاء بكتابته وفضل، أخذ السيد الكتابة منه وما بقي ورثه ولده الذين معه في الكتابة على فرائض الله تبارك وتعالى، ولا يرث منه ولده الأحرار الذي ليسوا معه في الكتابة ولا زوجته، وإن كوتبت معه ولا شيء للسيد مما فضل إذا كان الولد الذي حدث في الكتابة ذكر؛ لأنه يجوز جميع الميراث بعد أداء الكتابة.
قال: وإنما لم يرثه ورثته الأحرار؛ لأنه مات قبل أن تتم حرمته فلا يرث الحر العبد؛ ولأنهم لا يسعون إذا مات أبوهم ولم يترك وفاء، فكما لا يكون عليهم السعي، فكذلك لا يكون لهم الفضل، وبذلك قضى عمر بن الخطاب ولم يرثه السيد لأنه لم يمت عاجزاً، ولم ينحل العقد الذي عقد له إذا ترك من يقوم بأداء الكتابة، وورث الفضل ولده الذين معه في الكتابة حدثوا أو كوتب عليهم؛ لأنهم ساووه في أحكامه بعقد الكتابة في
الجزء: 8 - الصفحة: 1005
رقها وحريتها؛ ولأنهم يسعون في تمامها إن مات ولم يترك وفاء وقاله مالك وجماعة من الفقهاء.
قال ابن المواز: وإذا ارتد المكاتب وقُتل على ردته ومعه في الكتابة ولد وأم ولد وترك مالاً فيه وفاء بالكتابة وفضلة؛ عتق بذلك ولده وأم ولده، وكان ما فضل للسيد، ولا يرث الولد من ذلك شيئاً لاختلاف الدينين ولا يرجع عليهم السيد بشيء مما عتقوا به من مال الأب ويرجع على الأجنبيين، قال: لأن السيد ورثه بالرق ولم يرثه الولد للردة، ولم يتبع بما عتق به لأنه يعتق عليه بالسنة.
ومن المدونة قال: وإن كان ولده الذين معه في الكتابة ذكروا وإناثاً فللذكر مثل حظ الأنثيين، وإن كان الود بنتاً أو ابنتين؛ أخذت البنت النصف، والابنتان الثلثين، وكان للسيد الباقي بعد النصف أو الثلثين بالولاء دون أحرار ورثة المكاتب، وإن ترك المكاتب ابنتين وابن ابن معها في الكتابة وترك فضلاً عن كتابته فلبنتيه مما فضل عن كتابته ثلثان ولابن الابن ما بقي.
قال ربيعة: وذلك ولد المكاتبة فيما ذكرنا من السعاية والموارثة إذا ماتت.
قال مالك: إنما يرث المكاتب من معه في الكتابة من أقربائه الولد وولد الولد والأبوان والجدود والإخوة؛ وهم الذي يعتقون عليه من أهل الفرائض دون أحرار ورثته ولا يرثه سواهم من عم أو ابن عم أو غيرهم من ع صبة ولا زوجته وإن كانوا معها في الكتابة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1006
قال ابن القاسم وأصل ما سمعت من مالك فيمن يرث المكاتب ممن معه في الكتابة من القرابة: إن كل من عجز منهم فأدى عنه لم يرجع عليه فهو الذي يرثه إن مات، وكل من يرجع عليه إن أدى عنه فهو لا يرثه إلا الزوجة فإنها لا ترثه، ولا يرجع عليها إن عتقت بأدائه أو بعد موته في ماله، ولا يرجع عليها من يرثه من وارث السيد، ويرجعون على من كان هو يرجع عليهم، وهو يرجع على خاله وخالته وبنت أخيه وعمته، ولا يرجعون على من ذكرنا، أنه يرثه في كتابته وهم الذين يعتقون عليه من الورثة.
قال ابن المواز واختلف فيه قول مالك فيمن لا يرجع عليه من قرابته إذا أدى عنه:
فروى عنه ابن القاسم: أنه لا يتبع إخوته ولا كل ذي رحم منه، ثم سئل بعد ذلك فقال: كل من كانت لهم رحم يتوارثون بها؛ فإنه لا يرجع بعضهم على بعض، [وإن كانوا أجنبيين رجع بعضهم على بعض] ثم سئل بعد ذلك فقال: أما الولد والإخوة؛ فإنهم لا يرجع بعضهم على بعض، وأما الأباعد فنعم.
قال ابن القاسم: والذي آخذ به: أن كل من يعتق على الحر إذا ملكه بالقرابة؛ فذلك الذي لا يرجع عليه؛ لأن ذلك ثمن رقبته، وكل من لا يعتق عليه من ذوي رحمه، فإنه يرجع عليه، وقاله عبد الملك وابن عبد الحكم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1007
وقال أشهب: لا يرجع على كل رحم منه وإن كانوا ممن لا يعتق عليه بالملك ولا؟؟؟؟؟ وبينه ميراث لا خالته ولا عمته ولا أحد بينهم رحم.
ابن المواز واختلف فيمن يرث المكاتب ممن معه في الكتابة:
فقيل: لا يرثه إلا من يعتق على الحر بالملك، فأما عم أو ابن أخ فلا؟؟؟؟؟؟ أحق منهم، وقاله عبد الملك.
وقاله ابن القاسم مرة، ثم قال هو وأشهب وابن عبد الحكم وأصبغ: يرثه من يرث الحر من عم وغيره من نساء ورجال، وأما امرأته؟؟؟؟؟؟؟ مرة: أنها ترثه، وآخر قوله: أنها لا ترثه، وتعتق فيما تركه، ولا تتبع بشيء استحساناً وقاله ابن القاسم وأشهب.
م: وقال بعض الفقهاء: ومن الحجة لابن القاسم في أنه لا يرجع؟؟؟؟؟؟؟؟ من فدى زوجته من العدو وهو يعرفها أنه لا يرجع عليها وكأنه إنما فدى؟؟؟؟؟؟؟ كذلك المكاتب لا يرجع عيها لهذا المعنى، وإن كانت لا تعتق عليه بالملك.
م: قال أبو إسحاق: وانظر على هذا لو أدت هي عنه؛ هل لها الرجوع عليه؟ فعلى قياس ما قلناه يجب أن ترجع عليه، وفي بعض الكتب: أنها لا تجرع عليه، كما إذا أدى عنها.
وذكر ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: أن زوجته لا ترثه ولا يرثها ولا يرجع عليها، ولا يرجع أحدهما على الآخر إذا أدى عنه ما يعتق به من الكتابة.
م: سئل الفقيه أبو عمران: لم لا يرث المكاتب من معه في الكتابة إلا من لو أدى عنه لم يرجع عليه إلا الزوجة؟
الجزء: 8 - الصفحة: 1008
قال: قد اختلف في ذلك؛ فقد ذكر مثل ما قدمنا هاهنا من الاختلاف، قال وذهب ابن نافع إلى أن لا يرث المكاتب أحد إلا الولد، قال: التوريث في هذا المعنى يحتاج التفريق بينه إلى توقيف إذ لا يُعلم بالعقل، وذلك أن العبيد إنما خرجوا من آية المواريث بالسمع، فكل من فيه بقية رق لا حق بهم إلا من قام الدليل على توريثه، أما ولد المكاتب الذي معه في الكتابة فقال مالك في موطئه أن عبد الملك بن مروان كتب به إلى عامل مكة، وذكر أشهب بإسناد حسن عن الشعبي أن ابن مسعود قال ذلك، وذكر مالك أنه الأمر عندهم، وروي عن ابن القاسم وأشهب: أن الأخوة بمنزلة الولد وقاس على ذلك ابن القاسم الأبوين والأجداد وهو قياس معتدل؛ لأن الأب أوجب ميراث من الأخوة المحجوبين بالأب؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟ مساوون للأخوة في ميراث المال أو مقدمون عليهم فاقتصر ابن القاسم على؟؟؟؟؟؟؟؟ أحد قوليه، واستعمل في القول الآخر الذي وافقه عليه أشهب القياس وطرد؟؟؟؟؟؟؟ من ينتسب إلى المكاتب برحم ممن جمعته معه الكتابة، ولم يرد ذلك في؟؟؟؟؟؟؟؟؟ سببهما إلى الميراث بالنكاح لا بالرحم؛ فذلك خارج عن القياس عن الولد؛ لأن الزوجة تسقط بأن يعتق المكاتب فتختار نفسها، والرحم ثابت بكل حال، فلم تلحق الزوجة بذوي الارحام لمفارقتها لهم في بعض الوجوه، وهذه مسائل فروع محتملة الخلاف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا هلك أحد الأخوين في كتابة وترك فضلاً عن كتابته كان ما فضل [عن الكتابة للأخ دون السيد، ولا يرجع السيد على الأخ بشيء مما أدى عنه؛ لأن الأخ لو كان حياً فأدى عن أخيه لم يتبعه بشيء، ولو كان لهذا المكاتب الميت ولد أحرار كان ما فضل] بعد الكتابة للأخ الذي معه في الكتابة دون ولده
الجزء: 8 - الصفحة: 1009
الأحرار، ولو كان ولد هذا المكاتب الميت إنما حدث في كتابته فأدى الولد من ذلك المال جميع الكتابة، لم يرجع على عمه بشيء؛ لأن أباه لم يكن يرجع عليه لأن أخاه، وإن لم يكن معه في الكتابة إلا أجنبي، وترك وفاء بالكتابة تعجلها السيد، وكان له ما بقي بالولاء د
دون ورثة المكاتب الأحرار، وأتبع السيد الأجنبي بجميع ما ينويه مما عتق به من مال الميت، وإن كان مع الأجنبي ولد للميت في الكتابة أتبعه الولد بذلك دون السيد، وورث الولد أيضاً بقة المال.
وقال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: إذا لم يكن مع الأجنبي ولد للميت أتبعه السيد بجميع ما أخذ من باقي الكتابة من مال الميت ولا يحط عنه لموت الميت شيئاً، ويتأدى منه على النجوم إن كان قبضها هو قبل محلها.
ولو كان مع الأجنبي ولد للمكاتب لم يتبعه إلا بنصف ما أدى من مال أبيه إذا كانت الكتابة بينهما نصفين، وذلك ما كان يبيعه به أبوه لو أدى عنه.
وكذلك قال عبد الملك: إذا مات أحدهم لم يسقط عمن بقي شيء، وإن استحق أحدهم سقط عن الباقين حصته على العدد إذا كانوا أربعة سقط عنهم ربع الكتابة وقد تقدم الاختلاف في ذلك.
فصل
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا مات المكاتب وترك مالاً فيه وفاء وفضل ولم يترك أحداً معه في الكتابة من ولد أو أجنبي وترك ولداً أحراراً؛ فالمال لسيده دون ورثته الأحرار؛ لأن المكاتب مات ولم يفض إلى الحرية، وقد مات هذا المكاتب عاجزاً ولم يترك
الجزء: 8 - الصفحة: 1010
من يقوم بأداء الكتابة، فما ترك من مال فهو للسيد بالرق: وإن كان إنما مات المكاتب بعد موت السيد وترك مالاً فيه وفاء ولم يدع ولداً؛ فذلك بين ورثة السيد؛ يدخل فيه بناته وإخوته وأمهاته وزوجاته وغيرهم؛ لأنه موروث بالرق لا بالولاء.
وإن ترك المكاتب بنتاً في الكتابة فلها النصف بعد الكتابة، ولولد السيد ما بقي.
تم المكاتب الثاني بحمد الله وحسن عونه وتأييده ونصره.
الجزء: 8 - الصفحة: 1011
كتاب أمهات الأولاد
حكم أمهات الأولاد، وما تكون به الأمة أم ولد؟
وحكم ما بيدها من مال بعد موت السيد.
روى حسين بن عبد الله عن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال في أم إبراهيم: أعتقها ولدها.
وفي حديث آخر: «أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة إذا مات».
وفي رواية أخرى: «فهي معتقة عن دبر».
وروى مالك عن الخدري في أنهم لما أصابوا سبباً في غزوة بني المصطلق قالوا: يا رسول الله: ما ترى في العزل؟ فإنا نحب الأثمان.
فلم يحرمه عليهم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1012
فقولهم: إنا نحب الأثمان، أنها إذا حملت أو ولدت بطل الثمن.
قال سحنون: وقد قام من إجماع الصحابة بالمدينة في منع بيع أمهات الأولاد ما لا يسمع خلافه، وقضى به عمر -رضي الله عنه- بعد المشورة، ورأي عبي في ذلك، وحكم عثمان -رضي الله عنه- بمثله، واتصل ذلك، وتأكد عند العلماء في كل قرن، وما ذكر أن علياً -رضي الله عنه- رجع عن ذلك؛ فلم يثبت، ولو ثبت لكان رأيه مع عمر وعثمان والمهاجرين والأنصار أولى، وهو أثبت في الرواية، ولا يعرف أنه جرى ببيعهن حكم إمام، وعلى ذلك علماء الأمصار في القرن الثاني والثالث، ولم يختلف أحد أنها إذا حملت فلا يجوز بيعها فإذا وضعت وهي على الأصل في منع بيعها لا ينتقل عنه إلا بدليل.
قال ابن القاسم: فأم الولد لا تباع ولا يردها دين وهي بعد الموت فارعة من رأس المال.
[فإن قيل: لم لا يبطل الوطء فيها؟ قيل: لم يختلف في الوطء فيها، ولم يجب أن يبطل؛ لأنه السبب الذي أنزلها المنزلة التي ذكرنا.
قال سحنون: ولما كشف عن أمرهن عبد الملك أخبره ابن شهاب أن ابن المسيب قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يبعن في دين ولا يعتقن من ثلث».
الجزء: 8 - الصفحة: 1013
قال سحنون: ولو كان ما ذكر عن جابر من بيعهن في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما تظاهر الخليفتان والمهاجرون والأنصار على خلاف ذلك، ولم يكن يخفى عن جملتهم لا سيما بعد التشاور والإجماع].
فصل
وروى ابن وهب عن مالك وغيره [أن عمر بن لخطاب] قال: ما بال رجال يطئون ولائدهم ثم يدعونهن يخرجن، لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد وطأها إلا ألحقت به ولدها.
قال نافع فهذا قضاء عمر -رضي الله عنه-، وقاله ابن عمر، وكان ابن عمر إذا وطأ جارية له جعلها عند صفية بنت أبي عبيد ومنعها أن تخرج حتى يشتهر بها حمل، أو تحيض.
قال مالك فيمن أقر بوطء أمته ولم يدع استبراء لزمه ما أتت به من ولد.
قال ابن القاسم إلى اقصى ما تلد له النساء الولد أتت به في حياته أو بعد موته أو بعد أن أعتقها.
قال مالك: وإن ادعى الاستبراء فقال: حاضت حيضة ولم أطئها بعدها حتى ظهر هذا الحمل وليس هو مني؛ فله ذلك ولا يلزمه هذا الولد إذا ولدته لأكثر من ستة أشهر بعد الاستبراء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1014
قال سحنون في كتاب ابنه: أو لستة أشهر، فأما إن ولدته لأقل من ستة أشهر من يوم الاستبراء فإنه يلزمه.
قال ابن سحنون قلت لسحنون: روى عبد الملك أن مالكاً قال: إذا قال: استبرأت ثلاث حيض؛ حلف، وبرأ.
فقال سحنون الذي ثبت عن مالك وعبد العزيز، حيضة، وأما اليمين ليست عليه عند ابن القاسم وأشهب.
قيل لابن المواز: فلم سقطت عن السيد اليمين؟ قال: لأن ذلك كدعواهم كأنه أعتقها، ولا يلزمه في العتق ولا الطلاق ولا ما كان من باب الحدود كلها يمين لمدعيها.
م: قال بعض أصحابنا وإنما رأى عبد الملك في هذا اليمين؛ لأن الحرائر يلزم فيهن اللعان فجعل اليمين في الإماء عوضاً من اللعان في الحرائر والله أعلم.
قال: وقال بعض شيوخنا: ولو نكل عن اليمين دخله الاختلاف في إذا قام لها شاهد بالعتق؛ فيلزمه الولد، على قوله: يعتق بالنكول، وعلى القول الآخر يسجن حتى يحلف، حسب ما قال في قيام شاهد بالعتق.
قال ابن سحنون: قلت لسحنون: قال عبد الملك كان مالك يقول في أقصى ما تحمل له النساء أربع سنين، وقال المغيرة: خمس سنين، وقال أيضاً مالك: لا أرى الخمس سنين بعداً.
فقال سحنون: أما مالك فلم يوقت فيه وقتاً، وقال: أقصى ما تحمل له النساء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1015
[قال أبو إسحاق: فجعل المغيرة على هذا أن الأمة الباقية في ملك الإنسان لا ينتفع فيها بالاستبراء كما لا ينتفع في الحرة بعد الطلاق بالاستبراء إلا لم تتزوج غيره حتى يمر بها ما لا يلحق فيه الولد إذا جاءت به وذلك خمس سنين، وإذا وطأها ثم استبرأها بحيضة ثم ظهر بها حمل قبل ثلاثة أشهر من حين حاضت، أو تحرك لأقل من أربعة أشهر؛ لزمه الولد، ودل على الاستبراء وقع وهي حامل، إذ لا يمكن أن يظهر الولد الأقل من ثلاثة، ويتحرك لأقل من أربعة ودل أن مجيء الدم كان وهي حامل].
وقال ابن القاسم وغيره: خمس سنين أقصى ما يكون له الحمل.
ومن كتاب الاستبراء: فإن أقر أنه كان يطؤها ويعزل؛ لحقه ما أتت به من ولد.
وإن قال: كنت مخذولاً أنزل فيها: قال في العتبية: أو قال: كنت أطأ في الفرج ولا أنزل: لم يلزمه الولد.
ابن المواز: وإن قال: كنت أطأ في الدم أو بين الفخذين فأنزل؛ لزمه، ولا لعان له في الحرة.
ومن كتاب ابن حبيب قال ابن عباس: لا يعزل عن الحرة إلا بإذنها، ولا يستأذن الأمة.
وقاله ابن مسعود وابن المسيب وربيعة.
قال ربيعة: وإن كانت زوجته أمة فلا يعزل عنها إلا بإذن أهلها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1016
فصل
ومن المدونة قال مالك: وإن أقر في مرضه بحمل أمته، وبولد أمة له أخرى، وبوطء أمة ثالثة لم يدع استبراءها فأتت بولد يشبه أن يكون من وطئه فأولادهن لاحقون به أجمع، وهن بذلك أمهات أولاد يعتقن من رأس المال.
قال مالك: وأما من قال في مرضه: كانت هذه الأمة ولدت مني ولا يعلم بذلك إلا بقوله ولا ولد معها، فإن كان ورثته ولده؛ صُدق، وأعتقت من رأس المال، وإن كان ورثته كلالة، إنما هم عصبة ولا ولد له، فلا يقبل قوله، ولا تعتق الأمة، وتبقى رقاً إلا أن يكون معها ولد، أو تشهد لها بينة.
قال ابن القاسم: وإن كان ورثة هاهنا إخوة وأخوات فهم بمنزلة الكلالة، والأخوة والأخوات عند مالك كلالة في غير هذا الوجه.
قال سحنون وقد قال أيضاً مالك: لا تعتق إذا لم يكن معها ولد من ثلث ولا رأس مال، كان ورثته ولداً أو كلالة، كقوله: أعتقت عبدي في صحتي، فلا يعتق من ثلث ولا رأس مال، لأنه اقر، وقد حجب عن ماله إلا من الثلث، ولم يرد به الوصية فيكون في الثلث، ولا يكون من الثلث إلا ما أريد به الوصية، أو فعله في المرض وليس له أن يعتق من رأس ماله في مرضه، وقاله أكثر الرواة.
م: قال بعض فقهائنا: لِمَ اختلف فيه قوله في هذا؟
الجزء: 8 - الصفحة: 1017
ويحتمل أن يكون الفرق بينه وبين الذي يقول: كانت ولدت مني: أن الولادة شأنها الإسرار في غالب الحال، والعتق فالغالب فيه الإشهار والإشهاد، فلما لم يعلم منه هذا العتق إلا بقوله في المرض قويت ربيبته وطرح قوله، وكان أشد ريبة من صاحب الأمة والله أعلم.
م: قال: إذا قال: كنت أعتقت عبدي في صحتي؛ أنه لا يعتق في الثلث ولا في رأس مال، وقال في إذا كاتبه في صحته وأقر بقبض الكتابة في مرضه وورثته كلالة في أحد قوليه أنه إن حمله الثلث؛ جاز كما لو ابتدأ عتقه؛ فالفرق بينهما على هذا القول: فلأن كتابة هذا قد ثبتت في الصحة، فإقراره في المرض بقبض الكتابة كوصية بوضع الكتابة عنه في المرض وذلك يرجع إلى الثلث، وأما القائل: كنت أعتقت عبدي في صحتي؛ فلم يعلم ذلك منه حتى مرض فقويت التهمة فيه، أنه أراد أن يعتقه من رأس المال فطرح قوله، إذ لا حكم له في رأس ماله، والقياس في هاتين المسألتين وفي مسألة الذي قال في مرضه: كانت هذه الأمة ولدت مني ولا ولد معها ألا يعتقوا في ثلث ولا رأس مال؛ لأنه إنما قصد أن يعتقوا من رأس المال حين لا حكم له إلا في ثلثه ولا رأس مال؛ لأنه إنما قصد أن يعتقوا من رأس المال حين لا حكم له إلا في ثلثه وهو لم يقصد الثلث فوجب ألا يعقوا في ثلث ولا رأس مال.
وقاله بعض أصحابنا.
[قال أبو إسحاق: أما قوله: كنت أعتقت هذا العبد في صحتي:
الجزء: 8 - الصفحة: 1018
فقيل: إنه باطل.
وقيل: إنه من الثلث.
وقيل: إن حمله الثلث جاز، وإن لم يحمله الثلث بطل كله؛ لأن الثلث إذا كان يحمله لم يكن في إقراره تهمة إذ لو شاء لأخرجه من الثلث].
فصل
قال ابن القاسم: ومن باع أمته لولدت عند المبتاع للستة أشهر فأكثر مما يلحق فيه الأنساب فادعى البائع أنه ولده، وأقر بالوطء أو باعها وهي حامل، ثم ادعى الولد بعد الوضع، فإن الولد يلحق به إن لم يتهم، ويرد البيع، وتكون الأمة أم ولد.
قال ابن المواز: إذا كان مليئاً ولم يتهم بهوىً فيها؛ فلا خلاف في رد البيع، وتكون له الأمة أم ولد، ولا ترد الأمة عند ابن القاسم حتى يسلم من خصلتين: العد، والتهمة بالهوى، فإن سلم من ذلك وإلا رد إليه الولد خاصة بما ينويه من الثمن، وخالفه أصبغ في الهوى.
وقال: إذا كان معها الولد وكان مليئاً بثمنها فلا تهمة فيها.
ابن المواز: وإن كان عديماً: فروى أشهب عن مالك: أنه يقبل قوله، ويرد البيع، وتكون له الأمة أم ولد، ويتبع بالثمن، وأخذ به أشهب وابن عبد الحكم.
وروى أشهب أيضاً عن مالك: أنه يرد إليه الولد خاصة بما ينويه من الثمن وأخذ به.
ابن القاسم وعبد الملك وأصبغ، إلا أن يكون ثم من يشهد على إقراره بالمسيس قبل بيعه فيرد إليه مع الولد ويتبع بالثمن ديناً.
الجزء: 8 - الصفحة: 1019
من: وفي باب الاستحلاف هذه المسألة، وهذا أبين ما فيها.
قال في كتاب محمد: ولا ادعاه المشتري وقد ولد عنده لستة أشهر فأكثر؛ فإنه يلحق به ويكون أحق من البائع.
ومن المدونة قال مالك وإن باعها ومعها ولد ثم استحق الولد عند الموت بعد سنين كثيرة، فإنه يلحق به إن لم يتهم بانقطاع من الولد إليه، فإن اتهم أن يميل بميراثه إليه لانقطاع الصبي إليه؛ فلا يقبل قوله آخراً إذا كان ورثته كلالة ولا ولد له.
وقال أشهب: وإذا ولد عنده من أمته ولم يكن له نسب معروف، فإقراره جائز، ويلحق به الولد ويرد الثمن وتكون أمته أم ولد كان ورثته ولد أو كلالة.
وقاله كبار أصحاب مالك.
قال سحنون: وهذا أصل قولنا وعليه العمل.
ومثله قول ابن القاسم في استلحاق من أحاط الدين بماله وله أمة له؛ أنه يلحق به، وتكون هي أم ولد، ولا يلحقها الدين، وكذلك قال في كتاب أمهات الأولاد: إن الدين لا يلحقهن، ولا يردهن، بخلاف المديان يعتق، وقاله جميع الرواة.
قال سحنون: فهذا كان أولى من التهمة من الذي أدى ولداً له إليه انقطاع، وورثته عصبة، لإتلاف أموال الناس، إلا أن استلحاق النسب يقطع كل تهمة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1020
قال أشهب: ألا ترى أن الرجل يطلق زوجته قبل البناء؛ فلا يجوز له ارتجاعها إلا بنكاح جديد مبتدأ، وولي وصداق ثم إن ظهر بها حمل فادعاه لحق به الولد وجاز له أن يرتجها بلا صداق ولا نكاح مبتدأ؛ فالولد قاطع للتهمة.
م: قال بعض أصحابنا وما احتج به سحنون على ابن القاسم من استلحاق المديان ولد أمته في مسألة المريض لا يلزم من وجهين:
أحدهما: أن المديان استلحق ولد أمته في ملكه، والمريض إنما استلحق ولد أمة قد باعها، وزالت عن ملكه.
والآخر: أن المديان إنما أبقى لغرمائه ذمة يتخلد الدين فيها، والمريض لم يبق للورثة عوضاً لانقطاع ذمته؛ فهذا مفترق.
ولو كان المديان إنما استلحق الولد بعد بيع الأمة؛ لكان ينبغي أن يكون كالمريض سواء والله أعلم.
م: وهذا انتصار ضعيف واحتجاج منكر، وما قال أشهب وسحنون أصوب؛ وذلك أن ابن القاسم إنما جعل العلة في ذلك التهمة؛ لانتقال الملك الذي فرَّق هذا به،
الجزء: 8 - الصفحة: 1021
ولا فرق عند ابن القاسم إذا لم تكن تهمة، بين أن يستلحق ولد أمة في ملكه أو بعد أن باعها، وكذلك لو استلحق ولد أمة في ملكه عند موته بعد سنين كثيرة من ولادته واتهم أن يميل بميراثه إليه لانقطاع الصبي وورثته كلالة، فإنه لا يلحق به عند ابن القاسم، فإذا صح أن العلة عنده إنما هي التهمة نظرنا في قوتهما؛ فوجدنا المديان أقوى تهمة؛ لأن ما بيده لغرمائه لا يستطيع فيه صنيع شيء من معروف وإن قل إلا بإذن غرمائه، والمريض يجوز معروفه في ثلثه وإن كره وارثوه فهو أملك بما في يديه من المال من المديان، فكان أضعف تهمة، كما قال سحنون.
وأما احتجاجه: بأن المديان أبقى لغرمائه ذمته فيقال له: ومن يرضى بتلك الذمة، ولو كانت هذه حجتهم للزمهم ذلك في عتقه، ولكن العلة: أنهم إنما رأوا استلحاق النسب باباً لا يتهم الناس فيه لوجوه منها: إتلاف مال الأمة، والثاني: التزام نفقتها ونفقة الولد، ومئونته، وذلك شديد، والثالث: قطع ميراث رحمه وإعطاء ما أوجبه الله لهم للأجنبي وقد صار إلى دار الحق، فلما كان هذا مستبعداً في النفوس لم يتهم الناس فيه والله أعلم.
ولذلك لم يتهموا المديان فيه وإن أتلف مال غرمائه فكان المريض أحرى ألا يتهم لما قدمنا وبالله التوفيق.
الجزء: 8 - الصفحة: 1022
قال أبو محمد بن أبي زيد عن ابن القاسم: ومن بيده أمة لها ولد [وعليه دين محيط؛ فادعى الولد فهو مصدق فيه وفي الأمة بخلاف المبيعة ولو لم يكن لها ولد] لم يصدق مع الدين المحيط.
قال عنه محمد وغيره: وكذلك لو ادعى أنها أسقطت منه؛ لم يُصَدق إلا أن يشهد به نساء، أو يكون فشا ذلك من قوله قبل ادعائه.
فصل
ومن المدونة قال مالك: ومن أقر بوطء أمته ثم باعها قبل أن يستبرئها فأتت بولد لما يشبه أن يكون من وطئه؛ فأنكره البائع، فهو لاحق به ولا ينفعه إنكاره، ويرد البيع، إلا أن يدعي استبراء.
م: قال بعض فقهائنا: سألت الشيخ الفقيه أبا بكر بن عبد الرحمن -رضي الله عنه-: في الذي أقر بوطء أمته فأتت بولد فنفاه وادعى الاستبراء، فلم يلحق به الولد، هل تحد هذه الأمة؟ فوقف الشيخ -رحمه الله- عن الحد، وذكر أن الشيخ أبا الحسن وقف في ذلك.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وهي شبهة ترفع الحد وقد تهراق المرأة الدم على الحمل، قال: وكذلك قال غيره من شيوخنا القرويين، وقال: ألا ترى أن عبد الملك يُحلِفُه على ما ادعى من الاستبراء، قال: وأما لو أنكر أن يكون وطأها أصلاً؛ فهاهنا تحد الأمة، إذ لا يمين عليه عند أحد من علمائنا فاعلم ذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 1023
ومن المدونة: قلت: فإن أقر بوطء أمته فأتت بولد فأنكر السيد أن تكون ولدته؛ قال: ذلك لا يكاد يخفى على الجيران والشأن أن يصدق النساء فيه.
ولقد سئل مالك عن المطلقة ت دعي أنها قد أسقطت وانقضت عدتها ولا يُعلم ذلك إلا بقولها؟ فقال: الولادة والسقط لا يكاد أن يخفى على الجيران؛ وأنا لوجوه يصدق النساء فيها وهو الشأن، فذلك مسألتك في ولادة الأمة.
قال في كتاب القذف وغيره: إذا أقر بوطء أمته فأتت بولد، فقال لها: لم تلديه، ولا علم لجيرانها بذلك فالولد به لاحق.
قال باب آخر: وإن كان إنما ادعت أنها كانت أسقطت أو ولدت منه ولا ولد معها؛ فلا يمين على السيد، كدعواها العتق، ولا تكون أم ولد إلا أن تقيم رجلين على إقرار السيد بالوطء، ثم يقيم امرأتين على الولادة فتكون حينئذٍ أم ولدت، ويثبت نسب ولدها إن كان معها ولد إلا أن يدعي سيدها استبراء بعد الوطء؛ فذلك له.
قال: وإن اقامت شاهداً واحداً على إقرار السيد بالوطء وامرأتين على الولادة؛ حلف السيد كما يحلف في العتق، وكذلك إن أقامت شاهدين على إقراره بالوطء وامرأة على الولادة؛ فليحلف؛ لأنها لو أقامت امرأتين بذلك لثبتت الشهادة.
م: قال بعض شيوخنا القرويين: فإن نكل عن اليمين دخله اختلاف قول مالك إذا أقامت شاهداً على العتق وأبى أن يحلف.
قال سحنون في كتاب ابنه لا أقول بهذا، والجارية مصدقة في الولادة إذا أقر سيدها بالوطء، ويلزمه ما ولدت إلا أن يدعي استبراء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1024
م: ساوى سحنون بين إقراره الآن بالوطء وبين أن تقوم عليه بذلك بينة وهو ينكر وهو القياس وفرق ابن القاسم بينهما؛ وذلك أنه إذا أقر الآن بالوطء؛ فهو مقر أنه أودع الأمة الولد فهي مصدقة أن هذه وديعتك، فإذا أنكر أن يكون أودعها شيئاً فلا تصدق إلا بامرأتين على الولادة فيه فتتم الشهادة من كلا الناحيتين.
قال غيره: وأما لو أقامت شاهداً على إقراره بالوطء، وامرأة على الولادة، فلا يمين على السيد، وقد قيل: يلزمه اليمين.
ومن المدونة قال مالك: وإذا ولدت أم ولد رجل ولداً فنفاه؛ جاز نفيه، إذا ادعى الاستبراء وإلا لزمه الوفد.
م: ولا ينظر هاهنا إلى إقراره بالوطء بخلاف الأمة؛ لأنه قد جعل هذه خزانة للولد، فإذا أتت بولد لزمه إلا أن يدعي استبراء.
قال ابن القاسم: وأم الولد إذا أعتقها سيدها أو مات عنها فأتت بولد لأربع سنين، ولما تلد له النساء لزم السيد الولد إلا أن يدعي الحي استبراء وينفى الولد، فلا يلزمه هو مصدق في الاستبراء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1025
فصل
قال ابن القاسم عن مالك في العتبية: وإذا مات سيد أم الولد وبيدها حلي أو متاع فهو لها إلا الأمر المستنكر، وكذلك ما كان لها من ثياب إذا عرف أنها كانت تلبسها، وتستمتع بها في حياة سيدها، فهي لها، وإن لم تكن لها بينة على أصل عطية.
وقال عنه أشهب: أما الحلي والثياب واللحاف والفراش فذلك لها، وإن ادعت متاع البيت: فأرى أن تكلف البينة، أن ذلك لها، وإن كان ذلك من متاع النساء بخلاف الحرة.
قال: وما بيدها من متاع وهبه لها السيد فليس لهم أخذه.
قال عنه ابن القاسم: وإذا أوصى عند موته إن هي قامت على ولده بدعوى، لها ما كان لها من حلي وكسوة، وإن لم تقم وتزوجت، فخذوه؛ ليس ذلك له، وذلك لها حين مات، وليس له في مرضه انتزاع ما كان أعطاها، وكذلك المدبرة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1026
فيمن وطأ أمته وهي زوجة لعبده أو لغيره، أو وطء أمة مكاتبة، أو أمة ولده،
أو والده؛ فأتت بولد أم لا
قال الرسول -عليه السلام-: «الولد للفراش وللعاهر الحجر».
والعاهر: الزاني.
وأما وطء الشبهة فليس من ذلك، وقد قال -عليه السلام-: «ادرؤوا الحدود بالشبهات».
قال مالك: وإذا درأ الحد ثبت النسب.
الجزء: 8 - الصفحة: 1027
قال ابن القاسم: فيمن زوج أمته من عبده أو من رجل أجنبي، ثم وطأها السيد، فأتت بولد؛ فالولد للزوج، ولا ينفيه لوطء السيد، ولا يُنفى إلا بلعان؛ لرؤية زنا، وأما لوطء السيد فلا، ويلحق بالزوج؛ لصحة وطئه وفساد وطء السيد، إلا أن يكون الزوج معزولاً عنها مدة ف يمثلها براءة الرحم.
قال أصبغ: وذلك حيضة أو قربها.
قال ابن المواز: ولقد نزلت فأفتى فيها بحضرتي: إن كان زوجها معزولاً عنها قدر الشهر ونحوه؛ فإنه يلحق بالسيد، ولا يحد، ويؤدب إن لم يعذر بجهل وترد الأمة إلى زوجها إذا وضعت، فإذا مات سيدها عتقت، ولها أن تختار نفسها إن كان زوجها عبداً.
قال ابن المواز: ولا يقبل هاهنا قول الزوج إن أنكر قول السيد وادعى الولد لنفسه، وقال: كنت أغشاها من موضع عسير سراً إلا أن يقيم بينة على ما ذكر؛ فيكون أحق به من السيد، وإن مات زوجها أو طلقها رجعت إلى سيدها، وحل له وطؤها.
قال ابن المواز: وكذلك وطؤه لأمة عبده إلا أن هذا من السيد انتزاع لها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك لو أتت بولد لستة أشهر فأكثر من يوم زوجها، فادعاه السيد، فإنه يلحق بالزوج؛ فإن كان لأقر من ستة أشهر وقد بنى الزوج
الجزء: 8 - الصفحة: 1028
بها؛ فسد نكاحه، ولحق بالسيد إن ادعاه، وإن نفاه جاز نفيه إن ادعى الاستبراء بعد الوطء.
ومن العتبية وكتاب ابن حبيب قال مالك: فيمن مات عن أمة حامل منه فإن كان حملاً بيناً لا شك فيه فقد تمت حرمتها في الشهادة والموارثة والقصاص والحدود لها وعليها.
قال غيره: وتعجب من قول من يقول لا تتم حرمتها حتى تضع.
وقيل عن المغيرة: تُوقف أحكامها.
فصل
قال ابن القاسم: ومن وطأ أمة مكاتبه، ولم يكن المكاتب يطؤها، فأتت بولد؛ لحق به وكانت أم ولد، ولا يحد، إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب، وعليه قيمتها يوم حملت، ولا قيمة عليه للولد.
يريد: يأخذ المكاتب القيمة ويؤديها على نجومه ولا يقاصه بها؛ لأنها جناية على ماله إلا أن يرضى المكاتب بالمقاصة فيجوز، كما لو رضي بتعجيل الكتابة، وليس للسيد الامتناع من ذلك.
قال: فإن كان عديماً، والذي على المكاتب كفاف قيمة الأمة، عجل عتقه، وقاص المكاتب سيده بذلك، وإن زادت القيمة؛ أتبع السيد بالزيادة.
وقال غيره: ليس للسيد تعجيل ما على المكتب، ويغرم له القيمة في ملائه، وتباع الكتابة لذلك في عدمه، إن كان ثمنها كفاف قيمة الأمة؛ كانت أم ولد للسيد، وللمكاتب
الجزء: 8 - الصفحة: 1029
أخذ قيمة أمته معجلاً، والأداء على نجومه إلا أن يشاء المكاتب أن يكون أولى بما بيع من كتابته بتعجيل عتقهن فذلك له، وإن لم يكن في ثمن الكتابة إلا قدر نصف قيمة الأمة؛ أخذه المكاتب، وبقي له نصف الأمة رقيقاً، ونصفها للسيد بحساب أم ولد، وأتبع السيد بنصف قيمة الولد.
قال سحنون هذا كلام جيد.
م: قال: بعض فقهائنا: ويحتمل أن يكون معنى قول ابن القاسم: يقاصه إن رضي المكاتب فاتفق القولان.
وقد قال ابن القاسم في كتاب المكاتب في السيد يعتق الأب الزمن وله مال يفي بالكتابة: أن السيد يأخذه ويعتق الولد بذلك.
وقال غيره: هذا إذا رضي الأب؛ لأن السيد يتهم على تعجيل النجوم قبل وقتها.
م: وأصحابنا يرون ذلك وفاقاً لابن القاسم فكذلك هذا، والله أعلم.
فصل
قال ابن القاسم قال مالك: ومن وطأ أمة ابنه الصغير أو الكبير؛ درئ عنه الحد، وقوِّمت عليه يوم الوطء حملت أو لم تحمل، كان مليئاً أو معدماً.
قال ابن المواز: ثم يحل له وطؤها.
قال سحنون: بعد الاستبراء.
قال ابن القاسم: وليس للابن التماسك بها إذا لم تحمل.
الجزء: 8 - الصفحة: 1030
قال ابن المواز: ولا أن يأخذها منه فيما لزمه من قيمتها.
قال مالك: وأما أحد الشريكين يطأ أمة بينهما؛ فإن لشريكه أن يتماسك بنصيبه إلا لم تحمل بخلاف الابن.
م: لأنها تحل للشريك، وتحرم على الابن فاتقى أن يغيب عليها.
قال ابن القاسم: فإن كان الابن كبيراً والأب عديماً؛ قومت عليه يوم الوطء، وبعناها عليه في تلك القيمة لم تحمل.
قال: وكذلك المرأة تحل جاريتها لزوجها، أو لولدها، أو لأجنبي، فيطؤها فتحمل؛ فإن كان مليئاً غرم قيمتها يوم أحبلها، وكانت له أم ولد، ولا قيمة عليه في ولده، إن لم تحمل؛ غرم قيمتها يوم الوطء، وبقيت له أمة، وإن كان عديماً ولم تحمل؛ بيعت عليه، وإن لم تكن في الثمن تمام القيمة؛ أتبعوا بالقيمة ديناً، وليس للمحلل التماسك وإن لم تحمل.
م: لأنها إذا ردت صح فيها عارية الفرج وخيف عليها أن يحبلها ثانية فمنعت من ذلك.
قال ابن المواز: وقال عبد الملك وابن عبد الحكم: للابن التماسك بها إذا لم تحمل من الأب في عدم الأب وملائه إذا كان الابن مأموناً عليها، وليس كمن أحل جاريته لرجل.
الجزء: 8 - الصفحة: 1031
م: يريد لأن المحلل فعل ذلك متعمداً فعوقب بأن لا تعود إليه، وخوفاً أن يحبلها ثانية؛ ولأن ذلك ذريعة إلى عارية الفرج، يطؤها المستعير ما بدا له ثم يردها، والابن فلم يبح وطء أمته للأب فيتقي عليه من ذلك، فإذا كان مأموناً عليها؛ ردت عليه، ولم تخرج من يده إلا أن يشاء، كأحد الشريكين يطأ أمة بينهما، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال مالك: وإذا قومت على الأب أمة للابن، وقد حملت من الأب؛ فإن كان الأب وطأها قبل ذلك، عتقت على الأب إذ حرم عليه وطؤها وبيعها، ولحق الولد به، ولو لم تحمل من الأب حل له بيعها وحرم عليه وطؤها.
ومن العتبية قال سحنون عن ابن الماجشون: فإن وطأها الابن بعد وطء الأب؛ فإنه يسقط القيمة عن الأب بمصاب الابن، وتباع على الابن، فيعطى ثمنها ما بلغ كان أقل من القيمة أو أكثر.
وقال أصبغ: لا يعجبني، ولتقوم على كل حال، ويأخذ قيمتها يوم وطأها إن اختلفت القيم، وتباع على الواطئ.
م: يريد على الابن لأنه وطأها بعد أن لزمت الأب بقيمتها يوم وطئها، وصارت في ضمانه.
قال: فإذا بيعت على الابن، تحاسبا على ذلك، فمن كان له فضل أخذه، ومن كان عليه نقص أداه.
قال ابن الماجشون: ولو وطئاها في طهر فأتت بولد؛ دُعي له القافة؛ فإن ألحقته بالابن وكان الواطئ الأول، عتقت عليه الجارية، وكان الولد ولده، وقاله أصبغ.
الجزء: 8 - الصفحة: 1032
وقال ابن الماجشون: ولزم الأب قيمتها له؛ لأنه أفسدها عليه، وإن كان هو الأب، فالولد ولده، والأمة منه بالقيمة.
م: يريد ويلزم الابن قيمتها للأب يوم وطأها الابن، ويتحاسبان بالقيمتين، فمن كان له فضل أخذه.
قال ابن الماجشون: وإن ألحقته بالثاني كان هو الابن؛ تحاسبا بالقمتين، وإن كان هو الأب؛ غرم قيمتها للابن على كل حال بما أفسدها.
قال في كتاب السرقة: وإن وطأ الابن أمة والده وحُدّ، وأما الحد من قبل الأب والأم فإنهم لا يحدوا فيما وطئوا من إماء أبناء أبنائهم، ولا يقطعوا فيما سرقوا من أموالهم؛ لأنهم آباء، فإن قيل: إن الجد يحد ويقطع؛ لأن نفقة ولد ولده لا تلزمه، قيل له: فالأب لا تلزمه نفقة ولده الكبير ولا ابنته الثيب وهو لا يقطع فيما سرق من أموالهما، ولا يحد فيما وطأ من جواريهما، فكذلك الحدود لا حد عليهم، ولا قطع، ولا نفقة.
قال ابن المواز: وقال أشهب: يحد فيهما كالأجنبي، وإنما جاء: (أنت ومالك لأبيك) في الأب خاصة، وبذلك ألزم الولد نفقة الوالدين، ولا يلزمه أن ينفق على أحد من أجداده أو جداته لأب أو لأم.
وقاله سحنون.
ابن المواز وقال عبد الملك: في الحر يطأ أمة ابنه العبد فتحمل، قال: عليه قيمتها، ولا يحد، وهي له أم ولد، وإن كان عديماً بقيت رقاً للابن، وأتبعه بقيمة الولد بعد وضعه، فإن أعتق الابن وهي حامل بعد النظر فيها، بقي الأمر على ما ذكرنا، ثم لو أيسر -الأب فاشتراها، كانت له أمة يبيعها إن شاء، وإن عتق الابن قبل النظر فيها، كانت له أم ولد، وأتبعه بقيمتها، فقط في عدمه.
وكذلك عنه في كتاب ابن سحنون.
الجزء: 8 - الصفحة: 1033
وقال فيه ابن القاسم: إنه يضمن قيمتها حملت أو لم تحمل، ولا يكون لسيد العبد خيار، فإن كان مليئاً أعطي لسيد العبد قيمة الجارية، وإن كان معسراً أتبعه بقيمتها ديناً إن حملت، وبيعت إن لم تحمل.
قال ابن المواز: وإن كان الأب هو المملوك، لم تكن له أم ولد؛ لأنه عبد ولا يتبع بقيمتها؛ لأنه ليس من معنى الغصب ولا الجراح ولا حد عليه، ولو قال الابن: نسلمها إليه ونتبعه بقيمتها إذ حرمها علي؛ لم يجز ذلك؛ لأن ما في بطنها قد عتق على أخيه، ولو أسلمها إليه بلا ثمن لم تكن له أم ولد، وكذلك في كتاب ابن سحنون عن ابن الماجشون وقال فيه ابن القاسم: إنه الجناية، وقيمة الجارية في رقبة العبد فإن شاء سيد العبد فداه بقيمة الجارية، وتكون الجارية للعبد، والعبد للسيد، وإن شاء أسلمه وكان حراً، وتتبه الجارية، وتكون أم ولد له إن كانت حاملاً؛ لأنها مال من ماله، والولد لسيد العبد أسلمه أو فداه، وليس للابن خيار في أن يقول: أعطوني الجارية، وإن ماتت الجارية قبل أن يخير السيد بمصيبتها من العبد، تكون في رقبته، وكذلك ذكر عنه ابن المواز أنه كالجناية؛ فإن فداه السيد بقيمة الجارية، كانت الجارية للسيد، وإن أسلمه كان حراً على أبيه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1034
قال ابن المواز: فلم يعجبنا هذا، وأي جناية هي إلا ما حرمها على الابن، ولا قيمة للوطء، كما لو رجع شاهدا الطلاق بعد الحكم، لم يغرما شيئاً إذا كان قد بنى، ولو كانت بكراً فافتضها؛ لم يلزمه شيء، كما لا يرزم الأجنبي؛ لأنها طاوعته.
م: هذا على قول أشهب في الوطء.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن وطأ الأب أم ولد ابنه؛ غرم لابنه قيمتها على أنها أمة، وعتقت على الابن لثبوت الولاء له، وإنما عتقت؛ لأنها حرمت عليها، وبلغني ذلك عن مالك.
قال ابن القاسم، وأما إن وطأ الأب زوجة ابنه؛ لم تحرم على الابن، يريد في أحد قولي مالك، بخلاف أم الولد؛ لأن الأب لا حد عليه في وطء أم ولد ابنه، ويحد في وطئه زوجة ابنه، ويرجم إن كان محصناً، وإن ولدت أم ولد الابن بعد وطء الأب إياها؛ لحق الولد بالابن إلا أن يكون الابن معزولاً عنها قبل وطء الأب مدة في مثلها استبراء فيلحق بالأب.
وحكى لي بعض أصحابنا عن بعض شيوخه قال: وإن لم يكن الابن معزولاً عنها حتى وطء الأب ثم أتت بولد يشبه أن يكون من وطئه؛ دُعي للولد القافة من ألحقته به كان ابناً له؛ لأنه كوطء مالكين، بخلاف وطء السيد أمته، وهي زوجته لعبده أو الأجنبي، والزوج مرسل عليها، هذه يلحق الولد بالزوج؛ لأن فراشه أولى؛ لصحته.
الجزء: 8 - الصفحة: 1035
م: وهذا الذي ذكر إنما هو قول عبد الملك، وما نقل أبو محمد هو ظاهر المدونة، وكذلك في كتاب ابن المواز؛ ونصه قال ابن المواز: وإن ولدت أمته ولداً فدعاها أبو سيدها أنه ولده، قال: يلحق به، وتقوم عليه الأمة، وتكون له أم ولد، وسواء أنكر ذلك الابن أو الأمة أو أقر، إلا أن يدعيه الابن فهو أحق به؛ للفراش.
م: وهذا الصواب؛ لأن فراش الابن أصح.
ابن حبيب قال أصبغ عن ابن القاسم: ولو كان الأب عبداً؛ لم يحد، وتكون قيمة أم ولد ابنه في رقبته، فإما فداه سيده أو أسلمه، وتعتق أم الولد على الابن؛ لأنها حرمت عليه، ولا يتهم الأب أنه أراد أن يكون عبداً لابنه، كما لو قطع له عضواً؛ لكان ذلك في رقبته، وكذلك وطؤه لأمته البكر إذا نقصها إن ذلك في رقبته، ولو كان ثيباً لم يلزم رقبته شيء.
قال محمد بن عبد الحكم: في نصراني وطأ أم ولد لابنه النصراني ثم أسلما؛ فإنها تعتق على الابن حين حرمت عليه، ولا قيمة له على أبيه؛ لأن الابن لو وطأها بعد وطء أبيه لم أمنعه في نصرانيتهما، فلما أسلما لم يلزم الأب قيمتها وهي حرة، ولو كانت أمة فأسلما وهي حامل، فيعتق ما في بطنها على أخيه، ولا تقوم على الأب وهي أمة للابن.
ومن كتاب العتق لابن سحنون: ومن وطأ مدبرة ابنه فحملت منه؛ ضمن قيمتها أمة للابن، وتكون أم ولد للأب، وإن لم تحمل؛ فلتخرج القيمة فتوقف، فإن مات الابن
الجزء: 8 - الصفحة: 1036
وخرجت من ثلثه رجعت القيمة إلى الأب، وإن لحقه دين يرقها كانت للأب بالقيمة الأولى.
فصل
قال ابن المواز: ومن زوّج أمته، وقال: هي ابنتي، فأصابها الزوج فأولدها، ثم ظهر على ذلك؛ لم يحد، والولد لازم بقيمته.
م: ولا تكون له الأمة أم ولد، وهي زوجة له إن شاء فارقها؛ وكان عليه قدر ما يستحل به فرجها، ويرجع ببقية الصداق على سيدها الذي غره، وإن شاء ثبت على نكاحه بالصداق المسمى، وما ولدت له قبل أن يعلم فهم أحرار، ويلزم قيمتهم يوم الحكم وما ولدت بعد علمه ورضاه فرقيق للسيد.
قيل: فإن كان إنما زوجه ابنته بعينها ثم أدخل عليه جاريته فوطأها وحملت ولم يعلم، قال: هذه تكون له أم ولد، ويلزمه قيمتها يوم حملت، ولا قيمة عليه في ولده، بمنزلة من أحل جاريته لرجل.
قلت: فلو علم الزوج قبل الوطء أنها ليست زوجته.
قال: سواء علم أو لم يعلم، لا حد عليه، ويلزمه قيمتها حملت أو لم تحمل وتكون ملكاً له.
الجزء: 8 - الصفحة: 1037
فصل
قال ابن المواز: ومن أوصى لرجل بجاريته وله مال مأمون، فوطأها الموصى له قبل موت الموصي، ثم مات الموصي، ودفعت إلى الموصى له.
قال: هو زانٍ، وعليه الحد، وولده ولد زنا لا يلحق به، وإن كان إنما وطأها بعد موت السيد، وعلى السيد دين يغترقها ولا مال له غيرها، فلا حد عليه، والولد لاحق به فإن كان موسراً؛ غرم قيمتها، وكان له أم ولد، وإن كان معدماً؛ بيعت بعد الوضع، ولم يبع ولدها، وأتبع بقيمته ديناً، كالابن يطأ من تركة أبيه أمة، وعلى الأب دين يغترقها، فعلى الأب قيمة، فإنه يغرم القيمة في الملاء، وتباع بعد الوضع في العدم، ويتبع بقيمة الولد ديناً.
م: وهذه في الجنايات.
م: والفرق بين وطئه قبل الموت وبعده: أنه قبل الموت لا شيء له في الجارية؛ لأن للموصي أن يرجع فيها ويضع بها ما أحب، وإنما وطأ هذا أمة الموصي، وأما بعد الموت فهي جارية الموصى له إن حملها الثلث، أو له منها ما حمل الثلث، وإن كان على الموصي دين؛ فللموصى له أداء الدين، ولا شيء للغرماء فيها؛ لأن دينهم ليس في عين الجارية، وإنما الموصى له كالمديان، أو كأحد ورثته، وهذا بين.
الجزء: 8 - الصفحة: 1038
فيمن اشترى أمة ولدت منه أو من ابنه أو أخيه بنكاح
وإنما السنة في أم الولد أن تلد منك وأنت تملكها وليس لغيرك رق في حملها، فمن ابتاع زوجته لم تكن له أم ولد بما ولدت منه قبل الشراء، إلا أن يبتاعها حاملاً فتكون بذلك الحمل أم ولد؛ لأن ما ولدته قبل الشراء رق للبائع، وما كانت به حاملاً فهو للمشتري، وهو حر عليه، فبالولد الحر تكون أم ولد.
ولو كانت زوجته أمة لأبيه فابتاعها حاملاً؛ لم تكن بذلك الحمل أم ولد؛ لأن ما في بطنها قد أعتق على جده، بخلاف الأجنبي؛ لأن الأب لو أراد بيع أمته لم يجز له؛ لأنه قد أعتق عليه ما في بطنها، فلا يجوز أن تباع ويستثنى ما في بطنها، والأجنبي لو أراد بيع أمته الحامل وهي تحت زوج، فإن له بيعها، ودخل حملها في البيع معها، وقال غيره: لا يجوز للابن شراءها من ولده وهي حامل؛ لأن ما في بطنها قد عتق على جده، فلا يجوز أن تباع ويستثنى ما في بطنها؛ لأن ذلك غرر؛ لأنه وضع من ثمنها لما استثناه وهو يدري أيكون أم لا يكون، فكما لا يجوز بيع الجنين؛ لأنه غرر فكذلك لا يستثنى، وهذا الجنين لا يرق، ولا يلحقه دين؛ لأنه عتق بالسنة، وليس هو عتق اقتراف.
م: وقول الغير هذا كله ليس بخلاف لابن القاسم، وإنما تكلم ابن القاسم إذا اشتراها وفات ذلك؛ كيف يكون الحكم؟ وأما [بدءاً] فليس له أن يبتاعها ندباً على قوله، فإن ابتاعها فسخ البيع إلا أن تضع؛ فيلزم الولد قيمتها يوم قبضها على أن حملها حر؛ لأنه بيعٌ فاسد فات بالوضع.
الجزء: 8 - الصفحة: 1039
ونحوه حكى بعض شيوخنا عن أبي الحسن بقي القابسي وكان يعيب قول من يجعله خلافاً.
ابن المواز: ومن تزوج أمة والده، فمات الأب فورثها وهي حاملٌ؛ فإن كان حملاً ظاهراً أو لم يكن حملاً ظاهراً إلا أنها وضعته لأقل من ستة أشهر لم تكن به أم ولد؛ لأنه قد أعتق على جده في بطنها قبل أن يرثها أبوه، فلم يملكه أبوه، ولا تكون أم ولد أبداً إلا لمن ملك رقبتها بما في بطنها حتى يعتق الجنين عليه لا على غيره.
قال: وإن وضعته لستة أشهر فأكثر؛ فهي به أم ولد، إلا أن يقول: لم أطأها بعد موت أبي، فلا تكون به أم ولد، وهو مصدق بغير يمين.
وكذلك لو وضعته بعد ستة أشهر من يوم موته وقال: لم أطأها إلا منذ خمسة أشهر، لم تكن به أم ولد، ونحوه عن ابن الماجشون في كتاب ابن سحنون.
ابن الولد: ومن اشترى زوجته بعد أن أعتق السيد ما في بطنها فشراؤه جائز، وتكون بما تضع أم ولد؛ لأنه عتق عليه بالشراء ولم يكن نصيبه عتق السيد إذ لا يتم عتقه إلا بالوضع؛ ولأنها تباع في فلسه، ويبيعها ورثته قبل الوضع إن شاءوا؛ وإن لم تكن عليه دين والثلث يحملها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1040
ولو ضربها رجل فالقته ميتاً؛ فإنما فيه جنين أمة، ولو كان ذلك بعد أن تشاره الزوج؛ كان فيه ما في جنين الحرة، وولاؤه إن استهل لأبيه، ولا ينظر في ذلك كله إلى عتق السيد إلا أنه لا يشتريها أجنبي بعد عتق السيد جنينها من قبل أن يرهقه دين ويرده إن فعل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ابتاع زوجة والده حاملاً؛ انفسخ نكاح الأب، إذ لا ينكح أمة ولده، ولا تكون أم ولد للأب، وتبقى رقيقاً للابن، ويعتق عليه ما في بطنها، ولا يبيعها حتى تضع؛ إلا أنه يرهقه دين فتباع وهي حامل، وقاله أشهب.
وقال غيرهما: لا تباع في الدين حتى تضع؛ لأن عتق هذا ليس هو اقتراف من السيد، وإنما أعتقه السُّنة، وعتق السنة آكد من عتق الاقتراف وأشد.
وهذه بخلاف من اشترى زوجته الحامل وهي أمة لأبيه عند ابن القاسم: تلك لا يرق جنينها، ولا يلحقه دين.
والفرق بينهما عنده والله أعلم: أن الولد في المسألة الأولى خلق حراً لم يمسه رق قط، وفي هذه قد مسه الرق في بطنها، وإنما أعتق باشتراء الولد لأمه، فأشبه العتق المبتدأ، وغيره لم يفرق بينهما؛ لأنه كله عتق سُنة، فوجب أن يتساوى الحكم فيهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 1041
ومن المدونة قال ابن القاسم ولو اشترى زوجة أخيه حاملاً، فهي والولد رقيق له، والنكاح ثابت، والشراء جائز، إذ لا يعتق عليه بنو أخيه.
في أم ولد المرتد ومدبره وأم ولد الذمي تسلم وحكم ولدها من غيره
قال ابن القاسم: ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله، ومدبره، وأم ولده، ولا تعتق عليه أم ولده؛ إذ لا يقسم ماله الذي في دار الإسلام بين ورثته، وكل من لا يقسم ماله [الذي في دار الإسلام] بين ورثته فلا تعتق عليه أمهات أولاده، وكذلك قال مالك في الأسير ينتصر؛ فهذا مثله.
قال ابن القاسم: ويحرم على المرتد أم ولده في حال ردته حتى يسلم، فتحل له، وأما النكاح فتنقطع عصمته بارتداده، وليس لأم الولد عصمة فتنقطع فإن ندم فأسلم؛ رجعت إليه أم ولده، وعاد إليه ماله ورقيقه.
ابن المواز وقال أشهب: تعتق عليه أم ولده بالردة، كما تطلق عليه بذلك زوجته.
م: وهذا أقيس؛ لأن من أصلها من أم الولد إذا حرم وطؤها؛ وجب عتقها، إذ لا خدمة فيها، وهذه كالنصراني تسلم أم ولده، فالذي ثبت عليه مالك: أنها تعتق إذا حرم وطؤها، ولا خدمة فيها، والارتداد أشد، ألا ترى أن من أسلمت زوجته هو أملك بها؛ إذا أسلم في عدتها، وإن من ارتد انقطعت عصمته، وبانت منه؛ فلا تحل له إلا بنكاح جديد
الجزء: 8 - الصفحة: 1042
بعد إسلامه؛ ولأن المرتد هو الذي أدخل الارتداد على نفسه، وأوجب الفراق لزوجته، والنصراني لم يوجب لها فراقاً، ولا غير حكماً؛ فوجب أن يكون حكمه أخف، وحكم المرتد أشد، والله أعلم.
م: ويحتمل أن يكون الفرق عند ابن القاسم بين إسلام أم ولد النصراني، وارتداد المسلم وله أم ولد؛ أن المرتد إذا قدر عليه استتيب ثلاثاً؛ فإن تاب وإلا قتل، ولا كبير ضرر على أم ولده في ذلك الإيقاف لقربه، وأما أم ولد النصراني يسلم؛ فهو ممن لا يجبر على الإسلام، فإلى أي أجل يوقف عليه؟ فعتقها أولى؛ لأن طول إيقافها ضرر، وهو لا منفعة له اليوم فيها، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قتل المرتد على ردته؛ أعتقت أم ولده من رأس ماله، وأعتق مدبروه في الثلث؛ لأنه أمر عقده له في حال إسلامه وصحته، ولم يكن يستطيع نقضه، وأما كل وصية له ردها وهو مسلم فإنها تسقط، وكأنه أوصى بها في حال ردته، إذ كان قادراً على الرجوع عنها، ووصيته في حال ردته لا تجوز؛ لأنه قد حُجب عن ماله حتى يسلم، وإن مات على ردته؛ كان ماله لجميع المسلمين، وكذلك الأسير إذا تنصر -في جميع ما وصفنا.
فصل
وإذا أسلمت أم ولد الذمي فقال مالك مرة: يوقف حتى يموت، أو يسلم؛ فتحل له، ثم رجع وثبت على أنها تعتق، ولا يبيعها في قيمتها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1043
ابن المواز: إذا أسلمت عرض على سيدها الإسلام، فإن أبي؛ عتقت عليه بحكم، قاله مالك وأصحابه.
وقال ابن عبد الحكم: في أم ولد الذمي تسلم: توقف له حتى تحيض، فإن أسلم قبل الحيضة أعتقت، وجعل ذلك كإسلام زوجته إن أسلم قبل انقضاء عدتها؛ كان أحق بها، وإن انقضت العدة؛ فقد بانت منه.
م: وحكي لنا عن بعض شيوخنا في أم ولد الذمي إذا أسلمت فوقفت حتى يموت أو يسلم؛ أن نفقتها في حال الإيقاف على سيدها؛ لأنها من أجله أوقفت.
قال بعض فقهائنا: فإن لم يكن له مال ولا مال بيدها ينفق عليها منه، فينبغي أن تعتق عليه، وقد ذهب بعض الناس في أم ولد المسلم إذا لم تجد ما ينفق عليها: أنها تعتق عليه، كما تطلق عليه زوجته؛ لعدم النفقة، وقد رأيت في كتاب القزويني: أن أم الولد إذا لم يقدر سيدها أن ينفق عليها؛ فليزوجها ممن ينفق عليها، وهي في ملكه، وليس في عتقها عليه فائدة، ولا سبيل له إلى بيعها؛ لما فيها من عقد الحرية، وليس كذلك الزوجة؛ لأنها ما دامت في حباله لا تصل إلى تزويج من ينفق عليها، ولذلك فرقنا بينهما.
ومن المدجونة قال ابن القاسم: وإذا أسلم بعدها قبل أن تعتق؛ فهو أحق بها، وتبقى له أم ولد كما كانت، وإن طال ما بين إسلاميهما، ما لم تعتق بقضية إمام، وكذلك إن كان إنما أولدها بعد أن أسلمت؛ فإنها تعتق عليه، إلا أن تسلم قبل ع تقها فتبقى له أم ولد على حالها، وتعتق بعد موته من راس ماله، ويكون ولاؤها للمسلمين؛ لأنه أولدها بعد إسلامها؛ فهي كما لو دبرها، أو كاتبها، بعد أن أسلمت، ثم أسلم هو؛ فإن ولاءهما إذا
الجزء: 8 - الصفحة: 1044
أعتقا للمسلمين، وأما لو أسلمت بعد أن أعتقت أم ولده؛ فلا يرجع إليه أولادها، وهي على دينه، أو بعد أن أسلمت ويرجع إليه، ولا التي أولدها وهي على دينه، ولا يرجع إليه، ولا التي أولدها بعد أن أسلمت.
ابن المواز: ولو أسلم هو وحده بقيت له أم ولد بما تقدم، وإن لم تلد بعد إسلامه حتى مات؛ فهي حرة من رأس ماله، وإن يسلما فله بيعها، وإن مات فأراد ورثته بيعها: فقال ابن وهب: إن تحاكموا إلينا منعناهم من ذلك، فإن أبوا وأرادت هي حكمنا؛ فليس لها ذلك، وإن رضوا بحكمنا ثم بدا لهم؛ فليس لهم ذلك.
وقال المغيرة في كتاب ابن سحنون: إذا مات [فاستأذنت حاكم] المسلمين سن بها سُنة أم الولد للمسلم.
وكذلك يقول: إن حنث بطلاق امرأته أو حرية غلامه فرجعت المرأة والغلام ذلك إلى حكم المسلمين فليطلق عليه ويعتق.
قال سحنون: وهذا خلاف مالك وأصحابه [وما علمنا منهم من يقوله غيره في ذلك كله].
ومن الواضحة قال ابن الماجشون: إذا أسلمت أم ولد الذمي؛ فإن أنفق عليها، أوقفت له على يدي مسلم، ولم تعتق، فإن مات: أعتقت، وإن أسلم كانت له أم ولد.
وقال ابن عبد الحكم: توقف حتى ت حيض حيضة، فإن أسلم فيها وإلا أعتقت.
وابن القاسم يعجل عتقها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1045
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما ولدت أم ولد الذمي من غير سيدها بعد أن أولدها فلا يعتقون بإسلامها كانوا صغاراً أو كباراً، كما لا يعتقون لو عجل السيد عتقها، وإنما يعتقون بموت سيدها، ولا يكونون مسلمين بإسلامها؛ لأن الولد تبع للأب في الدين وللأم في الرق.
وإن أسلم كبارهم وآجرناهم عليه، ولم يعتقوا إلا موت السيد، ولو جنت الأم؛ لجبر سيدها على افتكاكها، ولو جنى ولدها؛ لم يجبر على افتكاكهم، وإنما عليه أن يفديهم بدية الجناية، أو يسلم خدمتهم، فيختدمهم المجروح حتى يستوفى أرش جرحه؛ فيرجعون إلى سيدهم، أو يموت السيد قبل ذلك فيعتقون، ويتبع ببقية الجناية.
وإن أسلمت أمة الذمي ولها ولد من زوج؛ لم يكن ولدها مسلم بإسلامها صغيراً كان أو كبيراً إذا كان أبوه نصرانياً، وتباع الأم وحدها دون الولد، إلا أن يكون الولد صغيراً لم يستغن عنها فيباع معها من مسلم، وليس لمشتريه أن يجعله مسلماً إذا كره ذلك أبوه، وبقي على دين أبيه.
وقد قال مالك في مسلم زوج أمته من عبده وهما نصرانيان فحدث لهما ولد فأراد السيد أن يجبر الولد على الإسلام والولد صغير؛ فليس ذلك للسيد.
قال ابن القاسم: وإن أسلمت أم ولد المكاتب الذمي؛ وقفت، فإن أعتق؛ أعتقت عليه، وإن عجز وكان سيده نصرانياً رق وبيعت عليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1046
م: يريد وكذلك إن كان سيده مسلماً وأبقاها بيده؛ فإنها تباع إلا أن ينتزعها منه، وللمكاتب بيعها إذا خاف العجز وطلب ذلك، وإن لم يطلبه؛ فهي موقوفة عنده كما ذكرنا، وقاله أصبغ.
قال أبو إسحاق: وهذا يدل: أن المكاتب بالعجز لا يكون منتزع المال؛ لأنه لو كان منتزع المال لم يبع عليه؛ لأنها ملك لسيده، وسيده مسلم.
في أم الولد تكاتب أو تعتق على مال أو تباع
قال مالك: ولا يجوز أن يكاتب الرجل أم ولده؛ لأنه يستسعيها في الكتابة، ولا خدمة له فيها، وأما إن أعتقها على مال يعجله منها فجائز.
ابن القاسم: لأن القطاعة كأنه أخذ مالها وأعتقها وقد كان له أن يأخذه ولا يعتقها، وأما الكتابة فكأنه باعها خدمتها ورقها إذ يستسعيها في ذلك، وأمهات الأولاد لا سعاية فيهن، ولا غلة، ولا أن يستخدمها في مثل استقاء الماء والطحين وشبهه، وإنما له فيهن المتعة.
[قال أبو إسحاق: وانظر لو رضيت بالكتابة فقد يجوز ذلك؛ لأنها إن أدته في حياة
الجزء: 8 - الصفحة: 1047
السيد أعتقت، وإن ماتت بطلت بقية الكتابة، ولا ضرر في ذلك].
قال ابن القاسم: وإن كاتبها فسخت الكتابة إلا أن يفوت بالأداء، فتعتق ولا ترجع فيما أدت؛ لأن له انتزاع مالها ما لم يمرض فإذا مرض لم يكن له ذلك؛ لأنه إنما ينتزعه الآن لورثته.
قال بعض فقهائنا: ولو كاتبها في مرضه ودفعت إليه شيئاً فينبغي أن ترجع عليه بذلك، وتطلب تركته إن مات في ذلك.
قال: وأعرف لسحنون فيمن أعتق بعض عبده ثم أخذ من العبد مالاً، وأعتق باقية؛ أنه يرد المال، ولو مات كان ذلك في تركته يطلبه به العبد، فكذلك مسألة أم الولد هذه والله أعلم.
ومن المدونة قال مالك: وأما ولدها من غيره ممن ولدتهم بعد ولادتها منه فله أن يستخدمهم، ويقتلهم، ويسلم في الجناية خدمتهم، بخلاف أمهم، وهم بمنزلتها في العتق بعد موت السيد، يعتقون من رأس المال.
الجزء: 8 - الصفحة: 1048
وفي كتاب ابن سحنون قال مالك رحمه الله وكان ربيعة يقول: إنهم أحرار في حياة سيدها، قال: ولم يؤذن له في إنكاحها.
قال مالك وأحب إلي الا يعتقوا إلا بعتق أمهم بعد موت السيد، وأكره له أن يزوجها، وربما كان له منها الولد الكبير فيريد بذلك مساءته.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وللسيد أن يعجل عتق أم ولده على دين يبقى عليها برضاها وليس له ذلك بغير رضاها إذ ليس له أن يستعملها وإذا كانت برضاها جاز كامرأة اختلعت من زوجها بدين جعله عليها إذ ليس له فيها إلا الاستمتاع.
وقال يحيى بن سعيد وغيره: لا تجوز كتابة أم الولد وأما إذا قاطعها سيدها بشيء يتعجل به عتقها فجائز، وإن مات السيد وعليها الذي اشترت به نفسها أتبعت به ولو كانت كتابة سقطت، وعتقت من رأس المال.
قال ابن القاسم: وإذا كاتب الذمي أم ولده الذمية ثم أسلمت عتقت وسقطت عنها الكتابة.
م: قال بعض فقهائنا هذا بناه على قول مالك في أم ولد الذمي تسلم أنها تعتق عليه وأما على قوله توقف حتى يسلم أو يموت فتعتق فيجب إذا كاتبها فأسلمت أن يخير بين أن تتمادى على كتابتها فتعتق بأدائها أو تعجز نفسها فتبقى موقوفة له، وأما على القول
الجزء: 8 - الصفحة: 1049
الذي قال فيه: إن أم ولد الذمي إذا أسلمت تباع ويدفع إليه ثمنها؛ فهي كأمة له كاتبها، تباع كتابتها من مسلم، ولا تكون أسوأ حالاً من الأمة.
فصل
وقد تقدم في الباب الأول الحجة في منع بيع أمهات الأولاد بالسُّنة والإجماع.
قال مالك: فيمن باع أم ولده فأعتقها المبتاع؛ نقض البيع والعتق وعادت له أم ولد، وإما إن ماتت بيد المبتاع قبل أن يردها فمصيبتها من البائع ويرد الثمن.
قال ابن القاسم: وإن لم يعلم للمبتاع موضعاً؛ كان على البائع طلبه حتى يرد إليه الثمن، ماتت أم الولد أو بقيت، وكذلك إن مات البائع أو المبتاع أو ماتت هي بعد موت السيد أو قبله، أولم يمت السيد وهي مليء أو معدم؛ فالثمن في ذمته حتى يرده إلى المبتاع أو إلى ورثته.
قال ابن حبيب قال مطرف عن مالك: ولو أولدها المبتاع فالوالد به لاحق، ولا قيمة عليه فيه؛ لأن البائع أباحه فرجها وإنما له قيمة الولد، لو بيعت عليه بغير طوعه.
وقاله أصبغ.
وقال ابن الماجشون: عليه قيمة الولد عبيد.
وقال ابن عبد الحكم: بل على أنهم يعتقون بموت البائع.
قال ابن الماجشون: ولو زوجها المبتاع لعبده فولدت له لردت مع ولدها للبائع، ويكون لولدها حكم ولد أم الولد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1050
وقال أصبغ: ذلك سواء أولدها المشتري أو زوجها فولدت لا شيء للبائع من ولدها ولا قيمة؛ لأنه هو أباحها.
قال أبو محمد بن أبي زيد: قوله في ولد الزوج فيه نظر.
قال أصبغ: ولو باع أم ولده على أنها حرة بشرط مشروط لم ترد وولاؤها لسيدها، ويسوغ له الثمن كما لو أخذ مالاً على أن يعتقها، ولو باعها على أن يعتقها المبتاع على أنها حرة ساعتئذٍ فهذه ترد ما لم تفت بالعتق فتمضى، والولاء للبائع، ويسوغ له الثمن؛ لأن المبتاع علم أنها أم ولد، وشرط فيها العتق، فكأنه فكاك، ولو لم يعلم أنها أم ولد لرجع بالثمن.
قال أصبغ: ومن قال لأم ولده: إن وطئتك فأنت حرة؛ لم تعتق عليه؛ لأنه بقي له فيها تلذذه بغير الوطء، وبقي له فيها وطؤه حلال، ولو ان يملك أختها لم يحل له وطء أختها حتى يحرم فرج هذه بغير هذه اليمين، وقد قال جل الناس إلا مالكاً رحمه الله في أم الولد إذا حرم فرجها حل له استخدامها إلى موته.
في أم ولد المأذون، والمكاتب والمدبر إذا عتقوا
وأجمعوا أن حمل كل ذات رحم إذا كان من زوج بمنزلة أمه، وأن كان من ملك بمنزلة أبيه في الحرية والرق، وهو في الوجهين بمنزلته في الدين والانتساب.
الجزء: 8 - الصفحة: 1051
قال مالك: فإذا اشترى العبد المأذون له في التجارة أمة بإذن سيده أو بغير إذنه، ثم عتق وقد كانت ولدت منه أولاداً أو كانت حاملاً منه يوم العتق فهي تبع له كماله، ولا تكون له بذلك أم ولد؛ لأن ذلك الولد رق للسيد إذ أولدها وهو عبد فولده من أمته مثله.
قال ابن القاسم: إلا أن يملك المأذون حملها قبل أن تضعه.
م: يريد: بهبة أو صدقة أو بشراء، وإن كان لا يجوز شراؤه إلا أنه إذا وقع البيع فقد وقع الفوت في الجنين بحصول الحرية فيه؛ لأنه معتق بنفس الشراء، لا كما زعم بعض أصحابنا: أنه لا يفوت إلا بالوضع، فإذا ملك حملها بأحد هذه الوجوه كانت بذلك أم ولد.
م: وأما لو اشترى المأذون زوجته حاملاً منه ثم أعتقه السيد فإن الولد وأمه يتبعانه؛ لأن الولد في هذا الموضع كماله، ويعتق عليه، وتكون أمه بذلك أم ولد، بخلاف الذي يولد أمة نفسه.
والفرق بينهما: أن هذا الولد بمنزلة أمة؛ لأنه من نكاح وأمه قد صارت بالشراء أمة للعبد، فكذلك ولدها، ألا ترى أنهما يباعان عليه في الدين وإن زايلها، فإذا عتق تبعته بما في بطنها وعتق عليه جنينها فوجب أن تكون به أم ولد، وكذلك عندي إن ولدته قبل العتق
الجزء: 8 - الصفحة: 1052
ثم عتق الأب؛ لأن الولد عنده حتى ينتزعه منه سيده، فإذا أعتق تبعه الولد وأمه؛ لأنه ماله وكانت الأمة بذلك أم ولد والله أعلم.
وأما إذا أولد العبد أمة نفسه فولده بمنزلته، وهو عبد للسيد، فكذلك ولده، فإذا أعتق لم يتبعه، فهذا فرق ما بينهما.
قال ابن المواز: ولا تباع الأمة في دينه قبل أن تضع.
م: يريد عتق أو لم يعتق، وقاله أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
ومن المدونة قال مالك: لو أن العبد حين أعتقه سيده أعتق هو جاريته وهي حامل منه ثم أعجل لها ذلك، وكانت حدودها حدود أمة حتى تضع فيرق الولد للسيد الأعلى وتعتق هي بالعتق الأول فيها بغير إحداث عتق، ألا ترى: أن من دبر عبده أو كاتبه وللعبد أمة حامل منه؛ أن جنينها رق، ولا يدخل في تدبير ولا كتابة، والأمة بعد الوضع تبع للمكاتب كماله، إلا أن يشترطه المكاتب، أو يدخله السيد في التدبير.
قال سحنون في الذي أعتقها المأذون بعد عتقه توقف أحكامها، فإن وضعت كانت حدودها حدود أمة؛ لأنه اليوم تم عتقها، وإن أنفش فحدود حرة؛ لأنها حرة من يوم العتق إذ لو علم أنه ريح لم توقف.
واختلف قوله في أم ولد المأذون فقال: له بيعها.
وقال: لا يبيعها إلا بإذن السيد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1053
وكذلك قال ابن القاسم في المدونة ورواه عنه ابن حبيب قال وقال أصبغ: له بيعها بغير إذن السيد، ورواه أشهب عن مالك.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكلما ولد لمدبر أو مكاتب من أمته مما حملت به بعد عقد التدبير أو الكتابة فهو بمنزلته يعتق مع المكاتب بالأداء أو مع المدير في الثلث، وإذا عتقا كانت الأمة أم ولد بذلك لهما، كان الولد الآن حياً أو ميتاً وقاله مالك.
قال ابن القاسم: لأن ولدها بمنزلة أبيه فوجب أن يجري فيها ما جرى في ولدها.
قال سحنون ولملاك قول ثان: إنها لا تكون أم ولد بذلك، وقاله أكثر الرواة في المدبر خاصة، إذ كان لسيده انتزاعها إن لم تكن حاملاً، وأن المدبر لا يبيعها إلا بإذن السيد.
قالوا: وأما المكاتب فهي له أم ولد إذا عتق إذا كان السيد ممنوعاً من ماله، وليس للمكاتب بيعها وإن أذن له سيده حتى يخاف العجز.
ابن المواز وقال أشهب وعبد الملك لا تكون أم ولد بما حملت بعد عقد التدبير وعقد الكتابة وعتق الأجل وإن ولدته بعد تمام الحرية في الولد إلا أن للولد حكم الأب، وإن شك في الحمل؛ فإن ولدته لأقل من ستة أشهر من تمام عتق الأب لم تكن به أم ولد؛ قالا: لأن ما في بطنها لم يملكه الأب، وقد جرى لغيره فيه حرية، فلا تكون أم ولد بما جرت لغيره فيه حرية.
الجزء: 8 - الصفحة: 1054
قال ابن المواز: وأن القياس، وربما غلب الاستحسان في بعض العلم، وقول مالك وابن القاسم أحب إلي؛ لأن كل ولد تلده الأمة من سيدها فله حكم أبيه، وما ولدته من غير سيدها فهو بمنزلتها.
ومن المدونة: وسأل ابن كنانة مالكاً عن مدبر اشترى أمةً فوطأها فحملت ثم عجل سيده عتقه وقد علم أن ماله يتبعه أترى ولده يتبع المدبر؟ فقال: لا، ولكن إذا وضعته كان مدبراً على حكم ما كان عليه الأب قبل أن يعتقه السيد والجارية تبع للعبد؛ لأنها ماله.
قال ابن القاسم: واختلف قول مالك هل تكون هذه الأمة بهذا الولد أم ولد أم لا؟ وإذا مات المدبر وترك ولداً حدث في تدبيره من أمته ثم مات السيد كانت أم ولد المدبر وما ترك من مال لسيده ويعتق ولده في ثلث السيد بعد موته؟
قال في كتاب ابن المواز: ولو مات المدبر وأمته حامل منه رقت وكان ولده مدبراً، ولو مات السيد والمدبر حتى عتق مع ولده ومع ما في بطن أمه بالحصص، فإن خرجوا بقيت أم ولد المدبر أم ولد.
م: يريد: على الاختلاف، وإن أعتق بعضهم بقيت له رقيق إن شاء، وإن أولدها بعد ذلك لم تكن له أم ولد؛ لأن نصفه رقيق ولو أعتق باقية وهي حامل منه لم تكن به أم ولد بخلاف المعتق إلى أجل يعتق وأمته حامل منه أنه تكون له أم ولد؛ لأنه كتمام
الجزء: 8 - الصفحة: 1055
الأجل فيه، ولو مات قبل الأجل؛ رقت وكان ولدها معتقاً إلى أجل، والأجل فيه كموت السيد في المدبر، وموته قبل الأجل كموت المدبر قبل سيده، وأما أم ولد المكاتب إن مات فبخلاف ذلك؛ هذه تعتقد فيما ترك إن ترك ولداً، أو فيما تسعى هي وهم.
واختلف فيه إن ترك أخاه أو أباه معه في كتابة:
فابن القاسم يرقها.
وأشهب: يعتقها معهما فيما ترك لا في سعايتها، وهذا في الكتاب مذكور.
ابن المواز: وقال عبد الملك: في العبد والمدبر والمعتق إلى أجل أو ابن أم ولد من أجنبي دبر أمته بإذن السيد ثم أحبلها السيد؛ فإنها حرة حين تبين حملها؛ لأن إذن السيد بتدبيرها كالانتزاع، فصارت كمعتقة إلى أجل، لا تحل للسيد ولا للعبد، ثم صارت أم ولد للسيد، لا يحل لها وطؤها فعتقت.
جامع القول في استلحاق الولد
قال الله سيحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إلى قوله ﴿وَمَوَالِيكُمْ﴾ فكل جائز النسب أو مستلحق به فهو على ذلك حتى يتبين كذبه.
م: واستلحاق الولد عند ابن القاسم على ثلاثة أوجه: وهو أن يستلحق ولداً ولد عنده من أمته أو ولدته بعد أن باعها لمثل ما تلحق فيه الأنساب، ولم يطأ المبتاع ولا زوج، ولا يتبين كذب المستلحق له؛ فهذا يلحق به بلا خلاف.
الجزء: 8 - الصفحة: 1056
والثاني: أن يستلحق ولداً لن يولد عنده ولا علم أنه ملك أمة بشراء ولا نكاح؛ فهذا يلحق به عند ابن القاسم إذا لم يتبين كذبه ولا يلحق به عند سحنون.
والثالث: أن يستلحق ولداً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فهذا لا يلحق به عند ابن القاسم إذا أكذبه الجائز لرقه أو لولائه.
وقال أشهب: يلحق به، ويكون ابناً لهذا، ومولى لمن أعتقه، وعبداً لمن ملكه، وإن أعتق مولاه؛ ورث أباه وورثه.
قال سحنون في كتاب ابنه: وما علمت بين الناس اختلافاً أن إقرار الرجل يولد الولد أو بالأجداد أو بالإخوة أو غيرهم من سائر القرابات؛ لا يجوز ولا يثبت به نسب مع وارث معروف أو م غير وارث.
قال هو أصبغ: وإنما يجوز إقراره بولد الصلب خاصة؛ أقر به في صحته أو مرضه، كان له ولد غيره أو لم يكن له، فإذا كان له أخ أو ابن أخب معروف فأقر بأخ آخر أو بابن عم؛ فإقراره باطل، وميراثه للوارث المعروف، وإن لم يكن له وارث معروف، ولا موالي غير هذا المقر به؛ فإنه يجوز إقراره له، ويستوجب ميراثه ولا يثبت به نسب، وإن أتى بعد ذلك آخر فأقام بينة أنه وارثه؛ كان أحق بالميراث من المقر له.
وقال أيضاً سحنون: لا يجوز إقراره له، ولا يرثه، وإن لم يكن له وارث معروف؛ لأن المسلمين يرثونه فذلك كالوارث المعروف.
قال ابن سحنون وإنما اختلاف أصحابنا وأهل العراق في مثل هذا لاختلافهم الأصل؛ لأنهم قالوا: إذا لم يكن له وارث معروف، كان له أن يوصي بماله كله لمن أحب،
الجزء: 8 - الصفحة: 1057
فذلك جوزوا إقراره لمن ذكرنا من القرابات، وأصحابنا لا يجيزون له أن يوصي إلا بالثلث، وإن لم يكن له وارث معروف.
قال أصبغ: ولو أقر بأن هذا الرجل وارثه وله ورثة معروفون فلم يمت المقر حتى مات ورثته المعروفون؛ فإن ميراثه لهذا الذي كان أقر له أنه وارثه؛ وكأنه أقر ولا وارث له.
فصل
ومن المدونة قال مالك فيمن باع صبياً ولد عنده ثم أقر بعد ذلك أنه ابنه؛ لحق به، ورد الثمن إلا أن يتبين كذبه، وقد نزلت بالمدينة فقضي بها بعد خمس عشرة سنة.
م: اختلف فقهاؤنا القرويين: هل يرجع المشتري على البائع بنفقة الولد إلى يوم استلحاقاً؟ فحكى لنا عن الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن: أنه يرجع عليه بالنفقة [وهو كمن تعمد طرح ولده فأنفق عليه، وهل أنه يرجع عليه بالنفقة؟] فكذلك هذا، هذا أشد؛ لأن الذي يطرح ولده متأول في طرحه لغرض يريده، والمستلحق لا تأويل له.
وقال غيره: لا يرجع بالنفقة إذ له غلته، وكما لو اشترى عبداً فاستحق بحرية؛ أنه لا يغرم أجر خدمته، وتكون خدمته بنفقته.
قيل: فلو كان صغيراً لا خدمة فيه؟
الجزء: 8 - الصفحة: 1058
قال: لا نفقة له، وإن كان صغيراً؛ لأنه ممن تكون فيه الخدمة في المستقبل، وليس كمن طرح ولده.
وقال غيرهما: إن كان فيه خدمة وأقر المبتاع بخدمته أو ثبت أنه خدمة؛ فلا نفقة له، والنفقة بالخدمة، وإن كان صغيراً لا خدمة فيه رجع بالقيمة.
م: وهذا أعدلها؛ لأنه اشتراه للخدمة، والنفقة عليه فقد حصل له غرضه فلا تباعة له.
م: وذكر مثل هذا عن سحنون.
قال ابن القاسم: وكذلك لو لم يولد عنده، أو لم يعرف أنه ملك أمه بشراء أو نكاح؛ فإنه يلحق به، وكذلك إن استلحق عبده أو أمته؛ فقال: إنهما ولداي لحقا به إلا أن يتبين كذبه في ذلك كله؛ فلا يلحق به.
وقد قال مالك: من ادعى ولداً لا يعرف كذبه فيه؛ لحق به.
قال سحنون: هذا كله لا أعرفه، وسيأتي له خلافه.
قال ابن القاسم: والذي يتبين به كذبه؛ مثل أن يكون له أب معروف، أو هم من المحمولين من بلد لا يُعلم أنه دخلها كالزنج والصقالبة، أو تقوم بينة أن الأم لم تزل زوجة لغيره حتى ماتت.
قيل له: فإن قالوا: لم تزل ملكاً لغيره؟
قال: لا أدري ما هذا، ولعله تزوجها، وأما إن كان استلحق مسلماً محمولاً من بلد دخلها؛ لحق به.
الجزء: 8 - الصفحة: 1059
قال أشهب في كتاب ابن سحنون: ولو سُبي رجل وصبي فأعتقا فادعاه ابناً؛ لم يتوارثا بذلك.
ودعوى الصبي من أب أو ابن أخ أو أم سواء، جاء ذلك عن عمر مجمل أنه لا يلحق نسب إلا من ولد في الإسلام.
ابن حبيب قال مطرف وابن الماجشون: ولو باع رجلٌ عبده فاتخذ الجواري عند المشتري، وتوالد له الأولاد، ثم يستلحقه البائع؛ فإنه يلحق به هو وكل ولد له، ويصير جداً لهم، ويرجع إلى البائع بجميع ما عنده من مال، ويرد البائع الثمن، ولا قيمة عليه في ولد العبد، وكذلك لو مات العبد ثم استلحقه؛ فإنه يلحق به ولد العبد، ويأخذ ماله، ويغرم الثمن، وإن كان إنما زوجه المشتري أمته، أو أمة غيره، لم يأخذ البائع الولد، وإنما يأخذ العبد وماله إلا أن ولده ينسبون إليه هو وأبيعهم، وقاله أصبغ.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن ولد عنده صبي فأعتقه ثم استلحقه بعد أن كبر الصبي؛ لحق به، وإن أكذبه الولد.
قال: وإن استلحق صبياً في ملك غيره أو بد أن أعتقه غيره؛ لم يصدق إذا أكذبه الحائز لرقه، أو لولائه، ولا يرثه إلا ببينة ثبتت، وكذلك إن استلحق ابن أمة لرجل وادعى نكاحها وأكذبه السيد؛ لم يلحق به، ولا يثبت نسبه منه إلا أن يشتريه فيلحق به ويكون حراً؛ كمن وردت شهادته بعتق عبد ثم اشتراه؛ ولأنه أقر بأنه ولد بنكاح لا بحرام، وإن ابتاع الأم لم تكن به أم ولد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1060
م: لأنه أولدها في ملك غيره، ولو اشتراها حاملاً، وادعى أن حملها منه بنكاح؛ فإن الولد يلحق به وتكون هي به أم ولد، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو أن سيد الولد أعتقهم قبل أن يشتريهم مستلحقهم؛ لم يثبت نسبهم من هذا الذي ادعاهم، ولا يوارثهم إلا بأمر يثبت؛ لأن الولاء قد ثبت لسيدهم، فلا ينتقل عنه إلا ببينة.
ابن المواز وقال أشهب يلحقون بمن ادعاهم قبل أن يعتقوا أو بعد، ويثبت نسبهم منه ألا أن ولاءهم لسيدهم، ومتى أعتقهم ورثوا أباهم وورثهم.
ومن المدونة قال: ومن ابتاع أمة وولدها، أو ابتاعها بلا ولد، فولدت عنده لما يلحق فيه الأنساب، ولم يدعه فادعاه البائع؛ فإنه يلحق به، ويرد البيع، وتعود هي أم ولد إن لم يتهم فيها.
قال ابن المواز: لا تهمة في هذا إذا كان مليئاً والولد معها.
وقال ابن القاسم: إن اتهم فيها وهو مليء، لم يرد إليه إلا الولد بحصته، ولا ترد هي حتى يسلم من خصلتين: العدم، والصبابة فيها.
ابن المواز واختلف فيها إن كان عديماً:
فروى أشهب عن مالك: أنه يصدق فيه وفيها، ويرد أو يتبع بالثمن ديناً، وأخذ به أشهب وابن عبد الحكم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1061
ابن حبيب: وقاله أصبغ.
ابن المواز: وروى أشهب أيضاً: أنه لا يصدق فيها ويصدق في الولد، ويرد بحصته من الثمن، وبه قال ابن القاسم إلا أن تقوم بينة أنه أقر قبل بيعها بالمسيس، فيرد بيع الأم والولد في عدمه، ويتبع بالثمن، وذكره ابن حبيب عن عبد الملك.
قال: وإذا كان الولد حملاً ثم وضعته؛ حُسب بقيمته يوم وضعته.
قيل: فلم لا كان قيمته يوم أقر به؟
قال: ليس كالمستحقة؛ لأن ولد تلك لو مات لم يلزم أباه قيمة، ولو مات ولد هذه لزم اباه حصته من الثمن.
قال: وإن كان بيع معها فقيمته يوم البيع، وذلك في الوجهين بقدر ما ينويه من الثمن، ولو لم يكن معها ولد، أو كان معها ولد فمات، ثم أقر أنها ولدت منه؛ فهو مصدق إلا أن يتهم فيها بصبابة أو يكون عديماً، فلا يصدق، وهذا كله: إن لم يعرف مسيسه إياها إلا بإقراره اليوم، فأما إن قيد إقراره بذلك قبل بيعها؛ فإنه مصدق في ملائه وعدمه، كان معها ولد أو لم يكن، ورفيعة كانت أو وضيعة، كأم ولد بيعت.
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في العتبية فيمن باع أمة حاملاً، ثم أقر أن الحمل منه؛ فإن اتهم فيها بصبابة؛ لحق به الولد خاصة، وأدى قيمته يوم أقر به.
الجزء: 8 - الصفحة: 1062
م: وتفسير ذلك: أن يقال: كم قيمته يوم عقد الصفقة على هيئته الآن، ثم تقوم الأم بلا ولد، ثم يعرف كم قيمته من قيمة الأم، فيرد من الثمن ما يخص الولد، وهذا خلاف ما ذكره ابن حبيب من أن يرد قيمة الولد يوم الوضع، وهذا يجري على اختلافهم في المكاتبة تلد بعد الكتابة؛ فيبلغ الولد السعي قبل أداء الكتابة؛ ماذا يكون على الولد من الكتابة؟
فقيل: عليه ما يخصه يوم الحكم أن لو كان هكذا معها يوم عقد الكتابة.
وقيل: بل عليه قدر طاقته يوم بلوغ السعي، أن لو كان هكذا معه يوم عقد الكتابة، وهذا يشبه قول ابن حبيب يوم الوضع في هذه المسألة، والأول يشبه قول ابن القاسم.
قال ابن القاسم: وإن كان المستلحق عديماً؛ لحق به وتبع بقيمته، وإن لم يتهم فيها بصبابة، ولأنها صلحت في بدنها وفرهت وهو مليء؛ فلترد إليه، ويرد الثمن، ولا قيمة عليه في الولد، وإن كان غير متهم وهو عديم؛ لحق به، وأتبع بقيمته يوم أقر به.
م: يريد على الحصة ولا ترد الأمة إليه.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى الولد بعد عتق المبتاع الأمة؛ لم أقبل قوله فيها، وإن كان لا يتهم فيها؛ لأن عتقها قد ثبت، ولا ترد إليه إلا ببينة إلا ببينة
ابن حبيب وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
ابن القاسم وقد قال مالك فيمن اشترى جارية فأعتقها ثم ادعى البائع أنه كان أولدها: أنه لا يقبل قوله إلا ببينة، فكذلك مسألتك؛ لا يقبل قوله في الجارية بعد العتق إلا ببينة، ويقبل دعواه في الولد؛ ويلحق به، ويرد الثمن لإقراره أنه ثمن أم ولده، ولو كان الود خاصة هو المعتق، أثبت الولاء لمعتقه وأحلقت النسب بمستلحقه، ووارثه، وأخذ الأم إن لم يتهم فيها لدناءتها، ورد الثمن، وإن اتهم فيها؛ لم ترد إليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1063
قال أبو محمد وغيره: ولا يرد الثمن حينئذٍ إذا اتهم فيها.
م: يريد: وهذا إذا كان الولد يوم البيع حملاً؛ لأن البائع لم يأخذ له حصة، فيجب عليه ردها، والمشتري قد أعتقه؛ فلا حجة له، ولو لم يعتقه لكانت له حجة؛ لأن عبده أخذ من يديه، وأما لو كان مولوداً وبيع معها؛ لرد حصته من الثمن؛ لأنه استلحقه ورد إليه، وقد كان أخذ له حصة، فوجب عليه ردها؛ لأنه ثمن ولده، ولا حجة على المبتاع في رده الولد، كما لا حجة عليه في عتقه الأم، ويرد البائع ثمنها؛ لأنه ثمن أم ولد، فكذلك يرد حصة الولد؛ لأنه ثمن ولده، وأما الحمل؛ فلم يأخذ له حصة، وإنما أخذ ثمن الأم، وقد أبقيت للمبتاع، فلا يرد إليه شيء من الثمن.
قال بعض شيوخنا: وإذا باع صبياً ثم استلحقه فتبين كذله فلم يرد إليه؛ فإنه لا يرد الثمن، كقول الشيخ أبي محمد في الأمة.
وحكى عن بعض شيوخنا إذا قامت بينة أن أم الصبي المستلحق لم تزل زوجة لفلان حتى ماتت؛ وجب على المستلحق الحد، وكذلك إذا عُرف للولد نسب؛ فإنه يحد مدعيه، وكأنه نفاه من نفسه؛ لأنه قال: لست ابن فلان.
م: والفرق بين استلحاق الرجل واستلحاق المرأة: أن الرجل يُلحقه بنفسه، والمرأة تلحقه بغيرها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعاه بعد عتق المبتاع الأم والولد، مضى ذلك، وألحقت به نسب الولد، ولم أزل عن المبتاع ما ثبت له من ولائهما، ويرد البائع الثمن؛ لأنه
الجزء: 8 - الصفحة: 1064
ثمن أم ولده، وكذلك إن استلحقه بعد موتها؛ فإنه يرد الثمن؛ لأنه ثمن أم ولد.
قيل لابن القاسم في باب آخر: أرأيت من باع صبياً وُلد عنده فأعتقه المبتاع ثم التلحقه البائع أقبل دعواه وينقض البيع فيه، ولا يعتق؟
قال: أرى إن لم يتبين كذب البائع فالقول قوله.
قال سحنون: هذه المسألة أعدل قوله في هذا الأصل.
قال ابن القاسم: والذي يبتاع الجارية فتلد بعد الشراء بيوم؛ فيدعيه [فهذا ممن قد] تبين كذبه، ولا تكون به أم ولد، ولا يعتق عليه ولد، ولا يثبت نسبه إلا أن يكون أصل الحمل في ملكه، وإن كان أصل الحمل في غير ملكه؛ لم يقبل دعواه إلا أن تكون الأمة كانت له زوجة، ثم ابتاعها وهي حامل؛ فيجوز دعواه.
قال سحنون هذا كلام جيد.
وقال غيره يعني أشهب ومن ابتاع أمة وولدها وقد ولدت عنده أو عند المبتاع لمثل ما تلد له النساء ولم يطأها المبتاع ولا زوج، أو باع الولد وحبسها، ثم استلحق الولد، وهو الأم عند المبتاع أو أحدهما، وقد أحدث فيهما أو في أحدهما عتقاً أو تدبيراً أو كتابة، أو لم
الجزء: 8 - الصفحة: 1065
يحدث شيئاً؛ فذلك كله منتقض، ويردا أحدهما إلى البائع، ولد لاحق، وأم ولد، ويرد هو الثمن.
قال سحنون: فإن كان عديماً فبعض أصحابنا يقول: يتبع بالثمن ديناً.
وقال آخرون وقاله مالك: يرد إليه الولد خاصة بما ينوبه من الثمن للحوق النسب، وأنه يرد إلى حرية، ولا ترد الأم؛ لأنه يتهم أن يردها للمتعة بغير أداء ثمن.
قال: وإذا لم يورد الولد عند بائع أو مبتاع، لما يلحق إلى مثله الأنساب، ولم أنقض لذلك صفقة مسلم، أحدث المبتاع في ذلك عتقاً أم لا؛ لأن النسب لا يلحق به أبداً، إلا أن تلد الأمة وهي في ملكه، أو عند من ابتاع منه لما يلحق فيه الأنساب، ولم يحز الولد نسباً معروفاً، أو كانت عنده زوجة فزالت، أو أتت بولد لما يلحق به الأنساب، وإلا لم يلحق به.
قال سحنون: هذا أصل جيد.
قال في كتاب ابنه: ولو استلحق الولد بعد أن مات وصدقه المشتري؛ فإن كان أحدث في الأمة عتقاً أو تدبيراً أو كتابة أو إيلاداً فلا ترد إليه، وإن لم يحدث شيئاً؛ ردها وأخذ الثمن، وكذلك لو لم يصدقه ولم يكذبه؛ فليرجع عليه بالثمن، وإن أكذبه لم يرجع
الجزء: 8 - الصفحة: 1066
عليه بشيء، واستحسن إن صدقه وقد أعتقها أو دبرها أو أولدها لم يرجع إليه بالثمن، وتقر على حالها، وأما إن كاتبها فلتسأل هي، فإن أقرت به انتقضت الكتابة، وعادت إليه إم ولد، ورد الثمن، وإن كذبته، سعت في الكتابة، فإن أدتها أعتقت، ورجع المبتاع على البائع بالثمن، وما أدت من الكتابة لها وهي حرة، وهذا استحسان.
فصل
ومن كتاب ابن ميسر: ومن أقر بولد أمة عبده؛ فهو به لاحق إذا ولدته وهي في ملك عبده، ولم ينسبه العبد إلى نفسه، وهي أم ولد، وإن كان ولدته في غير ملك العبد؛ فالولد أيضاً لاحق بالسيد، والأمة أمة لعبده إن تركها له السيد، وكذلك أمة مدبره.
م: معنى قوله: وإن ولدته في غير ملك العبد: إن العبد اشترى الأمة وولدها فادعى السيد أنه كان تزوجها عند البائع من العبد، وأن هذا الولد منه؛ فهذا يلحق به الولد، ولا تكون أمه أم ولد، كما لو اشتراهما السيد لنفسه ثم استلحق الولد وادعى نكاح الأمة؛ فإن الولد يلحق به، ولا تكون له الأمة أم ولد، وقد تقدم هذا.
وأما أمة مكاتبه؛ فإن لم يدعه المكاتب؛ لحق بالسيد وأدى قيمة المكاتب، وكانت به أم ولد، وإن ولدته في غير ملك المكاتب انتظر بالمكاتب؛ فإن عجز لحق الولد بالسيد وله أخذ الأمة، وليست بأم ولد، وإن أعتق المكاتب فإن صدق سيده؛ لحق به الولد في قول ابن القاسم، ولو استلحق ولد أمة ولده؛ لحق به إن لم يدعه الولد لنفسه، ولم يحزه نسب معروف، ويغرم قيمة الأمة لولده في ملائه، ويتبع في عدمه، وهي له أم ولد، وعليه
الجزء: 8 - الصفحة: 1067
الأب إن لم يعذر بجهل، وإن ولدته في غير ملك الابن؛ فأمه أمة للولد، والولد عتيق على أخيه، وأما أمة والده؛ فهي كأمة أجنبي إن استلحقه بما يجوز به الاستلحاق وصدقة الأب؛ عتق على الجد، ولم تكن هي به أم ولد، وإن لم يصدقه، لم يلحق به إلا أن يملكه يوماً ما، وإن استلحقه بما لا يجوز به الاستلحاق لم يلحق به وعليه الحد إن ثبت على قوله.
ولو استلحق الجد ولد أمة ابن ابنه فقد اختلف فيه:
فقيل: هو كالأب في الحرمة ودراية الحد.
وقيل: ليس ذلك إلا في الأب خاصة.
فصل
ومن كتاب ابن سحنون: ومن ابتاع أمة فأولدها ثم قامت بينة أن البائع كان أقر قبل بيعها أنها ولدت منه؛ فالترد إلى الأول أم ولد، ويأخذ من المبتاع قيمة ولده مرسلة، كولد المستحقة، وكذلك لو ماتت بيده؛ لرجع المبتاع بالثمن على البائع، ورد إليه قيمة الولد فيتقاصان ويترادان الفضل، ولو لم تمت حتى مات البائع؛ قضي بحريتها من يوم موته، فإن أصابها المبتاع بعد ذلك؛ لزمه لها صداق المثل في قول المغيرة، وابن القاسم لا يرى عليها مهراً.
قال سحنون: ويرجع بالثمن في مال الميت، ولها حكم الحرية في قول مالك والمغيرة.
وقد اختلف في المشكوك في حملها بعد موت السيد الواطئ لها تقذف أو يموت لها ولد حر:
فقيل: إن صح الحمل ووضعت؛ فلها حكم الحرة في ذلك من يوم مات السيد.
وروى ابن القاسم وغيره عن مالك: أن لها حكم الحرة من يوم يتبين حملها، وإن لم تضع.
الجزء: 8 - الصفحة: 1068
قال سحنون: وإن بيعت من عبد مأذون فأولده، ثم ثبت إقرار بائعها الحر قبل البيع أنها أم ولد له؛ فلترد إليه أم ولد، ويرد معها ولد العبد يكون بمنزلتها، ولا يوطأ شيء من بناتها بملك اليمين؛ لأنهن معتقات إلى أجل وإنما يوطأن بالنكاح.
م: انظر قوله: ولا يوطأ أحد من بناتها بملك يمين، وكيف يجوز أن يملكهن أحد غير سيد أمهن، وهو أيضاً لا يجوز له وطأهن؛ لأنهن كالربائب المدخول بأمهاتهن، فقوله: يوطأن بملك يمين؛ يوهم أنه يملكهن غير سيد أمهن وذلك لا يصح؛ لأنهن لا يجوز بيعهن، ويعتقن بموت سيد أمهن من رأس المال.
فصل
ومن العتبية قال سحنون فيمن قال في ثلاثة أولاد من أمته أحدهم ولدي: يريد: ثم مات قال: فالصغير منهم حرا على كل حال؛ لأنه كان المستلحق الكبير، فالأوسط والصغير حران بحرية الأم، وإن كان المستلحق الأوسط؛ فالصغير حر، وإن كان الصغير؛ فالكبير والأوسط عبدين، ففيهما الشك ولهم تفسير.
وقال المغيرة في موضع آخر: إنه يعتق الأصغر وثلثا الأوسط وثلث الأكبر؛ لأنه إن كان أراد الأكبر فكلهم أحرار، وإن أراد الأوسط؛ فهو والأصغر حران، وإن أراد الأصغر؛ فهو حر وحده، فالأصغر لا تجده في هذه الأحوال إلا حراً، والأوسط ثابت
الجزء: 8 - الصفحة: 1069
العتق في حالين، ويرق في حال، فيعتق ثلثاه، والأكبر ثابت العتق في حال ويرق في حالين، فيعتق ثلثه.
وقال ابن عبد الحكم: يعتقون كلهم بالشك.
قال ابن المواز: ولو قالت الأم هم من سيدي؛ فأقر السيد بالصغير، وقال في الأول والأوسط: لم تلديهما أنت؛ فالقول قوله، [ولو أقر بالأوسط] وقال في الأول: لم تلديه، أو ولدتيه قبل أن تلدي مني؛ فذلك له، وهي مصدقة في الأصغر أنه منه، ويلحق به إلا أن يدعي الاستبراء فيه، وإن أقر بالأول فقط لزمه الثاني والثالث، إلا أن يدعي استبراء فيهما أو في أحدهما فلا يلزمه.
يريد: ويكون ابن أم ولد ويعتق بعتقها بعد موت السيد.
ومن العتبية قال سحنون: ومن أقر عند موته أن فلانة جاريته ولدت منه، وأن ابنتها فلانة ابنتي، وللأمة ابنتان غير التي أقر بها، فمات ونسيت البينة والورثة:
قال إذا أقر بذلك الورثة؛ فهن كلهن أحرار، ولهن ميراث واحدة من البنات يقسم بينهن، ولا يلحقه نسب واحدة منهن.
قال: وإن لم يقر بذلك الورثة، ونسيت البينة اسمها؛ فلا تعتق واحدة منهن.
الجزء: 8 - الصفحة: 1070
فصل
قد تقدم في الباب الأول ذكر الأمة تدعي أنها ولدت من سيدها؛ أنها لا تلحقه إلا أن تقيم شاهداً على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة، أو شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأة على الولادة؛ فتحلف ولو أقامت شاهدين على إقراره بالوطء، وامرأتين على الولادة؛ لثبت نسب الولد، وكانت هي أم ولد.
قال ابن المواز ومحمد بن عبد الحكم: ومن شهد عليه شاهد: أنه أولد أمته هذه؛ هذا الولد، وشهد آخر: أنه أقر أنه أولدها هذا الآخر لولدٍ أصغر من الأول، وشهد الثالث: أنه أقر أنه أولدها ثالثاً بعينه أصغر من الاثنين.
قال في كتاب ابن المواز: وقد مات السيد قالا: فقد أجمعوا على إقراره أنها أم ولد، ولكن لم يجتمع بذلك شاهدان إلا من يوم إقراره بالحبل الثاني؛ فصارت بشهادتهما من يومئذٍ أم ولد، وإن اختلفا في الولد وصار الابن الثاني كابن أم ولد؛ فوجب أن يلحق بسيدها، وكذلك الثالث، يريد: وإن لم يقم لها شاهدان؛ لأنه ابن أم ولد لم يعلم من السيد أنه أكره وادعى الاستبراء.
قال ابن عبد الحكم: ولو شهد شاهد أنه أقر أنها ولدت منه [هذا الولد، وشهد آخر أنه أقر أنها ولدت منه] آخر بغير عينه ولا يعرف الأول منهما؛ فلا يلحق به واحد منهما، وتكون أم ولد لاجتماعهما على إقراره أنها أم ولد، ولو عرفنا الصغير ألحقناه به.
وبعد هذا باب في الأمة يطؤها المتبايعان في طهر فتلد فتدعى له القافة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1071
في اللقيط وفي الحملاء يدعون المناسبة
قال الله سبحانه ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
وقال عمر بن الخطاب: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله على بيت المال.
قال مالك: ومن التقط لقيطاً فأتى رجل فادعى أنه ولد لم يصدق، ولم يلحق به إلا أن يكون لدعواه وجه؛ كرجل عرف أنه لا يعيش له ولد، فزعم أنه [رماه؛ لأنه] يسمع قول الناس: أنه إذا طرح عاش ونحوه مما يدل على صدقه؛ فإنه يلحق به، وإلا لم يصدق إلا ببينة.
وقال غيره: إذا علم أنه لقيط لم يقبل فيه دعوى أحد إلا ببينة.
وقيل لابن القاسم: فإن صدقه الملتقط؟ قال: أراه شاهداً، ولا تجوم شهادة واحد من اليمين في النسب، قيل: فإن ادعاه ملتقطه؟ قال: هو وغيره سواء، لا يقبل دعواه إلا على ما وصفنا.
ابن المواز قال أشهب: يقبل قول من ادعاه ملتقطه أو غيره إلا أن يتبين كذبه.
م: خالف كل واحد من ابن القاسم وأشهب في اللقيط أصله في الاستلحاق، وابن القاسم يقول إذا استلحق ولداً لم يولد عنده ولا عرف أنه ملك أمه بشراء، ولا نكاح، ولا تبين كذبه؛ فإنه يلحق به، فينبغي على هذا أن يقبل استلحاقه للقيط، وقد قال: لا يقبل.
الجزء: 8 - الصفحة: 1072
وقال أشهب في الاستلحاق: إنه لا يلحق به حتى يكون أصل الحمل عنده، أو بعد خروج أمه من عنده لمثل ما تلحق فيه الأنساب، وإلا لم يقبل قوله، وكل واحد خالف قوله.
م: فيحتمل أن يكون هذا من ابن القاسم على قوله الذي يوافق فيه أشهب في الاستلحاق.
ويحتمل أن يكون الفرق بينهما على قوله الآخر: إن اللقيط صار ولاؤه للمسلمين، فذلك كنسب حازه، فلا ينتقل عنه إلا بأمر يثبت وبما يدل أنه ابنه والمستلحق لم يحزه نسب، فوجب أن يلحق.
وأما أشهب: فيحتمل أن يكون هذا منه على ما له في كتاب ابن المواز فيمن استلحق صبياً في ملك غيره أو بعد أن أعتقه غيره؛ فإنه قال: يلحق بمن ادعاه قبل أن يعتق أو بعد، ويثبت نسبه منه إلا أن ولاء المعتق لسيده، ومتى أعتقد المملوك ورث أباه وورثه، فذلك على هذا، والله أعلم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعت امرأة لقيطاً أنه ولدها؛ لم يقبل قولها، [وإن جاءت بما يشبه من العذر.
قال ابن المواز: وقال أشهب: يقبل قولها؛ وإن قالت: من زنا؛ حتى يعلم كذبها.
ابن المواز: إن ادعته من زنا قبل قولها، وأقيم عليها الحد، وإن ادعته من زوج؛ لم يقبل قولها] إلا أن يقر به الزوج فيلحق به.
الجزء: 8 - الصفحة: 1073
وقال أيضاً ابن المواز: وأحسن من بلغني إن كان لها زوج حاضر فيلحق به الولد إلا أن ينفيه بلعان، فإن كانا ممن قدما من بلد؛ لم يقبل قولهما إلا أن يقر أنها زوجة فيكونا كالحاضرين، وإن أنكرا؛ لم يلحق به، وتحد المرأة.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن ادعى لقيطاً نصراني وقد التقطه مسلم؛ فإن شهد له مسلمون؛ لحق به، وكان على دينه إلا أن يسلم قبل ذلك، ويعقل الإسلام فيكون مسلماً.
قال ابن المواز: التقطه عبد أو نصراني وعليه زي النصارى؛ فإنه يكون حراً مسلماً، إلا أن يلتقطه في قرى الشرك ومواضعهم فهو مشرك.
وفي كتاب تضمين الصناع: إن التقطه نصراني ي قرى الإسلام ومواضعهم فهو مسلم، وإن كان في قرى أهل الشرك ومواضعهم فهو مشرك، وإن وجد في قرية ليس فيها إلا الاثنان والثلاثة من المسلمين؛ فهذا إن التقطه نصراني فهو نصراني ولا يعرض له، وإن التقطه مسلم فهو مسلم.
قال ابن المواز وقال أشهب: بل هو مسلم، وكذلك إن التقطه مسلم في قوى أهل الشرك، وإن كان في كنيسة، كما أجعله حراً.
قال ابن المواز: يريد إن كان في أرض الإسلام ومن حكمهم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1074
ومن تضمين الصناع: قال ومن التقط لقيطاً فكابره عليه رجل فنزعه منه فرعفه إلى الإمام؛ نظر الإمام فأيهما أقوى على مئونته وكفايته، وكان مأموناً فدفعه إليه.
قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً فإن لم يجد الإمام من يحتسب فيه، أنفق عليه من بيت المال، ولا يتبع اللقيط بشيء مما أنفق عليه، وكذلك اليتامى الذين لا مال لهم.
وفي كتاب ابن المواز: من التقط لقيطاً لزمته نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه.
قال ابن القاسم فإن استلحقه أحد ببينة أو بغيرها؛ فليرجع عليه بما أنفق إن تعمد طرحه وكان يومئذ مليئاً، وإن طرحه غيره فلا شيء على الأب.
وقال أشهب: لا شيء على الأب بكل حال؛ لأن هذا أنفق حسبةً، وكذلك من أنفق على يتامى يرى أنه لا مال لهم، ثم تبين لهم مال، فلا يتبعهم؛ لأنه أنفق حسبة.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وحدثني الثقة عنده عن ابن المسيب بأن عمر بن الخطاب أبى أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في أرض العرب.
وقال مالك: وذلك الأمر المجتمع عليه عندنا.
م: واختلف الناس فيما معنى قول عمر هذا:
فذهب أكثرهم وجمهورهم: أنه لا يورثهم بقولهم، فأما إذا قامت البينة العادلة على تحقيق نسبهم؛ فإنهم يتوارثون بذلك، فلا فرق بين ولادة الشرك إذا ثبتت وبين ولادة الإسلام.
الجزء: 8 - الصفحة: 1075
وذهب [ابن حبيب عن بعض] شيوخه إن معنى قول عمر: أن لا يتوارث بولادة الشرك، وإن ثبتت بالبينة العادلة، قال: ولو كان ثابت بالبينة لما كان بين ولادة الإسلام والشرك فرق.
والدليل للقول الأول: قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ فلم يخص ولادة من ولادة، وقد أجمع المسلمون على إيجاب التوارث بين أصحاب [رسول الله -صلى الله عليه وسلم-] بالولادة التي كانت قبل الإسلام، وهي ولادة في الشرك، إذ كانت أنسابهم معروفة مشهورة ثابتة، فدل أن من قلناه أولى، وبالله التوفيق.
[قال ابن حبيب: وهذا الاختلاف في العدد القليل، وأما في الكثير كالعشرين ونحوهم يسلمون أو يفتتحون في قرية أو حصن ثم يقرون في مكانهم فيسلمون؛ فهم يتوارثون بأنسابهم وولادتهم، وإن لم يعرف ذلك إلا بإقرار بعضهم لبعض، لا أعلم فيه اختلافاً.
م: فهذا من قوله يرد قوله في العدد القليل؛ أنهم لا يتوارثون وإن شهد بذلك بينة مسلمون؛ لأنه احتج بظاهر الحديث، فيدخل ذلك عليه في القليل والكثير، وإن احتج:
الجزء: 8 - الصفحة: 1076
أن العدد الكثير لا يتواطئون على الكذب، فيلزمه في شهادة البينة العادلة من المسلمين، أرأيت لو شهد ذلك عشرون من المسلمين أترد شهادتهم وتجيز شهادة الذين أسلموا؟ فهذا تناقض بين، وخطأ من القول وبالله التوفيق].
قال ابن شهاب وقد قضى بذلك عمر وعثمان.
قال مالك في الحملاء إذ أعتقوا، أو ادعى بعضهم أنهم إخوة بعض أو عصبته، فأما الذين أسروا أهل بيت أو نفر يسير، تحملوا إلى الإسلام فيسلمون؛ فلا يتوارثون بقولهم، كما فعل عمر، ولا تقبل شهادة بعضهم لبعض؛ [إلا أن يشهد من كان ببلدهم من المسلمين، وأما إن تحمل أهل حصن، أو عدد كبير فأسلموا؛ فإنه تقبل شهادة بعضهم لبعض] ويتوارثون بتلك الولادة.
قال ابن القاسم في المستخرجة: والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون.
[قال أبو إسحاق: وفي هذا الكلام نظرٌ؛ لأنه إذا كانوا عدولاً فالأشبه أن تحوز شهادة رجلين، وإن شهد الرجلان المشهود لهما للشاهدين؛ لأن ذلك حقوق مختلفة، كما أجيز شهادة المسلوبين؛ بعضهم لبعض على من سلبهم، وأهل المركب؛ بعضهم لبعض في عقد الكراء، وإنما الذي لا يجوز: أن أشهد لنفسي ولغيري في حق واحد، وأما إذا شهد رجلان لرجلين في ذكر حقٍ، ثم شهد المشهود لهما للشاهدين في حق آخر على ذلك الرجل بعينه، فلا يضر ذلك، وإن كان ابن القاسم إنما أراد العشرين يقع بهم العلم الضروري، فتخلص إلى السامع العلم بصدق ما قالوه، فلا يحتاج كان إلى عدالتهم، ولا إلى كونهم مسلمين؛ لأن العلم الضروري لا يختص بعدول يخبرونه، ولا مسلمين، ولم يذكر أن بعضهم
الجزء: 8 - الصفحة: 1077
ادعى /أن فلاناً ابنه، وقد كان يجب أن يلحق النسب بالدعوى إذ النسب لا يتهم عليه، وإن الاستلحاق فيه جائز.
وفي كتاب محمد: إن المحمول إذا ولد في بلاد الكفر وهو من غير العرب فقال له رجل: ليست لأبيك؛ إنه لا يحد حتى تكون ولادة أبي أبيه في بلاد الإسلام؛ فعلى هذا يلحق الأنساب في الأعاجم بالاستلحاق إذا كانت الولادة في أرض الشرك، وفي هذا نظر].
م: قال ابن حبيب: وإنما لم تقبل شهادتهم بعضهم لبعض في العدد القليل؛ لدخول حمية البادية فيهم، فاتهموا لذلك، وأما في تحامل العدد الكثير فتزول التهمة فيه؛ إذ لا يكاد أن تتواطأ الجماعة على الكذب.
م: اختلف شيوخنا في علة منع جواز شهادة العدد القليل:
فقال بعضهم: إنما ذلك إذا شهد هؤلاء لهؤلاء [وهؤلاء لهؤلاء] فأما إن شهد عدلان منهم لغيرهم؛ جازت شهادتهم في العدد القليل والكثير.
وقال غيره: لا تجوز في العدد [القليل، وإن شهد عدلان على نسب وإن لم يشهد لهم الآخرون لما ذكرنا لدخول الظنة وذلك مرتفع في العدد] الكثير.
وهذا هو الصواب.
الجزء: 8 - الصفحة: 1078
ونحوه للشيخ الفقيه -رحمه الله- أبي بكر بن عبد الرحمن.
قيل له: فهل يراع في العدد الكثير العدالة؟
قال: نعم.
قيل: وإن كانوا كالمائتين أو الألوف؟
قال: لا يراعى في مثل ذلك العدالة، إذ لا يتواطأ مثل هؤلاء على الكذب.
وفي المسألة تنازع، وهذا أثبتها.
قال ابن القاسم: وإن ولدت المتحملة توأماً؛ توارثا من قبل الأب والأم، وكذلك توأم الملاعنة، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنما يتوارثان من قبل الأم خاصة؛ لأن المغتصب والزاني لو استلحقهم لم يلحقوا به، ولو استلحقهم الملاعن؛ لحقوا به، وأما توأم المتحملة فيحمل على أنه من زوج إذا كان في شرك، وقد ألاط ما كان في الشرك، وهو زنا؛ يريد: بالقافة، وقاله مالك في العتبية.
وقال المغيرة وابن دينار في كتاب ابن سحنون: إن توأم الملاعنة والمسبية يتوارثون من قبل الأم خاصة، ووجه ذلك: إن الملاعن نفسه قد نفاه عن نفسه فهما لا يرثانه، فكذلك لا يتوارثان به، وأما توأم المسبية فحكمه حمكم توأم الزانية المتفق فيها أنهما لا يتوارثان إلا من قبل الأم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1079
م: والأول أصوب.
وروي عن مالك في توأم المغتصبة: أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم.
قال أحمد بن نصر: هذا خطأ ولا يتوارثان من قبل الأب لأنه زنا.
م: وتحصيل ذلك أنه لم يختلف في توأم الزانية أنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة، واختلف في توأم الملاعنة والمسبية والمغتصبة.
م: والصواب أن توأم المحتملة والملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وتوأم المغتصبة والزانية من قبل الأم خاصة، وهو قول ابن القاسم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1080
في لحاق النسب بالقافية وذكر ميراث المستلحق بهم
روي أن الرسول -عليه السلام- قال لعائشة: ألم تري أن مجززاً نظر إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض، فسُّر بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- ولم يكن ليُسَر بالباطل، وقضى عمر -رضي الله عنه- وغيره بقول القافة.
قال مالك: وإنما القافة في ولدٍ من وطء مالكين، ولا لعان في وطء رق، وإما اللعان بين الأزواج، وإذا كان الولد من وطء زوجين؛ فالولد للأول إلا أن تنكح بعد حيضة؛ فهو للآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانت الأمة بين حرين أو عبدين أو أحدهما عبد أو ذمي والآخر حر مسلم فوطأها في طهر واحد فأتت بولد.
م: يريد: لستة أشهر فأكثر، يريد: من يوم وطء الثاني فادعياه جميعاً دُعي له القافة، فمن ألحقوه به كان بسبيله، مسلماً كان أن نصرانياً أو عبداً، وإن أشركوهما فيه؛ وإلى إذا كبر أيهما شاء، فإن والى الذمي لحق به، ولم يكن الولد إلا مسلماً لاشتراكهما فيه، وكذلك قال عمر: يوالي أيهما شاء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1081
ومن العتبية قال سحنون وقال غير ابن القاسم: إذا بلغ يبقى ابناً لهما، ولا يوالي واحداً منهما دون الآخر، ولا يزول النسب بشوة الولد، ويكون له من كل واحد نصف بنوة، وكذلك الجواب على قول ابن القاسم إن قال الولد: لا أوالي واحداً منهما، أو قال: أولهما جميعاً.
ابن حبيب وقال مطرف: إذا أشركوهما فيه قيل للقافة: ألحقوه بأنصحهما شيبهاً، ولا يترك وموالاة من أحب، وقاله ابن نافع وابن الماجشون.
قال مالك: والقائف الواحد يجزئ إذا كان عدلاً ولم يوجد غيره، وقد أجازه عمر -رضي الله عنه-.
وروى عنه أشهب: أنه لا يجزئ إلا قائفين في الشهادة؛ ولأن الناس قد دُخلوا.
م: وإذا لم توجد القافة أصلاً بعد الاجتهاد في طلبها؛ فإن الولد يترك إلى بلوغه فيوالي من شاء منهما، كما لو قالت القافة: اشتركا فيه، وليس هو لواحد منهما، وقاله بعض علمائنا، وهو اولى من قول من قال: إنه يبقى موقوفاً حتى توجد القافة.
وسئل الفقيه أبو عمران -رحمه الله-: لم خصت القافة في الإماء دون الحرائر في المشهور من قول مالك؟
قال: لأن القافة إنما يحكم بها من تساوي الفراشين، وهذا إنما يوجد في الإماء، لأن الأمة قد تكون بين جماعة فيطؤونها في طهر واحد فقد تساووا في الوطء والملك، وكذلك ما
الجزء: 8 - الصفحة: 1082
حكم فيه عمر بالقافة في وطء الزنا في الجاهلية لتساوي الوطأين في الزنا، وليس أحدهما أقوى من الآخر، وكذلك الأمة باعها رجل من رجل وقد وطأها البائع والمبتاع في طهر واحد؛ لأنهما استويا في الوطء والملك، والحرة لا تكون زوجاً لاثنين في حال واحدة، فلا يصح فيها فراشان متساويان؛ لأنه إن نعي لها زوجها الأول فتزوجت غيره، فليس تقصير الثاني في البحث بما بثبته زوجاً، وكذلك إن كانت في عدة فتزوجت، والثاني غير عالم فتركه الباحث ليس مما يقدح في فراش الأول؛ فلذلك كان الفراش الأول أولى.
ووجه آخر: أن ولد الحرة لا ينفي إلا بلعان، وولد الأمة ينفى بغير لعان، والنفي بالقافة إنما هو ضرب من الاجتهاد فلا ينقل ولد الحرة عن اليقين بالاجتهاد، ولما جاز نفي ولد الأمة بمجرد الدعوى، جاز نفيه بالقافة.
وأما مال روي عن مالك: أن القافة في الحرائر كالإماء؛ فإنما ذلك لصحة علمهم، فوجب استواء الحرائر فيه والإماء.
م: وهذا أقيس، والأول أحوط.
قال سحنون: إذا قالت القافة: ليس لواحد منهما؛ دعي له أيضاً آخرون ثم آخرون وهكذا أبداً؛ لأن القافة إنما دعيت لتلحق لا لتنفي.
قال ابن القاسم في العتبية: وإذا قالت القافة: اشتركا فيه؛ عتقت عليهما الأمة مكانها، ولا يحل لأحدهما وطؤها بملك اليمين، فإذا بلغ الصبي وإلى من شاء منهما فألحق به.
الجزء: 8 - الصفحة: 1083
ومن المدونة قال ابن القاسم: فإن مات الولد قبل الموالاة عن مال وُهب له، أو ورثه؛ فهو بين الأبوين نصفين؛ كانا حرين أو عبدين، أو أحدهما عبداً أو ذمياً والآخر حراً مسلماً، كما تداعياه.
قال في العتبية: وإن مات الأبوان قبل بلوغه وقف له قدر ميراثه منهما حتى يبلغ فيوالي من شاء منهما ويرثه وينتسب إليه ويرد ما وقف للآخر.
قال ابن حبيب عن الماجشون: يبقى لا أب له وتعتق عليهما الأمة، قلت: ولما ورثتهما منه ولم تورثه منهما؟ قال: إنما قسمت ماله بينهما؛ لأنه مال ادعاه رجلان فلم أجد بداً من ذلك، وهذا لا يكون في موتهما.
وقال أصبغ: يرث من كل واحد منهما نصف ميراث ولد.
قال ابن حبيب: وهذا توريث بالشك.
وبقول ابن الماجشون أقول.
قال ابن القاسم في العتبية: ولو كان إنما مات أحدهما فإنه يوقف للصبي ميراثه منه حتى يبلغ فإن والى الميت ورثه وإن والى الحر رد ما وقف له وإن مات الصبي بعد موت أحدهما وميراثه من الأول موقوف قال: فميراث الصبي للأب الباقي وليس ذلك للأب الميت ولا لورثته شيء ويرد ما وقف للصبي من ميراث الأول إلى ورثته ولو أدخلت الأب الباقي فيما يورث عن الأول لأدخلت ورثة الأول في ميراث الصبي، وهذا
الجزء: 8 - الصفحة: 1084
لا يكون بل ميراث الصبي للأب الباقي كله، وقاله محمد بن عبد الحكم.
وقال سحنون: الباقي يرث نصف ما ترك الصبي ونصف ما ورث الصبي من الأول فالذي يصح من الأول للصبي نصف وما وقف له، وإن كان للأول عصبة ورثوا مع الباقي من الأبوين ما ترك الصبي.
قال سحنون: وإذا وقف له ميراثه من الأول ثم مات الثاني فوقف له ميراثه منه أيضاً ثم مات الصبي قبل الموالاة؛ فإن نصف ميراثه من كل أب موروث من قبل أبويه جميعاً لكل فريق نصف ميراثه يقتسمونه على الفرائض.
وقال ابن القاسم في العتبية إذا مات الصبي بعدهما رد ما كان أوقف له من ميراثهما إلى ورثتهما دونه، ولا يرث هو منهما شيئاً وميراث الصبي يكون لمن يرث الصبي من الأبوين جميعاً لأقعد الناس به منهما نصف لكل فريق منهما على قدر قعددهم بالصبي.
قيل لعيسى ابن دينار: فمن ينفق على هذا الصبي إلى أن يبلغ حد الموالاة؟ قال: الشريكان، فإن بلغ فوالى أحدهما فلا يرجع عليه الذي لم يواله بشيء مما أنفق.
وقال أصبغ: أما المشتري فالنفقة عليه حتى يبلغ، فإن والاه فذلك، وإن والى البائع رجع عليه بالنفقة.
وقال محمد بن عبد الحكم: ينفق عليه الشريكان، وإذا مات أحدهما أنفق على الصبي مما أوقف له من ميراثه منه نصف نفقته ونصفها على الحي منهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 1085
وقال أصبغ لا ينفق عليه منه؛ لأنه إنما يأخذه بعد الموالاة، وقاله أبو زيد.
قال ابن القاسم: فإذا ماتا قبله فأوقف له ميراثه منهما فوالاهما جميعاً فليأخذ النصف من كل واحد وتأخذ عصبة كل واحد النصف الآخر وهو كابن تام في حجب الكلالة به.
وذهب ابن الماجشون في الواضحة: إنه إذا مات قبل الموالاة عن مالك فهو بين الأبوين نصفين، وإن ماتا قبله بقي لا أب له ولم يرثهما.
قيل: ولم ورثتهما منه ولم تورثه منهما؟
قال: إنما قسمت تركته بينهما؛ لأنه كمال تداعياه رجلان فلم أجد بداً من ذلك، وهذا لا يكون في موتهما.
قال سحنون: ولو مات الصبي وترك ولداً قبل أن يوالي أحد الأبوين وهما حيان بعد فلولده أن يوالي من شاء من الجدين، ولو ترك ولدين فليواليا جميعاً واحداً من الجدين ولا يوالي هذا واحداً وهذا واحداً، كما لم يكن ذلك لأيهما أن يواليهما جميعاً.
ومن قول ابن القاسم: إن له أن يواليهما جميعاً، وكذلك لو وضعت من وطئهما توأماً فليواليا من أحبا ولكل واحد من الوالدين أن يوالي من شاء من الأبوين.
قال سحنون: وإذا وضعت ولدين في بطن فقالت القافة: هذا ابن هذا وهذا ابن هذا فإن كان الأول ملياً؛ قومت عليه وهي له أم ولد ويغرم نصف قيمتها يوم حملت ويرجع على الثاني بقيمة ولده ولد أم ولد، وإن كان الأول عديماً رجع عليه الثاني بنصف قيمة ولده ولا يرجع هو على الثاني بشي، قال وقد قيل: يرجع عليه، قال: وتعتق عليهما الأمة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1086
فصل
ومن العتبية قال سحنون في أمة بين حر وعبد وطأها في طهر فحملت فإنه يدعى للولد القافة فإن ألحق بالعبد فالحر مخير إن شاء ضمن العبد قيمة نصيبه يوم وطأها وإن شاء تماسك به؛ لأنها لا تخرج من رق إلى عتق، كما لو كانت بين حرين فوطأها أحدهما فلم تحمل أن لشريكه أن يتماسك بنصيبه.
قيل: فهل يكون له نصف ولد العبد رقيقاً؟
قال: نعم، قال: فإن أحب الشريك أن يقومها عليه وهو معسر ويتبع جميعها في نصف قيمتها يوم وطأها ليس يوم أولدها إنما يغرم قيمتها في الوجهين كان له مال أو لم يكن.
قال: ولا يباع الولد معها إن لم يف ما بيعت به اليوم بنصف قيمتها يوم وطأها؛ لأن الولد ليس بمال للعبد ويتبع ببقية القيمة في ذمته وليست بجناية فتكون في رقبته؛ لأنه كان مأذوناً له في ذلك.
قال يحيى بن عمر قال ابن عبد الحكم: ويقع في قلبي أنها جناية.
وفي كتاب ابن سحنون: أنها جناية.
قال في العتبية: وإن ألحقته القافة بهما أعتق الصبي على الحر؛ لأنه أعتق عليه نصف ابنه، ويقوم عليه نصف العبد منه ويغرم ذلك لسيد العبد ويقوم عليه أيضاً نصيب العبد من الأمة فيصير له نصفها رقيق ونصفها لحساب أم الولد، فإن أولدها بعد ملكه جميعاً صارت كلها أم ولد له.
الجزء: 8 - الصفحة: 1087
قال: فإذا بلغ الصبي وإلى أيهما شاء؛ فيكون ابناً له، فإن والى العبد لم يكن إلا حراً، فإن أعتق العبد بوماً ما ورثه.
وقال أصبغ: إذا قالت القافة: اشتركا فيه فنصيب الحر من الأمة عتيق ونصيب العبد مقام أم ولد يوقف بيده لا يطؤها ولا يبيعها لا بإذن سيده وتباع لغرمائه في دينه، فإن كبر الصبي ووالى الحر لحق به وغرم نصف قيمته لسيد العبد، وإن والى العبد لحق به وبقي نصفه رقيقاً لسيد العبد، ونصفه حر، ولا يقوم على الحر إذ ليس بعتق ابتدأه وإنما هو حكم لزمه كما لو ورث نصفه.
[قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر؛ لأن العتق ليس من سبب الأب الذي يقوم عليه فإن كان من سببه فتمادى آخر تقويمه حتى يواليه].
قال في كتاب ابن سحنون: وإذا كان أحدهما مسلماً والآخر كافراً، وألحقت القافة الولد بالمسلم لحق به وكانت الأمة أم ولد له وغرم نصف قيمتها للكافر وإن أحلقته بالكافر لحق به وكان ولده على دينه يوارثه وينتسب إليه وكانت الأمة أم ولد له وغرم نصف قيمتها للمسلم فإن كانت كافرة أقرت عنده أم ولد وإن كانت مسلمة أعتقت عليه، وإن قالت القافة: اشتركا فيه؛ فالأمة أم ولد معتقة منهما والولد موقوف حتى يبلغ فيوالي أيهما شاء؛ فإن والى المسلم فهو ولده، وإن والى الكافر فهو ولده ولا يترك على دينه بل يكون مسلماً، وإن مات الكافر قبل بلوغ الصبي وقف له قدر ميراثه منه [فإن والاه
الجزء: 8 - الصفحة: 1088
أخذه، وإن والى الآخر انتسب إليه، ورد ما وقف لورثة الكافر، وإن ماتا جميعاً قبل بلوغ الصبي وقف له قدر ميراثه منهما]، فأيهما والى أخذ ميراثه على الإسلام بكل حال، وهو استحسان وليس بقياس، وإن مات الصبي بعد موتهما وقبل البلوغ رد ما وقف من مالهما إلى ورثتهما ثم إن ترك مالاً وهب له أو ورثه كان نصفه لعصبة أبيه المسلم بعد فرض ذوي الفرض، والنصف الآخر لعصبة أبيه الكافر المسلمين، فإن لم يكن لأبيه الكافر ورثة مسلمون فذلك لبيت المال.
قال: ولو أنهم ثلاثة؛ مسلم، وعبد، ونصران، فحملت الأمة مسلمة فقالت القافة: اشتركوا فيه؛ فإنها تعتق على المسلم والنصراني ويقوم عليهما نصيب العبد، ولو كانت الأمة نصرانية أعتق جميعها على الحر المسلم وقوم نصيب العبد والنصراني عليه، وإن قالت القافة: ليس هو لواحد منهم رفع أبداً إلى غيرهم، فإن قالوا مثلهم رفع أبداً إلى آخرين، فإن ت مادى الإشكال واتفقت القافة فإن كان الآباء مقرين بالوطء في طهر فليوالي أيهم شاء وتكون أمه تبعاً له إذا وضعته لستة أشهر فأكثر من وطء آخرهم، وسواء ادعوه أو لم يدعوه.
وكذلك إن ادعاه أحدهم وأنكر من سواه فلينظر إلى مكره ويكشف عن وطئه، فإن كان فيما يصف من وطئه ما يمكن فيه الإنزال كانوا مشتركين فيه، وإن لم يمكن ذلك وكان
الجزء: 8 - الصفحة: 1089
يدعي الخلسة بالعزل من الوطء الذي أقر به فإني أستحسن أن أجعله للآخر والقياس أن يكونا سواء، إذ لعله غلب والوكاء ينفلت، وربما كان الاستحسان أولى من القياس.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كانت أمة بين رجلين فوطأها أحدهما في طهر والآخر بعده في طهر؛ فأتت بولد فهو للآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر من مسيسه، وعليه لشريكه إن كان ملياً نصف قيمتها فقط يوم الوطء، ولا صداق عليه ولا قيمة ولد في ملائه، وإن كان عديماً لزمه نصف قيمة الأمة يوم حملت مع نصف قيمة الولد، وبيع عليه نصفها في نصف قيمتها وإن كان ثمنه كفافاً لذلك تبعه بنصف قيمة الولد، وإن كان أنقص أتبعه بما نقص.
م: يريد: وإن كان فيه فضل لم يبع منها إلا ما يفي بنصف قيمتها ويكون باقيها بحساب أم ولد وأتبع بنصف قيمة الولد، والولد حرٌ لاحق النسب لا يباع منه شيء.
قال ابن المواز: إن كان وطأها مرة فيوم الحمل هو يوم الوطء، وإن وطأ مراراً فإن شاء شريكه القيمة يوم الوطء، أو يوم الحمل فذلك له.
م: وهو تفسير لما في المدونة.
ومن المدونة قال مالك: ومن وطأ أمته ثم باعها فوطأها المبتاع في ذلك الطهر فأتت
الجزء: 8 - الصفحة: 1090
بولد لأقل من ستة أشهر من يوم البيع فهو للبائع وهي أم ولد له، فإن وضعته لستة أشهر فأكثر من يوم البيع فادعياه؛ دُعي له القافة فيكون ابناً لمن ألحقته القافة به، وأمة أم ولد له، فإن أشركوها فيه والى إذا كبر أيهما شاء، وكذلك فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ونكلهم جميعاً، وقضى عند ذلك أن من ابتاع جارية قد بلغت المحيط فليتربص بها حتى تحيض.
وقال الرسول -عليه السلام-: «[من كان يؤمن بالله واليوم الآخر] فلا يغشى رجلان امرأة في طهر».
قال يحيى بن سعيد: ولو أسقطت أعتقت عليهما وقضي بالثمن عليهما وجلدا خمسين خمسين وكذلك لو ماتت قبل أن تضع فمصيبتها منهما.
قال: وبهاذ كان سلفنا يقضون وبه مضى أمر الولاة.
وقال ابن القاسم في العتبية وكتاب ابن حبيب وقال فيه مطرف وابن الماجشون: إذا ظهر بها حمل ثم ماتت قبل أن تضعه فمصيبتها من البائع طال الحمل أو لم يطل ويأخذ المبتاع ماله ويعاقب إن لم يعذر بجهل.
الجزء: 8 - الصفحة: 1091
قال في كتاب ابن حبيب ولو أقر المشتري بوطئها والبائع منكر للوطء فأوقفها السلطان فماتت قبل أن يتبين حملها أو بعد أن يتبين ولم يمض للحمل ستة أشهر فالمصيبة من البائع أقر بوطئها أو أنكر حتى إذا مضى للحمل ستة أشهر فقد لحقت المشتري ولدت أم لم تلد، ماتت أو عاشت، مات ولدها أو عاش، ولا تنظر إليه القافة إذا لم يقر البائع بوطئها في ذلك الطهر، وأما إذا وطأها في طهرها ثم ماتت قبل أن يتبين الحمل أو بعد أن تبين فهي من البائع بخلاف الأمة بين الشريكين يطآنها في طهر ثم يموت بعد بيان الحمل أو قبل، فهذه مصيبتها منهما.
قالوا في الكتابين: فإن وضعت لأقل من ستة أشهر في وطء المتبايعين في طهر واحد فهي من البائع كان سقطاً أو تاماً حياً أو ميتاً فهو ولده، وهي أم ولده.
واختلف إذا وضعته لستة اشهر إلا يوماً أو يومين؛ هل يكون للمشتري أو للبائع؟ هل ذلك افتراق أم لا؟ [وهو ولد له، وهي أم ولد له].
] وإن وضعته لستة أشهر من وطء المبتاع: قال في العتبية أو مقدار نقصانها بالأهلة فصاعداً تقارب الوطآن في ذلك أو لم يتقاربا أو وطأ هذا اليوم وهذا غداً والولد ساقطاً أو تاماً فهي من المبتاع والولد له وهي أم ولد له، ولا قافة في الأموات، ولو كان حياً دُعي له القافة فمن أُلحق به فهو ولده وأمه أم ولد له].
الجزء: 8 - الصفحة: 1092
[قال أبو إسحاق: والأشبه أن يكون ضمانها من البائع ولو وضعته لستة أشهر؛ لأنها لا تنتقل عن ضمان البائع إلا بيقين فليس وضعها لتمام ستة أشهر فالذي تحقق أن الحبل من المشتري، والأشبه أن اليوم واليومين في الستة أشهر ليس افتراق، ألا ترى أن لو تزوج رجل امرأة فجاءت بولد بعد دخوله بها لستة أشهر إلا يوم أو يومين أكانت تحد؟ والأشهر قد ينقص هذا القدر أو أكثر منه وقد جعل أقل الحمل ستة أشهر؛ لقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا﴾ فأزيل من ذلك حولان كاملان للرضاة وبقيت ستة أشهر للحمل فإذا كان الحمل ستة أشهر وجب أن يدخل في ذلك نقص الشهور كاليومين والثلاثة، كما أن الرضاع إذا كان حولين كاملين كان ما قارب الحولين في حكم الحولين في التحريم].
وقال سحنون: إن مات بعد أن وضعته حياً دُعي له القافة.
قال في كتاب ابنه في الأمة في وطء الشريكين أو المتبايعين يظهر بها حمل ثم تموت قبل الوضع فضمانها منهما، ماتت قبل تمام ستة أشهر من يوم وطء الثاني أو بعد، إلا أنه إنما يضمن المشتري في البيع الأكثر من نصف قيمتها يوم وطأها أو نصف الثمن، ولو أسقطت قبل تمام سنة أشهر أو بعد؛ أعتقت عليهما ويضمن المشتري الأكثر مما ذكرنا، ولو وضعته حياً بعد ستة أشهر من وطء الثاني ثم مات قبل أن يدعى له القافة فليدعى له القافة ميتاً إذ لا يغير الموت شخصه، فإن مات أعتقت الأمة عليهما وغرم المشتري الأكثر مما ذكرنا، ولو لم يمت الولد ومات أحد الأبوين قبل نظر القافة فلينظروه مع الثاني فإن ألحقوه به لحق به
الجزء: 8 - الصفحة: 1093
فإن كان مشترياً فعليه الأكثر كما ذكرنا.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون وإن لم يلحقوه به لم يلحق به ولا بالميت إذ لو كان الميت حياً فلعل القافة تنفيه عنه، وتقول: ليس بابن لواحد منهما.
قال: توقف الأمة بحال أم ولد، فإذا مات الثاني أعتقت، وخالفه ابن حبيب وقال: بل يلحق بالميت إذا برئ منه الحي؛ لأن الميت أقر بالوطء فلولا وطء الثاني؛ لحق به من غير قافة.
قال ابن حبيب وتعتق الأمة بموت الأول على أنها أم ولد وقاله أصبغ.
قال سحنون: وإن قالت القافة بعد موت أحدهما: للحي فيه شرك؛ فإن له من الحي نصف الأبوة ويرث نصف ميراثه إن مات قبل أن يبلغ الولد فيواليه فإن بلغ وهذا الأب حي فوالاه كان ابنه وكان له ميراث هذا الأب كله ولا يرث من الميت الأول شيئاً لأن القافة لا تلحق بأبٍ ميت.
الجزء: 8 - الصفحة: 1094
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكان المشتري إنما وطأها بعد أن استبرأها بحيضة لحق الولد بالمبتاع إن ولدته لستة أشهر فصاعداً من يوم وطئها وإن ولدته لأقل من ذلك لم يلحق بالمبتاع وإن ادعاه لأنه قد بان كذبه ولا يحد ويلحق بالبائع إلا أن يدعي استبراء وقد تقدم هذا.
قال: وإنما القافه في الأمة يطؤها بالملك كما ذكرنا.
قال مالك: ولا قافة في الحرائر.
قال سحنون وروى عنه علي: أن القافة في الحرائر مثل الإماء,
ومن المدونة قال وإذا تزوجت المطلقة قبل حيضة فأتت بولد لحق بالأول؛ لأن الولد للفراش والثاني لا فراش له إلا فراش فاسد وإن تزوجت بعد حيضة ودخل بها لحق الولد بالآخر إن وضعته لستة أشهر فأكثر.
قال مالك وإنما لاط عمر -رضي الله عنه- في الحرائر بالقافة أولاد الجاهلية بآبائهم من الزنا.
يريد: حين أسلموا، واحتج به مالك في المرأة تأتي حاملاً من العدو فتسلم وتلد توأماً أنهما يتوارثان من قبل الأب والأم.
قيل لابن القاسم: فلو أسلم قوم من الحربيين أتليط بهم أبناءهم من الزنا بالقافة؟
الجزء: 8 - الصفحة: 1095
قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً ولكن وجه ما جاء عن عمر -رضي الله عنه- أن لو أسلم أهل دار من أهل الحرب كان ينبغي أن يصنع بهم ذلك؛ لأن عمر فعله، وهو رأي ابن حبيب.
وقال ابن الماجشون: لا يؤخذ بقولهم فيما كان من ولادة الجاهلية والنصرانية.
وروي مثله عن أشهب.
في الأمة والمدبرة والمكاتبة والمعتقة إلى أجل بين الشريكين
يطؤها أحدهما أو كلاهما فتحمل أم لا
قال مالك: وإذا وطأ أحد الشريكين أمة بينهما فلم تحمل فشريكه مخير في التماسك بنصيب أو إتباع الواطئ بنصف قيمتها.
قال ابن القاسم يوم وطأها وإنما قومت عليه يوم الوطء؛ لأنه كان ضامناً لها لو ماتت بعد وطئه حملت أو لم تحمل.
قال مالك: ولا حد على الواطئ ولا عقد عليه وكذلك إن تماسك بها فلا صداق لها ولا ما نقصها؛ لأن القيمة وجبت له فتركها وتمسك بنصيبه ناقصاً.
قال أبو إسحاق: وقيل له ما نقص.
قال مالك: وإن حملت قوِّمت على الواطئ يوم حملت إن كان مليا.
يريد: لأنه أفاتها بالحمل لما أدخل فيها من العتق.
الجزء: 8 - الصفحة: 1096
قال ابن المواز: فإن شاء قوَّمها عليه يوم الوطء، أو يوم الحمل، إلا أن يكون إنما وطأها مرة واحدة، فيوم الوطء هو يوم الحمل.
ومن المدونة قال مالك، ولا تماسك لشريكه إذا كان الواطئ مليا، ويلحق الولد بأبيه وهي به أم ولد.
قال ابن القاسم: وإن كان الواطئ عديماً فقد بلغني أن مالكاً قال قديماً: تكون له أم ولد ويتبع بنصف قيمتها ولا قيمة عليه في الولد، وآخر قوليه -وبه آخذ- أن يقوم عليه نصفها يوم حملت ويباع عليه نصفها بعد الوضع فيما يلزمه من نصف قيمتها فيكون رقيقاً لمن اشتراه وما نقص من ذلك أتبعه مع نصف قيمة الولد.
محمد ابن المواز يوم وضعت.
وقال سحنون: لا شيء له من قيمة الولد إذا اختار قيمتها؛ لأن الولد جاء بعد أن ضمّنه القيمة.
قال ابن القاسم: ولا يباع من الولد شيء وهو حر ثابت النسب وإن شاء تمسك بنصيبه وأتبعه بنصف قيمة الولد.
ابن المواز: لأن نصيب الأب منه حر مكانه فيستتم على أبيه ما بقي منه بقيمته يوم وضعته ويتبع به.
قال: واختلف قوله هل يتبعه بنصف ما نقصتها الولادة؟
فقال مرة: لا يتبعه بشيء؛ لأن القيمة وجبت له فتركها وتمسك بنصيبه، وقال أيضاً:
الجزء: 8 - الصفحة: 1097
إن يتبعه بما نقص من ثمنها إن هو باع مصابته بأقل مما كانت تسوى بسبب ما نقصها.
قال ابن المواز: وهذا عندنا أصوب، وليس بسبب ما منعه بيع حملها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ويعتق عليه نصف الأمة الذي بقي في يديه إذ لا منفعة له فيه وقد قال مالك فيمن أولد أمته فإذا هي أخت رضاة: أن الولد يلحق به ويدرأ عنه الحد وتعتق عليه؛ لأن وطأها قد حرم عليه ولا خدمة له فيها.
ابن المواز وروى أيضاً أصبغ عن ابن القاسم: أن نصيب الوطء لا يعتق عليه وتوقف لعله يملك باقيها فيحل له وطؤها.
قال ابن المواز وهو أصوب.
ومن المدونة وقال غيره: إذا وطأ أحد الشريكين أمة بينهما فولدت فلا حد عليه ويعاقب إن لم يعذر بجهل وتقوم عليه إن كان مليا وإن كان عديماً خير شريكه بين أن يتماسك بنصيبه منها ويتبع الواطئ بنصف قيمة الولد ديناً أو يضمنه ويتبعه في ذمته وليس هو كعديم أعتق حصته من عبد فأراد شريكه أن يضمِّنه فليس ذلك له؛ لأنه إنما أعتق نصيبه فقط وفي الوطء وطأ حظه وحظ شريكه فإن تماسك بنصيبه بقي نصيب الواطئ بحال أم ولد ولا يعتق عليه إذ لعله يملك باقيه فيحل له وطؤها إلا أن يعتق المتمسك بالرق نصيبه فيعتق على الواطئ نصيبه إذ لا يطؤها بملك أبداً، وإذا تماسك الشريك
الجزء: 8 - الصفحة: 1098
بنصيبه وترك تضمين الواطئ لعدمه ثم أراد التقويم عليه بعد يسره أو شاء ذلك الواطئ وأباه المتمسك لم يلزم منهما ولو أطاعا بذلك لم تكن للواطئ كلها فحمل أم ولد للرق الذي يرد فيها إلا أن يولدها ثانية.
قال سحنون: والاختلاف بين أصحابنا في هذه المسألة كثير، وهذا أحسن ما سمعت من ذلك.
قال ابن المواز: ولو كان الواطئ أبا أحد الشريكين فهو كالشريك نفسه في جميع ما وصفت لك غير أن ابنه يتبعه بقيمة مصابته مع ما يتبعه الشريك من نصف قيمة الولد ونصف ما نقصتها الولادة إذا كان معدماً.
قال ابن المواز: وإذا أعتق أحد الشريكين في الأمة حصته وهو موسر فلم تقوم عليه حتى أحبلها الثاني، قال: تكون حرة كلها ساعة حملت والولد لاحق بأبيه بلا قيمة عليه فيه وهذا أعجب إلينا من قول من قال: إنها تقوم على المعتق الأول ويغرم له هذا نصف ما نقصها ونصف قيمة الولد وهذا وهم.
قال ابن المواز: ويكون ولاء الولد لأبيه، وقد وهم بعض أئمتنا فقال: يكون نصف ولاء الولد لمعتق نصف الأم، كما له نصف ولاء الأم فاحتججت على من روى ذلك عته، فقلت له: أرأيت لو كانت كلها لمعتق نصفها فأعتق جميعها ثم حملت من غيره بنكاح أيكون لمعتقها من ولاء ولدها شيء؟ قال: لا، فقلت له: هذا يبين لك الوهم؛ فرجع عن ذلك، وبان له الغلط.
ابن المواز وقال ابن القاسم في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتحمل ثم تضع في عدمه فيلزم نصف قيمة الولد يوم وضعته ونصف ما نقصها وبقي نصفها بحساب أم
الجزء: 8 - الصفحة: 1099
ولد فوطأها الثاني فأحبلها فإنها تعتق مكانها حين حملت ولا تبع الثاني في الولد بشيء وإن كان مليا والحكم على الأول كما هو.
ابن المواز وقيل إن لم يكن نظر في أمر الثاني حتى وضعت فإنه يكون على الثاني غرم نصف قيمة ولده أيضاً موسراً كان أو معسراً.
ابن المواز: وهذا غلط، وبقول ابن القاسم أقول: أن ليس على الثاني من نصف قيمة ولده شيء وإن لم يكن نظر في أمرها إلا بعد الوضع لأن الأمة حرة باستقرار النطفة في رحمها.
وقال عبد الملك: إذا حكم على الأول ثم أحبلها الثاني كان عليه قيمة الولد على أنه ولد أم الولد على الرجاء والخوف.
م: أراه يريد: نصف قيمة الولد على أنه ولد أم الولد لأن نصفها للأول بحساب أم ولد ونصفها للثاني رقيق فإذا أحبلها الثاني فإنما يغرم له في الولد على قدر حصته من الأم على هذا القول.
قال ابن المواز: فلم يعجبنا هذا لأنها بثبوت النطفة في رحمها حرة فلم يجب في الولد يوم الوضع للأول شيء.
قال ابن المواز: وإذا لم ينظر في أمر الأول الذي أولدها حتى أولدها الثاني عتقت عليهما ولا شيء على الأول ولا على الثاني من قيمة ولد ولا غيره ولا يكشف الأول عن عسر ولا يسر؛ لأن الأول يقول: قوّموا عليّ مصابة صاحبي يوم وطئت حتى لا يلزمني
الجزء: 8 - الصفحة: 1100
للولد قيمة شيء فلا يقدر على ذلك لفوتها بحمل الثاني فتكون حرة منهما ولا قيمة ولد على واحد منهما وغير هذا لا يعجبني.
قال ابن القاسم في العتبية وهو في ك تاب ابن سحنون: إذا ولدت من الأول ثم وطأها الثاني فأولدها فإن كان الأول مليا غرم نصف قيمتها فقط وكانت له أم ولد ونُكلا والثاني أشدهما نكالاً، ودرئ عنه الحد للشبهة ولحق به ولده.
قال سحنون في كتاب ابنه: وعليه للأول نصف قيمة الولد على أنه ولد أم ولد يقاص بذلك الأول فيما لزمه من نصف قيمة الأمة.
م: والصواب: أن يكون على الثاني قيمة الولد كاملة على أنه ولد أم ولد؛ لأن [الأول قد لزمته نصف قيمة الولد يوم] أحبلها، فإنما وطأ هذا الثاني أم ولد الأول فدرأنا عنه الحد للشبهة، [وألزمناه لقيمة ولده ولد أم ولد فانظر] الأصل.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن لم يكن للأول مال لم يقوَّم على واحد منهما، ويعتق عليهما [ويلحق بهما أولادهما ونُكِّلا].
الجزء: 8 - الصفحة: 1101
قال سحنون في كتاب ابنه: ويكون للثاني على الأول نصف قيمة الولد على أنه رقيق ولا شيء على الثاني من قيمة ولده.
وقال أيضاً: للأول على الثاني نصف قيمة ولده على أنه ولد أم ولده.
قال سحنون في العتبية وكتاب ابن سحنون: ولو كانت الأمة بين ثلاثة نفر وطأها أحدهم فولدت منه، ثم وطأها الثاني وهو يعلم فولدت منه، [ثم وطأها الثالث وهو لا يعلم فولدت منه]، قال: فقد ضمنها الأول؛ وهي له أم ولد، وعليه لشريكيه ثلثا قيمتها يوم وطأ، وعلى كل واحد من الشريكين للأول قيمة ولده ولد أم ولد فيتقاصا هو وهما فيما لكل واحد على الآخر ويترادون الفضل، فإن كان الأول عديماً عتق نصيبه، وعليه ثلثا قيمة ولده رقاً لشريكيه، وعلى الثاني في ولده ثلث قيمة ولده رقاً للثالث، ولا شيء عليه للأول؛ لأن نصيبه من الأمة يوم وطأ الثاني حر، ويعتق نصيب الثاني والثالث عليهما، ولا شيء على الثالث في قيمة ولده للأول.
م: يريد على أحد قوليه وهو كقول ابن المواز وهو الصواب لأن باستقرار نطفة الثاني في رحمها أعتق نصيب الأول ولا قيمة له في ولدها من الثاني وعلى قوله الثاني وهو قول عبد الملك يكون للأول على الثاني ثلث قيمة ولده على أنه ولد أم ولد، وعليه للثالث ثلث قيمة ولده على أنه رقيق، وعلى الثالث للأول وللثاني ثلث قيمة ولده؛ لكل واحد منهما على أنه ولد أم الولد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1102
قال سحنون: ولو لم يطأ الثالث؛ فإن كان الأول ملياً: غرم لشريكيه ثلثي قيمتها يوم الوطء، وأخذ من الثاني قيمة ولده ولد أم ولد، وفيها قول آخر وهذا أعدل.
قال في كتاب ابنه: وإن كان الأول عديماً؛ أعتق نصيبه ونصيب الثاني، وعلى الأول ثلثا قيمة ولده عبداً لشريكيه، وعلى الثاني ثلث قيمة ولده للثالث الذي لم يطأ، وبقي ثلثها الثالث رقيقاً، وإن شاء ضمن الأول ثلث قيمة الأمة [ويبقى ثلثها للثالث] وأتبعه بذلك فإن ضمنه عتق ثلثا الأمة على الأول وعتق نصيب الثاني عليه بالولد، وغرم الثاني للأول ثلث قيمة ولده ولد أم ولد من سبب هذا الثالث الذي قوم عليه.
م: أراه يريد: وعلى الأول للثاني ثلث قيمة ولده رقيق فيتقاصّان ويترادان الفضل وليس للثلث أن يقوم على الثاني في عدم الأول إذ لم يبتد فساداً وفيها غير هذا تركته خيفة التطويل.
فصل
ومن كتاب المدبر قال مالك: وإذا كانت مدبرة بين رجلين، وطأها أحدهما، فحملت؛ فإنها تقوم عليه، وتصير أم ولد إذ ذلك آكد لها.
سحنون وقاله جميع الرواة.
قال غيره: وإن كان الواطئ معسراً خير شريكه بين أتباعه بنصف قيمتها وتصير له أم ولد ويتماسك بحصته ويتبعه بنصف قيمة الولد يوم استهلاله ثم لا يقوم عليه إن أيسر
الجزء: 8 - الصفحة: 1103
فإن مات الواطئ أعتق عليه نصيبه من راس ماله لأنه بحساب أم ولد وبقي نصيب المتمسك مدبراً وإن مات الذي لم يطأ وقد كان تمسك بنصيبه وعليه دين يرد التدبير يبعث حصته للدين فإن ابتاعها الواطئ ليسر حدث له حل له وطؤها فإن مات فنصفها عتيق من رأس المال والنصف الذي اشترى رفيق لورثته.
ومن كتاب ابن سحنون: ولو أنن مدبرة بين ثلاثة وطئوها واحداً بعد واحد فأولدها كل واحد منهم ولداً فإن كان الأول ملياً فعليه لشريكه ثلثا قيمتها أمة وتكون أم ولد له ويرجع على شريكيه بقيمة ولده ولد أم ولد ويترادان الفضل، وإن كان عديماً أعتق عليه نصيبه وغرم لشريكه ثلثي قيمة ولده ولد ويترادان الفضل، وإن كان عديماً أعتق عليه نصيبه وغرم لشريكه ثلثي قيمة ولده ولد مدبرة على الرجاء أن يعتق أو يرق ويعتق على الثاني نصيبه وعليه للثالث ثلث قيمة ولده ويعتق نصيب الثالث ولا شيء عليه في ولده لها وفيها قول آخر تركته ولو كان الثالث لم يطأ قوِّمت على الأول في ملائه وتكون له أم ولد ويغرم ثلثي قيمتها لشريكه وعلى الثاني للأول قيمة ولده ولد أم ولد، وإن كان عديماً؛ أعتق نصيبه، وللثالث إن شاء أن يقوم عليه ويبيعه، فإن فعل أعتق ثلثاها على الأول، وكان للأول على الثاني ثلث قيمة ولده ولد مدبرة من سبب هذا الثلث الذي
الجزء: 8 - الصفحة: 1104
قوّم عليه للثالث، ويرجع الثاني على الأول بثلث قيمة ولده ولد مدبرة، ويعتق أيضاً نصيب الثاني منها وإن تمسك الثالث بنصيبه فليس له تقويم على الثاني وله على الأول ثلث قيمة ولده [وعلى "الثاني" كذلك، ويكون للثاني" على الأول ثلث قيمة ولده وليس" للأول على الثاني] من قيمة ولده شيء؛ لأن نصيبه فيها أعتق قبل أن يطأ الثاني.
قال ابن المواز [واختلف قوله] في ولد الأمة في رجوع الثاني على الأول بثلث قيمة الولد والمدبرة مثل الأمة.
قال سحنون وهذا على قول كثير من أصحابنا.
فصل
وقال في معتقة إلى أجل بين ثلاثة وطئوها متفاوتين كل واحد يولدها ولا يعلم بصنيع من قبله.
قال: تعتق عليهم كلهم إذ لا سبيل إلى وطئها وإن كان الأول ملياً، وأرى أن تعتق ليهم في ملائهم وعدمهم وعلى الأول لشريكه ثلثا قيمة ولده على أنه معتق إلى أجل وعلى
الجزء: 8 - الصفحة: 1105
الثاني للثالث ثلث قيمة ولده كذلك ولا شيء على الثالث ولا شيء للأول ولو لم يولدها غير واحد لم تقوم عليه وعليه لصاحبيه ثلثا قيمة ولده ولد معتقة إلى أجل.
أو لا ترى لو عجل أحدهم عتقها لم تقوم عليه إلا في وقل لعبد الرحمن تعجل عليه قيمة الخدمة لشريكه ويعجل عتقها.
وقال كثير من أصحابنا فيمن وطأ معتقة إلى أجل فأولدها: إنه يعجل عتقها عليه إذ زالت له منها الخدمة بالولادة والوطء بعتق الأجل.
قال سحنون: وكذلك من أذن لمدبره في تدبير أمته ثم أولدها السيد فإنها تعتق؛ لأنها معتقة إلى أجل أولدها السيد.
قال في المعتقة إلى أجل: وإن بقي الثالث لم يطأ أعتق نصيب الواطئين، وللثالث على كل واحد ثلث قيمة ولده للثاني على الأول ثلث قيمة ولده ويبقى نصيب الثالث بيده معتقاً إلى أجل ولا شيء على الثاني للأول؛ لأنه وطأ نصيبه وهو حر.
فصل
قال ولو كانت مكاتبة بين ثلاثة وطئوها كما ذكرنا؛ فأتت من كل واحد بولد وهو لا يعلم ما فعل من قبله؛ فعلى مذهب ابن القاسم وأشهب: إن كان الأول مليئاً خيرت بين أن تعجز نفسها وتقوم على الأول وبين أن يتمادا، فإن قومت عليه غرم ثلثي قيمتها أمة
الجزء: 8 - الصفحة: 1106
لشريكيه وصارت له أم ولد وإن تمادت على كتابتها فأدت أعتقت وإن كان الأول عديماً أعتقت عليهم كلهم.
سحنون قاله ابن القاسم وأشهب وأن أرى: إن كان لها مال لها ظاهر والأول مليئاً فليس لها تعجيز نفسها ولتتمادى مكاتبة.
قال ابن القاسم: فإذا وطأ مكاتبة بينه وبين شريكه فاختارت التمادي أخذت نصف قيمتها من الواطئ فوقفت، فإن أدت ردت القيمة إليه وإن عجزت بقيت له أم ولد وأخذ الآخر القيمة.
وقال في كتاب ابن المواز: إنما يوقف نصف قيمة الكتابة ثم ذكر مثل هذا وفيها قول آخر تركته/.
الجزء: 8 - الصفحة: 1107
في وطء المخدمة، ومن زنا بأمة فأولدها؛ هل يطأ ابنتها منه؟
قال ابن القاسم: ومن أخدم أمته سنين -قال سحنون أو عمرها- ثم وطأها السيد، فحملت؛ فإن كان مليئاً: كانت له أم ولد، وأخذت منه مكانها أمة تخدم في مثل خدمتها، فإن ماتت هذه والأولى حية فلا شيء عليه، وقيل: تؤخذ قيمتها وتؤاجر منها خادم؛ فإن ماتت الأولى أو انقضت السنون وقد بقي من القيمة شيء أخذه السيد، وإن نفدت القيمة والأولى حية ولم تنقض المدة فلا شيء على السيد.
وقال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: يغرم له قيمة الخدمة على الأقل من عمر الأمة ومن مدة الخدمة من عمر أو أجل.
[قال أبو إسحاق: في هذا كله نظر؛ لأن القيمة إذا أخذت فنفدت والأولى حية لم يجب كان أن يسقط عن الواطئ الطلب؛ لأن المخدم يقول: خدمتي في غير هذه الجارية ... بالإيلاد وهي باقية العين، فيجب عليه أن تخدمني ما دامت حية، وأما بقية القيمة فلا حق لي فيها، ولو قيل: يكون عليه قيمة الخدمة على الرجاء والخوف لكان أشبه].
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان عديماً أخذ ولده وتخدم الجارية إلى تمام الأجل.
الجزء: 8 - الصفحة: 1108
م: وسئل أبو عمران عما تقدم من قول ابن القاسم وقول غيره في أخذ أمة تخدم أو أخذ قيمة الأمة يؤاجر بها، ولو لم يجعلوا عليه قيمة الخدمة في تلك السنين، كمن أفسد على رجل عرضاً؛ أن عليه قيمة.
قال الشيخ: إنما لم يحسن أن يضمن قيمة الخدمة لإمكان موت هذه الأمة [قبل انصرام الأجل] فيكون قد ضمن الرجل مالا يلزمه ولو قومناها على الرجاء والخوف أدى ذلك إلى تحويل ما جعل له من كفاية خدمة عشر سنين إذ [لا يحصل له] في القيمة ما يحمل ذلك والواجب على المتعدي إغرام المثل لقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فإن كان جنس المستهلك لا يتحصل مثله عدل فيه إلى القيمة للضرورة ولا شيء في مسألتك أخصر من الإتيان بمثل الخدمة نفسها فأغرمنا ذلك للمتعدي كما قدمنا.
الجزء: 8 - الصفحة: 1109
وإن ماتت الأولى فقد كشف الغيب أن الواطئ لم يبطل على المخدم إلا الأيام التي حبستها الموطأة وقد أغرمنا له ذلك، وأما ما قاله الغير من إغرام القيمة يؤاجر بها فقد رواه ابن القاسم أيضاً عن مالك في قتل السيد لعبد المخدم، وذكر سحنون أن لابن القاسم فيه قولين ثم قال: وكذلك أمة يحبلها.
قال الشيخ: وهذا القول أيضاً حسن وقريب من الأول إذ لا فرق بين إغرامه أمة تخدم، أو إيقاف القيمة يستأجر منها من يخدمه، ولا ضرر أيضاً على الواطئ؛ لأنه إن قال: قد تنجز القيمة لغلاء الإجارة وطول المدة ولو كانت أمة لرجعت إلى.
قيل له: وقد ترخص الإجارة فيبقى من المدة أكثر، ولو كانت أمة لماتت قبل انقضاء الخدمة، فإذا اجتهد الحاكم وصنع أحد الوجهين كان صواباً.
قال الفقيه أبو عمران: والذي قلت: لِمَ لم يغرم القيمة كعرض أفسده؟ فقد قال سحنون فيمن أخدم رجلاً نصف عبده ثم أعتقه بعد قبض المخدم له، قال: فليغرم له قيمة ما بقي له من الخدمة.
وروي عن أشهب: أنه يغرم له الأقل من نصف قيمة الخدمة أو قيمة الرقبة.
وذكر عن ابن الماجشون ما قدمنا في صدر المسألة.
قال: وإذا ماتت الأولى سقط العوض في بقية المدة، وذلك كرجوع بقية اليمة إلى الواطئ بموت الأولى.
الجزء: 8 - الصفحة: 1110
قال: وموت الثانية قبل موت الأولى، كنفاد القيمة أو تلفها والأولى حية.
قال: وقد ذكر بعض المتأخرين: إن الثانية تخدم بعد موت الأولى، وذلك غير معتدل.
قال: وأما إن كان الواطئ عديماً؛ فلا أعلم فيه رواية، وذكر أمثلة تدل على أنها تخدم وإن كانت قد حملت.
قال: وينبغي أن يتبع الواطئ بنقص خدمتها لأجل الولد إن أنقص ذلك خدمتها.
م: وقد اختصرت كثيراً من كلامه لطوله وهذا معناه.
وذكر فيها كلاماً لأبي بكر ابن عبد الرحمن نحو ما ذكرنا، وإن اختلف التعليل، وفيما ذكرنا من ذلك كفاية، وبالله التوفيق.
[قال عبد الملك في كتاب ابن سحنون: يغرم له قيمة الخدمة على الأقل من عمر الأمة ومن مدة الخدمة من عمر أو أجل.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان عديماً أخذ ولده، وتخدم الجارية إلى تمام الأجل].
قال سحنون: ولو وطأها المخدم، فإن كانت الخدمة كثيرة مثل: التعمير، أو سنين كثيرة؛ فإنه يدرأ عنه الحد، ويلحق به الولد، وتكون له الأمة أم ولد.
م: يريد: ويغرم قيمتها يوم المرجع على الرجاء والخوف.
قال سحنون: إلا أن يكون عديماً فتكون لربها، ولا تكون به أم ولد، ويلحق الولد بأبيه، ولو ابتاعها بعد يسره؛ لم تكن به أم ولد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1111
قال: وإن وطأها في الخدمة القليلة مثل شهر أو نصف شهر، فلا شبهة لها بهذا؛ ويحد، ولا تكون له أم ولد، ولا يلحق به الولد.
وقال ابن وهب في كتاب ابن المواز فيمن أخدم أمته رجلاً كسنه، فوطأها المخدم؛ فإنه كان عالماً حد، وإن عذر بالجهل عوقب، وقوَّمت عليه، وإن وطأها ربها فحملت بقيت تخدم تمام السنة.
قيل: أتخدم أم ولد؟
قال: أرأيت إن أعتقها واستحب محمد أن يغرم قيمتها فيؤاجر منها من يخدم بقية السنة بما فضل رده إليه، وما عجز فلا شيء عليه.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن أقر أنه زنا بأمة لغيره، فأتت بولد؛ لم يلحق به، ويحد، وإن ابتاعها؛ لم يلحق به الولد أيضاً، ولا يعتق عليه، فإن كان الولد جارية؛ لم يحل له وطؤها أبداً.
وقال عبد الملك: يجوز لها وطؤها.
قال أبو محمد: وهذا قول مرغوب عنه.
[قال أبو إسحاق: وظاهر الحديث يخالف ما قال عبد الملك في ابن وليدة زمعة، وأما لو أضعت بذلك صبية ما حرمت عليه؛ لاختلاف الناس في لبن الفحل، فكيف لبن الزنا فذلك أبعد والله أعلم].
م: وقال لي بعض شيوخنا: قول عبد الملك هو القياس؛ لأنها ليست ابنته وإنما هي بنت الشيطان، ألا ترى أنها تلحق به ولا ترثه ولا تناسبه، وقول ابن القاسم استحسان، وكذلك بلغني عن الأبهري -رحمه الله-.
الجزء: 8 - الصفحة: 1112
م: والاستحسان في هذه المسألة قول ابن القاسم وهو أولى أن يؤخذ به والله أعلم.
تم كتاب أمهات الأولاد والحمد لله على ذلك كثيراً كما هو أهله.
الجزء: 8 - الصفحة: 1113
كتاب الولاء والمواريث
في ولاء من أعتقه الرجل من نفسه أو عن غيره أو سائبة
قال الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ ولا خلاف أن مولى النعمة ممن له السلطان في الدم، ومولى النعمة: هو المنعم بالعتق.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يريد: أنعم الله عليه بالإسلام، وأنعمت عليه يا محمد بالعتق.
وقال الرسول -عليه السلام-: «الولاء لمن أعتق».
قال سحنون: يعني من أعتق عن نفسه، كما بينا في قوله: «كل ذي مال أحق بماله»، معناه: ما لم يحدث فيه تحبيساً على غيره.
وقد أجمعوا: أن الوصي يعتق عن الموصي عبده الذي أوصى به وأن الولاء
الجزء: 8 - الصفحة: 1114
للميت، وكما تعتق أم ولده بعد موته، وليس بمعتق يومئذٍ.
وروى الزهري عن عروة عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: أتت بريرة إلى فقالت: كاتبت أهلي على تسعة أواق، كل عام أوقية فأعينيني، ولم تكن قضت من كتابتها شيئاً، فقالت عائشة: إن أحبوا أن أعطيهم ذلك جميعاً ويكون ولاؤك لي فعلت، فعرضت ذلك بريرة على أهلا فأبوا وقالوا: إن شاءت أن تحتسب عليك فلتفعل، ويكون ولاؤك لنا، فذكرته عائشة للنبي -عليه السلام- فقال: «لا يمنعنك ذلك منها، ابتاعي فأعتقي؛ وإنا الولاء لمن أعتق» ففعلت، وقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الناس: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: «أما بعد: فما بال أقوام يشترطون شرائطاً ليست في كتاب الله، ومن اشترط شرطاً ليس في كتاب الله فهو باطل، وإن كان مائة شرط؛ قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما الولاء لمن أعتق».
قال سحنون: وإنما أمر النبي -عليه السلام- بشراء بريرة ويشترط الولاء للبائع ليبين رد ذلك، إذ لا يحل الحكم من القلوب محل القول، وكما قال: «إني لأنسى أو أنسى لأسن» يريد: أن الفعل يحل من قلوبهم غير محل التعليم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1115
وقال غيره: من أهل العلم إنما قال النبي -عليه السلام-: «اشترطي لهم الولاء» بعد أن حرّم اشتراط الولاء، وإنما هو لمن أعتق، وأن ذلك معلوم عندهم؛ فقال لعائشة -رضي الله عنها -: «اشترطي لهم الولاء» فإن اشتراطهم إياه بعد علمهم بأن اشتراطه لا يجوز، غير ضار لك ولا نافع لهم، لا أنه -عليه السلام- أمر باشتراط الولاء لهم؛ ليتم بينها وبينهم البيع؛ فيبطل الشرط، ويصبح البيع وهم غير عالمين؛ فإن اشتراط ذلك لأنفسهم لا يجوز؛ لأن ذلك كان يكون مكراً بهم، وخديعة لهم، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبعد أن يفعل ما ينهى عنه، أو يرضى لنفسه ما لا يرضاه لغيره.
وروى ابن اعمر وجابر بن عبد الله أن الرسول -عليه السلام- «نهى عن بيع الولاء وعن هبته».
م: واتفق فقهاء الأمصار جميعاً أن الولاء نسب ثابت للمعتق من معتقه، وأن حكم المولي المعتق، حكم العصبة، يعتق عن مواله من أسفل، ويرثه إذا لم يكن له عصبة ولا موالي دونه، وأن ليس للمولى أن يبيع ولاءه ولا يهبه، ولا ينبغي منه؛ لأن الولاء عندهم
الجزء: 8 - الصفحة: 1116
لحمة كلحمة النسب؛ لا يباع ولا يوهب، وقاله علي -رضي الله عنه-: أن الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب، أقروه حيث جعله الله.
قال ابن مسعود: أيبيع أحدكم نسبه؟
ومن المدونة قال مالك ومن أعتق عبداً عن نفسه: فله ولاؤه، ولا يجوز بيعه، ولا هبته، ولا صدقته، ولا اشتراطه، وله ولاء ما يجر إليه بولادة أو عتق.
فصل
قال مالك: ولو أعتق عبده عن غيره من ميت أو حي بأمره؛ فالولاء للمعتق عنه.
قال سحنون: والدليل على أن ولاءه للمعتق عنه وميراثه له: أن من أعتق سائبة لله فولاؤهم للمسلمين، وعليهم العقل، ولهم الميراث، ولو كان ولاؤه للذي أعتقه لورثه، ولكان العقل على عاقلته، وقد أعتق جماعة من الصحابة سوايبا فلم يرثوهم، وكان ميراثهم للمسلمين، وأن عمر بن الخطاب قال: ميراث السائبة لبيت المال.
وكتب به عمر بن عبد العزيز إلى بعض عماله.
قال سحنون: ومعنى السائبة كأنه أعتق عن المسلمين.
قال في كتاب ابنه: والسائبة التي نزل القرآن بالنهي عنها هي من الأنعام لا عتق العبد سائبة؛ لأنهم أجمعوا: أن من أعتق سائبة أن عتقه ماض، ولو كان فيه النهي لرُد كما يرد ما سيِّب من الأنعام.
الجزء: 8 - الصفحة: 1117
قال مالك في كتاب انب المواز: وقد ترك الناس عتق السوائب، وإن فعله أحد فولاؤه للمسلمين.
قال ابن القاسم: ورأى عمر بن عبد العزيز: أن ولاءه لمعتقه خلاف ماله في المدونة.
قال ابن القاسم: والسنة أن ولاءه للمسلمين؛ لأنه أعتق عنهم.
قال ابن القاسم: والسائبة أن يقول لعبده: اذهب فأنت سائبة، يريد الحرية فهو حر، وإن لم يسم الحرية.
م: ولم يختلف فيما أنفذه الوصي عن الميت من عتق بأمره، أن الولاء للميت، وكذلك ما يعتق عنه بغير أمه.
وقد روى مالك أن سعد بن عبادة قال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إن أمي هلكت وليس لنا مال، أينفعها أن أعتق عنها؟ فقال -عليه السلام-: «نعم».
فأعتق عنها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1118
قال في حديث آخر: «أعتق عنها وتصدف فإنه سينالها».
وأن عائشة -رضي الله عنها-: أعتقت عن عبد الرحمن بن أبي بكر رقاباً كثيرة بعد موته فكان وراؤهم لمن يرث الولاء عن أخيها، وهذه حجتنا على الشافعي في قوله: إن أعتقهم عنه بأمره فالولاء للمعتق عنه، وإن كان بغير أمره فالولاء للمعتق.
وعلى أبي حنيفة: أن الولاء للمعتق أعتقه عن الآخر بأمره أو بغيره.
وما قاله مالك أصوب لما قدمنا.
الجزء: 8 - الصفحة: 1119
م: وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن ولاء المعتق سائرة لمن أعتقه على ما روي عن عمر بن عبد العزيز وحجتهم في ذلك قوله -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
ولا فرق بين قوله: أنت حر سائبة، ولا بين قوله أنت حر؛ ولم يقل سائبة؛ لأنه إذا أعتقه فقد سيبه، ولو كان لا يكون له ولاؤه [الضارع ذلك ما سيّب] من الأنعام في الجاهلية؛ لأنهم حرموا الانتفاع بها فنهاهم الله تعالى عن ذلك.
م: وقول مالك أولى لما بينا وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال مالك في قول الله سبحانه: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هي الرقبة تعتق من الزكاة؛ فولاؤها للمسلمين.
قال ابن المواز: ومن أعتق عبده بشرط على أن ولاءه لفلان فشرطه باطل، وولاؤه لمن أعتقه، إلا أن يقول: أنت حر عن فلان؛ فيكون ولاؤه للمعتق عنه، ولو قال: أنت حر عن
الجزء: 8 - الصفحة: 1120
فلان، [وولاؤك لي؛ فشرطه الولاء لنفسه باطل، وولاؤه للمعتق عنه.
قيل: فإن كان [مدبراً] قال له سيده: أنت حرٌ عن فلان] قال: هو حر وولاؤه لسيده، كما لو باع مدبره من يعتقه؛ لكان ولاؤه لمن دبره، وليس لمن اشتراه.
قال ابن القاسم في العتبية: ولا أحب ابتداء ذلك.
قال في الكتابين: وهو بخلاف من باع مدبرة بغير شرط العتق فأعتقه المشتري؛ هذا ولاؤه لمن اشتراه، ولا يرد عتقه.
[قال أبو إسحاق: وانظر إذا باع مدبره لمن يعتقه، فكان الولاء للبائع، هل يرد البائع الثمن؟ ويمضي له؛ لذهاب المدبر من يده، وقد كان له الانتفاع بخدمته، ويمكن إلا بعتق يطرأ بعد الموت].
وكذلك لو أعتق أم ولده عن رجل؛ لنفذ فيها العتق، وولاؤها لسيدها، وكذلك لو باعها ممن يعتقها؛ لنفذ فيها العتق وولاؤها لسيدها.
ابو محمد وقال أصبغ في غير كتاب محمد: العتق ماض والولاء للبائع، ويبقى له الثمن، وكما لو أعطاه مالاً على عتقها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1121
قال ابن الماجشون: بل يرد الثمن.
وقال سحنون: العتق باطل ويرد إلى ربها أم ولد.
قال ابن المواز: ولو باعها بغير شرط العتق، فأعتقها المشتري؛ لنقض عقتها، ورجعت أم ولد لسيدها، ويرد الثمن إذا كان عنده، وإلا أتبع به ديناً، وهي في هذا بخلاف المدبر، يريد: لتأكيد العتق فيها.
ومن المدونة قال مالك: ومن جعل له مالاً نقداً أو مؤجلاً على تعجيل عتق عبده أو تعجيل عتق مدبره ففعل؛ جاز ذلك، ولزمه المال، والولاء للذي أعتق وأخذ المال.
قال: وإن كان عتق العبد إلى أجل والمال حال أو إلى أجل، فلا خير فيه، كمن أخذ مالاً من رجل على تدبير عبده أو كتابته، أنه لا يجوز؛ لأنه غرر، إذ لو هلك العبد قبل تمام الأجل الذي أعتق إليه، أو مات المدبر، قيل للسيد الذي دبره، أو مات المكاتب قبل أداء الكتابة، لذهب مال ذلك الرجل باطلاً؛ لأن العبد لم يفض إلى حرية ولا نال عتقاً.
قال ابن المواز: فإن نزل ذلك بعد العتق إلى أجل، والتدبير والكتابة، ويرد ما أخذ من المال، ولا يكون له من ثمنه شيء.
وقال أشهب يمضي ذلك كله، ويتبع السيد الرجل بما ألزم نفسه من المال.
الجزء: 8 - الصفحة: 1122
قال ابن المواز ولم يعجبني قول أشهب.
قال ابن القاسم في كتاب البيوع الفاسدة: وأما إن باعه على أن يدبره المبتاع أو يعتقه إلى أجل لم يجز أيضاً للغرر يموت السيد أو العبد قبل تمام ذلك، ولحدوث د
ين يرد المدبر، فإن فات التدبير والعتق بذلك أو غيره، فالولاء للمبتاع، وللبائع الأكثر من القيمة يوم القبض أو الثمن، ولا حجة للمبتاع إن كانت القيمة أقل من الثمن، ولا يرجع على البائع بشيء؛ لأنه رضي أن يأخذها بذلك، وإنما الحجة للبائع، وكذلك إن باع الأمة على أن يتخذها أم ولد.
قال في كتاب الولاء من المدونة: وإن أعتقت عبدك عن عبد رجل، فالولاء للرجل ولا يجره عبده إن أعتق؛ لأن مالكاً قال في عبد أعتق بإذن سيده ثم أعتقه سيده بعد ذلك: أنه لا يجر ولاء عبده الذي أعتق بإذن سيده.
وقال أشهب: يرجع إليه الولاء؛ لأن يوم عقد عتقه لا إذن للسيد فيه ولا رد.
م: وهو أحسن، ألا ترى أن السيد لما كان ممنوعاً من انتزاع مال المكاتب، [ومن التصرف فيه، وكان المكاتب] إذا أعتق عبده بإذن سيده، ثم عتق المكاتب رجع إليه ولاء عبده، وإن كان له أن يمنعه من العتق، فكيف بهذا الذي لا يستطيع رده، ولما لم يكن للسيد رد هذا العتق، أشبه ما أعتقه العبد بغير علم سيده، فلم يعلم بعتقه حتى أعتق هو؛ أن ولاء العبد الأسفل لهذا العبد الأعلى.
م: وحكي عن السيد أبي الحسن بن القابسي أن معنى قول ابن القاسم: أن السيد علم بعتق الرجل عن عبده فصار كعتق العبد بإذن سيده، فأما لو لم يعلم بالعتق عن عبده
الجزء: 8 - الصفحة: 1123
حتى أعتق هو عبده؛ فإن الولاء للعبد المعتق عنه بمنزلة ما لو أعتق العبد عبده، فلم يعلم به سيده حتى أعتق وذلك بين.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن كان له عبد وللعبد زوجة حرة فأعتقه عنها؛ فولاؤه لها بالسنة، ولا يفسخ النكاح؛ لأنها لم تملكه، ولو دفعت مالاً لسيد زوجها على أن أعتقه عنها؛ فسخ النكاح؛ لأن ذلك شراء لرقبته، وولاؤه لها.
وقال أشهب: لا يفسخ النكاح؛ لأنها لم تملكه.
قال عنه ابن المواز: وكما لو سألته عتقه عنها بغير شيء أعطته.
قال سحنون: وهو أحسن.
قال مالك: ومن أعتق عبده عن أبيه أو أخيه المسلم فالولاء للمعتق عنه، وإن أعتق عبداً مسلماً عن أبيه النصراني؛ فلا ولاء له عليه، ولو كان العبد نصرانياً؛ فولاؤه لأبيه إن أسلم أبوه.
قال بعض القرويين: فائدة قوله إن أسلم أبوه: أنه إذا أسلم حكم له بولائه، وإن لم يسلم فهم نصارى؛ لأن يعرض لهم ولا يحكم بينهم، إلا أن يرضوا بحكمنا، فنحكم للمعتق عنه بولائه.
م: وقيل: إنما ذلك معطوف على المسألة التي قبلها، إذا أعتق عبداً مسلماً عن أبيه النصراني؛ فلا ولاء له، وإن أسلم أبوه؛ لأن ولاءه للمسلمين، فلا يرجع إلى أبيه، وإن أسلم أبوه، وحكي ذلك عن أبي محمد وأبي الحسن رحمهما الله.
الجزء: 8 - الصفحة: 1124
وقال ابن أبي زمنين: قوله إن أسلم أبوه: لفظ مستغنى عنه وبسقوطه تصح المسألة.
وقال ابن كنانة في العتبية: في رجل أعتق ابن أمته عن رجل عربي: أنه ينتسب إلى أبيه وعشيرته، ولا يرثه الذي أعتقه.
وقاله سحنون.
قال أبو بكر بن اللباد: وقاله مالك.
في ولاء من أعتق الذمي، وولاء أم ولده، ومدبره، ومكاتبه، وإسلام العبد،
أو السيد في ذلك.
قال الرسول -عليه السلام-: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم».
قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً، فأسلم العبد المعتق وللسيد ورثه أحرار مسلمون رجال يرثون مثل أب، أو أخ، أو عم، أو ابن عم أو ابن ابن؛ فولاء العبد وميراثه لورثة سيده المسلمين دون السيد، وإن كان حياً؛ لأن الولاء للسيد إذا كان العبد نصرانياً، فإذا أسلم لم يرثه سيده؛ لاختلاف الدينين، والسيد في هذا الحال بمنزلة الميت؛ لا يحجب ورثته عن أن يرثوا ماله، ولا يرث هو، وكل من لا يرث فلا
الجزء: 8 - الصفحة: 1125
يحجب عند مالك.
قال ابن القاسم: فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه.
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء في هذا الباب؛ إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه.
م: صواب؛ لأن الولاء كالنسب، فكما لا تزول عنه الأبوة إن أسلم وله، فكذلك لا يزول عنه الولاء إن أسلم مولاه.
قال ابن القاسم: ألا ترى ألو مات لهذا النصراني ولد مسلم، وللنصراني عصبة مسلمون، أن عصبة النصراني المسلمون يرثون الولد، وكذلك ولاء مواليه.
قال: ولو أن نصرانياً من العرب من بني تغلب أعتق عبيداً له نصارى، ثم أسلموا وهلكوا عن مال؛ فميراثهم لعصبة سيدهم إن كانوا مسلمين يعرفوا وما جنى هؤلاء العبيد بعد إسلامهم؛ فعقلهم على بني تغلب.
ابن المواز وقال أشهب: ولو كان السيد النصراني ذمياً أعتق نصرانياً، فأسلم العتيق ثم جنى وسيده نصراني؛ فلا يلزم ذلك عصبة سيده، وإن كانوا مسلمين، ولا قرابته، ولا على سيده ولو أسلم، وذلك على بيت المال؛ إذ لو أسلم سيده ثم جنى جناية خطأ تبلغ ثلث
الجزء: 8 - الصفحة: 1126
الدية فأكثر؛ لم يكن على عصبته وقومه شيء، وذلك على بيت المال، وذلك بخلاف العربي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق النصراني عبداً له نصرانياً إلى أجل، أو دبره، أو كاتبه، ثم أسلم العبد قبل الأجل؛ فإنه يؤاجر المؤجر والمدبر، وتباع كتابة المكاتب، فإذا حل الأجل وأدى المكاتب كتابته كان حراً، وولاؤه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه؛ لأنه عقد له العتق، والعبد على دينه، فلا أنظر إلى تمام حرمته، وأما المدبر فإن مات سيده على النصرانية؛ أعتق في ثلثه، وكان ولاؤه للمسلمين، إلا أن يكون لهذا النصراني ورثة مسلمون فيكون لهم ولاؤه.
قال: وإن حمل الثلث نصف هذا المدبر؛ أعتق منه محمل الثلث، ورق ما بقي؛ فإن كان ورثته نصارى: بيع عليهم ما رق منه، [وولاء ما أعتق منه للمسلمين، وإن كانوا مسلمين؛ كان ما رق منه] للمسلمين؛ لأن ورثته لا يرثونه، وكذلك إن لم يكن له ورثة؛ فإن ما رق منه للمسلمين.
م: والفرق بين ما تركه النصراني من الموالي للمسلمين، وبين ما تركه من مال أو عبد؛ إن ولده المسلمين يرثون الموالي ولا يرثون ما تركه من المال، هو: [أن ما ترك من الموالي هو] كولد حدث له فاسلم؛ لأن الولاء كالنسب، فإخوته المسلمون يرثونه، فكذلك يرثون الموالي؛ لأنه كنسب كان منعقداً لهم قبل موت أبيهم، فهو بخلاف ما تركه؛ لأن ما تركه مال، يورث عنه، فلا يرثه إلا من كان على دينه، لقول النبي -عليه السلام-: «لا يرث
الجزء: 8 - الصفحة: 1127
المسلم الكافر»، وأما الموالي فليس بمال لهم، وإنما هم كولد له أسلم فيرثه أخوه المسلم، وإنما كان بيت مال المسلمين أولى بما تركه النصراني من ولد المسلمين؛ لأن السنة منعت أن يرثه عصبته المسلمون، فصار كمن لا وارث له، وكل من لا وارث له من جميع الأمم؛ فماله لبيت مال المسلمين، كما أن عليهم عقل ما جنى، وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال: وإذا أولد النصراني أمته ثم أسلمت فعتقت عليه؛ فولاؤها للمسلمين، ثم إن أسلم سيدها بعد ذلك؛ رجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها، وهي على دينه، كمكاتب الذمي يسلم ويؤدي كتابته، أن ولاء للمسلمين ويؤدي كتابته، أن ولاءه للمسلمين إلا أن يسلم سيده، فيرجع إليه ولاؤه.
فصل
لما كان النصراني ممنوعاً من ملك المسلم في القضاء، لم يجب أن يملك ولاءه إن أعتقه بعد إسلامه؛ فلو أن نصرانياً من العرب، أو من أهل الذمة أعتق عبيداً له قد أسلموا، أو ابتاع مسلماً فأعتقه بتلاً، أو إلى أجل، أو كاتبه، فولاء العبيد إذا أعتقوا لجميع المسلمين دون السيد، ولو أسلم السيد بعد ذلك لم يرجع إليه ولاؤهم؛ لأنه يوم أعتقهم، أو عقد لهم
الجزء: 8 - الصفحة: 1128
العتق، لم يكن لهم من ولائهم شيء، ولأنهم يومئذ ممن لا يجوز له ملكهم، وأما إذا أعتقهم وهم على دينه؛ فولاؤهم منعقد له؛ لأنهم ممن يجوز له ملكهم، فإن اسلموا بعد ذلك لم يرثهم؛ لاختلاف الدينين، فإذا أسلم ورثتهم.
[قال أبو إسحاق: وقد قيل: يرجع إليه إذا أسلم، ذكره في كتاب محمد؛ لأن الولاء عنده ثبت بصحة المالك، ولا يرثه لاختلاف الدينين، فإذا أسلم النصراني ورثة المعتق].
قيل: فإن أسلمت أمته فأولدها بعد إسلامها؟
قال: يعتق عليه، ويكون ولاؤها لجميع المسلمين، فإن أسلم سيدها، لم يرجع إليه ولاؤها؛ لأنه أولدها وهي مسلمة لا يجوز له ملكها.
م: يريد: لو أسلم السيد قبل أن تعتق عليه لبقيت في ملكه أم ولد، وتعتق من رأس ماله بعد موته، يكون ولاؤها لجميع المسلمين، كما لو دبر عبده، أو كاتبه بعد أن أسلم؛ فلم يؤاجر المدب، ولا بيعت كتابة المكاتب، حتى أسلم السيد؛ فإنهما يبقيان على حالهما بيده، فإذا أعاقا كان ولاؤهما للمسلمين؛ لأنه عقد لها ذلك وهم مسلمون.
وقال الشافعي وأهل العراق: وإذا أسلم عبد نصراني فبدر فأعتقه قبل أن يباع عليه، فإن ولاءه له، مثلما لو أعتقه وهو على دينه؛ قالوا: لأنه أعتق قبل زوال ملكه، ويعتقه كان حراً، وقد قال النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
الجزء: 8 - الصفحة: 1129
والحجة لمالك: أنه لما كان النصراني ممنوعاً من استدامة ملك عبده إذا أسلم، وأنه يباع عليه، وإذا بدر فأعتقه، فقد منعنا من بيعه، وأراد أن يتمسك بشيء من رقة وهو الولاء، فوجب أن يمنعه منه، كما منع من استدامة ملكه.
فصل
ولما كان المسلم غير ممنوع من ملك الكتابي، وجب أن يملك ولاءه إن أعتقه، ولكن لا يرثه لاختلاف الدينين، فإن أسلم العبد ورثه بالولاء.
قال ابن القاسم: فإذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يعقل عنه ما جنى فهؤلاء قومه؛ لأنهم لا يرثون؛ لاختلاف الدينين، ولكن يعقل عنه المسلمون، ويرثونه، إذا لم يكن له قرابة يرثونه من أهل دينه.
قال مالك: ولا جزية عليه، ولو قتله أحد؛ كان عقله للمسلمين.
قال في كتاب محمد: إذا أعتق المسلم نصرانياً فله ولاؤه، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، وقد مات مولى لعمر بن عبد العزيز نصرانياً فجعل ماله في بيت المال، وأمضاه فيئاً للمسلمين ولم يوقفه.
قال ابن سحنون: وقد روي عن عمر بن عبد العزيز وربيعة ولليث: أنهم كانوا يقولون: يرثه معتقه كما يرثه بالرق.
قال ابن المواز: واختلف قول مالك إن ترك ورثة نصارى:
الجزء: 8 - الصفحة: 1130
فروى عنه أشهب: أنه لا يرثه أحد من ورثته، وميراثه للمسلمين، يريد: إلى ان يسلم ويسلموا، قال: وإنما جعلت ميراثه للمسلمين؛ لأن عمر بن عبد العزيز فعله؛ لأنه مولى لمسلم.
وروي عنه أيضاً: أنه يرثه ولده الذي عله دينه.
قال أشهب: وهو رأيي، فإن لم يكن له إلا أخوة أو غيرهم لم يرثوه، ولو ورثهم لورثته أهل دينه، وإنما ورثت ولده؛ لأنهم موالي من أعتق أباهم؛ لأن أباهم يجر ولاؤهم إلى معتقه.
وروي عن ابن القاسم أنه قال: أما ولده ووالده فيرثونه ولا يرثه غيرهم.
وروي عنه أيضاً: أنه يرثه إخوته.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يرثه كل من يرث الرجل من قرابته، فإن لم يكن له وارث فبيت المال، وجرائره على بيت المال، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال المخزومي في العتبية: لا يرثه مولاه أبداً، وإنما يرثه والده، فإن لم يكونوا فبنو عمه؛ فإن لم يكن له أحد من الناس، فمن أخذ ميراثه من النصارى، وقال: هكذا مواريثنا لم يعرض له فيهم، لأنهم لا يكلفون في أصل دينهم البينة، ولو كلفوها لم يأتوا إلا بمثلهم، فإن لم يطلب ميراثه أحد، وقعناه في بيت المال معزولاً، ولا يكون فيئاً حتى يرثه الله أو يأتي له طالب.
م: فصار الاختلاف إن لم يترك ورثة ثلاثة أقوال:
قول: إن ماله للمسلمين.
وثاني: لمولاه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1131
والثالث: لمن طلبه من أهل دينه.
وإن ترك ورثة فخمسة أقوال.
قول: إنه للمسلمين دون ورثته.
والثاني: إنه لولده الذي على دينه.
والثالث: إنه لوالده وولده.
والرابع: إنه لولده ووالده أو إخوته.
والخامس: إنه يرثه كل من يرث من القرابة، وهو مذهب المدونة.
قال ابن المواز: وأما من مات من أهل الذمة الأحرار، ولا وارث له من أهل دينه فقال مالك: ميراثه لأهل دينه؛ لأن عليهم كلهم الجزية، ولا تكون في بيت المال.
وقال ابن القاسم: بل في بيت مال المسلمين؛ إذا لم يكن له عصبة يرثونه.
قال ابن المواز: وأما إن كان هذا النصراني أعتقه مسلم فمات ولم يترك من يرثه بالرحم؛ فلم يختلف أن ميراثه لبيت المال.
م: وقد تقدم لابن سحنون أن عمر بن عبد العزيز وغيره يقولون: يرثه معتقه، كما يرثه بالرق، وقول المغيرة المتقدم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1132
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا كاتب المسلم عبده النصراني، وكاتب المكاتب عبداً له نصرانياً، ثم أسلم الأسفل، ثم لم يبع كتابته، وجهل ذلك حتى أديا جميعاً قعتقا؛ فولاء المكاتب الأعلى لسيده، ولا يرثه؛ لاختلاف الدينين، ويرثه المسلمون، ولو أسلم كان ميراثه لسيده، يريد: إن لم يكن له من يرثه بنسب.
قال ابن القاسم: وولاء المكاتب الأسفل للسيد الأعلى ما دام سيده نصرانياً، ولو ولد للمكاتب الأعلى ولد بعد العتق فبلغ وأسلم ثم مات؛ لورثه مولى أبيه، وأما لو أعتق عبيداً مسلمين ثم ماتوا عن مال؛ فميراثهم لبيت مال المسلمين؛ لأن ولاءهم لمن يثبت لهذا النصراني حين أعتقهم فيجره إلى سيده، ولو كان العبيد إنما أسلموا بعد أن أعتقوا؛ لورثهم سيد مولاهم، أو ولد مسلمون إن كانوا لهذا المكاتب النصراني، وكل من لا يرجع إلى النصراني ولاؤه إذا أسلم هو، فليس لسيده من ذلك الولاء شيء، وكل ولاء إذا أسلم النصراني يرجع إليه؛ فذلك الولاء ما دام نصرانياً لسيده الذي أعتقه.
في ولاء من أعتقه عبد أو أم ولد، أو مكاتب،
وولاء ولد الأمة، والمكاتبة، والمكاتب، وجر الولاء فيه.
قال الله سبحانه: ﴿عَبْدًا مَمْلُوكًا لا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾.
قال مالك: ولا يجوز عتق عبد بغير إذن سيده، فإن أعتق أو دبر أو كاتب أو تصدق بغير إذن سيده؛ فللسيد رد ذلك، فإن رده؛ بطل، ولم يلزم ذلك العبد إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1133
ابن المواز: أو علم فلم يرد، ولم يرض، حتى أعتق العبد؛ مضى ذلك، وكان الولاء للعبد.
قال ابن القاسم: لأن العبد حين أعتقه سيده تبعه ماله، فجاز عتقه لعبده، وكان ولاؤه له إلا أن يكون السيد استثنى مال عبده حين أعتقه، فيرد فعل العبد، ويكون أعتق متقدماً رقاً للسيد.
[م: وإنما قال محمد: إذا علم السيد بعتقه فلم يرد ولم يرض حتى أعتق العبد، مضى ذلك، وكان الولاء للعبد؛ لأن العبد عندنا يملك، وأفعاله في ماله على الجواز حتى يرد، ألا ترى أنه إذا لم يعلم بعتقه حتى أعتقه: إن عتقه ماض لا يرد، فإذا كانت أفعاله في ماله على الجواز؛ فلا يبطلها إلى رده إفصاحاً، وليس علمه وسكوته في ذلك إذناً ولا رداً، إلا أن العبد لم يستأذن في ذلك، فتطلب إجازته أو رده، وإنما فعل فعلاً جائزاً، فهو على ذلك حتى يرد والله أعلم].
وما أعتق العبد بإذن السيد فهو جائز، والولاء للسيد إذ كأنه هو المعتق، ولا يرجع إلى العبد إن عتق.
قال: وعتق أم الولد لعبدها، مثل ما وصفنا في عتق العبد لعبده.
قال مالك: وكذلك المكاتب لا يجوز عتقه، ولا تدبيره، ولا صدقته، بغير إذن سيده، وللسيد رد ذلك، فإن رده بطل، ولم يلزم المكاتب شيء منه إن أعتق، وإن لم يعلم بذلك السيد حتى أعتق المكاتب، مضى ذلك، وكان الولاء للمكاتب، وأما إن أعتق بإذن سيده فالولاء للسيد؛ إلا أن يعتق المكاتب فيرجع إليه الولاء، إذ ليس للسيد انتزاع ماله، بخلاف العبد وأم الولد؛ إذ له انتزاع مالها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1134
قال ابن المواز: فأصل مالك وابن القاسم في هذا: أن كل من للرجل أن ينتزع ماله من أرقائه فولاء ما أعتق بإذنه له، وأما من ليس له انتزاع ماله؛ فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن أعتق.
قال: وقد اختلف: فيما أعتق المدبر وأم الولد، في مرض السيد بإذنه:
فقال أصبغ: الولاء لهما، وإن صح السيد؛ لأنه يوم أعتق لم يكن للسيد انتزاع ماله، وإنما ينظر إلى ساعة وقع العتق، وليس كذلك المكاتب إذا عجز بعد أن أعتق عبده؛ فالولاء في هذا للسيد، ولا يرجع إلى المكاتب إن أعتق.
وقال عبد الله بن عبد الحكم: اختلف في ولاء ما أعتق المدبر وأم الولد في مرض السيد بإذنه، وأحب إلي: أن يكون للسيد وإن مات من مرضه لا يرجع إليهما وإن أعتقا؛ لأنه كان له أخذ مالها بسبب صحته إن صح، وكذلك المعتق بعضه.
ابن المواز وقاله أشهب: في المعتق بعضه يعتق بإذن السيد، قيل له: ولا تراه مثل المكاتب؛ لأنه ممن لا ينتزع ماله، فقال: لا، للمكاتب سُنةٌ، وللعبد سُنةٌ، وهذا عبد.
قال ابن المواز: ولم تكن له حجة أكثر من هذا.
وقد قال ابن القاسم إن ولاء ما أعتق المعتق بعضه للعبد، وهو الصواب، ولم يعجبنا قول أشهب، ولا أصبغ ولا غيره في ذلك كله، وهو خلاف قول مالك وابن القاسم: لأن من لا ينتزع ماله فولاء ما أعتق بإذن السيد راجع إليه إن عتق، وما روي عن ابن القاسم غير هذا فغلط عليه، وإنما هو عن أشهب.
قال ابن المواز: والمدبر وأم الولد لا تنتزع أموالهما في مرض السيد، فإن انتزعه ثم مات؛ فذلك ردٌ، وإن عاش بقي له، وكذلك عتقهما بإذنه في المرض موقوف، فإن مات علمنا أنه
الجزء: 8 - الصفحة: 1135
يوم أعتقهما ممن لم يكن له انتزاع مالهما، فالولاء لهما، وإن صح علمنا أنه ممن له أن ينتزع مالهما، فصار له الولاء، ثم لا يرجع إليهما وإن أعتقا، وكذلك المكاتب الذي لم يختلف فيه يعتق بإذن السيد ثم يعجز ثم يعتق بكتابة أخرى أو غيرها؛ فلا يرجع إليه الولاء.
وقال ابن القاسم في عبد بين رجلين أعتق عبداً له بإذن أحدهما ولم يعلم الآخر حتى أعتقاه: إن ولاء ذلك العبد له دون سيديه ما بقي عندهما الذي أعتقاه، أو أحد من عصبته الأحرار؛ لأنه لم يكن أحدهما أخذ شيء من ماله دون صاحبه، وكذلك عنه في العتبية.
قال: وإن أعتق المعتق بعضه عبداً بإذن من له بقيته؛ فولاء ما أعتق بين الذي كان أعتق نصفه وبين مالك بقيته إن كان له نصفه، فالولاء بينهما نصفين، فإذا أعتق العبد الذي له نصفه حر، يوماً ما؛ رجع إليه ولاء ما كان أعتق، وإن كان أعتق بغير إذن من له نصفه؛ كان له رد عتقه.
وروى عنه يحيى بن يحيى: أن ولاء ما أعتق هذا العبد المعتق نصفه بإذن الذي له فيه الرق خالصاً وهو أحق بميراث مواليه من الشريك الذي كان أعتق نصفه كما أنه أحق
الجزء: 8 - الصفحة: 1136
بميراثه لنفسه.
م: وهذا مثل قول أشهب الذي ذكره محمد وأنكر أن يكون ابن القاسم قاله.
ابن المواز قال [مالك: وإن أعتق] المدبر، أو الموصى بعتقه، عبداً له بعد موت سيده، وقبل أن يقوّم في ثلثه، فليوقف عتقه، فإن خرج المدبر، أو الموصى بعتقه، من الثلث؛ نفذ عليه ما كان أعتق، أو حنث بعتقه، وإن لم يخرج من ثلث سيده إلا بعضه؛ لم يعتق من العبد الذي أعتقا قليل ولا كثير، ولو أعتق بعد ذلك بقية المدبر، أو الموصى بعتقه، وذلك العبد في يده لم يعتق منه عليه شيء، وقاله أشهب وابن القاسم.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا أعتق المكاتب عبده على مال، فإن كان المال للعبد لم يجز؛ لأنه قادر على انتزاعه، وإن لم يكن له؛ جاز على وجه النظر؛ لأن له أن يكاتب عبده على وجه النظر، وإن كره سيده، فإن أدى كتابته؛ كان له ولاء مكاتبه، وإن عجز كان ولاء مكاتبه لسيده.
قال: ومن قال لمكاتب أو عبد مأذونٍ له في التجارة: أعتق عبدك هذا عني على ألف درهم ففعل؛ جاز ذلك؛ لأنه بيع، وبيعهما جائز.
الجزء: 8 - الصفحة: 1137
قال ابن المواز: فإن خفف عنه من القيمة؛ غَرِم المشتري ما خفف عنه، فإن كان عديماً بيع من العبد بقدر ذلك إلا أن يشاء السيد أن يتبع المبتاع بذلك، فذلك له، ويتم عتق العبد.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قال للمكاتب: أعتق عبدك هذا على ألف درهم، ولم يقل عني؛ فالعتق جائزٌ؛ إذا كانت الألف ثمناً للعبد أو أكثر من ثمنه، والولاء للمكاتب إن أعتق، وإن عجز؛ فالولاء للسيد ولا شيء للذي أعطى الألف من الولاء ويلزمه الألف درهم، كمن قال لرجلك أعتق عبدك على ألف درهم، ولم يقل: عني، [فأعتقه، فلزمته الألف، والولاء للذي أعتق.
قال ابن المواز: ولو أن المكاتب هاهنا حابى المشتري في الثمن حين قال له: أعتقه، ولم يقل: عني، لم يكن للسيد إلا أن يجيز ذلك أو يرد بيعه وينقض عتقه].
م: وإنما فرق بين ذلك؛ لأنه إذا قال له: أعتقه عني، فكأنه اشتراه وأعتقه، فواجب عليه غرم المحاباة، فإن لم يكن له مال رد من عتق العبد بقدر ذلك؛ لأنه دين قبل العتق، وإذا لم يقل عني؛ فهو إنما دفع إليه المال ليعتقه عن نفس المكاتب، فهو كعتق المكاتب عن نفسه، فإذا كان فيه محاباة، فأما أجاز ذلك السيد، أورد عتقه وهذا بين.
وحكي لنا عن بعض شيوخنا: فيمن أعطى لرجل مالاً على أن يعتق عبده فقال الدافع: شرطت عليك على أن يكون الولاء لي، وقال رب العبد: بل على أن الولاء لي؛
الجزء: 8 - الصفحة: 1138
فالقول قول سيد العبد، ولا يمين عليه؛ لأن ولاءه له في ظاهر الأمر؛ لأنه هو المعتق، ولو أوجبنا عليه اليمين فنكل؛ لم ينتقل الولاء عنه.
م: ولأنه لو أقر له بذلك لكان الولاء للمعتق، وهي كمسألة عائشة -رضي الله عنها- في شراء بريرة وعتقها واشتراط الولاء للبائع، ولو كان اختلافهما على أن قال الدافع: دفعت إليك المال على أن تعتقه عني، وقال سيد العبد: لم تشترط علي شيء، أو قال: بل على أن أعتقه عن نفسي فالقول أيضاً قول السيد؛ لأن كل من قال: كان الأكر كذا، وقال صاحبه: لم يكن، فالقول قول من قال: [لم يكن، وعلى] صاحبه البيان.
م: ويلزم السيد هاهنا اليمين؛ لأنه لو أقر بدعوى الدافع؛ لكان الولاء للدافع، فلذلك ألزمناه اليمين، فإن نكل حلف الدافع، وكان له الولاء والله أعلم، وليس هذا من نقل الولاء؛ لأنه لو ثبت الشرط لصح الولاء للدافع، ولو ثبت في الأولى لكان الولاء للسيد، فافترقا.
الجزء: 8 - الصفحة: 1139
فصل
قال ابن القاسم: ومن أعتق أمه حاملاً من زوج حر أو عبد، فولاء ما في بطنها للسيد.
قال عطاء بن أبي رباح: وميراثه لابن الحر.
قال ابن المواز: وإذا أعتق السيد أمته الحامل من العبد، فوضعت بعد العتق، ثم حملت بآخر وولدته بعد العتق؛ فميراث الولدين جميعاً لمعتق الأم، فإن لم يموتا حتى عتق الأب، فإنه يجر ولاء الذي حملت به بعد عتقها لمواليه، ويبقى ولاء الذي عتقت وهي حامل به لمعتق الأم والأب، ويرثهما جميعاً بالنسب، وإن مات قبلهما ثم ماتا بعده؛ ورث الأول مولى الأم، وورث الثاني مولى الأب.
ومن المدونة قال يحيى بن سعيد: في عبد تزوج أمة بغير إذن سيده فأولدها، فأعتق الولد قبل أبويه ثم أعتقا؛ فإنهما يرثانه ما بقيا.
قال مالك: فإن مات فولاء الولد لمن أعتقه، ولا يجر الوالد ولاء ولده إلى سيده، وإنما يجر إليه ولاء ولده من زوجة حرة، وأما من الأمة فولاؤهم لمعتقهم؛ لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق».
قال مالك: وما ولد للمدبرة والمكاتبة من زوج حر، أو مكاتب لغير سيدها، فإن ولدها منه بمنزلتها في الرق والعتق وولاؤهم لسيدها دون سيد الأب.
الجزء: 8 - الصفحة: 1140
قال ابن القاسم: وكذلك لو وضعته المكاتبة بعد الأداء إذا مسه الرق في بطنها، ألا ترى أن مالكاً قال فيمن أعتق أمته الحامل من زوج عبد؛ فولدت بعد العتق، وولده عبد، ثم أعتق: أن ولدها حر، وولاؤه لسيد الأمة، ولا يجر الأب ولاءه.
قال: وإذا مات مكاتب وترك ولداً من زوجة حرة، وولداً حدثوا في الكتابة من أمته، وترك وفاء بالكتابة أو لم يترك شيئاً، فأدى عنه ولده الذين حدثوا في الكتابة، فلا يجر إلى سيده ولا ولده الأحرار في الوجهين؛ لأنه مات قبل تمام حرمته، ولا يجر الولد الذي حدثوا في الكتابة إلى السيد ولا إخوتهم.
قال مالك: ولو كاتب المكاتب عبداً له، ثم هلك المكاتب الأول وترك ولداً حدثوا في الكتابة، أو كاتب عليهم وولداً أحراراً فسعى ولده الذين في الكتابة حتى أدوها، كان ولاء المكاتب الأسفل إذا أدى الولد المكاتب الأول الذين في الكتابة دون ولده الأحرار كفاضل ماله.
وقال ابن الماجشون: ولاء الأسفل للسيد الأعلى دون ولد المكاتب الذين أدوا بقية الكتابة بعد موت أبيهم؛ لأن أباهم مات قبل تمام حرمته.
قال ابن القاسم: ولو أدى المكاتب الأسفل قبل الأعلى، ثم أدى المكاتب الأعلى؛ لرجع إليه ولاء المكاتب الأسفل عند مالك.
الجزء: 8 - الصفحة: 1141
في ولاء من أسلم من عبيد الحربيين، وأبنائهم،
أو نقص العهد من معتق، أو معتق ثم غنمناه،
وولاء من أسلم من ذمي، أو حربي، أو غيرهم.
قال مالك: وإذا أسلم عبد الحربي ثم خرج إلينا أو أسلم بعد خروجه إلينا، فهو حر، وولاؤه للمسلمين، ثم إن أسلم سيده بعده وقدم، لم يرده في الرق، ولم يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين، فأما إن أعتقه في بلد الحرب، ثم أسلم العبد وخرج إلينا، ثم خرج سيده بعده فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت [عتقه إياه ببينة] مسلمين من أسرى أو تجار أو أهل حصن مسلمين؛ لأن الولاء بمنزلة النسب.
ولو قدم إلينا حربي فأسلم، ثم قدم أبوه بعده، وشهدت أنه أبوه بينة مسلمون ألحقته بنسبة، فكذلك الولاء.
ابن المواز وقال أشهب: ليس عتقه بعتق، ولا ولاء له فيه بعتقه إياه بدار الحرب، والسيد ليس بمسلم، وإنما أعتق هذا العبد خروجه إلينا، ولو مات عندما ما بعثنا بما ترك إلى مولاه الذي أعتقه.
قال ابن المواز: صواب؛ لأن عتق النصراني باطل إلا أن يسلم أحدهما، فلما خرج إلينا أعتق بخروجه وحده.
الجزء: 8 - الصفحة: 1142
م: وإنما يصح كلام أشهب: إذا أسلم العبد بعد خروجه، وعليه يدل كلام ابن المواز.
وأما إن أسلم العبد قبل خروجه، فينبغي ألا يختلفا في ذلك؛ لأن أشهب يجعله حراً بإسلامه؛ وإن لم يخرج إلينا، ولم يعتقه سيده، فكيف إذا أعتقه مولاه؛ فهو أحرى أن يكون حراً باتفاق، ويكون لمولاه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه، فإذا قدم مولاه فأسلم؛ فإنه يرجع إليه ولاؤه إن ثبت عتقه إياه ببينة مسلمين؛ في قول ابن القاسم وأشهب والله أعلم.
قال ابن المواز وهو في المدونة: واختلف أيضاً ابن القاسم وأشهب في من أسلم من عبيد الحربيين بأيديهم:
فقال ابن القاسم: لا حرية له بذلك إلا أن يخرج قبل سيده، فيكون حراً بخروجه، ثم إن جاء سيده وأسلم؛ فلا ملك له عليه ولا ولاء، ولو جاء سيده قبله كافراً أو مسلماً، كان له رق، وكذلك لو قدم معه، ويأمر ببيعه من مسلم إن لم يسلم، وذلك أنه إذا خرج قبل سيده فقد غنم نفسه، كما لو غنم غيره.
قال: ولو أسلم سيده قبل خروج العبد الذي أسلم؛ لبقي ملكه عليه، وإن خرج العبد قبله، وجعله أشهب حراً بإسلامه وإن لم يخرج إلينا.
قال ابن القاسم: ولو كان ذلك ما كان ولاء بلال لأبي بكر، وقد أعتقه إسلامه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1143
قال ابن المواز فاضطرب أشهب إلى أن قال: لم يكن ولاؤه لأبي بكر، وقد قال مالك: بلغني أن بلالاً طلب الخروج إلى الشام في الجهاد فمنعه أبو بكر؛ فقال له بلال: إن كنت أعتقتني [لنفسك فاحبسني، وإن كنت أعتقتني] لله فخل سبيلي، فقال له: خليتك.
م: فهذا يؤيد ما قال ابن القاسم.
ابن المواز قال أشهب: ولو أسلم سيده بعده بساعة ما كان له ولاؤه حتى يسلم معه أو قبله.
قال ابن المواز وقول ابن القاسم أحسن أن بخروج العبد إلينا يكون حراً خرج وهو مسلم أو كافر ثم أسلم، ثم جاء سيده مسلماً أنه لا ولاء له عليه، ولو ثبت كافراً حتى جاء سيده فولاؤه له.
قال ابن المواز: وأجمع ابن القاسم وأشهب أنا إذا دخلنا دار الحرب وقد أسلم العبد وحده، أنه بذلك حر.
قال ابن القاسم: وذلك استحسان، ورأيت ذلك كخروجهم إلينا.
فصل
وفي المدونة قال ابن القاسم: وإن قدمت إلينا حربية بأمان فأسلمت؛ فولاؤها للمسلمين، فإن سبي أبوها بعد ذلك فعتق وأسلم وثبت أنه أبوها ببينة مسلمين جر ولاؤها لمعتقه، إذ لم يملك ولاءها أحد برق تقدم فيها أو في أبيها.
م: وهذا جار على أصله في الحربي: يعتق عبده ببلد الحرب ثم يسلم العبد ويخرج
الجزء: 8 - الصفحة: 1144
[إلينا ثم يخرج سيده بعد ويسلم بعده ويسلم، فإنه يرجع إليه ولاؤه؛ لأنه أعتقه وهو على دينه قبلت له ولاءه، والولاء كالنسب.
قال سحنون: في الحربية لا يجر الأب ولاءها إلى معتقه؛ لأنه قد ثبت للمسلمين.
م: وقد قال ابن القاسم في الذمي يولد له ولد فيسلم قيل أبيه، ثم يلحق الأب بدار الحرب ناقضاً للعهد فيسبى ويباع ويعتقه المبتاع ويسلم، فلا يجبر ولاء ولده إلى معتقه؛ لأن ولائهم قد ثبت للمسلمين، فهذا يشبه قول سحنون في الحربية التي قدمت بأمان.
م: ويحتمل أن يكون الفرق عند ابن القاسم بين هذه الحربية، وبين ولد الذمي الذي نقض العهد: أن ملك أبي الحربية ملك مجتمع عليه، فغذا أعتق قوي في جر الولاء، وملك الذمي الذي نقض العهد ملك مختلف فيه؛ لأن أشهب يقول: هو حر لا يجوز استرقاقه، وأن ولاءه قائم للمسلمين، فلما كان ملكه ملك مختلف فيه ضعف عن جر الولاء والله أعلم.
وإن كان فالمسألة في كتاب ابن المواز خلاف ما في المدونة والذي في كتاب ابن المواز جارية على أصل واحد، وهي الحق إن شاء الله، وأنا أذكرها بعد ذلك مسألة المدونة.
الجزء: 8 - الصفحة: 1145
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا أعتق الذمي عبيداً له نصارى ثم أسلموا، ثم لحق السيد بدار الحرب ناقضاً للعهد، فسبي ثم أسلم، رجع إليه ولاؤهم، ولا يرثه لما فيه من الرق، ويكون ميراثهم للمسلمين، إلا أن يعتق قبل موتهم فيرثهم، ولا يرثهم سيده الذي اشتراه ما دام هو في الرق، ولا يشبه هذا المكاتب الأسفل يؤدي قبل الأعلى، ثم يموت عن مال؛ هذا يرثه السيد الأعلى؛ لأنه أعتقه مكاتب هو في ملكه، وهذا أعتق ما ولى وهو حر قبل أن يملكه هذا السيد، فإن أعتق العبد كان ولاؤهم له، ولا يجره إلى معتقه الآن، وإنما يجر إليه ولاء ما يعتق أو يولد له من ذي قبل، فأما ما تقدم له من عتق أو ولد؛ فأسلموا قبل أبيهم، فلا يجر ولاءهم إلى معتقه؛ لأن ولاءهم قد ثبت للمسلمين.
م: فهذا ما في المدونة.
والذي في كتاب ابن المواز قال: وإذا أعتق النصراني عبيداً له نصارى، ثم هرب السيد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد، ثم سبي فأتبع وأعتق، فإن عتقه يجر ولاء ما كان أعتق من قبل لحوقه بدار الحرب، وهذا خلاف ما في المدونة، وهو كجوابه في مسألة الحربية وهو الصواب؛ لأنهما سواء لم يملك ولاءهما أحد ثمنه عتق.
قال: فإن هرب ثانية إلى دار الحرب وحارب وسبي وبيع وأعتقه مشتريه، فإنه يكون
الجزء: 8 - الصفحة: 1146
ولاء نفسه لهذا الذي أعتقه آخراً، ولا يجر إليه ولاء ما كان أعتق قبل لحوقه الثاني بدار الحرب، ولا ولاء ولده؛ لأن ولاءهم قد كان ثبت للأول الذي كان أعتقه أولاً ومن عليه بالعتق، ولكن ما أعتق من ذي قبل أو ولد له؛ فولاؤهم لسيده الآخر.
وقال ابن القاسم فيه وفي المدونة: في المسلم يعتق عبده النصراني فيهرب هذا النصراني إلى بلد الحرب ناقضاً للعهد لغير عذر، فإن سبي فهو فيء؛ فإن اشتراه أحد فأعتقه فولاؤه له، وما كان تقدم له من ولد من امرأة حرة، أو أعتق من عبد قبل نقضه، فقد ثبت ولاؤهم للمعتق الأول، والولاء نسب ثابت، ولم ينقضوا العهد، قينقض ولاؤهم وحريتهم، كما انتقضت حرية من كان أعتقهم، ورجع إلى الرق، فإذا أعتق كان ولاؤه وولاء ما يولد له أو يعتق الآن لمولاه هذا الثاني، ولا يجر إليه ما كان من ذلك قبل الرق الثاني، وإنما يجر هذا العبد يتزوج حرة فيولدها، والأملاك تتداوله حتى يعتق فيجر ولاء كل ولد له منها إلى معتقه.
ابن المواز وقال أشهب في النصراني الذي أعتقه مسلم فنقض العهد وحارب: لو كنت أقول: إن حريته الأولى تنتقض لكنت أقول: هذا، فوصف مثل قول ابن القاسم بعينه، ولكنني أقول: يرد إلى حريته الأولى شاء أو أبى، وولاؤه الأول على حاله.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا.
وقيل لابن القاسم: لم قلت ذلك؟ وقد قلت في التي قَدِمَت بأمان فأسلمت
الجزء: 8 - الصفحة: 1147
فصار ولاؤها للمسلمين، ثم يسبى أبوها وأعتق؛ أنه يجر ولاءها؟ قال: لأن هذه لم يملك ولاءها أحد بمنة عتق، ولو سبيت هي أولاً فعتقت لبقي ولاؤها وولاء من أعتقت لمعتقها، ولا ينتقل إلى من أعتق أباها.
رجع محمد وقال: في النصراني المعتق قول أشهب أحب إلينا؛ لأن الولاء قد ثبت للمسلم الذي أعتقه، وهو نسب ثابت لا ينتقل أبداً، فوجب ألا تنتقل حريته، وليس مثل النصراني يعتق عبداً له نصرانياً فيهرب العبد إلى دار الحرب ناقضاً للعهد ثم يسبى؛ فإنه يكون رقيقاً لمن اشتراه، فإن أعتقه؛ كان له ولاؤه، ولو أسلم سيده النصراني، والعبد في دار الحرب ثم غنمه المسلمون؛ لرد إلى حريته، وولاؤه لسيده الذي أسلم.
وقال إسماعيل القاضي في المبسوط: لا يشبه أن يكون الولاء إلا للأول على معاني قول مالك؛ لأن الولاء نسب قد كان ثبت للأول، وإذا سبي هذا المولى واسترق، انقطع الولاء ما دام في حال رقه، فإذا أعتق رجع الولاء إلى من قد ثبتن كما أن الابن المملوك لا يوارث أباه الحر، فإذا أعتق وجبت الموارثة بينهم بالنسب.
م: وهذا الذي شبه به إسماعيل لا يشبهه؛ لأن هذا الابن إذا عتق ورثه أبوه بالنسب، والولاء قائم لمعتقه، والعبد المعتق أولاً عتقه قد انتقض وعاد عبداً قد اعتقه الآن غيره عتقاً لم ينتقض، فهو أولى من العتق الأول المنتقض، والصواب عندي ما قاله أشهب: إن الولاء قد ثبت للأول كالنسب، ولا ينقض عتقه، ولا يسترق، ويبقى على حريته الأولى، وولاؤه الأول إذ ليس له معتق غيره.
وقال ابن القاسم في المدونة وفي كتاب ابن المواز: ولو أعتق النصراني عبداً له نصرانياً ثم نقض السيد العهد وحارب، فأسر وأسلم مولاه فاشترى سيده وأعتقه، ثم أسلم بعد
الجزء: 8 - الصفحة: 1148
أن أعتقه مولاه فولاء كل واحد منهما لصاحبه.
قال ابن المواز: وميراث الميت منهما أولاً للباقي، وميراث الثاني للمسلمين.
قال: وقال أشهب: ويرجع الأول حراً ويرد إلى ذمته، وله ولاء مواليه، ولو قلت: إنه يسترق، لقلت: لا يرجع إليه ولاء هذا الذي اشتراه ولا ولاء أحد ممن كان أعتق أولاً، كما لم يرجع إلى حرية نفسه، وكان ولاؤه لهذا الذي أعتقه، إلا أن الذي كان عبداً له ولا ولاء له هو عليه، ويكون ولاء هذا وكل ولاء تقدم للمسلمين.
قال ابن المواز: أما من لم يقل أنه يُرد إلى حريته، فإنه يجر إلى معتقه الآن ولاء ما تقدم له من عتق أو ولد من حرة إن لم يمس رقبته ولاء قط بمنة عتق، وأما لو مسه أولاً رق فأعتق منه، فهذا لا يجر ما تقدم له من ولاء عتق أو ولد إلى معتقه أحداً.
فصل
ومن المدونة قال مالك: وكل من أسلم من أهل الذمة فإن ولاءهم للمسلمين، وعقلهم وجرائرهم وجرائر مواليهم على بيت المال، ويرثهم المسلمون إن لم يكن لهم ورثة مسلمون يعرفوا، وكذلك من أسلم من أهل الأعاجم والبربر والسودان والقبط، ولا رحم لهم يتوارثون به كتوارث أهل الإسلام ولا موالي؛ فعقلهم على المسلمين وميراثهم لهم، وقال زيد بن ثابت وابن مسعود.
الجزء: 8 - الصفحة: 1149
وقد كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر بن الخطاب: أن ناسا يموتون ولا يتركون رحماً لهم ولا ولاء، فكتب عمر: أن ألحق أهل الرحم برحمهم، فإن لم يكن رحم فولاء، فإن لم يكونا فأهل الإسلام يرثونهم ويعقلون عنهم، وقاله عمر بن عبد العزيز فيمن أسلم من أهل الملل.
قال مالك: وليس إسلام الرجل على يد الرجل بالذي يجر إليه ولاءه.
قال يحيى بن سعيد: وولاؤه للمسلمين عامة، كما كانت حرية للمسلمين.
م: وقال إسحاق بن راهويه: يكون مولى للذي أسلم على يديه فيرثه ويعقل عنه، واحتج بما روى عن تميم الداري أنه قال يا رسول الله: الرجل يسلم على يدي؟ فقال: «أنت أولى الناس يمحياه ومماته»، وقال أبو حنيفة: له أن يوالي من شاء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1150
م: والصواب قول مالك لقول النبي -عليه السلام-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وليس إسلامه على يدي أحد عتقاً له].
الجزء: 8 - الصفحة: 1151
في ولاء العبد يشتريه من شهد له أنه حر،
أو أم ولد أو من يعتق عليه أو يوصى له به
قال ابن القاسم: ومن شهد على رجل أنه أعتق عبده فردت شهادته ثم ابتاعه منه، يريد: أو من غيره؛ فليعلق عليه بالقضاء.
قال سحنون وقال أشهب: لا يعتق على الشاهد إلا أن يقيم بعد شرائه على قوله ذلك، فأعتقه عليه وأجعل ولاءه لهذا الذي قضيت عليه بعتقه.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: إن قال شهدت بباطل؛ لم أعتقه عليه بعد أن يحلف، فإن أبى اليمين أعتق عليه، وكذلك إذا قال: شهد بالحق ولكنها ردت؛ فإنه يعتق عليه، ويكون ولاؤه لمن شهد عليه بعتقه، ثم إن مات العبد المعتق عن مال؛ فليأخذ منه هذا المشتري الثمن الذي أدى فيه، ولا يكون للمشهود عليه القضاء له بولاية أن يمنعه، ومن بقي للمشهود عليه إن كان حياً.
م: يريد: إن ادعاه وصدق الشاهد، وإلا كان موقوفاً.
قال أشهب: وإن كان المشهود عليه ميتاً، فجميع ما ترك المولى لعصبة المشهود عليه بعتقه، ولا يأخذ المشتري من هذا المال الثمن الذي أدى؛ لأن ذلك الثمن في ذمة الميت، والورثة يقولون: نحن لم نظلمك ولا أخذنا ثمن هذا الحر، وإنما نرثه بالولاء، واطلب أنت تركة الميت إن كان له مال، أو صار إلينا منه شيء.
م: فدل بذلك ألو ترك المشهود عليه مقدار الثمن أو أكثر، لم يكن للورثة أخذ ما ترك العبد حتى يدفعوا إلى المشتري ثمنه، أو مقدار ما ترك البائع إن ترك أقل من الثمن،
الجزء: 8 - الصفحة: 1152
فإذا دفعوا ذلك أخذوا ما ترك العبد، وهذا إذا كان الورثة رجال يرثون الولاء، وإن لم يكن له ورثة إلا نساء أو من لا يرث الولاء؛ فلا شيء للشاهد من تركة الميت؛ لأن الورثة لا يرثون ما تركه المعتق، والمشهود عليه مات منكر للعتق، [ويكون ما ترك العبد المعتق للمسلمين]، وكذلك إن ترك الورثة ممن يرثون الولاء، وترك العبد المعتق من يرثه ويجوز ماله للنسب، فليس للشاهد من تركه العبد، ولا من تركة المشهود عليه شيء وبالله التوفيق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك الحكم فيمن أقر بعد أن اشترى عبداً أن البائع كان أعتقه؛ فإنه يعتق عليه وولاؤه للبائع.
م: والحكم فيما ترك المعتق قبل موت المشهود عليه أو بعده مثلما ذكرنا فيمن ردت شهادته بعتقه ثم اشتراه.
قال ابن القاسم: وكذلك لو شهد بعد أن اشترى عبداً أنه حر الأصل، أو شهد على أبيه بعد موته أنه أعتق عبداً له في وصيته ثم ورثه عنه بأسره وكان الثلث يحمله، أو قال: كنت بعت عبدي هذا من فلان فأعتقه، وفلان يجحد، فإن العبد في ذلك كله حر بالقضاء، وولاؤه لمن زعم هذا أنه أعتقه.
ابن المواز قال أشهب في الذي قال بعت عبدي من فلان فأعتقه وفلان يجحد قال: إن كان المشتري مليئاً بالثمن؛ لم أر للبائع استرقاقه، ويحكم عليه بعتقه، فإن كان معدماً ولا فضل في قيمته، فلا بأس أن يسترقه واستحسنه أصبغ.
الجزء: 8 - الصفحة: 1153
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى أمة ثم أقر أنها أم ولد لبائعها، كذلك يلزمه ولا سبيل له عليها، فإن أقر بذلك البائع؛ ردت إليه، ورد الثمن، وإن أنكر لم أعجل عتقها حتى يموت البائع، إذ لعله يقر بذلك، فتعود إليه أم ولد، فإن مات ولم يقر بذلك: كانت حرة من رأس المال، وولاؤها لمن يرث الولاء عن البائع، فإن ماتت عن مال قبل موت البائع؛ أخذ هذا منه قدر الثمن، وما بقي فللبائع إن أقر، وإن أنكر كان موقوفاً، وإن مات قبلها فكل ما تركت لمن يرث الولاء عن البائع، كما ذكرنا في مسألة العبد قبل هذا.
[م: وحكى بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا أنه قال: إن نفقة هذه الأمة في الحال الإيقاف.
يريد: إن لم يقدر على نفقة نفسها على البائع الذي أوقفت له، فإن أبى عتقت عليه.
قال بعض فقهائنا: كما قلنا في إيقاف أم ولد الذمي تسلم: إن نفقتها عليه، فإن لم يقو على ذلك عتقت عليه.
م: والذي يظهر لي: أن نفقة هذه الأمة على المشتري؛ لأنه بتمام شرائها ودخولها في ضمانه، وجبت عليه نفقتها، فيريد بإقراره: أن يسقط نفقتها، واسترجاع ثمنها، فلم يقبل ذلك منه في الوجهين؛ لأنه يعد نادم في شرائها، فأقر بذلك ليرد بيعها؛ ولأن إقراره أوجب إيقافها، فتجب نفقتها عليه؛ ولأنه ظالم في شراء ما لا يحل له، والظالم أحق أن يحمل عليه، ولا تعلق على البائع يمين بشهادة المشتري؛ للتهمة التي تلحقه، ولا نجد أحد يلزم إخراج ولد الذمي كانت على سيدها وليست بمتعدية في إسلامها، ولا أزال ذلك ملك سيدها عنها، وإنما أوقفت عليه فهي على النفقة المتقدمة، فإن اختار ذلك أنفق، وإن كرهته أعتقها، وبالله التوفيق].
الجزء: 8 - الصفحة: 1154
فصل
قال ابن القاسم: ومن اشترى أباه فأعتق عليه؛ كان ولاؤه له عند مالك، وكذلك لو اشترت امرأة أباها؛ لأعتق عليها وكان ولاؤها.
وبعد هذا باب فيه ذكر مواريثهم.
قال مالك: ومن أوصى له بمن يعتق عليه إذا ملكه والثلث يحمله أعتق عليه قبله أم لا، وله ولاؤه.
قال غيره: ويبدي على الوصايا.
قال أشهب: وهو مضار في ترك قبول الوصية إذا كان الثلث يحمله.
قال مالك: وإن لم يسع الثلث إلا بعضه، فإن قبله قوم عليه بقيته، وغرم عتق جميعه وكان الولاء له، وإن لم يقبله، فروى علي عن مالك: أن الوصية تسقط، وكذلك إن أوصى له ببعضه والثلث يحمله، فإن قبله؛ قوّم عليه باقيه، وأعتق عليه جميعه، وبدي على الوصايا، وكان له ولاؤه.
ابن المواز وروي عن مالك: أن ذلك الشقص يعتق عليه وإن لم يقبله، وولاءه لسيده، ثم رجع فقال: بل للموصى له، وكذلك في الهبة، والصدقة، والوصية به أو ببعضه، وقاله أصبغ في الوصية.
وأما في الصدقة فقال: لا يعتق إلا أن يقبله كله أو بعضه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1155
قال ابن المواز: بل الصدقة والوصية واحد، والصدقة ببعضه آكد؛ إنه إن قبله أعتق عليه كله، وإن لم يقبله؛ فهو حر كله على سيده.
ابن حبيب وقال ابن الماجشون: الوصية والهبة سواء، قبلها أو ردها لا تقويم عليه لباقيه؛ لأن ذلك الشقص يعتق بكل حال، وولاءه للمعطي؛ لأنه عنه أعتق.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أوصى لمولى عليه بمن يعتق عليه، ولم يحمله الثلث، فقبله وليه؛ لم يعتق منه إلا ما حمل الثلث، ولا يقوم عليه باقيه، وليس للوصي ألا يقبله، ويكون للمولى عليه، ولا ما أعتق منه؛ لأنه عليه أعتق.
م: وكثير من معاني هذا الباب في آخر العتق الثاني، وبالله التوفيق.
في ولاء العبد يعتقه قرشي وقيسي أو مسلم وذمي
وولاء اللقيط والعبد [يعتق من ... وجر الولاء، وموالي المرأة.
قال ابن القاسم: وإذا أعتق قرشي وقيسي عبداً بينهما معاً؛ فجريرته على قريش وقيس، ويكتب شهادته مولى فلان القرشي، وفلان القيسي.
ابن المواز: ولو كان بين رجل وامرأة فيكتب: مولى فلان وفلانة، ولو أعتقه رجل، وأعتق أباه آخر؛ فليكتب: فلان بن فلان مولى فلان، فيذكر مولى نفسه، فيجمع ذلك النسب والولاء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1156
ومن المدونة: وإذا كان ... عبد مسلم بين ذمي وبين مسلم قرشي، فأعتقاه معاً؛ فولاء حصة الذمي للمسلمين، ولو كان العبد نصرانياً فأعتقاه ثم جنى جناية -م: يريد تبلغ ثلث دينه، أو ثلث دية المجني عليه-، كان نصفها على أهل خراج مولاه الذمي الذين يؤدون معه الجزية، ونصفها على بيت المال لا على المسلم؛ لأن هذا المسلم لا يرثه لأنه نصراني، ولو أسلم العبد بعد العتق ثم جنى، كان نصف عقل جنايته على قريض قوم مولاه؛ لأن القرشي حين أسلم العبد صار وارثاً لما أعتق منه، ويكون عقل نصف الآخر من جنايته على المسلمين؛ لأن الذمي انقطعت وراثته من حصته التي أعتقها الإسلام، فصار جريرة ذلك النصف في بيت مال المسلمين، كما لهم ميراثه ونصفها على قوم القرشي.
م: قال بعض فقهائنا: وعلى هذا العبد الذي أعتقه المسلم والنصراني ما دام نصرانياً نصف الجزية على النصف الذي يخص النصراني في مذهب ابن القاسم.
فصل
قال الله سبحانه: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
قال مالك -رحمه الله-: فاللقيط لهذا حر، وولاؤه لجميع المسلمين، وليس له أو يوالي من شاء، والمسلمون يعقلون عنه ما جنى ويرثونه.
قال الشيخ: وإلى هذا ذهب عمر بن عبد العزيز، وأهل المدينة، وجل فقهاء الأمصار.
الجزء: 8 - الصفحة: 1157
وذهب إسحاق بن راهويه: إلى أن ولاءه لملتقطه.
واحتج من ذهب إلى هذا:
بخبر واثلة بن الأسقع أن النبي -عليه السلام- قال: «تجر المرأة لقيطها وعتيقها والولد الذي لاعنت عليه».
ويخبر سنين أن سعيد بن المسيب وجد لقيطاً على عهد عمر فقال عمر: هو حر، ولك ولاؤه، وعليك رضاعه.
وذهب أبو حنيفة: أنه يوالي من شاء، فيرثه، ويعقل عنه، وروي ذلك عن علي أبي طالب.
والدليل على صحة ما ذهب إليه مالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾.
واللقيط لا يُعلم له أب ولا رحم فهو مولى للمسلمين، واللقيط لا يخلو أن يكون حراً أو عبداً لغير الملتقط، وليس التقاطه يوجب ملكه، فبأي وجه يجب ولاء ملتقطه وهو لم يثبت له ملكه ولا عتقه، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنما الولاء لمن أعتق»، وهي حجتنا على أبي حنيفة؛ لأن من والاه اللقيط ليس هو بمعتق له، وأما خبر سُنينٍ فسنين مجهول لا يعرف غير هذا الحديث.
الجزء: 8 - الصفحة: 1158
وروي عن عمر من طريق صحيح أنه قال: اللقيط حر، وولاؤه للمسلمين، وعقله عليناً.
وكذلك خبر واثلة لم يثبت ... المعرفة بالحديث، ولو ثبت لكان ما أسعده الكتاب والقياس أولى أن يتبع.
ويحمل أن خبر واثلة ... بقوله: «إنما الولاء لمن أعتق»، وبالله التوفيق.
وحكي عن بعض شيوخنا في اللقيط: لا يكتب شهادته أنه مولى المسلمين، إذ ليس بمولى لهم، وقد يأتي أحد فيثبت أنه ابنه، وإنما يكتب فلان فقط.
ومن المدونة قال مالك: والنفقة على اللقيط احتساباً، فإن لم يجد الإمام من يحتسب له أنفق عليه من بيت المال.
قال في تاب محمد: وإن التقطه أحد لزمته] نفقته حتى يبلغ ويستغني، وليس له أن يطرحه.
قال في المدونة: ومن أنفق عليه لم يرجع عليه [شيء؛ لأن النفقة عليه، على وجه الحسبة، إلا أن يكون له مال وهب له فليرجع عليه] بما أنفق في ماله، يعني: إذا كان المال
الجزء: 8 - الصفحة: 1159
الذي وهب له في يديه يوم النفقة عليه، وقد علم به المنفق، وأنفق على أن يرجع عليه فيه، وفي كتاب أمهات الأولاد إيعاب هذا.
فصل
قال مالك: تفسير قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ هي الرقبة تعتق من الزكاة، فولاؤها لجميع المسلمين.
قال في كتاب محمد: وأما من أعتق عن كفارة لزمته فولاؤها له؛ [لأنه عن نفسه أعتقه].
م: قيل الفرق بين من أعتق عبداً عن زكاته: أنه ولاءه للمسلمين، وبين من أعتقه عن ظاهره، أو يمينه، أن ولاءه له إن أعتقه عن ظهاره أو يمينه، هو أدخل ذلك على نفسه، فهو كاستحداثه عتق العبد، والزكاة؛ الله تعالى أوجبها للفقراء والمساكين، فكان ما يعتق لها المسلمين دونه والله أعلم.
وأعلم: أن العبد إذا أعتق من الزكاة أو سائبة؛ فيكتب شهادته فلان مولى المسلمين [ابن فلان]، ولا يكتب [شهادته] فلان ابن فلان مولى المسلمين؛ لأنه يصير قد أدخل أباه في ولاء المسلمين، وليس بمولى لهم وهذا بين، [والكفارة لزمته فولاؤها له].
الجزء: 8 - الصفحة: 1160
قال في المدونة: ولو تزوج عبدٌ حرةٌ، فولدت منه أولاداً، فأعتق العبد من الزكاة؛ لجر ولاء ولده الأحرار للمسلمين؛ لأنه مواليه هم يرثونه ويعقلون عنه.
قال مالك -رحمه الله-: وكذلك من أسلم، فكان ولاؤه من المسلمين، فتزوج امرأة من العرب، أو من الموالي معتقه؛ فولدت أولاداً؛ فولاء الولد للمسلمين، والولاء هاهنا تبع للأب، فإن مات الأب ثم مات ولده بعده، كان ميراثه للمسلمين.
قال مالك: وكل حرة من العرب أو معتقة تزوجها حر عليه ولاء؛ فإنه يجر ولاء ولده منها إلى مواليه، ويرث ولده من كان يرث الأب، إن كان الأب قد مات.
قال في كتاب محمد: إذا مات أبوه ورثته أمه وإخوته لأمه؛ ترث الأم السدس، وإخوته الثلث، وما بقي لبيت المال، إن كانت أمه عربية، أو لمولاها إن كانت معتقة.
قال في المدونة: وإذا تزوجت الحرة عبداً، فولدت منه أولاداً؛ كان ولاء ولده لمولى الأم، إن كانت معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين، ما دام الأب عبداً، فإن عتق الأب جر ولاءهم لمعتقه، وهذا كولد الملاعنة ينتسب إلى مولى أمه، فهم يرثونه، ويعقلون عنه، ثم إن اعترف به أبوه حد، ولحق به، وصار ولاؤه إلى مولى أبيه، وميراثه لهم، وعقله عليهم.
قال سحنون: وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
وقال ابن المواز: ولو أن ولد هذا العبد من الحرة كبر، فاشتراه أباه فعتق عليه؛ فإنه يكون ولاء هذا الأب لابنه، يجره إلى موالي أمه، كما لو اشتراه غير الابن فأعتقه؛ لجر ولاء ولده إلى مواليه، فولاء الأب هاهنا وولاء ولده لموالي أمه الذين أعتقوها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1161
[قيل لمالك في العتبية: لو ناساً شكوا في ذلك وقالوا: نراه كالسائبة؛ فأنكر ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه: وهذا قول جميع أصحابنا إلا ابن دينار فإنه قال: فهو كالسائبة وولاؤه للمسلمين.
قال بعض فقهائنا عن بعض شيوخنا: ويكتب هذا الولد شهادته فلان ابن فلان عند فلان الذي جرت أمه ولاءه لفلان.
وقال غير من شيوخنا القرويين: إذا كتب: إن أباه عبداً، وكتب: الذي جرت أمه ولاءه، فأحد الوجهين؛ يعني: ويجزئه، قال: وعندي لو قال: مولى فلان دون أن يذكر جر الولاء؛ لما كان عليه شيء، وإن أعتق الأب لجر ولاءه لقوم آخرين، رجع بعد ذلك فذكر أنه مولاهم، ولا يضره ذلك؛ لأن التواريخ تنبئ عن أنه كان مولى قوم فانتسب إليهم ثم انتقل إلى آخرين فانتسب إليهم].
ومن المدونة قال مالك: ولو كان لولد العبد من الحرة وهو جد أو جد جد قد أعتق قبل الأب، لجر ولاءهم إلى معتقه، يريد: ما لم يعتق الأب.
قال ابن القاسم في العتبية: فإن مات الجد بعد أن جر إلى مواليه وباء ابن ابنه العبد، ثم ولد لابنه ولد آخر بعد موت الجد، فإن ولاءه لموالي أمه ما دام الأب عبداً، وولاء الولد الأول لموالي الجد، ما لم يعتق الأب أيضاً، فإذا أعتق الأب؛ جر ولاء الجميع إلى مواليه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1162
قال في كتاب محمد: ولو مات الجد وزوجة ولده الحرة حامل؛ لجر ولاء حملها إلى مواليه، ما لم يعتق الأب.
قال ابن سحنون: قال ابن الماجشون: وإذا كان الأب والجد عبدين، وأبو الجد حرٌ؛ جر ولاء ولد ولده إلى مواليه، ما لم يعتق الجد، فيصير ولاؤهم لمواليه، ما لم يعتق الأب، فيرجع ولاؤهم إلى موالي الأب.
قال: ولا يجر أحد من الأقارب الولاء إلا الأب وآباؤه من الذكور، وما ذكرنا من جر الولاء فقد قاله عمر، وعلي، وابن عمر، وابن مسعود، وغيرهم.
وقال مالك: هو الأمر المجتمع عليه عندنا.
م: وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وروي عن قبيصة بن ذؤيب وعبد الملك بن مروان: أن الولاء لا ينتقل إلى موالي الأب؛ لأنه قد ثبت لموالي الأم.
م: وقول مالك أولى؛ لما ثبت في الرواية عن الصحابة والتابعين.
الجزء: 8 - الصفحة: 1163
م: ولأن الولاء إنما كان لموالي الأم؛ لعلة كون الأب عبداً؛ لأن العبد لا يرث الحر، فإذا ارتفعت العلة رجع إليه الولاء.
م: ومعنى رجوع الولاء عندي في هذا إنما هو الميراث، فأما الولاء فهو للأب منعقد، ولكن لا يرثه، ولا يعقل عنه، هو ولا مواليه لما فيه من الرق.
كما قال سحنون في النصراني يعتق نصرانياً فيسلم العبد المعتق؛ فيكون ولاؤه لورثة سيده من المسلمين، فإن أسلم السيد رجع إليه ولاء مولاه.
قال سحنون: ومعنى رجوع الولاء: إنما هو الميراث، وأما الولاء فهو قائم لا ينتقل عنه، فهذا مثله، والله أعلم.
فصل
قال مالك: وللمرأة الحرة ولاء من أعتقت، وعقل ما جر مواليها من جريرة على قومها، وميراثهم إن ماتت هي لأولادها الذكور دون الإناث، فإن لم يكن لها ولد؛ فذلك لذكور ولد ولدها الذكور دون الإناث.
قال ابن القاسم: وينتمي مولاها إلى قومها، كما كانت هي تنتمي، فإذا انقرض ولدها وولد ولدها؛ رجع ميراث مواليها فعصبتها، الذين هم أقعد بها، يوم يموت الموالي، دون عصبة الولد.
الجزء: 8 - الصفحة: 1164
وروى ابن وهب أن علي بن أبي طالب والزبير بن العوام اختصما في موالي أم الزبير وهي صفية بنت عبد المطلب، فقال علي: أنا عصبتها وأنا أولى بمواليها منك يا زبير، وقال الزبير: أنا ابنها وأنا أرثها وأولى منك بمواليها، فقضى عمر بن الخطاب للزبير بموالي أم الزبير وبميراثهم؛ وهم إلى إبراهيم؛ منهم عطاء، ومسافر بن إبراهيم، وقضى عمر: بالعقل على عصبة أمه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1165
قال ابن شهاب: ثم اختصم الناس فيهم حين هلك ولد ولد المرأة الذكور، [وولد ولدها]، فردوا إلى عصبة أمهم، ولم يكن لعصبة ولد المرأة من ولائهم شيء، وقضى به أبان بن عثمان، وقاله علي وابن شهاب.
وقد تقدم في الباب الأول: أن الولاء لا يباع ولا يوهب، وقد قال علي وابن عباس وابن مسعود: أو الولاء لُحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب.
قال ابن مسعود: أيبيع أحدكم نسبه؟
جامع القول في الشهادة على الولاء والنسب
قال أبو محمد: والنسب والولاء كالحدود لا يجوز في شيء من ذلك شاهد ويمين.
قال مالك: ولا تجوز فيه شهادة النساء على علم أو سماع.
قال مكحول: لا تجوز شهادتهن إلا حيث أجازها الله تعالى في الدَّين.
قال مالك: أو ما لا يطلع عليه أحد إلا هن للضرورة إلى ذلك، وتجوز الشهادة على الشهادة في الولاء، وشهادة رجلين تجوز على عدد كثير.
الجزء: 8 - الصفحة: 1166
قال مالك: وإن شهد رجلان على السماع: أن هذا الميت مولى فلان أعتقه، تأنى الإمام؛ فإم لم يأت له من يستحق ذلك، قضى له بالمال مع يمين الطالب، ولا يجر بذلك الولاء.
وقال أشهب: يكون له ولاؤه وولاء ولده بشهادة السماع.
قال في كتاب محمد: بعد الثاني ورواه عن مالك.
وروى عنه ابن القاسم: أنه يؤخذ بذلك المال، ولا يثبت له به ولاء ولا نسب، وأخذ به أصبغ.
ابن المواز: ولم يعجبنا ذلك، وأكثر قول مالك وابن القاسم وأشهب: أنه يقضي له بالسماع بالولاء والنسب، وكذلك في الأحباس والصدقات فيما تقادم.
م: قال بعض المتأخرين وجه قوله: أنه يقضى له بالمال دون الولاء: لاحتمال أن يكون هذا السماع أصله عن واحد، وشهادة واحدة لا تجوز في الولاء ولا في النسب.
ومن المدونة قال أشهب: وكذلك لو أقر رجل أن فلاناً مولاه ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها، رأيته مولاه ويرثه بالولاء، وقاله ابن القاسم أيضاً.
قال ابن القاسم: وإذا شهد شاهد واحد على السماع، لم يحلف معه، ولم يستحق به من المال شيئاً؛ لأن الشهادة على السماع، إنما هي شهادة على شهادة، ولا تجوز شهادة وحد على شهادة غيره.
قال في المدونة وكتاب محمد: وأما لو شهد شاهد على البت في الولاء؛ فإني أقضى له بالمال مع يمينه بعد الثاني خوفاً أن يأتي للمال طالب ولا يجر بذلك الولاء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1167
وقال غيره وهو أشهب: لا يستحق المال بيمينه مع شاهد البت في ولاء ولا نسب؛ لأن المال لا يستحق حتى يثبت الولاء والنسب، وثبوتهما لا يتم إلا بشاهدين، أولا ترى أن مالكاً قال في أخوين أقر أحدهما بأخ وأنكر الآخر: أن المقر به لا يحلف، ويثبت مورثه من جميع المال؛ لأنه لا يثبت المال إلا بثبات النسب، ولكن يعطيه المقر ثلث ما في يديه.
وقال غيره: إنما يستحسن في شاهد على البت في الولاء، أو شاهدين على السماع، أن أقضي له بالمال مع يمينه بعد الاستثناء؛ لأن المال ليس له طالب، ولا نسب معروف، كما إن إقرار أخ بأخذ يوجب له أخذ المال، ولا يثبت له النسب، وقد قال مالك نحو هذا في كتاب الشهادات.
فصل
قال ابن القاسم: وإن شهد لرجل أعمامه أن فلاناً الميت مولى أبيه أعتقه، فإن لم يدع ولداً ولا موالي وإنما ترك مالاً؛ جازت الشهادة لارتفاع التهمة، وإن ترك ولداً أو موالي يُتهمون بذلك على جر ولائهم يوماً ما لقعددهم، لم تجز شهادتهم، وقد قال مالك في ابني عم شهدا لابن عمها على عتق، أنه إن [كان ممن يتهمان لقربهما منه في جر الولاء، لم يجز
الجزء: 8 - الصفحة: 1168
ذلك، وإن لم يتهما الآن في جر الولاء لبعدهما منه؛ جازت الشهادة، وإن كان الولاء قد يرجع إليهما يوماً ما.
[قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن الذي أقام شاهداً أنه أعتق هذا الميت، فحلف واستحلف ماله؛ على قول ابن القاسم ثم مات لهذا الميت مولى، فقال: الرواية إن أتى بشاهد آخر استؤنف له الحكم، وحلف أنه مولى مولاه، وأخذ المال خاصة، وإنما نعني أن الشاهد شهد أن الثاني مولى الأول، ولو شهد بما شهد به الشاهد الأول للفق إليه، وتمت الشهادة، ولا يحلف.
قال: ورأيت في بعض التعاليق أن في كتاب ابن المواز لأصبغ: إذا شهد له شاهد أنه وارث فلان الميت، وحلف استحق، ثم إن طرأ له مال آخر لا يستحقه إلا بيمين أخرى، فجعله يكرر اليمين مع الشاهد، وأنكر هذا ابن الكاتب وقال: لا يمين عليه، والملك الثاني مثل الأول، وقد حلف له؛ فهو يستحق بذلك كل مال لهذا الميت].
قال ابن القاسم: ومن أقام بينة أن هذا الميت مولاه لا يعلمون له وارثاً غيره، لم تتم الشهادة حتى يقولوا: إنه أعتقه أو أعتق أباه، أو يشهدون على إقرار الميت أن هذا مولاه، أو على شهادة بينة أن هذا مولاه.
وقال أشهب: إن قدر على البينة لم يقض بها حتى يكشفوا عن ذلك، وإن لم يقدر عليهم حتى ماتوا قضي له بالمال وبالولاء.
قال الشيخ: وقول أشهب هذا لا يخالفه ابن القاسم وإنما تكلف ابن القاسم على أنهم حضور يقدر على كشفهم، [فإذا لم يقدر على ذلك لغيبتهم جازت الشهادة، كنقلهم عن
الجزء: 8 - الصفحة: 1169
غيرهم؛ لأنهم إذا لم يُقدر على كشفهم]، فلا يثبت قولهم إلا بشهادة غيرهم [أنهم شهدوا أن هذا مولاه فقد ثبتت الشهادة بشهادة غيرهم على شهادتهم، وهذا قد تقدم لابن القاسم في آخر جوابه في المسألة: أن الشهادة تتم إذا شهدوا على شهادة بينة؛ أن هذا مولاه، وقد قال أشهب: إذا أقر رجل أن هذا مولاه، ثم مات ولم يسأل أمولى عتاقة أو غيرها؟ رأيته مولاه، ويرثه بالولاء، وقد تقدم مثل هذا في جواب ابن القاسم.
م: وقد كان ذهب بعض أصحابنا: أن قول أشهب خلاف ولكن جميع أصحابنا على خلافه، وأن ذلك تفسير، ويؤيد ذلك أيضاً: مسألة في كتاب العارية فيمن اعترف دابة وأقام بينة أنها له.
قال ابن القاسم: فليسألهم القاضي عن علمهم؛ فإن شهدوا أنهم لا يعلمون أنه باع ولا وهب، قضي له بها بعد يمينه على البت؛ أنه ما باع ولا وهب.
قال: وإن شهدوا أن الدابة له، ولم يزيدوا على ذلك؛ حلف كما ذكرنا، ويقضى له بها.
وقال أشهب في مدونته: هذا إذا لم يقدر على كشفه إلا بالبينة، وأما إن وقفوا وأبوا أن يقولوا شيئاً فلا شهادة لهم، وقد اتفقنا أن هذا تفسير لقول ابن القاسم فدل أن الشهادة لا تتم إذا حضروا لإتمامها، وبالله التوفيق.
الجزء: 8 - الصفحة: 1170
في الإقرار والدعوى في الولاء
قال ابن القاسم: ومن أقر أن فلاناً أعتقه، وفلاناً يصدقه، فإنه يستحق بذلك ولاءه، وإن كذبه قومه إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك؛ فيؤخذ بها.
[قال أبو إسحاق: اختلف في استلحاق الجد ابن ابنه:
فقيل: لا يلحق ذلك به.
وقيل: لأن أباه قد ينكر ذلك، وهو الصواب، وهو لسحنون، وفي كتاب ابن حبيب.
وقيل: يلحق به؛ لأنه مُقر بنسب بُنُوةٍ لحقت به، فأما الإقرار بالأخوة فلا يتم؛ لأنه يلحق هذا المقر بأبيه.
ولكن إن مات ولم يترك وارثاً غير أخيه الذي أقر به، أو ابن عمه الذي أقر به:
فعند ابن القاسم: أنه يرثه.
وعند سحنون: أنه لا يرثه؛ لأن بيت المال كوارث معروف، فكما لا يجيز إقراره بابن عم مع أخ معروف النسب، كذلك لو يجوز إقراره بأخ أو ابن عم مع بيت المال.
قال: وإنما أجاز ذلك من أجازه على قول من رأى أن هله أن يوصي بماله كله إذا لم يكن له وارث، وانظر إنما أقر أن هذا ابن عمه ثم أقر بعد ذلك أن هذا أخوه فمات، هل يكون الأخ أولى وإن تقدم إقراره لابن عم؟ وكأنه أشبه إذ هو كله إقرار لا يثبت به نسب.
وقد قال عبد الملك: إذا قال: هذا مولاي، وهذا أخي، في إقرار واحد؛ أن مولاه يرثه دون أخيه، يريد: لأن الإقرار بالمولى كالإقرار بالنسب، فأشبه قيام البينة، والإقرار بالأخوة لا يثبت نسباً، فمن ثبت له الولاء أولى ممن لم يثبت له نسب، وإن كان قد وقع في المستخرجة لأصبغ ما ظاهره خلاف هذا إن الأخ مقدم على الولاء وإن تقدم الإقرار بالولاء فقال: النسب أولى من الولاء، ولعله يريد: إذا ثبتا جميعاً فأما إذا تقدم إقراره
الجزء: 8 - الصفحة: 1171
بالولاء فهو كقيام البينة؛ لأنه ولاء يثبت؛ وإذا أقر بعد ذلك بالأخوة فيجب أن يكون الولاء أولى؛ لأنه كقيام البينة، كما لو قامت البينة على الولاء ثم أقر بأخ فمات لكان الولاء أولى أن يورث به]، وكذلك إن قال عند موته: فلان مولاي أعتقني وهو وارثي ولا يعلم ذلك إلا بقوله؛ فإنه يصدق ويرثه فلان إن لم تقم بينه بخلاف ذلك، [وقاله أشهب.
وقال ابن سحنون: الإقرار بالولاء جائز ثابت بإجماع العلماء.
وقال أيوب: لا يثبت الإقرار بالولاء إلا عند البصريين.
ابن حبيب قال ابن الماجشون: فيمن إن اقر أن ولاءه لفلان وله ولد أصاغر وأكابر، فأنكر ذلك الأكابر؛ فإن ولاء المقر وولاء ولده الأصاغر للذي أقر الأب له وليس له ولاء الأكابر.
م: انظر لم هذا؟ وكان ينبغي أن يكون للمقر له ولاء الأصاغر والأكابر؛ لأنه قد ثبت بهذا الإقرار أنه مولى أبيهم، فهو مولاهم، إلا أن يقول الأكابر: إن فلاناً أعتقنا نحن، فيصح في هذا، إلا أن يكون ولاءهم لمن أقر له الأب، وقد قدمنا: إذا قال الابن: أعتقني فلان، وقال الأب بل أعتقك فلان، إن الأب مصدق، وولاء الابن لمن قال الأب؛ فهذا يرد ما قاله ابن الماجشون.
م: وأنا أستحب في ذلك إذا قال الابن: فلان أعتقني وهو مولاي، وقال الأب بل أعتقك فلان أن يكون القول للابن المقر على نفسه، كما لو استلحق الابن ولداً، واستلحق له الأب غيره، أن القول قول الابن المستلحق والله أعلم].
قال ابن القاسم: ومن أقر أن أباه أعتق هذا العبد في صحة أو مرض، والثلث يحمله؛ فإن لم يرث الأب غيره جاز العتق ولزمه، وكان ولاؤه للأب، وإن كان معه وارث غيره؛ لم يجز قوله.
الجزء: 8 - الصفحة: 1172
قال ربيعة لأنه داعية إلى عتق النصيب بغير تقويم ولو شهد معه غيره جاز ذلك على الورثة وهذا في كتاب العتق مذكور.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت أمة وهي تحت حر؛ فولدت ولداً، وقالت: عتقت وأنا به حامل، وقال الزوج: بل حملت به بعد العتق؛ فولاؤه لمولاي، فالقول قول الزوج.
قال أشهب ولو أقر الزوج بقولها لم يصدق إلا أن تكون بينة الحمل يوم العتق، أو تضعه لأقل من ستة أشهر من يوم العتق.
قال في كتاب محمد لأن الظاهر أنها ولدت وهي حرة والشك في أن تكون حاملاً يوم العتق.
قال ابن المواز: ولأن أحقهم بالولاء الأب؛ لأنه يجره عمن كان له إلى مواليه، فلا يزول عنه بالشك.
قال مالك: ولا يكف زوجها عن وطئها إذا أعتقت لاختيار الحمل.
م: لأن الوطء حق له فلا يمنع منه لأمر يكون أو لا يكون.
ومن المدونة ابن القاسم: ومن ادعى ابن فلان أو أبوه، أو أنه مولاه من فوق أو من أسفل وفلان يجحد؛ فله إيقاع البينة عليه ويقضى له، وكذلك في الأمهات والأخوة.
ومن مات وترك ابنتين وادعى رجل أنه أعتق هذا الميت، وأنه مولاه وأنكرت البنتان؛ لم يكن مولاه إلا أن يقيم بينة على ذلك، فإن صدقته إحدى البنات؛ لم يأخذ مما
الجزء: 8 - الصفحة: 1173
في يديها شيئاً، ولا شيء له من المال لأنها إنما أقرت له في غير مصابها، ولا يثبت له ولاء، فإذا ماتت ولم تدع وارثاً غيره ولا عصبة فإنه يحلف ويرثها.
قال ابن المواز: بعد الثاني واليمين في ذلك خفيف.
قال ابن القاسم: ولو أقرت البنتان أنه مولى أبيها، وهما عدلتان حلف معها، وورث الثلث الباقي، إن لم يأت أحد بأحق من ذلك، من ولاء ولا عصبة، ولا نسب معروف ولا يستحق بذلك الولاء.
م: كأنه رأى أنها شهدتا له بمال؛ وهو الثلث الباقي فيحلف مع شهادتهما؛ لأنهما كرجل، ويستحق ذلك الثلث، ولا يستحق الولاء.
قال غيره: لا يحلف مع إقرارهما ولا يرث الثلث الباقي؛ لأنهما شهدتا على العتق وشهادتهما في العتق لا تجوز ولو أقرتا أنه مولاهما ورثهما إذ لم يعرف باطل قولهما، كمن أقر أن فلاناً مولاه ولا يعرف كذبه فهو مولاه.
ومن قال: فلان مولاي أعتقني، وأنكر فلان ذلك؛ فلا يمين عليه.
قلت: فإن أقام شاهداً؛ أتحلفه؟ فإن نكل سجنته؟
قال: لا، ولكن لا يقال لهذا: ائت بشاهد آخر، وإلا فلا ولاء له عليك.
محمد: ولا يحلف.
الجزء: 8 - الصفحة: 1174
قال ابن القاسم: والرجلان يدعي كل واحد منهما أنه مولى فلان من فوق وفلان مقر بأحدهما وأقاما البينة فإنه يقضي بأعدلهما بينة.
ولا ينظر إلى إقرار المولى لأحدهما وإن تكافأت البينتان سقطتا، وكان الولاء له منهما، وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان والحق في يد أحدهما؛ فالحق لمن هو في يديه، فإقرار هذا بمنزلة من في يديه الحق.
قال: ومن ورث رجلاً بولاء يدعيه، ثم أقام آخر البينة أنه مولاه وأقام قابض الميراث مثله، وتكافأتا فالمال بينهما.
قيل: لم؟ وقد قال مالك: إذا تكافأت البينتان فالمال لمن هو في يديه.
قال إنما قال ذلك مالك: إذا لم يعرف أصل المال، وهذا مال قد عرف أصله.
قال أبو محمد وهذا بخلاف حق حازه أحدهما؛ لأن الولاء الذي تداعياه لمن يحزه، وإنما حاز مالاً قد علم أصله.
وقال غيره: المال لمن هو في يديه، كمن في يديه ثوب فادعاه رجل وأقام بينة: أن ذلك الثوب كان لزيد يملكه، وأن المدعي اشتراه منه، وأقام حائزه بينة مثلها، وقد مات البائع ولم تؤرخ البيتان وهما في العدالة سواء؛ فإنها تسقط، ويبقى الثوب لحائزه ويتحالفان.
الجزء: 8 - الصفحة: 1175
م: قوله: ويتحالفان: إنما يريدان: يحلف الحائز أولاً، فإن نكل؛ حلف الآخر واستحق الثوب، فإن نكل فلا شيء له.
م: وهذه المسألة لا يخالفه فيها ابن القاسم، وقاله في كتاب الشفعة في الدار بيد أحد الرجلين يقيم كل واحد منهما بينة؛ أنه ابتاعها من فلان.
م: والفرق عنده بينها وبين مسألة الولاء الذي تداعياه لم يحزه وإنما حاز مالاً قد عرف أصله كما قال أبو محمد والثوب الذي تداعياه في هذه المسألة قد حازه أحدهما؛ فلا يخرج من يده إلا بأمر هو أقوى مما أحتج به صاحبه.
في ميراث الولاء بالقعدد، وما يرث النساء من الولاء، ودور الولاء
وقضت الأئمة من الصحابة والتابعين أن الأقرب من المعتق من عصبته أحق بالولاء من ورثة من حازه بعده بميراث.
قال مالك: فمن مات وترك موالي ورث ولاءهم أقعد الناس بالميت من الذكور، فإن ترك ابنين؛ ورثا ولاء مواليه ثم إن مات أحدهما وترك ولداً ذكرا فولاء الموالي للابن الحي دون ولد أخيه.
م: لأنه ابن المعتق وابن الأخ ابن ابنه وابنه أولى من ابن ابنه.
قال: وإن مات الابنان جميعاً، وترك أحدهما ابناً والآخر أربعة بنين كان ولاء الموالي بينهم أخماساً.
الجزء: 8 - الصفحة: 1176
ابن وهب: وقاله سعيد بن المسيب، وأبو الزناد، وأن عمرو بن عثمان وأخاه أبان ورثا موالي عثمان بالسواء، ثم توفي عمرو فخلص الولاء لأبان، ثم توفي أبان فرجع الولاء لنبي أبان وبني عمرو فكانوا فيه شرعاً سواء، وقال مثله ابن عمر.
م: والأصل في هذا أن ينظر يوم مات المولى؛ فمن كان أقرب إلى العتق فهو أحق بميراث مولاه ولا ينظر إلى من حاز الولاء قبله كالحكم في حيازة النسب، لو أن رجلاً مات وترك ولدين وابن عم أو أخاً؛ فميراث الابن عم أو الأخ إن مات الآن لولدي الميت أولى، فإن لم يمت ابن العم ولا الأخ حتى مات أحد الولدين وترك ولداً ثم مات ابن العم أو الأخ؛ فميراثه للابن الحي دون ابن أخيه، فإنما ينظر أبداً إلى الأقرب بالميت يوم يموت، فهو أحق بميراثه دون ورثة من كان أقرب منه، ومات قبل موت هذا
الجزء: 8 - الصفحة: 1177
الموروث من مولى أو قريب.
م: ولو أن أخوين كاتباً عبداً فأدا كتابته وعتق ثم مات أحدهما وترك أولاداً ذكوراً ثم مات المعتق ولم يترك من يرثه من نسب فماله بين الأخ وبين ولد أخيه نصفين؛ لأنهم يرثون سهم أبيهم.
م: لأن ولاء كل نصف لمعتق لا ولاء للآخر فيه، فهو بخلاف مولى أبيهم؛ لأن هذا كل واحد من الولد هو مولاه، ولو كان إنما كاتبه أبوهم ثم مات الأب، [ثم مات أحد ولديه وترك أولاداً] ثم مات المكاتب قبل أداء كتابته؛ لكان ما ترك بين الابن الحي وبين بني أخيه نصفين؛ لأنهم هاهنا إنما يرثونه بالرق؛ لأن الحر الذي كاتبه مات وتركه مكاتباً، والمكاتب عبد، فهو عبد لولدين، فإن مات أحد ولديه فنصفيه في الكتابة ثابت إن مات قبل الأداء؛ فورثته أحق بميراث نصيبه من أخيه، ويرث منه بناته مع أخوتهم.
ولو كان المكاتب قد أدى كتابته في حياة الحر أو بعد موته، ثم مات بعد عتقه فإن مات ترك هاهنا لابن مولاه الأعلى دون بني ابنه الذي مات، ولو مات الابن الثاني قبله ثم مات المولى؛ لورثة بنو الابن الذكور دون الإناث؛ لأنه هاهنا موروث بالولاء، وقبل الأداء موروث بالرق؛ فافترقا.
وأكثر هذا وأصله في كتاب محمد وهو بين فاعرفه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1178
ومن المدونة قال مالك: والابن وابن الابن أولى بالولاء من الأب، ولا يرث مع أحدهما سدس ولا غيره، بخلاف النسب.
م: وذهب شريح والنخعي والأوزاعي: أن للأب السدس، وما بقي فللابن، وكذلك إن كان مكان الأب جد؛ فله السدس عندهم كالنسب.
والصواب ما ذهب إليه مالك وهو قول علي وزيد وابن المسيب وعطاء والزهري.
م: والحجة في ذلك أن الولاء إنما يرثه العصبة لا أصحاب الفرائض المسمى، ألا ترى: أن النساء لا يرثن من ولاء ما أعتق غيرهن لأنهن أهل فرائض مسماة، وكذلك الزوج والزوجة لا يرثان من الولاء شيئاً؛ لأنهما من ذوي السهام، [والأب له حالان: حال يكون فيها من ذوي السهام]؛ فلا يرث فيها من الولاء شيئاً، وهو مع الولد الذكر وولد الولد؛ [كذوي السهام] وحال يكون من العصبة؛ وهو: أن ينفرد بالميراث أو يكون مع من لا يستكمله؛ مثل البنت والزوج والزوجة، فيرث الولاء؛ لأنه يرث في ذلك التعصيب، مع أن قولنا هو قول جمهور العلماء.
ومن المدونة قال مالك: والأب أولى من الأخ.
قال غيره: والإجماع على ذلك.
الجزء: 8 - الصفحة: 1179
قال مالك: والأخ والابن والأخ أولى من الجد.
م: وقيل: إن الجد أولى من الأخ، وقيل: إن المال بينهما نصفان.
م: فوجه قول مالك وإليه ذهب الشافعي: أن الأخ يلتقي مع المعتق في صلب أبيه، وكذلك عنده ابن الأخ وإن سفل، فالأب يجمعهم، ويلتقي مع الجد في صلب أبي الجد، فمن يلتقي معه في صلب أبيه أقرب ممن يلتقي معه في صلب أبي جده.
ووجه من قال: إن الجد أولى:
فلما روي أن الجد أب.
ولأنه يحرم عليه ما نكح ابن ابنه لقوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ كالأب.
ووجه قول من قال: الميراث بينهما نصفين: اعتباراً بميراث النسب.
قال ابن المواز: والجد أولى من العم.
م: لأن العم إنما يدلي بقرابة أبيه وهو الجد؛ فلا شيء له مع من يدلي بقرابته.
الجزء: 8 - الصفحة: 1180
ومن المدونة قال مالك: والأخ الشقيق أولى من الأخ للأب والأخ للأب أولى من ابن الأخ الشقيق وابن الأخ الشقيق أولى من [ان الأخ لأب، ... الأخ للأب أولى من ابن ابن أخ شقيق، والعم الشقيق أولى من العم للأب، وابنه أولى من] العم للأب [وابنه أولى من ابن العم للأب].
م: هكذا أبداً إذا استوت الطبقة فالشقيق أولى، وإن اختلفت فالأعلى أولى.
م: والحجة في ذلك ما روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رحمهم الله أنهم قالوا: الولاء للأكبر، والأكبر أقرب العصبة إلى المعتق.
وروي أن العاص بن هشام
الجزء: 8 - الصفحة: 1181
ترك ثلاثة بنين؛ اثنان شقيقان، والآخر لعلة يعني من أم أخرى، ثم هلك أحد الشقيقين، وترك مالاً وموالي، فورث أخوه شقيقه ماله وولاء مواليه، ثم هلك الوارث وترك ابناً له وأخاه لأبيه؛ فقال ابنه: قد أحرزت ما كان أحرزه أبي من المال والولاء، وقال أخو الميت ليس هو كذلك: إنما أحرزت المال، والولاء لي فاختصما إلى عثمان بن عفان؛
الجزء: 8 - الصفحة: 1182
فقضى لأخي الميت وبالولاء دون ابن الميت.
وروي أن علياً وزيداً قالا: في رجل ترك أخاه شقيقه وأخاه لأبيه، وترك مولى من أسفل؛ أن الولاء للأخ الشقيق.
ومن المدونة قال مالك: ولو أعتقت امرأة عبداً ثم ماتت؛ وتركت ولداً ذكراً ثم مات ولدها هذا وترك أخاه لأبيه، ثم مات المولى بميراثه لعصبة المرأة التي أعتقته دون أخي ولدها لأبيه، وكذلك لو ترك الولد خاله وعمه؛ لورث الولاء خاله دون عمه؛ لأن خاله عصبة أمه المعتقة.
م: لأن خاله أخو المعتقة، وعمه أخو زوجها، وزوجها لو كان حياً لم يرث مولاها، فكيف بأخيه؟
قال مالك -رحمه الله-: هكذا حكم الولاء؛ أن يرثه الأقعد بالميت المعتق دون ورثة من حازه بعده على ما ذكرنا، ولا يرث الأخ للأم من الولاء شيئاً، وإن لم يترك الميت غيره والعصبة أحق منه إلا أن يكون هذا الأخ للأم من الصعبة فيرث معهم.
م: مثل أن يترك المالك ابن عم مولاه أحهما أخ لأم فيكون الميراث بينهما نصفين لبنوه العم وتسقط ولادة الأم.
ابن ال مواز قال أشهب: بل يكون الأخ للأم أولى بالولاء لأنه أقعد بالرحم، كما لو ترك المالك أخاً شقيقاً وأخاً لأب؛ فإن الميراث للأخ الشقيق، وكما لو ترك ابن عم شقيق وابن عم لأب؛ لكان الشقيق أولى بالولاء والميراث.
الجزء: 8 - الصفحة: 1183
م وهذا أقيس.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق رجلان عبداً بينهما فمات أحدهما وترك عصبة أو بنين ثم مات المولى؛ كان نصف ميراثه للحي، ونصفه لورثة الميت المذكور.
قال سليمان بن يسار وغيره: لا يرث الرجل ولا موالي امرأته ولا المرأة ولا موالي زوجها.
فصل
قال سحنون: أجمع المسلمون أن النساء لا يرثن من الولاء شيئاً، إلا ما أعتقن أو أعتق من أعتقن أو ولد من أعتقن وإن سفل من ولد الذكور خاصة، كان ولد الولد ذكراً أو انثى.
قال غيره: وروي أن النبي -عليه السلام- قال: لا يرث النساء من الولاء شيئاً إلا ما أعتقن أو ولد من أعتقن.
وقد
ورث النبي -عليه السلام- بالولاء ابنة حمزة من مولاها، وورث ابنته النصف ومولاته ما بقي وهو النصف.
قال ابن القاسم: فمن مات وترك بنات لصلبه، وابن ابن أو عصبة وترك موالي؛ كان ولاؤهم لبني الابن أو للعصبة دون البنات، وكان ابن عمر يرث موالي عمر دون بنات عمر.
الجزء: 8 - الصفحة: 1184
قال مالك: ولا يرث أحد من النساء ولا ما أعتق أب لهن أو أم أو أخ أو ابن والعصبة أولى بالميراث منهن، فإن مات مولى الأب لهن أو لأخ ولم يدع وارثاً ولا عصبة لمولاه فميراثه لبيت مال المسلمين دونهن.
قال مالك ومولى النعمة أحق بميراث الميت من عمة الميت وخالته، ولو أنفردتا لم ترثا عند مالك، ويكون ما ترك الميت للعصبة؛ فإن لم تكن له عصبة فبيت المال.
قال ابن القاسم: وإذا أعتقت امرأة امرأة فتزوجت المعتقة فولدت منه فلاعنها ونفاه عن نفسه؛ كان ميراث هذا الولد بعد فرض الأم للمرأة التي أعتقت أمه، وكذلك لو ولدت هذه الأمة المعتقة من الزنا لورثته مولاة أمه.
فصل
قال مالك وإن اشترت امرأة أباها؛ فعتق عليها، ثم مات ولم يدع وارثاً غيرها ورثت جميع المال النصف بالنسب والنصف بالولاء ولو كان الأب بعد عتقه اشترى ابناً له فأعتق عليه، ثم مات الأب ورثه الابن والبنت بالنسب للذكر مثل حظ الأنثيين، ثم إن مات الابن ورثت أخته النصف بالنسب والنصف بالولاء؛ لأن الابن مولى أبيه، والأب مولى لها، وهي ترث بالولاء من أعتقت أو أعتق من أعتقت.
ابن المواز: قال ابن الماجشون قال مالك في ابن وابنة اشتريا أباهما فعتق عليهما ثم أعتق الأب عبداً، ثم مات الأب ثم مات مولاه فميراث الأب بينهما على الثلث والثلثين،
الجزء: 8 - الصفحة: 1185
وميراث المولى للابن وحده، وكذلك لو كان البنت هي المعتقة للأب كله؛ لأنه إنما يورث بالولاء إذا عدم الميراث بالنسب؛ فولد الرجل يورث مواليه دون من أعتق أباه، وكما لو أن هذا الابن وأجنبياً معه اشتريا الأب فأعتقاه ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فمن مات من الموالي كان ميراثه للابن وحده دون الأجنبي إذ لو يورث بالولاء ما دام نسب.
قال: ولو أن الابن والابنة اللذين أعتقا أباهما مات الابن أولاً فورثه أبوه، ثم مات الأب عن موالي أعتقهم؛ فللبنت من ميراث أبيها النصف للرحم، ونصف النصف الباقي بالولاء؛ لأنها أعتقت من الأب نصفه، والنصف الباقي وهو الربع لأخيها فهو لموالي أبيه وموالي أبيه هو وأخته؛ فلها نصف ذلك الربع؛ فيصير لها سبعة أثمان ما ترك أبوها والثمن الباقي يكون لموالي أم أخيها إن كانت أمه معتقة، وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ثم إن مات موالي أبيها فلها من ميراثه النصف، والنصف الباقي لأخيها، وهو لموالي أبيه، وموالي أبيه هو وأخته فلها نصفه؛ يصير لهما ثلاثة أرباع ميراث الموالي، يريد: ويكون لموالي أم أخيها الربع.
ومن المدونة قال مالك: ولو أن ابنتين اشترتا أبيهما فأعتق عليهما ثم مات؛ ورثا منه الثلثين بالنسب والثلث بالولاء إذا لم يكن له وارث غيرهما.
الجزء: 8 - الصفحة: 1186
قال في كتاب ابن سحنون وابن المواز وهو في العتبية لابن وهب وفي الواضحة لأصبغ وابن الماجشون قالوا: إن ماتت إحداهما ولا وارث لها غير أختها فلها منها النصف بالرحم ونصف النصف بالولاء فقط، بما جر إليها الأب، والربع الباقي لموالي أم أختها.
وفي رواية ابن حبيب عن ابن القاسم: أنها تأخذ سبعة أثمان ما تركت؛ النصف بالرحم والربع بشركة الولاء والثمن بجر الولاء إليها.
قال ابن الماجشون: وهذا غلط.
قال في كتاب ابن المواز: فإن ماتت الثانية ولا وارث لها فنصف ميراثها لموالي أمها، [والنصف لموالي أم أختها؛ فإن كانت الأم واحدة فكله لموالي أمها] قالوا في هذه الكتب: ولو ماتت إحداهما أولاً ثم مات الأب وترك الثانية فلها سبعة أثمان ميراثه، والنصف لها بالرحم، والنصف الباقي لها نصفه بما أعتقت من أبيها، ولأخيها نصفه يكون لموالي أبيها هي وأختها؛ فتأخذ الحية نصفه فيصير لها سبعة أثمان المال، ويبقى ثمن يكون لموالي أم الميتة، وإن كانت عربية لبيت مال المسلمين.
وهذا الباب يتسع فيه القول، وأنا أذكره موعباً إن شاء الله في كتاب أفردته للمواريث إذ لا يستغني الفقيه عن الاتساع فيه.
م: وأنا أذكر في هذا الباب أصلاً يعتمد عليه ويسهل عليه عمل مثل هذه المسائل: وهو أن يقسم ما تركه الميت لمن يرثه بالنسب فإن استكملوه فرغت المسألة،
الجزء: 8 - الصفحة: 1187
وإن لم يستكملوه مثل أن يترك الميت بنات أو أخوات؛ فيورث منه أولاً بالنسب ثم يقول وما بقي فلمواليه، فإن كانوا أحياء أخذوه وفرغت المسألة، وإن كان مواليه ابنتين إحداهما ميتة؛ أخذت الحية نصيبها، وما بقي لموالي أبي الميتة فتجده الحية والميتة، فتأخذ الحية نصيبها من ذلك، ونصيب الميتة يكون لموالي أبيها هكذا يصنع أبداً؛ يجعل القسمة على أربع رتب؛ فالأولى للنسب وما بقي لمواليه وما بقي لموالي ابن الوارث وما بقي لموالي أمه، وبالله التوفيق.
جامع القول في المواريث وذكر الميراث بالشك والتداعي والشهادة في ذلك
وميراث ابن الملاعنة والمرتد والمسلم للنصراني وذكر الإقرار بوارث
قال مالك: لا يرث أحد إلا بنسب قرابة أو بولاء عتاقة.
قال مالك: وإذا ماتت امرأة وتركت: زوجها وأمها، وأختاً شقيقة أو لأب، وجد؛ فهي الغراء؛ فلزوجها النصف وللأم الثلث وللجد السدس ويربى للأخت بالنصف، أصلها من ستة تعول إلى تسعة ثم يضم الجد سهمه وذلك [واحد إلى نصيب الأخت
الجزء: 8 - الصفحة: 1188
وذلك] ثلاثة فتكون أربعة فيقتسمون ذلك على ثلاثة للجد سهمان وللأخت سهم فالأربعة لا تنقسم على ثلاثة ولا توافقها بشيء، فتضرب ثلاثة في أصل الفريضة بالعول وذلك تسعة فتكون سبعة وعشرين: فللزوج ثلاثة من تسعة في ثلاثة بتسعة، وللأم اثنان في ثلاثة بستة، وللجد والأخت أربعة في ثلاثة باثني عشر للجد لثلثاها ثمانية وللأخت أربعة.
م: وهذا تفسيرها على مذهب زيد وبه أخذ مالك، فأما علي بن أبي طالب فيقيمها من تسعة ولا يخلط سهم الجد مع نصيب الأخت.
وذهب ابن مسعود أن للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأخت النصف تبلغ ثمانية وإنما أعطي للأم السدس لأنه كان لا يفضل أما على جد.
قال بعض أهل الفرائض: وإنما سميت الغراء لأن الجد أغرى بسهمه على نصيب الأخت فشاركها فيه.
وقال غيره: إنما سميت بذلك لأنه لا يربى في مسائل الجد على مذهب زيد إلا فيها فسميت الغراء لانفرادها كغرة الفرس.
قال ابن حبيب وتسمى الأكدرية وإنما سميت الأكدرية لأن عبد الملك بن مروان طرحها على رجل يقال له الأكدر كان يحسن الفرائص فأخطأ فيها.
من المدونة قال مالك ولو تركت الهالكة أختين لم تكن غراء؛ لأن الأم ترجع إلى السدس فيها فيبقى للجدات السدس ولا يربى لهن بشيء، وتصح المسألة من اثني عشر لانكسار السدس على الأختين.
الجزء: 8 - الصفحة: 1189
م: وعلى قول علي وابن مسعود يكون للزوج النصف وللأم السدس وللجد السدس وللأختين الثلثان أصلها من ستة تبلغ تسعة.
فصل
قال مالك: وكل بلد افتتحت عنوة فأقر أهلها فيها ثم أسلموا فشهد بعضهم لبعض فإنهم يتوارثون بأنسابهم التي كانت في الجاهلية وهم على أنسابهم التي كانوا عليها، كما كانت العرب حين أسلمت يُتوارث بأنسابها، وكذلك الحصن يفتح وشبهه بخلاف العدد القليل يتحملون إلينا فهؤلاء لا تقبل شهادة بعضهم لبعض إلا أن يشهد سواهم من المسلمين من أسارى أو تجار كانوا عندهم فيتوارثون بذلك، وقد أبى عمر بن الخطاب أن يورث أحداً من الأعاجم إلا من ولد في العرب، وقاله عمر بن عبد العزيز وغيره؛ يريد: إلا أن يثبت أن بعضهم ورثة بعض ويرثونهم كما ذكرنا وفسرنا.
قال ابن القاسم في العتبية والعشرون عدد كثير، وأباه سحنون.
قال ربيعة: وإن قدمت إلينا امرأة حامل فولدت عندنا لورثها ولدها، ومن قذفها بها فهو مفتر، وإن جاءت بغلام مفصول فادعت أنه ولاها فإنه لا يلحق بها في ميراث ولا يجلد من افترى عليه بها.
الجزء: 8 - الصفحة: 1190
قال مالك في كتاب أمهات الأولاد: وتوأم المحتملة وتوأم الملاعنة يتوارثان من قبل الأب والأم، وأما توأم المغتصبة وتوأم الزانية؛ فإنهما يتوارثان من قبل الأم خاصة.
قال في كتاب الولاء: ومن مات من قيس وغيرها لم يرثه إلا عصبته دنيا ممن يحصى ويعرف وإن التقوا معه إلى أب جاهلي بعد عشرة آباء أو أكثر؛ لأن ذلك أمر معروف وذلك إذا كان هؤلاء الذين يلتقون معه إلى الجد يحصون ويعرفون، ولا أورث القبيلة؛ إذ لا يعرف عددهم ولا من يستحق منهم، ولا كم يجب لمن قام يطلب ذلك منهم من جملة المال.
[وفي كتاب ابن المواز بأثر كلام أشهب: ولا أرى ميراثه للمسلمين إن لم يعرف له وارث؛ لأن له وارث بعينه لابد، ولكن يوقف حتى يعرف بعينه، أو يُيأس منه فيتصدق به عن صاحبه الذي كان يستحق للفقراء والمساكين ولا يكون فيئاً.
وقال إسماعيل القاضي: إنه يجعل في بيت المال.
وحكي أن ابن الكاتب قال كلام إسماعيل أصح؛ لأنه يلزم على ما قاله أشهب: إن من مات وترك موالي أن الموالي لا يرثونه لأنه يخلو أن يكون له وارث من نسبه والنسب أولى].
الجزء: 8 - الصفحة: 1191
فصل
قال مالك: ولا يرث أحد إلا بيقين.
قال ابن القاسم: وإذا ماتت امرأة وابنها، فقال زوجها وهو أبو الولد ماتت قبله، وقال أخو المرأة ماتت بعده؛ فإن لم يعلم أولهما موتاً، لم ترث المرأة الولد ولا الولد المرأة ويرث كل واحد منهما أحياء ورثته.
قال: ولا يرث الموتى بعضهم من بعض، إذا لم يعرف أولهما موتاً.
قال: وإذا أعتقت أمة تحت حر؛ فمات زوجها فقالت: أعقت قبل موته، وكذلك قال سيدها، وقال ورثة الزوج بل أعتقت بعد موته فلا يرث منه شيئاً لأنه ميراث بالشك ولا يرث أحداً إلا بيقين.
قال: وإذا مات المولى ومعتقه وجهل أولهما موتاً؛ لم يتوارثا، وميراث المولى الأسفل لأقرب الناس من سيده من الذكور، ولا يرث [المولى الأسفل] المولى الأعلى على حال علم الموت أو جهل.
وإذا مات المتوارثان بقتل أو بغرق أو بهدم ولا يدرى أولها موتاً؛ فلا يتوارثا، ويرث كل واحد منهما ورثته الأحياء.
الجزء: 8 - الصفحة: 1192
قال مالك وسمعت ربيعة وغيره ممن أدركت من أهل العلم: لم يتوارث من قتل يوم الجمل وأهل الحرة وأهل صفين وأهل قديد؛ فلم يورث بعضهم من بعض؛ لأنهم لا يدرى من قتل قبل صاحبه.
قال ابن شفاعة: روي خارجة بن زيد بن ثابت قال: أمرني أبو بكر الصديق حين قتل أهل اليمامة أورث الأحياء من الأموات، ولا أورث الأموات بعضهم من بعض، وقاله زيد بن ثابت.
قال خارجه: وقسمت ميراث أهل الحرة فورثت الحي من الميت وأصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومئذٍ متواجدون ولم يعب أحد منهم ذلك علي.
وقال ابن اللباد الفارض وروى علي بن أبي طالب وغيره أنه ورث بعضهم من بعض من صلب أموالهم ولم يورث ميتاً مما خرج من يده لصاحبه ويرث ذلك أحياء ورثته.
م: وبيان ذلك أن يهلك أخوان ويتركا أخاً لهما، وأما فعلى قول الجماعة للأم الثلث مما ترك كل واحد منهما وما بقي لأخيهما الحي.
وعلى قول علي: يُحيي أحدهما ويميت الآخر؛ فيكون لأمه السدس وما بقي للأخوين فتصح فريته من اثنى عشر: للأم اثنان ولكل أخ خمسة، فتوقف خمسة الميت، ثم يمات الذي أوقف خمسته ويحيا الآخر؛ فتصح أيضاً فريضته من اثني عشر؛ للأم اثنان وللحي
الجزء: 8 - الصفحة: 1193
خمسة وللميت خمسة فيصير في يد الأم اثنان من تركة كل واحد، وفي يد الأخ خمسة من تركة كل واحد وفي يد كل واحد من الميتين خمسة من تركة صاحبه، ثم يماتا جميعاً ميتة واحدة فيكونا قد تركا أخاً وأماً؛ فللأم الثلث وللأخ ما بقي وفي يد كل واحد خمسة لا تنقسم على ثلاثة فتضرب الاثنا عشر التي كانت فريضة كل واحد في ثلثه يكون ستة وثلاثين ففي يد الأم اثنان من تركة كل واحد في ثلثه تكون بستة وفي يد الحي من تركة كل واحد خمسة في ثلاثة بخمسة عشر وفي يد كل واحد من الميتين خمسة في ثلاثة بخمسة عشر أيضاً فلأمه ثلثها خمسة، ولأخيه الحي ما بقي عشرة.
فجميع ما يصير للأم اثنان وعشرون من اثنين وسبعين، وللأخ الحي خمسون، والحجة لمالك: أنا قد تيقنا أن الحي وارثه اليوم وشككنا في الميت؛ هل هو وارثه؟ فالموقن بميراثه أنه أولى، وإذ قد يمكن يكون ماتا جميعاً معاً، فإن نحن ورّثنا بعضهم من بعض فقد ورّثنا من لا ميراث له ومنعنا من له الميراث.
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن مات وترك ولدين؛ مسلماً ونصرانياً كلاهما يدعي أن الأب مات على دينه وأقاما على ذلك بينة مسلمين فتكافأت في العدالة أو لم
الجزء: 8 - الصفحة: 1194
تكن لهما بينة؛ فالمال ينقسم بينهما كمالٍ تداعياه، وإن كان قد صلى هذا المسلم على أبيه ودفنه في مقبرة المسلمين؛ فليس الصلاة بشهادة ولو لم يأتيا ببينة وقد كان يعرف بالنصرانية فهو على ذلك وابنه النصراني أحق بميراثه حتى يثبت المسلم أنه مات مسلماً.
قال غيره: إلا أن يقيما جميعاً البينة وتتكافأ فأقضي بالمال للمسلم.
قال في كتاب الشهادة بعد أن يحلف على دعوى النصراني.
م: وحكى عن بعض شيوخنا: إذا دفن في مقابل المسلمين وصلي عليه والكافر حاضر لا ينكر كان ذلك قطعاً لدعواه، وكذلك لو مضى به إلى مقبرة المشركين ودفن فيها، والمسلم حاضر لا ينكر لكان ذلك قطعاً لدعواه، وذلك منصوص للمتقدمين.
قال بعض فقهائنا: ولو شهد إحدى البنتين: إنا رأيناه يصلي في المسجد، وقالت الأخرى: إن رأيناه يؤدي الجزية؛ فإن لم تؤرخ البينتان قضي بالمال للمسلم؛ فأنا نقول: يكون أن يكون كان كافراً فأسلم فيكون المال للمسلم خاصة في هذا الوجه، ويمكن أن يكون ارتد بعد إسلامه فلا شيء للمسلم ولا للكافر، فحصل الكافر في الوجهين لا شيء له، والمسلم [يكون تارة له وتارة لا يكون له، فجعلنا للمسلم إذ لا منازع له.
م: ويحتمل أن يكون له النصف وللمسلمين النصف لأن المال] تارة يكون له وتارة يكون للمسلمين فوجب قسمه على ذلك والله أعلم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1195
وقال إسماعيل بن إسحاق القاضي في كتابه المبسوط: يشبه أن يكون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم: أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى توفي؛ وكان الأب لا يعرف حاله هل هو على الإسلام أم على النصرانية؛ فإذا كان هكذا فإن الشهادتين قد دفعت إحداهما الأخرى وكان كمن لم يشهدا، وأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصراني فأسلم وشهدت بينة النصراني أن أباه لم يزل نصرانياً حتى مات فإن البينة بينة المسلم لأنها قد أثبتت أن إسلام الميت قد حدث بعد أن كان نصرانياً وبينة النصراني تزعم أنه لم يسلم؛ فالشهادة شهادة من أثبت أن شيئاً قد كان، ولا يلتفت إلى من شهد أن ذلك لم يكن، إذ قد يمكن أن يكون ولم يعلموا.
م: ولو ترك معهما ولداً صغيراً لا يعقل ولم يقيما بينة فليعطيا للصغير نصف المال ويأخذ كل واحد منهما ربعاً ربعاً لأن كل واحد منهما يدعي أن المال بينة وبين الصغير فلا شيء للآخر فيه وأنه لا يستحق منه شيئاً إلا وللصغير مثله فوجب على كل واحد أن يعطيه نصف ما يصح له لو لم يكن الصغير فيصير له نصف المال، وكذلك لو كان مع الكبير ابن ثالث كبير يهودي يدعي أن الأب مات على دينه فليقسم المال بينهم أثلاثاً؛
الجزء: 8 - الصفحة: 1196
فإن كان معهم أخ صغير فيعطيه كل واحد نصف ما بيده فيصبح له نصف المال وللكبار سدساً سدساً لأن كل واحد يدعي أن له نصف المال وصفه للصغير فقد سلموا للصغير نصفه وتداعو في النصف الباقي فيقسم بينهم أثلاثاً.
قال أصبغ: ويجبر الصغير على الإسلام.
قال سحنون وإن مات الصبي قبل البلوغ عن مال حلفوا واقتسموا ماله.
قال أبو إسحاق ولو كانت معهما أخت صغيرة لم تكن إلا مسلمة، [وأعطاها المسلم ثلث ما في يده؛ لأنه يقول: ما صار في يد أخي النصراني ظلم ظلمت أنا وأخي به وكذلك النصراني يعطيها أيضاً ثلث ما في يده إذا كان في دينهم أن ميراث الأبناء مثل نصف ميراث الذكر؛ لأنه يقول: هي نصرانية على ديني يجب أن نكون قد ظلمنا المسلم فيما أخذ منا فجاء بحقه علينا جميعاً].
فصل
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أقام بينة أنه ابن فلان الميت، أو أنه مولاه أعتقه، لا يعلمون له وارثاً غيره، قضيت له بميراثه ولم آخذ منه كفيلاً بالمال، فإن أتى بعد ذلك غيره يدعي الولاء في المولى وجاء ببينة سمعت حجته وقضيت بأعدل البينتين.
قال سحنون في كتاب ابنه فإنه استويا في العدالة فالمال بينهما نصفان.
الجزء: 8 - الصفحة: 1197
م: وهي كمسألة من ورث رجلاً بولاء يدعيه، وأقام آخر بينة أنه مولاه، وأقام قابض الميراث مثله؛ ويدخلها الخلاف الذي دخل تلك.
قال سحنون ولو أتى أحدهما ببينة على إقراره بالولاء وآخر بينة أنه أعتقه كان الذي شهدت له البينة بالعتق أولى [بميراثه ونحوه في المدونة].
ومن المدونة قال ابن القاسم ومن أقام بينة في دار أنها لأبيه وقد ترك أبوه ورثة سواه غياباً؛ فإنه يمكّن من الخصومة في الدار، فإن استحق حقاً لم يقبض له إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي له، إلا بنصيبه منها، ولا ينزع باقيها من يد المقضي عليه؛ إذ لعل الغياب يقرون بها للمحكوم عليه بأمر جهله هذا المدعي، فإذا قدموا وادعوا كدعوى الحاضر كان ذلك القضاء لهم ناجزاً، فإن قدموا قبل القضاء وبعد أن عجز الأول عن منافعه كانوا على حجتهم إن كانت لهم حجة غير ما أتى بها الأول.
قال أشهب ينزع الحق كله من يده فيعطي لهذا حقه، ويوقف حق الغائب له.
وكذلك كتب مالك إلى ابن غانم، ورواه أشهب وابن نافع عن مالك.
الجزء: 8 - الصفحة: 1198
فصل
قال ابن القاسم قال مالك: وإذا هالك ابن الملاعنة وترك مالاً ولا وارث له غير مولى أمه كان ميراثه له.
م: وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
قال مالك: وإن ترك أمه كان لها الثلث ولمواليها ما بقي.
م: هذا مذهب زيد وعروة بن الزبير وابن المسيب ومالك والشافعي وكان علي بن أبي طالب يقول: إذا كان له ذو أسهم من ذوي رحمه فبقية المال ردٌ عليه.
وكان ابن مسعود يجعل عصبة أمه فإن لم تكن فعصبته عصبة أمه.
وعن ابن عباس وابن عمر ونحوه.
ومن المدونة قال مالك ولا يرثه خاله ولا ابن خاله ولا أجده لأمه، وإن ترك أمه مع أخ لأمه فلأمه الثلث وللأخ السدس وإن ترك معها أخوين لأم فصاعداً فلها السدس وللأخوين فصاعداً الثلث بينهم سواء حظ الانثى والذكر فيه سواء لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾.
الجزء: 8 - الصفحة: 1199
قال مالك: وما بقي فلموالي أمه إن كانت مولاه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين ولو كان له ولد ذكر أو ولد ولد كان لأمه السدس، وما بقي لوالده أو لولد ولده الذكور.
وقال ابن القاسم: وإن ترك ابن الملاعنة موالي أعتقهم كان ولاؤهم لذكور ولده، أو لذكور آبائهم وإن لم يكونوا فليس لأمه ولا لأخيه لأمه ولا لخاله ولا لجده لأمه من ولاء مواليه شيء وولاؤهم لموالي أمه إن كانت معتقه وإن كانت عربية فلبيت مال المسلمين.
قال عروة بن الزبير وغيره: وكذلك ولد الزنا في جميع ما ذكرنا.
فصل
قال مالك ومن ارتد ولحق بدار الحرب؛ وقف ماله حتى يعلم أنه مات، فإن رجع إلى الإسلام كان أحق به، وإن مات على ردته كان ماله للمسلمين ولا يرثه المسلمون ولا النصارى، وقاله علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وغيره.
وذكر بعض القُرَّاض، ولم أروه: أن مذهب علي وابن مسعود أن ميراث المرتد لورثته من المسلم، وبه قال ابن المسيب وعطاء والشعبي والأوزاعي.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو أن رجلاً أعتق عبداً له ثم ارتد السيد فمات العبد المعتق عن مال وسيده في حال ردته ورثه أولى الناس بالمرتد من ورثته المسلمين ممن يرث الولاء عنه ثم إن أسلم لم يرجع بذلك عليهم وكذلك من مات له من ولد وغيره فليرثهم ورثته المسلمون ولا يرجع عليهم أيضاً وإن أسلم لأنه إنما ينظر في هذا إلى الميراث يوم
الجزء: 8 - الصفحة: 1200
وقع فيجب لأهله يوم يموت الميت.
قال مالك وإذا ارتد الأسير لم يقسم ميراثه حتى يعلم موته، فإن عُلم أنه ارتد طائعاً أولم يعلم طائعاً أو مكرهاً؛ بانت منه زوجته، وإن عُلم أنه ارتد مكرهاً؛ لم تبن منه زوجته.
قال ابن القاسم في غير المدونة وميراث المرتد لورثته.
وقال غيره: لبيت المال.
فصل
قال ابن القاسم ولا يتوارث أهل الملل.
وروى ابن وهب أن النبي -عليه السلام- قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ولا يتوارث أهل ملتين شتى».
وفي كتاب محمد لمالك: من أقر أن أباه كان يعبد الشمس وكان أبوه مظهراً لإسلام؛ أنه يرث أباه، واحتج بالمنافقين الذين كانوا في زمن النبي عليه السلام فورثهم ورثتهم لما بقوى على ما أظهروا من الإسلام.
الجزء: 8 - الصفحة: 1201
واختلف في ميراث الزنديق: إذا أنكر الزندقة وقد شهد عليه بها:
فقيل إنه يورث على ما أظهر، وأما لو أقر بذلك وتمادى على الكفر الذي كان أسره لوجب ألا يورث.
قال أبو إسحاق: والأشبه في الذي مات على الزندقة وورثته يعلمون بذلك ألا يورث؛ لأنه كافر، وقد ثبت أن المسلم لا يرث الكافر والمنافقون الذين في زمن النبي عليه السلام لم يستعمل النبي عليه السلام فيهم علمه ليبين ذلك لمن بعده ألا يحكم الحاكم بعلمه وإلا فقد علم النبي -عليه السلام- ذلك منهم، ولأنه أراد دخول الناس في الإسلام فقال: «لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي»، فقد يرد في ذلك إلى النفير عنه عليه السلام.
وأما من شهد عليه بالكفر وهو ينكره وكان مظهراً للإسلام فيُقتل حداً ويورث لإنكاره الكفر ويصلى عليه والله أعلم بسريرته، ولم تقبل توبته بخلاف المرتد لأنه شيء أخفاه فأشبه الزنا والسرقة والمرتد أظهر ما اعتقد فاستتيب كما تقبل توبة المحارب المظهر للحرابة.
ومن العتبية عن مجوسي تزوج ابنته فولد له منها ولدان فأسلمت الأم والولدان، فمات أحد الولدين.
قال: فللأم السدس لأن الميت ترك أمه وهي أخته وترك أخاه فتعاد نفسها بنفسها؛ فكأنه ترك أخاً وأختاً حجبا الأم عن الثلث.
قال أبو إسحاق: وفي هذا نظر وذلك أن من أسلم من المجوس إنما يتوارثون بأقرب القرابتين؛ فإذا تزوجها أبوها ولدت ولدين فهما ولداها وهما أخواها فنسبتها في ميراث أحدهما بالأمومة أولى، فإذا كانت هي أمه سقط أن تكون أختاً له، وإذا سقط كونها أختاً أخذت ثلث ما ترك لأنه ترك أمه وأخاه فكيف حسبها أماً أختاً في حال واحده فحجبها عن ميراث الثلث بنفسها أن جعلها أختاً للميتة وللباقي فصارت أماً أختاً في حالة واحدة
الجزء: 8 - الصفحة: 1202
ولم يسقط حكم الأمومة فيكون كأنه ترك أخته وأخاه، وكان يجب أيضاً أن يكون لها الثلث مع اخيها الذي هو ابنها؛ لأنها مع أخ واحد؛ فإن قدرتها أنها أما منفردة كان لها الثلث؛ لأنها مع أخ واحد وإن قدرتها أنها أختاً منفردة كان لها الثلث؛ لأن الميت ترك أخته وأخاه وهو فقد قدرها أماً أختاً في حال واحدة فصارت كأنها أختاً أخرى تركها مع أمه وأخيه فلذلك جعل لها السدس.
قال ابن القاسم: وإذا تظالم أهل الذمة في مواريثهم لم أعرض لهم إلا أن يرضوا بحكم أهل الإسلام فأحكم بينهم فيه، وإن أبوا ذلك ردوا إلى أهل دينهم.
وقال مالك: إذا كانوا نصارى كلهم ورضوا بحكم الإسلام [حكم بينهم به، وإن كانوا مسلمين ونصارى لم يردوا إلى حكم النصارى، وحكم بينهم بحكم الإسلام، ولم ينقلوا عن موارثهم، يريد: أسلم أحدهم بعد موت المورث فصار حكم بين مسلم وكافر.
وفي رواية يحيى: يحكم بينهم بحكم دينهم والمعني واحد.
وروى ابن وهب: أن مسلمين ونصارى اختصموا إلى عمر بن عبد العزيز في مورث فقسم بينهم على فرائض الإسلام، وكتب إلى عامل بلدهم إن جاءوك فاحكم بينهم على فرائض الإسلام وإن أبوا فردهم إلى أهل دينهم.
وقال النبي -عليه السلام-: «كل ميراث قسم في الجاهلية فهو على قسم الجاهلية وكل ميراث أدركه الإسلام ولم يقسم فهو على قسم الإسلام».
الجزء: 8 - الصفحة: 1203
قال مالك: معناه في غير الكتابين: من مجوس وزنج وغيرهم، وأما لو مات نصرانياً ثم أسلم وارثه قبل أن يقسم ماله فإن يقسم على قسم النصارى وإن مات مسلم وله ورثة نصارى فأسلم وارثه له قبل أن يقسم ماله فلا يرثه وإنما يرثه من كان مسلماً يوم مات.
وقال ابن نافع وغيره من كبار أهل المدينة: الحديث عام في الكتابيين وغيرهم من أهل الكفر.
قال ربيعة: ولو مات مسلم ثم تنصر ولده بعده قبل قسم ماله لقتل إن كان قد بلغ الحلم وجعل ميراثه في بيت المال لأنه قد وجب له.
فصل
قال مالك: وهذا مات العبد النصراني عن مال فسيده أحق بماله.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا ارتد العبد أو المكاتب فقتل على ردته فسيده أحق بماله؛ لا أنه يستحقه بالملك لا بالتوارث.
ابن المواز وكذلك لو أسلم عبد
لمجوسي أو لكتابي ثم مات قبل أن يباع عليه لورثة سيده الكافر بالرق.
ومن المدونة قال مالك: [ومن ورث من] عبده النصراني ثمن خمر أو [خنزير فلا بأس بذلك وإن ورث منه خمراً أهراقها]، أو خنازير سرحهم.
الجزء: 8 - الصفحة: 1204
قال سحنون: بل يقتلهم.
وروى ابن وهب أن عبد الله بن عمر ورث عبداً له نصرانياً كان يبيع الخمر ويعمل بالربا، فقيل له في ذلك، فقال: ليس الذي عمل في دينه بالذي يحرم علي ميراثه.
فصل
قال مالك ومن مات وترك ابنين فأقر أحدهما بأخت فليعطها خمس ما في يده ولا تحلف مع الأخ المقر لها؛ لأنه شهد، ولا يحلف في النسب مع شاهد واحد.
م: وبيان ذلك أن تعمل المسألة على الإنكار فتكون من اثنين وعلى الإقرار فتكون من خمسة فتضرب اثنين في خمسة فتكون عشرة فإذا قسمتها على الإنكار كان لكل أخ خمسة وإذا قسمتها على الإقرار كان لكل أخ أربعة، فيستفضل المقر واحدٌ وهو خمس ما بيده.
[ومن العتبية: وإن أقر أحد الابنين بأخ لهما فإنه يعطيه ثلث ما في يديه ثم إن مات بعد ذلك المقر له قال: يرثانه جميعاً؛ المقر له والمنكر له، وهو بمنزلة رجل قال: أخي مات وترك ألفاً وهو أخوك أيضاً فإن الألف بينهما.
قال يحيى بن عمر: وأرى أن يأخذ المقر له بدءاً من تركه مثل ما كان أعطاه ثم يكون ما بقي بينهما نصفين].
ومن المدونة قال مالك: وإن أقر أحد الابنين بزوجة لأبيه أعطاها ثُمن ما في يديه.
الجزء: 8 - الصفحة: 1205
م: لأن أصلها في الإنكار من اثنتين وفي الإقرار من ثمانية فتصح من ستة عشر فتقسمها على الإنكار فيكون لكل ابن ثمانية وتقسمها على الإقرار للزوجة الثُمن ولكل ابن سبعة فيفضل للمقر واحد وهو ثمن ما في يديه فيعطيه للزوجة.
ومن المدونة قال مالك: وإن هلكت امرأة وتركت زوجها وأختها فأقر الزوج بأخ لها وأنكرت الأخت فلا شيء على الزوج؛ لأنه إنما أقر لها بشيء في يد الأخت، فلا شيء له يعني ولو أقر بأخت للميتة لأعطاها سبع ما في يديه؛ لأن أصل الفريضة في الإنكار من اثنين وفي الإقرار من سبعة فتضرب اثنين في سبعة تكن أربعة عشر، فتقسم على الإنكار؛ تكون للزوج سبعة وتقسم على الإقرار تصح للزوج ستة، فيفضل له واحد وهو سبع ما في يديه.
م: وهذا باب واسع أوعبه إن شاء الله في كتاب الفرائض.
تم رُزمَةُ العبيد بحمد الله وحسن عونه وتأييده وتسديده ويتلوها إن شاء الله كتاب النكاح الأول.
الجزء: 8 - الصفحة: 1206
[الباب الأول]
في الحضِّ على النكاح، والخِطْبة فيه
[فصل 1: في الحضِّ على النكاح وذكر حكمه] والنكاح مندوبٌ إليه لقول الله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.
الجزء: 9 - الصفحة: 1
وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «تناكحوا تناسلوا»، وقوله صلى الله عليه وسلم: «تزوجوا فإني مُكاثرٌ بكم الأممَ يوم القيامة»،
الجزء: 9 - الصفحة: 2
وليس بواجب، وهو مذهب مالك رحمه الله خلافًا لداود في الحُرَّة، والدليل لمالك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: 3] فقد خيرنا تعالى في النكاح أو ملك اليمين، وليس في الواجب تخيير، واعتبارًا بنكاح الأمة، ولأنه عقد معاوضةٍ فلم يجب ابتداءً بالشرع كعقد
الجزء: 9 - الصفحة: 3
البيع.
وقال بعض البغداديين: النكاح في الجملة مندوبٌ إليه، وربما تعيَّن فرضه إذا خاف العنت ولم يجد ما يتسرَّى به، وهو قادرٌ على النفقة والمهر، وربما كُرهَ له ذلك وهو أن يكون غير محتاجٍ إليه وهو قليل المال والكسب فَيَغُرُّ المرأة ويَضُّرها.
قال ابن حبيب: وحضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على نكاح الأبكار وقال «فإنهن أطيب أفواهًا وأنتَق أرحامًا وأطيب أخلاقًا».
الجزء: 9 - الصفحة: 4
قال ابن حبيب: انتق أرحامًا: أقبلُ للولد.
ورغَّب في نكاح الولود، وفي حديثٍ آخر: «الولود الودود العوود».
قال ابن حبيب: ويستحب أن يُستنجَب الخال، وقد يُتَّقى رضاع الفاجرة فكيف بهذا!
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «تُنكح المرأة لمالها ولجمالها ولحسبها ودينها فاظفر بذات الدين تَرِبَت يداك».
الجزء: 9 - الصفحة: 5
وأمر أن تُنْكَحَ في الأكفاء، وقد قال عمر رضي الله عنه: لا يزوج الرجل وليَّته للقبيح الذميم ولا للشيخ الكبير.
ابن المواز: قيل لمالكٍ: فما جاء عن عمر: لا تزوجوهن إلا الأكفاء، وأنه فَّرق بين رجلٍ وامرأةٍ كان قد زُوِّجها وهو غير كفءٍ؟
قال: قد جاء عنه غير هذا، قوله: دين الرجل حَسبُه، وكرمُه تقواه، ومروءته خُلقُه، فليس الشرف والحسب إلا في الإسلام والتقوى.
الجزء: 9 - الصفحة: 6
[فصل 2 - في الخطبة في النكاح]
قال ابن المواز: واستحب أهل العلم الخطبة في عقد النكاح.
قال مالك: وهي من العمل القديم، وما نرى لأحدٍ تركها، وما قلَّ منها فهو أفضل.
قال محمد بن إبراهيم: وقد خطب عروة بن الزبير إلى عبد الله بن عمر ابنته سودة، فقال: يا نافع ادع عبيد الله وسالمًا ابنيه، فلما أتياه قال: إن
الجزء: 9 - الصفحة: 7
عروة خطب إليَّ أختكما وإني أزوجه إياها بما جعل الله تعالى للمسلمات على المسلمين من الإمساك بالمعروف أو التسريح بالإحسان، وأن يستحلَّها بما تستحلُّ به المسلمة، / قالا: كذلك يا عروة؟ قال: نعم، قال: فقد زوجناكها على بركة الله عز وجل.
الجزء: 9 - الصفحة: 8
[الباب الثاني]
في نكاح الشغار وما يتعلق به
[فصل 1 - في حكم نكاح الشغار وبيان معناه]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن نكاح الشغار، وقال: «لا شغار في الإسلام».
قال مالك: وهو أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
والشغار خلوُّ العقد من المهر، يقال: بلدٌ شاغرٌ، أي خَالٍ، ويقال: شَغَر الكلب إذا رفع رِجلَه ليبول.
الجزء: 9 - الصفحة: 9
ولا يحل عقد الشغار بإجماع، فإذا وقع فسخ قبل وبعد الدخول، وروي عنه ثبوته بعد الدخول وإنما لم يَختلف قوله في المدونة في الشغار بخلاف إذا تزوجها على أن لا صداق إذا اختلف قوله؛ لأن الموهوبة إنما فسد الأمر فيها إذا لم يسم لها صداقًا، فإذا فات الأمر بالدخول فقد استوجبت المهر بالمسيس فلا معنى للفسخ على أحد قوليه، والشغار ليس كذلك.
وقال بعض المحققين: إنما اختلف قوله في فسخ الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي، هل يقتضي فساد المنهي عنه بعد أن يقع؟ وأما المنع منه ابتداءً فليس فيه خلاف.
الجزء: 9 - الصفحة: 10
قال عبد الوهاب: ونكاح الشغار فاسدٌ لنهيه صلى الله عليه وسلم عنه، ولأنه مَلَّك بُضْعَ ابنته بصداقٍ لا تملكه، وذلك يوجب فساد العقد؛ لأن المهر يجب أن يكون ملكًا للمنكوحة.
ومن المدونة: قال مالك فيمن قال لرجل: زوجني ابنتك على أن أزوجك ابنتي، أو: زوجني أمتك على أن أزوجك أمتي، ولا مهر بيننا: فذلك شغارٌ يفسخ أبدًا وإن ولدت الأولاد ورضياه، فللمدخول بها صداق المثل، ولا شيء لغير المدخول بها.
قال مالك: والشغار بين العبيد كالشغار بين الأحرار.
قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويقع به الطلاق والموارثة قبل الفسخ لاختلاف الناس في إجازته أو فسخه.
قال سحنون: والذي عليه أكثر رواة مالكٍ أن كلَّ عقدٍ كانا مغلوبين على فسخه فالفسخ فيه ليس بطلاقٍ، ولا ميراث فيه، وقد ثبت من نهي النبي صلى الله عليه وسلم في الشغار ما لا يُحتَاج فيه إلى حُجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 11
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا من القرويين: روى عن علي بن زياد عن مالك: أن نكاح الشغار إذا دخلا ثبت النكاح، وكان لهما صداق المثل.
قال الفقيه أبو الحسن بن القايسي: إنما اختلف قول مالك في ذلك لاختلاف الناس في تأويل الشغار.
قيل: وكيف اختلاف الناس فيه وهو في حديث ابن عمر مفسَّرًا أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق؟
فقال: المتفق عليه من لفظ الحديث إلى قوله: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشغار» وباقي الحديث إنما يحملونه على أنه من تفسير نافع، ولو كان عن النبي صلى الله عليه وسلم ما اختلف فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 12
وذكر عن أبي عمران أنه قال: إنما اختلف الناس في الشغار بعد الدخول لاختلافهم في النهي هل يقتضي فساد المنهيَّ عنه بعد أن يقع أم لا، وأما المنع منه ابتداءً فما اختلف فيه.
قال: وتفسير الشغار في رواية ابن عمر إنما هو من تفسير نافع عن ابن عمر ومعنى الشغار لأنهم رفعوا الصداق، من قولهم: بلدٌ شَاغِرٌ، إذا ارتفع سلطانه، وقولهم: شغر الكلب إذا رفع رجله للبول.
[فصل 2 - في تسمية الصداق في نكاح الشغار وما يترتب على ذلك]
قال مالك: وإن قال الرجل لرجل: زوجني/ ابنتك بمئة على ابن أزوجك ابنتي بمئة، أو قال: بخمسين، فلا خير فيه، وهو من وجه الشغار.
الجزء: 9 - الصفحة: 13
قال ابن القاسم: ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لكل واحدةٍ الأكثر من التسمية أو صداق المثل، وليس هذا بصريح الشغار لدخول الصداق فيه إلا أن بعض الصداق لا يجوز فصار كمن نكح بمئة درهمٍ وبخمرٍ، أو بمئة نقدًا ومئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لهما صداق المثل إلا أن يكون أقل من المئة النقد فلا يُنقَض من المئة شيئًا.
وقال في غير المدونة: أو يكون أكثر من المئتين فلا يزاد.
قال ابن حبيب: قاله ابن القاسم.
وقال ابن الماحشون: لهما ذلك، , وإن زاد على المئتين، ورواه مُطْرَف عن مالك.
قال الشيخ: فوجه هذا: فلأنها صفقةٌ جمعت حلالاً وحرامًا ففسد جميعهما، فوجب أن يكون فيها صداق المثل ما بلغ إذا فاتت كالقيمة في البيع الفاسد.
الجزء: 9 - الصفحة: 14
ووجه قول ابن القاسم: أن النكاح لما كان طريقه المكارمة والبيع طريقه المكايسة لم يجر مجراه في جميع وجوهه، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوجها على وَصِيفٍ أو شاةٍ ولا يصف ذلك ولا يضرب له أجلا، ويكون عليه الوَسَط من ذلك حالَّاً، ويجوز أن يتزوجها على عّرَضٍ موصوف، ولا يضرب له أجلاً، ويكون حالَّاً، ولا يجوز مثل هذا في البيوع.
فإذا ثبت ذلك وجب إذا كان صداقها أكثر من مئتين لم يزد عليها، لأنها رضين بالمئة إلى موتٍ أو فراقٍ، فإذا أعطيت هذا لم تُظلَم.
وقد قال أصبغ: إنها إذا تركت المئة للغرر أو رضي الزوج أن يعجِّلها، وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وهذا لا يجوز في البيع، وبالله التوفيق.
قال ابن حبيب: ولو تزوجها بمئةٍ نقدًا ومئةٍ إلى أجلٍ معلومٍ، ومئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ فلم يفسخ حتى دخل بها فلها صداق المثل، فإن كان أقل من المئتين فلها مائتان، مئةٌ منها إلى أجلها، وإن كان أزيد من مئتين فالزائد على المئتين حالٌ مع المئة الحالة، ومئةً إلى أجلها، واختلف في الزائد على ثلاثمئة.
فقال ابن المواز: لا يزاد على ثلاثمئة، وقال ابن الماجشون ومُطرف: تزاد بالغًا ما بلغ نقدًا إلا المؤجل المعروف.
الجزء: 9 - الصفحة: 15
قال الشيخ: كان يجب إذا كان فاسدًا عندهما أن يكون فيه صداق المثل حالاً كله بالغًا ما بلغ لا يكون فيه تأخير كالبيوع، فيكون قول ابن القاسم في هذا أولى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: حكي عن أبي سعيد ابن أخي هشام: إنما يقوم صداق المثل على أن فيه مئة إلى سنة.
قال ابن حبيب: وسواءٌ فيما ذكرنا من أول المسألة كان بعضه مؤخرًا إلى غير أجلٍ، أو إلى موتٍ، أو فراقٍ، أو إلى ميسرةٍ، أو إلى أن تطلبه المرأة به وهو الآن ملئٌ أو معدمٌ، وقاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن القاسم في قوله: إلى ميسرةٍ أو إلى أن تطلبه المرأة به، إن كان يومئذ مليئًا فجائزٌ، وكذلك قال ابن القاسم في العتبية: إذا تزوجها إلى ميسرةٍ، فإن كان يومئذٍ مليئًا فالنكاح جائزٌ، وليؤخَّر بقدر ما يُرى من التوسعة على مثله، وإن كان يومئذٍ مُعْدَمًا فُسِخ، إلا أن يبنى فيثبت، ولها صداق المثل.
قال عنه عيسي: ولو ادعت امرأةٌ على زوجها أنه تزوجها بمئةٍ نقدًا أو مئةٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، وذلك قبل البناء لم يقبل في الفسخ شهادة واحدٍ مع يمينها إذا أنكر الزوج، وإن أقامت بذلك شاهدين فسخ وبطل الصداق، ولو أقامت الشاهد بعد البناء حلفت وأخذت / الأكثر من المئة النقد أو صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 16
ابن حبيب: وقال أصبغ: لها أن تحلف مع شاهدها قبل البناء؛ لأن الفسخ لا يجب بذلك مكانه حتى يخير الزوج في تعجيل ذلك كله، فإن أبي خُيِّرت الزوجة في أن تترك المؤخر، وإن أبت فسخ النكاح.
ولو ادعت أنه تزوجها بجنينٍ أو بآبقٍ أو بثمرٍ لم يبد صلاحه لم تحلف مع شاهدها، لأن هذا فسخٌ لا خيار للزوج فيه.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في رجلين عقد كل واحدٍ منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلسٍ واحدٍ -يريد بصداقٍ معلوم- قال: هو جائزٌ إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر، فإن فهم ذلك لم يجز وكان من الشغار لدخول الصداق فيه.
قال: وإنما فُرِّق بين وجه الشغار ومِن الشغار بخلاف وجه الدَّين بالدَّين الذي جُعِل كالدَّين بالدَّين؛ لأن وجه الدَّين بالدَّين يوجد فيه الربا كما يوجد في نفس الدَّين بالدَّين، والشغار حقيقته البُضْع بالبُضْع فلا صداق يدخل في ذلك، ووجه الشغار الصداق يدخل فيه، فإن كان قُرِنَ إلى ذلك البُضْع بالبُضْع فلا يبلغ مبلغ نفس الشغار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما من خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ بطل الحرام وجاز منه الحلال، ولم يكن للزوج غير ذلك، وإن خالعها على حرامٍ كله مثل الخمر والخنزير والربا فالخلع جائز، ولا شيء للزوج من ذلك، ولا يَتبع المرأة بشيءٍ منه.
قال الشيخ: والفرق بين النكاح والخلع في هذا هو أن النكاح لا يجوز إلا بعوض، فيجب أن يفسد بفساده، والخلع يجوز بغير عوض فلم يكن لعوضه تأثيرٌ في فساده.
الجزء: 9 - الصفحة: 17
ومن المدونة: وإن خالعها على ثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو عبدٍ آبقٍ، أو جنينٍ في بطن أمُّه، أو بعيرٍ شاردٍ جاز ذلك.
وقال ابن القاسم: وإن قال له: زوجني ابنتك بمئةٍ على أن أزوجك ابنتي بلا مهر، ففعلا، ووقع النكاح على هذا ودخل كل واحدٍ منهما بامرأته، فنكاح التي سمي لها المهر ثابت، ويكون لها مهر مثلها، ويفسخ نكاح التي لم يسم لها صداق، ودخل بها أو لم يدخل بها.
قال الشيخ: يريد: أن نكاحها قبل البناء يفسخ ولا صداق لها، وإن دخلا فسخ نكاح التي لم يسم لها صداقًا، وأخذت مهر مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها، وأخذت الأكثر من التسمية أو صداق المثل.
قال عبد الوهاب: لا خلاف أعلم أن الصداق لا يجوز أن يكون غررًا، أو مجهولاً، أو مما لا يصلح تملُّكه، ولكن الخلاف في النكاح إذا وقع على صداقٍ هذه صفته، هل يصح ويبطل الصداق أو لا يصح أصلاً؟
فعن مالك في ذلك روايتان: إحداهما: أن العقد يبطل، ويفرق بينهما قبل الدخول وبعده، والأخرى: أنه إن أُدْرِكَ قبل البناء فسخ، وإن أُدْرِكَ بعد الدخول لم يفسخ.
واختلفت عبارة أصحابنا في معنى الفسخ قبل الدخول، فظاهر قول متقدميهم وجوب الفسخ على معنى الردع، لئلا يُقْدِمُوا عليه، لا على أن العقد وقع فاسدًا ثم صحَّ بالدخول، أو أن الدخول أجاز الإقرار على عقدٍ فاسدٍ على ما اعترض به علينا أغبياء المخالفين، وألزمونا على ذلك أن الدخول يجب أن يصحَّح كلَّ عقدٍ فاسد، كالمتعة والشغار ونكاح المرأة على عمتها وخالتها وغير ذلك.
وذلك كله غير لازمٍ لنا، ولا مفهومٌ / من قولنا، وإنما مراد أصحابنا وجوب الفسخ على طريقة العقوبة لهم والردع عما فعلاه، لئلا يعودوا إلى مثله.
الجزء: 9 - الصفحة: 18
ولا معنى لقول من قال: إنه ليس في هذا ردع ولا عقوبة لهما، لأنهما إذا فسخ [نكاحهما] عقداه في الحال، لأن فائدة الفسخ أنه يعد طلاقًا، فإذا نكحها عادت عنده على اثنتين، وهذه فائدة صحيحة.
قال الشيخ: ولأنها واحدة بائنة تملك الزوجة بها نفسها، فقد لا تشاء نكاحه، أو تشاء بأضعاف الصداق الأول، وفي ذلك ردع بين.
قال عبد الوهاب: وأما المتأخرون فإنهم قالوا: لما حققنا النظر علمنا أن ذلك استحباب من مالك واحتياط ليقع العقد صحيحًا بإجماع، ولإمكان أن يستأنف بصداق صحيح، فإذا وقع الدخول وفات بالوطء وجب فيه صداق صحيح وتقرر، فلا معنى [للفسخ] لزوال الصداق الذي كان الفسخ من أجله لوجوب صداق صحيح، كما لو تزوجها وبها أحد العيوب الأربعة، لكان له الرد، فلو زال ذلك قبل أن يرد لسقط حقه من الرد لزوال ما من أجله كان له أن يرد.
فأما من تزوج بصداق مغصوب فمن أصحابنا من فرق بينه وبين المجهول والغرر، لأن ذلك ممنوع لحق الآدمي، ولو أذن له لجاز، وهذه الأشياء ممنوعة لحق الله تعالى.
الجزء: 9 - الصفحة: 19
ومن أصحابنا من ساوى بينهما وقال: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده كما يقول فيمن صلى في دارٍ مغصوبةٍ أنه يُعيد في الوقت لا بعده.
قال الشيخ: وقد قيل: لا يعيد في وقتٍ ولا غيره، وهو الصواب فيه، وفي أن لا يفسخ النكاح، وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 20
[الباب الثالث]
في إنكاح الرجل ابنته البكر والثيب وابنه الصغير ومملوكيه ومن يلي عليه غائبًا أو حاضرًا وتزويج اليتيمة قبل البلوغ
[فصل 1 - في تزويج البكر]
قال الله عز وجل حكايةً عن شعيبٍ عليه السلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27] ولم يذكر مشورة.
وزوَّج النبي صلى الله عليه وسلم ابنتيه لعثمان ولم يستشرهما، وتزوج
الجزء: 9 - الصفحة: 21
عائشة رضي الله عنها وهي بنت سبع سنين، وقيل: بنت ست سنين ودخل بها بنت تسع.
قال بعض البغداديين: ويستحب له استئذانها، لقوله صلى الله عليه وسلم «شاوروا النساء في أبضاعهن»، ولأن ذلك أطيب لقلبها من غير ضررٍ يلحقه به.
وقيل: إنه ربما كان بها عيبٌ لم يَعلم به ولو علمه لم يزوجها، فإذا استأذنها أعلمته به فَتَحَرَّز منه.
وعنه في اَلمَعنَّسة روايتان: إحداهما: بقاء الإجبار عليها، والثانية: زواله.
فوجه بقائه: اعتبارًا بغير المعنَّسة لِعلَّة البكارة، ووجه زواله: أن المعنى الموجب للإجبار في الصغيرة التي لم تعنَّس قِلَّة خبرتها بالأمور، وعدم معرفتها بمصالحها، وذلك منتفٍ في المعنَّسة لبروز وجهها ومعرفتها بمصالحها، فقام ذلك مقام الثيوبة في رفع الإجبار عنها.
الجزء: 9 - الصفحة: 22
فصل: [2 - في تزويج الثيب]
وقال صلى الله عليه وسلم: «الأيُّم أحقُّ بنفسها من وليَّها»، وروي: «الثيب» مُفسَّرًا.
وقوله: «ليس للولي مع الثيب أمر».
وقال صلى الله عليه وسلم: «البكر تُستأذن في نفسها، وإذنها صماتها».
قال مالك: وذلك عندنا في البكر اليتيمة، وكذلك هو مفسرٌ في رواية ابن وحب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اليتيمة تُستأمر في نفسها، فإن
الجزء: 9 - الصفحة: 23
سكتت / فهو إذنها، وإن أبت فلا جواز عليها».
ابن وهب: وجاء عن عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «كل يتيمة تُستأمر في نفسها فما أنكرت لم يَجُز عليها، وما صمتت عنه وأقرَّت عليه جاز عليها وذلك إذنها».
قال إسماعيل القاضي: الأيِّم التي لا زوج لها، بالغًا كانت أو غير بالغ، بكرًا كانت أو ثيبًا، ولو كان كما توهَّم قوم أنها الثيب خاصة لكانت الثيب أحقَّ بنفسها من وليها، والبكر ليست بأحقَّ بنفسها من وليها، ولكن الاستئمار إنما هو على الترغيب لا على الإيجاب، وإنما في الحديث معنيان: أحدهما: أن الأيامى
الجزء: 9 - الصفحة: 24
أحق بأنفسهن، والمعنى الآخر: تعليم كيف تستأذن البكر منهن، وأن إذنها صماتها، لأنها تستحي أن تُجيب بلسانها.
[فصل 3 - فيمن له حق الإجبار في النكاح]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا ردَّت المرأة الرجال رجلاً بعد رجلٍ لم تجبر على النكاح، ولا يُجْبِرَ أحدٌ أحدًا على النكاح إلا الأب في ابنته البكر، وفي ابنه الصغير، وفي أمته، وفي عبده، والولي في يتيمة -يريد الوصي.
قال مالك: ولا يزوج البكر [اليتيمة] وليها وإن كانت سفيهةً إلا برضاها، للحديث.
قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغيرة بأقلَّ من مهر مثلها جاز إن كان على وجه النظر، وقد أتت امرأةٌ مطلقةٌ إلى مالكٍ فقالت له: إن لي ابنةٌ في حجري موسرةً مرغوبًا فيها، وقد أُصَدِقتْ صداقًا كثيرًا، وأراد أبوها أن يزوجها من ابن أخٍ له فقير؟ فقال لها مالك: إني لا أرى لكِ في هذا مُتكلَّمًا.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن نكاح الأب إياها جائزٌ إلا أن يأتي من ذلك ضررٌ فيُمْنَع.
قال سحنون: الضرر في البدن من الجنون أو غير ذلك، فأما الفقر فلا، وتزويجه جائز.
الجزء: 9 - الصفحة: 25
فصل [4 - في تزويج الأب ابنته المطلقة أو التي مات عنها زوجها]
قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فطلقها الزوج قبل البناء، أو مات عنها فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر.
قال مالك: فإن بنى بها الزوج ثم طلقها أو مات عنها فهي أحق بنفسها.
قال ابن القاسم: وتسكن حيث شاءت إلا أن يخاف عليها الضيعة والمواضع السوء، ويخاف عليها الفضيحة من نفسها وهواها فيكون للأب أو للولي أن يمنعها من ذلك.
ومن كتاب الخلع قال: ولو رجعت هذه الثيب إلى الأب قبل بلوغها فله إنكاحها كالبكر، لأن النفقة ترجع على الأب لها.
قال ابن المواز: ولأن الذي أثبت ولاية أبيها عليها الصغر والبكورية، فإذا سقط سبب البكورية بقي ولاية الصغر، فإذا ذهب الصغر انقطع بقية سبيله عليها، لأنها قد افْتُضَّتْ بنكاحٍ وبلغت المحيض.
وكذلك عن ابن القاسم وأشهب: أن الأب يزوجها إذا رجعت إليه ثيبًا ما لم تحض.
وقال سحنون: يزوجها بغير رضاها وإن حاضت.
قال الشيخ: ووجه هذا: أنها صغيرة.
مالك: للأب إجبارها على النكاح، فلا يزيله من يده بلوغها أصله البكر، ولأنها رجعت إليه وملك منها ما كان يملكه / قبل الدخول، وصارت كمن دخل بها، فلا يزيل ما بيده منها البلوغ، كالتي لم يُدْخَل بها.
الجزء: 9 - الصفحة: 26
ومن النكاح قال مالك: وإذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، وليس لأبيه منعه.
قال ابن القاسم: إلا أن يخاف من ناحيته سفهًا فله منعه.
[فصل 5 - في تزويج الأب ابنته التي زنت
والتي زوجت تزويجًا حرامًا]
قال: وإن زنت البكر فحُدَّت أو لم تُحَد فلأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر.
وإن زوجها تزويجًا حرامًا ثم بنى بها الزوج وجامعها ثم طلقها أو مات عنها بالقرب لم يكن لأبيها أن يزوجها كما يزوج البكر؛ لأنه نكاحٌ يُلحق فيه الولد، ويُدرأ فيه الحد.
قال مالك: وتعتد منه في بيت زوجها الذي كانت تسكن فيه.
قال ابن القاسم: فجعل العدة فيه كالعدة في النكاح الحلال، فهذا يدلُّك أنه خلاف الزنا في تزويج الأب إياها.
قال عبد الوهاب: لأنه رفع الإجبار بالثيوبة هو لزوال الحياء والانقباض الذي يكون في البكر، وهذا منتفٍ في المزنيِّ بها أو المغصوبة؛ لأن الحياء يغلب عليها أشدُّ من غلبته على البكر، لقبيح ما رَكِبَتْه أو رُكِبَ منها، وللعار الذي لحقها ويزهد في مثلها، فوجب بقاء الإجبار عليها؛ ولأن ذلك لما لم يرفع عنها ولاية المال فكذلك لا يرفع إجبار النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 27
قال الشيخ: وليس ما يرفع إجبار النكاح يرفع ولاية المال.
وقال ابن حارثٍ الأندلسي: إن محمد بن عبد الحكم قال: لا يزوجها أبوها إلا برضاها كالثيب.
قال عبد الوهاب: وألزمت في مجلس النظر بحضرة ولي العهد أنه إذا كانت العلة في المزنيِّ بها الحياء فإذا تكرر منها الزنا فقد ارتفع حياؤها وزالت علة الإجبار ولم يكن لأبيها أن يزوجها إلا برضاها، فالتزمتُ ذلك للمُخَالف وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 28
[فصل 6 - في تزويج الأب من فارقها زوجها بعد إقامتها معه وقبل المسيس]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته البكر فدخل بها، ثم فارقها قبل أن يمسها، فإن طالت إقامتها مع زوجها وشهدت مشاهد النساء فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، وأرى السنة طول إقامة، وإن كان أمرًا قريبًا فله أن يزوجها.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وإن فارقها بعد ستة أشهرٍ فليؤامرها الأب إن زوجها، فإن لم يؤامرها فالنكاح جائز.
قال مالك: وإن فارقها بعد شهرين فلا يؤامرها.
قال عبد الوهاب: إنما ذلك؛ لأن عودتها إلى الأب إذا كان عن قُرْبٍ فكأنها على الحال التي كانت عليها عنده من الحياء وقلة خبرتها بالأمور، وقلة معرفتها بمصالحها، فهي كالتي لم يدخل بها، وإذا طال أمرها طُولاً تَخْبَرَ به مواضع حظوظها، وتعرف مصالحها، وبرز وجهها فقد صارت كالثيب، فانقطع الإجبار عنها.
قال: وفي حدَّ الطول روايتان:
إحداهما: سنة، والأخرى: لا حدَّ فيه أكثر من العُرف.
فوجه السنة: أنها مدة جُعِلَتْ في الشرع حَدَّاً لأمور منها العنَّة، وفي
الجزء: 9 - الصفحة: 29
الأدواء الثلاثة في عَهْدَة الرقيق، وانقطاع الشُّفْعَة بعد العام، فكذلك ها هنا.
ووجه نفي التحديد أن كلَّ أمرٍ احتيج فيه إلى اختبارٍ وتَعَرُّفِ حالٍ ولم يرد فيه توقيفٌ بتحديد مدةٍ وجب الرجوع فيه إلى العرف.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن زوجها أبوها وهي بكرٌ فدخل بها زوجها ثم مات عنها، أو طلقها فقالت الجارية: / ما جامعني، وقد كان الزوج أقر بجماعها، فإن كانت إقامته معها أمرًا قريبًا جاز إنكاح الأب عليها؛ لأنها تقول: أنا بكر، وتُقِرُّ بأن صُنْعَ الأب جائزٌ عليها، ولا يضرها ما قال الزوج من وطئه إياها، وإن طالت إقامتها معه فلا يزوجها أبوها إلا برضاها، أقرَّت بالوطء أو لم تُقِر.
الجزء: 9 - الصفحة: 30
فصل: [7 - في سكوت البكر والثيب عند استئذانهما في النكاح]
قال مالك: وإذا قال للبكر وليها: إني مزوجكِ من فلان، فسكتت فذلك رضىَّ منها.
قال غيره: إذا كانت تعلم أن السكوت رضى.
قال مالك: وإذا سكتت فذهب الولي فزوجها من ذلك الرجل، ثم أنكرت، لزمها النكاح، ولم ينفعها إنكارها بعد سكوتها.
قال لاشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن سكتت فهو إذنها».
قال مالك: وأما الثيب إذا قال لها أبوها أو ليها: إني مزوجك من فلان، فسكتت، فلا يكون سكوتها إذنًا ولا رضىَّ إلا أن تتكلم وتستخلف الولي على إنكاحها.
قال عبد الوهاب: وإنما خُصَّت البكر بالصمات لقوله عليه الصلاة والسلام في البكر: «إذنها صماتها»؛ ولأن الحياء يغلب عليها لئلا تَتْسَبَ متى نطقت إلى الشهوة والميل إلى الرجال فيكون ذلك مُزَهِّدًا فيها، وأما الثيب فلقوله صلى الله
الجزء: 9 - الصفحة: 31
عليه وسلم: «الثيب تُعْرِبُ عن نفسها»؛ ولأن الثيب قد زال عنها الحياء ببروز وجهها ومعرفتها بما يُرادَ منها.
قال: وينبغي أن تعلم البكر إذا صمتت أن ذلك إذنٌ منها احتياطًا لجواز أن تظن أن ذلك ليس بإذن، وليس ذلك بشرطٍ في صحة الإذن.
ومن المدونة: قال مالك: وليست المشورة بلازمةٍ للأب في الأبكار، وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام زوج عثمان ابنتيه ولم يستشرهما.
قال مالك: وبلغني أن القاسم بن محمد وسالمًا كانا يُنَكِحَان بناتهما الأبكار ولا يستأمرانهن.
قال مالك: وذلك الأمر عندنا في الأبكار.
الجزء: 9 - الصفحة: 32
فصل: [8 - في تزويج الأخر أخته بغير أمرها]
قال ابن القاسم: ومن زوج أخته البكر أو الثيب بغير أمرها فبلغها ذلك فرضيت، فبلغني أن مالكًا قال مرة: إن كانت بغير البلد أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز، وإن قَرَبَ جاز.
قال سحنون في المستخرجة: إن كانت عن البلد غائبةً مثل البَرِيد واليوم وشبهه، والقُلْزُم من مصر وبينهما يومان فهو قريبٌ إذا أرسل إليها في فور ذلك فأجازت، فأما مثل الإسكندرية وأسوان فلا يجوز وإن أجازت، وقاله أصبغ.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسألنا مالكًا ونزلت بالمدينة في رجلٍ زوَّج أخته فقالت حين بلغها: ما وكَّلت ولا أرضى، ثم كَلَّمَتَ في ذلك فرضيت؟ فقال لا يجوز هذا النكاح، ولا يُقام عليه حتى يأتنفا نكاحًا جديدًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 33
قال في كتاب ابن المواز: إذا علمت فأنكرت، ثم أجازت لم يجز النكاح ولم يُقَرَّا عليه.
قيل لمالك: فإن قالت حين بلغها: ما وكَّلته ولم أرض، ثم أقرت بعد ذلك بوكالته، وبأنها كانت راضيةً وهي وكَّلته؟
فقال مالك: لا يجوز ولا يثبت إلا بنكاحٍ جديدٍ.
[فصل 9 - في تزويج الأب ابنه الكبير وابنته الثيب وهما غائبان]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنه الكبير المنقطع عنه أو ابنته الثيب وهما غائبان، فرضيا بفعل أبيهما لم يجز النكاح؛ لأنهما لو ماتا لا يتوارثان.
قيل لابن المواز: فيفسخ النكاح قبل أن يعلما؟
قال: إن كان ذلك عن قُرْبٍ لم يفسخ حتى يعلما فيجيزا أو يَرَدَّا، وإن كان على بُعدٍ فُسِخَ مكانه إذا علم أنه أُفْتِيْتَ عليهما بغير علمهما.
قال ابن المواز: وأحب إلينا في الابن الكبير البائن [عنه] ألا يفسخ بعد البناء إذا رضي حين بلغه، وقال ابن القاسم.
وقال أيضًا أصبغ: إنما يؤمران قبل البناء بالفسخ بغير حكمٍ للاختلاف فيه -يريد: في البعيد الغيبة.
الجزء: 9 - الصفحة: 34
قال ابن القاسم: قال مالك: فأما إذا قال الخاطب: هو أمرني بذلك، أو هي أمرتني، ثم قال المتزوج منهما الحاضر: لا حاجة لي بنكاح من إذا قدم كان عليَّ بالخيار، لم يكن ذلك له حتى يقدم الغائب، فإن أقر لزمه، وإن أنكر لم يقبل منه إنكاره بتوكيله مَنْ زوَّجه حتى يحلف أنه ما أمره ولا بعثه، وإذا حلف سقط عنه النكاح.
قال الشيخ: ظاهره أنه إن نكل لزمه النكاح.
وذكر ابن حبيب: إنه إن لم يحلف لم يلزمه النكاح بنكوله.
وذكر عن غير واحدٍ من أصحاب مالك: أنه لا يمين في ذلك.
ابن المواز: قيل: فإن أقر الرسول بعد العقد بأن ذلك بغير أمر الغائب؟
قال: إذا كان ذلك بعد النكاح لم يقبل قوله حتى يثبت ذلك بأمرٍ لاشك فيه، أو يقدم الغائب فيحلف.
[فصل 10 - في تزويج اليتيمة قبل البلوغ]
ومن المدونة: قال مالك: ولا تتزوج اليتيمة التي مُولَّي عليها حتى تبلغ وتأذن في ذلك، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.
الجزء: 9 - الصفحة: 35
قال ابن المواز: وكذلك وصيُّ أبيها لا يزوجها حتى تبلغ ويشاورهما.
قال: ولو رضيت في الصغر فزوجت ما كان ذلك تزويجًا، ويفسخ إلا أن يتقادم ذلك بعد الدخول فيُقرَّا عليه.
-قال الشيخ: يريد وإن كرهت-.
قال ابن القاسم: فإذا لم يدخل فإنه يفسخ أبدًا وإن طال ورضيت.
وسئل عن التي بنى بها وقد ولدت؟
فقال: مُنذْ كم بنى بها؟
قال: منذ ثمانية عشر شهرًا.
قال: أرى أن يفسخ.
قيل: فاليتيمة تبلغ حد الوطء وهي محتاجةٌ فتخطَب وتبلغ النكاح؟
قال: لا يزوجها وصيٌّ ولا وليٌّ حتى تبلغ المحيض.
قيل لابن القاسم: فإن قاربت وأَشعَرت؟
قال: إذا جرت عليها المَواسِي وشارفت الحيض فَلْيُنْكِحْها وصيها برضاها فإن لم يكن وصيها فوليها برضاها، وقاله أصبغ، ثم رجع أصبغ، فأباه حتى تبلغ سنَّاً لا يبلغه أحدٌ إلا حاض، فإن زوَّجت قبل ذلك فسخ.
قال ابن المواز: وأحب إلي ألا يفسخ إذا زوجت بعد الإشعار.
وقد سئل مالك عن صبيةٍ من الأعراب صغيرةٍ محتاجةٍ تطوف وتَسأل، ولَّت أُمُّها رجلاً فزوجها في غنى؟
قال مالك: بِنتُ كم هِي؟
قيل له: بنت عشر سنين.
الجزء: 9 - الصفحة: 36
قال: إذا كانت هكذا في حاجةٍ مُلحَّةٍ تتكفَّف، / يُعرفُ ذلك منها، فلا بأس بذلك إذا رضيت، ولو كانت صغيرةً لم يجز.
[فصل 11 - في تزويج اليتيمة بعد البلوغ بغير أمرها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا بلغت اليتيمة فزوجها وليها بغير أمرها ثم أعلمها بالقرب فرضيت جاز، ولا يكون سكوتها ها هنا رضى.
قال الشيخ: وإنما لم يجعل سكوتها ها هنا رضى لتعدِّيه في العقد عليها قبل إعلامها، فزال الحياء عنها الذي أوجب أن يكون صمتها رضى، والأول إنما عَقَدَ بعد إعلامها، فَجُعِلَ سكوتها رضىَّ كما جاء في الحديث.
قال الشيخ: ولو زوجها بغير أمرها ثم أعلمها بذلك فسكتت، فأعلمها أن سكوتها وترك ردها له نطقًا يكون رضىَّ به، وأَشهد عليها بذلك، وكل ذلك هي ساكتة، لَعُدَّ ذلك منها رِضىَّ، ولا كلام لها بعد ذلك.
والله أعلم.
ابن المواز: قال أشهب عن مالكٍ في امرأةٍ زوَّجها أخوها، ثم مات
الجزء: 9 - الصفحة: 37
الزوج قبل البناء، فقال ورثته: لم تكن هي رضيت، فقال: تُسأل هي الآن، فإن قالت كنت رضيت، فذلك لها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت بغير البلد، أو فيه فتأخَّر إعلامها لم يجز وإن رضيت.
قال سحنون: وهذا قول مالكٍ الذي عليه أصحابه.
قال شُريح: تستأمر اليتيمة في نفسها، فإن مَعَّضَت لم تُنكَح، وإن سكتت فهو إذنها.
قال سليمان: معنى معَّضَت: عبَسَت وقَطَّبت.
الجزء: 9 - الصفحة: 38
[الباب الرابع]
في وضع الأب بعض الصداق، وفي دفعه إليه
[فصل 1 - في وضع الأب بعض الصداق]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237]، قال مالك رحمه الله: فإذا زوج الأب ابنته البكر ثم طلقها الزوج قبل البناء فلأبيها أن يعفو عن نصف الصداق الذي لها، وكذلك فيما يُرَى موقعه من القرآن، له أن يعفو عنه، ولا يجوز ذلك لغيره من وصيٍّ أو غيره، فأما قبل الطلاق فلا يجوز للأب أن يضع من صداقها شيئًا.
قال ابن القاسم: إلا أن يفعل ذلك الأب على وجه النظر، مثل أن يُعَسِر الزوج عن المهر فيخفِّف عنه ويَنَظِرَه فيجوز ذلك، فأما أن يضع عنه لغير طلاقٍ ولا وجه نظر لها فلا يجوز، وقد قال الله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: 237] وهو الأب في ابنته البكر، والسيد في أمته، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ﴾ [البقرة: 237] هي المرأة الثيب، وقال ذلك ابن عباس وربيعة وغيرهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 39
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة والشافعي: ليس للأب أن يعفو عن نصف الصداق، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ وهو الأب، ولا يصلح حملها على الزوج، لأنه ليس بيده بعد الطلاق عُقدة إلا أن يضمر فيه: الذي كان بيده، وحملها على الأب غير محتاجٍ إلى ذلك، ولأن الأب وليٌّ يملك الإجبار فجاز له العفو عن صداقها، أصله السيد في أمته.
فصل [2 - في قبض ولي اليتيمة صداقها
وفي دفع الصداق إلى الأب ثم ادعائه تلفه]
ومن المدونة: قال: وإذا زوج البكرَ اليتيمة وليُّها بغير أمرها فقبض صداقها لم يجز قبضه عليها، إلا أن يكون وصيّا، فإن كان وصيَّاً جاز قبضه عليها، لأنه الناظر لها، ومالها في يديه، وإن بلغت حتى تنكح، ويُؤْنس مع ذلك / منها الرشد والإصلاح لنفسها في مالها.
قال مالك: وإذا زوج الثيب أبوها ثم قبض صداقها بغير إذنها فادعى تلفه ضمنه الأب.
قال ابن القاسم: وإنما ضمَّنه مالك لأنه كان متعديًا في قبض الصداق، إذ لم توكِّله ابنته على قبضه، وهذا كدينٍ لها على رجلٍ فقبضه الأب بغير أمرها، فلا يبرأ الغريم، والأب ضامن، ولها أن تتبع الغريم.
قال ابن حبيب: إذا قبضه الأب بغير توكيلها على التقاضي ضمنه للزوج، وإن كان الأب رسولاً للزوج لم يضمن.
الجزء: 9 - الصفحة: 40
وأما الأب يقبض صداق ابنته البكر ثم يزعم أنه ضاع، فإن كان قبضه ببينة كان ضياعه من الابنة ولا شيء على الزوج ولا الأب، ويدخل الزوج بها، وإن قبضه بغير بينة لم يكن للزوج البناء إلا بدفع الصداق إليها ثانية، ولا شيء للزوج على الأب، وقاله ابن وهب وأشهب ونحوه لابن المواز.
قال ابن القاسم في العتبية: إذا أقر الأب بقبضه وضاع منه ولا بينة للزوج على دفعه، أن الأب مصدق وضياعه منها، ولا شيء على الزوج.
قال الشيخ: وهذا هو القياس، لأن الأب الذي له قبضه بغير توكيل عليه أقر بقبضه، فوجب أن يبرأ بذلك الزوج كوكيل البيع الذي له القبض بغير توكيل يقر بقبض الثمن ويدعي تلفه، أن ذلك يبرئ المشتري، فكذلك هذا، وكما لو باع لها سلعة وأقر بقبض ثمنها.
ووجه الأولى: فلأن تصديق الأب لقبضه ودعواه تلفه ذريعة إلى إجازة نكاح بغير صداق، وكما لو وكلته الثيب على قبضه فيدعي قبضه وتلفه، أن الزوج لا يبرأ إلا ببينة أو لا ترى أن الأب إذا صمن الصداق لابنته ثم مات عديمًا فلا يدخل الزوج إلا بدفعه، فهذا كان أحرى أن يدخل بلا غرم، لأن الصداق في ذمة غيره، ولكن من حق الزوجة ألا تسلَّم سلعتها إلا بقبض ثمنها، وهذا القول أحوط، وهو جار على مذهب المدونة لما بينَّا.
وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 41
[الباب الخامس]
في إنكاح الأولياء وتزويج ابنة الغائب أو العاضل
[فصل 1 - في إنكاح الأولياء]
قال أبو محمد: ولما خاطب الله سبحانه الأولياء فقال: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32]، وقال: ﴿فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 232] دلَّ أن لهم مع النساء إذنًا في أنفسهن.
قال غيره: لأن هذه الآية نزلت في شأن مَعْقِلِ بن يَسار لما عَضَلَ أخته فنُهَي عن ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 42
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها فإن نكحت فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ، فنكاحها باطلٌ -ثلاث مرات- فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له».
وقال عمر: لا تنكح المرأة إلا بإذن وليها، أو ذي الرأي من أهلها أو السلطان.
قال مالك: وذو الرأي من أهلها: الرجل من العصبة أو العشيرة أو الفخذ، وكذلك مولى النعمة إذا كان له الصلاح -يريد المنعم عليه بالعتق- وليس العبد والمرأة من الأولياء.
قال الشيخ: ولما كانت المرأة لا تعقد على نفسها كان العقد على امرأةٍ غيرها أحرى أن لا يجوز، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لا تُنْكِحُ المرأة المرأة، ولا تُنْكِحُ المرأة نفسها».
وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا يحلُّ النكاح إلا / بصداقٍ ووليٍّ وشهودٍ عدول».
قال عبد الوهاب: وإنما كان الولي شرطًا في النكاح حياطةٌ للفروج لئلا تحمل المرأةَ شهوةَ النكاح إلى وضع نفسها في غير كُفءٍ، فتُلْحِقُ عارًا بأوليائها.
الجزء: 9 - الصفحة: 43
قال: والولاية على ضربين: ولايةٌ عامةٌ وولايةٌ خاصةٌ، فالعامة ولاية الدين والأصل فيها قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71].
والولاية الخاصة ولاية النسب أو الحكم، والولاية بالنسب مقدمةٌ على الولاية بالحكم.
وإذا استخلفت المرأة أجنبيًا فزوَّجها مع القدرة على أحد الوليين، فقيل: إنه غير جائز، وقيل: إنه ماضٍ إذا تزوجت كُفْؤًا.
فوجه الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام: «فإن اشتجروا فالسلطان وليُّ من لا وليَّ له».
فنفى بذلك أن تكون لغيره ولايةٌ مع وجوده، ولأن في إجازته ذريعةً إلى الفتيات على الأولياء وإسقاط حقهم.
ووجه الثانية: أن الولاية الخاصة لا تسقط الولاية العامة جُملةً، وإنما لها مزيَّةٌ عليها في التقديم، فإذا حصل العقد بها على وجهٍ لو عقده الخاصُّ لجاز ولم يفسخ، اعتبارًا بتقديم بعض العصبة على بعض.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا اختلف الأولياء في إنكاح المرأة وهم في القُعْدَد سواء، نظر السلطان في ذلك، فإن كان بعضهم أَقْعَد من بعض فالأقعدُ أولى بإنكاحها، فالابن وابن الابن أولى بإنكاحها وبالصلاة عليها من الأب، والأب أولى من الأخ، والأخ وابن الأخ أولى بإنكاحها من الجد.
الجزء: 9 - الصفحة: 44
وقال عبد الوهاب: إنما قلنا: إن الابن ولي، وأنه أولى من الأب لقوله عليه الصلاة والسلام لِعُمر بن أبي سَلمة: «قُمْ فزوِّجْ أُمَّك»، ولأن الابن وابن الابن أقوى تعصيبًا في الميراث والولاء من الأب، وإنما قلنا: إن الأب أولى من الأخ للإجماع على ذلك، ولأنه أقوى تعصيبًا، ولا يرثون معه شيئًا.
وإنما قلنا: أن الأخ وابن الأخ أولى من الجد خلافًا للشافعي، لأن تعصيبهم أقوى، لأنهم يُدْلون بالبنوة، والجد بالأبوة، لأن الأخ يقول: أنا ابن أبيها، والجد يقول: أنا أبو أبيها، وقد بينَّا أن تعصيب الابن أقوى من تعصيب الأب.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: أليس هذا إذا فوَّضت إليهم فقالت: زوجوني، أو خطبت فرضيت، فاختلف الأولياء في إنكاحها وتشاحوا على ذلك؟ قال: نعم.
الجزء: 9 - الصفحة: 45
قال مالك: وإذا كان أولياء المرأة حضورًا كلهم وبعضهم أقعد من بعضٍ، منهم ولد الولد والوالد نفسه والأخ والجد والعم وغيرهم، فزوَّجها العم أو الأخ برضاها وهي ثيب وأنكر والدها وسائر الأولياء لم يُرَدْ النكاح، فليس للأب ها هنا قول، لأنها قد ملكت أمرها.
قال مالك: وكذلك إن كانت بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي، ولها من الأولياء من ذكرنا فزوَّجها الأبعد برضاها وأنكر الأقعد، فالنكاح جائزٌ، وقد قال مالك: إن الرجل من الفخذ يزوج وإن كان ثَمَّ مَنْ هو أولى منه.
قال ابن القاسم: وذو الرأي من أهلها يجوز إنكاحه إياها إذا كان له فضلٌ وصلاحٌ وإن كانت من العرب ولها من الأولياء من ذكرنا.
وكذلك مولى النعمة يجوز أن يزوج ملاته من نفسه ويلي عقد نفسه، أو يزوجها من غيره برضاها، فيجوز / ذلك على الأقعد من أخ أو غيره، وهو من ذوي الرأي من أهلها إذا كان له الفضل والصلاح، وكانت المرأة ثيبًا، أو بكرًا بالغًا لا أب لها ولا وصي.
وقال عليٌّ عن مالكٍ في الأخ يزوج أخته لأبيه، وثَمَّ أخوها لأبيها وأمها أن النكاح جائز إلا أن يكون الأب أوصى بها إلى الأخ الشقيق، فلا تُنْكَحُ حينئذٍ إلا برضاها، وإنما الذي لا ينبغي لبعض الأولياء أن يُنْكِحَ وثَمَّ مَنْ هو أولى منه، إذا لم يكونوا إخوة، وكان أخًا وعَمَّاً، أو عَمَّاً وابن عَم، ونحو هذا وهم حضورٌ.
الجزء: 9 - الصفحة: 46
قال سحنون: وقال أكثر الرواة: لا يزوِّج وليٌّ وَثَمَّ مَنْ هو أولى منه حاضر، فإن فعل نظر السلطان في ذلك.
وقال آخرون: للأقرب أن يجيز أو يرد، إلا أن يطول مكثها عند الزوج، وتلد الأولاد، لأن العقد لم يخرج من أن وَلِيَهُ وَلِيٌّ، وهذا في ذات المنصب والقدر.
وقال ابن المواز: وليس الخال من الأولياء.
قال ابن وهب: وقاله مالك وغيره من العلماء.
قال ابن حبيب: الأقرب امضاؤه، أو فسخه ما لم يبن.
قال ابن حبيب عن مالك: وذلك ما لم يكن الولي الأقرب حاضرًا يعلم أن غيره عقد على وليته فلا يتكلم، فإن ذلك منه رضى.
فصل [2 - في تزويج ابنة الغائب]
ومن المدونة: قال ابن القاسم وعلي بن زياد: قال مالك: من غاب عن ابنته البكر غيبة انقطاع كمن خرج إلى المغازي إلى مثل إفريقية
الجزء: 9 - الصفحة: 47
والأندلس وطَنجَة فأقام بها، فرفعت أمرها إلى الإمام، فلينظر لها ويزوجها.
قيل لابن القاسم: فهل للأولياء أن يزوجوها بغير أمر السلطان؟
قال: إنما سمعت مالكًا يقول: ترفع أمرها إلى السلطان.
-قال ابن المواز: وقال أشهب عن مالك: أن للإمام حينئذٍ أن يزوج -
قال ابن القاسم: وأما إن خرج تاجرًا إلى مثل إفريقية ونحوها، ولم يُرِدْ المقام بتلك البلدة، فلا يزوجها ولي ولا سلطان وإن أرادته الابنة، لأن مالكًا لم يوسِّع أن تزوج ابنة الرجل [البكر] وهو غائبٌ إلا أن تكون غيبة منقطعة.
قال عبد الوهاب: إذا غاب الأب غيبة انقطاع، فإن كانت حياته معلومة، ومكانه معروفًا، إلا أن استئذانه يتعذَّر، وهي بالغ، فقد اختلُف في جواز إنكاحها:
فقال مالك: يزوجها الإمام إن رفعت إليه.
وقال عبد الملك: لا يجوز إنكاحها بوجه في حياة الأب.
وقال ابن وهب: إن قطع عنها النفقة جاز إنكاحها برضاها، وإن أجراها عليها لم يجز.
فوجه قول مالك: أن طول غيبته ضرر بها، فهو كما لو عَضَلَها.
الجزء: 9 - الصفحة: 48
ووجه قول عبد الملك: أنها ذات أبٍ غير عاضلٍ، فلا تُزوج عليه، ولا تسقط ولايته لغيبته كالقريب الغيبة فهو كالحاضر.
ووجه قول ابن وهب: أن المراعي في ذلك دخول الضرر البين، وذلك موجود مع انقطاع النفقة، فيكون كالعَضَل.
قال: واختلف فيمن ينكحها، فقيل: لا يزوجها إلا السلطان، وقيل: للأولياء أن يزوجوها برضاها.
فوجه الأول: أن إنكاحها مع بقاء الأب هو لإزالة الضرر عنها كالعضل، فكان كالحكم على الأب، وذلك يختص بالسلطان.
ووجه الثاني: أنها بكر جاز تزويج غير الأب إياها برضاها، فجاز ذلك لسائر الأولياء، أصله إذا مات.
وأما إذا انقطع خبر الأب فلم تعلم حياته ولا موته جاز إنكاح الأولياء إياها برضاها.
وقال عبد الملك: ليس ذلك لهم إلا بعد سنين / من يوم فُقِد.
فوجه الأول: أن الظاهر من أمره الموت، فجاز إنكاحها، وأحسن أحوالها أن يُجْرَى مجرى العضل، فيجب إزالة الضرر عنها.
ووجه قول عبد الملك: أنه أنزلها بمنزلة امرأة المفقود من حيث كان الضرر يلحقها بانتظاره، فوجب وقف ذلك على ضرب الأجل له كامرأة المفقود.
الجزء: 9 - الصفحة: 49
قال ابن حبيب من قول مالكٍ في غيبة الولي أنه إن كان قريبًا كتب إليه الإمام، وإن سافر انتظره، فإن بعدت غيبته زوجها الإمام إلا في الأب، فلا يزوجها إلا أن تطول غيبته جدًا فيزوج الأيم، وأما البكر فلا إلا أن ينقطع بالسكنى في بلدٍ منقطع بعيد قد يُئِسَ من رجعته، وطال ثواه بها، كالعشرين والثلاثين سنة، فيزوجها السلطان ولا يفعل ذلك أحد من الأولياء، فإن زوجها وليٌّ لها بإذن السلطان في الغيبة البعيدة مضى النكاح، وإن جَهِل السلطان أو الولي فزوجها في الغيبة القريبة لم يجز، وفسخ إذا جاء الأب وإن ولدت الأولاد، وإن أجازه الأب لم يجز، وقال ابن القاسم.
[فصل 3 - في تزويج ابنة العاضل]
ومن المدونة: وإذا رضيت ثيب بكفءٍ في دينه، وهو دونها في النسب والشرف وردَّه أبٌ أو ولي، زوَّجها من الإمام.
ولقد سألنا مالكًا عن نكاح الموالي في العرب؟ فقال: لا بأس به.
قال عبد الوهاب: والكفاءة المعتبرة عندنا هي الدين دون النسب، خلافًا لأبي حنيفة والشافعي
الجزء: 9 - الصفحة: 50
في أنها للنسب لقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13] , وقوله عليه الصلاة والسلام: «إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوه تكن فتنةٌ في الأرض وفسادٌ كبير» , فاعتبر الدين والأمانة دون النسب.
وقوله: «تُنْكَحُ المرأة لدينا ومالها وجمالها, فعليك بذات الدين تربت يداك» , فأخبر عن أغراض النكاح, وأمر بذات الدين وجعله العمدة.
قال الشيخ: قيل لابن المواز: ما تقول في الذي جاء عن عمر: لا تزوجوا النساء إلا الأكفاء, فأي امرأةٍ من قريشٍ تزوجت غير كفؤ لها فَرَّقَ عمر بينهما, وقال: لا تنكحوا ذوات الأحساب إلا من الأكفاء؟
قال: قد قال عمر غير هذا, قال: دين الرجل حسبه, وكرمه تقواه, ومروءته خلقه, فليس الحسب والشرف إلا في الإسلام والتقوى وما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس لأحد معه حُجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 51
وروى ابن وهب أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «إذا أتاكم من ترضون دينه وأمانته فانكحوه» , قالوا: يارسول الله: وإن كان أسود, فقال عليه الصلاة والسلام: «إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير».
وذكر ابن وهب أن بلالاً خطب بنتاً لبُكَير, فأباه أخوتها, وكانوا بدرييَّن, فأخبر بلال رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك, فغضب رسول الله, فبلغهم الخبر, فأتوا أختهم فقالوا: مالقينا من غضب رسول الله من أجل بلال؟ فقالت: قد جعلت أمري لرسول الله صلى الله عليه وسلم, فأنكحها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالاً.
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فإن رضيت بعبد وهي امرأة ثيب من العرب, وأبى الأب أو الولي أن يزوجها منه, [أيزوجها منه السلطان أم لا]؟
قال: لم أسمع من مالك فيه شيئاً إلا ماأخبرتك / من نكاح الموالي في العرب [50/ب]
ولقد قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولاة, فأعظَمَ ذلك إعظاماً
الجزء: 9 - الصفحة: 52
شديداً, وقال: أهل الإسلام بعضهم لبعضٍ أكْفاء, لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات:13].
وقال غيره: ليس الوليُّ بعاضل في منعه ذات القدر نكاح العبد ومثلِه, لأن للناس مناكح قد عُرِفَتُ لهم وعُرِفُوا بها.
وقال المغيرة وسحنون: يفسخ.
قال عبد الوهاب: وهذا هو الصواب, لأن الحرية من الكفاءة, ولأن العار يدخل على الأولياء بوضع وليَّتهم نفسها تحت عبد, فكان لهم منعُها.
فصل [4_متى يعدُّ الأب عاضلاً لابنته؟]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يكون الأب عاضلاً لابنته البكر البالغ في ردِّ لأول خاطبٍ أو خاطَبيْن حتى يتبيَّن ضرره, وإذا لم يُعْرف من الأب في ذلك ضرر لم يهجم السلطان على ابنته في إنكاحها, ولا حدَّ في ردِّ الأب عنها الواحد والاثنين إلا أن يعَرف ضرره وإعضاله لها, فإذا تبيَّن ذلك منه فأرادت الجارية
الجزء: 9 - الصفحة: 53
النكاح قال له الإمام: إما أن تزوجها, وإما زوجناها عليك, لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا ضَرَرَ ولاضِرَار».
الجزء: 9 - الصفحة: 54
[الباب السادس]
في إنكاح الأوصياء
[فصل 1_ في تزويج الوصي البالغة]
قال مالك: وللوصي ووصي الوصي أن يزوج البكر البالغ برضاها وإن كسره الولي, ولا نكاح للأولياء مع الوصي ووصي الوصي, وهما أولى من الأولياء.
قال الشيخ: لأنها ولاية كان للأب على ابنته, فكان له نقلها إلى من شاء بعد وفاته, كولاية المال.
قال مالك: ولو رضيت الجارية ووليها برجل والوصي ينكر فلا نكاح لها ولاهم إلا بالوصي, فإن هم اختلفوا نظر السلطان في ذلك.
قال مالك: وإن زوجها الولي برضاها من رجل وقد حاضت, ولها وصي أو وصي وصي فلا يجوز نكاحه.
قال ابن المواز: قال مالك: إذا زوجها أحد أوليائها برضاها كان للوصي أن ينقض نكاحها.
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد: الوصي أولى من الولي, ويشاور الولي.
الجزء: 9 - الصفحة: 55
قال: والوصي العدل مثل الأب.
قال ابن القاسم: ووصي الوصي في البكر وإن بَعُدَ كالوصي.
قال مالك: ويزوج الثيب الولي برضاها وإن كره الوصي, وإن زوجها الوصي أيضاً برضاها جاز وإن كره الولي, وليس هو كالأجنبي فيها.
قال ابن المواز: قال أشهب: وإنما الوصي في الثيب كالأب في الثيب.
فصل [2_ في تزويج الوصي الصغيرة]
ومن المدونة: قال مالك: وليس لأحدٍ أن يزوج الطفلة قبل بلوغها من قاض أو وصيٍّ أو وليٍّ إلا الأب وحده, لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر باستئذان اليتيمة, ولاإذن إلا للبالغة.
قال في كتاب ابن المواز والواضحة: وإذا قال الأب للوصي: زوِّج ابنتي فلاناً, أو ممن ترضاه, أو قال: زوِّجها فقط, فهذه يزوجها الوصي قبل البلوغ, وله إكراهها على ذلك بعد البلوغ كالأب.
وإن قال: فلان وصيٌّ فقط, أو قال: وصيٌّ على بُضْعِ بناتي, أو على تزويجهن, فلا يزوجهن هذا حتى يبلغن ويرضين.
ابن المواز: قال أصبغ: ولو كان الذي أمره الأب بتزويجه لها رجلاً فاسقاً سكِّيراً لم يجز ذلك عليها, ولا يجوز ذلك للأب لو فعله بها, وكان للسلطان أن
الجزء: 9 - الصفحة: 56
يرد نكاحه عليها, لأنه من الضرر, وقد نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الضرر.
وكما لو دعت هي إلى تزويج مثل هذا لم يجز أن تُجاب إليه.
قيل: فلو أوصى إليه فقال له /: زوِّج ابنتي من فلا بعد عشر سنين [أو بعد أن تبلغ] أو قال له: ممن ترضاه؟
قال: ذلك جائز لازم إذا فرض لها صداق مثلها, وليس لها ولا للوصي أن يأبيا ذلك إذا طلب ذلك من سمَّاه الأب, ويحكم له بذلك, إلا أن يكون لها في ذلك حجة, مثل أن يكون يوم أمره الأب بتزويجه مأموناً مرضيَّاً حسن الحال, ثم خرج بعده إلى الفسق والدَّعارة والتلصُّص, فيبطِل الحاكم عنها وصية الأب فيه سواءً أحبته أو كرهته.
قيل: فلو كانت حجتها أن قالت: إن هذا الرجل يوم أمر أبي بإنكاحي منه خلوٌّ من النساء, وهو الآن قد تزوج بعده, أو قالت: اتخذ السراري, فلست أُدْخِلُ عليَّ الضرر؟
قال: ليس هذا مما ترد به النكاح عن نفسها, والأمر لها لازم.
قال الشيخ: وقع في بعض روايات المدونة فيمن قال: إن مت من مَرضي فقد زوجتُ ابنتي من ابن أخي.
قال فيها سحنون: إنما يجوز ذلك إذا قبل النكاح ابن الأخ بِقُرْبِ ذلك ولم يتباعد.
الجزء: 9 - الصفحة: 57
قال الشيخ: وهذه بخلاف مسألة أصبغ, لأن هذا زوَّج ابنته بعد, وأنما بقي إعلام الزوج ورضاه, فلذلك اشترط إن قَبِلَ بالقرب, وأما الآخر فإنما أوصاه أن يعقد ذلك الوصي إن رضي الزوج, فلذلك جاز بعد الطول وهذا بيِّن.
وفي بعض حواشي الكتاب: إذا قال في صحته: إذا مت فقد زوجت ابنتي فلانةً من فلانٍ ابن أخي, أنه لا يجوز هذا عند ابن القاسم, وبه قال أصبغ وابن المواز, لأنه نكاح إلى أجل, كما لو قال: إذا مضت سنة فقد زوجت ابنتي من فلان, وأشهب يجيز هذا.
قال أصبغ: وإن في المرض لَمَغّمَزاً أيضا ولكن أهل العلم متفقون على إجازته وهو من أمر الناس ومن وصايا المسلمين في أمراضهم.
[فصل 3_في تزويج الأب أو الوصي الطفل الصغير]
ومن المدونة: قال مالك: وأما الطفل الصغير فلأبيه أو وصيه أن يزوجه قبل بلوغه, وليس ذلك لغيرهما من الأولياء, ووصي الوصي في ذلك كالوصي.
قال: ولأن للطفل أن يطلِّق إذا بلغ وليس ذلك للطفلة.
الجزء: 9 - الصفحة: 58
فصل [4 - في استخلاف الأم من يزوج ابنتها] قال مالك: وللأب أو للولي أن يستخلف من يزوج, وليس للأم أن تستخلف من يزوج ابنتها البالغ اليتيمة, إلا أن تكون الأم وصية, فإن كانت الأم وصية عليها أو على صَبَيَّة غير ابنتها فهي أحقُّ بعقد النكاح من الأولياء, غير أنها لا تلي هي عقد نكاحها, ولكن توكِّل بذلك رجلاً بعد بلوغ الصبيَّة ورضاها, فأما قبل بلوغها فلا.
الجزء: 9 - الصفحة: 59
[الباب السابع]
في المرأة يتزوجها رجلان ولا يعلم الأول منهما ووليَّ المعتقة, والاولي يرضى بغير كفءٍ ثم لا يرضى به في نكاح ثان
[فصل 1_في المرأة يتزوجها رجلان ولا يُعلم الأول منهما]
قال مالك: وإذا وكَّلت المرأة كلَّ واحدٍ من ولييها يزوجها فزوَّجها هذا من رجلٍ وهذا من رجلٍ أخر, فالنكاح لأوَّلهِما إذا عُرَفَ الأول, إلا أن يدخل بها الأخر فهو أحقُّ [بها] وكذلك قضى عمر رضي الله عنه.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: تردُّ للأول على كل حال, ودليلنا: أنه إجماع الصحابة, روي عن ذلك عمر والحسن بن علي
الجزء: 9 - الصفحة: 60
ومعاوية, وقيل: مرويٌّ عن عليٍّ رضي الله عنهم ولا مخالف لهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم يدخل بها واحد منهما ولم يعرف الأول فسخا بطلقة طلقة, ولا قول لها إن قالت: هذا هو [الأول] , ثم تبتدئ نكاح من أحبت منهما أو من غيرهما.
قيل لابن المواز: فإن مات الأول منهما أو طلق قبل أن يدخل الآخر بها ثم دخل الآخر بعد موته أو بعد طلاقه؟
قال: إن لم يعلم بذلك حتى دخل الآخر ثبت نكاحه / كما لو دخل بها والأول حي لم يمت ولم يطلق, ولا ميراث لها من الأول ولا عدة عليها منه, وإن علم بذلك قبل دخول الآخر فسخ نكاح الآخر واعتدت من الأول وورِثَته, وكذلك إن طلق فإنه يفسخ نكاح الآخر على كل حال, وذلك إذا كان عقد
الجزء: 9 - الصفحة: 61
الآخر في حياة الأول قبل أن يموت أو يطلق, وأما لو عقد بعد موته أو طلاقه, فإن تزوجها في عدة موته فسخ نكاحه, لأنه ناكح في عدة, وأما في طلاقه فيثبت نكاحه, إذ لا عدة عليها, لأنه قبل البناء.
قيل: فإن دخل الآخر والأول حيٌّ لم يطلق, فأقر الولي الذي زوَّج الآخر أنه كان عالماً بتزويج الأول؟
قال: لم يقبل قوله بعد دخول الآخر إلا أن تقوم بينة أنه كان أقر عندهم قبل تزويجه بعلمه, فيفسخ حينئذ نكاح الآخر فسخاً بغير طلاق.
ولكن لو أقر الآخر نفسه بعد دخوله بأنه قد كان بتزويج الأول عالماً قبل أن يدخل بها لم يحتج إلى بينة, وفسخ نكاحه بطلقة بائنة, فكان لها الصداق كاملاً.
وقال عبد الملك: فسخاً بغير طلاق.
فصل [2_في وليِّ المعتقة من رجلين]
ومن المدونة: وإذا أعتق الأمة رجلان فكلاهما وليَّاها, فإن أنكحها أحدهما بإذنها جاز على الآخر وإن لم يرض.
فصل [3_في الولي يرضى بغير كفءٍ
ثم لا يرضى به في نكاح ثان]
قال مالك: وإذا رضي الولي برجل ليس بكفءٍ للمرأة, فصالح ذلك الرجل زوجته فبانت منه, ثم أرادت المرأة نكاحه بعد ذلك فامتنع الولي وقال: لست بِكُفْءٍ لها, فليس ذلك له, وإذا رضي به مرة فليس له أن يمتنع منه أخرى.
الجزء: 9 - الصفحة: 62
قال ابن القاسم: ألا أن يَظَهَر منه على فسق, أو تلصُّص, أو ما فيه حجة غير الأمر الأول, فذلك للولي, وكذلك إن رضي بعبد على ما ذكرنا.
الجزء: 9 - الصفحة: 63
[الباب الثامن]
في توكيل المرأة أجنبيا يزوجها أو قالت لوليها: زوجني ممن أحببت
[فصل 1_في توكيل المرأة أجنبياً يزوجها]
قال ابن القاسم: وإذا وكلت المرأة الدنية مثل المعتقة والمسلمانية والسوداء والمسكينة أجنبياً فزوجها وهي ببلد لا سلطان فيه, أو فيه سلطان يعسر عليها تناوله ولا ولي لها جاز ذلك.
وفي رواية أشهب عن مالك: أن الدنَّية وغيرها سواء, ولا يزوجها إلا ولي أو سلطان.
قال الشيخ: فوجه الأول: أنه لما لم يكن لها ولي, وكان متناول السلطان بعيداً صار ذلك ضرورة أباحت تزويج الأجنبي إياها, لأنه ولي عام, لقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة:71].
ووجه الثانية: أن الولي العام لا يزوج مع حضور الخاص, أصله في غير الدنِّية.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن ولَّت من أسلمت هي على يديه, فإنه يجوز إنكاحه إياها, وأما من أسلم على يديه أبوها وتقادم ذلك حتى
الجزء: 9 - الصفحة: 64
يكون لها من القدر والغناء والإباء في الإسلام ما يتنافس الناس فيها فلا يزوجها وهو كالأجنبي فيها.
قيل لمالك: فرجال من الموالي يأخذون صبياناً من العرب تصيبهم السنة فيكفلونهم ويربونهم حتى يكبروا, فتكون فيهم الجرية فيريد أن يزوجها؟
فقال: ذلك جائز, ومن أنظرُ لها منه.
قال الشيخ: يريد إذا بلغت وأذنت, وهذا إذا لم يكن لها أب, وأما إن كان لها أب فلا ينكحها بغير رضى أبيها إلا أن يَجعل ذلك الأب بيده, ونحوه في كتاب محمد.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما كل امرأة لها بال وغناء وقدر, فإن تلك لا يزوجها / إلا وليها أو السلطان.
قيل لمالك: فلو أن امرأة لها قدر تزوجت بغير أمر ولي, فوَّضت أمرها إلى رجل فرضي الولي بعد ذلك, أيثبت النكاح؟
فوقف فيه.
وقال ابن القاسم: إذا أجازه الولي بالقرب جاز, وسواء دخل الزوج أم لا وإن أراد فسخه بحدثان الدخول كان ذلك له وفسَخَه, فأما إن طالت إقامتها معه وولدت الأولاد أمضيته إن كان ذلك صواباً ولم يفسخ, وقاله مالك وغير واحد من الرواة.
قال سحنون: وقال غيره: لا يجوز وإن أجازه الولي, لأنه عقده غير الولي.
الجزء: 9 - الصفحة: 65
قال ابن وهب عن مالك في موضع آخر: يفرق بينهما بطلقة, دخل بها الزوج أم لا, إلا أن يجيز ذلك الولي أو السلطان إن لم يكن لها ولي, فأما المرأة الوضيعة مثل المعتقة والسوداء والمسلمانية فإذا كان نكاحها ظاهراً معروفاً فذلك عندي أخف من المرأة لها الموضع.
قال الشيخ: وهذا كله موافق لرواية ابن القاسم, وتحصيل مذهب ابن القاسم فيها: هو أنه إذا طال قبل البناء فلابد من فسخه, وإذا طال بعد البناء فلابد من إجازته, وإنما يجيز الولي في القرب, كذلك كان يدرّسه بعض شيوخنا, وهو بيِّن-.
قال ابن القاسم: وإذا استخلفت المرأة على نفسها رجلاً فزوجها ولها وليان أحدهما أقعد بها من الآخر, فلما علما أجازه الأبعد ورده الأقعد فلا قول هاهنا للأبعد, بخلاف التي زوجها الأبعد وكره الأقعد, لأن ذلك نكاح عقده ولي, وهذا نكاح عقده غير ولي فلا يكون فسخ هذا إلا بيد الأقعد, وقاله مالك.
قال ابن القاسم: وإن غاب الأقعد وأراد الأبعد فسخه نظر فيه السلطان, فإن كانت غيبة الأقعد قريبة بعث إليه وانتظره ولم يعجل, وإن كانت غيبته بعيدة نظر السلطان كنظر الغائب في الرد أو الإجازة, وكان أولى من الولي الحاضر.
فصل [2_في المرأة إن قالت لوليها: زوجني ممن أحببت]
قال مالك: وإذ قالت المرأة لوليها: زوجني ممن أحببت, فزوجها من نفسه أو من غيره لم يجز حتى يسمي لها من يزوجها, ولها أن تجيز أو ترد.
وقد قال ابن القاسم: إن زوجها من غيره جاز وإن لم يسمه, وإن زوجها من نفسه فبلغها ذلك فرضيت به جاز, لأنها قد وكلته بتزويجها.
الجزء: 9 - الصفحة: 66
قال الشيخ: فصار الخلاف إنما هو في الأجنبي خاصة, فأما في نفسه فلا يجوز عليها إلا أن ترضى.
قال الشيخ: فوجه قوله: إذا زوجها من غيره لم يجز حتى يُعلمها به, لاختلاف أغراض النساء في أعيان الرجال, وإن تساووا في الكفاءة.
ووجه قوله للثاني: فلأن تفويضها ذلك إليه رضى بما صنع.
وأما إذا زوجها من نفسه لم يجز حتى يعلمها في القولين, لأنه يتَّهم في تقديم حظِّه ومحاباته نفسه, وكما لو أمرته ببيع سلعتها فباعها من نفسه أنها مخيرة عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 67
[الباب التاسع]
في القاضي يزوج المرأة من نفسه والأب يزوج ابنه وهو صامتٌ ثم ينكر وتزويج مواليه الصغار, والوصي إماء اليتامى
[فصل 1_في القاضي يزوج المرأة من نفسه]
قال ابن القاسم: وإذا لم يكن للمرأة وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها جاز, لأنه وليُّ من لا ولَّي له, وإن كان لها وليٌّ فزوَّجها القاضي من نفسه أو من ابنه برضاها, وأصاب وجه النكاح ولم يكن / منه جور فليس لوليها فسخ ذلك, لأنه في حديث عمر: لا ينكح لامرأة إلا وليها أو ذوي الرأي من أهلها أو السلطان, فقد جعل إليهم النكاح بينهم في هذا الحديث.
قال الشيخ: ولما جاز عقده عليها للأجنبي برضاها جاز عقده عليها لنفسه برضاها, وقد أعتق النبي عليه الصلاة والسلام صفيَّة وتزوجها.
الجزء: 9 - الصفحة: 68
ابن المواز: قال ابن وهب: وأخبرني يونس عن ابن شهاب عن عروة ابن الزبير أنه سأل عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء:3] فقالت: هي البكر اليتيمة تكون في حجر وليها فيعجبه مالها وجمالها فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط لها في صداقها, فَنُهُوا عن أن يَنْكِحُوهنَّ إلا أن يقسطوا لهنَّ ويبلغوا بهنَّ أعلى سُنَّتِهِنَّ من الصداق, وإلا فلينكحوا ما طاب لهم من النساء سِوَاهن.
فصل [2_في الأب يزوج ابنه وهو صامت ثم ينكر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو حاضرٌ صامت, فلما فرغ الأب من النكاح قال الابن: ما أمرته ولم أرض, ولكن صمتُّ لأني علمت أن ذلك لا يلزمني, فليحلف ويكون القول قوله.
وقد قال مالك فيمن زوَّج ابنه البالغ وهو غائب فأنكر إذا بلغه النكاح: سقط النكاح والصداق عنه وعن الأب.
فهذا عندي مثله وإن كان حاضراً, وابنه وأجنبي في ذلك سواء إذا كان الابن قد ملك أمره:
الجزء: 9 - الصفحة: 69
قال الشيخ: فإن نكل عن اليمين لزمه النكاح, فإن شاء طلَّق وودى نصف الصداق, وإن شاء ثبت عليه.
وقد سئل ابن القاسم في المستخرجة عن الرجل يخطب امرأة إلى وليها فيزوجه ويشهد له, فتنكر المرأة أن تكون علمت أو رضيت أتستحلف؟
قال: إن كان الإشهاد على ذلك في المسجد, وحيث يُرَى أنها لم تعلم فلا يمين عليها, وإن كان الإشهاد ظاهرا, أو إطعاماً لوليمة أو إشهاراً في دارها.
وحيث يُرى أنها عالمة فأرى أن تحلف بالله ما وكَّلته ولا فوَّضت إليه ذلك, وما ظننت أن ذلك اللَّعب ولا ذلك الطعام الذي صُنِعَ إلا لغيري, ثم لا شيءَ عليها, فإن نكلت عن اليمين لزمها النكاح.
قال الشيخ: فكذلك مسألة الابن.
وقد حكى عن أبي محمد: أن اليمين إنما هي على الولد استظهاراً, فإن نكل فلا يلزمه شيء.
وقال غيره: إذا نكل طلق عليه ولزمه نصف الصداق.
والصواب ما قدمنا عن ابن القاسم, وبالله التوفيق.
قيل لابن القاسم: فإن رضي الابن بالنكاح وهو كبير, وهو في عياله, إلا أنه قال: لا أغرم من المهر شيئاً, وقال الأب: إنما أردت أن يكون المهر عليك؟
قال: قال مالك: لايكون على واحد منهما من المهر شيء, وتقع الفرقة بعد أيمانهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 70
قال ابن القاسم: إلا أن يكون قد دخل فإنه يحلف الأب ويبرأ، ويكون ذلك على الابن وإن كان عديما، إلا أن يكون الابن ممن يُوْلَى عليه فيكون ذلك على الأب، إلا أن يكون للابن مال.
فصل [3 - في تزويج المعتق مواليه الصغار
وتزويج الوصي إماء اليتامى]
ومن المدونة: قال مالك: ومن أعتق صبَّيًا صغيرًا فزوَّجها قبل البلوغ لم يجز عقده عليها بخلاص الوصي الذي يجوز عقده على الصغير ولا يجوز عقده على الصغيرة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر باستئذان اليتيمة، ولا إذن إلا للبالغة.
وللوصي إنكاح إماء اليتامى وعبيدهم على وجه النظر لليتامى وطلب الفضل لهم، وكما يجوز بيعه وشراؤه على من يلي عليه فكذلك يجوز إنكاح إمائهم وعبيدهم بعضهم من بعض أو من الأجنبي.
وقد تقدم أن للرجل أن يُنْكِحَ عبده أو أمته وإن كَرِهَا، وله جبرهما على النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 71
[الباب العاشر]
فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق
أو زاد فيه
[فصل 1 - فيمن أرسل من يزوجه فضمن الرسول الصداق]
قال مالك: ومن أتى إلى امرأة وقال: إن فلانًا أرسلني أخطبك له، وأمرني أن أعقد له نكاحه إن رضيت، فقالت: قد رضيت، ورضي وليها فأنكحه وضمن الخاطب الصداق، ثم قدم فلان فقال: ما أمرته، فلا يثبت هذا النكاح، ولا يلزم الرسول شيئًا مما ضمن.
قال الشيخ: يعني بعد يمين الغائب أنه ما أمره، لأنه لو أقر له لزمه النكاح.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز في امرأة زوَّجها وليها وزعم أنها أمرته، ثم إن المرأة أنكرت ذلك لمَّا بلغها، قال مالك: عليها اليمين، فإن حلفت سقط عنها النكاح، فهذا مثله.
قال الشيخ: وإنما لم يضمن الرسول؛ لأنه إنما ضمن لها على تمام النكاح فإذا انفسخ النكاح انفسخ الضمان.
وقال علي بن زياد: ويضمن الرسول ما ضمن لها.
قال الشيخ: يعني أنه يضمن نصف الصداق، لأنه فسخ بطلاق قبل البناء، فإنما يضمن ما كان على الزوج لو طلق.
الجزء: 9 - الصفحة: 72
[فصل 2 - في ضمان الرسول الصداق وزيادته فيه]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لرجل: زوجني فلانة بألف، فذهب المأمور فزوجه إياها بألفين، فعلم بذلك قبل البناء، قيل للزوج: إن رضيت بألفين وإلا فُرِّق بينكما، إلا أن ترضى المرأة بالألف فيثبت النكاح.
قال الشيخ: أراه يريد إنما هذا بعد أن يحلف الزوج أنه إنما أمر الرسول أن يزوجه بألف، فإذا حلف قيل للمرأة: إن رضيت بألفٍ وإلا فُرِّق بينكما، فإن نكل الزوج عن اليمين لزمه النكاح بألفين، وهذا إذا كان على عقد الرسول بألفين بينة، وإن لم يكن على عقده بألفين بينة إلا قول الرسول فهاهنا يكون الحكم فيها كاختلاف الزوجين في الصداق قبل البناء، تحلف الزوجة أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: ترضى بذلك، أو فاحلف أنك إنما أمرته بألف، وينفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بالألف.
قال ابن القاسم: وتكون فرقتهما تطليقة.
وقال المغيرة: بغير طلاق.
قال ابن القاسم: وسواء في ذلك قال له: زوجني فلانة، أو قال: زوجني، ولم يقل: فلانة.
قال: وإن قال الرسول: أنا أغرم الألف التي زدت، وأبي الزوج لم يلزمه النكاح بذلك، لأنه يقول: إنما أمرتك أن تزوجني بألف درهم، فلا أرضى أن يكون صداقي ألفين.
-قال الشيخ: ولا أرضى حَمْلُك عنِّي، ولا منَّتك علي-.
قال مالك: وإن لم يعلما حتى دخلا لم يلزم الزوج غير الألف، ولا يلزم المأمور شيئًا، لأنها صدَّقة، والزوج جحدها الألف الزائدة، والنكاح بينهما ثابت -يريد وعلى عقد النكاح بينهما بألفين بينة، وليس على رضى الزوج
الجزء: 9 - الصفحة: 73
والزوجة بالتسمية بينة.
قال ابن القاسم: وإن أقر المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية، والنكاح ثابت.
وإن دخل الزوج بعد علمه بتعدي المأمور لزمته الألفان، علمت المرأة بتعديه أو لم تعلم.
وكذلك من أمر رجلاً أن يشتري له أمة بمئة درهم فاشتراها له بمئتين، فوطئها الآمر بعد علمه بما زاد المأمور، والبائع عالم بذلك أو غير عالم، فعلى الآمر غرم مئتين.
ومن كتاب ابن المواز: قال: وإذا بنى الزوج قبل أن يعلم فإنه يحلف الزوج ما أمره إلا بالألف وما علم بما زاد إلا بعد البناء، فإن نكل غرم، وإن لم يكن على أصل النكاح بالألفين بينة / غير قول الرسول حلف الزوج أيضًا، إلا أنه إذا نكل هاهنا لم يغرم حتى تحلف المرأة على أن أصل النكاح كان بألفين، لا على أن الزوج أمر الرسول بألفين، فإن حلف الزوج أولاً فلها أن تحلف الرسول أنه أمره بألفين، فإن نكل غرم الألف [الأخرى].
الجزء: 9 - الصفحة: 74
قال أصبغ: ولو نكل الزوج فغرم في الوجهين فله أن يحلف الرسول، فإن نكل غرم.
قال ابن المواز: وهذا غلط، لا يمين للزوج على الرسول، إذ لو أقر بالتعدي لم يكن بُدٌ من يمين الزوج، لأنه لما ترك اليمين فقد ألزم ذلك نفسه.
-قال الشيخ: يريد محمد: لابد من يمين الزوج أنه ما علم بما زاد إلا بعد البناء فإذا نكل عن ذلك لزم الغرم، فلذلك لم يكن له على الرسول يمين-.
قال أصبغ: وهذا فيما يشبه أن يكون صداقًا وإن كان دون صداق مثلها وقد بنى، فيحلف وعليه ما أقر به، وإن لم يشبه أن يكون صداقًا وجاء بأمر مُفْرِط مثل الدينارين والثلاثة والخمسة في ذوات القدر واليسار فليحلف قبل البناء، وإن بنى حلف وبلغ بها صداق مثلها على تزويج التخفيف والصلة والقريب المواصل.
قال ابن القاسم: وإذا أنكر الآمر ما زوجه به، ثم أقر ورضي بعد ذلك، فإن كان إنكاره ردَّاً وفسخًا لفعله فلا يجوز أن يجيزه، قَرُبَ أو بَعُدَ إلا بنكاح جديد، وإن لم يكن على الرد مثل أن يقول: أكثرتم علي، وما أحِبُّ هذا، وما أَرَاني أرضى، وشِبه هذا فلا بأس أن يجيز، وإن طال الأمر ولا يُعلم منه رضى ولا سخط فلا يجوز إلا أن يأتنفا نكاحًا جديدًا حين لم يُجْزِه حين علم، ولأنهما لا يتوارثان، وأما ما قُرب فيتوارثان استحسانًا.
وقال: وتحرم على آبائه وأبنائه، ردَّ ذلك أو رضيه، وقال أصبغ، وذلك كله ما لم يدخل.
الجزء: 9 - الصفحة: 75
[الباب الحادي عشر]
في النكاح يعقده ذمي أو عبد أو امرأة
[فصل 1 - في النكاح يعقده ذمي]
قال الله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، وقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: 51].
قال مالك: فلا يجوز لنصرانيٍّ عقد نكاح مسلمة أَبَاً كان أو غيره.
قال ابن القاسم: ويعقد النصراني نكاح وليته النصرانية لمسلمٍ إن شاء، لأنه وليٌّ لها، وإن كان لهذه النصرانية أخ مسلم فلا يعقد نكاحها من مسلم إن كانت من نساء أهل الجزية، لقول الله تعالى في أهل الكفر: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72].
قال ابن المواز: وإذا زوَّجها مسلم فقد زوجها غير وليٍّ، كان أَبَاً أو غيره.
قال ابن القاسم: وإن لم تكن من نساء أهل الجزية وقد أعتقها مسلم جاز أن يزوجها وليها المسلم ومولاها بإذنها، لأن ولاءها للمسلمين.
وأما إن كانت من نساء أهل الجزية فلا يزوجها مسلم من مسلم ولا من نصراني، فإن زوجها المسلم من مسلم فُسِخ نكاحه، لأنه زوَّجها غير وليٍّ، وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 76
زوجها من نصراني لم أفسخه، لأنه نصراني تزوج نصرانية بغير ولي، ولسنا نعرض لهم في نكاحهم، إلا أن المسلم الذي عقد نكاحها منه ظلم نفسه لما أعان على ذلك ودخل لهم فيه.
قال ابن المواز: قيل لأشهب: فالنصراني تكون له البنت النصرانية أيعقد نكاحها مع مسلم؟
قال: نعم.
قيل له: فإن كان الأب مسلمًا أيعقد نكاحها مع مسلم؟
قال: لا.
قال أصبغ: إن وقع لم أفسخه، وهو نكاح، لأن النصراني لا يعقد نكاحًا إلا كان عقد المسلم أصح منه وأفضل، وإنما ولايتها في الحكم أولى من وليها المسلم فإن لم يرغبوا فولت مسلما عقد نكاحها فهو أحب إلى من وليها الكافر.
قال ابن المواز: وهذا غلط، وخلاف لقول مالك / وابن القاسم [وأشهب] مع غفلة عن الحجة، لأن المسلم ليس بولي لها، فإذا أنكحها من مسلم صار هذا المسلم قد تزوجها بلا ولي فنكاحه باطل.
قيل لابن القاسم: فإن كانت هذه النصرانية لا ولي لها أرادت نكاح مسلم، أتولي مسلما يزوجها منه؟
قال: لا، ولا يزوجها إلا أهل دينها أساقفتهم أو بعض ولاتهم.
قيل له: هل للسيد المسلم أن يزوج أمته النصرانية من نصراني أو غيره؟
قال: نعم، وليس هذا من قبل الولاية ولكن من قبل أنها ماله.
قال الشيخ: وأما تزويجه إياها من غير مسلم فجائز، وأما من مسلم
الجزء: 9 - الصفحة: 77
فلا يجوز، لأن المسلم لا يجوز له نكاح الأمة الكتابية ولا يطؤها إلا بملك اليمين، كان حرًا أو عبدًا، كانت لمسلم أو ذمي، ولا يزوجها سيدها من غلام له مسلم، قال مالك في النكاح الثالث.
فصل [2 - في النكاح يعقده عبد]
ومن المدونة: قال مالك: والعبد والمكاتب والمدبَّر والمعتق بعضه والنصراني والمرتد ليس منهم مَنْ يلي عُقْدَةَ النكاح، فإن عقد أحدهم نكاح ابنته البكر أو الثيب برضاها، وابنة النصراني ملسمة لم يجز ويفسخ وإن دخل بها، وللمدخول بها المهر بالمسيس.
قال مالك: ولو كانت ابنة العبد حرة فأراد أولياؤها إجازة ذلك لم يجز، ولابد من فسخه، لأن العبد والمكاتب والمدبر لا يجوز لهم أن يعقدوا نكاح بناتهم ولا أخواتهم ولا أمهاتهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 78
قال مالك في كتاب محمد فيما عقده الأب العبد على ابنته أو غيرها، أو فيما عقدته المرأة على ابنتها أو ابنة غيرها أو على نفسها: يفسخ قبل البناء أو بعده، وإن ولدت الأولاد وطال زمانه أجازه الأولياء أو كان بإذنهم، كان [لها] خَطْبٌ أو لم يكن، ويفسخ بطلقة، ولها المسمى إن دخلت.
قال أصبغ: ولا ميراث فيما عقدته المرأة أو العبد وإن فسخ بطلاق، لضعف الاختلاف فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك عَقَدُ مَنْ فيه بقية رق.
قال مالك: وكذلك إن كانت المرأة أو العبد وصيين على التي عقدا عليها، فلا يجوز عقدهما، إلا أن للعبد الوصي أو المرأة الوصية أن يولِّيا أجنبيًا على العقد، فيجوز وإن كره الأولياء، وإن لم يكونا وصيين فلا يجوز عقدهما ولا استخلافهما.
قال ابن القاسم في العتبية: وإن كان العبد ذا نَفَاذ ونَظَر فليحضر وليُسمع من رأيه، وليس له في الاستخلاف شيئًا.
وقال في الواضحة: وإن جَهِلَ العبد فاستخلف غيره فعقد نكاح ابنته الحرة فسخ ذلك، وإن فات بالبناء مضى ولم يفسخ.
قال في العتبية: وكذلك النصراني لا يزوج ابنته المسلمة ولا يستخلف من يزوجها، ولا يطلب في ذلك رضاه إلا أن يكون وصيَّاً لرجل مسلم وأجازه الإمام
الجزء: 9 - الصفحة: 79
فله أن يستخلف مسلمًا يلي عقد نكاح بنات الميت.
قال عبد الوهاب: وإنما لم يجز عقد العبد على النساء، لأن الرق ينافي ولاية عقد النكاح، لأن العبد ناقص نقصًا أوجبه الكفر، وهو أصل رقِّه، فهو كالكافر فيه، ولأن كلَّ نقص منع وجوب صلاة الجمعة وتقلَّدَ الحكم منع ولاية عقد النكاح على النساء كالنساء.
ومن المدونة: قال مالك: والعبد إذا استخلفه حر على البُضْعِ فليوكِّل غيره على العقد.
قال مالك: وللمكاتب إنكاح إمائه على ابتغاء الفضل، وإلا لم يجز إذا ردَّ ذلك السيد.
ولا يتزوج المكاتب إلا بإذن سيده.
فصل [3 - في النكاح تعقده امرأة]
قال مالك: ولا تعقد المرأة نكاحًا على أحد من الناس ولا ابنتها ولكن تستخلف رجلاً يعقد لها النكاح إن كانت وصيةً، ولها أن تستخلف أجنبيًا وإن كان أولياء الجارية حضورًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 80
قال سحنون: قال بعض / الرواة: وذلك أن جميع من سميت ليس بولي، فإذا استُخلف أحد منهم على النكاح فليستخلف هو غيره، بذلك جاءت الآثار والسنة.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ميمونة، فجعلت ميمونة أمرها إلى أمُّ الفضل، فولَّت أمُّ الفضل العباسَ فزوَّجها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن وهب عن أبي هريرة أنه قال: لا تُزوِّجَ المرأةُ المرأة، ولا تُزوِّجُ المرأةُ نفسها، فالزانية هي التي تُنكِحُ نفسها.
الجزء: 9 - الصفحة: 81
قلت لابن القاسم: فحديث عائشة رضي الله عنها حين زوجت حفصة بنت أخيها عبد الرحمن من المنذر بن الزبير، أليس قد عقدت عائشة رضي الله عنها النكاح؟
قال: لا أعرف تفسيره، إلا أني أظنُّ أنها وكَّلت مَنْ عقد نكاحها.
قال ابن المواز: ولا يثبت أنها عقدته، فلا يحتج بمثل هذا، وقد يقال فيمن فعل بأمره أن الآمر فعله، وكما جاء في بريرة أنها كانت مكاتبة فاشترتها
الجزء: 9 - الصفحة: 82
عائشة رضي الله عنها، فصار ولاؤها لها، وليس في الحديث أنها عجزت، فلم يستقم إلا أن يقال: إنها عجزت، لأنه لا اختلاف في أن ولاء المكاتب لمن عقد كتابته، إلا أن يعجز، فعلى هذا يُحْمَلُ أمر عائشة في التزويج أنها أمرت من عقد النكاح، وذكر حديث أبي هريرة أنه قال: لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج نفسها، فإن الزانية هي التي تنكح نفسها.
قال الشيخ: وذكر هذا الحديث عبد الوهاب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا تنكح المرأة نفسها».
وقال غير ابن القاسم في المدونة: قد جاء حديث عائشة رضي الله عنها ولكن لم يصحبه عمل، فهو كغيره من الأحاديث مما لم يصحبه عمل، وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن»، وقد أُنزِل حدُّه على الإيمان، وقَطْعُه على الإيمان،
الجزء: 9 - الصفحة: 83
وروي عن الصحابة رضي الله عنهم أحاديث لم يعمل بها، وأخذ عامة الناس والصحابة بغيرها، فبقي الأول غير مُكَذَّب ولا معمول به، فاترك ما تُرِكَ العمل به، ولا تكذِّبه، واعمل بما عُمِلَ به، وصَدِّقه، وقد صَحِبَ العملَ قولُ النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تتزوج المرأة إلا بولي»، وقول عمر: لا تتزوج المرأة إلا بولي، وإن عمر فرَّق بين من يَزَّوَّجُ بغير ولي.
وقال عيسى عن ابن القاسم: وللرجل أن يستخلف من شاء امرأة أو عبدًا أو نصرانيًا يعقد نكاحه.
قال: فتعقد المرأة على عبدها نكاحه، ولا تعقد على أمتها، وكذلك قال ابن حبيب: إن للمرأة أن تليَ عقد نكاح من تلي عليه من الذكور، وكذلك في عبدها، وأنها لا تعقد على من لا يعقد على نفسه أبدًا.
قال الشيخ: وإنما يعقد على من له حِلُّ ما عقدت عليه يومًا مَا.
الجزء: 9 - الصفحة: 84
[الباب الثاني عشر]
في نكاح بغير إذن الولي
[فصل 1 - في ذكر ما يدل على تحريم النكاح
بغير إذن الولي وعقوبة فاعله]
روى ابن وهب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تنكح المرأة بغير إذن وليها، فإن نكحت فنكاحها باطل، وأعادها ثلاث مرات، فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له».
قيل لمالك فيمن يزوج امرأةً بغير أمر الولي بشهود: أَيُضْرب أحد منهم؟
فقال: أو دخل بها؟
قالوا: لا، وأنكر الشهود أن يكونوا حضورًا.
فقال: لا عقوبة عليهم.
قال ابن القاسم: إلا أني رأيت منه أنه لو دخل عليها لعوقبت المرأة والزوج والذي / أَنْكَح، ويؤدَّب الشهود أيضًا إن عَلِمُوا.
قال ابن وهب: وروي عن عمر بن الخطاب في رَكْبٍ جمعتهم الطريق، قولَّت امرأة أمرها غير وليِّ فأنكحها رجلاً منهم، ففرَّق عمر بينهما، وعاقب النَّاكِحَ والمُنْكِح.
وكتب به عمر بن عبد العزيز إلى أيوب بن شرحبيل: أَيُّما رجل نكح
الجزء: 9 - الصفحة: 85
امرأة بغير إذن وليِّها انتَزِعْ منه امرأته، وعاقِبِ الذين أَنْكَحُوا.
[فصل 2 - في ما يترتب على النكاح بغير إذن الولي إن فعل]
قال مالك: ويكره للرجل أن يتزوج امرأةً بغير إذن وليها.
قال ابن القاسم: فإن فَعَل كُرِهَ له وطؤها حتى يعلم وليُّها فيجيز أو يفسخ، ولو أن امرأة استخلفت رجلاً فزوجها بغير إذن الولي، فسخه الإمام أو وليها عند الإمام، فليفسخه بطلقة بائنة، سواء دخل بها أو لم يدخل، ثم إن أرادته زوَّجها إياه الإمام مكانها وإن كَرِهَ الولي، إذا دعت إلى سداد وإن لم يساوِ حَسَبَها ولا غِناها، وكان مرضَّيًا في دينه وعقه، وهذا إذا لم يكن دخل بها.
قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران في قوله: وهذا إذا لم يكن دخل بها، قال: إن كان الاشتراط من قول ابن القاسم فهو خلاف الذي ذكر ابن حبيب.
والذي ذكر ابن حبيب قال: قال مالك: إن كان نكاحًا ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في الاستبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدتها منه قبل تمامها.
قال أبو عمران: فإن كان هذا الاشتراط من لفظ سحنون فقد مرَّ على مذهبه، لأنه قال في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد نكاحه: أنه يستبرئ بعد إجازة السيد، وقاله ابن الماجشون معه.
الجزء: 9 - الصفحة: 86
وكذلك كل عقد كان فاسدًا ثم أجيز فلابد فيه من الاستبراء، بخلاف من تزوج بصداق فاسد، هذا إذا ثبت بالدخول لا استبراء فيه.
وكذلك الذي يكون عقده صحيحًا ثم يطؤها وطأ فاسدًا مثل وطء الحائض والصائمة في رمضان، لا استبراء في هذا الوطء.
قال الشيخ: لأن الاستبراء في مثل هذا إنما يقع في ابتداء النكاح أو ما ضارعه مما للولِيِّ فسخه أو إجازته كابتداء نكاح، وأما نكاح لا تعقُّبَ لأحد في إجازته فلا استبراء في وطئه.
قال الشيخ: يريد: ولو كان دخل بها لم يُنكِحْها حتى تستبرأ بثلاث حيض.
قال ابن القاسم: وإن كان وليها غائبًا وقد استخلفت رجلاً فزوَّجها فرفعت هي أمرها إلى الإمام قبل قدوم وليها، نظر الإمام في ذلك وبعث إلى وليها إن قرب، وإن بَعُدَ نظر كنظر الغائب في الردِّ والإجازة.
وقال غيره: إن كانت غيبة الولي بعيدةً لم ينتظر، وينبغي للإمام أن يفرق بينهما ويأتنف نكاحها منه إن أرادته، ولا ينبغي أن يُثْبِتَ نكاحًا عقده غير وليٍّ في ذات الحال والقدر.
قال ابن القاسم: وإذا تزوجت امرأة بغير إذن الولي فأراد الولي أن يفرق بينهما فالفرقة في مثل هذا لا تكون إلا عند السلطان، إلا أن يرضى الزوج بالفراق دونه.
وإن تزوجت ولم تستخلف أحدًا لم يقر هذا النكاح في دنيئة ولا غيرها، ويفسخ وإن ولدت الأولاد، لأنها هي عقدت النكاح، ولا يجوز ذلك على حال.
الجزء: 9 - الصفحة: 87
قال / ابن القاسم: ويدرأ عنها الحد.
وإن زوجها وليها من رجل، ثم طلقها ذلك الرجل ثم خطبها فليس له نكاحها إلا بعقد الولي أيضًا، والنكاح الأول والثاني سواء.
وقال ابن القاسم: من أعتق أم ولده وله منها أولاد رجال ثم أنكحها سيدها من نفسه أو من غيره برضاها جاز وإن كره ولدها، لأن المَوْلى ولي.
وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 88
[الباب الثالث عشر]
في النكاح الذي يفسخ بطلاق أو بغير طلاق
[فصل 1 - في النكاح الذي يفسخ بطلاق]
قال مالك: كل نكاح يكون للولي أو لأحد الزوجين أو لغيره إمضاؤه أو فَسخُه، فإن فَسْخَه إياه بطلاق، وتكون تطليقة بائنة.
قال ابن القاسم: ويقع فيه الطلاق والمواريثة قبل الفسخ، مثل التي تتزوج بغير أمر الولي، فيطلقها الزوج قبل البناء أو بعده، فإنه يلزمه ما طلقها، وكذلك إن خالعها على مالٍ أخذه منها قبل أن يجيز الولي، ثم أبى الولي أن يجيز، فإن الزوج يحل له ما أخذ منها، لأن طلاقه يقع عليها بما أعطته.
قال ابن القاسم: لأن فسخ هذا النكاح عند مالك لم يكن على وجه تحريم النكاح، ولم يكن عنده بالأمر البين، وقد سمعته يقول: مَا فَسْخَه بالبين ولكنه أحب إلي.
فقلت له: أترى أن يفسخ وإن أجازه الوي؟
فوقف عنه، فعرفت أنه عنده ضعيف.
وقال غيره في التي خالعها على مال: يرد المال، لأن للولي الإجازة أو الفسخ، مثل التي تتزوج رجلاً فتختلع منه، ثم يظهر أنه كان مجنونًا أو مجذومًا، فالخلع ماض، وترجع عليه بما أخذ منها، لأنها أملك لفراقه.
الجزء: 9 - الصفحة: 89
[فصل 2 - في النكاح الذي يفسخ بغير طلاق]
وقال ابن القاسم غير مرةٍ هو وأكثر الرواة: إن كلَّ نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه مثل نكاح الشغار ونكاح المريض والمحُرِم، وما كان صداقه فاسدًا، أو عُقِدَ على أن لا صداق فيه فأُدْرِكَ قبل البناء فكانا مغلوبين على فسخه، فالفسخ في ذلك كله بغير طلاق، ولا يقع فيه طلاق، ولا ميراث فيه.
قال ابن القاسم: وما عقدته المرأة على نفسها أو على غيرها، وما عقده العبد على غيره، فإن هذا يفسخ قبل البناء وبعده بلا طلاق، ولا ميراث فيه، وهكذا قال مالك: إن كل نكاح يفسخ على كل حال فالفسخ فيه بغير طلاق.
قال الشيخ: وقد تقدم لمالك في كتاب محمد: أن ما عقدته المرأة على نفسها فالفسخ فيه بطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 90
قال ابن القاسم: وكل ما فسخ بعد البناء مما فسد لعقده ففيه المسمى، وما فسخ من جميع ما ذكرت قبل البناء فلا صداق فيه، وترده إن قبضته.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: «فإن أصابها فلها مهرها بما أصاب منها»، وفيه دليلٌ أنه إن لم يصبها فلا مهر لها.
قال ابن القاسم: وإن قذفها الزوج في النكاح الذي لا يقرَّان عليه على حال لَاعَن، لثبوت النسب فيه، وإن ظاهر منها لم يلزمه ظهار إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك، من ذي قبل، فهذا إن تزوجها تزويجًا صحيحًا لزمه الظهار.
وإن آلى منها لم يلزمه الإيلاء، لأنه أمر بفسخ، ولكن إن تزوجها بعد هذا النكاح المفسوخ لزمه الإيلاء، لأنه لو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء، ولو قال لها: والله لا أطؤك، ثم تزوجها كان مُوليًا منها عند مالك، وإنما الظهار بمنزلة الطلاق.
ولو قال لأجنبية: أنت طالق، لم يلزمه شيء إلا أن يريد بقوله: إن تزوجتك فأنت طالق، فهذا إن تزوجها فهي طالق، وكذلك الظهار، ثم قال ابن القاسم لرواية / بَلَغَتْه عمن يرضاه من أهل العلم: إن كلَّ نكاح نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه فإنه يفسخ بغير طلاق، وإن طلق فيه قبل الفسخ لم يلزمه، ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة، أو المرأة
الجزء: 9 - الصفحة: 91
في عدتها، أو على عمتها، أو على خالتها، أو على أمها قبل أن يدخل بها، ولا تحرم بهذا النكاح إن لم يمسَّ فيه على آبائه وأبنائه، ولا يكونان به إن مسَّها فيه مُحصَنَيْن.
وقال غيره في الذي يتزوج امرأة ولم يدخل بها حتى تزوج ابنتها فَعَلِمَ بذلك وفسخ نكاح الابنة: أن الابنة لا تحلُّ لآبائه ولا لأبنائه لشبهة العقد.
قال الشيخ: وقول الغير يدخل في التي تتزوج على أختها أو عمتها أو خالتها وإن دخل بهن، لأنها تحل له بعد الفسخ إن فارق الأولى، وأما لو دخل بالأم ثم تزوج البنت فسخ نكاحه قبل البناء، فإنه لا تحرم هذه الابنة على آبائه ولا أبنائه في قول ابن القاسم وغيره.
قال ابن القاسم: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو رده فالفسخ فيه بطلاق، ويقع فيه الطلاق والموارثة قبل الفسخ كالمرأة تُزوج نفسها، أو تُنْكَحُ بغير ولي، والأمة تتزوج بغير إذن السيد، لأن هذا قد قال خلق كثير: إن أجازه الولي جاز، ألا ترى أنه لو زوجت امرأة نفسها فرفعت ذلك إلى قاض يجيز ذلك، وهو رأي [بعض] أهل المشرق، فقضى به وأنفده حين أجازه الولي، ثم أتى قاض ممن لا يجيزه أكان يفسخه؟ ولو فسخه لأخطأ في قضائه.
الجزء: 9 - الصفحة: 92
وهكذا كلُّ نكاح اختلف الناس في إجازته أو فسخه إذا رُفع إلى قاض فحكم بإجازته، ثم رُفع بعد ذلك إلى غيره، لم يكن له نقضه، لأن غيره قد حكم به، وهو مما اختُلِف فيه.
قال ابن القاسم: وكذلك نكاح المحرِم والشغار بعينه أحب ما فيه إليَّ أن يفسخ بطلاق، ويكون فيه الميراث، لأنه قد اختُلف فيه.
قال الشيخ: وتحصيل ما يفسخ بطلاق أو بغير طلاق في قول ابن القاسم، هو: أن كل نكاح لأحد الوليين أو الزوجين إجازته أو فسخه فلم يَختلف قوله أن الفسخ فيه بطلاق، وأن كلَّ ما نصَّ الله تعالى ورسوله عليه الصلاة والسلام على تحريمه لا يختلف فيه، فالفسخ فيه بغير طلاق، واختلف قوله فيما اختلف الناس فيه فقال: يفسخ بغير طلاق، وقال: بل بطلاق، وكل ما فُسخ بطلاق ففيه الميراث على قوله هذا، وكل ما فسخ بغير طلاق فلا ميراث فيه.
[فصل 3 - في تطليق العبد امرأته قبل إجازة السيد نكاحه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده وطلق امرأته قبل أن يجيز السيد نكاحه، أو أُعتقت أمة تحت عبد فطلقها زوجها قبل أن تختار، فالطلاق لازم، كان واحدة أو البنات، فإن فسخ السيد نكاح عبده قبل البناء لم يجز للعبد أن يتزوج أمها، وكذلك كل ما فسخ نكاحه قبل البناء مما اختلف
الجزء: 9 - الصفحة: 93
الناس فيه، فإنها لا تحل لأبيه ولا لابنه، لأن كل نكاح اختلف الناس فيه فالحرمة تقع فيه كالحرمة في النكاح الصحيح الذي لا اختلاف فيه.
[فصل 4 - في تزويج الغائب بغير أمره]
وقد روي عن مالكٍ في رجل زوَّج ابنه البالغ المالك لأمره وهو غائب بغير أمره، ثم أتى الابن فأنكر ما صنع أبوه، قال: لا ينبغي للأب أن يتزوج تلك المرأة.
قال مالك: وإن زوَّج أجنبي غائبًا بغير أمره فأجاز إذا بلغه لم يجز هذا النكاح / وإن رضي إذا طال ذلك، ولا يتزوجها أبوه ولا أجداده ولا ولده ولا ولد ولده.
قال ابن القاسم: ولا ينكح هو أمها، وينكح ابنتها إن لم يبن بالأم.
وقال المغيرة وابن الماجشون وابن دينار: إذا قدم الغائب فلم يرض فلا يقع بذلك التحريم، وروي لمالك.
قال عبد الملك: وإن أجازه القادم ففسخناه فإن الحرمة تقع به حينئذ.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه نكاح اختلف في جوازه إن أجازه الزوج، ولأنه يجوز عندنا إن أجازه بالقرب، فوجب أن تقع به الحرمة كالنكاح الذي لأحد الزوجين إجازته أو فسخه.
الجزء: 9 - الصفحة: 94
ووجه رواية عبد الملك: أنه إنما تقع الحرمة في نكاح اتفق الزوجان على عقده بغير مؤامرة الولي، وكان للولي الخيار فيه، أو كان بأمر الولي فوجد أحد الزوجين بالآخر عيبًا فوجب له الخيار في فسخه، فهذا تقع الحرمة فيه لاتفاق الزوجين على عقده، وأما الغائب فلم يأمر بنكاحه من هذه ولا رضيه فلا يجب أن تقع الحرمة فيه.
قال الشيخ: وإذن لا يشأ أحد أن يمنع رجلاً نكاح امرأة أراد نكاحها إلا ذهب إليها ورغَّبها في الصداق، وأنكحها من أبيه أو ابنه بغير أمره فأوقع الحرمة بينهما وهذا من الضرر.
فصل: 5 - [في حق السيد في التطليق على عبده
إن نكح بغير إذنه]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبد بغير إذن سيده فللسيد أن يطلق عليه واحدة بائنة أو طلقتين جميع طلاق العبد.
قال الشيخ: لأنه لما نكح بغير إذن السيد صار طلاقه بيد السيد، فله أن يُبَيِنُهَا منه كما كان ذلك للعبد.
قال مالك: فإن طلق عليه طلقتين، لا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره.
وقال أكثر الرواة: لا يطلق عليه إلا واحدة، لأن الواحدة تُبِينَهَا وتُفْرِغُ له عبده.
قال مالك: وللأمة إذا عتقت تحت العبد أن تختار نفسها بالبتات.
الجزء: 9 - الصفحة: 95
قال ابن القاسم: وإنما جَعَلَ ذلك لها مالك لأنه ذَكَرَ عن ابن شهاب في زبراء أنها قالت: ففارقْتُه ثلاثًا، فبهذا الأثر أخذ مالك، وكان يقول مرة: لا تختار إلا واحدة بائنة، وقاله أكثر الرواة.
قال الشيخ: فوجه الأول: أنها ملكت ما كان يملكه من الفراق، فلها أن تفارقه بما شاءت كَهُوَ.
ووجه الثانية: أن الواحدة تبينها منه، وتملك نفسها بها، فالزيادة على ذلك ضرر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار» فَمُنِعَتْ أن تُضِرَّ به.
الجزء: 9 - الصفحة: 96
[الباب الرابع عشر]
في إنكاح الرجل أم ولده ومكاتبته ومدبرته وأمته وعبده كرها وفي تزويج الأمة والعبد بغير إذن سيده
[فصل 1 - في إكراه الرجل أم ولده ومكاتبته
ومدبرته على النكاح]
قال ابن القاسم: وكره مالك أن يزوج الرجل أم ولده.
قال ابن القاسم: فإن فعل لم يفسخ.
قال ابن حبيب: اختلف قول مالك في جواز إكراه إياها على النكاح، فأجازه مرةً إذا زوَّجها ممن يشبهها، ثم رجع فقال: لا يزوجها إلا برضاها، وكان أحب إليه أن لا يزوجها أصلاً على وجه التنزُّه.
قال ابن المواز: له أن يُكْرِهَ أم ولده ومكاتبته ومدبَّرته على النكاح.
وقال في كتاب المكاتب: ولا يزوج مكاتبته إلا برضاها.
[فصل 2 - في إكراه الرجل عبده وأمته على النكاح]
ومن المدونة: قال مالك: وله أن يُكْرِه عبده أو أمته على النكاح.
قال في كتاب ابن المواز: وليس له أن يضر به / فيزوجه ما لا خير فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 97
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: ليس له أن يُكْرِهَ العبد.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32] ولم يشترط رضاهم، ولأنه عقد على منفعة كالإجارة، ونقيس العبد على الأمة.
ابن المواز: قال مالك في العبد نصفه حر: لا يزوجه سيده إلا برضاه، ولا يتزوج هو إلا برضى سيده، وكذلك الأمة نصفها حر لا يتم نكاحها إلا برضاها.
[فصل 3 - في تزويج السيد معتقته إلى أجل]
واختلف قوله في المعتقة إلى أجل فقال: يزوجها بغير رضاها، وقال: لا يزوجها إلا برضاها.
قال أشهب: له أن يزوجها كما له أن ينتزع مالها، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك.
قال ابن المواز: مَنْ له انتزاع مالها فله إكراهها ما لم يطلب بذلك ضررها.
قال الشيخ: يريد: فإذا قرب أجل عتقها لم يكن له أن يزوجها كُرْهَاً كما له أن ينتزع مالها.
الجزء: 9 - الصفحة: 98
وكذلك في العتبية عن ابن القاسم قال فيها في الموصى بعتقها إلى أجل وهي تخدم الورثة: فليس لهم إكراهها على النكاح ولكن برضاها، ولا لهم انتزاع مالها قرب الأجل أو بعد.
وقال سحنون، ولأنها به قوِّمت في الثلث.
فصل [4 - في تزويج السيد عبده على أن الطلاق بيد السيد]
ومن الواضحة: قال ابن الماجشون: ولا يجوز أن يزوج عبده على أن الطلاق بيد سيده ويفسخ، وإن بنى بها مضى ويبطل الشرط.
فصل [5 - في زواج العبد والأمة بغير إذن السيد]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يتزوج عبد أو أمة بغير إذن سيده.
قال الشيخ: لقوله تعالى في آخر الآية بعقب ذكر الإماء: ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر» وهذا أبلغ شيء في الحظر عليه، رواه عبد الوهاب.
الجزء: 9 - الصفحة: 99
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أمة رجلٍ بغير إذنه لم يجز النكاح وإن أجازه السيد، ويفسخ وإن ولدت الأولاد.
قال ابن القاسم: ولو أعتقها السيد قبل علمه بالنكاح لم يكن بُدٌ من فسخه.
قال مالك: وإذا فرِّق بينهما بعد البناء فلا ينكحها الزوج إلا بعد العدة من مائة الفاسد، وإن كان نسبُ ما في بطنها يثبت منه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن اشتراها الزوج في تلك العدة فلا يطؤها حتى تنقضي عدتها لفساد مائة.
قال مالك: وكل وطءٍ كان فاسدًا يُلحق فيه الولد ففرق بين الزوج والمرأة فلا يتزوجها حتى تنقضي عدتها.
ولو باع الأمة رجل، أو باعت هي نفسها بغير إذن السيد فأجازه السيد جاز، فإن قال المشتري: لا أقبل البيع، فلا كلام له، والبيه له لازم.
قال عبد الوهاب: تزويج الأمة بغير إذن السيد على وجهين: فإن باشرت العقد على نفسها لم يجز وإن أجازه السيد، فالنكاح فاسد، ولا يلتفت إلى إجازة السيد، لأن فساده في العقد لحقِّ الله تعالى، وإن ردت أمرها إلى رجل فعقد عليها فروايتان:
إحداهما: أنه كعقدها على نفسها، لأن السيد يزوج بالملك، وغيره يزوج بالولاية وذلك غير متفق.
-قال الشيخ: وهذا مذهب المدونة-.
والأخرى: أنه يجوز بإجازة السيد كما لو أذن لهذا العاقد لجاز عقده، وكإذنه لعبده أن يعقد على نفسه، فوقوعه بغير إذنه موقوف على الإجازة والرد
الجزء: 9 - الصفحة: 100
قال ابن المواز: ومن اشترى جارية / من رجل وهو يعلم أنها ليست له فوطئها فهو زان، وعليه الحد، وولده رقيق لسيد أمهم، بخلاف أن لو زوجته الأمة نفسها وأخبرته أنها حرة وهو يعلم أنها كاذبة فيطؤها بعد العلم، فلا يكون على هذا حد، ويلحق به نسب ولده، وهم وأمهم رقيق لسيدها، ويفسخ نكاحها، لأنه تزوجها بغير إذن السيد، وجعلتُ الولد رقيقًا، لأنه تزوجها وهو عالم أنها أمة، وهذا إذا أشهد على إقراره قبل تزويجه إياها فلا، لأنه يُتهم أن يُرِقَّ بذلك ولده، ويدفع عن نفسه غرم النفقة فيهم، فلا يصدق، ويكونون أحرارًا وتلزمه قيمتهم.
قال أشهب: وإن كان عديمًا أُتْبِعَ بقيمتهم دينًا، ولا قيمة عليه فيمن مات منهم قبل ذلك ولا على الولد الموسر قيمة نفسه وإن كان الأب عديمًا.
[فصل 6 - في تزويج الأمة أو العبد بين السيدين]
ومن المدونة: قال: ولا تنكح أمة ولا عبد بين رجلين إلا بإذنهما، فإن عقد للأمة أحد الشريكين بصداق مسمَّى لم يجز وإن أجازه الآخر، ويفسخ وإن دخلت، ويكون بين السيدين الصداق المسمى إن دخلت، فإن نقص عن صداق المثل تم للغائب نصف صداق المثل إن لم يرض بنصف التسمية.
[قال الشيخ]-يريد إن أخبر العاقد الزوج أنه إنما يملك نصفها، فأما إن غره فقال: هي حرة، أو قال: هي لي وحدي، فهاهنا يرجع الزوج على العاقد بكل ما غرمه للشريك الغائب، ويرجع على العاقد أيضًا بما دفع إليه إلا نصف ربع دينار.
الجزء: 9 - الصفحة: 101
قال ابن حبيب: وإذا نكح عبد بإذن أحد سيديه فللآخر أن يفسخ نكاحه، ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، فيكون ذلك بيد العبد مع ماله إلا أن يجتمعا على قسمه، ولا يترك لها منه ثلاثة دراهم [ولا حجة لها] إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك، فإن اقتسما الصداق أو ماله فلها أن تأخذ من الآذن حصته من الصداق، ولو غرَّها الآذن ولم يعلمها ردت إلى العبد جميع ما أصدقها ورجعت هي بمثله على الآذن، وإن استهلكته اتبعها الذي لم يأذن بجميعه واتبعت هي الآذن بمثله، ولها اتباع ذمة العبد بجميع ما أخذ منها إلا أن يسقط عنه الذي لم يأذن فيسقط كله، لأن الذمة لا تنقسم.
قال الشيخ: قول ابن حبيب كله موافق لأصله في المدونة إلا قوله: ويأخذ من المرأة جميع ما أصدقها، ولا يترك لها ثلاثة دراهم إذا كانت تعلم أن الآذن فيه شريك فهذا خلاف للمدونة، ففي المدونة بعد هذا: أنه يترك لها ربع دينار.
قال الشيخ: وهو صواب، لئلا يعرى البضع من صداق.
[فصل 7 - في إجازة السيد نكاح عبده]
ومن المدونة: قال مالك: ولو نكح العبد بغير إذن سيده فأجاز نكاحه جاز.
ابن القاسم: وهو في هذا بخلاف الأمة، لأن العبد يعقد نكاح نفسه بإذن سيده وهو رجل، ولا يجوز للأمة أن تعقد نكاح نفسها، فإن فعلت لم يجز وإن أجازه السيد.
الجزء: 9 - الصفحة: 102
قال عبد الوهاب: وقال أبو الفرج: القياس أن لا يصح نكاح العبد بوجه كالأمة، وهو قول الشافعي، ودليلنا: أن العقد لا يمتنع أن يقع على الفسخ كنكاح العنِّين، والخصي، والحرة للعبد، وغير ذلك، فإذا ثبت هذا فإن أجازه السيد جاز.
قال: وإن طلق فيما أجازه السيد فله أن يرتجع وإن كره السيد، لأن الرجعة من حقوق النكاح.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح العبد بغير إذن سيده فقال السيد: لا أجيز، ثم قال قد أجزت، فإن أراد بأول قوليه فسخًا تم الفسخ ولم يجز النكاح وإن أجازه السيد إلا بنكاح مستقبل، وإن أراد أنه لم / يرض ثم كُلِّمَ فأجازه فذلك جائز إذا كان ذلك قريبًا.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ويصدَّق السيد إن لم يرد عزم الفراق في المجلس ما لم يَقُمَ، وإن شك السيد على أي وجه خرج [ذلك] منه فهو فراق
الجزء: 9 - الصفحة: 103
واقع.
قال مالك: وأما البيع فبخلاف ذلك إذا قال فيما بيع عليه، قد رضيت، فقد تم للمشتري.
[فصل 8 - فيمن أعتق عبده أو باعه قبل علمه بنكاحه]
قال ابن القاسم: وإن أعتقه السيد قبل علمه بنكاحه جاز نكاحه، ولم يكن للسيد رده، فإن باعه السيد قبل علمه بنكاحه لم يكن للمبتاع فسخه، وله أن يرضى بالعبد أو يرده، فإن رده كان للبائع إذا رجع إليه أن يفسخ نكاحه أو يجيز.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولو علم المشتري بنكاحه فأقره ورضي به ثم اطلع على عيب قديم، إنه إذا رده بالعيب القديم رد معه ما نقصه النكاح، لأنه لما رضي به فأقره صار كأنه عيب حدث عنده، وإذ لا يستطيع البائع إن رد عليه بالعيب فسخ نكاحه فوجب لذلك ألا يرده إلا بما نقصه، ونحوه لأبي عمران، وهو بين.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: يُخرَّج ذلك على القولين في الرد بالعيب
الجزء: 9 - الصفحة: 104
فمن رأى أنه نَقْضُ بيع فليس على المشتري ما نقصه، لأنه إذا رده يرجع الخيار للبائع في فسخ النكاح أو إجازته، ولا يُلتفت إلى ما تقدم من رضى المشتري به، لأن البيع قد انتقض.
قال الشيخ: فإن قيل: يلزم على هذا القول أن لو زوجه المشتري، ثم رده بعيبٍ أن يفسخ البائع نكاحه لانتقاض شراء المشتري.
قيل: هذا لا يلزم، لأن الأول نكاح عقده العبد على نفسه، وكان للبائع نقضه أو إجازته، فإذا انتقض بيعه بقي على خياره كما لو لم يعلم بيعه، وهذا عقد نكاحه مالكه، ولم يكن لأحد بعد عقده نقضه، فوجب ألا ينقضه البائع كما لا ينقض عتقه.
ولو أعتقه المشتري ولم يعلم بنكاحه فأراد الرجوع على البائع بقيمة عيب النكاح فذكر عن أبي عمران أنه قال: ليس له ذلك لحجة البائع أن لو لم يعتقه المشتري ثم ردَّه عليه بعيب النكاح لكان للبائع نقض نكاحه، فلما أفاته المشتري بالعتق لم يكن له الرجوع عليه بقيمة عيب لو رجع إليه لأمكنه زواله.
ولو مات السيد قبل علمه بنكاحه كان لورثته من الخيار في ردِّ نكاحه أو إجازته مثل ما كان للسيد، وقد قال مالك فيمن حلف ليقضينَّ غريمه حقه إلى أجل كذا إلا أن يشاء أن يؤخِّره فيموت الذي له حق؛ فإنه يجزئه تأخير ورثته كما كان لصاحبهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 105
[الباب الخامس عشر]
في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه ونكاح الصغير والسفيه بغير إذن وليه والوكالة على النكاح وقبض الصداق
[فصل 1 - في إنكاح الأخ أخته بغير إذن أبيه]
قال مالك: ومن زوج أخته البكر بغير أمر الأب لم يجز وإن أجازه الأب، إلا أن يكون ابنًا قد فوَّض إليه الأب جميع شأنه، فقام بأمره فيجوز بإجازة الأب وكذلك في أمة الأب.
قال ابن القاسم: وكذلك الأخ والجد يقيمه هذا المقام.
قال ابن حبيب: وكذلك سائر الأولياء إذا أقامهم الأب هذا المقام.
قال ابن المواز: والحجة في هذا حديث عائشة رضي الله عنها حين زوَّجت بنت أخيها عبد الحمن، فكُلِّم في ذلك فرضي.
قال مالك: وإنما كان ذلك لمثل / عائشة رضي الله عنها لمكانها من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن المواز: وإنما لم يجز نكاح الابن غير المفوَّض إليه وإن أجازه الأب
الجزء: 9 - الصفحة: 106
ولا في إجازة السيد تزويج أمته، لأنه لا ولي لهما غيرهما ولا شركة لهما معهما في أنفسهما ولا مشورة، فهما بخلاف من لها المشورة مع الأولياء، تولي أمرها غير الولي فلا يجوز، إلا أن يجيزه الولي، فإن لم يجزه فرَّق بينهما بطلقة.
قال مالك: إلا أن يطول مكثه معها، وتلد الأولاد، فلا أرى أن يفسخ.
فصل [2 - في نكاح الصغير بغير إذن وليه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تزوج صبي صغير بغير إذن أبيه أو وصيه، ومثله يقوى على الجماع، فإن أجازه من يلي عليه جاز، كبيعه وشرائه بغير إذنه يجيزه على وجه النظر له، وإن أراد فسخه فسخه، وإن فسخه قبل البناء أو بعده فلا صداق لها.
وكذلك رأى مالك فيمن بعث يتيمًا في طلب آبق فأخذه فباعه وأتلف الثمن، أن لربْ العبد أخذه، ولا شيء على اليتيم من المال الذي أتلف، ولا يُتبع به دينًا، بخلاف ما أفسد أو كسر.
قال ابن المواز: وكما لو اشترى شيئًا فأكله أو أتلفه لنزع من البائع الثمن كله، ولم يتبع الصغير بشيء.
قيل: فإن تزوج الصغير واشترط عليه شروطًا فأجاز ذلك وليه، أو زوجه أبوه أو وليه بشروط فيها طلاق أو عتاق أو تمليك.
قال ابن المواز: لا يجوز من ذلك كله شيء إلا أن يكبر ويلزمها نفسه، ويرضى بعد أن يبلغ.
الجزء: 9 - الصفحة: 107
قال ابن القاسم: وإن كَبِرَ وعَلِمَ بالشرط قبل الدخول فدخل عليه لزمه، وإن علم به فلم يرضه قيل له: إما أن ترضى وإما أن تطلق ويكون عليك نصف الصداق.
ابن المواز: هذا قوله في كتابه في السماع، وفي كتابه في المجالس: إذا بلغ وعلم قبل الدخول، فإن شاء دخل وإن شاء فسخ ولا شيء عليه من الصداق ولا على أبيه إن كان يوم زوَّجه لا مال له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط فيثبت النكاح على ما أحب الزوج أو كره، وسقط عنه الشرط كان تمليكًا أو غيره، لأنه لم يكن يلزمه قط، وهو بمنزلة الرسول يزيد على ما أمره أن يزوجه به، أو يشترط عليه غير ما أمره به فيعلم بذلك قبل البناء، فإن رضي بذلك تم النكاح، وإن كره لم يلزمه شيء، وفسخ النكاح، إلا أن ترضى المرأة بإسقاط الشرط.
قال ابن المواز: وإذا لم يرد نكاح الصبيِّ حتى كَبِرَ وخرج من الولاية جاز النكاح.
فصل [3 - في نكاح السفيه بغير إذن وليه]
قال ابن حبيب: والسفيه كالصغير يجوز عليه إنكاح أبيه إياه وإن كَرِه.
وقال ابن الماجشون: لا يزوجه من يلي عليه إلا برضاه.
الجزء: 9 - الصفحة: 108
قال الشيخ: ورواية ابن حبيب عن ابن الماجشون موافقة لظاهر المدونة، وذلك أنه قال في كتاب الخلع: إذا زوَّج الوصيُّ يتيمه وهو بالغ سفيه بأمره، أو زوج السيد عبده بغير أمره، فذلك جائز عليه.
فشرطه في السفيه دون العبد بأمره دليل على أنه لا يكرهه، وهو الصواب إذ لا يؤمن منه أن يطلِّق إذا أجبره على النكاح، فيؤدي ذلك إلى إتلاف ماله.
ووجه قول ابن حبيب: أن الولاية ثابتة له عليه في المال والبيع والشراء، فله أن ينكحه اعتبارًا بالصغير.
قال ابن حبيب: وإذا زوج السفيه - / بغير إذن وليه فلوليه إجازته أو رده، فإن رده بعد البناء رد إليه جميع ما كان أصدقها إلا قدر ما كان يستحل به مثلها ولم يحدُّ مالك.
وقال ابن القاسم: يجتهد في ذلك السلطان فيترك للدنيَّة ربع دينار، ولذات القدْر أكثر من ذلك بما يراه.
وقال ابن الماجشون: ولا يترك لها شيء، لا ربع دينار ولا غيره وإن كان لها قدر.
قال ابن حبيب: وهذا القياس، وقول مالك استحسان.
الجزء: 9 - الصفحة: 109
قال الشيخ: الجاري على أصل المدونة أن يترك لها ربع دينار كانت دنَّية أو جيدة، وهو قدر ما يستحل به فرجها كالعبد بتزوج بغير إذن السيد، وهو الصواب إن شاء الله.
قال ابن حبيب: وإن لم يعلم بتزويجه حتى مات أحدهما، فإن مات هو فلا ميراث لها منه ولا صداق، وإن ماتت هي فالنظر لوليه، فإن أجازه ودى الصداق وأخذ الميراث، وإن فسخه لم يرثها.
قال الشيخ: وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنهما يتوارثان ويمضي الصداق، لأن النظر فيه قد فات بالموت.
وذكر ابن المواز عنه خلاف هذا، قال: قال أصبغ: إن مات هو لم ترثه، وردت كل ما أعطاها إلا ربع دينار إن أصابها، وكذلك في حياته إن فسخه.
قال ابن القاسم: هذا في الدنية، ويجتهد في الزيادة لذات القدر.
قال أصبغ: بما يرى مما لا يبلغه صداق مثلها.
قال ابن المواز: ورواية ابن وهب عن مالك في السفيه: لا يترك لها إلا ربع دينار.
قال الشيخ: فصار في فسخه ثلاثة أقوال، قول لا يترك لها شيء، وقول يترك لها ربع دينار، وقول فرَّق بين الدنيَّة وغيرها.
الجزء: 9 - الصفحة: 110
قال ابن المواز: ولو كان غير بالغ لم يترك لها شيئًا.
قال: وإ، لم يُرَدْ نكاح الصبي حتى بلغ، وخرج من الولاية جاز النكاح.
فصل [4 - في تزويج بنات السفيه وإمائه وأخواته]
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ولا يزوج المُوْلِيّ عليه ابنته إلا بإذن وليه، إلا أن يكون سفيهًا ضعيفًا فلا يكون له سخط ولا رضى، وبناته كمن لا أب لهن.
قال ابن وهب: والولي أولى بإنكاح بناته وإمائه، ولا أمر له مع وليه فيهن ويستحب له أن يحضر النكاح، فإن لم يحضره لم يضره.
قال: وإن زوج هذا السفيه منهم أحدًا بغير أمر الولي كان للولي إجازته أو رده.
قال: وإن لم يكن له وليٌّ فأنكح بناته جاز إذا كان ذلك صوابًا.
قال أصبغ: كله صواب جيد.
قال ابن المواز: إلا قوله: إذا لم يكن له ولي، فهو والأول سواء، لابد من نظر السلطان فيه كنظر الولي، فيجيز أو يرد على حسن النظر.
ومن العتبية: قال أصبغ: قيل لأشهب: السفيه يزوج أخته؟ قال: نعم، وحسبته قال: إن كان ذا رأي ولا مَولِىَّ عليه فذلك جائز وإن كان سفيهًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 111
فصل [5 - في الوكالة على النكاح وقبض الصداق]
ومن المدونة: قال: وإذا وكَّلت المرأة وليًا يزوجها من رجل، فقال لها الوكيل: قد زوجتك من فلان، فأقرت أنها أمرته وقالت: لم تزوجني، فلا قول لها، والنكاح يلزمها إن ادعاه الزوج.
وكذلك الوكيل على بيع سلعة.
وإن وكلته المرأة على العقد وقبض الصداق فقبضه ثم ادعى تلفه، كان كدين لها وكَّلته على قبضه فقبضه ثم ادعى تلفه، فصدقته في الوكالة وكذبته في القبض.
فإن أقام الزوج أو الغريم بينة أنه دفع ذلك إلى الوكيل / صُدِّق الوكيل على التلف، وإن لم يقيما بينة بالدفع ضَمِنَا، ثم لا شيء لهما على الوكيل، لأنهما صدَّقها على الوكالة.
وأما الوكيل على بيع سلعةٍ يقول: قبضت الثمن وضاع مني، فهو مصدق، لأن وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر بذلك، وليس للمبتاع أن يأبى عليه، والوكيل على عقد النكاح ليس له قبض الصداق إلا بتوكيل عليه خاصة، ولا يلزم الزوج دفع ذلك إليه، فإن فعل ذلك ضمن.
قال الشيخ: وإنما كان وكيل البيع له قبض الثمن وإن لم يؤمر به وليس للمبتاع أن يأبى ذلك عليه، لأن وكيل البيع يُسلِّم ما باع إلى المبتاع، فعلى المبتاع تسليم الثمن إليه كما يتسلَّم السلعة منه، ووكيل النكاح لا يسلِّم البُضْعَ إلى الزوج، فلا يلزم الزوج تسليم الصداق إليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 112
ولو أن وكيل البيع إنما وُكِّل على عقد البيع خاصة وتسليم السلعة على ربِّها لم يلزم المبتاع تسليم الثمن إلى الوكيل إلا بتوكيل عليه، ويكون كوكيل النكاح.
قال الشيخ: فالعلة في ذلك أن مَنْ سلَّم السلعة له أن يتسلَّم ثمنها كما سلَّمها، ألا ترى أن البائع إذا سلَّم ما باع، له انتقاد جميع ثمنه وإن لم يشترط نقده.
والمُكْرِي داره أو عبده أو نفسه مدة لا يلزم المكتري نقد جميع الكراء إذا لم يكن عُرْف ولا شرط، لأنه لم يتسلَّم جميع ما اكترى، فإنما يلزمه أن ينقد كراء ما قبض.
وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 113
[الباب السادس عشر]
فيمن نكح بغير بينة، أو سرا أو نكح بغير صداق
[فصل 1 - في إعلان النكاح]
ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن النكاح بغير بينةٍ أو بغير صداق، ونهى عن نكاح السر، وأمر بإعلان النكاح.
ومرَّ عليه الصلاة والسلام هو وأصحابه ببني زُرَيْق فسمعوا غناءً ولهوًا ولعبًا فقال: ما هذا؟ قالوا: نكح فلان يا رسول الله، فقال: «كَمُلَ دينه، هذا النكاح لا السفاح، ولا نكاح السر حتى يُسمع دُفٌ، أو يُرى دُخَانٌ».
الجزء: 9 - الصفحة: 114
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لا يجوز نكاح السر حتى يُعلن به ويُشهد عليه.
قال ابن وهب: وإن عمر بن عبد العزيز رحمه الله كتب إلى أيوب بن شرحبيل أن مُرْ مَنْ قَبِلَكَ أن يظهروا عند النكاح الدُّفَوف، فإنها تفِّرق بين النكاح والسفاح، وامنع الذين يضربون بالبرابط.
قال سحنون: والبرابط: الأعواد.
ومن كتاب محمد وابن حبيب: روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أظهروا النكاح واضربوا عليه بالغِرْبَال» يعني: الدفَّ المدوَّر، وقال غيره: وهو مغشيٌّ من جهة واحدة.
قال ابن المواز: قال مالك: لا بأس بالدفِّ والكَبَر.
الجزء: 9 - الصفحة: 115
قال أصبغ: يعني في العُرْسِ خاصة، ولا يعجبني المِزْهَر المربَّع، قال: ولا يجوز الغناء في العُرْس ولا غيره، إلا مثل ما كان يقول نساء الأنصار أو رجز خفيف لا بمنكَر ولا طويل.
قال ابن حبيب: وقد أُرخِص في العُرْس إظهار الكَبَر والدُّفِّ والمِزْهَر، ويُنْهى عن اللهو بذلك في غير العُرس.
[فصل 2 - في الوليمة في النكاح]
قال: وكان النبي عليه الصلاة والسلام يستحبُّ الإطعام على النكاح عند عقده، وعند البناء، ولم يدَع الوليمة على أحد من نسائه قلَّ أو كثر.
الجزء: 9 - الصفحة: 116
قال أنس: ولم يولم على واحدةٍ منهنَّ مثل ما أولم على أم سلمة، وكان ذلك الخبز واللحم، وأولم على صفية بالصَّهبَاء بالسَّويق والتمر، وقال صلى الله عليه وسلم: لابن عوف: «أَوْلِمْ ولو بشاة»، وقال: «أعينوا بلالاً على وليمته».
الجزء: 9 - الصفحة: 117
وقد أبيح أن يولم أكثر من يوم، وروي: «أن اليوم الثاني فضل، والثالث سمعة».
وأجاب الحسن رجلاً دعاه في اليوم الأول، ثم في الثاني، ثم دعاه في الثالث فلم يُجبه، وفعَل ابن المسيب مثله.
الجزء: 9 - الصفحة: 118
قال ابن حبيب: وإن دعاه في الثالث من لم يكن دعاه، أو دعاه مرة فذلك واسع سائغ، وقد أولم ابن سيرين ثمانية أيام، فمن وسَّع الله عليه فليولم من يوم ابتنائه إلى مثله.
[فصل 3 - فيمن نكح بغير بينة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج بغير بينة على غير استسرار فالنكاح جائز، ويُشهدان فيما يَستقبلان.
وإن أقر الزوج والولي بالعقد ثم قالا أو أحدهما: لم نُشْهِد، أَشْهَدا الآن، وليس لأحدهما فسخه -يريد في هذا كله- قبل البناء.
قال ابن المواز: قال مالك: ولو دخل الزوج قبل أن يُشْهِدَ فرِّق بينهما بطلقةٍ بائنة، وخطبها إن أحب بعد استبرائها بثلاث حيض.
قال ابن حبيب: ولا يحدَّان إن كان أمرهما فَاشِيًا كانا عالمين أو جاهلين وإن لم يكن فاشيًا حُدَّا، كانا عالمين أو جاهلين.
الجزء: 9 - الصفحة: 119
قال: والشاهد الواحد لهما بالنكاح، أو معرفة ابتنائهما باسم النكاح وذكرِه وإشهاره فهو كالأمر الفاشي من نكاحهما، قاله ابن الماجشون وأصبغ.
وقال ابن القاسم: إذا لم يعذرا بالجهالة حُدَّا وإن كان أمرهما فاشيًا ولم أجد من يقول ذلك.
قال عبد الوهاب: يصح عندنا عقد النكاح من غير إشهاد خلافًا لأبي حنيفة والشافعي.
دليلنا: لأنه عقد من العقود فأشبه سائرها، ولأنه معنى يقصد به التوثُّق، فلم يكن شرطًا في العقد كالرهن والكفالة، فإذا ثبت أنه ليس بشرط في الصحة فإنه شرط في الكمال والفضيلة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «لا نكاح إلا بوليٍّ وشاهدي عدل».
ومن المدونة: وذكر ابن وهب أن حمزة بن عبد الله خطب [على ابنه] إلى سالم بن عبد الله ابنته فزوجه إياها وليس معهما غيرهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 120
وقد ذكر مثل ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال لرجل: ألا أنكحك أميمة بنت ربيعة بن الحارث، فقال: بلى يا رسول الله، فقال: «قد أنكحتكها»، ولم يُشْهِد.
ابن المواز: وقد فعل ذلك ابن عمر حين زوج ابنته سودة من عروة، أخبرنا به غير واحد.
[فصل 4 - فيمن نكح بغير صداق]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يزوج الرجل عبده أمته إلا ببينة وصداق.
قال ابن القاسم: فإن زوجه بغير بينة أَشْهَدا فيما يَستقبلان وجاز النكاح، وهذا إذا لم يكن دخل بها.
وإن زوجه إياها على أن لا صداق عليه فسخ النكاح قبل البناء، وثبت بعده وكان لها صداق مثلها.
الجزء: 9 - الصفحة: 121
قال في الثاني: وقيل: يفسخ بعد البناء.
قال عبد الوهاب: والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: 24]، وقوله تعالى: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ [النساء: 24]، وقال عليه الصلاة والسلام للذي خطب المرأة: «هل معك ما تستحلها به؟».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو زوجه ولم يذكر الصداق ولا شرط إسقاطه فهذا التفويض، والنكاح جائز، ويُفرض للأمة صداق مثلها، لأن مالكًا قال ذلك في النساء، والنساء يجتمع فيه الحرائر والإماء.
الجزء: 9 - الصفحة: 122
فصل [5 - فيمن نكح سرًا]
قال ابن القاسم: ومن عقد نكاحه ببينة، واستكتم البينة ذلك عند العقد فالنكاح فاسد.
قال عبد الوهاب: خلافًا لأبي حنيفة والشافعي، دليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: «هذا النكاح لا السفاح»، ونهيه عن نكاح السر، ولأن التواصي بالكتمان من صفة الزنا، وذريعة إلى إضاعة الأنساب.
ومن الواضحة: وقول عمر في نكاح السر: لو تقدَّمتُ فيه لَرَجَمْت، تشديدًا في الزجر عنه.
وفي كتاب ابن المواز: إن عمر قال ذلك في نكاح عُقِدَ بشهادة امرأتين ودخل بها.
الجزء: 9 - الصفحة: 123
قال ابن حبيب: ويفسخ نكاح السر وإن دخل إلا أن يتطاول بعد الدخول فلا يفسخ، هذا قول مالك وأصحابه.
قال: وكل نكاح استكتمه الشهود وإن كثروا، أو عُقِدَ على وجه الاستسرار أو سئل الشهود أن يكتموا ذلك من امرأة له أخرى، أو يكتموا ذلك في منزل التي نكح، ويظهروه في غيره، أو يظهروه في المنزل ويكتموه في غيره، أو يكتموه ثلاثة أيام ونحوها، فذلك كله من نكاح السر يفسخ أبدًا ما لم يطل ذلك، وكذلك أخبرني من سمعه من مالك.
ومن العتبية: قال أصبغ: وسألت أشهب عمن عَقد فلما فرغ استكتم البينة؟ قال: إن لم تكن تلك نيته ولا عليه نكح في ضميره فلا بأس به.
قلت: فإن نكح على ذلك في ضميره؟
قال: فليفارق.
قال أصبغ: لا أرى أن يفسخ النكاح إن لم يكن إلا ضميره في نفسه، لأنه لا بأس أن يتزوج ونيته أن يفارق، ولكن إن كان مع ضميره مواطأة بينه وبين المرأة أو الأولياء وأخذاه مأخذ الاستسرار فهو فاسد وليفارِق.
ومن المدونة: وقال ابن شهاب فيمن نكح سرًا وأشهد رجلين: أنه يفرق بينهما وإن دخلا، ولها مهرها بالمسيس، وتعتد، ثم إن شاءت نكحته بعد العدة وإن فرق بينهما قبل البناء فلا صداق لها ويعاقب الزوجان والشاهدان بما كتما من ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 124
وفي كتاب ابن المواز: روى ابن وهب عن مالك فيمن نكح بشاهدين واستكتمهما ذلك أنه يفرق بينهما بطلقة، ويكون لها صداقها إن دخل بها، ولا يعاقب الشاهدان إن جهلا ذلك، وإن أتيا ذلك بمعرفة أنه لا يصلح عوقبا.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الثيب فأنكرت ذلك، فشهد عليها الأب ورجل أجنبيٌّ أنها قد فوَّضت ذلك إلى أبيها فزوجها من هذا الرجل لم يجز إنكاحه، لأنه إنما شهد على فعل نفسه وهو خصم.
وقد قال مالك في رجل وجد مع امرأة في بيت، فشهد أبوها وأخوها أن الأب زوجها إياه، فلا يقبل ذلك، ولا يجوز نكاحه ويعاقبان.
-قال في كتاب الحدود: وإن ثبت الوطء حُدَّا-.
وإذا نكح مسلم ذمية بشهادة ذميين لم يجز نكاحه، فإن كان لم يدخل أشهد الآن مسلمين ولزمه النكاح.
قال يحي بن سعيد: تجوز شهادة الأبداد في النكاح والعتاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 125
[الباب السابع عشر]
فيمن نكح على أنه بالخيار أو إلى أجل أو بصداق مجهول، أو بعضه مؤجل
[فصل 1 - فيمن نكح على أنه بالخيار]
قال ابن القاسم: ومن نكح على أن الخيار له أو للولي أو للزوجة أو لجميعهم يومًا أو يومين لم يجز، ويفسخ قبل البناء، إذ لو ماتا قبل الخيار لم يتوارثا وإن بنى بها ثبت النكاح وكان لها المسمى.
وكذلك الجواب فيمن تزوج امرأة على أنه إن لم يأت بالصداق إلى أجل كذا فلا نكاح بينهما، وقد كان مالك يقول: إن النكاح يفسخ بعد البناء، لأن فساده في عقده، ثم رجع فقال: يثبت بعده.
وقال ابن القاسم في كتاب محمد: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ولها صداق المثل.
قال ابن المواز: وإن شرط إن لم يأت به إلى أجل كذا فأمرها بيدها، فروى ابن القاسم عن مالك: أنه يفسخ ما لم يدخل، وروى عنه أشهب: أنه جائز.
وكذلك قال ابن القاسم وأشهب وأصبغ دخل أو لم يدخل، لأنه شرط لازم.
الجزء: 9 - الصفحة: 126
[فصل 2 - فيمن نكح بصداق مجهول]
ومن المدونة: قال: ومن نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز ذلك، وإن كان أيهما شاء الزوج لم يجز، وكذلك البيع.
قال سحنون: هما سواء إذا قال: أيهما شئت أنت، أو شئت أنا، فالنكاح جائز في الوجهين، وكذلك في البيع.
قال ربيعة ومالك: الصداق ما وقع به النكاح.
فصل [3 - فيمن نكح إلى أجل]
قال مالك: ولا يجوز النكاح إلى أجل قَرُب أو بَعُد وإن سمى صداقًا ورضي بذلك الولي فالنكاح باطل ويفسخ، دخل بها أو لم يدخل، وهذه المتعة، وقد ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام تحريمها.
قال ابن القاسم: ومن قال لامرأة: إذا مضى شهر فأنا أتزوجك، فرضيت ورضي الولي، فهذا النكاح باطل لا يقام عليه، ومن نكح وفي نفسه أن يفارق فليس من ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 127
[فصل 4 - فيمن نكح بصداق بعضه مؤجل]
قال مالك: ومن تزوج امرأة بصداقٍ بعضه معجَّل وباقيه مؤجَّل إلى سنة فلا يعجبني هذا النكاح، وليس هذا من نكاح من أدركت.
قال ابن القاسم: فإن نزل ذلك جاز النكاح، وكان للزوج إذا أتى بالمعجَّل أن يدخل بها، وليس لها منعه، ويتأخر بقية الصداق إلى أجله، وإن كان إلى أجل بعيدٍ جاز ما لم يتفاحش بعد ذلك، وإن تزوجها بصداقٍ نصفه نقد ونصفه على ظهره، فإن كان الذي على ظهره يحلُّ عندهم بالبناء جاز، وإن كان لا يحل إلا إلى موت أو فراق لم يجز النكاح، وفسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان لها صداق المثل إلا أن يكون صداق مثلها أقلَّ مما عجِّل فلا يُنقص من المعجَّل، ولمالك قول أن لها المعجَّل وقيمة المؤجَّل، ولا يعجبني.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج بصداقٍ على ظهره إنه إنما عمل ذلك على العادة عندهم، فإن كانت العادة فيه الحلول أخذ حالاً، وإن كانت العادة فيه إلى أجلٍ معلوم فهو إلى ذلك الأجل، وإن كان عرفهم أن يكون إلى موت أو فراق فالنكَاح مفسوخ قبل البناء، لأنهم وإن سمَّوه على ظهره فليس ذلك بأكثر من أن يسموه دينًا عليه، وإنما يُحمل الأمر فيه على عادة بلدهم، والذي يحلُّ عند مالكٍ بالدخول فإنما تكلَّم على أن الدخول معلوم عندهم، ولو تأخر عن العادة التي يعرفونها لكان يلزمه أداء الصداق عند مالك، إلا على قول
الجزء: 9 - الصفحة: 128
سحنون الذي يقول: إنهم إذا جعلوا المهر إلى أجل فحلَّ الأجل قبل الدخول فلا يؤخذ ذلك حتى يدخل.
قيل له: فما ترى في قول سحنون أن الصداق بعد الدخول بالقرب لا يؤخذ؟
قال: كنا قد تكلمنا في هذا ثم وقع عندي أن ذلك لو كان كما قال سحنون لكان يقال: إن الصداق يكون إلى أجل مجهول إذا رددنا الأمر فيه إلى اجتهاد الحاكم، فلا يجوز النكاح على هذا.
قال ابن المواز عن أصبغ: ومن تزوج بمئة نقدًا وبمئة إلى موت أو فراق، فتركت المرأة المئة الغرر، أو رضي الزوج أن يعجِّلها وذلك قبل البناء ثبت النكاح، وكذلك لو نكحت ببعير شارد، أو عبد آبق، أو جنين في بطن أمه، ومع ذلك ربع دينار فصاعدًا، فإن رضيت بربع الدينار وإسقاط ما معه من الغرر جاز، ولو رضي الزوج بتعجيل قيمة العبد الآبق على غير إباق نقدًا تمَّ النكاح، وإذا لم يكن مع الآبق أو الجنين شيء فلابد من فسخه وإن رضيا بصداق صحيح إلا أن يدخل، وإن كان مع ذلك ربع دينار فلم يفسخ حتى رجع الآبق والشارد وخرج الجنين حيًا، فإن لم ترض بربع الدينار وحده فسخ النكاح، إلا أن يرضى الزوج أن يدع لها ذلك فيجوز.
قال أصبغ: وإن في هذا لمغمزًا ولكنه قول أصحابنا، والقياس فيه الفسخ إلا أن يبني.
قال الشيخ: وهو ظاهر المدونة أنه يفسخ.
الجزء: 9 - الصفحة: 129
[الباب الثامن عشر]
في شروط النكاح وجده وهزله
[فصل 1 - في شروط النكاح]
وقد أبطل الرسول عليه الصلاة والسلام كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله عز وجل، وروى ابن وهب أن رجلاً تزوج امرأة على عهد عمر بن الخطاب وشرط لها ألا يخرجها من أرضها، فوضع عنه عمر هذا الشرط وقال: المرأة مع زوجها.
قال مالك: وليس لما يفسد به النكاح من الشروط حد.
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة على شروط تلزمه فصالحها، أو طلقها طلقة فانقضت عدتها، ثم تزوجها بعد ذلك بنكاحٍ جديد لزمته تلك الشروط ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء، ولو شرط في نكاحه الثاني أنه إنما ينكح على أن لا يلزمه من تلك الشروط شيء لم ينفعه شرطه، وهي لازمة له في بقية طلاق ذلك الملك.
قال مالك: ومن تزوج امرأة على أن لا يتزوج عليها ولا يتسَّرى جاز النكاح وبطل الشرط.
الجزء: 9 - الصفحة: 130
قال مالك: ومن تزوج امرأة على شروط، وحطَّت عنه من مهر مثلها لتلك الشروط، فإن كان كل ما حطَّت من ذلك في عقد النكاح لم ترجع به على الزوج وبطل الشرط إلا أن يكون فيه عتقٌ أو طلاق، وإن حطَّت ذلك عنه بعد عقد النكاح على أن شرطت عليه تلك الشروط لزمه ذلك، فإن أتى شيئًا مما شرطت عليه رجعت عليه بما وضعت عنه من المال فأخذته منه، مثل ما تشترط ألا يخرجني من مِصْري، ولا يتسرَّى علي، ولا يتزوج علي.
وقال علي بن زياد في النكاح الثاني: إن حطَّته في العقد من صداق مثلها لما شرطت عليه لزمه ما حطَّته إن فعل من ذلك شيئًا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لم يلزمه شيء، ورواه ابن نافع عن مالك.
ابن المواز: ورواه أيضًا أشهب عن مالك وأخذ به ابن عبد الحكم، وأخذ أصبغ وجميع أصحاب ابن القاسم برواية ابن القاسم وبه أقول.
ابن المواز: قال أشهب: وسئل مالك عمن خطب امرأة فواطأها على ستين دينارًا، فلما أراد أن يتزوجها بذلك قال له أبوها: هل لك أن أصغ عنك عشرين دينارًا وأزوجكها بأربعين على أن لا تخرجها من المدينة؟
الجزء: 9 - الصفحة: 131
قال مالك: ذلك له وعليه العشرون التي وضعت له لمكان الشرط.
قيل له: إنه لم يقع النكاح بستين وإنما كانت مذاكرة، أفتكون صداقًا؟
قال: نعم، وإنما الذي لا يكون لها عليه أن تقول: أتزوجك بمئتي دينار، ثم أضع عنك مئة على أن لا تفعل، فهذا الذي ليس بصداق، وله أن يفعل، يخرجها ويتزوج.
قيل له: فإن طلقها قبل أن يمسها؟
قال: قال مالك: إذًا لا تأخذ إلا نصف الأربعين، وليس لها في هذا حجة، لأنه قد تركها على شرطها ووفَّي به لها ولم ينقضه حتى فارقها.
ابن المواز: وإنما قال ذلك مالك لأنه قد كان رضي بالستين لو لم تطرح عنه منها شيئًا للشرط، وهو مذهب أشهب وابن القاسم وابن وهب وعبد الملك، وهو الصواب إن شاء الله.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعطته مالاً على أن لا يتزوج عليها، فإن فعل فهي طالق ثلاثًا، فإن فعل وقع الطلاق وبانت منه، ولم ترجع عليه بشيء لأنها اشترت طلاقها بما وضعت عنه.
فصل [2 - في جد النكاح وهزله]
قال ابن القاسم: وإذا قال الخاطب للأب في البكر، أو الولي المفوَّض إليه: زوجني فلانة بمئة دينار، فقال: قد فعلت، ثم قال الخاطب: لا أرضى، لم
الجزء: 9 - الصفحة: 132
ينفعه ذلك، ولزمه النكاح، بخلاف البيع، لأن ابن المسيب قال: ثلاثٌ ليس فيهن لعبٌ، هَزْلُهنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق.
وقال أبو بكر بن اللبَّاد: وروى ابن وهب أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ وهَزْلهُنَّ جِدُّ: النكاح، والطلاق، والعتاق».
وقال علي بن زياد في المستخرجة: لا يجوز نكاح هزلٍ ولا لعبٍ، ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده.
وبالأول أقول وأُلزمه النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 133
[الباب التاسع عشر]
في نكاح الخصي والمجبوب والعبد ومن فيه بقية رق
[فصل 1 - في نكاح الخصي والمجبوب]
قال الله عز وجل: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: 3]، قال مالك: ويجوز نكاح الخصيِّ وطلاقه، ويجوز نكاح المجبوب، لأنه يحتاج إلى أشياء من أمر النساء.
[فصل 2 - في نكاح العبد]
قال مالك: أحسن ما سمعت أن للعبد أن يتزوج أربعًا إن شاء حرائر أو إماء، لقول الله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية.
قال مالك: وحدُّ العبد في الفِرْيَة أربعون جلدة، وطلاقه طلقتان.
قال أبو محمد: وجعل الله حدَّ العبد نصف حدِّ الحر، لقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]، والطلاق من معنى الحدود ويجرُّ
الجزء: 9 - الصفحة: 134
إلى ما يوجبها.
قال مالك: وأجله في العِنَّة والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر.
-قال الشيخ: لأنه مما يجرُّ إلى الطلاق-
قال مالك: وكذلك سائر حدوده، وكفارته في الظهار والإيلاء وفي كل الكفارات كالحر.
-قال الشيخ: لعموم الآية-
قال مالك: إلا أنه لا يجزيه العتق في الكفارات، إذ الولاء لغيره.
قال مالك: والصوم له في كفارة اليمين أحب إلي، فإن أطعم أو كسا بإذن سيده رجوت أن يجزيه.
واستثقل مالك أن يتزوج العبد ابنة مولاه.
قال الشيخ: وإنما استثقله مالك خوفًا أن يَهلك مولاه فترثه ابنته وتملك العبد وينفسخ النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 135
وأجاز ابن القاسم للعبد والمكاتب أن يتزوج ابنة مولاه.
قال الشيخ: لأنه حين النكاح ليس بعبدٍ لها، فنكاحه جائزٌ، ولا يراعى موت سيده، لأن من أصلنا ألَّا يُتْرك أمرٌ واجبٌ لأمر قد يكون أو لا يكون.
[فصل 3 - في الصداق في نكاح العيد]
قال ابن القاسم: ومن زوج عبده فالمهر على العبد إلا أن يشترطه السيد على نفسه.
قال الشيخ: لأن سبيل العوض أن يكون على المُعَوِّض إلا أن يكون شرط فَيُعمل عليه.
قال ربيعة: وإن خطب عليه السيد وسمى [صداقًا] فالصداق على السيد وإن أذن له فنكح فذلك على العبد، فللحرة ما سمى، وكذلك للأمة إلا أن يجاوز ثلث قيمتها.
قال الشيخ: ووجه هذا: أنه إذا خطب عليه وسمى فهو كالوكيل على الشراء فالثمن عليه وإن قال: أشترى لفلان، إلا أن يقول: فلانٌ يَنقُدُك دُوني، وإن أذن له فنكح فالعبد هو المشتري وعليه الثمن.
الجزء: 9 - الصفحة: 136
وقوله في الأمة: إلا أن يجاوز ثلث قيمتها، فكأنه رأى أن ذلك أعلى صداق الأمة، لأن النكاح إنما عمدة الغرض فيه الوطء، فشبَّه الوطء بالجائفة التي فيها ثلث الدية، وفي الأمة ثلث القيمة.
قال الشيخ: وقول ربيعة كله خلاف لقول مالك.
ومن المدونة: وإذا تزوج عبد أو مكاتب بغير إذن سيده ونقد المهر وبنى، فللسيد فسخه، ويترك للزوجة ربع دينار، وترد ما بقي، فإن أُعمدت أُتبعت به.
فإن عتق العبد أو أدى المكاتب اتبعته الزوجة بما أدت إن غرَّها، وإن بيَّن لها أو أخبرها أنه عبد فلا شيء لها، وإن أبطله السيد عنه أو السلطان قبل العتق لم يلزمه شيء إن عتق، وكذلك ما تداينه العبد بغير إذن سيده.
وإن لم يعلم السيد بنكاح عبده أو مكاتبه إلا بعد العتق فلا كلام له، والنكاح ثابتٌ، وكذلك ما أعتقه أو وهبه أو تصدق به.
وكل ما لزم ذمة العبد -يريد من صداق نكاح بإذن السيد أو تجارة أذن له فيها- فلا يأخذه الغرماء من خراجه وعمل يده.
قال ابن القاسم: ولا مما فضل من ذلك بيده.
قال مالك: وإنما يأخذون ذلك مما أفاده العبد بهبة أو صدقة أو وصية فإن عتق العبد يومًا ما أُتبع بذلك، وكل دين لحق المأذون له في التجارة كان دينه فيما
الجزء: 9 - الصفحة: 137
في يديه وفي كسبه في التجارة دون خراجه وعمل يده، ويَضرب فيه السيد بدينه مع الغرماء.
يريد: ما داينه به لا ما استنجده به.
الجزء: 9 - الصفحة: 138
[الباب العشرون]
في ملك أحد الزوجين صاحبه وهما عبدان أو حران
وأجمعوا أنه لا يجوز نكاح بين امرأة وعبدها أو بين حرٌ وأمته، فوجب بذلك إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بعد النكاح أن يفسخ النكاح، ولا يجتمع ملك ونكاح.
قال الشيخ: وإنما لم يجتمع ملك ونكاح لأن الحقوق فيه تتعارض، فيؤدي ذلك إلى بطلانها، وذلك أن الحرة إذا تزوجت عبدها فمعلوم أن نفقة الزوجة على زوجها ونفقة العبد على سيده، فإذا طلبت الزوجة في هذا نفقتها من زوجها الذي هو عبدها طلبها هو بنفقته، فأدى ذلك إلى إبطال النفقة عن كل واحد منهما، وذلك خلاف السنة، وذلك إذا تزوج.
ولأن الرجل إذا تزوج أمته فالزوجة لها عليه حق في الوطء، وليس ذلك للأمة، فإذا طلبته بالوطء بالزوجية طلبها برفعه عنه بالملك، وليم يصح لها مرافعته في الإيلاء منها، فخالف في ذلك الكتاب والسنة وإجماع الأمة، وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 139
قال مالك: وإذا اشترى المكاتب والمأذون له زوجته انفسخ النكاح فسخًا بغير طلاق.
قال الشيخ: لأنه أمرٌ مجتمعٌ على فسخه، فهو كمتزوج الخامسة أو أخته من الرضاعة.
قال مالك: ويطؤها بملك اليمين.
قال مالك: وإذا اشترت المرأة زوجها بعد البناء فسخ النكاح.
قال ابن القاسم: وتتبعه بمهرها، لأن مالكًا قال فيمن داين عبدًا ثم اشتراه: أنه يتبعه بدينه، قال: وإن اشترته قبل البناء فلا مهر لها.
قال سحنون: ألا ترى أنها وسيده اغتزيا فسخ نكاحه، فلا يجوز شراؤها له، وتبقى له زوجة، إذ الطلاق بيده، فلا تخرج من عصمته بالضرر.
وفي النكاح الثاني شيء من هذا.
قال مالك: ولا يتزوج الرجل مكاتبته ولا أمته، ولا المرأة مكاتبها وهو عبده مادام في حال الأداء، لا بأس أن يرى شعرها إن كان وَغْدَاً دنيئًا لا خَطْبَ له، وإن كان له خطبٌ ومنظرٌ فلا يرى شعرها، وكذلك عبدها.
قال مالك: وإن كان عبدًا لها فيه شركٌ فلا يرى شعرها وَغْدَاً كان أو غير وَغْد.
الجزء: 9 - الصفحة: 140
قال ابن القاسم: والوَغْد الذي لا منظر له ولا خطب.
قال: ولا يتزوج الرجل أمة ولده وإن كان الأب عبدًا وكأنها أمته، إذ لو زني بها لم يحد، وجائزٌ أن يتزوج أمة والده أو أمة أُمِّه أو أخيه، إذ لو زني بها حُد.
قال: وإذا اشترى الولد زوجته من أبيه لم تكن بما ولدت منه قبل الشراء ولا يحمل إن كان بها يوم الشراء أم ولد، لأن ذلك الحمل قد عتق على جده، ولو كانت أمة أجنبيٌ فاشتراها وهي حاملٌ كانت به أم ولدٍ، لأنه عليه عَتَق.
وقال غيره: لا يجوز للابن شراؤها، لأن ما في بطنها قد عتق على جده.
وهذه في كتاب أمهات الأولاد مُستوعَبة.
قال ابن القاسم: وإذا كان للعبد المأذون له في التجارة أو المحجور عليه أمةٌ فأراد سيده أن يزوجها منه، فوجه الشأن في ذلك -وهو أحب إلي- أن ينتزعها منه ثم يزوجها له بصداق، فإن زوجها إياه قبل أن ينتزعها فالنكاح جائز، وكان ذلك انتزاعا، وكذلك إن أراد السيد أن يطأها فأحب إلى أن ينتزعها منه ثم يطؤها، فإن وطئها قبل أن ينتزعها منه كان ذلك انتزاعًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 141
[الباب الحادي والعشرون]
في نكاح الحر الأمة ونكاحه إياها على الحرة أو الحرة عليها وكيف إن كان عبدًا، وفي تسري العبد والمكاتب ونكاحه
[فصل 1 - في نكاح الحر الأمة]
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 25] فعلَّقه بشرطين، عدم الطَّول، وخشية العنت.
قال ابن حبيب: وهي محكمةٌ فلا تحل له الأمة إلا بعد عدم الطول، وخوف العنت، وهو الزنا، وهو قول علي وابن عباس وابن مسعود وأصحاب مالك، ورواه ابن وهب عن مالك.
قال غليه: وقد اختُلف في نسخها.
وكان من قول مالك فيمن تزوج أمةٌ على حرةٍ وهو يجد طولاً أن يفرق بينهما وإن خشي العنت، قال: ويضرب، ثم رجع فأجازه وجعل الخيار للحرة، وقال: لولا ما قاله مَنْ قبلي من العلماء رضي الله عنهم -يريد ابن المسيب
الجزء: 9 - الصفحة: 142
وغيره - لأجزته، لأنه حلالٌ في كتاب الله جل وعز.
قال الشيخ: يريد قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
قال ابن القاسم: فللحر أن يتزوج من الإماء ما بينه وبين أربع، وذلك إذا لم يجد طولاً لحرةٍ وخشي العنت، وذلك للعبد وإن لم يخش العنت.
قال عبد الوهاب: لنقصه بالرق كَهِي، ولأنه لا عار عليه في استرقاق ولده، لأن ذلك ليس بأكثر من استرقاق نفسه، وليس للحر استرقاق ولده مع الاستغناء عنه.
قال: وللعبد عندنا أن يتزوج أربع حرائر أو إماء خلافًا لأبي حنيفة [والشافعي] لقوله تعالى: ﴿فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 3] الآية فعم.
الجزء: 9 - الصفحة: 143
[فصل 2 - في نكاح الحر الأمة على الحرة أو الحرة عليها]
ومن المدونة: قال مالك: ولا ينكح الحر أمةَّ على حرة فإن فعل جاز النكاح وخيرت الحرة في أن تقيم معه أو تختار نفسها.
ابن وهب: وكره ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما أن ينكح على الحرة أمة، وأن يجمع بينهما، وقاله جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وقال: وله أن ينكح الحرة على الأمة.
قال ابن المسيب: إذا تزوج الحرة على الأمة ولم تعلم الحرة فهي بالخيار في أن تفارقه أو تقيم معه ويكون لها الثلثان من نفسه وماله، وقاله ابن شهاب.
قال ابن القاسم: فإذا تزوج الحرة على الأمة، ولم تعلم فاختارت فراقه فلا نقضي إلا بواحدةٍ وتكون بائنة، بخلاف خيار المعتقة.
-قال ابن المواز: فإن فسخت بالثلاث لزمت وقد أساءت، وقال أصبغ-.
قال مالك: وإن رضيت بالمقام مع زوجها ساوى بينهما في القسم.
ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين.
الجزء: 9 - الصفحة: 144
قال عبد الوهاب: وقال عبد الملك: الحرة مخيرة في أن تجيز نكاح الأمة أو تفسخه، فوجه قول مالك: أنها إزالة الضرر عن نفسها بما لا تضر به غيرها، فإما أقامت أو فارقت فلا سبيل لها على نكاح الأمة.
ووجه قول عبد الملك: أن الضرر الذي دخل عليها كون الأمة ضرةً لها فلها أن تزيله، وأما الخيار في فسخ نكاح نفسها، فليس ذلك إزالة ضررٍ بل زيادةٌ فيه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوج على الحرة أمةً فرضيت ثم تزوج عليها أخرى فأنكرت كان لها الخيار أيضًا.
قال مالك: ولا بأس بنكاح حرةٍ على أمة، وللحرة الخيار إن لم تكن علمت أن تحته أمة.
قال ابن القاسم: فإن كان تحته أمتان فعلمت بواحدةٍ فلها الخيار بعد علمها بالأخرى، فإن رضيت فلها ثلث القسم.
قال مالك: وإنما جعلنا للحرة الخيار في ذلك لما قالت العلماء، ولولا ما قالوه لرأيته حلالاً، لأنه في كتاب الله حلال.
قال سحنون: هو قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: 32].
وقال ابن القاسم: إنما جعلنا الخيار للحرة إذا تزوج عليها أمة، أو تزوجها هي على الأمة والحرة لم تعلم، لأن الحر ليس من نكاحه الأمة إلا أن يخشى العنت، فإذا خشي العنت وتزوج أمةً كانت الحرة بالخيار.
الجزء: 9 - الصفحة: 145
وقال عبد الوهاب: إنما كان للحرة الخيار للنقص الداخل عليها بأن تكون ضرتها أمة.
قال: وإذا تزوج الحرة على الأمة ولم تكن علمت فقيل: لها الخيار بين أن تقيم أو تفارق.
وقيل: لا خيار لها.
فوجه أن لها الخيار فلرفع الضرر عنها بأن تكون ضرتها أمة.
ووجه أن لا خيار لها فلأنها فرضت في استعلام ذلك.
قال الشيخ: فصار في نكاحه الأمة على الحرة ثلاثة أقوال:
قول: أن الحرة مخيرة في أن تقيم أو تفارق، والثاني: أن تقيم مع الأمة أو تطلقها عليه، والثالث: أنه يفسخ على كل حال.
وصار في نكاحه الحرة على الأمة قولان:
أحدهما: إن لم تعلم الحرة خيرت الحرة بين أن تقيم أو تفارق.
والثاني: لا خيار للحرة.
وذكر في الواضحة أحاديث عن عمر وغيره من الصحابة إذا تزوج الحرة على الأمة فرق بينه وبين الأمة، واختار ذلك عبد الملك بن حبيب واستحسنه.
قال: إلا ألا يكتفي بالحرة ولا يجد ما ينكح به حرةً أخرى فلا تحرم عليه الأمة التي عنده.
الجزء: 9 - الصفحة: 146
فصل [3 - في شروط نكاح الحر الأمة]
ومن المدونة: قال ابن وهب: قال مالك: ويجوز للحر أن ينكح أربع مملوكات إذا كان على ما ذكره الله تعالى في كتابه في قوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: 25].
قال: والطَّول عندنا المال، فمن لم يستطع طولاً وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح أمةٍ مؤمنةٍ.
وروى ابن وهب وابن القاسم وعلي بن زياد عن مالكٍ أنه قال: لا ينبغي للحر أن يتزوج أمةً وهو يجد طولاً لحرة، ولا في عدم الطول إلا أن يخشى العنت كما قال الله تعالى.
وقال غيره: لا ينكح أمةً على حرةٍ إلا أن تشاء الحرة، وهو لا ينكحها على حرة، ولا على أمة، وليس عنده شيء، ولا على حالٍ إلا أن يكون ممن لا يجد طولاً وخشي العنت.
قال مالك: وليس الحرة تحته بطولٍ يمنعه نكاح أمةٍ إذا خشي العنت، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها.
قبل لابن القاسم: فإن لم يخش على نفسه العنت وتزوج أمة؟
قال: كان مالك يقول: ليس له أن يتزوجها إذا لم يخش العنت، وإن كان تحته حرةً فلا يتزوج أمة، فإن تزوجها على حرةٍ فرق بينه وبين الأمة، ثم رجع فقال: إن تزوجها خيرت الحرة.
الجزء: 9 - الصفحة: 147
قال عبد الوهاب: فوجه القول الأول بأنه يفرق بينه وبين الأمة، لأن الحرة تحته من الطول، لأن الطول كونه قادرًا على صداق الحرة، فكون الحرة تحته أولى بأن تكون طولاً.
ووجه قوله أنه يصح وتخير الحرة: أن الطول القدرة على صداق حرة، لا على حرةٍ متقدمةٍ كما قال مالك، لأنه لا يتصرف فيها تصرف المال فينكح بها.
فصل [4 - في نكاح العبد حرة على أمة، أو أمة على حرة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا نكح عبدٌ حرةً على أمةٍ، أو أمةً على حرةٍ فلا خيار للحرة، لأن الأمة من نسائه.
قال مالك: ويقسم العبد بين الحرة والأمة بالسواء.
فصل [5 - في تسرِّي العبد والمكاتب]
وللمكاتب والعبد التسري في أموالهما بغير إذن السيد.
ابن وهب: وقاله غير واحدٍ من العلماء والتابعين.
قال الشيخ: يريد إذا كان العبد مأذونًا له في التجارة، وأما المحجور فلا إلا بإذنه.
قال مالك في المختصر الكبير: إن كان بيد العبد مالٌ للسيد فليس له أن يتسرَّى فيه وإن أذن له إلا أن يهب له المال فله حينئذٍ أن يتسرَّى وإن لم يذكر له التسري فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 148
فصل [6 - في نكاح المكاتب والمكاتبة بغير إذن السيد]
قال ابن القاسم: ولا يتزوج مكاتبٌ ولا مكاتبةٌ بغير إذن السيد لرجاء فضلٍ أو غيره، لأن ذلك يعيبها إذا عجزا، فإن فعلا فللسيد فسخه.
ولا يجوز لمن عليه رقٌ لغيره أن ينكح إلا بإذن من له الرق فيه، قال الله تعالى ﴿فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أهْلِهِنَّ﴾ [النساء: 25].
الجزء: 9 - الصفحة: 149
[الباب الثاني والعشرون]
في الأمة والحرة والعبد يغرون من أنفسهم أو يغر منهم أجنبي
[فصل 1 - في الأمة تَغُرَّ من نفسها وحكم ولدها]
وقد قضى عمر وعثمان في ولد الأمة الغارَّة لسيدها بمثلهم.
قال مالك: وذلك يرجع إلى القيمة.
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً أخبرته أنها حرةٌ ثم علم قبل البناء أنها أمةٌ أذن لها السيد أن تستخلف رجلاً على إنكاحها، فللزوج الفراق، ولا صداق لها، وإن كان قد بنى بها فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فلترد ما زاد.
قال ابن القاسم: وإن شاء ثبت على نكاحها وكان لها المسمى.
قال الشيخ: وبيانه أن لها الأقل من المسمى أو صداق المثل.
قال ابن القاسم في كتاب ابن المواز: فإن نقص المسمى عن صداق المثل فعلى الزوج تمامه.
وقال أشهب: لا شيء عليه فيما نقص عن ذلك، ولا حجة للسيد كما لو زنى بها طائعةً.
الجزء: 9 - الصفحة: 150
قال الشيخ: يريد: فلا يكون عليه شيء، فكذلك ما زاد على المسمى لا شيء للسيد فيه.
قال الشيخ: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة.
ومن العتبية: قال أصبغ: قال ابن القاسم: وإذا قال الزوج: ظننتها حرة، فهو على قوله، قال أصبغ: والسيد مدَّعٍ فعليه البينة، وليس على الزوج بينةٌ أنه نكح على أنها حرة.
قال في كتاب محمد: وإذا زوج الحر امرأةً ولم يشترط أنها حرة فله الخيار إذا ظهر أنها أمة.
قال أصبغ في العتبية: ولو أقر الزج الآن أنه نكحها عالمًا أنها أمة، وقد فشا أنها غرته من الحرية، والسماع على ذلك أو الشك فلا يصدق الأب على ما يدفع عن نفسه من غرم قيمة ولده ويريده إرقاقهم.
ومن المدونة: قال مالك: وللسيد على الأب قيمة الولد يوم الحكم، ولا شيء على الأب فيمن مات منهم قبل ذلك، ومن قَتَل ولدها فأخذ الأب منه دية حر، ثم استحقَّت الأم فعليه الأقل من قيمته يوم القتل عبدًا أو ما أخذ في ديته.
الجزء: 9 - الصفحة: 151
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق من قيمة الولد، كما لو اقتص الأب من قاتله، أو هرب قاتله، وكما لو مات الولد وترك مالاً كثيرًا لكان ذلك لأبيه خاصة.
قال أصبغ: إذا قتل الولد فأخذ الأب ديتهم فاستهلكها ثم أعدم في قيام السيد فلا يرجع السيد على غارم الدية بشيء، لأنه ودى ذلك بحكمٍ لزمه.
ومن المدونة: وإن استُحِقَّت وفي بطنها جنينٌ فعلى الأب قيمته يوم الوضع وهو حر، ولو ضرب رجلٌ بطنها قبل الاستحقاق أو بعده فألقت جنينًا ميتًا فللأب عليه غرة عبد أو وليدة، لأنه حر، ثم للمستحق على الأب الأقل من ذلك أو من عُشُر قيمة أمه يوم ضُربت، ولا يكون على الأب أكثر مما أخذ، ولا على الضارب أكثر من الغرة.
ابن المواز: وقال أشهب: لا شيء للمستحق كما قال في القتل.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: وولدها لاحق النسب، له حكم الحر في النفس والجِراح، وفيه الغرة قبل الاستحقاق وبعده.
وإن استحقت الأمة بعد موت زوجها ولم يدَع مالاً، أو كان زوجها حيًا وهو عديمٌ وله منها ولد موسر، فللمستحق على الولد قيمته، وإن كان عديمًا فذلك عليه إن أيسر، وقيل: لا شيء على الولد من قيمة نفسه.
الجزء: 9 - الصفحة: 152
قال ابن القاسم: والقول فيها وفي ولدها كالقول في المستحقة بيد مشترِ سواء، وذلك في كتاب الاستحقاق مستوعب.
ولو استحق الأمة عم الولد أخذ قيمتهم، إذ لا يعتق عليه بنوا أخيه ولو كان جدهم لم يأخذ قيمتهم، لأنهم يعتقون عليه، ولا شيء له من ولائهم، لأنهم أحرارٌ، وإنما أُخذت القيمة منهم بالسنة.
قال ابن المواز في كتاب الغصب: ويكون ولاؤهم لأبيهم.
قال الشيخ: ولو كان إنما زوَّجه أبوه أمته وهو عالمٌ فهاهنا يكون ولاء ولده لجدهم، لأنهم عليه عتقوا، لأنه لو كان الزوج أجنبيًا لكانوا لسيد الأمة أرقاء، فإذا كان ولده عتقوا على الجد لأنهم ولد ولده، وفي الغارة هم أحرارٌ، وفي الولد وفي الأجنبي لم يعتقوا على أحدٍ، وإنما أخذت القيمة فيهم بالسنة، فالموضع الذي يكونون فيه أحرارًا يكون ولاؤهم في مسألة الولد للوالد، والموضع الذي يكونون فيه أرقاء يكون في مسألة الولد ولاؤهم لجدهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو غرَّت أمة الأب ولده فتزوجها فولدت منه ثم استحقها الأب فلا شيء له من قيمة ولدها، إذ لو ملكهم عتقوا عليه وكذلك إن غرت أمة الولد والده فتزوجها فولدت منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 153
قال سحنون في المجموعة: إذا غرت أمة الابن والده فتزوجها على أنها حرة فإن الأب يغرم قيمتها لولده، وتكون أم ولد للأب، وليس للابن أخذها، ولا شيء على الأب من قيمة الولد، والتزويج فيها ليس بتزويج.
وأما الابن الذي غرته أمة الأب فهو مثل الأجنبي يكون لها صداق مثلها، ويأخذها الأب ولا قيمة عليه في الولد.
فصل [2 - في ولد الغارَّة إن كانت أم ولد]
ومن المدونة: قال مالك: ولو كانت الغارَّة أم ولد فلمستحقها قيمة الولد على أبيهم على رجاء العتق لهم بموت سيد أمهم وخوف أن يموتوا على الرق قبله، وليس قيمتهم على أنهم عبيدٌ، لأنهم يعتقون إلى موت سيد أمهم، ولو مات سيد أمهم قبل القضاء لم يكن لورثته من قيمة الولد شيء، لأنهم بموت السيد عتقوا.
قال مالك: وإن وجد السيد ولدها مقتولاً فديته لأبيه دية حر، ويكون لسيد الأمة على أبيه الأقل مما أخذ أو من قيمتهم يوم القتل على الرجاء والخوف.
قال الشيخ: هكذا نقلها أبو محمد: قيمتهم على الرجاء والخوف، وهو الصواب، لأن الأب يقول: لو لم يقتلوا ما كان يلزمني إلا قيمتهم على الرجاء والخوف، فإذا كان ذلك أقل مما أخذت من الدية لم يلزمني غيره.
قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: بل يغرم الأقل مما أخذ أو قيمة الولد عبدا، لأن ولد أم الولد إذا قتل إنما تجب على القاتل قيمته عبدًا.
قال الشيخ: وتشبيهه قتله بما يلزم أباه فيه غلط، لأن ولد الغارة قد جعل قيمتهم على الأب على الرجاء والخوف تخفيفًا عنه، بخلاف ما يلزم القاتل فيهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 154
[فصل 3 - في ولد الغارة إن كانت مدبرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت مدبَّرةٌ ففي ولدها القيمة على الرجاء [والخوف] أن يعتقوا أو يرقوا، بخلاف ولد أم الولد.
قال الشيخ: يريد قيمتهم على أنهم يعتقون بموت السيد إذا حملهم الثلث ولا دين على السيد، أو على أن يعتق ما حمل الثلث منهم، أو يرقوا إن كان على السيد دين، أو يموتوا قبل ذلك، فالخوف في رقهم أشد منه في ولد أم الولد، لأن العتق إنما يلحقهم في حال ويمتنع في أحوال، فلذلك قال: بخلاف ولد أم الولد.
وقال ابن المواز: بل يغرم الأب قيمتهم رقيقًا، لأنهم يرقون أحيانًا ولا ينفذ لهم العتق إلا بعد الموت من الثلث، والعتق فيهم اليوم أو كد من التدبير، كما لو اشترى رجلٌ مدبَّرًا فأعتقه وهو لا يعلم، ثم علم أنه مدبرٌ، ما كان من البائع أن يرد شيئًا من ثمنه على المشتري وإن كان قد غرَّه.
فصل [4 - في ولد الغارة إن كانت مكاتبة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت مكاتبةٌ غرت من نفسها فولدت فلتؤخذ من الأب قيمتهم.
-قال ابن المواز: عبيدًا-.
الجزء: 9 - الصفحة: 155
قال ابن القاسم: فتوضع تلك القيمة على يدي رجل [عدل] فإن عجزت أخذ السيد القيمة، وإن ودت رجعت القيمة إلى الأب.
قال ابن المواز: واختلف فيه أصحابنا، وأحب إلي أن تعجل فيه القيمة للسيد فيحسبها في الكتابة إن كانت أقل منها أو مثلها، وإن كانت أكثر لم يلزم الأب إلا الأقل من بقية الكتابة، أو من قيمة الولد.
قال: وزعم ابن القاسم أن القيمة توقف، والذي يدخل عليه في ذلك أن يقال: أليس كل ما ولدته المكاتبة مدة الكتابة داخل في كتابتها؟ فكتابتها أحق بقيمة ولدها، كما لو قتل، وكما لو أعتقه السيد وهو ممن يسعى برضى الأم لسقط عنها ما يقع عليه من الكتابة، وولد هذه المستحقة دخله عتق لابد منه، وقد كان في كتابة أمه لولا هذه الحرية، فقيمته عوض منه.
قال ابن المواز: وأما المعتقة إلى أجل فولدها بمنزلتها، وعلى الأب قيمتهم على أنهم أحرار إلى ذلك الأجل.
قال ابن المواز: وإنما لزم الأب في ولد المستحقة قيمتهم يوم الحكم، لأنه ليس بغاصب، وقد قال عمر وعثمان: إنه يحكم لمستحق أُمِّهم بأمثالهم، فجعلت القيمة موضع ذلك، قال مالك: القيمة أعدل.
الجزء: 9 - الصفحة: 156
فصل [5 - في المغرور إن كان عبدا]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن غرت الأمة عبدًا أنها حرةٌ فتزوجها فولدت منه، فولدها يرق برقها، إذ لابد من رقِّه مع أحد الأبوين، فجعلتهم تبعًا للأم، لأن العبد لا يغرم قيمتهم.
قال في كتاب ابن المواز: ويرجع العبد على من غرَّه بالمهر، ثم لا يرجع من غره عليها، وإن لم يغره منها أحدٌ رجع عليها بالفضل على صداق مثلها، لحجته أنه رغب في حرية ولده، وهذا إن اشترط أنها حرةٌ، أو ظهر وجهٌ عُلِم به أنه عمل على أنها حرة، وإلا فلا يرجع بشيءٍ من الصداق، بخلاف الحر لا يشترط حريتها ثم يظهر أنها أمة.
فصل [6 - في الغار إن كان أجنبيا]
ومن قال لرجل: فلانة حرة، ثم زوجها إياه غيره فولدت أولادا، ثم إنها استحقت أنها أمةٌ فلا يكون المخبر هاهنا غارًا، ولا يرجع الزوج عليه بشيء، علم المخبر أنها أمةٌ أم لا، وكذلك إن ولي المخبر العقد ولم يعلم أنها أمة، وأما إن ولي المخبر العقد وهو يعلم أنها أمة فهاهنا يكون غارًا، ويرجع الزوج عليه بما ودى من الصداق.
ابن المواز: كان المخبر وليًا لها أم لا، فإنه يغرم إذا علم ثم عقد، ولا يترك لها ربع دينارٍ، وكأنه باعه البُضْع فاستُحِق.
الجزء: 9 - الصفحة: 157
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرجع عليه بما يغرم من قيمة الولد، إذ لم يغرم من ولده.
قال: ولو أنه إذ غره عالمًا وولي العقد أعلمه أنه غير وليٍّ لها لم يرجع عليه الزوج بشيء.
قال الشيخ: لأنه دخل على أمرٍ للولي فيه الخيار عنده وإن لم يعلم أنها أمة.
[فصل 7 - في العبد يغر من نفسه]
قال مالك: ولو غر عبدٌ حرةٌ فتزوجته على أنه حر، وأجاز السيد نكاحه، فلها أن تختار فراقه ما لم تدعه يطؤها بعد علمها به أنه عبد.
قال ابن القاسم: وإذا كرهته فرق السلطان بينهما إلا أن يتطوع الزوج بالفراق دونه.
قال ابن شهاب: ويُجلد العبد نكالاً بما كذبها وخَلَبَها.
الجزء: 9 - الصفحة: 158
ومن كتاب ابن المواز: لأنها إذا أقامت سنين مع مكاتبٍ تزوجها، ثم قالت: لم أعلم أنه مكاتبٌ، وقد غرَّني، فلتحلف أنها ما علمت ولها الخيار.
قال أصبغ: تحلف أنها ما علمت أنه مكاتبٌ، ولا ينفعها أن تقول: ظننت المكاتب حرًا.
قال ابن حبيب: ولو قالت: جهلت أن لي الخيار، لم تُعذر بذلك.
[فصل 8 - في النصرانية تغر المسلم، والمسلم يغر النصرانية]
ومن تزوج نصرانيةً ولم يعلم فلا حجة له في ذلك حتى يشترط أنها مسلمة، أو يظهر ويعلم أنه إنما تزوجها على أنها مسلمةٌ لما كان يسمع منها، فيكون منها الكتمان وإظهار الإسلام، فهذا كالشرط، وأما المسلم يغر النصرانية فيقول لها: إني على دينك، فيتزوجها ثم تعلم بذلك أن لها الخيار، لأنه غرها ومنعها من كثير مما يبيحه لها دينها من شرب الخمر وغيره، قاله مالك.
وقال ربيعة: لا خيار لها وليس الإسلام بعيب.
الجزء: 9 - الصفحة: 159
[الباب الثالث والعشرون]
ما تُردُّ به المرأة والرجل من عيب، ومن غر من ذلك وذكر العنين والخصي والمجبوب
[فصل 1 - فيما تُردُّ به المرأة من العيوب]
روي أن الرسول عليه الصلاة والسلام زوج امرأة من بني غِفار، فوجد بكَشْحِهَا بياضًا، فردها وقال: «دلَّستم علي».
ورأى عمر بن الخطاب وعلي رضي الله عنهما وغيرهما ردَّ النساء من العيوب الأربعة: الجنون، والجذام، والبرص، وعيب الفرج.
قال الشيخ: ولا مخالف لهم، لأنها عيوب تؤثر في الاستمتاع المقصود، وتنقص كمال اللذة فوجب أن يثبت معها الخيار، أصله الجب والعنة.
الجزء: 9 - الصفحة: 160
قال مالك في كتاب محمد: وسواءٌ كان البرص الذي بالمرأة قليلاً أو كثيرًا.
قال في المدونة: ولا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها الصداق، ويرجع به الزوج على وليها إن كان الذي أنكحها أبٌ، أو أخٌ، أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، لأنه غر الزوج منها.
قال ابن القاسم: ثم لا يرجع به الولي عليها.
قال مالك: وإن كان الذي أنكحها ابن عم، أو مولى، أو السلطان، أو من لا يظن به علم ذلك فلا شيء عليه، وترد المرأة ما أخذت إلا ربع دينار، لأنه هي الغارَّة.
قال عبد الوهاب: وخالفنا الشافعي في ذلك وقال: لا يرجع على المرأة ولا على الولي بشيء، ودليلنا ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: أيُّما رجلٍ نكح امرأةً وبها جنونٌ أو جُذامٌ أو بَرَصٌ فمسَّها فلها صداقها، وذلك لزوجها غرمٌ على وليِّها، ونحوه عن عليَّ رضي الله عنه ولا مخالف لهما من الصحابة ولأننا لو قلنا: إنه لا رجوع له عليه لألزمناه العوض من غير أن يحصل له في مقابلته الاستمتاع الذي دخل عليه، لأنه دخل على التأبيد لا على مرةٍ واحدة.
وإنما قلنا: يرجع على الولي بجميع الصداق، وعلى المرأة به إلا ربع دينار، لئلا يعرى البضع من عوض، ومن الولي يبقى لها جميعه فلم يعر من عوض.
الجزء: 9 - الصفحة: 161
ومن كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي الذي يرجع عليه عديما، أو مات ولا شيء له، لم يرجع على المرأة بشيء، وليس عليها أن تخبر بعيبها ولها ولي، والبكر والثيب في ذلك سواء، وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن حبيب: بل يرجع على المرأة إن كانت مليئة، وإن كانت عديمةً رجع على أوَّلهِما يُسَرا.
قال في كتاب ابن المواز: وإذا كان الولي البعيد يعلم ذلك منها حين عقد، فعليه يرجع الزوج، ويبقى للمرأة مهرها، وهذا إن أقر، أو قامت بينةٌ عليه، وإلا لم يحلفه إلا أن يدعي الزوج علمه بأمرٍ علمه فليحلف، فإن نكل حلف الزوج لقد علم وغره، وإن نكل فلا شيء له عليه ولا على المرأة، لإقراره بعلم الولي به وأنه غره.
ابن المواز: وأما الولي القريب فذلك عليه ويغرم المعجَّل، فإذا ودى الزوج المؤجل رجع حينئذٍ به عليه.
قال: وإن زوجها الأخ وهي بكرٌ بإذن الأب فالغرم على الأب، وإن كانت ثيبًا فعلى الأخ، وإن كان زوجها غير ولي عالمًا بعيبها وكتمه عليه فعليه يرجع، إلا أن يعلمه أنه غير ولي، أو يعلم ذلك الزوج فلا شيء عليه وإن كتمه، كالمنادي على السلعة يخبر أنها لغيره فالعهدة على ربها.
قال مالك: وليس على الولي أن يخبر بعيب وليته ولا بفاحشةٍ لها إلا العيوب الأربعة، ومثل أن يعلم أنها لا تحل له من رضاعٍ أو نسبٍ، أو معتدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 162
قال ابن حبيب: وتفسير داء الفرج: ما كان في الفرج والرحم مما يقطع اللذة في الوطء، فإن علم بذلك أو ببقية العيوب الأربعة ثم دخل بها فلا خيار له، وإن بنى بها قبل أن يعلم ثم علم فأمسك فهو مخير، فإن ادعت أنه مسها أو تلذَّذ بها وبعد العلم، فأنكر، حلف وصُدِّق، فإن نكل حلفت وصُدِّقت، وإن لم تدَّع ذلك عليه فلا يمين عليه.
ابن المواز: قال مالك: إذا قال الزوج: كان بها الجذام قديمًا، وقال الأب: بل زوجتك صحيحةً، فالأب مصدقٌ.
ابن المواز: مع يمينه.
ومن المدونة: قال ربيعة: إذا وطئها بعد العلم بعيبها فقد لزمته.
قال ابن وهب: وكتب عمر بن عبد العزيز في الذي رأى في زوجته وَضَحَاً من بياضٍ فردها به أن استحلفه بالله في المسجد ما تلذذ منها بشيءٍ منذ رأى ذلك بها، واستحلف إخوتها أنهم لم يعلموا بالذي كان بها قبل أن يزوجوها، فإن حلفوا فأعط المرأة من صداقها ربعه.
قال الشيخ: وهذا خلاف ما تقدم وهو اجتهادٌ منه واستحسان.
قال مالك: ولا ترد المرأة إذا وجدت عمياء، أو عوراء، أو مقعدة، أو قطعاء، أو شلَّاء، أو سوداء، أو قد ولدت من زنا، ولا من شيءٍ سوى العيوب الأربعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 163
قال الشيخ: لما جاء في ذلك من السنة، ولأن العيوب الأربعة: البرص وعيب الفرج مما يخفى، والجنون والجذام ضررٌ شديدٌ، وأما غير ذلك من العيوب فالغالب منها أنها لا تخفى، فالزوج مُفَرِّطٌ في استعلام ذلك، ولأن له أن يشترط السلامة، فلزمه ذلك بتفريطه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن اشترط السلامة مما ذكرنا ثم يجد ذلك بها فلا صداق لها إن لم يبن بها، وإن بنى بها فلها المهر، ويرجع به على الولي الذي شرط له ذلك.
قال مالك: وما علم أهل المعرفة أنه من عيوب الفرج رُدَّت به وإن جامعها وقد تجامَع المجنونة.
قال في كتاب محمد: وإذا كان الرتْق من قِبَل الختان فإنه يُبَطُّ على ما أحبت أو كرهت إذا قال النساء: إن ذلك لا يضرها، وإن كان خِلْقةً فإن رضيت بالبطِّ فلا خيار له، وإن أبت فالخيار إليه.
قال أصبغ: وإذا أقامت للعلاج وهو يتمتع بها، فإن طال ذلك كطول أمد العنين في علاجه فلها جميع الصداق، كالسنة وما قاربها من كثير من الأشهر.
قال ابن حبيب: وإن زعم أن بها رتقًا، أو غيره من داء الفرج فأكذبته فهي مصدقٌ، وإن طلب أن ينظر إليها النساء فليس ذلك له، فإن فارق وادعت المسيس
الجزء: 9 - الصفحة: 164
فلها جميع الصداق، فإن أتي بامرأتين فشهدتا أنهما رأتاها رتقاء، ولم يكن ذلك عن أمر الإمام جازت شهادتهما، إذ الطلاق بيده لم توجبه شهادتهما إنما أوجبت ترك الصداق إن فارق.
فإن قيل: فإذا لم تمكنهما من النظر فقد صار نظرهما تعمدًا جَرْحةً.
قيل: هذا يعذران بجهالته.
قال أبو محمد: وأخبرنا أبو بكر قال: قال سحنون: إن ابن القاسم يقول: لا ينظر إليها النساء في عيب الفرج يدعيه الزوج، وقد قال: ترد به، فكيف يعرف إلا بنظرهن.
وروى ابن سحنون عن أبيه: أنه ينظر إليها النساء إذا ادعى ذلك الزوج.
-قال الشيخ: ويردها، وبه أقول-.
قال ابن حبيب: وأما من بنى بزوجته فادعى المسيس فأكذبته، وشهد لها امرأتان أنها عذراء، فلا تقبل شهادتهما، لأنه يؤول إلى الفراق، وقد كذبهما من له الفراق، فافترق من الأول، وقاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ.
الجزء: 9 - الصفحة: 165
فصل [2 - فيما يرد به الرجل من العيوب]
ومن المدونة: قال ابن المسيب: وإن كان بالزوج جنونٌ، أو ضررٌ، فالمرأة مخيرةٌ بين أن تقيم أو تفارق.
قال مالك: وأرى الضرر الذي أراد ابن المسيب هذه الأشياء التي ترد منها المرأة.
قال الشيخ: لقول الله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ولأن لها حقًا في الاستمتاع، فإذا وَجدت مانعًا منه أو من كماله كان لها الخيار كالرجل، واعتبارًا بالجبِّ والعنَّة، فإن فارقت قبل الدخول فلا صداق لها، لأن الفسخ من قِبَلِهَا، وإن كان بعد الدخول فلها المهر كاملاً لاستمتاعه بها.
فصل [3 - في حدوث العيب بعد النكاح]
قال ابن حبيب: قال مالك وأصحابه: وما حدث بالزوجة عند الزوج من العيوب الأربعة فلا خيار له في فراقها إلا بغرم الصداق، النصف قبل البناء، والجميع بعده.
قال ابن المواز: وما حدث بالزوج بعد العقد من البرص فلا يرد به وإن كان شديدًا.
الجزء: 9 - الصفحة: 166
وقال ابن حبيب: يُرد به إن كان فاحشًا مؤذيًا.
قال مالك في النكاح الثاني من المدونة: وإذا حدث بالزوج جنونٌ بعد العقد عُزِلَ عنها وأُجِّل سنةً لعلاجه، فإن صحَّ وإلا فرق بينهما، والمجذوم البيَّن الجذام يفرق بينه وبين امرأته إذا طلبت ذلك.
قال ابن القاسم: فإن كان مما يرجى برؤه وعلاجه فليضرب له أجل سنة.
قال الشيخ: وفي الثاني إيعاب هذا.
فصل [4 - في أحد الزوجين يغر صاحبه في النسب]
قال مالك: ومن تزوج امرأةً فإذا هي لِغِيةٌ، فإن زوجوه على نسبٍ فله ردها وإلا لزمته.
قال ابن القاسم: فإن ردها فلا صداق عليه إن لم يكن بنى بها، وإن بنى بها فعليه صداقها، ويرجع به على من غرَّه، فإن كانت هي الغارة ترك لها ربع دينارٍ وردت ما بقي، وإن انتسب لها فألفته لِغِيًا خيرت بين أن تقبله أو ترده.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم فيمن تزوج امرأة على نسبٍ انتسب لها إلى فخذٍ من العرب ثم يوجد من غير ذلك الفخذ، فإن كان مولى فلها الخيار إذا
الجزء: 9 - الصفحة: 167
كانت عربية، وإن كان عربيًا وهو من غير القبيل الذي سمى فلا خيار لها إلا أن تكون قرشيةً تزوجته على أنه قرشيٌ فإذا هو من قبيلٍ من العرب، أو تكون عربيةً تزوجته على إدعائه، فذلك لها.
وذكر عن أبي بكر بن عبد الرحمن فيمن تزوج امرأة وشرطت في عقد النكاح على الزوج أنه عربيٌّ من أنفسهم ثم وجد من مواليهم قال: فأجبت أنا وجميع أصحابنا أن للمرأة القيام بشرطها وفسخ النكاح.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولم يذكر في هذا السؤال أنها عربيةٌ أو مولاة، والأمر عندي سواء، وللمرأة شرطها بخلاف ما تقدم في رواية أبي زيد، والله أعلم.
وسئل أبو محمد بن أبي زيد عما يكتب الناس في صدقاتهم: وهي صحيحة العقل والبدن، ويجدها بعد ذلك عمياء أو شلَّاء، هل له أن يردها بهذا الذي كتب في الصداق؟
فقال: لا ينفعه ذلك، وليس كالشرط حتى يبين فيقول: لا عمياء ولا شلَّاء، قال: ولو كان في موضع صحيحة العقل سليمة البدن لرأيت له أن يردها إذا وجدها عمياء أو شلَّاء أو غير ذلك، وبهذا كان يفنيّ علماؤنا ونُفيّ نحن.
فصل [5 - فيمن غر فنكح امرأة في العدة]
قال مالك: ومن غَرَّ من وليَّته فزوجها في عدة ودخلت، ثم علم بذلك الزوج فالنكاح مفسوخ، ويضمن الولي الصداق كله.
الجزء: 9 - الصفحة: 168
قال ابن القاسم: ولو كانت هي الغارة ترك لها ربع دينار وردت ما بقي.
قال في رواية العسَّال أبي زيد عن ابن القاسم في مسألة المرأة تغره: إنه يرجع عليها بالصداق الذي دفع إليها، وليس يأخذ ما اشترت.
-قال الشيخ: يريد: وإن كان مما يصلح لجهازها، لأنها متعدية في التصرف فيه قبل إعلامه بما غرته به فيرضى أو يرد-.
قال ابن القاسم: فإن لم يعلم الزوج بذلك حتى طلقها أو ماتت فلا رجوع له عليها بشيءٍ من الصداق، كالعبد المعيب يبيعه مشتريه، فلا يرجع بشيءٍ من قيمة العيب، وروي ذلك عن مالك.
فصل [6 - في عيوب الفرج التي يرد بها الرجل]
وعيوب الفرج التي يردُّ بها الرجل أربعة وهي: الجَبُّ، والخِصَاء، والعِنَّة، والاعتراض.
فالمجبوب: هو المقطوع ذكره وأنثياه، والخصي، هو المقطوع منه أحدهما، والعنين: هو الذي له ذكرٌ شديد الصغير لا يمكن الجماع بمثله، والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعلة تعترضه وهو بصفة من يمكنه الوطء، وربما اعترض عن امرأةٍ دون أخرى، وأصحابنا يسمون العنين لهذا النوع من الرجال، وكذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 169
من تقدم من الصحابة والتابعين، وحقيقة اسمه المعترض، كذلك ذكر ابن حبيب وعبد الوهاب.
ومن المدونة: قال مالك وأصحابه: وإن تزوج خَصيٌّ أو مجبوبٌ امرأةً ولم تعلم به، ثم علمت فلها الخيار في أن تقيم معه أو تفارقه، والمجبوب أشد.
قال عبد الوهاب: وإنما قال ذلك لعدم الاستمتاع، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 228]، ولأنه لو آلى منها لكان لها أن توقفه وتطالبه إذا امتنع من الوطء بالوطء أو الفراق، فكان الخصي والمجبوب أولى.
ومن المدونة: قال مالك: وإنما لها أن تفارقه بواحدةٍ بائنةٍ لا بأكثر منها، ويتوارثان قبل أن يختار فراقها، فإن فارقته بعد أن دخل بها فعليها العدة إن كان يطؤها، وإن كان لا يطؤها فلا عدة عليها.
وروى ابن وهب أن ابن سُندَر تزوج امرأةً وكان خصيًا فلم تعلم به، فنزعها منه عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
الجزء: 9 - الصفحة: 170
قيل لابن القاسم: فإن كان مجبوب الذكر قائم الخُصى فاختارت فراقه بعد أن دخل بها؟
فقال: إن كان يولد لمثله فعليها العدة، ويسأل عن ذلك، فإن كان يحمل من مثله لزمه الولد، وإلا لم يلزمه ولا يلحق به، وإن علمت به حين تزوجته أنه مجبوبٌ، أو خصيٌ، أو عنينٌ لا يأتي النساء رأساً أو أخبرها بذلك فلا كلام لها.
وإن لم تعلم بذلك في العقد ثم علمت به فتركته وأمكنته من نفسها فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، وأما العنين فلها أن ترافعه ويؤجل سنة، لأنها تقول: تركته لرجاء علاجٍ أو غيره، إلا أن تتزوجه وهي تعلم أنه لا يأتي النساء رأساً كما وصفنا، فلا كلام لها بعد ذلك، وفي الثاني إيعاب هذا.
تم كتاب النكاح الأول، والحمد لله وسلامٌ على جميع أنبيائه.
الجزء: 9 - الصفحة: 171
[الكتاب الثاني]
كتاب النكاح الثاني
[الباب الأول]
في الصداق يقارنه بيع، أو يدخل فيه غرر أو مجهول وكل غرر أو خطر أو فساد بشرط
[فصل 1 - في الصداق يقارنه بيع]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ بعبدٍ على أن تعطيه داراً أو مالاً لا يجوز هذا النكاح عند مالك، وهو مفسوخٌ، وسمعت مالكاً يقول: إن تزوجها على أن تعطيه خادمها بكذا وكذا درهماً لم يجز، ولا يجتمع في صفقةٍ واحدةٍ نكاحٌ وبيع.
قال سحنون: وقال بعض الرواة- هو ابن الماجشون- في هذه المسألة: إن كان يبقى مما يعطي الزوج ربع دينارٍ فصاعداً جاز النكاح.
قال عبد الوهاب: وقال أشهب: يجوز نكاحٌ وبيع، فوجه قول مالك: أن النكاح عقدٌ مخصوصٌ من سائر عقود المعاوضة بأحكامٍ لا توجد في غيره، فوجب ألا يضم إليه عقدٌ غيره كالصرف والقراض، ولأنه يجوز أن
الجزء: 9 - الصفحة: 172
يكون العوض في مقابلة البيع فيعرو البضع من عوض، وتكون ذريعةً إلى الإباحة في إسقاط المهر.
قال الشيخ: ولأنه لا يدرى ما يخص البضع من ذلك فيصير نكاحاً مجهولاً.
قال عبد الوهاب: ووجه قول عبد الملك: أن المنع من خيفة أن يعرو النكاح من عوض، فإذا أمن ذلك جاز.
ووجه قول أشهب: أنه ليس في ذلك أكثر من الجهالة بمقدار المهر، وذلك لا يمنع صحة العقد، كما لو تزوجها على حكم زيد.
قال الشيخ: ولأن للرجل بيع سلعتين بثمنٍ معلومٍ، ولا يضره جهل ما يخص كل سلعةٍ من الثمن، فكذلك هذا ولا يدخل عليه ما اعتل به ابن الماجشون من أن يفضل مما يعطى المرأة ربع دينار، لئلا يعرو البضع من عوض، لأن ما يعطي الزوج مقبوض على ما تعطي المرأة، وعلى مقدار صداق مثلها، فمتى حصل للبضع على ذلك ربع دينارٍ فصاعداً جاز هذا على قياس البيوع، وإذا جاز ذلك في البيوع اقتضى أن يكون في النكاح أجوز، لأن طريقة النكاح المكارمة وطريقة البيوع المكايسة، ألا ترى أنه يجوز أن يتزوج بعبدٍ وبشرار بيتٍ ولا يصف ذلك، ولا يضرب لها أجلاً، فيكون لها الوسط من ذلك حالاً، ويتزوجها ولا يذكر صداقاً فيعطيها صداق المثل فيلزمها، ولا يجوز مثل هذا في
الجزء: 9 - الصفحة: 173
البيوع، وما قال أشهب هو القياس، والله أعلم، وقول ابن الماجشون أيضاً حسن، وهو على قياس ابن نافعٍ في مسألة الموضحتين إذا صالح من موضحة عمداً وموضحةٍ خطأً على شقص من دار.
قال ابن نافع: فيه الشفعة بقيمة الشقص ما لم ينقص عن دية موضحة الخطأ وذلك أنه جعل ممن الشقص معلوماً هو دية موضحة الخطأ، ومجهولاً وهو دية موضحة العمد، فأعطى للمعلوم حقه من قيمة الشقص، وكان ما بقي للمجهول، فكذلك يصنع في النكاح، يجعل ما يعطي الزوج ثمناً للبضع وثمنه مجهولٌ، وبما تعطي الزوجة وثمنه معلوم، فأعطى للمعلوم قيمته مما يعطي الزوج وما بقي للبضع، فإن بقي ربع دينارٍ فأكثر جاز عنده وإلا لم يجز.
وذكر عن ابن الكاتب أنه قال: إن كان اعتبار ما يفضل للبضع بعد عقد النكاح فكأنه إنما نكحها بالذي يفضل، وذلك مجهولٌ، فإن كان اعتبار ذلك قبل العقد فأحسبهما لا يختلفان في جوازه، لأنه يصير للبضع شيء مسمى، وللسلعة شيء مسمى، فهو كما لو تزوج امرأتين في عقدٍ واحدٍ، وسمى لكل واحدةٍ صداقها
الجزء: 9 - الصفحة: 174
ولا يشبه ذلك السلع التي يجوز ذلك فيها وإن لم يسم، لأن السلع مما تقوم، فيقع لكل سلعةٍ من الثمن ما يخص قيمتها إن وقع استحقاق، والأبضاع لا يصح تملكها ولا وقع فيها وطءٌ قبل التسمية فيقضى عليه بصداق المثل، فوجب ألا يصح إلا بعد التسمية لها، وإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يجز، وغيره يجيز ذلك، ويقسم المسمى على صداق مثل كل واحدة، اعتباراً بالسلع، وإلى مثل هذا نحى أشهب في جواز نكاحٍ وبيع، وهذا معنى كلام ابن الكاتب دون لفظه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وهذا النكاح الذي وقع مع البيع في صفقةٍ يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل.
فصل [2 - في الصداق يدخل فيه غرر أو مجهول أو محرم]
قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ آبقٍ، أو بعيرٍ شاردٍ، أو جنينٍ في بطن أمه، أو بما تلد غنمه، أو بثمرةٍ، أو زرعٍ لم يبد صلاحهما فالنكاح يفسخ في ذلك كله قبل البناء ويثبت بعده، ويكون لها صداق المثل، ويكون الذي سمى لها من الغرر لزوجها، إلا أن تقبض الجنين بعد ولادته، أو الآبق أو الشارد وغيره، فلترده إلا أن يموت عندها في بدنٍ أو سوقٍ فيكون لها وتغرم قيمته يوم قبضته لزوجها، فأما الثمرة فما جنت منها، أو حصدت من الحب فعليها أن ترد مكيلته وما هلك من ذلك كله قبل أن تقبضه فهو من الزوج، وما هلك من ذلك بعدما قبضته وإن لم يتغير في سوقٍ أو بدنٍ فهو من المرأة أبداً حتى ترده، لأنه في ضمانها يوم قبضته.
الجزء: 9 - الصفحة: 175
قال ابن المواز: وإن نكحها بثمرةٍ لم يبد صلاحها على أن تجدها بلحاً جاز النكاح، فإن تأخرت الثمرة حتى طابت فجدتها بسراً أو رطباً أو تمراً فلا يفسخ النكاح وإن لم يدخل بها، ويكون لها قيمة ذلك البلح مجدوداً يوم النكاح وترد ما جدت منها، وما أكلت ردت مكيلته، وإن لم تعرف فقيمته، وإن طلقها قبل البناء فلها نصف قيمة البلح مجدوداً يوم النكاح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها بما تلد غنمه، أو بخمرٍ، أو خنزيرٍ، أو على دار فلان، أو على أن يشتريها لها فليفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
وقد اختلف قول مالك في المختصر الكبير في فسخ النكاح بعد البناء إذا عقد بخمر، أو خنزير، أو بثمرةٍ لم يبد صلاحها، أو بجنينٍ في بطن أمه، أو ببعيرٍ شاردٍ، أو بعبدٍ آبق.
قال عبد الوهاب: لا خلاف في منع ابتداء العقد بما لا يصلح أن يتملك كالخمر والخنزير، ولا بغررٍ كالعبد والآبق والجمل الشارد والجنين في بطن أمه، والثمرة التي لم يبد صلاحها على التبقية، وما أشبه ذلك، فإن وقع فقيل: يفسخ قبل البناء وبعده، لأن فساده في عقده، وقيل: يفسخ قبل البناء ويثبت بعده ويجب فيه صداق المثل، لأن فساده في صداقه.
وعند أبي حنيفة والشافعي: العقد صحيحٌ لا يفسد بفساد المهر، ويجب فيه صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 176
فوجه قول من أفسده: قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾، فعلق الإحلال بالمال، والخمر والخنزير ليسا بمالٍ لنا، ولأنه عقد معاوضة يجب أن يفسد بفساد العوض كالبيع، ولأن المعقود به إذا كان فاسداً وجب فساد العقد، أصله نكاح الشغار.
ووجه التصحيح: أن عقد النكاح مفارق لعقد البيع في موضوعه، لأن البياعات طريقها المغابنة والمكايسة، والنكاح طريقه المواصلة والمكارمة، ألا ترى أنهما إذا عقدا من غير تسمية صداقٍ جاز، بخلاف البيع والإجارة.
واختلف أصحابنا في تأويل قول مالك: إنه يفسخ قبل الدخول، فمنهم من حمله على الإيجاب تغليظاً وعقوبةً لهما، لئلا يعودا إلى مثل ذلك، ومنهم من حمله على الاستحباب احتياطاً وخروجاً من الخلاف، فإن وقع الدخول لم يفسخ، لأن الصداق قد وجب، فلا يوجد المعنى الذي لأجله فسخ قبل الدخول.
وقد تقدم في الأول بعض هذا.
[فصل 3 - في الصداق إذا كان غائباً موصوفاً معه دراهم أو لا]
ومن كتاب ابن المواز وابن حبيب: قال ابن القاسم: لا بأس بالنكاح بعبدٍ غائبٍ بعيد الغيبة إذا وصفه، كان معه عينٌ أو لم يكن إلا ما بعد جداً مثل
الجزء: 9 - الصفحة: 177
خراسان، والأندلس.
ابن حبيب: ومثل إفريقية من المدينة، كان مع ذلك عينٌ أو لم يكن فلا خير فيه، ويفسخ.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وأما مسيرة الشهر ونحوه فجائز، والضمان من الزوج حتى تقبضه، وله أن يدخل إن كانت الغيبة قريبة، ولا يدخل بها في البعيدة وإن قدم إليها ربع دينار، وإن سماه مع العبد، لأن النقد في البعيد لا يجوز والدخول انتقاد.
قال الشيخ: هذا إن كان الدخول بشرطٍ في العقد، وأما إن لم يشترط في العقد فجائزٌ التطوع به كالبيوع.
قال: فإذا كان قريباً ووصفه ثم هلك العبد قبل قبضه فلها قيمته على تلك الصفة.
قال أبو العباس الأبياني: وإذا تزوجها على عبدٍ موصوفٍ فقبضته، ثم استحق رجعت بعبدٍ مثله في صفته، وإن مات بيدها ثم علمت بعيبٍ كان به
الجزء: 9 - الصفحة: 178
عند الزوج، فعلى المرأة غرم قيمة العبد معيباً للزوج يوم قبضته، وترجع عليه بعبدٍ مثله في صفته، وفيه اختلاف، وهذا أحسن.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة، أو اشترى سلعةً بدراهم بعينها غائبة، فلا خير في ذلك إلا أن يشترط أن عليه بدلها إن تلفت، ولو حضرت الدراهم ونقدها إياها جاز النكاح، وكذلك البيع، فإن وجب البيع والنكاح بها ثم استحقت في يد المرأة والبائع فعلى المشتري والزوج مثلها، وتم النكاح والبيع.
قال مالك: ومن تزوج امرأةً على دارٍ أو أرضٍ أو عبدٍ، كل ذلك غائب، فإن وصف ذلك جاز النكاح، وإن لم يصفه فسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
ابن المواز: وإن وصفه فلا يدخل في العبد البعيد الغيبة حتى يدفعه، والضمان منه.
قال: وابن القاسم يرى أن تباعد الغيبة مثل خراسان والأندلس لم يجز، وأما مثل المدينة من مصر فجائز.
ومن المستخرجة: قال ابن الماجشون فيمن تزوج بثمرةٍ بدا صلاحها فأجيحت الثمرة كلها: إن مصيبتها من الزوج، وترجع عليه المرأة بقيمة الثمرة وإنما يحمل ذلك محمل البيوع.
الجزء: 9 - الصفحة: 179
وابن القاسم يقول: لا جائحة فيها، والمصيبة من المرأة، ولا ترجع على الزوج بشيء.
قال الشيخ: وإنما فرق بينه وبين البيوع، لأن طريقة النكاح المكارمة، وطريقة البيوع المكايسة.
ولكن قد قال في كتاب العرايا: إن الجائحة في العرية، وهو باب رخصةٍ ومرفقٍ لا باب مكايسة.
فجعل ذلك كالبيوع، وكان ينبغي ألا يجعله في العرايا كالبيوع؛ لأنه معروفٌ لا معاوضةً فيه، ويجعله في النكاح كالبيوع، لأنه معروفٌ، معاوض فيه، وقد قال مالك: أشبه شيءٍ بالبيوع النكاح.
ومن المدونة: قال مالك: وإن تزوجها على بيتٍ أو خادمٍ ولم يصف ذلك جاز النكاح ولها خادمٌ وسط، والبيت الناس فيه مختلفون، إن كانت من
الجزء: 9 - الصفحة: 180
الأعراب فلهم بيوتٌ وشورةٌ قد عرفوها، وشورة الحضر لا تشبه شورة البادية.
قال مالك: وإن تزوجها على شوار بيتٍ إذا كان الشوار شيئاً معروفاً عند أهل البادية والحاضرة.
قال ابن القاسم: ولكلٍ قدره من الشوار.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن تزوج ببقعةٍ على أن يبنيها للمرأة، فإن كانت بقعةً بعينها في ملكه ووصف الطول والعرض والبناء فذلك جائزٌ، وإن كان البيت الذي يبنيه مضمونٌ عليه فقد أفتى أبو محمد أن ذلك لا يجوز.
قال الشيخ: وكذلك السلم في البيت.
قال الشيخ: لأن ذلك يرجع إلى السلم في شيءٍ معين، لأنه لابد أن يصف البناء والموضع، فيؤدي ذلك إلى تعيينه، وهذا ظاهر ما في كتاب ابن حبيب، وعند ابن المواز ما يدل على خلافه.
الجزء: 9 - الصفحة: 181
[فصل 4 - في الصداق إذا كان غير موصوف]
وإن نكح على مئة بعيرٍ، أو شاةٍ، أو بقرةٍ، ولم يصف ذلك جاز النكاح، وعليه وسط من الأسنان، وكذلك على عبدٍ بغير عينه ولم يصفه ولا ضرب له أجلاً فالنكاح جائزٌ ولها عبدٌ وسطٌ حالٌ، وليس للزوج دفع قيمته إلا أن ترضى المرأة.
قال في كتاب ابن المواز: ومن نكح من رقيقٍ ذكر العدد، ولم يذكر حمراناً ولا سوداناً فلها الوسط من الأغلب في البلد، وكذلك في المستخرجة.
قال ابن المواز: فإن استويا في البلد نظر إلى وسط السودان ووسط الحمران، فأعطيت نصف ذلك.
- قال الشيخ: يريد من كل جنسٍ نصفه.
قال: وذلك على قدر قيمة ذلك يوم وقع النكاح، وكذلك إن طلق قبل البناء، وقال أصبغ، وقال: هي جيدة.
وفي العتبية عن مالك: وتعطى الإناث دون الذكور، وكذلك شأن الناس.
قال سحنون في كتاب ابنه: ومن نكح على خادمٍ لم يجز حتى يسمي جنس الأمة، فيكون عليه وسطٌ من ذلك الجنس لا من العلية، ولا من الوخش، وإذا كان مجملاً لم يجز، وفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده ولها صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 182
قال عبد الوهاب: وقال محمد بن عبد الحكم: لا يجوز إلا على معلومٍ مقدرٍ وهو قول الشافعي، ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام: "الصداق ما تراضى عليه الأهلون"، فلم يفرق، ولأن طريق النكاح المكارمة والمواصلة بخلاف البيع الذي طريقه المكايسة والمغابنة، بدليل أنه لا يفسد لعدم ذكر العوض في العقد، وهو التفويض.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تزوجها على عرضٍ موصوفٍ ليس بعينه ولم يضرب له أجلاً، فالنكاح جائزٌ، وهذا لا يحمل هاهنا محمل البيوع وهو على النقد، ألا ترى أنه يتزوج المرأة بمئة دينارٍ، ولا يسمي أجلاً فتكون نقداً، وكذلك إن اختلعت منه امرأته على عبدٍ فلم تسمه له، ولا وصفته، فعليها عبدٌ وسطٌ.
الجزء: 9 - الصفحة: 183
فصل [5 - في الصداق إذا فسد بالشرط]
ومن نكح امرأةً بألف درهمٍ على إن كانت له امرأةً أخرى فصداقها ألفان، فهذا من الغرر، وهذا مثل البعير الشارد فيما فسرنا.
قال مالك: وإن نكحها بألفين فوضعت عنه في هذا النكاح ألفاً على أنه لا يخرجها من بيتها، ولا يتزوج عليها، فله أن يخرجها ويتزوج عليها وليس لها إلا ألف.
قال ابن القاسم: وكذلك إن نكحها بألفٍ على أنه إن أخرجها من بلدها فمهرها ألفان، فله أن يخرجها ولا شيء عليه غير الألف.
قال الشيخ: يريد: وكذلك على أنه إن تزوج عليها فصداقها ألفان، فله أن يتزوج ولا شيء عليه غير الألف، بخلاف قوله: إن كانت له امرأةٌ أخرى.
قال مالك: ولو انعقد النكاح عليه بألف درهمٍ ثم حطت بعد ذلك نصفه على أن لا يخرج بها، أو لا يتزوج عليها ونحوه، ففعل ذلك، فلها أن ترجع عليه بما وضعت عنه إن فعل من ذلك شيئاً، وله أن يفعله.
وقال علي بن زياد: إن حطته في العقد من صداق مثلها لما شرط عليه لزمه ما حطته إن فعل من ذلك شيئا، وإن كانت الحطيطة مما ناف على صداق المثل لا يلزمه، ورواه ابن نافع عن مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 184
[الباب الثاني]
في الصداق يوجد به عيب أو يؤخذ بشفعة أو يؤخذ به رهن وفي صداق السر
[فصل 1 - في الصداق يوجد به عيب]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةٌ على تلالٍ خلٌ بأعيانها فوجدتها خمراً فهي كمن نكحت على مهرٍ فأصابت به عيباً، فلها رده، وترجع به، إن كان يوجد مثله، أو بقيمته إن كان لا يوجد مثله.
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران أنه قال: نحا سحنون في التي تزوجت على قلال خلٌ فأصابتها خمراً إلى ما ذكر ابن المواز: أنهما إذا دخلا على الجزاف في الصبرة ثم علم بعد ذلك كيلها، ثم استحق ما في يد البائع أنه يرجع بقيمة صبرته ولا يرجع بمثلها وإن عرف كيلها.
قال أبو عمران: والصواب أن يرجع في القلال بمثلها إذا كانت موجودة،
الجزء: 9 - الصفحة: 185
وكذلك في الصُّبْرَة.
قال الشيخ: يريد في القلال أنها تراق وتغسل جيداً وتملأ ماءً ثم يكال ذلك الماء فتعطى مثل كيله خلاً، وإن كانت للنصارى مكاييل مثل مكايلنا أكتيل ذلك الخمر بها، وأعطي مثله خلاً بمكايلنا، لأن تلك القلال نجسةً فلا يكال بها، وتكسر بعد ذلك لأنها لمسلم.
وقال غيره على قول سحنون: إنما لم يكن لها مقدار القلال، لأن من نكح بشيءٍ بعينه كصبرة بعينها فاستحقت فعليه قيمتها.
وفي المجموعة: قال ابن الماجشون: إذا تزوجها بشيءٍ يكال أو يوزن بعينه فاستحق رجعت بمثله.
قال الشيخ: فصار في هذا إذا تزوجها بجزافٍ مما يكال أو يوزن قولان: أحدهما: يرجع بمثله، والثاني: بقيمته.
قال مالك: وإن تزوجها على عبدٍ بعينه فقبضته ثم وجدت به عيباً فلها رده وترجع على الزوج بقيمته- يريد يوم عقد النكاح بخلاف البيع.
- ابن حبيب: كان ذلك قبل البناء أو بعده-.
قال مالك: وإن فات العبد عندها بعتق، أو بشيءٍ يكون فوتاً رجعت بقيمة عيبه، وإن حدث به عندها عيبٌ مفسدٌ فلها رده، وما نقصه وأخذ قيمته، أو حبسه وأخذ قيمة العيب القديم.
قال ابن القاسم: والخلع عندي مثل النكاح سواء، يكون للزوج في العيب مثل ما وصفنا للمرأة سواء.
وإن تزوجها على أمةٍ فأصابتها ذات زوجٍ ولم يخبرها به فذلك عيبٌ، ولها ردها وأخذ قيمتها، وكذلك الخلع في هذا سواء.
الجزء: 9 - الصفحة: 186
[فصل 2 - في الصداق يستحق بشفعة]
فإن تزوجها على غير مهرٍ مسمى، ففرض لها نصف دارٍ له فرضيت بذلك ففيه الشفعة بقيمته يريد إذا فرض لها ذلك قبل البناء، وأما إن دخل بها ثم فرض لها ذلك فإنما يأخذه الشفيع بصداق مثلها، وهي منصوصةٌ هكذا، وذلك بين.
[فصل 3 - في الصداق يؤخذ به رهن]
وإن تزوجها على صداقٍ مسمى، أو تزوجها ولم يفرض لها صداقاً، فأعطاها رهناً بالصداق المسمى أو بصداق مثله فهلك الرهن بيدها، فإن كان الرهن حيواناً فلا شيء عليها، والمصيبة من الزوج، وإن كان مما تغيب عليه المرأة فهو منها.
فص [4 - في صداق السر]
قال مالك: وإذا أظهر الزوجان مهراً وأسرا دونه أخذا بما أسرا إن شهد به عدول.
الجزء: 9 - الصفحة: 187
[الباب الثالث]
في ضمان الصداق عن ولده أو أجنبي في صحة أو مرض وكيف إن لم يضمن
[فصل 1 - في ضمان الأب الصداق عن ولده]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زوج ابنته وضمن لها الصداق في عقد النكاح أجزته.
قال ابن القاسم: ولا يرجع به الأب على الزوج، لأن ضمانه الصداق هاهنا على وجه الصلة والصدقة.
قال مالك: فإن مات الأب قبل أن تقبض البنت صداقها استوفته من مال أبيها، فإن لم يترك الأب شيئاً فلا شيء لها على الزوج إذا كان قد دخل بها.
قال ابن القاسم: فإن لم يكن دخل بها فلا سبيل للزواج إليها حتى يعطيها مهرها، وكذلك قال مالك فيمن قال لرجل: بع من فلانٍ فرسك والثمن لك علي، فباعه ثم هلك الضامن قبل أن يقبض البائع الثمن أن للبائع الثمن من مال الضامن فإن لم يدع شيئاً فلا شيء له على المبتاع، وكذلك من ضمن لأحدٍ شيئاً ليخرج من يده لأخر شيئاً على وجه الصلة.
وقال مالك فيمن زوج ابنه الصغير في حجره ولا مال للابن، أن الصداق على الأب، فإن مات الأب أخذته الزوجة من ماله، ولا يحاسب الورثة الابن بذلك ويدفع إليه ميراثه كاملاً مما بقي، فإن كان على الأب دينٌ كان للمرأة أن تحاصهم بصداقها.
الجزء: 9 - الصفحة: 188
قال: فإن كان للابن مالٌ لم يكن على الأب شيءٌ إلا أن يشترطه الأب على نفسه، ويضمنه عنه، فهو على الأب ولا يرجع به على الابن.
قال ابن المواز: إلا أن يكون ذلك من الأب على وجه الحمالة لا على وجه الحمل، فيكون للأب أو لورثته بعده الرجوع على الابن، وهذا إذا كان له يوم زوجه الأب مال، فإن لم يكن له يومئذٍ مال فإن ذلك على الأب على كل حال.
[قال ابن القاسم]: وكذلك لو كتبه على الابن فهو على الأب ولا ينفعه ما كتب.
وقال أصبغ: بل يكون ذلك على الابن.
قال ابن المواز: وقول ابن القاسم أحب إلينا أنه على الأب إلا أن يقول الأب: إني لست منه في شيء، وإنما لكم ذلك على ابني، فهذا إن علم [به] الابن بعد البلوغ وقبل الدخول كان فيه بالخيار إن شاء أن يلزمه نفسه ويثبت النكاح، وإن شاء لم يلتزمه ويفسخ النكاح، وإن دخل قبل أن يعلم وبعد البلوغ أسقط عنه ما فوق صداق مثلها، ويثبت النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 189
[فصل 2 - في ضمان الأب الصداق عن أجنبي]
ومن المدونة: قال مالك: والرجل الذي له الشرف يزوج رجلاً ويضمن صداقه، فهذا لا يتبعه بشيءٍ أيضاً.
قال ابن القاسم: وليست هذه الوجوه فيما سمعنا من مالك بمنزلة حمالة الديون التي يرجع من تحمل بها على الذي تحمل عنه، وإنما ذلك بمعنى الحمل والصلة، وليس كهبةٍ لم تقبض، وهو كمن وهب لرجلٍ مالاً فلم يدفعه إليه حتى قال لرجل: بعه فرسك بالذي وهبت له، وأنا ضامنٌ له حتى أدفعه إليك، فقبض الرجل الفرس فأشهد على الواهب بالذهب، فإن هذا يثبت للبائع على الواهب، فإن لم يقبض البائع الثمن حتى مات الواهب ولم يدع مالاً فلا يرجع البائع على الموهوب بشيءٍ من ثمن الفرس، وإنما وجب ثمن الفرس للبائع على الواهب، وكذلك الصداق، وعلى هذا ينبني، وهذا محمله.
قال مالك: وإن ضمن الأب صداق ابنه البالغ ودفعه عنه، ثم طلق الابن قبل البناء رجع نصف الصداق إلى الأب وليس للابن منه شيء، ولو لم يدفعه الأب رجعت عليه المرأة بنصفه ولا يرجع الأب على الابن بشيءٍ مما ودى عنه.
قال ابن حبيب: وإن ألفي النكاح فاسداً رجع إلى الأب ما ودى عنه، ولو تبارء الزوجان قبل البناء على المتاركة والنكاح صحيحٌ رجع الأب بما وداه، وسقط عنه إن لم يود، قاله ابن القاسم.
الجزء: 9 - الصفحة: 190
وقال ابن الماجشون: يرجع إلى الزوج النصف الذي يجب لها بالطلاق، كما لو باراها بعد البناء على رد الجميع الذي وجب لها بالبناء كان ذلك للزوج.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن العطايا إذا كانت في أصل عقد النكاح هل تفتقر إلى القبض؟
فقال: لا تفتقر إلى القبض، ولا تبطل بموت المعطي قبل القبض، لأنه باب معاوضةٍ لما نكح الزوج عليها.
قيل: فإن كان فيها غررٌ لعدم الصفة لما يعطى ونحوه أيبلغ به الفسخ؟
قال: لا، لأن العطايا إنما هي مشترطةٌ للمرأة لا للزوج، فلا يضر النكاح كونها مجهولة.
قيل: فإن طلق الزوج قبل البناء، أو ماتت، هل ترجع هذه العطايا إلى المعطي لسقوط النكاح الذي لأجله كانت العطايا؟
فقال: لا ترجع إليه، لأنه قد منع منها مرةً فلا ترجع إليه بطلاق المرأة، ولا بموتها كالاعتصار إذا طرأ ما يمنع منه ثم زال المانع أنه لا يرجع، وإن كان قد اختلف في بعض ذلك إذا زالت موانع الاعتصار، ولكن لا يدخل هذا الاختلاف في مسألتك.
قيل: فهذه العطايا إنما كانت مشترطةً بهذا النكاح ولأجلها نكح الزوج وزاد في الصداق، وإذا زال النكاح وجب زوالها بزواله، كما إذا حمل صداق ولده ثم طلق الولد قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب؟
الجزء: 9 - الصفحة: 191
فقال ليس هذا سواء، لأن الصداق هاهنا عوض البضع، فإذا زال ملك الزوج عن البضع زال الصداق الذي بسببه أعطيه الزوج، وفي مسألتك العطايا لست عوض البضع إنما هي عطايا للزوجة فليس له رجوعٌ فيما أعطي لها، وليس له حكمٌ بينه وبين الزوج.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا من أهل بلدنا: إذا انفسخ النكاح قبل البناء رجعت العطايا إلى الأب كالذي حمل الصداق عن ابنه الكبير ثم طلق قبل البناء أن نصف الصداق يرجع إلى الأب، وأعاب بعض فقهائنا هذا القول وغلطه وصوب قول الشيخ أبي بكر بن عبد الرحمن، واحتج بمثل حجته، وزاد بأن قال: الصداق عوضٌ عن البضع، وإنما يجب جميعه بالبناء فمتى سقط منه شيءٌ رجع ذلك إلى الحامل، وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن العطايا وعن البضع، ولا الزوج كالمشتري لها إذا زاد من أجلها، ولو كان ذلك لكان النكاح فاسداً، وإنما زيادته في الصداق من أجلها كزيادته لجمالها.
قال الشيخ: وظهر لي أن القياس ما قاله بعض شيوخنا، وأنه لا فرق بين حمله عن ولده الصداق- وبذلك انعقد نكاحه- وبين إعطائه عراً، وإعطاء ابنته عرضاً، وعليه انعقد النكاح، فإذا انفسخ العقد الذي من أجله كانت العطايا
الجزء: 9 - الصفحة: 192
يوجب انفساخها، وكأن الأب قال للزوجة: تزوجي ابني وأنا أصدق عنه من مالي مئة دينارٍ، أو قال لرجلٍ: تزوج ابنتي وأنا أعطيها من مالي مئة دينارٍ، فعقدا على ذلك، ثم انفسخ النكاح، لوجب أن يرجع في عطيته، وهكذا كمن قال لرجل: بع من فلانٍ سلعتك بمئة، وأنا أعطيك المئة، فانعقد الأمر على ذلك ثم استحقت السلعة، أو وجد بها عيباً فردت، أنه يرجع في عطيته، لأنه إنما أعطاه ذلك من أجل البيع فلم يتم، فلا تتم عليه العطية.
وأما قوله: وليس الصداق في الحقيقة عوضاً عن البضع والعطايا، ولو كان كذلك كان فاسداً.
فنقول: إن الصداق في الحقيقة عوضٌ عن البضع والعطايا، ألا ترى أن الأب إذا أعدم بالعطايا كان للزوج فسخ النكاح، فلو لم يكن عوضاً لما وجب فسخه، ولم يفسد ذلك النكاح، لأن العطية ليست للزوج، وإنما هو كمن قال: أعط فلاناً ثوباً وأنا أشتري سلعته بمئة دينار، فإذا انفسخ البيع انفسخت العطية، لأن الهبة للبيع تنفسخ بانفساخه، سواءٌ كانت للمشتري أو لغيره، وهذا بين، والله أعلم بالصواب.
ومن المدونة: ابن وهب: قال ربيعة: ومن زوج ابنه الصغير، والابن مليءٌ فالصداق على الابن وإن لم يكن مليئاً فعلى الأب.
الجزء: 9 - الصفحة: 193
قال أبو الزناد: أو جعله على الابن فيلزمه.
وقال يحيى بن سعيد: ومن زوج ابنه صغيراً أو كبيراً ولا مال له فالصداق على الأب عاش أو مات، فإن كان لواحد منهما فلذلك عليه إلا أن يشترطه الأب على نفسه.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: معنى قول يحيى: أو كبيراً، يريد: سفيهاً.
قال الشيخ: وذلك عندي سواء، لأنه هو عقد عليه، فالصداق عليه إلا أن يظهر أنه على الابن كالوكيل يشتري سلعة فالثمن عليه إلا أن يقول: الموكل ينقدك دوني.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: إذا كان الولد صغيراً لا مال له فزوجه الأب فالصداق على الأب، ولا يلزم الابن منه شيء وإن أيسر، ولا يرجع به الأب على الولد إذا أيسر الابن، وإنما ذلك بمنزلة ما أنفق عليه.
وإن زوجه بنقد ومؤخر، فدفع النقد ثم أيسر الولد فأراد الأب أن يجعل مؤخر الصداق على الابن فليس ذلك له، وهو على الأب كله.
الجزء: 9 - الصفحة: 194
قال عبد الوهاب: إذا زوج الأب ابنه الصغير، فإن سمى الأب الصداق عليه لزمه وكان ديناً عليه للمرأة، وإن أطلق فلم يسم على من الصداق نظر، فإن كان للصبي مالٌ فالصداق عليه، لأن من شرط عقود المعاوضات أن يكون العوض على من يملك المعوض، كما لو اشترى له ثوباً أو عقاراً، وإن لم يكن له مالٌ فالصداق على الأب، لأنه ليس من النظر أن يلزم الأب ذمة الابن ديناً لا يحتاج إليه، لأن الصبي لا يحتاج إلى التزويج، فإن أيسر الابن لم ينتقل الوجوب إليه، لأنه استقر على الأب، وإن أعسر الأب بعد بلوغ الابن وقبل دخوله، وقالت المرأة: لا أسلم نفسي إلا بعد قبض الصداق، قيل للابن: إن أردت فأد الصداق وادخل، وإلا فطلق ولا يلزمك شيء.
[فصل 3 - في ضمان الأب الصداق في مرضه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ومن زوج ابنه الصغير في مرضه وضمن صداقه لم يجز الضمان، لأنه وصيةٌ لوارث، وجاز النكاح، فإن شاء الابن البناء وهو كبيرٌ ودى الصداق ودخل بزوجته، وإلا لم يلزمه الصداق، وفسخ النكاح.
ابن المواز: قيل لمالك: فإن بلغ الابن في مرض أبيه فدخل بها، وقبضت المرأة صداقها من الأب، ثم مات الأب؟
الجزء: 9 - الصفحة: 195
قال: فالصداق مردود على ورثة الأب، ولا يكون ذلك لها، لأنها عطية لوارث، فيكون صداقها ديناً على زوجها تتبعه به.
قال ابن المواز: ولا يحال بينه وبينها لذلك، وذلك إذا بقي في يديها ربع دينار، وإلا حيل بينهما حتى يدفع ربع دينار.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان الولد صغيراً وله مال نظر فيه وليه أو وصيه، فإن رأى في إجازة ذلك غبطة دفع إليها الصداق من مال الولد، وثبت النكاح، وإن رأى غير ذلك فسخه، وإن طلبت الزوجة ذلك في مرض الأب لم يكن لها شيء من مال الأب، وقد قال مالك فيما يضمن الأب عن ابنه في مرضه: لا يعجبني هذا النكاح.
قال ابن القاسم: وإن صح الأب لزمه الضمان ثم إن مرض بعد صحته فقد ثبت عليه الضمان.
قال ابن المواز: وإن ضمن الأب صداق ابنته في مرضه فابن القاسم وأشهب يريانه كالوصية لابنته فهي باطلة إن مات.
وقال ابن وهب وعبد الملك: هو وصية للزوج من الثلث، وقاله مالك.
ابن المواز: وهو القياس إلا أن يكون أكثر من صداق مثلها فترد الزيادة، فإن طلقها قبل البناء وقبل موت الأب فلها نصف المهر من ثلثه، ولا شيء للزوج في النصف الباقي، لأنها عطية لزمته في نكاحه، فما لم يجب عليه فهو عطية لم تقبض، وما وجب عليه فهو كالمقبوض.
قال ابن الماجشون: وقال ابن دينار وغيره من أصحابنا: إن طلقها قبل البناء فلا شيء لها من تركة الأب، لأنه أعطاها على أنه إن هي دخلت تمت لها وإن طلقت أخذت بمعنى الوصية للوارث.
الجزء: 9 - الصفحة: 196
وخالف ذلك عبد الملك وأخذ بقول مالك.
قال ابن المواز: وهو الصواب.
وقد سئل أشهب فيمن أقر في مرضه أنه قبض صداق ابنته، ولم يدخل بها زوجها، ثم مات الأب؟
فقال: إن ترك مالاً أخذ من ماله.
قال ابن المواز: فقد ترك قوله الأول لهذا، لأنه لو كانت الأولى عطيةً لابنته كانت هذه مثلها، لأنه إنما يخرج ذلك من ماله لابنته، فهو بمنزلة ما لو قال: ادفعوا ذلك لها عن زوجها.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: إذا زوج ابنه الصغير ولا مال للابن وشرط في عقد نكاحه أن يعطيه داراً أو مالاً نحا بعض شيوخنا من أهل بلدنا أن الصداق يكون على الابن لا على الأب، لأنه صار موسراً بما أعطاه الأب.
قال: وفي المسألة نظر، لأنه لم يتقدم يسره بهذا المال قبل عقد النكاح، وإنما صار موسراً بعد عقد النكاح.
قال الشيخ: والصواب ما قال الشيخ، لأنه معلوم أنه لم يتم العقد إلا بيسره، فهو كالموسر قبل العقد، وإنما العلة أن يكون له مالٌ، وبالعقد يؤخذ منه الصداق، وذلك موجودٌ في هذا، وأما الفقير فالأب كالمشتري له، فالثمن عليه، إذ لا حجة بأن يقول: يدفع ذلك من ماله، وهو لا مال له.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 197
ابن حبيب: ومن زوج ابنه الصغير أو الكبير أو أجنبياً وضمن صداقه ثم قال الأب: إنما أردت الحمالة، أو قاله ورثته بعد موته، وقالت الزوجة أو الابن أو الأجنبي: بل أراد الحمل، فإن لم تذكر البينة تفسير ذلك فهو على الحمل حتى ينص على الحمالة نصاً، قال ابن الماجشون.
قال الشيخ: لأن العرف في ضمان الصدقات أنه على الحمل حتى يشترط غيره.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوج الصغير واشترط عليه شروط بتمليكٍ وعتقٍ وطلاقٍ فأجاز وليه ذلك، أو زوجه وليه على ذلك فلا يلزمه منها شيء إلا أن يلزمها نفسه بعد البلوغ، وإذا بلغ قبل البناء وعلم بالشروط ودخل عليها لزمته، وإن بنى ولم يعلم بها لم يلزمه منها شيء.
قال: وإذا لم يرض قبل البناء بالشروط قيل له: إما أن ترضى، أو تطلق وتغرم نصف الصداق.
قال أصبغ: وإذا اختار الفسخ فلا شيء عليه ولا على أبيه إذا لم يدخل، ولو كان يوم زوجه لا مال له.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا، إلا أن تسقط المرأة الشروط فيلزمه النكاح كرسول الرجل يزوجه بشرط، فإن بنى بعد العلم لزمه، وإن لم يبن ولم يرض فإما رضيت بغير شرطٍ وإلا فسخ ولا شيء عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 198
قال أصبغ: ولا على الرسول إن كان زعم أنه أمره بذلك.
قال في غيره: ولو قال الصبي: شرط هذا علي وأنا صغيرٌ، وقال أولياء المرأة: بل وأنت كبيرٌ، فعلى الزوج البينة وإلا حلف أولياء المرأة، ولزمته تلك الشروط.
الجزء: 9 - الصفحة: 199
[الباب الرابع]
في حد الصداق وفي الصداق بأقل من ربع دينار
[فصل 1 - في حد الصداق]
قال بعض البغداديين: لا حد لأكثر الصداق إجماعاً، وأقله عندنا ربع دينار من الذهب، أو ثلاثة دراهم من الورق، أو ما يساوي أحدهما، بناءً على القطع في السرقة، لأنه عضو محرم، تناوله بحق الله تعالى، لا يستباح إلا بمال، فوجب أن يكون مقدراً كمثل ما يقطع فيه السارق، ولأن المهر في النكاح حق لله بدليل أنهما لو تراضيا على إسقاطه لم يجز، وحقوق الله في الأموال مقدرة كالزكاة والكفارات.
[فصل 2 - في الصداق بأقل من ربع دينار]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فأقل الصداق ربع دينارٍ، فمن نكح بدرهمين أو بما يساويهما فإن رضي الزوج أن يتم لها ثلاثة دراهم ثبت النكاح، وإن أبى فسخ النكاح قبل البناء، وإن كان قد دخل بها جبر على أن يتم لها ثلاثة دراهم، ولا يفسخ لاختلاف الناس في هذا الصداق، لأن منهم من قال: ذلك صداقٌ جائزٌ، ومنهم من قال: لا يجوز.
الجزء: 9 - الصفحة: 200
وقال غيره: يفسخ قبل البناء، وإن أتم الزوج ربع دينار، ويفسخ أيضاً بعد البناء، ولها صداق مثلها، وهو كمن تزوج بلا صداق.
قال ابن القاسم: وإن طلقها قبل البناء فلها نصف الدرهمين لاختلاف الناس في أنه صداق.
قال ابن المواز: قال مالك: أقل الصداق من الذهب ربع دينار، ومن الورق ثلاثة دراهم، ومن العروض ما قيمته ثلاثة دراهم، ومن تزوج بدرهمين فإن لم يدخل خير، فإن أتم لها ثلاثة دراهم وإلا أوقعت عليه طلقة، وكان لها نصف الدرهمين، وإن دخل فقال عبد الملك: يلزمه تمام صداق المثل.
وقال ابن القاسم وأشهب: يتم لها ثلاثة دراهم.
قلت: فقول ربيعة: يجوز بدرهم، وقال يحيى بن سعيد: يجوز بسوطٍ ونعلين؟ قال: ولو أجزته بدرهم لأجزته بأقل منه إلى ما لا يكون صداقاً.
وقد أجمل الله سبحانه ما يقطع فيه اليد في السرقة، فوقت النبي عليه الصلاة والسلام فيه ربع دينار، فهو مما له بالٌ، فلا يباح الفرج بما لا بال له، وهو يأتي كالعضو.
وأما يحيى بن سعيد في قوله: بسوطٍ ونعلين، فقد استثنى إن كان ذلك صداقاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 201
قال الشيخ: وقال الأبياني في كتابه: إن أبى أن يتم لها ربع دينارٍ فرقنا بينهما بطلقةٍ، ولا شيء لها، لا نصف الدرهمين ولا غيره.
ورجح ابن الكاتب هذا، وقال: هو الذي يوجبه النظر، لأنه إذا كان الفسخ من الصداق من أجل أنه عندنا ليس بصداقٍ فكيف يعطى نصف ما وجب الفسخ من أجله؟ ولأنه إنما يفسخ بحكمٍ فكيف يكون حكمه بالفساد، ومن أجل فريضته حكم بصحة الفريضة، إذ لا تستحق الزوجة إلا نصف ما يصح، وليس الفسخ كطلاقه إياها، كاختلاف الزوجين في مقدار الصداق قبل البناء لأنهما إذا تحالفا انفسخ النكاح، ولم يكن عليه من الصداق شيء، وإذا طلق قبل التحالف لزمه نصف ما أقر به وإن كان قادراً إذا حلفت الزوجة على أن لا يحلف ويتم لها ما قالته وتبقى على نكاحه، فهو كالمتزوج بدرهمين، إذ له البقاء على النكاح بتمامه ربع دينار، فإذا لم يتمه فسخ، وإن طلق لزمه نصف الدرهمين.
قال الشيخ: والصواب ما قاله ابن المواز وإليه ذهب أبو الحسن، وإنما كان لها في الفسخ نصف الدرهمين لأن بعض العلماء يراه نكاحاً صحيحاً لا يجوز فسخه، ويسعده حديث الموطأ، وإنما فسخه عندنا على طريق
الجزء: 9 - الصفحة: 202
الاستحباب، إذ لو كان فاسداً لم يجب الثبات عليه وإن أتم ربع دينار، فراعينا الخلاف فيه لقوته، وجعلنا حكمه حكم من طلق، إذ لو شاء الثبات عليه لأتم ربع دينار، فإن لم يتمه صار كمختارٍ للطلاق، فوجب عليه لذلك نصف الدرهمين، وليس ذلك كالاختلاف في قدر الصداق، لأن هذا لو رضيت الزوجة بقول الزوج لتم، ولا يجوز لها الرضى بالدرهمين، ولأن النكاح في الاختلاف في الصداق صحيحٌ بإجماع، وإنما اختلفنا في ثمنه كاختلاف المتبايعين في الثمن، والعلل مفترقةٌ، وعلى العلل يقاس لا على الجواب.
وما روى مالك في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءته امرأةٌ فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قياماً طويلاً، فقال رجل: يا رسول الله زوجنيها إن لم تكن لك بها حاجة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل عندك من شيءٍ تصدها إياه؟ " فقال: ما عندي إلا إزاري هذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك، فالتمس شيئاً"، فقال: ما أجد شيئاً، قال: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فالتمس فلم يجد شيئاً، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هل معك من القرآن شيء؟ " قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، لسورٍ سماها، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "قد زوجتكها بما معك من القرآن"، قال مالك: ليس عليه العمل.
الجزء: 9 - الصفحة: 203
قال عبد الوهاب: ويستحب لمن تزوج أن يدفع شيئاً من الصداق قبل الدخول، وأقله أقل ما يستباح به الفرج وهو ربع دينار، لأنه عليه الصلاة والسلام فعل ذلك لما زوج فاطمة من علي رضي الله عنهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 204
[الباب الخامس]
في المرأة تحدث في الصداق هبة أو عتقاً أو بيعاً أو شراء أو زكاة أو غير ذلك
[فصل 1 - فيما تملك به المرأة الصداق ملكاً مستقراً]
قال بعض أصحابنا البغداديين: الأصل عندنا أن المرأة تملك الصداق بالعقد والتسمية ملكاً غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول، لأنه لو كان ملكاً مستقراً لم يجز أن يبطل بعد استقراره، وقد ثبت أنها لو ارتدت أو كانت أمةً فعتقت فاختارت نفسها قبل الدخول لم تستحق شيئاً، لأن الفسخ من قبلها، ولو طلقت قبل البناء لملكت النصف، فدل أنه غير مستقر، وإنما يستقر بالموت أو بالدخول.
[فصل 2 - في المرأة تحدث في الصداق هبة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا وهبت المرأة صداقها للزوج بعد أن قبضته أو قبل وهي جائزة الأمر ثم طلقها قبل البناء فلا رجوع له عليها بشيء، ولو وهبته نصفه فله الربع عليها إن قبضته، أو لها عليه إن لم تقبضه، وكذلك في هبتها ستين من مئةٍ أو أربعين وقبضت الباقي فإنما عليها نصف ما قبضت.
قال الشيخ: وكان لم يصدقها غيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 205
ومن كتاب محمد: وإذا وهبته قبل البناء جميع صداقها جبر على أن لا يدخل بها حتى يعطيها ربع دينار فأكثر، فإن لم يفعل حتى طلق فلا شيء عليه، ولو قبضته ثم وهبته فلا شيء لأحدهما على الآخر.
ومن العتبية: ابن القاسم: ومن تزوج بكراً بمئة دينارٍ فأعطته ذلك من عندها، ثم علم الأب فالنكاح ثابت بنى بها أو لم يبن، ويرد ما أخذ منها، ويغرم المئة من ماله، كالعبد يعطي مالاً لمن يشتريه.
قال في رواية عيسى: ومن أعطته امرأةٌ مئة دينارٍ يتزوجها بها، فإن كانت ثيباً فزادها على ما أعطته ربع دينار فالنكاح جائز، وإن كانت بكراً ولم يبن بها فإن أتم لها الصداق وإلا فسخ، وأصل النكاح صحيح، وإن بنى فلها عليه صداق المثل.
ثم رجع فقال: النكاح ثابتٌ بنى أو لم يبن، فإن كانت بكراً فعليه أن يعطيها من ماله مثل ما أعطته، وإن كانت ثيباً فزادها من ماله ربع دينارٍ لم تكن لها حجة.
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران فيما جرى من عادتهم بالقيروان في رد النقد إلى الزوج، أن ذلك نكاحٌ وسلفٌ لا يجوز إذا وقعت الغيبة على النقد، ولو لم يغب عليه واشترط ذلك كان النكاح صحيحاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 206
فإذا فسد النكاح فيما ذكرناه فسخ قبل البناء وثبت بعده، لأنه فسادٌ في الصداق، ويكون لها صداق المثل.
ومن المدونة: قال مالك: وأن وهبت مهرها لأجنبيٍّ قبل قبضه وهي جائزة الأمر فإن حمله ثلثها جاز، وإن جاوز الثلث بطل جميعه إلا أن يجيزه الزوج.
وقال ابن القاسم: إذا حمله الثلث وكانت جائزة الأمر فلم يقبضه الموهوب له حتى طلقت قبل البناء، فإن كانت موسرةً يوم طلقها فللموهوب أن يأخذ من الزوج جميع الصداق، وللزوج الرجوع عليها بنصفه، وإن كانت يوم طلق معسرةً حبس الزوج نصفه ودفع نصفه إلى الموهوب له، ولو قبض الأجنبي جميعه قبل الطلاق لم يرجع عليه الزوج بشيء، كانت الزوجة يوم الهبة موسرة أو معسرة، أو الآن، لأن دفعه ذلك إليه وهي معسرةٌ إجازةٌ لما فعلته، ويتبع الزوج المرأة بنصفه.
ابن المواز: وروي لابن القاسم: أن للمرأة أن ترجع على الموهوب بما تغرم للزوج، وهذا خلاف لقوله الأول.
ومن المدونة: قال غيره: إذا كانت يوم الهبة موسرةً ولم يقبضه الموهوب حتى طلقت لم ينظر إلى عسرها يوم الطلاق، وعلى الزوج دفع جميعه إلى الموهوب وللزوج متابعتها بنصفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 207
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه لما كان ملكها للصداق ملكاً غير مستقر وأن للزوج أن يطلق فيستحق نصفه كانت هبتها لذلك النصف ضعيفة لحق الزوج فيه، ولقول من يرى أن الهبة لا تتم إلا بالقبض فلما ضعفت لهذا استحسن ابن القاسم أنها إن كانت موسرة يوم الطلاق كان على الزوج دفعه إلى الموهوب، لأن الزوجة أملك به قبل الطلاق، وإذ لا ضرر عليه في ذلك، لأنه يرجع عليها بحقه، وإن كانت معسرة كان له حبس نصفه لحقه فيه، ولمراعاة الخلاف، ولما يلحقه من الضرر.
ووجه قول غيره: أن الزوجة لما كانت أملك بجميع الصداق قبل الطلاق، وكان ثلثها يوم الهبة يحمله، كانت هبتها فيه جائزة، ولا كلام للزوج فيه، فلا ينظر إلى ما حدث بها بعد ذلك، وعلى الزوج دفعه إلى الموهوب، لأنه كان له ديناً عليه.
قال الشيخ: وذكر أن أبا عمران قال: قول الغير أقيس، لأن هبة الدين إذا كان في ذمة فهو مقبوض، سواء مات الواهب أو أعدم، وابن القاسم ضعف أن يكون مقبوضاً وكأن الزوج عنده أدرك عين شيئه فهو أولى به.
وانتصر ابن الكاتب لابن القاسم فقال: الحيازة التي كانت من الزوج قد انكشف أنها لم تكن للموهوب في جميع الصداق، وإنما كانت في نصفه لظهور استحقاق الزوج، فإن كانت موسرة مضى فعلها، لأنها فعلت ما يجوز لها وهي معطية عوضاً مما وهبت- يريد وإذا كانت معسرة بحق الزوج في النصف أبد الاستحقاق ذلك بالفراق يوم الطلاق، وأن الزوجة لا تستحق إلا نصفه، فكان الزوج أولى بأخذ ما نص له في القرآن من موهوب لا يستحق ذلك واهبه.
الجزء: 9 - الصفحة: 208
وقد أطال في ذلك الحجاج فاقتصرت على بعضه ومفهومه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أصدقها حيواناً بعينه فقبضت ذلك المرأة، ثم وهبته لأحدٍ وهي جائزة الأمر، ثم طلقها الزوج قبل البناء، كان له عليها نصف قيمته يوم وهبته، نما عند الموهوب أو نقص.
وقال بعض الرواة: بل نصف قيمته يوم قبضته، لأنها ضامنة له لو هلك.
قال الشيخ: وقول مالك أولى، لأنها لم تضمنه بالقبض فيلزمها إذا تعدت فيه قيمته يوم قبضت كالغاصب، أو كالبيع الفاسد، بل كان ضمانه منه، لأنه لو مات ثم طلق الزوج قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، فقبضها وغير قبضها سواء، فإنما يلزمها قيمته يوم أحدثت فيه ما أحدثت.
[فصل 3 - في المرأة تحدث في الصداق بيعاً أو عتقاً]
قال ابن المواز: ولو باعته ثم طلقها قبل البناء جاز بيعها، ورجع الزوج عليها بنصف الثمن.
الجزء: 9 - الصفحة: 209
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولو نكحها بعبدٍ بعينه فدفعه إليها فأعتقته ثم طلقها قبل البناء، فله عليها نصف قيمته يوم أعتقته.
ابن المواز: وقال عبد الملك: بل نصف قيمته يوم قبضته، ولا يعجبنا ذلك، لأن ضمانه منه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يرد العتق موسرة كانت أو معسرة، لأنها إن كانت يوم أعتقته موسرة لم يكن للزوج كلام، وإن كانت معسرة وقد علم الزوج بعتقها فلم يغير ذلك جاز العتق فإن علم ذلك وأنكر عتقها وهي معسرة كان له رد العتق، ولا يعتق من العبد شيء، لأن مالكاً قال: إذا أعتقت المرأة عبدها وثلثها فإنه يعتق عليها النصف الذي صار لها.
وقال أشهب في غير المدونة: لا يعتق إذا رد الزوج عتقها أولاً.
وقال أشهب وعبد الملك: وروي لمالكٍ أن ذات الزوج إن أعتقت ثلث عبدٍ لا تملك غير ذلك العبد، خير الزوج، فإما أجازه فيعتق جميعه، أو يرده فلا يعتق منه شيء.
وقال ابن القاسم: يعتق ثلثه فقط وإن كره الزوج، ورواه عن مالك.
ومن المدونة: ابن القاسم: ولو تزوجت ولها عبدٌ لا مال لها غيره، فأعتقته كله فرد الزوج عتقها ثم مات عنها أو طلقها، فإنه يعتق عليها الآن جميعه.
وقد قال مالك في المفلس إذا رد الغرماء عتقه ثم أفاد مالاً: أن العبد يعتق عليه، فأرى الزوجة في عتقها بمنزلة المفلس في عتق عبده فيما وصفنا.
الجزء: 9 - الصفحة: 210
وقد بلغني عن مالكٍ أنه قال في الزوجة: يعتق عليها العبد إذا مات زوجها أو طلقها، ولا أدري هل كان يرى أن يقضى بذلك عليها أم لا؟ والذي أرى ألا تستخدمه ويعتق عليها بغير قضاء.
قال الشيخ: وفي العتق الأول وجه ذلك والفرق فيه.
وفي كتاب محمد قال ابن القاسم: وإن كانت غنماً فزكتها، رجع بنصفها ناقصة، ولو كانت مئتي درهم فزكتها، رجع بمئةٍ كاملة.
ابن المواز: لأنها في العين ضامنة، والنماء فيها لها، وما ادعت أنه تلف مما قبضت صدقت فيما يصدق فيه المستعير والمرتهن مع يمينها، وما يغاب عليه من عين أو عرض فلا تبرأ من ضمانه إلا ببينة، قال ابن القاسم وعبد الملك.
قال أصبغ: وأرى في العين خاصة أنها تضمنه وإن قامت ببينةٌ بهلاكه بغير تفريط.
قال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ، ولا تضمن إذا قامت البينة بهلاكه إلا أن تحركه لغير جهازها، وهو كالوديعة.
قال عبد الملك: ولو لم يطلقها فادعت تلف ما يغاب عليه، وطالبها أن تتجهز بالصداق فليس ذلك له، لأنه مالها ضاع، فلا تضمن مالها، وعليها اليمين، وبالطلاق يصير مالاً له.
وقال عبد الملك في العتبية: عليها أن تخلف ذلك من مالها إذا لم تقم بينة بهلاكه لتشتري به جهازها.
الجزء: 9 - الصفحة: 211
ابن المواز: قال أصبغ: ولو اشترت بالعين جهازها بأمرٍ معروفٍ ظاهرٍ فضاع أو تلف لم تضمن، كما لو أصدقها ذلك بعينه.
قال ابن المواز: وما أكلت من مهرها فإن طلق قبل البناء حوسبت به، وإن لم يطلق وبنى فلا شيء عليها، وقال ابن عبد الحكم عن مالك في المرأة المحتاجة: لها أن تأكل من صداقها بالمعروف وتكتسي، وروي مثله عن ابن القاسم في العتبية.
[فصل 4 - في المرأة تحدث في الصداق شراء]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ بألف درهم، فاشترت منه بها داره أو عبده أو ما لا يصلح لجهازها، ثم طلقها قبل البناء، فإنما له نصف ذلك، نما أو نقص، وهو بمنزلة ما لو أصدقها إياه، ولو أخذت منه الألف درهم ثم اشترت ذلك من غيره، رجع عليها إذا طلقها بنصف الألف درهم، وكان لها نماؤه وعليها نقصانه ومنها مصيبته.
قال الشيخ: لأنها انفردت بمنفعته دونه، ولم يدخل على ذلك.
قال مالك: إلا أن يكون ما اشترت من غير الزوج مما يصلحها في جهازها مثل خادمٍ وعطرٍ وثيابٍ وفرشٍ وأسرةٍ ووسائد وكسوةٍ ونحوه، فليس للزوج إذا طلقها إلا نصف ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 212
قال عبد الوهاب: لأن العرف شراء الجهاز بالصداق، فقد دخل الزوج على ذلك، وصارت كأنها فعلت ذلك بأمره وتصريحه، لقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾، ولأنه عليه الصلاة والسلام أخذ صداق فاطمة فصرفه في جهازها من طيبٍ وفرشٍ ووسائد على ما روي في الخبر، وفعله على الوجوب، ولأن علياً رضي الله عنه حكم بذلك في قضيةٍ ارتفع إليه فيها فقضى على الأب تجهيز ابنته بالصداق، وقال للزوج لما طلق وطلب نصف ما دفعه وقال: أعطيت دراهم وأخذت صوفاً وخرقاً قال: أنت أضعت مالك، ولم يخالف عليه أحد.
ومن المدونة: قال ابن وهب عن مالك: وليس للمرأة أن تحبس ذلك وتدفع إلى الزوج نصف ما نقدها، لأنه كان لذلك ضامناً، فلا يباع عليه ماله وهو كارهٌ إلا أن يرضى بذلك.
قال إسماعيل القاضي: إذا اشترت بصداقها من زوجها داراً أو عبداً فإنما ينزل أمرها على التخفيف عنه، إلا أن يتبين أنها إنما قصدت الشراء منه كما تشتري من غيره، للرغبة في ذلك، فيرجع عليها حينئذ بنصف الصداق.
الجزء: 9 - الصفحة: 213
وذكر عن بعض شيوخنا: إذا تزوجها بدنانير ثم أعطاها فيها عرضاً فاستحق فإنما ترجع عليه بقيمة العرض، وكأن النكاح إنما وقع بذلك العرض والدنانير ملغاة، كما قال: إذا طلقها قبل البناء إنما له نصف العرض بمنزلة ما لو تزوجها به، وهذا بخلاف البيوع، لأن النكاح قد تظهر فيه التسمية في العلانية، ويكون في السر غير ذلك، وليس البيوع كذلك.
كما قال: لو تزوجها بثلاثين ديناراً عشرةٍ منها نقداً وعشرةٍ إلى أجلٍ، وسكتا عن العشرة الثالثة، فالرواية: أن هذه العشرة المسكوت عنها حالةً، وإنما فارق النكاح البيع في هذا، لما ذكرنا أن فيه سراً وإعلاناً، فأمره في غيرها ما وجهٍ يخالف البيوع فاعلمه.
الجزء: 9 - الصفحة: 214
[الباب السادس]
في نماء الصداق ونقصه وغلته وجنايته
[فصل 1 - في نماء الصداق ونقصه وغلته]
قال مالك: وكل ما أصدقه الرجل امرأته من حيوان أو رقيق بعينه تعرفه المرأة، أو دار أو غير ذلك مما هو بعينه، قبضت ذلك المرأة أو لم تقبضه فحال سوقه، أو نقص في بدنه، أو نما، أو توالد ثم طلقها قبل البناء، فللزوج نصف ما أدرك من هذه الأشياء يوم طلق على ما هو به من نقص أو نماء، لأنه في ذلك شريك لها.
قال ابن القاسم: ولا ينظر في هذا إلى قضاء قاض، لأنه كان ضامناً لنقصها.
قال مالك: ولو هلكت هذه الأشياء بيد المرأة ثم طلقها قبل البناء لم يرجع عليها بشيء، ولو هلك ذلك بيده كان له أن يدخل بها ولا صداق عليه، وتكون مصيبتها من المرأة.
قال ابن القاسم: ولو نكحها بعرض بعينه فضاع بيده ضمنه، إلا أن تعلم ذلك فيكون منها.
قال مالك: وإن تزوجها على حائط، فأثمر الحائط عند الزوج، أو عند المرأة، ثم طلقها قبل البناء والثمر قائم، فللزوج نصف ذلك كله وللمرأة نصفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 215
قال ابن القاسم: وما استهلك أحدهما من الثمر ضمن حصة صاحبه من ذلك، وما سقى أحدهما في ذلك كان له بقدر علاجه وعمله.
وكذلك إن نكحها بعبدٍ بعينه فلم يدفعه إليها حتى اغتله ثم طلقها قبل البناء فالغلة بينهما أيضاً.
وكذلك إن نكحها بأمةٍ بعينها فولدت الأمة عند الزوج أو عندها، أو اكتسبت مالاً، أو وهب لها، أو تصدق به عليها فذلك كله- إن طلقت قبل البناء- بينهما.
وكذلك ما غل أو تناسل من إبلٍ أو بقرٍ أو غنمٍ أو من جميع الحيوان، أو أثمر من شجرٍ أو نخلٍ أو كرمٍ فذلك كله بينهما.
ومن استهلك من ذلك شيئاً ضمن حصة صاحبه منه، إلا أنه يقضي لمن أنفق منهما بنفقته التي أنفقها فيه، ثم يكون له نصف ما بقي.
وقد قيل: إن كل غلةٍ أو ثمرةٍ للمرأة خاصة بضمانها، كانت في يدها أو في يد الزوج.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: قوله عليه الصلاة والسلام: "الخراج بالضمان"، فلما كان ضمان هذه الأشياء قبل البناء منهما كانت الغلة بينهما،
الجزء: 9 - الصفحة: 216
وهذا بين.
ووجه قول غيره: لما كان أن لو هلكت هذه الأشياء قبل البناء كان للزوج أن يدخل ولا شيء عليه صح أن ضمانها من الزوجة، فوجب أن تكون غلتها لها.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح، لأن ملك الزوجة للصداق ملك غير مستقر قبل البناء، فإذا وقع البناء صح ملكها له، ووجب عليه ضمانه، ولها غلته، فإذا طلق الزوج قبل البناء صح ملكها لنصفه، وملكه لنصفه، فوجب أن تكون الغلة بينهما.
قال ابن المواز: وقد قيل: الغلة والنفقة على المرأة، وأحب إلينا أن تكون النفقة من الغلة، فإن لم تكن غلة فلا نفقة على الزوجة.
قال: وما اغتلت فهلك بيدها من غير سببها لم تضمنه، وهي فيه مصدقةٌ مع يمينها إن أخذت في الغلة حيواناً، ولا تصدق في هلاك العين إلا ببينة.
وأما الزوج فهو ضامن لما اغتل من عينٍ وغيره، لأنه متعدٍ فيما يستغل وفي حبسه.
قال الشيخ: ولأن للمرأة استعجال العين، لأن ضمانه منها، سواء طلبت الزوج بالدخول أم لا، وسواءٌ كان الزوج صغيراً أو كبيراً، قاله ابن حبيب.
ابن المواز: وما فره أو نما في بدنه فلا رجوع لمن أنفق عليه منهما بما أنفق إلا من غلةٍ إن كانت لا تعدوها، وكذلك لو داوى مريضاً به.
الجزء: 9 - الصفحة: 217
قال ابن القاسم: ولو أنفقت على العبد في تعليم صنعةٍ نفقةً عظيمةً فلا رجوع لها بشيٍ من ذلك.
وكذلك قال مالك في رده بعيبٍ في البيع، وكذلك ما أنفقت في أدب الجارية وتعليمها الأدب والرقم، وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
قال الشيخ: يدل قوله، لو أنفقت عليه في مطعمٍ وملبسٍ رجعت بذلك لأن بذلك قوامه وحياته.
وقال ابن حبيب: لا ترجع بذلك، وهو خلاف.
الجزء: 9 - الصفحة: 218
فصل [2 - في جناية الصداق]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً بعبدٍ فجني عليه جنايةً ثم طلقها قبل البناء فأرش ذلك بينهما، ولو جنى العبد وهو في يد المرأة فدفعته بالجناية ثم طلقها بعد ذلك فلا شيء للزوج في العبد، ولا على المرأة إلا أن يحابي في الدفع لا يجوز محاباتها على الزوج في نصفه إلا برضاه، وإنما يجوز إذا دفعته على وجه النظر.
قال ابن المواز: وإذا حابت على الزوج كان الزوج على خياره في نصفه، إن شاء أجاز ذلك، وإن شاء غرم نصف الجناية وكان له نصف العبد، فإن مات العبد قبل خياره رجع عليها بما زادت نصف قيمته على نصف الأرش.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كانت المرأة قد فدته- يريد قبل الطلاق لم يأخذ الزوج منها نصفه، إلا أن يدفع إليها نصف ما فدته به.
ابن المواز: وإن حابت.
قال أبو محمد: يريد إلا أن تعطي أكثر من الأرش.
قال الشيخ: يريد لأنها إذا فدته بالأرش وإن كان أكثر من قيمته لم يكن للزوج حجة، لأنها لو أسلمته في الأرش لم يكن للزوج أن يأخذ نصفه إلا بدفع نصف الأرش، وذلك لها عليه إذا فدته به فلم تدخل عليه ضرراً.
الجزء: 9 - الصفحة: 219
فأما إن باعته وحابت في بيعه فإنه يرجع عليها بنصف المحاباة، والفرق أنه في البيع لا يستطيع الرجوع في نصفه، لأنها باعته في وقت كان لها البيع جائزاً، وقد أتلفت عليه بعض ثمن نصفه، فوجب له الرجوع به، وفي الجناية لم تتلف عليه شيئاً، لأنه على خياره في نصفه، وليس عليها واجبٌ أن تفتديه، فتكون قد أتلفت عليه شيئاً، لأن المجني عليه استحق رقبته، إلا أن تفديه بالأرش، وافتداؤه كاشترائه، وليس واجب عليها أن تشتريه، فلا تتكلف إخراج ثمنه، وقد فرق فيه بغير هذا، وهذا أبين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو جنى العبد وهو بيد الزوج- يريد قبل الطلاق- فليس للزوج دفعه، وإنما ذلك للمرأة، فإن طلقها قبل أن تدفعه وهو عنده أو عندها كان بمنزلتها في نصفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 220
[الباب السابع]
في الصداق يستحق أو بعضه، وزيادة الزوج فيه وتزويجه بمن يعتق عليها
[فصل 1 - في الصداق إن استحق كله أو بعضه]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على عبدٍ بعينه، أو أمةٍ بعينها، أو دارٍ بعينها فاستحق بعض ذلك، فإن كان الذي استُحِق من الدار في ضرر، كان لها أن ترد ببقيتها وتأخذ قيمتها، أو تحبس ما بقي وترجع بقيمة ما استحدث، فإن استحق منها مثل البيت أو الشيء التافه الذي لا ضرر فيه رجعت بقيمته فقط، وكذلك العروض.
وأما ما استحق من العبد أو الأمة من جزءٍ قل أو كثر فهي مخيرة في أن ترد في بقيته وترجع بقيمة جميعه، أو تحبس ما بقي منه وترجع بقيمة ما استحق.
وكذلك قال مالك في البيوع: إذا استحق من الدار أو النخل أو الأرضين الشيء التافه الذي لا ضرر فيه، لزم المشتري البيع ورجع بثمن ما استحق، وإن استحق من ذلك ما فيه ضرر- يعني عن الأجزاء- خير المبتاع بين أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويرجع بجميع الثمن.
وأما إن استحق جزء يسير من عبدٍ أو أمةٍ فللمبتاع أن يحبس ما بقي ويرجع بثمن ما استحق، أو يرد ما بقي ويأخذ جميع الثمن لضرر الشركة في العبد من منع السفر به، ومن الوطء في الأمة بخلاف الدار.
الجزء: 9 - الصفحة: 221
قال الشيخ: وأما لو استحق من الدار بيت أو ناحية بعينها وذلك يضر به في صفقته، فيفترق الحكم فيه في النكاح من البيوع عند ابن القاسم.
أما في البيوع فليس له أن يحبس ما سلم بحصته من الثمن، لأن حصة ذلك مجهولة لا تعلم إلا بعد التقويم، وهو قد وجب له الرد فصار الرضى بأخذه بحصته من الثمن بيعاً مؤتنفاً بثمنٍ مجهول.
وأما إذا استحق جزء شائع كالنصف أو الثلث فحصة ذلك معلومة، وفي النكاح يجوز الرضى بما بقي، كان المستحق جزءاً شائعاً أو معيناً، لأنه إنما يرجع في الوجهين بقيمة ما استحق كما لو استحقت الدار كلها، فإنما يرجع بقيمتها ولا ينفسخ النكاح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجها على عروضٍ أو رقيقٍ لها عدد فاستحق منها شيء فمحمله محمل البيوع، لأن مالكاً قال: أشبه شيء بالبيوع النكاح.
قال الشيخ: وهذه أيضاً مثل الأولى، إنما يستوي البيوع والنكاح إذا استحق من ذلك جزء شائع.
فأما إن استحق شيء معين وهو كثير مما يضر به في صفقته، ويوجب له رد جميع الصفقة، فيفترق البيوع من النكاح.
ففي البيوع لا يجوز له الرضى بما بقي، لأن حصته مجهولة، وفي النكاح يجوز لأنه في البعض وفي الجميع إنما يرجع بقيمة ما استحق.
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم فيمن تزوج بمالٍ فاستحق بعينه: فالنكاح ثابت، وإن بنى لم يمنع منها، واتبعته بمثله إن كان مما يقضى بمثله، أو
الجزء: 9 - الصفحة: 222
بقيمته إن كان مما يقوم، وإن كان لم يدخل تلوم له السلطان فإن جاء به وإلا فرق بينهما.
قال أصبغ: وأرى إن كان قد دخل فاستحق الجميع أن يمنع منها حتى يدفع ولو ربع دينار، أو يكون قد بقي منه لم يستحق ربع دينارٍ فلا يمنع، وتتبعه بما بقي.
ابن المواز: ولو استعار شيئاً أو سرقه فتزوج به لحيل بينه وبين امرأته وإن دخل حتى يدفع إليها جميع مهرها، كالمكاتب يقاطع سيده بشيءٍ سرقه.
- قال الشيخ: ولو كان شيئاً تقدمت له فيه شبهة ملك، وقد بنى فاستحق اتبعته به، كالمكاتب يقاطع سيده به-.
وإن لم يبين تلوم به السلطان، فإن جاء به وإلا فرق بينهما، وكذلك/ في كتاب ابن المواز.
وقال أشهب عن مالك فيمن تزوج بعبدٍ بعينه ودخل بها فاعترف أنه مسروق أو استعاره، فإنه يحال بينه وبينها حتى يدفع إليها مهرها، وقاله أشهب.
قال: ولو تزوج بعبدٍ ولده الصغير فلا سبيل لأحدٍ عليه، والمرأة حق به قرب ذلك أو بعد، موسراً كان الأب أو معدماً، ويتبع به في ذمته، وقاله مالك، وذلك كشرائه ذلك لنفسه، وكجواز عتق رقيقهم عن نفسه، فهو كأنه اشتراه لنفسه وأعتقه، أو تزوج به.
قيل: فلم كان إذا أعتقه عن نفسه يرد في عدمه، ولا يرد إذا أصدقه امرأته وهو عديم؟
الجزء: 9 - الصفحة: 223
قال: لأن من أعتق وهو عديم وعليه رد عتقه للدين، وهذا قد صار لولده عليه دين وهو ثمنهم، فلذلك رددت عتقه إلا أن يطول أمرهم، وأما المرأة فكأنه باعهم منها، وقد اشتراهم لنفسه من نفسه، فخرجوا من يده بالبيع، فليس ينقص على الغريم بيعه وشراؤه كما ينقص عليه عتقه.
ومن العتبية: قيل: فمن نكح بمالٍ حرام أتخاف أن يضارع الزنا؟
قال: إي والله، ولكن لا أقول به.
قال سحنون: ومن تزوج بعبدٍ اغتصبه فالنكاح ثابت وعليه قيمته، بخلاف الحر يتزوج به، إذ لا ضمان عليه في الحر، ويضمن العبد للعبد، ولو كانت الزوجة عالمة بغصبه فسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
وقد روى أصبغ عن ابن القاسم فيمن نكح بعبدٍ لغيره أو بحر، فلا يفسخ ذلك بحال، تعمد ذلك بمعرفته أو لم يتعمد.
قال أصبغ: وكذلك لو علمت هي بحرية الحر ولم يعلم هو إلا أن يعلما جميعاً فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
فصل [2 - في زيادة الزوج في الصداق]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على صداقٍ مسمى ثم زادها فيه بعد ذلك طوعاً فلم تقبضه حتى مات، أو طلق قبل البناء، فلها نصف الزيادة إن طلق، وإن مات لم تأخذ منه شيئاً، لأنها عطية لم تقبض.
الجزء: 9 - الصفحة: 224
قال عبد الوهاب: وقال شيخنا أبو بكر الأبهري وغيره من أصحابنا: القياس أن تجب لها الزيادة بالموت، لأنه لا يخلو أن تكون الزيادة حكمها حكم المهر أو حكم الهبة التي لا تستقر إلا بالقبض، فإن كانت كالمهر وجب استحقاقها بالموت وإن كانت كالهبة وجب ألا يجب لها نصفها بالطلاق قبل الدخول، لتأخير القبض، فلما وجب نصفها بالطلاق دل على أنها في حكم الصداق.
قال الشيخ: ولأنها لو كانت كالهبة لم يثبتها الدخول، لأن الهبات لا تستقر إلا بالقبض، وإنما هي كالهبة بعد البيع للبيع، حكمها حكم الثمن أنها وإن قبضت ثم ردت السلعة بعيبٍ فإنها ترد مع الثمن، ولو كانت هبة خالصة لم ترد، لأنها قد قبضت، فكذلك الزيادة في الصداق يجب أن يكون حكمها حكم الصداق.
فصل [3 - في نكاح المرأة بمن يعتق عليها]
ومن المدونة: قال مالك: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها عتق عليها بالعقد، فإن طلقها الزوج قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته.
الجزء: 9 - الصفحة: 225
قال ابن القاسم: وبلغني عن مالكٍ أنه استحسن أن لا يرجع الزوج على المرأة بشيء، وقوله الأول أحب إلي، أنه يرجع عليها بنصف قيمته، كانت معسرة أو موسرة، ولا يتبع العبد بشيء، ولا يرد عتقه، كقول مالك في معسر أعتق عبده فعلم غريمه فلم ينكر الغريم وسكت، ثم أراد الغريم بعد ذلك رد العبد في الرق من أجل دينه فليس ذلك له.
قال ابن القاسم: والزوج حين أصدقها/ إياه قد علم أنه ممن يعتق عليها، فلذلك لم أرده على العبد بشيء.
قال عبد الملك في غير المدونة: وإنما عتق على الزوجة لأنها قبلته وهي تعلم أن عتقه لها لازم، فهي كمن قالت لرجل: أصدقني عبداً بعينه على أنه حر إذا ملكته، فعليها نصف قيمته إذا طلقت قبل البناء، وقد استحسن مالك أن لا يرجع عليها بشيء.
قال: لأنه أعطاها وهو يعلم أنه لا يثبت بيدها ولا طرفة عين، فكأنه أعطاها على أن لا يرجع به إن طلق.
قال مالك: وإن لم يعلم به الزوج أنه ممن يعتق عليها إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه، ويمضي عتق نصفه، إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته، فيمضي لها عتقه كله فذلك له.
قال الشيخ: ولو أصدقها إياه عالماً بانه ممن يعتق عليها وهي لا تعلم لعتق عليه ويغرم لها قيمته كالمقارض يشتري أبا رب المال عالماً، فإن طلق الزوج قبل البناء فعليه نصف قيمته.
الجزء: 9 - الصفحة: 226
ومن الواضحة: ومن نكح امرأةً على أبيها أو من يعتق عليها وهي تعلمه أو لا تعلمه، فإنه يعتق عليها، بكراً كانت أو ثيباً، فإن طلقها قبل البناء رجع عليها بنصف قيمته بوم أصدقها إياه، فإن لم يجد لها غيره فانظر، فإن كان علم هو يوم العقد أنه ممن يعتق عليها فليس له رد العتق ويتبعها بذلك، وإن لم يعلم به إلا عند الطلاق فله أخذ نصفه ويمضي عتق نصفه إلا أن يشاء اتباعها بنصف قيمته فذلك له فيمضي عتقه كله، وقال [لي] من كاشفت مكن أصحاب مالك.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: تأول بعض الناس في مسألة الكتاب إذا تزوجها بمن يعتق عليها، إنما يصح ذلك في الثيب، فأما في البكر فلا يجوز ذلك للولي، لأنه يعتق عليها، وذلك ضرر، كما لا يجوز للوصي أن يشتري لمن يلي عليه من يعتق عليه.
قال الشيخ: وهذا خير من كلام ابن حبيب في البكر، وقوله أيضاً: إن كانت الزوجة معسرة فله أن يتبعها بنصف قيمته، خلاف لقول ابن القاسم، وهو كقول ابن المواز في أحد الشريكين يعتق حصته من عبد وهو معسر، فللشريك أن يتبعه بنصف القيمة ديناً، وهذا لا يقوله ابن القاسم، وقيل غير هذا، وهذا أحسن.
قال ابن الماجشون: فإن نكحها على أن يعتق لها أباها فالنكاح مفسوخ، وإن كان على أن يعتقه عنها فالولاء لها ولا شيء عليها، لأنها لم تملكه، وإن كان
الجزء: 9 - الصفحة: 227
على أن يعتقه عن نفسه فالولاء له، ويفسخ النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 228
[الباب الثامن]
في صداق الذمية، والمجوسية تسلم وصداق الأمة والمرتدة والغارة
[فصل 1 - في صداق الذمية والمجوسية إن أسلمتا
وصداق الأمة إن عتقت تحت عبد]
قال مالك: وإذا أسلمت الكتابية أو المجوسية ولم يسلم الزوج فهو فسخ بغير طلاق، فإن لم يبن بها فلا صداق نقداً ولا مؤخراً، فإن قبضته ردته، لأن الفرقة جاءت من قبلها، ولو بنى بها كان لها جميع صداقها مقدمه ومؤخره.
وكذلك الأمة تعتق تحت عبدٍ فتختار نفسها، فإن كان قد بنى بها أخذت جميع صداقها مقدمه ومؤخره، وإن لم يبن بها فلا شيء لها من الصداق، وإن كانت أخذت منه شيئاً ردته، وفرقة هذه تطليقه.
فصل [2 - في صداق الأمة المبعضة]
قال مالك: وإذا كانت أمة نصفها حر فصداقها/ موقوف بيدها كمالها، وليس لمن له فيها الرق أن يأخذ منه شيئاً، ويلي عقد نكاحها من له فيها الرق برضاها.
قال الشيخ: وهي كالأمة بين الشريكين فليس لأحدٍ أن يأخذ شيئاً من مالها أو يزوجها إلا أن يجتمعا على ذلك، وكذلك هذه، لأنها شريكة لسيدها في نفسها.
الجزء: 9 - الصفحة: 229
وحكي عن بعض شيوخنا أنه قال: الفرق بين صداق هذه الأمة وبين أرش جرحها: أن ذلك بينها وبين السيد، لأن ذلك ممن عضو هو بينها وبين السيد، فوجب أن يكون ثمنه بينهما، والصداق قد سماه الله نحلة، والنحلة كالهبة، فكان ذلك موقوفاً بيدها كسائر مالها، ولأن الصداق ثمن بضع استباحه بإذن السيد، والجراح استباحه بغير إذنه فوجب له ثمن حصته، والله اعلم.
فصل [3 - في صداق الأمة إن ابتاعها سيدها]
قال مالك: ومن تزوج أمة ثم ابتاعها من سيدها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده؛ لأن الفسخ من قبله، وإن ابتاعها بعد البناء فالصداق لسيدها البائع كمالها إلا أن يشترطه المبتاع.
قال: وإن ابتاعها غير الزوج فمهرها للسيد البائع، إذ النكاح قائم بنى بها الزوج أم لا، بمنزلة مالها إلا أن يشترطه المبتاع.
قال مالك: وإذا أعتقت أمة تحت عبدٍ بعد البناء وقد كان الزوج فرض لها- يريد واختارت نفسها أو المقام مع زوجها- فلها مهرها كمالها، إلا أن يشترطه السيد فيكون لها.
قال: وكذلك إن أعتقت قبل البناء، وقد كان الزوج فرض لها قبل العتق فاختارت المقام مع الزوج فمهرها لها يتبعها إذا عتقت إلا أن يكون السيد أخذه قبل العتق، أو اشترطه فيكون له.
الجزء: 9 - الصفحة: 230
قال الشيخ: فهذا يدل على أن للسيد حبس صداقها ويتركها بلا جهاز.
وقال في كتاب الرهن من المختلطة: لا يحبس السيد صداق أمته، ولمن يجهزها به كالحرة.
قال سحنون: وابن القاسم يرى أن للسيد انتزاع صداق أمته، ولست أقوله، وقد قال مالك: وليس للحرة أن تقضي منه الدين إلا الشيء اليسير.
وقيل: يحتمل أن يكون معنى ما في كتاب الرهن: أنه بوأها مع زوجها بيتاً فلزمه أن يجهزها بصداقها، وهاهنا لم تبوأ معه بيتاً، فليس على السيد أن يجهزها به فجاز له انتزاعه، والله أعلم.
وروي عن سحنون: أنه يترك لها منه ثلاثة دراهم، إذ ليس له أن يزوجها بلا صداق.
وروى أبو زيد في العتبية عن ابن القاسم فيمن زوج أمته ففلس السيد قبل البناء فباعها عليه السلطان فاشتراها زوجها أن الصداق للبائع.
- قال الشيخ: يريد نصف الصداق، لانفساخ النكاح بشراء الزوج لها-
قال: ولا يرجع به الزوج، لأن السلطان هو الذي باعها، بخلاف بيع السيد.
قال الشيخ: وعاب ذلك أبو عمران وضعفه وقال: قد اختلف قول ابن القاسم في ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 231
وقد روى لنا الباجي مما أخرج في سماع عيسى أن لا شيء للبائع من الصداق، وبيعه وبيع السلطان سواء.
وقد تأول بعض الناس أن معنى قوله في رواية أبي زيد: ليس للزوج رجوع على سيد الأمة بالصداق- يريد: لا يرجع به في ثمن الأمة فيحاص به غرماء سيدها لأن النكاح إنما انفسخ بعد عقد البيع، فهو كدينٍ طرأ من معاملةٍ حدثت.
ومن النكاح: قال/ مالك: فإن اختارت هذه نفسها قبل البناء فلا صداق لها، وإن قبضه السيد رده، فإن كان قد اشترطه بطل شرطه، لأن الفسخ جاء من قبله.
قال ابن القاسم: وأما التي زوجها سيدها بتفويضٍ ثم أعتقها قبل البناء، ثم فرض لها الزوج بعد العتق، واختارت المقام معه، فهذه يكون لها جميع ما فرض لها ولا سبيل للسيد عليه، إذ لم يكن ذلك بمالٍ لها فيشترطه، وإذ لو مات الزوج أو طلق قبل الفريضة لم يكن لها شيء، فلما رضي الزوج بالفريضة قبل البناء كان شيئاً تطوع به الزوج لم يكن وجب عليه في أصل النكاح.
قال مالك: ومن زوج أمته فله منعها من الزوج حتى يقبض صداقها.
الجزء: 9 - الصفحة: 232
ابن وهب: وقال بكير وغيره: للسيد أخذ صداقها إلا قدر ما يستحل به فرجها، وله أن يضع من مهرها لزوجها بغير إذنها.
ابن شهاب: هو كمالها، وللسيد أخذه إذا احتاج إليه كما يأخذ مالها، وقد قال عليه الصلاة والسلام: "من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع".
فصل [4 - في صداق المجوسية تسلم]
قال مالك: وإذا أسلم أحد الزوجين المجوسيين بعد البناء ففرق بينهما، فللمرأة صداقها المسمى كاملاً.
[فصل 5 - في صداق المرتدة]
ابن القاسم: وكذلك المرتدة إذا بنى بها زوجها قبل أن تستتاب، فلها صداقها المسمى.
الجزء: 9 - الصفحة: 233
[فصل 6 - في صداق من اشترط في نكاحها
أن ما ولدت فهو حر]
قال: وكذلك من زوج أمته وشرط أن ما ولدت فهو حر، لم يقر هذا النكاح على حال، ويكون لها إن دخل بها المسمى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: وقيل: لها صداق المثل، وهو أقيس، وذلك أن الصداق وقع للبضع ولحرية الولد، وما يخص كل واحدٍ من ذلك مجهول، فهو كمن تزوج بصداقٍ مجهول، فوجب لذلك صداق المثل.
قال الشيخ: ووجه الأخرى: فلأن الصداق إنما وقع على البضع المتيقن، والولد أمر يكون أو لا يكون فلا حق له.
ابن المواز عن مالك: إن نكح على هذا فسخ قبل الدخول وبعده، سواء زوجها من حرٍ أو عبدٍ له أو لغيره، ويكون الولد حراً، وولاؤه لسيد الأمة الذي أعتقه.
ابن حبيب: ولو شرط أول ولدٍ تلده حراً، فإن عثر على ذلك قبل الولد فسخ قبل البناء وبعده، وإن لم ينظر فيه حتى ولدت عتق الولد، وثبت النكاح، إذ لم يبق فيه شرط.
الجزء: 9 - الصفحة: 234
ابن المواز: ولو كانت اغتصبت فزوجها الغاصب من رجلٍ على أن ولدها منه حر، فولدت ثم استحقها سيدها، فليأخذها ولا حرية لهم.
- قال الشيخ: إذ لا ينعقد عليه ما شرط غيره في أمته-.
قال ابن القاسم في المستخرجة: وليس لأبيهم أن يعتقهم إلا أن يشاء السيد ولا للسيد أن يلزم ذلك الأب إذا أباه الأب.
قال يحيى بن عمر: وهو بخلاف ولد الذي تزوج الأمة على أنها حرة.
قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الأول شرط له حرية الولد غير مالكه، فلم يتم له شرطه، ومتزوج الغارة إنما تزوج حرةً في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، لا شرط فيه لأحدٍ، فوجبت بذلك حريته كولد المشتري للأمة تستحق بملك، لأنه إنما أولد أمته في ظنه، وأن ولده منها حر من أصله، فوجب بذلك حريته/ وبذلك قضى عمر بن الخطاب، وألزم الأب قيمتهم لمولى الأمة عبيداً يوم الحكم، إذ لا سبيل إلى رقهم، وهذا بيِّن فاعلمه.
الجزء: 9 - الصفحة: 235
[فصل 7 - في صداق الغارة]
ومن المدونة: ابن القاسم: والأمة تغر من نفسها فتتزوج: فإنها سترد ما فضل عن صداق مثلها وتأخذ صداق المثل، لأن ذلك حق لسيدها، فليس ما صنعت يبطل ما وجب على الزوج للسيد من حقه في وطئها، والحرة التي غرت من نفسها فتزوجت في عدتها يكون لها قدر ما يستحل به فرجها، لأنها هي الغارة فليس لها أن تجر إلى نفسها هذا الصداق بما غرت.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 236
[الباب التاسع]
ما جاء في نكاح التفويض
[فصل 1 - في جواز نكاح التفويض
وما يجب به الصداق فيه]
وقد أذن الله سبحانه في نكاح التفويض بقوله: ﴿لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾.
قال مالك: فنكاح التفويض جائز، وهو أن يقولوا: قد انكحناك، ولا يسمون صداقاً، فهو بالخيار إن شاء دفع مهر مثلها ودخل، وإن شاء فارق ولم يلزمه غير المتعة، وهذه سنة نكاح التفويض، فإن بنى بها فلها صداق مثلها وليس كصداق أختها، أو ذات رحم، ولكن مثلها في مالها وجمالها وشبابها وحالها في زمانها.
ابن القاسم: وقد تكون واحدة لها مال وجمال وشطاط، وأختها لا مال لها ولا جمال فليس صداقهما عند الناس، وتشاح الناس فيهما سواء.
الجزء: 9 - الصفحة: 237
قال الشيخ: وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "تتزوج المرأة لمالها وجمالها ودينها"، فدل أن الاعتبار بهذا دون غيره.
قال مالك: وينظر في هذا إلى ناحية الرجل أيضاً، فقد يزوج فقير لقرابته، وأجنبي لماله، فليس صداقها عند هذين سواء، فيخفف عن القريب ويكمل على الأجنبي صداق المثل.
قال مالك: ولا يجب صداق المثل في نكاح التفويض إلا بالبناء، إذ لو مات الزوج قبل البناء التسمية لم يكن لها صداق ولا متعة ولها الميراث.
قيل لمالك في كتاب ابن المواز: فما جاء عن ابن مسعودٍ فيمن تزوج امرأةً فهلك عنها قبل أن يفرض لها وقبل أن يدخل عليها، فأقام ابن مسعودٍ شهراً ينظر فيها، ثم قال: أرى لها صداق مثلها؟
فقال: ليس عليه العمل، وقد حدثني نافع عن عبد الله بن عمر وزيد بن ثابت: أن لها الميراث ولا صداق لها.
قال مالك: وبيان ذلك في كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فإذا طلقها فلم يكن لها فيه شيء، فكذلك إذا مات عنها لم يكن لها شيء.
الجزء: 9 - الصفحة: 238
[فصل 2 - في ما تستحقه المرأة إن نكحت بتفويض]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا طلق قبل البناء وقبل أن يتراضيا على صداق لم يكن لها غير المتعة.
ابن حبيب: ولا ينبغي أن يبني في التفويض ولا يخلو بها حتى يقدم ربع دينار فأكثر، فإن مسها ثم طلقها لزمه صداق المثل.
ومن المدونة: وإذا أرادت الزوجة أن يفرض لها قبل البناء لم يكن له أن يدخل حتى يفرض لها صداق المثل إلا أن ترضى منه بدون ذلك، فإن لم ترض إلا بصداقٍ مثلها كان ذلك عليه، فإن شاء أتم لها صداق مثلها أو طلق.
قال مالك: وإن فرض لها بعد العقدة فريضة أقل من صداق مثلها فرضيت بها، أو فرض لها صداق المثل فأكثر ثم طلقها قبل البناء كان لها نصف ما سمى، وإن مات الزوج كان لها جميع ما سمى، وإن ماتت هي كان ذلك عليه.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن تزوج بتفويضٍ فبعث إلى أهلها بشيءٍ فسخطوه، فقال: فإن لها صداق مثلها، ثم إن طلق ولم يدخل فإن لها نصف صداق المثل.
ومن كتاب محمد: قال ربيعة فيمن فوض إليه فبعث ثياباً ومتاعاً فأدخلت عليه، ثم ماتت فليس لهم إلا ما أرسل إليها.
وقال يحيى بن سعيد: إذا كان الأب قد قبله وأدخلها.
الجزء: 9 - الصفحة: 239
ابن المواز: وإذا نكح على أن لها نقد عشرين ديناراً، أو على أنه مفوض إليه في بقية مهرها، ثم لم يرضوا بما فرض لها ولا بما زاد لأنه أقل من صداق مثلها حتى فارق فله أخذ العشرين ولا يلزمه شيء، وليمتعها، وكذلك لو تزوجها على تفويضٍ وعلى مالٍ دفعه إلى أبيها خاصة، ثم طلق قبل البناء فعليه المتعة، ويأخذ من الأب كل ما أعطاه.
[فصل - في المريض ينكح بتفويض ثم يموت، أو تموت المرأة]
ومن المدونة: قيل لمالك: فالرجل المفوض إليه يمرض فيفرض وهو مريض؟
فقال: لا فريضة لها إن مات من مرضه ذلك، لأنها وصية لوارث إلا أن بطأها في مرضه فيجوز ذلك ويكون لها ما سمى من رأس ماله، إلا أن يكون ذلك أكثر من صداق المثل فيرد إلى صداق المثل.
قال الشيخ: يريد لأنها وصية لوارث، لأن عقده كان في الصحة فهي وارثة.
قال ابن المواز: قال مالك: إلا أن تكون ذمية لا ترثه فتكون لها الزيادة في ثلثه.
قال ابن المواز: ولو سمى للذمية أو للأمة في مرضه ولم يبن بها فذلك كله لها في ثلثه تحاص به أهل الوصايا.
وقال عبد الملك: لا شيء لهذه، لأنه لم يسم لها إلا على المصاب.
قال ابن المواز: ولا يعجبنا ذلك.
قال أصبغ: وإن سمى للحرة المسلمة في مرضه، ثم ماتت هي، ثم صح هو بعدها لزمته التسمية لورثتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 240
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
وقال ابن المواز: لا يعجبني قول أصبغ.
[فصل - في رضى الولي بما يفرض للمرأة وعدم ضاه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا زوج الثيب وليها، ثم فرض لها الزوج أقل من صداق مثلها فرضيت هي بذلك ولم يرض الولي لزمها ذلك، لأن الرضى في ذلك لها، فلا قول لوليها.
قال: وإذا زوج البكر أبوها بتفويضٍ ثم فرض لها الزوج بعد ذلك أقل من صداق مثلها فرضيت، لم يكن لها ذلك إلا أن يرضى الأب بذلك فيجوز ولا ينظر إلى رضاها مع الأب.
وإن زوجها غير الأب فرضيت بأقل من صداق مثلها لم يجز ذلك لها ولا للزوج، لأنه لا قضاء لها في مالها حتى تدخل بيتها ويعرف أنها مصلحة في مالها.
ولا يجوز لأحدٍ أن يعفو عن شيءٍ من صداقها لا وصي ولا غيره إلا الأب وحده.
قال ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك نظراً لها فيجوز إذا رضيت مثل أن يعسر الزوج فيسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق، ويرى أن مثله رغبةً لها فيجوز ذلك، وما كان على غير هذا لم يجز وإن أجازه الولي.
ولو فرض الزوج صداق المثل لزم ذلك المرأة والولي ولا قول لمن أباه منهما.
قال مالك: / وإن فرض الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده ما رضيت به المرأة وهي ممن يجوز أمرها، أو رضي به الولي وهي بكر والولي ممن
الجزء: 9 - الصفحة: 241
يجوز أمره عليها، وهو الأب في ابنته البكر فذلك جائز، ويكون صداقها هذا الذي تراضيا عليه، ولا يكون لها صداق المثل.
قال غيره: إلا أن يدخل بها فلا تنقص المولى عليها بأبٍ أو وصي من صداق مثلها.
قال الشيخ: وقول الغير ليس بخلافٍ لابن القاسم، وقول ابن القاسم: فلو فرض لها الزوج بعد عقده النكاح قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب خاصة، ألا ترى أنه قال: أو رضي به الولي، وهو الأب في ابنته البكر، فقد بين أو المولى عليها بكر، فلا تكون بكر ممسوسة، فإنما أراد إذا فرض الزوج ما رضيت له الثيب قبل الدخول فيكون ذلك من صداقها وإن كان أقل من صداق المثل.
قال الشيخ: وقد كان بعض مشايخنا يقول: معنى قول ابن القاسم إذا فرض الزوج أكثر من صداق المثل، ويرى أن قوله: قبل المسيس أو بعده، عائد على الثيب والبكر، وما ذكرته أبين، وهو الذي أراد ابن القاسم وإن كان المعنى واحداً، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا كان ولي البكر ممن لا يجوز أمره عليها فلا يجوز رضاه لأقل من صداق مثلها، ولا يجوز ما وضعت للزوج بعد الطلاق قبل البناء من النصف الذي وجب لها، وإنما يجوز ذلك للأب وحده.
وقد قيل: إذا رضيت بأقل من صداق مثلها أو وضعت للزوج ما وجب لها بعد الطلاق جاز ذلك، إذ لا يولى عليها، وإنما لا يجوز ذلك لمن يولى عليها بوصي، وطرحه سحنون.
الجزء: 9 - الصفحة: 242
[الباب العاشر]
في نكاح الموهوبة أو بغير صداق
[فصل - في نكاح الموهوبة]
وقد منع الله سبحانه من النكاح بغير صداق فقال في النساء: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، وقال تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾، وخص الله رسوله عليه الصلاة والسلام بالموهوبة بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قيل لابن القاسم: فلم أجزت نكاح التفويض ولم تجز الهبة إذا لم يسموا مع الهبة صداقاً؟
قال: إنما الهبة عندنا كأنه قال: قد زوجتكها بلا صداق، فهذا لا يصلح ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ولها صداق المثل.
قال سحنون: وقد كان يقول: يفسخ وإن دخل.
ابن المواز: وقاله أشهب وابن واهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
قال أصبغ: لأن فساده في البضع.
قال أشهب: ويكون لها إذا فسخ بعد البناء ثلاثة دراهم، وقال ابن وهب وأصبغ: لها صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 243
وقال ابن القاسم وعبد الملك: لا يفسخ إذا دخل، ويكون لها صداق المثل، وروي عن مالك.
ومن المدونة: ابن وهب عن يونس أنه سأل ابن شهابٍ عن امرأةٍ وهبت نفسها لرجل؟
فقال: لا تحل هذه الهبة، لأن الله تعالى إنما خص بها نبيه دون المؤمنين، فإن أصابها فعليهما العقوبة، ولها الصداق من أجل ما يرى بهما من الجهالة، ويفرق بينهما.
وقال ربيعة: يفرق بينهما وتقاضى وهبت نفسها أو وهبها أهلها فمسها.
وفي بابٍ بعد هذا قال ابن القاسم عن مالك: ومن وهب ابنته وهي صغيرة لرجلٍ لم يجز ذلك، ولا تحل الهبة لأحدٍ بعد النبي عليه الصلاة والسلام إلا أن تكون هبته إياها ليس على نكاحٍ، إنما وهبها له ليحضنها ويكفلها، فلا بأس بذلك ولا قول لأمها إن فعل ذلك لحاجةٍ أو فاقة.
قال في المستخرجة عن مالك: إذا كان ذا محرمٍ وإلا فلا.
الجزء: 9 - الصفحة: 244
ومن المدونة: ابن القاسم: فإن وهبها له بصداقٍ مسمى وأراد بالهبة وجه النكاح جاز ذلك، وقد قال مالك فيمن وهب سلعته لرجلٍ على أن يعطيه شيئاً مسمى أن ذلك بيع جائز، فأرى الهبة بالصداق مثل البيع، وإنما يكره من ذلك الهبة بلا صداق.
[فصل - في النكاح بغير صداق]
قيل لابن القاسم: فإن قالوا: قد أنكحناك فلانة بلا صداق؟
قال: إن دخل بها ثبت النكاح وكان لها صداق مثلها، فإن لم يدخل بها فرق بينهما، وهذا الذي استحسن، وقد بلغني ذلك عن مالك، وقد قيل: يفسخ قبل البناء وبعده.
الجزء: 9 - الصفحة: 245
[الباب الحادي عشر]
في نكاح التحكيم
[فصل 1 - في جواز نكاح التحكيم]
قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً على حكمه أو على حكمها أو على حكم فلانٍ جاز النكاح، فإن وقع الرضى بالحكم فيه قبل البناء وإلا فرق بينهما ولا شيء لها، ويلزم المرأة النكاح إن فرض لها الزوج قبل البناء صداق المثل كالتفويض وقد كنت أكره هذا النكاح حتى بلغني أن مالكاً أجازه على ما فسرت لك، وأخذت به وتركت رأيي فيه.
قال سحنون: وقال غيره ما قال عبد الرحمن أول قوله: لا يجوز ويفسخ ما لم يفت بالدخول، لأنه خرج عن حد ما أرخص فيه من التفويض.
ابن المواز: وقال عبد الملك: أما على حكمها فالنكاح يفسخ ما لم يدخل، وأما على حكمه فهو كالتفويض الجائز.
قال الشيخ: فوجه الإجازة في الوجهين: اعتباراً بنكاح التفويض، ووجه الفسخ فيهما: فلأن التفويض رخصة، فلا يقاس عليها، ووجه التفرقة:
الجزء: 9 - الصفحة: 246
فلأن التفويض في فرض الصداق إنما هو للزوج، لقوله تعالى: ﴿أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ فإذا رد الفرض إلى الزوجة لم يجز، لأنه خلاف النص.
[فصل 2 - في الصداق في نكاح التحكيم]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن بنى بها في نكاح التحكيم قضي لها بصداق المثل وثبت النكاح.
ومن الواضحة: روى ابن حبيب عن ابن القاسم فيمن تزوجها على حكمها فلم يرضها فلا يلزمها الرضى بصداق المثل إذا لم يبن بها، وقاله أشهب.
وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: أن ذلك كالتفويض للزوج، إن فرض لها صداق المثل لزمها، وإلا فرق بينهما، وروى أيضاً عن ابن القاسم، والأول أحب إلينا.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم وأشهب على ما رواه ابن حبيب: فلأنها اشترطت أن يكون الحكم لها، فلا يلزمها الرضا بحكم غيرها، ولأن تعليقها الرضى بحكمها احترازاً من أن تلزم لما لم ترض له، فلو كان ذلك يلزمها ما نفعها اشتراطها.
ووجه قول ابن عبد الحكم وأصبغ، وهي رواية المدونة: قياساً على نكاح التفويض.
الجزء: 9 - الصفحة: 247
قال أو محمد وغيره: وإذا تزوجها على حكمها ففرضت للزوج صداق المثل لم يلزم الزوج ذلك إلى أن يرضى، بخلاف الزوج يفرض لها صداق المثل، هذه يلزمها ذلك كواهب السلعة إذا أعطي قيمتها لزمه، وليس يلزم الموهوب غرم قيمتها إلا برضاه أو فوتها عنده.
قال الشيخ: وأما إن تزوجها على حكم فلان، ففرض فلان صداق المثل فينبغي أن يلزمها، لأنهم قد جعلاه حكماً، ففرضه صداق المثل عدل من الحكم.
وقد حكي عن أبي الحسن في قوله: إذا تزوجها على حكم فلان، معنى قوله: إذا رضي الزوج بذلك، إنما ذلك إذا فرض لها فلان أكثر من صداق مثلها، فأما إذا فرض لها فلان صداق المثل فلا كلام له.
قال الشيخ: وهذا لا يختلف فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 248
الباب الثاني عشر
[فصل 1 - في الدعوى في الصداق] قال ابن القاسم: أصل القضاء في تداعي الزوجين في الصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول قول البائع والمبتاع بالخيار"، وفي حديثٍ آخر: "فالقول قول البائع، ويتحالفان ويتفاسخان"، والتداعي كله يرجع إلى قوله عليه الصلاة والسلام: "البينة على المدعي وعلى من أنكر اليمين"، وقوله: "شاهداك أو يمينه".
الجزء: 9 - الصفحة: 249
ابن القاسم: فإذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء عن غير موتٍ ولا طلاق، فادعت المرأة أكثر مما أقر له الزوج، ونسي الشهود تسمية الصداق قال مالك: فالقول قول المرأة- يريد مع يمينها.
قل ابن القاسم: لأنها بائعة لنفسها.
قال مالك: ويخير الزوج في إتمام ما ادعت، وإلا حلف وسقط عنه ما ادعت وفسخ النكاح، ولا صداق لها.
قال مالك: وإن اختلفا في هذا بعد البناء، فالقول قول الزوج مع يمينه.
قال ابن القاسم: لأنها أمكنته من نفسها فصارت مدعية، وهو مقر لها بدين، فالقول قوله مع يمينه.
ابن المواز: قال مالك: ولا يقبل قول المرأة بعد البناء: أنها لم تقبض صداقها ويصدق الزوج مع يمينه.
وكذلك من قبض رهنه وقال: قضيتك الحق، فهو مصدق مع يمينه وقبضه الرهن كالشاهد، لأنه الغالب والعرف بين الناس، وقاله مالك وأصحابه.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإذا تحمل للمرأة رجل بالصداق فطلبته به بعد البناء، وزعم الزوج والحميل أنها قبضته قبل البناء، قال: يحلف الحميل ويصدق.
قال سحنون: ولو أخذت بالصداق رهناً ثم بنى فهو كالحميل، ويتم له الدخول، وهو كالإبراء، ويأخذ رهنه.
الجزء: 9 - الصفحة: 250
ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن زوج ابنته الصغرى على صداق أختها الكبرى، فادعى الأب أنه مئتان، وقال الزوج: إنه مائة، فالقول قول الزوج، ويحلف، فإن نكل حلفت الجارية وقضي لها.
ابن المواز: وهذا بعد البناء، وأما قبل البناء فليتحالفا ويفسخ النكاح، والأيمان بين الأب والزوج.
ويبدأ الأب باليمين فإن حلف لزم الزوج إلا أن يحلف فيبرأ ويفسخ، كالوكيل في البيع ويحلف دون رب السلعة وهي لم تفت، لأن رب السلعة لم يلِ شيئاً، وكذلك الجارية لم تعلم، ولو علمت ما كان لها فيه حكم ولو كانت ثيباً حتى لا يتم الأمر إلا بها وعلمها وحضورها، فاليمين عليها، وقاله أصبغ.
ومن المدونة: وإن اختلفا في قلة الصداق وكثرته بعد الطلاق وقبل البناء فهي طالبة له، فعليها البينة، وهو مدعى عليه، فالقول قوله فيما يقر به مع يمينه.
قال: فإن نكل حلفت المرأة وأخذت ما تدعيه، لأن مالكاً قال: إذا ماتت الزوجة قبل البناء فادعى ورثتها تسمية صداق، وادعى الزوج تفويضاً فالقول قوله مع يمينه، وله الميراث، وعلى ورثة المرأة البينة على ما ادعوا من التسمية.
وفي كتاب محمد: ومن زوج ابنه الصغير من ابنة رجلٍ صغير، فمات الصبي، فطلب أبو الصبية المهر، فقال أبو الصبي: لم أسم مهراً، وأن ذلك كان منك على الصلة لابني، قال محمد: لا يصدق، ولها ما ادعى أبوها إن كان صداق مثلها.
قال مالك: ليس لها إلا الميراث، [قال محمد]: إذا حلف أبوه.
الجزء: 9 - الصفحة: 251
قال أبو محمد: وذكرها في كتاب الشهادات، ولم يذكر قول محمد: إن لها ما ادعى أبوها.
قال مالك: وإن كان لها شاهد على تسمية المهر أخر ذلك حتى تبلغ الجارية فتخلف وتأخذ.
ابن المواز: بعد يمين أبيه الآن، وهذا بخلاف مبايعته لها، ويقيم شاهداً فيحلف الأب معه، لأنه إن لم يحلف ها هنا لزمه غرم ما نكل عنه، لأنه أتلفه، إذ لم يتوثق، ولأنه لا يبيع إلا بثمنٍ معلوم وبينة، والنكاح على التفويض يجوز فلم يتعد، وإنما عليه أن يشهد في أصل النكاح لا في تسمية الصداق.
وذلك عندي ما لم يدع أبوها التسمية مع الشاهد، فإن ادعى هذا فقد ضيع في التوثق، فإن شاءت بعد أن تكبر أن تلزم ذلك أباها، فيكون لأبيها أن يحلف، ويأخذ من تركة الصبي، وإلا غرم أبوها من ماله، فإن شاءت أن تترك أباها وتحلف مع شاهدها وتأخذ ذلك من مال زوجها لمنزلة ما لو مات أبوها، أو كان معدماً، فإذا حلفت فالصداق على أبي الصبي إلا أن يكون للصبي يوم العقد مال فلا شيء على أبيه.
قال ابن حبيب في اختلاف الزوجين قبل البناء: تحلف الثيب، وإن كانت بكراً حلف الأب، ثم للزوج الرضى بذلك، أو يحلف ويفسخ النكاح، كان اختلافه في قلة الصداق أو كثرته أو في نوعه، وأما بعد البناء فيحلف الزوج، ويبقيا زوجين إن اختلفا في العدد، فإن كان في النوع تحالفا، وردت الزوجة إلى صداق المثل، إلا أن يرضى هو بما ذكرت أو ذكر الأب في البكر.
وإنما كان يحلف الأب في صداق البكر، لأنه كوكيلٍ مفوض إليه، وهو وليه دونها، ولم يكن لها فيه رأي ولا أمر، وكذلك قال ابن المواز: يحلف الأب في البكر.
الجزء: 9 - الصفحة: 252
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران إذا اختلف الزوجان في الصداق قبل البناء فتحالفا، ثم أراد الزوج إتمام النكاح بما قالته المرأة، أو أرادت ذلك المرأة بما قاله الزوج قبل الفسخ: أن النكاح تام كالبيع، ويجري ذلك على الاختلاف الذي في البيع قال: وقد نص على ذلك المغيرة: أنه إذا رضي أحدهما بما ذكرناه تم النكاح.
أبو عمران: يراعى في اختلافهما إذا أتى أحدهما بما يشبه والآخر لما لا يشبه.
وقيل: لا يراعى ذلك، كما اختلف في ذلك في البيوع.
قال سحنون في كتاب ابنه فيمن تزوج امرأةً فادعى أنه تزوجها على أمها وهي عالمة بها، وقالت المرأة: بل على أبي، وهو مالك لأبويها، وحفظت البينة العقد، ولم تحفظ على أيهما عقد.
قال سحنون: الشهادة ساقطة، فإن لم يدخل بها تحالفا وفسخ النكاح، ويلزمه عتق الأم، لأنه أقر أنها حرة، وكذلك إذا نكلا، وإن كان قد دخل بها حلف أيضاً، وعتقت عليه الأم بإقراره، فإن نكل حلفت المرأة وعتق الأب بقولها، وعتقت عليه الأم بإقراره.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وهذا خلاف ما تقدم لابن حبيب إذا اختلفا في نوع الصداق بعد البناء أنهما يتحالفان ويكون لها/ صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 253
فصل [2 - في الدعوى في دفع الصداق] ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد البناء: قد دفعت الصداق، وأنكرت الزوجة فالقول قوله، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها.
- قال الشيخ: وإنما ذلك لأن العرف عندهم ألا يدخل الزوج حتى يدفع الصداق-.
قال مالك: وليس يكتب الناس في الصداقات براءات، ومن نكح على نقدٍ ومؤجل فادعى بعد البناء أنه دفع المؤجل، وأكذبته الزوجة، فإن بنى بها بعد الأجل صدق. - قال الشيخ: لأن الأجل حل قبل دخوله فصار كمن تزوج بنقد، والعرف فيه ألا يدخل حتى يدفعه، ولأن الزوجة قد أمكنته من نفسها، فلذلك كان القول قوله-.
قال مالك: وإن بنى بها قبل الأجل فالقول قولها، كان المؤجل دنانير أو حيواناً مضموناً مع الأيمان فيما ذكرنا.
قال الشيخ: لأنه دخل والصداق متقرر في ذمته فلا يلزمه إلا البينة بدفعه، وكذلك المهر الحال بالبناء القول قول المرأة أنها لم تقبضه، وكان الزوج دخل قبل حلوله، لأنه لا يجب إلا بعد الدخول.
قال بعض أصحابنا: وكذلك إن تزوجها بصداقٍ حال، وكتبا به كتاباً، فدخل الزوج، وادعت المرأة أنه لم يدفع إليها شيئاً من صداقها، وقامت عليه البينة بذكر الحق أن القول قوله، لأن العرف جارٍ بأخذ ذكر الحق منها بعد قبض حقها وأنها لا تستلمه إلا إذا استوفته، فلذلك كان القول قولها.
ومن كتاب محمد: قال مالك: وإذا ادعت المرأة بعد دخولها أنه بقي لها من صداقها خادم، أو غير ذلك وقال الزوج: قد دفعته، فيحلف الزوج ويبرأ، وليس يكتب الناس في الصدقات البراءات.
الجزء: 9 - الصفحة: 254
قال ابن المواز: لا يقبل قولها، وما يدخل النساء إلا بعد القبض، وذلك هو المعروف والغالب، إلا الخاص، وإنما يحمل الأمر على الغلب، والدخول كالشهادة، فإذا حلف برئ إلا ما لم يحل منه إلا بعد دخوله، وكذلك الرهن إذا قبض المرتهن رهنه ثم قال: قد قضيتك ولم يصل إلي الرهن إلا بقضائي إياك حقك، فيحلف ويبرأ، وكان قبضه للرهن كالشاهد، ولأنه الغالب من عمل الناس، وهذا كله قول مالكٍ وأصحابه.
قال بعض أصحابنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عمن تزوج امرأةً وادعى أن وليها شرط في عقد النكاح لوليته شروطاً وعطايا سماها، وأنكر الولي أن يكون شرط ذلك، فطالبه باليمين على ذلك فنكل، هل يحلف الزوج ويجب ذلك لها؟ وكيف يحلف في شيءٍ يستحقه غيره؟
فقال: الذي عندي لأنه إذا نكل الولي حلف الزوج، ويرجع إلى صداق المثل ويرجع بما زادت التسمية على صداق المثل على وليها، وتأخذ هي الصداق كاملاً مثل الولي يقر بالعيوب في وليته، أنها تأخذ الصداق كاملاًـ، ويرجع الزوج على من غره، فكذلك هذا.
قال الشيخ: والذي أرى إذا نكل الولي حلف الزوج واستحق ما شرط على الولي يكون ذلك للزوجة، لأنه هو ولي معاملته، فهو كالوكيل يدعي في معاملته شيئاً لموكله، فتجب اليمين على المدعي عليه فينكل، أن الوكيل يحلف ويستحق لك لمن وكله.
وأما قول الشيخ: يحلف الزوج ويرجع إلى صداق المثل، أرأيت إذا كان/ صداق المثل أكثر من التسمية أيزاد عليه لدعواه أو يهب دعواه باطلاً، هذا ليس بشيء.
الجزء: 9 - الصفحة: 255
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مات فادعت امرأة بعد موته أنها لم تقبض صداقها فلا شيء قد دخل بها، وإن لم يكن دخل بها فالقول قولها.
قال ابن القاسم: وكذلك إن مات الزوجان فتداعيا ورثتهما في دفع الصداق فلا قول لورثة المدخول بها، وإن لم يدخل بها صدق ورثتها، وإن قال ورثة الزوج في المدخول بها: قد دفعه لها، أو قالوا: لا علم لنا، فلا شيء عليهم، فإن ادعى ورثة المرأة أن ورثة الزوج قد علموا أن الزوج لم يدفع الصداق، حلفوا أنهم لا يعلمون أن الزوج لم يدفع الصداق، ولا يمين على من كان منهم غائباً، أو من يعلم أنه لا علم عنده.
فصل [3 - في دعوى الزوج أن المهر فيه سر وعلانية]
ومن كتاب محمد: وإذا ادعى الزوج أنهم أسروا من المهر دون ما أعلنوه، لم يصدق إلا ببينةٍ أو شاهدٍ يحلف معه، فإن شهدت بذلك بينة، فقال الولي: كان ذلك كلاماً سراً وقد صرنا إلى غيره بعده وزوجناه عليه، وقال الزوج: بل هو الأمر الأول، والثاني سمعة، قال: أحب إلي أن لو أشهدوا حين سموا المهر القليل أن هذا الذي أنكحوه به، وإنما سمي في العلانية غيره، فإن لم يكن هذا وأشكل الأمر فالقول قول الزوج مع يمينه حتى يعلم من السبب ما يعلم به أن الأول قد انقطع، وأن على الثاني وقع النكاح، وكذلك لو كان ذلك من الثيب بغير علم الولي.
ابن المواز: ولا يكون ذلك من أبيها إلا برضاها.
قال مالك في البكر: ذلك إلى الأب دونها، فإن لم يكن أب فليس ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 256
لها تاماً إلا بإذن وليها مع رضاها، وقاله الليث.
قال ابن حبيب: ولا يضر الشاهدين على السر أن تقع شهادتهما على العلانية، لأنهما يقولان: على هذا أشهدنا أن يكون سراً كذا وفي العلانية كذا للسمعة، ولم يختلف في هذا مالك وأصحابه.
وقد تقدم القول في مسألة من وهب ابنته بجميع وجوهها فأغنى عن إعادتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 257
[الباب الثالث عشر]
في صداق النكاح الفاسد وطلاقه وميراثه
قال ابن القاسم: كل ما فسد من النكاح لصداقه كالنكاح بالآبق والشارد والثمرة التي لم يبد صلاحها ففسخ قبل البناء فلا صداق فيه ولا متعة، وكذلك إن لم يفسخ حتى طلقها قبل البناء ولا متعة لها عليه، ويلزم فيه الطلاق، فلو طلقها فيه ثلاثاً لم تحل له إلا بعد زوج، ولو مات أحدهما قبل البناء أو بعده توارثا، لأنه نكاح قد اختلف العلماء في فسخه وثباته، وكذلك كل ما يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، والتي تتزوج بغير ولي مثل ذلك، لأن مالكاً وقف في فسخه بعد البناء.
قال سحنون: وقد كان قال لي: كل نكاحٍ كانا مغلوبين على فسخه فهو فسخ بغير طلاق، ولا ميراث فيه، ويرد فيه الخلع، وترجع عليه الزوجة بما أخذ منها، لأنه لا يأخذ مالها إلا بما يجوز به إرساله من يده، وهو لم يرسل من يده إلا ما هي أملك به منه، وقد بينا اختلاف قوله في هذا النكاح الأول.
وإذا تزوج العبد والمكاتب بغير إذن سيدهما فالسيد مخير في إجازته أو فسخه فإن فسخه بعد الدخول أخذ منها/ جميع المهر ويترك لها ربع دينار، فإن عتق اتبعته بالصداق إن غرها بأنه حر، إلا أن يفسخه عنه السيد قبل العتق، فإن عتق قبل أن يعلم السيد بتزويجه ثبت النكاح.
قال: وللمكاتب تزويج أمته على ابتغاء الفضل، ويلي العقد غيره.
وقد تقدم جميع هذا في الكتاب.
الجزء: 9 - الصفحة: 258
[الباب الرابع عشر]
في نكاح المريض والمريضة
[فصل 1 - في حكم نكاح المريض والمريضة]
قال أبو محمد وغيره: ولما منع الرسول عليه الصلاة والسلام المريض من الحكم في ثلثي ماله الموروث بما ينقص ورثته منه كان ممنوعاً أن يدخل عليهم وارثاً، أو يخرج منهم وارثاً.
قال غيره: فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يستلحق ولداً.
قيل له: ليس استلحاقه بإدخال وارث، وإنما هذا إخباره عن وارثٍ متقدم على حال المرض لزمه الإقرار له، وغرضه في مسألتنا أن يثبت له زوجة تزوجها في الصحة، فيلزم وترث، ولا يكون في ذلك إدخال وارثٍ على ورثته.
قال مالك: ولا يجوز نكاح المريض أو المريضة، ويفسخ قبل البناء وبعده.
ابن القاسم: فإن تزوجها ودخل با وهي مريضة ثم ماتت كان لها الصداق ولا يرثها، فإن صحت ثبت النكاح، وقاله مالك: وهو أحب قوليه إلي، وقد
الجزء: 9 - الصفحة: 259
كان يقول مرة: يفسخ، ثم عرضته عليه فقال: امحه، والذي أرى إذا صحا أن يثبت النكاح، دخلا أو لم يدخلا، ولها المسمى.
قال الشيخ: قال بعض البغداديين: وهذا مبني على أصل فساده، هل هو في عقده، أو لحق الورثة؟
فإذا قلنا: إنه في العقد لم يصح الثبوت عليه، وإن قلنا: إنه لحق الورثة، صح بعد زوال المرض لزوال حقوقهم منه كنكاح العبد بغير إذن سيده، وهذا اعتلال عبد الملك.
قال الشيخ: وقال ابن القاسم في نكاح المحرم: أنه يفسخ وإن حل من إحرامه، والفرق بينه نكاح المريض إذا صح: أن نكاح المحرم إنما يفسخ لعلةٍ في نفسه وهو الإحرام، وقد حرمه النبي عليه الصلاة والسلام، ونكاح المريض إنما حرم لعلةٍ في غيره، وهو إن دخل على الورثة وارثاً، فإذا ارتفعت العلة لم يكن للورثة حجة في فسخ النكاح.
فإن قيل: ينبغي أن يمنع المريض من الوطء لئلا يدخل على الورثة زيادة وارثٍ كما منع من التزويج.
قيل: التزويج قد أدخل وارثاً حقيقة، والوطء قد يكون منه الولد وقد لا يكون، فوجب أن لا يمنع حق واجب لأمرٍ غير متيقن، هذا أصلهم، وكذلك العلة في المكتري وزوجته إلى الحج أنه لا يمتنع من الوطء لحجة احتمال أن تنفس فيجلس عليها، إذ ليس من كل وطء يكون الولد، فلا يترك حق واجب لأمرٍ يكون أو لا يكون.
الجزء: 9 - الصفحة: 260
وقالوا في المخدمة: إنه لا يجوز لسيدها وطؤها، لأنه يبطل الحوز، فمنعوه الوطء لعلة حالةٍ متيقنة.
[فصل 2 - في الصداق في نكاح المريض]
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةً في مرضه ودخل بها فرق بينهما، وكان صداقها في ثلثه مبدءاً على الوصايا والعتق، ولا ترثه، وإن فسخ قبل البناء فلا صداق لها ولا ميراث.
قال في كتاب محمد: وإذا بنى المريض فلها المسمى في ثلثه- وإن زاد على صداق المثل- مبدءاً على الوصايا بالعتق الواجب وغيره، ويدخل فيما علم وفيما لم يعلم، ولا يبدأ عليه [إلا] المدبر في الصحة.
وله قول: إنه مبدأ على المدبر في الصحة، وليس بشيء.
قال سحنون في كتاب الإقرار: إذا كان المسمى أكثر من صداق المثل لم يكن/ لها إلا صداق المثل في قول ابن القاسم فيكون ذلك مبدءاً على الوصايا وعلى المدبر في الصحة، واختلف في الزائد، فقيل: يسقط، قال ابن القاسم، وقيل: تحاص به الوصايا.
الجزء: 9 - الصفحة: 261
قال الشيخ: وهذا أيضاً بناءً على الميراث، فمن رأى أنهما لا يتوارثان رأى أن لها الزائد على صداق المثل، إذ ليس فيه أكثر من أن تكون وصيةً لغير وارث، ومن رأى أنها ترثه لم يعطها الزائد على صداق المثل، لأنه وصية لوارث.
واختلف في نكاحه الأمة والكافرة، فقال أبو مصعب: يجوز، لأنه لم يدخل وارثاً، وقال عبد الملك: لا يجوز، لأن الأمة قد تعتق، والكافرة قد تسلم قبل الموت فتصيران من أهل الميراث.
قال بعض البغداديين: وهذا القول أصح.
قال الشيخ: والأول أولى، لأنه أوقع النكاح في حالٍ لم يدخل به على الورثة ضرراً، لأنهما غير وارثين، وما يترقب من العتق أو الإسلام قد يكون أو لا يكون، فلا يمنع أمر واجب له لأمرٍ قد يكون أو لا يكون، هذا أصلهم.
قال الشيخ: وإذا فوض في نكاحه في مرضه فسمى لها ثم مات فلا شيء لها إلا أن يدخل لها فذلك في ثلثه وإن كان أضعاف صداق المثل مبدءا على الوصايا وكذلك لو نكح بتسمية.
الجزء: 9 - الصفحة: 262
وقال أصبغ: يبدأ قدر صداق المثل والزائد تحاص به.
قال ابن المواز: وأحب إلى قول عبد الملك: أن لها صداق المثل مبدءاً، ويبطل ما زاد عليه- يريد في التفويض في المرض- لأن الواجب لها بالوطء صداق المثل، فما زاد فليس بوصية، لأنه لم يرد به الوصية، وأما التي تزوجها بتسميةٍ فبتلك التسمية رضيت فلها جميعه في الثلث، وهذا التفسير من غير رواية ابن أبي مطر عن ابن المواز.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: أجمع أصحابنا أن صداق المريض لا يكون في رأس المال، قال: وذكر أبو الحسن عن المغيرة أنه قال: ذلك في رأس المال، ولا أدري أين رآه، وقد رأيت في كتاب المغيرة: أنه من الثلث، وجعل الشيخ أبو الحسن ربع دينار من رأس المال، فعلى هذا تحاص أهل الدين بالربع دينار.
قال بعض فقهائنا: وهو قول حسن، إذ لا يستباح البضع بأقل من ربع دينار، ويدل على صحته قوله في العبد يتزوج بغير إذن سيده ويدخل فيفسخه السيد: إنه يترك لها ربع دينار، فإذا لم يكن للسيد في ذلك حجة فالورثة والمديان أحرى أن لا تكون لهم حجة.
الجزء: 9 - الصفحة: 263
[الباب الخامس عشر]
فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة فزعم أبوه أنه قد وطئها ومن أدخلت عليه غير زوجته، وهل يبوأ من الأمة بيتاً والحكم في الخنثى، ونكاحه امرأة زنى بها أو قذفها
[فصل 1 - فيمن أراد نكاح امرأة أو شراء أمة
فزعم أبوه أنه قد وطئها]
قال ابن القاسم: ومن اشترى جاريةً، أو أراد شراءها، أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نكحت الحرة ووطئت الأمة بشراء، وأكذبه الابن، فلا يقبل قول الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح، فأرى له أن يتنزه عنها، ولو فعل لم أقض به عليه، وقد قال مالك: لا تجوز شهادة امرأةٍ واحدةٍ في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف في الأهلين والمعارف والجيران، فأحب إلي أن لا ينكح، ويتورع.
قال ابن القاسم: فشهادة الولد في مسألتك مثل شهادة امرأةٍ في الرضاع، وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة، فلما كبرت أراد الابن تزويجها، فلا يفعل، ولا تجوز شهادة امرأتين في الرضاع إلا أن يكون قد فشا وعرف، فإذا كان كذلك رأيتها جائرة.
فصل [2 - فيمن أدخلت عليه غير زوجته]
قال مالك: وإذا تزوج أخوان أختين فأخطئ بهما، فأدخل على كل واحدٍ منها زوجة أخيه فوطئها، ردت كل واحدةٍ إلى زوجها ولا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض.
الجزء: 9 - الصفحة: 264
قال ابن القاسم: وعلى العالمة منها الحد ولا صداق لها.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال: لا نفقة لكل واحدةٍ في الاستبراء على زوجها، لأنه لم يدخل بها، ولا على الواطئ، لأنه غير زوجته، إلا أن يظهر حمل فترجع عليه بما أنفقت.
وأما من وطئ زوجة رجلٍ في ليلٍ يظن أنها زوجته ولم تحمل، فنفقتها في استبرائها على زوجها، كما لو مرضت فإنه ينفق عليها، قال: وسواء كان للتي أدخلت على غير زوجها مال أم لا، لا نفقة لها على أحدٍ منهما.
وذكر في بعض التعاليق: أن نفقة كل واحدةٍ على زوجها الحقيقي، والأول أصوب.
قال ابن القاسم: فإن قالت: لم أعلم وظننت أنكم زوجتموني منه، فلا صداق مثلها على الواطئ، ويرجع هو به على من غره.
قال مالك في الواضحة: فإن لم يغره منها أحد وإنما كان خطأ منهم، فصداق مثلها على الواطئ- يريد: ولا يرجع عليها بشيء- إذ ليست عالمة، والخطأ لازم لا يعذر به، وفي العمد الحد مع صداق المثل.
الجزء: 9 - الصفحة: 265
ومن كتاب محمد وكتاب ابن سحنون: ومن زوج ابنته لرجلٍ فأدخل عليه أمته على أنها ابنته، فهذه تكون له بما تلد أم ولد، وعليه قيمتها يوم الوطء، حملت أو لم تحمل، ولا قيمة عليه في الولد بمنزلة من أحل أمته لرجل، وتبقى ابنته زوجة له، ولو علم الواطئ أن التي أدخلت عليه غير زوجته ثم وطئها فهو سواء، ولا حد عليه.
وقال ابن حبيب: ومن أدخل أمته على زوج ابنته فوطئها درء عنه الحد، ولزمته القيمة، وتحد الأمة، إلا أن تدعي أن سيدها زوجها منه، ويعاقب السيد.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم فيمن طلب الدخول فأدخلت عليه جارية بكر بامرأته، وامرأته ثيب، وقيل له: لا تقربها الليلة، فحلف بعتق رقيقه لأوطئها الليلة، وهو يظنها امراته، فوطئها تلك الليلة واستمرت حاملاً، وعليه شرط لزوجته بعتق كل جاريةٍ يتخذها أم ولد وأمرها بيدها.
قال: يلحق به الولد ولا حد عليه ولا عليها، ويعتق عليه رقيقه، وليس عليه طلاق ولا تمليك لزوجته، وعليه بزوجته قيمة الولد إن لم تعلم زوجته بما صنع أهلها ولا تقوم عليه الجارية، ولا يرجع الزوج على الذي غره بقيمة الولد، ولا يكون أشد من المستحقة من يده تحمل فيؤدي قيمة الولد، ولا يرجع على الغاصب، ولو كان ذلك بعلم زوجته، لم ترجع بقيمة الولد، ولا تقوم عليه الجارية إلا أن يشاء هو ذلك.
قال الشيخ: هذا كلام جيد، وهو خير من كلام سحنون الذي ألزمه في الأمة القيمة وإن لم تحمل، وخير من كلام ابن حبيب الذي ألزم الأمة الحد، لأن الأمة في ذلك كالمكرهة، فيجب أن يسقط عنها الحد.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 266
[فصل 3 - في زوج الأمة هل يبوأ معها بيتاً؟]
ومن المدونة: من نكح أمةً فليس له أن تبوأ معه بيتاً، وتبقى في خدمة ساداتها، وليس للسادة منعه الوطء إذا أراده، ولا يتضرروا به، ويمنع هو من الضرر بهم، وللسيد بيعها، وليس للمبتاع منع زوجها منها، وإن بيعت بموضعٍ لا يصل إليها الزوج فله طلبها، والخصومة إن منع منها، ويتبعه البائع بمهرها أو بنصفه إن طلقها قبل البناء.
[فصل 4 - في حكم الخنثى]
ومن المدونة: ابن القاسم: والحكم في الخنثى بمخرج البول، فإن كان يبول من ذكره فهو رجل، وإن كان يبول من فرجه فهو جارية، لأن النسل من المبال وفي الوطء/ فيكون ميراثه وشهادته وكل أمره على ذلك، وما اجترأنا على سؤال مالكٍ عنه.
قال الشيخ: وقيل: إن أول من حكم بذلك في الجاهلية عامر بن الظرب العدواني برأي جارية له راعية غنم، ثم حكم به علي بن أبي طالب في
الجزء: 9 - الصفحة: 267
الإسلام بأن جعل الحكم للمبال.
وروى أيوب الأعور الفرضي في كتابه أن الرسول عليه الصلاة والسلام سئل عن مولودٍ له قبل وذكر من أين يورث؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "من حيث يبول"، وكذلك قال رضي الله عنه: إذا بال من ذكره ورث ميراث ذكر، وإن بال من فرجه ورث ميراث أنثى، فإن خرج منهما جميعاً فمن أيهما أسبق، وذلك قول جابر بن زيد وغيره من التابعين.
الجزء: 9 - الصفحة: 268
قال أيوب: فإن خرج منهما جميعاً معاً فقال أبو يوسف وبعض أصحاب أبي حنيفة: ينظر من أيهما خرج أكثر فيكون الحكم له به.
قال الشيخ: قال شيخنا أبو بكر عتيق بن عبد الجبار: أنكر ذلك الشعبي فقال: أيوازن البول؟ أيكال البول؟ لا علم لي إذا بال منهما جميعاً، والأولى ما قالته الجماعة، لأن الأقل يتبع الأكثر في أكثر الأحكام، قال: فإن بال منهما جميعاً متكافئاً فهو مشكل في حال الصغر، ثم ينظر في كبره وبلوغه، فإن نبتت لحيته ولم ينبت له ثدي فهو رجل، لأن اللحية علامة التذكير، وإن لم تنبت له لحية وخرج له ثدي فهو امرأة، لأن الثدي يدل على الرحم وتربية الولد، فإن لم تنبت له لحية ولا ثدي أو نبتا جميعاً نظر، فإن حاضت من فرجها فهي امرأة، وإن احتلم من ذكره فهو رجل، وإن احتلم وحاض أو لم يكن من ذلك شيء فهو
الجزء: 9 - الصفحة: 269
مشكل عند من تكلم في الخنثى إلا على قولةٍ شاذةٍ ذهب إليها بعض الناس أنه ينظر إلى عدد أضلاعه، قال: وذلك أن أضلاع الرجل أقل من أضلاع المرأة بضلع، أضلاع المرأة ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، وأضلاع الرجل ثمانية عشر ضلعاً في الجانب الأيمن، وفي الأيسر سبعة عشر ضلعاً، وذكر أن الله تعالى لما خلق آدم جعل له ثمانية عشر ضلعاً من كل جانب، ثم ألقى عليه النوم فنام فاستل من جانبه الأيسر ضلعاً فخلق منه حواء، فالمرأة تزيد ضلعاً على الرجل، وعند هذا القائل لا يكن مشكلاً في صغرٍ ولا كبر.
قال أيوب: وإليه كان يذهب الحسن البصري، وتابعه على ذلك عمرو بن عبيد، قال: والجماعة على خلافهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 270
واختلف أهل العلم إذا كان مشكلاً كيف يكون ميراثه، فذهب أكثرهم وحذاقهم إلى أن يكون له نصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى.
قال ابن حبيب: فيكون له على ذلك ثلاثة أرباع المال، فجعل له هذه الثلاثة أرباع عند مقارنة غيره من الولد، فإن كان معه ذكر قسم المال بينهما على سبعة، ثلاث للخنثى وأربعة للذكر، وإن كان معه أنثى المال بينهما على خمسة.
وذهب أكثر القائلين بنصف نصيب ذكر ونصف نصيب أنثى أنه يورث بالأحوال، وذلك أن الخنثى في حال يكون ذكرًا، وفي حال يكون أنثى، فيعمل على الحالين.
قال الشيخ: وسأذكر بيان ذلك في كتاب الفرائض، وأذكر فيه بقية اختلافهم فيه، وكيفية حساب توريثه/ إن شاء الله.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولا يصلي إلا مستتراً في آخر صفوف الرجال وأول صفوف النساء، ولا يطأ ولا يوطأ بنكاح.
وقيل: له أن يطأ أمته، وذكر حمديس نحو ما ذكرنا.
وذكر عن ابن أخي هشام في الخنثى المشكل إذا مات اشترى له خادم تغسله واستحسنه أبو عمران.
الجزء: 9 - الصفحة: 271
قال الشيخ: وذكر أنه إذا غزا فُرِضَ له ربع سهمٍ، لأن له في بعض الأحوال سهماً، وفي بعض الأحوال لا شيء له، بخلاف الوراثة، وذكر أنه إذا زنى بذكره أن لا حد عليه، لأن ذكره كأصبع، وإذا وطئ في فرجه كان عليه الحد.
[فصل 5 - في نكاح الرجل امرأة زنى بها أو قذفها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فلا بأس أن ينكح الرجل امرأة كان زنى بها بعد الاستبراء، أو امرأة قذفها فحد لها أو لم يحد.
الجزء: 9 - الصفحة: 272
[الباب السادس عشر]
في الدعوى في النكاح
[فصل 1 - في دعوى النكاح إن أنكرها المدعى عليه منهما]
قال ابن القاسم: وإذا ادعت امرأة نكاح رجل، أو ادعاه هو عليها، فلا يمين على المنكر، إذ لا يقضي عليه بنكوله.
ومن غير المدونة قال غيره: وفارق البيوع ها هنا، لأنه لا يستباح فرج في سنة الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بصدقٍ وبينةٍ وولي، فلا ينعقد النكاح بأيمان، ولو أقام الزوج شاهداً فاستخلفت المرأة فنكلت لم يلزمها النكاح، ولا تسجن كما يسجن الزوج في الطلاق.
[فصل 2 - في المرأة يتنازعها رجلان]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ادعى رجلان امرأة، كل واحدٍ يدعى أنها زوجته، وأقاما البينة، ولم يعلم الأول منهما، والمرأة مقرة بأحدهما أو بهما، أو منكرة لهما، فإن عدلت البينتان فسخت نكاحيهما وكانت مطلقةً، ونكحت من أحبت منهما أو من غيرهما، وإن كانت إحدى البينتين عادلة والأخرى غير عادلةٍ قضيت بالعادلة.
قيل: فإن كانت واحدةٍ أعدل من الأخرى وكلهم عدول؟
قال: يفسخان جميعاً، بخلاف البيوع، لأن السلع لو ادعى رجل أنه ابتاع
الجزء: 9 - الصفحة: 273
هذه السلعة من فلانٍ، وأقام بينة، وادعى آخر أنه ابتاعها من فلانٍ وأقام بينةً، قال مالك: يقضى بأعدل البينتين.
قال الشيخ: لعله يريد أن شهادتهما كانت في مجلسٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ، فتقول بينة كل واحدٍ: أنه باعها ممن شهدوا له، فهذه قد تهاترت، ويقضي فيها بأعدل البينتين.
فأما لو شهدت بينة كل واحدٍ أنه ابتاعها من فلانٍ ولم تؤرخ، ولا عُلِم من هو الأول، فهذه لم تتهاترا، إذ يمكن أن يبيعها من أحدهما، ثم يبيعها من الآخر ويخير كل واحدٍ منهما في أن يأخذ نصف السلعة، ويرجع على البائع بنصف الثمن إن كان نقده، أو يرد ويأخذ ثمنه، وإن شاءا رداها وأخذ ثمنيهما، فإن رداها فللبائع أن يلزمها أيهما شاء.
وإنما قسمتها بينهما، لأن شراء واحدٍ منهما صحيح، لم يعلم قسمت بينهما إذا شاءا، وكذلك العلة في النكاح أن نكاح واحدٍ منهما صحيح فلما لم يعلم واستحال أمر القسمة فسخ، وهذا بين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن صدق البائع إحدى البنتين وكذب الأخرى لم ينظر إلى قوله.
قال ابن المواز: فإذا كانت الزوجة مقرة لأحدهما جعلتها له زوجة ولم أفسخ نكاحها منه، لأني لو فسخت نكاحها ثم رجعت إلى الذي أقرت له أنه الأول بغير ائتناف نكاحٍ لم أمنعهما، إذ لم يبق لهما خصم ينفي قولهما، وإن لم توقت بينة الآخر وقتً فهي زوجة من أقرت أنه الأول حتى يأتي ما يبطل ذلك، وإن
الجزء: 9 - الصفحة: 274
كانت منكرة لهما كان لها أن تتزوج أيهما شاءت، فمن تزوجته منهما لم يلزمه الطلاق، لأنه إن يكن الآخر منهما فلم تكن امرأته فيلزمه الطلاق، ولو كان هو/ الأول فقد رجعت إليه على حالها ولم يضره دعوى الآخر، إلا أني أحب أن يتزوجها بصداقٍ وولي احتياطاً لما عمي من أمره، ولا يضره ذلك، وأما الآخر فإنه متى تزوجها بعد هذا الذي تزوجته فإن تلزمه طلقة، وكذلك إن تزوجت غيرهما ودخلت لزم من تزوجته منهما طلقة.
قال الشيخ: وذكر عن بعض شيوخنا: أن قول ابن المواز هذا خلاف لقول ابن القاسم، قال: ولسحنون أنه يقضي بأعدل البينتين كالبيع، ومثله لأبي إسحاق البرقي.
وإنما يصح هذا عندي في التهاتر أن يشهدا في مجلسٍ واحدٍ، ولفظٍ واحدٍ، فإنه يقضي بأعدل البينتين، لأن كل بينةٍ قد كذبت صاحبتها، فأما إن شهدا في مجلسين فلم يؤرخا ولا علم الأول فالصواب قول ابن القاسم كما بينا في صدر المسألة، وفرقنا فيه بين النكاح والبيع، فتأمله تقف على صوابه إن شاء الله تعالى.
الجزء: 9 - الصفحة: 275
[الباب السابع عشر]
في ملك أحد الزوجين صاحبه
[فصل 1 - في أسباب منع الرجل من نكاح أمته والمرأة من نكاح عبدها]
وأجمعوا أنه لا يجوز نكاح الرجل أمته ولا المرأة عبدها، لأن الرجل يستبيح منافع البضع في أمته بملكه ويتصرف بها بالبيع والهبة وغير ذلك، والتزويج إنما هو عقد معاوضة على استباحة منافعٍ ليست مملوكة، فلو أبحنا له تزويج أمته لحرمنا عليه التصرف فيها بالبيع وغيره، ولم يجز تزويج المرأة لعبدها، لأن منافع البضع يملكها الزوج على المرأة، وذلك يستحيل في العبد أن يملك شيئًا من سيدته، لأنها تملك رقبته وذلك يوجب تعارض الحقوق، لأنه يملكه بضعها تلزمها طاعته، وتلزمه طاعتها بالرق، ويلزم كل واحدٍ نفقة صاحبه، وفي ذلك تعارض الحقوق وبطلانها، وقد بينا ذلك في الكتاب الأول أيضاً، فإذا ثبت هذا وجب إذا ملك أحد الزوجين صاحبه أن يفسخ نكاحه.
[فصل 2 - في الحكم إن ملك أحد الزوجين صاحبه]
قال مالك: وإذا ملك أحد الزوجين صاحبه أو شيئًا منه قل أو كثر فسخ النكاح فسخاً بغير طلاقٍ، ملكه بشراء أو ميراث أو صدقةٍ أو وصيةٍ.
وقاله علي وابن مسعودٍ رضي الله عنهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 276
قال أبو الزناد: وهي السنة.
قال ابن القاسم: وإذا اشترت امرأة زوجها فسد النكاح واتبعته بمهرها ديناً إن كان دخل بها، وإذا لم يؤذن للأمة في التجارة لم يكن لها أن تشتري زوجها إلا بإذن سيدها، فإن اشترته بغير إذنه فلم يجز سيدها شراءها بقيا على نكاحهما.
فصل [3 - في تطليق السيد على عبده، وتزويجه العبد أمته ثم هبتها له
والإيلاء والظهار ممن يملك من امرأته شقصا]
ولا يطلق السيد على عبده بغير إذنه.
قال ابن نافع عن مالك: ومن زوج أمته من عبده ثم وهبها له يغتزي فسخ النكاح وأن يحلها لنفسه أو لغيره لم يجز، ولا تحرم بذلك على الزوج، ولا تنزع منه.
قال ابن القاسم: ومن ملك من امرأته شقصاً ثم آلى منها أو ظاهر لم يلزمه الظهار، إذ ليست بأمةٍ تامةٍ ولا زوجة، ويلزمه الإيلاء إن نكحها يوماً ما.
ومن ضمن صداق عبده ثم دفع السيد العبد إلى الزوجة في صداقها فرضيت فسد النكاح، فإن لم يكن بها رجع العبد إلى سيده.
ابن حبيب: وإن كان قد بنى بها انفسخ النكاح وملكته، وقاله ابن القاسم وفي كتاب النكاح الاول شيء من هذا.
الجزء: 9 - الصفحة: 277
[الباب الثامن عشر]
القضاء في الصداق والعجز عنه
[فصل 1 - فيما يقضي به عند العجز عن الصداق أو كان الفراق من قبل المرأة]
قال الله تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾، وقال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾.
وقال/ مالك وابن القاسم: وللزوجة منع نفسها حتى تقبض صداقها إن كانا بالغين، فإذا أعسر الزوج بنقدها قبل البناء تلوم له الإمام، وضرب له أجلًا بعد أجل، ويختلف في التلوم فيمن يرجى له وفيمن لا يرجى له، فإذا استأصل التلوم له ولم يقدر على نقدها فرق بينهما وإن أجرى النفقة.
ولو أعسر به البناء لم يفرق بينهما إذا أجرى النفقة وابتعه به دينًا.
قال ابن حبيب: إذا لم يجد الصداق ولم يبن بها كلف النفقة وقصر له في أجل الصداق، فإن لم يجد أيضًا النفقة أُجِّل أجلًا دون أجل ذلك في الصداق، مثل الأشهر إلى السنة، وإن وجد النفقة أجل السنة أو السنتين.
قال الشيخ: وإذا فرق بين زوجين قبل البناء لعدم الصداق أو النفقة فللمرأة نصف الصداق، قاله ابن القاسم وابن وهب.
الجزء: 9 - الصفحة: 278
وقال سحنون عن ابن نافع: إذا طلق عليه قبل البناء لعدم الصداق فلا صداق لها، لأن الفراق من قبلها، وكذلك من جن قبل البناء ففرق بينهما فلا صداق لزوجته.
قال الشيخ: قال بعض الفقهاء: ولا خلاف في المجنون، لأن عذره قائم، وأما المعدم بالنفقة أو بالصداق يمكن أن يخفي ماله ويظهر العدم، أو يقدر على ذلك بوجهٍ ما، فيصير الطلاق كأنه هو اختاره، فوجب عليه نصف الصداق عند من رأى ذلك.
وإذا أسلمت ذمية تحت ذمي أو عتقت أمة تحت عبدٍ فاختارت نفسها، وذلك قبل البناء فلا صداق لها.
قال إسماعيل القاضي: لأن الطلاق من قبلها لا من قبل الزواج، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، فالزوج ها هنا لم يكن مطلقًا، وذلك بخلاف المملكة والمخيرة قبل البناء، فهذه لها نصف الصداق، قاله مالك، لأن الطلاق ها هنا من قِبَل الزوج، إذ جعله لها.
وذكر عن أبي عمران فيمن باع أمته من ظالمٍ قبل أن يدخل بها زوجها، فمنع الزوج من الدخول بها ولم يقدر عليه قال: لا صداق على الزوج، وإن قبضه منه السيد لزمه أن يرده عليه، وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 279
[فصل 2 - في الصداق إن كان موخراً]
ومن المدونة: قال مالك: ولها أخذه بالمهر بعد تمام العقد إن نكحها مثل نكاح الناس على النقد، فأما ما كان مهرٍ إلى موتٍ أو فراقٍ، فإن هذا يفسخ قبل البناء ويثبت بعده.
قال مالك مرة: يكون لها قيمة المهر المؤخر نقدًا- يريد مع المعجل- وقال مرة: يكون لها صداق المثل نقداً لا تأخير فيه.
قال ابن القاسم: وهو أحب قوله إلي، أن تعطي مهر مثلها ويحسب فيه ما أخذت من العاجل ويسقط الآجل.
فصل [3 - في الدخول بالمرأة قبل أن يقدم الزوج شيئاً من الصداق]
ابن حبيب: وإذا رضيت المرأة بالبناء قبل أن يقدم شيئاً فليس بحرام، وهو معنى قول الله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾، وقيل: هو ما أعطته أو وضعت عنه من صداقها، وأجاز ابن المسيب وغيره أن يدخل قبل أن يقدم شيئاً، وكرهه آخرون، وكرهه مالك حتى يقدم ولو ربع دينار.
الجزء: 9 - الصفحة: 280
وكره ابن القاسم أن يدخل بالهدية التي أهداها حتى يقدم ربع دينار، وأجازه مالك وابن المسيب وابن شهاب.
الجزء: 9 - الصفحة: 281
[الباب التاسع عشر]
في نفقة الزوجات والعجز عنها، والدعوى في ذلك ومن أنفق على أجنبي
[فصل 1 - في وجوب النفقة، وبيان ما يوجبها]
قال الله تعالى: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾.
قال عبد الوهاب: وقال الرسول عليه الصلاة والسلام: "تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني"، ولأن الزوجية عقد منافع، والنفقة في مقابلة تلك المنافع، فهي واجبة بالعقد/ والتمكين من الاستمتاع.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأة لم تلزمه نفقتها حتى يدعى إلى البناء فحينئذ يلزمه الإنفاق، فإذا منع من الدخول فلا نفقة عليه.
فإن كانت صغيرة لا يجامع مثلها لصغرها، فقيل له: ادخل عليها أو أنفق، فلا تلزمه نفقتها ولا صداقها.
- قال الشيخ: لأن الاستمتاع غير متأتٍ منها.
قال مالك: حتى تبلغ حدَّ الجماع وإن لم تحض. - قال الشيخ: لأن الاستمتاع حينئذٍ متأتٍ كالبالغ.
قال مالك: والصبي إذا زوجه أبوه امرأةً فدعته إلى البناء فلا يلزمه نفقتها ولا صداقها حتى يبلغ حد الجماع، وهو الاحتلام.
الجزء: 9 - الصفحة: 282
- قال الشيخ: لأن الصغير لا يتأتى منه الاستمتاع الذي تعاوض عليه لصغره فلا يلزمه شيء حتى يحتلم وإن كان مثله يطأ، والزوجة قد يكون مثلها توطأ وإن لم تحتلم.
قال ابن القاسم: ولو دعا الزوج إلى البناء، وزوجته صغيرة لا يجامع مثلها فقال له أبوها أو أولياؤها: لا نمكنك منها، لأنك لا تقوى على جماعها، فلهم أن يمنعوه حتى تبلغ حد الجماع.
وقد قال مالك فيمن تزوج امرأة وشرطوا عليه ألا يدخل بها إلى سنة، قال: فإن كان لصغر، أو كان الزوج غريباً يريد أن يظعن بها وهم يريدون أن يستمتعوا منها، فذلك لهم، والشرط لازم، وإلا بطل الشرط.
وذكر أصبغ هذه الرواية في العتبية، قال أصبغ: وما هو بالقوي إذا احتلمت الوطء.
قال فيها أشهب: ومن دفع الصداق وطلب البناء فمنعوه أهلها حتى يهيئوها، قال: الوسط من ذلك، ليس له أن يقول: أدخلوها الساعة، ولا لهم حبسها عنه، ولكن وسط بقدر ما يجهزونها ويهيئون أمرها.
قال في كتاب محمد: ولو شرطوا عليه ألا يدخل إلى خمس سنين، قال: بئس ما صنعوا، والنكاح جائز والشرط باطل، ويدخل متى شاء، وقاله ابن وهب عن مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 283
[فصل 2 - فيمن دعي إلى البناء وعجز عن الجماع هل تلزمه النفقة؟]
ومن المدونة: وإذا دعي الزوج إلى البناء وزوجته رتقاء لا يقدر على جماعها خير الزوج بين أن يقيم معها أو يفارقها، فإن فارقها فلا صداق لها إلا أن تعالج نفسها بأمرٍ يصل به إلى جماعها، ثم تدعوه إلى البناء فلها الصداق والنفقة، ولا تجبر هي على العلاج، ومن دعته زوجته إلى البناء والنفقة، وأحدهما مريضٌ مرضًا لا يقدر معه على الجماع، لزمه أن يدخل أو ينفق، ولا يشبه هذا الصبي أو الصبية، وإذا كانا صحيحين في العقد لم ينظر إلى ما حدث بهما من مرض، إلا أن يكون مرضًا بلغ من المرأة حد السياق، فلا يلزم الزوج حينئذ أن يدخل عليها إن دعته، لأن دخول هذا وغير دخوله سواء، والصداق أوجب من النفقة في هذه المسائل، ولها أخذه به حين تزويجها، دخل بها أو لم يدخل.
ولو جذمت الزوجة بعد النكاح جذاماً لا يستطاع الجماع معه، فدعته إلى البناء، قيل له: ادفع الصداق وأنفق وادخل أو طلق.
قال الشيخ: لأن المنع لم يكن من قبلها، وقد كانت يوم العقد ممن يمكن الاستمتاع بها، وتلزمه النفقة عليها، فلا يسقطها ما حدث من أمر الله بها.
[فصل 3 - في نفقة المرأة الناشز]
ولا نفقة لناشز، لما بينا أنها في مقابلة التمكين والاستمتاع، فإذا منعته نفسها ولم تمكنه لم يجب لها نفقة.
الجزء: 9 - الصفحة: 284
ابن المنذر: وقاله الشعبي وحماد ومالك والأوزاعي والشافعي وأبو ثور وأصحاب الرأي، ولا أعلم أحدًا خالف هذا إلا ابن عبد الحكم فإنه قال في امرأةٍ خرجت من بيت زوجها عاصية: لها النفقة، والأول أصح.
وفي/ كتاب ابن المواز: وإذا غلبت امرأة زوجها فخرجت من منزله وأبت أن ترجع وأبي أن ينفق عليها حتى ترجع، فأنفقت من عندها، قال مالك لها اتباعه بذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 285
ولسحنون في التي تهرب من زوجها من القيروان إلى تونس، أو تنشز عنه الأيام فتطلبه بالنفقة قال: إن نشزت، لأنها تدعى أنه طلقها، فلا نفقة لها، وإن قالت: إنما فعلت ذلك بغضة [له] فلها النفقة كالعبد الآبق نفقته على سيده.
وفي كتاب أبي بكر الوقار: فإذا احتجبت المرأة عن زوجها وطلبت منه النفقة فلا نفقة لها ما حجبت نفسها عنه، فإذا كانت معه في منزل ومنعته من نفسها فعليه النفقة، وعليه الاحتيال في الوصول إليها، وإذا مرضت فعليه النفقة، وليس عليه أن يجاوز ما يلزمه لها في صحتها، ليس عليه دواء، ولا أجر طبيبٍ، ولا علاج إلا أن يتطوع بذلك.
قال عبد الوهاب: لا يخلو حال المرأة من ثلاثة أوجه: أن يعدم منها الوطء من قبل الله تعالى من مرضٍ ونحوه، أو من قبل الزوج من سفرٍ، أو تركٍ، فلا تسقط النفقة في هذين الوجهين، أما ما يكون من قبلها من نشوزها ومنع الزوج من وطئها، فلا تلزمه لها نفقة.
[فصل 4 - فيما يلزم العبد والمكاتب والمكاتبة من النفقة]
ومن المدونة: قال مالك: وبياع على الرجل فيما يلزمه من نفقة امرأته عروضه وربعه إن لم يكن له عين.
الجزء: 9 - الصفحة: 286
قال مالك: ويلزم العبد نفقة امرأته حرة كانت أو أمةً وإن كانت الأمة تبيت عند أهلها.
قال: ونفقة زوجة العبد في ماله إن كان له مال، ولا نفقة لها من كسبه وغلته، وذلك لسيده، فإن لم يجد غيره فرق بينهما إلا أن يتطوع السيد بالنفقة، ولا يباع العبد في نفقة زوجته.
قال مالك: ولا يلزم العبد نفقة أولاده الأحرار ولا العبيد.
قال عنه ابن وهب: وليس على العبد أن ينفق من ماله على من لا يملك سيده، وذلك الأمر عندنا.
ابن القاسم: ولا تجبر أم الولد على نفقة ولدها كالحرة، وإذا كان زوج المكاتبة عبدًا فحدث لها في كتابتها ولد فنفقتهم عليها، لأنهم كأنهم عبيدها، ونفقتها هي على زوجها.
وكذلك إن كان زوجها في كتابةٍ أخرى على حِدَة، فحدث بينهما ولد، كانت نفقتهم عليها، ونفقتها هي على الزوج، فإن لم ينفق عليها فرق بينهما، فإن كانت كتابة الأم والأولاد واحدةً فنفقتها ونفقة الولد على الأب، حدثوا في الكتابة أو كاتب عليهم، وليس عجز المكاتب عن نفقة ولده الصغار كعجزه عن الكتابة والجناية.
فصل [5 - في مقدار نفقة الزوجة]
قلت لابن القاسم: وإذا خاصمت المرأة زوجها في النفقة كم يفرض لها، أنفقة سنةٍ، أو نفقة شهرٍ بشهر؟
الجزء: 9 - الصفحة: 287
قال: إنما ذلك على الاجتهاد الإمام في عسر الرجل ويسره، وليس الناس في ذلك سواءً، وينظر الإمام في ذلك أيضًا، فيفرض لها قدر حالها وحاله في عسره ويسره.
قال الشيخ: قال سحنون: يجري عليها بقدر ما يرى السلطان من جدته، فمن الناس من يجري عليه يومًا بيومٍ، ومنهم جمعةً بجمعةٍ، ومنهم شهرًا بشهر.
قال ابن المواز: وإذا لم يجد إلا قوت شهرٍ لم يفرق بينهما، ويتلوم له إذا فرغ.
قال ابن حبيب: وإن لم يجد إلا الخبز وحده وما يواري به عورتها ولو بثوبٍ واحد- قال مالك: من غليظ الكتان- لم يفرق بينهما، كانت غنيةً أو فقيرةً، فإن عجز عن هذين أو أحدهما فرق بينهما بطلقة.
[فصل 6 - فيما إذا عجز الزوج عن النفقة أو أيسر في حال العجز]
ومن المدونة:/ قال ابن القاسم: فإن لم يقدر أن ينفق عليها فرق السلطان بينهما بعد التلوم، ويختلف في التلوم فيمن يرجى له ومن لا يرجى له.
قال مالك: فإن أيسر الزوج في العدة ارتجع إن شاء، وإن لم ييسر فلا رجعة له، ورجعته باطلة.
ابن المواز: عن ابن القاسم: وإذا وجد نفقة شهرٍ كان أملك بها في العدة، وإن لم يجد إلا مثل نفقة العشرة الأيام، أو خمسة عشر يوماً فلا رجعة له، لأن ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 288
لا قدر له، وهو يصير إلى ضرر، وقاله أصبغ وابن حبيب، وهذا إذا كان الفرض عليه شهراً شهرًا، فأما من كان الفرض عليه بالأيام لقلة ماله فإذا وجد الذي لو جاء به لم تطلق عليه فله الرجعة.
[فصل 7 - في اشتراط الزوجة حميلاً بالنفقة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان الزوج حاضرًا ففرض لها السلطان نفقة شهرٍ بشهرٍ فأرادت منه حميلًا فلا يلزمه أن يعطيها بذلك حميلًا، ومن طلق وأراد سفرًا فقالت له امرأته: أخاف حملاً فأقم لي بالنفقة حميلًا لم يلزمه حميل إلا في حملٍ ظاهر، فإن ظهر بها حملٌ بعد أن سافر اتبعته بما أنفقت إن كان في حال حملها موسراً.
ابن المواز: قال مالك: لا يمنع من السفر، ولا عليه وضع النفقة إن ادعت الحمل.
وقال أصبغ: إن تبين طول سفره، وهي ممن يخاف عليها الحمل، فليعطها حميلاً بالنفقة، أو يوقف لها مالًا، وإن لم يكن بها ما وصفت لك فلا شيء عليه، ولا يمنع من السفر.
قال مالك: فإذا أنفق عليها بغير قضيةٍ وقد ادعت الحمل ثم بطل الحمل لم يرجع عليها إذا أنفق عليها بدعواها، أو بقول القوابل، وإن أنفق بقضيةٍ رجع عليها.
الجزء: 9 - الصفحة: 289
ابن المواز: لأنه انكشف أن ما قضي به غير حق.
وقال عبد الملك: إن أنفق بغير قضاءٍ فله أن يرجع، ورواه عن مالك، وإن أنفق بحكم لم يرجع عليها بشيء.
ابن المواز: وأحب إلى أن يرجع في الوجهين إن تبين ذلك بإقرارٍ منهما أو بغير إقرار.
ومن المدونة: وإن أراد الزوج سفراً فطلبته امرأته بالنفقة، فرض لها بقدر ما يرى من إبعاده ومقامه فيدفعه إليها أو يقيم لها به كفيلاً يجريه لها.
فصل [8 - في دعوى المرأة عدم الإنفاق عليها]
ومن أقام مع امرأته سنين بعد البناء بها وهو مليء، فادعت أنه لم ينفق عليها فلها أخذه بها إن صدقها، وإن أنكر فالقول قوله ويحلف.
قال ابن القاسم: وإذا قدم الغائب فقال: كنت أبعث إلى زوجتي بالنفقة وأجريها عليها، وكذبته فالقول قوله مع يمينه، إلا أن تكون المرأة رفعت ذلك إلى السلطان، واستعدت في غيبته، فمن يومئذٍ تلزمه النفقة إن كان مليًا، ولا يقبل دعواه الإرسال بعد قيامها إلا أن يأتي بالمخرج.
قال مالك في كتاب محمد: وليس عليه أن يحلف أنه بعث بذلك إليها، إنما يحلف أنها قبضت ذلك ووصل إليها ويبرأ.
قيل: وكيف يعلم وهو غائب عنها؟
قال: يكون قد دفعه إليها قبل خروجه، أو جاء بذلك كتابها إليه، أو قدم من عندها من يخبره.
الجزء: 9 - الصفحة: 290
قال الشيخ: وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن: إذا طلق على الغائب لعدم النفقة، ثم أتى فأثبت أنه ترك لها النفقة، فإنها ترد إليه، كان قد دخل بها أم لا، وهي لمحمد.
قيل: فإن تزوجت ودخل بها الثاني؟
قال: ترد إليه أبداً.
وقد قال ابن المواز فيمن له زوجة تدعى عائشة، فقال: عائشة طالق، وقال: أردت زوجة لي غائبةً تسمى عائشة، فطلقت الحاضرة، إذ لم يعلم صدقه، ثم ظهر أنه صادق فيما/ زعمه أن المطلقة ترد إليه وإن تزوجت ودخل بها الثاني فكذلك مسألتك.
قال الشيخ: وذكر عن الشيخ أبي الحسن أنه قال فيمن غاب عن زوجته ولا مال له ينفق عليها منه: فقد قال بعض أصحابنا: أنها تطلق، ولا أرى ذلك، وليس هو كالحاضر، لأن الحاضر قد استأصل الحكم حجته، والغائب عسى أن تكون له حجة.
وقال أبو محمد: لا فرق عندي بين الحاضر والغائب، وأرى أن يفرق بينهما إذا لم يكن له مال ينفق عليها منه، وبالناس اليوم ضرورة إلى ذلك.
وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال فيمن فقد عن زوجته قبل البناء، وهي بكر في حجر أبيها، فطلب الأب الصداق والنفقة والكسوة وجميع لوازمها في مال الزوج، فقال: له أن يأخذ جميع ذلك إذا كان يسع، هذا قول ابن القاسم، ورواه أصحابه المصريون والأندلسيون، عيسى وأصبغ.
الجزء: 9 - الصفحة: 291
وقال أصبغ: وإنما كان له الصداق كاملاً، لأنه لو كان معها وامتنع من الدخول لزمه أن يدفع إليها جميعه، فإذا امتنع منها ببعد الغيبة لزم ذلك في ماله، وهذا لا اختلاف فيه وإنما الخلاف في امرأة المفقود إذا رفعت أمرها إلى السلطان وأرادت الخروج من عصمته، فضرب له أجل أربع سنين من بعد الكشف عنه فلم يعرف له خبر، فاعتدت منه عدة الوفاة ولزمها الإحداد، فصار حكمها معه كحكم الميت، فأوجبوا لها الصداق، فإن قدم وقد تزوجت ودخل بها الثاني فقال مالك وابن القاسم وغيرهما: لا ترد من الصداق شيئاً.
وقيال: بل ترد نصف الصداق، لأنه قد ثبت أن طلاق حقيقة.
قال ابن دينار: يدفع إليها نصف الصداق ويوقف نصفه، فإن حكم بموته رد إليها، ففي هذا الوجه اختلف، وليس يدخل في هذا ما ذكر عن سحنون أنها إذا طلبت الزوجة مهرها عند دخوله بها، فرأى أن تصبر عليه، لأن ذلك عرف الناس، لأن في مسألتنا قد أطال الغيبة وانقطع خبره.
فإذا لم يقدر على إيقافه لبعد غيبته، أو لجهالة موضعه صار حكمه حكم من لزمه الدخول فامتنع فلزمته النفقة والصداق، وهذا القول في العتبية والموازية، ولم يذكر محمد في هذه المسألة اختلافاً، ولا العتبي.
وفي السليمانية قال: لا نفقة لها في ماله، لأنه لم يدخل بها ولم يدع إليه لغيبته، ولا يجب لها عليه صداق إلا من بعد ضرب السلطان له الأجل أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً، فعند ذلك يجب لها نصف الصداق، وتتزوج إن أرادت النكاح، وأما قبل ذلك فلا.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أنفقت المرأة على نفسها وزوجها حاضر، وقد ظهر بها حمل، فلم تطلبه بذلك حتى وضعت حملها، كان لها أن تتبعه بما
الجزء: 9 - الصفحة: 292
أنفقت في الحمل، وما أنفقت على نفسها في غيبته أو حضرته وهو معدم فلا شيء لها عليه، وإنما لها إن لم يقدر الزوج على النفقة أن ترضى بالمقام معه، أو يفارقها، فإذا أنفقت الزوجة على نفسها وعلى صغار ولدها وأبكار بناتها من مالها والزوج غائب، فلها اتباعه بذلك إن كان في وقت نفقتها موسراً، وتضرب بما أنفقت على نفسها مع الغرماء/ ولا تضرب معهم بما أنفقت على الولد
قال الشيخ: وإنما فرق بين ما أنفقت على نفسها وبين ما أنفقت على ولدها لأن نفقتها عنده أوجب من نفقة الولد، لأن نفقة الزوجة تسقط الزكاة، كانت بقضية أو بغير قضية، فهي كالدين عليه لأجنبي، ونفقة الولد لا تسقط الزكاة لأنها لا تجب لهم حتى يبتغوها.
قال الشيخ: ويجب على قول أشهب الذي يرى أن نفقة الولد كالزوجة وتسقط بها الزكاة، أن تضرب مع الغرماء بما أنفقت على نفسها وعلى ولدها.
قال ابن حبيب: وتضرب بما أنفقت على نفسها في الفلس والموت، قاله مالك وابن القاسم.
وقال مالك أيضًا: تضرب في الفلس لا في الموت.
قال مالك: وإنما تضرب بما أنفقت في غيبته من يوم ترفع ذلك إلى السلطان إلى يوم مات أو فلس، وما كان قبل ذلك فلا، لأنها من يوم يحكم لها بالنفقة لا يقبل قول الزوج بعد ذلك أنه كان يبعث إليها بالنفقة، لكنها تحلف أن ما ذكر باطل، وتبرأ من دعواه.
وكذلك قال مالك في كتاب ابن المواز: أنها إنما تحاص بما أنفقت بعد أن رفعت إلى السلطان، لا ما أنفقت قبل ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 293
ومن العتبية: قال سحنون في زوجة الغائب تنفق من مالها على نفسها: أنها تحاص غرماءه بما أنفقت على نفسها في الدين المستحدث، فأما في دينٍ قبل نفقتها فلا تحاص به.
ابن حبيب: فإذا رفعت امرأة الغائب أمرها إلى الإمام في النفقة، وله مال حاضر، حلفها أنه ما ترك لها نفقة، ولا بعث إليها نفقة، ولا وضعتها عنه ثم فرض لها.
قال: والغائب أبداً من أهل النفقة حتى تثبت بينة أنه عديم من يوم خرج، أو أعدم في وقتٍ يذكره فتزول عنه في عدمه، وإذا خرج معدمًا فالقول قوله أنه كذلك- يعني وعليها هي البينة بملائه- وإن خرج ملياً فعليه البينة أنه أعدم، فإن أشكل أمره يوم خرج فعليه البينة أنه معدم في غيبته، قاله ابن الماجشون في ذلك كله.
وقال ابن المواز عن ابن القاسم: إن قدم معسراً وقال: ما زلت كذلك منذ غبت، وأكذبته، فهو مصدق مع يمينه حتى تقوم بينة بخلافه.
ولو قدم موسراً وادعى مثل ذلك لم يصدق إلا ببينة.
وقال في العتبية عن ابن كنانة وسحنون: إذا قدم وقال: كنت معدماً في غيبتي، فالقول قوله، وعلى المرأة البينة.
الجزء: 9 - الصفحة: 294
ومن المدونة: قال: فإن أنفقت عليه في ذاته وهو حاضر مليء أو معدم فلها إتباعه بذلك إلا أن يرى أن ذلك بمعنى الصلة، وكذلك من أنفق على أجنبي مدةً فله إتباعه بما أنفق، إلا أن يرى أنه أراد بذلك معنى الصلة والضيافة فلا شيء له، ومن قضي له بذلك لم يأخذ بما أنفق من السرف كالدجاج والخراف ونحوه، ولكن بنفقةٍ ليست بسرف.
فصل [9 - في الرجوع على الصبي بما أنفق عليه]
ومن أنفق على صبي صغيرٍ لم يرجع عليه بشيء إلا أن يكون للصبي مالٌ حين أنفق عليه- يريد والمنفق به عالم- فيرجع بما أنفق عليه في ماله ذلك، فإن تلف ذلك المال وكبر الصبي فأفاد مالًا لم يرجع عليه بشيء.
قال مالك: وإذا أنفق الوصي التركة على الطفل ثم يطرأ دين على أبيه يغترقها ولم يعلم به الوصي فلا شيء عليه ولا على الصبي وإن أيسر الصبي.
وقال المخزومي: يتبع الصبي بما أنفق عليه، لأن صاحب الدين لم ينفقه على اليتيم فيرى أن ذلك من حسبه.
فصل [10 - في قدرة الرجل على نفقة امرأته دون ولده]
وإذا قوي الرجل على نفقة امرأته دون صغار ولده منها لم تطلق عليه، إذ لا تلزمه النفقة على ولده إلا في يسره، ويكون الولد من فقراء المسلمين.
الجزء: 9 - الصفحة: 295
فصل [11 - في محاصة الرجل بالدين على امرأته]
ومن له على امرأته دين وهي معسرة فلا يحاصمها به في نفقتها، وعليه أن ينفق عليها، ويتبعها بدينه، وإن كانت مليئةً فله محاصتها بدينه في نفقتها.
فصل [12 - في اختلاف الزوجين في قدر النفقة المفروضة]
وإذا فرض القاضي للزوجة ثم مات، أو عزل، فادعت امرأة قدراً، وادعى الزوج دونه، فالقول قوله إذا أشبه نفقة مثلها، وإلا فقولها فيما يشبه، فإن لم يأتيا بما يشبه ابتدأ لها الفرض.
فصل [13 - في اختلافهما في ثوب أنه هدية أو نفقة مفروضة]
ومن دفع إلى زوجته ثوباً فادعت أنها أخذته هدية، وقال الزوج: بل في فرضك، فالقول قوله إلا أن يكون الثوب لا يفرض مثله لمثلها فالقول قولها.
فصل [14 - في تلف النفقة بعد القبض، وموت أحد الزوجين
بعده، وفرض النفقة على الغائب]
وإذا قبضت نفقة شهرٍ فتلفت قبل الشهر أو أنفدتها، أو تخرقت الكسوة، أو سرقت قبل مدتها، فلا شيء لها على الزوج، وكذلك إن دفع إليها نفقة سنةٍ
الجزء: 9 - الصفحة: 296
عنها أو عن ولدها فقد ضمنتها بالقبض، وإن هلك الزوج أو هلكت الزوجة قبل المدة رجع الزوج بما بقى في المحاسبة.
ومن كتاب القذف: قال مالك: فإذا دفع إليها نفقة سنةٍ أو كسوتها بفريضة قاضٍ أو بغير فريضة، ثم مات أحدهما بعد يوم أو يومين أو شهرٍ أو أشهرٍ فلترد بقية النفقة بقدر من السنة، واستحسن في الكسوة ألا ترد إذا مات أحدهما بعد أشهر.
قال ابن القاسم: وأما بعد عشرة أيامٍ ونحوها فهذا قريب.
ووجه ما قال مالك إذا مضت الأشهر.
قال سحنون: ولا يعتدل هذا، يعطيها الكسوة تلبسها ثلاثة أشهرٍ لا تتبع بشيء.
ومن النكاح قال: ولا يفرض على الغائب النفقة لزوجته إلا أن يكون له مال يعدا فيه، وتباع فيها عروضه وربعه إن لم يكن له عين، ولا يؤخذ منها بما تأخذ كفيل، ويبقى الزوج على حجته إذا قدم، وهكذا يصنع فيه إذا أقيم عليه بدين وهو غائب، وإن كان للزوج ودائع وديون فرض للزوجة نفقتها في ذلك، ولها أن تقيم البينة على من جحد ذلك من غرمائه أن لزوجها عليهم ديناً، ويقضي عليهم بنفقتها، وكذلك لمن قام عليه بدين، وإذا لم يكن للزوج مال يعدل فيه فأنفقت من عندها حتى قدم، فإن كان في غيبته مليئًا رجعت عليه وإلا فلا.
قال ابن حبيب: وإن خرج معدمًا فالقول قوله أنه كذلك بقي في غيبته، وعليها البينة بملائه، وإن خرج مليئاً أو أشكل أمره يوم خرج فعليه البينة أنه
الجزء: 9 - الصفحة: 297
كان معدمًا في غيبته، وقال ابن الماجشون في ذلك كله.
فصل [15 - في نفقة المجوسية إن أسلم زوجها]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلم المجوسي فلا نفقة لزوجته المجوسية، إذ لا تؤخراً إما أن تسلم وإلا فرق بينهما.
فصل [16 - في التفريق بين الزوجين للعجز عن النفقة
وما يضرب للزوج من الأجل]
قال مالك: كان من أدركت يقولون: إنه إذا لم ينفق الرجل على امرأته فرق بينهما.
قال ابن القاسم: وإذا لم يقدر الزوج على نفقة امرأته وهما حران أو عبدان أو أحدهما لم ترض الزوجة بالمقام معه تلوم له الإمام، فإن قدر على نفقتها وإلا فرق بينهما.
قال مالك: والناس في هذا مختلفون، منهم من يطمع له بقوةٍ ومنهم من لا يطمع له.
ابن وهب: وأمر عمر بن عبد العزيز أن يضرب للزوج في التلوم في النفقة أجل شهرٍ أو شهرين، وقاله سعيد بن المسبب، قالا: فإن لم ينفق عليها إلى ذلك الأجل فرق بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 298
قيل لابن المسيب: يا أبا محمد: أسنة هذه؟ فأقبل بوجهه كالمغصب، وقال: سُنَّة، سُنَّة، نَعَمُ سُنَّة.
قال عبد الوهاب: وقيل: بتلوم له الإمام الأيام اليسيرة كالثلاثة/ ونحوها، فإن أنفق وإلا طلقت عليه قال: وإنما قلنا: إنه يفرق بالإعسار خلافاً لأبي حنيفة لقوله تعالى: ﴿وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ﴾، وفي إمساكه إياها بغير إنفاقٍ ضرر بها وتضييق عليها.
وقوله تعالى: ﴿فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: "تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني"، ولأن النفقة في مقابلة الاستمتاع، فلما كانت إذا أنشزت لا نفقة لها لمنعها الاستمتاع كان لها إذا لم تجد النفقة مفارقته، ولأنه لما كان لها مفارقته في الإيلاء والعنة وضررهما أيسر من ضرر النفقة كان في عدم النفقة أولى.
[فصل 17 - في إنفاق الزوج الفقير، وإنفاق السيد على أم ولده ومدبره]
ومن المدونة: قال يحيى بن سعيد، وإذا افتقر الزوج ووجد ما يقيمها به من الخبز والزيت وغليظ الثياب لم يفرق بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 299
قال ربيعة: وأما الشعلة والعباءة فعسى أن لا يؤمر بكسوتها.
- قال الشيخ: يريد ولا يجزئه، وليس عليه خادم إلا في يسره ويتعاونان على الخدمة في عسره.
قال ابن القاسم: وليس على المرأة من خدمة بيتها شيء.
قال ابن المواز: قال مالك: فإن علمت المرأة أنه فقير عند نكاحه إياها فلها عليه القيام بالنفقة، إلا أن تعلم أنه من السؤال قبل نكاحه فلا حجة لها.
قال الشيخ: وروي لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن في الرجل لا يجد ما ينفق على أم ولده، أو يغيب إلى بلدٍ ولا يترك لها نفقة، فقال: تعتق عليه ولا تزوج، لأن تزويج السيد إياها مكروه، فكيف يأمر الحاكم بفعلٍ مكروه.
وذكر عن أبي بكر بن اللباد عن يحيى بن عمر أنه قال: إذا لم يكن في عملها ما يكفيها في نفقتها فلتعتق عليه.
قال أبو بكر: وكذلك قال أشهب: تعتق عليه.
وقال بعض القرويين: تزوج عليه إن كان غائباً، أو يزوجها هو إن كان حاضراً وعجز عن نفقتها، لأنا نجد سبيلاً إلى النفقة بهذا فهو أولى من إخراجها عنه بالعتق.
الجزء: 9 - الصفحة: 300
قال: والمدبر إذا لم يكن في خدمته وإجارته كفاية نفقته، ولم يجد السيد ما ينفق عليه فإنه يعتق عليه.
وذكر أبو عمران عن الصيرفي في سماع ابن القاسم: إذا أعسر الرجل لخدمة امرأته طلقت عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 301
[الباب العشرون]
في العنين والمجنون والأجذم وتأجيلهم
[فصل 1 - في الحكم إن كان الزوج عنيناً أو مجنوناً]
وقضي عمر وابن مسعودٍ رضي الله عنهما في الرجل يبني بامرأته فلا يستطيع أن يمسها أن يضرب له أجل سنةٍ من يوم ترافعه، فإذا مضت سنة ولم يصبها اعتدت وكانت طلقة بائنة، وقاله ابن المسيب وابن يسار.
قال عمر: وكذلك المجنون يضرب له أجل سنةٍ بتداوي فيها، فإن يرى وإلا فرق بينهما.
قال مالك: والعنين الذي يؤجل هو المعترض عن امرأته، وإن أصاب غيرها من حرةٍ أو أمةٍ يضرب له السلطان أجل سنةٍ من يوم ترافعه، فإن لم يصبها في الأجل فإما رضيت بالمقام معه وإلا فرق بينهما بتطليقةٍ واعتدت؛ لأن العدة حق الله لأنه قد خلا بها، ولو كان في ذلك ولد للحق به إلا أن ينفيه بلعانٍ ولا رجعة له لأنه قبل الدخول، ولها الصداق لطول المدة.
قال مالك: وقال ناس: لها نصفه، وإنما أرى لها نصفه إذا طلقها هو بقرب البناء.
الجزء: 9 - الصفحة: 302
قال عبد الوهاب: وفي تكميل الصداق روايتان، إحداهما: أنه يكمل، والأخرى: أنه إن طال مقامه معها وتلذذه بها أكمل لها، وإن كان بحدثان دخوله لزمه نصفه.
فوجه الإطلاق: فلأنها فعلت ما يلزمها من التمكين، فعجزه عن استيفاء حقه لا يسقط ما وجب لها.
ووجه التفصيل: أنه دخل على/ أنه يستمتع بلا وطء، فلا يجوز أن يكمل عليه الصداق من غير استيفائه ذلك، وأما إن طالت إقامته وتلذذه فقد استمتع، فأشبه السليم إذا وطيء فيه بقرب البناء.
قال الشيخ: قال ابن الماجشون وغيره، وإنما الذي لا يؤجل وتطلق عليه مكانه مثل المجبوب والعنين غير المعترض فلا صداق لها؛ لأن الفراق من قبلها، وهذا إذا كان بقرب البناء.
وقال ابن حبيب: حال العنين والحصور والمعترض مختلف، فالعنين: الذي لا ينتشر، ذكره كالأصبع في جسده، لا ينقبض ولا ينبسط، والحصور: الذي يخلق بغير ذكر، أو بذكر صغير كالزر وشبهه، لا يمكنه به وطء، فهذان إن أقرا بحالهما فطلبت الزوجة الفراق بينهما بطلقة، وكذلك المجبوب، ولا تأجيل فيهم، وإنما يؤجل المعترض، فيؤجل سنة من يوم ترافعه إذا أقر بالاعتراض، فإذا تمت السنة ولم ينطلق من اعتراضه وطلبت زوجته الفراق طلق عليه السلطان طلقةً بائنةً.
قال عبد الوهاب: العنين الذي له ذكر شديد الصغر لا يمكن الجماع بمثله، والمعترض: هو الذي لا يقدر على الوطء لعلةٍ به، وهو بصفة من يمكنه الوطء.
الجزء: 9 - الصفحة: 303
[فصل 2 - في الأجل الذي يضرب للمعترض]
قال: ويضرب للمعترض أجل سنةٍ للحر من يوم ترافعه، وللعبد ستة أشهر، وقيل: سنة، فإن أصاب في الأجل وإلا أطلق عليه السلطان، وإنما قلنا: يضرب للمعترض الحر أجل سنة، لإجماع الصحابة على ذلك، روي عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وغيرهم، ولا مخالف لهم، ولأن الاعتراض مرض يرجى برؤه، فضرب له السنة لرجاء علاج، إذ قد يكون مرضًا يؤثر فيه الزمان، والسنة تجمع الفصول الأربعة، فلعله بالانتقال من زمانٍ إلى زمانٍ يزول عنه، ولأنها قد جعلت حداً في النكاح وغيره لاختبار أمورٍ منها: طول إقامة البكر عند الزوج، وعهدة الرقيق في الأدواء، وغير ذلك.
وأما العبد فوجه القول بأنه سنة: اعتباراً بالحر، ولأن الغرض اختباره بتأثير الأزمنة في مرضه، وذلك يستوي فيه الحر والعبد.
ووجه القول بأنه ستة أشهر: لقربه من الفراق كأجل الإيلاء.
وإنما قلنا: إن الأجل من يوم ترافعه بخلاف المولي نفسه الإيلاء، لأن المولي لا عذر له في أن يستأنف له الأجل، لأنه قادر على رفع الإيلاء، فهو في تماديه عليه مضار، والمعترض لا يقدر على رفع اعتراضه، وهو معذور بترك العلاج، لأنه يقول: لم أعلم أنها ترافعني، فكنت أقدم الاجتهاد في العلاج.
الجزء: 9 - الصفحة: 304
[فصل 3 - في تداعي الزوجين في الجماع]
قال: ولا يحكم بالعنة بدعواها إذا أنكر، خلافاً لأحمد بن جنبل، لأن الأصل السلامة، والدعويان إذا تعارضتا، وإحداهما ترفع العقد أو تثبت خيارًا فيه فالقول قول مدعي الصحة والاستقرار منهما كدعوى عيبٍ بالمبيع، وكذلك إذا قال: جامعتها في الأجل، وأنكرت فالقول قوله مع يمينه إن كانت ثيباً، خلافًا للأوزاعي، لأنها مدعية عليه استحقاق الفراق وهو منكر، ولأن ذلك موكول إلى أمانته، إذ لا يقدر على الإشهاد على وطئه، كما أن القول قولها في تداعيهما المسيس.
وأما البكر ففيها روايتان:
إحداهما: أنها كالثيب، والأخرى، أن ينظر إليها النساء فإن قلن: بها أثر إصابة، فالقول قوله، وإن قلن: إنها على النكاح، صدقت عليه، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي، فوجه أنها كالثيب: لأن إدعاء المعترض الوطء في الأجل موكول إلى أمانته كالثيب، ووجه الأخرى: أنه إذا وجدنا طريقاً يوصل إلى العلم بذلك يقيناً فهو/ أولى من الرجوع إلى أمانته ومالا يعلم صدقه فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 305
ومن المدونة: وإذا قال المعترض في الأجل: جامعتها، وأكذبته، فقد نزلت بالمدينة فتوقف فيها مالك، وأفتى غيره بالمدينة أن تجعل الصفرة في قبلها، وقال ناس: يجعل النساء معها.
قال ابن القاسم: إلا أني رأيت وجه قول مالك: أن يدين الزوج في ذلك ويحلف، وسمعته منه غير مرة، وهو رأيي، فإن نكل حلفت المرأة وفرق بينهما، فإن نكلت بقيت له زوجة.
فصل [4 - في الحكم إن حدث الاعتراض
أو الجنون أو الجذام بعد النكاح]
قال مالك: ومن تزوج امرأة فوطئها مرةً واحدةً في ذلك النكاح، ثم اعترض عنها أو حدث له ما يمنعه الوطء من علةٍ أو زمانةٍ فلا حجة لها.
وقد تقدم في كتاب النكاح الأول ذكر امرأة الخصي والمجبوب والعنين تعلم به فتتركه ثم ترافعه قال: فلا كلام لامرأة الخصي والمجبوب، قال: فأما امرأة العنين فلها أن ترافعه ويؤجل سنة، لأنها تقول: تركته لرجاء علاجٍ أو غيره، إلا أن يتزوج بها وهي تعلم أنه لا يأتي النساء رأساً فلا كلام لها.
قال في الثاني: ويجوز ضرب ولاة المياه وصاحب الشرطة الأجل للعنين والمفقود.
الجزء: 9 - الصفحة: 306
ومن تزوج امرأة فوصل إليها مرة ثم طلقها ثم نكحها ثانيةً فاعترض عنها فلها مرافعته وضرب الأجل.
قال عبد الوهاب: ولو طلق عليه أولاً بالاعتراض ثم تزوجته بعد ذلك عالمةً بعيبه فلها أن ترافعه، ويضرب له الأجل ثانية، بخلاف الخصي والمجبوب، لأن الاعتراض مرضٌ يرجى زواله، فإذا تزوجته تقول: رجوت أن يكون قد زال مرضه عنه، فلم يوجب ذلك رضاها به لا محالة.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا حدث بالزوج جنونٌ بعد النكاح عزل عنها وأجل سنة لعلاجه، فإن صح وإلا فرق بينهما، وقضي به عمر رضي الله عنه.
قال ربيعة: إن كان يؤذيها ولا يعفيها من نفسه لم توقف عليه، ولم تحبس عنده، وإن كان يعفيها من نفسه ولا يرهقها بسوء صحبته لم يجز طلاقه إياها.
قال مالك: والمجذوم البين جذامه يفرق بينه وبين امرأته إذا طلبت ذلك.
قيل لابن القاسم: فهل يضرب له أجل سنةٍ للعلاج مثل المجنون؟
فقال: إن كان ممن يرجى برؤه وقدر على العلاج فليضرب له الأجل.
ابن المواز: قال مالك: وإذا اختارت الزوجة فراق الزوج لما حدث به بعد العقد من جنونٍ أو جذامٍ فلا صداق لها إذا فرق بينهما قبل البناء.
الجزء: 9 - الصفحة: 307
[الباب الحادي والعشرون]
في اختلاف الزوجين في متاع البيت
قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ﴾، فالعرف أصل يقضي به.
قال مالك: وإذا اختلف الزوج والمرأة في متاع البيت وقد طلقها، أو لم يطلقها أو ماتا أو مات أحدهما فاختلف الورثة، فإن لم تقم بينة قضي للمرأة بما يعرف أنه للنساء.
- قال ابن حبيب: مع يمينها.
مالك: ويقضي للرجل بما يعرف أنه للرجال، أو للرجال والنساء، لأن البيت بيته.
ابن حبيب: مع يمينه.
وقال سحنون: بغير يمينٍ فيما يعرف لأحدهما، وما كان يعرف لهما فهو للزوج مع يمينه.
مالك: فإن نكل حلفت المرأة وكان لها.
وقال المغيرة: ما كان يعرف بالرجل ويعرف بالمرأة فهو بينهما بعد أيمانهما، وقاله ابن القاسم.
ومن المدونة: قال مالك: وما ولي الرجل شراءه من متاع النساء وأقام بذلك/ بينة أخذه بيمينه أنه ما اشتراه إلا لنفسه، إلا أن يكون لها أو لورثتها بينه أنه اشتراه لها.
قال مالك: وما كان في البيت من متاع الرجل فأقامت المرأة فيه بينة أنها اشترته فهو لها- يريد مع يمينها أنها اشترته لنفسها- وورثتها في اليمين والبينة بمنزلتها
الجزء: 9 - الصفحة: 308
إلا أنهم إنما يحلفون على علمهم أنهم لا يعلمون أن الزوج اشترى هذا المتاع الذي يدعي من متاع النساء، ولو كانت المرأة حيةً حلفت على البتات، وورثة الرجل بهذه المنزلة.
قال: والمتاع الذي يعرف للنساء مثل: الطست والتور والمنارة والبسط والقباب والحجال والوسائد والمرافق والأسرة والفرش.
قال ابن القاسم: وجميع الحلي لا شيء للرجل فيه إلا السيف والمنطقة والخاتم- يريد الفضة- وللرجل جميع الرقيق ذاكراناً وإناثاً، لأن الذكور مما يكون للرجال، والإناث مما يكون للرجال والنساء، فالرجل أولى بهن، إلا أن يكون للمرأة فيهم حيازة تعرف، فيكونون لها.
قيل لابن القاسم: فالحيوان: الإبل والبقر والغنم والدواب؟
قال: هذا مما لم يتكلم الناس فيه، لأن هذا ليس من متاع البيت، وإنما لمن حازه، وكذلك ما كان في المرعى أو ما كان في المرابط من خيلٍ أو بغالٍ أو حميرٍ
الجزء: 9 - الصفحة: 309
فهي لمن حازها، ولا أبالي في هذا الاختلاف كانت رقبة الدار لهما أو لغيرهما، وإن اختلفا في الدار بعينها كانت للرجل.
قال في الواضحة: والخص كالدار.
ابن القاسم: وكذلك إن كان الزوجان عبدين أو أحدهما عبدًا أو مكاتب والآخر حر، أو كان الزوج مسلمًا وهي كافرة، فاختلفا في متاع البيت وهما زوجان، أو عند طلاقٍ أو خلعٍ أو لعانٍ أو فرقٍ بإيلاءٍ أو غيره، فهما في ذلك كالحرين فيما وصفنا.
ومن المختصر عن مالك: وما نسجته هي من الصوف، والصوف من عنده فهو بينهما، لها بقدر قيمة العمل، وله بقدر قيمة صوفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 310
[الباب الثاني والعشرون]
في القسم بين الزوجات
[فصل 1 - في مشروعية القسم بين الزوجات وبيان المراد به]
قال الله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾ الآية.
قال عبد الوهاب: فيلزم الزوج العدل بين نسائه في القسم في الصحة والمرض بحسب الإمكان من غير ميلٍ ولا جورٍ، لقوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: "من كان له امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه مائل".
ومن المدونة: قال مالك: فالقسم بين الزوجات يوم بيومٍ لا أكثر، ويعدل في المبيت.
قال ابن القاسم: ولم يبلغنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أحدٍ من أصحابه أنه قسم إلا يومًا بيوم، وقد كان عمر بن عبد العزيز ربما غاضب
الجزء: 9 - الصفحة: 311
بعض نسائه فيأتيها في يومها فينام في حجرتها، فلو كان يجوز أن يقسم يومين بيومين أو أكثر لأقام عن التي هو راضٍ عنها فإذا رضي عن الأخرى أوفاها أيامها.
قال مالك: وإن نكح بكرًا أو ثيباً أقام عند البكر سبعًا وعند الثيب ثلاثاً.
قال ابن القاسم: وذلك حق لها دون نسائه، ثم يأتنف القسم، وليس ذلك بيد الزوج.
وذكر أشهب عن مالكٍ أن ذلك بيد الزوج.
قال عبد الوهاب: فوجه القول بأنه حق لها عليه: ما روي أنه عليه الصلاة والسلام جعل للبكر سبعًا وللثيب ثلاثاً، ولأن الغرض تأنيثها وبسطها وذهاب انقباضها، وهذا حق لها.
ووجه القول بأنه حق له: أنه معنى يعود إلى الالتذاذ، فكان حقًا له غير مستحق عليه كعدد الوطء.
الجزء: 9 - الصفحة: 312
[فصل 2 - في الحكم إن تزوج امرأة وعنده غيرها]
ومن المدونة: روى سحنون وغيره أن النبي عليه الصلاة والسلام لما تزوج أم سلمة بنت أبي أمية أقام عندها ثلاثاً، ثم أراد أن يدور فأخذت بثوبه، فقال: "ما شئت، إن شئت زدتك ثم قاصصتك بعد اليوم"، ثم قال عليه الصلاة والسلام "ثلاث للثيب وسبع للبكر".
ابن وهب: عن رجالٍ من أهل العلم قالوا: هي السنة.
قال مالك: في كتاب ابن المواز: ومن تزوج امرأة وعنده امرأة غيرها فليقم عن البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً.
قال مالك: وهو حق لازم لها وليس بيد الزوج، وقال أيضاً: ليس بلازم.
قال أصبغ: قال أشهب: هو حق لها لا يقضي لها به، قال أصبغ: كالمتعة.
وقال محمد بن عبد الحكم: يقضي به.
ابن المواز: وليبدأ بالقسم بالتي أقام عندها بعد الثلاث أو السبع إن شاء، وإن شاء بغيرها، ويبدأ بغيرها أحب إلينا، وقاله مالك في القادم بإحداهن من السفر.
وقال ابن حبيب: إنما يقيم عند البكر سبعاً وعند الثيب ثلاثاً إن كان له غيرها، ثم هو في ذلك يتصرف في حوائجه، وإلى المسجد وغيره، وإن لم يكن عنده غيرها فليس عليه أن يقيم عندها بكراً كانت أو ثيباً.
ومن التعبية: ابن القاسم عن مالك: ولا يتخلف العروس عن الجمعة، ولا عن حضور الصلوات في جماعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 313
قال سحنون: وقد قال بعض الناس: لا يخرج، وذلك حق لها بالسنة.
قال بعض فقهائنا: لعله يريد لا يخرج لصلاة الجماعة، وأما الجمعة فلا يدعها لأنها فرض عليه، فلا يدعها في هذا القول.
[فصل 3 - في الحكم إن أراد السفر من عنده أكثر من زوجة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن سافر لحاجةٍ أو حجٍ أو غزوٍ سافر بأيتهن شاء بغير قرعةٍ إذا كان على غير ضرورةٍ ولا ميل، فإن كانت القرعة ففي الغزو لما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام فعله فيه، فإذا قَدِم ابتدأ القسم.
وقال عبد الوهاب: إذا أراد سفراً وفيهن من لا يصلح للسفر وفيهن من يصلح له لرفقها به وامتثالها لأمره كان له السفر بها وعدوله عن الأخرى، وإن تساوين أو تقاربن، فإن كان سفر حجٍ أو غزوٍ أقرع بينهن فسافر بمن خرج لها السهم ثم لا يلزمه قضاء من لم يسافر بها رجوعه، بل يستأنف القسم، وفي سفر التجارة روايتان: إحداهما: القرعة، والأخرى: الخيار له.
الجزء: 9 - الصفحة: 314
وإنما يُقْرِع لهن في الحج والغزو، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام فعله فيهما، والقرعة إتباع.
ووجه التسوية في سائر الأسفار: اعتباراً بسفر الحج والغزو، وتساويهما في الحاجة والرفق.
قال الشيخ: ووجه التفرقة: فلأن القرعة رخصة فلا يعداً بها بابها.
[فصل 4 - في الحكم إن أقام عند واحدة دون الأخرى
بعض آداب الجماع
والحكم إن عاد من سفره وغير ذلك]
ومن المدونة: قال مالك: ولو سافر إحداهن لحج أو لضيعتها وأقام الزوج مع صاحبتها، ثم قدمت فطلبت أن يقسم لها عدد الأيام التي أقام مع صاحبتها، ثم قدمت فطلبت أن يقسم لها عدد الأيام التي أقام مع صاحبتها فلا شيء لها.
وإن تعمد المقام عند واحدةٍ جميعاً لم يحاسب به، ونهى عن ذلك وابتدأ العدل، وإن عاد نكل، لأن مالكًا قال في العبد المعتق بعضه يأبق: إنه لا يقاض بما أبق فيه، وإنما يستقبل بينه وبين سيده/ من يومئذ.
الجزء: 9 - الصفحة: 315
قال ابن القاسم: وهذا كان أحرى أن يؤخذ منه تلك الأيام التي أبق فيها، لأنه حق للسيد.
قيل له: فلم أسقط مالك ذلك عن العبد؟
قال: قال مالك: هو إذاً عبد كله.
ومن كتاب محمد: قال مالك: ولا بأس إذا أتى منزل امرأته فطردته وأغلقت الباب دونه أن يذهب إلى الأخرى، وإن قدر أن يبيت في حجرتها أو في بيتها فليفعل.
قال: وليس له أن يجمع بينهما في بيتٍ إلا برضاهما، ولا يجوز أن يجمعهما على فراشٍ واحدٍ وإن رضيا، وكرهه في الإماء، أو يتعروا بغير ثيابٍ، وكره أن يطأ امرأته أو أمته ومعه في البيت من يسمع حسه.
ابن حبيب: عن ابن الماجشون: لا ينبغي أن يكون معه في البيت أحد نائم أو غير نائم، صغير أو كبير، وكان ابن عمر يخرج الصبي في المهد.
وكره في بعض الأخبار أن تكون معه البهيمة.
وقال: وله في أمتيه أن ينام معهما في فراشٍ واحدٍ، ولكن لا يطأ إحداهما والأخرى معه في بيتٍ، ولا بأس أن يتوضأ أو يشرب من ماء إحدى زوجتيه في غير يومها، ويأكل من طعام تبعثه إله من غير تعمد ميلٍ، ويقف ببابها ويسلم من غير أن يدخل عندها أو يجلس.
قال مالك في كتاب محمد: ولا يأتي الواحدة في يوم اللأخرى إلا في حاجةٍ أو عيادةٍ، وله أن يجعل ثيابه عند إحداهما ما لم يرد ميلاً أو ضرراً.
الجزء: 9 - الصفحة: 316
مالك: ولا ينبغي أن يقيم هو في بيتٍ له وتأتيه فيه كل واحدةٍ، وليأتهن في بيوتهن كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، إلا أن يرضين بذلك.
قال محمد بن عبد الحكم: ويقضي عليه بذلك، وأن يسكن كل واحدةٍ في بيت.
قال ابن حبيب: وإذا رجع نهاراً من سفره فله أن يتعمد ببقية يومه أيتهما شاء، وليس عليه أن ينزل عند التي خرج من عندها إلا أن يشاء، ولا يحسب ذلك، ويأتنف القسم إذا أمسى، وأحب إلى أن ينزل عند التي خرج من عندها ليوفيها بقية يومها، وما ذلك عليه بواجب، قاله مالك وأصحابه.
وإذا كان لواحدةٍ شبابٌ أو غني، أو ذات شرفٍ فأراد إيثارها، فأما في المبيت وما يصلح لكل واحدةٍ من نفقة مثلها بقدر حالها فليعدل، ثم له أن يؤثر الأخرى بعد ذلك باليسير من غير ميل، ويكسوها الخز والحلي ما لم يكن ميلاً.
وكذلك إن كانت واحدةً ألطف به من الأخرى في إتحافه بطرائف الطعام والطيب فيؤثرها، فأرجو أن لا بأس به، والمساواة أحب إلينا.
وقيل: إن معاذ بن جبل كان له امرأتان فلم يكن يشرب الماء من عند واحدةٍ في يوم الأخرى، وإنهما ماتتا معًا فأقرع بينهما أيهما تدفن أولاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 317
قال مالك في العتبية: له أن يكسو إحداهما الخز والحرير والحلي دون الاخرى ما لم يكن ميلاً.
[فصل 5 - في إسقاط المرأة حقها في المبيت
وهل يسوي بينهن في الجماع، وفي تركه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن كره زوجته وأراد فراقها فقالت له: لا تفارقني واجعل أيامي كلها لصاحبتي، أو للتي تتزوج علي، فلا بأس بذلك ولا يقسم لها.
ابن القاسم: فإن رجعت عن هذا وطلبت القسم، فذلك لها متى شاءت، أو يخير الزوج، فإما قسم لها أو فارق.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾.
مالك: ولو شرط في عقد النكاح أن يؤثر عليها، أو لا مبيت لها، فلا خير فيه، وإنما يجوز هذا الشرط بعد العقد.
ابن القاسم: ويفسخ هذا النكاح قبل البناء، ويثبت بعده، ويبطل الشرط، ويكون لها ليلتها.
وليس عليه المساواة في الجماع ولا بالقلب، ولا حرج عليه أن ينشط للجماع/ في يوم هذه دون يوم الأخرى، إلا أن يفعل ذلك لغرض أن يكف عن هذه لوجود لذته في الأخرى فلا يحل له ذلك.
ومن سرمد العبادة وترك الوطء لم ينه عن تبتله، وقيل له: إما وطئت أو فارقت، إن خاصمته.
الجزء: 9 - الصفحة: 318
وكذلك إن ترك الجماع لغير ضرورةٍ ولا علةٍ إلا أن ترضى المرأة بالمقام على ذلك.
فصل [6 - في ذكر ما لا يمنع من القسم، وقسم المريض والمجبوب
والقسم بين الحرة والأمة]
وقسم الحر بين نسائه المسلمات والحرائر والإماء والكتابيات سواء، والقسم بين صغيرةٍ جومعت، أو كبيرةٍ صحيحةٍ، أو مجنونةٍ، أو بإحداهن رتق، أو داءٌ، أو مرض لا تجامع معه، أو حيض سواء، لكل واحدة منهن يومها وليلتها.
مالك: ويقسم المريض بين نسائه إن كان مرضًا يقدر أن يدور عليهن فيه، فإن لم يقدر أقام عن أيتهن شاء لإفاقته ما لم يكن حيفًا، فإذا صح ابتدأ القسم، وليس لأم الولد مع حرةٍ قسم، وجائز أن يقيم عند أم ولده ما شاء ما لم يضار.
والمجبوب ومن لا يقدر على الجماع يقسم بين نسائه بالعدل، إذ له أن يتزوج.
قال مالك في النكاح الأول: فإن كان حر له أمةٌ حرةٌ ساوى بينهما في القسم كسائر حقوق الزوجة.
ورأى ابن المسيب أن للحرة الثلثين وللأمة الثلث.
الجزء: 9 - الصفحة: 319
قال الشيخ: فوجه ذلك: لحرمة الحرة، ولأن ديتها مثلاً دية الأمة، وعدتها في الموت مثلاً عدتها، وكذلك حدودها فكذلك في القسم.
تم كتاب النكاح الثاني بحمد الله وحسن عونه
والصلاة والسلام على محمدٍ وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً
الجزء: 9 - الصفحة: 320
[الكتاب الثالث]
كتاب النكاح الثالث
[الباب الأول]
فيمن تزوج امرأتين في عقدة أو أماً وابنتها في عقدة أو عقدتين
[فصل 1 - فيمن نكح امرأتين في عقدة واحدة]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يتزوج الرجل امرأتين في عقدةٍ واحدةٍ إذا سمى لكل واحدةٍ صداقها، فإن أجملهما في صداقٍ واحدٍ لم يعجبني ذلك، وقد بلغني أن مالكاً كرهه، لأنه لا يُدرى ما صداق هذه من صداق هذه.
قيل: فإن طلق إحداهما أو مات عنها قبل البناء، كم يكون صداقها؟ أيقسم المهر الذي سمى بينهما؟ أيقسم بينهما على قدر مهورهما؟
قال: نكاحهما غير جائز.
قال أبو محمد وغيره: ولا شيء لهما قبل البناء عنده.
وقال سحنون: هذا جائز وإن لم يسمِّ لكل واحدةٍ صداقها، وكذلك جمع الرجلين سلعتيهما في البيع.
قال ابن دينار: ويقسمان ما سمى لهما بقدر صداق مثل كل واحدة.
قال الشيخ: وهذا أصوب، وكذلك لو دخل بهما على هذا القول، وعلى ظاهر قول ابن القاسم يكون لكل واحدةٍ صداق مثلها ويثبت النكاح.
وقد اختلف قوله في هذا البيع فكذلك يجري في النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 321
قال الشيخ: ويحتمل على قياس قوله فيمن نكح بدرهمين فطلق قبل البناء أن يكون لها نصف الدرهمين، أن يكون لها في هذا القول نصف ما يخصها في هذا المسمى لهما، لأنه كان يراعي قول مَنْ يُجِزْهُ بالدرهمين فمراعاته قول نفسه، وقول غيره أولى.
فإن قيل: إن ما يخصها من هذا المسمى مجهول، فهو كالنكاح بالغرر، والدرهمان لا غرر فيهما، وهو لو أتم لها ثلاثة دراهم لثبت نكاحه؟
قيل له: على القول الذي يجيزه فلا يراه غرراً ولا يكون أسوأ حالاً من نكاح التفويض الذي يقضي فيه بصداق المثل، وذلك لا يعلم إلا بعد النظر فيه، فكذلك قسمة هذا المسمى على/ مثل صداق كل واحدةٍ منهما.
وأيضاً هو وأصحابه لا يجيزون نكاحها بدرهمين على حال، وهو في أحد قوليه يجيز ابتداء النكاح في جميعها في صداقٍ واحددٍ، وقاله غيره من أصحابه فمراعاة هذا القول أولى.
قال الشيخ: ويجوز أن يتزوج امرأتين إحداهما بصداقٍ مسمى والأخرى على تفويضٍ وذلك في عقدٍ واحد، لأنهما صداقان يجوزان في الانفراد فكذلك يجوزان في الاجتماع.
وكذلك لو جمعهما جميعاً في عقدٍ واحدٍ على تفويضٍ فإنه جائز، وقاله أبو عمران.
الجزء: 9 - الصفحة: 322
[فصل 2 - فيمن نكح حرة وأمة في عقد]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن نكح حرةً وأمةً في عُقدةٍ وسمى صداق كل واحدةٍ فقال مالك: يفسخ نكاح الأمة ويثبت نكاح الحرة، ثم رجع فقال: إن علمت الحرة بالأمة فنكاحها ونكاح الأمة ثابت، ولا خيار لها، وإن لم تعلم خيِّرت بين أن تقيم أو تفارِق.
قال سحنون: وقد بينا هذا الأصل في الكتاب الأول.
قال سحنون: إذا كان واحداً للطول فُسٍخَا جميعاً، وكذلك لو تزج امرأةً في عدتها وأخرى في غير عدتها في عقدةٍ واحدة، لفسد النكاحان جميعاً، كصفقةٍ جمعت حلالاً وحراما.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: ليس ذلك كصفقة جمعت حلالاً وحراماً لأن فسخ نكاح الأمة لم يتفق الناس عليه، ومالك قد اختلف قوله فيه، إذ قال بعض الناس: إن الآية منسوخة فلم يبلغ الأمر في ذلك إلى صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً.
الجزء: 9 - الصفحة: 323
[فصل 3 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن نكح امرأةً وابنتها في عقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها، ثم تبين أن الأم لها زوجٌ فسخ نكاحهما، ولم يثبت نكاح الابنة لأن من قول مالكٍ أن كلُّ صفقةٍ جمعت حلالاً وحراماً فلا يجوز ذلك عنده في البيوع، قال مالك: وأشبه شيءٍ بالبيوع النكاح.
قال ابن القاسم: وكذلك إن لم يكن للأم زوجٌ ولم يدخل بواحدةٍ منهما فلابد من فسخه، وليس له حبس إحداهما وفراق الأخرى، ثم ينكح بعد ذلك من أحب منهما، إن شاء الأم أو الابنة.
وقيل: لا يتزوج الأم للشبه التي في البنت.
قال مالك: وإن كان قد بنا بهما قبل الفسخ حرمتا عليه للأبد، ولو بنى بواحدةٍ منهما فُسخا وخطب التي بنا بها بعد الاستبراء، أُمَّاً كانت أو بنتاً، ولم يحل له نكاح الأخرى أبداً.
[فصل 4 - فيمن نكح أما وابنتها في عقدتين]
ومن المدونة: ومن تزوج امرأةً فلم يبن بها حتى تزوج ابنتها وهو لا يعلم، فدخل بالابنة، فارقهما جميعاً.
قال مالك: ولا صداق للأم، ويتزوج الابنة إن شاء بعد ثلاث حيض، أو وضع حمل، وتحرم عليه الأم أبدا، لأنها صارت من أمهات نسائه، وإن كان نكاح البنت حراماً فالحرمة تقع فيه كما يثبت فيه النسب والصداق، ويرفع الحد.
الجزء: 9 - الصفحة: 324
وإن نكح الأم آخراً وهو لا يعلم فبنى بالأم أو بهما، فارقهما وحرمتا عليه للأبد، لأن الأم قد دخل بها فصارت الربيبة محًّرمةً، والأم هي من أمهات نسائه فلا تحلان له أبداً.
وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل بها أو لم يدخل بها فلا يحل له نكاح أمها أبداً، أَيُما رجلٍ نكح امرأةً فدخل به فلا يحل له نكاح ابنتها، وإن لم يدخل بها فلينكحها"، وقاله زيد بن ثابت، قال: لأن الأم مبهمة لا شرط فيها، وإنما الشرط في الربائب- يريد: قول الله تعالى في آية التحريم بعد قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ ثم قال في الآية: ﴿وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإن لَّمْ تَكُونُوا دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾.
قال ابن القاسم: وإذا نكح البنت فدخل بالأم فسختا النكاح فلا صداق للابنة إن لم يبن بها وإن كانت الفرقة والتحريم من قِبَلِ الزوج، لأنه لم
الجزء: 9 - الصفحة: 325
يتعمده وصار نكاح الابنة لا يقر على حال، فلما فسخ قبل البناء لم يكن لها مهرٌ لا نصف ولا غيره.
قال مالك في ثمانية أبي زيد: إذا نكح الأم بعد البنت أو البنت بعد الأم فوطئ بالثانية وحدها فسخ نكاحهما بغير طلاق، وكان للأولى نصف الصداق.
وقال عبد الملك وغيره: ما كان من فسخ غالبٍ قبل البناء فلا صداق فيه.
قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران أنه قال: ولو تزوج الأم بعد البنت عامداً عالماً بتحريم ذلك ودخل بها كان عليه نصف صداق البنت، لأنه كأنه قصد طلاقها، وهذا على قوله، إن الزنا يحرِّم الحلال، وكذلك على قوله: إن الزنا لا يحرِّم الحلال إذا فارق البنت تورُّعاً، يكون أيضاً عليه نصف الصداق، لأنه نكاح يقَرُّ عليه، وكذلك من زنا بختنته قبل الدخول بابنتها ففرِّق بينه وبين البنت بالغلبة، ويكون عليه نصف الصداق.
وأما على قول عبد الملك وغيره فلا صداق لهما، لأنه فسخٌ غالبٌ قبل البناء، وقد نصَّ ابن المواز: أنه لا يفسخ في الزنا بالجبر، وقاله بعض شيوخنا القرويين: إنه
الجزء: 9 - الصفحة: 326
إنما يؤمر بذلك ولا يجبر عليه، فإذا تورع وفارق لزمه نصف الصداق على القولين جميعا، خلاف ما قاله أبو عمران.
قال الشيخ: واختلف فيمن مَرَّ بيده على فخذ ابنته وظنَّ أنها زوجته قاصداً اللَّذة، أو وطئها بالليل غَلَطاً، فقال جماعة من الفقهاء القرويين وأئمتهم: إنها تحرم عليه زوجته، وقال سحنون والليث وغيره: لا تحرم عليه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن لم يبن بالثانية ثبت على نكاح الأولى، أُمَّاً كانت أو ابنة، دخل بها أم لا، ويفسخ نكاح الثانية.
قال: وإن تزوج الأم ودخل بها ثم تزوج الابنة ودخل بها حرمتا عليه جميعاً، ومحمل الجدات في التحريم محمل الأمهات، ومحمل بنات البنات وبنات الأبناء محمل البنات.
فصل [5 - فيما يكون سببا في تحريم المرأة على آباء الناكح وأبنائه]
ومن وطئ امرأةً أو قَبَّل أو باشر أو نظر للذَّة بملكٍ أو نكاحٍ صحيحٍ أو فاسدٍ أو حرامٍ بشبهةٍ أو في عدة فإنها تحرم على آبائه وأبنائه، وتحرم عليه ابنتها بنكاحٍ أو ملك.
وإن تزوجها في عدةٍ فلم يبْن بها حتى تزوج أُمَّها أو أختها، أقام على نكاح الثانية، لأن نكاح المعتدة غير منعقد، وهي تحل لآبائه وأبنائه ما لم يتلذَّذ منها بشيء.
الجزء: 9 - الصفحة: 327
وروى ابن وهب: إن النبي عليه الصلاة والسلام قال في الذي تزوج المرأة فيغمزها ولا يزيد على ذلك: لا يتزوج ابنتها.
وقال ابن مسعود: إذا قَبَّلها أو جلس بين فخذيها فلا يتزوج ابنتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 328
[الباب الثاني]
في المحرمات من النساء، ومن وطئ امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح، وما تجب به الحرمة
[فصل 1 - في المحرمات من النساء] قال تعالي: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وبَنَاتُكُمْ وأَخَوَاتُكُمْ وعَمَّاتُكُمْ وخَالاتُكُمْ وبَنَاتُ الأَخِ وبَنَاتُ الأُخْتِ﴾ فهؤلاء بالقرابة سبع، وقال: ﴿وأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ ورَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ﴾ إلى قوله: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقل تعالى قبل ذلك: ﴿ولا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾ / لم يعنِ به دون أبناء الرضاع، لكن دون من يدَّعي ابناً بالتبني، لأن النبي عليه الصلاة والسلام
الجزء: 9 - الصفحة: 329
قد كان تبنى زيد بن حارثة، ثم تزوج زوجته زينب بنت جَحش، فأنزل الله تعالى فيهما، وأمر أن يدعوا لآبائهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 330
فحرَّم الله تعالى من النسب سبعاً، ومن الصهر والرضاع سبعاً، وحرَّم الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك بالرضاع ما يحرم من النسب، فهؤلاء محرماتٌ على التأييد، إلا الجمع بين الأختين فإنما هو تحريمٌ في حال جَمْعِهِما، وحرَّم غير هؤلاء في حالٍ دون حالٍ، فمن ذلك نكاح الخامسة، وحرَّم المحصنات من النساء- يقول ذوات الأزواج- إلا ما ملكت أيمانكم، يقول: بالسبي ولهن أزواجٌ بدار الحرب.
قال ابن حبيب: أو سُبين معهم.
وحرَّم نكاح المشركات حتى يؤمن، فهن محرمات بنكاحٍ أو ملكٍ، وحرَّم نكاح المعتدة حتى تنقضي عدتها، والمبتوتة على الذي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره.
الجزء: 9 - الصفحة: 331
ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن نكاح المتعة، ونكاح المُحْرِم، ونكاح المحلِّل، ونكاح الشغار.
وقد مضى تفسير بعض ذلك، ويأتي تفسير باقيه في مواضعه إن شاء الله تعالى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة بنكاحٍ صحيحٍ، أو في إجازته اختلاف حرمت بالعقد دون الوطء على آبائه وإن بعدوا وأبنائه وإن سلفوا بنسبٍ أو رضاع، وحرمت عليه أمهاتها، ولا تحرم عليه ابنتها بالعقد على الأم دون الوطء أو الالتذاذ.
وأما إن تزوج ذات محرمٍ أو رضاعٍ أو معتدةٍ لم تحرم بالعقد فقط على آبائه ولا أبنائه، ولا تحرم عليه أمها.
الجزء: 9 - الصفحة: 332
فصل [2 - فيمن وطيء أم امرأته أو ابنتها بزنا أو نكاح]
ومن المدونة: قال مالك: ومن زنى بأم زوجته أو بابنتها فليفارق زوجته ولا يقيم عليها.
وقال في الموطأ: لا يُحرِّم الزنا حلالاً.
قال سحنون وأصحابه على ما في الموطأ: لا اختلاف بينهم فيه، وهو الأمر عندهم فيه وقاله عددٌ من الصحابة والتابعين.
قيل لابن القاسم: فإن تزوج أُم امرأته وهو يعلم أنها أمها أتحرم عليه زوجته؟ قال: قد أخبرتك أن مالكاً كره أن يقيم عليها بعد الزنا بأمها، فنكاحه لأمها وزناه بها في هذا سواء، إلا أن يُعذَر بجهالةٍ في تزويجه ولا يُحد، ويُلحق يه الولد، ويكون هذا آكد في التحريم من الزنا للحوق النسب وزوال الحد.
يريد وإذا لم يعذر يجهلٍ في نكاحه لزمه الحد وفارق زوجته على أحد قولي مالك، وإذا عُذِر بالجهالة لم يحد ولزمه فراقها بلا اختلاف من قول مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 333
[فصل 3 - فيما تجب به الحرمة]
قال: ومن زنى بامرأةٍ أو تلذَّذ منها حراماً فلا أحب له أن يتزوج أمها ولا ابنتها، ولا أحب لابنه ولا لأبيه أن يتزوجها أبداً، وإن كانت في عصمة أحدهما فليفارقها- يريد على أحد قولي مالك- ولا بأس أن يتزوجها هو نفسه بعد الاستبراء من مائه الفاسد.
قال الشيخ: وقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لا يَنكِحُ إلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ إلى قوله ﴿وحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤْمِنِينَ﴾، فالنكاح هاهنا الزنا، أي لا يزني بها إلا زانٍ أو مشرك، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، وقال ابن المسيب، إنها منسوخةٌ بقوله تعالى: ﴿وأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ﴾.
قال ابن حبيب: ولا يجوز نكاح الزانية المجاهرة وذات الخدن، ويستحب لمن تحته امرأة تزني أن يفارقها، وإن بُلي بحبِّها فليحبسها، وروي ذلك عن النبي
الجزء: 9 - الصفحة: 334
صلى الله عليه وسلم، وما عُلم من ذلك فعليه الاستبراء بثلاث حيض، وفي مملوكته بحيضة.
وفي كتاب ابن المواز: قال ابن وهب عن مالك عن المرأة المُعلِنة بالسوء: لا أرى للرجل أن يتزوجها، ولست أراه حراماً.
الجزء: 9 - الصفحة: 335
[الباب الثالث]
في وطء الأختين بنكاح أو ملك والجمع بين النساء
[فصل 1 - في الجمع بين الأختين بنكاح]
قال الله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، قال ابن حبيب: يقول: في الجاهلية: يقول: فإنه مغفورٌ لكم، وكانت مُضرُ تحرِّم من ذلك ما حرم الإسلام إلا امرأة الأب، والجمع بين الأختين أخذوه من ملة إبراهيم عليه السلام.
قال غيره: وأما الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها فمحرَّم بدليل القرآن وبنص السنة، فدليل القرآن قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، والسنة: نهيه عليه الصلاة والسلام أن يجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، ولا خلاف في ذلك.
قال ابن بَكير: والمعنى الجامع بينهن أن كل امرأتين من ذوات المحارم لو
الجزء: 9 - الصفحة: 336
كان موضع إحداهما ذكَراً لم تحل له الأخرى لم يجز لجامعٍ أن يجمع بينهما، وهذه علة لا تنكسر البتة، وإنما جاز الجمع بين امرأة الرجل وابنته من غيرها لانخرام ذلك وذلك أنا إذا جعلنا موضع الابنة ابناً لم تحل له زوجة أبيه، وإذا جعلنا موضع الزوجة رجلاً لم يحرم عليه أن يتزوج ابنة رجلٍ أجنبي، فلهذه العلة أجزنا الجمع بينهما، وفي الأختين لا ينخرم ذلك من الجهتين.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أختاً بعد أختٍ فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما او بهما فليثبت على الأولى ويفارق الأخرى فسخاً بغير طلاق، وكذلك كل من يحرم الجمع بينهن ممن يجوز له نكاح إحداهما بعد صاحبتها، وللمدخول بها المسمى أو المثل إن لم يسم.
قال أشهب: فإن بنى بهما ثم مات ولم تعلم الأولى منهما، وكلاهما تدعى أنها هي الأولى فلتحلفا، ويكون لكل واحدةٍ صداقها المسمى، والميراث بينهما نصفين، وعلى كل واحدةٍ عدة الوفاة مع الإحداد.
محمد: ومع ثلاث حيض.
قال الشيخ: فإن حاضت في الأربعة أشهر وعشرٍ أجزأها ذلك.
ابن حبيب: فإن لم يبن بهما فالميراث بينهما، ولكل واحدةٍ نصف صداقها وإن بنى بواحدة معروفةٍ فلها الصداق ونصف الميراث، وللأخرى نصف الصداق ونصف الميراث.
وإن نكحهما في عقدة فلا ميراث لهما، ومن بنى بها فلها الصداق ولا صداق للأخرى
الجزء: 9 - الصفحة: 337
قال أشهب في كتاب محمد فيمن نكح أختاً بعد أخت ولكل واحدةٍ شهود ولم تُؤرخ البينة ولم تُعرف الأولى: فالزوج مصدَّق فيمن قال: إنها الأولى، ويفارق الأخرى بغير صداقٍ ولا طلاق.
محمد: وهذا صواب، وذكر عنه أنه قال: ولو قال في إحداهما: ما تزوجتها، قبل قوله.
محمد: وهذا لا يعجبني.
فإن لم يذكر الآخرة بعينها فرِّق بينه وبينهما كالقائل: جَهِلْتُ الأولى.
ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج أخته في الرضاعة ففرق بينهما بعد البناء فلها المسمى.
قال مالك: ومن نكح أختين في عقدةٍ ولم يَعلم هو ولا هما بذلك فلم يبن بهما أو بنى بإحداهما أو بهما ثم علم بذلك فليفارقهما، وينكح أيتها شاء بع استبرائها إن مسها، ولا خيار له في حبس إحداهما.
قال ابن القاسم: ومن وطئ أمةً بالملك ثم تزوج أختها لم يعجبني ذلك، لأن مالكاً قال: لا ينبغي للرجل أن ينكح إلا امرأةً يجوز لها وطؤها إذا نكحها.
قال ابن القاسم: وهده عندي لا يستطيع إذا تزوجها أن يطأها ولا يقبِّلها ولا يباشرها حتى يحرِّم فرج أختها، ولا يجوز له أم ينكح إلا في الموضع الذي يجوز له الوطء فيه، إلا أنه إذا نكحها لم أفرق بينها وبينه، وأوقفته عنها حتى يحرم فرج أيتهما شاء.
قال سحنون: وقد قال عبد الرحمن: إن النكاح لا ينعقد، وهو أحسن قوليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 338
وقال أشهب في كتاب الاستبراء: عقد النكاح تحريمٌ للأمة كان يطؤها أو لا.
ابن المواز: وقاله ابن عبد الحكم، قالا: لأنه لو لم يكن وطئ الأولى لم يكن مخيراً في وطء من شاء، كما لو اشتراهما، وإنما له وطء المتزوجة، ولو وطئ الأولى لم تحرم بذلك المتزوجة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن باع أمةً وطئها ثم تزوج أختها فلم يطأها حتى اشترى المبيعة، لم يطأ إلا الزوجة، وليس عليه أن يحرِّم فرج جاريته، والعقد هاهنا في الزوجة كالوطء في الملك.
[فصل 2 - في الجمع بين الأختين بملك اليمين]
قال عبد الوهاب: أما الجمع بين وطء الأختين بملك اليمين فعندنا أنه كالنكاح في المنع، واختلف فيه الصدر الأول، فذهب قوم إلى جواز المنع بينهما بملك اليمين، ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ فعم، لأن وطء الملك أحد نوعي استباحة الفرج في الشرع، فهو كالنكاح، ولأن الذي له مُنع ذلك في النكاح خيفة العداوة والتباغض وقطع الأرحام، وذلك يستوي فيه النكاح والملك.
الجزء: 9 - الصفحة: 339
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أختين فوطئ إحداهما فلا يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ، فإن باع التي وطئ، ثم وطئ الباقية، ثم اشترى المبيعة تمادى على وطء الباقية.
قال ابن القاسم: ولو لم يطأ الباقية حتى اشترى المبيعة وطئ أيتهما شاء، ولو أن حين وطئ إحداهما وثب على الأخرى فوطئها قبل أن يحرم عليه التي وطئ وقف عنهما حتى يحرِّم أيتهما شاء.
قال في كتاب الاستبراء: فإن حرَّم فرج الثانية أقام على وطء الأولى، وإن حرم فرج الأولى لم يطأ الثانية حتى يستبرأ لفساد وطئه، وليحرِّ فرج إحداهما ببيع، أو بنكاح، أو عتقٍ إلى أجلٍ، أو بما تحرم عليه.
قال ابن المواز: فإن باعها فلا يطأ الباقية حتى تخرج المبيعة من الاستبراء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظاهر منها لم تحل له أختها، إذ له الكفارة، وكذلك إن باعها من عبده أو ابنه الصغير أو يتيم في حجره، إذ له الاعتصار والانتزاع والبيع من نفسه، وكذلك 'ن زوجها تزويجاً لا يقرِّان عليه، أو باعها من أجنبي بيعاً فاسداً، إلا أن تفوت في البيع الفاسد فتحل له أختها، وإن باعها وبها عيوبٌ حلَّت له أختها، وهو بيعٌ حتى ترد، وإن أُسرت أو أبقت إباق إياس حلت له أختها.
قال ابن حبيب: ولو أخدمها شهراً وشهه لم تحل له أختها، وإن أخدمها سنين كثيرة أو حياة المخدم فذلك يحل له أختها، قاله ابن الماجشون.
الجزء: 9 - الصفحة: 340
ومن كتاب النكاح قال ابن القاسم: ومن اشترى أختاً بعد أختٍ فله أن يطأ الأولى أو الأخيرة، وأما من تزوج امرأةً فلم يمسها حتى اشترى أختها فليقِم على وطء الزوجة، ولا يطأ الذي اشترى حتى يفارق زوجته، فإن وطئ المشتراة كفَّ عن الزوجة حتى يحرم فرج الأمة، ولا يفسد هاهنا النكاح على حال الصحة عُقدة الزوجة.
ابن المواز: قال أشهب: إذا وطئ المشتراة فلا يكفُّ عن وطئ زوجته، بل يطؤها، لأن فرج أختها حرامٌ بالنكاح في هذه.
ومن المدونة: ومن زوَّج أم ولده ثم اشترى أختها فوطئها، ثم رجعت إليه أم الولد، أقام على/ وطء الأمة، ولو ولدت منه الأمة ثم زوجها وأختها ثم رجعتا إليه جميعاً وطئ أيتهما شاء، إلا أن يطأ أولاهما رجوعاً، وما وجب في أختي النسب وجب مثله في أختي الرضاع في هذا، وكثير من هذا في كتاب الاستبراء.
فصل [3 - في نكاح أخت مطلقة طلاقاً بائنا في عدتها]
ومن طلق امرأته طلاقاً بائناً فله تزويج أختها في عدتها، وكذلك خامسةٍ في عدة رابعةٍ مبتوتة، وإن طلقها طلقةً فادعى أنها أقرت بانقضاء العدة، وذلك في أمدٍ تنقضي في مثله العدة فأكذبته فلا يصدَّق في نكاح الخامسة، أو الأخت، أو قطع النفقة والسكنى، لأن مالكاً قال: القول في العدة قول المرأة، فإن نكح
الجزء: 9 - الصفحة: 341
الأخت أو الخامسة فسخ النكاح الثاني إلا أن يأتي هو على قولها ببينةٍ أو بأمرٍ يُعرف به انقضاء العدة.
[فصل 4 - في الجمع بين النساء]
ولا يجمع بين أختين من نسبٍ أو رضاع، ولا بين المرأة وبنات أخيها أو بنات أختها، أو مع بنات بينهم الذكور والإناث من نسبٍ أو رضاع، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وأَن تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ﴾، ولأن المرأة خالة بنت أختها، وعمة بنت أخيها، وقد روى ابن وهب عن علي بن أبي طالب وأبي هريرة رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن جمع الرجل بين المرأة وعمَّتها وبين المرأة وخالتها.
قال ابن شهاب: ولا بينها وبين من لأبيها أو لأمها من عمةٍ أو خالةٍ من عصمة نكاحٍ ولا في وطءٍ بملكٍ أو بنكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 342
قال الشيخ: لأنها تقع من عمة الأب بنت ابن أخيها ومن خالته بنت ابن أختها، وحكم بنات الإخوة وإن سلفوا في الجمع حكم الإخوة.
وقد جعل العلماء لذلك أصلاً وهو أن ينظر إلى المرأتين اللتين يريد الجمع بينهما أن لو كانت إحداهما رجلاً والأخرى امرأة، فإن حرم تناكحهما فيحرم الجمع بينهما، وإن حل تناكحهما حل الجمع بينهما، وهذا في النسب لا في الصهر.
ومن المدونة: قال مالك: ويجمع بينهن في الرق، فإن وطئ إحداهن لم يطأ الأخرى حتى يحرم فرج التي وطئ.
وقال يحيى بن سعيد: لا ينكح الرجل بنت ابن امرأته ولا بنت ابنتها من غيره ولا شيئاً من أولادهما وإن بعدن عنها.
قال الشيخ: لأن حكم بنت البنت وبنت الابن وإن سفلتا حكم البنت في التحريم، فبنت ابن امرأة الرجل وبنت ابنتها كابنتها، وبنتها ربيبة، فكذلك أولئك لهن حكم الربائب، وهذا بين.
قال ابن حبيب: ومن قول مالك: أنه لا يجوز لأبيك نكاح ابنة زوجتك من غيرك، كانت زوجتك حينئذ في عصمتم أم لا.
قال ابن مواز: ويجوز أن ينكح ما نكح أبو زوجتك أو ابنها من النسب.
الجزء: 9 - الصفحة: 343
قال الشيخ: لأن أبا زوجتك ليس هو أبوك، ولا ابنها ابنك، وليس كل من يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً يحرم عليك ما نكح، أل ترى أن الأخ يحرم عليك نكاحه أن لو كان امرأةً، لأنها أخت، ولا يحرم عليك ما نكح من النساء فكذلك الربيب، وإنما يقع التحريم فيما نكح الابن والأب خاصة.
ومن المدونة: قال عمر بن عبد العزيز: لا يجمع بين المرأة وابنتها من ملك اليمين، فقد نزل في القرآن النهي عنه، وإنما استحل ذلك من استحلَّه لقول الله تعالى: ﴿إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وسئل عنه عثمان رضي الله عنه فقال: لي يحل ذلك، ونهى عنه علي بن أبي طالب وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما وقالا: إنما أحل الله لك ما سمى لك سوى هؤلاء مما ملكت أيمانكم.
ابن القاسم: ومن وطئ أمةً له أو لولده فلم تحمل وامرأته أم لها/ حرمت عليه امرأته، لأنه ممن لا حد عليه فيها، وهذا لا اختلاف فيه، والتي لا حد عليه فيها أشد في التحريم ممن عليه الحد.
فإن حملت منه الأمة عتقت عليه- يريد إن بنى بالأم- وعليه قيمتها للابن، وكذلك من ملك من ذوات المحارم فوطئها فحملت منه، فإنه لا حد عليه وتعتق عليه، إذ حرم عليه ما كان له فيها من المتعة، وليس له أن يبقيها في الخدمة.
ومن مختصر المدونة لأبي محمد: قال ربيعة ويحي بن سعيد: ولا بأس أن يجمع بين ابنتي العم أو الخال، وليس أبوهما واحداً.
قال مالك: ما اعلمه حراماً، وغيره أحسن منه.
وقال يحي بن سعيد: إنما كره لعلة التقاطع بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 344
قال ربيعة ومالك: ويجمع بين المرأتين بينهما نسب يحل لإحداهما أن لو كانت رجلاً نكاح الأخرى، ولا يجوز إن لم يحل أن يتناكحا، وأما من قبل الصهر فذلك جائز، حل لإحداهما لو كانت رجلاً تزويج الأخرى أم لا.
قال مالك: ولا بأس أن يجمع بين المرأة وربيبتها، وقد جمع عبد الله بن جعفر بين امرأة علي وبين ابنته من غيرها.
الجزء: 9 - الصفحة: 345
[الباب الرابع]
ما يحصن الزوجين، ويحل المبتوتة وحكم الردة في ذلك
[فصل 1 - في معاني الإحصان]
وفرض الرسول عليه الصلاة والسلام الحكم بالرجم فيمن أُحصن بنكاحٍ من الأحرار البالغين، وقضى به هو الخلفاء بعده.
وحرَّم الله تعالى في كتابه المبتوتة بالثلاث على التي أبتَّها حتى تنكح زوجاً غيره، وأبان ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: "حتى تذوق
الجزء: 9 - الصفحة: 346
العسيلة".
والإحصان على وجوه: إحصان حريةٍ، وإحصان نكاحٍ، وإحصان عفافٍ، وإحصان إسلامٍ.
فإحصان الحرية قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ المُؤْمِنَاتِ والْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المُحْصَنَاتِ المُؤْمِنَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ أي الحرائر.
وإحصان التزويج قوله تعالى: ﴿والْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ يعني بالسبي ولها زوج، وقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾.
وإحصان العفاف قوله تعالى: ﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، ﴿والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾.
الجزء: 9 - الصفحة: 347
وإحصان الإسلام قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ﴾ أي أسلمن، وقاله ابن مسعودٍ وغيره.
قال الشيخ: وحكى عن أبي عمران في قوله تعالى: ﴿فَإذَا أُحْصِنَّ فَإنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ أنه قال: من قرأ (أحصن) بضم الهمزة فتأويله: تزوجن، وهو إحصان النكاح، فيكون حد الأمة المتزوجة على هذه القراءة بنصِّ القرآن، وحد غير المتزوجة بالحديث الذي رواه أبو هريرة وزيد بن خالدٍ رضي الله عنهما وعن النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن قرأ (أحصن) بفتح الهمزة فيحتمل تأويله أن يكون، أسلمن، فتكون المتزوجة، وغير المتزوجة على هذا التأويل داخلة في الآية.
قال الشيخ: وإحصان النكاح يجب بخمسة أوجه: بالإسلام والحرية والبلوغ والعقل والنكاح الصحيح، واختلف في وجهٍ سادسٍ وهو الوطء الفاسد، فقيل: لا يحصِّن، وقيل: يحصِّن.
الجزء: 9 - الصفحة: 348
[فصل 2 - في الإحصان والإحلال بوطء الصغيرة والمجنونة]
قال ابن القاسم: ومن تزوج صغيرةٍ لم تُحصن، ومثلها يُجامع، فوطئها أحصنته ولم يحصنها ولكنه أحلها، والمجنونة المغلوبة على عقلها تحصن واطئها ولا يحصنها، وقال بعض الرواة: يحصنها، لأنها بالغةٌ مسلمة ونكاحها حلال.
قال الشيخ: يريد ابن القاسم إذا كان العقد في الصحة ووطئها في حال جنونها ثم أفاقت فلم يطأها حتى زنت، أن وطئها في حال جنونها لا يحصنها حتى يطأها بعد إفاقتها، وفي قول غيره: يحصنها وطؤه ذلك وإن لم يطأها بعد إفاقتها.
[فصل 3 - في الإحصان والإحلال بوطء الصبي]
ومن المدونة: قال ابن القاسم:/ وإن لم يحتلم الصبي ومثله يقوى على الجماع، فزوَّجه أبوه أو وصيه امرأةً فبنى بها وجامعها لم يحصنها ولا يحلها، ولا يجب لها بوطئه مهرٌ ولا عدةٌ عليها إن بارا عنه أبٌ أو وصي، لأن وطء الصبي ليس بوطء، وتقع الحرمة بعقد نكاحه بين آبائه وأبنائه وبين هذه المرأة.
قال مالك: ولا حد على كبيرةٍ زنت بصبيٍ صغيرٍ لم يبلغ، وأما الصبية فهي تحصِّن الكبير.
قال ابن المواز: وعلى هذا جماعة أصحاب مالك، وقاله مالك.
ابن وهب: وقاله يحيى بن سعيد، وقال: إنما ذكر الصبي بمنزلة الأصبع، ولو زنى رجل بصبيةٍ مثلها يوطأ إلا أنها لم تحصن لحد، ولم تحد الصبية، وقاله الأوزعي ومالك والليث.
الجزء: 9 - الصفحة: 349
[فصل 4 - في الإحصان والإحلال بوطء الخصي والمجنون]
ومن المدونة: وإذا تزوجت المرأة خصياً قائم الذكر فوطئها قبل علمها به ثم علمت به، فاختارت فراقه لم يحلها وطؤه ذلك، ولم يكن إحصاناً لها ولا له، ولا يكون الإحصان عند مالك إلا ما يقام عليه الحد ولا خيار فيه.
وإن وطئها بعد علمها به ورضاها انقطع خيارها وأحلها وطؤه ذلك، وكانا به محصَنين، لأنه نكاحٌ يُغتَسل منه، ويجب بوطئه الصداق والحد.
وكذلك إن تزوجت مجنوناً ولم يعلم بها فلها الخيار في فراقه، وإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحصنها ذلك، لأنه نكاح صحيح، ووطؤه يوجب الصداق والحد.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وسواءٌ كان مقطوع الخشفة أو غير مقطوعها.
قال الشيخ: وهذا هو ظاهر المدونة، وذكر عن سحنون انه قال: إنما يكون لها الخيار إذا كان مقطوع الخشفة، لأن اللذة فيها، وأما إن كان غير مقطوع الخشفة فلا خيار لها، ولا حجة لها انه لا يولد لمثله كما لا حجة لها إذا تزوجت رجلاً فوجدته عقيماً لا يولد له.
الجزء: 9 - الصفحة: 350
وقال أبو القاسم بن الكاتب: انظر إن كان إنما جعل لها الخيار لأنه لا ينزل الماء الدافق فصار وطؤه ناقصاً لذلك، ويؤيد ذلك إجماعهم أن ليس للرجل أن يعزل عن زوجته الحرة إلا بإذنها، فدل أن الإنزال من حق الزوجة، وليس كذلك الرجل العقيم لتكامل وطئه بإنزاله، وإذ قد يولد له بعد ذلك.
قال ابن المواز: مذهب ابن القاسم إذا صح العقد ثم وطئها بعد ذلك في حال جنونه أحلها وأحصنها، ولم يحصنه ذلك.
وقال أشهب: لا يحلها ولا يحصنها، وإن كان سليم وطئ مجنونة في حال جنونها فذلك يُحصنها ويُحلها، لأن الوطء للرجل وإليه يُنظر.
وقال عبد الملك: لا أبالي من كان منهما مجنوناً أو كانا مجنونين جميعاً في حال الوطء، فذلك يُحل ويحصن إذا صح العقد في الإفاقة، ويعقد من يجوز عقده عليها.
[فصل 5 - في الإحصان والإحلال بوطء العبد للحرة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن تزوجت الحرة عبداً أذن له سيده في النكاح، فوطئها قبل علمها به لم يحصنها ولم يُحلها ولها الخيار في فراقه حتى تعلم، فإن وطئها بعد علمها به ورضاها أحلها وأحصنها، ولا خيار لها بعد.
ابن المواز: قال مالك: وإذا تزوجت عبداً بغير إذن سيده ودخل بها لم يحلها وطؤه حتى يجيزه السيد، ثم يطأ العبد بعد ذلك.
وقال أشهب: إذا أجازه أحلها الوطء الأول.
الجزء: 9 - الصفحة: 351
[فصل 6 - في الإحصان والإحلال بنكاح المجبوب]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يحصن المرأة ولا يحلها مجبوب، إذ لا يطأ.
ابن حبيب: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن تزوجت شيخاً فلم ينتشر فأدخلت ذكره بأصبعها ثم فارقها/ قال: إن انتشر بعد أن أدخلته وعمل أحلها ذلك لمن أبنها، وإن بقي كذلك فلا يحلها.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو وطئ فوق الفرج فأنزل ودخل ماؤه في فرجها وأنزلت هي أيضاً فلا يحلها ولا يحصنها.
[فصل 7 - في الإحصان والإحلال بوطء الحر للأمة المسلمة والحرة الكتابية]
ومن المدونة: ويحصن الحر وطء الأمة المسلمة والحرة الكتابية بنكاح صحيح، وإن فسد النكاح لم يحصن.
الجزء: 9 - الصفحة: 352
ابن المواز: وروى ابن وهب أن عبد الملك بن مروان سأل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هل تحصن الأمة الحر؟ قال: نعم، فقال له: عمن تروي هذا؟ قال: أدركت أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون ذلك.
ومن المدونة: قال ربيعة: يحصن الحر المملوكة وتحصن الحرة بالعبد، وقاله علي بن أبي طالب وجماعة من الصحابة والتابعين.
والأمة المسلمة والحرة الكتابية يحلهن وطء العبد أو الحر المسلم بنكاح، ولا يكونان به محصنين حتى توطأ هذه بعد الإسلام، وهذه بعد العتق، والعبد لا يحصنه ذلك حتى يطأ بعد عتقه، والوطء بعد عتق أحدهما يحصن المعتق منهما، والعبدان إذا عتقا وهما زوجان فلم يجامعها بعد العتق حتى زنيا لم يكونا به محصنين حتى يطأها بعد العتق.
الجزء: 9 - الصفحة: 353
[فصل 8 - في الإحصان والإحلال بمجرد الخلوة، وبزنا المرأة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن بنى بزوجته ثم طلقها فادعت المسيس وأنكره، فالقول قول المرأة في الصداق، وعليها العدة، ولا يملك الرجعة، ولا يحلها ذلك لزوج كان طلقها البته، إلا بتقاررهما على الوطء.
قال ابن القاسم: أما في الإحلال فلا أمنع المطلق منها وأدينها وأخاف أن إنكار الزوج ليضر بها في نكاحها، ولا يكون الزوج محصناً، لأنها لا تصدق عليه في الإحصان.
قال بعض الرواة: وإن أخذت منه الصداق، لأنه إنما أخذ منه الصداق بما مضى به الحكم الظاهر وهو لم يقر بأنه أصابها.
قال مالك: ولا تكون هي محصنة إن زنت.
قال غيره: ولها أن تسقط ما أقرت به من الإحصان قبل أن تؤخذ في زنا أو بعد ما أخذت وتقول: أقررت لأخذ الصداق.
قال الشيخ: يريد: فإذا رجعت عن إقرارها بالإحصان رجع عليها الزوج بنصف الصداق، وقاله أبو الحسن بن القابسي.
وقال بعض فقهائنا: يحتمل أن يكون هذا في الرشيدة، وأما السفيهة فالصداق صار مالاً من مالها فليس لها إتلافه.
الجزء: 9 - الصفحة: 354
قال الشيخ: والرشيدة عندي والسفيهة سواء في ذلك، لأن ذلك إنما يُعلم من جهتها، وبدعواها أخذته، فإذا رجعت عن ذلك وجب رده، لأنها لو شاءت أولا لم تدعه، وأمور الصدقات في هذا المعنى إنما تؤخذ من قبل الزوجات.
قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا فيمن لم تعلم له بزوجته خلوة، فظهر بها حمل فلاعن منه فإن ذلك يحصنها لإقرارها بالإحصان، ولا يحلها.
قال بعض فقهائنا: ولو رجعت هذه فقالت: ليس الولد منه، فيحتمل أن يقال: لا يقبل رجوعها في نقص الإحصان، لأن الولد لا يزول نسبه بقولها، ولو استلحقه الزوج لحق به، ولم يُلتفت إلى رجوعها، ومن نفى هذا الولد على غير وجه الخبر حُد، فصار كالولد الحلال في الحكم لا كولد الزنا، فلهذا لا يقبل رجوعها، والله أعلم.
قال الشيخ: أما قوله في الولد فصواب، لا يُنفى بروجوعها، وللأب أن يستلحقه، وأما في الإحصان فيظهر لي أن لها أن تسقطه وتقول: ادعيت الوطء لئلا أحد، فيجب أن يقبل ذلك منها وتحد، وكما يقبل قولها في مسألة الكتاب إذا قالت: إنما أقررت بالوطء لآخذ الصداق، ويسقط بذلك/ بالإحصان، وكذلك يسقط إذا قالت: إنما ادعيت وطء الزوج خوفاً من الحد، فهذه أعذر من الأولى، والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 355
[فصل 9 - في الإحصان بزنا أحد الزوجين بعد إقامته مع الآخر وإنكاره الوطء]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أقر بجماع امرأته من عنين أو غيره، وأنكرت هي ثم طلقها البته، كانت مخيرة في أخذ الصداق أو تركه.
قيل له: فإن زنت المرأة بعد ذلك، أتكون محصنة؟
قال: لا تكون محصنة إلا بأمر يعرف به المسيس بعد النكاح.
قال ابن القاسم: وإذا أقامت امرأة مع زوجها عشرين سنة، ثم أخذت تزني فقالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بالجماع فهي محصنة.
قال سحنون: وكذلك يقول غيره: أنها محصنة، وليس لها إنكار، لأنها إنما تدفع حدا قد وجب عليها، ولم يكن منها قبل ذلك دعوى.
قال في كتاب الرجم: وإن طالت إقامة الرجل مع زوجته ثم زنى فقال: لم أجامعها، فإن لم يعلم وطؤه بولد يظهر، أو بإقرار فلا حد عليه.
قال مالك: ويحلف، وإن علم منه إقرار بالوطء رجم.
قال يحيى: هذا خير مما في كتاب النكاح، قال ابن المواز: وهو قول أصحابنا.
قال الشيخ: كأنهما أشارا إلى أن هذا منه اختلاف قول، وكذلك نحا إليه أبو محمد ولم يتعقبه، وذكر عن بعض المتأخرين من أصحابنا: أن ذلك ليس
الجزء: 9 - الصفحة: 356
باختلاف قول، وإنما اختلف جوابه فيهما لاختلاف السؤالين، وذلك أنه في مسألة كتاب النكاح هذه، الزوج فيها مقر بجماعها، فقد وجب الرجم عليها فلا ينفعها إنكارها بعد وجوب الرجم، وفي مسألة الحدود لم تدع المرأة أنه جامعها ولا أقر الزوج بجماعها، فلذلك لم يرجم.
قال الشيخ: والأظهر أنه اختلاف قول، هذا ظاهر قولهم، لأنهم إنما عللوا المسألة باختلافهما في الوطء بعد الزنا أو قبله.
ونص ما في كتاب ابن المواز قال: فإذا أقام معها عشرين سنة ثم فارقها، فزنت، وقد اختلفا في الوطء؟ قال: قال ابن القاسم وابن عبد الحكم: إن اختلفا بعد الزنا لم يقبل قول من أنكر الوطء والرجم قائم، وكذلك لو لم يقم معها إلا ليلة واحدة.
قال عبد الملك: فإن كان اختلافهما قبل الزنا فعليهما حد البكر وإن طالت إقامته معها، كانت تحته أو فارقها، كما لو قالت بعد طول السنين وهي تحته: لم يمسني، وطلبت أجل العنين وصدقها، أن ذلك لها.
قال الشيخ: فجعلوا العلة الاختلاف قبل الزنا وبعده، لأنه بعد الزنا يريد رفع حد وجب، فلا يُقبل منه، وليس العلة إقرار الزوج بالجماع، لأن إقراره بذلك لا يوجب إحصانها إذا أنكرت ذلك قبل الزنا، ولا يكون هو محصناً بدعواها هي الوطء أيضا قبل الزنا، وإنما العلة أن الحد إذا وجب فلا يقبل قول من أراد رفعه.
قال الشيخ: فالقول الآخر أصوب لقول النبي عليه الصلاة والسلام:
الجزء: 9 - الصفحة: 357
"ادرؤا الحدود بالشبهات".
[فصل 10 - في الوطء الذي يحصن الزوجين ويحل المبتوتة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة فلم يدخل بها حتى مات فادعت أنه طرقها ليلاً فجامعها، لم تصدق، ولا يُحلها ذلك لزوج كان طلقها البته إلا بدخول يُعرف، وإن زنت لم تكن محصنة بقولها ذلك، وهي مثل الأولى لها طرح ما ادعت.
قال ابن القاسم: ولا يحصن الزوجين ويحل المطلقة ثلاثاً إلا نكاح يصح عقده ويصح الوطء فيه، ولا يجزئ من الوطء إلا مغيب الحشفة وإن لم ينزل، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى تذوق العسيلة"، وقاله مالك.
قال ابن القاسم: ولا يكون بوطء الملك [محصناً] ولا بنكاح لا يقران عليه وإن رضي المولي، كمن تزوج ذات محرمٍ منه، أو حرة زوجت نفسها، أو أمة زوجت نفسها بغير إذن السيد، أو تزوج امرأة على عمتها أو خالتها أو أخت
الجزء: 9 - الصفحة: 358
امرأته، ودخل بها، أو بجمعهما في عقدة، ولم يعلم بذلك/ كله، فلا يُحلها ذلك ولا يُحصنها، وكذلك ماللولي أو أحد الزوجين إجازته أو فسخه، كاستخلاف الحرة أجنبياً يزوجها من رجلٍ بغير إذن وليها فيدخل بها، ونكاح العبد بغير إذن سيده، فلا يحلها ذلك الوطء ولا يحصنها، وإنما يُحلها ويحصنها إذا وطئها بعد إجازة الولي أو السيد.
قال الشيخ: وقد تقدم قول لأشهب في ذلك.
قال ابن القاسم: وكذلك الزوج في عيوب المرأة لا يحلها وطؤه ولا يحصنها قبل علمه بعيوبها حتى يطأها بعد العلم، وكل وطءٍ أحصن الزوجين أو أحدهما فإنه يحل المبتوتة، وليس كل ما يحل يحصن، وذلك في الصغيرة والنصرانية والأمة فإن ذلك يحلهن، ولا يحصنهن إلا مسيس معروف ليس لأحد فسخه، ولو صح العقد وفسد الوطء ما أحصن ولا أحل كوطء الحائض، أو أحدهما معتكف أو صائم في رمضان أو محرم، وكل وطءٍ نهى الله سبحانه عنه حتى يطأ بعده وطئاً صحيحاً.
قال المغيرة: قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقد نهى الله تعالى عن وطء الحائض، فلا يكون ما نهى عنه يُحِلُّ ما أمر به.
الجزء: 9 - الصفحة: 359
قال الشيخ: وسئل أبو عمران عن المرأة ترى القصة البيضاء فيطؤها زوجها قبل أن تغتسل، هل يحصنها ذلك؟
فقال: أما على مذهب ابن بكير الذي يجعل الإمساك عنها استجاباً فلا شك في ذلك، وأما على مذهب أصحابنا فإنهم شددوا في وطئها، وهم يقولون في الإحصان: إن كل ما اختلف فيه من النكاح لا يحل ولا يحصن، فهذا من ذلك المعنى.
قال ابن المواز في وطء الحائض والمعتكف والصائم في رمضان ووطء المحرم وكل وطءٍ نهى الله عنه فقول أصحاب مالك المصريين كلهم ابن القاسم وأشهب وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ: أن ذلك لا يحل ولا يحصن، ورووه عن مالك، وقال المغيرة وابن دينار: أن ذلك يحصن ولا يحل، وروياه عن مالك، وقال لي عبد الملك: هو عندي يحل ويحصن.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه وطء فاسد ممنوع منه كالعقد إذا وقع على وجهٍ فاسدٍ ممنوعٍ منه، فإنه لا يحل ولا يحصن بإجماعٍ منهم.
ووجه قول المغيرة: أنه لا يحل، فلأنه وطء منهي عنه فلا يحل ما أمر الله به، وكان ذلك يحصن، فلأنه حر مسلم وطئ في عقد نكاحٍ صحيحٍ يعف به، فوجب أن يحصنه كالوطء الصحيح.
الجزء: 9 - الصفحة: 360
قال الشيخ: ولو عكس المغيرة قوله فقال: يحل ولا يحصن، لكان أبين، ووجه ذلك: فلأنها ذاقت العسيلة في عقد نكاح كالوطء الصحيح، ولم يحصن لحرمة النفس، ولمراعاة الخلاف، وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: "ادرؤا الحدود بالشبهات" فنقله من الرجم إلى الجلد من دراية الحد.
ووجه قول عبد الملك: فلأنه حر مسلم بالغ صحيح العقل وطئ في عقد نكاحٍ صحيحٍ وطئاً لأحد عليه فيه، تعففت به، وذاقت العسيلة، فوجب أن يحل ويحصن كالوطء الصحيح.
قال ابن حبيب: وإن وطئها في صوم تطوعٍ أو قضاء رمضان أو نذرٍ لأيامٍ بغير أعيانها [جاهلاً] فوطؤه يحل ويحصن إجماعاً من قول مالك وأصحابه، لأنه لو أفطر يوماً من قضاء رمضان، أو من نذرٍ بغير عينه ساهياً جاز له فطر باقيه إن شاء ويقضيه.
وذكر سحنون في العتبية عن ابن القاسم: إن وطئ الصائم في فرضٍ أو نذرٍ لا يحلها ولا يحصنها، ووقف في صوم التطوع، ثم قال: قال مالك: لا يحصن ولا يحل إلا في عقدٍ صحيحٍ لا خيار فيه/ لأحد، ووطءٍ صحيحٍ لا في اعتكافٍ أو حيضٍ أو إحرامٍ أو صومٍ وشبه ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 361
[فصل 11 - في عدم الإحصان بوطء النصراني للنصرانية وعدم الإحلال بنكاح المحلل]
ومن المدونة: قال مالك: والنصرانية يبتها مسلم فلا يحلها وطء نصرانيٍ بنكاحٍ إلا أن يطأها بعد إسلامه، لأن ذلك ليس بنكاحٍ إلا أن يسلم الزوج وحده، أو يُسلما جميعاً فيثبت النكاح.
ولا يحصن الوطء بين النصرانيين حتى يطأها بعد إسلامهما.
وإن طلق الحر زوجته ثلاثاً أو العبد طلقتين لم تحل له إلا بعد زوج، ولا يحلها نكاح المحلل حتى يكون نكاح رغبةٍ غير مدالسة، وقاله عثمان وعلي وابن عباس، وكثير من التابعين.
قال ابن المسيب: لو فعلت لكان عليك إثمهما ما بقيا.
قال الوليد: كنت أسمع أن الزناة ثلاثة: الرجل والمحلل والمرأة.
وقال بعضهم: اتق الله ولا تكن مسمار نارٍ في كتاب الله تعالى.
الجزء: 9 - الصفحة: 362
فقلت لمالك: إنه يحتسب في ذلك؟
قال: يحتسب في غير هذا.
ومن كتاب ابن حبيب: وإذا نوى أن يتزوجها فإن أعجبته أمسكها وإلا كان قد احتسب في تحليلها للآخر لم يجز ذلك أيضاً إذا خالطت نيته التحليل، ولا تحل بذلك للآخر إن علم، وعلى هذا أن يعلمه بما اعتقد حتى يجتنبها.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وإنما يفسد ذلك بعلم المحلل وإرادته وإن لم يعلم الزوجان، ولو نكح على الصحة ولم يرد ذلك لم يضره علم الزوجين وإرادتهما، ويحلها ذلك.
قال مالك: لا يضره ما نوت هي، لأن الطلاق ليس بيدها.
قال مالك: وإذا فسخ نكاح المحلل وقد بنى فله نكاحها بعد ذلك، وأحب إلي أن ينكحها أبدا.
قال ابن عبد الحكم عن مالك: ويفسخ نكاح المحلل وإن بنى بها فلها صداق المثل، قال ابن المواز: بل المسمى، وهو قول مالك.
وقال: ويفسخ بطلقةٍ بائنةٍ بالقضاء إن كان بإقرار منه، ولو ثبت عليه أنه أقر بذلك قبل النكاح فليس بنكاح، ولو تزوجها بذلك زوجها الأول فسخ ذلك بغير طلاق إذا علم بذلك، وإن لم يعلم فإثمهما على من علم ذلك ما بقيا.
الجزء: 9 - الصفحة: 363
فصل [12 - في أثر الردة على الإحصان والإحلال]
ومن المدونة: والردة تزيل إحصان المرتد من رجل أو امرأة، ويأتنفان الإحصان إذا أسلما، لقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ومن زنى منهما بعد رجوعه إلى الإسلام وقبل تزويجه لم يُرجم، وقد قال مالك: إذا ارتدت وقد حجت ثم رجعت إلى الإسلام استأنفت الحج، ولم يجزها ما حجت قبل ردتها.
ابن المواز: ولو طلق رجل امرأته البتة فتزوجت غيره فحلت للأول ثم ارتدت لسقط ذلك الإحلال كما يسقط الإحصان.
قال الشيخ: يريد لأنها أبطلت فعلها في نفسها وهو نكاحها الذي أحلها كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها، بخلاف ارتداد الزوج الذي أحلها، لأن ذلك فعل فعله في غيره فلا يبطله ارتداده.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ارتد وعليه يمين بالله أو بعتقٍ أو بظهارٍ فالردة تسقط ذلك عنه.
قال ابن المواز: وكذلك يمينه بالطلاق وبالعتق وبالمشي أنه إذا ارتد ثم تاب سقط ذلك عنه، وقد ذكر عن ابن القاسم أنه يلزمه أيمانه بالظهار، ولم يعجبنا.
ابن المواز: ولو حنث في ظهارٍ مجردٍ فلزمته الكفارة، ثم ارتد، ثم أسلم لسقطت الكفارة عنه، ولو لم يحنث لم يسقط الظهار عنه كالطلاق.
الجزء: 9 - الصفحة: 364
قال الشيخ: لأنه إذا حنث صارت الكفارة كنذرٍ نذره للمساكين، فإذا ارتد ثم أسلم سقط ذلك عنه، وإذا لم يحنث فالظهار باقٍ عليها منه كالطلاق، ولأنها مخاطبة ألا يقربها في الطلاق ثلاثاً إلا بعد زوج، وفي الظهار حتى يكفر، فلا يزيل ذلك عنها ارتداده إلا أن ترتد هي أيضاً فسقط ذلك عنهما.
ومن المدونة:/ قال سحنون: وقال بعض الرواة: لا تطرح ردته إحصانه في الإسلام، ولا أيمانه بالطلاق، ألا ترى أنه لو طلق زوجته ثلاثاً قبل أن يرتد ثم رجع إلى الإسلام أكان يكون له تزويجها بغير زوج؟ وكذلك لو نكح امرأة قد كان طلقها زوجها ثلاثاً فوطئها قبل ردته فحلت لمن أبتها لم تبطل ذلك ردته.
قال الشيخ: وهذا احتجاج منكسر، لأن التي أحلها لزوجها قد تم الإحلال فيها قبل ردته، فلا تسقطه ردته، لأن ردته إنما تسقط أفعاله في نفسه لا أفعاله في غيره، ألا ترى أنه لو أعتق عبداً أو أعطى عطيةً ثم ارتد، ثم أسلم أكان يبطل ذلك ردته؟ وكذلك المرأة التي طلقها ثلاثاً لا ترجع إليه، لأنه فعل فعله في غيره، ولأنه وإن حل ذلك له فهي لا يحل لها أن تتزوجه إلا بعد زوج، إلا أن ترتد هي أيضاً ثم تسلم، فيحل له أن يتزوجها قبل زوج، وقاله ابن عبد الحكم في ارتدادهما جميعا: إنها تحل له قبل زوج.
قيل: فإن كانت الزوجة نصرانية فطلقها، ثم ارتد، ثم رجع إلى الإسلام؟ فقال أبو محمد وغيره: لا تحل له، لأنها مخاطبة بالإسلام وأحكامه، وهو فيها كالمسافر يقدم مفطراً في رمضان فلا يحل له وطؤها.
قال الشيخ: والعلة المستمرة أنها إنما تسقط عنه بردته ما فعله في نفسه، لا ما فعله في غيره، أصله العتق.
الجزء: 9 - الصفحة: 365
[الباب الخامس]
في مناكح المشركين وإسلام أحد الزوجين
[فصل 1 - في حكم أنكحة المشركين]
ونكاح المشرك عندنا فاسد، وإنما يصح منه بالإسلام ما لو ابتدأ العقد عليها بعد الإسلام لجاز، وما لا يجوز أن يبتدئه بعد الإسلام لم يصح البقاء عليه كالعقد على ذوات المحارم.
والدليل على فساده أن صحة العقد مفتقرة إلى شروط هي معدومة في أنكحتهم منها الولي، ورضى المنكوحة، وأن لا تكون في عدة، وبصداق مما يجوز تملكه، وبشهود، وأنكحتهم خالية من ذلك فوجب فسادها، وإنما تصح لهم بالإسلام، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الإسلام يجب ما قبله"، ولأنه عليه الصلاة والسلام أقر من أسلم على نكاحه.
الجزء: 9 - الصفحة: 366
[فصل 2 - في النصراني ينكح النصرانية بخمر أو خنزير أو بغير مهر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا تزوج نصراني نصرانية بخمرٍ أو خنزيرٍ أو بغير مهرٍ أو شرطا ألا مهر لها، وهم يستحلون ذلك في دينهم ثم أسلم أو أسلما جميعاً بعد البناء ثبت النكاح، فإن كانت قد قبضت قبل البناء ما ذكرنا فلا شيء لها غيره، وإن لم تكن قبضته وقد بنى بها فلها صداق المثل، وإن كان لم يبن بها حتى أسلما وقد قبضت ما ذكرنا أو لم تقبضه خير بين إعطائها صداق المثل ويدخل بها أو الفراق ويكون طلقة، ويصير كمن نكح على تفويض.
وقال غيره: فإن قبضته مضى ذلك ولا يكون لها غيره بنى بها أو لم يبن.
وقاله ابن القاسم في كتاب محمد، قال محمد: وهذا عدل.
قال ابن المواز: وإن وجد بيدها - يريد محمد: وقد أسلمت - كسر عليها الخمر وقتلت الخنازير.
قال: وقال ابن القاسم في الأسدية: سواء قبضت أو لم تقبض إذا لم يبن، فإن شاء بنى وودى صداق المثل وإلا فارق وكانت طلقة ولا شيء عليه، وهذا غلط، وقال أشهب: يفسخ إذا لم يدخل إلا أن يعطيها ربع دينار، واستحبه أصبغ.
قال الشيخ: قول أشهب: يعطيها ربع دينار، يريد إذا كان قبل البناء وقد قبضت ذلك، وكذلك فسره في غير هذا الموضع.
وقال البرقي عن أشهب: يعطيها صداق المثل.
قال أبو محمد: وقول ابن القاسم وعبد الملك هو المعمول به/ أنه كالتفويض فإن قبضت نصفه كان لها نصف صداق المثل، وكذلك فيما قل أو كثر على هذا الحساب.
الجزء: 9 - الصفحة: 367
أبو محمد: يريد إن شاء البناء ولم يكن بنى.
قال الشيخ: إنما يصح هذا في قول ابن القاسم إذا بنى، وأما إذا لم يبن فهو يقول: إذا قبضت جميعه لم يكن للزوج أن يدخل حتى يعطيها صداق المثل أو يفارق بطلقة، وهو كمن نكح على تفويض.
-قال الشيخ: وسواء قبضت جميعه أو بعضه أو لم تقبض شيئاً لا يكون للزوج أن يدخل حتى يدفع صداق المثل-.
قال أبو محمد: ولو وهبت نفسها لرجعت إلى صداق المثل، وهذا كله قبل البناء، فأما إن بنى ولم تقبض شيئاً فلا شيء لها في الخمر والخنزير ولا في الهبة.
قال أبو محمد: وهذا خلاف ما في المدونة.
قال الشيخ: يريد أنه خلاف المدونة في الخمر والخنزير، وأما في الهبة أو بغير صداق فلا، وظاهر المدونة ألا شيء لها عليه كما قال أبو محمد، وإن كان ابن حبيب قد قال: إذا تزوجت بغير صداقٍ شرط مشروط ثم أسلم قبل البناء خير بين إعطائها صداق المثل أو فارق، وإن أسلم بعد البناء أعطاها صداق مثلها وثبت النكاح.
قال الشيخ: وهذا خلاف ظاهر المدونة، لأنه أسلم بعد البناء ولا تباعة لها عليه، فهي كمن قبضت الخمر والخنزير فلا تتبعه بشيءٍ إذا أسلما، وقاله أبو الحسن ابن القابسي.
ابن حبيب قال: وإن أسلمت هذ دونه قبل البناء فسخ النكاح ولا شيء عليها فيما قبضت من خمرٍ أو خنزيرٍ لا نصف ولا غيره.
قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا من القرويين أن عليها قيمة ما قبضت وإن كان قائماً، ويراق الخمر عليها وتقتل الخنازير، لأنها منعته من ذلك
الجزء: 9 - الصفحة: 368
بإسلامها، وكانت كالمسلم يستهلك ذلك للنصراني أن عليه قيمته، ونحو هذا روى عيسى عن ابن القاسم في المستخرجة.
ووجه قول ابن حبيب هذا: أنها غير متعديةٍ عليه في ذلك، إذ هي مأمورة بالإسلام، فهي بخلاف من أتلف عين ذلك تعدياً، والله أعلم.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: ولو تبايعا سلعة بخمرٍ ثم أسلما وقد قبض الخمر ولم تقبض السلعة فالبيع تام ولا يدخله اختلافهم في مسألة النكاح، لأن البضع لا يستباح في الإسلام إلا بعوض، وملك السلعة يجوز بغير عوض، فحكم ذلك مفترق.
قال بعض فقهائنا: ولو أسلما قبل التقابض لاحتمل أن يفسخ البيع بينهما، ولا يقال للمشتري: عليك قيمة السلعة، فيكون كبيع سلعةٍ بقيمتها.
قال الشيخ: ويحتمل أن ينظر فإن أسلم مشتري السلعة أولا فقد أتلف على البائع ثمن سلعته، فيرجع في عينها، وإن أسلم بائع السلعة أولاً فهو الذي أتلف ثمن سلعته، فلا شيء له على مبتاعها، ويكون ذلك كقبضه ويتم البيع في السلعة، والله أعلم.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو أصدقها ثمن خمرٍ [له] على رجلٍ فلم تقبضه حتى أسلما فلها قبضه والنكاح ثابت، لأنه إذا أسلم وله دين من ثمن خمر فحلال له قبضه.
الجزء: 9 - الصفحة: 369
قال عبد الملك: ولا يدخل بالزوجة حتى يقدم ربع دينار، ولو أصدقها ديناً له من رباً ديناراً بدينارين فلم تقبضه حتى أسلما فليس لها على الزوج شيء، وله البناء إن لم يكن بنى، ولا تأخذ من/ الغريم إلا ديناراً كما كان هو يقبض منه لو أسلم، وكذلك لو كان رأس المال درهمين في ثلاثة فلا تقبض من الغريم إلا درهمين، ولا ترجع على الزوج بشيء وله البناء، لأنه كان صادقاً يوم أصدقها، وإن أصدقها خمراً بعضه نقداً وبعضه مؤجلاً فأسلما أو أسلم الزوج قبل قبضها المؤجل، فإن بنى فلا شيء لها، وإن لم يبن نظر ما المؤجل منه، فإن كان الثلث بالقيمة رجعت عليه بثلث صداق المثل معجلا.
قال الشيخ: وهذا على أصله في كتاب ابن المواز، وهو قول الغير في المدونة، وأما على قول ابن القاسم في المدونة يكون لها ثلث صداق المثل إن بنى وأما إن لم يبن فإنه مخير بين إعطائها المثل أو يفارقها، كما قال إذا قبضت جميع الخمر.
قال عبد الملك: ولو أصدقها خمراً مع خنازير فقبضت الخمر ثم أسلما قوم هذا من هذا، فترجع من صداق مثلها بمقدار ما بقي مما لم تقبضه.
ابن المواز: وإذا تزوج مسلم نصرانية بخمر فقبضته وفات بيدها، فإن لم يبن فسخ ولم يتبعها بشيء، وإن بنى فقيل: يفرق بينهما، ولا أقوله، ولكن يثبت ولها صداق المثل، قاله ابن القاسم، وقال أشهب: يعطيها ربع دينار، قال أصبغ: وقولي: على قول ابن القاسم، استحساناً، وأما قوله: إن لم يبن، فهو القياس.
الجزء: 9 - الصفحة: 370
[فصل 3 - في تحريم المسلمة على الكافر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يطأ كافرٌ مسلمةٌ بنكاحٍ أو ملكٍ ويتقدم في ذلك إلى أهل الذمة أشد التقدمة ويعاقب فاعله بعد التقدم، ولا يحد وإن تعمداه، ومن عُذِرَ بجهلٍ فلا يعاقب، وتباع الأمة على مالكها ويفسخ النكاح وإن أسلم الزوج.
قال الشيخ: ولا تباع عليه الأمة إذا أسلم السيد.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وإن لم تعذر المسلمة بجهلٍ في النكاح حدث، ويكون كمتزوج الخامسة، ونحو ذلك مما يُحرم بالقرآن.
وقوله في الكتاب: ولا حد في ذلك وإن تعمداه، يريد: لاحد على الزوج، لأنه نصراني، ولا حد عليها في الملك.
قال سحنون: الملك مخالف للنكاح، لأن بالشراء انعقد له الملك في الأمة، ولا ينعقد بالنكاح، فلذلك أجاب أن تضرب المرأة الحد.
وفي كتاب ابن المواز فيمن تزوج مجوسية وهو عالم بتحريم ذلك: فإنه يُرجم.
الجزء: 9 - الصفحة: 371
ومن المدونة: قال عمر بن الخطاب: ينكح المسلم النصرانية ولا ينكح النصراني المسلمة، وقال علي بن أبي طالب: لا ينكح النصراني ولا اليهودي المسلمة، قال سليمان بن يسار وأبو سلمة بن عبد الرحمن: فإن فعلا ذلك فرق السلطان بينهما، قال ربيعة: وإن نكحها وزعم أنه مسلم فلما خشي الظهور عليه أسلم وقد بنى بها فلها الصداق ويفرق بينهما وإن رضي أهل المرأة، لأن نكاحه كان لا يحل، ثم إن رجع إلى الكفر قُتل.
فصل [4 - في إسلام أحد الزوجين]
قال مالك: وإذا أسلم مجوسي أو ذمي وتته مجوسيةٌ عُرِضَ عليها الإسلام حينئذ، فإن أبته وقعت الفرقة بينهما، وإن أسلمت بقيت له زوجة.
قال الشيخ: يريد بني أو لم يبن، قال ابن القاسم في أب الزوج الصغير المجوسي يسلم، فهذا مثله.
قال ابن القاسم: إلا أن يبعد ما بين إسلامهما فلا تكون امرأته وإن أسلمت، وتنقطع العصمة فيما بينهما إذا تطاول ذلك ولم يجد البعد في ذلك، وأرى الشهرين/ وأكثر من ذلك قليلاً ليس بكثير.
وفي بعض الروايات: وارى الشهر وأكثر من ذلك ليس بكثير، وكذلك في كتاب ابن المواز.
الجزء: 9 - الصفحة: 372
قال ابن اللباد: وذلك إذا غُفِل عنهما.
وحجة ابن القاسم: أن أبا سفيان بن حرب أسلم ثم أسلمت هند بعد شهر وبقيت له زوجة.
وقال أشهب في كتاب ابن المواز: لا يفرق بينهما في المدخول بها حتى تخرج من العدة، وأصحابنا على قول ابن القاسم.
وروي أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يعرض عليها الإسلام اليومين والثلاثة فإن أبت استبرأت نفسها بحيضة.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: إذا أبت الإسلام فرق بينهما مكانه، قوله تعالى ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ [الممتحنة:10]، ولأنه إما أن يفسخ النكاح عقب إبائها أو تبقى مستدامة النكاح.
ووجه قوله: يعرض عليها الإسلام اليومين والثلاثة اعتباراً بالمرتد.
ووجه قول أشهب: اعتباراً بإسلام الزوجة.
قال ابن المواز: وذكر ابن القاسم عن مالك: إن المجوسي إذا أسلم قبل البنا ولم تسلم امرأته، أنه يعرض عليها الإسلام، فإن أسلمت مكانها وإلا فرق بينهما.
وقال أشهب: إسلام الزوج قبل البناء يقطع العصمة بينهما، وبه أخذ ابن المواز.
الجزء: 9 - الصفحة: 373
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلمت الزوجة بعد البناء وزوجها مجوسي أو كتابي فلا يعرض عليه الإسلام، ولكنه إن أسلم في عدتها كان أملك بها، وإن أسلم بعد انقضاء عدتها فلا سبيل له عليها، وقد قال الله تعالى في اللاتي أسلمن دون أزواجهن وهاجرن: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّار﴾ [الممتحنة:10]، وأبانت ذلك سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن ذلك مالم يسلم الزوج في العدة، لما أقر صفوان إذ أسلم في العدة بعد شهر من إسلام زوجته، وأقر صلى الله عليه وسلم ابنته زينب تحت أبي العاص إذ أسلم في عدتها بعد إسلامها.
الجزء: 9 - الصفحة: 374
ومن المختصر: وإذا أسلمت النصرانية فأراد زوجها أن يسلم فقالت: أنا افتدي منك بكذا على أن لا تسلم حتى أملك أمري، أو على أن لا رجعة لك علي ثم أسلم فهو أحق بها، وما أخذ منها رد إليها.
قال ابن زمنين: وإذا أسلمت فكان الزوج أولى بها في العدة إن أسلم اختلف قول ابن القاسم في النفقة عليها قبل إسلامه مادامت في العدة، فروى عنه أصبغ أنه قال: أحب إلي أن ينفق عليها من يوم إسلامها، لأنه أحق بها مادامت في العدة، وروى عنه عيسى: أنه لا نفقة لها عليه، لأنها منعته فرجها بإسلامها، قال: وهذه الرواية أحسن عند أهل النظر من رواية أصبغ.
ومن المدونة: قال مالك، وقال أيضاً ابن القاسم وأشهب: وإن أسلمت قبل البناء والزوج مجوسي أو كتابي فقد بانت منه، ولا رجعة له إن أسلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 375
قال الشيخ: ولا خلاف بينهم في إسلام الزوجة بعد البناء أن الزوج أحق بها إن أسلم في عدتها للسنة المأثورة، ولا خلاف أيضاً بينهم إن أسلمت قبل البناء أنه لا سبيل إليها إلا أن يسلما معاً، وذلك أن إسلامه ينزل منزل رجعته، لأن النبي عليه الصلاة والسلام جعل إسلام الزوج في العدة كرجعة المسلم فيها إذا طلق واحدة، فلما لم يكن في غي المدخول بها عدة ولم يكن فيها رجعة لم يكن لزوجها إذا أسلم بعدها عليها سبيل، إذ لا عدة عليها، وكذلك إن أسلم في التي بنى بعد إسلامها وبعد انقضاء عدتها، فقد بانت منه، لأن إسلامه أقيم مقام ارتجاعه فكان موقوفاً على العدة.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا وقع الفراق بإسلام/ أحد الزوجين كان فسخاً بغير طلاق.
قال ابن المواز: والفرق بين إسلام أحد الزوجين أنه فسخ بغير طلاق، وبين ردته أنه تلزمه طلقة، لأن المسلم يلزمه طلاقه فكذلك يلزمه لما أحدث من الردة الطلاق، والكافر لو طلق لم يلزمه طلاقه إن أسلم فلم يلزمه بما فعل طلاق.
ومن المدونة: وإن أسلم كتابي بدار الحرب أو بعد قدومه إلينا لم تزل عصمته عن نسائه، وهن على نكاحهن، ويقع طلاقه عليهن، فافتراق الدارين ليس بشيء.
قال ابن القاسم: وأكره له الوطء بدار الحرب بعد الإسلام كما كره مالك أن ينكح بها خوفاً أن تلد ولداً فيكون على دين الأم، فإن خرجا إلينا بأمان فأسلم أحدهما كانا في الفرقة والاجتماع كالذميين يسلم أحدهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 376
قال: وإن أسلم ذمي وتحته كتابيه بنى بها أم لا ثبت نكاحه وبقيت له زوجة، وإن كانت صغيرة زوجها إياه أبوها فهما على نكاحهما، ولا خيار لها إن بلغت.
قال: وإن أسلن الصبي الذمي وقد زوجه أبوه مجوسية لم بفسخ نكاحه فسخ نكاحه إلا أن يثبت على إسلامه حتى يحتلم فتقع الفرقة بينهما، إلا أن تسلم هي عند ذلك فتبقى له زوجة، لأنه لو أرتد عن الإسلام قبل بلوغه لم يقتل.
وإذا أسلم الزوج قبل البناء وهما مجوسيان ففرق بينهما فلا صداق عليه، لأنه فسخ بغير طلاق، وإذا وقعت الفرقة بين الزوجين بإسلام أحدهما، وذلك قبل البناء فلا صداق للمرأة ولا متعة.
قال الشيخ: لأن الفراق من قِبلها.
قال: فإن بنى بها وهما مجوسيان أو ذميان فوقعت الفرقة بينهما بإسلام أحدهما فرفعتها حيضتها فلها السكنى، لأنها إن كانت حاملاً اتبعه ما في بطنها، وكذلك من نكح ذات محرم منه ولم يعلم ففرق بينهما بع البناء فلها السكنى لأنها تعتد منه وإن كان فسخاً.
وإذا سبيت ذات زوج فعليها الاستبراء بحيضة، لأنها صارت أمة، وإن أسلمت امرأة في دار الحرب ثم قدمت إلينا، أو قدمت إلينا بأمان ثم أسلمت فلا تنكح مكانها، ولكن تستبرأ في نفسها بثلاث حيض كاستبراء الحرائر، فإن أسلم زوجها فيها كان أملك بها إن ثبت أنها زوجته، ولو كان إسلام هذه الزوجة في دار الحرب أو عندنا وذلك قبل البناء لبانت ولا سبيل له إليها، ولا متعة لها ولا صداق، وإن فبضته ردئه، وإن بنى بها فلها المسمى.
وإذا أسلمت النصرانية وزوجها نصراني ثم طلقها في العدة، ثم أسلم فيها لم يعد طلاقه طلاقاً، وكان على نكاحه، وإن انقضت عدتها فنكحها بعد ذلك كان جائزا، وطلاقه في شركه باطل.
الجزء: 9 - الصفحة: 377
[الباب السادس]
في سبي أحد الزوجين أو كليهما ورجعة زوج الأمة في سفره
[فصل 1 - في سبي أحد الزوجين أو كليهما]
روى ابن وهب عن أبي سعيد الخدري أنه قال أصبنا سبياً يوم أوطاس ولهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن، فسألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24]، فاستحللناهن، فلما أباح الله عز وجل وطء المسبية لها زوج بهذه الآية دل بذلك أن السبي يهدم النكاح.
قال ابن القاسم وأشهب: السبي فسخ النكاح /قال أشهب: سُبياً جميعاً أو مُفْتَرِقَين.
الجزء: 9 - الصفحة: 378
قال الشيخ: يريد وإن علم أنها زوجته بالبينة، على مذهب ابن القاسم وأشهب، وهو أشبه بظاهر التنزيل.
قال ابن قسيط: وإن ابتاع رجل عبداً وامرأة من السبي قبل أن يفرق بينهما السلطان فليفرق بينهما إن شاء ويطأ الأمة.
قال الشيخ: اختلف شيوخنا في قول ابن قسيط، فقال بعضهم: ما معناه إذا لم يقرهما السلطان على النكاح، وليس بيعهما مجتمعين مما يمنع التفرقة حتى يقرهما بلفظٍ منه يقتضي ذلك.
وقال غيره من شيوخنا: إن قول ابن قُسيط خلاف، أنه إذا باعهما جميعاً إنما ينادي على العبد وزوجته فذلك إقرار للنكاح.
وفي كتاب ابن المواز: من اشترى عِلجة وزوجها من المقاسم فلا يفرق بينهما في النكاح، فإن هرب العِلجُ لم يكن لسيدها وطؤها إن كانا أقرا على النكاح وعلى ذلك يبعث.
قال مالك: وإن قدم إلينا تجار من أهل الحرب فباعوا منا رقيقاً، فذكر الرقيق أم بينهم تناكحا، فإن زعم ذلك الذين باعوهم أو عُلِم صدق قولهم ببينة, كانوا على تناكحهم ولا يفرق بينهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 379
قال الشيخ: وظاهر هذا أنه خلاف السبي، لأن النص إنما أنزل في السبي، وهذا ليس بسبي، وإن كان وقع لمالك في كتاب ابن المواز في السبي مثل هذا الجواب، ولكن الأشبه عندي بظاهر التنزيل أن السبي خلاف هذا، ومالك أعلم وأهدى للصواب، ويحتمل أن يحمل قوله في السبي استحباباً وقياساً على هذه المسألة والله أعلم.
وإن لم يعلم ذلك إلا بقول الرقيق فلا يصدقون ويفرق بينهم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا سُبي جميعاً أو سبي أحدهما قبل صاحبه فهما على نكاحهما إذا علم ذلك بالبينة مالم تستبرأ بحيضة، ويطؤها السيد، فإن وطئها السيد قبل أن يدركها الزوج ويعلم ذلك فالنكاح منقطع.
قال ابن بكير: قال مالك: وإن سبيت قبل الزوج انفسخ النكاح وحلت لمالكها، إذ لا عهد لزوجها، وإن سبيا جميعاً فاستبقى الزوج أقرا على نكاحهما، إذ صار لزوجها عهد حين استبقى، فصارا أحق من المالك بها لهذا- يريد إذا علم ذلك بالبينة، وكله عندي خلاف المدونة والله أعلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو سبيت المرأة ثم قدم الزوج بأمان أو سبي وهي في الاستبراء فلا سبيل له إليها لزوال العصمة بالسبي.
الجزء: 9 - الصفحة: 380
ولو أسلم الزوج بدار حرب وأقام بها، أو قدم إلينا مسلماً، أو بأمان فأسلم وخلف أهله على النصرانية فسباها المسلمون فهي في عصمته والنكاح بينهما ثابت إن أسلمت.
ابن المواز: قال ابن القاسم: أو أعتقت.
قال في المدونة: وإن أبت الإسلام فرق بينهما، إذ لا تنكح أمة كتابية، وهي وولدها وما في بطنها من ولدن ومهرها الذي على الزوج، وجميع ما للزوج بدار الحرب فيء لذلك الجيش.
وقال غيره: ولده الصغير تبع له، وكذلك ماله هو لم يزل ملكه عنه، فإن أدركه قبل القسم أخذه، وإن قسم فهو أحق به بالثمن.
فصل [2 - في رجعة زوج الأمة في سفره]
قال ابن القاسم: ومن طلق زوجته وهي أمة ثم ارتجعها في سفره قبل انقضاء عدتها وأشهد بذلك فوطئها سيدها بعد عدتها قبل علمه برجعة الزوج، ثم قدم الزوج فلا رجعة له, إذ وطء السيد بالملك كوطئها بالنكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 381
[الباب السابع]
ما يحل ويحرم من وطء الكوافر بملك أو بنكاح
[فصل 1 - فيما يحل ويحرم من وطء الكوافر]
قال الله سبحانه: ﴿وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221] فعم الحرائر والإماء، إذ الوطء يسمى نكاحاً، واستثنى نكاح الحرائر الكتابيات بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة:5] وهذا إحصان الحرية.
ولم يحل الأمة بالنكاح إلا مؤمنة لقوله تعالى: ﴿ومَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:25]، فلم يحل نكاح الأمة إلا مؤمنة.
وأحل الله تعالى وطء الكتابيات بالملك بقوله في تحريم ذوات الزواج ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: 24]، وهذا إحصان نكاح ثم استثنى فقال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء:24]، وهن اللاتي ملكناهن بالسبي ولهن أزواج كفار بدار الحرب، قاله مالك.
قال ابن حبيب: أو سبوا معهن.
وبقي تحريم المجوسيات بنكاح أو ملك بالتحريم الأول العام.
الجزء: 9 - الصفحة: 382
قال عبد الوهاب: ولأن كل جنس تؤكل ذبائحهم يجوز نكاح نسائهم كالمسلمين.
وقال في وطء الإماء الكتابيات: ولأن كل من يجوز وطء حرائرهم بالنكاح يجوز وطء إمائهم بالملك كالمسلمين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكره مالك وطء نساء أهل الحرب، وقال يدع ولده في أرض الشرك ثم ينتصر أو ينصر، ولا يعجبني.
قال ابن القاسم: فأرى أن يطلقها ولا يقيم عليها من غير قضاء.
قال ابن القاسم: ويجوز للمسلم نكاح حرة كتابية، ويكره له ذلك، وإنما كره له مالك ذلك ولم يحرمه، لما تتغذى به من خمر وخنزير وتغذى به ولده، وهو يُقبِل ويُضاجع، وليس له منعها من ذلك، ولا من الذهاب إلى الكنيسة.
قال غيره: ولأنه سكون إلى الكفار ومودة لهم، لأنه تعالى قال في الزوجين ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21].
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجوز لمسلم أن يطأ مجوسية بنكاح أو بملك يمين.
قال ابن شهاب: ولا يقبلها ولا يباشرها.
قال الشيخ: لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة:221]،ولأن كل من لا تؤكل لحوم ذبائحهم لا يجوز نكاح نسائهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 383
ومن المدونة: قال مالك: والأمة الكتابية لا يحل لمسلم أن يتزوجها ولا يطأها إلا بملك اليمين، كان حراً أو عبداً كانت لمسلم أو ذمي، ولا يزوجها سيدها من غلام له مسلم.
فصل [2 - في تناكح الكفار فيما بينهم]
ولا يمنع النصراني من نكاح المجوس ولا المجوسي من نكاح النصارى.
الجزء: 9 - الصفحة: 384
[الباب الثامن]
باب في إسلام أبوين أو أحدهما وحكم الولد في ذلك
وقال النبي عليه الصلاة والسلام: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه".
وقال مالك: إسلام الأب إسلام لصغار بنيه، ولو أسلمت ألم وحدها دون الأب بقي الولد على دين أبيه، وكذلك لو أسلمت وهي حامل ثم ولدت إن الولد على دين الأب، ويتركون في حضانتها.
قال أبو بكر بن اللباد: روى الليث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أيهما أسلم من الأبوين كان أولى بالولد"، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وبه قال غير واحد من أهل العلم، وقال ابن وهب.
ومن المدونة: قال مالك: ولو تزوج مجوسي نصرانية فولدت منه كان الولد تبعاً للأب في الدين وأداء الجزية، وتبعاً للأم في الملك والحرية.
وإذا زوج النصراني ابنته الطفلة لكتابي ثم أسلم الأب وهي صغيرة، كان ذلك فسخاً لنكاحهما، لأن إسلام الأب إسلام لها.
ولو زوج المجوسي ابنه الطفل مجوسية ثم أسلم الأب، وابنه صغير، عُرِضَ على/ زوجة الصبي الإسلام، فإن أسلمت وإلا فرق بينهما ما لم يتطاول ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 385
وإذا كان الغلام أو الجارية في حد المراهقة في إسلام الآباء من أبناء اثنتي عشرة سنة أو ثلاث عشرة سنة فلا يجبران على الإسلام، ويترك الأمر إلى بلوغهما فمن أقام منهما حينئذ على دينه الذي كان عليه ونكاحه لم يُعرض له، وإن أسلم حُكِم فيه بما ذكرنا في إسلام أحد الزوجين البالغين.
قال مالك: ومن أسلم وله ولد صغار فأقرهم حتى بلغوا اثنتي عشرة سنة وشبه ذلك فأبوا الإسلام فلا يجبرون.
وقال بعض الرواة: يُجبرون, وهم مسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين.
قال مالك: ومن أسلم وله ولد مراهق من أبناء ثلاث عشرة سنة وشبه ذلك، ثم مات الأب، أوقف ماله إلى بلوغ الولد، فإذا بلغ وأسلم وَرِث، وإن لم يسلم حين بلغ لم يُعرض له، وكان ذلك المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم، لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية اُكره على الإسلام ولم يُقتل.
قال الشيخ: وقيل: إسلامه إسلام، وله الميراث، لأنه لو رجع إلى النصرانية جُبِرَ على الإسلام بالضرب حتى يسلم أو يموت.
قال مالك: ولو قال الولد: إني لا أسلم إذا بلغت، لم يُنظر إلى ذلك ولابد من إيقاف المال إلى احتلامه.
ولو كان الولد لا يعقل دينه، ابن خمس سنين أو ست فهم مسلمون بإسلام الأب، ويرثون مكانهم، وقاله أكثر الرواة.
الجزء: 9 - الصفحة: 386
[الباب التاسع]
فيمن أسلم على أكثر من أربع نسوة، أو على أم وابنتها ونكاح المشرك وطلاقه إذا أسلم عليه
[فصل 1 - فيمن أسلم على أكثر /ن أربع نسوة]
وقد أقر الرسول صلى الله عليه وسلم أبا العاص وصفوان على نكاح الشرك، وخير غيلان بن أبي سلمة الثقفي إذ أسلم على عشر نسوة في أربع منهن، وخير فيروز الديلمي إذ أسلم على أختين في أحدهما.
قال مالك: وإذا أسلم حربي على أكثر من أربع نسوة نكحهن في عقدة أو عقد فليختر منهن أربعاً، كن أول من نكح أو آخرهن، ويُفَارِق باقيهن.
الجزء: 9 - الصفحة: 387
قال ابن المواز: والمجوسي إذا أسم وتحته عشر نسوة لم يبن بهن، وأسلمن كلهن أنه بختار منهن أربعاً ويفارق باقيهن.
قال ابن حبيب: ويفارقهن بطلاق، ويعطى لكل من فارق نصف صداقها.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك، لأنه عنده لما كان له أن يختار كل واحدة صار كأنه مختار لطلاقها، فكان عليه نصف صداقها، وابن القاسم لا يرى عليه فيمن فارق صداقاً، لأنه عنده فسخ قبل البناء.
قال ابن المواز: فإن لم يختر منهن أربعاً حتى مات فإنهن يرثنه كلهن الربع إن لم يكن له ولد، ويكون لكل واحدة ممن لم يدخل بها خمسا صداقها، وللمدخول بها صداقاً كاملاً.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك، لأن له أن يقيم على أربع منهن فأقل، فلما مات ولم يختر منهن واحدة كان الربع بيم جميعهن، لأنه ليس لواحدة أحق بالميراث من صاحبتها، فلذلك قسم بينهن، وأما الصداق فإنما عليه أربع صداقات، فلما لم تعلم المختارة منهن قسم الأربع صدقات على عشرة فيقع لكل واحدة خمسا صداقها، وأما المدخول بها فقد استحقت صداقها بالمسيس.
قال أبو محمد [بن إسحاق]: فإن طلق منهن أربعا بغير أعيانهن، قبل أن يختار/ أن يطلقهن، فعليه لكل واحدة من العشر خمس صداقها، هذا إن كان قبل البناء، وإن طلق منهن واحدة معلومة لم يكن له أن يختار من البواقي إلا ثلاثا، وإن طلق واحدة مجهولة ثلاثا لم يكن له أن يختار من البواقي إلا واحدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 388
قال الشيخ: وإنما قال ذلك إذا طلقهن كلهن أن يكون لكل واحدة خمس صداقها، لأنه إنما له أن يقيم على أربع منهن، فيكون لهن أربع صدقات، فإذا طلقهن قبل البناء كان عليه نصف ذلك، صداقان نصف الأربعة وهو خمس العشرة فيكون لكل واحدة خمس صداقها.
وإنما قال: إذا طلق واحدة معلومة لم يكن له أن يختار من البواقي إلا ثلاثاً، لأنه بقصده لطلاقها صار كأنه يختارهم ثم طلقها، فلم يكن له أن يختار إلا بقية الأربع.
قال الشيخ: وإنما قال: وإن طلق واحدة مجهولة ثلاثاً لم يكن له أن يختار من البواقي إلا واحدة، لأن الطلاق يُشرع في جميعهن، وكأنه قال: إحداكن طالق، ولم ينو واحدة بعينها، فوجب طلاقهن أجمع، وهذا على قول المصريين، وأما على قول المدنيين فله أن يختار واحدة فيطلقها كالعتق، فإذا اختار واحدة كان له اختيار ثلاث ممن بقي كالمسألة الأولى.
[فصل 2 - فيمن أسلم وعنده أم وابنتها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أسلم حربي أو ذمي وتحته أم وابنتها تزوجهما في عقدة أو عقدتين، فإن لم يكن بنى بهما فله اختيار إحداهما وفراق الأخرى.
وقال غيره: إذا أسلم وعنده أم وابنتها ولم يبن بهما لم يجز له أن يحبس واحدة منهما.
ونقلها أبو محمد: قال غيره: لابد أن يفارقهما ثم ينكح الابنة إن شاء.
الجزء: 9 - الصفحة: 389
وقال أشهب: تحرم الأم ويثبت على الأبنة، ولو مس الأم وحدها حرمتا عليه جميعا للأبد، ولو مس الابنة ثبت عليها وحرمت الأم.
فوجه قول ابن القاسم: اعتباراً بالذي أسلم عن عشر نسوة، أن له أن يختار منهن أربعاً وإن كانت الخامسة أو السادسة فيهن، ونكاح الخامسة محرم كنكاح ذوات المحارم، فلما جاز له البقاء على الخامسة بذلك العقد جاز له أن يثبت على الأم أو البنت بذلك العقد.
ووجه قول أشهب: أنه لما كان عقده شبهة حرم الأم ولم يحرم البنت، لأنه لم يدخل بالأم.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أبينهما، وبه أقول.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن حبس الأم وفارقت البنت، فأراد ابنه نكاح البنت التي خلاها فلا يعجبني ذلك.
قال الشيخ: لأنه عقد شبهة.
قال ابن القاسم: ,عن كان قد دخل بهما فارقهما ولا تحلان له أبداً، فإن بنى بواحدة أقام عليها وفارق الأخرى، ولم يكن له أن يختار التي لم يمس، وقاله ابن شهاب.
قال ابن القاسم: وكذلك المجوسي يسلم وعنده أم وابنتها قد أسلمتا جميعا، فالجواب واحد.
قيل له: فالذمي إذا تزوج امرأة فماتت قبل أن يمسها فتزوج أمها ثم أسلما جميعاَ؟ وكيف إن كان هذا رجل من أهل الحرب ثم أسلم؟
الجزء: 9 - الصفحة: 390
فلم يذكر جواباً، وأتى بنظير يدل على جواز النكاح وثباته، فذكر مسألة المجوسي وعنده أم وابنتها قد أسلما جميعا.
قال أبو محمد وغيره: نكاحهما ثابت.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أسلم وقد نكح أربعا في عدتهن، فإن أسلم بعد خروجهن/ من العدة ثبت عليهن، وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أشهب: بنى بهن أو لم يبن.
ولو أسلم قبل انقضاء عدتهن لفارقهن، وعليهن ثلاث حيضات- يريد وقد مسهن.
ولو أسلم وقد انقضت عدة بعضهن فسخ نكاح من لم تنقض عدتها، كن في عقدة، بنى بهن أو لم يبن بهن.
وإن وطيء بعد إسلامه من لم تنقض عدتها لم تحل له أبداً.
وإن تزوج نكاح متعة فأسلم قبل الأجل فسخ نكاحه، وإن أسلم بعد الأجل ثبت، بنى أو لم يبن.
الجزء: 9 - الصفحة: 391
فصل [3 - في نكاح المشرك وطلاقه إذا أسلم عليه]
قال ابن القاسم: وكل صداق نكاح استحله أهل الشرك فيما بينهم فهو جائز إذا أسلموا عليه وقد بنى، وإن لم يبن وقد تزوجها بخمر أو خنزير ثبت النكاح وحملتهما في الصداق على سُنة المسلمين، ويصير كمن نكح على تفويض، فإن شاء البناء وأدى صداق المثل وإلا فارق ولا شيء عليه، وقد تقدم هذا.
قال ابن القاسم: وما كان في شروطهم من أمر مكروه فإنه لا يثبت من ذلك إلا ما كان يثبت في الإسلام، ولا يفسخ من ذلك إلا ما كان يفسخ في الإسلام، وفي غير رواية جبلة: فإنه لا يثبت من ذلك ما كان يفسخ في الإسلام، ولا يفسخ من ذلك ما كان في الإسلام.
قال يحيي بن عمر: وهذه رواية سحنون وهي الصواب.
قال الشيخ: وتفسي ابن القاسم للمسألة التي بعد هذه يدل على صحة رواية سحنون، وهي: قال ابن القاسم: وما كان لها من شرط بطلاقٍ فيها أو
الجزء: 9 - الصفحة: 392
في غيرها أو بعتاقٍ إن تزوج عليها من أهلها، أو أخرجها من بلدها، فهذا كله يسقط عنه ولا يثبت عليه، ولو شرط لها أيضاً ألا نفقة لها عليه، وان لها نفقة محدودة، أو فساداً لا يحل لفساد العقد، ونكاح الشرك إذا أسلما لم يكن ذلك فساداً لنكاحهم.
قال في كتاب ابن المواز: وإن بنى ثبت النكاح وكان لها صداق المثل، ولها نفقة مثلها، قال: وهو كصداق مجهول حين اشترط هذا الصداق.
قال أصبغ: ولولم يدخل بها وتطارحا الشرط ثبت النكاح ولم يفسخ، كمن تزوج بصداق معجل، وصداق إلى موت أو فراق، أو إلى أجل مجهول.
ومن المدونة: وإذا تزوج ذمي زوجة ذمي سواه فرافعه زوجها إلينا منع من ذلك، وهذا من التظالم الذي أمنعهم منه.
وإذا تزوج ذمي ابنته أو أمه أو قام على مبتوتة لم يعرض له إذا كان ذلك ما يستحلونه في دينهم.
قال مالك: وإن أعلنوا بالزنا أُدبوا وإذا تزوج صغيران من أهل الذمة بغير إذن أبويها أو زوجهما أجنبي ُم أسلما بعد البلوغ ثبتا على نكاحهما، ولا يُعرض لأهل الذمة إذا أسلموا في نكاحهم، إلا أن يكون تزوج من لا يحل له فيفرق بينهما.
قال مالك: وإذا طلق الذمي امرأته ثلاثاً ولم يفارقها فرفعت زوجته أمرها إلى السلطان فلا يعرض لهما، ولا يحكم بينهما إلا أن يرضيا جميعا بحكم الإسلام، فالحاكم مخير إن شاء حكم أو ترك، فإن حكم حكم بينهم بحكم الإسلام.
قال مالك: وأحب إلي ألا يحكم بينهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 393
وطلاق [أهل] الشرك ليس بطلاق، وكذلك إن طلق النصراني زوجته ثلاثاً ثم تزوجها قبل زوج ثم أسلما، فليقيما على نكاحهما.
ولا يحصن الوطء بين النصرانيين حتى يطأها بعد إسلامهما، وقد تقدم هذا.
والله الموفق للصواب.
الجزء: 9 - الصفحة: 394
[الباب العاشر]
باب جامع مسائل مختلفة، وأحكام المرتد والأسير
[فصل 1 - في وطء المسبية ونكاح رابعة في دار الحرب]
قال ابن القاسم: وإذا قُسم المغنم بدار الحرب فصار لرجل في سِهمانه جارية فستبرأها بحيضة، فجائز له أن يطأها بدار الحرب وإن كان لها زوج حربي، قال ابن القاسم: وقد كرهه بعض الناس خيفة أن تهرب منه حاملاً.
ومن كان عنده ثلاث نسوة في دار الإسلام ثم خرج تاجرا إلى دار الحرب فتزوج رابعة ثم قدم وتركها، فأراد نكاح خامسة فليس له ذلك، لأن الحربية في عصمته.
قال الشيخ: يريد إلا أن يبت طلاقها أو يصالحه عنها أحد، وإن طلقها واحدة لم يجز له أن يتزوج إلا بعد خمس سنين من يوم خرج منها، وثلاث سنين من يوم الطلاق لأنها إن كانت حاملاً يوم خرج فأقصى ما يمسكها الحمل خمس سنين، وإن لم تكن حاملاً وطلقها فلابد من ثلاث سنين من يوم الطلاق، لاحتمال أن تستراب فتعتد بالسنة فتأتيها الحيضة قبل تمام السنة بيوم أو يومين، فترجع إلى الحيض، ويصيبها كذلك في السنة الثانية والثالثة، فلا تنقضي عدتها إلا بعد ثلاث سنين.
فصل [2 - الشرط في جواز وطء المسبية غير الكتابية]
ومن المدونة: قال مالك: ولا توطأ المسبية من غير أهل الكتاب حتى تجيب إلى الإسلام، بأن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله، أو تصلى، أو تجيب بأمر يُعرف أنها قد دخلت في الإسلام بعد الاستبراء.
الجزء: 9 - الصفحة: 395
قال ابن القاسم: وتجزئه حيضتها عنده قبل الإسلام، كمن اشترى مودعة عنده قد حاضت.
وإن كانت المجوسية صغيرة لم تحض، فإن كانت ممن تعرف الإسلام لم يطأها حتى يجبرها على الإسلام وتدخل فيه إذا كانت قد عقلت ما يقال لها.
ولبأس أن يزوج الرجل عبده النصراني أمته النصرانية، فإن أسلم العبد فالنكاح يفسخن إلا أن تسلم الأمة مكانها، مثل المجوسية يسلم زوجها، لأنه لا ينبغي لمسلم عبد أو حر أن يتزوج أمة ذميه، فإن أسلمت الأمة فالعبد أحق بها إذا أسلم في عدتها.
فصل [3 - في أحكام نكاح المرتد والأسير]
ولا يجوز نكاح المرتد ولا المرتدة، لأن كل معنى إذا طرأ على النكاح أوجب فسخه فإذا وجد في الابتداء منع العقد أصله الملك والرضاع.
قال مالك: وإذا ارتد الزوج انقطعت العصمة حينئذ، وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة:10]، يريد: من كفر من أزواجكم، فلا تمسكوا بعصم أولئك الكوافر.
قال مالك: ورِدة الزوج طلقة بائنة، ولا رجعة له إن أسلم في عدتها.
قال في كتاب العدة: وكذلك ردة المرأة طلقة بائنة.
الجزء: 9 - الصفحة: 396
ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب، وبه أقول، واختلف فيه قول أشهب، فقال أيضاً: إن رجعت إلى الإسلام بقيت له زوجة.
وقال المغيرة: للزوج الرجعة إن رجع إلى الإسلام في عدتها.
وروى عن مالك: أن الردة فسخ، رواه ابن أبي أويس وابن الماجشون.
قال أبن حبيب: قال ابن الماجشون: وإن ارتد الزوج ثم عاد إلي الإسلام في عدتها فهو أحق بها بالطلاق كله، ولو ثبت المرتد حتى انقضت عدتها لزمته فيها طلقة، وكذلك لو أسلمت ثم أسلم بعد عدتها لزمته طلقة.
ابن سحنون عن أبيه فيمن رفع زوجته إلى الإمام ويقول: إنها ارتدت، وهي تنكر، قال: يفرق بينهما، لأنه مقر بزوال العصمة، وإن كان مسلم تحته نصرانية فقال: قد أسلمت، وأنكرت هي ذلك، فليفرق بينهما لإقراره بارتدادها.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: والأسير يُعلم تنصره فلا يُدرى أطوعاً أو كُرهاً فلتعتد زوجته، ويُوقف ماله وسريته/,فإن أسلم عاد إليه ذلك كله إلا الزوجة فلا رجعة له عليها، وإن مات قبل أن يسلم كان في ماله حكم الإمام المجتهد- يريد أنه يحكم فيه بحكم المرتد- فإن ثبت أنه أكره ببينة لم تطلق عليه
الجزء: 9 - الصفحة: 397
زوجته وكان بحال السلم في نسائه وماله ويرث ويورث.
قال بعض شيوخنا في الذي لم يعلم ارتداده أطوعاً أو كرهاً، ففرق بينه وبين زوجته، ثم ثبت أنه أُكره: فحاله كحال امرأة المفقود يَقدُم، فإنه أحق بزوجته مالم يدخل بها الثاني، فإن دخل بها بقيت له زوجة.
قال الشيخ: وهو عندي صواب، لأن الحكم عليه بالفراق خوفاً أن يكون تنصر طائعاً، كالحكم على المفقود خوفاً أن يكون مات، فأهما متفق.
وعاب ذلك بعض أصحابنا وقال: ترد إليه وإن دخل بها الثاني، كمسألة محمد فيمن قال: عائشة طالق، وله زوجة حاضرة تسمى عائشة، وقال: أردت زوجة لي غائبة بعيدة تسمى عائشة، فلم يُقبل قوله، وطلق عليه الحاضرة، ثم ظهر صحة قوله، أن الحاضرة ترد عليه وإن تزوجت، فكذلك مسألة الأسير.
قال الشيخ: ومسألة المفقود والذي ارتجع في سفره فلم تعلم به أشبه بمسألة الأسير من هذه.
والله أعلم.
قال ابن القاسم: وإن ارتد وتحته ذميه وقعت الفرقة بينهما بارتداده وحرمت عليه وإن ارتدت إلى مثل دينها.
ولو تزوج في حال ارتداده ذميه لم يجز نكاحها إياها رجع إلى الإسلام أو لم يرجع.
قال ابن حبيب: إذا تزوج بعد أن حبس للاستتابة فسخ، وإن قُتِل على ردته فلا صداق لها بنى أولم يبن، مسلمة كانت أو نصرانية، لأنه حُجِرَ عن
الجزء: 9 - الصفحة: 398
ماله، وإن رجع إلى الإسلام قبل أن يفسخ ثبت نكاحه، لأنه إنما كان يفسخ للحجر في ماله وقد زال، وكذلك قال ابن الماجشون.
قال الشيخ: قوله: وإن رجع إلى الإسلام ثبت نكاحه، خلاف ما تقدم في المدونة.
وفي كتاب محمد: قال ابن القاسم: إذا تزوج في حال ارتداده ودخل ومس فلا صداق لها.
قال أصبغ: وكذلك عندي إذا تزوج بعد الحجر والتوقيف، وإنما هو بمنزلة بيعه وشرائه.
قال أبو الحسن: معنى قول ابن القاسم عندي: أنها كانت عالمة بارتداده، ولو لم تعلم لم يسقط عن ماله ما يجب به استحلال فرجها، ولو تزوجها بعد الحجر ما منُعت من ربع دينار، ولكن لا يمكن ذلك، لأنه مسجون، ولو رجع إلى الإسلام كان لها جميع ما أصدقها، تزوجها قبل الحجر أو بعده، وإن كان أضعاف صداق المثل، والنكاح منسوخ على كل حال.
وذكر عن أبي القاسم ابن الكاتب أنه قال: لا صداق لزوجة المرتد التي تزوج في ردته، ودخل بها، سواء علمت بارتداده أم لا، لأنه إذا قُتِل على ردته كان ماله للمسلمين، لأنه بعد ارتداده محجور عن ماله إلا أن يعاود الإسلام، ألا ترى أنه لا ينفق على ولده منه، فدل أنه لا يملك التصرف فيه، وقالوا ف] نكاح المريض وإصابته زوجته: أن صداقها يكون في الثلث الذي له التصرف فيه.
ولما أجمعوا ألا ثلث للمرتد يوصي فيه ولا ما يتصرف فيه دل إجماعهم ألا صداق لزوجته علمت أو جهلت، لأن جهلها لا يوجب لها حقاً فيما لا يملكه زوجها.
الجزء: 9 - الصفحة: 399
ومن المدونة: وثم رجع إلي الإسلام فإنه يوضع عنه كل ما كان لله إذا ارتد عليه مما تركه قبل ارتداده من صلاة، أو صوم، أو زكاة، أو كفارة، أو حد، وما كان عليه من نذر، أو يمين بعتق، أو بالله، أو بظهار فإن ذلك كله يسقط، ويؤخذ بما كان للناس من قذف أو سرقة، أو قتل، أو قصاص أو غير ذلك مما لو فعله في كفره لأخذ به، فإن قتل على ردته فالقتل يأتي على كل حد، أو قصاص مما وجب عليه للناس إلا القذف فإنه يحد ثم يقتل، وذلك لحجة المقذوف من لحوق عار القذف إن لم يحد له.
وإذا أسلم المرتد لم يجزه ما حج قبل ردته، وليأتنف الحج، لقوله تعالى ﴿لَئِن أَشركتَ لَيَحبطَنَ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65]، ويأتنف الإحصان، وقد تقدم هذا، وليستأنف بعد رجوعه إلى الإسلام ما كان يستأنفه في الكافر إذا أسلم.
قال ابن القاسم: وهو أحسن ما سمعت.
وإن قتل المرتد لم يرثه ورثته من السلمين ولا من أهل الدين الذي ارتد إليه، وميراثه للمسلمين وتبطل وصاياه قبل الردة وبعدها، لأن الرجل إنما تجوز وصاياه في ماله، وهذا المال ليس هو للمرتد، وقد صار لجماعة السلمين، وماله محجور عليه إذا ارتد.
قال مالك: وإن ارتد المريض فقتل لم ترثه زوجته، ولا يتهم أحد أن يرتد لئلا يرثه ورثته وميراثه للمسلمين.
وإن مات لمرتد، أو لذمي، أو لعبد ولد حر مسلم لم يرثوه ولم يحجبوا، ثم إن أسلم المرتد أو الذمي أو عتق العبد قبل أن يقسم ميراث الابن فلا شيء لهم منه،
الجزء: 9 - الصفحة: 400
وإنما الميراث لمن وجب له يوم مات الميت.
وقد جرى كثير من أحكام المرتد في كتب العبيد.
قال الشيخ: فذكر عن ابن الكاتب في قوله: وإذا ارتد وعليه يمينٌ بالعتق فإنه يسقط, قال: إنما ذلك في العتق غير المعين, وأما المعين فقد انعقد عليه في ماله حقً لإنسانٍ معينٍ قبل ردته, فلا يسقطه ارتداده, وقد قالوا: يلزمه تدبيره فكذلك يمينه بعتقٍ معين.
قال الشيخ: ويظهر لي أن تدبيره كعتقه وطلاقه, وذلك بخلاف أيمانه, ألا ترى أن النصراني إذا أسلم يلزمه تدبيره ولا تلزمه أيمانه, فكذلك المرتد, والله أعلم.
وروى عن سحنون أن ردته لا تُسقط عنه حد الزنا, لأنه لا يشاء من وجب عليه حدٌ أن يُسْقِطَه إلا أَسقطه بالردة.
قال الشيخ: وظاهر هذا خلاف المدونة, وإنما أَستَحِبُّ إن علم منه أنه إنما ارتد ليسقط الحد قاصداً لذلك, فإنه لا يسقط عنه, وإن ارتد لغير ذلك سقط عنه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا ارتد سقطت وصاياه, فإن رجع إلى الإسلام ثم مات فإن كانت هذه الوصايا مكتوبةً جازت, وإلا لم تجز.
وروى على بن زياد عن مالك في المرأة ترتد تريد بذلك فسخ النكاح: أنه لا يكون طلاقاً, وتبقى على عصمته.
الجزء: 9 - الصفحة: 401
قال الشيخ: وأخذ به بعض شيوخنا قال: وهو كاشترائها زوجها تغتزي فسخ نكاحها.
ابن المواز: وإذا وجد للمرتد امرأةٌ فقال: تزوجتها في حال الردة, وقالت هي: بل بعد أن رجع إلى الإسلام, فالقول قولها, لأنها مدعية للحلال, ويفسخ نكاحها بإقراره, ويُحكم لها عليه بنصف الصداق.
تم كتاب النكاح الثالث من الجامع لابن يونس بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على محمدٍ نبيَّه وآله.
الجزء: 9 - الصفحة: 402
[الكتاب الرابع]
كتاب الرضاع
[الباب الأول]
جامع ما يحل ويحرم من الرضاع
[فصل 1 - في أدلة التحريم بالرضاع] قال الله -عز وجل: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:23] , وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَحُرُم من الرضاع ما يحرم من الوِلَادة» , والإجماع على ذلك, وسقط حديث: «خمس رَضعات» لأن عائشة رضي الله عنها التي روته خالفته, واختلف الروايات عنها في عدد الرضعات, وقد أخذت بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بأكثر من خمس رضعات ولأنها أحالته على القرآن, فلما لم يؤخذ القرآن بأخبار الآحاد بطل استعمال
الجزء: 9 - الصفحة: 403
هذا الحديث, إذا لا يكون قرآنٌ مختلَفً فيه ولم يُجتمَع على العمل به فيؤخذ بإجماع, وحديث/ ابن الزبير: «لا تحرِّم المصَّة والمصَّتان» , وروى من طريق صحيح عن ابن الزبير عن عائشة فَعُلِم أنه مستخرج من حديث (خمس رضعات) , وما روي عنها في توقيت ذلك من الاضطراب فسقط التوقيت بما ذكرنا, وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «المصَّة والمصَّتان تُحِّرم» , وقال: «لا رَضَاع بعد فِطَام».
ابن وهب: وقال عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وعبد الله بن مسعود وجابر بن عبد الله رضي الله عنهم: إن قليل
الجزء: 9 - الصفحة: 404
الرضاعة وكثيرها يحرَّم في المهد.
قال ابن عباس وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير: إذا كان في الحولين فمصَّة واحدة تحرم, وما كان بعد الحولين فلا يحرَّم.
قال عبد الوهاب: وأخذ الشافعي بحديث «خمس رضعات».
ودليلنا قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء:23] فأطلق, وقول النبي صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة» , وتحريم النسب لا يفتقر إلى عدد من الوِلادات, فكذلك الرضاع, ولأن كل معنىً أوجب حرمة مؤبدة, فالمعتبر وجوده من غير عدد كالعقد والوطء, واعتبار بالخمس لعلة الارتضاع من آدمية في مدة الحولين قبل الاستغناء بالطعام.
الجزء: 9 - الصفحة: 405
[فصل 2 - في المدة التي يكون الرضاع فيها مُحرِّماً]
ومن المدونة: قال مالك وغيره: ولا يحرِّم ما رَضِعَ بعد الحولين.
قال مالك: إلا ما قارب الحولين ولم يُفْصَل بمثل شهرٍ أو شهرين.
قال غيره: لقوله سبحانه: ﴿حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233] , وروى ابن عبد الحكم: وما زاد على الحولين بالأيام اليسيرة.
قال الشيخ: وهذا أصح, لأن ما قارب الشيء له حُكمه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فَصَلته أمُّه بعد الحولين حتى استغنى بالطعام لم يحرِّم ما أُرضِع بعد ذلك, وكذلك لو فَصَلته بعد حولٍ وانقطع رضاعه واستغنى بالطعام فأرضعته أجنبية بعد ذلك قبل تمام الحولين لم يكن رضاعاً يُحرِّم.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: يحرِّم إلى تمام الحولين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو فُصِل بعد الحولين بيسير أو قبل الحولين فأَرضع بعد فِصَاله بيومٍ أو يومين لَحرَّم, إذ لم يستغن بالطعام إلا أن يقيم أياماً يستغني فيها بالطعام معاشاً له فلا يحرِّم.
الجزء: 9 - الصفحة: 406
قال مالك: ولو أرضعته أمه ثلاث سنين ولم تَفْصِله, ثم أرضعته أجنبيةً لم يكن ذلك رضاعاً يحرِّم.
قال ابن حبيب: وقد رأى بعض العلماء الأخذ برضاعة الكبير في الحِجَابَة خاصة لحديث سَهَلَة بنت سُهَيْل في رضاع سَالمٍ وهو كبير.
قال ابن المواز: فلو أَخذ به أحدٌ في الحِجَابة خاصةً لم أَعِبْه كل العيب, وتَرْكُه أحبُّ إلينا, وليس في الحديث أنه يُحرِّم, وإنما قال: «أَرضِعيه يَذهَبُ ما في
الجزء: 9 - الصفحة: 407
وجه أبي حذيفة» , وفي حديث آخر: «تذهب غيرته» , فليس تقوم بهذا حجةً لمن أطلق التحريم, وما علمت من أخذ به عامَّاً إلا عائشة رضي الله عنها وخالفها أزواج النبي صلى الله عليه وسلم, ورأين ذلك خاصاً بسالم.
قال الشيخ: واحتج لذلك الحديث بعض أصحابنا البغداديين بقوله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة:233] فدل أن ما زاد على الحولين بالأمر البين ليس من الرضاعة, لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا رضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله عليه الصلاة والسلام: «الرضاع
الجزء: 9 - الصفحة: 408
ما أنبت اللحم وأنشز العظم» , وكل ذلك مُنتفٍ عن رضاعة الكبير.
[فصل 3 - في الرضاع في الشرك]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والرضاع في الشرك والإسلام سواء يقع به التحريم, ولبن المشركات والمسلمات سواء يقع به الحرمة.
[فصل 4 - في طرق وصول اللبن إلى الجوف وأثرها في التحريم]
قال مالك: والوَجُور يُحرِّم.
قال ابن أبي زمنين: والوَجور -بنصب الواو- ما صُبَّ في وسط الفم, واللَّدود: ما صُبَّ في أحد جانبي الفم, مأخوذ من لَدِيدَي الوادي وهما جانباه.
ومن المدونة:/ قال ابن القاسم: والسَّعوط إن وصل إلى جوف الصبي فإنه يحرِّم.
الجزء: 9 - الصفحة: 409
وقال عطاء الخراساني: لا يحرِّم السَّعوط ولا الكَحُل باللبن, وروى مثله لابن عباس.
وأطلق ابن حبيب التحريم به.
وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع بما يقع به الاغتذاء وهو إذا لم يصل إلى الجوف كان وصوله إلى الدماغ كجريانه على ظاهر البدن.
وكذلك أطلق ابن حبيب التحريم بالحُقْنَة, وعلَّق ابن القاسم الجواب فيها بوصول اللبن إلى الجوف حتى يكون غذاءً له, وقول ابن القاسم أصح في ذلك كله لما قدمناه, والله أعلم.
قال ابن حبيب: وإن مِيعَ كُحْلُّ في لبنٍ وَكُحِلَ به الصبي, فما كان دواء ينفذ مثل المُرِّ والصَّبِر والعَنْزَرُوت وشبهِه
الجزء: 9 - الصفحة: 410
فإنه يحرِّم, وما كان مما يتردَّد في العين لم يحرِّم.
قال الشيخ: وسواءٌ عند ابن القاسم كان مما ينفذ أو يتردَّد فإنه لا يحرِّم؛ لأنه لا يكون منه غذاء, وقد دخل من غير مدخل الطعام والشراب فلا يحرُّم حتى يكون غذاءٌ للصبي, كما قال الحَقَنَة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن حُقِنَ بلبنٍ فوصل إلى جوفه حتى يكون غذاءً له لو لم يُطعم ولم يُسقَ فإنه يحرُّم وإلا فلا يحرِّم.
وقد قال مالك في الصائم يحتقن: إن عليه القضاء إن وصل ذلك إلى جوفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 411
[الباب الثاني]
في لبن الفحل ولبن البكر واليائسة والميتة والبهيمة
[فصل 1 - في التحريم بلبن الفحل] وحرَّم الرسول صلى الله عليه وسلم بلبن الفَحّل وقال: «لقد همت أن أنهي عن الغِيّلَة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضرُّ أولادهم شيئاً».
الجزء: 9 - الصفحة: 412
قال مالك: فإنما يغيل اللبن ويكون فيه غذاء, والوطء يدرُّ له اللبن ويستنزله, فهو يحرَّم.
قيل لمالك فما الغيلة؟
قال: أن يطأ الرجل امرأته وهي ترضع, وليست بحامل.
ولا يكره ذلك, إذ لم ينه عنه النبي صلى الله عليه وسلم, وليس كما قال ناس: إن الغيلة أن يغتال الصبي فيرضع بلبن قد حملته أمه عليه؛ فيكون لما أرضته بذلك اللبن قد اغتاله.
قال ابن القاسم: فلم يكرهه مالكٌ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينه عنه.
قال أبي حبيب في الواضحة: الغيلة وطء المرضع حملت أم لم تحمل, أنزل الرجل أو لم ينزل فيها.
وقال: العرب تتقيه شديداً وتقول: لو لم يبق من عُمُرِ المُغْيَل إلا يومٌ لتبين ذلك فيه بصَرعٍ في جسم أو عِلةٍ من سَقَمٍ, وإنما هَمَّ النبي صلى الله عليه وسلم بالنهي عنها لِمَا عَلِمَ من ضررها.
قال أبو عمران: وما أدري قوله: أنزل فيها أو لم ينزل, وما الغيلة إلا الوطء مع الإنزال, إلا أن يريد أن ماءها هي يُضعِف اللبن.
الجزء: 9 - الصفحة: 413
ومن المدونة: قال مالك: فلو أن امرأة رجلٍ ولدت منه فأرضعت ابنه عامين ثم فطمته؛ ثم أرضعت بلبنها بعد الفطام صبياً, فهو ابنً لزوجها.
قال ابن القاسم: ولو حملت من زوجها فأرضعته وهي حامل, كان اللبن للفحل.
قال مالك: ولو لم تلد قط وهي تحت زوجٍ فدرَّت فأرضعت صبياً قبل أن تحمل كان اللبن للفحل.
قال ابن القاسم: وإن طلقها زوجها وهي ترضع ولدها منه؛ فانقضت عدتها وتزوجت غيره؛ ثم حملت من الثاني فأرضعت صبياً, فإنه ابنً للزوج الأول والثاني, واللبن لهما جميعاً إن كان اللبن الأول لم ينقطع, وقاله ابن نافعٍ عن مالك.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا أرضعت بلبن الزنا [صبياً] فهو ابنً لها, ولا يكون ابناً للذي زنى بها, ولو أرضعت صبيةً فتزوجها الذي زنى بها؛ لم أقض بفسخه, وأحب إلى أن يجتنبه من غير تحريم, وأما ابنته من الزنا فلا يتزوجها/ وإن كان أجازه ابن الماجشون, وأباه أصبغ وابن عبد الحكم في ظني, ومكروهه بيِّنٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسودة في الولد:
الجزء: 9 - الصفحة: 414
«احتجبي منه» , وقد ألحقه بأبيها وصار لها أخاً في الميراث, وحجبها عنه لشَبَهِه بعُتبة, فكيف يتزوجها عتبة لو كانت جارية؟
وأما لبن الزنا فلا يحرِّم -يريد من قبل الفحل- وأما كل لبن من وطء بفساد نكاح مما لا حد فيه, أو وطء لا يجوز بالملك فالحرمة تقع فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكذلك اللبن في ولد الملاعنة يحرم من الرجل والمرأة.
وقال ابن حبيب: اللبن في وطء صحيح أو فاسد أو حرام أو زنا فالحرمة فيه من قِبَل الرجل والمرأة, وكما لا تحل له ابنته من الزنا؛ كذلك لا يحل له نكاح من أرضعته المزني بها من ذلك الوطء, لأن اللبن لبنه والولد ولده وإن لم يلحق به وقد كان مالك يرى أن كل وطء لا يلحق فيه الولد فلا يُحِّرم لبنه من قِبَل فحله, ثم رجع إلى أنه يحرِّم, وذلك أصح, وقاله أئمة من العلماء.
الجزء: 9 - الصفحة: 415
وقال سحنون: كل نكاحٍ حرامٍ لا يلحق فيه الولد كنكاح الخامسة, أو الأخت من الرضاعة, أو متزوجة وهو يعلم بزوجها, وهو عالمٌ بتحريم ذلك, ولا يعذر بجهلٍ أن الحرمة تقع فيه من قِبَلِ الرجل والمرأة.
قال: وقال عبد الملك: لا تقع بذلك حرمةٌ حين لم يلحق به الولد, ولا يحرم عليه الولد إن كانت ابنه.
قال سحنون: وهذا خطأٌ صُرَاح, ما علمت من قاله من أصحابنا غيره.
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم سّودة أن تحتجب من ولدٍ ألحقه بأبيها لِما رأى من شَبَهِهِ بِعُتبة.
قال: وكذلك من زنى بها غصباً [فولدت] فما أرضعت بذلك اللبن يحرم بذلك على الواطئ, ولا يحرم عليه بذلك شيءٌ عند عبد الملك.
قال عبد الوهاب: ودليلنا أن لبن الفحل يحرِّم, قوله عليه الصلاة والسلام: «يحرُم من الرضاعة ما يحرُم من الولادة» , وحديث عائشة رضي الله عنها لمَّا أبت أن تأذن لعمها من الرضاعة, وقالت: «إنما أرضعتني المرأة ولم يرضعني الرجل» فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه عمُّك فَلَيَلِجُ عليك» , ولأنهما يشتركان في اللبن, ولأنه تحريمٌ يثبت بالنسب فيثبت بالرضاع كتحريم الأمومة.
ومن كتاب ابن المواز: ويحرَّم بلبن الفحل؛ فإذا أرضعتك امرأةٌ كان زوجها أبوك من الرضاعة, وأخوه من النسب أو الرضاعة عمك.
الجزء: 9 - الصفحة: 416
قال: وأبوك من النسب إن كان له أخٌ من الرضاعة فهو عمُّك من الرضاع وإن كان لعمِّك من الرضاع أخٌ من نسبٍ أو رضاعٍ آخر لم يكن بينك وبينه تحريم.
-قال الشيخ: كما لا يكون بينك وبين أخت من أرضعته أمُّك تحريم, وإن كانت أخت أخيك من الرضاعة-.
قال ابن المواز: وأخوك من النسب إن كانت له أختٌ من الرضاع فهي لك حلال, وحلالَّ لولدك, وهي أخت عَمَّه وليست بِعمَّتِه.
قال محمد: وأخوك من الرضاع يحل لك نكاح أخته من النسب والرضاع ما لم ترضعك أمها, وإلا فلك نكاحها ونكاح أُمِّها.
قال ابن حبيب عن ابن الماجشون: وإذا أرضعت امرأةٌ صبياً فكل ولدٍ تقدم لها أو يكون لها أبداً بولادةٍ أو رضاعٍ إخوةٌ له, وحرامٌ عليه, وهم حلالٌ لإخوته.
قال الشيخ: فالأصل في هذا أن كلَّ من اجتمعا على ثديٍ واحدٍ فهما أخوة رضاع, والتحريم واقعٌ بينهما, وأما أخو أخيك من الرضاع فأجنبيٌ منك, إذ لم ترضع أنت أمَّه, وحلالٌ لك أمُّه وأخته, وهو كما تقدم لمحمَّد بن المُنَذِر: أجمع كل من يحفظ عنه العلم أن حكم لبن الزوج الأول ينقطع إذا ولدت من الزوج الثاني, وإنما الاختلاف إذا حملت من الثاني ولم تلد./
الجزء: 9 - الصفحة: 417
وفي كتاب محمد عن مالكٍ خلاف ما ذكر ابن المنذر: أنها وإن وضعت من الثاني لا ينقطع حكم لبن الأول إذا لم ينقطع اللبن.
وذكر عن ابن عمران أنه قال: لم يختلف أصحابنا في التي تتزوج في العدة ويدخل بها الزوج فتلد ولداً لأقل من ستة أشهر؛ أن لبن هذا الولد للزوجين جميعاً, وكذلك إذا نفى الولد أحد الزوجين أو كلاهما أن اللبن لهما.
وذكر أن سحنون يقول: إذا طلق الزوج زوجته وتمادى بها اللبن أنها إذا جاوزت خمس سنين وهي المدة التي تلحق فيها الأنساب, فلا يكون اللبن للزوج.
قال أبو عمران: وما أعرف هذا لسحنون, ولم أره في كتاب ابنه, وقد استقصى الرضاع فيه, فإن كان هذا صحيحاً فإنما حدَّ هذا, لأن الرضاع لا يكون أقوى من النسب, فإذا انقطع النسب لذلك؛ فانقطاع الرضاع أحرى, ويصير كأن هذا اللبن من رجلٍ آخر, أو يكون هذا خِلّقَةً في المرأة فلا يكون ذلك من قِبَلِ الزوج, وقد يُعترض على هذا بالتي أيست وقعدت عن الولد فتزوجت فدرَّت, ثم طلقها الزوج, أو لم يطلقها أليس اللبن له؟ فليس العلة الحمل.
فترجيح الشيخ في ذلك, وكأنه نحا إلى أن قول سحنون خلاف المدونة, إذ ذكر فيها إذا لم ينقطع اللبن من غير حد, والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 418
[فصل 2 - في التحريم بلبن البكر واليائسة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا درَّت بِكرٌ لا زوج لها أو يائسة من المحيض فأرضعت صبياً فهي أمٌ له, لأن لبن النساء يُحرِّم على كل حال.
وفي كتاب ابن الجّلاَّب في الصغيرة التي لا يوطأ مثلها: أن لبنها لا تقع به حُرمة.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: لو أن امرأة دَرَّ من ثدييها ماء فأرضعت به صبياً فلا يُحَّرم به, ولا يُحرَّم إلا باللبن الذي يكون له غذاءً يُغْني عن الطعام, وأما ماء أصفر ونحوه فلا.
قال: وإن أرضع رجلٌ صبياً ودَرَّ عليه لم تقع به الحرمة, لأن الله عز وجل قال: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء:23] , فإنما يحرِّم لبن بنات آدم لا ما سواه.
[فصل 3 - في لبن البهيمة هل يحرِّم أم لا؟]
قلت: فلو أن صبيتين غُذيتا بلبن بهيمةٍ أتكونا أختين؟
قال: لا تكون الحرمة في الرضاعة إلا بلبن بنات آدم لا ما سواه.
الجزء: 9 - الصفحة: 419
[فصل 4 - في التحريم بلبن المرأة الميتة]
قال: وإذا حَلِبَ من ثدي المرأة لبنٌ, ثم ماتت, فَأُوَجِرَ بذلك اللبن صبيٌ, أو حُلِبَ من لبنها بعد موتها فأُوجِرَ به صبيٌ فالحرمة تقع بذلك, ولبنها في موتها وحياتها سواء, وكذلك إذا دَبَّ صبيٌ إلى امرأة وهي مَيَّتةٌ فرَضَعها وقعت به الحرمة إذا عُلِم أن في ثديها لبناً وأنه قد رضعها, ولا يحل اللبن في ضروع الميتة.
قيل: فكيف أوقعت الحرمة بلبن هذه المرأة الميتة ولبنها لا يحل؟
فقال: لأن من حلف ألاَّ يشرب لبناً فشرب لبناً ماتت فيه فأرةً, أو شرب لبنٍ شاةٍ ميتةٍ أنه حانث إلا أن ينوي اللبن الحلال, ونكاح الأموات لا يحل, ويُحَد من وطئ ميتة.
ابن المواز: ولا صداق عليه.
قال بعض البغداديين: ويدل على أن لبن الميتة يحرِّم قوله صلى الله عليه وسلم: «لا رَضاع إلا ما فَتق الأمعاء» , وقوله: «الرضاع ما أَنبت اللحم وأَنشز العظم» , ولأن الاعتبار في الرضاع وقوع الاغتذاء به, وذلك كله موجودٌ في لبن الميتة.
الجزء: 9 - الصفحة: 420
[فصل 5 - في لبن المرأة يجعل فيه طعام أو دواء]
ومن المدونة: قال: ولبن المرأة إذا جُعِلَ فيه طعامٌ حتى يغيب اللبن فيه, أو صُنِعَ فيه طعامٌ فكان الطعام الغالب, ثم طُبِخَ على النار حتى غاب اللبن, أو صُبَّ في اللبن ماءً حتى غاب اللبن وصار الماء الغالب, أو جُعِل/ في اللبن دواء, فغاب اللبن في ذلك الدواء فأُطْعِم الصبي ذلك أو سُقِيَه لم تقع الحرمة به, لأن اللبن قد ذهب, وليس فيما أُكل أو شُرب لبن يكون به عَيْشُه.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: أنه يحرِّم وإن غلب عليه ما خرج معه.
قال عبد الوهاب: وهذا قول الشافعي, وقول ابن القاسم هو قول أبي حنيفة.
فوجه قول ابن القاسم: أن استهلاك اللبن يبطل حكمه, إذا لا يحنث به الحالف إلاَّ يشرب لبناً, ولأن تعلُّق التحريم بالكثير كتعليق وجوب الحد بشرب الخمر, ثم ثبت أن النقطة من الخمر إذا استهلكت في الماء أنه لا يحد شاربه.
ووجه قول مطرف وابن الماجشون: أن اختلاط اللبن لا ينفي حكمه كما لو لم يستهلك فيه, ولأن الغذاء يحصل للطفل بالمختلط كله.
الجزء: 9 - الصفحة: 421
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح, لأن الاعتبار في الرضاع الغذاء وليس في هذا المستهلك غذاء.
ومن كتاب ابن سحنون: قال ابن القاسم: ولو أن امرأةٌ دَرَّ من ثديها ماءٌ أصفر ونحوه فأرضعت به صبياً؛ فلا يحرَّم به, ولا يحرَّم إلا باللبن الذي يكون به الغذاء ويُغني عن الطعام.
الجزء: 9 - الصفحة: 422
[الباب الثالث]
في الشهادة على الرضاع والإقرار به
[فصل 1 - في الشهادة على الرضاع]
وحضَّ النبي صلى الله عليه وسلم على اجتناب الشبهات, ولقد ألحق الولد بَزْمعَةَ لفراشه, وأمر سَوْدَة بنت زَمْعَة أن تحتجب منه لمَّا رأى من شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ مُدَّعيه, وهذا من تَوقَّي الشبهات.
قال مالك: وإذا قالت امرأةٌ عدلٌ: كنت أرضعت فلاناً وزوجته, لم أقض بفراقهما.
ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب.
قال ابن القاسم: وإن عُرِف ذلك من قولها قبل النكاح لم يفرَّق بينهما.
الجزء: 9 - الصفحة: 423
قال مالك: ويؤمر بالتنزُه عنها إن كان يثق بقولها, ولو شهد بذلك امرأتان بعد العقد, وهما أُمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة, أو أجنبيتان لم يُقبل إلا أن يكون ذلك قد فشا من قولهما قبل النكاح عند الأهلين والجيران فيقضي بالفراق بينهما.
قال ابن المواز: وإذا لم يكن ذلك من قولهما فاشياً فأحبُّ إليَّ أن ينزِّه نفسه عنها ويتورَّع.
وذكر ابن حبيب عن ابن الماجشون وغيره: أنه يقضي بالفراق وإن لم يكن قولهما فاشيا.
قال: وكذلك رجلٌ وامرأةٌ واحدةٌ وإن لم يكن فاشيا في الأهلين إذا قاموا حين علموا بالنكاح, ولم يأت عليهم حالٌ يُتَّهمون فيها, وقاله أصبغ, وعليه جماعة من الناس.
ومن المدونة: قال مالك: ولو خطب رجلً امرأةٌ فقالت له امرأةٌ: قد أرضعتكما -وفي رواية يحيى فقالت أمُّ المرأة: قد أرضعتكما- قال مالك: فليتنزَّه على وجه الاتقاء لا على وجه التحريم, فإن تزوجها لا يفرق القاضي بينهما.
وإن قال الأب: رضع فلانٌ أو فلانةً مع ابني الصغير أو ابنتي, قم قال: أردت اعتذارا, أو قال: كنت كاذباً, لم يقبل منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 424
قال ابن القاسم: فإن تزوجها فرق القاضي بينهما, ويؤخذ بإقراره الأول.
قال الشيخ: كالمقرِّ على نفسه, لأنه هو العاقد عليها.
قال في كتاب النكاح الثاني: ومن اشترى جاريةً أو أراد شراءها, أو خطب امرأةً فقال له أبوه: قد نَكَحْتُ الحرة, أو وطئت الأمة بشراء, وأكذبه الابن, فلا يقبل الأب إلا أن يكون ذلك من قوله فاشياً قبل الشراء أو النكاح؛ فأرى له أن يتنزَّه عنها, ولو فعل لم أقض عليه.
قال الشيخ: لأنه ليس هو العاقد عليه فيؤخذ بإقراره.
وقال مالك: وكذلك الأم إذا لم يزل يسمعونها تقول: قد أرضعت فلانة/ فلما كبرت أراد الابن تزويجها فلا يفعل.
قال الشيخ: فإن فعل لم يقض بفراقها, لأن الأم ليست بعاقدةٍ فيؤخذ بإقرارها.
[فصل 2 - في الإقرار بالرضاع]
ومن الرضاع: وإذا أقر أحد الزوجين أن الآخر أخوه من الرضاعة قبل أن يتناكحا فسخ نكاحهما إذا شهدت على إقرارهما بذلك بينة.
الجزء: 9 - الصفحة: 425
قال ابن القاسم: وليس قول الرجل: هذه أختي, أو قول المرأة: هذا أخي كقول الأجنبي فيهما, لأن أقرارهما على أنفسهما بمنزلة البينة القاطعة.
قال أبو القاسم بن الكاتب: وإذا قالت المرأة المدخول بها لزوجها: إنك أخي من الرضاعة, وصدقها؛ يجب أن يرجع عليها بجميع الصداق إلا ربع دينار, كالتي غرت من نفسها وتزوجته في العدة, ولو لم يصدقها لم يقبل ذلك منها لأنها تتهم على فراقه, ولو لم يدخل بها وصدقها لم يترك لها شيئاً من الصداق.
وإذا قالت الأم لرجل: أرضعتك مع ابنتي, ثم قالت: كنت كاذبة أو معتذرة لم يقبل قولها الثاني, ولا أحب له أن يتزوجها.
قال ابن المواز: فإن تزوج هذا الرجل هذه الصبية بعد قول أمها هذا, فرق القاضي بينهما, وقاله ابن حبيب.
قال أبو محمد وغيره: إنما يؤمر بالتنزه عنها من غير قضاء بخلاف قول الأب.
قال الشيخ: وهو مذهب المدونة, والفرق بين الأب وبين الأم في هذا القول؛ فلأن الأب هو العاقد على ابنه الصغير وعلى ابنته الصغيرة فصار ذلك كإقراره على نفسه.
فإن قيل: فيلزم على هذا ألا يقبل في ابنه الكبير لأنه يعقد على نفسه؟
قيل: قد مر به حال لا يعقد عليه إلا الأب فهو على ذلك.
قال ابن المواز: قول أحد الأبوين, أو أحد الزوجين قبل النكاح مقبول ويفسخ به النكاح وإن لم يفش في المعارف, ولا يقبل بعد النكاح قول الأب أو الأم
الجزء: 9 - الصفحة: 426
وإن كانا عدلين, ولا قول الجارية, ولا امرأتين عدلتين من غير أمرٍ فاشٍ, ويؤمر بالتنزُّه, وإن كان مع المرأتين أمرً فاشٍ في المعارف قضى بالفسخ, وأمُّ الزوج وأُمُّ الزوجة بعد النكاح كالأجنبيتين, والأجنبيات قبل النكاح وبعده سواء.
الجزء: 9 - الصفحة: 427
[الباب الرابع]
فيمن يحرم نكاحه بالرضاع من النساء
قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «يَحرُم من الرَّضاعة ما يحرُم من الوِلَادة».
قال ابن القاسم: فلا يُجمع بين المرأة وعمتها وخالتها من الرضاعة كالولادة.
قال مالك: والملك والتزويج في الرضاعة سواء في الحرمة, والأحرار والعبيد في حرمة الرضاع سواء, ويحرم على الرجل امرأة أبيه وابنه من الرضاعة كالنسب.
ومن تزوج صغيرةٌ بعد صغيرةٍ فأرضعتهما أجنبية فليختر واحدةً ويفارق الأخرى, ولا يفسد نكاحهما كما يفسد عقد متزوج الأختين في عُقدةٍ لفساد العقد فيهما وصحته في هاتين.
ولو تزوج أربع مراضع فأرضعتهن كلهن فله أن يختار أولهن رضاعاً أو آخرهن أو من شاء ويفارق البواقي, فإن أرضعت واحدة منهن فهن على نكاحهن, وإن أرضعت ثانية؛ اختار أيتهن شاء وفارق الأخرى, فإن فارق الأولى ثم أرضعت ثالثة؛ اختار, فإن فارق الثانية ثم أرضعت رابعة حبس الثالثة إن شاء أو الرابعة وفارق الأخرى, وإن أرضعتهم كلهن قبل أن يختار واحدةً منهن فله أن يختار واحدةً منهن؛ إن شاء أولتهن رضاعاً أو آخرتهن أو ما شاء منهن ويفارق البواقي.
قال أبو محمد: وابن القاسم لا يرى لمن اختار/ فراقها من الأربع صداقاً كالفسخ.
الجزء: 9 - الصفحة: 428
وقال ابن المواز: يعطيها ثَمُن صداقها, إذ لو فارقهن جميعاً لم يكن لهن إلا نصف صداقٍ بينهن.
وقال ابن حبيب: يعطي لكل واحدةٍ ممن يفارق نصف صداقها, لأنه طلاقٌ باختياره وليس كالفسخ.
ابن القابسي: ومن اختار فراقها فهن فسخ بلا طلاق عند ابن القاسم لأنه لا يرى لهن صداقا, ومن رأى لهن من الصداق شيئاً أوجب عليه في كل واحدةٍ طلقة.
قال الشيخ: قال بعض شيوخنا: وعلى قول ابن القاسم يكون فراقه طلاقاً لأنه هو الذي اختار الفسخ فيمن أراد منهن -يريد: وليس كل موضع يكون الفراق بطلاقٍ يلزم فيه الصداق, بل يوجد في غير ما مسألةٍ الفسخ بطلاقٍ ولا يكون في ذلك صداق, فاعتبر ذلك تجده.
قال الشيخ: ولا شيء على المرضعة لهن من الصداق وإن تعدت على ذلك, على مذهب ابن القاسم, لأن الزوج لم يجب عليه صداق, لأنه غير مطلق, وأما على قول من يرى لهن شيئاً من الصداق فيجب للزوج الرجوع على المتعدية لما غرم كرجوعه على الشاهدين عليه بالطلاق قبل البناء إذا رجعا عن شهادتهما, وقاله ابن الكاتب.
قال بعض فقهائنا: ولو مات الزوج قبل أن يختار واحدةً من الأربع لم يجب عليه إلا صداقً واحدً للجميع, وتتفق هاهنا الأقوال كلها, لأن واحدةً يصح
الجزء: 9 - الصفحة: 429
نكاحها والثلاث محرمات, فوجب عليه صداقً واحدً يُقسم على سائرهن, ولو طلق الأربع قبل أن يختار لوجب عليه نصف صداقٍ يقسم على سائرهن, وتتفق الأقوال أيضاً فتدبَّر ذلك.
ابن حبيب: وكذلك المجوسي يسلم وعنده عشر نسوةٍ لم يبن بهن فيختار أربعاً منهن؛ أنه يعطي لكل من فارق نصف صداقها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأةً ورضيعتين في عُقدةٍ وسمى لكل واحدةٍ صداقها, أو في عقودٍ مفترقة, فأرضعت الكبيرة إحداهما قبل بنائه بالكبيرة وهي في عصمته, أو بعد أن فارقها حرمت الكبيرة للأبد, لأنها من أمهات نسائه, ولا تحرم عليه الصغيرة المرضعة, لأنها من الربائب اللاتي لم يُدخَل بأمهاتهن, وإن كان بعد بنائه بالكبيرة حرمت الكبيرة والصغيرة, وللكبيرة الصداق بالمسيس, ولا صداق للصغيرة, تعمَّدت الكبيرة الفساد أو لم تتعمَّده.
ومن كتاب ابن المواز: ومن نكح امرأةً فمسَّها أو تلذَّذ منها, ثم فارقها فبعد عشرين سنةً تزوج رضيعةً فأرضعتها تلك المرأة التي كانت له زوجة لحرُمَت الرضيعة عليه, ولو أرضع زوجته الرضيعة نساء أهل الأرض لحرُمْن عليه, لأنهن يصِرّن أمهات نسائه, والرضيع إذا زوجه أبوه أو وصيهُ امرأةً ثم بارا عنه زوجته فتزوجت رجلاً فأولدها ثم أرضعت الصبي الذي كان زوجها وهو في الحولين لحُرمت على زوجها, لأنها من حلائل أبنائه, إذ صار هذا الصبي ابناً له من الرضاعة, وكذلك في العتبية عن ابن القاسم.
الجزء: 9 - الصفحة: 430
ومن المدونة: ومن تزوج صبيةً فأرضعتها أمه, أو أخته, أو جدته, أو ابنته, أو ابنة ابنه, أو امرأة أخيه, أو ابنة أخيه, أو ابنة أخته وقعت الحرمة بذلك, وفرق بينهما, ولا صداق للصبية على الزوج ولا على التي أرضعتها, وإن تعمَّدت ذلك, ولكن تُؤدَّب/ المتعمدة.
قال مالك: وكل ما فسد من نكاح مَنْ حَرُم بالرضاع بعد البناء فلها المسمى ولا يُلتفت إلى صداق مثلها.
الجزء: 9 - الصفحة: 431
[الباب الخامس]
جامع القول في الظؤورة
ومن كتاب ابن حبيب: روى أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن استرضاع الفاجرة, وأنه عليه الصلاة والسلام قال: «اتقوا إرضاع الحمقى فإنه يُعدِي».
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن اللبن يَنزع لمن يُسْتَرضَع؛ فَليُسْتَحسن, وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أباح استرضاع النصرانية.
الجزء: 9 - الصفحة: 432
وقال مالك: لا بأس باسترضاعها إن أُمِنَت ما تغدِّي به الولد من خمرٍ وخنزيرٍ وقد يكون في النصرانية طِبَاعٌ حسنةٌ من عفافٍ وسَخاءٍ ومحاسن أخلاق, فليس الطباع في الدين وهي في الغرائز.
ومن المدونة: وكره مالك اتخاذ الظؤورة من اليهود والنصارى والمجوس من غير أن يَرى ذلك حراماً وقال: إنما غذاء الصبي مما يأكلن, وهن يأكلن الخنزير ويشربن الخمر, ولا آمنُها أن تذهب بالصبي إلى بيتها فتطعمه ذلك, وكره استرضاع الفاجرة ولم يُحرِّمه.
الجزء: 9 - الصفحة: 433
[الباب السادس]
في رضاع الولد وأجر الرضاع في الطلاق وغيره
[فصل 1 - في إرضاع غير المطلقات أولادهن]
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233] , وقال تعالى في المطلقات: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ ...﴾ [الطلاق:6] إلى قوله تعالى: ﴿فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ [الطلاق:6] , فدلَّ بذلك أن ذوات الأزواج يلزمهن رضاع أولادهن دون المطلقات, لأن العرف جارٍ في أغلب أحوال الناس أن المرأة تلي رضاع ولدها من غير تكليف الزوج أُجرة, والعرف كالشرط.
قال مالك: فتُجبر ذات الزوج على رضاع ولدها بلا أجرٍ إلا أن تكون ممن لا تُرضع لشرفها فذلك على الزوج.
قال الشيخ: لأن العرف أن ذوات القدر والشرف لا يكلَّفن رضاع أولادهن وأن ذلك على الزوج, والعرف كالشرط.
قال مالك: وإن مات الأب وللصبي مالٌ فلها ألاَّ ترضعه, وتستأجر له من يرضعه من ماله إلا أَلاَّ يقبل غيرها فتُجبر على أن ترضعه بأجرها من ماله.
الجزء: 9 - الصفحة: 434
قال مالك: وإن لم يكن للصبي مالٌ لزمها رضاعه -يريد: وإن كان يقبل غيرها- بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها, ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال.
وقال عبد الوهاب: إذا لم يكن للصبي مالٌ لم يلزمها رضاعه وهو من فقراء المسلمين إلا أَلاَّ يقبل غيرها حينئذٍ على رضاعه, كان له مالً أو لم يكن, لأن في ترك رضاعه حينئذٍ إتلافه, وقد قال الله تعالى: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:233].
قال الشيخ: وكذلك نقول, إن لم يقبل غيرها وليس له مالً أنه يلزمها رضاعه, لأن جَعَلَه من فقراء المسلمين إضرارً به, وقد لا يَتكَفَّل به أحد, فيكون في ذلك إتلافه, وقد قال الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة:233] , وقد قال مالك في غيره المدونة: وإذا لم يكن لليتيم مالً وليس للأم لبن, أو لها لبنً لا يكفيه لرضاعه, فعليها رضاعه, بخلاف النفقة.
ابن المواز: لقول الله -عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة:233].
قال الشيخ: قال ابن الكاتب: واستدل سحنون أن على الأم رضاعة/ إذا لم يكن له مالٌ ولا أبٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم للتي اعترفت بالزنا: «اذهبي فأرضعيه ...» , قال: فأَخَّر عنها النبي صلى الله عليه وسلم الحدَّ لرضاع ولدها
الجزء: 9 - الصفحة: 435
وأَمْرُه لها على الوجوب عليها, إذ لا يؤخَّر حدٌ وجب لأمرٍ يُتَطوَّع به.
وقال إسماعيل القاضي: إنما وجب على الأم رضاعة لقول الله عز وجل: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرى:233] , ولا يسقط ذلك عنها ما كان يجب لها على الزوج من النفقة والكسوة لقوله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة"233] , لأن الأب مات عديما, أو أعدَم وهو حي, ورضاعها قائمٌ في ثدييها, فإن انقطع دَرُّها بمرضٍ أو غيره لم يكن عليها سبيل, فإن خِيف عليه الموت لعدم الرضاع, وجب عليها أن تستأجر من مالها من يرضعه, وذلك من باب الإعانة, لأن من خاف على جائعٍ أو عاطشٍ الموت وجب عليه أن يُطعمه ويسقيه إن أمكنه ذلك, وكذلك كل مضطرٍ فإن إعانته واجبة.
[فصل 2 - في إرضاع المطلقات أولادهن]
ومن المدونة: قال: والرضاع عليها إن طلقت طلاقاً فيه رجعةً إذا كانت ممن يرضع مثلها ما لم تنتقض العدة, فإذا انقضت, أو كان الطلاق بائناً ولم تنقض العدة فعلى الأب أجر الرضاع.
قلت: فإن قالت بعدما طلقها ألبتة: لا أرضعه إلا بمئة درهمٍ كل شهر, وأصاب الزوج من يرضعه بخمسين؟
قال: قال مالك: الأم أحق به بما يرضع به غيرها, وليس للأب أن يفرق بينه وبينها, فإن أبت أن ترضعه بذلك فلا حقَّ لها إلا أن يكون الولد لا يقبل غيرها وخيف عليه الموت فإنها تجبر على رضاعه بأجر مثلها.
الجزء: 9 - الصفحة: 436
قال الشيخ: وقوله: إذا وجد الأب من يرضعه بخمسين وقالت الأم: لا أرضعه إلا بمئه, فقال مالك: الأم أحق به بما يرضعه بما يرضعه به غيرها -يريد: بأجر مثلها لا بخمسين, وقاله بعض القرويين, وإليه رجع ابن الكاتب, وهو الصواب, وسواءً وجد من يرضعه غير الأم أم لا, لأنها وإن كانت عند الأم فهي التي تباشره بالرضاع والمبيت وذلك تفرقة بينه وبين أمه, فلذلك كانت الأم أحق به بأجر مثلها وهذا بيَّن.
قال مالك: ولو كان الأب معدماً لا يجد شيئاً وقد طلقها ثلاثاً فوجد مِن قرابته مَن يرضعه باطلاً فله ذلك, ويقال للأم: إما أن ترضعيه باطلاً أو فأسلميه, وكذلك إن كان الأب ليس بالواحد لا يقوى إلا على دون الأجر وأصاب من يرضعه بدون ذلك فللأم أن ترضعه بما وجد أو تسلمه إن قَبِلَ غيرها وإن كان الأب موسراً ووجد من يرضعه باطلاً فليس له ذلك, وللأم أن ترضعه بمثل ما يرضعه به غيرها.
قال ابن المواز: وكذلك إن وجد الملئ مَنْ يرضعه بدون الأجر فللأم أخذه بجميع الأجر, وهذا الذي أَخْتَاره من قول مالك, وروى عنه: أنها لا تأخذه إلا بما وجد, والأول أحسن, وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
تم كتاب الرضاع بحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليماً.
الجزء: 9 - الصفحة: 437
[الكتاب الخامس]
كتاب إرخاء الستور
[الباب الأول]
في تداعي المسيس بعد إرخاء الستر
[فصل 1 - في تصديق المرأة في المسيس والمراد بإرخاء الستر] ولما ارتفع أن توجد بينه بعد إرخاء الستر صُدّقت عليه في الوطء كما صُدِّق المعترض في دعوى الوطء مع ما نصَّ الله عز وجل من تصديقهن على أمور الأرحام وقطع ما أوجب من الرجعة للأزواج بقولهن, لقوله سبحانه: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:228] , واحتج في ذلك زيد بن ثابت أنها تصدَّق في حملٍ إن ظهر بها,
الجزء: 9 - الصفحة: 438
وقضى به عمر بن الخطاب, وقاله علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت وغيرهم من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
قال ابن أبي زَمنِين: المراد بذكر إرخاء الستور خلوة الرجل بأهله والتخلية بينه وبينها, ولم يُرد به إرخاء الستر ولا غلق باب.
وسواءً في هذا الأصل كانت المرأة صغيرةً أو كبيرةً, بكراً أو ثيباً, يتيمةً أو ذات أبٍ, ممن يُولَى عليها أو لا يُولَى عليها, حرةً أو أمةً, مسلمةً أو نصرانية, فالقول في ذلك قولها, لها وعليها وإن لم تبلغ الصغيرة المحيض إذا بلغت الوطء, ولا كلام للأب في ذلك ولا للوصي, لأن هذا مما لا يُعرف صدقه ولا كذبه إلا بقولهن فيهن فيه مأمونات مقبولٌ قولهن كما هُنَّ مأموناتٌ على الحيض والعدة والسَّقْطِ والولادة, فقد جعل الله ذلك إليهم في قوله تعالى: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [الطلاق:6] , كذلك قال عبد الملك في جميع هذا.
وذكر عن سحنون أنه قال: إن كانت بكراً أو أمةً فلا قول لها: إن الزوج لم يطأ, بل يكون لها صداقها كاملاً إلا أن يكون والد البكر يجيز تصديقها
الجزء: 9 - الصفحة: 439
- يريد: وكذلك سيد الأمة إذا أجاز تصديقها- ولا يكون ذلك لوليٌّ أو وصيًّ في البكر, ولا يحلف الولي في هذا, بخلاف الاختلاف في الصداق, لأن الوطء لا يُعلم إلا من جهتها, وأما في الصداق فالولي هو الذي عقد النكاح, فيحلف ولي البكر في ذلك على ما عقد به النكاح من الصداق الذي يذكره.
[فصل 2 - في ما تستحقه المرأة إن طلقت بعد الدخول وقبل المسيس] ومن المدونة: قال مالك: ومن تزوج امرأةٌ ودخل بها وأرخى الستر عليها ثم طلقها واحدةً فقال: لم أمسَّها, وصدقته, فلها نصف الصداق وعليها العدة ولا رجعة له.
قال الشيخ: وإنما لم يكن لها إلا نصف الصداق لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] , وإنما كان عليها العدة لأنها حقٌ لله فلا يُسقطه إقرارهما, وإنما لم تكن له رجعةً لأنه أقر أنه لم يمسها وأنه لا عدة عليها عنده, والرجعة إنما تكون فيمن تعتد منه لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ [البقرة:228] يعني العدة, فلما لم تكن عليها عدةٌ عنده لم تكن له عليها رجعة.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن تصادقا أنه قَبَّل أو باشر أو جَرَّد أو وطئ دون الفرج فإنما لها نصف الصداق إلا أن يطول مُكثه معها يتلذَّذ بها.
قال مالك فيكون لها عليه الصداق كاملاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 440
وقال ناسٌ: لها نصفه.
قال مالك: وكذلك الذي لا يقدر على امرأته؛ فيضرب له أجل سنة, أن عليه الصداق كاملاً إذا فرق بينهما.
وقال ناس: لها نصفه.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: فلأنه لما طالت إقامته معها وتلذَّذ بها, فأشبه الوطء في الفرج, ووجه القول الآخر: فلأنهما متقارران على نفس المسيس وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237].
[فصل 3 - في دعوى الجماع]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال الزوج بعد أن دخل بها وأرخى السَّتر عليها: لم أجامعها, وقالت المرأة: قد جامعني, صدَّقت عليه, كان الدخول عنده أو عندها إذا كان دخول اهتداءٍ, وعليه المهر كاملاً.
قال ابن المواز: وعلى المرأة اليمين في ذلك, فإن نكلت حلف الزوج, ولم يلزمه لها إلا نصف الصداق, وإنما جُعِل الستر كالشاهد, وكذلك في كتاب ابن الحكم.
الجزء: 9 - الصفحة: 441
[فصل 4 - فيمن تعلقت برجل وهي تُدمى]
وقال مالك في التي تعلَّقت برجلٍ وهي تُدمَى: إن لها الصداق بغير يمين, وقال في الواضحة: عليها اليمين.
قال الشيخ: فوجه ألاَّ يمين عليها: لأنها قد بلغت من فضيحة نفسها, وأتت بشاهد الافتضاض -وهو الدم- فقام ذلك مقام الشاهدين/ فوجب تصديقها عليه بغير يمين.
ووجه إيجاب اليمين: أن تعلُّقها به, وظهور الدم عليها يقوم لها مقام الشاهد كإرخاء الستر على الزوجة, وتسليمها للزوج, فلا يكون أحسن حالاً من الزوجة, إذ قد يحتمل في هذه أن يكون غيره فَعَله بها ثم فَرَّعَنها فتعلَّقت بهذا, أو تكون كانت رضيت به فلما افْتَضَّها تعلَّقت به فلا بد أن يكون عليها اليمين.
قال الشيخ: وهذا عندي أعدل.
[فصل 5 - في تداعي الزوجين في المسيس]
ومن المدونة: قال مالك: وإن خلا بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وقال: لم أطأ, وقالت المرأة: قد مسَّني, صدق الزوج إلا أن يكون دخوله عليها دخول اهتداء, والاهتداء هو البناء.
قال مالك: وكان ابن المسيب يقول: إذا دخل الرجل بامرأته في بيتها صُدِّق عليها, وإذا دخلت عليه في بيته صدَّقت عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 442
قال مالك: وذلك في المسيس.
قال ابن المواز: وكان مالك مرَّةً يأخذ بقول ابن المسيب أنه إذا خلا بها في بيتها لم تصدَّق عليه إلا بدخول الاهتداء, وبه أخذ ابن القاسم.
وروى ابن وهب عن مالكٍ أيضاً أنه قال: حيث ما أخذهما القلق وإن كانت زيارةً فالقول قول المرأة وبه أخذ ابن وهب وأشهب وأصبغ, وهو أشبه بحديث عمر رضي الله عنه.
قال عبد الوهاب: وقيل: إن كانت ثيباً فالقول قولها, وإن كانت بكراً نظر إليها النساء, فإن رأين افتضاضاً صدَّقت عليه وإن لم يرين افتضاضاً لم لكن لها إلا نصف الصداق.
فوجه الأولى: أن النزاع في التداعي يرجع إلى العرف, والعرف جارٍ بأن الرجل ينقبض في غير بيته إذا كان زائراً, غير مطمئنٍ, ولا ينشَط, ويستحي من إطلاع أهلها, فكان القول قوله في أنه لم يطأ لشهادة العرف, وإذا خلا بها في بيته كان القول قولها, لأن العرف يصير معها, لأن الإنسان ينشط في بيته ولا ينقبض, والعادة إقدامه على الوطء, ولا يتوقف عنه, فلذلك صدَّقت عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 443
ووجه الثانية: أنها فعلت التسليم والتمكين من الاستمتاع وليست بمنسوبةٍ إلى تفريطٍ بترك التوثيق بالإشهاد, إذ لا يمكنها ذلك, فلو لم تصدق عليه لأدَّى ذلك ألاَّ يثبت على أحدٍ صداقً بوطء إلا باعترافه, وفي ذلك إضاعة المهور وأعواض الاستمتاع.
ووجه الثالثة: أنه إذا وجدنا طريقاً إلى اليقين كان أولى من الظن, وذلك ممكنً في البكر على ما ذكرنا من اختبارها بنظر النساء إليها, وجاز ذلك للضرورة كالعيوب, ولمَّا لم يكن ذلك في الثيب رُجِعَ إلى قولها, وكل من حُكِم بقوله فلا بد من يمينه, وهذا الاختلاف إنما في تكميل الصداق, فأما العدة فإنها تجب ولا تسقط, لأنها حقً لله تعالى فلا يُقبل قولها في إسقاطها.
ومن المدونة: قال ربيعة: الستر بينهما شاهدً على ما يدعيان, وله الرجعة إن قال: وطئتها.
قال ابن المواز: الموضع الذي يُقبل فيه قولها في إيجاب الصداق يُقبل قوله في إيجاب العدة عليها, وله الرجعة, وفي دعواه دفع الصداق إليها.
قال الشيخ: وبيان كلام محمد: أن الرجل إذا خلا بها في بيته أو كانت خلوة بناءٍ في بيت أحدهما في رواية ابن القاسم, أو كانت خلوةً في بيت أحدهما في رواية ابن وهب, أن القول قول الزوجة في أنه وطئها, وأن لها الصداق كاملاً, وأنها إن أنكرت الوطء في هذه المواضع وادعاه الزوج كان عليها العدة, وكان له الرجعة فيها, ويصدق في دفع الصداق إليها, وإنما تكون له الرجعة إذا ادعى وطأً صحيحاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 444
قال ابن القاسم في العتبية: إن دخل بها ووطئها وهي حائض, ثم طلقها بعد طهرها فلا رجعة له, لأن ذلك ليس بوطء -يريد: وفيه الصداق والعدة.
قال الشيخ: أما الصداق فوجب لانتهاكه البضع, وأما العدة/ فلِلحوق الولد فيه, وأما الرجعة فلا تجب له, لأن الله تعالى نهى عن وطء الحائض فلا يكون ما نهى عنه يحل ما أمر به, كما قالوا في الإحصان والإحلال, ويحتمل على قول عبد الملك الذي يحل به الطلقة أن يحل له به الرجعة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فطلقها وأنكر الوطء, وادعته هي فجعلت القول قوله فعلى المرأة العدة إن كان قد خلا بها وليس معها أحد.
قلت: فإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء فأقر بالوطء, وقالت المرأة: ما جامعني؟ قال: إن كان خلا بها وأمكن منها, ولم تكن خلوة بناء فعليها العدة ولا رجعة له ويلزمه الصداق كاملاً, فإن شاءت أخذته به كله أو نصفه.
وقال سحنون في العتبية: لا تأخذه أبداً حتى تصدق الزوج, فإن صدقته أخذته كله وإلا فليس لها إلا نصفه.
الجزء: 9 - الصفحة: 445
قال الشيخ: وليس هذا بخلافٍ لابن القاسم, وقاله بعض فقهائنا, قال: ويدل على ذلك قولهم في الذي طلق قبل أن يُعلم له بزوجته خلوة, فادعى الوطء, وأراد ارتجاعها, قال: لا رجعة له وعلى المرأة العدة إن صدقته ولها السكنى والنفقة, وإن لم تصدقه فلا عدة عليها ولا كسوة لها ولا نفقة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن خلا بها في بيت أهلها وليس معها أحدٌ فأنكرا الوطء جميعاً فلا بد من العدة في الخلوة, ولها نصف الصداق, ولو كان معها نساءً حتى قَبَّل وانصرف بمحضرهن فلا عدة عليها, ولها نصف الصداق وإن أقر بالوطء بعد أن طلق ولا يُعلم له بها خلوةً وكذبته فلا عدة عليها, ولها أخذه بالصداق كاملاً أو بنصفه.
قال مالك: وكذلك إن خلا بها ومعها نسوة, ثم طلقها فادعى الوطء وأكذبته, صدقت ولا عدة عليها.
قال بعض أصحابنا: وامرأةً في ذلك وأكثر سواء, لأن الخلوة لم تثبت فلا عدة عليها.
قلت: فإن تزوجها وهي صائمةً في رمضان, أو صيام تطوعٍ, أو نذرٍ, أو كفارةٍ فيبنى بها نهاراً في صومها ذلك, ثم طلقها من يومه, أو خلا بها وهي محرِمةٌ, أو حائضٌ فطلقها قبل انقضاء إحرامها, أو قبل غُسلها من حيضتها فادعت هي في ذلك كله أنه وطئها وأنكر الزوج, قال: قال مالك: هي مصدقة ولها الصداق إذا أرخيت الستور عليهما وإن كانت حائضاً.
الجزء: 9 - الصفحة: 446
قال ابن القاسم: فكل من خلا بامرأةٍ لا ينبغي له أن يجامعها في تلك الحال فادعت أنه قد مسها صُدِّقت إذا كانت خلوة بناء, لأنه قد خلا بها وأمكن منها, وكذلك قال مالك في المغصوبة يحتملها رجلً فيدخلها بيتاً بمُعاينة بينه, ثم تخرج فتقول: وطئني غصباً, وهو ينكر, فلها الصداق ولا حد عليه.
قال في كتاب ابن المواز: مع يمينها, وعليه الأدب الوجيع.
قال الشيخ: وحكى لنا عن الشيخ أبي الحسن القابسي فيمن نكح ببعيرٍ شاردٍ, أو بثمرةٍ لم بيد صلاحها فبنى بها وقالت: وطئني, وقال: وما وطئتها, فلها صداق المثل بإرخاء الستر عليها, ويفسخ النكاح, لأنه مقرٌ أنه ما وطئها, فقد أقر أن النكاح باقٍ على الفسخ.
ولو قال: وطئتها, وأكذبته صُدِّق وبقيا على الزوجية.
قال بعض فقهائنا: وإنما صُدِّقت المرأة أن الزوج وطئها وإن كانت حائضاً أو صائمة ونحو ذلك, وإن كانت هي تدعي الحرام, لأن السَّتر لها كالشاهد, فذلك مثل ما لو قام شاهدٌ لمدعي الحرام في البيع أن المدعي يحلف مه شاهده وكذلك قال أبو عمران: لو ظهر أنها أخته من الرضاع أو النسب فادعت أنه وطئها عالماً بها لصُدَّقت عليه, ووجب لها الصدق.
قال مالك من المدونة: ومن تزوج امرأةً فدخل بها, ثم طلقها واحدةً قال: ما جامعتها, وقالت: قد جامعني,/ صدَّقت ولها الصداق وعليها العدة ولا يملك الرجعة ولا يُحلِها ذلك لزوج كان طلقها ألبتَّه إلا باجتماعٍ منهما على الوطء.
الجزء: 9 - الصفحة: 447
قال ابن القاسم: وقد استحسن مالكً هذا القول, ولا يحمله القياس, وأنا أرى أن تُدَيَّن ويخلَّى بينها وبين نكاحها, وأخاف أن يكون هذا من الذي طلقها ضرراً منه بها في نكاحها.
ولو مات الزوج بعد البناء بيومٍ من غير مناكرةٍ ومثله يطأ, فادعت الوطء كان أبين في إحلالها بذلك.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 448
[الباب الثاني]
جامع ما جاء في الرجعة
ودعوى انقضاء العدة وما يحل من المطلقة
[فصل 1 - في ما جاء في الرجعة]
قال تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1] , وهو الرجعة, فزجر الله عن إيقاع الثلاث لئلا يندم فلا يكون له سبيل إلى الارتجاع.
ولا تكون الرجعة إلا في المدخول بها فيما دون الثلاث لقوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ [البقرة:228] يعني في العدة, ولا عدة في غير المدخول بها, وقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [الطلاق:229] , وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر: «مُرْهُ فليراجعها» , فال: فقلت: أرأيت لو طلقها ثلاثا؟ قال: «إذن عصى ربَّه وبانت منه زوجته».
وقال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة:234] يريد: قاربن بلوغ أجلهن ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق:2].
الجزء: 9 - الصفحة: 449
وجعلهن تعالى مؤتمناتٍ على انقضاء العدة بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة:228] , والزوج ممنوعً منها حتى يرتجع بدليل القرآن, ولها النفقة والسكنى, ويتوارثان ما لم تنقض العدة, ولا ينبغي أن يتلذَّذ منها بنظرٍ أو غيره, ولا يخلو معها.
ولمالك قول: أنه يدخل عليها ويأكل معها إذا كان معها من يتحفَّظ بها, ثم قال: لا يفعل وإن كان معها حافظ, ولينتقل وقد انتقل ابن عمر.
قال عبد الوهاب: وهي مُحرِّمةٌ ما لم يراجعها خلافاً لأبي حنيفة, لأنها جاريةٌ إلى البينونة, أصله الكتابية إذا أسلمت بعد الدخول.
ولا خلاف أن الرجعة تصح بالقول وتصح عندنا بالوطء والقُبلَةِ والمباشرة إذا نوى به الرجعة خلافاً للشافعي في أنها لا تكون إلا بالقول, لأن الوطء يقوم مقام القول, أصله قول البائع إذا كان له الخيار: قد اخترت ردَّ هذه الأمة إلى
الجزء: 9 - الصفحة: 450
ملكي, وهو لو وطئها قبل القول كان وطؤها اختياراً.
ومن المدونة: قلت: فمن طلق امرأته طلقةً يملك فيها الرجعة, ثم قَبَّلَها في العدة, أو لامس لشهوةٍ أو جامع في الفرج, أو فيما دون الفرج, أو جَرَّدها, أو نظر إليها, أو إلى فرجها أيكون ذلك رجعة؟
قال: قال مالك: إن وطئها في العدة ينوي بذلك الرجعة وجهل أن يُشهد فهي رجعة, وإن لم ينوي ذلك فليست برجعة, وقاله عبد العزيز بن أبي سلمة.
قال الشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنَّما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرءٍ ما نوى» , فلم تصح الرجعة بالوطء إلا بنية.
قال أشهب في مدونته: وكذلك إذا لمسها في عدتها, أو قَبَّلها, أو باشرها أو نظر إلى فرجها لشهوةٍ ونوى بذلك كله الرجعة فهي رجعةٌ وإلا فلا.
قال مالك في المختصر: ولا يطؤها إلا بعد الاستبراء من وطئه إن وطئ ولم ينو به الرجعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 451
وقال الليث: وطؤه رجعةٌ وإن لم ينو به الرجعة.
قال الشيخ: فإن قيل: لِمَ لَمْ يكن وطء المطلق رجعةً وإن رجعةً وإن لم ينوها عند ابن القاسم كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختياراً وإن لم ينوه؟
قيل: لأن البائع قد جعل له الخيار وأباح له الوطء به, فإذا وطئ فقد قبل ما جعل له وتم به ملكه, ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار وانقطعت عُدَّ بذلك/ مختارا, والزوج لم يجعل له شراء الرجعة فيطالبها بقبولها ولأنه لو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه, بخلاف انقضاء أيام الخيار فدل أن وطأه أضعف من وطء المختار, وهذا بيَّن.
ومن المدونة: ومن طلق فليُشْهِد على طلاقه ورجعته كما قال الله عز وجل, وكذلك فعل ابن عمر, وقاله ابن المسيب وغيره.
وقال مالك في امرأة طلقها زوجها ثم ارتجعها فمنعته نفسها حتى يُشهِد على رجعتها: قد أصابت.
الجزء: 9 - الصفحة: 452
قال مالك: ومن قال لامرأته: قد راجعتك, ولم يُشهد فهي رجعة, وليُشهد فيما يُستقبل, فإن أشهد قبل انقضاء العدة فهي رجعة, وإن أشهد بعد انقضائها فليست برجعةٍ وإن صدقته إلا أن يُعلم أنه كان يخلو بها ويبيت معها فيقبل قوله, كذبته أم صدقته.
قال عبد الوهاب: لأن الإشهاد عندنا استحبابً وليس بشرطٍ خلافاً للشافعي, لأنه حقً من حقوق النكاح كالظهار والإيلاء, ولأن الإشهاد معنىً يبيح الوطء كشراء الأمة وليس بآكد من عقد النكاح, وقد بينَّا أن الإشهاد ليس بشرطٍ فيه.
ومن المدونة: وإن قال لها: قد ارتجعتك, ثم قال: لم أُرِدْ بقولي رجعةً وإنما كنت لاعباً, لزمته الرجعة إن كانت في عدتها فلا رجعة له إلا أن تقوم على ذلك بينة, يعني تقوم بينةً بعد العدة على قوله ذلك في العدة.
وإن قال لها في العدة: كنت ارتجعتك أمس, صدَّق إن كذبته, لأن ذلك يعدُّ مُراجعةً الساعة, وإن قال لها ذلك وقد انقضت عدتها؛ لم يصدَّق, وقاله أشهب.
قال مالك وأشهب: وإن قال لها: إذا كان غداً فقد راجعتك.
لم تكن هذه رجعة.
قال أشهب: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك في العدة, فصدقته أو كذبته لم يصدق ولا رجعة له إلا ببينة, أو يُعلم أنه كان يدخل عليها في العدة, ويبيت عندها, فيقبل قوله وإن كذبته, وإقرارها له بالمراجعة بعد العدة إذا لم
الجزء: 9 - الصفحة: 453
تُعلم له بها خلوة, داعية إلى إجازة نكاح بغير صداقٍ ولا ولي.
قال: وإن أقام بينةً بعد العدة أنه أقر بالوطء في العدة فهي رجعةً إن ادعى الآن أن وطأه أراد به الرجعة.
قال عنه ابن المواز: ولو أقام بعد العدة بينةً تَشهد أنه أقر عندهم أنه أغلق عليها باباً, أو أرخى عليها سِتراً في عدتها, لم تكن تلك رجعةً إن ادعى ذلك الآن بخلاف إقراره بالوطء.
قال ابن المواز: وليس ذلك كالشهادة على الخلوة حتى يكون المقام والدخول والخروج ويُعلم ذلك بغير إقراره.
ومن المدونة: قال أشهب: وإن طلقها قبل أن تُعلم له بها خلوة, ثم أراد أن يراجعها وادعى الوطء واكذبته, فأقام بينةً على إقراره قبل الفراق بوطئها لم ينتفع بذلك ولا رجعة له وإن صدقته, إذ ليس ببناءٍ معلوم, ويُتَّهم الزوج أن يقدم هذا القول عُدَّةً ليملك رجعتها, فلا يقبل قوله, وعلى المرأة العِدة إن صدقته, ولها السكنى والنفقة, وإن لم تصدقه فلا عدة عليها ولا كسوة لها ولا نفقة, وكذلك إن أقام بينةً على إقرارهما بذلك قبل الفراق فلا يصدَّقان ولا رجعة له, ولها النفقة والكسوة حتى تنقضي عدتها.
وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك في العدة, فاكذبته وهي أمة, وصدقه السيد فلا يقبل ذلك إلا بشاهدين سوى السيد, إذ لا تجوز شهادته على نكاح أمته ولا على/ رجعتها.
قال مالك: وإذا وضعت الحامل ولداً وبقي في بطنها آخر فزوجها أحق برجعتها حتى تضع آخر ولدٍ في بطنها.
الجزء: 9 - الصفحة: 454
قال ابن وهب: وقاله ابن عباس وابن المسيب وغيرهما, وله الرجعة في عدة المرتابة بالحِسَّ إلى أقصى جلوس النساء, وإن طلقتها قبل البناء فظهر بها حملٌ فلم ينفِهِ فهي له زوجة, وهي في عدةٍ منه, وله الرجعة ما لم تضع.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولو ظهر الحمل بعد موت الزوج فقالت: هو منه, فإنه يلحق به ويرث أباه ولا ترث هي الزوج, وليس لها إلا نصف الصداق الذي قبضت.
قال أشهب: ومن طلق امرأته واحدةً أو اثنتين فله عليها الرجعة ما لم ترَ أول دم الحيضة الثالثة, فإذا رأته فقد مضت الثلاثة الإقراء التي قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] , ولأن الإقراء إنما هي الأطهار وليست بالحيَض, وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها وغيرها, فإذا طلقها وهي طاهرً فقد طلقها في طهر تعتد به, فإذا حاضت حيضةً فقد تمَّ قُرؤُها, فإذا طهرت فهو قرءً ثان, فإذا حاضت الثانية فقد ثمَّ قرؤها الثاني, فإذا طهرت فهو قرؤٌ ثالث, ولزوجها عليها الرجعة حتى ترى أول قطرة دمٍ من الحيضة الثالثة, فإذا رأت ذلك فقد تمَّ قرؤها الثالث وانقضت الرجعة عنها وحلَّت للأزواج, غير أني أحب ألا تعجل بالتزويج حتى يتبين أن الدم الذي رأت في آخر الحيض دم حيضةٍ يتمادى بها فيها, لأنها ربَّما رأت الدم ساعة, أو يوماً ثم ينقطع عنها فيُعلم أن
الجزء: 9 - الصفحة: 455
ذلك ليس بحيض تعتد به, فإذا رأت امرأةً هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها, والعدة قائمة, ولزوجها الرجعة حتى تعود إليها حيضةً صحيحةً مستقيمة.
قال أشهب وابن وهب: وبه قضى زيد بن ثابت, وقالته عائشة رضي الله عنها: إن لها أن تنكح في دمها من الحيضة الثالثة.
قال أشهب: وقاله عمر وابن عباس, وكذلك قال ابن القاسم: أن للزوج الرجعة ما لم تر دم الحيضة الثالثة في الحرة, والثانية في الأمة.
[فصل 2 - في دعوى انقضاء العدة]
قال: ومن قال لمعتد: قد راجعتك, فأجابته نَسَقَاً بكلامه: قد انقضت عدتي؛ فإن مضت مدةً تنقضي في مثلها العدة صدَّقت بغير يمينٍ وإلا لم تصدَّق.
وقضى أَبان بن عثمان في مطلقةٍ ادعت بعد خمسةٍ وأربعين يوماً أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف.
وليس العمل على أن تحلف إذا ادعت ما تحيض في مثله.
الجزء: 9 - الصفحة: 456
وذكر عن سحنون أنه قال: أقل ذلك أربعون ليلة.
قال الشيخ: وقيل: شهرً إن أمكن ذلك, وكذلك يجب أن يكون معلَّقاً بالإمكان في أغلب العادة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أشهد على رجعتها فصمتت, ثم ادعت بعد يومٍ أو أقل أن العدة قد انقضت قبل رجعته لم تصدق وتمت الرجعة, وإذا قالت المعتدة: قد دخلت في أول دم الحيضة الثالثة, ثم قالت: كنت كاذبة, ونظرها النساء فلم يرين بها حيضاً؛ لم يُنظَر إلى قولهن, وبانت بأول قولها إن مضت مدةً تنقضي في مثلها العدة, وإن ادعت أنها أسقطت فذلك لا يخفى على الجيران, ولكن الشأن أن تصدق بغير يمين وإن بعد يومٍ من طلاقه أو أقل أو أكثر, ولا ينظر إلى الجيران, لأنهن مأموناتً على فروجهن, ولو رجعت فقالت: كنت كاذبة, ونظرها النساء فلم يرين بها حيضاً لم ينظر إلى قولهن, وبانت بأول قولها, لأن ذلك داعيةً إلى إجازة النكاح بغير صداقٍ ولا ولي.
قال مالك: وتنقضي العدة بما أسقطت المرأة مما يعلم النساء أنه ولدٌ من دمٍ أو مُضْغَةٍ أو عَلَقَة, وتكون/ به الأمة أم ولد, وإذا قالت المطلقة: حضت ثلاث حيض في شهر, سئل النساء فإن أمكن ذلك عندهن صدَّقت.
قال أشهب: وإن قالت: حضت ثلاث حيض في شهرين, فقال لها الزوج: قد قلت بالأمس أو قبله: أنك لم تحض شيئاً, فصدقته, لم يقبل قولها الثاني إلا أن يقيم الزوج بينةً أنها قالت ذلك, فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه ثلاث حيض, وإن مضى ذلك فلا رجعة له عليها وإن رجعت عن قولها: إنها قد حاضت ثلاث حيض.
الجزء: 9 - الصفحة: 457
ومن العتبية: قال مالك فيمن طلق امرأته طلقةً واحدةً وأعطته مالاً في العدة على ألاَّ رجعة له عليها قال: أراه خُلعا, وتلزمه طلقةً بائنةً, وقاله ابن القاسم.
وقال أشهب: إن شاء راجعها, فإذا راجعها ردَّ إليها ما أخذ منها.
وروى الدَّمْياطي أن ابن وهب قال: لا تلزمه غير الطلقة الأولى ولا رجعة له عليها.
فصل [3 - في رجعة المريض والمحرم والعبد]
قال ابن المواز: وللمريض أن يرتجع وكذلك المحرم, أو هي محرمة -يريد بالإشهاد- ويرتجع العبد بغير إذن سيده وإن كره, كانت زوجته أمةً له أو لغيره.
قال: والرجعة أن يُشْهِدَ بها, أو يطأ, أو يُقَبِّل, ينوي بذلك الرجعة, ولو نوى الرجعة بقلبه لم ينفع إلا بفعلٍ مع النية مثل جَسَّةٍ لشهوةٍ, أو ضَمَّةٍ, أو ينظر إلى فرجها وما قارب ذلك من محاسنها, فإن لم يفعل ذلك لم تنفعه النية.
قال: والأمة لا تقبل شهادة سيدها بعد العدة بالرجعة وإن صدقته الأمة.
قال أشهب: إلا أن يشاء الزوج أن يدفع ثلاثة دراهم فتكون امرأته, شاء السيد أو أبى, لأنه أقر أنها امرأته.
الجزء: 9 - الصفحة: 458
وذكر أن أبا عمران قال: وكذلك إذا تقارر الزوجان بعد العدة على أن الزوج ارتجع في العدة فليقدم الزوج ربع دينارٍ ويزوجها وليها, وتجبر الزوجة على ذلك, كقول أشهب في مسألة الأمة, وترجح في ذلك.
قال أبو عمران: وإذا أقر الزوج في العدة أنه راجع ثم أنكر الرجعة أنه يكون ذلك منه كطلاق ابتدأه.
وسئل عن الذي يطلق امرأته واحدة, ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى ثلاث حيض ثم يحنث بطلاقها ثلاثاً هل يلزمه ذلك الطلاق؟
فقال: يلزمه ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه, وقد قال الليث: إن وطأه رجعة وإن لم ينو به الرجعة, وقاله ابن وهب في الدمياطية, فلا أقل أن يكون هذا كالنكاح المختلف فيه.
الجزء: 9 - الصفحة: 459
[الباب الثالث]
جامع القول في متعة المطلقة
[فصل 1 - في مشروعية متعة المطلقة]
قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:241] , وقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:237] فقصرت هذه على ذلك, ودلَّ أن الأمر بالمتعة ندب لا فرض قوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:236] , ولأن الطلاق تأثيره الإسقاط دون الإيجاب, دليله سقوط نصف المسمى قبل الدخول ولأنه نوع من الفراق كالموت.
[فصل 2 - فيمن تستحق المتعة ومن لا تستحقها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: قال مالك: ولكل مطلقة المتعة؛ طلقت واحدة أو اثنتين أو ثلاثاً, إلا المطلقة قبل البناء وقد سمَّى لها صداقها فحسبها نصفه ولا متعة لها, وإن لم يسم فليس لها إلا المتعة.
الجزء: 9 - الصفحة: 460
ابن وهب: وقاله ابن عمر.
قال ابن القاسم: وإن كانت مدخولاً بها وقد سمى لها في أصل النكاح مهراً أخذته به مع المتعة, وإن لم يسم لها أخذت صداق مثلها مع المتعة.
قال: ولا متعة للمختلعة ولا للمصالحة ولا للمفتدية وللمبارية.
قال ابن القاسم: ولم يختلف في هذا عندنا, دخل بها أو لم يدخل, سمَّى لها صداقاً أو لم يسمه, لأنها اشترت/ منه الطلاق بالذي أعطته فكيف ترجع وتأخذ منه, ولقد سئل مالك عن المفتدية قبل البناء بمالٍ دفعته لزوجها على أن خلَّى سبيلها ففعل, ثم قامت بعد ذلك تطلبه بنصف صداقها؟
فقال مالك: لا شيء لها, هي لم تخرج من حِبَاله إلا بأمرٍ غرمته له؛ فكيف تطلبه بنصف الصداق.
وقال الليث مثله.
قال ابن القاسم: ولا متعة للملاعنة ولا للأمة تعتق فتختار نفسها, دخل بهن أم لا, سمى لهن صداقاً أم لا.
قال ابن وهب: قال ابن عمر: ليس من النساء شيءٌ إلا ولها المتعة إلا الملاعنة والمختلعة والمبارية والتي تطلق ولم يبن وقد فرض لها فحسبها فريضته.
قال ابن شعبان: وجعلت المتعة بدلاً من غمٌّ الطلاق وهمَّه عليهن وسقط المتاع عن المختلعات والمفتديات والمباريات, لأنهن يُعْطِيْن فكيف يأخذن, ولأنهن مختاراتٌ للطلاق فقد سقط عنهن همَّه, وسقط ذلك عن الملاعنات لأن ما يُعطَين غير
الجزء: 9 - الصفحة: 461
مُسْقطٍ لما أُصِبْن به ولا أضعافه, ولأنهن غير مطلقاتٍ, إذ كنَّ لا يحللن أبداً, ولو كنَّ مطلقاتٍ لحللن بعد زوجٍ أو قبله.
قال الشيخ: قال بعض فقهاء القرويين: للمخيَّرة والمملّكة المتعة إذا قضت بالفراق, لأن الفراق إنما صار إليها من قِبَلِ الزوج, وكذلك الذي تزوج على الحرة أمةً فتختار نفسها لها المتعة, لأن الطلاق بسببه, وليست كالمعتقة تحت عبدٍ فتختار نفسها, لأن هذا أمرً لا صُنْعَ للزوج فيه, وأما المفتدية فلا شيء لها وإن كان بسبب الزوج لأنها تُعطِي فمُحالٌ أن تُعطَى.
[فصل 3 - في إمتاع العبد مطلقته]
ومن المدونة: قال مالك: وعلى العبد إذا طلق امرأته المتعة ولا نفقة عليه.
قال الشيخ: قيل: إنما ذلك إذا كان الطلاق بائناً؛ وإما إذا كان رجعياً فعليه النفقة, وهذا معنى ما في المدونة والله أعلم.
قال مالك في كتاب ابن عبد الحكم: ليس للسيد أن يمنعه من المتعة.
قال أبو بكر الأبهَري: لأنها من حقوق النكاح وليس للسيد منعه من حقوق النكاح والطلاق وأشباه ذلك, وقد قال الله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:241] , وقال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة:236] فَعَمَّ الأزواج, سواءً كان حراً أو عبداً.
الجزء: 9 - الصفحة: 462
[فصل 4 - في أن التداعي في المسيس يسقط المتعة]
قال مالك: ومن خلا بزوجته وأغلق بابه وأرخى الستر عليها وقد سمى لها فطلقها وقال: لم أمسها, وقالت: قد مسني؛ فالقول قولها في الصداق.
قال ابن القاسم: ولا متعة لها, لأنه يقول: طلقت قبل أن أَمَس وقد فرضت فليس عليَّ إلا نصف الصداق, فلا يصدق في الصداق ويصدق في المتعة.
قال الشيخ: إذ لا يقضي بها.
[فصل 5 - فيمن لهن حكم الحرة المسلمة في المتعة
ومن لا متعة عليه]
قال مالك: وللصغيرة والأمة والمدبرة والمكاتبة وأم الولد والذمية حكم الحرة المسلمة في المتعة والطلاق.
ومن النكاح الثاني: وكل ما فسخ قبل البناء لفساد صداقه فلا متعة فيه, وكذلك إن لم يفسخ حتى طلقها قبل البناء فلا متعة عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 463
ومن إرخاء الستور: قال ربيعة: إنما يؤمر بالمتاع مَنْ لا رَدَّة له عليها -يريد من لا رجعة له عليها.
قال فَضْل: فإذا طلق واحدةً أو اثنين لم يؤمر بالمتعة حتى تنقضي العدة
قال ابن وهب: ولو ارتجعها فلا متعة لها, لأن المتعة عوضٌ من الفرقة.
ابن القاسم: ولا متعة في نكاح مفسوخ.
-ابن المواز: إذا فسخ- ولا فيما يدخله الفسخ بعد صحة العقد مثل ملك أحد الزوجين صاحبه.
قال: ولا يحاصُّ الغرماء بالمتعة.
قال ابن القاسم: وإن جهل المتعة حتى مضت أعوامً فليدفع ذلك إليها وإن تزوجت, أو إلى ورثتها إن ماتت.
قال أصبغ: لا شيء عليه إن ماتت, لأنه عوضً لها, وتسليةً من الطلاق فقد/ انقطع ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 464
قال الشيخ: وإذا دخل بزوجته فقال: ما وطئتها, وقالت: وطئني, فوجب لها عليه نصف جميع الصداق فطلقها, فله أن يحسب المتاع في نصف الصداق, أو في صداق المثل إن كان نكح على تفويض, لأنه يقول: لا صداق علي في التفويض وإنما عليَّ من المسمى نصفه؛ فله أن يحسب المتعة في ذلك, ونحوه لأبي عمران.
[فصل 6 - في قدر المتعة]
ومن المدونة: قال مالك: وليس للمتعة حدٌ معلوم.
قال ابن المواز: وهي على قدر حال الرجل مع قدر حال المرأة.
ومن المدونة: قال مالك: ولا يجبر من أباها, لأن الله تعالى إنما جعلها حقاً على المتقين, وعلى المحسنين فلذلك خُفَّفت ولم يُقضّ بها.
قال غيره: وإذا كان الزوج غير مُتَّقٍ ولا مُحسنٍ فلا شيء عليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 465
وقال ابن أبي سلمة: المتاع أمرٌ رغَّب الله فيه وأمر به, ولم يُنزَّل بمنزلة الفرض من النفقة والكسوة, وليس تعدي عليه الأئمة كما تعدى على الحقوق.
وقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره: أعلى المتعة خادمً أو نفقةً, وأدناها كسوة.
وقال ابن حُجَيْرَة: على صاحب الديوان متعة ثلاثة دنانير.
[تمَّ كتاب إرخاء الستور]
الجزء: 9 - الصفحة: 466
[الكتاب السادس]
كتاب الخلع
[الباب الأول]
في الخلع والصلح والفدية والمباراة وكيف إن وقع بغرر
[فصل 1 - في الخلع وأدلة مشروعيته وبعض مسائله] قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229] , وقال تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء:4] , وقد أباح الرسول صلى الله عليه وسلم لثابت بن قَيس رضي الله عنه أن يأخذ منها ما أعطاها, وقد زادته على حديقته التي أخذت منه, وأمرها النبي صلى الله
الجزء: 9 - الصفحة: 467
عليه وسلم بالعدة, وقال: هي واحدة.
قال مالك: لم أزل أسمع إجازة الفدية بأكثر من الصداق لهذه الآية ولهذا الحديث, وقال الشافعي: إنه فسخَّ بغير طلاق.
قال الشيخ: ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم: «هي واحدة» وهذا نص, ولأن كل فرقةٍ يجوز الثبوت على النكاح مع الحال الموجبة لها فإنها طلاقً لا فسخ, اعتباراً بفرقة العنِّين والمولي عكسه الرضاع والملك.
وروى عيسى عن ابن القاسم في المرأة الناشز تقول: لا أصوم ولا أصلي ولا أتطهَّر من جنابة, فلا يجبر على فراقها, فإن شاء فارق وحل له ما أخذ منها.
قال الشيخ: واختلف شيوخنا إذا ثبت ضرر الزوج وقد أخذ بالدَّرَك جميلاً.
فقيل: له متابعة الحميل, لأنه هو أدخله في زوال عصمته, وقيل: لا يرجع بشيءٍ لسقوط ذلك عنها, وهذا كاختلافهم في الحمالة في البيع الفاسد, قاله بعض فقهائنا.
الجزء: 9 - الصفحة: 468
ومن المدونة: قال مالك: وإذا كان النشوز من قِبَلِهَا جاز للزوج ما أخذ منها بالخلع وإن كان أكثر من الصداق ورضيت ولم يضر بها, وإن كان لخوف ضرره, أو لظلمٍ ظلمها, أو أضرَّ بها لم يجز أخذه, وإن أخذ شيئاً رده ومضى الصلح.
قال القاضي عبد الوهاب: وقال الشافعي: لا يرد شيئا.
فأما نفوذ الطلاق فلأنه هو ألزم نفسه, وأما رد ما أخذه منها فلأنه كان عليه إزالة الضرر عنها بغير عوض, وما لزم الإنسان إزالته بغير عوضٍ لم يجز له أخذ العوض عليه.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: إذا صالحته على شيءٍ أعطته إياه وعلى رضاع ولده؛ ثم جاءت بعد سنةٍ بامرأتين شهدتا أنها خالعته عن ضررٍ فقال: تحلف معهما ويرد عليها/ ما أعطته وتأخذ منه أجر رضاع ولده.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا أقامت بعد الخلع بينةً يشهدون على السماع أنه كان مُضراً بها فذلك جائز, وهل يُشهَد في ذلك إلا في السماع, ليسمع الرجل من أهله ومن الجيران, ويكون فاشياً, ويجوز في ذلك شاهدان على السماع البين والأمر بالمعروف, ولا يمين في ذلك.
قيل: فإن شهد واحدً على البتات أن زوجها كان يضر بها ويضيَّق عليها أتحلف معه؟
قال: كيف يعرف ذلك؟
قال: يقول سمعت سماعاً منتشراً واستبان لي.
الجزء: 9 - الصفحة: 469
قال عيسى له: وانظر فيه.
وقال أصبغ: هو جائزٌ وإن لم يكن غيره, فإن كان معه سماعً منتشرً وإلا حلفت ورد عليها ما أخذ منها ومضى الفراق.
وقد سألت ابن القاسم عنه بعد ذلك فقال: هذا لأن يمينها على مالٍ, وإذا أقامت بينةً أنه كان يبغضها لم ينفعها إلا بالبينة على الضرر, وقد يبغضها ولا يظلمها, ومن الضرر الموجب لرد ما أخذ منها أن يؤثِر عليها أخرى ولا يفي بحقها في نفسه ولا في ماله.
ويجب عليه إذا لم ترض بالأثرة عليها أن يفارقها بغير فداءٍ أو يعدِل.
ومن المدونة: ابن وهب: قال ابن شهاب: وإذا استخفت المرأة بحق زوجها فنشزت عليه وأساءت عشرته وأحنثت قسمه, أو خرجت بغير إذنه, أو أذنت في بيته لمن يكره وأظهرت له البغض, فإن ذلك مما يحل له بالخلع, وإن كانت هي تؤتي من قِبَلِهِ فلا يجوز خلعها.
وقال بُكَير بن الأشج: لا أرى امرأةً أبت أن تخرج مع زوجها إلى بلدٍ من البلدان إلا ناشزاً.
[فصل 2 - في الصلح وأدلته]
قال ابن القاسم: ويجوز أن يأخذ منها على إمساكها, أو يعطيها ما ترضى به معه على أن تقيم معه على الأثرة في القسم من نفسه وماله وذلك الصلح
الجزء: 9 - الصفحة: 470
الذي قال الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا﴾ [النساء:128] ولا يأثم في الأثرة بعد ذلك, وقاله جماعةً من التابعين.
قال ابن وهب عن ابن شهاب: أن رَافع بن خَدِيج تزوج جاريةً شابَّةً وعنده بنت محمد بن مَسْلَمة وكانت قد جَلَّت فآثر الشابة عليها, فاستأذنت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «يا رافع اعدل بينهما وإلا فارقهما» فقال لها رافع في آخر طلقة: إن أحببتِ أن تقرِّي على ما أنتِ عليه, وإن أجببت أن أفارقك فارقتك, فقالت: بل استقرُّ على الأثرة, ولم يرَ رافعً أن عليه إثماً حين رضيت بأن تستقر عنده على الأثرة, قال: فنزل القرآن: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء:128].
الجزء: 9 - الصفحة: 471
قال ابن وهب عن يونس عن أبي الزناد قال: بلغنا أن سودة أم المؤمنين كانت أسنَّت, وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يكثر منها, وعرفت ذلك منه فتخوّفت أن يفارقها فقالت: يا رسول الله أرأيت يومي الذي كان يصيبني منك فهو لعائشة, وأنت منَّي في حلٍّ, فقَبِل ذلك منها.
قال ربيعة: إن رضيت بغير نفقةٍ ولا كسوةٍ ولا قَسمٍ فما رضيت به من ذلك جاز عليها.
قال مالك: والمَختَلِعة: التي تختلع من كل الذي لها, والمُبارية: التي تباري زوجها قبل البناء فتقول: خذ الذي لك وتاركني, والمفتدية: التي تفتدي ببعض مالها وتحبس بعضه.
وذلك كله سواءً وهي طلقةً بائنةً.
قال: والخلع والمباراة عند السلطان أو غيره جائز.
قال القاضي عبد الوهاب: وقال أبو ثور في الخُلع: هو طلقةً رجعيةً, والدليل لمالك: أن المرأة إنما تبذل العوض لإزالة الضرر عنها وفي ثبوت الرجعة عليها تبقية الضرر, ولأن ثبات/ الرجعة في ذلك جمع للزوج بين العوض والمُعوَّض وذلك ما لا سبيل إليه.
الجزء: 9 - الصفحة: 472
ابن وهب: وقال عثمان بن عفان وجماعة من الصحابة.
والتابعين: إنها طلقة بائنة.
الجزء: 9 - الصفحة: 473
[الباب الثاني]
في الخلع بمجهول أو غرر أو حرام أو يقارنه بيع
[فصل في الخلع بمجهولٍ أو غرر]
قال الله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229] فعَم, فذلك جاز الخلع عندنا بالغرر والمجهول كالعبد الآبق والجمل الشارد فإن سلم أخذه وإلا فلا شيء له خلافاً لأبي حنيفة والشافعي في منعهما ذلك, ولأنه يجوز أن يملك في الهبة والوصية فجاز في الخلع.
ومن المدونة: قلت: فمن خالع زوجته على عبدٍ لها بعينه ولم تصفه له ولا رآه الزوج قبل ذلك, أو تزوجها على مثل هذا؟
قال: قال مالك: يفسخ هذا النكاح قبل البناء ويثبت بعده, ولها صداق المثل.
قال ابن القاسم: وأما الخلع فيجوز, ويأخذ العبد الذي خالعها عليه كمن خالع على ثمرة لم يبد صلاحها, أو على بعيرٍ شاردٍ, أو عبدٍ آبقٍ, أو جنينٍ في بطن أمه, أو بما تلد غنمها, أو بثمرة تخلها العام, فذلك جائزً لازمً له, وله مطالبة ذلك كله على غرره بخلاف النكاح.
قال غيره: ولأنه يرسل من يده بالغرر ولا يأخذ به.
الجزء: 9 - الصفحة: 474
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا خالعها على جنينٍ في بطن أمه فهو له إذا خرج, ويجبران على الجمع بينهما فيباع مع أمه.
قال أصبغ: ولا أحب الخلع بالجنين ولا الثمرة غير مُزهِيَةٍ فإن وقع مضى, وهو آخر قولَي ابن القاسم.
ومن كتاب ابن المواز: وإن قالت له: خالعني على ما في يدي, فرضي ففتحت يدها فلم يجد شيئاً فقال أشهب: لا يلزمه طلاق, وكذلك إن وجد حَجراً فإن وجد ما يُنتفع به كالدرهم ونحوه لزمه الخلع.
وقال عبد الملك: يلزمه الخلع بما غرَّته, وقاله محمد وسحنون.
قال عبد الملك: ولو قالت له: خالعني بهذا العبد, وليس هو لها لم يلزمه الفراق, لأنه طلق على أن يتم له ذلك, فأما لو كان بيدها بشبهة ملك, ثم استحق فالفراق لازمً ويطلبها بقيمته.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن خالعته على ثوبٍ هَرَوِي, ولم تصفه جاز, وله ثوبٌ وَسَطً من ذلك, وإن خالعها بدنانير, أو بدراهم, أو بعروضٍ موصوفةٍ إلى أجلٍ فجائز, وإن خالعها على مالٍ إلى أجلٍ مجهول, كان حالاً, لأن مالكاً قال فيمن باع إلى أجلٍ مجهول: أن القيمة فيه حالةٌ في فَوْتِ السلعة.
قال ابن القاسم: وإن خالعها على عبدٍ لها, على أن زادها الزوج ألف درهم جاز, بخلاف النكاح, لأنه إن كان في قيمة العبد فضلً عن الألف فقد أخذت منه نصفها بذلك الفضل, وإن كانت كفافاً فهي مباراةً, وقد أجاز مالك
الجزء: 9 - الصفحة: 475
أن يتابرءا بغير شيءٍ وهي طلقة بائنةً, وإن كانت قيمته أقل من الألف فهو كمن صالح زوجته على أن يعطيها من عنده مالاً فالصلح جائز ولا يرجع عليها بشيءٍ مما دفع إليها.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن كان هذا العبد آبقاً فصالحها عليه على أن زادها عشرة دنانير فسد الصلح بينهما, ويرد الآبق/ والدنانير.
قال ابن المواز: هذا إن كانت قيمة الآبق عشرة دنانير فأقل لم يكن للزوج فيها شيءً وارتجع دنانيره وبقي العبد للمرأة, وإن كانت قيمة هذا الآبق خمسة عشر ديناراً كان للزوج ثلثه في الخلع ويرجع ثلثاه للمرأة, وترد العشرة دنانير إلى الزوج وتكون المرأة والزوج شريكين في العبد على الثلث والثلثين, لأن الخلع إنما وقع بما فضل من قيمته عن العشرة دنانير, وكذلك إن صالحها ببعيرٍ شارد, أو بجنينٍ في بطن أمه, أو بثمرةٍ لم يبد صلاحها على أن زادها عشرة دنانير, فإن كانت في الجنين والبعير والثمرة فَضْلةً عما دفع الزوج من الدنانير كانت الفضلة للزوج بالخلع فإن لم يكن في ذلك فضل لم يكن للزوج شيءٌ من ذلك وارتجع دنانيره منها.
قيل لابن المواز: فمتى تكون القيمة؟
قال: يوم يخرج الجنين, ويوجد العبد والبعير, وتُجد الثمرة.
قال الشيخ: وقول ابن المواز هذا على قياس قول ابن نافع في مسألة من صالح من مُوضِحَةٍ عمداً ومُوضِحَةٍ خطأً على شقص, لأن المرأة دفعت العبد عن معلومٍ ومجهولٍ وهو الدنانير والبَضْع, فجعل للدنانير من قيمة العبد قدرها, فإن فضلت فضلةً من قيمة العبد كانت للخلع, كما جعل في مسألة الموضحتين, فضلة قيمة الشقص على الخمسين دية موضحة الخطأ, وما فضل لموضحة العمد, فإن لم يكن في قيمة الشقص فضلة عن الخمسين لم يكن للعمد شيء, وأما على قياس
الجزء: 9 - الصفحة: 476
قول ابن القاسم فيكون في هذا المسألة نصف الآبق للعشرة دنانير فيفسح فيه البيع, وترد المرأة العشرة دنانير, ويكون نصفه الآخر للزوج لحق الخلع, وهذه المسألة في العتبية, وفي كتاب ابن سحنون زيادات يطول شرحها وهذا أحسن ذلك.
ومن المدونة: وإن خالعها على دراهم أرتها إياه فوجدها زُيْوفَاً فله البدل كالبيع, وإن كان على عبدٍ بعينه فاستُحِق رجع بقيمته كالنكاح به.
الجزء: 9 - الصفحة: 477
[الباب الثالث]
في نفقة الحامل المختلعة والمبتوتة والوكالة على الخلع
[فصل 1 - في نفقة الحامل المختلعة والمبتوتة]
قال الله تعالى في المطلقات: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] فأوجب الله تعالى السكنى لكل مطلقةٍ بائنةٍ بلا نفقة إلا أن تكون حاملاً فجعل لها السكنى والنفقة, وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم لفاطمة بنت قَيس وهي مبتوتةً ولا حمل بها: «لا نفقة لك».
قال مالك: فكل حاملٍ بانت من زوجها ببتاتٍ أو خُلعٍ, أو غيره وقد علم بحملها أم لا, فإن لم تتبرأ من نفقة حملها, فلها النفقة في الحمل والسكنى والكسوة, وليس لنفقتها حدٌ معلومٌ على غني, ولا مسكن في القرى ولا في المدائن لغلاء سِعْرٍ ولا لِرُخْصة, وذلك على قدر عُسره ويُسره, وإن اتسع أخدمها.
وإن مات قبل أن تضع حملها فقد انقطعت نفقتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 478
ابن وهب: وقاله جابر بن عبد الله وأبو أُمَامة بن سَهل بن حَنِيف وابن المسيب وابن يسار وغيرهم.
قال مالك: وإن بانت منه بما ذكرنا وهي غير حاملٍ فلا نفقة لها ولا كسوة, ولها السكنى في العدة, ولا رجعة له عليها, ولا يتوارثان, وإن كان طلاقه فيه رجعةً فلها النفقة والكسوة والسكنى كانت حاملاً أم لا, ويتوارثان ما تنقض العدة.
[فصل 2 - في الوكالة على الخلع]
قال مالك: ومن وكَّل من يصالح عنه زوجته لزمه صلح الوكيل في غيبته.
ابن القاسم: وإن وكَّل بذلك رجلين, فخالعها أحدهما, لم يجز إلا باجتماعهما جميعا, كما لو وكَّلهما على بيعٍ أو شراءٍ بخلاف رسُولَي الطلاق./
الجزء: 9 - الصفحة: 479
[الباب الرابع]
في خلع غير المدخول بها
قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة:229] فعم, فسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أو غير مدخولٍ بها فإنه يحل للزوج ما أخذ منها إذا كانت الإساءة من قِبَلِهَا.
قال ابن القاسم: فإن صالحته, أو بارءته على المتاركة, أو خالعته على أن أعطته عبداً أو مالاً وذلك قبل البناء فليس لها أخذه بنصف الصداق, وإن قبضته جميعه ردته, وقلنا ذلك في المتاركة بغير شيء, فإذا ردت كان أبعد أن ترجع بشيء وقاله مالك والليث.
ولو سألته الطلاق قبل البناء على عشرة دنانير من صداقها -ابن المواز عن مالك: أو خالعته عليها من صداقها- فإن لها نصف ما بقي بعد العشرة, قبضتها أو لم تقبضها.
قال ابن المواز عن مالك: وأما في الخلع المبهم فلا شيء لها من المهر, أعطته على الخلع شيئاً أو لم تعطه, قاله مالك وأصحابه وغيرهم في التي لم يدخل بها خلا أشهب فإنه جعل أن ترجع عليه بنصف صداقها ويكون له ما أعطته ما أعطته.
قال ابن القاسم: وأما المدخول بها فتصالحه على شيءٍ من مالها, فإن لها أن ترجع بمؤخر صداقها, بخلاف التي لم يبن بها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن قالت له قبل البناء: طلقني طلقةً على عشرة دنانير, ولم تقل: من صداقي, ففعل, غرمت العشرة دنانير التي شرطتها, لأنها اشترت بها طلاقها, وكان نصف صداقها, وكذلك إن قالت
الجزء: 9 - الصفحة: 480
له قبل البناء: طلقني طلقة بغير؛ فإنها تتبعة بنصف الصداق وإن لم ينقدها إياها.
-ابن المواز: وذلك بخلاف الخلع المبهم-.
ابن القاسم: ولا تخرج العشرة من المهر إلا أن يشترط ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق على عبدك هذا, فإن قبلت قبل التفرق وإلا فلا قبول لها بعد ذلك.
وإن قال لها: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالقً ثلاثاً؛ فذلك لها متى ما أعطته, وكذلك إن قال لها: أمركِ بيدكِ متى ما شئت, أو إلى أجل؛ فأمرها بيدها إلى ذلك الأجل إلا أن توقف قبلة فتقضي, أو ترد, أو توطأ طوعاً فيبطل ما بيدها ولا يكون لها أن تقضي بعد ذلك.
الجزء: 9 - الصفحة: 481
[الباب الخامس]
فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة أو خالع وشرط إن طلبت شيئا عادت له زوجة ونيته في طلاق الخلع ومن قال: أنت طالق طلاق الخلع
[فصل 1 - فيمن أعطى على أن يطلق ويشترط الرجعة]
قال النبي صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس رضي الله عنه حين خالع زوجته: «إنها واحدة».
ابن وهب: وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: هي طلقةً بائنةً إلا أن يسمَّى شيئاً فهو [على] ما سمَّى, وقاله عددً من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.
وقد أبطل الرسول صلى الله عليه وسلم كلَّ شرطٍ ليس في كتاب الله تعالى فكذلك ينبغي أن يبطل كل شرطٍ خلاف السنة.
قال ابن القاسم: فإن أعطته شيئاً على أن يطلق ويشترط الرجعة فشرطه باطلٌ والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مُبتدأٍ إلا أن شرطه لا يحيل سُنَّة الخلع, قاله مالك.
الجزء: 9 - الصفحة: 482
وروي عن مالك: أن له الرجعة, وقاله سحنون.
قال عبد الوهاب: ووجه ذلك: أن العوض يكون في مقابلة ما يسقط من عدد الطلاق دون زوال العصمة, لأنها لما أجابته إلى ذلك دل على أنها على هذا عاوضت.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: والخلع طلقةً بائنةً, سمَّي طلاقاً أو لم يسم, وتعتد عدة المطلقة وله أن ينكحها/ في عدتها إن تراضيا, لأن الماء ماؤه بوطءٍ صحيح إلا أن يتقدم له فيها طلاقٌ يكون بهذا ثلاثاً للحرة, واثنتين للعبد فلا تحل له إلا بعد زوج.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن خالع امرأته وهي حاملٌ فله هو دون غيره أن يتزوجها في هذا الحمل ما لم تثقُل فتصير كالمريضة فلا يجوز ذلك له ولا لغيره حتى تضع.
[فصل 2 - فيمن خالع وشرط إن طلبت شيئاً عادت له زوجة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها وشرط أنها إن طلبت شيئاً عادت له زوجة, فشرطه باطل, والخلع يلزمه ولا رجعة له إلا بنكاحٍ مبتدأٍ.
الجزء: 9 - الصفحة: 483
قال في كتاب ابن المواز: فإن ظنا أن ذلك يلزم فطلبته بذلك فعادت تحته بذلك ووطئها فليفارقها, وليس لها بإصابته إلا ما كان رده إليها يكون ذلك صداقها, كان أقل من صداق مثلها أو أكثر, ولا يتزوجها لأنه كالنكاح في عدة.
وقال محمد: هي حلالٌ له بعد الاستبراء, وإن كانت حاملاً فعد الوضع, وليس النكاح في عدة.
قال الشيخ: قال بعض علمائنا: يريد ما لم يكن ذلك أقل من ربع دينارٍ فلا بد أن يتم لها ربع دينار.
قال في كتاب ابن المواز: ولو أنها حملت منه فصالحها ثانيةً على شيءٍ آخر, أو على أن أبرأته من نفقة الحمل والرضاع كان الصلح الآخر باطلاً ويرد عليها ما كان أخذ منها وتكون عليه النفقة.
قال: ومن خالع زوجته, ثم نكحها في العدة, ثم طلقها قبل البناء والمسيس فهي تبني على عدتها ولها نصف الصداق بخلاف من ارتجع من طلاقٍ رجعيً ثم طلق قبل أن يمس فهذه تأتنف العدة.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لأن الرجعة تهدم العدة بخلاف النكاح المبتدأ.
قال الشيخ: والفرق بينهما: أن الزوجة في الطلاق الرجعي, أحكام الزوجية باقيةٌ بينهما, فإذا ارتجع عادت زوجة مدخولاً بها كما كانت قبل الطلاق فإذا طلق ثانيةً وجبت عليها العدة لهذه الطلقة, فإن كان بقي من العدة الأولى شيءً فهو داخلً في هذه العدة المؤتنفة, وإذا كانت الطلقة الأولى بائنة فهو لا يرتجعها إلا بنكاحٍ جديدٍ بصداقٍ وولي, فإذا طلق فيه قبل أن يمس فقد طلق قبل البناء فلا عدة عليها لهذا الطلاق الثاني فوجب أن تتم العدة للأول, وبالله التوفيق.
الجزء: 9 - الصفحة: 484
[فصل 3 - في النية في طلاق الخلع]
ومن المدونة: قال مالك: وإن خالعها واشترط رجعتها فالخلع ماضٍ ولا رجعة له.
قال ابن القاسم: وإن أخذ منها شيئاً وانقلبت وقالا: ذلك بذلك, ولم يسميا طلاقاً فهو طلاق الخلع, وإن سمَّيا طلاقاً لزم ما سمَّياه من الطلاق, وإن نوى بالخلع ثلاثاً أو اثنتين لزمته وإن لم يلفظ بها, وكذلك إن شرطت هي في الخلع أن تكون طالقاً تطليقتين فذلك يلزم.
قال مالك: وإذا لم يكن لها عليه مهرٌ ولا دينٌ فخالعها عل أن أعطاها شيئاً أو لم يعطها فذلك جائز ولا رجعة فيه وذلك خلعٌ, وقاله ابن القاسم.
وروى ابن وهب وابن القاسم عن مالك فيمن طلق امرأته وأعطاها: أن له الرجعة وليس بخلع, وروى عنه: أنها واحدةٌ بائنةٌ, وأكثر الرواة على أنها غير بائن, لأنه إنما تختلع بمال يأخذه منها, فلزمه بذلك سنة الخلع, وإذا لم يأخذ منها فليس بخلعٍ وهو رجلٌ طلَّق وأعطى.
قال ابن المواز: وإذا جرى ذلك بينهما بمعنى الخلع والصلح وإن لم يقولاه فهي واحدةٌ بائنة.
-قال الشيخ: كمن خالع على ما لا يصح تملُّكه كالخمر والخنزير-.
قال ابن المواز: وأنا إن لم يجر على ذلك فله الرجعة.
قال الشيخ: وكمن طلق بغير عوض.
الجزء: 9 - الصفحة: 485
[فصل 4 - فيمن قال: أنت طالق طلاق الخلع]
ومن المدونة: وقال غيره فيمن قال لمدخول بها: أنتِ طالقٌ طلاق الخلع, فهي ألبته, لأنها لا تكون واحدةً/ بائنة إلا بخلع.
ومن الواضحة: هذا قول ابن الماجشون.
وقال ابن القاسم في الذي قال لامرأته: أنت طالقً طلاق الخلع: إنها واحدةً بائنةً.
وقاله أصبغ في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع, أو كما طلق فلانً زوجته, وفلانً خالعها.
قال أصبغ: وإن كان فلانً إنما طلقها واحدةً قبل البناء فتلزم هذه طلقةً كما طلقت تلك طلقة, ولكن لا تبين بها, لأن عليها العدة وإنما بانت تلك إذ لا عدة عليها.
وقال مطرف: قوله: أنت طالقً طلاق الخلع, كقوله: أنت طالقً واحدةً لا رجعة لي عليك فيها, فهي واحدةً وله الرجعة, لأن الخلع والمباراة لا تكون إلا بشيءٍ يأخذه منها أو تضعه عنه, وما عدا ذلك فطلقةً رجعية, وذكر الخلع ساقطً بقوله: أنت طالقً واحدةً بائنةً.
قال ابن حبيب: وبقول ابن الماجشون أقول.
الجزء: 9 - الصفحة: 486
[الباب السادس]
في الخلع على أخذ الولد أو على نفقته أو على طرح سكناها
[فصل 1 - في الخلع على أخذ الولد]
قال مالك: وإذا خالعها على أن يكون الولد عنده, فالخلع جائز, وله شرطه إلا أن يضر ذلك بالصبي ويُحَاف عليه إن نُزِعَ منها, مثل أن يكون يرضع وقد عَلِقَ فلا سبيل له إليه.
قال ابن القاسم: وإذا خرج الصبي من حدِّ الاضرار به والخوف عليه كان له أخذه منها حينئذٍ بشرطه.
قال ابن الماجشون: إن كان الولد صغيراً ألزمه الخلع ولها أن ترجع في ولدها فتأخذه ولا يلزمها الشرط, لأن الحضانة حقً للولد فليس للأم قطعها, وهذا لا اختلاف فيه عندنا.
وذكر عن أبي عمران في قول ابن القاسم إن ذلك جائزً إذا لم يضر ذلك بالولد, هل ذلك له فيمن ليس له جَدَّة, أو يتم ذلك له ولا حق للجدة فيه؟
فقال: القياس أن لا يسقط حق الجدة مثل ما إذا خالعها أو طلقها وتركت حقها في الولد من غير شرطٍ أن الجدة أولى به.
الجزء: 9 - الصفحة: 487
[فصل 2 - في الخلع على نفقة الولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالعها على أن ترضع ولده وتنفق عليه ما دام في الحولين جاز ذلك, وإن ماتت كان الرضاع والنفقة في مالها, وإن مات الولد قبل الحولين فلا شيء للزوج عليها.
قال مالك: ولم أَرَ أحداً طلب ذلك.
ابن المواز: كمن صالح على إسقاط نفقة الحمل فأسقطت سَقْطَاً فلا تُتَبع.
قال عبد الملك: لأنها على ذلك ضمنت, ورواه أشهب عن مالك, وروى أبو الفرج أن قول مالك أنه يتبعها في موت الصبي.
قال مالك: إن عجزت هي عن نفقة الولد رجعت النفقة على الأب ويتبعها بها, وقاله أشهب وعبد الملك وابين القاسم, وقال أيضاً ابن القاسم: لا يتبعها, وقاله أصبغ.
ومن المدونة: قال مالك: وإن شرط عليها نفقة الولد بعد الحولين أمداً سمياه تم الخلع ولزمها نفقة الولد في الحولين فقط, ولا يلزمها ما ناف على الحولين.
قال ابن القاسم: وكذلك إن شرط عليها الزوج نفقة نفسه سنة أو سنتين تم الخلع, ولم يلزمها من نفقة الزوج شيء.
الجزء: 9 - الصفحة: 488
وقال المخزومي: يلزمها نفقة الزوج ونفقة الولد بعد الحولين كالخلع بالغرر وقاله سحنون.
قال الشيخ: وهو الصواب, وقد احتُجَّ لقول ابن القاسم احتجاجً ضعيفً فتركتُه.
[فصل 3 - في الخلع على ألا سكنى لها]
قال ابن القاسم: وإن خالعها على ألاَّ سكنى لها عليه, فإن أراد إلزامها كراء المسكن جاز ذلك/ إن كان المسكن لغيره, أو كان له وسمَّى الكراء, وإن كان على أن تخرج من مسكنه تم الخلع ولم تخرج, ولا كراء له عليها.
الجزء: 9 - الصفحة: 489
[الباب السابع]
في الخلع على دين مؤجل أو سلف أو خمر أو حلال وحرام
[فصل 1 - في الخلع على دينٍ مؤجل أو سلف]
ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عمَّا جرَّ نفعاً من السَّلف.
قال مالك: وإذا كان لأحد الزوجين على الآخر دينً مؤجلً فخالعها على تعجيله قبل محله جاز الخلع ورد الدين إلى أجله.
قال غيره: وإن كان الدين عليه وهو عينً [مما] له تعجيله قبل محله فذلك جائزً وليس بخلع, وهو كرجلٍ طلق وأعطى فهي طلقةً واحدةً وله الرجعة عنده, وإن كان الدين عرضاً أو طعاماً من بيعٍ مما لا يجوز للزوج تعجيله إلا برضى المرأة ولا تستطيع المرأة قبضه إلا برضى الزوج فهذا يكون بتعجيله خلعاً ولا رجعة له, ويرد الدين إلى أجله, لأنه إنما طلق على أن تحط عنه الضمان الذي كان عليه إلى أجل, وإنما طلاقه إياها على أن يعجَّل لها ذلك, كما لو زادها دراهم أو عرضاً سواه على أن يعجل لها ذلك لم يجز, وكان حراماً, ورد الدين إلى أجله, وأخذ منها ما أعطاها, وكما لو طلقها على إن أسلفته سلفاً لزمه الطلاق, ورد السلف لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عما جرَّ نفعاً من السلف.
الجزء: 9 - الصفحة: 490
قال بعض فقهائنا: إذا كان لها الدين عيناً, فخالعها على تعجيله, فهو رجلً طلق وأعطى كما قال غيره, ولا يدخل هاهنا سلفً جرَّ منفعةً لسقوط النفقة عنه في العدة, لأنه له أن يخالعها من نفسه بلا مال, أو يقول لها: أنت طالق طلاق الخلع؛ فتكون طلقة تملك بها نفسها ولا نفقة لها فيثبت بذلك أنها ما أسقطت عنه ما لا يقدر على إسقاطه؛ هذا على قول ابن القاسم الذي يرى أن الخلع من غير أن تدفع المرأة, وأما على قول غيره الذي يرى أن الخلع إنما يكون بشيء تدفعه المرأة فتدخله علة إسقاط النفقة لتعجيل دينها فيدخله سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولًا بها.
قال: ورأيت لابن الكاتب أنه قال: وجه قول مالك في تعجيل ما على الزوج من العين أنه سلفٌ جرَّ منفعةً إذا كانت مدخولاً بها, لأنه لو لم يخالعها على هذا كانت طلقة غير بائنة, ولزمته النفقة في العدة, فتعجيله الدين سلفً جرَّ منفعةً وهي إسقاط النفقة, يوضَّح ذلك أنه إنما تكون طلقةً بائنةً إذا جرى ذلك بينهما على وجه المباراة, إذ لو طلقها هو من غير أن تجري لها في ذلك أمرً لم تكن طلقةً بائنةً بإجماعهم وإن أعطاها في ذلك مالاً, وإنما اختلف قول مالك إذا أعطى وطلق فيما جرى منهما جميعاً على جهة المباراة, فلما كانت البينونة لا تصح إلا برضاهما كانت كأنها لم ترض له بإسقاط نفقة عدتها إلا باستعجال دينها.
ومن كتاب ابن المواز وكتاب ابن سحنون: إذا صالحها على أن عجَّلت له بعض دينه وأسقط عنها البعض بطل التعجيل والوضيعة, وتمَّ الفراق, لأنه إنما فارق ووضع على أن تُعجِّل وذلك حرامٌ كله.
الجزء: 9 - الصفحة: 491
قال مالك: وإن كان الدين عليه فصالحها على أن يعجَّل لها بعض دينها ووضعت عنه بقيته؛ فالوضعية نافذة, وترد إليه ما عجَّل لها لتأخذه منه إذا حل أجله.
قال الشيخ: كمن خالع على حلالٍ وهي الوضيعة وحرامٍ وهو التعجيل فيُرد الحرام ويمضي الحلال, وهو نحو ما قدمناه لابن المواز.
قال ابن القاسم: وكذلك إن صالحها على إن أخرته بدينٍ لها عليه إلى أجلٍ فالخلع جائز ولها أخذه/ بالمال حالا.
قال ابن القاسم: وكل ما رددنا من مثل هذا أو أجزنا الخلع فيه لم يرجع عليها الزوج بصداق المثل ولا غيره.
قال ابن المواز: إذا صالحها على أن عجَّل لها دينها, فإن لم يكن في ذلك وضيعة, ولا جرَّ نفعاً, فذلك جائزً, وكذلك إن أخرها بدينٍ له عليها ولا نفع له في ذلك, وإن حطته بعض دينها وعجَّل لها بعضه, أو أخرته به, فالحطيطة ماضيةً في الخلع, ويرد ما عجل لها ويبطل التأخير.
قال الشيخ: كمن خالع زوجته على حلالٍ وحرامٍ فإنه يجوز منه الحلال ويبطل الحرام.
قال ابن المواز: وإن تزوجت على عشرةٍ نقداً وعشرين إلى أجلٍ فصالحته قبل أن ينقدها شيئاً, وقبل البناء بها على العشرة النقد وطرحت ما بقي, فالطلاق ماضٍ وترد خمسةً وتبقى عليه الأجل ثم تأخذها منه.
الجزء: 9 - الصفحة: 492
قال الشيخ: لأن الواجب لها بالطلاق نصف صداقها وهو خمسةً نقداً أو عشرةً إلى أجل فقد أعطاها الآن الخمسة النقد, وعجَّل لها خمسةً من العشرة المؤجلة على إن حطته الخمسة الأحرى فألزمناها الحطيطة للخلع ورددنا الخمسة إلى أجلها لأنها من ضَعْ وتَعَجَّل.
قال ابن المواز: وإن كان على ستةٍ ردت ديناراً يبقى لها إلى أجله, وأما على خمسة عشر فهي لها, ولا ترد شيئاً, إذ ليس في ذلك وضيعة شيء.
[فصل 2 - في الخلع على الخمر]
ومم المدونة: قال ابن القاسم: وإن خالعها على خمرٍ تم الخلع ولا شيء له, وإن قبضها أُهرِيْقَت عليه.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: يرجع عليها بصداق المثل, ودليلنا: أنه لما رضي أن يعتاض مالا يصح تملُّكه كان راضياً بسقوط العوض فلم يجب له بدل ولأنه معنىً يصح أن يوقع بغير بدل, ويفوت بنفس وقوعه, فإذا أوقعه بما لا يصح تملُّكه كان كمن أوقعه بغير شيء.
وقال أبو حنيفة: تكون طلقةً رجعيةً, ودليلنا عليه: أنه طلاقً أوقعه على وجه الخلع فكان بائناً كما لو صح العوض.
الجزء: 9 - الصفحة: 493
قال الشيخ: قيل في قول ابن القاسم: فإن تخلَّلت الخمر بيد الزوج فإنها له لأنها قد عادت حلالاً, وسواءٌ كانت الزوجة مسلمةً أو نصرانيةً.
[فصل 3 - في الخلع على حلالٍ وحرام]
ومن المدونة: وإن خالعها على حلالٍ وحرامٍ جاز منه الحلال وبطل الحرام كمالٍ وخمر.
وفي الباب الأول من الخلع تفسير الخلع والمباراة والفدية وأن ذلك كله طلقةً بائنة.
الجزء: 9 - الصفحة: 494
[الباب الثامن]
فيمن قالت لزوجها: خالعني بكذا أو قال له ذلك أجنبي وكيف إن وجدت عديمة أو أتبع الخلع طلاقاً والخلع يقع بعد بتات طلاق أو فساد نكاح أو عيب والدعوى في الخلع
[فصل 1 - فيمن قالت لزوجها: خالعني,
وكيف إن وجدت عديمة]
قال مالك: وإن قالت له: خالعني أو بارني, أو طلقني على ألف درهم أو بألف درهم, فهو سواء, وإن أصابها عديمة جاز الخلع واتبعها بالدراهم, وإنما ذلك إذا صالحها بكذا وكذا, أو ثبت الصلح ورضي بالذي تعطيه يتبعها به.
قال ابن القاسم: وأما أن يكون إنما صالحها على أنها أن أعطته الألف تم الصلح فلا يلزمه الصلح إلا بدفع.
قال في كتاب ابن المواز: أو يقول: على أن تعطيني الساعة, أو أخالعك على أن تعطيني, فلم تعطه فهذا لا يلزمه الصلح.
ومن المدونة: وإن قالت له: يعني طلاقي بألف درهم, ففعل جاز ذلك.
قال مالك: وإن قالت له: خالعني ولك ألف درهم, فقال لها: قد خالعتك, لزمتها الألف, وإن لم تقل بعد قولها الأول شيئاً, وإن قال له رجل: طلق امرأتك ولك ألف درهم, ففعل لزم ذلك الرجل الألف.
الجزء: 9 - الصفحة: 495
فصل [2 - فيمن أتبع الخلع طلاقا]
قال مالك:/ وإذا أُتِبع الخلع طلاقاً من غير صُمَاتٍ نسقاً لزم ذلك, وإن كان بين ذلك صُمَاتً أو كلامٌ يكون قطعاً لذلك لم يلزم الطلاق الثاني.
ابن وهب: وقد قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: الخلع مع الطلاق اثنتان, وقال ابن أبي سلمة: إذا لم يكن بينهما صمات, ومن فعل ذلك فقد أخطأ السنة, وإنما الخلع واحدةً إذا لم يسمِّ طلاقاً.
فصل [3 - في الخلع يقع بعد بتات طلاق
أو فساد نكاح, أو عيب]
قال ابن القاسم: وإن خالعها على شيءٍ ثم تبيَّن أنه قد أبتَّها قبل ذلك أو حلف بطلاقها ألبتة أن لا يخالعها, أو أنه نكحها وهو محرِمً, أو أنها أخته من الرضاعة, أو مما لا يقرَّان عليه, أو انكشف أن بالزوج جنوناً أو جُذَاماً فالخلع في ذلك كله ماضٍ وترجع عليه بما أخذ منها, لأنها كانت أملك بفراقه, وفراقها إياه من أجل الجنون والجذام فسخَ بطلاق.
قال الشيخ: وذكر عن بعض فقهائنا القرويين: إن قيل ما الفرق بين أن يخالعها على مالٍ ثم يظهر أنها مطلقة, أو كاتب عبده ويتأدى منه ثم يظهر أنه كان أعتقه وهو منكِرً في الوجهين فألزمه أن يرد في الخلع ولم يلزمه أن يرد في الكتابة؟ فالفرق: أن للسيد أن يستسحي عبده وينتزع ماله ولا يزيل ملكه عنه إلا
الجزء: 9 - الصفحة: 496
الحكم عليه, والزوجة ليس له سبيلً إلى مالها وهو كأجنبيً فلا يصل إليه إلا بحق, فإذا ثبت طلاقه قبل ذلك فقد أخذه بغير حقٍ فافترقا.
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق واحدةً إن صالحتك, ثم صالحها قال: لا ترجع بشيءٍ وهو كمن قال لعبده: إن قاطعتك قبل السنة فأنت حر, ثم قاطعه فلا يرجع عليه بشيء.
قال عيسى: لأنه لما حنث بطلاقه كانت له الرجعة, وصارت عطية المرأة فيما قطعت عنه ماله من الرجعة, وكذلك عطية العبد فيما تعجل من العتق قبل السنة.
ولو قال: إن صالحتك فأنت طالقٌ ألبته, ثم فعل؛ فهذا يرد ما أخذ, وكذلك في العبد إذا لم يقل إلى سنة, فهو يرد ما أخذ إذا قاطعه.
وإن انكشف بعد الخلع أن بها جنوناً أو جُذاماً أو بَرَصَاً كان له ما أخذ منها وتم الخلع لأن له أن يقيم, ولو تركها أيضاً بغير خلعٍ كان فسخاً بطلاق.
وقال في كتاب النكاح الثاني: وإن ثبت أنه نكح بغررٍ أو بغير وليًّ فاختلعت قبل البناء بمال فذلك ماضٍ وله ما أخذ.
قال سحنون: هذه ترد إلى ما في كتاب الخلع أنه يرد ما أخذ منها.
الجزء: 9 - الصفحة: 497
قال ابن المواز: وليس له رجوع بالصداق على من غرَّه كعيبٍ ذهب.
قال ابن المواز: وإنما لا يرد ما أخذ فيما لأحدهما المقام عليه.
قال الشيخ: فيصير هذا قولاً ثالثاً, لأنه إذا وجدت بالزوج جنوناً أو جُذامَاً فللزوجة الرضى بذلك, فإذا خالعته على شيءٍ دفعته إليه ثم اطلعت على الجنون أو نحوه لم يكن لها أن ترجع عليه بشيءٍ خلاف قول ابن القاسم, وإن تزوج بغررٍ أو بغير ولي, ثم خالعها قبل البناء فإنه يرد ما أخذ منها كما ذهب إليه سحنون.
قال الشيخ: وما قاله سحنون أبينها, والله أعلم.
[فصل 4 - في الدعوى في الخلع]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قالت له امرأته: إنك كنت طلقتني أمس على ألف درهم وقد قبلت, وقال الزوج: كان ذلك ولم تقبلني؛ فالقول قولها.
وكذلك قال مالك في الذي ملك امرأته ثم خرج, فلما رجع ليدخل عليها أغلقت الباب دونه وقالت: كنت قد ملَّكتني فقد اخترت نفسي, وقال الزوج: لم تختاري؛ إن القول قولها, واختُلف فيها في المدينة, ومن قول مالك يومئذ: لا يقضي في التمليك إلا في المجلس.
قال بعض شيوخنا: ولا يمين عليها في ذلك, إلا إذ لو نكلت عن اليمين لم ترد إليه وإنما تحلف إذا تداعوا فيما وقع به الخلع, لأنها إذا نكلت حلف هو وغرمت له.
الجزء: 9 - الصفحة: 498
وقوله في الكتاب: ومن قول مالك يومئذ أنه لا يقضي في التمليك إلا في المجلس, إنما ذكر هذا لئلا يَتَوهَّمً/ مُتَوهَّمً أنه إنما كان القول قولها؛ لأنها إذا لم تكن قضت فقولها الساعة قضاءً على قول مالك أن لها أن تقضي وإن افترقا من المجلس.
قال ابن القاسم: وإذا قال لزوجته: خالعتيني على هذا العبد, فقالت المرأة: بل على هذا الثوب؛ فالقول قولها, وتحلف إلا أن يأتي الزوج ببينة, لأن مالكاً قال فيمن صالح زوجته على شيء فيما بينهما, فلما أتى ببينةٍ ليشهد عليها جحدت المرأة أن تكون أعطته شيئاً على ذلك: إن الخلع ثابت ولا يلزمها إلا اليمين, ولو جاء الزوج بشاهدٍ على ما يدعي حلف معه واستحق.
قال الشيخ: إن قيل: إن ادعى الزوج أن زوجته خالعته على شيءٍ فأنكرت فأحلفها وألزمته الخلع, هل للزوجة نفقة لأنها تقول: إنما أقررت بالخلع لتسقط نفقتي في العدة؟
فالجواب: عن ذلك: أنها إن أقرت له بالمخالعة لكنها قالت: إنما كانت على غير شيء؛ فلا نفقة لها, لأنها واحدة بائنة باتفاق, وإن أنكرت الخلع أصلاً فيجب على قول ابن القاسم في قوله: أنت طالقٌ طلاق الخلع ألاَّ نفقة لها لأنها واحدة بائنة, وكذلك على قول من يرى أنها ألبته, وأما على قول من يرى
الجزء: 9 - الصفحة: 499
أنها واحدة رجعية فلها النفقة, وتكون واحدةٌ بائنة, لأنه مقرٌ أنه خالعها على مالٍ وهي تقول: إنما أراد بدعواه ذلك أن يسقط عن نفسه نفقة العدة, ولا ينفعك قولك: إنكِ خالعتيني, على قول من يرى أنها واحدةً رجعية.
ومن العتبية: قال أصبغ: وإذا أقام بينةً أنها صالحته على عبدها فأنكرت, وأقامت بينةً أنها صالحته على عشرة دنانير, وكل بينةٍ تقول: إنها كانت لفظةً واحدةً ومجلِساً واحداً, فالبينتان تسقط, والصلح ماض, وليس له إلا العشرة إن شاء, وكذلك إن ادعى أنه صالحها بالأمرين جميعاً.
قال سحنون عن ابن القاسم: وإذا صالحته على عبدٍ غائبٍ فمات أو وَجَد به عيباً فقالت: كان ذلك به بعد الصلح, وقال هو: قبل الصلح, فالمرأة مدعية, وعليها البينة, وإن ثبت أنه مات بعد الصلح فلا عُهدة فيه بخلاف البيع.
الجزء: 9 - الصفحة: 500
[الباب التاسع]
في خلع الأب والوصي والسيد والأمة وأم الولد والمكاتبة
[فصل 1 - في خلع الأب والوصي]
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة:237].
قال مالك: وهو الأب في ابنته البكر والسيد في أمته.
قال مالك: ويجوز للأب أو الوصي المباراة على الصغير على النظر والحظَّ فيما يأخذ له, كما يُنكِحُه نَظَرا.
قال ابن القاسم وغيره: ألا ترى أنهما ينكحانه وهو كاره, لما يريان له من الحظ في النكاح من المرأة الموسرة, فكذلك يطلقان عليه بالمال وشبهه, ولا يلزم الصبي أن يطلَّقا عليه على غير الخلع وأخذ المال.
قال ابن القاسم: وإن لم يكن للطفل اليتيم وصيَّ فأقام له القاضي خليفةً كان كالوصي في جميع أموره ولو كان الأب هو الذي عقد نكاح ولده, ثم مات الأب والابن صغير, فصالح الوصي عنه امرأته, جاز ذلك على الصبي, وتلزم الصبي طلقةً بائنةً في مباراة أبيه أو وصية, فإن تزوجها بعد بلوغه أو قبله, ثم
الجزء: 9 - الصفحة: 501
طلقها بعد بلوغه أو قبله طلقتين, لم تحل له إلا بعد زوج.
فصل [2 - في خلع السيد]
وإذا زوج الوصي يتيمةً وهو بالغٌ سفيهٌ بأمره أو زوج السيد عبده البالغ بغير أمره فذلك جائزٌ عليه, أو زوج ابنه أو يتيمة قبل البلوغ ثم بلغ سفيهاً لم تجز المباراة على أحدٍ من هؤلاء بغير إذنه لأنه ممن يلزمه طلاقه/ إن طلق, ولا يُكرهون على الطلاق.
وقال أبو محمد: وروى عيسى عن ابن القاسم في العتبية أنه يباري عن السفيه ويزوجه بغير أمره.
وقد تقدم في كتاب النكاح الأول الاختلاف في إكراهه على النكاح من كلام ابن حبيب
ومن كتاب الخلع: قال ابن القاسم: وإذا زوج السيد عبده الصغير لم يطلق عليه إلا بشيء يأخذه له.
وروى ابن نافع عن مالك, فيمن زوج وَصِيْفَه مِنْ وَصِيْفَتِهِ ولم يبلغا, أنه جائز, فإن فرق السيد بينهما على وجه النظر والاجتهاد, جاز ذلك ما لم يبلغا.
قال ابن نافع: لا يجوز من ذلك إلا ما كان على وجه الخلع.
الجزء: 9 - الصفحة: 502
قال مالك: وللأب أن يخالع على ابنته الصغيرة, وإن كان على إسقاط جميع المهر, فذلك جائزً عليها, وليس لوصيً أو غيره أن يخالعها من زوجها, بخلاف مباراة الوصي عن يتيمه, والفرق بينهما: أن الوصي يزوج يتمه ولا يستأمره ولا يزوج يتيمته إلا بإذنها بعد بلوغها, فكذلك يباري عن يتمه ولا يباري عن يتميته إلا برضاها.
وروى ابن نافع في صغيرةٍ زوَّجها أبوها أن للخليفة أن يباري عنها على وجه النظر, ويلزمها ذلك إذا كبرت, فأنكره سحنون وأسقطه, ولم يقرأه عند السماع,
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي لم تبلغ المحيض وقد بنى بها الزوج فصالحته على مالٍ أعطته فذلك نافذ, وله ما أخذ إن كان ما [أعطته] يصالح به مثلها.
وقال أبو بكر بن اللبَّاد: المعروف من قول أصحابنا أن المال مردودً والخلع ماض.
وقال سحنون في اليتيمة البالغة تفتدي من زوجها قبل البناء: فذلك جائز, وله ما أخذ, ولا رجوع لها فيه.
قال في كتاب ابنه: ومَنْ يُجزْه لم أُعَتَّقْه فيما اختار.
الجزء: 9 - الصفحة: 503
وقال أصبغ: لا يجوز مباراة الصغيرة غير البالغ أو السفيهة, وكذلك بعد موت أبيها قبل البناء؛ ويرد ما أخذ منها, ويمضي الفراق ولو أخذ الزوج حميلاً بما يدركه في نصف الصداق الذي بارأته به فغرمه؛ رجع به على الحميل كالتي يباري عنها أبً أو أخً بغير علمها, إلا أن هذه يرجع فيها الزوج بما ودى فيأخذه ممن يباري عنها, ولا يرجع في مباراة الصبية الحميل بما غرمه للزوج على أحد.
[فصل 3 - في خلع الأب على ابنته بعد البناء]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا خالع الأب على ابنته الثيب بعد البناء وهي بالغً على أن ضمن للزوج الصداق فلم ترض الابنة بطلب الأب؛ أخذت به الزوج ورجع به الزوج على الأب, وكذلك الأخ في هذا بمنزلة الأب, -قال ابن القاسم: وكذلك الأجنبي- وإن خالعها الأب بعد البناء وقبل بلوغها على أن تترك لزوجها جميع المهر جاز ذلك عليها, ثم لأبيها إذا رجعت إليه قبل البلوغ أن يزوجها كما يزوج البكر, ويجوز إذنه عليها.
قال ابن القاسم وأشهب: وذلك ما لم تحض.
وقال سحنون: يزوجها وإن حاضت.
قال الشيخ: وقد تقدم إيعاب هذا وشرحه في كتاب النكاح.
الجزء: 9 - الصفحة: 504
فصل [4 - في خلع الأمة]
قال مالك: ولا تختلع أمةً ولا أم ولد من زوجٍ بمالٍ إلا بإذن السيد, فإن فعلا بغير إذنه كان له رد العطية ولزم الزوج الصلح, ويرد ما أخذ, ولا يتبع به الأمة إن عتقت, وأكره أن يزوج الرجل أم ولده, فإن جهل وفعل لم يفسخ إلا أن يكون أمرًا بيناً من الضرر بها فيفسخ, وقد تقدم هذا في كتاب النكاح.
[فصل 5 - فيما تبذله المكاتبة في الخلع]
ويجوز ما خالعت به المكاتبة, أو وهبت من مالها بإذن السيد.
سحنون: وذلك في الشيء اليسير التافه, وأما ماله القدر فلا, لأن ذلك داعيةً إلى عجزها.
الجزء: 9 - الصفحة: 505
[الباب العاشر]
في الخلع في المرض
قال مالك: ومن خالع زوجته في مرضه جاز له ما أخذ منها, فإن مات في مرضه ذلك ورثته, وإن ماتت هي لم يرثها.
قال/ أبو عمران: وترث المرأة من المال الذي أعطته, ومثله لابن المواز.
قال مالك: وكذلك إن ملَّكها في مرضه, أو خيرها فاختارت نفسها, أو طلقها طلاقاً بائناً في مرضه بأي وجهٍ كان فإنه لا يرثها إن ماتت, وهي ترثه إن مات من ذلك المرض, لأن الطلاق جاء من قِبَلِه.
قال مالك: وإن اختلعت منه في مرضها وهو صحيحً بجميع مالها لم يجز ولا يرثها.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إذا اختلعت منه على أكثر من ميراثه فله قدر ميراثه, وأما على قدر ميراثه منها فأقل فذلك جائزً ولا يتوارثان.
وقال ابن نافع: إذا خالعها على أكثر من ميراثه لزمه الطلاق ولا يجوز له من ذلك إلا قدر ميراثه مثل ما فسَّر ابن القاسم.
قال ابن نافع عن مالك: ويوقف المال حتى تصح أو تموت.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك حتى تصح في المريض يخالع امرأته: فذلك جائزٌ وله ما أخذ منها وترثه -مما أخذ منها ومن غيره -.
الجزء: 9 - الصفحة: 506
قال مالك: وإن كانت هي المريضة لم يجز الخلع.
ابن المواز: ولمالك قول آخر أبين من هذا, وروى عنه ابن عبد الحكم أنه يكون له منه خلع مثلها ويرد ما بقي.
ابن المواز: وثم جواب أحسن من هذا, إذ لا تهمة فيه وهو قول ابن القاسم إن ماتت من ذلك المرض فله ميراثه منها, وقال أصبغ.
وقال: يوقف ذلك ولا يمكن منه, فإن صحت أخذه, وإن ماتت أخذ منه قدر ميراثه من التركة يوم ماتت لا يوم الصلح, وإن كان أقل من ميراثه فله الأقل, ولا تحسب عليها ما أنفقت على نفسها في مصالحها.
ابن المواز: ولا ما تلف, ويُحسب ما صالحته به من التركة, وليس لها تعمد تلف مالها من غير مصلحة, وإن أوصت بشيء فذلك في ثلث بقية تركتها بعد عزل ما صالحوا به, ثم يضاف ذلك إلى ما بقي بعد الوصايا فيأخذ قدر ميراثه منه إلا أن يكون ما صالح به أقل فيأخذ الأقل.
ومن العتبية: روى يحيى بن يحي عن ابن القاسم: قال مالك: إنما ينظر؛ فإن كان قدر ميراثه منها قدر الصلح أو أقل نفذ ذلك للزوج, ولا تبالي كان أكثر من ميراثه منها يوم الموت أو أقل, هلك مالها أو بعضه قبل أن تموت؛ أو بقي ولا شيء للورثة عليه, وقد انقطع الأمر بينهم يوم وقوع الصلح, وكأنه حكم مضى بأمر جائز, ولأن الذي أخذ الزوج لو هلك لم يرجع على الورثة بشيء من قيمته, ومصالحتها بالذي أعطته كبيع من البيوع.
الجزء: 9 - الصفحة: 507
[الباب الحادي عشر]
فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى أو حنت في يمين بطلاقها وجامع مسائله منه
[فصل 1 - فيمن خالع ثم ظاهر أو آلى]
قال ابن القاسم: ومن صالح امرأته ثم ظاهر منها في عدتها أو آلى منها لزمه الإيلاء ولم يلزمه الظهار, إلا أن يقول: إن تزوجتك, أو يُجري قبل ذلك من الكلام ما يدل عليه, فيلزمه الظهار إن تزوجها, لأن مالكاً قال فيمن خالع إحدى امرأتيه فقالت له الأخرى: ستراجعها؟ فقال: هي طالقً أبداً, ولا نية له, قال: فإن تزوجها طلقت عليه مرةً واحدة, وكان مخاطباً؛ لأن مالكاً جعله جواباً لكلام امرأته.
وفي غير المدونة: من قال لامرأته: أنت طالقً أبداً, إنها ثلاث.
قال الشيخ: وحكى عن بعض القرويين: أن هذا ليس بخلافٍ لما في المدونة وأن معنى مسألة المدونة: أنه إنما وقع له التأبيد على الرجعة, كأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: إن راجعتها أبداً فهي طالقً, فلذلك لزمه طلقةً, وصوَّب هذا القول بعض أصحابنا.
قال الشيخ: وظاهر المدونة خلاف ذلك, وأنه إنما وقع التأبيد على الطلاق/ لأنه لما قالت له امرأته: ستراجعها؟ قال: هي طالقً أبداً, يريد إن راجعتها, فعلة هذا التأويل يصير في قوله: أنت طالقً أبداً, قولان؛ قولٌ: إنه واحدةً, وقولٌ: إنه ثلاثٌ.
والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 508
[فصل 2 - فيمن حنث في يمين بطلاق زوجته]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق, فصالحها ثم دخلتها بعد الصلح, لم يلزمه طلاق.
قال مالك: وإن قال لها: إن لم أقضِ فلاناً حقه إلى وقت كذا فأنت طالق ثلاثاً, فلما جاء الوقت وخاف الحنث صالحها فراراً من أن يقع عليه الطلاق فبئس ما صنع, ولا يعجبني أن يفعل ذلك, فإن فعل لم يحنث إن لم يقض فلاناً حقه, لأن الوقت مضى وليست بامرأة.
قال ابن القاسم: ولو تزوجها بعد الوقت لم يحنث, قضى فلاناً حقه أم لا, وإن صالحها بدراهم أو طعامٍ أو عرضٍ موصوفٍ إل أجل جاز, وله أن يأخذ بذلك رهناً أو كفيلاً, ولا يبيع الطعام قبل قبضه, لأنه محمل البيع, وإن صالحها على دينٍ فباعه منها بعرضٍ إلى أجل, أو صالحها على عرضٍ موصوفٍ إلى أجلٍ فباعه منها بدينٍ إلى أجلٍ لم يجز, لأنه دينً بدين, ويرجع فيكون له الدين الأول, وإن صالحها على عبدٍ بعينه على ألا يقبضه إلا إلى أجل من الآجال فهو حالً, والخلع جائزٌ, والأجل فيه باطل.
قال سليمان: قال سحنون: الخلع جائزٌ, والعبد إلى أجله كما إذا خالعته بجنينٍ في بطن أمه فلا يكون له إلا إذا خرج.
الجزء: 9 - الصفحة: 509
قال الشيخ: والفرق عند ابن القاسم بين العبد المعين وبين الجنين والعبد الآبق والثمرة التي لم يبد صلاحها: أنه في هذه الأشياء لا يقدر الآن على قبضها وإزالة الغرر فيها فَعُذِرَ بإجازة ذلك في الخلع, لأن له أن يخالعها بغير عوضٍ فكأنه في الغرر خالعها بغير شيء, وأما العبد المعين, فهما قادران على قبضه, فترك ذلك تعمداً غررً دخلا فيه من غير عُذرٍ, فلذلك مُنِع, وإجازة ذلك في الخلع -كما قال سحنون- أبين, والله أعلم.
الجزء: 9 - الصفحة: 510
[الباب الثاني عشر]
جمع القول في حضانة الولد
[فصل 1 - في حضانة الأم لولدها]
روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى للأم بالحضانة على الأب وقال لها: «أنتِ أحقُ به ما لم تنكحي» , وقضى به أبو بكر وعمر رضي الله عنهما, وقضى أبو بكر على عمر أن أُمَّ الأم إذا نكحت الأمُّ أحقُ منه في حضانة ولده, وكانت كل مَنْ هي أقرب رَحماً بالأم من النساء فذلك لها بعد الأم, ولأن المراعاة في ذلك حفظ الولد والإشفاق عليه والقيام بمصالحه ومراعاة أموره؛ والأم أقوم بذلك من الأب ومن كل أحد.
واختُلف عن مالك هل هذا حقً للأم أم للولد عليها؟
فإذا قلنا: إنه حقً للأم فلقوله صلى الله عليه وسلم: «أنتِ أحقُ له ما لم تنكحي» , ولأنها يلحقها ضررٌ بالتفرقة بينها وبين ولدها مع كونها أحَنَّ عليه وأرفق به.
وإذا قلنا: أنه حقٌ للولد, فلأن الغرض حفظ الصبي ومراعاته ومصلحته
الجزء: 9 - الصفحة: 511
دون مراعاة الأم, ألا ترى أنه يؤخذ منها إذا تزوجت وإن لحقها الضرر بأخذه, وكذلك إذا غاب الولد غيبة استقرار.
ومن المدونة: قال مالك: ويُترك الغلام في حضانة الأم حتى يحتلم ثم يذهب حيث شاء, وللأب أن يتعاهد عند أمِّهم ويؤدبهم ويبعثهم إلى الكُتَّاب, ولا يبيتون إلا عندها إلا أن تتزوج الأم والولد صغير يرضع أو فوق ذلك فإنه ينزع منها إذا دخل بها زوجها لا قبل ذلك, ثم لا يرد إليها إذا طلقت أو مات زوجها, ولا حق لها فيه إذا سلمته مرة.
وقال عبد الوهاب: يرد إليها لزوال المانع.
قال الشيخ: وما في المدونة أصوب كزوال نفقته عن الأب بالبلوغ ثم إن مرض لم ترجع إليه, وكالثيب ترجع إليه بعد أن دخل بها/ زوجها, لأن الحضانة والنفقة إذا سقطت مرة لم تعد, وإنما تجب باستصحاب الوجوب, وقد قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا تزوجت الأم أو الجدة فلم يؤخذ الولد منها حتى فارقها الزوج فلا ينزع منهما بخلاف أن لو أخذ منهما.
قال مالك: ولو ردتهم استقالاً من غير نكاحٍ ثم بدا لها فليس لها أخذهم إلا أن تأتي بعُذرٍ له وجهٌ.
قال في رواية أشهب: مثل أن تكون مَرِضت أو انقطع لبنُها, وإلا فليس ذلك لها.
الجزء: 9 - الصفحة: 512
قال مالك: وإذا بقي الولد مع أبيه والأم مُتَنَحيَّةٌ عنه فلما مات الأب أرادت أخذه فليس ذلك لها لاستصحاب الحال.
فهذا يؤيده ما قلناه, وبالله التوفيق.
ومن العتبية: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهرٍ أو سبعةً ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي, فقالت: والله ما عَلِمْتُ بهذا, فقال: الشأن في هذا قريب, فقد تجهل السنة.
وسئل عمن فارق امرأته ولها منها بنتً فطرحتها إليه ولحقت بأهلها فتأيَّمت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت, لا تَعُرضُ لابنتها ولا تريدها حتى ماتت, فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها؟
فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها, قد تركوها ورفضوها, وإن كان ليس لذلك إلا يسير فأرى لها أخذها.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: واختلف شيوخنا إذا تزوجت الأم تزويجاً فاسداً لا يقرَّان عليه, ودخل بها الزوج ونزع منها الولد, ثم علم بفساد النكاح ففسخ, فقال بعضهم: يرجع إليها الولد, وقال غيره: لا يرجع, وهو أصوب, وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
الجزء: 9 - الصفحة: 513
وقال بعض شيوخنا: إذا كان للولد وليَّان, وهما في القُعْدُدِ سواء, فسافر أحدهما ليس له الرحلة بالولد, والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه, وكذلك إن لم يكن لها أم, ولأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
أبو محمد: قال ابن القاسم: فإن نكحت الأم أحدهما لم ينزع منها إذا كان ذلك أرفق به.
قال أصبغ: إلا أن يخاف عليه عندها ضيعةً وجفوةً فيكون الولي الآخر أولى وأحق به.
قال مالك: ومن تزج امرأة, ومعها بنتٌ صغيرٌ قد بها بها, ودخل بها وهي معها, ثم قال: أخرجيها عني, فليس له ذلك.
[فصل 2 - في أخذ الأب أو وصية الولد ممن يحضنه]
ومن المدونة: قال مالك: وتُترك الجارية في حضانة الأم في الطلاق والموت حتى تبلغ النكاح ولا يخاف عليها, فإذا بلغت وخِيف عليها نُظِر, فإن كانت الأم في حِرْزٍ وتحصينٍ فهي أحق بها أبداً حتى تنكح وإن بلغت أربعين سنة, وإن لم تكن الأم في حرزٍ وتحصينٍ في موضعها, أو كانت غير مَرضيَّةٍ في نفسها أو نكحت فدخلت, فأب أخذها منها, وكذلك للأولياء وللوصي أخذ الولد بذلك إذا أخذ إلى أمانةٍ وتحصين.
قال ابن المواز: قال مالك: ووصي الأب كالأب في أخذ الولد إذا نكحت وليس له جدةً ولا خالة.
الجزء: 9 - الصفحة: 514
قال: وللعم والجد أخذ الصبية إذا نكحت أمها, وأما الوصي فليس بينه وبينها مَحْرمٌ مع زوج أمها أحب إلي, لأنه ذو محرمٍ منها إلا أن يخاف عليها عنده فالوصي أحق.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: الوصي كالأب في الولد إلا في نكاح البكر قبل البلوغ.
قال أصبغ: وإن تزوجت الأم فالوصي أحق بالولد جواري كنَّ أو غِلماناً -وإن حضن الأبكار- وهو أحق من الأخ والعم وابن العم إن كان رَضيَّا, وإذا انتقل الوصي من البلد فله أن يرتحل بهن جواري كن أو غلماناً, وليس لإخواتهم/ وأعمامهم وجدودهم منعه.
أشهب: وسئل مالك عمن أوصى بابنته إلى وليًّ فتركها مع عمتها إلى أن بلغت الجارية أو كادت أن تبلغ, ثم تزوجت العمة فطلبتها الجدة أم أمها وأرادت أخذها, فأرادت الجارية أن تكون مع عمتها, ورضي بذلك الولي, قال: أرى أن تترك مع عمتها إذا أحبت الجارية ورضي بذلك الولي, ولا تأخذها الجدة.
قال الشيخ: يدل قوله هذا أن الأم إذا كانت وصيةً تزوجت أن الولد لا ينزع منها, لأن العمة لما كانت إذا تزوجت ورضيت الصبية الولي بكونها مع عمتها؛ لم يضر التزويج وكانت أولى من جدتها لأمها, فالأم أحرى أن لا ينزع الولد منها إذا رضيت, إذ لها الولاية والحضانة, ولا يضرها التزويج كما لم يضر العمة, والله أعلم.
ويحتمل إنما كانت العمة أولى لترك الجدة حضانتها أولاً كالأم إذا تركت حضانتها للأب ثم مات فليس لها أخذهم.
الجزء: 9 - الصفحة: 515
ومن المدونة: قال مالك: وكل من له الحضانة من أب أو رحم أو عصبة ليس لها كفاية, ولا موضعه يحرز ولا يؤمن في نفسه, فلا حضانة له, والحضانة لمن فيه ذلك وإن بعد, وينظر السلطان في ذلك للولد بالذي هو أكفى وأحرز, فربَّ والد يضيع ولده, ويدخل عليهم رجالاً يشربون فينزعون منه.
ويترك الولد في الحضانة عند غير الأم إلى حدً ما يترك عند الأم.
قال مالك في كتاب ابن المواز: وإذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه ولا تضمهم مع أمهم.
ومن العتبية: قال أشهب: ولا يكلف الأب مع النفقة على الولد النفقة على الجدة أو الأم ولا أجر حضانتها إذا أبى ذلك, وإنما عليه نفقة الولد خاصة وإن قامت عليهم وحضنتهم إلا أن يصالحها على شيء يرضاه.
قال مالك: وإذا قال الأب: ما عندي ما أنفق على الولد, والولد ابنةً بنت أربع سنين قال: ولكن أرسليها إليَّ تأكل معي, قال مالك: يُنظر؛ فإن كان ما ذكر أمرًا معروفاً قيل للأم: أرسليها تأكل مع أبيها وتأتيك بالليل, وإن خيف أن يضر بالأم وهو واحد فليس له ذلك.
فصل [3 - في حضانة غير الأم]
والأم أحق بحضانة الولد في الوفاة والطلاق حتى يبلغوا ما وصفنا, فإن ماتت الأم أو نكحت فدخلت فالحضانة لمن هي أقعد بالأم إذا كانت ذا محرم من الصبيان فالجدة للأم أحق وإن قعدت بعد الأم, ثم الخالة.
الجزء: 9 - الصفحة: 516
ابن المواز: وخاله الخالة كالخالة.
وروى عن مالك: أن الأب أولى من الخالة.
قال أصبغ: وليس هذا بشيء, وقوله المعروف أن الخالة أحق.
ومن المدونة: قال مالك: ثم الجدة للأب ثم الأب, والأب أولى من الأخوات والعمات وبنات الأخ, فإن لم يكن الأب فالأخت ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ.
قال مالك في كتاب محمد: فإن لم تكن بنت أخٍ فالأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العصبة, قال في المدونة: وهم الأولياء, ومن هؤلاء الأولياء الجد والأخ وابن الأخ والعم وابن العم ومولى النعمة, لأنه وارث, والمولى عتاقة, وليس من يسلم على يديه بمولَىَّ ولا ينتسب إليه وإن ولاَّه, وإذا تزوجت الأم ولها أولادٌ صغارٌ وجدتهم لأمهم في بلدٍ ثانٍ وخالتهم معهم حاضرةً؛ فالخالة أحق, وإذا كان الولد ليس لهم جدةً من قِبَلِ أمهم, أو لهم جدةً لأمًّ لها زوجٌ أجنبيٌ فالحضانة لمن هي أقعد بالأم على ما ذكرنا.
قال عبد الوهاب: وإنما قُدِّمت قرابات الأم على قرابات الأب في الحضانة كما قدمت الأم على الأب, وإنما قدمت الجدة على الخالة لأنها أقرب وهي والدة, ولذلك قدمت أم الأب على العمة لأنها والدة.
الجزء: 9 - الصفحة: 517
واختلف إذا انتقلت الحضانة عن جهة الأم أيهما أقرب الأب أو قرابته من النساء؟ فإذا قلنا: إن الأب أولى فلأن به يدلون والأصل أولى, وإذا قلنا: إنهن أولى فلأنهن بالصبي أرفق وألطف به تَأتَّياً في مصلحة, ولا يمكن ذلك للأب, لأن ذلك لا يليه الرجال وإنما يليه لهم النساء.
ابن وهب: إن كان للجدة أم الأم زوج فلا حق لها في الحضانة.
ومن المدونة: قال مالك: وكل من خرج من بلده, متنقلاً لسكنى بلدٍ آخر غير بلد الأم, من أبٍ أو أحدٍ من أولياء الولد الذين ذكرنا؛ فله الرحلة بالولد إذا كان الولد معه في كفاية, تزوجت الأم أم لا, ويقال لها: اتبعي ولدك إن شئت أو دعيه.
قال: وأما من خرج من الأولياء لسفرٍ من غير سكنى فليس له الرحلة بالولد الذين ذكرنا.
قال ابن زمنين: كان بعض شيوخنا المقتدى لهم يفتون أن ليس للأب أن يرتحل بالولد لسكنى بلدٍ آخر حتى يثبت عند الحاكم [بالبلد] الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن البلد الذي رحل إليه, وخالفهم بعض أصحابنا وقال: إنه إذا أراد الرحيل أخذ ولده ساعة يرتحل.
وعلى هذا القول يدل لفظ الكتاب.
الجزء: 9 - الصفحة: 518
وقد أعاب القول الآخر بعض العلماء وقال: أرأيت إن أراد الرحلة إلى العراق أيمضي إليها فيوطن, ويشهد هناك ثم يرجع ويأخذ ولده.
وليس هذا بشيء؟
ومن المدونة: قال مالك: وليس للأم أن تنقل الولد من الموضع الذي فيه والدهم أو أولياؤهم إلا ما قَرُبَ كالبريد ونحوه حتى يبلغ الأب أو الأولياء خبرهم.
قال ابن القاسم: ثم لها أن تقيم هناك.
قال في العتبية: وإن كان مسكن الأب بالإسكندرية فأرادت الأم لما طلقها أن تنقلهم إلى الفُسْطَاط وبينهما ثلاثة أيام؟
قال: ليس لها ذلك.
وسئل عمن كانت يسكن معها زوجها بمكانه, ثم هلك زوجها وله منها ابنه بنت ثمان سنين وللمتوفي إخوةً فأرادت الأم أن تنتقل بها إلى أخوتها إلى المسكن الذي كانت تسكنه قبل أن تتزوج هذا؛ وبينهما مرحلتان, وأبى ذلك عمومة الجارية.
قال مالك: ليس للأم أن تخرجها من عند ولاتها.
الجزء: 9 - الصفحة: 519
فصل [4 - في حضانة الذمية والمجوسية]
ومن المدونة: وللذمية إذا طلقت أو المجوسية يسلم زوجها وتأبى هي الإسلام -فيفرق بينهما- من الحضانة ما للمسلمة إن كانت في حرزٍ وتُمنع أن تغذَّيهم بخمرٍ أو بخنزيرٍ, فإذا خيف أن تفعل بهم ذلك ضُمَّتُ إلى ناسٍ من المسلمين ولا ينزع منها إلا أن تبلغ الجارية وتكون عندها في غير حرز.
وروى ابن وهب: أن لا حق للنصرانية في حضانتهم, لأن المسلمة لو أثنى عليها ثناء سوءٍ أو كانت تطوف لنزعوا منها فكيف بهذه؟
وقال ابن المواز: الحضانة لها واجبة, وكذلك الجدة النصرانية.
[فصل 5 - في حضانة الأم وأم الولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أعتق ولد الأمة وزوجها حرً فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها إلا أن تباع بها إلى غير بلد الأب فالأب أحق به, أو يريد الأب انتقالاً إلى غير بلد الأم فله أخذه وليس العبد في انتقاله بولده كالحر, والأم أحق بهم كانت أمةً أو حرةً؛ لأن العبد لا قَرار له ولا مسكن.
قال ابن القاسم في النوادر: وأرى في الاستحسان إن كان العبد التاجر له الكفاية أن يكون أحق بولده إذا تزوجت أمه وأما العبد المخَارَج فلا.
الجزء: 9 - الصفحة: 520
ومن المدونة: ولأم الولد تعتق ما للحرة من الحضانة.
ابن المواز: وقال ابن وهب في أم الولد تعتق: لا حضانة لها في الولد وإنما ذلك للحرة يطلقها الزوج.
فصل [6 - في التفريق بين الأمة الحاضنة وولدها]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا بيعت أمةً مسلمةً أو كافرةً لم يفرق بينهما وبين ولدها, وبيع معها إلا أن يستغنى الولد عنها في أكله وشربه ومنامه وقيامه, وحد ذلك إذا بلغ الأثَغَار ما لم يعجل به, جواري كن أو غِلماناً, بخلاف حضانة الحرة.
وقال الليث: حدُّ ذلك أن ينفع نفسه ويستغني عن أمه, فوق عشر سنين ونحو ذلك.
قال مالك: ويفرق بين الولد الصغير وبين أبيه وجده وجداته لأمه أو لأبيه في البيع متى شاء سيده, وإنما ذلك في الأم خاصة.
قال الشيخ: وفي كتاب "التجارة بأرض الحرب" إيعاب هذا.
الجزء: 9 - الصفحة: 521
[الباب الثالث عشر]
جامع من يلزم الرجل النفقة عليه
[فصل 1 - في النفقة على المطلقة من أجل الولد]
قال الله سبحانه في النفقة على المطلقات من أجل الولد: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] , وقال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:6] , فهذا إيجاب نفقة الولد, ويدل عليه أيضاً قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ [الإسراء:31] , وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «تقول لك امرأتك: أنفق عليَّ أو طلقني, ويقول لك عبدك: أنفق علي أو بعني, ويقول لك ولدك: إلى من تكلني» , فبين أن النفقة تلزم لكل واحدٍ ممن ذُكِر, وأنه يحتج بما ذكره, ولا خلاف في ذلك.
وقال الله تعالى في النفقة على الزوجات في العصمة وما أوجب عليهن من الرضاع: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ﴾ [البقرة:233].
الجزء: 9 - الصفحة: 522
قال زيد بن أسلم: لا تلقيه له وهو لا يجد من يُرضعه منها وهي تريد رضاعه وعلى الوارث مثل ذلك.
قال غيره: وقوله تبارك اسمه: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ [البقرة:233] معطوفٌ على قوله: ﴿لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ [البقرة:233] , وذلك أولى في اللسان من أن يكون معطوفاً على ذكر النفقة للزوجات.
وذكر ابن القاسم عن مالك: أن الآية منسوخة.
[فصل 2 - فيمن لا نفقة لها]
وقال الله سبحانه في الزوجات: ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ﴾ [الطلاق:7].
قال عبد الوهاب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تقول لك امرأتك: أنفق علي أو طلقني» , ولأن الزوجية عقدٌ على منافع, والنفقة في مقابلة تلك المنافع, وهي واجبةٌ للزوجة بالعقد والتمكين والاستمتاع.
الجزء: 9 - الصفحة: 523
ولا نفقة على الزوج غير البالغ, لأنه لا يتأتىَّ منه الاستمتاع الذي يُعَاوض عليه لصغره, ولا للصغيرة التي لا يوطأ مثلها, لأن الاستمتاع غير مُتأتً منها, وإن كانت تطيق الوطء لزمته النفقة عليها, لأنها كالبالغ ولا نفقة لناشزٍ لما بينَّا أنها في مقابلة الاستمتاع والتمكين منه, فإذا عُدِمَ لم تجب.
وقال أبو عمران: اختلف في الناشز على زوجها هل لها النفقة؟ فعند ابن المواز وهو لمالكٍ وأراد لابن القاسم وقاله سحنون: إن لها النفقة.
وقال البغداديون من أصحابنا: لا نفقة لناشز, لأنها منعته الوطء الذي هو عوض النفقة, واعتلوا بإيجاب النفقة على الزوج إذا ادعى إلى البناء, وأن ذلك لا يلزمه إذا لم يمكن من البناء.
قال أبو عمران: فأنا أستحسن في هذا الزمان أن يقال لها: إما أن ترجعي إلى بيتك وتحاكمي زوجك وتناصفيه وإلا فلا نفقة لك, لتعذر الأحكام والإنصاف في هذا الوقت, فيكون قول البغداديين في هذا حسناً, ويكون الأمر على ما قاله الآخرون إذا كان الزوج على محاكمتها فلم يفعل, فيؤمر بالنفقة حتى إذا لم تمكنه المحاكمة ولم يتمكَّن/ له حاكمٌ يُنْصِف, ولم تُجبه هي إلى الإنصاف فاستحسن أن لا نفقة لها.
وكذلك الهاربة إلى موضعٍ معلومٍ هي مثل الناشز, وأما إلى موضعٍ مجهولٍ فلا نفقة لها.
الجزء: 9 - الصفحة: 524
[فصل 3 - في النفقة على الولد]
قال ابن القاسم في كتاب ابن سحنون: إذا لم يكن للأب ما ينفق منه على ولده إلا دار, فإن كان فيها فَضْلٌ وإلا فلا نفقة عليه.
قال بعض أصحابنا: وليس هو كمن أعتق شركاً له في عبدٍ ولكن لزمته كفارة, لأن الله تعالى قال في الكفارات: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ [البقرة:196] وهذا واجد, وقال في العتق: "فإن لم يكن له مال", وهذا له مال, فلذلك وجب البيع عليهما وإن كان لا فضل في الدار, وأما النفقة على الولد فإنما هي مواساة, وإنما يواسي من له مال وكان غنياً, وإذا لم يكن في داره فضلٌ فهو فقيرٌ, ألا ترى أنه يأخذ الزكاة كما يأخذها الفقراء فلم تتوجَّه عليه نفقةٌ لهذا, والله أعلم.
قال مالك: ويلزم الأب المليء نفقة ولده الصغير الفقير, قال: وإذا أخذ الولد من له الحضانة فعلى الأب نفقتهم وكسوتهم وسكناهم ما بقوا في الحضانة, ويخدمهم إن احتاجوا إلى ذلك وكان الأب مليئاً, ولحاضِنَتهم قبض نفقتهم, وإن كان الأب عديماً فهم من فقراء المسلمين, ولا يجبر أحدً على نفقتهم ولا الأم وإن كانت موسرةً, إلا الأب وحده إذا قَدِر.
الجزء: 9 - الصفحة: 525
وقال ابن القاسم في الدمياطية فمين طلق امرأته وله منها ولدٌ وهو مليءٌ فعليه أن يخدم الولد, والسكنى عليه وعليها.
وقال يحيى بن عمر: يريد على الجماجم.
وقال أيضاً ابن القاسم: ليس عليه للولد إلا النفقة, وليس عليه أن يكتري لهما.
وقد تقدم من العتبية, وهو في كتاب محمد: أن ليس عليه للولد إلا النفقة ولا يكلف نفقة للجدة ولا للأم إلا أجر حضانتهما.
ومن المدونة: قال: وتلزمه نفقة الذكور حتى يحتلموا, والإناث حتى يدخل بهن أزوجهن.
-قال الشيخ: لعجزهن عن التكسب, بخلاف الذكور-.
قال مالك: إلا أن يكون للصبي كسبٌ يستغنى به, أو له مالٌ فينفق عليه منه.
وإن طلقت الجارية بعد البناء أو مات زوجها فلا نفقة لها على الأب وإن كانت فقيرة.
قال الشيخ: وذلك لما قلنا: إن النفقة إنما تجب باستصحاب الوجوب, فإذا سقطت مرةً فلا تعود.
ومن المدونة: قال مالك: وإن طلقت قبل البناء فهي على نفقتها, قال: وعليه نفقة من بلغ من ولده, أعمى, أو مجنوناً, أو ذا زمانةٍ لا حِرَاك له.
الجزء: 9 - الصفحة: 526
- قال الشيخ: لأن ذلك يمنع التكسب, فإن صحوا سقطت ثم لا تعود إن عاد ذلك, لأن نفقتهم إنما تجب باستصحاب الوجوب-.
قال مالك: وإن بلغوا أصحاء ثم أثابهم ذلك بعد خروجهم من ولاية الأب فلا نفقة لهم عليه.
ابن المواز: قال مالك: ولو بنى بالبكر زوجها وهي زَمِنَةٌ, ثم فارقها فالنفقة باقيةً على الأب كالصغيرة تطلق بعد البناء وقبل المحيض, واختلف في نفقة هذه بعد المحيض.
وقال ابن وهب في الولد يبلغ أعمى أو مبتلىً أو مكسوراً: فلا نفقة على أبيه وعلى كل محتلمٍ نفقة نفسه.
قال الشيخ: وقول مالك أولى لما بينَّاه, وإنما كان البلوغ في الذكور حداً لأنه قد بلغ حد التكسب والقيام لنفسه, فإذا بلغ زَمِنَاً فلم يبلغ بعد حد التكسب, فهو على امره حتى يبلغه ويطيقه.
فصل [4 - في إنفاق الأب على الولد وله مال في يد أبيه] ابن المواز: قال مالك: وإذا أنفق الأب على الولد من عنده وللولد مال عين بيد الأب أو غيره فله الرجوع فيه, فإن مات الأب قبل أخذه فأراد الورثة الرجوع عليه بالنفقة مذ كان له مال, فإن كان مال الولد عيناً وهو يمكنه أخذه فلم يفعل لم يكن للورثة الرجوع عليه وإن كتبه عليه الأب إلا أن يوصي به, وذلك أن من/
الجزء: 9 - الصفحة: 527
شأن الآباء أن ينفقوا على الأبناء وإن كانت لهم أموال, وأما إن كان مال الولد عروضاً أو حيواناً فللورثة محاسبة الابن بذلك إذا كتبه.
قال ابن القاسم في العتبية: إلا أن يقول في مرضه: لا تحاسبوه, فذلك جائزً نافذ, ولا تكون وصيةً لوارث, لأنه شيءً فَعَله في صحته.
ابن المواز: وروى لمالكٍ أيضاً أنه قال: يحاسبوه إن كان المال عروضاً, ولم يذكر كتبه أو لم يكتبه, ويحسب كل وقتٍ بسعره.
وقال ابن القاسم: إن كان مال الولد عيناً لم يحاسبوا وإن كان عروضاً حوسبوا, ولعله لم يمكنه البيع حتى مات.
وقال أشهب: أرى أن يحاسب في العين والعرض وإن أوصى أن لا يحاسب.
فصل [5 - في النفقة على الأبوين الفقيرين]
ومن المدونة: قال ربيعة: والنفقة على الأبوين الفقيرين مما يراه المسلمون, لقول الله سبحانه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:36].
قال الشيخ: وقول الله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:15].
الجزء: 9 - الصفحة: 528
قال مالك: فيلزم الولد المليء نفقة أبوية الفقيرين, كانا مسلمين أو كافرين والولد صغيرً أو كبيرً, ذكرً أو أنثى, كانت البنت متزوجة أم لا وإن كَرِهَ زوج الابنة, وكذلك من مالٍ يوهب للولد أو يُتصَدَّق به عليه.
قال عبد الوهاب: وإنما قل ذلك لقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان:15] , وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء:36] , قال: وسواءً كان الأب صحيحاً, أو مريضاً, أو زَمِنَاً, وأمرهما أوكد من الولد.
[فصل 6 - في النفقة على زوجة الأب وعلى خادمه
وخادم الزوجة]
ومن المدونة: قال مالك: ويُنفِق على امرأةٍ واحدةٍ لأبيه لا أكثر وإن لم تكن أُمُّه.
قال الشيخ: وحكى لنا عن بعض شيوخنا القرويين أنه قال: اختلف إذا كان للأب امرأتان, إحداهما أم الولد وهي فقيرة, والأخرى أجنبية, فقيل: تلزمه نفقتهما, فأمَّه لأنها فقيرة ولو فارقها الأب لزمه نفقتها, والأخرى فلأنها لو كانت وحدها لزمته لها النفقة.
وقيل: لا نفقة عليه لزوجة أبيه الأخرى.
الجزء: 9 - الصفحة: 529
قال الشيخ: وهذا أشبه بظاهر الكتاب إذ ليس عليه أن ينفق له إلا على امرأةٍ واحدة, فإذا كانت أًمُّه تقوم بالأب وموافقته فليس عليه أن ينفق على الأخرى كما ليس عليه أن ينفق على امرأتين.
ومن المدونة: ويُنفِق على خادم أبيه وعلى خادم زوجة أبيه, لأن خادم زوجة أبيه تخدمه, إذ على الابن إخدامه إن قدر.
[فصل 7 - في النفقة على الأم]
قال مالك: وينفق على أُمِّه إن كان لها زوجً فقيرً, ولا ينفق على زوجها, ولا حجة للولد إن قال: يفارقها الزوج حتى أنفق عليها.
قال ابن حبيب: قال مطرف: إذا كانت الأم فقيرةً والولد صغار يتامى فالنفقة لها في مال الولد على قدر المواريث, على الذكر مثلا ما على الأنثى, لأن النفقة إنما وجبت في أموالهم لصغرهم.
وقال أصبغ: بل هي عليهم بالسواء في صِغرهم وكِبرهم.
وبقول مطرف أقول.
قال أبو محمد: وفي كتاب أبي الفرج في الأب يكون له بنون: إنه إن كان كل واحدٍ منهم تلزمه النفقة على انفراده لزمتهم النفقة أجمعين بالسواء, وإن كان بعضهم لا يلزمه على انفراده شيءً فنفقته على باقيهم.
وكان ابن المواز أشار إلى أن على كل واحدٍ منهم بقدر يساره وجِدَتِه.
الجزء: 9 - الصفحة: 530
قال الشيخ: وما في كتاب أبي الفرج أبين, وذلك كالحُمَلاء بدينٍ لرجل, وكل واحدٍ حميلً بصاحبه, فإنه إن لقي أحدهم أخذه بجميع الدين, وإن لقيهم جميعا أملياء أخذ كل واحدٍ بما ينوبه.
قال الشيخ: ووجه قول أصبغ: فلأن كل واحد لو انفرد لوجبت عليه النفقة كاملة, صغيراً أو كبيراً, ذكراً أو أنثى, فإذا اجتمعوا وزعت عليهم بالسواء وله وجهً في القياس.
ومن المدونة: قال مالك: وما أنفق على الوالدين من مال الولد فلا يُتبعان به إذا أيسر, وإن كان الأب أو الابن فقيراً لم يلزم أحدهما نفقة صاحبه, وينفق على من له خادم/ من الأبوين عليه وعليها, وكذلك إن كانت له دارٌ لا فضل في ثمنها فله النفقة كما يعطي من الزكاة, ويعدي على الغائب في بيع ماله للنفقة على من ذكرنا.
ومن أسلم وله بناتٌ قد حِضن فاخترن الكفر فعليه نفقتهن.
قال الشيخ: قال هاهنا: ينفق على خادم الأب, وقال: لا ينفق على خادم الولد, فيقال له: إما أنفقت أو بِعت.
والفرق بينهما: أن الأب هو المحتاج للخادم إما للخدمة أو لوطء, فهي كالزوجة, والولد ليس به حاجةٌ إلى الخدمة, فإن كان الولد محتاجاً إلى الخدمة لزم الأب النفقة عليه وعلى خادمه, إذ عليه إخدامه, ولا فرق بينهما إذا اتفق السؤال.
الجزء: 9 - الصفحة: 531
فصل [8 - في النفقة على من رحلت مع زوجها]
قال مالك: وللزوج أن يظعن بزوجته من بلدٍ إلى بلدٍ وإن كرهت وينفق عليها, وإن قالت: حتى آخذ صداقي, نُظِر, فإن كان قد بنى بها فله الخروج بها وتتبعه به ديناً.
قال الشيخ: يريد في عدمه, وأما إن كان موسراً فلا تخرج حتى تأخذ صِداقها, وقاله أبو عمران.
قال مالك في العتبية: يُنظَر إلى صلاحه وإحسانه إليها, إذ ليس له أن يخرج بها ثم يطعهما شوط الحِيتَان.
فصل [9 - في النفقة على الجد ونفقته على ولد ولده]
ومن المدونة: قال مالك: ولا يلزم الجد نفقة ولد الولد كما لا تلزمهم نفقته.
قال عبد الوهاب: لأن النفقة على الأقارب لا تلزم انتقالاً وإنما تجب ابتداءً, ونفقة الجد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى ولده, وكذلك نفقة الولد كانت لازمةً للأب فلا تنتقل إلى الجد.
الجزء: 9 - الصفحة: 532
فصل [10 - في النفقة على خادم زوجته
والنفقة على الأخ]
ومن المدونة: قال: ويلزم الزوج نفقة زوجته وخادمٌ واحدةً من خَدَمِها لا أكثر, قال: ولا تلزمه نفقة أخٍ ولا ذي رحمٍ منه.
فصل [11 - في نفقة الأب على خادم ولده]
قال مالك: وإذا كان للبكر خادمٌ ورثتها عن أمها ولا بد لها ممن يخدمها فعلى الأب أن ينفق على الأبنة, ولا تلزمه نفقة خادمها.
قال ابن القاسم: ويقال للأب: إما أنفقت على الخادم أو بعتها.
قال سحنون: لا يلزمه لها ولا للخادم نفقة, لأنها مليئة.
وكذلك قال ابن المواز عن أشهب: أنه لا نفقة عليه لابنته, لأن لها خادماً, ويبيعها لينفق عليها, ويزكي زكاة الفطر عنها.
قال ابن المواز: وإن كان الولد لا بد له ممن يخدمه فعلى الأب أن ينفق ويزكي عن الولد والخادم ويجبر على ذلك, وإن كان الولد غنياً عن الخادم فلا شيء على الأب إلا أنه ينفق ويزكِّي ويكتب ذلك عليه, فإذا باع استوفى, وإلى هذا رجع ابن القاسم وأشهب.
الجزء: 9 - الصفحة: 533
[الباب الرابع عشر]
ما جاء في الحكمين
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ [النساء:35].
وبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه ابن عباس ومعاوية رضي الله عنهما حكمين في قصة عقيل ابن أبي طالب وامرأته فاطمة بنت عُتبة بن ربيعة.
وقال علي رضي الله عنه للحكمين: أتدريان ما عليكما؟ إن رأيتما أن تجمعا جمعتما, وإن رأيتما أن تفَّرقا فرَّقتما.
وتفريقهما على وجه الحكم لا على وجه الوكالة خلافاً لأبي حنيفة والشافعي, لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ [النساء:35] وذلك خطاب للأئمة والحكام دون الزوجين, ولأنه تعالى سمَّاهما حَكَمَين, وذلك يفيد تعلق الحكم بهما دون الوكالة.
الجزء: 9 - الصفحة: 534
ومن المدونة: قال مالك: وأحسن ما سمعت من أهل العلم أنه يجوز أمر الحكمين عليهما.
قال: وبلغني أن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه قال: إليهما أن يفرَّقا بينهما وأن يجمعا.
قال مالك: وإنما يبعثهما الإمام إذا قَبُحَ ما بين الزوجين حتى/ يُجْهَلَ حقيقة أمرهما, ولا يثبت ذلك بالبينات, فيبعث الإمام حينئذٍ حكماً من أهله وحكماً من أهلها من أهل العدل والنظر, فإن لم يكن في أهلها من يراه لذلك أهلاً, أو لا أهل لهما بعث من غير الأهلين, وإذا وجد من الأهلين كان أولى لعلمهما بالأمر فإن استطاعا الصلح أصلحا بينهما وإلا فرَّقا بينهما, ثم يجوز فراقهما دون الإمام.
قال: وللزوجين أن يرضيا ببعثهما دون الإمام, فإن جعلا ذلك إلى رجلٍ عدلٍ فحكم مضى ذلك عليهما, ولا يجوز في ذلك تحكيم عبدٍ أو صبيٍ أو مشركٍ أو سفيهٍ أو امرأةٍ ببعث الإمام أو ببعث الزوجين دونه أو من يليهما إن كانا في ولاية, لأن ذلك خارجً عمَّا أراد الله سبحانه من الإصلاح إلى الضرر, وهؤلاء لا يجوز منهم اثنان فكيف بواحد.
وقد قال ربيعة: لا يبعث الحكمين إلا السلطان فكيف يُجّاز تحكيم المرأة والعبد والصبي والنصراني والمسخوط.
ولو حكم الزوجان من ذكرنا أنه لا يحكم ففرق لم يمض ذلك ولا يكون ذلك طلاقا, لأن ذلك لم يكن على وجه تمليك الطلاق, ويدل على ذلك دخول الزوجة فيه بتحكميها, ولا مدخل للزوجة في تمليك الطلاق.
ابن المواز: أما المسخوطان وهما غير ذوي عدلٍ فيمضي ما حكما كما لو قضي بشهادتهما ثم تبين ذلك لم يُرد.
الجزء: 9 - الصفحة: 535
ومن المدونة: وإذا كان أحد الزوجين أو كلاهما في ولايةٍ فذلك في بعث الحكمين إلى من يليهما دون العصبة.
قال مالك: وإذا حكما بالفراق كانت بائنةً, حكما بأخذ مالٍ أو بغير مال, قال: ولا يفرِّقا بأكثر من واحدة.
قال: فإن حكما بالفراق بغُرمٍ على المرأة لنفي الضرر عنها جاز, وإن حكما بغرمٍ على الزوج لم يجز.
قال ربيعة: إن كان الظلم منه فرَّقا بغير شيء, وإن كان منهما أعطى الزوج على الفراق بعض الصداق, فإن كان الظلم منها خاصة جاز ما أخذ له منها.
قال أبو عمران: قول ربيعة هذا إن كان الظلم منها أو منه أو منهما, وِفَاقً وليس بخلافٍ للمذهب إن تأوَّل أن بمعنى قوله: اضرَّ بها, أي في دعواها.
قال الشيخ: وظاهر قوله: أن معنى قوله: أضرَّ بها, وثبت ذلك عليه لا بدعواها, وكأنه أجاز للحكمين أن يأخذا له منهما إن كان الضرر منها, وقد قال بعض شيوخ أفريقية: لا يجوز أن يخالع/ الرجل زوجته على أن يأخذ منها إذا كان الضرر من قِبَلِ الزوجين جميعا, وهو منصوصٌ لمن تقدم من علمائنا.
قال: وليست كمسألة الحكمين إذا كان الضرر منهما جميعاً, لأن النظر هاهنا لغير الزوجين فيحكمان في ذلك بالاجتهاد, فإذا رأيا من النظر أن
الجزء: 9 - الصفحة: 536
يعطى بعض شيءٍ من مالها على أن تخرج من عصمته جاز ذلك, وأما إذا ابتدأ هو الخلع بشيءٍ يأخذه فلا يجوز له ذلك وقبله شيءٌ من الضرر.
قال الشيخ: فدل قوله هذا أن الحكمين أن يعطيا الزوج شيئاً من مالها وإن كان الضرر من قِبَلِهمَا وعُرف ذلك وثبت, والله أعلم.
وقال في كتاب ابن المواز: وإذا نَزَعَ أحد الزوجين أو هما جميعاً قبل حكم الحكمين فذلك لمن نزع إلا أن يكون السلطان هو الباعث, أو يكون نزوع من نزع بعد أن استوعبا الكشف عن أمرهما وعزما على الحكم بينهما, فلا نزوع لمن نزع في هذا ويلزمه.
قال الشيخ: لعله يريد إذا نزع أحدهما في هذا, وأما لو نزعا جميعاً ورضيا بالاصطلاح والبقاء على الزوجية فينبغي ألا يفرَّق بينهما.
قال الشيخ: إن قيل: لم جاز الزوجين أن يحكَّما رجلاً واحداً ولم يجز في جزاء الصيد إلا رجلان وقد ورد النص أن يكونا حكمين في الوجهين؟
فالجواب عن ذلك: أن الحكمين في جزاء الصيد إنما هما لحق الله تعالى لا حق للمحكوم عليه فيهما, فوجب اتباع النص في ذلك, وأما الزوجان فالحكم في ذلك إليهما, لأنهما الخصمان ولهما أن يدفعا ذلك بالاصطلاح, فلما كان الأمر إليهما جاز أن يرضيا بحكمين أو بحَكَم واحدٍ أو يصطلحا على أنفسهما ولا يحتاجان إلى حَكَم, ولأنه لما جاز لهما أن يجعلاهما من غير الأهلين والنص إنما ورد أن يكونا من الأهلين دل أن الأمر إليهما, وأن لهما أن يجعلا رجلاً واحداً كسائر المتحاكمين, فالأمر في ذلك مفترق.
الجزء: 9 - الصفحة: 537
قال ابن القاسم: فإن حكم أحدهما بالطلاق ولم يحكم الآخر, أو حكم أحدهما على مالٍ والآخر على غير مالٍ لم يلزم شيءٌ إلا باجتماعهما إلا أن ترضى الزوجة بالمال الذي قال أحدهما واجتمعا على الفراق فيلزم, وإن حكم أحدهم بواحدةٍ والآخر بائنتين, أو اجتمعا على واحدة, أو على الثلاث, أو حكما بلفظ ألبتة أو خليَّةٍ أو بريَّةٍ ونوى بها الحكمان ثلاثاً لم يلزم الزوج في ذلك كله إلا واحدةً بائنة, دخل بها أم لا, لأن ما زاد على الواحدة خارجٌ عن معنى الإصلاح.
وروى عن ابن القاسم أن الثلاث تلزم إن اجتمعا عليها, وقاله أصبغ على حديث زُبْرَاء.
ومن المدونة: وحكم التي لم يدخل بها في الحكمين حكم المدخول بها إلا أنهما لا يبطلان ما للزوج من الرجوع بنصف الصداق إن قبضته كما لا يفرِّقان على الأخذ منه, ولو حكما يأخذ الزوج منها جميع المهر على الفراق جاز ذلك.
قال أبو محمد: وأكثر ما في باب الحكمين يذكر أنه لعبد الملك إلا ما ذكرت لمالكٍ فيه.
والله المستعان وهو حسبي ونعم الوكيل
تم كتاب الخلع بحمد الله وحسن عونه وصلى الله على سيدنا محمدٍ وآله وسلَّم تسليماً كثيراً.
الجزء: 9 - الصفحة: 538
[الكتاب السابع]
كتاب طلاق السنة والعدة
[الباب الأول]
في طلاق السنة والطلاق ثلاثاً أو في الحيض
[فصل 1 - في أدلة طلاق السنة وصفته] قال الله تبارك وتعالى: ﴿يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1] , وقرأ ابن عمر رضي الله عنهما: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِقَبْلِ ِعِدَّتِهِنَّ﴾.
الجزء: 10 - الصفحة: 539
فندب الله عز وجل من أراد أن يطلق زوجته أن يوقع الطلاق في حالٍ تعتد فيه, وهو حال الطهر لا حال الحيض, وأن يكون رجعياً لئلا يندم فلا يمكنه التلاقي.
وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:1] فدلَّ بذلك أنه لا يجوز الطلاق في الحيض ولا الطلاق ثلاثاً, ودلَّنا الله عز وجل أن من طلق/ ثلاثاً عاصٍ ولزمه ذلك بقوله تعالى: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1] وهي الرجعة, فجعلها الله عز وجل فائتةً لمن أوقع الطلاق الثلاث في كلمةٍ واحدة, وألزمه ما أوقع, ونهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه إيقاع الثلاث في كلمة واحدة, وقد عاقب علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره من طلق ألبته, وقد قال ابن عباس فيمن فعل: عصى الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل له مخرجا.
وقال ابن عمر: عصى الله وخالف السنة, وذهبت منه امرأته.
ونهي الرسول صلى الله عليه وسلم عن الطلاق في الحيض, وقال في طلاق ابن عمر امرأته في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» - وإنما الرجعة بعد لزوم الطلاق «ثم ليمسكها» فدل على أن معنى الإمساك غير المراجعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 540
وقال القاضي عبد الوهاب: الطلاق في الحيض محرَّمٌ بالإجماع, ومن أوقعه فيه لزمه, خلافاً لمن قال: لا يلزمه, ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم لعمر في طلاق ابنه في الحيض: «مُرْهُ فليراجعها» , وفي حديث آخر أنه قال: أفتعتد بها؟ قال: نعم, وأن ابن عمر قال: يا رسول الله: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بانت منك وعصيت ربَّك».
وفي هذه الأخبار أدلةٌ أخَر على المراجعة, ولا تكون إلا مع نفوذ الطلاق ووقوعه.
والثاني قوله: أفتعتد بها؟ قال: «نعم» , وهذا نص.
وقول ابن عمر: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذا بنت منك وعصيت ربك» وهذا نص.
قال عبد الوهاب: لا خلاف أن من فرقَّ الثلاث أنها تلزمه, لقوله تبارك وتعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:229] إلى قوله عز وجل: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230].
الجزء: 10 - الصفحة: 541
وكذلك عندنا أن من أوقعها في كلمةٍ فقد عصى ويلزمه, خلافاً لمن منع إيقاعه في كلمة, ودليلنا قوله عز وجل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] إلى قوله: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق:1] , فَنَدَبَنا إلى طلاق تُمَلك فيه الرجعة, لئلا نندم فلا يمكننا التلافي, وهذا يتضمن الوقوع.
وحديث ابن عمر: قلت: أرأيت لو طلقتها ثلاثاً؟ قال: «إذاً تبين منك وتكون معصية».
قال: وذهب الشافعي إلى أن إيقاع الثلاث في كلمةٍ مباح.
ودليلنا عليه أنه عصيان: حديث ابن عمر هذا وما ندب الله عز وجل إليه من الطلاق الرجعي, وقال عز وجل: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ [الطلاق:1] , وروى محمود بن لبيد قال: أُجبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن رجلٍ طلق امرأته ثلاث تطليقاتٍ جميعاً فقام غضبان وقال: «يُلعبُ
الجزء: 10 - الصفحة: 542
بكتاب الله وأنا بين أظهُرِكُم» , ولأنه إجماع الصحابة, وروى عن عمر وعثمان وعلي وابن عباس وابن عمر وابن مسعود وعِمران بن حُصين ولا مخالف لهم فيه.
ومن المدونة: قال مالك: وطلاق السنة أن يطلق الرجل امرأته طلقةً في طهرٍ لم يمسَّ فيه وإن كان في آخر ساعةٍ منه, ولا يُتبعُها ذلك طلاقاً ثم يمهلها حتى تنقضي عدتها برؤية أول دم الحيضة الثالثة في الحرة والثانية في الأمة, فيتم للحرة ثلاثة أطهار وللأمة طُهران, وهي الأقراء التي ذكر الله عز وجل.
قال أبو محمد وغيره: وإنما قلنا: أن يطلقها في طهر لم يمس فيه, لأنه إذا مسها فيه لبَّس عليها العدة, فلم تدرِ بما تعتد أبالوضع أو بالأقراء, لأنها قد تحمل فتعتد بالوضع, أو لا تحمل فتعتد بالإقراء/ فكَرِهَ له أن يَدخل اللَّبْس عليها.
قال غيره: وفي حديث ابن عمران: «ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله عز وجل أن يطلَّق لها
الجزء: 10 - الصفحة: 543
النساء».
قال بعض مُتَّبعي مالك: وإنما قلنا: أن الأقراء هي الأطهار خلافاً لأبي حنيفة في أنها الحِيض, لأن القرء مذكَّر, ولو عنى به الحَيْضَ لقال: ثلاث قُرُوء' والقُرْء جمع الرحم للدم, ولا يجمعه إلا في الطهر, ومنه: قَرَيْتُ الضيف, أي جمعته إليك.
قال الشاعر:
(ذِرَاعَي حُرةٍ أدماء بِكْر ... هَجانِ اللَّون لم تَقْرَأ جِنَينا)
قال عبد الوهاب: وفي قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] الآية أدلةً على ذلك:
أحدها: أن القراء اسمٌ يقع على الطهر والحَيض, والمراد أحدهما, فيجب إذا قعدت المرأة ثلاثة قروءٍ أن يطلقَ عليها الاسم وتَبينُ منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 544
والثاني: أن الحكم يتعلق بأوائل الأسماء.
والثالث: أن جمعه بصيغة التذكير, لأن جمع المؤنث فيما دون العشرة بغير هاء, وذلك يفيد أن جمع قُروءٍ هو طُهْرٌ لا حَيْضَة.
والرابع: أن إطلاق الأوامر والإخبار عن الوجوب على الفور, ولا يمكن ذلك إلا على ما نقوله من أن يطلقها, فتعتد عُقَيب الطلاق, ولا يمكن ذلك في الحيض.
وقوله -عز وجل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] أي: في حالٍ يعتدن فيها, وعندهم أن حال الطهر ليست بحال عدة.
وقوله في حديث ابن عمر: «مُرْهُ فليراجعها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر, ثم إن شاء طلق وإن شاء أمسك فتلك العدة التي أمر الله أن يطلَّق لها النساء» , وهذا نص.
الجزء: 10 - الصفحة: 545
[فصل 2 - في الطلاق في طهر جامع فيه, وطلاق الثلاث]
ومن المدونة: وكره مالك مالك أن يطلقها في طهر قد جامع فيه, فإن فعل لزمه وتعتد بذلك الطهر وإن لم يبق منه إلا يومً واحد, ولا يؤمر برجعتها.
-قال الشيخ: لأنه مطلقٌ للعدة فلم يوجد فيه التطويل كما وُجِد فيمن طلق في الحيض-
وكره أن يطلقها ثلاثاً في مجلسٍ واحد, أو في كل طُهرٍ طلقه, فإن فعل لزمه.
قال أشهب: وقال ابن مسعود: إن أراد أن يطلق ثلاثاً فليطلقها في كل طهرٍ طلقة.
قال أشهب في غير المدونة: لا بأس به ما لم يرتجعها في خلال ذلك وهو يريد أن يطلقها ثانية, فلا يسَعُه ذلك, لأنه يُطَوِّل العدة عليها ويضرُّ بها.
قال الشيخ: فوجه كراهة مالكٍ أن يطلقها في كل طهر طلقة: لأن ذلك ليس بطلاق السنة الذي أرشد الله عز وجل إليه وهو الرجعي, لأنه بإيقاع الثالثة في الطهر الثالث لا يمكنه الارتجاع وهي في العدة, ولم تحل له إلا بعد زوجٍ فأشبه إيقاع الثلاث في كلمة.
الجزء: 10 - الصفحة: 546
ووجه قول أشهب: أنه كان ممن يمكنه الارتجاع في الطهر الأول والثاني, ولأنه ليس في ذلك تطويلً فأشبه الطلاق الرجعي.
[فصل 3 - في طلاق الحامل]
ومن المدونة: قال مالك: وطلاق السنة في الحامل أن يطلقها واحدةً متى شاء, وتحل بالوضع لآخر ولدٍ في بطنها, وله رجعتها ما لم تضع آخر ولدٍ في بطنها.
قال: ولا يطلقها ثلاثاً في مجلس واحدٍ أو في مجالس, فإن فعل لزمه.
قال ابن عمر لامرأة قالت له: إن زوجي طلقني ثلاثاً في كلمةٍ واحدة؟ قد بنتِ منه, ولا ميراث بينكما, وقد عصى ربَّه وخالف السنة.
[فصل 4 - في طلاق الصغيرة والآيسة]
ومن المدونة: قال مالك: والتي لم تبلغ المحيض يطلقها واحدةً متى شاء للأهِلَّة أو لغير الأهلَّة, وعدتها ثلاثة أشهر, وكذلك التي يئست من المحيض.
قال ابن شهاب: وقد/ كان يُقال: يستقبل بطلاقها الأهلَّة فهو أَسَد.
الجزء: 10 - الصفحة: 547
قال الشيخ: إذ قد يكون الشهر تسعة وعشرين يوماً فتعتد به, وإذا طلقها لغير الأهلَّة كانت عدتها تسعين يوما, فالطلاق للأهلة أخفُّ عليها.
ومن المدونة: قال مالك: فإن طلقها قبل الهلال أو بعده اعتدت من حين طلقها ثلاثة أشهر, ثلاثين يوماً كل شهر.
[فصل 5 - في طلاق المستحاضة]
قال مالك: ويطلق المستحاضة واحدةً متى شاء, وعدتها سنة.
قال ابن القاسم: كان في ذلك يطؤها أم لا.
قال الشيخ: يريد: لأنه ليس لها قرؤً يُعلم به براءة رحمها, فيُنهى عن وطئها لئلا يُدخل عليها اللبس في العدة.
قال: وله رجعتها ما لم تنقض السنة, فإذا مضت السنة حلَّت للأزواج إلا أن ترتاب -يريد: يحِسِّ البطن- فتقيم إلى زوال الريبة.
قال مالك: فإن كان لها قرؤ يعرف تَحَّراه فطلقها عنده واحدةً قبل أن يمس كغير المستحاضة.
قال في كتاب الاستبراء: ويكون ذلك لها قُرءاً , وتَحسب به إذا لم يشك النساء أنه دم حيض, وتحل به الأمة في البيع -يريد: أنه يطلقها إذا طهرت من الدم الذي تنكره وعادوها دم الاستحاضة, ولو طلقها في الدم الذي تنكره لجُبِرَ على الرجعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 548
قال مالك في كتاب ابن المواز: لا يبرؤها إلا السنة, لأن استحاضتها ريبة وإن رأت دماً تُنكِره.
قال: ولو طلقها في ذلك الدم لجبر على الرجعة.
قال بعض فقهائنا: جعلها تعتد بالسنة احتياطاً خوفاً أن لا يكون ذلك الدم دم حيضة, وجبره إذا طلق فيه على الرجعة احتياطاً أيضاً خوفاً أن يكون دم حيضة.
وفي النوادر: باقي كلام ابن المواز.
قال: وكل نكاحٍ يفسخ بعد البناء لحَرَامِه, أو كان مما يفسخ بطلاقٍ للاختلاف فيه, فإن ذلك كله يفسخ في الحيض, وتأخيره أعظم, وكل ما يفسخ قبل البناء لصداقة فإنه يفسخ في الحيض عند ابن القاسم وأشهب, وأما ما للولي إجازته أو فسخه فإن بنى فإنه لا يفرق فيه إلا في الطهر بطلقةٍ بائنةٍ, ويؤخَّر ذلك سيد العبد وولي السفيه حتى تطهر ثم يطلقها عليه بطلقةٍ بائنةٍ, ولو أعتق العبد ورشد السفية قبل الطلاق لم تطلَّق عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 549
[فصل 6 - في طلاق غير المدخول بها]
ومن المدونة: قال مالك: وله أن يطلقها قبل البناء واحدةً متى شاء وإن كانت حائضاً أو نفساء, إذ لا عدة عليها, ونهى عنه أشهب.
قال ابن المواز: وقول مالك أحبُّ إلينا.
قال عبد الوهاب: وإنما يطلق الصغيرة واليائسة من المحيض متى شاء لأن أوقاتها متساويةً بثلاثة أشهر, فيؤمَن فيهما ما يُخاف في الحائض والنفساء والطهر الذي قد مس فيه, إذ ليس في ذلك تطويل عدة ولا إلباس فجاز في كل وقت, وكذلك الحامل, لأن عدتها وضع الحمل, وكذلك المستحاضة, لأن عدتها سنة فلا تطويل في ذلك.
وفي طلاق غير المدخول بها حائضاً روايتان: الجواز والمنع, فوجه الجواز: أنه حالٌ لا يلحقها ضررً بالطلاق فيها, إذ لا عدة عليها, ففارقت المدخول بها.
ووجه المنع: فلأنه طلاقٌ في الحيض, وقد نُهِىَ عنه.
[فصل 7 - في الطلاق في الحيض]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته وهي حائض/ أنت طالقٌ للسنة, أو قال: فإذا طهرت فأنت طالقٌ, لزمته مكانه طلقةً, وجبر على الرجعة ولو قال: ثلاثاً للسنة, وقعن به ساعتئذٍ كانت طاهراً أو حائضاً وبانت منه.
ابن وهب: وإن ابن عمر طلق امرأته وهي حائض, فسأل عمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك, فقال له: «مُرْه فليراجعها, ثم ليمسكها, حتى
الجزء: 10 - الصفحة: 550
تطهر, ثم تحيض, ثم تطهر, ثم إن شاء أمسك وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة/ التي أمر الله تعالى أن يطلَّق لها النساء".
قال مالك: وإذا طلق المدخول بها طلقةً وهي حائض أو نفساء لزمه ذلك, وجبر على الرجعة وإن طهرت وحاضت الثانية وطهرت ما لم تنقض العدة فتحل له وقاله ابن القاسم.
ابن المواز: وقاله ابن الماجشون, وهو أحب إلي, لأنها رجعةٌ وجبت.
وقال أشهب: يحبر على الرجعة ما لم تطهر ثم تحيض ثم تطهر, فإذا صارت في الحال التي أباح النبي صلى الله عليه وسلم طلاقها لم يجبر على الرجعة.
قال عبد الوهاب: فوجه قول ابن القاسم: قوله صلى الله عليه وسلم: «مره فليراجعها» فأطلق ولم يقيد, ولأن العدة باقية, أصله ما لم تطهر الطهر الثاني.
ووجه قول أشهب: أنها صارت إلى حالٍ لو أراد طلاقها فيه لجاز له, فلا معنى للإجبار على الارتجاع, مع إباحة الطلاق.
وإنما شرطنا أنه إن كان رجعياً جبر على الارتجاع, خلافاً لأبي حنيفة والشافعي لحديث ابن عمر, ولأن فيه تطويلاً على المرأة فنهى عن الضرر بها, فلما اقتحم وأضرَّ بها عُوقب بالإجبار على الرجعة وردها إلى حال الزوجية ليزول الضرر عنها, فإن شاء الطلاق طلق للعدة التي أمر الله بها.
الجزء: 10 - الصفحة: 551
وإنما قلنا: يمسكها حتى تطهر, ثم تحيض, ثم تطهر, ثم يطلق في الطهر الثاني إن شاء للحديث, ولأنا إنما أمرناه بالرجعة نظراً للمرأة, لئلا يضر بها في تطويل عدتها, فيجب أن يُنظر له أيضاً ليكون له حظٌ في الرجعة من الاستمتاع, فإذا حصل منه الاستمتاع في الطهر الذي يلي الحيض لم يطلق فيه على ما بينَّا أنه لا يطلق في طهر مسَّ فيه, فإذا طهرت طُهراً ثانياً جاز له الطلاق قبل أن يمس, ولأنا لو ألزمناه بالارتجاع ولم نُبِحُ له الوطء لم يجز ذلك, وإذا وطئ منعناه الطلاق, إذ لا يطلق في طهر قد مسَّ فيه, وإذا تعقَّبه بالطلاق في الحيض صار ممنوعاً, فإذا طهرت الثانية لم يبق سببٌ يُمنع الطلاق لأجله.
والله أعلم.
قال أبو عمران: إنما مُنع أن يطلق في الطهر الذي يلي الحيض الذي جبر فيه على الرجعة عقوبةً له إذا أراد تطويل العدة عليها, فمُنع حتى يمرَّ له زمانً يجوز له الوطء فيه وإن لم يطأ, ولو أنه رغب فراجعها في ذلك الحيض من غير إجبارٍ لكان له أن يطلقها في الطهر الذي يليه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا يطلقه بعد طهرها من الدم الذي ارتجع فيه بالقضاء, فإن فعل لزمه, ولا يجبر على الرجعة.
قال الشيخ: لأن الإمساك فيه إنما كان لكون له حظٌ في الاستمتاع, فهو الذي ترك حظه, وطلق طاهراً فلم يجبر على الارتجاع.
قال عيسى بن دينار: وإن طلقها وهي حائضً ثم طهرت من حيضتها فأردفها طلقةً في ذلك الطهر قبل أن يرتجع فإنه يجبر على رجعتها, ولا ينجيه ما أردف من الطلاق من الرجعة التي لزمته, وهو يجبر ما كانت في عدتها على الرجعة ما لم يرتجع.
الجزء: 10 - الصفحة: 552
وكذلك في العتبية من سماع أصبغ عن ابن القاسم.
قال بعض فقهائنا: إذا طلق في الحيض فجبر على الرجعة ثم طهرت وحاضت فأردفها طلقةً ثانيةً فإنه يجبر أيضاً على الرجعة, وكذلك لو لم يجبر أولاً على الرجعة حتى طهرت ثم حاضت فأردفها طلقةً لجبر على الرجعة, لأنها زوجته ما لم تنقض العدة من الطلقة الأولى.
وإذا أجبر على الرجعة سقط ما مضى من العدة, لأن الرجعة تهدم العدة, فإن لم يجبر على الرجعة في الطلقة الثانية حتى انقضت العدة من الطلقة الأولى فقد بانت منه, ولا تبتدئ العدة من الطلاق الثاني, لأنه لم ينهدم ما مضى, وهذا بيَّن والله أعلم.
ومن كتاب ابن المواز: قال/ عقيب كلام أشهب: ومن طلق في حيض أو نفاس, ابتدأ ذلك أو حنث فيه, جبر على الرجعة, وإن أبى هدَّدته بالسجن, فإن أبى سجنته, فإن فعل بالقرب وإلا ضربته بالسوط, فإن تمادى لزمته الرجعة وكانت له رجعة, وقاله ابن القاسم وأشهب.
قال أبو عمران في الذي يمنع من الرجعة فيجبر عليها: له الوطء بعد ذلك كالمتزوج على طريق الهزل أن النكاح يلزمه, وله الوطء, ويكون نكاحاً صحيحاً ورجعةً صحيحةً.
وقال بعض البغداديين في المطلق في الحيض إذا امتنع من الرجعة وجبر على الرجعة وليس له نيةً في ارتجاعه: لم يكن له أن يستمع بها, فإن نوى ذلك جاز له الاستمتاع, وهذا خلاف ما تقدم لأبي عمران.
الجزء: 10 - الصفحة: 553
قال سليمان بن يسَار وغيره: إذا طلقت النفساء أو الحائض لم تعتد بدم نفاسها ولا بدم حيضها, واستقبلت ثلاثة قروء.
قال ابن القاسم: ولا تطلق التي رأت القَصَّة البيضاء حتى تغتسل بالماء, فإن فعل قبل ذلك لزمه, ولا يجبر على الرجعة.
قال الشيخ: لأنها طاهرٌ لم يبق عليها إلا الغُسْل كالجُنب.
قال ابن القاسم: وإن كانت مسافرةً لا تجد الماء فتيمَّمت جاز له أن يطلقها بعد التيمم لجواز الصلاة لها حينئذ.
قال في كتاب اللعان: ومن قذف زوجته أو انتفى من حملها وهي حائضٌ أو نفساءٌ فلا يتلاعنا حتى تطهر, وكذلك إن حل أجل التلوم في المعسر بالنفقة أو العنِّين أو غيره والمرة حائضٌ فلا تطلق عليه حتى تطهر, إلا المولي فإنه يطلق عليه عند الأجل إن قال: لا أفيء.
قال ابن المواز: ويجبر على الرجعة.
وقال أشهب عن مالك: لا تطلق عليه حتى تطهر.
قال الشيخ: فوجه قوله: تطلق عليه الأجل, لأن الله عز وجل جعل أجله أربعة أشهر, فإذا قال: لا أفيء, تطلق عليه, ولا يزيد فيما أجَّل الله عز
الجزء: 10 - الصفحة: 554
وجل, ولأن غيرنا يقول بمضي الأجل تبين منه, ولا يُنظَر إلى فيئته بعد ذلك فلذلك تطلق عليه عند الأجل إذا قال: لا أفيء, وإن كانت حائضاً.
ووجه قول أشهب: أنه طلاقٌ في الحيض, وقد نُهي عنه, واعتباراً بأجل العنَّين والمعسر بالنفقة.
قال ابن المواز: وإن قال: أنا أفيء, أمهله السلطان حتى تطهر, ولا خلاف في هذا بين أصحاب مالك.
ولا تختار المعتقة تحت العبد في الحيض حتى تطهر, وكذلك المخيَّرة فإن فعلت لزم.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم في المطلق في الحيض إذا جبر على الرجعة أيطؤها إذا طهرت وهو يريد أن يطلقها في الطهر الثاني؟
قال: نعم.
وروى عنه أصبغ فيمن طلق امرأته فقالت: طلقني في الحيض, فقال: بل وأنت طاهر, فالقول قوله.
وقال ابن سحنون عن أبيه: إذا طلقها فقالت: إني حائضٌ, أنها مصدقةٌ, ولا تُكشَف, ويجبر على الرجعة, ولا أرى أن ينظر إليها النساء.
الجزء: 10 - الصفحة: 555
قال الشيخ: ولو قال قائل: يَنظر إليها النساء بإدخال الخِرقَة في نفسها ولا كُشْفَة في ذلك, لرأيته صواباً, لأن ذلك حق للزوج كعيوب الفرج والحمل, ولأنها تُتَّهم على عقوبة الزوج بالارتجاع, ولا ضرر عليها في الاختبار, فوجب أن تُتختبر, والله أعلم.
وذكر عن ابن عمران في الحامل إذا حاضت على حملها: للزوج أن يطلقها في ذلك الحيض, لأن عدتها إنما هي بوضع الحمل, وإنما كُرِه الطلاق في الحيض, لأنها لا تعتد بذلك فتطول عليها بذلك العدة.
وجرى لابن القَصَّار في كتابه لما عورض بقول المخالف: لو كانت الحامل تحيض لَحَرُم الطلاق فيه, قال: فكذلك نقول: إنه حرام.
قال بعض فقهائنا: وقول أبي عمران أصح, لأن العلة في منع الطلاق في الحيض/ تطويل العدة, وذلك منتفٍ في الحامل.
وكذلك ينتفي في التي تلد ولداً ويبقى في بطنها آخر, فيطلقها في ذلك الدم أنه لا يجبر على الرجعة, إذ ليس فيه تطويل العدة, لأنها تنقضي بوضع الولد الآخر, وسواءً في ذلك على قول من قال: حالها حال النفساء, أو حال الحامل.
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن القَرَوي وغيره: إذا انقطع الدم عن المرأة فطلقت, ثم عاودها الدم بالقرب, أن الزووج يجبر على الرجعة, لأنه دمٌ مضافٌ إلى الأول, وحكمه حكم حيضةٍ واحدة, وقاله أبو عمران.
وقد قيل: إنه لا يجبر على الرجعة, لأنه طلق طاهراً, ولم يتعد, والأول أصوب, لأنها كحيضةٍ واحدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 556
فصل [8 - في تحريم المطلقة على نطلقها حتى يراجعها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن طلق زوجته طلاقاً يملك فيه الرجعة فلا يتلذَّذ منها بنظرٍ أو غيره وإن كان يريد رجعتها حتى يراجعها.
ابن وهب: وقد طلق ابن عمر زوجته في مسكن حفصة زوج النبي صلى الله عليه وسلم, وكان طريقة إلى المسجد في حجرتها, فكان يسلك طريقاً آخر كراهية أن يستأذن عليها حتى راجعها.
قال ابن القاسم: وكان مالك يقول: لا بأس أن يدخل عليها ويأكل معها إذا كان معها من يتحفَّظ بها, ثم رجع فقال: لا يدخل عليها ولا يرى شعرها, ولا يأكل معها حتى يراجعها, وإن كان معها فلينتقل عنها.
ابن وهب: وقد انتقل ابن عمر وعروة بن الزبير.
قال الشيخ: فهذا يؤيد أنها محرمةٌ بالطلاق حتى يراجعها.
الجزء: 10 - الصفحة: 557
[الباب الثاني]
في طلاق الحر والعبد, وعدة الحرة والأمة وجامع القول في العدة
[فصل 1 - في طلاق الحر والعبد]
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة:229] إلى قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة:230].
قال مالك: فجميع طلاق الحر المسلم ثلاث تطليقات, كانت زوجته حرةً أو أمةً مسلمةً, أو كتابيةً لعموم الظاهر.
قال مالك: وعدة الحرة المسلمة والكتابية المدخول بها في الطلاق إذا كانت ممن تحيض ثلاثة قروءٍ كما قال الله عز وجل, وسواءٌ كان زوجها حراً أو عبداً.
قال: وجميع طلاق العبد ومن فيه بقية رِقً طلقتان, كانت زوجته حرةً أو أمةً, وعدةً, وعدة الأمة قُرآن, كان زوجها حراً أو عبداً, لأن الله عز وجل جعل حدَّ الأرقاء نصف حدِّ الأحرار, والطلاق والعدة من معاني الحدود ويحرُّ إلى ما يوجبها فلما كانت الطلقة والقرء لا ينقسم جبر ذلك عليها وعليه, فجُعِل عليه طلقتان وعليها قُرءان.
الجزء: 10 - الصفحة: 558
قال بعض البغداديين: ولما كان الطلاق مضافاً إلى الرجال وجب أن يُعتبر بالرجال, ولما كانت العدة مضافةً إلى النساء وجب أن تُعتَبر بالنساء, فإذا كان المطلق حراً كان طلاقه ثلاثاً كانت زوجته حرةً أو أمةً, مسلمةً أو كتابيةً, كما أن عدة الحرة ثلاثة قروءٍ, والأمة قرءان, ولا يُلتفت إلى زوجها هل هو حرٌ أو عبدٌ.
فصل [2 - في عدة الحرة والأمة]
قال مالك: فعدة الحرة المسلمة أو الكتابية المدخول بها في الطلاق إذا كانت ممن تحيض ثلاثة قروء, وهي الأطهار كما ذكرنا, لقول الله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228].
قال مالك: وعدة اليائسة من المحيض والصغيرة التي لم تبلغ المحيض في الطلاق إذا بنى بها ثلاثة أشهر, لقول الله عز وجل: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:4] , ويستوي في هذه الحرة والأمة لعموم الظاهر, ولأن طريقة براءة الرحم كوضع الحمل.
قال مالك: وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ يقول: إن شككتم فلم تَدرُوا ما عدتهن.
الجزء: 10 - الصفحة: 559
قال مالك: وعدة الحامل وضع آخر حمل في بطنها.
قال الشيخ: لقوله عز وجل/: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [البقرة:4] فعم, ويستوي فيه الحرة والأمة والمسلمة والكتابية والمطلقة والمتوفي عنها زوجها, لعموم الظاهر, ولأنه يُعلم به براءة الرحم بيقين, ولأن سَبَيعَة الأسلمية ولدت بعد وفاة زوجها بنصف شهر, فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قد حللتِ فانكحي من شئت».
قال: وليس على المطلقة قبل البناء عدة.
قال الشيخ: لقوله عز وجل: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49].
وقال: وعدة الحرة في الوفاة أربعة أشهرٍ وعشراً, بنى بها زوجها أم لا
الجزء: 10 - الصفحة: 560
قال الشيخ: لقول الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234] , فَعَمَّ, ولأن طريقها العبادة المحضة دون براءة الرحم, فلذلك كانت على غير المدخول بها.
قال: وعدة الأمة ومن فيها بقية رقٍ في الوفاة إذا كانت ممن تحيض, أو غير مدخولٍ بها, أو صغيرةً لا يوطأ مثلها شهران وخمس ليال.
قال الشيخ: لأنها عدةٌ يمكن تبعيضها فكانت على النصف من الحرة كالإقراء.
قال: وإن كانت يوطأ مثلها ولم تحض أو يائسة من المحيض وقد بنى بها رُفعت إلى تمام أشهر, وقاله في غير المدونة.
قال الشيخ: وقد احترزنا من وضع الحمل, لأن الوضع لا يتنصَّف, ومن الثلاثة أشهر, لأنها براءة رحم, وهي أقل ما يُعلم به براءته فلم يمكن تنصيفه.
قال: وعدة أم الولد ومن فيها بقية رقٍ في الطلاق كعدة الأمة, إن كن يحضن فحيضتان, إذ لا تنقسم الحيضة فجُبرت عليها, وسواء كان الزوج في جميعهن حراً أو عبداً, وإن كن لم يحضن أو يئسن من المحيض فثلاثة أشهر, إذ لا يبرأ رحمً بأقل من ذلك إلا في حيض.
ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن العزيز وغيرهما من أهل العلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 561
قال أبو بكر الأَبَهِري: العدة في المطلقة المدخول بها, للاستبراء لا عبادة فيها وإنما جعل الاستبراء على حسب حُرمة المستبرأة, فإن كانت أمةً ليست بزوجة استبرئت بحيضة, وإن كانت أمةً زوجة استبرئت بحيضتين, وإن كانت حرةً استبرئت بثلاث حِيَض كالحدود, وإنما هي موضوعةً على حسب حُرمة المحدودين من العبيد والأبكار والمحصنين من الأحرار.
قال: والدليل على أنها لا عبادة فيها أن الله عز وجل لم يوجبها على المطلقة قبل البناء, لأنها لا تحتاج إلى براءة رحم, وأوجب الله عز وجل العدة في الوفاة التي هي عبادةً على المدخول بها وغير المدخول بها, فَعُلِم بهذا فصلُ ما بين العدتين.
قال بكر القاضي: إن القرء الأول لاستبراء الرحم, والقرءان الآخران عبادة.
قال الشيخ: وما ذكره الأبهري أبين والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 562
فصل [3 - جامع القول في العدة]
قال مالك في كِرَاء الدور: وإن طُلقت التي عدتها بالشهور, أو مات عن امرأةٍ زوجها في بعض الشهر, اعتدت الشهر الأول بالأيام ثلاثين يوماً, وباقي الشهور بالأهلة.
ورواه ابن وهب عن مالك.
وذكر أنه اختلف قوله في بعض اليوم, فقال: يحسب إلى مثل تلك الساعة, ثم رجع فقال/ نُلغيه.
قال الشيخ: فوجه الأول: قوله عز وجل: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق:4] , ووجه أننا نلغي ذلك اليوم: احتياطاً لصعوبة ضبط الوقت, والأول أقيس, قاله بعض فقهائنا.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا بلغت المرأة الحرة عشرين سنة, أو ثلاثين فلم تحض فعدتها في الطلاق ثلاثة أشهر, ولو تقدم لها حيضةً مرةً لطالبت الحيض ما بينها وبين تسعة أشهر, فإن لم يأتها اعتدت بسنةٍ من يوم الطلاق, تسعة أشهرٍ منها براءة تأخير الحيض.
قال الشيخ: لأنها غالب مدة الحمل./
قال مالك: ثم ثلاثة أشهر عدة, لأنها صارت من ذوات الاعتداد بالشهور, والأصل في هذا قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أيُّما امرأةٍ
الجزء: 10 - الصفحة: 563
طُلقت فحاضت حيضةً أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها فإنها تنتظر تسعة أشهر, وينظر إليها النساء, فإن قلن: بها حملٌ فذلك, وإلا اعتدت بعد التسعة بثلاثة أشهر, وهذا قول إمام صحابي لا مخالف له, ووجهه ما ذكرناه.
قال ابن المواز: إلا أن تعتد بالسنة من زوج قبله فتصير ممن عدتها ثلاثة أشهر, حتى يعاودها حيضً فتطالبه, أو تعاود السنة.
قال الشيخ: فوجه ذلك: أنها جلست للريبة تسعة أشهرٍ غالب مدة الحمل فصارت من أهل الاعتداد بالشهور واعتدت بها, فلا تنتقل عنها إلا أن يعاودها حيضٌ فتطالبه أو تجلس سنةً كأول مرة.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا حاضت بعدما مضى من السنة عشرة أشهرٍ رجعت إلى الحيض, فإن ارتفع ائتنقت سنةً من يوم انقطع الدم عنها, ثم إن عادوها الدم في السنة رجعت إلى الحيض, هكذا تصنع حتى تتم حِيَض أو سنةً لا حيض فيها.
قال الشيخ: لأنها إذا تم لها ثلاث حيض فقد اعتدت بالإقراء, وإن تمت لها سنة ولم تحض فقد اعتدت عدة المرتابة, واعلم أنها إذا حاضت قبل تمام السنة ولو بيومٍ فإنها ترجع تطالب الحيض, وإن حاضت بعد السنة ولو بيوم حلَّت بتمامها.
قال ابن المواز: فإن كان شأنها أن تحيض من سنة إلى سنة, أو إلى أكثر من سنة, أو من ستة أشهرٍ إلى مثلها فلتعتد بالسنة, فإن جاء وقت الحيضة فيها فلم تحض حلَّت بتمامها, وإن مرَّت السنة ولم يأت وقت حيضتها انتظرتها, فإن جاء وقتها ولم تحض حلَّت بتمامها وإن حاضت كالغد, وإن جاء وقتها فحاضت
الجزء: 10 - الصفحة: 564
استقبلت بعد طهرها منها سنة, فإن تمت السنة ولم يأت وقت حيضتها انتظرت وقتها, فإن انتهى ائتنقت أيضاً ووقت مجيء حيضتها, فإن انتهى عند وقتها فقد حلت, لأنها قد تم لها ثلاثة قروء, فإن لم تأتها عند وقتها فقد حلت أيضاً, لأنها قد مضى لها السنة ووقت حيضتها ولم تحض.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإن كانت ممن لا تحيض إلا من ستة أشهر إلى مثلها أو من خمسة أشهر إلى مثلها فانقضت عدتها في الوفاة ولم يأت وقت حيضتها المعتادة فقد حلت وإن قرُب وقت حيضتها, إلا أن ترتاب بحسَّ البطن, فإن مرَّ وقت الحيضة ولم تحض رفعت إلى التسعة من يوم الموت.
محمد: وقال أشهب عن مالك: إنها إذا يأت وقت حيضتها في شهور العدة, أنها تقيم حتى تحيض, ثم رجع إلى ما ذكرنا.
وقال سحنون عن أشهب في أم الولد يموت سيدها أو يعتقها, والأمة تعتق أو تباع, وشأنها أن تحيض في كل ستة أشهر, أو في كل سنةٍ مرة: إنهن يحللن بثلاثة أشهرٍ إذا نظرهن النساء فلم يرين بهن شيئاً, بخلاف الحرة, لأن تلك عدةً وهذا استبراء.
قال أشهب: وهذا على آخِرِ قول مالك, وعلي أول قوله: يبلغن تسعة أشهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 565
قال الشيخ: يريد: إلا أن يحضن قبل ذلك.
قال عبد الوهاب: وأما التي ترتفع حيضتها لرضاعٍ فلا تعتد إلا بالإقراء, فتمكث متوقفةً حتى تراه, طال الوقت أم قصر, والإجماع على ذلك, والمعنى.
فأما الإجماع فإن حَبَّان بن منقِذ/ طلق امرأته وهي ترضع, فمكثت نحو سنةٍ لا تحيض من أجل الرضاع, ثم مرض فخاف أن ترثه إن مات فخاصمها إلى عثمان رضي الله عنه وعنده علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت رضي الله عنهما, فقال لهما: ما تريان؟ فقالا: نرى أنها ترثه, لأنها ليست من القواعد اللاتي يئسن من المحيض, ولا من الأبكار اللاتي لم يحضن, فهي عنده على حيضتها ما كان من قليلٍ أو كثير, لم يمنعها إلا الرضاع, فانتزع حَبَّان ابنه, فلما حاضت حيضتين مات حَبَّان فورِثَته, فاعتدت عدة الوفاة, فأجمعوا أن التأخير بالرضاع لا يسوغ لها الاعتداد بغير الحيض, وعللوا ذلك بأنها ليست ممن لم تحض ولا آيسة.
والمعنى هو: أن جري العادة بأن الرضاع يؤثر في تأخير الحيض, فلا يكون ذلك ريبة, فإذا كان كذلك وجب انتظار زواله.
وأما تأخير الحيض بمرض ففيه روايتان:
إحداهما: أنه كالرضاع, والأخرى: أنه ريبة.
فوجه القول أنه كالرضاع: أن سبب تأخير الحيض معروف, وذلك لأن المرض يؤثر في ذلك, لأنه يُضعف القوة, أو يكون فيه ما يحرق الدم أو يحبسه فكان كالرضاع.
الجزء: 10 - الصفحة: 566
ووجه القول بأنه ريبة: أنه ليس فيه عادةٌ متقررةٌ بتأخير الحيض, ولا اختصاص في ذلك ببعض الأمراض دون بعض فكان ريبة.
قال الشيخ: ونحو هذا كله في كتاب ابن المواز.
قال: وقاله في المرضع عثمان وعلي وزيد ومالك وأصحابه رضي الله عنهم.
قال عن مالك: وإذا طلب الزوج انتزاع ابنه الرضيع ليتعجَّل حيضتها خوفاً أن ترثه فذلك له في الطلاق الرجعي خاصة.
ولو قال: لأني أريد نكاح أختها أو عمتها, أو كانت رابعةً فقال: أريد نكاح غيرها, فذلك له بالقضاء إذا عُلم صدقه, وأنه لتأخير الحيض ولم يطلب ضرراً بها ولا بالولد.
قال مالك: وهذا في صبيً يقبل غير أمه, وأما إن خيف عليه إن نُزع منها مات فهذا لا ينزع منها, وكذلك فيما ذكرنا إن كانت هي الطالبة لطرحه, وكله قول مالكٍ في طلاق الرجعة.
وأما البائن وفي الوفاة فلا.
الجزء: 10 - الصفحة: 567
قال الشيخ: وذكر له اختلاف القول في ارتفاع الحيض لمرض.
قال فروى ابن القاسم عن مالك: أن عدتها سنة, وقاله ابن القاسم وابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال أشهب: عدتها بالإقراء وإن تباعدت.
ابن المواز: وهذا أحب إلينا.
قال الشيخ: لأن علتهما واحدة, أعني المرض والرضاع.
قال بعض فقهائنا: وقد فرق بعض الناس بين المرضع والمريضة على قول ابن القاسم من أجل أن المرضع تستطيع رفع ذلك بإسلام الولد, ولا تستطيع رفع المرض.
ابن المواز: قال مالك, وذكره ابن سحنون عن أشهب وعبد الملك وسحنون أنهم قالوا: عدة المرضع والمريضة في الوفاة أربعة أشعر وعشرً, وإن كانت أمةً فثلاثة أشهر, لأنه أقل ما يبرأ به الرحم.
ومن المدونة: قال مالك: والتي لم تحض قط قبل الطلاق, وأما اليائسة من المحيض ترى الدم بعدما أخذت في عدة الأشهر, فلترجع إلى عدة الحيض وتلغي الشهور, وتصنع كما وصفنا في المرتابة, هذا إن قال النساء فيما رأته اليائسة: إنه دم حيض, وإن قلن: إنه ليس بحيض, أو كانت في سنً من لا تحيض, من بنات السبعين أو الثمانين لم يكن حيضاً, وتمادت في الأشهر.
وقال أشهب في غير المدونة: ولا تعتد به ولكنها تدع له الصلاة وتطهر منه, وعدتها ثلاثة أشهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 568
ومن المدونة: قال مالك: والعدة في الطلاق بعد الريبة, وفي الوفاة قبل الريبة.
قال الشيخ: وإنما كان ذلك لأن المطلقة إذا كانت/ ممن تحيض مأمورة بمطالبة الحيض لِتَعلم الأقراء فتعتد بها كما أمرها الله عز وجل, فإذا فقدت الحيض فقد ارتابت, فوجب أن تختبر ذلك بحلوس غالب مدة الحمل, والحمل تسعة أشهر, فإذا جلستها ولم يتبين بها حملٌ فقد صارت من القواعد اللاتي لا يحضن, فوجب أن تنتقل عدتها إلى الشهور, فلذلك قال: عدتها في الطلاق بعد الريبة.
وأما المتوفى عنها زوجها فإنما عدتها بالشهور, فإذا مات زوجها أخذت في العدة, إذا ليست الشهور أمراً يغيب عنها كالحيض, فإن جاء وقت حيضتها فلم تحضها رفعت إلى تسعة أشهر خوف الحمل, فإن لم يتبين أمره حلت, فصارت الريبة طارئةً على العدة, فلذلك قال مالك فيها: إن العدة قبل الريبة.
وبعد هذا بابٌ فيه إيعاب عدة المتوفى عنها زوجها.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أتمت المرأة أربعة أشهرٍ في الوفاة, ثم استبرأت نفسها انتظرت حتى تزول الريبة عنها, ثم تحل.
قال مالك: وإن كانت الأمة ممن تحيض فرفعتها حيضتها لم يطأها المبتاع حتى يمضي لها ثلاثة أشهر, إلا أن ترتاب فيرتفع بها إلى تسعة أشهر, فإن زالت الريبة قبلها حلت, وإن تمادت بعدها لم توطأ حتى تذهب الريبة.
وفي كتاب الاستبراء إيعاب هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 569
قال مالك: وإذا اختلفت الدم على المطلقة فرأته يومين أو ثلاثة, ثم رأت الطهر مثل ذلك, ثم رأت الدم كذلك, فهي إن تمادى بهما كالمستحاضة, إلا أن يكون ما بين الدمين من الطهر ما لا يضاف بعضه إلى بعضٍ فيكون الثاني حيضاً مؤتَنقاً.
قال مالك: وليس الأربعة الأيام والخمسة وما قرب [منها] بطهر.
قال: وعدة المستحاضة من حرةٍ أو أمةٍ في الطلاق سنة, إلا أن ترتاب فتقيم إلى ذهاب الريبة, وإن كان قرءٌ معلومٌ اعتدت به, لأنها حينئذٍ من ذوات الأقراء.
وروى عن مالك: أن عدتها سنةً على كل حال, لأن استحاضتها ريبة.
وأما المرتابة بتأخير الحيض في الطلاق وهي أمة فكما ذكرنا في الحرة تعتد بالسنة, تسعة أشهر براءة الرحم, وثلاثة أشهرٍ عدة.
وكذلك قضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه في المرتابة والمستحاضة, وأما في الوفاة فهما مأمورتان من يوم الوفاة بعدة الشهور, أربعة أشهرٍ وعشرٍ للحرة, وشهران وخمس ليالٍ للأمة, فإن حدثت ريبةً بتأخير الحيض أكملتا من يوم الوفاة تسعة أشهر ثم حلتا.
قال ابن المواز: قال مالك: عدة المستحاضة في الوفاة أربعة أشهرٍ وعشرً, والأمة ثلاثة أشهرٍ إلا أن تحسَّ بريبةٍ فتتربص إلى زوالها.
وروى عنه أيضاً: أن المستحاضة تقيم في الوفاة تسعة أشهر, لأن استحاضتها ريبة.
الجزء: 10 - الصفحة: 570
قال: وإذا نكحت الأمة في عدة الوفاة بعد شهرين وخمس ليالٍ وقبل ثلاثة أشهرٍ فُسخ, ولم يعاقبا إلا أن تنكح قبل شهرين وخمس ليال, وقبل شهرٍ ونصف في الطلاق.
هذا كله قول أشهب, لأنه لا يبرأ رحِمٌ ولا يستبين حملٌ في أقل من ثلاثة أشهر.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية في الأمة المرضع: أن عدتها في الوفاة شهران وخمس ليال, وتحلَّ بها وإن لم تحض, إلا أن تستريب بالحِس.
ابن المواز: قال أصبغ: وإن تزوجت الحرة المستحاضة, أو المسترابة بتأخير الحيض بعد أربعة أشهرٍ وعشرٍ في الوفاة وقبل تمام تسعة أشهر لم يفسخ نكاحها, لأنها/ اعتدت بما أمرت به, وقد أبهم الله ذلك, وقد عَلِم أن منهن من تحمل, وإنما الزيادة استظهار, إلا أن تجد من بطنها حركةً فيفسخ إن نكحت قبل ذلك وقبل زوالها.
وإذا استبرأت معتدةً بحِسِّ بطنها جلست خمس سنين, فذلك أقصى كل عدةٍ يلحق فيها ولدً, أو استبراء, وهذا في الطلاق والوفاة وغير ذلك.
قال عبد الوهاب: وعنه في أكثر مدة الحمل ثلاث روايات:
إحداها: أربع سنين, والثانية: خمس سنين, والثالثة: سبع سنين, وفائدة الخلاف امتداد التربُّص بالمرتابة, وأن المطلقة إذا أتت بولدٍ لأكثر من مدة الحمل من وقت الطلاق لم يُلحق به.
الجزء: 10 - الصفحة: 571
فوجه الأولى: ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لامرأة المفقود أربع سنين, لأن أكثر مدة الحمل, وروى مثله عن عثمان وعلي رضي الله عنهما, ولا مخالف لهم.
وقد ذكر أصحابنا المدنيون: أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين.
ووجه الاعتبار بالخمس: إن ذلك قد وُجد, وذُكر عن ابن عجلان وجوده.
قال: وأما السبع سنين فلم نقف على وجهٍ لها.
قال الشيخ: ومن الدولة: أن امرأة ابن عجلان ولدت له أيضاً في سبع سنين, وهذا وجه الثالثة.
الجزء: 10 - الصفحة: 572
[الباب الثالث]
في الانتقال من عدة إلى عدة ومن أين تحسب عدة الوفاة والطلاق؟
[فصل 1 - في انتقال الحرة من عدة إلى عدة]
قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234] فوجب لذلك إذا مات الزوج وزوجته في عدة من طلاق غير بائن, والطلاق في صحته أو في مرضه أن تنتقل إلى عدة الوفاة, وترثه, لأن أحكام الزوجية جارية عليها, وقاله مالك.
ابن وهب: وقال ابن عباس وسليمان بن يسار: عليها أقصى الأجلين
قال الشيخ: ووجه ذلك: أن كلا العدتين لزمتها, فاحتاط لها بأن تبلغ أقصاها.
وفي كتاب ابن المواز: إن الموت يهدم العدة كما تهدمها الرجعة.
ومن المدونة: قال مالك: وإن مات وهي في عدة من طلاق بائن, والطلاق في صحته أو في مرضه لم تنتقل إلى عدة الوفاة, وتمادت على عدة
الجزء: 10 - الصفحة: 573
الطلاق, لأن الموت صادفها وهي أجنبية, وورثته في طلاق المرض لا في طلاق الصحة.
وكذلك إن مات بعد العدة, والطلاق بائنٌ أو غير بائنٍ, فلا عدة عليها لوفاته, وترثه في طلاق المرض لا في طلاق الصحة.
فصل [2 - في انتقال الأمة من عدتها إلى عدة الحرائر وعدمه]
قال مالك: وإذا مات عن الأمة زوجها, فلما اعتدت شهراً أو شهرين عتقت, فإنها تبني على عدة الأمة, ولا تنتقل إلى عدة الحرائر, وكذلك إن طلقت طلاقاً بائناً فاعتدت حيضةً أو شهرين ثم عتقت, فلتبن على عدتها ولا تنتقل إلى عدة الحرائر.
قال الشيخ: لأن العدة الأولى قد لزمتها عدة أمة, فلا تأثير للعتق فيما قد لزمها, بخلاف الموت, لأن الموت لم ينقلها من عدة الأمة, وإنما نقلها من عدة طلاق إلى عدة موت, لأنها زوجة مخاطبةً بعدة الموت كالحرائر, وفي العتق, يريد: أن تنتقل من عدة أمةٍ إلى عدة حرةٍ فلم يجب, ولأن الموت أمرً يوجب العدة كالطلاق, فوجب أن تنتقل إلى عدته كل زوجة, لأنها مخاطبةٌ بها, والحرية لا توجب عدة, فلا تنقلها عما كان يلزمها, والله أعلم.
وقال أبو حنيفة: تنتقل إلى عدة الحرائر في الطلاق الرجعي قياساً على الموت.
الجزء: 10 - الصفحة: 574
قال ابن المواز:/ إذا طلقت واحدة, قم عتقت, ثم مات الزوج فإنها تنتقل إلى عدة الوفاة عدة الحرائر, ولو عتقت بعد موته انتقلت إلى عدة الوفاة عدة الأمة.
قال الشيخ: لأنه لما وجب الانتقال راعت حال نفسها لبطلان العدة الأولى.
قال ابن المواز: قال مالك: ومن طلق زوجته واحدةً ثم ارتجع فلم يطأها حتى طلقها ثانيةً فلتأتنف العدة.
ولو خالعها ثم نكحها في العدة فلم يطأها حتى طلقها في العدة ثانية, فلتبن على عدتها.
ولو نكح بعد الخلع ثم مات قبل البناء كان عليها أقصى الأجلين مع الإحداد من يوم موته.
قال الشيخ: وذكر عن الشيخ أبي عمران أنه اعترض قوله: عليها أقصى الأجلين, فقال: لا يلزم هذا إما أن يجعلها تمضي على عدة الطلاق, أو يجعل النكاح قد هدم عدة الخلع, فتعتد عدة الوفاة فقط.
قال: ويلزمه على هذا أن الحامل إذا خالعها زوجها, ثم تزوجها وتوفي عنها قبل الدخول أن يوجب عليها أقصى الأجلين.
فكأنه نحا أن وضع الحمل تنقضي به عدتها, وأن غير الحامل انقضاء عدتها أربعة أشهر وعشر من يوم مات زوجها.
الجزء: 10 - الصفحة: 575
قال الشيخ: ووجه قول محمد: أنها بالخلع صارت أجنبية, ولو مات قبل تزويجها لم تعتد منه, فهي بخلاف غير البائن, لأن تلك زوجة تعتد, وموته يهدم عدتها, ولا يهدم عدة هذه, فهي على تلك العدة حتى يدخل بها, ألا ترى أنه لو طلقها قبل أن يدخل بها لثبت على العدة الأولى, فلما كان الأمر كذلك رأى أن كلا العدتين قد لزمتها, فجعل عليها أقصى الأجلين, إذ لا تدخل عدة الحيض في عدة الشهور.
وأما الحامل فعدتها في الموت والخلع واحد, وهو وضع الحمل, فلم يغير الحمل عليها شيئاً, فلم يلزمه الاعتراض بالحامل لما بينَّاه, والله أعلم.
[فصل 3 - في عدة من مات زوجها الذمي بعد إسلامها]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلمت ذمية تحت ذمي, ثم مات زوجها لم تنتقل إلى عدة الوفاة.
قال الشيخ: لقوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة:234] والذمي ليس مِنَّا حتى يُسلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 576
[فصل 4 - في عدة الوفاة والطلاق من أين تحسب؟]
قال مالك: وإذا بلغ المرأة موت زوجها فعدتها من يوم مات.
قال الشيخ: كما أوجب الله عز وجل, لأن الأوامر عندنا على الفور.
قال مالك: وإن يبلغها ذلك حتى انقضت عدتها فقد حلَّت, ولا إحداد عليها, وكذلك لو طلقها وهو غائب فعدتها من يوم طلق, إذا قامت على الطلاق بينة, وإن لم يكن على ذلك بينة إلا أن الزوج قال لما قدم: كنت طلقتها, فالعدة من يوم إقراره.
قال الشيخ: لأنها حق لله عز وجل فلا يصدق في إسقاطها.
قال مالك: ولا رجعة له في ما دون الثلاث إذا تمت العدة من يوم دعواه, ولا يرثها.
قال الشيخ: لأنه أقر أنها بانت منه.
قال مالك: وترثه في العدة المؤتنفة, لأنها في ظاهر الحكم معتدة من طلاق رجعي.
[فصل 5 - فيما ترده المعتدة من مال زوجها]
قال: ولو كان الطلاق بائناً لم يتوارثا بحال, ولا يرجع عليها بما أنفقت من ماله بعد طلاقه قبل علمها لأنه فرَّط.
قال ابن المواز: ولو قدم عليها رجل فشهد بطلاقها وأعلمها, أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد غيره ممن بحكم به السلطان في الطلاق, وترجع بما تسلَّفت عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 577
وكذلك روى أشهب عن مالك في العتبية.
وقال سحنون عن ابن نافع: لا ترجع بما تسلَّفت عليه, بخلاف ما أنفقا من ماله.
ومن المدونة: وأما المتوفى عنها زوجها فإنها ترد ما أنفقت من ماله بعد وفاته, لأن ماله صار لسائر ورثته, فليس لها أن تختص بشيء منه دونهم.
قال مالك في المطلقة واحدة تقيم سنة ثم يهلك زوجها فتقول:/ لم أحض إلا حيضة واحدة, وتطلب الميراث, فإن كانت تُرضع صدَّقت, وإلا لم تصدَّق, إلا أن تكون كانت تذكر تأخير حيضها وتظهر ذلك فتصدق.
وذكر عيسى عن ابن القاسم في العتيبة قال: أما المرضع فتصدَّق حتى تفطم ولدها وبعد فطامه سنة.
وأما غير المرضع فتصدَّق حتى تأتي علها سنة, ذكرت ذلك أو لم تذكره, وعليها اليمين, إلا أن يكون سمع منها أنها حاضت ثلاث حيض.
الجزء: 10 - الصفحة: 578
[الباب الرابع]
جامع القول في الإحداد
[فصل 1 - في معنى الإحداد ومشروعيته]
أصل الإحداد في كلام العرب المنع, كقولهم: أحدَّت المرأة على زوجها, أي: مَنعَت نفسها من الزينة.
وفيها لغتان: أَحَدَّت, وحَدَّت, ومنه الحد في العقوبات, لأنه يمنع من إتيان ما يوجبها من سرقهٍ أو زناً أو فِرَّيَة.
وروى مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحلُّ لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الأخر أن تَحِدَّ على ميتٍ قوق ثلاث ليالٍ إلا على زوجٍ أربعة أشهرٍ وعشرا».
وجاءته صلى الله عليه وسلم امرأة فقالت: إن ابنتي توفي عنها زوجها, وقد اشتكيت عينيها أفتكحلهما؟ قال: "لا", قالت ذلك مرتين أو ثلاثاً, كل ذلك يقول: "لا", ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما هي أربعةُ أشهرٍ وعشرً, وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبَغَرة على رأس الحول»
الجزء: 10 - الصفحة: 579
قالت: زينب بنت أبي سلمة: كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها دخلت حِفْشَاً لها, ولبِست شرَّ ثيابها, ولم تمسَّ طِيباً ولا شيئاً حتى تمرَّ سَنَةً, ثم تُؤتَى بدابة, حمارٍ أو شاةٍ أو طيرٍ, فتَفَتَضُّ فقلما تفتَضُّ بشيء إلا مات, ثم تخرج فتُعطى بَعَرَةً فترِمي بها من وراء ظهرها, ثم ترجع يَعْدُ ما شاءت من الطيب وغيره.
قال عبد الوهاب: إنما مُنعت الحادُّ من الطيب وغيره من الزينة لأنهما داعيان إلى النكاح, فمُنعت من ذلك كما مُنع المُحرِم منه, ولأنها لما مُنعت من التصريح بالقول كانت بأن تُمنع مما هو أبلغ مما يدعو إلى ذلك أولى.
الجزء: 10 - الصفحة: 580
[فصل 2 - في المطلقة هل عليها إحداد؟]
ومن المدونة: قال مالك: ولا إحداد على مطلقةٍ بثلاثٍ أو واحدة, قال: وعلى كل معتدةٍ من وفاة زوجها الإحداد, وإن كانت صغيرةً أو ذميةً تحت مسلم, لعموم الخير.
وإنما لم يكن على المطلقة إحداد لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تَحِدَّ على ميتٍ إلا على زوج» , ولأن المطلقة لها من يحرسها ويمنعها من التزويج وهو الزوج, فلم تمنع من الطيب والزينة الداعيين إلى النكاح, والمتوفى عنها زوجها بخلافها.
[فصل 3 - في إحداد الكتابية]
ومن المدونة: وابن نافع لا يرى على الكتابية إحداد.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: عموم الخبر, ولأنها زوجةٌ متوفى عنها زوجها كالمسلمة, ولأن عدتها في الوفاة والطلاق كعدة الحرة المسلمة, فكذلك الإحداد.
ووجه قول ابن نافع: قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأةٍ تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحدَّ على ميتٍ إلا على زوج» , فجعل من وصف الحَادِّ الإيمان.
الجزء: 10 - الصفحة: 581
وقول مالكٍ أصح لما قدمنا.
[فصل 4 - في إحداد الأمة]
ومن المدونة: قال مالك: وعلى الأمة الإحداد.
قال الشيخ: لعموم الأخبار, واعتباراً بالحرة لعله كونها زوجةً متوفي عنها.
قال مالك: وتعتد حيث كانت تبيت, وليس لساداتها منعها من ذلك, ولهم أن يخرجوها نهاراً للبيع, لا يبيعونها إلا ممن لا يخرجها من الموضع الذي تعتد فيه حتى تتم العدة, ولا يزينوها للبيع بما لا تلبسه الحاد.
قال ابن الحبيب: قال مطرف وابن القاسم عن مالك: ولا/ إحداد على المرتابة حتى تنقضي الريبة وإن بلغت خمس سنين.
[فصل 5 - فيما لا تلبسه الحاد ولا تستعمله]
ومن المدونة: قال مالك: ولا تلبس الحادَّ شيئاً من الأصباغ, قال عروة: إلا أن تصبغ بسواد.
قال مالك: ولا تلبس رقيق عَصب اليمن, ووسَّع في غليظه, وتلبس رقيق البياض كله, وغليظه من الحرير والكتان والقطن.
الجزء: 10 - الصفحة: 582
قال: ولا تلبس خَزَّاً, قال مالك في المختصر الكبير, إلا الأبيض منه, والأسود.
ومن المدونة: قال مالك: ولا تلبس ما صبغ من ثيابٍ أو جِبَاب, حريرً أو كَتَّانً أو قِطْنَّ أو صوفً وإن كان أخضر أو أدكن إلا أن لا تجد غيره فتضطر إليه.
قال ابن القاسم: وهذا إذا كانت بموضعٍ لا تجد استبدالاً به فيجوز لها لبسه للضرورة, وإن وجدت بدله ببيع فليس لها لبسه.
قال مالك: ولا تلبس حُلْيَّاً, ولا قُرْطَاً, ولا خاتِماً, ولا خَلَخَالاً, ولا سِواراً, ولا خاتم حديد, ولا خُرْص ذهبٍ أو فضة, ولا تمسُّ طيباً.
قال ابن عمر: ولا تختضِب, قال ربيعة: ولا تُحِنَّط ميتاً.
قال مالك: ولا تَدَّهِن بزَنْبّق, ولا بَنَفْسَج, ولا خَيري, ولا شيء من
الجزء: 10 - الصفحة: 583
الأدهان المربَّيَة, وتدَّهِن بالزيت والشَّيْرَج.
قال: ولا تمشط بحنَّاءٍ ولا كَتَم, ولا بما يختمر في رأسها, وتمتشط بالسَّدْر وشبهه مما لا يختمر في رأسها.
قال: ولا تكتحل إلا من ضرورةٍ فلا بأس به وإن كان فيه طيب, ودين الله يُسر.
ابن المواز: قال مالك: وتكتحل بالليل وتمسحه بالنهار, وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: ولا تحضر عمل الطيب, ولا تبيعه, ولا تتَّجر به وإن لم يكن لها تكسبً إلا فيه حتى تحل.
وروى أشهب عن مالك في التي مات زوجها وقد امتشطت: لا تنقبض مشطها, أرأيت لو اختضبت, وقاله ابن نافع.
الجزء: 10 - الصفحة: 584
قال ابن أبي زمنين: وروى البرقي عن أشهب أنه قال: لا تدخل الحادَّ الحمَّام, ولا تطلي بالنَّورَة, ولا بأس أن تستَحِد.
وقال غيره: لها أن تدخل الحمَّام, ولا بأس أن تنظر في المرأة وتقلم أظفارها, وتدهن رأسها بالزيت وما لا طيب فيه.
وسبيل الأمة وأم الولد والمكاتبة والمدبرة سبيل الحرة المسلمة البالغة في الإحداد ولزوم العدة من الأزواج, إلا أن عدة من فيها بقية رقٍ في وفاة زوجها على النصف من أمد عدة الحرة.
وقد تقدم هذا ووجهه.
الجزء: 10 - الصفحة: 585
[الباب الخامس]
في عدة أم الولد من وفاة سيدها وزوجها
[فصل 1 - في عدة أم الولد من وفاة سيدها
أو عتقه إياها, أو وفاة زوجها]
قال مالك رحمه الله: وعدة أم الولد من وفاة سيدها أو عتقه إياها حيضة, وقاله ابن عمر وزيد بن ثابتٍ وكثيرً من السلف.
قال نافع: وقد أعتق ابن عمر أم ولده, فلما حاضت حيضة زوجها.
قال ابن القاسم: وأم الولد إذا مات زوجها وسيدها ولم يَعلم أيهما مات أولاً فلتعتد من أحدث المرتين أربعة أشهرٍ وعشراً, مع حيضة.
قال سحنون: وهذا إذا كان بين الموتين أكثر من شهرين وخمس ليال, أو لم يُعلم كم بينها, وإن كان بينهما أقل من شهرين وخمس ليال -يريد: أو شهرين وخمس ليالٍ سواء- فعليها أن تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً فقط.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لاحتمال أن يكون الزوج مات أولاً, فيجب عليها لوفاته شهران وخمس ليال, فإذا كان بين الموتين أو أقل لم يجب عليها لموت السيد حيضة, لأنها لم تحل له بعد, وإن كان بين الموتين أكثر من ذلك فقد حلت للسيد, فيجب/ عليها بموته حيضة, فوجب عليها في هذا الوجه شهران وخمس ليالٍ مع حيضة, وإن كان موت السيد أولاً فقد صارت حرة, ثم مات
الجزء: 10 - الصفحة: 586
زوجها فعدتها منه أربعة أشهرٍ وعشرً, فلما أشكل ذلك أحتيط لها, فجُعِل عليها أربعة أشهرٍ وعشراً مع حيضة, إذ الشهور من جنسٍ واحدٍ, فأغنى الأكثر عن الأقل, والحيضة ليست من جنس الشهور, فلا بد منها, فإن حاضتها في الشهور أجزأتها, وإلا طالبتها بعد الشهور, وإنما لم يجب عليها حيضة, إذ ليس بين الموتين شهران وخمس ليالٍ فأدنى, فالأربعة أشهرٍ وعشرً تجزئ من الشهرين وخمس ليال, وبالله التوفيق.
قال الشيخ: وبلغني أن غير واحدٍ من القرويين قال: إنما هذا على رواية ابن وهبٍ عن مالكٍ في الأمة تباع فيرتفع دمها: أنها تستبرئ بتسعة أشهر.
وأما على قول ابن القاسم الذي يرى أنه يبرئها ثلاثة أشهر, فلا حيضة عليها وإن كان بين الموتين أكثر من شهرين وخمس ليال, لأنها تعتد من أحدث الموتين أربعة أشهرٍ وعشراً, فإن عدمت الحيضة فيها فقد زادت على الثلاثة أشهر التي تبرئها.
قال الشيخ: وهذا الذي ذكروه غير صحيح, لأن الحيضة في أم الولد من وفاة سيدها, أو عتقه إياها عدة, لقوة الاختلاف فيها, فهي بخلاف الأمة في هذا, فإن كانت عدة لها من سيدها, وعليها عدة من زوجها أربعة أشهرٍ وعشراً احتياطاً, فلا بد من مطالبة أقصى الأجلين كقول ابن القاسم فيمن نكح في عدة وفاة ودخل بها, ففرق بينهما: أنها تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً من يوم توفي عنها زوجها مع ثلاث حيض, فتطالب أقصى الأجلين, فكذلك أم الولد في مسألتنا, لأنها تعتد من اثنين.
قال بعض القرويين: وإن جاءت بولدٍ فإنه ابنٌ للزوج.
الجزء: 10 - الصفحة: 587
ومن المدونة: قال مالك: ولا ميراث لها من زوجها, لأنه توريثٌ بالشك حتى يُعلم أن السيد مات قبل زوجها.
قال مالك: وعدة أم الولد من وفاة سيدها أو عتقه إياها حيضة, وإن كانت ممن لا تحيض فثلاثة أشهر , إذا لا يبرأ رحمً بأقل من ذلك.
قال سليمان بن يسار: أو تكون حاملاً فحتى تضع.
ومن غير المدونة: ومن أعتق أمته أو أم ولده في عدة وفاةٍ أو طلاقٍ حلت بتمام العدة ولو لم يبق منها إلا يوم, ولو أعتقها بعد خروجها من العدة فأم الولد تأتنف حيضة, والأمة تحل مكانها.
[فصل 2 - في أم الولد إن مات سيدها في أول حيضتها]
ومن المدونة: قال مالك: ولو مات سيد أم الولد وهي في أول دم حيضتها أو غاب عنها فحاضت بعده حِيَضاً كثيرة, ثم مات في غيبته فلا بد لها من استئناف حيضة بعد موته.
قال ابن القاسم: لأنها عدةً لها, بخلاف استبراء الملك, ولقوة الاختلاف فيها قد قال بعض العلماء: عليها أربعة أشهرٍ وعشراً, وقال بعضهم: ثلاث حيض.
قال عبد الوهاب: فالذي قال: أربعة أشهرٍ وعشراً عمرو بن العاص,
الجزء: 10 - الصفحة: 588
وسعيد بن المسيب, والذي قال: ثلاث حيض, أبو حنيفة, فدليلنا على عمرو قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:234] , فأوجب ذلك على الزوجات فدل أن الإماء بخلافهن.
ودليلنا على أبي حنيفة قوله عز وجل: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:228] , فأوجب ذلك في حق الطلاق فانتفى وجوبه عن الوفاة.
[فصل 3 - في مسائل مختلفة]
ومن المجونة: قال مالك: ولا إحداد عليها في عدتها من وفاة سيدها, لأنها ليست بزوجة.
قال: ولا أحب لها المواعدة فيها, ولا تبيت فيها إلا في بيتها.
قال: وإن زوجها سيدها, ثم مات عنها لم يكن على زوجها استبراء.
قال مالك: وليس للرجل أن يزوج أن ولده, أو أمة قد وطئها إلا بعد الاستبراء, ولا يجوز نكاح إلا حيث يجو الوطء, إلا في دم حيضٍ أو نفاسٍ من غير معتدة, فإن النكاح يجوز في ذلك, ولا توطأ حتى تطهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 589
قال ابن القاسم: ولو اعتدت أم الولد من وفاة زوجها وحلت, فلم يطأها السيد حتى مات, أو كان غائباً يعلم أنه لم يقدم منه بعد وفاة الزوج فعليها حيضة, ألا ترى أنها لو تمت عدتها من الزوج ثم أتت بولدٍ لا يشبه أن يكون من سيدها, فزعمت أنه من السيد لَلَحِق به في حياته وبعد وفاته, إلا أن يقول السيد قبل موته: لم أمسها بعد موت زوجها, فلا يلحق به, وكل ولدٍ جاءت به أم الولد لرجل, أو أمة أقر بوطئها لمثل ما تلد له النساء وهو خمس سنين فأدنى, فهو بالسيد لاحق, وتكون به أم ولد, أتت به في حياته, أو بعد وفاته, أو بعد أن أعتقها, إلا أن يدعي السيد في حياته الاستبراء, فينتفي منه بلا لعان, لأن ملك اليمين لا لعان فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 590
[الباب السادس]
جامع النكاح في العدة وذكر العدة من زوجين
[فصل 1 - في النكاح في العدة]
قال الله سبحانه: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلًا مَعْرُوفًا وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:235].
وقضى عمر بن الخطاب رضي الله عنه, وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه فيمن نكح في العدة بالفراق, ولا يتناكحان أبداً, وجلدهما عمر رضي الله عنه, وأعطى المرأة ما أمهرها الرجل بما استحل منها.
فنهى الله عز وجل عن النكاح في العد ة وأذن بالقول المعروف, فقيل: إن ذلك كقوله: إني بك لمُعجَب, ولكِ مُحِب, وفيكِ رَاغب, وإن يقدَّر الله أمراً يكن, ونحو ذلك, وقاله جماعةٌ من التابعين.
قال بعضهم: وجائز أن يهدي لها, ولا تجوز المواعدة لها, ولا لوليها في عدة طلاقٍ أو وفاةٍ, حرةً كانت أو أمةً.
قال عطاء: وأكره مواعدة الولي وإن كانت المرأة مالكةً أمرها.
الجزء: 10 - الصفحة: 591
قال ابن المواز: وأما الأب في ابنته البكر, والسيد في أمته فكمواعدة الحرة, وأما وليَّ لا يزوج إلا بإذنها فيكره, وإن نزل لم أفسخه.
[فصل 2 - فيمن واعد في العدة ونكح بعدها]
ومن المدونة: قال مالك: ومن جهل فواعد امرأةً في العدة, وسمى الصداق ونكح بعد العدة, فأحب إلى أن يفارق بطلقة, دخل بها أم لا, ويخطبها بعد عدتها منه إن كان دخل بها.
وروى عنه أشهب إيجاب الفراق.
واختلف ابن القاسم فيه في غير المدونة, فقال: يفسخ بقضاء, وقال: بغير قضاء.
فوجه إيجاب الفراق: قوله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ [البقرة:235] , والنهي يقتضي الفساد, ولأن السبب إذا منع الخِطْبة جاز أن يؤثر في الفراق, أصله خِطبة الرجل على خِطبة أخيه.
ووجه الاستحباب: أن الخطبة ليست بعقد, وإنما هي استدعاءٌ والتماس, فوقوعها لا يوجب الفراق إذا وقع العقد بعد العدة كخطبة المُخرِمَة ومواعدة المريضة./
الجزء: 10 - الصفحة: 592
[فصل 3 - فيمن نكح في العدة وبنى فيها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن نكح وبنى في العدة, أو قبَّل, أو باشر لم تحل له أبداً, وحرُمت على آبائه وأبنائه.
قال بعض البغداديين: وإنما قال ذلك لحديث عمر وعلي: أنهما لا يتناكحان أبداً, ولا مخالف لهما, فهو كالإجماع, ولأنه أدخل شبهةً في النسب فتأبَّد التحريم عليه كالملاعن.
قال الشيخ: ولأنه استعجل النكاج قبل حلوله, فمُنِعه عقوبةً كمنع القاتل الميراث, وإنما حرمت على آبائه وأبنائه لأنه قد مسَّ بشبهة نكاح.
[فصل 4 - فيمن نكح في العدة وبنى بعدها]
ومن المدونة: قال غير ابن القاسم: قال مالك وعبد العزيز: ومن نكح في العدة وبنى بعدها فسخ نكاحه, وكان كالمصيب فيها.
وقال المغيرة وغيره: لا يحرم عليه نكاحها إلا الوطء في العدة.
وقال ابن القاسم: قال مالك: يفسخ هذا النكاح وما هو بالحرام البين.
قال الشيخ: فوجه تأبيد التحريم: قول عمر رضي الله عنه: فإن دخل بها فلا ينكحها أبداً, ولم يفرَّق.
الجزء: 10 - الصفحة: 593
ووجه نفيه: أنه لم يطأ في العدة, فلم يدخل شبهة في النسب, وهذا علة التأبيد.
ومن غير المدونة قال سحنون: أخبرني ابن نافع عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه كان يقول فيمن تزوج في العدة ودخل بها فيها, ثم فرق بينهما: إنه يجوز له أن يتزوجها بعد ذلك إذا انقضت عدتها.
قال بعض أصحابنا: ويحتمل أن يكون قوله هذا موفقاً لقوله في المدونة, لأنه لم يبين في المدونة حكم المصيب في العدة, وبيَّنه في غيرها أنه لا تحرم عليه للأبد وإن أصاب فيها فإصابته بعدها أحرى أن لا يتأبد التحريم عليه.
ومعنى قول مالك: إنه يتأبد التحريم فيها.
قال الشيخ: فيحتمل أن يكون قوله في المدونة موافقاً لقول مالك, والله أعلم.
قال ابن القاسم في التي زنت فتوطأ بنكاحٍ قبل الاستبراء, أو وضع حملٍ لا تحرم بذلك عليه بعد اليوم, ثم رجع فقال: أما في الحمل فتحرم عليه ولا تحرم في غيره, وروى ذلك عن مالك.
وقال أصبغ: أكرهه في الحمل, والقياس أنه وغيره سواء, فلا أحب أن يتزوجها في ذلك كله.
ومن زنت امرأته فوطئها زوجها في ذلك الماء فلا شيء عليه.
قال ابن المواز: ولا ينبغي أن يطأها في ذلك الماء.
قال أشهب: والحامل من زوجها حملاً بيَّناً إذا وطئت غضباً لم أرَ بأساً أن يطأها زوجها فيه.
قال أصبغ: أكرهه وليس بحرام, وأرى أن مالكاً كرهه.
الجزء: 10 - الصفحة: 594
قال ابن حبيب: وإن لم تكن بينة الحمل فلا يطؤها إلا بعد ثلاث حيض.
[فصل 5 - في العدة من زوجين]
ومن المدونة: قال مالك: ومن طلقت بخلع فتزوجت في العدة, ودخل بها الثاني فليفرق بينهما, وتأتنف ثلاث حيض من يوم فسخ نكاحها الثاني, فيجزئها عن الزوجين.
قال ابن القاسم: وإن كان عدتها بالشهور أجزأها منهما جميعاً ثلاثة أشهرٍ مستقبلة.
قال مالك: وإن كان قد جاء عن عمر: أنها تتم عدة الأول وتأتنف عدة الثاني.
قال الشيخ: فوجه الأول: أن الغرض في العدة إنما هي لبراءة الرحم, وذلك يحصل مع تداخل العدتين, أصله الحمل.
ووجه أنها تتم عدة الأول وتأتنف عدة الثاني: لأن الثاني أيضاً وطئ وطأً له حرمة, فوجب استيفاء عدته كالأول.
ومن المدونة: قال مالك: وأما الحامل فالوضع يبرئها من الزوجين جميعاً وإن كان من الآخر.
الجزء: 10 - الصفحة: 595
قال الشيخ: لقوله عز وجل: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] , ولأنه أبلغ ما يبرأ به الرحم, فوجب أن يبرئها من الزوجين.
قال ابن المواز: هذا إذا كان الحمل من الأول, وذلك أن تنكح قبل حيضةٍ أو تضعه لأقل من ستة أشهرٍ من يوم نكاح الثاني, فإنه يبرئها, وإن كان من الأخر مثل أن يتزوجها بعد/ حيضة, وتضعه لأكثر من ستة أشهر, أو لسته أشهرٍ من يوم نكاحها الثاني, فلا يبرئُها ولا بد لها من ثلاث حيض.
قال: وروى أشهب عن مالك: أن ذلك يبرئها.
قال ابن المواز: وهو عندي ضعيف.
قال الشيخ: فوجه قول ابن المواز: أنه قد لزمها عدة الأول ثلاث حيض, ولا يسقط لأجل حملٍ من غير من تعتد منه, كالتي منعها مرضٌ أو رضاعٌ من الحيض, فلا تبرأ إلا بالحيض.
ووقع في نقل أبي محمد: أنه إن كان الحمل من الآخر فلا يبرئهما, ولا بد من ائتناف ثلاث حيض.
وفي الأمهات: ولا بد من بقية الثلاث حيض, وهذا هو الصواب, لأن الحمل لا يكون من الأخر إلا أن تتزوجه بعد حيضة, وتضعه لستة أشهرٍ فأكثر, فقد مضت لها حيضة, فتتكم بقية الثلاث حِيَض, وهذا بيَّنٌ فاعلمه.
الجزء: 10 - الصفحة: 596
قال ابن المواز: وأما إن كان الحمل من زنا لم يبرئها ذلك بحال من عدة لزمتها, ولا تبرأ بوضع من لا يلحق بأبيه إلا في الملاعنة فإنها تبرأ به, لأنه إذا استلحقه لحق به.
قال أبو محمد: انظر كيف يكون الحمل من زنا وثمَّ فراش, والولد به لاحق إلا أن ينفيه بلعان.
قال الشيخ: إنما يصح قول ابن المواز عندي في امرأة الخصي القائم الذكر, إذ لا يلحق به ولد وتلزم منه العدة, لأنه يطأ.
قال بعض أصحابنا: ويصح على قوله إذا تقاررا أنه من زنا ونفي بلا لعان, أو يكون الزوج قد لاعن ثم أقرت المرأة بالزنا.
[فصل 6 - في الحكم إن نكح في عدة طلاق غير بائن
أو في عدة وفاة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن نكح في عدة طلاق غير بائن فسخ ذلك, بنى بها أم لا.
وقال غيره: وهو ناكح في عدة.
قال مالك: وللأول الرجعة قبل فسخ نكاح الثاني وبعده, فإن ارتجعها فلا يقربها إن بنى بها الثاني إلا بعد ثلاث حيض, أو وضع إن كان من الثاني.
الجزء: 10 - الصفحة: 597
قال ابن القاسم: ومن نكح في عدة وفاةٍ ودخل بها ففرق بينهما فلتعتد أربعة أشهرٍ وعشراً من يوم توفي عنها زوجها مع ثلاث حيض, تطالب أقصى الأجلين, لأنهما عدتان مختلفتان.
قال: وإن كانت مرتابةً أو مستحاضةً فعليها من يوم الوفاة أربعة أشهرٍ وعشرا, وسنةً من يوم فسخ نكاح الثاني.
قال الشيخ: هذا يدل على أن مذهبه في المدونة: أن عدة المستحاضة والمرتابة في الوفاة أربعة أشهرٍ وعشر, ولو قال: عليها سنةً من يوم فسخ نكاح الثاني لأجزأ, لأن الأربعة أشهر وعشراً داخلةٌ فيها.
[فصل 7 - في المًنْعي لها زوجها تتزوج ثم يقدم الأول
أو يموت أو يطلق]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا غاب عن المرأة زوجها سنين, ثم نُعيَ لها فاعتدت وتزوجت, ثم قدم زوجها الأول رُدَّت إليه وإن ولدت الأولاد من الثاني إذ لا حجة لها إلا باجتهاد إمام, أو بيقين طلاق, ولا يقربها القادم إلا بعد العدة من ذلك الماء بثلاث حيض, أو بثلاثة شهور, أو وضع حملٍ إن كانت حاملاً من الآخر.
وإن مات القادم قبل وضعها اعتدت منه عدة الوفاة, ولا تحل بالوضع دون تمامها, ولا بتمامها دون الوضع, وكذلك قضى عمر بن عبد العزيز.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: لو طلقها الأول حين قدم وهي حاملٌ فلا يبرئها الوضع, ولتأتنف بعده ثلاث حيض للأول, كالتي منعها مرضٌ أو رضاعٌ من الحيض.
الجزء: 10 - الصفحة: 598
هذا قولهم إلا أشهب فإنه قال: وضعها يبرئها من الزوجين, وأما ابن القاسم قال: ليست كالناكحة في العدة تلد من الثاني أو الأول فيبرئها من الزوجين.
قال أصبع: لأن الطلاق والعدة في امرأة المنعي وجبت بعد الحمل, والحمل من غير من تعتد منه, وغير هذا خطأ.
قال ابن المواز: وإذا اعتدت المنعي لها زوجها, ثم تزوجت فلم يبن بها الثاني حتى مات/ المنعي أو طلق, ثم دخل بها الآخر بعد خروجها من عدة الأول فليفرق بينهما, ويؤمر بالتورع عنها, وهي أخف ممن نكح في العدة ودخل بعدها وكمن يواعد فيها ونكح بعدها, وهذا قد عقد وهي ذات زوج, فعقده كلا عقدٍ ولكنه وطئ في نكاح كانت فيه عدة, فليتنزه عنها أحب إلي.
وفي العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم في التي نُعي لها زوجها تنكح ثم يقدم فتقول: قد نعى لي.
ولم يكن ما ادعت فاشياً, قال مالك: لا ترجم, ودعواها شبهة, ويفسخ نكاحها وترد إلى الأول, وتعتد من مسيس الثاني.
قال بعض فقهائنا عن شيوخنا القرويين فيمن طلق زوجته طلاقاً رجعياً فتزوجت في العدة, وحملت من الثاني قبل انقضاء عدتها: فنفقتها على الزوج الثاني لأن الحمل له, وهي محبوسةً عن الأول فلا تلزمه نفقة.
وحكى أن غيره يرى أن النفقة على الأول لبقاء عصمته, وسواءٌ ارتجعها في العدة أم لا.
الجزء: 10 - الصفحة: 599
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: ولو كان الأول راجعها في العدة ثم تزوجت في العدة ولم تَعلم برجعته, ولا يكون الثاني ناكحاً في عدة, لأنه إنما تزوج زوجة رجل, ولو لم يراجعها الأول حتى نكحها الثاني ودخل بها في العدة ففسخ نكاحها, وأخذت في العدة منه فراجعها زوجها الأول بقية من عدتها, ووطئها في الثلاث حيض التي اعتدت بها من الزوج الثاني لم يكن الأول واطئا في عدة, لأن الزوجية بينهما قائمة, وإنما عليه أن يستبرئها من وطء هذا الذي تزوجها في العدة, وهذا بيَّن فاعلمه.
[فصل 8 - فيمن بني بأم ولد مات عنها سيدها
أو معتقة قبل مضي الحيضة]
ومن المدونة: قال غير ابن القاسم: ومن نكح أمَّ ولدٍ قد أعتقها سيدها, أو مات عنها, أو أمةً أعتقها ربَّها وقد وطئها, فدخل بها الزوج قبل أن تمضي الحيضة, فذلك يحرم كالوطء في العدة.
وروى لمالك في أم الولد يموت سيدها فيتزوجها رجلٌ قبل حيضة, أنه متزوجٌ في عدة.
وروى عنه: أنه ليس كالناكح في عدة.
قال الشيخ: فوجه الأولى: أنهم جعلوا الحيضة في أم الولد كالعدة في الحرة فكان الناكح فيها كالناكح في العدة, لأنه أدخل شبهةً في النسب, فوجب تأبيد التحريم عليه كالوطء في العدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 600
ووجه الثانية: أن حقيقة هذه الحيضة استبراءٌ لا عدة, لأنها عن وطءٍ بملك, وإنما ذكر الله عز وجل العدة
في الزوجات, ولو كانت عدةً لكانت قُرءَين أو شهرين وخمس ليال, لأنها في حكم الإماء, فلما كان غالب حكمها الاستبراء كان الوطء بنكاحٍ فيها كوطء مبتاع الأمة قبل الاستبراء, وذلك لا يوجب تأييد التحريم.
[فصل 9_في وطء السيد لأمته المعتدة]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا وطاء السيد أمته في عدةٍ من زوجٍ حرٍ أو عبدٍ, حرمت عليه للأبد.
قال: وكل وطءٍ بملكٍ أو شبهة نكاحٍ في عدة نكاح يحرم, ألا ترى أن من طلق زوجته البتة, ثم ابتاعها لا يحل له وطؤها بالملك حتى تنكح زوجاً غيره.
قال ابن وهب عن مالك: ومن وطاء أمةً بنكاحٍ في عدة نكاح, ثم ابتعاها لم تحل له بعد أبداً.
ومن العتبية: روى أبو زيد عن ابن القاسم: ومن نكح أمةً فبنى بها وهي حاملٌ من السيد فسخ ذلك, وليس بواطاءٍ في عدة, ولا تحرم عليه, والوطء بملكٍ أو نكاح ممن ليست في عدة نكاحٍ أو وفاةٍ فليس يحرم.
الجزء: 10 - الصفحة: 601
[فصل 10 - في تأبيد التحريم على الناكح في العدة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فرق عمر بين المتناكحين في العدة في العمد والجهل, وقال: لا يتناكحان أبداً.
ابن وهب: وقد قال عمر فيمن نكح في العدة فلم يدخل بها حتى فرق بينهما: أنها تتم العدة الأول, ويخطبها الثاني إن شاء, وإن دخل بها لم تحل له أبدا.
قال عبد الوهاب: لأنه إذا لم يدخل بها لم يدخل في النسب شبهة, وهذا الظاهر, وقد قيل: يتأبَّد التحريم عليه.
ووجه ذلك: قوله / عز وجل: ﴿وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ [البقرة:235] , فارتكب النهي فعوقب بتأبيد التحريم.
قال الشيخ: لأن من أصلنا أنَّا نحرِّم بالأقل, وقد حرم الله عز وجل ما نكح الآباء, فكان العقد على الزوجة تحريماً على الأبناء كالدخول, فكذلك هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 602
[الباب السابع]
فيمن أتت بولد بعد العدة وقد نكحت زوجا أم لا
روى ابن وهب عن اللَّيث بن سعد عن ابن عجلان أن امرأته وضعت له ولداً في أربع سنين,
ووضعت له آخر في سبع سنين.
وسئل أبو عمران عما يقال أن مالكاً أقام في بطن أمه سنتين؟
فقال: ذكره الواقِدي, وأخذه عنه ابن قُتيبة.
وقيل لابن القاسم: فمن طلق نفسه ثلاثاً أو واحدةً فأتت بولدٍ لأكثر من سنتين أيلزم الزوج الولد؟
قال: نعم يلزمه عند مالك إذا جاءت به في ثلاث سنين أو أربعٍ أو خمس, وهو رأيي.
الجزء: 10 - الصفحة: 603
قال: وكان مالك يقول: إذا جاءت به لما يشبه أن تلد له النساء لزمه.
وقد ذكرنا وجه ذلك قبل هذا.
قال ابن القاسم: كل معتدةٍ من وفاةٍ أو طلاق بائنٍ أو غير بائنٍ تأتي بولدٍ وقد أقرت بانقضاء عدتها أو لم تُقر, فإنه يلحق بالزوج ما بينها وبين خمس سنين فأدنى, إلا أن ينفيه الحي بلعان, ويدعي أنه استبرأ قبل طلاقه, فلا يضرها ما أقرت به من انقضاء العدة, لأنها تقول: حضتُ وأنا حاملٌ ولا علم لي بالحمل, وقد قُهراق المرآة الدم على الحمل.
وكذلك إن طلقت وارتابت بتأخير حيض فاعتدت بسنة, فإنها تحل إلا أن تستراب بعد ذلك فتنتظر حتى تذهب ريبتها, فإن تمادت الريبة جلست ما بينها وبين خمس سنين, فما وضعت بعد ذلك لم يلحق بالزوج وإن أتت به بعد ذلك لشهرين أو ثلاثة, وتحد المرأة, وإن مضى لهذه المطلقة خمس سنين إلا خمسة أشهرٍ ولم تقر بانقضاء العدة ثم تزوجت, فإن قالت: إنما تزوجت بعد العدة وبعد زوال الريبة صدقت, ولا تنكح المسترابة البطن إلا بعد زوال الريبة, أو بعد خمس سنين, فإن نكحت قبل خمس سنين بأربعة أشهرٍ فأتت بولدٍ لخمسة أشهرٍ من يوم نكحت لم يلحق بأحد الزوجين وحُدَّت, وفسخ نكاح الثاني, لأنه نكح حاملاً.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين: أن الشيخ أبا الحسن كان يستعظم أن يُنفى الولد من الزوج الأول وأن تحد المرأة حين زادت على الخمس سنين بشهر, وكان يقول: كأن الخمس سنين فرضٌ من الله عز وجل ورسوله!.
الجزء: 10 - الصفحة: 604
وقد اختلف قول مالكٍ وغيره في مدة الحمل, فقال مرة: يلحق الحمل إلى سبع سنين, وقال: إلى دون ذلك, فكيف ينفي الولد وترجم المرأة فيمن كان القول فيها على مثل هذا, هذا عظيم!
قال مالك: وإن نكحت امرأةٌ ودخلت في العدة قبل حيضة, ثم ظهر بها حملٌ فهو للأول, وتحرم على الثاني, ولو نكحت بعد حيضةٍ فهو للثاني إن وضعته لستة أشهرٍ فأكثر من يوم دخل بها الثاني, فإن وضعته لأقل فهو للأول, وهذا حكم النكاح, وإنما القَافَة في الأمة يطؤها السيدان في طهرٍ واحدٍ فتأتي بولد.
قال: وكذلك من نكح في عدة وفاةٍ بعد حيضة, أو قبل في لحوق الولد.
قال ابن القاسم: وعدتها منهما وضع الحمل / ألحقت الولد بالأول أو بالثاني, وهو فيها أقصى الأجلين.
قال ابن المواز: ومن تزوج امرأةً في العدة قبل حيضة فأتت بولد يريد لستة أشهر فهو للأول إلا أن ينفيه بلعان, فإن التعن لم تلتعن هي وكان بالثاني لاحقاً إلا أن ينفيه, فإن نفاه بلعانٍ التعنت هي, وإن نكلت حُدَّت, ولو التعن الثاني ثم استلحقه الأول لحق به ولم يُحد, إذ لم ينفه إلى زنا, وإذا كان الثاني هو مستلحقه دون الأول لحق به وحُد, لأنه كان نفاه إلى غير أب.
ومن استلحقه منهما أولاً لحق به, ثم لا دعوى للثاني فيه, ولو ادعاه الأول قبل لعان الثاني لم يقبل منه, لأنه ابنٌ للثاني, ولو استلحقاه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به.
الجزء: 10 - الصفحة: 605
[الباب الثامن]
في امرأة الخصي والصبي تأتي بولد, وعدتها منه وعدة الذمية تسلم تحت ذمي, والعدة في النكاح الفاسد وتصادق الزوجين على نفي المسيس
[فصل 1_ في امرأة الصبي تأتي بولد, وعدتها منه]
قال مالك: وإذا كان الصبي لا يولد لمثله وهو يقوى على الجماع, فظهر بامرأته حملٌ لم يلحق به وتحدُّ المرأة, وإن مات هذا الصبي لم تنقض عدتها من الوفاة بوضع حملها, وعليها أربعة أشهرٍ وعشراً من يوم مات, وإنما الحمل الذي تنقضي به العدة الحمل الذي يثبت به نسبه من أبيه, خلا الملاعنة خاصةً فإنها تحل بالوضع وإن لم تلحقه بالزوج, وإذا مات الزوج وهي في العدة لم تنتقل إلى عدة الوفاة يريد وكذلك المختلعة والمنعي لها زوجها والمعتدة من وفاةٍ فتتزوج فتحمل من الآخر أو تكون حاملاً من الأول فيلحق الولد بأحدهما, فإنه تنقضي به عدتها من الآخر وإن لم يلحق به, وقد تقدم هذا.
قال مالك: وإذا دخل الصبي بزوجته ومثله يقوى على الجماع ولا يولد لمثله ثم صالح عنه أبوه أو وصيه, فلا عدة على امرأته, ولا صداق لها, ولا غُسْل عليها من وطئه إلا أن تَلْتَذَّ يعني: اُنزلت.
فصل [2_في امرأة الخصي تأتي بولد, وعدتها منه]
قال مالك: والخَصِي لا يلزمه ولدٌ إن أتت به امرأته إلا أن يُعلم أنه يولد لمثله فيلزمه.
الجزء: 10 - الصفحة: 606
قال ابن حبيب: وإن كان الخصي مقطوع الخصا والعسيب ممسوحاً فلا عدة عليها من طلاقه, وهي داخلةٌ في قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:49].
وإن جاءت بولدٍ لم يُلحق به, وعلى امرأته الحد.
وإذا بقي معه أنثياه أو اليسرى وبقي معه من عَسِيبه بعضه فالولد لا حقٌ به إلا أن ينفيه بلعان, وعليها العدة, وروى ذلك عن مالك.
[فصل 3_في عدة الذمية تسلم تحت ذمي]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا أسلمت ذميةٌ تحت ذميٍّ, ثم مات وهي في عدتها لم تنتقل إلى عدة الوفاة, وتمادت على عدتها ثلاث حيض.
قال غيره: وناكحها ناكحٌ في عدة.
قال مالك: ولا شيء لها من المهر إن لم يكن دخل بها, مات أو لم يمت.
قال في المستخرجة: فإن تزوجها مسلمٌ بعض حيضةٍ لم يفسخ نكاحه, دخل بها أم لا, لأن مالكاً كان يقول قديماً: عدتها حيضة.
وقال أصبغ في كتاب ابن المواز كقول ابن القاسم.
الجزء: 10 - الصفحة: 607
ابن المواز: وقال ابن وهب يفسخ نكاحه.
[فصل 4_في العدة في النكاح الفاسد]
ومن المدونة: قال: وما فسخ من نكاحٍ فاسدٍ, أو ذات محرمٍ, أو المنعي لها تنكح, أو أمةٍ بغير إذن سيدها: فالعدة في ذلك كله كعدة النكاح الصحيح, ويعتددن في بيوتهن./
فصل [5_في تصادق الزوجين علي نفي المسيس]
ومن المدونة: وإذا تصادق الزوجان بعد الخلوة في النكاح الفاسد أو الصحيح على نفي المسيس لم تسقط العدة بذلك, لأنه لو كان ولدٌ لثبت نسبه إلا أن ينفيه بلعان, ولا يكون لها صداقٌ ولا نصفه, لأنها لم تطلبه, وتُعَاضُ من تلذُّذه بها إن كان تلذَّذ منها بشيء, وقيل: لا تُعَاض.
الجزء: 10 - الصفحة: 608
[الباب التاسع]
في امرأة المفقود والأسير وماله وميراثه وفي التي يبلغها الطلاق ولم تبلغها الرجعة
[فصل 1_في امرأة المفقود وما يضرب لها من الأجل]
وقد ضرب عمر بن الخطاب رضي الله عنه لامرأة المفقود أربع سنين, ثم تعتد عدة الوفاة ثم تحل.
قال مالك: وبلغني عنه في امرأة المفقود, وفي التي علمت بالطلاق ولم تعلم بالرجعة أنها إن تزوجت ثم قدم الأول فإنه أحق بها ما لم يدخل بها الثاني, وهذا أحب ما سمعت إلى فيها وفي امرأة المفقود.
قال: وإنما يضرب السلطان الأجل لامرأة المفقود بعد أن ترفع إليه, وإن لم تقم إلا بعد سنين, وإنما يضرب لها بعد الكشف عنه, وإن علم إلي أي جهةٍ خرج إليها كتب إليها في الكشف عنه, فإذا أيس من عِلُمِ خَبَرِه ضرب لها من يومئذٍ للحر أربع سنين, وللعبد سنتين, وسواءٌ كانت الزوجة حرةً أو أمةً.
قال: ثم تعتد هي بعد ذلك دون أمر الإمام كعدة الوفاة, كان زوجها دخل بها أم لا, وعليها الإحداد.
قال ابن الماجشون: لا إحداد عليها, ولها ذلك في يقين الموت.
قال الشيخ: وروي لمالك: إذا كان للمفقود امرأتان فرفعت أحداهما أمرها إلى السلطان, فضرب له أجل أربع سنين, ثم بعد ذلك رفعت المرأة الأخرى أمرها, قال مالك: لا يستأنف لها ضرباً.
الجزء: 10 - الصفحة: 609
وذكر لنا عن بعض شيوخنا مثل هذا.
قال: وكذلك إن قامت بعد مضي الأجل والعدة فإنه يجزئها, وضرب الإمام الأجل لواحدةٍ من نسائه كضربه لجميعهن, كما أن تفليس المِديان لأحد الغرماء تفليسٌ لجميعهم, وقيام واحدٍ كقيام الجماعة.
وذكر عن أبي عمران أنه يضرب للثانية الأجل حين ترفع إليه من غير أن يكشف عن أمر المفقود, لأنه قد كشف عنه للأولى.
قال بعض فقهائنا: وهذا أصح, والله أعلم.
قال عبد الوهاب: وإنما قلنا: أن الإمام يكشف عن خبره إذا رفعت زوجته ذلك إليه ثم يضرب له أجل أربع سنين ليزيل الضرر عنها, ولا يجوز له ضرب الأجل قبل السؤال والبحث, لجواز أن يكون حياً, وإنما يضرب له الأجل أربع سنين لاجتماع الصحابة على ذلك, وروي عن عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم: أنه يضرب له أجل أربع سنين, ومثله عن جماعةٍ من التابعين, ولم يحفظ خلافٌ عن أحدٍ من الصدر الأول في ذلك, ولأن أصل ضرب الأجل إنما هو للغالب من مدة الحمل, وغالبه هذا المقدار, ولأنه لما كان لها الخيار في الفرقة مع العِنَّة والإيلاء ولم يكن فيهما إلا فقد الوطء دون فقد العشرة والنفقة, كان في مسألتنا الجامعة لفقد ذلك أولى, وإنما جعلنا عليها عدة الوفاة دون عدة الطلاق,
الجزء: 10 - الصفحة: 610
لأن الغالب من شأنه الموت, إذ لو كان حياً لكان في طول البحث يعلم حاله, ولا يجوز لمحكومٍ لها بالمفارقة أن تتزوج إلا بعد العدة, لأن الطلاق لا يوجب عدةً قبل الدخول / فاحتبط بهذا للزوج الأول وللنسب, فبني أمره على الغالب وهو الموت ولم تكن لها نفقةً في هذه العدة, لأنها عدة وفاة, ولا نفقة للمتوفى عنها زوجها, وهو في ذلك بخلاف الأجل الذي لها النفقة فيه, وإنما قلنا: إذا انقضت العدة كان لها التزويج, لأن الخبر ورد بذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما, ولأن العدة لو لم تُفِدْ إباحة تزويجها لكان لا معنى لها, وإنما لم تحتج فيه إلى إذن الإمام لأن إذنه قد حصل بضرب الأجل, لأن فائدة حبسها عن التزويج قبل انقضائه زوال المنع بانقضائه.
قال أبو عمران: أحسن ما يعتمد عليه في تصحيح أربع سنين للمفقود أن يقال: إن عمر وعثمان وغيرهما من جميع من ذهب إلى إبانة المرأة من عصمته مع تجويز حياته اتفقوا على توقيت أربع سنين, والمخالفون لهم قالوا: لا تنكح أبداً حتى تتيقن وفاته, كان للسلف قولان لم يجز إحداث قولٍ ثالثٍ بعد انقراضهم, وإنما يجوز لمن بعدهم التمسك بما رأوه أصوب من ذلك, وضعَّف
الجزء: 10 - الصفحة: 611
قول الأبهري: إن توقيت أربع سنين إنما هو لأنه أقصى مدة الحمل, وذلك منتقِضٌ بقول مالكٍ في العبد: أنه يضرب له أجل نصف ذلك, وأنه اختلف قوله في أقصى مدة الحمل.
[فصل 2_في الحكم إن قدم المفقود قبل نكاحها أو بعده]
ومن المدونة: قال مالك: فإن قدم أو صحَّت حياته قبل أن تنكح مُنعت من النكاح, وكانت زوجةً بحالها, وكذلك لو تزوجت ولم يدخل بها لفسخ نكاح الثاني وردت إلى الأول, وكذلك التي يبلغها الطلاق ولم تبلغها الرجعة, فإن لم تعلم هي ولم يقدم هو حتى دخل بها الثاني, فالثاني أحق بها.
وأول قولي مالك فيها: إن عقد نكاح الثاني دون البناء يُفِيتُها على الأول, وأخذ به المغيرة وغيره.
وأخذ ابن القاسم وأشهب بقوله الآخر: إن الأول أحق بها ما لم يدخل بها الثاني.
قال الشيخ: وعلى هذا القول الذي لا يُفِيتُها إلا دخول الثاني بها, فيجب أن تقع به الحرمة وإن لم يدخل بها.
وقد اختلف هل يقع التحريم في النكاح المختلف في فسخه؟ وهذا أقوى في التحريم لقوة الاختلاف فيه.
قال عبد الوهاب: وإنما قال: إذا جاء زوجها في الأجل أو في العدة أو قبل تزويجها فهو أحق بها, لأن الأجل إنما ضرب لمجيئه, والعدة لوفاته فلم يكن ذلك ولم تَفُت بتزويج, فلذلك كانت باقيةً على زوجيته, وإنما قال: وإن جاء
الجزء: 10 - الصفحة: 612
بعد عقد الثاني ودخوله فلا مقال له, لأنها قد فاتت بالوطء وحكم الحاكم, لأن اعتدادها بأمره حكم بالفراق عليه, وأما إن جاء بعد التزويج وقبل الدخول فوجه قول مالك الأول: أنها نكحت بعد الاعتداد وضرب الأجل كما لو دخل.
ووجه الآخر: أنه عقد نكاحٍ مختلَف فيه طرأ عليه عقد النكاح صحيحٍ تقدمه, فوجب أن لا يفيتها إلا بأن يُضمَّ إليه دخول, أصله نكاح الوليين.
قال الشيخ: وأيضاً فإن النكاح الثاني من نكاحٍ صحيحٍ لم يدخل فيه, والأول نكاحٌ صحيحٌ دخل فيه, فقد زاد مزيَّة الدخول على الثاني فكان أولى, وإن دخل الثاني فقد استوت مزيتهما وزاد عليه الثاني الحيازة فكان أولى.
قال ابن الجلَّاب: وإن فقد قبل الدخول أعطيت المرأة نصف صداقها, قال: فإن ثبتت بعد ذلك وفاته أكمل لها صداقها, وكذلك إن مضى عليه من الزمان ما لا يحيا لمثله دفع إليها بقية صداقها.
قال الشيخ: وقاله عبد الملك.
وقيل: يدفع لها أولاً صداقها كله, فإن جاء بعد ذلك زوجها حياً رجع عليها بنصفه, وقيل: لا يرجع عليها بشيء.
قال الشيخ: فوجه قوله: يدفع إليها نصف صداقها خوفاً أن يكون زوجها حياً فتعد فرقته طلاقاً.
ووجه أنه يدفع إليها جميعه: / لأنه أنزله بمنزلة الميت, واعتدت لوفاته فكان لها جميعه كالمتوفى عنها زوجها.
الجزء: 10 - الصفحة: 613
ووجه إن جاء حياً رجع عليها بنصفه: لأنه قد بان صحة الفرقة أنها كانت طلاقا.
ووجه أنه لا يرجع عليها بشيء: لأنه حكمٌ نفذ فلا يُنقَض.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: إذا قضى لزوجته بجميع الصداق قبل البناء, ثم قدم [يريد] وقد تزوجت ردت نصفه, ثم رجع فقال: لا ترد شيئاً كالميت والمعترض.
قال ابن المواز: وهذا استحسان, والأول أقيس, وهو أحب إلي, وقاله أصبغ.
[قال الشيخ]: قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وإذا ضرب لها الأجل واعتدت ثم أرادت أن تبقى على عصمة المفقود فليس لها ذلك, لأنها صارت مباحةً للأزواج, ولا حجة أنه لو قدم لكان أحق بها, لأنها إنما أمرت بالعدة للفراق, فتجبر على ذلك حتى تظهر حياته, ألا ترى أنها لو ماتت بعد العدة لم يوقف له منها ميراث, وإن كان لو علمت حياته ردت إليه.
وكذلك قال أبو عمران: إذا اعتدت أو مضت بعض العدة لم يكن لها أن ترجع إلى عصمته, وقد وجبت عليها العدة والإحداد, فليس لها أن تسقط ما وجب عليها باختيارها.
وأما في الأربع سنين فلها ذلك, لأنها لم تجب عليها عدة.
قال: ومتى ما رفعت بعد ذلك, ابتدأ لها الضرب.
الجزء: 10 - الصفحة: 614
قال الشيخ: وحكى ابن عَيشُون الطُّلَيطِلي عن ابن نافع: أنها إذا اعتدت ثم قدم المفقود أنه لا سبيل له إليها, لأنها أبيحت للأزواج إلا بصداقٍ مبتدأ.
قال أبو عمران: وتواليف ابن عَيشُون الطُّلَيطِلي مُختَلَّةٌ ونقلُه ضعيف.
[فصل 3_في الحكم إن رجعت إلى الأول قبل بناء الثاني
أو مات الثاني بعد البناء]
ومن المدونة: قال مالك: فإذا رجعت إلى الأول قبل بناء الثاني كانت عنده على الطلاق كله, وإنما تقع عليها طلقة بدخول الثاني, فأما قبل ذلك فلا, لأنه قد وقع الفراق, وقبل الدخول قد فسخ نكاح الثاني, وبقيت على الزوجية الأولى.
قال مالك: وإذا مات عنها الثاني بعد البناء ثم تزوجها الأول رجعت عنده على تطليقتين إلا أن يتقدم له فيها طلاق.
قال ابن القاسم: وإذا علم أن المفقود مات بعد نكاح الثاني وقبل دخوله فموته هاهنا كقدومه حينئذ, فيفسخ نكاح الثاني, وترث الأول, وتعتد لوفاته من يوم صحة موته, لأن عصمة الأول لم تسقط, وإنما تسقط بدخول الآخر.
قال الشيخ: وهذا على قوله الآخر: انها لا تفوت إلا بالدخول, ولأن موته في هذا القول قبل دخول الثاني يصير الثاني كأنه نكاحٌ في عدة, لأنها باقيةٌ على عصمة الأول, وتلزمها بموته عدة الوفاة, وقد صارت في حال العدة متزوجةً لغيره لم يُدخَل بها.
الجزء: 10 - الصفحة: 615
[فصل 4 - في الحكم إن مات الثاني قبل البناء
أو علم موت الأول بعده]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن مات الثاني قبل البناء فورثته, ثم عُلِمَ أن الأول حيٌّ ردت ميراثها من الثاني, ورجعت إلى حكم عصمة الأول في حياته وموته, ولو علم أن الأول مات بعد بناء الثاني فهو كمجيئه حينئذ, فتثبت عصمة الثاني ولا ترث الأول.
ابن المواز: ولو دخل بها الثاني ثم علم أن المفقود مات قبل دخول الثاني كان نكاح الثاني مفسوخاً.
قال الشيخ: لأنه يصير كالناكح في العدة, إذا مرَّ بها زمن العدة وهي معقودٌ عليها, فكان ذلك كالعقد فيها, كالرامي من الحلِّ تخرق رميته الحرم فتصيب الصيد في الحل, أنه كالرامي في الحرم.
قال الشيخ: وقد تقدم لابن المواز ما يدل على خلاف هذا.
قال: إذا اعتدت المنعي لها زوجها وتزوجت ودخل بها, ثم ثبت أن الأول مات بعد عقد الثاني وقبل دخوله فليفرق بينهما, ويؤمر بالتورُّع عنها, وهي أخفُّ ممن نكح في العدة ودخل بعدها, / وهو كمن يواعد في العدة ودخل بعدها لأنه عقد نكاحها وهي ذات زوج, فعقده كَلَا عَقْد, ولكنه وطيء في نكاحٍ كانت فيه عدة, فليتنزه عنها أحب إلي.
قال الشيخ: وما قدمت أقيس, لأنه عقدٌ لو قدم بعد الدخول فيه لم تُرد إليه, وليثبت على ذلك العقد, وإن كانت يوم العقد ذات زوجٍ فإذا مات الأول
الجزء: 10 - الصفحة: 616
قبل دخول الثاني فقد صادفتها العدة وهي معقودٌ عليها, فهي كمن عقدت في العدة ودخلت بعدها, أصله الرامي من الحل تخرق رميته الحرم ثم تصيبه في الحل, والله أعلم.
[فصل 5_في الحكم إن نكحت في عدتها من الأول,
أو بعدها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو مات الأول بعد الأجل والعدة, ثم نكحت في وقتٍ تكون فيه في عدةٍ من الأول في صحة موته فسخ نكاح الثاني, فإن لم يكن دخل بها كان خاطباً من الخُطَّاب بعد انقضاء عدة الأول, وإن كان قد بنى بها في عدة الأول لم تحل له أبداً, وترث الأول في الوجهين, وإن صح أنها نكحت بعد تمام عدة الأول من يوم موته ورثته, وثبتت مع الثاني, واسلك بالتي تعلم بالطلاق ولا تعلم بالرجعة حتى تعتد وتنكح هذا المسلك في فسخ النكاح والموت والميراث وجميع أحكامها.
قال عبد الملك: وذلك إذا أقام بينةً أنه ارتجع قبل عقد الثاني, فأما بقوله بعد عقد نكاح الثاني: إني ارتجعت قبل عقد الثاني, فلا يقبل منه.
قال ابن المواز: وامرأة المفقود لو تزوجت الثاني, ودخل بها, ثم وجد نكاحه نكاحاً فاسداً يفسخ بغير طلاقٍ, وقدم المفقود, فإنها ترد إليه, ولو كان نكاحاً يفسخ بطلاقٍ لم ترد إليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 617
ولو قدم بعد أن خلا بها الثاني خلوةً توجب عليها العدة وقال: لم أمسها, لحرمت على الثاني يريد في هذا النكاح ولا تحل للآخر إلا بنكاحٍ جديدٍ بعد ثلاث حيض.
قال: وإن نكحت امرأة المفقود في شهور العدة فهي ناكحةٌ في عدةٍ ما لم يظهر للمفقود خبر, ويفسخ نكاحها, وتؤمر بتمام الشهور مع ثلاث حيض من الثاني, فإن نكحت في الثلاث حيض فهي ناكحةٌ في العدة ظهر للمفقود خبرٌ أو لم يظهر, ولكن يكون الناكح في الشهور ناكحاً في عدةٍ إن عَمِيَ خبره, وإن ظهر أنه حيٌّ أو أنه مات في وقتٍ لا تكون تلك الأشهر عدة, أو أنه مات بعد الشهور لم يكن ناكحاً في الشهور ناكحاً في عدة, ولو تزوجت ثالثاً بعد الثلاث حيض من الثاني وبعد الشهور, ودخل بها الثالث, صار متزوجاً في الشهور ناكحاً في العدة إذ لا سبيل للمفقود إليها بعد الدخول الصحيح قبل العلم بخبره.
قال أبو محمد: إذا كان يلزم المفقود طلقةً فقد انكشف أن عدتها عدة الطلاق, فالأول جاهلٌ نكحها بعد تمام عدة الطلاق في بقية من الأربعة أشهرٍ وعشر, فسلم من النكاح في العدة, أو قبل ذلك فيكون ناكحاً في العدة.
قال ابن المواز: ولو ظهر أنه مات في وقتٍ يكون الثالث ناكحاً في عدةٍ من وفاة كان الثالث والثاني ناكِحَين في عدة, والناكح أولاً في الشهور غير ناكحٍ في عدة.
قال مالك: وإن نكح في الأربع سنين ودخل بها فليفرق بينهما, ثم يقيم تمام الأربع سنين ثم تعتد أربعة أشهرٍ وعشراً, ولابد في ذلك من ثلاث حيض, وليس بناكحٍ في عدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 618
وذكر عن أبي عمران: إذا تزوجت في الأجل أو قبل ضربه فليفرق بينهما وتحد إن لم تعذر بجهلٍ كالمنعي لها زوجها.
قال: وعند إسماعيل القاضي: أن امرأة المنعي لها زوجها بمنزلة امرأة المفقود في اختلاف قول مالك في دخول من تزوجها وغير دخوله.
وقال: ولا تكون أسوأ حالاً من امرأة المفقود, وتكون البينة التي نعت إليها زوجها / وما فعلت هي كحكم الحاكم في المفقود.
قال الشيخ: وقد تقدم لمالكٍ وأصحابه خلاف ذلك, وإنها ترد إلى الأول وإن فاتت وولدت الأولاد من الثاني, إذ لا حجة لها باجتهاد إمام, أو بيقين طلاق.
وذكر عن أبي عمران: إذا تزوجت في الأربعة أشهرٍ وعشر ففرق السلطان بينهما إذ تزوجت في العدة, ثم ثبت أن المفقود مات, وانقضت عدتها منه قبل الأربعة أشهرٍ وعشرٍ وقبل تزويجها, قال: لا يلزم ذلك الفسخ, وترد إلى هذا الزوج, ولو كانت قد تزوجت غيره لفسخ نكاح الثالث, وردت إلى الثاني.
وكذلك مسألة المنعي لها زوجها, وكذلك لو غاب عن امرأةٍ زوجها فتزوجت ففسخ السلطان نكاحها, لأنها زوجة رجلٍ ثم انكشف أن الغائب مات أو طلقها وانقضت عدتها منه قبل نكاح هذا الزوج, أن هذا الفسخ لا يلزمه, وترد إليه, وهي كامرأة المنعي لها زوجها ترد إلى زوجها على كل حال.
قال: ولو أخبرها ثقتان بموت زوجها الغائب فاعتدت وتزوجت ولم ترفع إلى حاكم, فلا يفسخ ذلك النكاح إذا كانت البينة عدلة, والأمر على الصحة حتى يظهر خلاف ذلك, وإنما يفسخ ذلك إذا كانت غير عدلة, أو لم يعلم ذلك إلا
الجزء: 10 - الصفحة: 619
لقولها فيفسخ نكاحها, إذ لسنا على صحة من استباحتها, وإذا ثبت موته عندها برجلين ثقتين لم يلزمها أن ترفع إلى الحاكم, ولها أن تتزوج.
قال ابن حبيب عن أصبغ: وإذا نكحت بعد الأجل والعدة وبنى بها ثم طلق أو مات, ثم قدم الأول فأراد نكاحها وقد تقدم له فيها طلقتان فلا تحل له إلا بعد زوج, لأنها ثالثة بعد دخول الثاني بها.
وفي السليمانية: قال أشهب: له أن يتزوجها بعد أن فارقها زوجها الثاني, لأنه أحلها له_وقاله بعد شيوخنا القرويين_.
قال: لأن بدخول الثاني انكشف لنا أن الطلقة وقعت عليها بعد العدة, ولو وقعت عليها بعد دخوله لوجب أن تستقبل العدة.
وقال أبو عمران: قول أصبغ صواب, لأن الطلقة الثالثة إنما تقع بدخول الثاني, وهي لم تحدث بعدها نكاحا, فلا تحل له من بعد حتى تنكح بعده زوجاً غيره, وكذلك القول على أول قول مالك: أن عقد النكاح يُفِيتُها, أنها لا تحل للمفقود إلا بعد زوجٍ ثان, فهذا وجه قول أصبغ, والآخر وجه قول أشهب.
[فصل 6_في النفقة على امرأة المفقود وولده]
ومن المدونة: قال مالك: وينفق على امرأة المفقود في الأربع سنين من ماله ولا نفقة لها بعد ذلك في الأربعة أشهرٍ وعشر, لأنها معتدة, ولولده النفقة ما كانوا صغارا, إن لم يكن لهم مال, فإن كان لهم مالٌ أنفق عليهم منه, لأن مالكاً قال: إذا كان للصغير مالً لم يجبر الأب على النفقة.
الجزء: 10 - الصفحة: 620
قال ابن القاسم: وما أنفق على ولد المفقود وزوجته فلا يؤخذ منهم بذلك كفيل.
قال مالك: وإذا أنفقت المفقود من ماله في الأجل, ثم ثبت أنه مات قبل ذلك, غرمت ما أنفقت من يوم مات, لأنها قد صارت وارثة, ولم يكن منه تفريط, ونفقتها من مالها.
قال ابن القاسم: وكذلك إن مات قبل الأجل فإنها ترد ما أنفقت من يوم مات, وكذلك المتوفى عنها زوجها ترد ما أنفقت بعد الوفاة, وكذلك ما أنفق على ولد المفقود, ثم ثبت أنه مات قبل ذلك, فإنهم يردون ما أنفقوا بعد موته.
فصل [7_في مال المفقود وميراثه]
قال مالك: ولا يقسم ورثة المفقود ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا إلى مثله, فيقسم بين ورثته حينئذٍ لا يوم فُقِد.
قال الشيخ: لأنه لا ضرر في إيقافه فهو / مفارقٌ للزوجة.
قال مالك: أو يصح وقت موته فيرثه ورثته يوم صحة موته.
ابن المواز: قال ابن القاسم وغيره: وترثه حينئذٍ زوجته هذه التي ضرب لها الأجل, واعتدت إن لم تتزوج ويبني بها, ولو علم أنه مات قبل بناء الثاني لها لورثت الأول كانت الآن حيةً أو ميتة, وأحب إلينا ما قاله ابن وهب: أنهما يتوارثان مالم تنكح زوجاً غيره.
قال الشيخ: لأنه لو أتي لكانت على زوجيتها معه.
واختلف في تعميره, فقال مالك وابن القاسم: سبعون.
الجزء: 10 - الصفحة: 621
قال عبد الوهاب: وهذا هو الظاهر, لقوله صلى الله عليه وسلم: «أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين, وقلَّ من يجاوز ذلك» , وهذا إخبارٌ عما يتعلق به الحكم من الأعمار.
وقال مالك وابن القاسم أيضاً: ثمانون.
وقال ابن الماجشون: تسعون, وقيل عنه: مئة.
وقال أشهب: مئة من يوم مولده.
وسئل الشيخ أبو عمران عن الذي يفقد وهو ابن الثمانين سنة؟
قال: يضرب أجل عشر سنين, وكذلك إن كان ابن تسعين, وأما إن كان ابن خمسٍ وتسعين فإنما يضرب له خمس سنين, وإذا فُقِدَ ابن مئةٍ اجتهد فيما يضرب له, قال غيره: كالسنة ونحوها.
وفي كتاب ابن سحنون: إذا فُقِد ابن ثمانين, أو تسعين, أو مئة, استحب أصحابنا أن يزاد على ذلك عشر سنين.
قال بعض أصحابنا: والأول أصوب.
الجزء: 10 - الصفحة: 622
[فصل 8 - في الحكم إن مات للمفقود ولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا مات للمفقود ولدٌ وُقِفَ ميراثه منه, فإن أتى أخذه, وإن موِّت بالتعمير رُدَّ ذلك إلى ورثة الابن يوم مات, وورث هذا المفقود وورثته يوم جعلته ميتاً, ولا يرثه ولده الذي مات قبل ذلك.
قال مالك: ولا يرث أحدٌ أحداً بالشك, وكذلك لا أورِّث بالشك من لا يُعلم أولُّهما موتاً بغرقٍ أو هَدْمٍ, ويرث كل واحدٍ ورثته.
وقال ابن الماجشون: وإذا مُوِّت الأب بالتعمير بقي ميراثه من الابن موقوفاً إلى يقين أولِّهما موتاً, وبدَّأنا إياه على ورثة الابن توريثاً بالشك.
[فصل 9_في العبد المفقود يعتقه سيده]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا فُقِد عبدٌ فأعتقه سيده وله ولدٌ أحرارٌ لم يجر ولاءهم حتى يُعلم أن العتق أصابه حيَّاً, ولا يوقف للعبد ميراث من مات من ولده الأحرار, وهو بخلاف الحر في هذا, لأنه على أصل المنع الموارثة بالرق حتى يصح عتقه, وأحسن ذلك أن يدفع إلى ورثة الابن بحميلٍ يعطونه, فإن جاء أبوهم دفعوا إليه حظه من ذالك, وإنما أوقعته للحر ولم أدفعه بحمالة, لأنه على أصل توارث الأحرار, إلا أني أورِّث بالشك.
وينظر الإمام في مال المفقود, ويجمعه ويوقفه, كان بيد وارثٍ أو غيره, ويوكِّل به من يرضاه, وإن كان في ورثته من يراه لذلك أهلاً أقامه له, وينظر في ودائعه وقراضه, ويقبض ديونه, ولا يبرأ من دفع من غرمائه إلى ورثته, لأنهم لم يرثوه بعد, وما أسكن, أو أعار, أو أجَّر إلى أجلٍ أُرجي إليه, وإن قارَض إلى
الجزء: 10 - الصفحة: 623
أجلٍ فسخ, وأخذ المال وما لحقه من دين, أو اعتراف, أو عهدة ثمن, أو عيب, قضي به عليه, ولا يقام له وكيل, وتباع عروضه في ذلك, / وإن أقام رجل البينة أنه أوصى له بشيءٍ أو أسند إليه الوصية, سمعت بينته, وإذا قضي بموته بحقيقةٍ أو بتعميرٍ جعلت الوصي وصيه, وأعطيت الموصى له وصيته إن كان حياً, وحملها الثلث, ولا أعيد البينة, وكذلك إن أقامت المرأة بينةً أنه زوجها قبلت بينتها, لأنه مالكاً يرى القضاء على الغائب.
فصل [10_في امرأة الأسير]
قال ابن القاسم: وأما الأسير فلا تؤجل امرأته بخلاف المفقود, علمنا بموضع الأسر أم لا, لأنه معلومٌ أنه قد أُسِر, ولا يصل الإمام من كشف حاله إلى ما يفعله في المفقود, ولا تنكح امرأته إلا أن يصح موته, أو تنصُّره أما طائعاً, أو لا يُعلم أطائعاً أو مُكْرهاً, فيفرق بينهما, ويوقف ماله, فإن مات مرتداً كان للمسلمين, وإن أسلم كان له, وإن ننصَّر مكرهاً كانت في عصمته وينفق عليها من ماله.
فصل [11_فيمن دخل بلاد الحرب هل هو كالمفقود أم لا؟]
قال أصبغ: ومن أَدْرَبَ في البر إلى بلد الحرب فليس كالمفقود في ضرب
الجزء: 10 - الصفحة: 624
الأجل, وأما من فُقِدَ إليها في البحر فكالمفقود بعد الكشف والتربص يضرب له الأجل.
وقال أشهب في المُدرِب في البر إلى بلد الحرب كمفقودٍ في بلد الإسلام, ولا أقوله.
وقال عيسى عن ابن القاسم عن مالك: المفقود على ثلاثة أوجه: فمفقودٌ لا يُدرى موضعه, فهذا يكشف عنه الإمام, ثم يضرب له بعد الكشف أربع سنين ثم تعتد زوجته أربعة أشهرٍ وعشراً, وتأخذ جميع الصداق, ثم تتزوج إن شاءت.
ومفقودٌ في صَفِّ المسلمين في قتال العدو في بلادهم, فهذا لا تنكح امرأته أبدا, وتُوقَف هي وماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يحيا لمثله.
قال الشيخ: وذلك كالأسير.
قال: ومفقودٌ في فتن المسلمين بينهم البين, فهذا لا يضرب له أجل, وإنما يتلوَّم الإمام لزوجته باجتهاده بقدر انصراف من انصرف, وانهزام من انهزم, ثم تعتد وتتزوج.
قال ابن القاسم: وأنا أرى إن كانت الغيبة التي فُقِد فيها بعيدةً من بلده كإفريقية ونحوها ضرب له سنةً ونحوها, ثم تعتد زوجته, ويقسم ماله.
قال سحنون: وإذا فقد في مُعتَركٍ بين المسلمين, وشُهِدَ أنه قُتِلَ ممن حضره ممن لا يعدَّل؟ , قال: فإن ثبت حضوره المعترك بالعدول فله حكم الميت وإن لم يُشهَد بموته, ويقسم ماله وتعتد زوجته من يوم المعترك, وإن كان إنما رأوه خارجاً مع العسكر ليس في المعترك, فهو كالمفقود, ويُضرب له أجل الفقد.
الجزء: 10 - الصفحة: 625
فصل [12 - فيمن فقد في معارك المسلمين]
قال ابن حبيب: ومن فُقِدَ في معارك المسلمين التي تكون بينهم, فسواءٌ كانت في بلده أو بائنةً عن بلده فلتتربص زوجته سنةً أو ما قاربها, ثم تعتد عدة الوفاة, ثم تحل للأزواج, ويؤخَّر ميراثه إلى التعمير.
[قال أصبغ]: إلا أن يكون المعترك في موضعٍ لا يظن أَحدٌ له بقاء لقُربِهِ وإيضاح أمره، فلا تتربص زوجته حينئذٍ أكثر من العدة ويقسم ماله.
قال ابن حبيب: وقيل: إن كانت المعركة في بلده أو قربٍ منها لم تؤمر امرأته بأكثر من العدة، وقسم ماله، وإن كانت بائنةً عن بلده تربصت زوجته سنةً ثم حلَّت، وقُسم ماله.
قال ابن حبيب: والأول أحب إلينا.
واختلف قول ابن القاسم في كتاب محمد، هل العدة داخلةٌ في السنة أو بعدها في الذي يضرب له السنة؟
الجزء: 10 - الصفحة: 626
[الباب العاشر]
في عدة الوفاة وعدة امرأة الخصي والمجبوب والصبي، وعدة الصغيرة
[فصل 1_في عدة الحرة للوفاة]
قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة:234].
وقال عزَّ وجل: ﴿وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:4] فهذه عامَّةٌ لكل معتدة، وقيل: إنها نزلت بعد الأولى.
قال مالك: فعلى كل معتدةٍ لوفاة زوجٍ تربُّص أربعة أشهرٍ وعشرٍ إن كانت حرةً مسلمةً أو كتابيةً، بنى بها أو لم يبن، صغيرةً كانت أو كبيرةً، والزوج صغيرًا أو كبيرًا، حرًا أو عبدًا، مجبوبًا أو سليمًا.
قال: وإذا عُلم بعد وفاة الزوج بفساد نكاحه، وأنه مما لا يقرَّان عليه، فلا عدة عليها ولا إحداد، وعليها ثلاث حِيَض استبراءً إن كان قد بنى بها، ويلحقه ولدها، ولا ترثه، ولها الصداق المسمى كله مقدَّمه ومؤخَّره.
الجزء: 10 - الصفحة: 627
فصل [2_في عدة الأمة للوفاة]
قال: وعدة الأمة وأم الولد ومن فيها بقية رقٍ في وفاة زوجها شهران وخمس ليال، وقاله ابن المسيب وسليمان بن يسار وغيرهما.
وقال يحيي بن سعيد: إن كانت الأمة لم تحض اعتدت في وفاة زوجها أربعة أشهرٍ وعشرًا، إلا أن تحيض حيضةً قبل شهرين وخمس ليالٍ فذلك يكفيها.
ومن غير المدونة: قال مالك: وإن كانت الأمة لا يوطأ مثلها، أو لم يبن بها فقد حلَّت بتمام الشهرين وخمس ليال، وإن كانت يوطأ مثلها ولم تحض، أو يائسة من المحيض وقد بني بها رفعت إلى تمام ثلاثة أشهر، إذ لا يبرأ رحمٌ بأقل من ذالك.
قال أشهب: فإن نكحت بعد تمام شهرين وخمس ليالٍ فُسِخَ ولا عقوبة فيه إلا أن تنكح قبل شهرين وخمس ليالٍ في الوفاة، وقبل شهرٍ ونصف في الطلاق فتُعَاقب.
وقال أصبغ: إن تزوجت الحرة المستحاضة أو المستبرأة بتأخير الحيض بعد أربعة أشهرٍ وعشرٍ في الوفاة، وقبل تمام تسعة أشهرٍ لم أفسخ نكاحها، لأنها اعتدت بما أُمِرَت به، وقد أبهم الله عزَّ وجلَّ ذالك، وقد عَلم أن منهن من تحمل وإنما الزيادة استظهار إلا أن يوجد في بطنها حركةٌ فيفسخ إن نكحت قبل زوال ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 628
قال أشهب: وإن كانت ممن تحيض فأتى للحرة في أربعة أشهر وعشرٍ، وللأمة في الشهرين وخمس ليال _وقت حيضها فحاضتها فقد حلَّت بتمام العدة، وإن لم تأتها فهي مسترابة، فترفع الحرة والأمة إلى التسعة أشهر وتحل.
قال أشهب: إلا أن تحسَّ تحريكًا فتقيم إلى خمس سنين.
قال مالك: إلا أن تحيض الحرة قبل التسعة أشهرٍ وبعد الأربعة أشهرٍ وعشرٍ أو الأمة بعد شهرين وخمس ليالٍ فتحلَّ حينئذ.
قال أشهب: وإن كانت الحرة أنها تحيض في أكثر من أربعة أشهرٍ وعشرٍ، أو الأمة في أكثر من ثلاثة أشهر، فإنهما يحلَّان بهذه الشهور وإن قَرُبَ وقت حيضتها، إلا أن ترتاب بحسّ البطن.
[قال الشيخ]: وهذا كله قد قاله مالكٌ في المختصر.
وفي باب عدة المستحاضة من معاني هذا الباب، وفيه عدة المستحاضة في الوفاة.
فصل [3_في عدة امرأة الخصي والمجبوب]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وتعتد امرأة الخصي في الطلاق.
قال أشهب: لأنه يصيب ببقية ذكَرِه ويتحاصنان بذالك.
قال ابن القاسم: وأما المجبوب إن كان لا يمسُّ امرأته فلا عدة عليها من طلاقه.
الجزء: 10 - الصفحة: 629
قال ابن أبي زمنين: إذا كان ممسوح العسيب والخُصي فلا عدة عليها من طلاقه، وهي داخلةٌ في الآية: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب:49] وإن جاءت بولدٍ لم يُلحق به وحُدَّت، وإذا بقيت معه أنثياه أو اليسرى، وبقي معه من عسيبه بعضه فالولد لاحقٌ به إلا أن ينفيه بلعان، وعليها العدة، كذلك فسَّره عبدالملك.
فصل [4_في عدة الصغيرة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن دخل بزوجته وهي صغيرةٌ لا يوطأ مثلها فلا عدة عليها من طلاقه، وإذا دخل الصبي بزوجته، ثم بارّا عنه أبٌ أو وصيٌ فلا عدة على امرأته، وقد تقدم هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 630
[الباب الحادي عشر]
في مقام المعتدة في بيتها وانتقالها إلى غيره
قال الله سبحانه: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق:1] يقول عز وجل: في العدة، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَاتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق:1]، قال وَكِيع: هو أن تبدو على أهل الزوج.
وقال غيره: ذلك أن ترتكب فاحشةً أو حدَّاً تخرج إليه.
وقال آخرون: خروجها هي تلك الفاحشة.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام للفُرَيْعَة بنت مالك حين قُتل زوجها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله»، وقضى به عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكان ابن عمر وعائشة رضي الله عنهما يشددان في ذالك، وينهَيَان أن
الجزء: 10 - الصفحة: 631
تخرج أو تبيت معتدةٌ في غير بيتها إلا لعذر.
وقد أمر الرسول صلى الله عليه وسلم فاطمة بنت قَيس حين قتل زوجها أن تنتقل إلى بيت ابن أُمَّ مَكْتُوم، وقال عائشة رضي الله عنها: وكانت فاطمة تبيت في مكانٍ وَحْشٍ يُخاف عليها فيه، فلذلك أرخص لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تنتقل.
وقد انتقلت عائشة بأختها أُمُّ كَلثوم حين قتل زوجها طَلحَة من المدينة إلى مكة خوفًا عليها من فتنة المدينة بعد قتل عثمان رضي الله عنهم أجمعين.
قال مالك: فتعتد المرأة في الطلاق والوفاة في بيتها ولا تنتقل منه إلا لضررٍ لا قرار معه من خوف سقوطه، أو خوف لصوصٍ بقريةٍ لا مسلمين فيها ونحوه، وإن كانت في مدينةٍ فلا تنتقل لضرر جوارٍ ولترفع ذلك إلى الأمام، وإذا انتقلت لعذرٍ إلى منزلٍ ثانٍ أو ثالثٍ لزمها المقام حيث انتقلت حتى تنقضي عدتها، والكِرَاءُ في ذالك كله للمطلقة على الزوج، وإن انتقلت لغير عذرٍ ردَّها الإمام
الجزء: 10 - الصفحة: 632
بالقضاء إلى بيتها حتى تتم عدتها, ولا كِرَاء لها فيما أقامت في غيره.
وذكر لنا عن أبي بكر بن عبد الرحمن: إنما قال: لا كراء لها فيما أقامت في غيره, وفرق بينها وبين إذا هربت من زوجها أن لها النفقة, لأن السكنى حقٌ لها فتركته وسكنت في موضعٍ آخر, فأما التي هربت من زوجها فقد كان له أن يرفعها إلى الحاكم فيردها إلى بيتها, فحكم النفقة قائمٌ عليه, ولو كان لا يعلم أين هربت أو تعذَّر عليه رفعها ونحو هذا من الأعذار فلا شيء عليه من النفقة.
قال الشيخ: وقد تقدم الاختلاف في النفقة على الناشز فأغنى عن إعادته.
ولربَّ الدار إخراجها منها في عدتها إذا انقضى أجل الكراء, وإذا انهدم المسكن فدعت / المرأة إلى سكنى موضعٍ ودعا الزوج إلى غيره فذلك لها إلا أن تدعوه إلى ما يضُّر به لكثرة كراءٍ أو سكنى فتُمنع.
قال الشيخ: يعني بقوله: أو سكنى, مثل أن يسكن بموضعٍ يبعُد منه, أو بموضعٍ فيه قوم سوءٍ ونحو ذلك, لأنه له التحفظ لِنَسَبِه في مثل هذا.
ولو أسقطت عنه الكراء سكنت حيث شاءت يريد: حيث يُعرف أنها معتدة, وموضوعٌ لا يخفى عنه خبرها لاحتفاظه على نسبه.
وإذا هلك الأمير عن امرأة, أو طلقها وهي في دار الإمارة, فلا يخرجها الأمير القادم من دارها حتى تنقضي عدتها, ودار الإمارة وغيرها في هذا سواء, وكذلك قال مالكٌ فيمن حُبِسَت عليه دار, وعلى آخر بعده فهلك وترك زوجته: أنه لا يخرجها من صارت إليه الدار حتى تتم عدتها.
الجزء: 10 - الصفحة: 633
ابن المواز: ولو تأخرت حتى تنقضي الريبة ولو إلى خمس سنين, لأن العدة من أسباب أمر الميت, وهذا بخلاف سنين معلومة, ويُسكنها إياها فإذا انقضت قبل تمام عدتها فلربِّ الدار إخراجها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن بني بزوجته الصغيرة ومثلها يُجَامَع, ثم طلقها, أو مات عنها, فليس لأبويها أن ينقلاها إليهما في العدة, ولتعتد حيث كانت تسكن يوم مات الزوج أو طلق, ولو خرج أبواها إلى الحج أو لسكنى بلدٍ آخر, فلا يخرجاها حتى تتم العدة, إلا البدوية فإن مالكاً قال فيها وحدها: إنها تَنْتَوي مع أهلها حيث انتَووا لا حيث انتوى أهل الزوج, وتُتم هناك بقية العدة, وقاله عروة بن الزبير وربيعة بن عبد الرحمن.
وقال يحيى بن عمر: يريد بالبدوية أنهم أهل الخُصُوص.
قال ابن وهب: قال مالك: وإن كانت في قرارٍ فانتوى أهلها لم تنتوِ معهم وإن تبدَّا زوجها فمات فإنها ترجع, ولا تقيم تعتد في البادية.
قال ابن القاسم: وتعتد الأمة في الموت والطلاق حيث كانت تبيت, فإذا انتجع سيدها إلى بلدٍ آخر كان له أن يخرجها معه, فتتم بقية عدتها في الموضع الذي انتقل إليه كالبدوية.
قال حَمْدِيْس: هذا خلاف ما روي عن مالكٍ في أول الكتاب أنه لا يجوز بيعها إلا ممن لا يخرجها في العدة, وإذا لم يجز ذلك لمشتريها فلبائعها أولى.
الجزء: 10 - الصفحة: 634
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: فإن كانت الأمة منقطعةً إلى زوجها وليست ممن تأتيه من الليل إلى الليل فانتقل أهلها فلا تنتقل معهم حتى تتم عدتها.
ومن المدونة: وتجبر الذمية في العدة من مسلمٍ على العدة في بيتها ولا تنتقل منه حتى تنقضي عدتها, وهي في كل شيءٍ من أمرها في العدة والإحداد مثل الحرة المسلمة.
ولا تبيت معتدةٌ من وفاةٍ أو طلاقٍ بائنٍ أو غير بائنٍ إلا في بيتها الذي كانت تسكنه, ولها التصرف نهاراً والخروج سَحَرَاً قُرْب الفجر, وترجع ما بينها وبين العشاء الآخرة, وقاله ابن عمر, وقال: إنها تخرج إلى المسجد, ولأكثر مُؤَنِهَا, ولا تبيت إلا في بيتها.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام للمعتدات المتجاورات في دار: «تحدَّثْنَ عند إحداكن ما بدَا لكن, فإذا أرتدن النوم فلتأت كل امرأةٍ إلى بيتها».
ابن المواز: يعني والله أعلم أن يقمن إلى وقت ينام الناس.
ومن المدونة: قال مالك: والمطلقة واحدةً أو اثنتين لا إذن لزوجها في خروجها من بيتها حتى يراجعها.
قال ابن القاسم: ولا يسافر بها حتى يراجعها.
قال / مالك: ولا تحجُّ في عدتها من وفاةٍ أو طلاقٍ حَجَّة الفريضة حتى تتم عدتها, وتبيت المعتدة في دارها حيث كانت تبيت قبل ذلك في مشْتَاها ومصِيفِها,
الجزء: 10 - الصفحة: 635
ولو كان في الدار بيوتٌ في إحداها متاعها وسكناها فلتعتد فيه, وتبيت من بيتها هذا واسطَوانِها وساحة حجرتها حيث شاءت, ولو كان في الدار مقَاصِير فلا تبيت إلا في مَقْصُورَتِها.
قال مالك: وإذا كانت المطلقة ثلاثاً أو واحدةً ليس لها ولا لزوجها إلا بيتٌ واحدٌ يكونان فيه فليخرج عنها ولا يقيم معها في حجرة.
قال: ولا بأس أن تنتقل في أحد البيوت الجامعة, يكون هو في بيتٍ وهي في بيت, ولا يدخل عليها فيما فيه الرجعة حتى يراجعها.
وإذا خرجت امرأةٌ مع زوجها في زيارةٍ أو إلى الحصَاد أو إلى السواحل والرِّبَاط لإقامة الأشهر والرجوع, أو إلى حاجةٍ ما قبض دينٍ أو نحوه, ولا يريد انتقالاً فمات زوجها في الطريق, فلترجع إلى بيتها تعتد فيه, قرُبت أو بعُدت, أو قد وصلت, ولا ترجع إذا بعُدت إلا مع ثقة, وإلا قَعَدت حتى تجد ثقة, وإن خرج بها على رفض سكنى لموضعه اعتدت بموضعٍ نقلها إليه, وإن مات في الطريق وهي أقرب إلى الموضع الأول أو الثاني فلها المصير إلى أيهما شاءت إن كان قريباً, وإن كان بعيداً فلا تمضِ إلا مع ثقة, ولها المقام بموضع موته, أو تعدل إلى حيث شاءت فتتم هناك عدتها, لأنه مات, ولا قرار لها لرفض قراره, ولم تصل بعد إلى قرار, وكذلك هي في الطلاق البائن وغيره, وهي كمعتدةٍ أخرجها أهل الدار فلها أن تعتد حيث أحبت, أو بمنزلة رجلٍ خرج من منزلٍ كان فيه بكِرَاء, فنقل المرأة إلى أهلها فتكارى منزلاً يسكنه, فلم يسكنه حتى مات, فلها أن تعتد حيث شاءت.
الجزء: 10 - الصفحة: 636
وإذا مات زوجها في مخرجها إلى الحج, وقد سارت اليومين والثلاثة وماقرُب, وهي تجد ثقةً ترجع معه, فلترجع, وترجع من مَلَل وذي الحُلَيْفْة إلى المدينة, وقد ردَّهن عمر رضي الله عنه من البَيْدَاء.
ولا يفسخ كراءٌ كريها, ولتكرَ الإبل في مثل ما أُكرِيَت.
ولو بعدت كإفريقية من الأندلس, والمدينة من مصر نفذت, وقاله ابن عمر.
ابن المواز: بخلاف غير الحج فإنها ترجع فيه وإن بعُدت إن وجدت ثقة, وكان يبقى لها بعد الرجوع بقية.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وكذلك في خروجها لحج غير الفريضة ترجع وإن بعدت كخروجها إلى الرباط ونحوه, وإنما لا ترجع إذا أبعدت في حجَّة الفريضة.
الجزء: 10 - الصفحة: 637
وذكر عن أبي عمران في الذي يسافر بزوجته ثم طلقها فيلزمها الرجوع إلى بيتها قال: عليها الكراء في رجوعها, لأنها إنما رجعت من أجله, وحُبِست له, فذلك بمنزلة ما يجب لها السكنى عليه.
ومن المدونة: قال: وأما إذا أحرمت فلتنفذ قرُبت أو بعُدت, ثم إن رجعت في بقية العدة اعتدت في بيتها, وكل من أمرتها بالرجوع إلى بيتها فكانت لا تصل حتى تنقضي عدتها فلا ترجع, ولتقم بموضعها أو حيث شاءت إلا أن تعلم في التقدير أنها يبقى من عدتها بقيةٌ بعد وصولها, فلترجع, وكذلك هذا كله في الطلاق البائن وغيره.
الجزء: 10 - الصفحة: 638
[الباب الثاني عشر]
في سكنى المعتدات ونفقة المطلقات
[فصل 1_ في سكنى ونفقة المطلقات]
وأوجب الله سبحانه وتعالى السكنى لكل مطلقةٍ بقوله عز وجل: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق:6] / وقوله عز وجل: ﴿لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ [الطلاق:1] , ولأن السكنى لحرمة النسب , ولوجوب حفظه, فلا تزول بالبينونة, كما قال ابن أبي ليلى, وتُفارق النفقة لأنها عِوضٌ من الاستمتاع, وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في المبتوتة: «لا نفقة لها».
فأما ذوات الحمل فلهن النفقة, كان الطلاق ثلاثاً أو واحدة, لقوله عزَّ وجل: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:6].
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك في المبتوتة: إذا أنفق عليه بغير قضيةٍ وقد ادعت الحمل ثم بطل الحمل لم يرجع عليها إذا أنفق عليها بدعواها أو بقول القَوابل, وإن أنفق بقضيةٍ رجع عليها.
الجزء: 10 - الصفحة: 639
- قال الشيخ: لأنه انكشف أن ما قضى به بغير حق_.
وقال عبد الملك: إن أنفق بغير قضاء فله أن يرجع, ورواه عن مالك.
قال في كتاب النكاح: وإن أنفق بحكم لم يرجع بشيء عليها.
قال محمد: وأحب إلى أن يرجع عليها في الوجهين إن تبين ذلك بإقرار منها أو بغير إقرار.
قال مالك: والغائب إذا طلق ثم أنفقت من ماله لم يرجع عليها بشيء، بخلاف الموت، لأن الحي فرَّط.
ولو قدم عليها رجل واحد وشهد بطلاقه فأعلمها، أو رجل وامرأتان فليس ذلك بشيء حتى يشهد عندها من يحكم به السلطان في الطلاق.
وفي منتخب الأحكام: لابن القاسم سماع يحيي قال في المطلقة المبتوتة وهي حامل تطلب الكسوة: إنها إن كانت في أول الحمل فذلك لها، وإن كان لم يبق من أجل الحمل إلا ثلاثة أشهر أو نحوها قوم ما كان يصير لها لتلك الشهور من الكسوة لو اكتست في أول الحمل ثم أعطيت تلك القيمة دراهم.
ومن المدونة: قال مالك: فكل مطلقة لها السكنى، وكل بائنة بطلاق أو ببتات أو بخلع أو بمباراة أو بلعان ونحوه فلها السكنى، ولا نفقة لها ولا كسوة إلا في الحمل البين، فذلك لها ما أقامت حاملاً، إلا الملاعنة فإنها لا نفقة لها في حملها، لأن ما في بطنها لا يلحق بالزوج.
الجزء: 10 - الصفحة: 640
قال عيسى في كتاب ابن مُزَيْن: وإذا بلغ الإمام من معتدةٍ أنها تبيت في غير بيتها في عدتها فليُعلمها بما جاء في ذلك، ويأمرها بالكفِّ عن ذلك، فإن أبت إلا ذلك أدبَّها على ذلك وأجبرها عليه.
قال أبو بكر الأبهَري: وإذا توفي عنها زوجها في دارٍ فيها بيوتٌ كثيرةٌ فلا تَصِيفُ إلا حيث كانت تَصِيفُ قبل موته، هذا هو الاختيار، فإن خرجت من بيتٍ إلى بيت، أو إلى قاعة الدار فلا بأس بذلك إذا كنت الدار غير مشتركة، فأما المشتركة المسكونة فلا يجوز لها أن تبيت في غير بيتها.
ابن المواز: قال مالك: والكسوة: الدِّرعُ والخِمَار والإِزَار، وليس الجُبَّةُ عندنا من الكسوة.
قال ابن القاسم: ونحن نقضي هاهنا بالجُبَّة، وكذلك في العتبية.
قال فيها يحيي بن يحيي عن ابن القاسم في المبتوتة الحامل تطلب الكسوة: فإن طلقها في أول الحمل فذلك لها، وإن كان في آخره وقد بقي منه شهران أو ثلاثة قُوِّم لها ما يصير لتلك الأشهر من الكسوة لو اكتست من أول الحمل، فتعطاه دراهم.
الجزء: 10 - الصفحة: 641
قال مالك: وإذا طلق امرأته وهي حاملٌ مرضعٌ فعليه نفقة الحمل ونفقة الرضاع جميعًا، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[فصل 2_في سكنى ونفقة المطلقة الرجعية والكتابية والصغيرة]
ومن المدونة: وكل طلاقٍ فيه رجعةٌ فلها النفقة والكسوة والسكنى حتى تنقضي عدتها، كانت حاملاً أو غير حامل.
-قال الشيخ: لثبوت أحكام الزوجية عليها، وكذلك امرأة المُولي إذا فرِّق بينهما، لأن فرقة الإمام فيها غير بائنة، وهما يتوارثان ما لم تنقض العدة.
قال: / وتجب السكنى في فسخ النكاح الفاسد وذات محرمٍ بقرابةٍ أو رضاعٍ كانت حاملاً أم لا، لأنه نكاحٌ يلحق فيه الولد، وتعتد فيه حيث كانت تسكن، ولا نفقة عليها ولا كسوة، إلا أن تكون حاملاً فذلك عليه.
قال: وللكتابية الحرة على الزوج المسلم من السكنى والنفقة إذا طلقها ما للمسلمة.
قلت: فمن دخل بصبيةٍ يجامَع مثلها فجامعها أو لم يجامعها فطلقها البتة هل لها السكنى؟
فقال: إذا لزمت الجارية العدة لمكان الخلوة بها فلها السكنى.
قال مالك: وإن خلا بها في بيت أهلها فطلقها، ثم قال: لم أطأ، فصدقته أو كذبته فالقول قوله في طرح السكنى، كما أقبله في [طرح] نصف الصداق، وعليها العدة لهذه الخلوة، وإنما تلزم الزوج السكنى إذا لزمه الصداق كاملاً بحيث يجب جميع الصداق تجب السكنى، إلا أنه إن لم يعلم له بها خلوةٌ فلا عدة عليها في طلاقٍ وإن ادعى المسيس.
الجزء: 10 - الصفحة: 642
قال: وإن دخل بها وهي لا يجامَع مثلها لصغرٍ فلا عدة عليها ولا سكنى لها في الطلاق، وليس لها إلا نصف الصداق، وعليها في الوفاة العدة ولها السكنى إن كان ضمَّها إليه والمنزل له، أو قد نَقَدَ كِرَاءه، وإن لم يكن نقلها فلتعتد عند أهلها.
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فإن كان إنما أخذها ليكفلها ثم مات لم يكن لها سكنى، وأظنُّ ابن المواز ذكره، وهو بيِّنٌ فاعلمه.
وكذلك الكبيرة يموت عندها زوجها قبل البناء وهي في مسكنها فلتعتد فيه، ولا سكنى لها عليه، إلا أن يكون أسكنها دارًا، لو اكتراها ونَقَدَ الكراء، فتكون أحق بذلك المسكن حتى تنقضي عدتها.
[فصل 3_في سكنى الأمة المطلقة]
ومن المدونة: إذا عتقت الأمة تحت عبدٍ فاختارت نفسها، أو لم تعتق فطلقها طلاقًا بائنًا فإن كانت بُوِّئت مع زوجها بيتًا فلها السكنى عليه ما دامت في عدتها، وإن لم تُبَوَّأ معه فلتعتد عند سيدها، وكذلك إن أخرجها سيدها في العدة فسكنت في موضعٍ آخر، فلا شيء على زوجها إذا لم تكن تبيت عنده، ويجبر سيدها على ردها حتى تنقضي عدتها، إلا أن ينقلها من البلد وإن باعها بشرط أن لا يخرجها حتى تنقضي عدتها.
وقال حَمديس: وإذا انتجع سيدها إلى بلدٍ آخر كان له أن يخرجها معه كالبدوية، وهذا خلاف ما روي عن مالك: أنه لا يجوز بيعها إلا لمن لا يخرجها في العدة، وإذا لم يجز ذلك لمشتريها فبائعها أولى.
الجزء: 10 - الصفحة: 643
قال الشيخ: وهذا لا يلزم ابن القاسم، لأن بائعها لا يخرجها إلا أن يضطر إلى الخروج بها، وليس هو مضطرًا في بيعها أن يبيعها ممن يخرجها وهو يجد من لا يخرجها، لأن المشترين كثير، ولو اضطر المشتري بعد شرائها إلى الخروج لأمرٍ حدث غير مختارٍ لذلك لرأيت له أن يخرج بها معه كسيدها والله أعلم.
قال أبو عمران في الأمة إذا بُوِّئَتْ مع زوجها بيتًا: فليس لأهلها أن ينقلوها، وهو لمحمد، قال: ولم يذكر فيه اختلافا، وأشار إلى أنه ليس بخلافٍ لما في المدونة.
ومن المدونة: قلت: فلو انهدم السكن فتحولت إلى موضعٍ آخر بكراء، أو أعتق العبد في العدة هل عليه شيءٌ من السكنى؟
قال: لا سكنى عليه إذا لم تبوَّأ معه بيتًا، وإنما يلزم الزوج ما كان يلزمه حين طلقها، فما حدث بعد ذلك لم يلزم الزوج منه شيء.
قال الشيخ: فإن قيل: هلَّا جعل عليه السكنى إذا عتق كما قال في نفقة الحمل إذا عتق ثم عتقت الأمة، أو كانت حرةً أنه ينفق من يومئذ، وقد ذُكِر عن ابن الكاتب أنه قال: عليه / السكنى من يوم عتق؟
قال الشيخ: يحتمل عندي إنما لم يكن عليه السكنى لحق السيد في كونها عنده، ولو عتقا جميعًا لكان عليه السكنى لزوال حق السيد، وكما تلزمه النفقة في الحمل إذا عتقا.
والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 644
[فصل 4_في نفقة الحامل]
ومن المدونة: قال: وليس للأمة الحامل نفقةٌ على زوجها إذا طلقها البتة إذ الولد رقَّ لغيره، كان الزوج حرًا أو عبدًا، وكذلك حرةٌ طلقها عبدٌ البتة وهي حامل، فلا نفقة لها إلا أن يعتق العبد قبل وضعها فينفق على الحرة من يومئذ، وإن كانت أمةً فلا، إلا أن تعتق هي أيضًا بعد عتقه فينفق عليها في حملها، لأن الولد ولده.
فصل [5_في سكنى ونفقة المتوفى عنها زوجها]
قال: وليس للمتوفى عنها زوجها نفقةٌ في عدتها وإن كانت حاملاً، ولها السكنى في العدة إن كانت الدار للميت أو بكِرَاءٍ وقد نَقَدَه.
وقال أبو حنيفة: لا سكنى للمتوفى عنها زوجها، ودليلنا: قوله صلى الله عليه وسلم للفُريَعة حين قتل زوجها: «امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله» ولأن ذلك يتعلق بحق الله عز وجل، وحق الميت، وحق النسب فأشبه الكَفَن.
ومن المدونة: قال مالك: وهي أحق بسكن دار الميت من غرمائه، وتباع للغرماء وتشترط سكناها على المشتري.
الجزء: 10 - الصفحة: 645
قال ابن المواز: قال مالك: فإن ارتابت فهي أحق بالمقام حتى تنقضي الريبة وتحل، وأحب إلينا أن يرجع المشتري على البائع، فإن شاء فسخ بيعه وأخذ الثمن، وإن شاء تمسك بغير شيءٍ يرجع به، لأن البيع إنما وقع على استثناء العدة المعروفة أربعة أشهرٍ وعشرًا، ولو وقع بشرط زوال الريبة كان فاسدًا.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في العتبية: أنه لا حجة للمبتاع.
قال سحنون: ولو تمادت الريبة إلى خمس سنين فلا حجة للمبتاع، لأنه قد علم أن أقصى العدة خمس سنين، فكأنه دخل على علم.
ولابن عبد الحكم: أن بيع الدار وشرط سكنى المرأة في عدتها غررٌ لا يجوز عنده، لجواز أن تستريب المرأة.
ومن المدونة: قال مالك: وهي أحق من الغرماء بما فقد كراءه، وإن كانت الدار بكراءٍ ولم ينقد الزوج الكراء وهو موسرٌ فلا سكنى لها في ماله، وتؤدي الكراء من مالها، ولا تخرج إلا أن يخرجها رب الدار، ويطلب من الكراء مالا يُشبه.
قال الشيخ: يريد: إذا كانت مدة الكراء الميت قد انقضت.
وقال بعض القرويين: معنى هذه المسألة: أنه أكرى كل سنةٍ بكذا، ودليله قوله: إذا لم ينقد الكراء فتغرم المرأة الكراء إلا أن يطلب منها صاحب المسكن ما لا يشبه، فشرطه إلا أن يطلب ما لا يشبه يدل على ما قلناه أنه لم يكر سنةٌ بعينها، ولذلك فرق بين أن ينقد وبين ألاَّ ينقد، ولو كانت سنةً بعينها فلا وجه للتفريق بين ذلك، لأن عقد الكراء قد لزم ووجب على الميت في تركته.
الجزء: 10 - الصفحة: 646
وهذا التأويل خلاف النص.
وذكر غيره من القرويين: أن أبا قُرَّة روى عن مالك أنه فرَّق بين أن يكري في السنة بكذا أو يكري سنةً بعينها, فهذا يؤيد ما تقدم أنه إنما يراعي النقد إذا لم ينقد على سنةٍ بعينها, لأنه إذا نقد صارت كالمعينة, وإذا لم ينقد فالكراء غير منعقدٍ لأن لما شاء الفسخ فسخ, وأما إذا عقد سنةً بعينها فسواءٌ نَقَدَ أم لا, لأن الكراء منعقدٌ بينهما وقد لزم ذلك زمته, وهذا خلاف ما في كتاب ابن المواز وغيره من أنه إن أكرى سنةً بعينها لا تكون المرأة أحق بها إلا أن يكون الميت قد نقد الكراء, وهذا التأويل خلاف النص.
وقد قال مالك في كتاب ابن المواز: إذا اكتراها مدةً فمات وبقي من المدة بقيةٌ ولم ينقد الكراء فالكراء لازمٌ للميت في ماله, ولا تكون الزوجة / أحق بذلك, ثم تُحاصُّ الورثة في ذلك, فللورثة إخراجها إلا أن تحب أن تسكن في حصتها, وتؤدي كِرَاء حصتهم.
قال الشيخ: يريد: برضاهم.
وإن نقد بعض الكراء سكنت في حصة ما نقد بأسره وكان الحكم فيما لم ينقد كما ذكرنا.
وإن شاء الورثة أن يُكْرُوا منها لزمها المقام, وإن شاؤا إخراجها فذلك لهم, وكذلك صاحب الدار بعد المدة.
فهذا يدل على خلاف التأويل المتقدم.
الجزء: 10 - الصفحة: 647
وذكر عن أبي عمران أنه إذا أكرى الرجل منزلاً ونقد كراءه قبل أن ينتقل إليه ثم مات قبل أن ينتقل إليه فليس للمرأة أن تنتقل إليه وتعتد في الموضع الذي هي فيه.
ومن المدونة: قال مالك: فإن أخرجت أقامت بموضعٍ تنتقل إليه لا تخرج منه ولا تبيت إلا فيه حتى تنقضي عدتها, وكذلك إن أخرجت من المسكن الثاني فاكترت ثالثاً ففيه تعتد وتبيت.
قال ابن القاسم: وأما إن طلقها زوجها طلاقاً بائناً فلزمه السكنى ثم مات في العدة فقد وجب لها السكنى في مال الزوج قبل الوفاة دينا, فلا يسقطه موته, بخلاف المتوفى عنها لو لم يطلقها, وكذلك بلغني عن مالك, وقد روى ابن نافع عن مالك أنهما سواءٌ إذا طلق ثم مات, أو مات ولم يطلق.
قال سحنون: وهذا أعدل.
قال يحيى بن عمر: كما تنقطع النفقة بموته عن الحامل.
قال الشيخ: وفي سماع ابن القاسم عن مالك: أن الحامل إذا اختلعت من زوجها أو طلقها طلاقاً بائناً فلزمته نفقتها ثم مات قبل أن تضع أن النفقة تسقط عنه بموته.
وقد مضى في إرخاء الستور عن ابن نافع عن مالك: أن الحامل إذا اختلعت من زوجها مثل هذا, فيلزم ابن القاسم عند أهل النظر أن يقول في السكنى أنها تنقطع عنها كما تنقطع النفقة.
الجزء: 10 - الصفحة: 648
قال بعض فقهائنا: لا يلزم ابن القاسم هذا, لأن النفقة إنما سقطت بموته لأنها بسبب الحمل, وقد صار الحمل الآن وارثاً, فلذلك وجب سقوطها, وأما السكنى فهي للمرأة وقد وجبت لها عليه في صحته فلزمته كدينٍ لها, فلا يُسقط ذلك موته, والله عز وجل أعلم.
قال الشيخ: لأن السكنى لا تسقط في الموت ولا في الطلاق البائن إن كان المسكن له, أو نقد كراءه, وتسقط في ذلك النفقة, فدل أن السكن أقوى.
[فصل 6_في المطلقة إن كانت في بيت بكراء]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو طلقها وهو في بيتٍ بكراءٍ فأَفلس قبل انقضاء العدة فلرب الدار إخراجها, لأنه أحق بمسكنه.
قال مالك: وقال ابن المسيب: الكراء على الزوج, فإن لم يكن عنده فعليها, وإن لم يكن عندها فعلى الأمير.
قال ابن القاسم: وإذا كانت المرأة في منزلٍ بكراءٍ اكترته فطلقها زوجها فلم تطلب الزوج بالكراء إلا بعد العدة فذلك لها, وكذلك إن كان زوجها لم يفارقها فطلبت منه كراء المسكن الذي اكترته بعد تمام السكن فذلك لها إن كان موسراً حين سكنت, وإن كان عديماً فلا شيء عليه.
قال ابن أبي زمنين: معنى هذه المسألة عندي: أنها إنما اكترت المسكن بعدما تزوجها, فأما إن تزوجها وهي في بيتٍ بكراءٍ فقد قال في كتاب كراء
الجزء: 10 - الصفحة: 649
الدور والأرضين: لا كراء على الزوج إلا أن تكون بيَّنت له أنها إنما تسكن بكراء, وإن لم يكن هذا معناه تناقضٌ من القول, والله أعلم.
[فصل 7_في السكنى والنفقة على الزوج المعدم
وفي سكنى ونفقة أم الولد من وفاة سيدها وعتقه لها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولا سكنى على معدمٍ في عدة, ولا نفقة في حملٍ إلا أن يوسر في حملها فتأخذه بنفقة ما بقي, وكذلك / السكنى, وإن وضعت قبل يسره فلا نفقة لها في شيءٍ من حملها.
ولأم الولد السكنى في الحيضة إن مات السيد أو أعتقها, ولا نفقة لها, وكل شيءٍ تُحبس عليه فيه من عدةٍ أو استبراءٍ فلها فيه السكنى.
قال مالك: وإن كانت حاملاً حين أعتقها فلها النفقة مع السكنى.
قال غيره: إذا كانت حاملاً في الوفاة فلها السكنى ولا نفقة لها.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن لم تكن حاملاً فلا سكنى لها, ورآها لها أشهب استحساناً من غير إيجاب.
قال ابن القاسم: وإن كانت حاملاً فلها النفقة والسكنى إن أعتقها, ولها أن تبيت في غير بيتها, مات سيدها أو أعتقها.
وقال أصبغ مثل قول أشهب وأشد, ويرى ذلك لها وعليها, ولو كانت حاملاً في الوفاة فلها السكنى ولا نفقة لها.
الجزء: 10 - الصفحة: 650
[فصل 8 - في سكنى ونفقة المرتدة]
ومن المدونة: قال مالك: وللمرتدة الحامل النفقة والسكنى مادامت حاملاً.
قال أبو بكر بن اللباد: ليس لها السكنى، وإن لم تتب تسجن حتى تضع.
قال مالك: فإن لم تكن حاملاً لم تؤخر واستتيبت، ولا نفقة لها في هذه الاستتابة، لأنها قد بانت منه، فإما أن تقتل أو ترجع إلى الإسلام، فيكون ذلك طلقة بائنة ويكون لها السكنى.
وذكر الباجي: أن علي بن زياد قال: إذا ارتدت المرأة رغبة في فسخ النكاح، وعلم ذلك منها أن ذلك لا يفسخ النكاح، وتبقى زوجة له على حالها.
[فصل 9 - في سكنى زوجة المعترض
والمجوسية إن أسلم زوجها إذا فرق بينهما]
ومن المدونة: قال مالك: والمعترض عن امرأته إذا فرق بينهما عند الأجل فلها عليه السكنى في عدتها.
والمجوسيان إذا أسلم الزوج فوقعت الفرقة بينهما وقد بنى بها فلها السكنى
الجزء: 10 - الصفحة: 651
ومن كتاب ابن المواز: وقيل: إن أسلم أحد الزوجين المجوسين فلا نفقة لها ولها السكنى.
قال أصبغ: وإن أسلمت ذمية تحت ذميّ فلها النفقة؛ لأن إسلامه في العدة كالرجعة.
قال ابن المواز: ولا نفقة لها كالمجوسية تسلم تحت مجوسي؛ لأنه لا رجعة له حتى يسلم، وهذا الصواب عندنا.
[فصل 10 - في سكنى المستحاضة]
ومن المدونة: قال مالك: وللمستحاضة السكنى في عدتها، ولا ينقطع ما وجب لها من السكنى كمطلقة، أو متوفى عنها زوجها وبها ريبة حتى تزول عنها الريبة.
الجزء: 10 - الصفحة: 652
[الباب الثالث عشر]
جامع مسائل مختلفة من الاستبراء وأمهات الأولاد
قال مالك: ومن كانت له أمة يطؤها ولم تلد منه فمات عنها، أو باعها فاستبراؤها حيضة وإن كانت مستبرأة قبل ذلك؛ لأنها خرجت من ملك إلى ملك، وأما إن أعتقها فإنها تستبرأ بحيضة إلا أن يكون السيد استبرأها قبل ذلك فيجزئها ذلك.
- قال الشيخ: لأنها خرجت من ملك إلى حرية- وتنكح مكانها إن أحبت، ويحل للزوج وطؤها حينئذ كما لو زوجها السيد وهي ملكه حل للزوج وطؤها مكانه، ويجزؤها استبراء السيد، ولا يجوز للسيد تزويجها حتى يستبرئها.
قال: ولو أعتق أم ولده بعد الاستبراء، أو مات عنها لم يجزها حتى تستأنف حيضة بعد عتقها، بخلاف الأمة.
وإن اشترى المكاتب زوجته بعد البناء، فلم يطأها حتى مات، أو عجز، فرجعت إلى السيد فعدتها حيضة، قاله مالك، ثم رجع، فقال: أحب إلي أن تكون حيضتين، وبهذا أخذ ابن القاسم: أن السيد لا يطؤها إلا بعد حيضتين من يوم الشراء، ولو وطئها المكاتب بعد الشراء انفسخت العدة وحلت بحيضة الاستبراء، ولو مات المكاتب، أو عجز بعدما مضى لها عنده حيضتان من يوم الشراء، فصارت الأمة لسيدها لم ينبغ لسيدة أن يطأها حتى تحيض حيضة وإن كان المكاتب قد قال: لم أطأها بعدها، وإن هي خرجت حرة بعد حيضتين لم يكن للسيد وطؤها، ونُكحت مكانها ولا استبراء عليها؛ لأنها خرجت من ملك إلى حرية.
الجزء: 10 - الصفحة: 653
قال مالك: ومن اشترى زوجته قبل البناء وطئها بملك يمينه ولا استبراء.
قال مالك: وإذا اشترى المأذون له في التجارة أمة بإذن سيده أو بغير إذنه فوطئها، ثم عتق وقد ولدت منه أولادًا وهي حامل منه، فهي تبع له كماله، ولا تكون له أم ولد بما ولدت قبل عتقه، ولا بما كانت به حاملاً حين عَتَق؛ لأن ذلك الولد رق للسيد.
قال ابن القاسم: إلا أن يملك المأذون حملها قبل أن تضعه بهبة فتكون به أم ولد.
قال مالك: ولو أن العبد حين أعتقه سيده أعتق هو جاريته وهي حامل منه لم أعجل لها ذلك، وكانت حدودها حدود أمة حتى تضع فيرق الولد للسيد الأعلى، وتعتق هي بالعتق الأول بغير إحداث عتق.
وسأل ابن كِنَانَة مالكًا عن مدبر اشترى أمة فوطئها فحملت، ثم عجل السيد عتقه هل يتبعه ولده كمَالِه؟
فقال: لا ولكن إذا وضعته كان مدبرًا على حال ما كان عليه الأب قبل العتق، والجارية تبع للعبد، لأنها ماله.
قال ابن القاسم: واختلف قول مالك هل تكون بهذا الولد أم ولد أم لا؟
وقد تقدم جميع مسألة المأذون له إلى آخر الكتاب في أمهات الأولاد، وهناك زيادة شرح فيها فاعلمه.
تم طلاق السنة والعدة بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا أثيرًا إلى يوم الدين.
الجزء: 10 - الصفحة: 654
[الكتاب الثامن]
كتاب الأيمان بالطلاق
[الباب الأول]
فيمن أخبر بطلاق زوجته، أو قال لها: أنت طالق إن فعلت كذا أو شئت، وتكرير الطلاق واليمين به
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت"، فمن عصى الله وحلف بالطلاق فحنث لزمه كمن طلق، وقد قال الله سبحانه: ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1] وهي الرجعة، فجعلها ثابتة كغير من أوقع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة وألزمه ذلك.
فصل [1 - فيمن أُخبر بطلاق زوجته]
قال ابن القاسم: ومن طلق زوجته فقال له رجل: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، فإن نوى إخباره فله نيته- يريد: ويحلف.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا أنه قال: إنما يحلف إذا كان قد تقدمت له فيها طلقة، أو طلق بعد ذلك طلقة؛ لأنها ثلاث في الظاهر، وعلى دعواه طلقتان، فلم يمكن من رجعتها إلا بيمينه، فإن لم يحلف فلا سبيل له إليها فإن طلبته بالنفقة لزمته؛ لإقراره أنها على عصمته، فينفق عليها مادامت في العدة إن
الجزء: 10 - الصفحة: 655
كان مقيمًا على إقراره إلا أن يلتزم الثلاث أو يستأنف طلقة اختيارًا منه، فتصير بائنًا لا نفقة لها عليه، والله أعلم.
وفي كتاب ابن المواز فيمن لقي رجلاً فقال: اشهد أن امرأتي طالق، ثم لقي آخر فقال له ذلك، وقال: أردت بذلك كله طلقة واحدة، قال مالك: يحلف ويُدين، وهذا بين أن اليمين عليه فاعلمه.
فصل [2 - فيمن قال لزوجته: أنت طالق إن فعلت كذا]
ومن قال لزوجته: إن دخلت الدار، أو أكلت، أو شربت، أو ركبت، أو قمت، أو قعدت، أو نحو هذا فأنت طالق، فهذه كلها أيمان.
قال الشيخ: يعني: إن أكلت أو شربت شيئًا بعينه، أو قمت أو قعدت إلى وقت كذا، وأما إن لم يكن هذا فيعجل عليه الطلاق الآن، إذ لابد لها من الأكل والشرب والقيام والقعود.
قال مالك: وإذا قال لها: إذا حضت فأنت طالق، لزمه الطلاق مكانه، وإن قال لحامل: إذا وضعت فأنت طالق، طلقت الآن.
قال أبو محمد: قال مالك: لأنه أجل آت في أكثر النساء.
وقال أشهب: لا تطلق عليه حتى تحيض أو تضع، واختلف فيه قول مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 656
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: أنه لما كان ذلك غالبًا في أكثر النساء حمل أمره على أنه أجل آت لابد منه؛ لأن ذلك أصلهم، كمنع المريض من أكثر ثلث ماله إذا كان الغالب من مرضه الموت، وكذلك الاستثقال في النوم إذا كان الغالب منه خروج الحدث.
ووجه قول أشهب: اعتبارًا بما يمكن أن يكون أو لا يكون، كقوله: أنت طالق إذا دخلت الدار، أو دخلتها فلانة، أو إذا أقدم زيد ونحوه، فإنها لا تطلق حتى يكون ذلك.
[فصل 3 - فيمن قال: إذا طهرت، أو حضت فأنت طالق]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لامرأته وهي حائض: إذا طهرت فأنت طالق، طلقت الآن، وجبر على الرجعة.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إذا حضت، أو إذا حاضت فلانة- وفلانة ممن تحيض- فأنت طالق، طلقت الآن، وتأخذ في العدة، وتعتد بطهرها الذي هي فيه من عدتها، فإن ارتابت بتأخير الحيض فاعتدت سنة ثم نكحها بعد العدة فحاضت عنده واليمين فيها لم تلزمه بذلك طلقة ثانية، لأني عجلت حنثه بذلك.
فصل [4 - فيمن قال: أنت طالق إذا شئت]
وإذا قال لها: أنت طالق إذا شئت، أو إن شئت، فذلك بيدها وإن افترقا حتى توقف أو توطأ أو يتلذذ منها طائعة، وكانت (إذا) عند مالك أشد من (إن)
الجزء: 10 - الصفحة: 657
ثم ساوى بينهما، ولو قبلته قبل القضاء كان تركًا لما جعل لها.
فصل [5 - فيمن قال: إن كنت تبغضينى، أو إن كنت
تحبين فراقي فأنت طالق]
وإن قال لها: إن كنت تبغضينى فأنت طالق، فقال: لا أبغضك، فلا يجبر على فراقها ولكن يؤمر به، وإن قال لها: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق، فقالت: إني أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة، فيفارقها ولا يقيم عليها.
فصل [6 - فيمن قال: إن كلمت فلانًا فأنت طالق]
وإن قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق، ثم قال لها ذلك ثانية في ذلك الرجل فهي إن حنث طلقتان حتى يريد واحدة، ولو كان ذلك في يمين بالله فقال والله لا أفعل كذا، ثم قال بعد ذلك: والله لا أفعل كذا، لذلك الشيء بعينه، فحنث لم يلزمه إلا كفارة واحدة بخلاف الطلاق.
قال ابن القاسم: ألا ترى أنه لو قال: والله والله لا أكلم فلانًا، فكلمه، لم يلزمه إلا كفارة واحدة، ولو قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن كلمت
الجزء: 10 - الصفحة: 658
فلانًا، فكلمه طلقت عليه ثلاثًا إلا أن ينوي واحدة، ويريد بالبقية إسماعها، وأما إن قال لها: إن كلمت فلانًا فأنت طالق، ثم حلف بمثل ذلك في رجل آخر فكلمها كانت طلقتين، ولا ينوى إلا أن يكون المحلوف عليه/ رجلاً واحدًا فينوى كما وصفنا، وبعد هذا باب في تكرير الطلاق.
فصل [7 - فيمن حلف بالطلاق على أن فلانًا قال كذا وكذا]
قال مالك: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت لي كذا وكذا، فقال الآخر: امرأته طالق إن قلته، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقينًا.
فصل [8 - فيمن قال: إن لم أطلقك فأنت طالق]
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن لم أطلقك فأنت طالق، لزمه مكانه طلقة إذ لابد له من الطلاق.
وقال غيره: لا يلزمه الطلاق إلا أن ترفعه إلى السلطان ويوقفه.
فصل [9 - فيمن حلف بالطلاق على ما لا يمكن فعله]
ومن قال لرجل: امرأتي طالق لو كنت حاضرًا لِشرك مع أخي لفقأت عينك، فإنه حانث؛ لأنه حلف على شيء لا يبر فيه ولا في مثله.
الجزء: 10 - الصفحة: 659
ومن الواضحة: قال أصبغ فيمن حلف على أمر قد سلف أن لو أدركه لفعل كذا: فهو حانث، كان مما يمكنه فعله أو لا يمكنه، مثل أن يحلف لغريمه: لو جئتني أمس لقضيتك حقك، فهو حانث؛ لأنه غيب لا يدري أكان فاعلاً أم لا، وإنما يفترق ما يمكن وما لا يمكن في المستقبل، فما كان يمكن فعله من قضاء دين، أو عطية مال، أو شق ثوب، أو ضرب وشبهه، فلا شيء فيه حتى يفعل أو لا يفعل، وما لا يمكن من شق جوف أو فقء عين، أو قتل، أو قطع وشبهه فهو حانث مكانه، وقاله ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون: سواء حلف على أمر سلف أو أمر مستقبل، فإن كان يمكن فعله فلا شيء عليه، وإن كان غير ممكن فهو حانث في الوجهين إلا أن تكون له نية في فعل غير ما سمى، وقاله مالك فيهما، ألا ترى أن مالكًا قال في الذي حلف بالطلاق في شيء كان بينه وبين رجل لو أدركه البارحة لفعل كذا وكذا من أمه، وأمه ميته، وقال: إنما نويت أن أشجه لو أدركته، أو أصنع به شيئًَا، وقد علمت وفاة أمه، فدينه مالك ولم يحنثه.
قال ابن الماجشون: فهذا فيما سلف، ولو لم تكن له نية فيما قد لفظ به مما لم يمكن فعله لحنثه مالك كما حنث القائل: لو كنت حاضرًا لشرك مع أخي لفقأت عينك.
قال الشيخ: وهذا أشبه بظاهر المدونة، ألا ترى قول مالك وعلته في المسألة لأنه حلف على شيء لا يبر فيه ولا في مثله.
الجزء: 10 - الصفحة: 660
[الباب الثاني]
فيمن طلق إلى أجل أو وقت أو حلف به على عيب
[فصل 1 - في الطلاق إلى أجل]
ولما أجمعوا على إبطال النكاح إلى أجل، وعجلوا المؤجل من حل العقدة وجب مثله في الطلاق المؤجل أن يعجل إيقاعه، وقاله عدد كثير من الصحابة والتابعين، بخلاف العتق إلى أجل، إذ قد بقي له في المملوكة الخدمة، ولم يكن في الزوجة غير الاستمتاع الذي حرم عليه.
قال ابن القاسم: فكل من طلق إلى أجل آت لزمه الطلاق مكانه، وأما من قال لامرأته: إذا قدم فلان، أو إن قدم فلان فأنت طالق، فلا يلزمه طلاق حتى يقدم فلان، وليس هذا من الشك الذي يفرق به، ولا هو أجل آت على كل حال وإنما الشك الذي يفرق به لو قال رجل: امرأته طالق إن كلم فلانًا، ثم شك فلم يدر كلمه أم لا، فهذا تطلق عليه، إذ لعله في يمينه حانث وهو لا يوقن أنه فيها بار، وكل يمين بالطلاق لا يعلم صاحبها أنه فيها بار فهو فيها حانث، وإن قال لها: أنت طالق بعد قدوم فلان بشهر، طلقت عليه حين قدومه، ولا ينتظر به الأجل، وإن قال لها: أنت طالق إذا مت أنا، أو إذا مت أنت، لم يلزمه شيء، إذ لا تطلق ميتة ولا يوصي ميت بطلاق.
وإن قال لها: إن مات فلان فأنت طالق، أو قال لها: أنت طالق قبل موته بشهر، لزمه الطلاق من ذلك كله مكانه.
الجزء: 10 - الصفحة: 661
ومن العتبية: قال عيسى عن ابن القاسم: ومن طلق امرأته إلى مئة سنة، أو إلى مئتي سنة، فلا شيء عليه، وأراه من قول مالك.
وقال ابن الماجشون في المجموعة: إذا طلقها إلى وقت لا يبلغانه، أو لا يبلغه عمر أحدهما لم يلزمه.
قال سحنون: وإذا أعتق عبدًا إلى وقت لا يبلغانه أو لا يبلغه العبد لم يلزمه، وإن كان يبلغ مثله العبد ولا يبلغه السيد فهي وصية من الثلث، وإن كان إلى وقت يشبه أن يبلغه عمر أحدهما فهو من رأس المال.
وإذا قال: إذا ماتت ابنتك فأنت طالق، ثم ماتت مكانه عند تمام كلامه قبل القضاء عليه من غير مرض لم يتوارثا؛ لأن الطلاق وقع عليه عند تمام كلامه، وقاله ابن عبد الحكم.
ولو قال: يوم أموت فأنت طالق، فهو مطلق إلى أجل.
قال الشيخ: إذ قد يموت آخر النهار فيقع الطلاق عليها أول النهار.
قال عيسى: وكذلك لو قال: يوم تموتي أنت، وقال أشهب: لا شيء عليه.
قال أشهب في المجموعة: وكذلك قبل موتي بشهر، وهو أصله في العتق إلى مثل هذا أنه من الثلث لأنه لا يكشفه إلا الموت.
ابن المواز: وقال ابن القاسم وابن وهب: وإن قال: إن مت إلى خمسة أشهر فأنت طالق، فلا شيء عليه، كأنه قال: إن مت أنا إليها فأنت طالق بعدها، وإن قال قوله يريد: لا أموت فيها، طلقت مكانها.
سحنون: وإن قال لها: أنت طالق إذا صليت أنا، أو إذا صليت أنت، طلقت عليه الساعة، لأنه أجل آت، ولابد من الصلاة.
الجزء: 10 - الصفحة: 662
قال محمد بن عبد الحكم فيمن قال: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا اليوم، أو: أنت طالق اليوم إن كلمت فلانًا غدًا، قال: إن كلمه اليوم طلقت عليه بواحدة، وإن كلمه غدًا فلا شيء عليه.
قال أبو محمد: هذا خلاف أصل قول مالك، والطلاق يلزمه إذا كلمه غدًا وليس لتعلق الطلاق بالأيام وجه.
ابن حبيب: قال ابن الماجشون: إذا قال لزوجته ولم تحض: إذا حضت فأنت طالق، طلقت عليه الآن، ولو كانت قد قعدت عن المحيض لم تطلق عليه إلا أن تحيض.
أبو محمد: ويقول النساء: إنه دم حيض.
[فصل 2 - فيمن قال: أنت طالق كلما حضت]
ومن المدونة: وإن قال لها: أنت طالق كلما حضت، طلقت عليه الآن ثلاثًا.
وقال سحنون: إذا قال لها ذلك وهي طاهر لزمته طلقتان.
ووجه قول سحنون هذا: كأنه قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، وإذا حضت الثانية فأنت طالق، وإذا حضت الثالثة فأنت طالق، فهي إذا حاضت الثالثة بانت منه، فكأنه أوقع الثالثة بعد أن بانت منه، فلا يلزمه، ونحو هذا التعليل لسحنون.
قال الشيخ: ووجه قول ابن القاسم: كأنه قصد إلى تكثير الطلاق كمن قال: أنت طالق مئة مرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 663
[فصل 3 - فيمن قال: أنت طالق كلماء جاء
يوم أو شهر أو سنة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق كلما جاء يوم أو شهر أو سنة، طلقت عليه الآن ثلاثًا، ولم تعد عليه اليمين إن نكحها بعد زوج؛ لأن الملك الذي طلق فيه قد ذهب.
وإن قال لأجنبية: أنت طالق غدًا، فتزوجها قبل غد فلا شيء عليه إلا أن ينوي إن تزوجتك فتطلق عليه إذا تزوجها مكانه.
قال سحنون: بعضها صواب وبعضها خطأ.
قال الشيخ: قال أبو عمران: إنما الصواب قوله: كلما جاء يوم، وأما كلما جاء شهر، أو سنة، فمذهبه في ذلك: أن تطلق الساعة طلقة، ثم يُنظر هل تذهب عدتها في الشهر، أو في السنة، فإن ذهبت لم يقع عليها طلاق، كما قال في قوله: أنت طالق كلما حضت.
فصل [4 - فيمن قال: إذا حملت فأنت طالق]
قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: إذا حملت فأنت طالق، لم يُمنع من وطئها، فإذا وطئها مرة طلقت عليه حينئذ، ولو كان قد وطئها في ذلك الطهر قبل مقالته طلقت عليه مكانه، وتصير بعد وطئه أول مرة كالتي قال لها زوجها: إن كنت حاملاً فأنت طالق، وقد قال مالك في مثل هذا: هي طالق؛ لأنه لا يدري أحامل هي أم لا.
الجزء: 10 - الصفحة: 664
وقال ابن الماجشون في المسألة الأولى: له وطؤها في كل طهر مرة، مثل العتق.
وقال أشهب: لا شيء عليه حتى يكون ما شرط.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم: فلأنه إذا وطئها صار من حملها في حال الشك لا يدري أحملت فيجب عليه الطلاق، أو لم تحمل فلا يجب عليه، وكل من حنث أم لا فهو حانث.
ووجه قول أشهب: أن من أصله أنه لا يطلق إلا على من طلق إلى أجل آت لابد منه، وأما ما يمكن أن يكون أو لا يكون فلا يلزم به طلاق، ولا نقل: حكم هذا أصلهم، وكما لو قال لحامل: إذا وضعت فأنت طالق عنده، وكقوله: إذا قدم فلان فأنت طالق، فلا تطلق عليه إجماعًا منهما.
ووجه قول ابن الماجشون: أن ليس من كل وطء يكون الحمل، فوجب أن لا تطلق عليه حتى يُختبر أمر هذا الوطء ويمسك عن وطئها، إذ لا يدري هل حملت منه فيحنث أم لا، قياسًا على الأمة إذا قال لها: إذا حملت فأنت حرة.
والفرق عند ابن القاسم بين الأمة والحرة أنهم أجمعوا أنه لا يجوز الطلاق إلى أجل، ويجوز العتق إلى أجل، هذا مذهب مالك وأصحابه.
ومن المجموعة: قال أشهب: وإن قال لها: وإن لم أحبلك فأنت طالق، أنه يطؤها أبدًا حتى تقعد عن الحمل، ويؤيس لها منه، وكذلك إن قال في أمته: إن لم أحبلك فأنت حرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 665
[فصل 5 - فيمن قال: إذا حملت فوضعت فأنت طالق]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها وهي غير حامل: إذا حملت فوضعت فأنت طالق، فإن كان وطئها في ذلك الطهر طلقت عليه مكانها، ولا ينتظر أن تضع، ولا أن تحمل، وقد قال مالك: لا تحبس ألف امرأة لامرأة واحدة يكون أمرها في الحمل غير أمرهن.
ومن المجموعة: قال سحنون: إذا قال لحامل: إذا حملت فأنت طالق، فلا تطلق بهذا الحمل إلا بحمل مؤتنف.
[فصل 6 - فيمن قال: إن لم يكن بك حمل
او إذا وضعت فأنت طالق]
ومن المدونة: وإن قال لها: إن لم يكن بها حمل، أو: إذا وضعت فأنت طالق، طلقت مكانها، ولا ينتظر بها حتى يعلم أحامل هي أم لا، إذ لو ماتت قبل أن يتبين ذلك لم يرثها.
وأخبرني ابن دينار: أن مالكًا قال في رجل قال لزوجته وهي حامل: قد أكثرت علي من ولادة الجواري، إن لم يكن في بطنك غلام فأنت طالق، أنها تطلق عليه الساعة، ولا ينتظر بها أن تضع، فإن ولدت غلامًا لم ترد إليه، وهذا عند مالك كقوله: إن لم تمطر السماء في وقت كذا فأنت طالق البتة، قال مالك: فإنها تطلق عليه الساعة؛ لأن هذا من الغيب، ولا ينتظر به إلى ذلك الوقت لينظر أيكون فيه المطر أم لا، ولو مطر في ذلك الوقت لم ترد إليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 666
قال مالك: وأما إن قال لها: إن لم يقدم أبي في وقت كذا فأنت طالق، فبخلاف ذلك، إذ قد يدعي علم قدومه بالخبر يأتيه، أو غيره، وليس هذا كمن حلف على غيب.
قال ابن حبيب: من قال لحامل: إذا وضعت جارية، أو إذا مطرت السماء غدًا فأنت طالق، فلا شيء عليه حتى يكون ذلك، بخلاف قوله: إن لم تلد جارية، أو لم تمطر السماء غدًا، أو إن لم تحض غدًا، أو شبه ذلك فهذا يعجل حنثه، فإن لم يرفع ذلك إلى الإمام حتى ولدت، أو كان المطر فلا شيء عليه، وأما إذا قال: أنت طالق إذا مطرت السماء، أو إذا خسفت الشمس فإنها تطلق عليه الساعة؛ لأنه أجل آت لا محالة، وقال ابن الماجشون وأصبغ.
الجزء: 10 - الصفحة: 667
[الباب الثالث]
باب آخر من اليمين بالطلاق
وتكرير الطلاق فيه وعودته في ملك ثان
[فصل 1 - فيمن قال: إن لم أفعل كذا فأنت طالق]
قال ابن القاسم: ومن قال لامرأته: إن لم أدخل هذه الدار، أو أفعل كذا فأنت طالق، لم يقع عليها الطلاق حين تكلم بذلك، ولكن يمنع من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه، وإن رفعته امرأته ضرب له من يوم ترفعه إلى أجل المولى، ولا ينظر إلى ما مضى قبل ذلك من الشهور، وإنما يضرب له الأجل من يوم حلف، لو حلف بيمين من الأيمان أن لا يطؤها فلا تحتاج في هذا إلى رفعه إلى الأمام؛ لأنه لو وطئ قبل أن ترفعه زال إيلاؤه وبر، والأول لو وطئ قبل أن ترفعه لم يسقط عنه اليمين التي عليه إذا لم يفعلها.
قال الشيخ: حكي عن أبي محمد وغيره: إذا حلف بالطلاق إن لم يفعل كذا، وقف عن وطء زوجته حتى يفعل، فتعدى فوطئ، ثم فعل ما حلف عليه، أنه لا يلزمه استبراؤها من ذلك الوطء؛ لأن الوقف ها هنا ضعيف.
وبعض العلماء يقولون: إن له أن يطأها حتى يفعل، ولا يحال بينه وبينها، وهي بخلاف من وطئ في الطلاق الرجعي.
قال ربيعة ويحيى بن سعيد: إن وطئ في الطلاق الرجعي ولم ينو بوطئه الرجعة، فهذا لا يطأ حتى يستبرئ؛ لأنه طلق والحالف لم يطلق.
الجزء: 10 - الصفحة: 668
فصل [2 - في تكرير الطلاق]
وإن قال لامرأة: إن تزوجتك فأنت طالق، ثم قال: كل امرأة أتزوجها من بلد كذا- لبلدها- فهي طالق، أو قال لها بعد ذلك والنساء معها: إن تزوجتكن فأنتن طوالق، فإن نكحها لزمته طلقتان ولا ينوي.
وإن قال لأجنبية: إن تزوجتك، أو: يوم أتزوجك فأنت طالق طالق طالق، أو قال لها: أنت طالق أنت طالق أنت طالق إن تزوجتك، وقدم ذكر الطلاق قبل التزويج فهي ثلاث إن تزوجها، إلا أن يريد واحد فيدين.
قلت: فإن قال لامرأته: أنت طالق، وأنت طالق، وأنت طالق؟
قال: وقف فيها مالك، وقال: في النسق بالواو إشكال.
قال ابن القاسم: ورأيته يريد بقوله: إنها ثلاث تطليقات، ولا ينوى، وهو رأيي.
قال مالك: وأما إن قال لها: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، فهذه بينة أنه لا ينوى، وهي ثلاث البتة، ولا ينوى، وكذلك إن قال ذلك لأجنبية وقال معه: إن تزوجتك، والواحدة تبين غير المدخول بها، والثلاث تحرمها إلا بعد زوج، وقاله جماعة من الصحابة والتابعين.
الجزء: 10 - الصفحة: 669
قال ربيعة: ومن قال لامرأته قبل البناء: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، كلامًا نسقًا فهي ثلاث ولا يُنوى ولا تحل له إلا بعد زوج.
فصل [3 - في عودة ما حلف به على المرأة في ملك ثان]
قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: إن أكلت هذا الرغيف فأنت طالق، فلم تأكل منه شيئًا حتى طلقها واحدة، فبانت منه وتزوجت غيره فأكلت بعضه لم يحنث بذلك، فإن طلقها فتزوجها الحالف فأكلت بقيته، أو بعضه وهي في عصمته حنث ما بقي من طلاق ذلك الملك الذي عقد فيه اليمين شيء، فإذا تم رجعت عنده على ملك مبتدأ، ولم يحنث بما أكلت عنده في الملك الثاني؛ لأن الملك الأول لما ذهب طلاقه صار بمنزلة من لا يمين عليه- يريد: ولو أكلت عنده في العصمة الأولى بعض الرغيف لم يعد عليه حنث إن أكلت منه في الملك الثاني؛ لأنه حنث مرة، وكل يمين حنث فيها مرة بطلاق فلا تعود إليه في التي حنث فيها إن نكحها.
وإن قال لها: أنت طالق إن دخلت الدار، فصالحها، فدخلتها بعد الصلح في غير ملكه لم يلزمه شيء إن نكحها.
قال مال: وإن قال لها: أنت طالق ثلاثًا إن دخلت هذه الدار، فطلقها ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، ثم دخلتها فلا شيء عليه.
قال الشيخ: لأنه إنما كان حلف بطلاق ذلك الملك الذي طلقها فيه ثلاثًا، فقد ذهب الطلاق الذي حلف به، ولا يحنث بطلاق قد ذهب، ولو كان إنما طلقها واحدة أو اثنتين لحنث بدخولها الآن، لباقي طلاق ذلك الملك، تزوجها قبل زوج أو بعد زوج، ثم لا تحل له إلا بعد زوج، ولا يحنث بدخولها في ملك غيره، وكذلك أكلها للرغيف في ملك غيره.
الجزء: 10 - الصفحة: 670
وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه وجماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: من طلق دون الثلاث، ثم ارتجع بنكاح، أنها تكون عنده على بقية طلاق الملك الأول، ولو كان الطلاق ثلاثًا رجعت على طلاق مبتدأ.
وإن قال لعبده: أنت حر إن كلمت فلانًا، فباعه هو، أو باعه عليه السلطان في فلس، ثم كلمه، ثم اشتراه، أو وهب له، أو تصدق به عليه، ثم كلمه حنث بكلامه الآن لا بكلامه وهو في غير ملكه، وإن ورثه، أو ابتاعه من ميراث أبيه وهو قدر مورثه فأقل، ثم كلمه لم يحنث، واشتراؤه إياه بمنزلة مقاسمته إخوته، وإن بان أكثر من مورثه حنث.
قال سحنون: هذه المسألة ضعيفة جدًا، ورأى أشهب: أن بيع السلطان له في الفلس يزيل التهمة كالميراث، ولا تعود بعده اليمين عليه.
وقد تقدمت هذه المسألة في كتاب العتق.
ومن الخلع: وإن حلف بالطلاق ثلاثًا إن لم أقض فلانًا حقه إلى يوم كذا فلما قرب الأجل وخاف الحنث طلقها واحدة، فانقضت العدة قبل ذلك الأجل، أو صالحها قبل ذلك الأجل، ثم نكحها بعد الأجل، في الوجهين لم تعد عليه اليمين وإن لم يقض فلانًا حقه، وكره له مالك أن يفعل هذا هربًا من الحنث، فإن فعل فلا شيء عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 671
ومن الأيمان بالطلاق: ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق يوم أدخل دار فلان، فدخلها ليلاً، أو حلف على ليل فدخلها نهارًا حنث، إلا أن ينوي نهارًا دون ليل، أو ليلاً دون نهار، فينُوى.
وقد ذكر الله عز وجل الليالي بدلاً من الأيام فقال تعالى: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 2] وإن قال لها: أنت طالق إن دخلت دار فلان، ودار فلان، فدخلت إحداهما حنث، ثم إن دخلت الثانية لم تطلق ثانية.
وفي الباب الأول: مسألة من قال لزوجته: إذا طرهت فأنت طالق، أنها تطلق الآن ويجبر على الرجعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 672
[الباب الرابع]
في الشك والمجهول في الطلاق
وقد أمر الرسول عليه الصلاة والسلام الشاك في صلاته أن يبني على يقينه فكذلك يجب على كل شاك الانتقال إلى حال يرتفع فيه شكه، والطلاق أحق ما احتيط فيه، إذ روي: "أن هَزله جِد".
وقد قال ابن عمر وغيره: يُفرق بالشك ولا يُجمع به.
قال مالك: ومن لم يدرِ كم طلق، أواحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا فهي ثلاث.
قال ابن القاسم: فإن ذكر في العدة أنها أقل فله الرجعة، وإن ذكر بعد العدة كان خاطبًا، ويصدق في ذلك، وإن بقي على شكه حتى تزوجها بعد زوج ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، لأنه لا يدري لعل طلاقه أولاً إنما كان طلقتين، ثم طلق أخرى فصارت ثلاثًا، فلا تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج ثم طلقها أيضًا طلقة لم تحل له أيضًا إلا بعد زوج؛ لأنه لا يدري لعل طلاقه أولاً كان طلقة، وطلق أخرى وهذه الثالثة، فلا تحل له إلا بعد زوج، فإن تزوجها أيضًا بعد زوج، ثم طلق واحدة لم تحل له أيضًا إلا بعد زوج، إذ قد
الجزء: 10 - الصفحة: 673
يمكن أن يكون الطلاق الأول ثلاثًا فرجعت عنده في النكاح الثاني على ملك مبتدأ ثم طلق ثلاثًا مفترقات، فلا تحل له إلا بعد زوج، وكذلك يصنع بعد خامس وسادس ومئة زوج، إلا أن يبت طلاقها وهي تحته في أي نكاح كان، فتعود إن رجعت إليه على نكاح مبتدأ يقينًا.
وقاله ابن نافع في غير المدونة.
وروي عن مالك: أنه إن نكحها بعد ثلاثة أزواج زال الشك فيها، وقاله أشهب وأصبغ.
وقال ابن وهب: إذا طلقها ثلاثًا وإن كن مفترقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ.
قال الشيخ: فوجه قول أشهب: أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة، أو طلقتين، أو ثلاثًا، فإن كان ثلاثًا فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج طلقة فصارت ثلاثًا، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كانت واحدة فقد طلقها بعد الزوج الأول واحدة وبعد الزوج الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة، فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج، والله أعلم.
ووجه قول ابن وهب: أنه إذا طلقها ثلاثًا مفترقات يقينًا فقد زال الشك كما لو طلقها الثلاث في كلمة.
ومن المدونة: ومن لم يدر بما حلف، بطلاق، أو عتق، أو مشي، أو صدقة، فليطلق نساءه، ويعتق رقبة، ويتصدق بثلث ماله ويمشي إلى مكة، يؤمر ذلك كله ولا يجبر من غير قضاء، وكذلك إن حلف بطلاق فلم يدر أحنث أم لا، أمر بالفراق.
وقيل: يقضى عليه، في غير المدونة.
الجزء: 10 - الصفحة: 674
قال الشيخ: ذكر عن أبي عمران: أن ذلك يؤخذ من المدونة:
قال في الذي حلف بطلاق زوجته: إن كلم فلانًا، ثم شك بعد ذلك، فلم يدر أكلمه أم لا، أن زوجته تطلق عليه، فظاهر هذا أنه على الجبر.
وذكر في غير هذا الكتاب: أنه يؤمر ولا يجبر.
قال أبو عمران: وأما مسألة من شك فلم يدر كم طلق، فها هنا يستحسن القضاء؛ لأن هذا شاك في بقاء عصمته عليها- يريد لأنه أيقن بالطلاق وإنما شك في العدد، فهو أشد ممن لا يدري هل وقع عليه طلاق أم لم يقع.
وقال بعض القرويين في مسألة الذي لم يدر كم طلق، أثلاثًا أو أقل: ليس يقال ها هنا إنها ثلاث بالحكم، لأنه لو حكم عليه بالثلاث ما نفعه أن يذكر في العدة أنه إنما كان طلق أقل من الثلاث فيكون أملك بها.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن كان ذا وسوسة في هذا فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: وإن قال: لا أدري أحلفت فحنثت، أو لم أحلف ولم أحنث فلا شيء عليه.
ابن المواز: قال مالك فيمن قال لامرأته: أنت طالق، فقيل له: ما نويت؟ فقال: لا أدري، فهي البتة.
قال ابن المواز: لأنه لم يقل: لم أنو شيئًا، وإنما قال: لا أدري ما نويت، فكأنه نوى شيئًا فنسيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 675
قال الشيخ: وقيل عن أبي عمران في الذي يقول: جميع الأيمان تلزمني، قال: تلزمه جميع الأيمان من الطلاق والعتق وغير ذلك.
فقيل له: ما يلزمه من الطلاق؟
فقال: هي مسألة متنازع فيها، والذي أرى أن الواحدة عليه بلا شك، ويستحب له أن يلزم نفسه الثلاث.
فقيل له: من الأيمان خليه وبرية ونحوه؟
فقال: هذا ما لا غاية له، ويلزمه أيضًا: كلما تزوجتك فأنت طالق.
قال بعض فقهائنا: وقال أبو بكر بن عبد الرحمن القروي: تطلق عليه زوجته بالثلاث عندي؛ لأن الخلية والبرية والحرام وغير ذلك مما تحرم به الزوجة، فدخل تحت يمينه لقوله: جميع الأيمان تلزمني، وأنكر ما ذهب إليه غيره من أنه تلزمه طلقة.
واستحسن بعض فقهائنا قول أبي عمران قال: ولا يكون أسوأ حالاً ممن حلف بالطلاق قصدًا إليه، ولا نية له أنه إنما يلزمه المباح من الطلاق، وهو واحدة.
قال الشيخ: فظهر لي أن قول أبي بكر بن عبد الرحمن أقوى؛ لأن الذي يقول: جميع الأيمان تلزمني، إنما قصد التشديد، فيجب أن يلزم ذلك، وإذ أكثر عادات الناس الأيمان بالثلاث في وقتنا؛ لأن أكثرها إنما يقع على الجهر، فيجب أن يلزم ذلك؛ ولأن الخلية والبرية تدخل تحت ذلك، وليس كمن قال: أنت طالق؛ لأن هذا قد خص جنسًا من الطلاق، والذي قال: جميع الأيمان، قد جمع الأيمان، ومن الأيمان الطلاق واحدة، والطلاق ثلاثًا، والخلية والبرية والبتة فكيف يقصره على أقلها مع ما بينا أن الثلاث أكثر أيمان أهل وقتنا، وأن الذي يقول: جميع الأيمان: إنما قصد التغليظ سفهًا منه، والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 676
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لزوجته: أنت طالق إن كنت دخلت الدار، فقال: قد دخلتها، فكذبها، ثم قالت: كنت كاذبة، أو: لم تقل، فإنه يؤمر بفراقها ولا يقضى عليه به، ولو صدقها أولاً لزمه الفراق بالقضاء وإن رجعت عن إقرارها.
وقال مالك في من سأل زوجته عن شيء فقال لها: إن لم تصدقيني، أو إن كتمتيني فأنت طالق البتة، فأخبرته، فليفارقها ولا يقيم عليها، وما يدريه أصدقته أم لا، وقاله الليث.
وإن قال لها: إن كنت تحبين فراقي فأنت طالق ثلاثًا، فقالت: إني أحبه، ثم قالت: كنت كاذبة، أو لاعبة، فليفارقها ولا يقيم عليها، فإن قال لها: إن كنت تبغضينى فأنت طالق، فقالت: لا أبغضك، فلا يجبر على فراقها ولكن يؤمر به.
الجزء: 10 - الصفحة: 677
[الباب الخامس]
في تبعيض الطلاق، ومن طلق عضوًا من امرأته أو قال: إحدى نسائي طالق، أو طلقتك قبل أن أتزوجك أو أنا صبي، أو مجنون، أو طلق بالعجمية
[فصل 1 - في تبعيض الطلاق]
ولما لم تنقسم الطلقة الواحدة لزم من طلق بعض طلقة جميع الطلقة كما لم تنقسم الحيضة في الأمة فاعتدت لحيضتين.
قال ابن القاسم: ومن طلق بعض طلقة لزمه طلقة كاملة.
قال ابن شهاب: ويوجع ضربًا من قال ذلك وهو أملك بها.
قال ربيعة: وإن قال لها: أنت طالق طلقة ونصفًا، لزمه طلقتان، وإن قال لها: طلقتين ونصفًا فهي ثلاث.
قال ابن القاسم: ومن قال لأربع نسوة له: بينكن طلقة إلى أربع، طلقن واحدة واحدة، وإن قال: خمس إلى ثمان، طلقن اثنتين اثنتين، وإن قال: تسع إلى ما فوق، طلقن ثلاثًا ثلاثًا.
فصل [2 - فيمن طلق عضوا من امرأته]
ومن قال لامرأته: يدك، أو رجلك، أو أصبعك طالق، طلقت كلها، وكذلك العتق.
الجزء: 10 - الصفحة: 678
قال الشيخ: لأنه إذا اجتمع الخطر والإباحة في شخص غلب حكم الحظر على الإباحة كالأمة بين الشريكين، والمعتق بعضها، والشاة يذبحها المجوسي والمسلم.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولو قال لها: شعرك طالق، أو حرام، فلا شيء عليه، ولو قال لعبده: شعرك حر، لم يلزمه عتق، وليس الشعر بشيء.
قلت: قال بعض أصحابنا: تحرم إذا حرم شعرها؛ لأنه من محاسنها ومن خلقها حتى يزايلها.
وكذلك لو قال: كلامك علي حرام، لحرُمت؛ لأنه من محاسنها.
قال سحنون: لا أرى عليه شيئًا في الكلام والشعر، وكذلك قال ابن المواز عن ابن عبد الحكم.
وقال أشهب: إنها تحرم عليه.
وقال بعض القرويين: إذا طلق كلام امرأته لزمه الطلاق؛ لأن من كلام المرأة ما لا يحل أن يسمعه إلا الزوج، فقد حرم ذلك النوع على نفسه، فيلزمه الطلاق لهذا، والله أعلم.
[فصل 3 - فيمن قال: إحدى نسائي طالق]
ومن المدونة: ومن قال: إحدى نسائي، أو امرأة من نسائي طالق، أو كان ذلك في يمين حلف بها فحنث، فإن نوى واحدة بعينها طلقت التي نوى خاصة، وصدق في القضاء والفتيا، وإن لم ينوها طلقن كلهن بغير ائتناف طلاق؛ لأن الطلاق لا يختار فيه بخلاف العتق.
الجزء: 10 - الصفحة: 679
ابن المواز: وهذا قول المصريين وروايتهم عن مالك، وقال المدنيون ورواه بعضهم عن مالك: إنه يختار منهن واحدة كالعتق، والأول أحب إلينا؛ لأن العتق يُبعض ويُجمع في أحدهم بالسهم، وليس ذلك في الطلاق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك لو نوى واحدة فأُنسيها، طلقن كلهن بغير ائتناف طلاق.
قال الشيخ: ولا خلاف في هذا، وكذلك في العتق إذا قال: أحد عبيدي حر، ونوى واحدًا، ثم أُنسيه، فإنه يعتق عليه جميعهم.
قال ابن القاسم: وإن جحد في الطلاق كان كمن لا نية له ويطلقن كلهن.
قال الشيخ: وفي العتق يختار من تعتق منهم إذا لم ينو واحدًا بعينه.
فصل [4 - فيمن قال: طلقتك قبل أن أتزوجك، أو أنا صبي
أو مجنون، أو طلق بالعجمية]
ومن قال لامرأته: طلقتك قبل أن أتزوجك، أو: أنا صبي، فلا شيء عليه، وكذلك إن قال: وأنا مجنون، إن عرف أنه كان به جنون.
وقال سحنون: يلزمه الطلاق، وذلك ندم منه.
ومن طلق بالعجمية لزمه إن شهد بذلك عدلان يعرفان العجمية.
الجزء: 10 - الصفحة: 680
[الباب السادس]
جامع القول في الاستثناء في الطلاق
[فصل 1 - في تعليق الطلاق بمشيئة الله أو بمشيئة غيره]
ولما أجمعوا أن من نسق يمين الطلاق بفعل كان الحكم لآخر الكلام، كان كذلك الاستثناء فيه.
قال مالك: فمن قال لزوجته: أنت طالق إن شاء الله، لزمه الطلاق ولا ثنيا له، لأنه لا علم لنا بمشيئة الله عز وجل، فإذا طلقناها عليه علمنا أن الله عز وجل شاء طلاقها.
قال الشيخ: ولأنا لا نعلم بمشية الله عز وجل، ولما لم يكن لنا طريق إلى علمها غلبنا التحريم، كما إذا اجتمع في شيء الحظر والإباحة غلبنا الحظر.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن شاء فلان، فذلك له؛ لأنه ممن يوصل إلى علم مشيئته، وينظر إلى ما يشاء فلان، فإن مات فلان قبل أن يشاء وقد علم بذلك أو لم يعلم، أو كان ميتًا قبل يمينه، فلا تطلق عليه.
قال الشيخ: لأنه لم يشأ إذا مات قبل أن يشاء.
قال ابن القاسم: وكذلك إذا قال: أنت طالق إن شاء هذا الحجر، أو الحائط، فلا شيء عليه.
قال الشيخ: لأن هذه الأشياء ليس لها مشيئة فيطلقها بها.
وقال سحنون: يلزمه في الحجر ونحوه ولا ثنيا له، ويُحمل على أنه نادم.
الجزء: 10 - الصفحة: 681
قال الشيخ: قال عبد الوهاب: تعليق الطلاق بالمشيئة على ثلاثة أضرب: بمشيئة الله عز وجل، وبمشيئة إنسان، وبمشيئة من لا يشاء كالحجر ونحوه، فأما قوله: أنت طالق إن شاء الله، فلا يؤثر في رفع الطلاق عندنا خلافًا لأبي حنيفة والشافعي؛ لأنه لو أثر في ذلك لم يخل أن يكون تأثيره من حيث الشرط أو الاستثناء، فإن كان من حيث الشرط فلا يصح؛ لأنه لا سبيل لنا إلى العلم بحصوله، فإذا كان كذلك فتعليق الطلاق به هزل وعبث، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "ثلاث هَزلهُن جِد، فذكر الطلاق"، وإن كان من حيث الاستثناء فلا يصح أيضًا لأن الاستثناء إنما يدخل على مستقبل الأفعال دون ماضيها، وقوله: أنت طالق، إيجاب وإيقاع فلا مدخل للاستثناء فيه.
قال الشيخ: ولأن الاستثناء معنى يحل اليمين المنعقدة كالكفارة، وقد ثبت أنه لا مدخل للكفارة في الطلاق، فكذلك الاستثناء؛ ولأن الكفارة أقوى من الاستثناء؛ لأنها تؤثر متصلة ومنفصلة، والاستثناء لا يؤثر إلا متصلاً، فإذا لم تعمل الكفارة في الطلاق كان الاستثناء أحرى أن لا يعمل فيه، ولأنه استثناء يرفع جميعه في الحال، فوجب أن لا يعمل فيه، كما لو قال: أنت طالق ثلاثًا إلا ثلاثًا، وأما تعليق الطلاق بمشيئة زيد فيصح؛ لأنه يتوصل إلى علم مشيئته، فكان كسائر الشروط، كقوله: أنت طالق إن دخل زيد الدار ونحوه، وأما الاستثناء بمشيئة الحجر فروايتان: فوجه أن الطلاق يلزمه: فلأنه هزل، ووجه أنه لا يلزمه:
الجزء: 10 - الصفحة: 682
فلأنه عدم الشرط الذي علق الطلاق به، والأول أصح.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو كان استثناؤه في يمين بالطلاق على فعل شيء بعد ذكر الفعل أو قبله فلا ثنيا له.
قال الشيخ: وابن الماجشون يرى أن له ثُنيا إذا رد الثُنيا إلى الفعل دون الطلاق، ولو قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، لم ينفعه ذلك، فإن ضمنه يمينًا فقال: أنت طالق إن فعلت كذا إلا أن يبدو لي، فذلك له، وقوله: إلا أن يبدو لي يريد في ذلك الفعل خاصة، وإن قال: إن شاء الله، لم ينفعه ذلك.
فصل [2 - فيمن طلق واستثنى بعض الطلاق]
ومن كتاب ابن سحنون: فإن قال: أنت طالق الطلاق كله إلا نصفه، أو قال: طالق ثلاثًا إلا نصفها، لزمته طلقتان.
قال الشيخ: وكأنه قال لها: أنت طالق طلقة ونصفًا، فجبر عليه النصف الباقي من الطلقة فلزمه طلقتان.
قال: ولو قال: الطلاق كله إلا نصف الطلاق، لزمته الثلاث؛ لأن الطلاق المبهم واحدة، فاستثناؤه من الواحدة لا ينفعه.
قال الشيخ: وكأنه قال لها: أنت طالق طلقتين ونصفًا، فتلزمه الثلاث، وإن قال لها: أربعًا إلا ثلاثًا، أو مئة إلا تسعًا وتسعين، فإن الثلاث تلزمه كمن قال: ثلاثًا إلا ثلاثًا؛ لأن اللازم من المئة ثلاث، ثم رجع في المجموعة قال: لا تلزمه إلا واحدة، ولو كانت اللوازم من المئة تكون في المستثنى لكان لو قال:
الجزء: 10 - الصفحة: 683
إلا اثنتين، تلزمه واحدة، وهذا تلزمه الثلاث، وتكون اللوازم فيما أبقى.
قال في كتاب ابنه: وإن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق إلا واحدة، فإن نوى بقوله: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق واحدة يكررها ليُسمعها، لزمتة واحدة، كالقائل: أنت طالق واحدة إلا واحدة، وإن لم يرد يُسمعها، أو لم تكن له نية، فهي ثلاث استثنى منها واحدة، فتلزمه طلقتان.
وإن قال: أنت طالق البتة إلا واحدة، لزمته طلقتان، لأن البتة صفة الثلاث بنى بها أم لا، وأنكر قول من قال: إن البتة لا تتبعض.
قال بعض أصحابنا: ويلزم من قال هذا لو شهد شاهد بالبتة، وشهد آخر بالثلاث، أن تكون شهادة مختلفة، وهذا خلاف قول أهل الحجاز.
وقال سحنون في المجموعة: إذا قال: أنت طالق البتة إلا واحدة، لزمته الثلاث؛ لأن البتة لا تتبعض.
وقال أشهب: تتبعض.
ومن العتبية: قال أصبغ فيمن قال لإحدى نسائه الثلاث: أنت طالق البتة ثم قال للثانية: وأنت شريكتها، ثم قال للثالثة: وأنت شريكتها، فإنهن طوالق البتة كلهن؛ لأنها لا تتبعض.
ولو قال للأولى: أنت طالق ثلاثًا، وللثانية: وأنت شريكتها، وللثالثة: وأنت شريكتها، فإن الأولى والثالثة تقع عليهما ثلاث ثلاث، وعلى الوسطى
الجزء: 10 - الصفحة: 684
اثنتان، يريد: أن الأولى لزمها الثلاث بأول قوله، والثانية لزمها طلقتان، وكأنه قال لها: أنت طالق طلقة ونصفًا، والثالثة لزمتها ثلاث؛ لأنها لزمها من الأولى طلقتان ومن الثانية طلقة، فأكملت عليها ثلاث تطليقات.
ومن كتاب ابن سحنون عن أبيه: ولو قال لأربع نسوة له: بينكن طلقة، أو قال: اثنتان، أو قال: ثلاث، أو قال: أربع، لزم كل واحدة طلقة.
ولو قال: أشركتكن في ثلاث، لزم كل واحدة ثلاث، ولو قال: أشركت بينكن في طلقتين، طلقت كل واحدة طلقتين طلقتين.
قال الشيخ: كأنه إذا قال: بينكن كذا، فإنما تقسم الجملة المسماة بينهن، فإذا قال: أشركتكن في ثلاث، أو في اثنتين، فكأنه أشركهن في كل طلقة على انفرادها.
قال الشيخ: ولو قال قائل: ذلك سواء كله، لم أَعِبُه، إذ لا فرق بين قوله: بينكن، أو أشركتكن.
قال أبو محمد: ورأيت لأبي عُبيد القاسم بن سلام مسألة في الاستثناء [قال]: على أصولنا فيمن قال: أنت طالق ثلاثًا إلا اثنتين إلا واحدة، أنها
الجزء: 10 - الصفحة: 685
اثنتان؛ لأنه استثنى من الاستثناء لقول الله عز وجل: ﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ.
إِلاَّ امْرَأَتَهُ﴾ [الحجر 59: 60] فاستثنى من الاستثناء.
الجزء: 10 - الصفحة: 686
[الباب السابع]
في الطلاق قبل الملك واليمين به
[فصل 1 - في لزوم الطلاق قبل الملك
وهل يلزمه إن خص قبيلة]
وقد رأى عمر وابن عمر وابن مسعود وغيرهم وعدد كثير من التابعين أن من حلف بطلاق امرأة إن تزوجها أن ذلك يلزمه، وكذلك إن خص قبيلة، قال بعضهم: أو ضرب أجلاً، وأما إن عم فلا شيء عليه.
قال ربيعة: لأن الله عز وجل لم يجعل الطلاق إلا رحمة ولا العتاقة إلا أجرًا، فإلزامه هذا من الهلكة.
قال غيره: وهذا من الحرج الذي رفعه الله عز وجل عن هذه الأمة بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78]، يقول: من ضيق.
قال عبد الوهاب: وقال الشافعي: إن ذلك لا يلزمه سواء عم أو خص، وقال أبو حنيفة: إن ذلك يلزمه سواء خص أو عم، والدليل على الشافعي أنه إن خص أو عم أن ذلك لا يلزمه، قوله عز وجل: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]؛ ولأنه
الجزء: 10 - الصفحة: 687
أضاف الطلاق إلى حال يملك فيه ابتداء إيقاعه، فصح ذلك اعتبارًا به إذا أضافه إلى حال طريق الملك، مثل أن يقول لزوجته: إذا دخلت الدار فأنت طالق.
والدليل على أبي حنيفة في أنه يلزمه وإن عم: قوله عز وجل: ﴿لاَ تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَآ أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 87]؛ ولأنه سد على نفسه طريق استباحة البضع، فوجب أن لا يلزمه؛ لأن في ذلك تعريض نفسه للزنا، وما أدى إلى ذلك فهو ممنوع، أصله عدم الحر لمهر الحرة أنه يجوز معه نكاح الأمة؛ لأنه لو لم يجز له ذلك لأدى إلى التعريض للزنا، وكذلك مسألتنا.
[فصل 2 - فيمن قال: كلما تزوجتك، أو عن تزوجتك أبدًا
فأنت طالق]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لامرأة: كلما تزوجتك فأنت طالق ثلاثًا، فالطلاق يعود عليه أبدًا كلما تزوجها، وولو قال: إن تزوجتك أبدًا، أو إذا أو متى ما، فإنما يحنث بأول مرة، إلا أن يريد أن (متى ما) مثل (كلما)، فتكون مثلها.
وإن قال لأجنبية: إن وطئتك، أو يوم/ أكلمك فأنت طالق، ثم تزوجها وفعل ذلك فلا شيء عليه إلا أن ينوي إن تزوجتك.
الجزء: 10 - الصفحة: 688
فصل [3 - فيمن طلق قبل الملك وعم]
قال مالك: ومن عم فقال: كل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه؛ لأنه عم تحريم ما أحل الله عز وجل له، كان له يومئذ أربع زوجات فأدنى أو لا زوجة له طلق بعض زوجاته أو لا، قال ذلك في يمين مُضَمنة بفعل، أو في غير يمين مُضَمنة وله أن ينكح حتى يُكمل أربعًا، ولو طلق كل امرأة في عصمته لزمه ذلك، وله أن يتزوج إن شاء.
وإن قال لزوجته: إن دخلت أنا، أو أنت الدار فكل امرأة أتزوجها طالق، أو بدأ يذكر التزويج قبل دخول الدار، ثم تزوج امرأة، ثم دخل الدار، أو دخلت هي فلا شيء عليه فيها، ولا فيمن نكح بعدها.
فصل [4 - فيمن طلق قبل الملك وعم واستثنى مدينة]
وإن قال: كل امرأة أتزوجها إلا من الفسطاط طالق، لزمه، أو قال: إن لم أتزوج إلا من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق، لزمه الطلاق فيمن تزوج من غيرها.
قال سحنون في قوله: إن لم أتزوج من الفسطاط فكل امرأة أتزوجها طالق، إن تزوج من غير وُقِف، ودخل عليه الإيلاء.
ومن العتبية: روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم فيمن حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها بمصر، ثم حلف بطلاق كل امرأة يتزوجها بغير مصر، فلا يلزمه اليمين الثانية، وليتزوج بغير مصر ما شاء، ولو كانت يمينه أولاً على غير مصر، ثم حلف بطلاق من يتزوج بمصر، فاليمين الثانية ساقطة، ويتزوج من مصر.
الجزء: 10 - الصفحة: 689
قال ابن سحنون عن أبيه في الحالف بطلاق من يتزوج من قرطبة، قال: لا يلزمه إلا في قرطبة وأرباضها، ولو قال: من القيروان لم يلزمه إلا من المدينة نفسها.
ولو تزوج من منزل العلويين لم يلزمه شيء، ولم ير بعض أصحابنا أنه يلزمه فيمن يلزمه السعي إلى الجمعة إلا أن ينوي إعمالها فيلزمه إعمالها؛ لأن القياس أن يلزمه فيما تقصر في مثله الصلاة، فعاب سحنون هذا كله، وقال: هذا القائل لو تزوج هذا من أبعد ما يلزمه فيه الجمعة ودون ما تقصر فيه الصلاة لم أفسخه، وأنهاه قبل وقوعه.
قال سحنون: وهذا من قوله صواب.
ومن العتبية والموازية والواضحة: قال ابن القاسم: وإن قال: كل امرأة أنكحها بأرض الإسلام طالق، فإن كان يقدر على دخول أرض العدو والنكاح بها وإخراجها لزمه، وإلا لم يلزمه اليمين.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: لا يلزمه وإن قدر على دخولها: كمن استثنى قرية صغيرة، أو عددًا قليلاً.
قال أبو محمد: في أرض الحرب/ ما يأتيه المسلمون وهي مُتجر لهم، فإن أراد هذا لزمه، وإن أراد مثل إفرنجة ونحوها لم يلزمه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال: كل امرأة أتزوجها فهي طالق إلا من قرية كذا، لقرية صغيرة ليس فيها ما يتزوج، فلا شيء عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 690
قال مالك: وكذلك إن قال: إلا فلانة، وهي ذات زوجٍ أم لا، فلا شيء عليه.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قال: إن لم أتزوج فلانةً فكل امرأة أتزوجها طالق، فلا شيء عليه.
فصل [5 - فيمن طلق قبل الملك وعم وضرب لذلك أجلاً]
قال مالك: وإن قال: كل امرأةٍ أتزوجها إلى ثلاثين سنة، أو أربعين سنة طالق، فذلك يلزمه إذا أمكن أن يحيا إلى ما أجل من الأجل، فإن خشي العنت في التأجيل ولم يجد ما يتسرر به فله أن ينكح ولا شيء عليه.
قال ابن المواز: قيل لابن القاسم: في كم من الأجل إذا ضربه تعذُره إن خاف العنت؟
قال: لا أحده، ولا أشك أن عشر سنين كثيرةٌ يعذر بها.
قال أصبغ: بعد تصبر وتعفف.
وقال أشهب وابن وهب: لا يتزوج وإن خاف العنت في تأجيل ثلاثين سنة.
قال ابن القاسم: نكاحه أولى من الزنا، وقد اختُلف في هذا النكاح فأجازه ابن المسيب وغيره.
ولو حلف بعتق ما يملك من الجواري في هذا الأجل لم يُعذر بخوف العنت.
ابن المواز: قال أصبغ: وهما في القياس سواء، ولكن قوله أحب إلى لقوة العتق وضيقه، وسَعة الناس في النكاح.
الجزء: 10 - الصفحة: 691
قال ابن القاسم في العتبية: إن صاحب الشرط كتب إلي في رجلٍ تزوج امرأةً حلف بطلاقها إن تزوجها، فكتب إليه: لا يفسخ نكاحه، وقد أجازه ابن المسيب، وكان المخزومي ممن حلف أبوه على أمه بمثل هذا.
قال ابن القاسم: ومن قال: إن تزوجت فلانة بمصر فهي طالقٌ، فتزوجها فطلقت عليه، ثم تزوجها، قال: يلزمه الطلاق كلما تزوجها.
وقال ابن المواز: لا يحنث إلا مرةً واحدة.
ابن سحنون: ومن حلف بطلاق من يتزوج على امرأته فذلك يلزمه، وكذلك إن قال: إن تزوجت عليك فلانة فهي طالق، أو شرط ذلك في أصل النكاح، ويتكرر فيها الحنث متى ما تزوجها، وإن كانت بعينها، ومخرج هذا [كأنه قال]: كل امرأة أجمعها معك طالقٌ، فصارت كغير معينة، وكذلك قال ابن القاسم: المعينة وغيرها في هذا سواء.
وروى عنه عيسى: أنه لا يحنث في المعينة في هذا إلا مرةً واحدة، ثم لا شيء عليه.
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال: إلى مئتي سنة، أو كان شيخاً وضرب أجلاً يعلم أنه لا يبلغه فلا شيء عليه.
قال: وإن خص قبيلةً أو بلدةً كقوله: كل امرأةٍ أتزوجها من مصر، أو هَمَدَان، أو الشام فهي طالقٌ، فتزوج بها امرأةً طلقت عليه، ثم كلما
الجزء: 10 - الصفحة: 692
تزوجها أبداً ولو بعد ثلاث عادت عليه فيه اليمين وطلقت، لأنه لم يحلف على عينها، وترجع إذا طلقت عليه كإحدى نساء تلك البلدة، وكذلك إن قال: من الموالي، وتحت امرأة منهن، فلا تطلق عليه، فإن طلقها، ثم تزوجها طلقت عليه.
وإن قال: كل امرأةٍ أتزوجها ما عاشت فلانة فهي طالق، لزمه، لأنه أجلٌ آت، كانت فلانة تحته أم لا، فإن كانت فلانة تحته فطلقها.
فإن نوى بقوله: ما عاشت، أي: ما دامت تحتي فله أن يتزوج، ويقبل منه، كانت على يمينه بينة أم لا، وإن لم تكن له نية في يتزوج ما بقيت.
قال ابن القاسم: إلا أن يخشى العنت.
فصل [6 - فيمن طلق قبل الملك ثلاثاً وخص
ثم تزوج ودخل]
قال مالك: ومن قال: كل امرأةٍ أتزوجها من الفسطاط طالقٌ ثلاثاً، فتزوج منها ودخل، فعليه صداقٌ واحدٌ، لا صداق ونصف، كمن وطئ بعد حنثه في الطلاق ولم يعلم، فإنما عليه المهر الأول الذي سمي.
قال ابن القاسم: وليس عليها عدة الوفاة إن دخل بها ثم مات، إنما عليها ثلاث حيض.
قال عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لها مهرٌ ونصف، ودليلنا: أنا اتفقنا أنه واطئٌ بشبهة العقد الأول، ولا حد عليه، إلا يجتمع الحد والمهر، فإذا
الجزء: 10 - الصفحة: 693
كان واطئاً بشبهة العقد الأول لم يلزمه إلا مهرٌ واحدٌ اعتباراً بسائر الأنكحة الفاسدة إذا وطئ فيها.
قال لشيخ: قال ابن المكاتب: وقد أجمع المسلمون على أن النكاح الفاسد وإن تكرر الوطء فيه ليس فيه إلا صداقٌ واحدٌ، وهو الذي وجب أولاً، فكان ما بعده داخلاً في حكمه وإن كان لا يجوز [ذلك] فكذلك ما قلناه.
[فصل 7 - فيمن طلق قبل الملك ووكل من يزوجه]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن وكل من يزوجه، ولم يحضر عليه، فزوجة من الفسطاط، لزمه النكاح، وطلقت عليه إلا أن ينهاه عن الفسطاط.
-قال الشيخ: يريد: فلا يلزمه النكاح إذا ثبت النهي-
قال ابن القاسم: وقد قال مالك فيمن حلف ألا يبيع سلعة كذا، فوكل غيره فباعها: إنه حانثٌ، فهذا عندي مثله.
قال ابن حبيب: ومن حلف بطلاق من يتزوج بقرطبة، فوكل من يزوجه، فعقد عليه نكاح امرأةٍ بقرطبة، فإنها تطلق عليه، ولها عليه نصف الصداق، ثم يُنظر فإن كان ذكر للوكيل يمينه فضمان نصف الصداق على الوكيل، وإن لم يذكر ذلك له فلا يضمن الوكيل شيئاً، وذلك على الحالف.
قال أبو محمد: إذا نهان عن نساء قرطبة لم يلزمه طلاقٌ ولا نكاح.
الجزء: 10 - الصفحة: 694
فصل [8 - فيمن حلف بطلاق من يتزوجها على زوجته
ثم طلق زوجته ثلاثاً
ثم تزوج امرأة ثم تزوج الأولى]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لزوجته: كل امرأةٍ أتزوجها عليك طالق، فطلق المحلوف لها ثلاثاً، ثم تزوج امرأةً ثم تزوج المحلوف لها بعد زوج، أو تزوجها قبل زوج، ثم تزوج عليها، فلا شيء عليه فيهما.
قال الشيخ: وكأنه رأى أنه إذا طلق المحلوف لها ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوجٍ فكأنها غيرها لزوال العصمة التي حلف لها فيها، وأما إن طلق المحلوف لها واحدةً فانقضت عدتها ثم تزوجها، ثم تزوج عليها أجنبية، أو تزوج الأجنبية، ثم تزوجها هي عليها، فإن الأجنبية تطلق عليه في الوجهين ما بقي من طلاق الملك الأول شيء، ولا حجة له إن قال: توجتها على غيرها ولم أنكح غيرها، ولا أنويه إن ادعى نية، لأن قصده ألا يجمع بينهما.
قال ابن المواز: والذي هو أثبت عندنا إذا طلقها البنة، ثم تزوجها بعد زوجٍ فإنما يزول عنه كل يمينٍ حلف بطلاقها نفسها، أو كل شرطٍ فيه، أو يملكها نفسها، فأما ما كان بطلان غيرها كقوله: كل مرأةٍ أتزوجها عليك طالقٌ، أو: إن تزوجت عليك فلانة فهي طالقٌ، فطلقها ثلاثاً، ثم نكحها بعد زوجٍ، أن ذلك لازمٌ له، ورواه ابن وهب عن مالكٍ فيما أظن، وقاله أشهب، وأخذ به أصبغ.
الجزء: 10 - الصفحة: 695
قال أشهب: وكذلك قوله: إن تسررت عليك فهي حرة، أو: تزوجت عليك فعبدي حرٌ، قال: أبداً، أو لم يقل، فهو على الأبد حتى ينوي غير ذلك، وهو كالحالف بالله عز وجل، أو بالمشي ألا أطؤك، فلا يزيل يمينه هذه طلاقه إياها البتة إن تزوجها بعد زوج، إلا أن يكون نوى هذا الملك، قال: وإنما يسقط أيمانه بطلاقها وظهارها.
[فصل 9 - فيمن قال: إن تزوجت عليك فأمرها بيدك]
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن قال: إن تزوجت عليك فأمر التي أتزوج عليك بيدك، على وجوه المسألة الأولى، يكون ذلك بيدها ما بقي من طلاق ذلك الملك الأول شيء، سواء كان مشترطاً في عقد النكاح أو تبرع به بعد العقد.
قال ابن حبيب فيمن شرط أن الداخلة على امرأته طالق، فجهل فنكح عليها فليفرق بينهما متى ما عُثر عليه، ولها نصف الصداق، وإن بنى بها فلها جميعه ولا ميراث لها إن مات قبل الفراق، وإن كان ولدٌ لحق به وورثه، ولو عُثر عليه قبل موته وهو مقرٌ بالشرط لم يلحق به الولد ورجم.
قال أبو محمد: انظر قوله: ويرجم، وهذا نكاح مختلف فه، وابن القاسم يقول: يتوارثان قبل الفسخ.
الجزء: 10 - الصفحة: 696
قال ابن حبيب: ولو أنكر وقامت عليه بذلك بينةٌ فرق بينهما ولم يُحد، كمن شُهِد عليه بالطلاق وهو يجحد.
قلت: فمن طلق في سفر، ثم قدم فجحد فتقوم البينة بعد موته فقد قال مالك: ترثه، وقلت أنت في المسألة الأولى: لا ترثه؟
قال: لأن التي فيها الشرط بانت منه العقد، فلم يملك عصمتها إلا مع طلاق قارن العصمة، والأخرى فارقها بعد عصمةٍ مستقرةٍ، فإنما يثبت ذلك عليه بعد موته.
[فصل 10 - فيمن شرط لها إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدها]
ومن المدونة: قال مالك: وإن شرط عند نكاحه إن تزوج عليها فأمر نفسها بيدها، ففعل، فلها أن تطلق نفسها بالثلاث، ولا مناكرة له هاهنا، بنى بها الزوج أو لم يبن.
قال ابن القاسم: لأنها حين اشترطت إنما اشترطت ثلاثاً، فلا تبالي دخل بها أم لا، فإن طلقت نفسها بالثلاث بانت منه، وإن طلقت نفسها واحدةً وقد بنى فله الرجعة، وإن لم يبن بها بانت منه بالواحدة.
قال أبو محمد: أعرف لسحنون وغيره: أن الطلقة لا رجعة له فيها، لأنها تشترط في أصل النكاح.
قال ابن القاسم: وإن طلقت [نفسها] واحدةً ولم تُوقف فليس لها أن تزيد عليها كالتي توقف فتطلق واحدةً فقد تركت ما زاد عليها.
الجزء: 10 - الصفحة: 697
قال: ولو نكح عليها امرأةً فلم تقض فلها أن تقضي إن نكح ثانية أي الطلاق شاءت وتحلف: ما رضيت إلا بالأولى، وما تركت الذي كان لها من ذلك.
قال: ولو طلق الأولى، ثم راجعها بنكاح فللملكة القضاء، وليس رضاها أولاً، بلازمٍ مرة أخرى.
وقد ذكرنا هذه المسألة موعبةً في كتاب التخيير.
[فصل 11 - فيمن طلق ثلاثاً إن لم يتزوج عليها اليوم
فنكح نكاحاً فاسداً]
ومن قال لامرأته: أنت طالق ثلاثاً إن لم أتزوج عليك اليوم، فتزوج نكاحاً فاسداً طلقت عليه، لأن مالكاً قال فيمن قال لأمته: أنت حرةً إن لم أبعك اليوم، فباعها فألفيت حاملاً منه: أنها تعتق عليه.
قال حمديس: يُنظر في فساد النكاح، فإن كان مما يقر بعد البناء، فبنى بها من يومه بر في يمنه، وإن لم يبن بها حتى مضى ذلك اليوم حنث، وإن كان النكاح مما يفسخ قبل البناء وبعده، فلا يخرجه ذلك من يمينه على حال.
الجزء: 10 - الصفحة: 698
قال الشيخ: يريد إلا أن يفسخ ذلك النكاح، ثم يتزوجها نكاحاً صحيحاً في ذلك اليوم، فإنه بر، وكذلك إن تزوج غيرها فيه.
وقال سحنون في الأمة التي حلف ليبيعها فباعها فألفيت حاملاً: ينبغي إن كانت مستبرأة عنده حين يمينه وبيعه أن لا تعتق عليه، لأنه حلف على ما يجوز له.
قال سليمان: قال سحنون: والذي احتج بها رواية غير معتدلة، ولا تعتق عليه الأمة كمسألة مالكٍ في الحمامات.
ومن المدونة: قلت: فإن نكح على الزوجة الحرة أمة؟
قال: آخر ما فارقت مالكاً عليه: أن نكاح الأمة على الحرة جائز، والخيار في هذا للحرة، في أن تقيم معه، أو تفارقه بطلقة.
قال حمديس: يبر في يمينه إن كانت الأمة من نسائه.
الجزء: 10 - الصفحة: 699
[الباب الثامن]
فيمن كتب إلى زوجته أو أرسل إليها بالطلاق وطلاق الأخرس والسكران والمكره والسفيه والصبي والكافر والعبد
[فصل 1 - فيمن كتب إلى زوجته أو أسلف إليها بالطلاق]
قال مالك: ومن قال لرجل: أخبر زوجتي بطلاق، أو أرسل إليها بذلك رسولاً، وقع الطلاق حين قوله للرسول، بلغها الرسول أو لم يبلغها ذلك وكتمها وإن كتب إليها بالطلاق، ثم حبس كتابه، فإن كتبه مُجمِعاً على الطلاق، لزمه حين كتبه، وإن كان ليشاور نفسه، ثم بدا له، فذلك له، ولا يلزمه طلاق.
قال ابن القاسم: ولو أخرج الكتاب من يده عازماً، وقد كتبه غير عازم، لزمه حين أخرجه من يده، وإن كان أخرجه غير عازمٍ فله رده ما لم يبلُغها، فإن بلغها لزمه.
قال أبو محمد: وروي عن مالكٍ أنه قال: إذا أخرجه من يده لزمه كاللفظ بالطلاق، والإشهاد به.
قال ابن المواز فيمن أراد أن يكتب إلى زوجته بالطلاق: فأما أشهب فأجاز أن يكتب إليها: إذا طهرت من حيضتك فأنت طالقٌ، ولم يجعل لذلك أجلاً، ورآه ابن القاسم كالمطلق إلى أجل.
قال ابن المواز: وأحب إلي أن يكتب إليها: إذا جاءك كتابي هذا فإن كنت حضت بعدي حيضة، ثم طهرت، وأتاك كتابي وأنت طاهرٌ فأنت طالقٌ، وإن كانت حاملاً كتب إليها: وإن أدركك كتابي وأنت حاملٌ، أو قد وضعت وطهرت فأنت طالقٌ، وإن كانت يائسةً أو لم تحض طلقها متى شاء، وكتب إليها بذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 700
وروى ابن حبيب: عن النخعي: إذا كتب إلى زوجته: إذا جاءك كتابي فأنت طالقٌ، فلم يأتها الكتاب فليس بشيءٍ، وإن كتب إليها: فأنت طارقٌ، فذلك جائز.
فصل [2 - في طلاق الأخرس]
قال مالك: وما علم من الأخرس بإشارةٍ أو كتابٍ من طلاقٍ، أو خلعٍن أو عتقٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شراءٍ، أو قذفٍ، لزمه حكم المتكلم، ويُحد قاذفه، ويُقتص منه وله في لجراح.
فصل [3 - في طلاق السكران]
قال مالك: ويلزم السكران طلاقه وخلعه وعتقه، وإن قتل قُتِل، لأن معه بقية من عقلة، ولم يرفع القلم عنه.
قال البخاري: وقال عثمان وابن عباس: ليس للسكران طلاق.
ومن العتبية: قال أصبغ عن ابن القاسم فيمن أسقى السكران، ثم حلف بطلاقٍ، أو عتقٍ: فلا شيء عليه، وهو كالبرسام، وهو لم يدخله على نفسه، وقاله أصبغ.
الجزء: 10 - الصفحة: 701
وقال أصبغ: ولو قصد شربه على سبيل الدواء والعلاج فأصابه ما بلغ ذلك منه، فلا شيء عليه، وليس كشارب الخمر.
فصل [4 - في طلاق المبرسم والمجنون]
وقال مالك: وما طلق المُبرسم أو المحموم في هذيانه وعدم عقله لم يلزمه، والمجنون الذي يفيق أحياناً، فما طلق في حال إفاقته يلزمه وما طلق في حال جنونه لم يلزمه، وكذلك المعتوه المطبق لا يلزمه ما طلق، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:» رُفع القلم عن ثلاث -فذكر- المجنون حتى يفيق، والصبي حتى يحتلم والنائم حتى ينتبه «، ولأن من لا يصح نكاحه لا يصح طلاقه، اعتباراً لأحد الطرفين بالآخر.
فصل [5 - في طلاق المكره]
قال مالك: ولا يلزم المُكَره ما أُكْرِه عليه من طلاقٍ، أو نكاحٍ، أو خلعٍ، أو عتقٍ، أو غيره.
الجزء: 10 - الصفحة: 702
وقد رفع الله سبحانه الإثم بالإكراه في القول بقوله عز وجل: ﴿إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]، وقال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: 28]، وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:» رُفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه «، وقال ابن مسعود: ما من كلامٍ يدرأ عني سوطين إلا كنت مكلماً به.
فصل [6 - في طلاق السفيه]
قال مالك: والسفيه في حاله، والمخدوع في عقله يلزمه طلاقه.
قال الشيخ: لأنه من أهل التكليف، وإذ ليس ف ذلك إتلاف ماله، وعتقه أم ولده.
فصل [7 - في طلاق الصبي]
قال مالك: ولا يجوز طلاق الصبي حتى يحتلم، لأنه رفع عنه القلم إلى ذلك الوقت، قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَاذِنُوا﴾ [النور: 59] الآية، فجعل الفرض عليهم بالبلوغ، ولأن طاقه إزالة ملكٍ كالعتق، فكما لا يلزمه العتق كذلك لا يلزمه الطلاق.
الجزء: 10 - الصفحة: 703
قال الشيخ: انظر إلى الفرق بين طلاقه وعتقه.
فصل [8 - في طلاق الكافر]
قال مالك: وإذا أسلمت الذمية وزوجها ذمي، فطلقها وهي في عدتها لم يلزمه طلاقه، وإن أسلم بعد ذلك.
وقد أحبط الله عز وجل عمل أهل الكفر في كتابه، وقال صلى الله عليه وسلم:» الإسلام يجُب ما قبله «.
فصل [9 - في طلاق العبد]
قال في كتاب النكاح: وطلاق العبد طلقتان، وأجله في الفقد والاعتراض والإيلاء نص أجل الحر.
قال الشيخ: وإنما قال ذلك لأن هذه الأشياء كالحدود، وتجر إلى ما يوجبها وقد قال الله عز وجل في الحدود: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: 25]، فوجب أن يكون طلاقه طلقتين، لأن الواحدة لا تنقسم فجُبرت عليه.
قال في كتاب الإيلاء: ولو طلق العبد زوجته تطليقة، ثم عتق فإنما تبقى له عليها طلقة واحدة، لأنه كان طلق نصف طلاقه.
الجزء: 10 - الصفحة: 704
[الباب التاسع]
في اللغو في الطلاق ومسائل من الأيمان به مختلفة
ولم يذكر الله عز وجل لغو اليمين إلا في اليمين بالله عز وجل، فلا يكون ذلك في طلاقٍ ولا غيره، وكذلك الاستثناء بمشيئة الله عز وجل.
قال مالك: ومن حلف بالطلاق على ما يوقن أنه كذلك، ثم ظهر خلافه لزمه الطلاق، وقاله عدد من السلف، وبه قضى عمر بن عبد العزيز في الحالف بطلاق إحدى نسائه على ناقةٍ أقبلت أنها فلانة، فإذا هي ليست هي أن تطلق التي نوى من نسائه، وإن لم ينو واحدةً طلقن كلهن.
قال ربيعة: ومن ابتاع سلعةً فحلف لرجلٍ بالطلاق ليخبرنه بكم أخذها، فأخبره أنه أخذها بدينارٍ ودرهمين، ثم ذكر أنه أخذها بدينارٍ وثلاثة دراهم، قال: إن ذكر أنه أقل أو أكثر فهو حانث.
أبو محمد: يريد أن المحلوف له مات قبل أن يخبره، أو ضرب له أجلاً فجاوزه.
الجزء: 10 - الصفحة: 705
قال الشيخ: ونحوه لبعض فقهائنا القرويين أنه قال معنى قول ربيعة: ليخبرنه، أي: ليخبرنه الساعة، فلذلك حنثه، هذا معنى قوله.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: ومن حلف بالطلاق إن كلم فلاناً، فكلمه ناسياً فقد حنث.
قال الشيخ: واحتج البخاري في النسيان والغلط في الطلاق بقول النبي صلى الله عليه وسلم:» [إنما] الأعمال بالنيات ولكل امرئٍ ما نوى «، قال: وتلا الشعبي قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ [البقرة: 286].
ومن المدونة: قال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن المسيب ومالك والليث لا استثناء في الطلاق بمشيئة الله عز وجل.
قال ربيعة: وإن حلف بطلاق امرأته إن ضرب جاريتها، فرماها بحجرٍ فشجها، أن زوجته تطلق عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 706
قال: ومن حلف على معصيةٍ كقوله: أنت طالق لأشربن خمراً، أو بعض ما حرم الله عز وجل عليه، ثم رفع إلى الإمام فليطلق عليه مكانه.
وكذلك قوله: لأضربن فلاناً، إلا أن يجب له ضربه بحقٍ فيدخل عليه الإيلاء.
قال ابن شهاب: وإن حلف بالطلاق ليفعلن كذا -يريد مما يجوز له- إلى أجل، لم يحل بينه وبين امرأته، فإن لم يؤجل، ضرب له أجل الإيلاء، فإن فعل ما حلف عليه فبسبيل ذلك وإلا فرق بينه وبين امرأته صاغراً قميئاً.
قال ابن وهب: قال ربيعة والليث فيمن حلف بطلاق امرأته ليتزوجن عليها إنه يوقف عن وطئها، ويضرب له أجل المولي.
قال الليث وعطاء بن أبي رباح: فإن لم ينكح عليها حتى يموت توارثا.
قال عطاء: وأحب إلى أن يبر في يمينه [قبل ذلك].
وهذا مستوعب في كتاب الإيلاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 707
[الباب العاشر]
في خيار الأمة تعتق وهي تحت عبد
[فصل 1 - في مشروعية تخيير الأمة التي تعتق وهي تحت عبد] روى ابن وهب أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لبريرة إذا عتقت وكانت تحت عبد:» أنت أملك بنفسك، فإن شئت أقمت مع زوجك، وإن شئت فارقته ما لم يمسك «، وقال جماعة من الصحابة رضي الله عنهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:» إن الأمة إذا عتقت وهي تحت عبدٍ فأمرها بيدها، فإن هي أقرت حتى يطأها فهي امرأته لا تستطيع فراقه «. قال ربيعة ويحيى بن سعيد: وإن مسها ولم تعلم بعتقها فهي على خيارها حتى يبلغها.
الجزء: 10 - الصفحة: 708
قال عبد الوهاب: وإنما كان لها الخيار لأن حرمتها زادت على حرمته، فلها أن لا ترضى به، ولا خيار لها تحت الحر، خلافاً لأبي حنيفة، لقول عائشة رضي الله عنها: خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة وكانت تحت عبد، ولو كان زوجها حراً ما خيرها، ومثل هذا لا يكون غلا بتوقيف، ولأن حرمتها ليست بزائدةٍ على حرمته، بخلاف العبد.
قال: واختيارها نفسها طلاق، لأنه ليس بفسخٍ غالباً، إذ لها المقام عليه، وتكون طلقةً بائعة، لأنه خيار في زوال العصمة كالخلع، ولو كان له الرجعة لم يفدها الخيار شيئاً، وفي تطبيقها نفسها زيادةً على الواحدة روايتان.
فوجه قوله: إن لها ذلك، فلأنها ملكت من أمرها ما كان الزوج يملكه، فكان لها أن تُوقع ما كان له أن يوقعه.
ووجه قوله: إنه ليس لها أكثر من واحدة، هو أن الغرض إزالة العصمة، فإذا زالت بالواحدة فالزيادة عليها إضرار لا فائدة فيه.
[فصل 2 - فيما يكون به خيارها من الطلاق]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا عتقت الأمة -ابن المواز: أو من فيها بقية رق- وهي تحت عبدٍ حيل بينهما حتى تختار، ولها الخيار بطلقة، وتكون بائنة ولا رجعة له إن عتق في العدة، لأن كل فرقةٍ من قِبَلِ السلطان فهي طلقةٌ بائنةٌ وإن لم يؤخذ عليها مال.
الجزء: 10 - الصفحة: 709
قال ابن القاسم: وإن قالت حين عتقت: اخترت نفسي، ولا نية لها، فهي طلقة بائنة، إلا أن تنوي أكثر فيلزم ما نوت، لأن مالكاً كان يقول مرة: ليس لها أن تطلق نفسها أكثر من واحدةٍ بائنة، فلذلك رأيت إذا لم تكن لها نيةٌ أنها واحدةٌ بائنة.
قال مالك: ولو طلقت نفسها أكثر من واحدة، أو ألبتة بعد البناء، لزم، ولم تحل له إن طلقت اثنين فأكثر إلا بعد زوجٍ، لأن لاثنتين جميع طلاق العبد، وكذلك إن فارقت بواحدةٍ وقد تقدم له فيها طلقة، فلا تحل له إلا بعد زوج.
وأول قول مالك: إنه ليس لها أن تختار بأكثر من واحدة، ثم رجع إلى أن ذلك لها على حديث زبراء.
وقد ذكر مالك أن زبراء حين عتقت تحت عبد، قالت لها حفصة: إن لك الخيار، فطلقت نفسها ثلاثاً.
ابن المواز: وإذا كان الزوجان نصرانيين لمسلمٍ فأعتقت الأمة فلها الخيار، لأنها لمسلم.
ابن سحنون: واختلف إن كانا لنصراني.
الجزء: 10 - الصفحة: 710
[فصل 3 - فيمن لم تختر حتى عتق زوجها]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولها الخيار عند غير السلطان، فإن لم تختر حتى عتق زوجها، أو كان عتق الزوجين في كلمةٍ واحدةٍ، فلا خيار لها.
قال: ولا تختار في الحيض، فإن فعلت لزم.
قال في العتبية: فإن لم تختر حتى عتق زوجها قبل أن تطر فلا يقطع ذلك خيارها، ولها الخيار إذا طهرت، لأنه كان وجب لها وإنما منعت منه حيضتها.
قال الشيخ: ولو قال قائل: ألا خيار لها، لا أعبه، لأن زوجها قد عتق قبل خيارها، وساوت حرمته حرمتها، فوجب سقوط خيارها كما لو جهلت أن لها الخيار فلم تختر حتى عتق زوجها أنه لا خيار لها.
ابن المواز: ولو بيع زوج الأمة بأرض غربة فظنت أن ذلك فراق، ثم عتقت فلم تختر [نفسها] حتى عتق زوجها فلا خيار لها، وقاله مالك.
[فصل 4 - فيمن تأخر علمها بالعتق]
ومن المدونة: قال مالك: ولو بلغها العتق بد زمان، وهو يطؤها فلها الخيار حين علمت.
قال: ولها الخيار في مجلسها الذي علمت بالعتق به، أو بعد ذلك ما لم توطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 711
ابن المواز: وإذا علمت بالعتق فادعى الزوج بعد أيامٍ أنه وطئها فأنكرت، فإن علم أنه كان يخلو بها، أو أقرت به بالخلوة، فهو مصدقٌ مع يمينه، وإن لم يعلم ذلك ولم تقر له بها صُدقت بغير يمين.
[فصل 5 - فيمن وقفت سنة بعد العتق ولم توطأ]
ومن المدونة: ولو وقفت سنة فمنعت نفسها ولم توطأ، ثم قالت: لم أسكت رضىً بالمقام، صدقت ولا يمين عليها كالتمليك.
وقد قال مالك: لا يحلفن النساء في التمليك، ثم لها الآن أن تختار، فإن كان وقوفها رضىً بالزوج فلا خيار لها بعد أن تقول: رضيت بالزوج.
قال مالك: ولو وطئها بعد علمها بالعتق وجهلت أن لها الخيار، أو علمت فلا خيار لها بعد ذلك.
[فصل 6 - فيمن عتقت تحت عبد وهو غائب]
ومن كتاب محمد: وإذا أعتقت أمةٌ تحت عبدٍ وهو غائبٌ فاختارت نفسها، قال أصبغ: قال ابن القاسم: أمر هذه وأمر النصرانية التي تسلم وزوجها غائب سواء، إن كان الزوج قريب الغيبة كتب في أمره خوفاً أن يكون عتق قبلها، وإن كان بعيداً فخافت على نفسها الضرر في التوقيف رأيت أن تتزوج إذا انقضت عدتها، فإن قدم بعد انقضاء العدة قبل أن تتزوج، أو بعد أن تزوجت وقبل أن يدخل بها الآخر كان أحق بها، كان قد أسلم، أو عتق قبل إسلامها أو عتقها،
الجزء: 10 - الصفحة: 712
أو بعد فهو أحق بها إلا أن يدخل بها الثاني، فيكون الثاني أحق بها، وإن كان إسلام الأول أو عتقه قبل إسلامها، أو عتقها فالأول أحق بها وإن دخل بها الثاني وولدت الأول، وليس ذلك عندهما مثل إذا كان إسلامه بعد إسلامها، أو عتق بعد عتقها.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلينا، وهو مما لم يكن يجب عليها فيه عدة.
قال أصبغ: وتصير كالمنعي لها زوجها، وكالعبد يجب له وعليه حكم العبيد، ثم يثبت أنه حرٌ قبل ذلك بعتق سيده، أو بغير ذلك، أنه يرجع إلى حكم الأحرار، ولا يضر ذلك الجهالة.
وكذلك في الطلاق والعدة، وترد الأمة والعبد إلى بقية الطلاق للحر، وبقية عدة الحرة.
وإذا بادرت المعتقة في القريب الغيبة فاختارت نفسها لزم ذلك واكتفى به، ثم إن نكحت وثبت أنه عتق في عدتها فلا سبيل للقيام إليها، وكذلك لو لم تتزوج ولا حجة له بقرب غيبته، وهو كالحاضر.
وكذلك التي أسلمت والزوج قريب الغيبة فيستحب أن يتربص لاستبراء أمه فإن بدرت فنكحت، ثم قدم وثبت أنه أسلم في عدتها فلا حجة له، ويكتفى بتلك العدة لها عدة.
وروى ابن حبيب عن أصبغ: إن ظهر عتقها ولم يظهر عتقه وهو حاضرٌ فاختارت نفسها، وقد كان أعتق زوجها قبلها، ثم تزوجت الآن فزوجها الأول أحق بها وإن دخلت، وإن كان غائباً لم يكن أ؛ ق بها إلا أن يدركها قبل الدخول.
الجزء: 10 - الصفحة: 713
[فصل 7 - فيمن أعتق نصفها، وفي الخيار قبل العتق]
ومن المدونة: قال: وإن أعتق نصفها تحت عبد، أو جميعها تحت حرٍ فلا خيار لها.
قال ابن شهاب: وإن أعتقت قبل أن يدخل بها وقد فرض لها فاختارت نفسها فلا صداق لها، لأنها هي تركته ولم يتركها، وإنما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [البقرة: 237] الآية، فليس هو فارقها ولكن هي فارقته، وقاله ربيعة ويحيى بن سعيد.
قال مالك في العتبية في أمةٍ تحت عبدٍ أشهدت أنها متى ما عتقت تحته فقد اختارت نفسها أو زوجها: فليس ذلك بشيء.
قال في كتاب ابن سحنون وغيره: وأما الحرة ذات الشرط في النكاح والتسري تقول: أشهدوا متى فعل زوجي كذا فقد اخترت نفسي، فذلك لها.
وقال المغيرة: هما سواء، ولا شيء لهما، وهاتان المسألتان اللتان سأل عبد الملك مالكاً عن الفرق بينهما فقال له مالك: أتعرف دار قُدامة؟
الجزء: 10 - الصفحة: 714
قال الشيخ: والفرق عندي بينهما: أن الأمة إنما يجب لها الخيار إذا عتقت، والعتق لم تقع بعد فقد سلمت، أو أوجبت شيئاً قبل وجوبه لها، فلم يلزم كتارك الشفعة قبل أن يستوجبها، والحرة قد أوجب لها زوجها الشرط إن فعل، وملكها منه ما كان يملكه، فلها أن تقضي به عليه قبل أن يفعل إن فعل كم كان ذلك له أن يلزمه نفسه قبل أن يفعله متى فعله، وبالله التوفيق.
الجزء: 10 - الصفحة: 715
[الباب الحادي عشر]
في طلاق المريض ونكاحه وغير ذلك من أحكامه
[فصل 1 - في طلاق المريض]
ولما منع الرسول عليه الصلاة والسلام المريض من الحكم في ثلثي ماله الموروث بما ينقص ورثته منه، كان ممنوعاً أن يدخل عليهم وارثاً، أو يخرج منهم وارثاً، ولما منع الرسول عليه الصلاة والسلام القاتل الميراث بما أحدث من القتل انبغى أن لا يكون المريض مانعاً لزوجته الميراث بما أحدث من الطلاق، ولا فرق بين وارثين أحدهما يدخل في الميراث بوجهٍ فيمنع من أجله، وآخر قد أخرج بمثل ذلك الوجه.
قال الشيخ: لأن القاتل أراد أن يستوجب بفعله حقاً لم يجب له بعد، فمُنِعَه، وكذلك المريض أراد أن يمنع بفعله حقاً عن من وجب له فمُنِعَه، وكما لم يكن للمريض أن يدخلها في الميراث بتزويجه إياها فيه، كان كذلك لا يخرجها من الميراث بطلاقها فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 716
وقد قضى به عثمان رضي الله عنه بمحضر المهاجرين والأنصار، وقاله عمر وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
قال مالك: وإذا طلق المريض امرأته قبل البناء فلها نصف الصداق، وترثه إن مات من مرضه ذلك، ولا عدة عليها لوفاته، لأنها مطلقة، ولا عدة عليها لطلاق، لأنه قبل البناء، وإن دخل بها، ثم طلقها من مرضه طلاقاً بائناً فعليها عدة الطلاق، وترثه، ولا تنتقل إلى عدة الوفاة إن مات في العدة، لأن الطلاق بائناً، ولو كان طلاقاً يملك فيه رجعتها انتقلت إلى عدة الوفاة إن مات في العدة، وإن انقضت العدة قبل الوفاة فلها الميراث ولا عدة عليها من الوفاة.
والمطلقة في المرض لو تزوجت أزواجاً كل يطلقها في مرضه لورثت كل من مات منهم وإن كانت الآن تحت زوج.
قال مالك: ومن طلق في مرضه واحدة، ثم صح، ثم مرض فمات من المرض الثاني ورثته إن مات وهي في العدة.
وإن كان طلاقه إياها البتة لم ترثه وإن مات في عدتها إذا صح فيما بين ذلك صحة بينة، لأنه يصير كأنه أوقع الطلاق في الصحة.
قال: وإن طلقها واحدة في مرضه، ثم صح، ثم مرض فأردفها طلقة، أو أبتها لم ترثه إلا أن يموت وهي في العدة من الطلاق الأول، لأنه في الطلاق الثاني ليس بفارٍ إلا أن يرتجعها من الطلاق الأول، ثم يطلقها في مرضه الثاني فترثه وإن انقضت عدتها، لأنه بارتجاعها صارت كسائر أزواجه، وصار بالطلاق الثاني فاراً من الميراث.
الجزء: 10 - الصفحة: 717
والمبتوتة في المرض إن ماتت قبله، ثم مات من مرضه ذلك لم ترثه، ولا يرث ميتٌ من حي مات بعده، ولا يرثها إن كان طلقها ألبتة، أو واحدةً فانقضت عدتها.
وإن قال لها في صحته: إن قدم فلان، أو قال: إن دخلت بيتاً فأنت طالق، فقدم، أو دخلت في مرضه، لزمه الطلاق، وورثته إن مات فيه.
وكذلك كل طلاقٍ وقع في مرضه بخلعٍ، , تخييرٍ، أو تمليكٍ، أو إيلاءٍ، أو لعانٍ فإنها ترثه.
قال مالك: وإن أقر المريض أنه طلق في صحته ورثته، وعليها عدة الطلاق من يوم أقر، فإن كان إقراره بطلاقٍ غير بائن، ثم مات وهي في العدة انتقلت إلى عدة الوفاة وورثته، وإن انقضت عدتها من يوم أقر بما أقر به فلها الميراث ولا عدة عليها.
فصل [2 - فيمن له حكم المريض في طلاقه]
قال مالك: ومن قُرب لحدٍ من قطع يدٍ، أو رجلٍ، أو جلدٍ فطلق امرأته حينئذ، ثم مات من ذلك، فإن خيف عليه من ذلك الموت فهو كالمريض.
قال مالك: وحاضر الزحف، ومن حبس للقتل له حكم المريض في ذلك.
قلت: فمن طلق زوجته وهو في سفينة في لُجَج البحر، أو النيل، أو الفرات أو الدجلة، أو بطائح البصرة؟
الجزء: 10 - الصفحة: 718
قال: قال مالك: إذا أصاب أهل البحر النواء والريح الشديد فخافوا الغرق، فأعتق أحدهم عبداً في تلك الحال فهو من رأس المال، ولا يشبه هذا الخوف.
وقد روي عن مالك: إن أمر راكب البحر في الثلث.
-قال ابن المواز: والطلاق على نحو هو من الاختلاف-.
وأما المفلوج، وصاحب حُمى الربع، والأجذم، والأبرص، والمقعد، وذو الجراح والقروح، فما أرقده من ذلك وأضناه وبلغ به حد الخوف عليه فله حكم المريض، وما لم يبلغ به ذلك فله حكم الصحيح، فرب مفلوج، أو يابس الجذام يتصرف ويسافر.
قال ابن القاسم: فكل من لا يجوز قضاؤه في جميع ماله فطلق في حالته تلك، فلامرأته الميراث منه إن مات من مرضه ذلك.
فصل [3 - في الوصية للمطلقة في المرض،
وفيمن نكح فيه]
ولا تجوز الوصية للمطلقة في المرض وإن تزوجت أزواجاً، لأنها وارثة، فإن قتلته في مرضه خطأً بعد أن طلقها فلدية على عاقلتها، وترث من ماله دون الدية،
الجزء: 10 - الصفحة: 719
وإن قتلته عمداً لم ترث من ماله وقتلت به، فإن عفي عنها على مالٍ لم ترث منه أيضاً.
قال مالك: ومن تزوج في المرض، ثم طلق فيه، أو لم يطلق فلا ترثه، وهو نكاحٌ لا يقر، ولا صداق لها إلا أن يكون قد دخل بها في مرضه فلها الصداق في ثلثه مبدءاً على الوصايا.
قال ابن القاسم: وإن سمى لها أكثر من صداق مثلها كان لها صداق مثلها مبدءاً في الثلث على الوصايا بالعتق وغيره، إلا الدين فإنه يبدأ عليه، لأنه من رأس المال.
وقيل: إن لها المسمى في الثلث مبدءاً وإن كان أكثر من صداق المثل، وروي عن مالك.
واختلف في الزائد على صداق المثل، فقيل: يبطل، قاله ابن القاسم، وقيل: تحاص به الوصايا.
واختلف فيه قول مالك إذا صح، فقال: يثبت النكاح، وقال: يفسخ وقد تقدم هذا في كتاب النكاح.
الجزء: 10 - الصفحة: 720
[فصل 4 - فيمن ارتد في مرضه
ومن طلق نصرانية أو أمة فيه]
ومن كتاب الأيمان بالطلاق قال: ومن ارتد في مرضه فقتل على ردته لم ترثه ورثته المسلمون ولا زوجته، إذ لا يتهم أحد بالردة على منع الميراث.
ومن كتاب ابن المواز: وإن رجع مسلماً، ثم مات في مرضه فلا ترثه.
قال ابن القاسم: وإن طلق المريض نصرانية، أو أمةً، ثم أسلمت النصرانية أو عتقت الأمة بعد العدة، ثم مات من مرضه ذلك لورثتاه، وكذلك روى عنه أصبغ في العتبية.
وقال سحنون: ولا يرثانه، ولا يتهم في ذلك، وكذلك في طلاق ألبتة إلا أن يطلق واحدةً ويموت في العدة بعد أن أسلمت هذه، وعتقت هذه فيرثانه.
وكذلك عنه في كتاب ابنه.
قال: وإن مات بعد العدة ولم يرتجع لم يرثاه
الجزء: 10 - الصفحة: 721
[فصل 5 - فيمن لاعن في مرضه ثم مات
والمريض يطلق زوجته قبل البناء ثم يتزوجها قبل صحته]
ومن المدونة: وإن قذفها في مرضه فلاعن، ثم مات من مرضه ذلك ورثته وإن طلق زوجته قبل البناء، ثم تزوجها قبل صحته فلا نكاح لها إلا أن يدخل بها، فيكون كمن نكح في المرض وبنى فيه.
قال سحنون في كتاب ابنه: يريد أن هذا النكاح فسخ قبل البناء لعلة الصداق الذي يعطيها، فإذا دخل بها لم يفسخ، لأن الصداق وجب بالبناء وأما الميراث فهو ثابت- يريد: فيكون الصداق من الثلث مبدءاً-.
وقد أنكر بعض فقهائنا القرويين قول سحنون هذا وقال: يفسخ نكاحه وإن دخل، لأن صداقه إنما هو من الثلث، ولا يدري ما يحمل الثلث منه، فكيف يقر نكاحه ويباح له وطء امرأةٍ صداقها غير مستقر، وليس كالنكاح بالغرر، لأن الغرر إذا بنى فيه وجب صداق المثل لا ينقص منه شيء، وهذا من الثلث، ولا يدري ما يحمل الثلث منه، وظاهر الكتاب أنه يفسخ، لأنه قال: وهو كمن نكح في المرض وبنى فيه.
قال الشيخ: إلا أن يكون له مال مأمون يكون ثلثه أضعاف صداقها، فيصح قول سحنون.
قال أبو عمران: ولو حمل أجنبي عن الزوج صداقه فلا يفسخ النكاح، لأن الصداق قد ثبت للمرأة في مال الأجنبي، والميراث ثابت بالنكاح الأول، ولو
الجزء: 10 - الصفحة: 722
كان ذلك على وجه الحمالة، فهي كمسألة الكتاب، لأن الأجنبي إنما يطالب بالصداق في عدم الزواج.
قال الشيخ: يجب أن يثبت، لأن الصداق ثابت لها على كل حال، فانظر.
[فصل 6 - في إرث المطلقة ممن لم يصح صحة بينة
وممن طلق في مرضٍ غير مخوف]
ومن المدونة: قال ربيعة: ومن طلق في مرضه، ثم تماثل، ثم نكس، ورثته إلا أن يصح صحة بينة.
قال ابن شهاب: ومن كان به مرض لا يعاد منه، رمد، أو جرب، أو ريح، أو لقوة، أو فتق، فطلق حينئذٍ فإنها لا ترثه.
قال ربيعة: إنما ترثه في المرض المخوف.
الجزء: 10 - الصفحة: 723
[الباب الثاني عشر]
فيمن طلق إحدى زوجتيه ثم مات ولم تعلم المطلقة أو مات عن أمٍ وابنتها ولم تعلم الأولى أو عن خامسةٍ غير معلومة
[فصل 1 - فيمن طلق إحدى زوجتيه
ثم مات ولم تعلم المطلقة]
قال ابن القاسم: وبلغني عن بعض أهل العلم فيمن نكح امرأتين فبنى بواحدةٍ ولم يبن بالأخرى حتى طلق إحداهما طلقة، ثم مات ولم تنقض العدة، وجهلت المطلقة، فللمدخول بها الصداق كاملاً، وثلاثة أرباع الميراث، وللتي لم يبن بها ثلاثة أرباع الصداق وربع الميراث.
قال الشيخ: ووجه/ ذلك: أن المدخول بها قد وجب لها صداقها بالمسيس وتتداعى هي وصاحبتها في الميراث، فتقول لها: أنت المطلقة ولا ميراث لك، ولي جميعه، وتقول التي لم يدخل بها: بل أنت المطلقة ولي نصفه، فقد سلمت التي لم يبن بها لصاحبتها نصف الميراث، وتنازعا في النصف الباقي، فيقسم بينهما نصفين بعد أيمانهما، فيصير للمدخول بها ثلاثة أرباعه، وللأخرى ربعه، وتتداعى أيضاً الورثة مع التي لم يبن بها في الصداق، فيقولون لها: أنت المطلقة فلك نصف صداقك، وتقول هي: بل صاحبتي المطلقة وليه جميعه، فقد سلموا لها النصف بلا منازعة، وتداعوا في النصف الباقي فيقسم بينهما نصفين بعد أيمانهما، فيكون لها ثلاثة أرباع صداقها.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو مات بعد انقضاء العدة، أو كان الطلاق ثلاثاً، أو مات قبل انقضائها فالصداق على ما ذكرناه، والميراث بينهما نصفين.
الجزء: 10 - الصفحة: 724
قال الشيخ: وعلة ذلك: أن كل واحدةٍ تدعي أن صاحبتها المطلقة، والميراث لها خاصة، فيقسم بينهما نصفين بعد الأيمان، والعلة في الصداق كما تقدم.
ومن كتاب ابن سحنون: ولو كانت الواحدة مفوضاً إليها ولم تعلم، وطلق واحدةً ولم تعلم، فللمدخول بها النصف المسمى، نصف صداق المثل، وللتي لم يدخل بها ثلاثة أثمان المسمى.
قال الشيخ: ووجه ذلك: أن المدخول بها تارةً يجب لها المسمى وتارةً صداق المثل، فأعطيت نصف كل صداق، والتي لم يبن بها يقول لها الورثة: أرأيت لو كنت أنت المسمى لك، وجهل طلاقك، أليس يجب لك ثلاثة أرباع الصداق، على ما قدمنا؟ فتقول: نعم، فيقولون لها: إنك أنت المفوض لها، ولا شيء لك منه، وتقول هي: بل صاحبتي، ولي ثلاثة أرباع الصداق، فيقسم بينهما نصفين بعد الأيمان، فيكون لها ثلاثة أثمان المسمى، والميراث بينهما كما تقدم في المسألة الأولى.
قال: ولو كانت المسمى لها معروفة والمدخول بها مجهولة فالميراث بينهما وللمسمى لها سبعة أثمان صداقها، لأن نصفه ثابت بكل حال، ونصفه يثبت في ثلاثة أحوال، ويزول في حال.
- قال الشيخ: يريد أن يثبت في أن لا تكون مطلقة، ومات قبل البناء، ولا تكون مطلقة، ومات بعد البناء، أو تكون مطلقة بعد البناء، ويزول في حال أن تكون المطلقة قبل البناء- قال: فيسقط ربعه، وللتي لم يسم لها نصف صداق مثلها، لأن الصداق يثبت لها في حالين ويزول في حالين.
الجزء: 10 - الصفحة: 725
- قال الشيخ: يريد أن يثبت أن تكون مدخولاً بها مطلقةً أو غير مطلقة، ويزول إلا أن تكون مدخولاً بها مطلقةً أو غير مطلقة-.
قال: فإن لم تعرف المسمى لها أيضاً، قيل لهما: معكما مسمى لها مجهولة وجب لها يبعة أثمان المسمى كما ذكرنا، ومفوض إليها مجهولة لها نصف صداق المثل، فيقسم ذلك كله بينهما، فإن كان صداق مثلهما مختلفاً، صداق هذه ستون وصداق هذه أربعون، فاجمع نصف هذا ونصف هذا يصير خمسين يكون بينهما مع سبعة أثمان المسمى كما ذكرنا.
[فصل 2 - فيمن مات عن أمٍ وابنتها ولم تعلم الأولى] ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو نكح أماً وابنتها في عقدين، ثم مات ولم تعلم الأولى منهما، فإن بنى بهما فلكل واحدةٍ/ صداقها المسمى ولا ميراث لهما. - قال الشيخ: لأن الصداق استحقاه بالدخول، وإنما لم يكن لهما شيء من الميراث، لأن بالدخول بهما حرمتا عليه، ووجب فسخ نكاحهما، فهما في حكم البائنتين قبل الموت، فلم يجب لها شيء من الميراث-.
قال ابن القاسم: وإن لم يبن بهما فالميراث بينهما، ولكل واحدةٍ نصف صداقها اتفق أو اختلف.
قال ابن المواز: بعد أن تحلف كل واحدةٍ لصاحبتها أنها هي الأولى.
قال الشيخ: لأن صداق الأولى وميراثها صحيح، فلما لم تعرف، وادعت كل واحدةٍ منهما أنها الأولى أعطيت كل واحدةٍ نصف صداقها، لأنه يجب لها تارةً، ويسقط تارةً، فوجب أن تعطى نصفه بعد يمينها، وكذلك الميراث.
الجزء: 10 - الصفحة: 726
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن مات عن خامةٍ غير معلومة.
قال ابن اللباد: وعلى الأم والابنة عدة الوفاء، لأن نكاح واحدةٍ صحيح، ولا يدرى أيتهما هي، ولو بنى بهما لم يلزمهما غير ثلاث حيض استبراء، وإن بنى بواحدةٍ معروفةٍ فلها صداقها كله، ونصف الميراث، لأنها تنازع الورثة فيه، وقاله ابن حبيب.
وقال ابن المواز: لا شيء لها من الميراث لاحتمال أن تكون هي الآخرة، فلا تورث بالشك.
قال: وقيل: لها نصفها، ولا يعجبني.
قال ابن اللباد: وعليها من العدة أقصى الأجلين، ولا شيء للتي لم يدخل بها من صداقٍ ولا ميراث، ولا عدة عليها.
قال: وإن بنى بواحدةٍ ولم تعرف فلكل واحدةٍ نصف صداقها ونصف الميراث بينهما نصفين.
قال الشيخ: وإنما ذلك لأن المدخول بها إن كانت الأولى فنكاحها ثابت، وإن كانت هي الآخرة بطل نكاحها ونكاح الأولى، فلما ثبت الميراث مرةً وسقط أخرى أعطيناهم نصفه، والصداق تنازع كل واحدةٍ فيه الورثة، فيكون لها نصف صداقها، ونحوه لابن سحنون.
الجزء: 10 - الصفحة: 727
[فصل 3 - فيمن مات عن خمس نسوةٍ ولم تعلم الخامسة]
قال الشيخ: وقال شيخنا عتيق بن عبد الجبار الفقيه: وإذا هلك عن خمس نسوة ولم تعلم الخامسة، فالميراث بينهن أخماساً، دخل بهم أو ببعضهن، أو لم يدخل بواحدةٍ منهم، وأما الصداق فإن دخل بجميعهن فلكل واحدةٍ صداقها المسمى، لأنها استوجبته بالمسيس، وإن لم يدخل بواحدةٍ منهن فليس لهن إلا أربع صدقات بينهن، فيجب لكل واحدةٍ أربعة أخماس صداقها، اختلفت الصدقات أو اتفقت.
وإن دخل ببعضهن فقد اختلف أصحابنا في ذلك، فقال بعضهم: يكمل لمن دخل بها جميع صداقها، وتبقى من لم يدخل بها على أصل القسمة، يكون لها أربعة أخماس صداقها.
وقال بعضهم: وهو الصواب: ونحوه لابن سحنون: يكون لمن دخل بها جميع صداقها، ويتداعى الورثة مع من لم يدخل بها، فيقسم ما تداعيا فيه بينهم، وبيان ذلك: إن دخل بواحدة، أن الورثة يقولون للأربع البواقي: إنما لكن ثلاثة صدقات، لأن الخامسة فيكن، ويقلن النسوة: بل لنا أربع صدقات والخامسة هي المدخول بها، فلهن ثلاث صدقات بلا منازعة، ويتداعون في الرابع، فيقسم بينهم فيكون للنسوة ثلاث صدقاتٍ ونصف، فيقسم ذلك بينهن على أربعة، فيكون لكل واحدةٍ سبعة أثمان صداقها.
وكذلك على قوله/ لو دخل باثنتين، لكان للبواقي تارةً صداقان إن كانت الخامسة فيهن، وتارةً ثلاث صدقاتٍ إن كانت الخامسة في المدخول بهما، فيكون لهن صداقان ونصف، تأخذ كل واحدةٍ منهن خمسة أسداس صداقها، ولو دخل
الجزء: 10 - الصفحة: 728
بثلاثٍ لكان للاثنتين الباقيتين تارةً صداقان، وتارةً صداق، فلهما صداق ونصف، يكون لكل واحدةٍ ثلاثة أرباع صداقها، ولو دخل بالأربع لقال الورثة للباقية: أنت الخامسة فلا شيء لك، وتقول هي: بل الخامسة في أولئك ولي جميع صداقي، فيكون لها نصفه.
قال الشيخ: فيكون على هذا القول إذا دخل ببعضهن للنسوة أربع صدقات ونصف أبداً، فيعطى للمدخول بها جميع صداقها، ويقسم ما بقي على من لم يدخل بها.
قال ابن حبيب: يعطى لكل واحدةٍ ممن لم يدخل بهن نصف صداقها، لأن المنازعة فيه بينها وبين الورثة، والأول أصوب.
ولو طلق واحدةً منهن معلومة، ثم مات ولم يدخل بواحدةٍ منهن لكان لهن أربع صدقات إلا ربع، لأن الورثة يقولون للمطلقة: إن كنت الخامسة فلا شيء لك، وإن لم تكوني فلك نصف صداقك، فتعطى ربع صداقها، ويقولون للبواقي: إن كانت الخامسة فيكن فلكن ثلاث صدقات ونصف، وإن كانت هي المطلقة فلكن أربع صدقات، فيعطين ثلاث صدقات ونصفاً، فيكون لكل واحدة سبعة أثمان صداقها، وإن جهلت المطلقة فسمت الأربع صدقات للأربع بينهن، فيكون لكل واحدةٍ صداقها إلا نصف ثمنه.
والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 729
[الباب الثالث عشر]
في الشهادة في الطلاق والإقرار به والدعوى فيه
[فصل 1 - في الشهادة في الطلاق
واختلاف الشهود به]
قال الله عز وجل: ﴿أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا ادعت المراة طلاق زوجها فجاءت على ذلك بشاهد عدلٍ استحلف زوجها، فإن حلف بطلت شهادة الشاهد، وإن نكل فنكوله بمنزلة شاهدٍ آخر، وجاز طلاقه».
قال ابن القاسم: وإن شهد رجلان على رجلٍ أنه طلق واحدةً من نسائه معينة وقالا: أنسيناها، لم تجز الشهادة إن أنكر الزوج، ويحلف بالله ما طلق واحدةً منهن.
- وقال ابن المواز: لا يمين عليه -.
الجزء: 10 - الصفحة: 730
قال ابن القاسم: وإن شهدا أنه قال: إحداهن طالق، قيل للزوج: إن نويت واحدةً تذرها وإلا طلقن عليك كلهن، فإن شهد أحدهما بتطليقة، والآخر بثلاث، لزمته تطليقة، ويحلف على البتات، فإن نكل طلقت عليه ألبتة، قاله مالك، ثم رجع فقال: يسجن حتى يحلف.
قال ابن القاسم: والطلقة الواحدة لزمته حلف أو لم يحلف.
قال مالك في الواضحة: وإن شهد عليه رجل بطلقةٍ وآخر بالبتة فقد اختلفا فيحلف على تكذيب كل واحدٍ منهما ولا يلزمه شيء.
قال الشيخ: وقد قال سحنون في هذه المسألة فيمن قال مثل هذا القول هذا خلاف قول أهل الحجاز.
قال الشيخ: ويحتمل أن يكون معنى هذه المسألة في رواية ابن حبيب: أنهما شهدا في مجلسٍ واحدٍ ولفظةٍ واحدة، فيكون هذا تهاتراً، أو يكون في مجلسٍ على قول من قال: إن ألبتة لا تتبعض، وأما قول من قال: إن ألبتة تتبعض، فإن تلزمه واحدة ويحلف على البتات كمسألة الكتاب.
ومن المدونة: قال مالك: وإن شهد أحدهما أنه حلف بالطلاق/ أن لا يدخل الدار، وأنه دخل، وشهد الآخر أنه حلف أن لا يكلم فلاناً، وأنه كلمه، لم تطلق عليه لاختلافهما.
الجزء: 10 - الصفحة: 731
قال ابن القاسم: ويلزم الزوج في قول مالك اليمين أنه لم يطلق، فإن نكل سجن [حتى يحلف] كما ذكرنا، وفي قول مالك الأول: أنه إذا نكل طلقت عليه.
قال الشيخ: يريد: أنه يلزمه بنكوله هاهنا طلقتان.
قال مالك: وكذلك الحرية في هذا، وإن شهد أحدهما أنه طلقها يوم الخميس بمصر في رمضان، وشهد الآخر أنه طلقها يوم الجمعة بمكة في ذي الحجة، طلقت عليه، وكذلك الحرية- يريد: لأنه من وجه الأقوال بخلاف الأفعال.
قال الشيخ: لأن الأقوال تتكرر وتعاد، فيكون الحكم في الثاني إعادة للأول كالإقرار بالأموال، وذلك خلاف الأفعال، لأن كل فعلٍ له حكم في نفسه لا يكون تكراراً للأول، وعدتها من يوم شهد الآخر، لأنه بشهادته وقع الحكم بالطلاق، والعدة تتعقب بالطلاق المحكوم به لا تتقدم عليه.
قال الشيخ: وإنما تصح الشهادتان في البلدين إذا كان بينهما من المدة قدر مسافة ما بين البلدين فأكثر، فأما لو شهد أنه طلقها يوم الخميس في رمضان بمصر، وشهد الآخر أنه طلقها في الخميس الثاني بمكة، فهذا تكاذب، فتسقط الشهادتان، هذا بيِّن.
الجزء: 10 - الصفحة: 732
ومن المدونة: قال مالك: وإذا شهد أحدهما أنه قال في رمضان: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق، وشهد الآخر أنه قال ذلك في ذي الحجة وشهدا عليه هما أو غيرهما أنه دخلها بعد ذي الحجة طلقت عليه، وإن شهدا عليه جميعاً في مجلسٍ واحدٍ أنه قال: إن دخلت دار عمرو بن العاص فامرأتي طالق، وشهد أحدهما أنه دخل في رمضان، وشهد الآخر أنه دخلها في ذي الحجة طلقت عليه كمن حلف بالطلاق ألا يكلم فلاناً، فشهد عليه رجل أنه كلمه في السوق، وآخر أنه كلمه في المسجد حنث.
وكذلك يمينه بالعتق، وإنما الطلاق حق من الحقوق وليس هو حداً من الحدود.
قال الشيخ: يريد بالحد الشهادة على الزنا أنها لا تجوز إلا على فعلٍ واحد ووقتٍ واحد.
ابن المواز: ولو شهدوا أنه دخلها لزمته اليمين، ولو شهد واحد على يمينه وآخر على دخوله، فلا يمين عليه حتى يشهد اثنان على فعلٍ أو يمين، فيحلف على تكذيب الشاهد الباقي، ولو شهد واحد بيمينه وبدخوله، فيحلف أنه ما حلف أو ما دخل، يحلف على أيهما شاء.
ومن المدونة: وإن شهد أحدهما بالبتة والآخر بقوله: أنت علي حرام، أو بالثلاث، لزمته الثلاث، وكذلك واحد بخليةٍ وأخر ببريةٍ أو بائن، قال مالك: وإذا اختلفت الألفاظ في الشهادة، وكان المعنى واحداً كانت شهادةً واحدة، وإن شهد
الجزء: 10 - الصفحة: 733
واحد أنه طلق ألبتة، وشهد الآخر أنه قال: إن دخلت الدار فأنت طالق، وشهد هو وآخر أنه دخلها، لم تطلق عليه، لأن هذا شهد على فعل، وهذا على إقرار، وإن شهد أحدهما أنه طلقها على عبدها فلان، وشهد الآخر أنه طلقها على ألف درهم، فقد اختلفا، فلا تجوز.
قال سحنون في غير المدونة: هذا إذا كان الزوج والزوجة منكرين لشهادتهما، وأما إن ادعى الزوج أحدهما فإنه يحلف معه ويأخذ ما شهد له به، ويحلف على شهادة الآخر أنه ما طلقها- يريد إذا انكرت المرأة شهادة شاهده، وادعت شهادة الآخر.
قال ربيعة: ومن شهد عليه ثلاثة، يقر كل واحدٍ بطلقةٍ ليس معه صاحبه، فأمر أن يحلف فأبى فليفرق بينهما، وتعتد من يوم نكل، ويقضى عليه بالطلاق.
قال أبو محمد: أراه يريد أنه يلزمه بالنكول الثلاث.
قال الشيخ: وقول ربيعة هذا خلاف لقول مالك، لأن مالكاً لا يحلفه، ويلفق عليه الشهادات، فيلزمه واحدة، لأنه من وجه الإقرار، كما قال في الذي شهد عليه رجل أنه طلق يوم الخميس وشهد عليه آخر أنه طلقها يوم الجمعة ففلق عليه الشهادة وألزمه طلقة، فكذلك يلزم في هذا.
قال أبو محمد: ولو شهدوا أن ذلك في وقتٍ واحد لزمته واحدة ولو يلزمه يمين، وإن ورخوا كلهم وقتاً واحداً كانت العدة منه،/ لا من يوم الحكم، ولو ورخ كل واحدٍ منهم تاريخاً لاعتدت من التاريخ الثاني، ولو اتفق اثنان على تاريخٍ قديم، أو حديثٍ كانت العدة منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 734
ولو أقر الزوج بتاريخٍ قديم، والبينة بتاريخٍ حديث كانت العدة من الحديث.
قال ابن المواز: وإن شهد شاهد أنه طلقها طلقةً عام أول، وشهد الآخر أنه طلقها طلقةً العام لزمته واحدة.
قال: وقال ابن القاسم: وإن شهد شاهدان بطلقةٍ وآخران بطلقة، وآخران بطلقةٍ في مجالسٍ متفرقة، والزوج يقول: هي واحدة أشهدتهم بها، فلا ينفعه، وهي ثلاث، وذلك كشهادتهم بالمال.
وقال أصبغ: أرى أنه يحلف، ولا يلزمه إلا طلقة إذا كان قوله لكل شاهدين: اشهدا أني طلقتها، ولو قال: اشهدا أنها طالق، لزمته ثلاث.
قال الشيخ: ولو قال قائل: إن ذلك سواء، ولا يلزمه إلا طلقة واحدة ويحلف، لكان صواباً، كما لو قال لها في مجلسٍ واحد: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، أنه ينوي، وكالذي طلق امراته فقال له رجل: ما صنعت؟ فقال: هي طالق، أنه نواه إن نوى إخباره، فكذلك هذا.
قال أصبغ: وأما الديوان فإن كانت بغير كتابٍ فذلك مال واحد إذا تقاربت أوقات الشهادة، كمن يشهد هاهنا، ثم يقوم فيشهد هاهنا، ولو كانت بكتابٍ واحدٍ كان مالاً واحدا، ولو كانت بكتبٍ متفرقة كانت ثلاثة أموال.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: وإن شهد واحد بواحدة، وآخر باثنتين وآخر بثلاث، لزمته اثنتان، يريد: ويحلف على الطلقة الثالثة مع الذي شهد بثلاث.
الجزء: 10 - الصفحة: 735
فصل [2 - في شهادة الأعمى والمحدود في القذف
ومن لا تجوز شهادته في الطلاق]
قال مالك: وتجوز شهادة الأعمى على معرفة الصوت في الطلاق وغيره، وكذلك من سمع جاره من وراء جدارٍ يطلق وإن لم يره ولو يشهده، وكذلك القذف يمر به فيسمعه، فليشهد به وإن لم يشهده.
وتجوز شهادة المحدود في القذف على الطلاق إذا حسنت حالته، وكان صالحاً فزاد صلاحاً.
ولا تجوز شهادة ذمي على مسلم، أو ذمي، ولا تجوز شهادة السيد على طلاق عبده زوجته، وهي أمة للسيد أو لغيره، أو حرة، ولا مع رجلٍ يشهد معه، لأنه عيب يتهم على إزالته.
ولا تجوز شهادة النساء في الطلاق وإن شهدن مع رجل، لأنها شهادة على حكمٍ يثبت في البدن كالقتل، ولا تجوز شهادتين إلا في الأموال، وفيما يغبن عليه كالولادة والاستهلال والعيوب، وتمام هذا في كتاب الشهادات.
[فصل 3 - فيمن شهد عليه رجلان أنه أمرهما بكذا وهو ينكر
ومن حلف بالطلاق على نفي ما أقر به]
ولو شهد رجلان على رجلٍ أنه أمرهما أنه ينكحاه، أو يبيعا له بيعاً، أنهما قد فعلا، وهو ينكر، لم تجز شهادتهما، لأنهما خصمان، ولو أقر لهما بالوكالة وقال لهما: لم تفعلا، وقالا: قد فعلنا، فالقول قولهما.
وإن شهد قوم على رجلٍ أنه أعتق عبده، والعبد والسيد ينكران، فالعبد حر إذ ليس للعبد أن يرق نفسه.
الجزء: 10 - الصفحة: 736
ومن أقر أنه فعل كذا، ثم حلف بالطلاق أنه ما فعله، وقال: كنت كاذبا في إقراري، صدق مع يمينه، ولا يحنث، ولو أقر بعد يمينه أنه قد فعل ذلك، ثم قال: كنت كاذباً لم ينفعه، ولزمه الطلاق بالقضاء.
قال الشيخ: لأن الأول إنما حلف بالطلاق أنه كذب فيما أقر به، فلا تطلق عليه امرأته، ويحلف بالله عز وجل أنه كذب، والثاني أنه أقر أنه حنث في يمينه بالطلاق، فوجب أنه يطلق عليه.
قال ابن القاسم: فإن لم تشهد/ البينة على إقراره بعد اليمين، وعلم هو أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه، حل له المقام عليها بينه وبين الله تعالى، ولم يسع امرأته إن سمعت إقراره هذا المقام معه إلا أن لا تجد بينة، ولا سلطاناً، فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها، فلا تتزين له، ولا يرى لها شعراً ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيها إلا وهي كارهة، ولا تنفعها مرافعته، لا يمين عليه إلا بشاهد.
[فصل 4 - فيمن شهد عليه بالطلاق وهو ينكر]
قال مالك: ومن طلق زوجته في سفره ثلاثاً ببينة، ثم قدم قبل البينة فوطئها ثم أتت البينة فشهدوا بذلك، وهو منكر للطلاق ومقر بالوطء فليفرق بينهما، ولا شيء عليه.
قال يحيى بن سعيد: ولا يضرب- يريد الحد-.
قال سحنون: ولو شهد أربعة أنه طلقها، وأقر الزوج بالوطء بعد وقت الطلاق، وحد الطلاق، حددته.
ولو قالوا: نشهد أنه طلقها، ثم وطئها حددته أيضا.
وقد روي عن مالكٍ فيمن شهد عليه أربعة عدول أنه طلق امرأته ألبتة، وأنهم رأوه يطؤها بعد ذلك، وهو مقر بالمسيس، أنه يفرق بينهما ولا حد عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 737
قال سحنون: وأصحابنا يأبون هذه الرواية، ويرون عليه الحد.
قال الشيخ: وقال سحنون في إيجاب الحد عليه خلاف للمدونة في التي شهدت عليه البينة في سفره.
وقد اختلف قول ابن القاسم وأشهب في الأمة بعتقها في سفره، وتشهد بينة على ذلك، ثم يقدم فيطؤها، ويستغلها، فاختلفا في الغلة، واتفقا أن لا حد عليه، ولا فرق بين هذه وبين الحرة، والله أعلم.
[فصل 5 - في الدعوى في الطلاق]
ومن المدونة: وإن ادعت امرأة أن زوجها طلقها، وأقامت شاهداً، لم تحلف معه، ولا يقضى بشاهدٍ ويمينٍ في طلاقٍ، ولا قذفٍ، ولا نكاحٍ، ولا عتقٍ إلا في الأموال، وجراح العمد والخطأ يحلف مع شاهده ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطأ، كما يقسم مع الشاهد الواحد في قتل العمد والخطأ ويستحق مع ذلك القتل العمد، والدية في الخطأ.
قال يحيى بن سعيد: من طلق وأشهد، ثم كتم هو والبينة ذلك إلى حين موته، فشهدوا بذلك حينئذ، فلا تجوز شهادتهم إن كانوا حضوراً، ويعاقبون، ولها الميراث.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا ماتت المرأة فشهدوا أن الزوج كان طلقها ألبتة فلا يرثها، وإن كان إنما مات هو ورثته.
الجزء: 10 - الصفحة: 738
قال الشيخ: جعله ابن القاسم كالمطلق في المرض، لأن الطلاق إنما يقع يوم الحكم، ولو كان يوم القول لكان فيه الحد، وقال مالك في الذي طلق في سفره، ثم قدم فوطئ ثم قامت عليه البينة، وهو منكر، لا يحد، ويفرق بينهما، وكذلك في سماع ابن القاسم: أنه إن ماتت لم يرثها، وإن مات ورثته.
قال سحنون: لعل البينة كانوا حضوراً معه فلم يقوموا عليه حتى مات.
- قال الشيخ: يجب على ذا أن لا يثبت طلاقه، وترثه ويرثها- وقد رواها عيسى عن ابن القاسم عن مالك: إن الشهود إن كانوا غيباً سنين، ثم أتوا بعد موته فشهدوا، قال: ترثه، وما يدريك ما كان يدرأ به عن نفسه، أرأيت لو كان حياً ولم يقر أترجمه؟
وقال يحيى بن عمر: لا ترثه.
وذكر الأبهري هذه المسألة على ما قد بينا من التفرقة بين موته وموتها، ثم قال: يحتمل أن يكون معنى المسألة إذا طلقها في مرضه، بل المسألة كذلك أن يطلقها في مرضه ثلاثاً فترثه ولا يرثها.
ومن المدونة: ومن ادعى نكاح امرأةٍ وأنكرت، فلا يمين له عليها/ وإن أقام شاهداً، ولا تحبس، ولا يثبت النكاح إلا بشاهدين- وقد تقدم هذا في كتاب النكاح أتم مما هاهنا-.
وإن ادعت امرأة أن زوجها طلقها، لم يحلف الزوج، وترك وإياها. - قال الشيخ: لأن ذلك طريق إلى دعوى من تريد أذى زوجها، وفراقه وإعناته في كل وقت-.
قال ابن القاسم: وإن أقامت شاهداً حلف الزوج، ومنع منها حتى يحلق، وكذلك روي في الحديث، فإن نكل، فروي عن مالكٍ أنها تطلق عليه مكانه، وعدتها من يوم الحكم.
الجزء: 10 - الصفحة: 739
- قال الشيخ: لأن نكوله كشاهدٍ آخر، وروي ذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام- وروي عن مالكٍ أيضاً أنه يحبس أبداً حتى يحلف، أو تطلق عليه.
قال ابن القاسم: وبلغني عنه أنه قال: إذا طال سجنه دين، وخلي بينه وبينها، ولم تطلق عليه وإن لم تحلف، وهو رأيي.
قال الشيخ: فوجه قوله: إنه يحبس حتى يحلف، لأن الشاهد والنكول أضعف من الشاهد واليمين، فلما لم يحكم بشاهدٍ ويمينٍ في الطلاق كان أن لا يحكم بالشاهد والنكول أولى، والحديث إذا وردت فيه زيارة تردها الأصول كانت الأصول أولى.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا: اعلم أن المرأة إذا أقامت على زوجها شاهداً واحداً بالطلاق فحلف الزوج، ثم وجدت شاهداً آخر أنه يلفق إلى الأول، ويقضى بشهادتهما على الزوج بالطلاق.
وكذلك العبد يقيم شاهداً على سيده بعتقه، فينكر ويحلف، ثم يجد العبد شاهداً آخر، فإنه يلفق مع الأول، ويقضى بعتق العبد، وهذا منصوص لأهل المذهب.
وإذا أقامت بطلاقه شاهداً فأبى أن يحلف، فسجن على أحد الأقاويل، فقال ابن نافع في كتاب ابن مزين: إذا أبى أن يحلف وطال ذلك على المرأة ضرب له أجل الإيلاء.
وقال الشيخ أبو عمران: لا يدخل عليه الإيلاء في هذا على ما في المدونة، ألا ترى أنه قال: يسجن أبداً حتى يحلف، ففي قوله هذا دليل على أن لا مدخل للإيلاء في هذا، ألا ترى أن الغائب إذا لم يترك لزوجته نفقة، أو الحاضر إذا امتنع من الوطء لا يكون فيه الإيلاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 740
قال بعض فقهائنا: وما اعتل به أبو عمران لا يلزم، لأن الزوج إن امتنع من الوطء مطلوب به، ومطلوب بالنفقة، فالحاكم يطلق عليه إن لم تصل المرأة إلى ذلك، فيرتفع الضرر عنها.
وفي مسألة ابن نافع: إن لم يدخل عليه الإيلاء، فالمراة تبقى أبداً بلا وطء، والزوج يستطيع دفع ذلك باليمين، فتركه ضرر بها.
فقول ابن نافع لذلك حسن، ولا حجة لمسألة المدونة أنه يسجن أبداً، لأن المرأة لم تقم عليه بالوطء، ولو أقامت عليه لضرب له أجل الإيلاء، والله أعلم.
ومن المدونة: وامرأتان في ذلك بمنزلة رجلٍ واحدٍ تحلف إذا كانتا ممن تجوزان شهادتهما في الحقوق، وكذلك في الحرية.
قال في كتاب العتق: ولا تجوز في ذلك شهادة أم المرأة، أو عمتها، أو خالتها، وليس ذلك مثل الحقوق، ولا تحلف الزوجة، أو العبد مع الشاهد في هذا ولا يقضى بشاهدٍ ويمين في ذلك، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام إنما قضى به في الأموال، والطلاق من معنى الحدود.
ومن العتبية: قال سحنون في المرأة تدعي أن زوجها طلقها ولا بينة لها، ثم مات الزوج، فطلبت ميراثها منه، وقالت: كنت كاذبة فيما ادعيت، قال: لها الميراث.
الجزء: 10 - الصفحة: 741
قال: وكذلك إذا جحدت النكاح، ثم أقرت بعد موته، فلها الميراث، ثم قال: لا أرى لهذه ميراثاً بخلاف المدعية الطلاق، لأن هذه لم يثبت لها عقد نكاح.
قال أبو بكر بن اللباد: وقال بعض رواة أهل المدينة: إن أكذبت نفسها بعد موت زوجها مدعية الطلاق فلا ميراث لها، وإن أكذبت نفسها في حياته ثم مات فلها الميراث.
وقال سحنون في التي تدعي طلاق زوجها ألبتة ولا تثبت ذلك، ثم تفتدي منه ثم تريد تزويجه قبل الزوج، وتزعم أنها كذبت أولاً، قال: لا يقبل قولها، ولا تنكحه إلا بعد زوج، وليس كالميراث، وروى أصبغ عن ابن القاسم نحوه.
ومن كتاب ابن المواز: قال في أمة تعتق وهي تحت عبدٍ فتختار نفسها ولا نية لها: فهي واحدة بائنة.
قلت: فإن قالت بعد أن اختارت: إنما أردت ألبتة؟
قال: لا يقبل منها ما لم يتبين ذلك عن اختيارها/ في الحكم، ويقال لها: إن كنت صادقة فلا تتزوجيه إلا بعد زوجٍ والأمر في ذلك إليك، وليتورع هو عنها.
قال محمد: ولم يعجبنا هذا الجواب، بل يمنع منها إلا بعد زوج، وهي كالمرأة تغر وقد ملكت نفسها بخلعٍ، أو صلحٍ أن زوجها كان طلقها ألبتة، فلا تمكن منه إلا بعد زوج.
وكذلك التي تدعي أن زوجها كان طلقها ألبتة، وهو ينكر، ثم يصالحها، وتبين منه بعد طلقةٍ فتريد تزويجه، وتقول: كنت كاذبة، وإنما أردت الراحة منه، فإن لم تكن ذكرت ذلك بعد أن بانت منه لم تمنع من نكاحه، وأمرها إلى الله عز
الجزء: 10 - الصفحة: 742
وجل، وإن أقرت بعد أن بانت منه بأنه طلقها ألبتة منعت منه، حتى تنكح زوجاً غيره.
قال ابن المواز: والتي تزعم أن زوجها طلقها ولا بينة لها فلتفتد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه وقتله إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.
وبالله التوفيق، لا رب غيره لا إله إلا هو.
كمل كتاب الأيمان بالطلاق بحمد الله وحسن عونه وتوفيقه الجميل وبمنه، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
الجزء: 10 - الصفحة: 743
[الكتاب التاسع]
كتاب الظهار
[الباب الأول]
باب جامع القول في الظهار
وما يلزم منه ولا يلزم
[فصل 1 - في الظهار وأدلة تحريمه]
قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقال القاضي عبد الوهاب: فالظهار يحرم بهذه الآية، وفيها على تحريمه أدلة: أحدها: إكذابهم في تشبيهم الزوجة بالأم، والثاني: إخباره بأنه منكر من القول وزور، والثالث: إخباره تعالى بأنه يغفر ويعفو عنه.
الجزء: 10 - الصفحة: 744
قال أبو داود: ونزلت آية الظهار في شأن خويلة بنت مالك، وقالت: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجادلني فيه ويقول لي: اتقي الله فإنه ابن عمك، فما برحت حتى نزل القرآن: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ﴾.
قال الشيخ: ومن أوجبه على نفسه لزمه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فقد ألزمه الله تعالى الظهار وأوجب عليه الكفارة إن أراد العودة من قبل أن يتماسا، والدليل أن العودة إرادة الوطء لا نفس الوطء أنه أوجب في الكفارة قبل الوطء، لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وهو الصحيح/ من قول مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 745
قال الشيخ: ويحتمل أن يكون أراد به الوطء، لأنهم حرموا على أنفسهم الوطء بالظهار، فإذا عادوا إليه لزمتهم الكفارة من قبل أن يتماسا ثانية، ولا وجه لقول من قال: إن العودة إعادة قول الظهار، لأن القول الأول إما أن يكون أوجب التحريم فالكفارة تجب بإزالة التحريم، وهو بالعزم على الوطء، أو بالوطء نفسه، أو يكون القول [الأول] لم يوجب تحريماً فالقول الثاني مثله، ولا تجب في الوجهين كفارة، وذلك خلاف القرآن فيبطل ما قالوه.
[فصل 2 - فيما يكون ظهاراً من القول]
ومن المدونة: قال ابن القاسم فيمن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي.
فهو مظاهر.
- قال الشيخ: وهذا صريح الظهار-.
قول مالك: ومن ظاهر بشيءٍ من ذوات محارمه من نسبٍ أو رضاعٍ فهو مظاهر.
قال ابن القاسم: وإن ظاهر من صهرٍ فهو مظاهر. - قال الشيخ: لأن هؤلاء كلها محرمات على التأييد كالأمهات-.
قال: وإن قال لها: أنت علي كرأس أمي أو كقدمها أو كفخذها ونحوه، فهو مظاهر. - قال الشيخ: لأنه عضو من ذات محرم كالظهر-.
قال: وقد قال مالك فيمن قال: أنت علي مثل أمي، أنه مظاهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 746
وقال بعض كبار أصحاب مالك: إذا وجدت القائل لزوجته: رأسك طالق، أصبعك طالق، يدك حرام، فرجك حرام، قدمك حرام، يجب عليه في هذا الطلاق كما أن القائل لزوجته: رأسك علي كظهر أمي، مظاهر، وكذلك في العضو والبطن والفرج والظهر، وكذلك في ذوات المحارم، ويلزمه بكل ذلك الظهار.
قال مالك: وإن قال لها: أنت علي حرام مثل أمي، ولا نية له فهو مظاهر.
قال ابن القاسم: وقوله: حرام كأمي، عندي مثله، وهذا مما لا اختلاف فيه.
قيل له: لم جعله مالك مظاهراً ولم يجله ألبتة، وهو يقول في الحرام أنه ألبتة؟
قال: لأنه جعل للحرام مخرجاً حين قال: مثل أمي.
قال غيره من كبار أصحاب مالك: ولا تحرم به، لأن الله عز وجل أنزل الكفارة في الظهار، ولا يعقل من لفظ به شيئاً سوى التحريم، وروى ابن نافع عن مالكٍ نحوه.
قال ابن القاسم: ولو لم يذكر أمه كان البتات في قول مالك.
قال مالك في كتاب ابن المواز: قوله: أنت علي حرام كأمي، أو مثل أمي، ظهار ما لم يرد به الطلاق، وكذلك عنه في سماع ابن القاسم، وقاله ابن القاسم.
وروى عنه عيسى في "أنت أحرم من أمي" أنها ألبتة.
قال ابن المواز: قال عبد الملك في قوله: أنت أحرم من أمي، ينوي الطلاق أنه الظهار، وقد قصد القائلون بالظهار التحريم، ولم يعرفوا غيره، فأنزل الله عز وجل فيه الكفارة.
الجزء: 10 - الصفحة: 747
قال ابن المواز: إنما هذا فمن سمى الظهر عند مالك، فأما من لم يسمه فيلزمه ما نوى، فإن لم ينو شيئاً فهو مظاهر.
[فصل 3 - فيمن قال: أنت علي كظهر فلانة،
لامرأةٍ أجنبية]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لها: أنت علي كظهر مالك، لامرأةٍ أجنبية فهو مظاهر.
قال ابن القاسم: وسواء كانت ذات زوجٍ أم لا.
وقال غيره: هي طالق ولا يكون مظاهراً، وهو قول عبد الملك.
قال الشيخ: فوجه قول ابن القاسم في ثبوته: أنه شبه امرأته بظهرٍ محرمٍ عليه كالأم.
ووجه قول عبد الملك: أن الظهار يتعلق بتحريمٍ مؤبد وذلك منتف في الأجنبية، والتشبيه بها يقتضي أن تحرم عليه كتحريمه، وذلك لا يكون إلا بالطلاق، ولأن الظهار إنما نزل في التشبيه بذوات المحارم، فلا يعدى به بابه، ويلزم من ظاهر بغيرهن ما ألزم نفسه من أنها تحرم عليه كالأجنبية، وذلك لا يكون إلا بالطلاق بالتشبيه إياها بالدم ولحم الخنزير.
قال الشيخ: ولا ينوى به غيره وإن نوى به الظهار، إلا أنه إن قال:
الجزء: 10 - الصفحة: 748
نويت به الظهار، لزمه الظهار، وإن تزوجها بعد زوجٍ أخذه بالبتات بإقراره وبالظهار بنيته.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أولى، لأن الأم تحريمها تحريم مؤبد، والأجنبية قد تحل له يوماً ما، فلا تكون أشد حالاً من الأم إذا سمى الظهر.
[فصل 4 - فيمن قال: أنت علي كفلانة الأجنبية،
ولم يذكر الظهر]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كفلانة الأجنبية، ولم يذكر الظهر فهو البتات، وإن قال: كفلانة، في ذوات المحارم فهو ظهار، لأن ها وجه الظهار، إلا ان يريد التحريم فهو البتات.
قال الشيخ: اعرف قوله: إلا أن يريد التحريم فهو البتات، أنه بخلافه إذا سمى الظهر في ذوات المحارم أنه ظهار وإن نوى به التحريم.
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وإن جاء مستفتياً وقال: أردت في الأجنبية الظهار، صدق، قال: وإنما معنى مسألة الكتاب إذا قال: لم تكن لي نية، أو شهدت عليه بذلك بينة فقال: أردت بذلك الظهار، فإنها تطلق عليه، ثم إن تزوجها بعد زوجٍ لزمه الظهر بما نوى في أول قوله.
وقال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: إذا سمى الظهر في الأجنبية فهو ظهار وإن نوى به الطلاق، وإن قال: كفلانة، وهي أجنبية، فقال عبد الملك: هو طلاق، ولا ينفعه إن أراد الظهار، وكذلك قوله: أحرم من فلانة، وقال أشهب: هو ظهار إلا أن يريد به الطلاق.
الجزء: 10 - الصفحة: 749
قال الشيخ: وهذه الرواية أعدل إذا سمى الظهر في الأجنية أنه يكون مظاهراً بلا اختلاف من مالكٍ وأصحابه.
قال ابن سحنون: قال أصبغ: وقيل في التظاهر بالأجنبية لا يلزمه ظهار، لأنه يحل له نكاحها، وقال مالك وأصحابه: هو مظاهر، لأنها في وقته عليه حرام.
قال سحنون: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر فلانة الأجنبية إن دخلت الدار، ثم تزوج فلانة، ثم دخل الدار، فلا شيء عليه.
قال أبو محمد: انظر: إن دخل الدار ثم تزوجها قبل يكفر.
قال الشيخ: والذي أرى أن الظهار قد لزمه بدخول الدار، ولا يلزمه تزويج الأجنبية كما لو ماتت الأجنبية بعد دخوله الدار.
[فصل 5 - فيمن قال: أنت علي كظهر أبي أو غلامي]
قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت عليه كظهر أبي أو غلامي، فهو مظاهر وقاله أصبغ.
وقال ابن حبيب: لا يلزمه ظهار ولا طلاق، وإنه لمنكر من القول.
قال: وإن قال: أنت علي كأبي أو غلامي، فهو تحريم.
قال الشيخ: والصواب ما قاله ابن القاسم، لأن الأب والغلام محرمان عليه كالأم وأشد، ولا وجه لقول ابن حبيب، لا في أنه لم يلزمه الظهار ولا الطلاق إذا سمى الظهر، ولا في أنه ألزمه التحريم إذا لم يسم الظهر، لأن من يلزمه فيه شيء إذا سمى ظهراً لا يلزمه شيء إذا لم يسم الظهر كتشبيه زوجته بزوجةٍ له أخرى أو أمةٍ له.
الجزء: 10 - الصفحة: 750
[فصل 6 - فيمن قال: أنت علي مثل كل شيء حرمه الكتاب
أو أنت علي كبعض ما حرم من النساء]
ومن المدونة: قال ربيعة: وإن قال لها: أنت علي مثل كل شيء حرمه الكتاب، فعليه الظهار، لأن الكتاب حرم عليه أمه وغيرها مما حرم الله عز وجل.
قال الشيخ: وقال بقول ربيعة ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وقال ابن نافع: بل هو البتات، لأن الكتاب حرم الميتة والخنزير وغيرهما.
قال الشيخ: والقياس عندي أن يلزمه الظهار والطلاق ثلاثاً، وكأنه قال لها: أنت علي كأمي وكالميتة والدم ولحم الخنزير، فيلزمه الظهار بتشبيهه بالأم والتحريم بالميتة والدم وغيرهما، فتطلق عليه الآن ثلاثاً، فإن تزوجها بعد زوجٍ لزمه الظهار.
ومن المدونة: قال ربيعة وابن شهاب: وإن قال لها: أنت علي كبعض ما حرم علي من النساء، فذلك ظهار.
قال سحنون في العتبية: إن قال لها:/ أنت أمي، في يمينٍ أو في غير يمين، فهو ظهار.
الجزء: 10 - الصفحة: 751
قال محمد: إلا أن ينوي به الطلاق فيكون البتات، ولا ينفعه إن نوى واحدة.
قال سحنون: وإن قال: إن وطئك وطئت أمي، فلا شيء عليه، وإن قال: يا أمه ويا أخته، فلا شيء عليه، قاله ابن القاسم في المدونة.
[فصل 7 - في الظهار من الإماء،
والذمي يظاهر ثم يسلم]
ومن الظهار قال مالك: ومن تظاهر من أمته، أو من أم ولده، أو من مدبرته، فهو مظاهر، لعموم الآية، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه وغيره.
قال ابن شهاب: قال الله تعالى: ﴿وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾، فالسرية من النساء وهي أمة.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لإظهار في ملك اليمين، والحجة عليهما ما قدمنا من الكتاب والسنة.
ومن المدونة: ومن تظاهر من معتقةٍ إلى أجلٍ لم يكن مظاهراً.
قال أبو محمد: وكذلك من أمةٍ يملك بعضها، لأنهما لا يحلان له.
الجزء: 10 - الصفحة: 752
قال مالك: وإذا تظاهر الذمي من امرأته، ثم أسلم لم يلزمه الظهار كما لا يلزمه طلاقه في الشرك، والظهار من ناحية الطلاق.
قال مالك: وكل يمين كان عليه من طلاق أو عتاق أو صدقة أو شيء من الأشياء فهو موضوع عنه إذا أسلم.
قال الشيخ: قال الله -عز وجل- ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ فكما كان الشرك يحبط جميع أعماله في الإسلام، كان الإسلام يحبط جميع أعماله في الشرك، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «الإسلام يجب ما قبله».
[فصل 8 - في المجوسي يظاهر من زوجته المجوسية بعد إسلامه]
ومن «المدونة»: قال مالك: والمجوسيان إذا أسلم الزوج، ثم ظاهر منها أو طلق مكانه، ثم أسلمت بقرب إسلامه، فذلك يلزمه؛ لأنها لم تخرج من ملك النكاح الذي ظاهر فيه أو طلق، ألا ترى أنها تكون عنده لو لم يطلق على النكاح الأول بلا تجديد نكاح من ذي قبل.
قال ابن المواز: ولا يلزمه ذلك عند أشهب.
قال الشيخ: لأنها قبل إسلامها غير زوجة، وقول ابن القاسم أولى؛ لأن إسلامها بالقرب يقر نكاحها الأول بغير تجديد نكاح، فكأن الفرقة لم تقع بعد.
الجزء: 10 - الصفحة: 753
قال بعض الفقهاء: والفرق بين من ظاهر من مكاتبته ثم عجزت بقرب ظهاره منها أنه لا شيء عليه، وبين المجوسي يسلم عن مجوسية فظاهر منها ثم تسلم هي بالقرب أن الظهار يلزمه: أن المكاتبة اشترت نفسها، وتميزت عن وطئه وهذه هي زوجة بعد إسلامه في حال ظهاره لم تخرج من عصمته بعد، والمكاتبة كالأجنبية، وإن كان قد تعجز، والأجنبية قد تتزوجه ثم لا يلزمه فيها ظهاره المتقدم.
قال الشيخ: وعلى قول أشهب: إن المسألتين سواء، لا يحتاج فيهما إلى فرق.
قال الشيخ: وقال بعض أصحابنا: إنه إن تظاهر من معتقة إلى أجل، أو مكاتبة، أو أم ولد، أو أمة فيها شرك فتزوجهن بعد العتق أن ذلك الظهار يلزمه فيهن فلا يطأ حتى يكفر، وكذلك إن عجزت المكاتبة.
وهذا عندي غلط؛ لأن الله تعالى إنما ألزم الظهار فيمن يحل له وطؤها وتصح منه العودة، لقوله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ فأما من ليس له فيها عودة، ولا يحل له وطؤها فليس من ذلك؛ ولأنه إنما حرم حرامًا، فلم ينقلها عما كانت عليه، والآخر حرم حلالا، فأباحت له الكفارة ما حرَّم، ولا فرق بينها وبين الأجنبية لعلة اجتماعهما في منع الوطء وتحريمه، ولا حجة له بارتفاع الحد عنه في وطء المكاتبة؛ لأنه وطء حرام لا تصح العودة فيه.
[فصل 9 - في ظهار المرأة من زوجها]
ومن «المدونة»: وإذا تظاهرت امرأة من زوجها لم تكن مظاهرة.
ابن المواز: وكذلك إن أجابته به في تمليك.
الجزء: 10 - الصفحة: 754
قال الشيخ: لأن الله تعالى إنما جعل الظهار والطلاق للرجال بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، وبقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولا مدخل للنساء مع الرجال في ظهارٍ أو في طلاقٍ أو تمليكٍ إلا أن يجعل لهن ذلك.
[فصل 10 - في ظهار الصبي والمعتوه والمكره]
ومن المدونة: ولا يلزم الصبي ولا المعتوه الذي لا يعقل ولا المكره ظهار ولا طلاق ولا عتق.
قال الشيخ: لقوله صلى الله عليه وسلم: «رفع القلم عن ثلاثة- فذكر الصبي حتى يحتلم، والمجنون حتى يفيق»، وقال صلى الله عليه سلم: «حمل عن أمتى الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولأن المكره غير قاصد لما استكره عليه وقد قال عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات»، وقال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾.
الجزء: 10 - الصفحة: 755
فصل [11 - في ظهار السفيه]
ومن كتاب ابن المواز: والسفيه إذا ظاهر لزمه ونظر له وليه في أن يكفر عنه أو يطلق عليه ويزوجه غيرها، وقاله سحنون.
ابن المواز: وقيل: يصالح عنه.
قال أصبغ: ولا يجزيه إلا العتق إن كان له مال، فإن لم يكن له مال صام، ولا يمنع من الصوم، فإن أبى فهو مضار.
وقال ابن المواز: إذا لم ير له وليه أن يكفر بالعتق فله هو أن يكفر بالصيام قال: ولو رأى له وليه أن يكفر عنه بالعتق فكفر به ثم ظاهر ثانيةً فلا يعتق عليه ثانيةً، قال: فإن لم ير له أن يكفر بالعتق طلق عليه من غير أن يضرب له أجل الإيلاء.
ابن المواز: وأحب إلي أن لا يطلق عليه إلا بتوقيف الإيلاء إن طلبت المرأة ذلك فيوقف لها بعد أربعة أشهر، فإن قال: أنا اصوم شهرين، ترك وأجزأه، لأنه في ملائه ممنوع من ماله، وله أن يبدأ في الصوم من الآن، لأنه يقول: كنت أرجو أن يعتق عني وليي، فإن لم يصم طلقت عليه.
قال: وقال ابن وهب في العتبية: وله أن يعتق بغير إذن وليه إن كان (؟؟)، فإن لم يكن إلا رأس لم أحب له إلا الصيام.
[فصل 12 - في ظهار السكران]
ومن المدونة: قال مالك: ويلزم السكران الطلاق.
قال ابن القاسم: وكذلك الظهار عندي يلزمه، لأن الظهار إنما يجر إلى الطلاق.
الجزء: 10 - الصفحة: 756
قال الشيخ: ولأنه إنما ألزمه ذلك؛ لأنه هو الذي أدخل السكر على نفسه؛ ولأن معه بقية من عقله ولم تأت فيه سنة كما أتت في غيره، وقد روي أن ابن عمر قضى عليه بطلاقه في سكره.
[فصل 13 - في ظهار المجبوب والمعترض والشيخ الفاني]
ومن كتاب ابن سحنون: قال علي بن زياد: ولا يلزم المجبوب ولا المعترض ولا الشيخ الفاني ظهار، إذ لا يصلون إلى الوطء.
قال الشيخ: واعتباراً بالإيلاء.
[فصل 14 - فيمن قال عن امرأة أجنبية: هي أمي
ومن قال لمطلقته: لا راجعتك حتى أراجع أمي]
قال مالك: من عرض عليه نكاح امرأة فقال: هي أمي، فهو ظهار، إن تزوجها قال: وإن قال: في امرأة طلقها والله لا راجعتك حتى أراجع أمي فلا شيء عليه إن فعل إلا كفارة يمين.
ومن «العتبية» قال ابن القاسم فيمن قال لأمته: لا أعود أمسك حتى أمس أمي فلا شيء عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 757
[فصل 15 - فيمن قال لامرأته: إن شئت الظهار
فأنت علي كظهر أمي]
ومن المدونة ومن قال لامرأته: إن شئت الظهار فأنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر إن شاءت الظهار، قلت: أذلك لها ما دامت في المجلس أو حتى توقف؟
قال: بل حتى توقف.
وقال غيره: إنما هذا على اختلاف قول مالك في التمليك في الطلاق.
قال مرة: حتى توقف.
وقال أيضاً: ما داما في المجلس فكذلك الظهار.
قال الشيخ: ومذهب ابن القاسم في كل ما يكون تفويضاً إليها في تمليك، أو طلاق، أو ظهار، أو عتق، أن ذلك بيدها.
وإن قاما في المجلس ما لم توقف.
والغير يرى أن اختلاف قول مالك يدخل في ذلك كله، وفي كتاب «التخيير والتمليك»، بيان هذا.
قال الشيخ: وفرق بعض القرويين على قول ابن القاسم بين قوله: أنت طالق إن شئت، وأمرك بيدك إن شئت، قال: وذلك أن القائل: انت طالق إن شئت، لو لم يقل: إن شئت كان طلاقاً لا خيار فيه، فأفاد بقوله: إن شئت، التفويض إليها في ذلك، وأما الذي يقول: أمرك بيدك.
فسواء عليه ذكر إن شئت، أو يسكت عنها، قد فهم أن مراده: إن شئت الطلاق، فزيادة إن شئت لا تؤثر شيئاً، ووجودها وعدمها سواء، فكان الحكم لذلك مختلفاً.
قال الشيخ: وهذا قول له وجه، ولكن ظاهر قول ابن القاسم ما قدمنا، وقاله أيضاً بعض القرويين.
الجزء: 10 - الصفحة: 758
[فصل 16 - فيمن نوى بالظهار الطلاق]
ومن المدونة: قيل لابن القاسم: فكل كلامٍ تكلم به رجل ينوي به رجل ينوي به الظهار أو الإيلاء أو التمليك أو الخيار أيكون كما نوى به؟
قال: نعم، إذا اراد أنك بما قلت مخيرة أو مظاهر منها [أو مطلقة].
ابن المواز: أما إذا قال: أنت علي كظهر أمي، بنوي الطلاق فهو مظاهر، ولو نوى أنك بما أقول من ذلك طلق لم يلزمه إلا الظهار.
قال: وقاله لي ابن عبد الحكم، قال: وقد أنزل الله عز وجل الكفارة في الظهار فيمن قصد به الطلاق، وكانوا في الجاهلية يجعلونه طلاقاً، وقاله كله مالك.
قال ابن سحنون: وروى عيسى عن ابن القاسم أنها ثلاث، ولا ينفعه إن نوى أقل من ذلك، وقال سحنون: له ما نوى من الطلاق.
[قال الشيخ]: فوجه قول مالك أنه لا يكون طلاقاً وإن نواه: فلأن الظهار قد جعل فيه الكفارة لمن قصد به التحريم فهو على ذلك لا يتغير عنه.
ووجع قول ابن القاسم أنه يلزمه البتات: فلأنه نوى بما يلزمه فيه ظهار البتات، فوجب أن يلزمه، أصله إذا قال: أنت كأمي، وإنما لم ينو، لأنه جعلها كأمه، ولا تحرم كأمه إلا بالطلاق ثلاثاً.
ووجه قول سحنون أن له ما نوى: فلأنه نقلها بنيته من الظهار إلا الطلاق وهو أقوى، فيلزمه ما نوى، ولأنه بلفظ لا يلزمه فيه الطلاق فوجب أن يلزمه ما نوى كقوله: ادخلي الدار، يريد به الطلاق، أن ذلك يلزمه وينوى فيه.
قال الشيخ: وقول مالك أولى لما بينا، وبالله التوفيق.
الجزء: 10 - الصفحة: 759
قال ابن المواز: قال مالك: وأما إن قال لها: أنت علي كأمي، أو أنت أمي، فهو ظهاراً، إلا أن يريد به الطلاق فيكون ألبتة، وإن نوى واحدةً فيه ألبتة وإن لم تكن له نية فهو ظهار.
ولو نوى الطلاق فطلقت عليه، ثم تزوجها بعد زوجٍ فلا كفارة عليه للظهار.
قال أبو بكر البهري: مذهب مالك رحمه الله أن صريح الظهار لا يكون طلاقاً، وصريح الطلاق لا يكون ظهاراً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي، يريد به الطلاق، أو: أنت طالق، يريد به الظهار، من قبل أنه لا يجوز أن (؟؟) أصلاً من الأصول التي جعلها لله تعالى لحكمٍ ما إلى أصلٍ آخر أوجب فيه حكماً خلافه.
قال: وإن كنى الظهار مثل قوله:/ أنت كأمي، أو مثل أختي، إذا أراد به الطلاق كان طلاقاً، لأنه نقله إلى ما هو أقوى منه، لأن الطلاق يزيل العصمة، ومكنى الظهار لا يزيلها.
قال: إن كنى الطلاق مثل قوله: أنت برية، أو خليه، لا يكون ظهاراً، لأن مكني الطلاق يزيل العصمة أيضاً، الظهار إنما يحرم الوطء، فهو أضعف منه فلا ينقله إلى ما هو أضعف منه.
قال ابن المواز: ما كان في الزوج ظهاراً فهو في الأمة ظهار، وإن نوى به العتق لم يكن عتقاً، وما خرج إلى الطلاق في الزوجة فهو يخرج إلى الحرية في الأمة، إذا كان على وجه التحريم واليمين.
الجزء: 10 - الصفحة: 760
[الباب الثاني] في الظهار إلى أجل، أو من جماعة نساء أو كرره في زوجته
[فصل 1 - في الظهار إلى أجل]
قال مالك: ومن قال لزوجته: أنت علي كظهر أمي اليوم، أو هذه الساعة أو هذا الشهر، فهو مظاهر منها، وإن مضى ذلك الوقت، ولا يطؤها حتى يكفر؛ لأن الظهار قد لزمته باللفظ، كما لو قال لها: أنت طالق اليوم، أو هذه الساعة، كانت طالقاً أبداً.
وإن قال: لها: انت كظهر أمي إن دخلت هذه الدار اليوم، أو كلمت فلاناً اليوم، أو قال: أنت علي كظهر أمي اليوم إن كلمت فلاناً أو دخلت الدار، فهذا إذا مضى اليوم ولم يفعل ذلك لم يكن مظاهراً، فإنما يجب عليه الظهار بالحنث، وكذلك إن قال لها: إن دخلت الدار اليوم فأنت طالق، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار اليوم، فمضى اليوم ثم دخل الدار لم يلزمه طلاق.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي إلى قدوم فلان، لم يلزمه ظهار حتى يقدم فلان فيلزمه الظهار، وإن لم يقدم فلا شيء عليه لأن مالكاً قال: من قال لأمرأته: أنت طالق إلى قدوم فلان، أنها لا تطلق عليه حتى يقدم فلان، فإن لم يقدم لم تطلق عليه، وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي من الساعة إلى قدوم فلان فهو مظاهر منها الساعة؛ لأن من ظاهر من امرأته ساعة واحدة لزمه الظهار تلك الساعة وبعدها ولا يطؤها حتى يكفر وكذلك قال مالك: إن قال لها: أنت طالق من الساعة إلى قدوم فلان فهي طالق الساعة وبعدها.
الجزء: 10 - الصفحة: 761
فصل [2 - في الظهار من جماعة نساء]
قال مالك: ومن تظاهر من أربع نسوة له في كلمة واحدة فكفارة واحدة تجزئه.
قال أبو محمد: كمن جمع أشياء في يمين واحدة، وروي ذلك عن مر وغيره.
وإن تظاهر منهن في مجالس مختلفة، ففي كل مرة كفارة، وإن كان في مجلس واحد، فقال لواحدة: أنت علي كظهر أمي، ثم قال للأخرى، وأنت علي كظهر أمي حتى أتى على الأربع فعليه لكل واحدة كفارة، مثل لو قال: والله لا آكل هذا الطعام، ولا ألبس هذا الثوب، ولا أدخل هذه الدار ثم حنث في شيء واحد من ذلك، أو في ذلك كله فليس عليه إلا كفارة واحدة، ولو قال: والله لا آكل هذا الطعام، ثم قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم قال: والله لا أدخل هذه الدار، فعليه لكل واحدة كفارة، فهذا احتج مالك في الظهار.
ابن القاسم: وإن قال لإحدى امرأتيه: أنت علي كظهر أمي، ثم قال للأخرى: أنت علي مثلها، لزمه الظهار في هذه الثانية أيضاً، وعليه لكل واحدة كفارة.
الجزء: 10 - الصفحة: 762
فصل [3 - فيمن كرر الظهار في زوجته]
قال مالك: وإن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي، قال لها ذلك مراراً في شيء واحد، أو في غير شيء، فليس عليه إلا كفارةٌ واحدةٌ، وإن قال لها ذلك في أشياء مختلفة، مثل أن يحلف بالظهار إن دخل هذه الدار، ثم يحلف به إن لبس هذا الثوب، ثم يحلف به إن أكل هذا الطعام، فعليه لكل شيء يفعله من ذلك كفارة، لأن هذه أشياء مختلفة، فصارت أيماناً بالظهار مختلفة.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، أنت علي كظهر أمي، ثلاث مرات، ينوي بقوله الظهار ثلاث مرات، فلا تلزمه إلا كفارةٌ واحدةٌ، إلا أن ينوي ثلاث كفارات، فتلزمه ثلاث كفارات، مثل ...... حلف بالله تعال ثلاث مرات ينوي ثلاث كفارات فيلزمه ذلك إن حنث.
قال الشيخ: وذكر عن أبي محمد بن أبي زيد أنه قال: لا يطأ حتى يؤدي الثلاث كفارات.
قال أبو الحسن القابسي: فإن كفر كفارة واحدة حل له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذر، ولو وطئ ثم مات وأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث فإن واحدة منها تبدأ ككفارة الظهار، والاثنتان تبدأ عليهما كفارة اليمين بالله تعالى، لأنهما نذور، ونحو قول أبي الحسن ذكر عن أبي عمران، وهو الصواب إن شاء الله عز وجل.
ابن المواز: ولو كرر الظهار في وقت بعد وقت فكفارة واحدة تجزئه، ولو أخذ في الكفارة عن الظهار، ثم قال لها: أنت علي كظهر أمي، فليبتدئ من الآن كفارة واحدة وتجزئة، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ كفارة ثانية.
الجزء: 10 - الصفحة: 763
قال ابن المواز: وهذا أحب إلي إذا كان لم يبق من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى منها يومان أو ثلاثةٌ فليتمه وتجزئه لهما، لأنه قل ما تفاوت منه.
وقال أصبغ: ي المستخرجة: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كان نوعاً واحداً، مثل أن يقول: أنت علي كظهر أمي، ثم يقول وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك.
قال: وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها، والثاني قولاً بغير يمين فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة من يوم ظهاره الثاني، والثاني كالتوكيد للأول.
قال: ولو كان الأول قولاً بغير يمين، والثاني بيمينٍ حنث فيها فليتم الكفارة الأولى ويبتدئ كفارةً ثانية للظهار الثاني.
قال الشيخ: فوجه قول من قال: إنه يبتدئ من الآن كفارةً واحدةً وتجزئه، فلأن تكرار الظهار المجرد إنما يوجب كفارةً واحدةً، فهو لو لم يبتدئ الأولى حتى ظاهر منها ثانيةً لم تكن عليه إلا كفارة واحدة، فإذا ابتدأ الأولى لم يكن عليه إلا إسقاط ما مضى، لأنه قبل لزوم الثانية فلا تجزئ عنها، وابتداء الكفارة من الآن، وتجزئ عن الظهار الأول والثاني، وهذا كحد القاذف إذا كرر قذفه لرجلٍ واحدٍ أو لجماعةٍ، فإنما عليه لذلك كله حد واحد، فلو أخذ في حده ثم قذف في خلال حده الذي حد له أو غيره لابتداء الحد عليه من الآن ويجزئه، وكالأحداث التي يجب الوضوء لأحدها أو لجميعها، فلو أخذ في الوضوء ثم أحدث لأجزأ ابتداء الوضوء لها، وهذا بين صواب.
ووجه قول من قال: بل يتم الأول ويبتدئ الثانية، فلأن الكفارة إنما تبتدئ [بعد] العودة، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3]، فهذا
الجزء: 10 - الصفحة: 764
[فهذا إنما ابتدأ الكفارة بعد نية العودة فقد لزمه تمامها، وتخلدت في ذمته، وهذه رواية أشهب عن مالك، وهو قول ابن أبي سلمة، فلما تخلدت الأولى في ذمته لم يكن له أن يشرك فيها ثانية، كما لو وطيء المظاهر منها فأخذ في الكفارة عنها، ثم ظاهر منها ثانية، فإنه يبتديء الكفارة للظهار الثاني بعد تمام الأولى؛ لأن الأولى واجبة عليه مات، أو ماتت أو فارقها، فلا يشرك معها غيرها فيصير كأنه لم يكفر عن الثانية، وكمن قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر، فاشتراه فأراد أن يعتقه عن ظهاره فلا يجزئه؛ لأنه وجب عتقه بما عقد له قبل الشراء فهذا مثله، وهو بين أيضاً على هذا القول.
ووجه قول أصبغ: إن كان الأول بيمين حنث فيها، والثاني قولاً بغير يمين، فإنه يجزئه أن يبتديء الكفارة من ظهاره الثاني، فصواب؛ لأنه إذا حنث في الأولى لزمه الظهار كالظهار المجرد، ولا يسقطه طلاقه ثلاثاً إن تزوجها بعد زوج، فهو كتكرير الظهار المجرد، ولأنها بالحنث صار مظاهراً منها، فلم يزدنا بقوله: أنت علي كظهر أمي إلا الإخبار أنها عليه كظهر أمه، فهو كتكرير الظهار.
قال: وإذا كان الأول ظهاراً مجرداً، والثاني يمين فيها فليتم الكفارة الأولى ويبتديء كفارة ثانية للظهار الثاني فهو كما قال؛ لأنهما ظهاران لا يتداخلان، وعليه إن حنث فيهما كفارتان؛ لأن الأولى لزمته لزوماً لا يسقطه الطلاق ثلاثاً، والثاني بيمين حنث فيها فهو كما لو كان الأولى بيمين والثاني بيمين خلافها، فهما ظهاران لا يتداخلان ويلزمه لكل واحدة منهما كفارة كاليمين بالله في ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 765
قال الشيخ: وقيل: بل كفارة واحدة تجزئه؛ ووجه هذا: أنه بالحنث يصير كالظهار المجرد، كما لو كان هو الأول، ولأنه إنما حلف بالظهار على امرأة هو مظاهر منها، فقال: إن فعلت كذا فهي علي كظهر أمي فقد كانت عليه كظهر أمه قبل اليمين بالله فلم تزدنا مزية، وهذا أبين والله عز وجل أعلم.
قال الشيخ: والمحصول من هذا، والذي عليه العمل أن كل ما لزم فيه كفارتان فحدث عليه الثاني بعد أن أخذ في الكفارة عن الأولى فلا يجزئه إلا أن يتم الأولى ويبتديء الثانية، وكل ما لزم فيه كفارة واحدة فإنه: يجزئه أن يبتديء من وقت ظهاره الثاني مضى أكثر الكفارة الأولى، أو أقلها، وقول ابن المواز استحسان وتوسط في القولين، وكأنه جعل القليل تبعاً للكثير مضى أقلها، فكأنه لم يعمل منها شيئاً، وإن مضى أكثرها فكأنه أتمها فيتمها، ويبتديء وهذا استحسان؛ لأن كثيراً في أصولنا أن نجعل القليل تبعاً للكثير، ولكن القياس ما قدمنا.
وزاد ابن حبيب عن أصبغ: إذا كان الظهار الأول بحنث والظهار الثاني فحنث، فلا بد من كفارتين، كان ذلك بفعل في شيء واحد أو في شيئين مفترقين.
قال الشيخ: وهذا كاليمين بالله عز وجل إذا حلف ألا يفعل شيئاً فحنث بفعله، ثم حلف ألا يفعله بعد ذلك فحنث أيضاً، أن عليه كفارتين، ولو لم يحنث في الأولى حتى حلف ثانية فحنث فيها فإنما عليه كفارة واحدة، وكذلك الظهار في ذلك كله.
وقد روى أبو زيد، عن ابن القاسم فيمن قال: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، فأخذ في الكفارة، ثم قال لها: أنت علي كظهر أمي إن لم أتزوج عليك، فهذا يبتديء شهرين من يوم الظهار الثاني.
الجزء: 10 - الصفحة: 766
قال أبو زيد عن ابن القاسم: ولو أنه لما صام أياماً أراد أن يبر بالتزويج فتزوج، فقد أسقط عنه الكفارة ويبطل عنه الصيام.
قال الشيخ: وعلى قول من قال: يلزمه تمامها إذا ابتدأ فيها، لا يسقط التزويج عنه تمامها.
وفي مختصر ابن عبد الحكم قال: وإذا ظاهر منها ووطئ، ثم ظاهر ثانيةً فعليه أيضاً الكفارة ثانية.
[فصل 4 - في دليل لزوم كفارة واحدة
على من ظاهر من جماعة نساء]
ومن المدونة قد تقدم: أن من قال لأربع نسوة: أنتن علي كظهر أمي، فإنما عليه كفارة واحدة.
قال الشيخ: وذهب الشافعي: أن عليه لكل واحدةٍ كفارة.
ودليلنا: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [المجادلة: 3] الآية، فجميع النساء إذا ظاهر الرجل منهن فإنما عليه كفارة واحدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 767
ولأن الظهار يمين تكفر كالإيلاء، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمظاهر:» كفر عن يمينك «، فدل ألفها يمين كالإيلاء بخلاف الطلاق.
وقد روى ابن وهب: أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره قال في رجلٍ تظاهر من أربع نسوةٍ في كلمةٍ واحدةٍ: أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة، ولم يختلف عليه أحد، فهذا الإجماع.
ومن العتبية قال: روى عيسى عن ابن القاسم فيمن تظاهر من جماعةٍ فظن أنه لا يجزئه إلا عن كل واحدةٍ كفارة واحدة فكفر بالصوم عن واحدة منهن، قال: قال مالك: يجزئه ذلك عن جميعهن.
الجزء: 10 - الصفحة: 768
[فصل 5 - في الظهار من أربع نسوة قبل نكاحهن]
ومن «المدونة: ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، فتزوجهن كلهن، فإنما عليه كفارة واحدة، ولا يقرب واحدة منهن حتى يكفر، فإن تزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر فتزوج البواقي فلا ظهار عليه فيهن.
قال الشيخ: وهذا كمن حلف بالله سبحانه ألا يفعل أشياء سماها، ففعل بعضها، فقد حنث في جميعها، ثم إن فعل باقيها فلا حنث عليه؛ لأنه قد حنث أولاً بفعل بعضها، فلا يتكرر عليه الحنث.
ومن «المدونة»: قال: وإن تزوج الأولى فلم يطأها ولم يكفر حتى ماتت، أو فارقها، سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، لأن من تظاهر من امرأته ثم طلقها أو ماتت قبل أن يطأها فلا كفارة عليه، وإنما يوجب عليه كفارة الظهار بالوطء، فإذا وطيء فقد لزمته الكفارة، ولا يطأ في المستقبل حتى يكفر، ولو كان هذا قد وطيء الأولى ثم ماتت، أو طلقها، أو لم يطلقها، فقد لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يطأ واحدة منهن أيضاً حتى يكفر، ومن قال لأربع نسوة له: من دخلت منكن هذه الدار فهي علي كظهر أمي.
فدخلنها كلهن أو بعضهن فعليه لكل واحدة تدخل كفارة كفارة.
قال الشيخ: لأن من للتبعيض، فهو كمن قال ذلك لواحدة مفردة.
قال ابن القاسم: وكذلك لو قال لهن: أيتكن كلمتها فهي علي كظهر أمي، فإن كلم واحدة منهن لزمته كفارة، ولم يلزمه فيمن لم يكلم منهن ظهار وإن
الجزء: 10 - الصفحة: 769
وطئها حتى يكلمها وله وطؤهن قبل أن يكلمهن، ثم إن كلم أخرى لزمته كفارة ثانية بمنزلة مالو.
م: قال لأربع نسوة: من تزوجت منكن فهي علي كظهر أمي فتزوج واحدة منهن كان منها مظاهراً، ثم إن تزوج أخرى كان منها أيضاً مظاهراً بخلاف قوله: إن تزوجتكن.
قال ابن المواز: وكذلك قوله: من تزوجت من النساء فهي علي كظهر أمي فلكل من تزوج كفارة، بخلاف قوله: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي هذا تجزئه كفارة واحدة.
قال الشيخ: وهذا على ما قلنا: أن من للتبعيض، وكأنه قال لكل واحدة مفردة: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي، كل امرأة أتزوجها، مثل قوله إن تزوجتكن؛ لأنه جمعهن في الوجهين.
[فصل 6 - فيمن قال كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي]
ومن «المدونة»: قال مالك: ومن قال: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي، لزمه ذلك فإن تزوج فلا يطأ حتى يكفر كفارة الظهار، وكفارة واحدة تجزئه من ذلك كله، وقاله عروة بن الزبير.
وذكر ابن حارث الأندلسي عن ابن نافع في قوله: كل امرأة أتزوجها
الجزء: 10 - الصفحة: 770
فهي على كظهر أمي، أن عليه لكل امرأة يتزوجها كفارة، وصوبه بعض أصحابنا وقال: ألا ترى أنه إذا تزوج واحدةً كفر عن ظهاره، ثم تزوج أخرى فقد حصل مكفراً عن ظهاره في هذه الثانية قبل لزوم الظهار فيها.
قال الشيخ: وهذا يلزمه فيمن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن علي كظهر أمي، لأنه إذا تزوج واحدةً وكفر عنها، ثم تزوج ثانية فقد حصل مكفراً عن هذه الثانية قبل لزوم الظهار فيها، وليس الأمر كما توهم، لأن الظهار يمين كاليمين بالله عز وجل، فإذا جمع في يمينه جماعةً فحنث في واحدةٍ فقد حنث في جميعهن، فكفارة عن واحدةٍ كفارة عن جميعهن، وقوله: إن تزوجتكن، وكل امرأة أتزوجها، سواء، لأنه جمع النساء في يمينه، ...... أن قول مالك أولى.
قال مالك: وأما إن قال: فهي طالق، لم يلزمه شيء.
قال ابن القاسم: والفرق بين الظهار في هذا وبين الطلاق: أن الظهار يمين تكفر ولا تحرم النكاح عليه، والطلاق يحرم، فليس له أن يحرم على نفسه جميع النساء.
قال ابن المواز: ولو تزوج امرأة ثم ماتت أو طلقها قبل أن يكفر فتزوج أخرى فلا يقربها حتى يكفر كفارةً واحدة عن كل من يتزوج أبداً.
الجزء: 10 - الصفحة: 771
قال الشيخ: وهذا على ........ فيمن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن، وقد تقدمت.
قال ابن المواز: ولو كفر بعد زوال الأولى وقبل نكاح الثانية لم يجزه إلا أن يكون قد مس الأولى قبل أن تزول عنه، فقد لزمته الكفارة بكل حال وزال الظهار.
قال الشيخ: يريد: ولكن لا يطأ الثانية حتى كفر الكفارة التي لزمته إن لم يكن كفر.
الجزء: 10 - الصفحة: 772
[الباب الثالث] في اليمين بالظهار، وعودته في ملك ثان ووقوعه مع طلاق أو إيلاء، وظهار الرجل من امرأته وهي أمة أو صبية أو محرمة أو حائض أو ارتقاء أو كتابية وظهار العبد من امرأته
[فصل 1 - في اليمين بالظهار]
قال مالك: ومن قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي إن لم أضرب غلامي اليوم، ففعل، لم يلزم ظهار.
قال مالك: وإن قال: إن تزوجت فلانة فهي علي كظهر أمي، لزمه الظهار إن تزوجها.
وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
[فصل 2 - في عودة الظهار في ملك ثان] ومن قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي، فطلقها واحدة أو اثنتين فبانت منه، ودخلت الدار وهي في غير ملكه لم يحنث بدخولها، وهي في غير ملكه، فإن تزوجها فدخلت الدار وهي تحته عاد عليه الظهار، إلا أن يكون طلقها أولاً ألبتة، فإن الظهار يسقط عنه إن تزوجها بعد زوج، ولو حنث بدخولها قبل أن يفارقها أو كان إنما ظاهر منها على غير يمين، ثم أبتها قبل أن يكفر فهذا؛ إن نكحها بعد زوج عاد عليه الظهار، ولم يطأها حتى يكفر.
الجزء: 10 - الصفحة: 773
قلت: فمن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي أو قال لها: أنت طالق، وأنت علي كظهر أمي إن تزوجتك.
قال: قال مالك: ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق وأنت علي كظهر أمي، فتزوجها طلقت عليه، ثم إن تزوجها بعد ذلك لم يقربها حتى يكفر كفارة الظهار؛ لأن الطلاق والظهار وقعا بالعقد فلزماه.
قال ابن القاسم: والذي قدم الظهار في لفظه أبين عندي.
قال الشيخ: قال غيره: وكذلك لو قال لزوجته: إن دخلت الدار فأنت طالق، وأنت علي كظهر أمي، فبدخول الدار وقع الحنث في الطلاق والظهار معاً فلزماه.
[فصل 3 - في وقوع الظهار مع طلاق]
ومن «المدونة»: قال مالك: وأما إن قال لزوجته: أنت طالق ألبتة، وأنت علي كظهر أمي، طلقت عليه، ولم يلزمه فيها ظهار وإن تزوجها بعد زوج؛ لأنه أوقعه بعد أن بانت منه.
وقال أبو محمد: وليس ذلك كالطلاق، إذا نسق على طلاق مثله في التي لم يدخل بها.
وهذا معنى، والظهار معنى آخر وذلك بخلاف إذا بدأ في لفظه بالظهار فهذا يلزمه الظهار إن تزوجها بعد زوج.
الجزء: 10 - الصفحة: 774
[فصل 4 - في وقوع الظهار مع إيلاء]
ومن المدونة: ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت على كظهر أمي، والله لا أقربنك، أو قال لها: والله لا أقربك إن تزوجتك وأنت علي كظهر أمي، فتزوجها لزمه الإيلاء والظهار، مثل من قال لزوجته: والله لا أقربنك وأنت علي كظهر أمي، أنه .... منها مظاهر.
فصل [5 - في ظهار الرجل من امرأته وهي أمة]
ومن تظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فهو مظاهر منها.
قال الشيخ: يريد فإن كان بيمينٍ لم يحنث فيها، وهو كمن طلق زوجته واحدةً وقد كان ظاهر منها بيمينٍ أنه يعود عليه إن تزوجها.
قال الشيخ: وقاله جماعةً من أصحابنا، وقال بعض أصحابنا: معنى المسألة أنه ظاهر منها ظهاراً مجرداً بغير يمين، فلذلك عاد عليه الظهار كما يعود ذلك عليها إذا طلقها ثلاثاً، وأما إن كان بيمين لم يحنث فيها فإنه إذا اشتراها لا يعود عليه اليمين، لأن هذا ملك بيمين لا ملك عصمة، فهو غير الملك الأول كملك العصمة بعد الطلاق ثلاثاً.
قال: ولكن لو باعها ثم تزوجها فإنه يعود عليه اليمين، لأنه بقي له طلقتان فاليمين تعود عليه ما بقي من طلاق ذلك الملك شيء.
قال الشيخ: والأول أصوب، لأنه ظاهر من زوجته بيمينٍ لم يحنث فيها، فلا يلزمه إلا الطلاق ثلاثاً، أصله لو كانت حرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 775
[فصل 6 - في ظهار الرجل من امرأته وهي صبية
أو محرمة أو حائض أو رتقاء أو كتابية]
ومن المدونة: قال: وإن تظاهر من امرأته وهي حرة، أو أمة، أو صبية، أو محرمة، أو حائض، أو رتقاء، أو كتابية لزمه ذلك وكفارته منهن سواء، ويلزم المسلم الظهار والطلاق في زوجته الكتابية كما يلزم ذلك في الحرة المسلمة.
وإن تظاهر الرجل من امرأته قبل البناء أو بعده وهو رجل بالغ فذلك سواء ويلزمه، ألا ترى أنه لو ظاهر من أمةٍ له لم يطأها قط لزمه الظهار في قول مالك، فالزوجة أحرى وأشد في الظهار.
[فصل 7 - في ظهار العبد من امرأته]
وإن تظاهر العبد من امرأته وهي حرة أو أمة لزمه، وكفارته منهما سواء ابن شهاب: ويلزمه الظهار كالحر.
قال ابن سيرين: وليس عليه أن يكفر إلا بالصيام.
ابن حبيب: قال ابن القاسم عن مالك: ولا يدخل على العبد في تظاهره الإيلاء إلا أن يكون مضاراً لا يريد أن يفيء، أو يمنعه أهله الصيام بأمرٍ لهم فيه عذر، فهذا يضرب له أجل الإيلاء إن رفته.
قال أصبغ: إذا منعه أهله الصيام فليس بمضار، ولا كلام لامرأته ولتصبر.
وقال ابن القاسم: إن منعه سيده الصيام وأذن له في الإطعام أجزأه.
وقال ابن الماجشون: ليس لسيده منعه الصيام وإن أضر به ذلك في عمله.
قال الشيخ: لأن إذنه له في النكاح إذن له في الظهار.
وفي الباب الأول مسألة المجوسي يسلم ثم يظاهر من زوجته فتسلم هي بقرب ذلك أنه يلزمه.
الجزء: 10 - الصفحة: 776
[الباب الرابع] في منع المظاهر الوطء قبل الكفارة ودخول الإيلاء عليه في تركها
[فصل 1 - في منع المظاهر الوطء قبل الكفارة]
قال الله تعالى: ﴿ثم يعودون لما قالوا﴾ الآية فدل أن العود إرادة الوطء لا الوطء لقوله تعالى: ﴿من قبل أن يتماسا﴾.
قال مالك فيمن ظاهر من زوجته: فلا يطؤها حتى يكفر، ويجب عليها أن تمنعه من جماعها.
قال ابن القاسم: فإن خشيت منه على نفسها رفعت ذلك إلى الإمام، ويمنعه الإمام من وطئها، إن خاصمته حتى يكفر، ويؤدبه إن اراد جماعه قبل الكفارة.
قال مالك: ولا يقبل ولا يباشر، ولا ينظر إلى صدرها، ولا إلى شعرها حتى يكفر؛ لأن ذلك لا يدعو إلى خير، وقد قال تعالى: ﴿فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا﴾، فعم.
وقال أصبغ في العتبية: إن قبلها في شهري صيام الكفارة، فلا شيء عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 777
وقاله سحنون بعد أن كان يقول بقول عبد الملك: إن ذلك يقطع التتابع كالمعتكف، ثم رجع وقال: ليس هو أشد من رمضان وفرق بينه وبين المعتكف؛ لأن المتظاهر يحل له غيرها.
وقال عبد الملك وسحنون: وإنما يكره للمتظاهر أن يقبل أو يباشر أو يتلذذ بالنظر إلى المحاسن، لأن ذلك داعية إلى الوطء وتغرير خيفة أن يفعل الوطء الذي ينهاه الله عز وجل عنه قبل أن يكفر.
قال الشيخ: وكمنع المحرم من دواعي الوطء خيفة أن يقع فيه، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
ومن «المدونة»: قال مالك: وجائز أن ينظر إلى وجهها، وقد ينظر غيره إليه.
قال ابن القاسم: وجائز ان يكون معها في بيت ويدخل عليها بلا إذن، وإن كان تؤمن ناحيته.
[فصل 2 - في دخول الإيلاء على المظاهر إن لم يكفر]
قال مالك: فإن امتنع من الكفارة وهو قادر عليها، دخل عليه الإيلاء؛ لأنه مضار، ووقف لتمام أربعة أشهر من يوم التظاهر، فإما كفر أو طلقت عليه.
قال ابن القاسم: فإن كفر، زال عنه حكم الإيلاء وإن لم يطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 778
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض شيوخنا القرويين في المتظاهر المضار إذا ضرب له الأجل لامتناعه من الكفارة وهو قادر عليها: إنما يضرب له الأجل من وقت تبين ضرره، ورأى أن هذا الذي يقتضيه مذهب الكتاب.
ونقل عن غير واحدٍ من المختصرين المسألة على غير هذا، إنما يضرب له الأجل من يوم المتظاهر، ومثل هذا الذي نقلوه في كتاب محمد فاعلمه.
ومن المدونة: قلت: ولم أدخل عليه مالك الإيلاء إذا علم أنه مضار وهو لم يحلف على ترك الوطء؟
قال: لأن مالكاً قال: كل يمين منعت الجماع فهي إيلاء، وهو إذا كف عن الوطء وهو يقدر على الكفارة علم أنه مضار، فيدخل عليه الإيلاء، وليس الظهار بحقيقة الإيلاء، ولكنه مثل من حلف بالطلاق ليفعلن كذا، وهو قادر على فعله، فيمنع من الوطء، لأنه في يمينه على حنثٍ فيدخل عليه الإيلاء، وقاله ربيعة وابن شهاب.
قال ابن القاسم: وإن قال: أنا أكفر، ولم يقل: أنا أطأ، فذلك له، لأن فيئته الكفارة ليس الوطء، فإذا كفر كان له أن يطأها بلا كفارة، وإن كان لا يعلم منه ضرر وكان يعمل في الكفارة فلا يدخل عليه الإيلاء.
وإذا كان من أهل الصوم فمضت أربعة أشهرٍ ولم يصم فلها إيقافه.
وروى غيره: أن وقفه لا يكون إلا بعد ضرب السلطان له الأجل، وكلٌ لمالك، والوقف بعد ضرب السلطان الأجل أحسن، فإذا أوقفه فقال: أنا أصوم شهرين عن ظهاري، أو كان ممن يقدر على عتقٍ أو إطعامٍ فقال: أخروني حتى أعتق أو أطعم، أخره الإمام مرة أو مرتين أو ثلاثاً، فإن لم يأخذ في ذلك بعد التلوم فرق بينهما، لأنه مضار كالمولي إذا وقف فقال: أنا أفئ، فاختبره الإمام مرة
الجزء: 10 - الصفحة: 779
بعد مرةٍ فلم يفء وعرف كذبه ولم يكن له عذرٌ طلق عليه، وهذا المعنى مستوعب في كتاب الإيلاء.
ومن قال لامرأته: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فهو مولٍ حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء، ولا يقربها بعد ذلك حتى يكفر كفارة الظهار، فإن لم يكفر كان سبيله كما وصفنا في المظاهر الضار.
قال ابن المواز: وليس لهذا المولي أن يحنث بالإصابة، لأن بقية وطئه يقع في امرأة ظاهر منها، وهو ممن لا تنفعه الكفارة قبل وطئه، لأنه لم يصر فيها مظاهراً حتى يطأ، وقد قيل: تعجل علي طلقة الإيلاء، إذ لا بد منها.
وقد قيل: حتى يتم أربعة أشهرٍ كالحالف ألا يطأ البتة.
قال الشيخ: فعلى مذهب ابن المواز إذا وطئ في هذه المسألة فالكفارة تلزمه وإن ماتت المرأة أو طلقها.
وقال ابن القاسم في العتبية: إذا وطئها مرة ثم ماتت أو طلقها البتة فليس عليه كفارة إلا أن يطأها ثانية، فهذا قد لزمته الكفارة، بانت منه أو ماتت.
الجزء: 10 - الصفحة: 780
قال الشيخ: وهذا هو ظاهر قوله في هذا الكتاب، والمسألة تجري على اختلافهم في الذي قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فقد روي عن ابن القاسم: أن له أن يحنث نفسه بالوطء، ويتمادى حتى ينزل؛ لأنه إنما أراد وطئاً تاماً، فبتمامه يحنث، وعلى قول مالك الذي رأى: أنه لا يمكن من الفيء بالوطء إذ باقي وطئه حرام لا يمكن أيضاً في هذه المسألة من الوطء، إذ باقي وطئه في امرأة ظاهر منها، ويكون الأمر كما قال ابن المواز وفي كتاب الإيلاء إيعاب هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 781
[الباب الخامس] فيمن ظاهر وهو معسر ثم أيسر قبل الكفارة أو بعدما أخذ فيها وكفارة العبد في الظهار وغيره
[فصل 1 - فيمن ظاهر وهو معسر ثم أيسر قبل الكفارة
أو بعدما أخذ فيها]
وكفارة الظهار مرتبة بالتنزيل فعلى المكفر فيه أن يعتق رقبة مؤمنة سليمة من العيوب الفاحشة، فإن لم يجد صام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع أطعم ستين مسكيناً.
قال ابن القاسم: وإنما ينظر إلى حاله يوم يكفر، ولا ينظر إلى حاله يوم جامع ولا يوم ظاهر، وقاله مالك.
قال: ومن تظاهر وهو معسر ثم أيسر لم يجزه الصوم.
قال ابن القاسم: وإن أعسر بعد ما أيسر أجزأه الصوم.
قال مالك: ولو أيسر بعد ما أخذ في الكفارة في صوم أو إطعام فإن كان بعد صوم اليومين أو نحوهما أحببت له أن يرجع إلى العتق ولا أوجبه عليه، وإن كان قد صام أياماً ذات عدد فما ذلك عليه وليمض على صومه، وكذلك الإطعام مثل ما وصفنا في الصيام.
الجزء: 10 - الصفحة: 782
قال ابن القاسم: وكذلك في كفارة القتل.
قال: ومن صام ثلاثة أيام في الحج ثم وجد ثمن الهدي في اليوم الثالث فليمض على صومه, وإن وجد ثمنه في أول يوم فإن شاء أهدى أو تمادى في صومه.
ابن المواز: وكذلك في كفارة اليمين بالله عز وجل.
وقال ابن عبد الحكم: صيام اليمين بالله والظهار والقتل والتمتع كله سواءً إن لم يصم إلا يومين ثم أيسر فليرجع إلى ما يجب عليه.
فصل [2 - في كفارة العبد في الظهار وغيره]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا تظاهر العبد فليس عليه إلا الصوم ولا يطعم وإن أذن له سيده, والصوم أحب إلي.
قال ابن القاسم: بل هو الواجب عليه, ولا يُطعم من قدر أن يصوم.
الجزء: 10 - الصفحة: 783
الأبهري: معنى قول مالك: عن العبد عجز عن الصيام فأذن له سيده في الإطعام, فقال: أحبَّ إلي أن يؤخر ذلك حتى يقدر على الصيام.
ابن المواز: والعبد إنما عليه أن يكفَّر بالصوم, فإن منعه سيده وكان يَضرَُ ذلك به بقي على ظهاره حتى يجد سبيلاً إلى الصيام, فإن تركه كان حينئذٍ مُضاراً يدخل عليه الإيلاء.
قال: فإن لم يضر الصوم بالسيد وأراد منعه ليفَّرق بينه وبين امرأته جُبر على أن لا يمنعه من الصيام.
ومن كتاب ابن سحنون: قال مالك: وإذا كان عبد مَخَارَج يؤدي خراجه فلا يمنعه, وإذا قوي فلا يمنعه.
وفي الموطأ قال مالم: لا يدخل على العبد الإيلاء في ظهاره, لأنه لو دخل عليه الإيلاء في تظاهر لطَلَّق عليه قبل أن يفرغ من صيامه.
ومن المدونة: قال مالك: وأما العتق فلا يجزئه في شيء من الكفارات وإن أذن له السيد, إذ الولاء لسيده.
قال مالك: وإن أذن له أن يطعم في اليمين بالله تعالى أجزأه.
وفي قلبي منه شيء, والصيام أبين عندي.
قال ابن القاسم: وإن أطعم بإذن سيده أجزأه, لأن سيده لو كفَّر عنه بالطعام, أو رجل كفَّر عن صاحبٍ له بالطعام بإذنه أجزأه.
الجزء: 10 - الصفحة: 784
[الباب السادس]
فيمن ظاهر من امرأته ثم ماتت أو طلقها
أو كفر عنها وليست له زوجة /
قال الله تعالى:} ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ ﴿[المجادلة:3] أي: مؤمنة, فإنما أوجب الكفارة بعد نية العودة, ومعنى العودة فيما قاله كثير من التابعين: إرادة الوطء وليس الوطء, لأن الله تعالى منع منه قبل الكفارة بقوله:﴾ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا {[المجادلة:4] , فإن نوى عودة الجماع كفر, ولو كفَّر قبل مراده لذلك لم يجزه وإن أراده بعد الكفارة.
قال الشيخ: وقيل: إن العودة الوطء, لأن الظهار إنما اقتضى تحريم الوطء والعودة هو الإقدام عليه دون العزم, لأن الإقدام هو مخالفة الكف والامتناع, وكذلك وجهه بعض البغداديين.
قال ابن سحنون عن أبيه: والمتظاهر إذا كفر بغير نية العودة, لكن يريد أن يطلقها ويقول: متى راجعتها حلَّت لي بغير ظهارٍ علي, قال: لا يجزئه حتى ينوي العودة, وأكثر قول أصحابنا: أن من كفَّر نية العودة لا يجزئه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن ظاهر زوجته ثم طلقها واحدةٌ أو ثلاثاً فبانت منه ثم أعتق عن ظهاره منها, أو صام, أو أطعم, ثم تزوجها بعد ذلك لم تجزه تلك الكفارة, لأنه أخرجها قبل وجوبها ومتى تزوجها رجع عليه الظهار.
الجزء: 10 - الصفحة: 785
ومن قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت علي كظهر أمي, وكفر عن ظهاره هذا, ثم تزوجها لم تجزه تلك الكفارة, لأنه كفَّر قبل نية العودة, ولا ينوي ذلك فيمن ليست في عصمته ولا يكفَّر قبل حنثه, وقد قال الله تعالى:} ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا {[المجادلة:3].
قال ابن القاسم: والعودة إرادة الوطء, والإجماع عليه, فمن كفر قبل إرادتها كان كمن كفَّر عن غير شيءٍ وجب عليه.
قال مالك: وإن وطئ المتظاهر منها قبل أن يكفَّر ناسياً أو عامداً في ليلٍ أو نهار لزمته الكفارة لِجمَاعِه ذلك ماتت بعد ذلك زوجته هذه أو مات عنها أو طلقها.
قال: وإن طلقها واحدةً أو ثلاثاً قبل أن يطأها فلا كفارة عليه إلا أن يتزوجها يوماً ما, فيعود عليه الظهار ولا يطأ حتى يكفَّر, ولو طلقها قبل أن يمسها وقد عمل في الكفارة لم يلزمه تمامها.
- قال الشيخ: يريد: وإن كان الطلاق رجعياً-.
- قال ابن نافع: وإن أتمها أجزأه إذا أراد العودة قبل الطلاق.
- قال الشيخ: يريد وإن كان الطلاق ثلاثاً.
- أبو محمد: وروى أشهب عن مالك, وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: إذا نوى العودة ثم طلق: أو ماتت فقد لزمته الكفارة.
- وروى ابن القاسم خلافه: أنه إن أجمع على إمساكها يريد الوطء ثم أخذ في الكفارة ثم طلقها أو ماتت قبل تمامها أنه لا شيء عليه إلا أن يتزوج الحية فعليه الصيام من أوله, ورواه أيضًا أشهب.
الجزء: 10 - الصفحة: 786
ولو كان طعام فقال أصبغ: بيني، وقال أشهب: يبتدئ.
وذكر ابن المواز عن مالك في المظاهر إذا طلق بعدما أخذ في الكفارة فتمادى في الكفارة حتى أتمها في العدة أجزأه ذلك إن كان طلاقه رجعياً، ارتجع بعد ذلك أو لم يرتجع، كانت الكفارة صياماً أو طعاماً، وإن كان الطلاق بائناً لم يجزه تمام الكفارة صياماً أو طعاماً، وإن كان الطلاق بائناً لم يجزه تمام الكفارة في العدة، ثم إن تزوجها يوماً ما، أو كانت الكفارة صوماً ابتدأها، وإن كانت طعاماً بنى على ما كان أطعم قبل أن تبين منه لجواز تفرقة الطعام.
قال ابن المواز: وهذا قول مالك وابن القاسم وابن وهب، وأصح ما انتهى إلينا.
الجزء: 10 - الصفحة: 787
[الباب السابع]
في الصيام في كفارة الظهار
ومن أكل في صومه، أو وطئ، أو مرض
قال الله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾، قال ابن القاسم: فمن أكل ناسياً، أو لمرض في صوم ظهار، أو قتل نفسٍ، أو مذر متتابعٍ، أو أُكرِهَ على الفطر، أو تقيَّأ، أو ظنَّ أن الشمس قد غابت فأكل، أو أكل بعد الفجر ولم يعلم، أو وطئ نهاراً غير التي تظاهر منها ناسياً، فليقض في ذلك كله يوماً ويصله بصومه، فإن لم يفعل ابتدأ الصوم من أوَّله.
قال: وله أن يطأ غير التي تظاهر منها في خلال الكفارة ليلاً في الصوم، أو نهاراً في الإطعام، كانت الموطوءة زوجته أو أمته، وإن وطئ التي تظاهر منها ليلاً، أو نهاراً، أول الصوم أو آخره، ناسياً أو عامداً ابتدأ الشهرين.
وكذلك حكم الإطعام إذ أطعم بعض المساكين، وإن لم يبق إلا مسكين واحد ثم جامع استأنف الطعام، لقوله تعالى: ﴿قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.
وكذلك من وطئ في الحج ناسياً أو عامداً فعليه أن يتمَّ حجَّه ويقضيه من قابل.
قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهراً ثم مرض، وهو لا يجد رقبةً لم يكن له أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهرٍ لم يدخل عليه الإيلاء، لأنه غير مضار، وتُنتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصوم بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام.
الجزء: 10 - الصفحة: 788
وقال أشهب: إذا مر صار من أهل الإطعام.
قال في بابٍ يعد هذا: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من مثلها الناس فلينُظر حتى يصح ثم يصوم إذا كان لا يجد رقبة، وكل مرضٍ يطول بصاحبه ولا يدري أيبرأ منه أم لا لطول ذلك المرض به، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم ويصيب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام، لأن مرضه كان إياساً.
وقال أشهب: إذا طال مرضه فإن رُجِيَ برؤه وقد احتاج إلى أهله فليُطعم.
قال مالك: ومن تظاهر من امرأته وليس له إلا خادم واحدة، أو دار لا فضل فيها، أو عرض قيمته ثمن رقبة، لم يجزه إلا العتق، ولا يجزئه الصوم، لأنه يقدر على العتق، وقد قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾، وهذا واجد.
قال: ومن تظاهر من أمته ولم يكن له غيرها لم يجزه الصوم، وأجزأه عتقها عن ظهاره، وله أن يتزوجها بعد ذلك إن رضيت به.
قال: ومن صام شهراً وأطعم ثلاثين مسكيناً عن ظهاره لم يجزه، وكذلك لو أعتق نصف رقبةٍ وأطعم ثلاثين مسكيناً أو صام شهراً لم يجزِه.
الجزء: 10 - الصفحة: 789
[الباب الثامن]
في الإطعام في كفارة الظهار
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾، فلم يستثن الوسط من الشبع كما ذكر في كفارة اليمين بالله عز وجل، فينبغي أن يكون الشبع مُدَّين إلا ثلثاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم عدل من الشبع، وهو عِيَارُ مُدِّ هِشَام، فمن أخرج به أجزأه، وقاله مالك.
وروى ابن وهب ومطرف عن مالك: مُدَّين لكل مسكينٍ بمدِّ النبي صلى الله عليه وسلم في الظهار.
وروى البغداديون: أن مُدَّ هشام مُدَّان النبي صلى الله عليه / وسلم، وقالوا: لما أبهم الله عز وجل كفارة الظهار وفدية الأذى فلم يذكر فيها وَسَطَاً، ونص الرسول عليه الصلاة والسلام على مُدَّين في فدية الأذى، كان الظهار مثله، والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 790
وروى ابن حبيب: أن مُدَّ هشام الذي جعله لفرض الزوجات مُدُّ وثلث.
وروى ابن القاسم: أنه مُدَّان إلا ثلث، وروى البغداديون: أنه مُدَّان بمُد النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمراً أو شعيراً أطعم منه في الظهار عّدلُ شِبَعِ مُدِّ هشام من الحِنطَة.
قال مالك: ويطعم من التمر أو الشعير في كفارة الإيمان إذا كان عيشهم عشرة مساكين وَسَطَاً من شِبَع الشعير والتمر، لأن إطعام الأيمان فيه شرط، ولا شرط في إطعام الظهار، فلا يكون إطعامه إلا شبعاُ، ولا أحب أن يغَذِّي ويُعَشِّي في الظهار، لأن الغذاء والعشاء لا أظنه يبلغ مُدَّاً بالهاشمي، ولا ينبغي ذلك في فدية الأذى أيضاً، ويجزي ذلك فيما سواهما من الكفارات، ويكون في الخبز إدام، فإن كان الخبز وحده وفيه عدل ما يخرج من الحب أجزأه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن غدَّى أو عشَّى خبز البُرِّ والإدام في الظهار لم ينبغ ذلك له ولا إعادة عليه، وإن أطعم عن ظهاره شعيراً وهو يأكل القمح، أو ذُرَةً وهو يأكل الشعير لم يجزه.
قال: وإن أطعم شعيراً وهو يأكل الذرة أجزأه إذا زاد مبلغ شبع القمح، وقاله أشهب.
الجزء: 10 - الصفحة: 791
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويُخرج في كفارة الأيمان وسائر الكفارات، والطعام في الجزاء، وفي الإفطار في رمضان وفي كل شيءٍ مُدَّاً لكل مسكينٍ بُمدِّ النبي عليه الصلاة والسلام خلا فدية الأذى وكفارة الظهار، فإنه يُخرج في فدية الأذى مُدين لكل مسكينٍ بمُد النبي صل الله عليه وسلم، ويُخرج في كفارة الظهار مُدَّاً بِمُدِّ هشام لكل مسكينٍ كما وصفنا.
قال سحنون: فأما كفارة قتل النفس فلا إطعام فيها.
قال ابن القاسم ومن أعطى في سائر الكفارات من الذي هو عيشهم أجزأه، ولا يجزئ في ذلك دقيق أو سويق أو عروض أودراهم فيها وفاء بقيمة الطعام.
وقال ابن حبيب: إذا أخرج الدقيق برَيعِة أجزأه.
قال الشيخ: ولا يخالفه ابن القاسم في ذلك، لأنه أعطى ما يلزمه، وتطوَّع لهم بطحنِه، كما أجزأه إذا أعطاهم خُبزاً، فكذلك يجزيه دَقِيقاً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن أعطى في الظهار ستين مُدَّاً بالهاشمي لعشرين ومئة مسكين، نصفَ مُدٍ نصف مُدٍ لم يجزه، إلا أن يزيد ستين منهم لا من غيرهم، نصف مُدٍ لكل واحدٍ فيجزيه، وإن أعطى ذلك لثلاثين مسكيناُ لكل
الجزء: 10 - الصفحة: 792
مسكين مُدَّين لم يجزه حتى يعطي لكل مسكينٍ مُدَّاً مُدَّاً.
قال الشيخ: يريد ويجزيه أن يعطي ثلاثين من غيرهم مُدَّاً مُدَّاً.
قال ابن القاسم: ولا يجزئ في فدية الأذى أن يعطي إثنى عشر مسكيناً مُدَّاً مُدَّاً، ولكن يطعم سنة مساكين مُدَّين مُدَّين بمدَّ النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك في كفارة الإفطار في رمضان لا يجزيه أن يعطي ثلاثين مسكيناً مُدَّين مُدَّين ولا عشرين ومئة، نصق مُدٍ نصف مُدٍ، ولكن يعطي سنين مسكيناً لكل مسكينٍ مدَّاً بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: وإن أطعم في كفارة الظهار حِنطةً ثم ضاق السعر حتى صار عيشهم التمر أو الشعير، أو خرج إلى بلدٍ عيشهم ذلك أجزأه أن يطعم من ذلك ثلاثين مسكينا، وكذلك هذا في جميع الكفارات.
قال الشيخ: يريد: إذا لم يتعمد الخروج إلى ذلك البلد ليخفف عن نفسه، وقاله سحنون.
قال: وإن أطعم في كفارة الظهار ثلاثين مسكيناً ثم لم يجد في بلده غيرهم لم يجز أن يعطيهم في غدٍ بقية الكفارة، ولبيعت بها إلى بلدٍ آخر.
قال مالك: ومن عليه كفارتان عن يمينين فأعطى اليوم مساكين عن أحد يمينه، ثم لم يجد في غدٍ غيرهم فلا يعجبني أن يعطيهم عن اليمين الأخرى.
قال ابن القاسم: كانت اليمين الأولى أو مخالفةً لها كيمين بالله مع ظهارٍ ونحوه.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه إن لم يجد غيرهم.
الجزء: 10 - الصفحة: 793
قال يونس بن عُبيد: إلا أن تحدث عليه اليمين بعد ذلك فليطعمهم في غدٍ إن شاء.
قال ابن القاسم: ولا يطعم في شيء من الكفارات مَنْ فيه عَلَقَة رقٍ ولا ذمياً ولا غنياً، فإن فعل أعاد.
قال الشيخ: لأن الله تعالى جعلها للمساكين فلا تكون في غيرهم.
قال مالك: ولا يجزئ أن يطعم في الكفارات كلها إلا حراً مسلماً مسكيناً.
قال: ولا يطعم في شيءٍ من الكفارات أحداً من قرابته وإن كانت نفقتهم لا تلزمه، فإن أطعم من لا تلزمه نفقتهم أجزأه إن كانوا محاويج.
قال: ويطعم الرضيع من الكفارات إذا كان قد أكل الطعام.
قال ابن القاسم: ويُعطَى ما يُعطَى الكبير، فإن كان في يمينٍ بالله أعطى مُدَّاً بُمِدِّ النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 794
[الباب التاسع]
في العتق في كفارة الظهار
[فصل 1 - فيما يجزئ من الرقاب في الكفارات]
ولما ذكر الله عز وجل في عتق النفس رقبةً مؤمنةً كان كذلك في الظهار وغيره من الكفارات.
وفي حديث السوداء ما دلَّ على ذلك، إذ قال ربُّها للنبي صلى الله عليه وسلم: عليِّ رقبةَ أفأعتها؟ ولم يذكر عمّاذا لزمته، فلم يأمره النبي صلى الله عليه وسلم يعتقها حتى سألها: «أين الله»؟ فقالت: في السماء، فقال: «من أنا»؟ فقالت: رسول الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أعتقها»، وفي غير حديث مالك: «إنها مؤمنة».
الجزء: 10 - الصفحة: 795
ولا تجزئ ذات العيب البين في رقبةٍ ولا هدي أو نسكٍ، ونهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن ذوات العوار في النسك.
وسئل عليه الصلاة والسلام: أيُّ الرقاب أفضل؟ فقال: «أغلاها ثمناً وأنفسُها عند أهلها».
قال مالك: لا يجزئ في الظهار وغيره من الكفارات إلا رقبةً مؤمنةً سليمةً من العيوب الفاحشة.
قال أصبغ: ومن اعتق منفوساً عن ظهاره ثم كَبُر فكان أخرس، أو مُقَعداً أو أصمَّاً أو مُطبِقاً جنوناً فلا شيء عليه، وقد أجزأه، وهذا شيء يحدث، وكذلك في البيع لا يُرد بذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 796
[فصل 2 - فيمن أعتق بعض عبد عن ظهاره]
ومن المدونة: ومن أعتق عن ظهاره نصف عبدٍ لا يملك غيره ثم أيسر بعد ذلك فابتاع باقيه فأعتقه عن ظهاره لم يجزه لتبعيض العتق، وهو حين ملك بقيته لا يعتق عليه وكان له ملكه.
وكذلك قال ماكل فيمن أعتق شقصاً له من عبدٍ وهو معدم، ثم أيسر فاشتر نصيب صاحبه، أو ورثه، أو تُصُدَّق به عليه، أو وُهِب له، أو أوصَِ له به فَقبِله، أنه لا يعتق عليه، ولو أعتق نصفه عن ظهاره وهو موسر فقُوم عليه بقيته ونو به الظهار لم يجزه، لأن الحكم يوجب عليه عتق بقيته.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن أعتق حميع عبدٍ بينه وبين شريكه وهو موسر أجزاه عن ظهاره، أو كفارة يمينه، وقد قال مالك فيمن أعتق جميع عبد بينه وبين شريكه: إن ذلك يلزمه، وليس لشريكه أن يعتق نصيبه إذا كان الذي أعتق جميع ميتاً.
قال الشيخ: وهذا على الرواي المذكورة في كتاب الرجم، وقد قال فيها أشهب وسحنون: إن لشريكه أن يعتق نصيبه، وهذا هو الصواب، فعل هذا القول ينبغي ألا يجزي عتقه في الظهار، لأن شريكه مُقدَّم عليه في الرد والإجازة، وقاله سحنون وأصبغ.
ومن العتبية: قال عيس عن ابن القاسم فيمن أعتق نصف عبده عن ظهاره ثم أعتق باقيه عن ذلك الظهار: إنه يجزيه، فإن لم يعتق باقيه ورفعه إل السلطان: قال: يأمره بذلك، فإن أعتقه عن ظهاره أجزأه ذلك وإلا أعتقه عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 797
ابن حبيب: وقال ابن الماجشون وأصبغ: لا يجزئه أن يعتق باقيه عن ذلك الظهار، وليعتق عليه بالسنة.
وعاب أصبغ قول ابن القاسم، وكذلك قال سحنون في كتاب ابنه.
قال الشيخ: وهو الجاري عل أصله في المدونة: أن ذلك لا يجزئه.
[فصل 3 - في ذكر ما لا يجزئ إعتاقه في الكفارة]
ومن المدونة: ولا يجزئه أن يعتق عن ظهاره أو غيره من الكفارات رقبةً يشتريها بشرط العتق، وقاله ابن عمر ومَعفل بن يَسار صاحب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهما من أهل العلم.
قال الشيخ: ولأنها ليست برقبةٍ لما وُضِع له من ثمنها بشرط العتق فيها.
قال مالك: ولا يجزئه أن يعتق مدبَّراً ولا مكاتباً، وإن لم يؤد من كتابته شيئاً ولا معتقاً إلى أجلٍ، ولا أم ولدٍ، أو عبدٍ قال: إن اشتريته فهو حر، فاشتراه فأعتقه عن ظهاره فلا يجزئه ذلك، ولا تجزئه إلا رقب يملكها قبل أن تعتق عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 798
ابن المواز عن ابن القاسم: ولو قال: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، فاشتراه فهو يجزيه عن ظهاره.
قال الشيخ: وذكر أن أبا عمران غَمَزَ المسألة فقال: لا يجزئه إذا كان قد ظاهر قبل قوله: إن اشتريت فلاناً فهو حر عن ظهاري، من أجل أنه لا يستقر ملكه عليه، ويعتق بنفس الشراء، قال: وأما لو لم يكن ظاهر لأجزأه ذلك، وكأنه قال: إن اشترينك فأنت حر عن ظهاري إن وقع مني شيء ونويت العودة، فإن لم ينو العودة فلا يعتق عليه.
قيل له: والذي في كتاب ابن المواز قد حصل منه الظهار، وكأنه أراد العودة حين قال: إن اشتريتك فأنت حر عن ظهاري
فقال ابن القاسم: لا يراعي نية العودة، وقد ظهر ذلك منه في مسائل كثيرة، وإنما يلزمه نية العودة عند عبد الملك وسحنون.
قال الشيخ: والمسألتان سواء، ونية العودة في مسألة محمدٍ أمكن لحصول الظهار فيها، وكل مُكفرٍ عن ظهاره فإنما يريد حل الظهار الذي منعه الوطء ليطأ، فهذه نية العودة، فلا فرق بين قوله لعيد: إن ملكتك ثم ظاهرت فأنت حر عن ذلك الظهار، وبين قوله: فأنت حر، عن ظهار لزمه، لأن كليهما عقد فيهما الحرية لظهارٍ كان أو إن كان، وهو في الذي كان أبين، لتمكن نية العودة في ظهارٍ قد حصل، والله أعلم.
قال مالك: وإن أعتق ما في بطن أمته عن ظهاره لم يجزه، ويعتق إذا وضعته وإن أعتق عبده عن ظهاره على مالٍ يكون عليه ديناً لم يجزه، وإن كان المال في يد العبد فاستثناه السيد جاز عتقه عن ذلك الظهار، إذ له انتزاعه، كقول مالك فيمن أوصى بعتق رقبةٍ فوجد الوصي عبداً يباع، وأب ربه / بيعه حتى يتعجل من العبد مالاً، فذلك جائز وهو يجزئ عن الميت.
الجزء: 10 - الصفحة: 799
قال: ومن أعتق عبده عن رجلٍ عن ظهارٍ عليه، عل جُعل له فولاؤه للمعتق عنه، وعليه الجُعلُ كاملاً، ولا يجزئه عن ظهاره، كمن اشتر رقبةً بشرط العتق فأعتقها عن ظهاره، فلا يجزئه عن
ظهاره، وهو حر، والولاء له.
وسئل أبو عمران عن الرجل يعتق عن رجلٍ عن ظهارٍ لزمه؟
فقال: يجزئه.
قيل له: لم أجزأه وهو لم يرد العودة؟
فقال: ابن القاسم لا يراعي فيه العودة.
قيل له: أرأيت لو لم يرض بالعتق؟
فقال: لا يجزئه عن الظهار.
فقيل له: فإن الولاء له فكيف لا يجزئه؟
فقال: كما يعتق المكاتب والمدبر، فيكون له الولاء ولا يجزئه عن ظهاره.
وسئل عن الذي ظاهر من أمته وليس له غيرها فأعتقها عن ظهاره، وكيف أجزأه ذلك وهو إذا أعتقها حُرم عليه فرجها؟
فقال: نية العودة إلى الوطء توجب عليه الكفارة، فإذا أعتقها زال عنه الظهار، وحرُم عليه فرجها إلا بتزويج.
قيل له: فإن بعض الناس يضعف هذه المسألة؟
فقال: إنما يضعفها من لا يعرف ما للسلف في ذلك، والقاسم بن محمدٍ وسالم وغيرهما يقولون: إن الظهار في الإماء، ويعتقن عن ظهارهن، وقال غير
الجزء: 10 - الصفحة: 800
واحد من القرويين: إنما تصح المسألة إذا كان قد وطئ، أو على القول الذي يسري أن بإرادته العودة لزمته وإن الكفارة وإن ماتت أو طلقها.
قال الشيخ: والكفارات إنما وضعت تحل الأيمان، فإذا كفَّر لِحِلَّ يمينه فقد انحل، فلا تراعي حرمت عليه بهذه الكفارة أم لا، ومتى ما حل له وطوَّها ولم يكن عليه فيها يمين تمنعه الجماع، والله أعلم.
قال الشيخ: وفرق بعض أصحابنا بين من أعتق عن رجل لظاهر لزمه أو غيره، وبين من أدي عن رجل زكاة لزمته.
فقال: تجزئ في الكفارة لا تجزئ في الزكاة، قال: لأن الزكاة ليست في ذمته، والعتق لزم ذمته كالدين، فلو عكس ذلك لكان أولى، وذلك أن الكفارة قبل الحنث غير لازمة، والزكاة إذا حلت فقد وجبت، فإذا كان يجزئه العتق عنه في الكفارة التي لم يحنث فيها إذا كان بأمره، ففي الزكاة التي لزمته إذا أداها عنه بأمره أحرى أن تجزئه، لأنها كدين عليه وهذا بين.
فإن قال: أردت في كفارة لزمته بالحنث؟
قيل: ذلك كزكاة حلَّت ووجبت، وأما قبل الحنث وقبل حلول الزكاة فالحكم معكوس يجزئ في الظهار لجواز أدائها قبل الحنث، ولا يجزئ في الزكاة، لأنها لا تؤدي قبل حلولها.
فصل [4_ فيما يمنع الإجزاء من العيوب]
ولا يجزئ أقطع اليد الواحدة أو أصبع أو أصبعين أو الإبهام أو الإبهامين أو الأذنين أو أشلََّّ أو أجذم أو أبرص أو أصم أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس ولا أعمى ولا مفلوج يابس الشق.
الجزء: 10 - الصفحة: 801
وأجازه غيره مقطوع الأصبع الواحدة، أو من به برص خفيف ولم يكن بمرض.
قال ابن القاسم: ولا يعجبني عتق الخصي في شيء من الكفارات.
ابن المواز: واختلف في ذلك، فقيل: يجوز، وقيل: لا يجوز.
[فصل 5 - في عتق الأعور في الظهار]
ومن المدونة: وأجاز مالك عتق الأعور في الظهار، وقاله النخعي والحسن.
ابن المواز: وقال عبد الملك: لا يجزئ عتق الأعور في الظهار.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: هو أم العين الواحدة تقوم مقام الأثنين، ويري بها ما يرى بالأثنين، ولذلك ديتها كدية العينين جميعا ألف / دينار، فهو (170/أ) كالصحيح.
ووجه قول عبد الملك: فلأنه فقد ما يجب فيه شطر الدية كأقطع اليد.
[فصل 6 - في عتق الأعرج، ومن به عيب خفيف والصغير، والأعجمي]
ومن المدونة: قال مالك: ويجزئ عتق الأعرج في الكفارات إذا كان عرجاً خفيفاً.
الجزء: 10 - الصفحة: 802
قال ابن القاسم: وإن كان به عيب خفيف كجدع في أذن، أو قطع أنمله، أو قطع طرف أصبع فأرجو أن يجزئ في كل الكفارات، وما كان من عيب فاحش أو ينقصه فيما يحتاج إليه من عنائه أو جزائه لم يجيزه.
وقال مالك: ويجوز عتق الصغير في كفارة الظهار إذا كان من قصر النفقة، وعتق من صلى وصام أحب إلي.
قال ابن القاسم: يريد من عقل الصلاة والصيام.
قال مالك: ومن اشتري أعجمياً فأعتقه عن ظهاره، فإن كان من ضيق النفقة فأرجو أن يجزئه، وعتق من صلي وصام أحب إلي.
وفي نقل أبي محمد عن ابن المواز: قال ابن القاسم: ويجزئ الأعجمي عند مالك وغيره، وهو أحب إلي، وذلك الأمر عنده، لأنهم على دين من اشتراهم.
قال ابن القاسم: وهو رأيي.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يجزئ حتى يجيب إلى الإسلام وهو أحب إلي.
الجزء: 10 - الصفحة: 803
قال الشيخ: قال بعض أصحابنا: وينبغي على قول ابن القاسم أن يوقف عن امرأته حتى يسلم، وإن مات قبل أن يسلم لم يجزه.
وقلت أنا: بل له وطء زوجته حيث أعتقه، ولو مات قبل أن يسلم لأجزأه، لأنه علي هذا القول على دين من اشتراه، ولما كان يجبر على الإسلام ولا يأباه في غالب أمره حمل الأمر علي الغالب فيه فكأنه مسلم بعد، كالصغير الذي هو على دين أبيه بل إن قول أشهب أحسن.
[فصل 7 - في عتق الرضيع وولد الزنا]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأجازه عتق الرضيع في الكفارات عدد من التابعين، وأجاز أبو هريرة وغيره عتق ولد الزنا في الكفارات.
ابن المواز: وقيل: لا يجزئ.
[فصل 8 - فيمن أعتق عبده عن ظهار غيره]
قال ابن القاسم في المدونة: ومن أعتق عبده عن رجلٍ عن ظهاره أو عن شيء من الكفارات بأمره أجزأه، والولاء للمعتق عنه، وإن كان بغير أمره قبل أن يطأ أو يريد العودة لم يجزه، وإن كان بعد وطء أو إرادة العودة فبلغه ذلك فرضي أجزأه، لأن مالكا قال فيمن اعتق عبده عن ميت لظهار لزمه أو ودي عنه كفارة لزمته: أن ذلك يجزئه، فكذلك الحي إذا بلغه فرضي به.
الجزء: 10 - الصفحة: 804
سحنون: وقد قال ابن القاسم وغيره: لا يجزئه إلا بأمره، لأنه عتقُ لا يُرد، رضي هذا أوكَرِه، وإذا قال: قد أجزت، فإنما أجاز شيئًا قد فات فيه العتق، وهو أحسن إن شاء الله.
الجزء: 10 - الصفحة: 805
[الباب العاشر]
فيمن صام عن ظهاره في رمضان أو ذي الحجة أو سافر في صومه فمرض.
[فصل 1 - فيمن صام عن ظهاره في رمضان أو ذي الحجة]
قال ابن القاسم: ومن صام شعبان ورمضان ينوي بهما الظهار ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر لم يجزه رمضان لفرضه ولا لظهاره.
وقال ابن حبيب: إذا صام شعبان لظهاره ورمضان لفرضه ثم أكمل ظهاره بصيام شوالٍ أن ذلك يجزئه، فيحتمل أن يكون ذلك موافقا لقول مالك فيمن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه جاهلا فعسي أن يجزئه.
وقال بعض شيوخنا: أن ذلك / لا يجزئه، لأنه تفريق كثير والأول أولى، (170/ب) لأن الجهالة غرر كالمرض في غير وجه.
قال مالك: ومن صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفس خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة وظن ذلك يجزئه، فعسي أن يجزئه.
قال أبو محمد: يريد ويقضي أيام النحر التي أفطر ويصلها.
قال مالك: وما هذا بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ.
الجزء: 10 - الصفحة: 806
وقال سحنون: لا يجزئه.
ونقل أبو محمد في النوادر عن مالك: أنه إن افطر يوم النحر وصام أيام التشريق رجوت أن يجزئه.
وهذا اصح من قوله: أفطر أيام النحر.
قال ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام.
إنما هو علي الكراهة، لأن مالكا قال فيمن صام شهري التتابع وهو يعلم أنه يمر بيوم النحر ووصل ما بعده أجزأه، فدل أنها تصام كما يصومها المتمتع.
وقال أبو القاسم بن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق فيقضها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء، لأنه صوم غير متوال، والأول.
وإن كانت أياما لا تصام فهو لم يأكل فيها ونوى صيامها وإن كانت لا تجزئه.
قال الشيخ: فصار في ذلك ثلاثة أقوال، قول تجزئه البناء وإن أفطر أيام النحر كلها إذا جهل ذلك.
وقول لا يجزئه إلا أن يفطر يوم النحر خاصة ويصوم أيام التشريق.
وقول لا يجزئه إلا إن يصومها كلها، ويقضيها ويبني، وهو أضعفها.
[فصل 2 - فيمن سافر في صوم الكفارة فمرض]
قال مالك: ومن سافر في شهري ظهاره فمرض فأفطر فيهما فأخاف أن يكون السفر هيج عليه مرضه حراً أو برداً أصابه، ولو أيقنت أن ذلك لغير حرٍ أو بردٍ أهاجه السفر لأجزأه البناء، ولكني أخاف.
الجزء: 10 - الصفحة: 807
وقال سحنون: يجزئه.
قال مالك: ومن صام لظهاره ثم مرض فأفطر فليبين إذا صح، فإن أفطر يوما متعمدا بعد قوته على الصوم ابتدأ.
قال: وإن حاضت امرأة في صوم عليها متتابع ولم تصل قضاء أيام حيضتها فلتبتده.
قلت: فقول الله تعالى:} فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً {[المجادلة:4]، ومن هذا الذي لا يستطيع؟
فقال: هو الصحيح الذي لا يقوى علي الصوم من كِبَر أو ضعف، ومن الناس من هو صحيح لا يقوى علي الصوم.
ومسألة من تظاهر وهو مريض قد قدمت في باب الصوم في الظهار فأغني عن إعادتها.
الجزء: 10 - الصفحة: 808
[الباب الحادي عشر]
في كفارة من ظاهر من جماعة نساء أو يمين بالله، أو إيلاء
قال مالك: ومن ظاهر من أربع نسوة له في غير مرة واحدة لزمه في كل واحدة منهن كفارة.
قال ابن القاسم: فأنه أعتق عنهن أربع رقاب في مرة واحدة أجزأه وإن لم يعين التي أعتق عن كل واحدة، لأنه لم يشرك بينهن في العتق، وليس لهن من ولائهم شيء.
وكذلك إن أعتق ثلاث رقاب عن ثلاث منهن غير معينات وحاشى واحدة من نسائه لم ينوها بعينها أجزأه ذلك، إلا أنه لا يطأ واحدة من الأربع حتي يعتق رقبة رابعة.
ولو ماتت منهن واحدةً أو طلقها كان كذلك أيضًا لا يطأ واحدة نمهن حتى يعتق رقبة رابعة.
قال الشيخ: يريد فإن وطئ فقد أساء, ولم يكن له أن يطأ واحدة منهن حتى يكفر، وقد تخلدت هذه الكفارة في ذمته لا يزيلها موتهن أو طلاقهن، بخلاف لو لم يطأ.
/ ... (171 / أ)
الجزء: 10 - الصفحة: 809
ومن كتاب ابن المواز: قال أشهب: إن أعتق عن الأربع أربعة أرؤس أجزأه وإن لم يعين عن كل واحدة رأساً، ولو أعتق اليوم رأسين، وفي غد رأسين ولم يسم في ذلك واحدة بعينها لم يجزه، وإن أعتق ثلاثة أرؤس وأطعم ستين مسكينًا في مجلسٍ واحدٍ لم يجزه.
قال ابن المواز: لم يعجبنا قوله.
قال الشيخ: وهذا خلاف قول ابن القاسم المتقدم.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أعتق ثلاث رقابٍ عن الأربع استأنف عتق أربع رقاب، لأنه أشركهن في كل رقبة، ولا يجزئه هاهنا عتق رقبةٍ رابعةٍ، ماتت إحداهن، أو طلقها، أو لم يطلقها، وكذلك الجواب في تظاهره في امرأتين وعتقه عنهما.
قال: ولو صام ثمانية أشهر متتابعات عن الأربع نسوة ينوي لكل واحدةٍ منهن لم يعينها كفارةً أجزأه، وكذلك الإطعام.
فإن أشركهن في كل يوم في الصيام أو في كل مسكين في الإطعام لم يجزه، إلا أن ينوي به مدًا لكل مسكين في كفارته، وإن لم ينوِ امرأة بعينها ولا كفارة كاملةً فيجزئه ذلك، لأن الإطعام يجزئه أن يفرق فيطعم اليوم عن هذه أمدادًا، وفي غد عن الأخرى أمدادًا، ثم يتم بعد ذلك كفارة كل واحد فتجزئة وإن كان متفرقًا بخلاف الصوم، لأن فيه شرط التتابع.
وإن ماتت واحدةً وقد أطعم عن جميعهن مئة وعشرين مسكينًا ولم ينو مالكل واحدةٍ من ذلك, ولا أشركهن في كل مسكين سقط حظ الميتة من ذلك وذلك ثلاثون مُدَّاً، وُجِبر علي ما بقي بعد ذلك تمام ثلاث كفارات.
الجزء: 10 - الصفحة: 810
ولو تظاهر منهن في كلمةٍ ثم وطئ واحدةً منهن لزمته كفارةً واحدةً، فإن صام شهرين ونوى بصومه التي وطئ، وأدخل الباقيات في نيته، أو نسبهن فذلك يجزئه عنهن.
ولو جامع ليلاً في صوم غير التي نوى الصوم عنها ابتدأ، لأن صومه كان يجزئ عن جميعهن، كمن حلف بالله في أشياء سماها ألاَّ يفعلها فحنث يفعل أحدها فكفارةً تجزئ عن جميعها، وإن نوى بالكفارة الشيء الذي حنث به ناسيًا لباقيها، أو ذاكرًا فلا شيء عليه فيما بقي مما كان حلف عليه ألا يفعله لو فعله، وكذلك لو كفَّر قبل حنثه في اليمين بالله تعالى ونوى بكفارته أحد هذه الأشياء التي حلف لا فعلها ولم يدخل باقيها في كفارته أجزأه ذلك عن جميعها، ثم لا يلزمه شيء من فعل باقيها، وقد استحب مالك الكفارة في اليمين بالله تعالى بعد الحنث.
قال: وعن كفَّر قبل الحنث رجوت أن يجزئ عنه.
وقد سئل مالك عمن حلف بعتق رقبة ألا يطأ امرأته، فأخبر أن الإيلاء عليه فأعتق إرادة إسقاط الإيلاء؟
قال مالك: أحب إلي أن يعتق بعد الحنث، فإن أعتق قبله أجزأه، ولا إيلاء عليه.
قال ابن المواز: وقال أيضا مالك: لا يلزمه ذلك إلا في رقة معينة.
[تمَّ كتاب الظهار بمحمد الله وحسن عونه
وصلى الله على نبينا محمد وعلي آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا]
الجزء: 10 - الصفحة: 811
[الكتاب العاشر]
كتاب التخيير والتمليك
[الباب الأول]
باب جامع في تخيير الزوجة وجوابها
[فصل 1 - في معني التخيير وأدلته وما يلزم به] وقد خيَّر الرسول عليه الصلاة والسلام نساءه كما أمر الله سبحانه، وقالت عائشة رضي الله عنها: فبدأ بي رسول الله صلي الله عليه وسلم وتلا هذه الآية: } يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا {[الأحزاب:28 - 29]، فقلت له: إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة، قالت عائشة رضي الله عنها: ثم فعل أزواج النبي صلى الله عليه وسلم مثل
الجزء: 10 - الصفحة: 812
ما فعلت، فلم يكن ذلك طلاقاً.
وقال عمر بن الخطاب وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس وابن مسعود رضي الله عنهم.
قال زيد بن ثابت وربيعة: واختارت ابنة الضحاك العامري نفسها، فكان ذلك البتات.
فكان ما دل عليه الكتاب وبينته السنة في الخيار أن تبين الزوجة أو تقيم، ولا تبين المدخول بها بدون الثلاث إلا في طلقة بائنة يوجبها حكم، أو خلع، والله أعلم.
ومن الأحكام لإسماعيل اختصار [بكر] القاضي قال: وقد ظن قوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء أن يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخير في الطلاق يكون ثلاثا، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة، فإن اخترن الآخرة كن علي ما كن عليه ولهن ما اخترن، وإن اخترن الدنيا طلقهن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله تعالى، ألا تري إلي قوله تعالى:
الجزء: 10 - الصفحة: 813
﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً﴾ [الأحزاب:28].
قال الشيخ:
وهذا من قوله يدل علي خلاف اختيار ابنة الضحاك نفسها لأنه كان يكون اختارت ما جعل لها، فلا يلزم ما أختارته.
وقال بعض البغداديين: إنما يكره التخيير كما يكره التطليق ثلاثا، فإنه فعل لزمه كما يلزمه تطليقه ثلاثا.
وحكي لنا عن أبي عمران أنه قال: لا يكره للرجل أن يخير زوجته كما يكره له التطليق ثلاثا، وإنما يكره ذلك للمرأة أن تطلق نفسها ثلاثا.
فقيل: إنما يكره ذلك للمرأة أن تطلق نفسها ثلاثاً.
فقيل: إنما صار ذلك إليها بسببه؟
فقال: أليس الذي يقصد إلى البدعة كالذي لا يقصد إليها؟
فقيل له: ما ذكر أبو محمد عن بعض البغداديين أنه التخيير كما يكره التطليق ثلاثا؟
فقال: هذا شيء ذكره بكر القاضي وما في الحديث يرده، لان النبي صلي الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها:" لا تعجلي حتى تستأمري أبويك "، أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فلو علم أنها تختاره لم يقل لها:
الجزء: 10 - الصفحة: 814
"لا تعجلي".
وقد ذكر في بعض الحديث أن امرأة بدوية اختارت نفسها، فلا يكره ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم واستعمله السلف بعده.
قال مالك رحمه الله: ومن قال لامرأته بعد البناء: اختاري نفسك، فقالت: اخترت نفسي، فهل ثلاث، ولا مناكرة للزوج، وإن قال لها: اختاري، فقالت قبلت أمري، سئلت ما الذي قبلت، فإن قالت: ما جعل لي من الخيار ولم أطلق، قيل لها: فطلقي إن أردت، أو فردى، فإن طلقت ثلاثا لزمته ولا مناكرة له، وإن طلقت دون البتات لم يلزمه شيء، وإنما لها الخيار أن تطلق ثلاثا، أو ترد ذلك، وإن قالت: أردت بذلك الطلاق، سئلت أي الطلاق أرادت، فإن كان دون البتات بطل، ولم يلزم الزوج بشيء، وإن كان البتات لزم ولا مناكرة للزوج.
قال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: إذا طلقت واحدة فليس بشئ، إلا عبد الملك فقال: تكون ألبتة.
قال الشيخ: فوجه قول مالك: أنها اختارت ما لم يجعل لها، فلم تكن بذلك مختارة ما جعل لها، أصله لو اختارت شيئا آخر مخالفا لما هما فيه، فلا خلاف أن ذلك قطع لخيارها.
الجزء: 10 - الصفحة: 815
ووجه قول عبد الملك: أن اختيار البعض فيما لا يتبعض اختيار له بكماله،/ (172/أ) كمن طلق بعض طلقة أنه تلزمه طلقة كاملة، إذا لا يتبعض الطلاق.
قال ابن المواز: وإذا اختارت واحدة فتبين من الزوج الرضى بها فتلزمه، وله الرجعة ليس من قبل الخيار، لأن لا خيار طلاق لا رجعة فيه.
قال الشيخ: يريد: ولكن لرضاه بما طلقت به نفسها، فهو كما لو طلقها ذلك.
ومن المدونة: قال مالك: وإنما ينظر في الخيار والتمليك إلي ما قال الزوج، فإنه قال: اختاري، فهذا خيار، وإن قال: أمرك بيدك، فهذا تمليك، ولتسأل المرأة في الخيار والتمليك كما وصفنا، وليس للزوج مناكرة المدخول بها في الخيار وله مناكرتها في التمليك إذا قضت باكثر من الواحدة إن ادعي نية في ذلك، فالفرق بينهما أن الخيار إنما جعل لها فيه أن تقيم عنده، أو تبين منه، والواحدة لا تبينها، فلما كانت الواحدة لا تبينها علمنا أنه إنما جعل ذلك إليها في الثلاث.
- وقد جرت فيه السنة التي قدمناها -
وأما التمليك فلم يجعل لها الخيار في أن تبين منه أو تقيم عنده، وإنما جعل لها أن تطلق واحدة، أو اثنتين، او ثلاثا، إلا أن يناكرها فيعلم أنه لم يجعل لها إلا ما قال مع يمينه، ويكون أملك بها، وإن قضت المملكة بواحدة، فقال الزوج كذلك أردت، كان مالك بها.
أبو محمد: وقال ابن أبي سلمة: التخيير والتمليك سواء، وله فيه المناكرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 816
ومن المدونة: قلت: فإن لها: اختياري في أن تطلقي نفسك تطليقة واحدة وفي أن تقيمي، فقالت: أخترت نفسي؟
فقال: سئل مالك عنها فقال لزوجها: احلف بالله ما أردت بقولك اختاري في واحدة، إلا واحدة وتكون أملك بها.
قيل لابن القاسم: فكيف كانت المسالة التي سألوا مالكا عنها؟ قال: سألوا مالكا عن رجل قال لامرأته: اختاري في واحدة، فأخبرهم بما أخبرتك.
قال ابن المواز: وإنما استحلفه مالك فيما نري خوفاً أن يكون إنما قال لها: اختاري في واحدة، أي مرة واحدة، فتكون ألبتة، فأما إن بين لها فقال لها: اختاري في أن تطلقي من الطلاق واحدة، فلا يمين عليه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: اختاري في تطليقة، فقالت قد اخترتها، أو اخترت نفسي، لم تلزمه إلا واحدة، وله الرجعة، ولا يكون لها أن تختار أكثر من واحدة.
قال الشيخ: وإنما لزمته واحدة إذا قالت: اخترت نفسي، لأنها قد اختارت ما جعل لها وزادت عليه، فلزمه ما جعل لها وزادت عليه، فلزمه ما جعل لها وسقط عنه الزائد.
ابن حبيب: وقال مطرف عن مالك فيمن ملك امرأته في واحدة فقضت بالبتة، فلا شيء لها، لأن ألبتة لا تتبعض، ولو قالت بالثلاث لزمته واحدة، وساوى بينهما المغيرة، فقال في ألبتة كما قال مالك: أنها تلزمه واحدة.
وقال أصبغ: إن ملكها ثلاثا، أو قال: البتة، فقضت بواحدة، او ملكها واحدة فقضت بالبتة، أو بالثلاث، فذلك كله باطل، لأنه غير ما أعطاها.
الجزء: 10 - الصفحة: 817
قال الشيخ: وقد وجه مطرف قوله، ووجه قول المغيرة: إن ألبتة كناية عن الثلاث، ألا تري أنه أوقعها عليها لم يتزوجها إلا بعد زوج كالثلاث، فله في هذا حكم الثلاث.
ووجه قول أصبغ فيما إذا جعل لها واحدة فقضت بالثلاث: إنه لا يلزمه شي لأنه غير ما جعل لها، أصله إذا جعل لها الثلاث فقضت بواحدة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن ملكها فقضت بواحدة أنه يملك رجعتها إلا أن يكون مع ذلك فداء فيكون بائنا.
قال/ مالك: وإن قال لها: اختاري، فقالت: قد اخترت طلقة، أو طلقتين، فلا شيء لها إلا أن تختار ثلاثا.
قال ابن القاسم: وكذلك إن قال لها: اختاري تطليقتين، فاختارت واحدة لم يقع عليا شيء، وكذلك إن قال لها: طلقي نفسك ثلاثًا، فقالت: قد طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء من الطلاق/ وإن خيرها بعد البناء فقالت: خليت سبيلك، ونوت واحدة لم يقع عليها شيء من الطلاق، وإن لم تكن لها نية فهي البتات.
فصل [2 - فيمن قال لزوجته: اختاري اليوم كله]
قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: اختاري اليوم كله، فمضي اليوم ولم تختر فلا خيار لها.
قال أبو محمد وغيره: يريد في قولي مالك جميعا, بخلاف افتراقهما من المجلس، لأن المجلس أخذ فيه بالاجتهاد، فأحتمل فيه التأويل، واليوم بالتوقيف فأرتفع التأويل منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 818
قال: وهكذا كان علماؤنا يقولون في هذه المسألة.
قال الشيخ: وهو الصواب وإن كان خلاف ظاهر الكتاب، ونص ما في الكتاب: قلت: أرأيت إن قال لها: اختاري اليوم كله، فلم تختر حتى مضي اليوم كله؟
قال: أرى أن ليس لها أن تختار إذا مضى ذلك اليوم كله، لأن مالكا قال: إن خيرها فلم تختر حتى تفرقا من مجلسهما فلا خيار لها، فكذلك مسألتك إذا مضى الوقت الذي جعل لها الخيار إليه.
وأما قول لآخر: فإن لها الخيار وإن مضى ذلك الوقت لأن مالكا قال في الرجل يخير امرأته فيفترقا قبل أن يقضي حتى يوقف: أو حتى يجامعها، وقوله الأول أعجب إلي وبه آخذ، وعليه جماعة الناس.
فظاهر الكتاب يبين أن اختلاف قول مالك يدخل في الوجهين.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وكذلك إن خيرها ولم يوقت يوما، ثم افترقا من المجلس قبل أن تختار فلا خيار لها في قول مالك الأول، وبه أقوال، وعليه جماعة الناس وروي مثله عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.
الجزء: 10 - الصفحة: 819
وقول مالك الآخر: إن لها أن تختار وإن مضى الوقت وتفرقا ما لم توقف أو توطأ.
قال الشيخ: فوجه قول الأول: أن ذلك إيجاب يقتضي قبولا، فإذا لم يحصل الجواب الحال بطل لفظ الإيجاب كالإيجاب في البيع والنكاح.
ووجه قول الثاني: قياسًا بعتق الأمة تحت العبد، لأنه معنى نقل طلاقه بيدها كما نقله العتق.
[فصل 3 - فيمن جعل التخيير إلي وقتٍ أو أمرٍ مستقبل]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال لها: إذا جاء غد فقد خبرتك، وقفت الآن، فتقضي أو ترد، وإن وطئها قبل غد فلا شيء بيدها.
وإن قال لأجنبية: يوم أتزوجك فاختار، فتزوجها فلها الخيار، وإن قال لها: كلما تزوجتك فلك الخيار، أو فأنت طالق: فالخيار لها، والطلاق واقع عليها كلما تزوجها، وإن نكحها بعد ثلاث تطليقات لقوله: كلنا، وإن قال لامرأته: إذا قدم فلان فاختاري، فذلك لها إذا قدم فلان، ولا يحال بينه وبين وطئها، وإن وطئها الزوج بعد قدوم فلان ولم تعلم المرأة بقدومه إلا بعد زمن، فلها أن تختار حيت تعل، وإن خيرها ثم خاف أن تختار نفسها فأعطاها ألف درهم علي أن تختار لزمته الألف إن اختارته وكذلك إن شرط في عقد نكاحها أنه إن تسرر عليها فأمره بيدها، ففعل، فأرادت أن تطلق نفسها، فقال لها: لا تفعلي ولك ألف درهم، فرضيت بذلك، لزمته الألف درهم، وإن خيرها فقالت: اخترت
الجزء: 10 - الصفحة: 820
نفسي إن دخلت علي ضرتي، فلها أن توقف فتختار، أو تترك.
وقال سحنون في المجموعة: ليس لها قضاء، لأنها أجابت بغير ما جعل لها.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران فيمن قال لزوجته: اختاري نفسك، فقالت: اخترت نفسي وزوجي، قال: هذا أمر محتمل ومشكل، والنص في إذا قالت: اخترت نفس وزوجي، أن طلقها وقع عليها.
قال الشيخ: الحكم في هذا: لأول قولها، والثاني يعد ندما منها، فإذا قدمت اختيار زوجها فقد أسقطت ما جعل لها في نفسها.
وف العتبية: قال يحيى عن ابن القاسم فيمن قال لامرأته: قد خيرتك، فقالت: قد طلقت نفسي بواحدة بائنة قال: ليس بشي، ولو كان تمليكا كان له أن يناكرها، وتكون واحدة غير بائنة، وله الرجعة، وإن لم يناكرها فهي ألبتة.
قال الشيخ: وينبغي علي هذا أن يكون في الخيار ألبتة أيضا، ويكون كمن خبرها فقضيت بالبتة، ويكون كمن قال لزوجته: أنت طالق واحدة بائنة، أنها طالق ثلاثا.
الجزء: 10 - الصفحة: 821
فصل [4 - في مناكرة الزوج لزوجته فيما قضيت بالتخيير] ومن المدونة: وإن خيرها قبل البناء فقالت: اخترت نفس، أو طلقت نفسي ثلاثا، قالت له: قد خليت سبيلك، تريد الثلاث، فله أن يناكرها، فإذا قال: لم أرد بذلك إلا واحدة، صدق.
- قال الشيخ: يريد مع يمينه -
لأن الواحدة تبينها، والخيار والتمليك في هذا سواء، وإن لم تكون له نية حيت خيرها فهي الثلاث ولا يناكرها، وقاله ابن عمرو غيره.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإن اختارت واحدة فقال هو: لم أخيرك إلا في الثلاث، فله ذلك، ولا شيء لها، وكذلك لو لم تكن له نية.
قال سحنون: فإن قال: خليت سبيلك ونوت واحدة، أو اثنتين سئل الزوج، فإن نوى مثل ذلك فالقضاء فيه مثل ما قضت، وإن قال: نويت ثلاثا، فلا شيء لها، وكذلك إن قال: لم انو شيئا، ولا يمين عليه/ لأن مخرج "اختاري" الثلاث.
ومن كتاب ابن المواز: قال مالك: وإذا أجابت المملكة بالظاهر لم يلزمه (شيء) لاظهار ولا غيره، ولا ظهار للنساء، وليس لها أن توجب عليه كفارة.
الجزء: 10 - الصفحة: 822
قال مالك: وإذا ملكها فبكت وقالت: طلقني زوجي، فأخبرت أنه ليس بطلاق فقالت: ظننته طلاقا، فلا شيء عليه.
ابن المواز: والمملكة إذا فارقت المجلس ولم تقض فقالت: نويت الفراق في المجلس، فلا ينفعها ذلك إلا أن تفعل ما يشبه جواب الفراق، مثل أن تقوم من مكانها فتنقل متاعها، أو تخمر رأسها وتنتقل، فتصدق إذا قالت: نويت بذلك الفراق ووصله بكلامه فهو كالجواب، وهي واحدة وله الرجعة إلا أن تقول: نويت بفعل الثلاث، فذلك لها إلا أن يناكرها بنية كانت له وقت القول ويحلف، وقاله عبد الملك.
وقال أصبغ: يحلف يمينين، يمين أنه ما علم أن ما فعلته به ألبتة ولا رضيه، ويمين أنه نوى واحدة.
وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئه يجمع ذلك فيها.
الجزء: 10 - الصفحة: 823
[الباب الثاني]
في التمليك وما دخل فيه من معاني التخيير
[فصل 1 - في معني التمليك وما يلزم به]
روى عن الرسول صلى الله عليه وسلم أنه قال: من ملك امرأته أمرها فلم تقبل نفسها فليس هو بشيء، وقاله علي وابن عمر وأبو هريرة رضي الله عنهم وكثير من التابعين.
والتمليك يفارق الخيار، لأنه إذا ملكها مبهما كان له أن يقول: ملكتك بعضا دون بعض، ويحلف علي ذلك، وكان لها أن تقضي بالبعض فيما ملكها منه الجميع، والخيار أبان الله عز وجل القصد فيه فحمل علي ما ظهر معناه.
قال: والتمليك قوله: أمرك بيدك، أو طلاقك بيدك، أو طلقي نفسك، أو نحوه.
قال مالك: ومن ملك زوجته قبل البناء أو بعده ولا نية له، فالقضاء ما قضت، ولا مناكرة له إلا أن تكون له نية حين ملكها في كلامه الذي ملكها فيه فله ذلك، ويحلف على ما نوى.
الجزء: 10 - الصفحة: 824
ابن المواز: قال أصبغ: والنية التي ينتفه بها في هذا ما نواه أولا في أول كلامه الذي ملكها فيه، وأخرج التمليك عليه، فأما ما جدده من النية عندما سمعها تقضي أو بعدما ملكها فلا ينتفع بها.
ابن المواز: ويحلف مكانه في المدخول بها، لأن له الرجعة مكانه، فإن لم يكن بني فلا يلزمه الآن يمين، لأنها قد بانت منه، فإذا أراد نكاحها حلف علي ما نوى، ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا يتزوجها.
قال عبد الوهاب: وإنما يكون له مناكرتها بثلاثة شروط وهي: أن يزعم أنه نوى ذلك عند التمليك، وأن يكون تمليكه إياها من غير شرط، وأن يناكرها في الحال، وإنما ذلك لأن ظاهر تمليكه أنه ملكها جميع ما بيده فإذا أدعى ما يخالف ذلك لم يقبله منه إلا أن يكون نواه، ويحلف علي ذلك فيقبل قوله/ لأ، الطلاق بيده فلا يهرج عنه إلا ما أقر به أنه أراده، لأن تمليكه يحتمل ما قاله/ وإنما شرطنا أن يكون ذلك في الحال، لأن إمساكه عنها دلالة على رضاه بما قضت، ولو كان بخلاف ما أراد لبادر بالإنكار، وإنما شرطنا أن يكون تمليكها طوعاً لا عن شرط، لأنه إذا كان عن شرط فالغرض منه تمليك ما يزيل العصمة لا نقصان عدد الطلاق ببقاء العصمة، ولا تستفيد بشرطها شيئًا، إذ العصمة باقية، وذلك كالعوض في الخلع، لأن المقصود منه زوال العصمة وإلا لم تستفد بالعوض شيئا.
قال الشيخ: وقد قال بعض فقهائنا: سألت أبا بكر بن عبد الرحمن عن الرجل يملك زوجته فقضت بالثلاث فلم يناكرها، هل له مناكرتها بعد المجلس على
الجزء: 10 - الصفحة: 825
قوله في المملكة أن لها أم تقضي بالفراق بعد المجلس؟ فقال: لا يدخل الخلاف في المناكرة، وسكوته التزام جوابها علي القول الذي لم يقل به ابن القاسم.
ومن العتبية: قال ابن القاسم عن مالك فيمن قال لامرأته: أمرك بيدك، فتقول: قد طلقت نفسي بثلاث، فيقول: لم أرد طلاقا، ثم يقول بعد ذلك: إنما أردت واحدة، قال: يحلف علي نيته وتلزمه تطليقة.
قال أصبغ: هذا وهم عندنا من السامع لا تقبل منه نية بعد أن قال: لم أرد شيئا، والقضاء ما قضت المرأة من البتات.
قال عنه أشهب: ومن قال لامرأته وهو يلاعبها: أمرك بيدك، فقالت: قد تركتك، فقال الرجل: لم أرد طلاقا، ما قلت ذلك إلا لاعبا، وقالت المرأة: مثل ذلك، قال: أري الرجل حرجا أن يحلف أنه إنما أراد واحدة والله يعلم أنه ما أراد شيئا؟
قيل: فترى علي الرجل حرجا أن يحلف أنه إنما أراد واحدة والله يعلم أنه ما أراد شيئا؟
قال: لابد له من هذا فيكيف يصنع.
فيحلف ما أراد بقوله الطلاق، وتكون واحدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 826
قال الشيخ: وهذه مسألة ضعيفة, والطلاق هزله جد, والتمليك يجر إلى الطلاق, فيؤخذان بقولهما, ويكون قولها: قد تركتك, كقوله: قد خليتك وفارقتك.
وقد قال ابن المواز فيهما: إنها واحدة حتى ينوى أكثر من ذلك, فأجعل قولها: قد تركتك, واحدة, ولا أجعلها أكثر, إذ لا يحلف النساء في التمليك, والله اعلم.
] فصل 2 - في أثر الافتراق من المجلس بعد التمليك أو التخيير [
ومن المدونة: قال مالك: وإن خيرها, أو ملكها فذلك لها ما دامت في مجلسها, فإن تفرقا فلا شيء لها, وقاله عمر وعثمان وابن مسعود رضي الله عنهم وكثير من التابعين.
ابن ألمواز: وكذلك إن ملك أمرها أجنبيا ما لم يقيد التمليك فيقول: قد قبلت, أو أنظر, أو شبهه, فلا يضر الافتراق ولا يزول ما بيده إلا بإيقاف/] 174 / أ [السلطان, أو تمكنه من نفسها.
الجزء: 10 - الصفحة: 827
ولو قال لها الزوج: لا أفارقك حتى تبيني فراقك أو ردك, فليس ذلك له إلا بتوقيف السلطان, أو ترضى هي بتركه, أو يطؤها غير مكرهة, وقاله مالك في العتبية.
ومن المدونة: قال مالك: وإن وثب حين ملكها يريد قطع ذلك عنها لم ينفعه, وحد ذلك إذا قعد معها قدر ما يرى الناس أنها تختار في مثله, ولم يقم فرارا فلا خيار لها بعد ذلك.
وقال في باب بعد هذا: إذا طال المجلس وذهب عامة النهار وعلم أنهما قد تركا ذلك, أو قد خرجا مما كانا فيه إلى غيره فلا قضاء لها.
ابن المواز: وقال أشهب: ذلك بيدها ما أقاما في المجلس , واحتج بحديث عمر: ما داما في المجلس
ومن المدونة: ثم رجع مالك إلى أن ذلك بيدها حتى توقف أو وطأ , قالت في المجلس: قد قبلت, أولم تقل, وأخذ ابن القاسم بقوله الأول, وعليه جل أهل العلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 828
قال أشهب في المجموعة: وإنما قال مالك: إن ذلك لها بعد المجلس, مرة, ثم رجع عنه إلى أن مات.
قال ابن سحنون عن أبيه: ولو خيرها وهى في صلاة فريضة فأتمتها, أو في نافلة فصلت أربع ركعات, فلا يقطع ذلك ما بيدها, وإن زادت على أربع ركعات حتى تبلغ من الصلاة ما يرى أنها تاركة لما جعل لها, وقد تستشير نفسها في أكثر من مقدار عشر ركعات.
قال: ولو خيرها فدعت بطعام فأكلت, أو امتشطت, أو اختضبت في مجلسها فليس بقطع لخيارها إلا أن يكون في ذلك كلام غير الخيار يستدل به على ترك ما جعل لها مع طول المجلس والخروج عما كانا فيه.
ابن حبيب: وإذا قالت المملكة: عجل على ولم يجلس مقدار ما أختار في مثله, أن القول قول الزوج وهى مدعية تريد فراقه.
قال بعض فقهائنا: وكذلك ينبغي لو وطئها فقالت: أكرهني, وأكذبها الزوج, أن القول قوله وهى مدعية للإكراه, وهى بخلاف مسألة كتاب إرخاء الستور: إذا خيرها فقالت: كنت اخترت نفسي , وقال الزوج: لم تختر, لأن الزوج أقر بما جعل لها وادعى عليها ترك ذلك فلم يقبل منه.
وإذا قالت: عجل عليَّ, وأنكر فقد تقاررا أن المرأة ما قضت, والظاهر أنهما قد افترقا من مجلسهما فكانت المرأة هي المدعية على الزوج أنه عجل عليها, إذ تحب استئناف فراقه بعد الوقت الذي كان لها, وكذلك في دعواها الإكراه, لأنها قد أقرت بالوطء الذي يزيل ما بيدها, فدعواها الإكراه لا يلتفت إليه فذلك مفترق, والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 829
ابن المواز: ولو أرسل إلى زوجته بالتمليك أو بالخيار فلم تختر ولم تجب حتى فارقها الرسول فقال مالك: ذلك بيدها بخلاف حضور الزوج على أن يطول الزمان او يتبين من أفعالها فعل الراضية بالزوج, لأن المشافهة من الزوج كلام, بعضه جواب لبعض, والمرسل أعطى من ذلك مالا ينتظر له جوابا وليس للزوج ان يبدو له بعد أن أرسل إذا أرسل مجمعا كالكتاب.
ابن الماجشون: ومن قال لأجنبية: إذا تزوجتك فاختاري, فلها الخيار إذا تزوجها وإن لم تقل في مجلسها قبل النكاح: قد قبلت, ولها الخيار بعد النكاح في مجلس النكاح وفيما قرب منه ويبطل فيما بعد.
] فصل 3 - في ذكر بعض ألفاظ التخيير وجواب المرأة وما يلزم بذلك [
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وغن قال لها: أنت طالق إن شئت / فكأنه] 174 / ب [
تفويض فوضه إليها, فذلك بيدها, وإن افترقا من مجلسهما ما لم توطأ, وأرى أن توقف فتقضي أو ترد, فإن قال لها: اختياري, أو اختاري نفسك, فقالت: قد اخترت نفسي, فقال: لم أرد الطلاق وإنما أردت أن تختاري أي ثوب أشتريه لك, فإن تقدم كلام دل على ذلك فذلك له ويدين, وإلا فهو البتات, وإن خيرها فقالت: قد طلقت نفسي, سئلت أي الطلاق أرادت, فإن كان ثلاثا لزمه ولا مناكرة له, وإن كان أقل لم يلزمه, وإن قالت: قد فعلت, أو قبلت أمري, أو اخترت أمري, سئلت ما أرادت بذلك, فإن قالت: ما أردت به الطلاق,
الجزء: 10 - الصفحة: 830
صدقت فإن قالت: أردت به طلاقا دون الثلاث, لم يلزمه , وإن أرادت الثلاث لزم ولا مناكرة له.
ابن المواز: إذا قالت: اخترت أمري, فقال عبد الملك: لا يقبل منها وإن قالت: لم أرد الطلاق, ولو علم أنها ممن تعلم الفرق بين ذلك وبين الطلاق وقصدت ذلك لقبل منها, ولا يكاد يفرق بين ذلك من الرجال إلا من تفقه, فرأيت مذهب عبد الملك: أنها البتة, وقال أشهب: تسال , فإن قالت: أردت زوجي, لم تصدق, وكان طلاقا إلا أن تأتي بأمر يعرف به صدقها, وإن قالت: حتى أنظر في أمري, فذلك مخرج, وإن قالت: كنت لاعبة, أو: لم أرد شيئاً, دنيت.
وقال أصبغ: هذا فراق في التخيير والتمليك, ولا تسأل عما أرادت, ولا تحل له إلا بعد زوج.
ومن المدونة: وتسأل المرأة في جوابها بما لها وجه يعرف ما أرادت به في خيار, أو تمليك, إلا أنه يناكرها في التمليك خاصة إن ادعى نية, ويحلف على ما نوى, فإن لم تكن له نية حين ملكها فقضت بالثلاث لزمه ولا مناكرة له, فإن أجابت بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت, أو قبلت نفسي, أو طلقت نفسي منك ثلاثا, أو طلقتك ثلاثاً, أو بنت منك, أو بنت مني, أو حرمت
الجزء: 10 - الصفحة: 831
عليك, أو حرمت علي, أو برئت منك, أو برئت مني, أو نحو هذا فهو البتات, ولا تسال فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك على ما وصفنا.
ابن المواز: وقولها: قبلت نفسي, مثل: اخترت نفسي, في قولهم أجمع, إلا أشبهت بغير حجة كان يقول: قبلت أمري, وقبلت نفسي, سواء, لا يراه طلاقا حتى توقف ولم يره مثل: اخترت نفسي.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: اختاري أباك, أو أمك فإن أراد بذلك الطلاق فهو الطلاق, وإن لم يرد به الطلاق فلا شيء عليه.
وقد سئل مالك عمن كانت له زوجة تكثر التردد إلى الحمام, أو إلى غرفة في دار جيرانها تغزل فيها , فقال لها: اختاريني أو اختاري الحمام, أو الغرفة؟
فقال مالك: إن لم يرد بذلك طلاقا فلا شيء عليه.
قال في كتاب ابن المواز: ويحلف على ذلك.
قال مالك: وإن أراد به الطلاق فهو الطلاق.
قال ابن القاسم: ومعنى قوله: إن أراد به الطلاق فهو الطلاق, إنما ذلك إن اختارت الشيء الذي خيرها فيه بمنزلة مالو خيرها نفسها, وإن لم تختر ذلك فلا شيء لها.
قال ابن المواز عن ابن القاسم: وإن أراد الطلاق فهو البتات, لأنه خيار.
الجزء: 10 - الصفحة: 832
[فصل 4 - فيمن قال لرجل: خير امرأتي, ومن وطئ زوجته قبل علمها بالتخيير ومن قال لزوجته: أمرك بيدك, وجواب ذلك وما لم يلزم به]
ومن المدونة: ومن قال لرجل: خير امرأتي, فسمعته المرأة فاختارت نفسها قبل أن يخيرها فذلك لازم إن جعله رسولا, وإن أراد تفويضه إليه كقوله: خيرها إن شئت, أو بكلام دل به على ذلك, فل خيار لها حتى يخيرها الرجل, وإن شهد أنه خير امرأته ثم ذهب فوطئها قبل أن تعلم فلها الخيار إذا علمته, ويعاقب الزوج في وطئه إياها قبل أن يعلمها, لن مالكا قال فيمن شرط لامرأته إن تزوج عليها/ أو تسرر فأمرها بيدها, ثم فعل ذلك وهى لا تعلم: لم ينبغ له أن] 175 / [يطأها حتى يعلمها فتقضي أو تترك.
قال ابن القاسم: وإن وطئها قبل أن علم فلها الخيار إذا علمت.
قال مالك: وكذلك الأمة تعتق تحت عبد فلها أن تمنعه من وطئها حتى تختار أو تترك, فإن وطئها قبل أن تعلم فلها الخيار إذا علمت, فإن أمكنته بعد العلم من وطئها فلا خيار لها.
وإن قال لها: أمرك بيدك, فطلقت نفسها واحدة فهي واحدة وله الرجعة, وإن قال لها الزوج: إنما أردت أن تطلق نفسها ثلاثا, أو تقيم , فالواحدة تلزمه, ولا قول له, وإنما يكون للزوج مناكرتها إذا زادت على الواحدة, أو على الاثنتين, وإن قالت: قد طلقت نفسي البتة, أو اخترت نفسي, أو قبلت نفس , فهي ثلاث إلا أن يناكرها مكانه ويحلف فيلزمه ما نوى من واحدة أو أكثر, ولا تسأل المرأة ها هنا كم أرادت من الطلاق, لأنها قد بينت, وليس لها أن تقول
الجزء: 10 - الصفحة: 833
في هذه الألفاظ: أردت دون الثلاث - يريد بعد البناء - وإن قالت: قد قبلت, أو قبلت أمري, أو طلقت نفسي, سئلت عن نيتها, فيلزم ما نوت إلا أن يناكرها الزوج فيما زاد على الواحدة, فإن جهلوا سؤالها في المجلس حتى مضي شهر, أو شهران, ثم سألوها فقالت: أردت ثلاثا, فللزوج مناكرتها فيما زاد على الواحدة وإن قالت: لم أرد بقولي: قبلت, أو قبلت أمري, طلاقا, صدقت وكان لها أن تطلق نفسها الآن, أو ترد وإن كان بعد شهرين, لأن قبولها ما جعل لها لا يزيله من يدها إلا إيقاف من إمام, أتترك هي ذلك, أو توطأ طوعا, وإن وطئت كرها فهي على أمرها.
وقال المغيرة في المجموعة: إذا لم تشترط: أستخير, أو أنظر, لم يكن إلا الثلاث.
وقال عبد الملك: إذا قالت: لم أنو شيئا بقولي: قد قبلت, وقال الزوج: لم أنو شيئا حين ملكتها, لزمته الثلاث.
ومن غير المجموعة: فإذا قال لها: اختاري, أو أمرك بيدك, ولا نية له, فقالت: قد طلقت نفسي, ولا نية لها, أنها طلقة, كالزوج إذا قال لها: أنت طالق, ولا نية له أنها طالق واحدة, ففي التخيير يسقط, وفي التمليك تلزمه الواحدة.
ابن المواز: وإذا قالت: طلقت نفسي, فلتسأل في التمليك: كم أرادت.
الجزء: 10 - الصفحة: 834
وروي عن ابن القاسم: أنها لا تسأل, وهى في التمليك طلقة واحدة, فأما في الخيار فتسأل في المجلس فإن قالت: واحدة, سقط خيارها, وإن افترقا سقط أيضا.
ابن المواز: وأحب إلى أن تكون في التمليك طلقة, ولا تسأل في الخيار بعد جوابها, لأنه هو الجواب.
قال الشيخ: تحصيله: إذا خيرها أو ملكها فقالت: قد طلقت نفسي , فظاهر المدونة أنها تسال في المجلس وبعده: كم أرادت, فإن قالت: واحدة, لزم في التمليك وسقط في الخيار, وإن قالت: ثلاثا, لزم في الخيار وكان له مناكرتها في التمليك إن ادعى نية.
وقيل: لا تسأل في خيار ولا تمليك في مجلس ولا بعده, وهى واحدة, وتسقط في الخيار وتلزم في التمليك.
وقيل: تسأل في الخيار في المجلس, ولا تسأل بعده ويسقط خيارها.
] فصل 5 - فيمن قال: قد ملكتك الثلاث أو اختاري في ثلاث, ونحو ذلك [
ومن المدونة: وإن قال لها: قد ملكتك الثلاث, فقالت: أنا طالق ثلاثا, فذلك لها.
قال الشيخ: يريد وأن قضت بدون الثلاث لم يلزم كالخيار.
الجزء: 10 - الصفحة: 835
وقال ابن حبيب: قال اصبغ: إن قال لها: اختاري في ثلاث, فاختارت واحدة فذلك لها, وإن قال لها: من ثلاث, فهو/ أبينه, وإن قال: اختاري ثلاثا,] 175 / ب [أو ملكتك ثلاثا, ولم يقل: في, ولا: من, فإن اختارت أقل من الثلاث لم يلزمه شيء.
قال ابن سحنون عن أبيه: وإن قال لها: اختاري في ثلاث, أو في الثلاث, أنها واحدة, ولها الخيار في واحدة, أو اثنتين, أو ثلاث, ولو قال من الثلاث, أو من ثلاث, لم يكن لها الخيار إلا في واحدة واثنتين لا في ثلاث, ولو قال لها: أمرك بيدك, ثلاثا, فليس لها إلا الثلاث, إن لم تقبل منه الواحدة فليس لها ذلك, وإنما لها جواب واحد.
وفي كتاب ابن القصار: إذا قال لها: طلقي نفسك ثلاثا, فقالت: قد طلقت واحدة, أو قال لها: طلقي نفسك واحدة, فقالت: قد طلقت نفسي ثلاثا, لم يقع عليها شيء من الطلاق.
ومن المدونة: وإذا قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت, فقالت: قد شئت ثلاثا, لزمته واحدة.
فهذا خلاف قول ابن القصار, ووجه قول ابن القصار: فلأنها لم تفعل الصفة التي شرط لها.
الجزء: 10 - الصفحة: 836
[فصل 6 - في تكرير التمليك وما يلزم به [
ومن المدونة: وإن قال لها: أمرك بيدك في أن تطلقي نفسك ثلاثا, أو قال لها: طلقي نفسك ثلاثا فطلقت نفسها واحدة لم يلزمه كالخيار, وإن ملكها في تطليقتين - يريد أو في ثلاث - فقضت بواحدة لزمته طلقة إلا أن يريد بذلك معنى الخيار في أن تطلقي اثنتين , أو تدعى, وإن قال لها: أمرك بيدك, أمرك بيدك, أمرك بيدك, فطلقت نفسها ثلاثا, سئل الزوج ماذا أراد, فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة, وإن أراد الثلاث فهي الثلاث فهي الثلاث, وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.
ابن ألمواز: قال مالك: وإذا ملكها فقالت: كم ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة, فإن قال: أردت واحدة, حلف وصدق.
وقال ابن القاسم في المجموعة: هي ثلاث إذا اختارت نفسها ولا مناكرة له كالقائل: قد طلقتك مرة ومرة ومرة
قال الشيخ: وهذا أبين.
ومن المدونة: وإن قال لها: أمرك بيدك , وأراد ثلاثا, فطلقت نفسها واحدة فذلك لها وتلزمه طلقة وله الرجعة, وإن قال لها: أمرك بيدك, وكرر ذلك ثلاثا, ينوى بالتكرار ثلاثا, فقالت قد طلقت نفسي واحدة, أو ملكها أمرها مرة ونوى الثلاث, أو لا نية له حين ملكها فقضت بتطليقه أنها واحدة وله الرجعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 837
وفي المجموعة: إذا قال: قد ملكتك, وقد ملكتك وقد ملكتك, فقضت بالثلاث فهي ثلاث, ولا ينوى, وإن قضت بدون الثلاث فهو ما قضت به, وكذلك إذا قال: قد ملكتك مرة ومرة ومرة, فاختارت نفسها فهي ثلاث ولا مناكرة له, كالقائل: قد طلقتك مرة ومرة ومرة.
قال مالك: وإن ملكها ولا نية له فقالت: قد حرمت نفسي, أو أبنت نفسي, فهي الثلاث, وإن قال لها: أمرك بيدك, ثم قال لها أيضا قبل أن تقضي, أمرك بيدك على إلف درهم, فلها القضاء بالقول الأول بلا غرم, وقوله الثاني ندم منه, كقول مالك قيمن قال لزوجته: إن أذنت لك إلى أمك فأنت طالق البتة, ثم قال لها بعد ذلك: إن أذنت لك إليها إلا أن يقضي على به سلطان فأنت طالق ثلاثا, قال مالك: يلزمه قوله الأول, والثاني ندم منه.
قال الشيخ: وحكي لنا عن بعض فقهائنا القرويين في الذي قال لامرأته: أمرك بيدك, ثم قال لها: أمرك بيدك على ألف درهم, فقضت بالثلاث, فإن ناكرها الزوج فقال لها: أردت بالكلام الثاني الأول, وحلف على ذلك لزمته واحدة, فإن أرادت المرأة ودت الألف, وبانت منه, لأنها طلقة بمال, وإن لم ترد دفع / الألف فهي واحدة, وللزوج الرجعة, ولو قال: أردت بالكلام الثاني] 176 / أ [غير الأول, فناكرها في الأول لما قضت بالثلاث, فكانت واحدة , فإن أرادت المرأة أن تؤدي الألف وتأخذه بقوله الثاني فذلك لها وتلزم طلقتان وتبين منه, لأنها طلقت على مال وإن لم ترد أن تدفع الألف فهي طلقة وله رجعة, وهذا بين إذا قال الكلام الثاني بفور الأول, وأما بعد طول فلا يقبل منه انه أراد بالكلام
الجزء: 10 - الصفحة: 838
الثاني الأول, والثاني تمليك مستأنف, وتلزمه طلقتان إن دفعت الألف وتمليك نفسها إذا لم يفترقا من المجلس, وأمل إن افترقا ولم تقض في الأول والثاني تمليك مستأنف في قوله الأول, ولها أن تقضي فيهما في الثاني وتكون طلقتان إن دفعت الألف وتملك نفسها.
وإن ملكها قبل البناء أو بعده فقالت: قد خليت سبيلك, فإن نوت بذلك واحدة أو اثنتين أو ثلاثا: لزمه ذلك إلا أن يناكرها قيما زاد على الواحدة ويحلف إن ادعى نية, وإن لم تنو شيئا فهي الثلاث إلا أن تكون للزوج نية فله ما نوى مع يمينه.
قال ابن وهب: وروى مالك وغيره: أن رجلا من ثقيف ملك امرأته نفسها فقالت: قد فارقتك فسكت, ثم قالت: قد فارقتك, فقال: بفيك الحجر, ثم قالت: قد فارقتك , فقال: بفيك الحجر, فاختصما إلى مروان فاستحلفه ما ملكها إلا واحدة, وردها إليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 839
قال مالك: وكان القاسم بن محمد يعجبه هذا القضاء ويراه أحسن ما سمع.
فصل] 7 - فيمن ملك أمر زوجته رجلين [
قال ابن القاسم: ومن ملك أمر زوجته رجلين وقال لهما: أمر زوجتي إليكما, أو بأيديكما, لم يجز طلاق أحدهما دون الآخر, ورواه ابن وهب وعلي وأشهب عن مالك.
قال ابن القاسم: إلا أن يكونا رسولين فيلزم الزوج ما طلق أحدهما, وكذلك الوكيلان في البيع والشراء لا يلزم فعل أحدهما إلا باجتماعهما.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: وإن قال: طلقا امرأتي, فأيهما طلق جاز طلاقه, لأنهما رسولان, وإن طلقا البتة فقال الزوج: لم أرد إلا واحدة, صدق, وإن قال في ذلك: إن شئتما, لم يجز إلا باجتماعهما.
قال ابن حبيب: قال أصبغ في قوله: طلقا امرأتي: فهو على وجه التمليك حتى يريد الرسالة, فإذا أرادها وقع الطلاق بقوله وإن لم يخبراها به.
وقال ابن القاسم: هو على وجه الرسالة حتى يريد التمليك ويقول: لا يقع الطلاق في الرسالة حتى يبلغاها.
الجزء: 10 - الصفحة: 840
قال أشهب فيمن جعل أمر امرأته بيد رجلين فطلق عليه أحدهما بالبتة والآخر بالواحدة قال: لا شيء عليه.
وقال ابن الماجشون: تلزمه واحدة, وهو أحب إلينا, وقاله مطرف وأصبغ.
وروى عيسى عن ابن القاسم فيمن ملك أمر امرأته ثلاثة رجال فطلقها واحد واحدة, والثاني اثنتين, والثالث ثلاثا: فإنما تلزمه واحدة لاجتماعهم عليها.
] فصل 8 - في تمليك الأمة [
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن كان حر على أمة فملكها ولا نية له, أو نوى الثلاث, فقضت بالثلاث فهي الثلاث, لأن طلاق الحر الأمة ثلاث, ولو كان عبدا لزمته طلقتان, لأن ذلك جميع طلاقه.
فصل] 9 - فيمن نوى التمليك بقوله: حياك الله [
قلت: فمن قال لامرأته: حياك الله, يريد بذلك التمليك, أو قال لها: لا مرحبا بك, يريد بذلك الإبلاء أو الظهار؟
قال مالك: كل كلام ينوي به الطلاق فهو طلاق, فكذلك هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 841
[الباب الثالث]
جامع التمليك والتخيير وذلك الأجل ولشرط فيه
[فصل 1 - جامع التمليك والتخيير وذكر الأجل وغير ذلك]
قال مالك: وإن قال لها: طلقي نفسك, أو طلاقك بيدك, فذلك كالتمليك إن قضت بالبتات, أو طلقت نفسها ثلاثا, وقال الزوج: أردت واحدة , فالقول قوله إذا رد ذلك عليها مكانه ويحلف, وغلا فالقضاء ما قضت, ولو قال لها: طلقي نفسك.
فقالت له: اخترت نفسي, أو حرمت نفسي, أو برئت منك, أو أنا بائنة منك, فذلك كله ثلاث إن لم يناكرها في مجلسه, وله مناكرتها فيما زاد على الواحدة إن ادعى نية ويحلف, ولو قال لها: أنت طالق ثلاثا إن شئت, فذلك كالخيار لا تلزمه الواحدة إن قضت بها, وإن قال لها: أنت طالق واحدة إن شئت, فقالت: قد شئت ثلاثا, لزمته الواحدة, وإن قال لها: أنت طالق كلما شئت, فلها أن تقضي مرة بعد مرة, ولا يزول ما بيدها إلا أن ترد ذلك, أو توطأ طوعا أو توقف فلا قضاء لها بعد ذلك.
قال ابن المواز: وإن قال لها: طلقي نفسك متى شئت, فلها أن تطلق نفسها متى شاءت مرة واحدة في المجلس أو بعده, وله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة, وإن قال لها: ما شئت, فغنما لها ذلك في المجلس خاصة
الجزء: 10 - الصفحة: 842
تطلق نفسها متى شاءت وكم أرادت في المجلس لا في غيره, وليس له أن يناكرها.
قال الشيخ: فهذه ثلاثة أوجه حكمها مفترق, وإن ملكها إلى اجل فلها أن تقضي مكانها.
قال مالك: وغن قال لها: أمرك بيدك إلى سنة, فإنها توقف متى ما علم بذلك ولا تترك تحته, وأمرها بيدها حتى توقف فتقضى أو ترد.
قال ابن القاسم وكذلك إن قال لها: إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق, فإنها توقف الآن فتقضي أو ترد إلا أن يطأها في الوجهين طائعة فيزول ما بيدها ولا توقف.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا جعل أمرها بيدها إلى أجل, أو بيد غيرها فلا يقطع ذلك وطؤه إياها, وإن جعله إلى غير أجل فوطؤه يقطعه وافتراق المجلس.
وقال ابن الماجشون: وإن جعله بيد غيرها فلا يقطعه الوطء وإن علم به, وبه أقول.
ومن المدونة: وإن قال لها: أنت طالق غدا إن شئت , فقالت: أنا طالق الساعة, أو قال لها: أنت طالق الساعة إن شئت, فقالت: أنا طالق غداً, وقع الطلاق فيهما جميعا الساعة.
قال مالك: ومن ملك امرأته أمرها نقضت بالطلاق إلى أجل فهي طالق مكانها, وإن قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق, فردت ذلك فلا رد لها, لأن هذا يمين متى دخلت وقع الطلاق, بخلاف قوله: أنت طالق كما شئت, لأن هذا
الجزء: 10 - الصفحة: 843
غير يمين, وهو من وجه التمليك, وإن قال لها: أمرك بيدك, ثم قال لها: أنت طالق, فإن قضت بواحدة لزمته طلقتان, وإن قضت بالثلاث فله أن يناكرها إن كانت له نية انه ما ملكها إلا واحدة, وتكون اثنتين, وإن خيرها, أو ملكها فلم تقض حتى طلقها ثلاثا أو واحدة ثم نكحها بعد زوج أو بعد عدتها من الطلقة فلا قضاء لها , لأن هذا ملك مستأنف, ولا ينظر هاهنا إلى ما بقى من طلاق الملك الأول, إذ ليست بيمين انعقدت عليه.
قال الشيخ: ويعد رضاها بنكاحه قطعا لما جعل لها كالوطء في الملك.
قال مالك: وإذا ملكها أمرها أو ملك أمرها أجنبيا ثم بد له, فليس ذلك له, والأمر إليهما, فإن قاما من المجلس قبل أن يقضيا - اعني المرأة أو الأجنبي - فلا شيء لهما بعد ذلك المجلس في قول مالك الأول , وبه آخذ.
ابن القاسم: ولهما ذلك في قول مالك الآخر ما لم يوقفا, أو توطأ الزوجة, وإن خلى هذا الأجنبي بينها وبين زوجها وأمكنه منها زال ما بيده من أمرها, وإن جعل أمرها بيد رجل يطلق أمرها بيد رجل يطلق متى شاء فلم يطلق حتى وطئها الزوج / زلا ما بيد] 177 / أ [الرجل.
قال ابن المواز: إلا أن يطأها بغير رضاه وعلمه.
قال الشيخ: وحكي عن أبي محمد: إذا ملك المدخول بها ثم طلقها في المجلس طلقة فلها أن تقضي ما داما في المجلس في قول مالك الأول, ولها أن تقضي في قوله الآخر ما لم توقف أو يرتجعها, فتتركه يطؤها غلا أن تنقضي العدة قبل ذلك وإن هى قيدت الخيار بلفظ كقولها: قبلت أمري, فلها أن تقضي في القولين ما لم توقف, أو توطأ, أو تنقضي العدة, قال: وهذا معنى مسألة الكتاب.
الجزء: 10 - الصفحة: 844
وحكي عن أبي عمران أنه قال: إذا ملكها ثم طلقها واحدة فانقضت عدتها قبل أن تقضي, ثم تزوجها بعد ذلك لم يكن لها أن تقضي, وغنما كان ذلك لأنه هو لو طلقها بعد انقضاء عدتها لم يلزمه, لأنها قد ملكت نفسها فلا تكون هي اقوي منه حالا, وسواء قيدت ذلك بقولها: قبلت, أو لم تقيده.
قال: ولو ملكها ثم خالعها قبل أن تقضي ثم تزوجها في العدة لم يكن لها أن تقضي, لأنها قد ملكت نفسها بالخلع فلا يراعي العدة كما لو طلقها بعد الخلع في العدة لم يقع عليها شيء فلا تكون هي أقوى حالا منه في إيقاع الطلاق.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن لم يطأ الزوج حتى مرض فطلقها الوكيل في مرض الزوج لزمه الطلاق وترثه, لأن مالكا قال في التي تفتدي من زوجها في مرضه: إنها ترثه, والتي لها في صحته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق البتة, فدخلتها وهو مريض أناه ترثه.
قال ابن المواز: ومن ملك رجلا فملك الرجل غيره وطلق, فذلك غير لازم , وكذلك لا يوصي به إلى غيره.
وقد قال ابن القاسم في التي جعل أمرها بيد أمها إن غاب, فماتت الأم, فإن أوصت الأم بذلك بعينه غلى أحد فذلك له, وإن لم توص به إلى احد فذلك للابنة فيما رأيت من قول مالك.
وقال أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ: ليس لها أن توصى به إلى أحد, والشرط ساقط يوم ماتت الأم.
الجزء: 10 - الصفحة: 845
ومسألة الأم في كتاب بيع الخيار من المدونة.
[فصل 2 - شرط التمليك في عقد النكاح أو بعده]
ومن المدونة: وإن شرط لها في عقد النكاح إن تزوج عليها فأمرها بيدها فتزوج فقضت بالثلاث فلا مناكرة له وذلك لازم.
قال في كتاب الأيمان بالطلاق: بنى بها أم لا.
قال الشيخ: ولو قالت: اشهدوا متى ما فعل زوجي ذلك فقد اخترت نفسي، فذلك يلزمه، قاله مالك، وقيل: لا يلزمه، فلأول أصوب.
ومن المدونة: وإن طلقت نفسها واحدة وقد بني بها فله الرجعة، وإن لم يبن بها بانت بالواحدة، وإن طلقت واحدة ولم توقف فليس لا أ/ تزيد عليها كالتي توقف فتطلق واحدة فقد تركت ما زاد عليها، ولو نكح عليها امرأة فلم تقضي فلها أن تقضي إن نكح عليها ثانية أي الطلاق شاءت، وتحلف ما رضيت إلا بالأولي وما تركت الذي لها، ولو طلق الأولى ثم رادعها بنكاح فللمملكة القضاء، وليس رضاها بها أولا يلازم لها مرة أخرى.
الجزء: 10 - الصفحة: 846
ومن كتاب التخيير: قال ابن القاسم: وإن كان تبرع بهذا الشرط بعد العقد فله أن يناكرها فيما زاد علي الواحدة ادعى نيه ويحلف.
قال ابن المواز: وإن شرك في عقد نكاحها إن تزوج عليها فأمر التي يتزوج بيد الأولي فتزوج فقضت بالثلاث فناكرها، فإن كان بعد بنائه بالثانية فلا مناكرة له وإن كان قبل بنائه فله أن يناكرها.
قال سحنون: وروي بعض/أصحابنا عن ابن القاسم فيمن شرط لامرأته إن تزوج عليها فأمر الحديدة بيدها، فتزوج عليها سرا ولم تعلم حتى طلق القديمة قال: لها أن تقضي، وقال سحنون: إن كان طلاقه إياها بائنا فلا شيء لها، وإن كان غير بائن فلها أن تقضي.
ومن العتبية: روي عيسى بن القاسم فيمن شرط لزوجته إن تزوجت عليك فأمرها بيدك، أو قال لها، بيد أبيك، فلم تقضى هي أو الأب شهرا، قم أراد من ذلك بيده أن تقضى قال: إن أشهد أن ذلك بيده ينظر فيه فذلك له ما لم يدخل بالجديدة فلا شيء لهما، وإن يشهد حتى نكح الثانية فقد زال ما بأيديهما.
قال ابن المواز: وإذا كان لها شرط تمليك إن تسرر أتزوج عليها فأذنت له فقال مالك وابن القاسم وأصبغ: ذلك جائز له، وقال أشهب: لا يحوز، فإن فعل فأمرها بيدها إلا أن يكون في الشرط: إلا أن يتزوج بإذنها.
ابن المواز: ومن حجته أنها أذنت فيما لم تملكه.
الجزء: 10 - الصفحة: 847
قال الشيخ: كتسليم الشفعة قبل الشراء.
قال ابن المواز: وإن أعطته مالا على أن يطلقها ثلاثا فطلقها واحدة، أو على أن يملكها ففعل فقضت بواحدة فالمال له وهي لازمة له واحدة بائن، ولا حجة لها، إذ نالت بهاما نالت بالثلاث، وإن أعطته مالا على أن يخيرها ففعل فقضت بالثلاث فله أن يناكرها ما دام في المجلس.
قال الشيخ: لأن الواحدة تبينها، لأنه كالفدا، فهي كالتي لم يدخل بها.
الجزء: 10 - الصفحة: 848
[الباب الرابع] جامع القول في الحرام وألبتة والبرية والخليه والبائن وما يلزم من معاني الطلاق، أو أراد أن يحلف فصمت بعد ذكر الطلاق، أو خطاب زوجته بما بيس من ألفاظ الطلاق ونيته في ذلك الطلاق وذكر الطلاق بالقلب
[فصل 1 - في أن الطلاق بلفظ الحرام وألبتة ثلاث]
وسمى الله سبحانه الطلاق بغير اسم، فقال:} فَطَلِّقوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ ﴿، وقال:﴾ أَو فَارِقُوهُنَّ ﴿,
وقال﴾ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ {، فكل ما قارب ذلك من ألفاظ الطلاق فله حكمه.
وقال الرسول عليه الصلاة والسلام:" من بت امرأته فلا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره".
الجزء: 10 - الصفحة: 849
وقال عمر وابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة والتابعين: إن ألبتة كالثلاث.
قال علي بن أبي طالب: ويعاقب من طلق ألبتة.
وقال عمر وعلي وابن عمر في الحرام: إنها ثلاث، وكذلك قال علي وابن عمر في البائن والخلية والبرية.
قال زيد بن أسلم في قول الله تعالي:} يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ {: إنما سبب ذلك أنه صلى الله عليه وسلم حلف بالله أن يطأ أمُّ ولده
الجزء: 10 - الصفحة: 850
إبراهيم واسمها مَارٍية القِبطية، ثم قال بعد ذلك: هي علىَّ حرام، فأمره الله سبحانه أن يكفِّر بقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾، فكانت كفارته ليمينه لا لتحريمه.
والطلاق من حدود الله سبحانه ومما يُرهَب أن يُتعدى فيه حدود الله، وقد جاء أن هَزلَه جِد.
قال مالك: ومن قال لزوجته قبل البناء أو بعده: أنت علي حرام، فهي ثلاث، ول ينَّوى في المدخول بها، وله نبته في غير / المدخول بها في واحدةٍ فأكثر منها.
قال الشيخ: لأنها تبين منه وتحرم عليه بالواحدة، وأمت المدخول بها فلا تحرم أو تبين إلا بالثلاث إلا في طلقةٍ يكون معها فداء، فذلك فرَّق بين المدخول بها وغير المدخول بها.
الجزء: 10 - الصفحة: 851
قال ابن القاسم: وإن قال لها: لم أُرِد بذلك الطلاق وإنما أردت الظهار، لم يصدَّق.
قال الشيخ: وهذا لما قدمنا في كتاب الظهار أن مكاني الطلاق لا تكون ظهاراً وإن نوى به الظهار، والحجة في ذلك كتاب الظهار.
فصل [2 - في الطلاق بألفاظ التحريم وبألبتة]
ومن المدونة: قال مالك: وإن قال: كل حلالٍ على حرام، ونوى عموم التحريم فلا يلزمه شيءُ إلا في زوجاته، نَواهنَّ حين تكلم بذلك أم لا، وبَيِنَّ منه إلا يُحاشيهن بقلبه أو بلسانه فيكون ذلك له وينَّوى، ولا شيء عليه في غيرهن مما حرم عليه من ماله، أو أمهات أولاده، أو لبس ثوبٍ، أو طعامٍ، أو غيره، قال: ولا تلزمه في ذلك كفارة يمين، قال ابن القاسم: وإن نوى به اليمين.
وقال ربيعة: من قال: الحلال على حرام، فهو يمينُ إذا حلق أنه لم يرد بها امرأته، ولو أفردها كانت طالقاً ألبتة، وقال ابن شهاب إلا أن يُجعل فيها يميناً، وقال: يُنكَّل على أيمان اللًّبس.
قال الشيخ: وقوله: إلا أنه لم يجعل فيها يميناً، يريد والله أعلم أنه لا تُجعل فيها كفارة يمين، لا أنه لا يحلف، لأنه من أصل ابن شهاب أن يحلف في مثل هذا.
وروى نحوه عن أبي عمران قال: ورواه أشهب عن مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 852
قال الشيخ: فمذهب مالكٍ في المدونة في القائل: الحلال علىَّ حرام، أن الزوجة داخلة حتى يخرجها بقلبه أو بلسانه.
ومذهب ربيعة وابن شهاب: أنها خارجة حتى يدخلها بنيته، غير أن ربيعة يحلفه، فإذا حلف جعل عليه كفارة يمين، ورواه أشهب عن مالك، وابن شهاب يحلفه ولا يجعل عليه كفارة يمين، ولمالك نحوه.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: إذا قال: الحلال على حرام، أو حرام على كل ما أحل الله، أو كل ما انقلب إليه حرام، أو انقلب إلى حرام، فذلك كله تحريم، إلا أن يحاشي امرأته، وأما قوله: عليَّ حرام، فلا شيء عليه.
قال الشيخ: إلا أن يقصد بذلك زوجته.
قال الشيخ: وأما القائل: كل ما أعيش فيه حرام، ولا نية له فقد قال ابن المواز: لا شيء عليه.
قال بعض فقهائنا: وأعرف فيها قولاً آخر: أن زوجته تحرم عليه، كالقائل: الحلال على حرام، وأظنه في السليمانية.
وقيل لأبي عمران: إن الناس يقصدون بذلك تحريم الزوجة؟ فقال: إذا صار ذلك عادةً لهم لزم به الطلاق.
قال أبو عمران: وإذا قال لزوجته: يا حرام، فقال محمد بن عبد الحكم: لا شيء عليه، ولا نص فيها لغيره، وذلك إذا كان في بلدٍ لا يريدون به الطلاق، وهو كقوله: إنك سحتُ وحرامُ، وهو كقوله ذلك لماله.
الجزء: 10 - الصفحة: 853
قال ابن المواز: قال أشهب عن مالك فيمن قال لزوجته: رأسي من رأسك حرام، قال: يلزمه الطلاق.
قال عيسى عن ابن القاسم في العتبية: إذا قال لها: وجهي من وجهك حرام، قال: فهي ألبتة.
قال ابن القاسم: وإن قال لزوجته: قد حرمتك علي، أو حرمت نفسي عليك، فهي سواء.
قال ابن القاسم: قال مالك: وكذلك: طلقتك، وأنا طالق منك، سواء، وهي طالق، وإن قال لها: أنت علي حرام، ثم قال: لم أرد بذلك الطلاق وإنما أردت الكذب، أردت أن أخبرها أنها حرام وليست بحرام، فإن التحريم يلزمه ولا يُنَّوى.
قال ابن القاسم: وقد سئل مالك / عما يشبه هذا فلم يجعل له نية، أخبرني من أثق به أن مالكاً سئل عن رجلٍ لاعب امرأته فأخذت بفَرجِه على وجه التلذذ، فنهاها فأبت، فقال لها: هو عليك حرام، وقال: أردت أن أحرم أن تمسه ولم أرد بذلك تحريم امرأتي، فتوقف فيها مالك وتخَّوف أن يكون قد حنث فيها.
ورأى غيره من أهل المدين أن التحريم يلزمه، وهذا عندي أخف ممن نوى في الكذب في التحريم، ولم أقل لك أن التحريم يلزم صاحب الفرج ولكن في مسألتك في التحريم يلزمه ولا يُنَّوى.
قال مالك: وإن قال لزوجته: أنت طالقُ ألبتة، فهي ثلاث، فإن قال: أردت واحدة، لم يقبل منه قبل البناء ولا بعده، ويؤخذ الناس بما لفظت به ألسنتهم من أمر الطلاق، قال ابن القاسم: ولا يُدين فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 854
وقد قال عمر لشُريح: من قال: ألبتة، فقد رمى الغرض الأقصى.
وقد قال عمر بن عبد العزيز: لو كان الطلاق ألفاً ما أبقت ألبتة منه شيئاً.
قال الشيخ: وقيل: يُنوَّى قبل البناء، ووجهه: أن بتات العصمة قبل البناء يحصل بالواحدة، فوجب أن يقبل منه، ولأن البتة كناية عن زوال العصمة كالخليَّة والبريَّة.
ووجه قول من قال: لا يقبل منه: أن ألبتة كناية عن الثلاث، فوجب أن لا تقبل فيه النية كما لو نطق بالثلاث، ولأن البتة لا تتبعض، فقوله: أردت بها واحدة، كقوله: أدرت بعض طلقة، أنه يلزمه جميعها.
[فصل 3 - فيمن قال: أنت علي كالميتة أو نحوها
أو حبلك على غاربك]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قال لزوجته: أنت علي كالميتة، أو كالدم، أو كلحم الخنزير، فهي ثلاث وإن لم ينو به الطلاق.
وإن قال: حَبلُك على غَارِبك، فهي ثلاث ولا يُنوَّى، لأن هذا لا يقوله أحد وقد أبقى من الطلاق شيئاً.
قال ابن المواز: وهذا بعد البناء، وأما إن قال قبل البناء: أردت واحدة، فله نيته ويحلف، وإن لم تكن له نية قبل البناء فهي ثلاث.
الجزء: 10 - الصفحة: 855
وقد ذكر مالكُ في المدونة والموطأ أنه بلغه عن عمر أنه نَوَّاه.
قال مالك في كتاب ابن المواز: ولو ثبت عندي أن عمر قاله ما خالفناه.
قال غيره: ولم يبين في حديث عمر دخل أو لم يدخل.
قال الشيخ: فيحتمل إن صح أنه في التي لم يدخل بها.
[فصل 4 - في الطلاق بلفظ الخلية والبرية
والبائنة والهبة ونحوها]
ومن المدونة: وإن قال لهت: أنت خلسَّةُ، أو برَّية، ثم قال: مِنِّي، أو أنا منك، أو لم يقل، أو وهبتك، أو رددتك إلى أهلك.
قال عبد العزيز: أو إلى أبيك - فذلك في المدخول بها ثلاث ولا يُنوَّى في دونها، قَبِلَ الموهوبة أهلها، أو ردُّوها، وله نيته في ذلك كله إن لم يدخل بها في واحدةٍ فأكثر منها، فإن لم تكن نية فذلك ثلاث فيهن.
قال يحيي بن سعيد وأبو الزناد وربيعة وابن شهاب وزيد بن أسلم في الموهوب: إنها ثلاث، وقاله مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 856
قال ابن المواز: قال ابن القاسم في القائل: وهبت لك طلاقك: إنها ألبتة، ولا ينفعه إن قال: نويت واحدة، وكذلك إن قال: وهبت لم نفسك، أو فراقك، ولا ينظر إلى المرأة قبلت أو لم تقبل، إلا عند خلع فيقبل منه، وكذلك في العتبية.
قال: ولا ينظر إلى قبولها إلا أن يقول: إن أعطيتني كذا وهبت لك طلاقك، أو فراقك، فلا شيء عليه حتى تقبل هي وتنفعه النية أنه أراد واحدةً وإلا لزمته الثلاث.
ومن المدونة: قال ربيعة في الخليَّة والبريَّة / والبائنة: إنها ثلاث في المدخول بها، وإن لم يدخل بها فهي واحدة.
قال ابن القاسم: وأما قوله: أنا منكِ بات، أو أنتِ مني باتَّة، فلا ينوَّى قبل البناء ولا بعده أنه أراد واحدة، وتلزمه الثلاث، وإن قال: برئت مني، أو بنت مني، أو أنت خليَّة وقال: لم أرد بذلك الطلاق، فإن تقدم كلام يكون هذا جوابه، يدل على أنه لم يرد به الطلاق صُدق، وإلا فقد بانت منه إذا كان كلاماً مبتدءاً، وإن قال: أردت به الظهار، لم يصدق - وقد تقدم هذا.
وإن قال لها: أنا خلي، أو برَّية، أو باتنة، قال: مني، أو لم يقل، إلا أنه قال في هذا كله: لم يرد به الطلاق، فإن تقدم كلام من غير الطلاق يكون هذا جوابه فلا شيء عليه ويُدَّين، وإلا لزمه ذلك، ولا تنفعه نيته.
الجزء: 10 - الصفحة: 857
وإن قال لها بعد البناء: أنت طالق واحدةً بائتةً، فهي ثلاث، وكذلك إن قال لها: الحقي بأهلك، أو استتري، أو ادخلي، أو اخرجي، أو تقنعي، يريد بقوله ذلك واحدةً بائتةً فهي ثلاث.
وإن قال: أنت طالق طلقةً لا رجعة لي عليك فيها، فهي واحدة، وله الرجعة ولا يضره ما قال، أو نو، إلا أن ينوي بقوله: لا رجعة لي عليك فيها، الثلاث، فيكون ذلك.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن قال: أنت طالق ولا رجعة لي عليك، فله الرجعة، وإن قال: لا رجعة لي عليك، فهي البتات.
قال الشيخ: كقوله: أنت طالق واحدةً بائنةً.
قال الشيخ: قال أبو القاسم ابن الكاتب: مسألة ابن عبد الحكم ليست كمسألة الكتاب، لأن مسألة الكتاب قد بين أنه إنما طلقها طلقةً واحدةً، وفي مسألة ابن عبد الحكم لم يذكر طلقة، وإنما قال: أنت طالق طلاق الخلع، لأن طلاق الخلع إنما هو واحدة بائنة - يريد عل مذهب ابن القاسم - وفي كتاب إرخاء الستور إيعابها.
الجزء: 10 - الصفحة: 858
ومن المدونة: وإن قالت له: أَودُّ لو فرَّج الله لي من صُحبتك، فقال لها: أنت بائنة، أو خليَّة، أو باتَّة أو قال لها: أنا منك بائن، أو خلِيُّ، أو برِيَّ، أو باتُّ، ثم قال: لم أرد به الطلاق، وإنما أردت بالبائن فُرجة بيننا، لزمه الطلاق ولا يُنوَّ كما لو سألته الطلاق فقال لها: أنت بائن، ثم قال: لم أرد الطلاق، لم يصدق، لأنه جواب لسؤالها، وإن قال: قد خليت سبيلك، وقد بنى أو لم يبن، فله نيته في واحدةٍ فأكثر منها، وإن لم تكن له نية فهي ثلاث.
قال ابن وهب عن مالك: وقوله: قد خليت سبيلك، كقوله: قد فارقتك.
قال ابن المواز: وروي عن مالكٍ في قوله: قد خليت سبيلك، وفي قد فارقتك: إنها واحدةً حتى ينوي أكثر منها، بنى بها أو لم يبين، وهو أصح قوله، وقال ابن القاسم وابن وهب وأشهب.
قال أبو محمد: وقاله ابن عبد الحكم.
وقال أشهب في "قد خليت سبيلك": إنها ثلاث، ولا أنويه إلا أن يكون لم يدخل بها، وسرَّحتك" واحدةً حتى يريد أكثر.
قال ابن المواز: "سرحتك" مثل "خليتك" إن قال فيهما: لم أُرِد طلاقاً، فذلك له، ويحلف إلا أن يكون جواباً لسؤالها في الطلاق.
الجزء: 10 - الصفحة: 859
فصل [5 - فيمن قال لزوجته: اعتدي أو كرر الطلاق]
وكل ما قرُب من ألفاظ الطلاق فهو طلاق، وكذلك من أراد بغير / ألفاظ الطلاق طلاقاً فهو طلاق كما جعل الله الرمز وهو الإيماء كالكلام بقوله عز وجل: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، وكما كان ما فعله المتلاعنان من تلاعنهما وتفرقتهما طلاقاً وإن لم يلفظ به، وكذلك روي في المختلعة لما ردَّت عليه الحديقة فأخذها كان ذلك طلاقاً.
قال ابن القاسم: ومن قال لزوجته: اعتدي اعتدي اعتدي، ولم تكن له نية فهي ثلاث عند مالك.
قال مالك: وهذا مثل: أنت طالق أنت طالق أنت طالق، نسقاً فهي ثلاث إلا أن ينوي واحدة، بنى بها أو لم يبن، وإن قال لها: أنت طالق، اعتدي، فهي طلقتان، إلا أن ينوي إعلامها أن عليها العدة فتلزمه واحدة.
قال ابن حبيب: وروي عن الحسن فيمن قال لزوجته: أنت طالق فاعتدي، فهي واحدة، وإن قال: أنت طالق واعتدي، فهي طلقتان ولا يُنوَّى.
وقال ابن القاسم في المجموعة: وإن قال لها: أنت طالق واعتدي، فهي طلقتان ولا يُنوى، وإن قال: أنت طالق اعتدي، أو أنت طالق فاعتدي، لزمته طلقتان إلا أن ينوي واحدة.
الجزء: 10 - الصفحة: 860
قال الشيخ: وما تقدم للحسن من قوله: أنت طالق فاعتدي، أنها واحدة، فصواب.
وإن قال كلاماً مبتدءاً: اعتدي، لزمه الطلاق، وسئل عن نيته كم نوى أواحدة أو أكثر، فإن لم تكن له نية واحدة، وإن لم يرد به الطلاق وكان جواباً لكلامٍ قبله كدراهم ونحو فلا شيء عليه.
وإن قال لها: أنت طالق، ونوى اثنين أو ثلاثاً فهو ما نوى، وإن لم ينو شيئاً فهي واحدة.
قال الشيخ: لأن قوله: أنت طالق، كلام محتمل للواحدة والثلاث، واللفظ المحتمل يُرجَع فيه إلى نية قائلة، فإن لم تكن له نيةُ فاحمله على أول أسماء الطلاق، وذلك طلقة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: أنت طالق الطلاق كله، فهو ثلاث.
فصل [6 - فيمن أراد أن يحلف
فصمت بعد ذكر الطلاق]
وإن أراد أن يطلق ثلاثاً أو يحلف بها فقال: أنت طالق، ثم سكت عن ذكر الثلاث، أو تمادى في يمينه إن كان حالفاً فهي واحدة إلا أن ينوي بلفظة "طالق"
الجزء: 10 - الصفحة: 861
الثلاث فيكون ثلاثاً، ولو أخذ ليحلف على شيءٍ فلما قال: أنت طالق ثلاثاً، بدا له فصمت فلا شيء عليه.
فصل [7 - فيمن تلفظ بالطلاق ونوى غير ما تلفظ به]
وإن قال: حكيمة طالق، وله جارية وزوجة تسميان حكيمة فقال: نويت الجارية، فإن كان عليه بين لم يقبل منه وتطلق الزوجة، وإن لم يكن عليه بينة فله ذلك في الفُتيا.
قال مالك: ولو حلف للسلطان بطلاق امرأته طائعاً في أمرٍ كذَب فيه وقال: نويت امرأتي الميتة، فلا يُنوَّى في القضاء ولا في الفتيا، لأنه قال: امرأتي، وتطلق امرأته.
وإن قال لزوجته: أنت طالق البتة، ثم قال: والله ما أردت بقولي: ألبتة، طلاقها وإنما أردت واحد فزل لساني فلفظت بالبتة، فهي ثلاث.
قال مالك: واجتمع رأيي فيها ورأي غيري من فقهاء المدينة أنها ثلاث ألبتة.
قال سحنون: والذي قال: ألبتة، قد كانت عليه بينة، فلذلك لم ينوِّه مالك.
وقال عن ابن القاسم في غير المدونة: إنها ألبتة، ولا يُنوَّى في قضاءٍ ولا فُتيا.
الجزء: 10 - الصفحة: 862
قال: وقال ابن نافع إنه يُدَّين فيما بينه وبين الله، وكل هذه الأقوال عن مالك.
[فصل - فيمن قال لزوجته: أنت طالق
وقال: نويت من وثاق]
ومن المدونة: قلت لابن القاسم: فمن قال لامرأته: أنت طالق، وقال: نويت من وِثَاق، ولم أرد به الطلاق ولا بينة عليه وجاء مستفتياً؟
قال: أرى الطلاق يلزمه، وقد قال مالك فيمن قال لامرأته كلاماً مبتدءاً: أنت بريَّة، / ولم ينو به الطلاق، فهي طالق ولا ينفعه ما أراد من ذلك بقلبه، فكذلك مسألتك، وقد قال مالك: يؤخذ الناس في الطلاق بألفاظهم ولا تنفعهم نياتهم في ذلك إلا أن يكون جواباً لكلامٍ كان قبله فلا شيء عليه.
قال الشيخ: وقال مطرف وابن نافع وابن عبد الحكم: إذا كانت في وِثاقٍ: أنت طالق، يعني من الوِثَاق ديَّتُه ونَوَّيُته.
ولا يخالف ابن القاسم ذلك إذا سئل في تركها فقال لها: أنت طالق، وقال: أردت من الوثاق، لأنه بساط جوابه، وأما لو كانت في وِثَاقٍ فقال لها كلاماً مبتدءاً: أنت طالق، ثم قال: أردت من الوثاق، فهذا يحتمل أن لا ينويه ابن القاسم، ويخالف مطرفاً في ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 863
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن خطب إلى رجلٍ ابنته فقال له: هي أختك من الرضاع، ثم قال لعا بعد ذلك: والله ما كنت إلا كاذباً، فقال مالك: لا يتزوجها.
فصل [9 - فيمن خاطب زوجته
بما ليس من ألفاظ الطلاق]
ومن قال لزوجته: الحقي بأهلك، ولم ينو طلاقاً فلا شيء عليه، وإن نوى طلاقاً فهو ما نوى من واحدةٍ فأكثر.
وكذلك إن قال لها: يا فلانة، أو أنت حرة، أو اخرجي، أو ادخلي، أو تقنَّعي، أو أخزاك الله، أو كُلي، أو اشربي، أو كلاماً ليس من ألفاظ الطلاق فلا شيء عليه إلا أن ينوي بذلك الطلاق، فيلزمه ما نوى من واحدةٍ فأكثر.
قال عبد الوهاب: وقيل: لا يكون طلاقاً وإن نوى به الطلاق.
فوجه الأول: أنه لفظ قصد به الطلاق، وأمر الطلاق مبنيُّ على الاحتياط والتغليط، فوجب أن يلزمه كما لو هزل بالطلاق فإنه يلزمه.
ووجه القول أنه لا يلزمه: الاتفاق أنه لو ضربها، أو لمسها بيده وقال: أردت الطلاق، أنه لا يكون طلاقاً، لأن ذلك ليس بصريح طلاقٍ ولا كنايةٍ عنه، فكذلك هذا.
الجزء: 10 - الصفحة: 864
[فصل 10 - في الطلاق بالقلب]
وأما الطلاق بالقلب بغير نُطقٍ فروايتان، فوجه إيقاعه: أن اعتقاد القلب لما كان لابد منه، وكان حط النطق إفهام الغير وتعبير ما في النفس جرى مجرى الخط والرمز وغير ذلك مما وُضع للإخبار عما في النفس القائل، ولأنه نوع تحرم به الزوجة فجاز أن يقع بالاعتقاد وإن عرى من النطق أصله الكفر.
ووجه نفيه: قوله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تنطق به أو تعمل به، ولأنه أحد طرفي العقد فكان نُطقاً كالنكاح، ولأنه معنىَّ يتعلق به تحريم الوطء، فلم يقع باعتقادٍ كالبيع».
وقال أبو جعفر الأَبهَري محتجاً أن الطلاق يقع بالقلب فقال: إن حقيقة الكلام في القلب، واللسان هو المعَّبر عنه والتُرجمان له، فقال الشاعر:
إن الكلامَ لفي الفُؤادِ وَإنما ... جُعِلَ اللسَان عَلى الفُؤادِ دَليلا
الجزء: 10 - الصفحة: 865
قال: وكما تكون الردة بالقلب وإن لم يلفظ بذلك، ويكون كافراً، فكذلك هذا.
وذكر عن ابن الكاتب أنه قال: الردة لا تشبه هذا، لأن الإيمان من أعمال القلب، فإذا اعتقد الكفر الذي هو ضده كان كافراً، والطلاق ليس من أعمال القلب، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وسميع لا يكون إلا للنطق، فقد بين أن الطلاق لا يلزم إلا باللفظ لا بالاعتقاد.
[فصل 11 - فيما لا يقع به الطلاق
من الألفاظ إلا بالنية]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأما إن أراد أن يلفظ بأحرف الطلاق فتلفظ بما ليس من ألفاظه غلطاً فلا شيء عليه حتى ينوي أنها بما يلفظ به طالق، / فيلزمه أرادت بذلك الطلاق، لأنها مدعية، وكذلك تمليك، العتق، والزوج إذا نوى بغير ألفاظ الطلاق طلاقاً مقر على نفسه، فيؤخذ بذلك الإقرار.
قال مالك: وإن قال لها: يا أُمّة، أو يا أُخته، أو يا عَمَّه، أو يا خاله، فلا شيء عليه، وذلك من كلام السفه، وإن قال لها: لست لي يا امرأة، أو ما أنت لي يا مرأةٍ أو لم أتزوجك، أو قال له رجل: ألكَ زوجة؟ فقال: لا، فلا شيء عليه في ذلك إلا أن ينوي بذلك الطلاق، وإن قال لها: لا ملك لي عليك، أو لا سبيل لي عليك
الجزء: 10 - الصفحة: 866
ولا نكاح بيني وبينك، فلا شيء عليه إذا كان هذا الكلام عِتاباً إلا أن ينوي بقوله هذا الطلاق.
قال أبو محمد: ظاهر كلامه يدل أنه لو لم تكن له نية، أو لم يكن الكلام عتاباً أنه يلزمه الطلاق، وقوله: إلا أن ينوي به الطلاق، يريد وإن كان عتاباً ونوى بهذه الألفاظ الطلاق أنه يلزمه.
قال في كتاب العتق الأول: ومن قال لعبده: لا سبيل لي عليك، أو لا ملك لي عليك، فإن تقدمه كلام قبل هذا يدل على أنه لم يرد به الحرية صُدَّق السيد، وإن كان كلاماً مبتدءاً عتق عليه العبد.
قال ابن القَرطِي والأَبياني: ومن قال: لا عصمة لي عليك، فهي ثلاث إلا أن يكون معها فداء فتكون واحدةً بائنةً.
قال أبو محمد: وذلك صواب كما قلنا إذا قال لزوجته: لا ملك لي عليك، ولم يكن الكلام عِتاباً، وكما يكون ذلك في العبد حرية.
الجزء: 10 - الصفحة: 867
ومن الواضحة: قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع وابن عبد الحكم وابن القاسم: ومن قال لامرأته: اجمعي عليك ثيابك، أو لا حاجة بي إليك، أو لا حاجة بي إليك، أو لا نكاح بيني وبينك، أو لا سبيل لي إليك، أو اذهبي لأهلك، أو لا تحلين لي، أو احتالي لنفسك، أو أنتِ سائبةً، أو مني عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، أو يا مطلقة، أو اعتزلي، أو تأخري عني، أو انتقلي عني، فذلك كله - سواء بنى بها أو لم يبن - لا شيء عليه إلا أن ينوي طلاقاً، فيكون ما نوى.
ومن المدونة: قال ابن شهاب: وإن قال لها: أنت سائبة، أو مني عتيقة، أو ليس بيني وبينك حلال ولا حرام، فليحلف بالله الذي لا إله إلا هو ما أراد بذلك طلاقاً ولا شيء عليه، فإن نكل وزعم أنه أراد به الطلاق كان ما أراد من الطلاق، ويحلف على ذلك، ويُتكَّل من قال مثل هذا بعقوبةٍ مُوجِعةٍ، لأنه لبَّس على نفسه وعلى حكام المسلمين.
وذكر القاسم بن محمد أن عبداً كانت تحته حرة، فكلَّمه فيها أهلها، فقال: شأنكم بها، قال القاسم: فرأى الناس ذلك طلاقاً.
وقال في الموطأ: فرأى الناس ذلك تطليقة.
الجزء: 10 - الصفحة: 868
قال مالك في كتاب محمد: وليس العمل على هذا، ولا أدري أي الناس رأى في هذا أنها تطليقةً واحدةً، وأنا أرى أنه إن كان لم يدخل بها فهي واحدة، إلا أن ينوي أكثر، وإن كان بعد البناء فهي ثلاث ولا ينوى.
وفي مختصر ابن عبد الحكم الكبير: إنه إذا قال في المدخول بها: نويت بها واحدةً، فذلك له.
ومن المدونة: قال ربيعة: وإن قال لامرأته: لا سبيل لي عليك، دُيًّن، وكذلك إن قال: لا تحلين لي، فإنهُ يديًّن، لأنه إن شاء قال: أردت الظهار أو اليمين.
قال ابن المواز: ويحلف.
ومن المدونة: قال عطاء بن أبي رباح: / ومن قال: والله ما لي امرأة، فهي كِذبة، وقاله عمر وابن عمر.
قال ابن شهاب وربيعة: وإن قال لها: أنت السراح، فهي واحدةً إلا أن ينوي بذلك الطلاق، وروي عن الأوزاعي.
وقال جماعةً من الصحابة في الخليَّة والبرَّية والبائنة: إنها ثلاث.
الجزء: 10 - الصفحة: 869
وقد ذكرنا ذلك قبل هذا.
تمَّ كتاب التخيير والتمليك بحمد الله تعالى وحسن عونه وتوفيقه.
يتوله كتاب الإيلاء، والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد المصطفى الكريم وعلى آله وصحبه وعِنزنه الطاهرين الطيبين وسلم كثيراً أثيراً.
الجزء: 10 - الصفحة: 870
[الكتاب الحادي عشر]
كتاب الإيلاء
[الباب الأول]
في الإيلاء، وما يكون به من الإيمان موليا
[فصل 1 - في معنى الإيلاء وحكمه]
قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾، والإيلاء هو الامتناع من فعل الشيء بيمين، يقال: تألى فلان ألا يفعل كذا، إذا حلف ألا يفعله، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَاتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ أي: لا يمتنع.
وقيل: إن الإيلاء هو اليمين، ويدل عليه قول النابغة:
فآليتَ لا آتِيكَ إِن كُنتُ مُحرِماً ... وَلا أبتغِي جَاَراً سِوَاكَ مُجَاوِرَا
الجزء: 10 - الصفحة: 871
قال القاضي عبد الوهاب: والإيلاء الشرعي: هو الحلف بيمين يلزم بالحنث فيها حكم على ترك وطء زوجته أكثر من أربعة أشهر.
كالحلف بالله، أو بصفاته أو بالصدقة، أو بالعتق، أو بالمشي، أو بالطلاق من غير المولى منها، وأما إن ترك الوطء غير مضارٍ بيمينٍ لا يلزم بها حكم، كاليمين بالكعبة، أو بالنبي، فليس بإيلاء.
ولا خلاف أن اليمين بالله وبصفاته ذاته [هو] الذي يتعلق به الإيلاء، وأما الحلف بغيرها فيلزم عندنا، خلافاً للشافعي في أنه لا يلزمه.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ فعمَّ، ولأنها يمين يلزمه بالحنث فيها حكم كاليمين بالله.
[فصل 2 - في أجل الإيلاء والحكم بعد انقضائه]
ومن المدونة: قال مالك: إذا حلف حر ألا يطأ امرأته أربعة أشهر، أو العبد شهرين فليسا بموليين.
الجزء: 10 - الصفحة: 872
قال القاضي عبد الوهاب: وإنما قال: أجل العبد شهران خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، لأنه معنىِّ يتعلق به حكم البينونة، فوجب نقصانه فيه عن الحر، أصله الطلاق.
قال الشيخ: قيل لأبي عمران رحمه الله: فإن حلفت ألا يطأ أربعة أشهر ويوماً؟
قال: هو مول، فإن انقضت الأربعة أشهر قيل له: طأ، فإن قال: لا، طلقت عليه، وإن قال: أطأ، ولكنه اعتذر في ذلك اليوم، تُلٌوِّم له، فإذا مضى ذلك اليوم زال عنه الإيلاء لزوال يمينه.
ابن المواز: قال مالك في المولي نفس الإيلاء وهو الحالف فيه ألا يطأ: فالأجل فيه من يوم حلف، ضربه الإمام أو لم يضربه، فإن ضربه الإمام فلم ترفعه ثانية بعد الأجل ليوقف، فلا تطلق عليه حتى توقفه ثانية، وليس هو من ذلك في حلِّ أن تطرح ذلك عنه، وتقولك: لا حاجة لي بإيقافه، فهو حق تركته، إلا أن لها أن ترجع متى شاءت، فيوقف لها مكانه بغير أجلٍ ليفيء أو يطلق.
الجزء: 10 - الصفحة: 873
وقال أشهب عن مالك: وإن طال الزمان.
قال أصبغ: وتحلف ما كان تركها على التأييد، ولا أرتضي بإسقاط ذلك ألا على أن تنظر وتعاود رأيها، ثم يوقف مكانه، فإما فاء أو طلق عليه في مجلسه/ ذلك.
وقاله أشهب عن مالك في العتبية: أنه إذا جاوز الأجل ثم رفعته وقف مكانه فإما فاء أو طلق عليه.
قال فيها: وإذا أرادت الأمة ترك زوجها حين آلى منها فلسيدها إيقافه، وقاله ابن القاسم عن مالك.
[فصل 3 - فيما يكون به من الأيمان موليا]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن حلف ألا يغتسل منها من جناية، فهو مُولٍ، لأنه لا يقدر على الجماع إلا بكفارة.
قال الشيخ: وحكي عن بعض شيوخنا أنه إذا حلف ليعزلنَّ عن زوجته فليس بمولٍ، لأن الوطء موجود منه وإن كان يعزل.
وعاب ذلك بعض أصحابنا وقال: لأن الإنزال من حقوق الزوجة، إذ لا يجوز أن يعزِل عنها إلا بإذنها.
الجزء: 10 - الصفحة: 874
وقد اختُلف فيمن حلف ألاَّ يبيت مع امرأته هل تطلق عليه أم لا لأنه يأتيها نهاراً؟
قال: فإذا كان اختلف في هذا ففي العزل أولى أن تطلق عليه.
قال الشيخ: إنما تطلق على هذا الذي حلف ألاَّ يبيت مع زوجته لأجل الضرر عليها بذلك، فليس هو بمولٍ ولا يضرب له أجل المولي، لأنه غير ممتنع، فبان أن قول الفقيه صواب، والله أعلم.
قال مالك: وإن آلى منها بحجٍ، أو بعمرةٍ، أو بصومٍ، أو بطلاقٍ أو بهديٍ أو بعتقٍ فهو مول.
وإن قال لها: إن وطئتك فعلى نذرً أويمين أو كفارة يمينٍ فهو مولٍ، وإن حلف ألاَّ يطأها حتى يقدم فلان، أو حتى يموت فلان فهو مولىٍ.
قال: وإن حلف ألا يطأها حتى يقدم أبوه، وأبوه باليمن، أو حلف لغريمٍ له بالله ألا يطأ امرأته حتى يوفيه حقه فهو مولٍ، وكل من حلف ألا يطأ امرأته حتى يفعل كذا فهو مولٍ، كان ذلك الشيء مما يقدر على فعله أم لا.
قال مالك: وإن قال لها: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فهو مولٍ، إذ لها أن تقيم بلا وطء.
قال الشيخ: لأنه حالف على ترك وطئها بيمين يلومه بالحنث فيها حكم، كما لو حلف بطلاق غيرها، ويمكن منها فإذا ابتدأ بالإيلاج نزع، ووقع عليه الثلاث فلم تحل له إلا بعد زوج.
وروى أكثر الرواة أنه لا يمكَّن من الفيء بالوطء، إذ باقي وطئه حرام.
الجزء: 10 - الصفحة: 875
وروي عنه أيضاً: أن السلطان يطلق عليه حين ترافعه، فلا يضرب له أجل المولي، ولا يمكَّن من فيئته، وقاله ابن القاسم، رفعته قبل أربعة أشهرٍ أو بعدها.
قال سحنون: وهذا أحسن.
قال الشيخ: ووجه ذلك: أنه لا يمكنه الفيء إلا بالحنث، ولا تصل إلى الحلال منه إلا بالحرام، فوجب أن يمنع من ذلك، وإذا لم يكن الفيء وجب الفراق ولا معنى لضرب الأجل، لأن مالَه يُراد مُتعذر.
ابن المواز: وروي عن مالك: أن له أن يحنث نفسه بالوطء فتطلق بالبتة.
قال ابن القاسم: وله أن يتمادى حتى ينزلِ، وأحب إلي ألا يفعل، فإن فعل لم يكن عندي حرجاً.
قال أصبغ: وينزل فيها، وذلك ما لم يخرج ذكره ثم يعاوده فلا يحل له ذلك.
وقال غير ابن القاسم: إذا التقى الختانان قطع، ورواه ابن وهب، وقاله عبد الملك.
قال الشيخ: وهو مثل ما بينا أولاً.
قال ابن المواز: وإذا كانت يمينه بواحدةٍ فهو مول، وإن وطئ فلينو ببقية مصابه الرجعة، لأنه يحنث بأول الملاقاة، فإن كان ذلك قبل البناء ضرب له أجل الإيلاء، وله الفيئة بالوطء على أن ينوي ببقية وطئه الرجعة، فإن وطئ على هذا وإلا طلق عليه.
قال مالك والليث: وإن قال: إن لم أطأك فأنت طالق، فهو مولٍ، وقاله ابن القاسم، ثم رجع فقال: لا يكون مولياً، لأنه ليس عليه يمين تمنعه الجماع.
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: وإن قال: إن وطئتك فوالله لا أطؤك، فليس بمولٍ حتى يطأ، وكذلك روى عنه عيسى في العتبية.
الجزء: 10 - الصفحة: 876
قال الشيخ: وهذا / عندي على قول ابن القاسم في مسألة الذي حلف بالبتة لا يطأ أن له أن يحنث نفسه بالوطء ويتمادى حتى يُنزِل، لأنه كأنه رآه إنما أراد وطأ تاماً، فبتمامه يحنث.
وأما على قول مالكٍ الذي رأى لا يمكن من الفيء بالوطء، إذ باقي وطئه حرام ينبغي ألا يكون مولياً بعد تمام وطئه، لأنه بأول الملاقاة يكون مولياً، وببقية وطئه يحنث، وتلزمه الكفارة ويزول عنه الإيلاء.
وكذلك اختلفوا في مسألة الذي حلف بالظهار ألا يطأ، فقال ابن القاسم: إن وطئ كان مظاهراً ولم تلزمه كفارة الظهار إلا أن يطأ ثانية.
وقال ابن المواز: لا يجوز له أن يطأ، لأنه يحنث بأول الملاقاة، ويصير بقية وطئه في امرأة قد ظاهر منها - يريد فإذا وطئ فقد لزمته الكفارة للظهار - فهذه المسأل تجري على هذين القولين، والله أعلم.
وإن قال: والله لا أطؤك حتى أعتق، فهو مول عند ابن القاسم، وقال عبد الملك: ليس بمول.
قال الشيخ: وقول ابن القاسم أصح، لأنه امتنع من الوطء بيمين يلزمه إن حنث فيها حكم، كاليمين بالله تعالى مجرداً.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن وطئتك حتى أنسَّ السماء فعلىَّ كذا، فهو مول، إذ لها أن تقيم بلا وطء، فإن قامت عليه قبل أجل الإيلاء لم يوقف حتى يحل الأجل فيوقف، لأن فيئته بعد الأجل بالوطء، فلما فاء حنَّث نفسه، وإلا طلق عليه السلطان.
الجزء: 10 - الصفحة: 877
قلت: فإن حلف بالله ألاَّ يلتقي معها سنة أيكون مولياً؟
قال: قال مالك: كل يمين منعت من الجماع ولا يقدر صاحبها على الجماع لمكانها فهو بها مولى.
قال ابن شهاب: وإن حلف ألاَّ يكلمها، وهو في ذلك يمسها فهو غير مول.
قال مالك: وليس في الهجران إيلاء.
ومن النذور: وإن قال لها: والله لأطلقك، فليس بمولٍ، ولا يمتنع من الوطء، فإن شاء طلق أو كفر، ولا يجبر على ذلك، ولا يحنث إلا بعد الموت.
ومن الإيلاء: وإن حلف بالله ألا يطأ واستثنى، فرآه مالك مولياً، وله أن يطأ بلا كفارة، وقال غيره: لا يكون مولياً.
قال الشيخ: وإنما جعله مالك مولياً لاحتمال أن يريد بالاستثناء حِلُّ اليمين أو يريد بها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، فوجب ألاَّ يسقط حق المرأة، ويزول الإيلاء بأمرٍ محتمل.
فإن قيل: فهو يقول: إذا كفَّر المولي قبل الحنث سقط عنه الإيلاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 878
ويحتمل أن يكون كفَّر عن يمينٍ سلفت له، فما الفرق.
قيل: يحتمل أن يكون الفرق أن الكفارة تسقط اليمين حقيقة، فقوىَ عنده أن الاستثناء لا يُحل اليمين حقيقة، للاحتمال الذي قدمناه، والله أعلم.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يطأ بعهد الله، أو بميثاقه، أو كفالته، أو ذمته أو قدرته، أو عظمته، أو جلاله، فهذه كلها أيمان، فما حلف به من ذلك فهو به مولٍ نفس الإيلاء، والأجل فيه أربعة أشهرٍ من يوم حلف للحر، وشهران للعبد، كانت زوجة أحدهما حرةً أو أمةً، مسلمة أو كتابية، وإنما ينظر في الأجل للرجال لأن الطلاق على الرجال والعدة على النساء.
وإن قال لها: أشهد ألا أقربك، أو أعزم على نفسي، أو أقسم، فلا يكون بذلك مولياً إلا أن يريد بالله.
قال مالك: وقوله: أشهد، ولعمري، ليسا بيمين.
وإن قال لها: إن وطئتك فهو يهودي أو نصراني أو زانٍ، لم يكن مولياً، وليست هذه أيماناً.
وإن حلف ليغيظها أو ليموءنها، / فترك الوطء أربعة أشهرٍ فليس بمول.
وإن قال لها: والله لا أطؤك، فلما مضت أربعة أشهرٍ وُقِف فقال: أردت ألا أطأها بقدمي، قيل له: فإن وطئت صدقك، وأنت في الكفارة أعلم، إن شئت فكفَّر إذا وطئت وإن شئت فدع.
الجزء: 10 - الصفحة: 879
وكذلك إن قال: أردت ألاَّ أطأها في هذه الدار، قيل له: فأخرجها وجامعها إن كنت صادقاً، ثم لا كفارة عليك، ولا يترك من غير أن يجامعها، فإن بيَّن فقال: والله لا أطؤك في هذه سنةَّ، وهو فيه ساكن مع امرأته، فليس بمولٍ، ولكن يؤمر بالخروج منها ليجامعها إذا طلبت ذلك المرأة، لأني أخاف أن يكون مضاراً، إلا أن تدعه المرأة.
قال سحنون: فأما إن قال: لا أطؤك حتى أخرج من هذا البلد أو المصر، فهو مولٍ يضرب له الأجل، كقوله: حتى أقضى فلاناً حقه.
قال ابن القاسم وغيره: فإن قال لها: والله لا أطؤك في هذا المِصر أو في هذه البلدة، فهو مول.
قال غيره: وكأنه قال: والله لا أطؤك حتى أخرج منها، فإن كان خروجه يتكلف، فيه المؤونة والكلفة فهو مول.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: إن وطئتك فكل مملوكٍ أملكه فيما يستقبل حر، أو قال: كل مملوكٍ أملكه من ذي قبل فهو صدقة، فليس بمولٍ، لأن مالكاً قال: لو حلف بهذا لم يكن عليه أن يتصدق بثلث ما يفيد، ولو قال: كل مملوكٍ أشتريه فهو حرَّ، لم يعتق عليه ما يشتري.
قال ابن القاسم: وإن حصَّ بلداً لم يكن مولياً حتى يملك من تلك البلدة مالاً أو عبداً، فيكون مولياً حينئذ.
وقال غيره: هو مولٍ قبل الملك، إذ يلزمه بالوطء عقد يمينٍ فيما يملك من رأسٍ أو مالٍ، وقاله ابن القاسم أيضاً.
الجزء: 10 - الصفحة: 880
وإن قال لها: إن جامعتك فعليَّ صوم هذا الشهر، فليس بمولٍ إلا أنه إن جامعها فيه صام بقينه، وإن لم يطأها فيه حتى انسلخ فلا شيء عليه، كمن حلف بعتق عبده إن جامع امرأته، فباع عبده أو مات ثم جامعها لم يكن مولياً.
قال الشيخ: وكذلك إن قال: إن جامعتك فعليَّ صوم هذين الشهرين، أو الثلاثة، أو الأربع فليس بمولٍ إن كان حراً حتى يزيد على الأربعة، وكأنه قال: لا أجامعك حتى تنسلخ هذه الأربعة أشهر، فلا شيء عليه حتى يزيد على ذلك.
وإن قال: إن جامعتك فعليَّ صوم رمضان، كان مولياً، لأنه غير معين، وكأنه في المعين ضرب لوطئها أجلاً، فلا يكون مولياً حتى يكون الأجل الأكثر من أربعة أشهرٍ من يوم يمينه، إلا أن يعين شهراً بعد أربعة أشهرٍ فإنه يكون مولياً، كقوله وهو في أول المحرم: إن وطئتك فعليَّ صوم جمادى الأولى، فكأنه قال: لا أطؤك حتى ينسلخ جمادى الأول، والأصل في هذا أن ينظر، فإن مضى أجل الإيلاء ولا يمين له تمنعه من الجماع فليس بمولٍٍ، وإن مضى الأجل واليمين بقاية عليه فهو مولٍ.
ومن كتاب ابن المواز: وإن قال: إن قربتك فعلىَّ صوم هذا الشهر، أو شهرٍ بينه وبين آخره أربعة أشهر، فليس بمولٍ حتى يكون بينه وبين آخره أكثر من أربعة أشهر، وهو نحر ما بينَّا، وبالله التوفيق.
ومن المدونة: وإن قال: والله لا أطؤك في هذه السنة إلا يوماً واحداً، لم يلزمه إيلاء إلا أن يطأ وقد بقي منها أكثر من أربعة أشهر، وقد اختلف فيها بالمدينة.
الجزء: 10 - الصفحة: 881
ومن كتاب ابن المواز: ومن حلف ألا يطأ امرأته في هذه السنة إلا مرة، فقال ابن القاسم: إن وطئها وقد بقي من السنة أكثر من أربعة أشهرٍ صار مولياً.
وقال أيضاً: إن مضى / من السنة أربعة أشهرٍ ولم يطأ وقف، فإما فاء وإما طُلِّق عليه، وهو أحب إلى ابن القاسم وأصبغ إلينا.
فإن فاء فهو فيما يستقبل مولياً لا شك فيه، ويوقف ثانيةً لأربعة أشهرٍ أخرى وقاله أشهب.
قال: فإن لم ترفعه حتى بقي من السنة أربعة أشهر يريد ولم يطأ بعد - فلا حجة لها إلا أن يكون وطئ قبل ذلك فيكون مولياً.
قال ابن القاسم: ولو قال: إلا مرتين، لم يكن مولياً، لأنه إن شاء تركها أربعة أشهرٍ ثم وطئها ثم تركها أربعة أشهرٍ ثم وطئها، فلا يبقى من السنة إلا أربعة أشهر.
وقال أصبغ: هو مول.
قال محمد: غلط أصبغ: وهو مول، لأنها يمين على كل حال، ولأن الوطئين إن عجَّلهما بقى باقي السنة أو أكثرها لا يقدر على الوطء، ولو شاء أن يعجِّلهما عجَّلهما فهو يؤخرهما لذلك.
وإن قال: إذا وطئتك، أو إذا وطئتك كذا وكذا فأنت طالق ألبتة، فذلك سواء، هو مولٍ تطلق عليه إذا مضت عليه أربعة أشهرٍ من يوم حلف، وقاله أصبغ
الجزء: 10 - الصفحة: 882
ومن المدونة: قال مالك: وإن حلف ألا يطأها حتى تفطم ولدها فليس بمولٍ، لأن هذا ليس على وجه الإضرار، وإنما أراد صلاح ولده، وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
ومن كتاب ابن المواز: ومن حلف إلا يطأ امرأته التي ترضع سنتين وقال: أردت تمام الرضاع، فليس بمولٍ إلا أن يموت الصبي وقد بقي من السنتين أكثر من أربعة أشهر، فيلزمه الإيلاء من يومه.
قال الشيخ: واعترض بعض أصحابنا قوله: من يومه، وقال: إنما حمل عليه أولاً أنه غير مضار، فإذا مات الولد ولم يطأ تبين أنه إنما أراد الضرر، فينبغي أن يكون أجله من يوم حلف.
قال الشيخ: وليس بصواب، لأنه يحتمل أن يكون اليوم أراد الضرر بامتناعه، إذ لا عذر له، ويحتمل أن يكون أراده من الأول، وما يكون أولا يكون لا حكم له، فحمل أنه اليوم أراد الضرر بلا شك فيه.
ابن المواز: ولو حلف بطلاقها لأتزوجن عليك إذا استغنى ولدك عنك، وذلك في الحولين، فليكلف عن وطئها، ولا وقت في ذلك إلا أن ينويه.
قال محمد: لا يكف عن الوطء إلا بعد الحولين، وبعد الحولين يكون مولياً إن رافعته.
الجزء: 10 - الصفحة: 883
وفي كتاب ابن سحنون: إذا حلف بطلاقها ألبتة ألا يطأها حتى تفطم ولدها فليس بمولٍ، وإن مات ولده فليس بمولٍ، وإن مات قبل الفطام فله وطؤها، ولا يحنث إن كانت نيته في ذلك صلاح ولده، وإن كانت نيته إلاَّ يمسها حولين كاملين فهو مول، وتطلق عليه إذا أوقفه السلطان بعد أربعة أشهر، لأنه لا يقدر أن يمسها، ولا يفيء، لأن في يمينه بالبتة، وإن هي لم توقفه حتى مضت الحولين فقد خرج من يمينه.
ومن المدونة: وإن حلف ألا يطأها سنةً فمضت السنة قبل أن يوقف فلا إيلاء عليه.
وإن حلف ألاَّ يطأها ثمانية أشهرٍ فوقف لأربعة أشهرٍ فأبي أن يفيء فطلق عليه ثم ارتجع، فإن انقضت عدتها وقد بقي من الأشهر الأخرى فليس برجعة، وإن انقضت الأربعة أشهر قبل تمام العدة، ولم يمس فرجعته ثابتة، لأنه ليس ها هنا يمين تمنعه من الجماع.
قال ابن القاسم: وإن قال لها: والله لا أطؤك، ثم قال بعد ذلك بشهر: على حِجَّة إن قربتك، فوقف الأربعة أشهرٍ من اليمين الأولى فطلق عليه ثم ارتجع فلا إيقاف عليه لليمين الثانية، إذ لو حنث بالوطء لزمته اليمينان جميعاً، فكذلك التطليق عليه لليمينين جميعاً، وقاله غيره.
الجزء: 10 - الصفحة: 884
[الباب الثاني]
فيمن حلف بالطلاق ليفعلن هو أو غيره كذا ودخول الإيلاء عليه
[فصل 1 - فيمن حلف بالطلاق ليفعلن هو أو غيره كذا]
قال ابن القاسم: ومن حلف بالطلاق ليجلدن / عبده جلداً يجوز له، فباعه قبل أن يجلده ضرب له أجل المولي إن رفعته، فإن حلَّ الأجل قبل أن يملكه بشراءٍ أو غيره فيجلده طلقناها عليه واحدةً، فإن ملكه بانت منه، ثم إن نكحها عاد مولياً ووقف إلا أن يملكها فيضربه فيير.
قال الشيخ: يريد: وإن قامت عليه فضرب له أجل المولي فحل قبل أن يملكه فإنها تطلق عليه ثانية، ثم إن نكحها ثالثةً عاد مولياً وطلقت لتمام الأجل، ثم إن نكحها بعد زوجٍ لم يكن مولياً لزوال العصمة التي حلف بها، ولو أراد أولاً أن يطلقها واحدةً ليزيل يمينه كان ذلك له، ثم إن ارتجعها لم يكن مولياً، كما قال فيمن حلف بطلاق امرأته واحدةً ليتزوجن عليها: فأحب ألاَّ يتزوج عليها، فإنه يطلقها واحدة ويرتجعها فتزول عنه يمينه فكذلك هذا، ولا يرفع يمينه طلقة الإيلاء، لأنه لم يحنِّث نفسه فيما حلف عليه، وإنما طلق عليه بسبب الإيلاء، كما لو حلف بطلاق زوجته ألا يدخل الدار، ثم حلف بطلاقها ألا يكلم زيداً، فكلمه فطلقت عليه، فلا يُزيل ذلك يمينه على دخول الدار إذا ارتجعها.
الجزء: 10 - الصفحة: 885
ومن المدونة: وقال ابن دينار: ساعة باعه طلقت عليه.
قاله ابن دينار: ومن حلف بحرية غلامه ليضربه، فباعه قبل الضرب نقضت البيع وأعتقه عليه، إذ لا أنقض صفقة مسلمٍ إلا إلى عتقٍ ناجزٍ.
[فصل 2 - في دخول الإيلاء عليه]
قال ابن القاسم: ومن دخل عليه الإيلاء لضررٍ أو غيره ولم يحلف على ترك الوطء مثل أن يقول: إن لم يفعل، أو لأفعلن كذا فأنت طالق، فهو على حنثٍ ولا يطأ، فإن رفعته ضرب له الأجل من يوم ترفعه.
قال غيره: وهذا إذا تبين للسلطان ضرره بها، فأما إن لم يمكنه فعل ما حلف عليه لم يُحَلْ بينه وبينها، ولا يضرب له أجل، فإذا أمكنه فعل ذلك حيل بينهما، وضرب له أجل المولي إن رفعته كالحلف بالطلاق ليحجن ولم يوقِّت سنة بعينها، وهو في أول السنة، أو لأخرجن إلى بلد كذا ولا يمكنه الآن خروج لخوف طريقٍ أو نحوه، ولا يستطيع الحج في أول السنة، فهذا لا يحال بينه وبين امرأته، فإذا أمكنه الخروج أو جاء وقت الحج فتركه إلى وقتٍ إن خرج لم يدركه منع حينئذٍ من الوطء وضرب له أجل المولي من يومئذٍ إن رفعته.
قال الشيخ: يريد وكذلك إن رفعته في إبَّان الخروج الذي يدرك فيه الحج فإنه يمنع من الوطء أيضاً، ويضرب له أجل المولي، وقاله ابن نافع بعد هذا، وهو تفسير، والله أعلم.
قال: فإن فعل ما يبرُّ به من الحج إن كان يدركه، أو الخروج إلى البلد قبل الأجل بَرَّ، وإن حل الأجل ولم يفعل ما أمكنه من ذلك طلق عليه، فإن ارتجع وفعل
الجزء: 10 - الصفحة: 886
الحج، أو الخروج إلى البلد قبل انقضاء العدة ثبتت رجعته، لأنه فيئته ها هنا فعله، وأما في نفس الإيلاء فالوطء فيئته.
وقال ابن نافع عن مالكٍ في الحالف بالطلاق ليحجن، ولم يسمِّ العام الذي يحج فيه: إن له الوطء ما بينه وبين أول حجة، فإذا جاء إبان الخروج الذي يدرك فيه الحج من بلده، فحينئذ لا يمسها حتى يحج.
وقال ابن القاسم في المستخرجة: لا يطأ حتى يحج، وإن كان بينه وبين ذلك زمان فليحرم ويخرج، وإن رضيت امرأته أن تقيم بلا مسيس فليحج متى شاء وإن رفعت أمرها إلى السلطان وطلبت المسيس، قيل له: أحرم وإن كان ذلك في الحرم، فإن أبى أن يحِرم ضرب له أجل المولي، فإن أحرم في ذلك الأجل لم يطلق عليه، وإن حل أجل الإيلاء ولم يحرم طلق عليه، وذكر سحنون في كتاب ابنه هذه الرواية / وذكر رواية ابن نافع وقال بها.
قال الشيخ: ولو سمَّى العام الذي يحج فيه لم يكن مولياً، لأنه لا يمنع من الوطء، لأنه ضرب لفعله أجلاً، فهو على برَّ بالتأجيل.
ابن المواز: وكل من حلف على فعلٍ أو خروج إلى بلدٍ، وذلك لا يمكنه حينئذٍ لم يكن على حنثٍ حتى يأتيه وقت يمكنه، فمن يومئذٍ يكون على حنث، وكذلك إن لم يكن لخروجه وقت إلا أن منعه فساد طريقٍ أو غلاء كراءٍ، فهو عذر، وكذلك يمينه ليكلمن فلاناً وهو غائب، فلا يوقف حتى يقدم فلان وإن طالت غيبته، وإن مات في غيبته ما كان عليه شيء، وإن كان حاضراً وطال مقامه بما يمكنه الفعل فلم يفعل حتى مات فلان فقد حنث، والحالف على خروج لو أمكنه فمنعه من الوطء لم يرجع إليه، وإن جاء بعد ذلك وقت لا يمكنه لفوات
الجزء: 10 - الصفحة: 887
ما كان أمكنه، فإن وطئ جهلاً لم ينفعه ذلك، ويضرب له أجل المولي إن طلبت ذلك، فإذا حلَّ طلقت عليه، والحالف ليحجن إذا جاء إمكان الخروج للحج منع الوطء حينئذ، ثم إذا فات وقت الخروج فرفعت أمرها ضرب له أجل الإيلاء ثم طلق عليه لحلوله، لأنه لا يقدر على الفيئة، ولا يحج وسط السنة، ورواه عبد الملك عن مالك، وهو أحب ما فيه إلي.
وقال ابن القاسم: إذا أمكنه الخروج فلم يخرج حتى فاته طلق عليه.
وقال أشهب: وقال: يمنع وقت إمكان الخروج، فإن فاته الخروج رجع إلى الوطء حتى يأتي وقت الخروج أيضاً.
وقال عبد المكل: لا يمنع حتى يفوته الوقت ويعلم أنه لو خرج لم يلحق، فيمنع حينئذٍ ويكون مولياً إن رفعته، وروايته عن مالكٍ أحب إلينا.
قلت: فإن تأخر ضرب الأجل بتأخير رفعها حتى صار يمكنه الخروج ثانية؟
قال: يضرب له الأجل حينئذ، لأنه ممن منع الوطء مرة، فإن لم يتم حجه قبل الأربعة أشهرٍ طلق عليه.
والحالف: لأ أطؤك حتى أخرج إلى الحج، هو من يوم حلف مولٍ، والأجل من يوم يمينه، ويطلق عليه لحلوله إن لم يخرج.
ابن القاسم: وإن حلف بالطلاق ليحجنَّ فُلان، لم يمنع منها حتى يأتي إبَّان الحج، فإما حجَّ أو طُلق عليه.
ابن المواز: إذا زال وقت الخروج طلق عليه، بخلاف الخالف على نفسه ليحجَّن، فيذهب إبَّانه، فهذا مولٍ.
وقال عنه عيسى في العتبية: والقائل: إن لم يحج فلان، كالقائل: إن لم أحج أنا، ويضرب له أجل الإيلاء، وأما إن قال: إن حج فلان، أو فعل كذا، فلا شيء عليه في رواية محمد وعيسى حتى يفعل فيحنث.
الجزء: 10 - الصفحة: 888
ومن المدونة: قال ابن القاسم عن مالك: ومن قال لرجل: امرأته طالق إن لم تهب لي ديناراً، أو قال لامرأته النصرانية: أنت طالق إن لم تسلمٍ، حيل بينه وبينها، ولم يدخل عليه في هذا إيلاء، ولكن يتلوَّم له الإمام على قدر ما يرى أنه أراد بيمينه، فإن أسلمت، أو وهب له الأجنبي الدينار وإلا طلقت عليه.
ابن المواز: ولا يكون الاجتهاد في التلوم فيما زاد على أجل الإيلاء، بل من الناس من يرى أن وجه يمينه شهر، أو أكثر من ذلك، أو أقل على قدر ما يرى أنه أراده.
ومن المدونة: وإنما يدخل الإيلاء في هذا على من حلف ليفعلن هو نفسه فعلاً يجوز له، وأما أن يحلف على معصيةٍ كقوله: أنت طالق لأقتلنَّ فلاناً، أو لأشربنَّ خمراً، فلا يتلوَّم في هذا ويطلق عليه السلطان مكانه، ويعتق عليه إن كان عتقاً.
ربيعة: وكذلك قوله: لأضربنَّ فلاناً، إلا أن يجب عليه ضربه بحقٍ، فيدخل عليه الإيلاء.
قال ابن شهاب: وإن حلف ليفعلن ما يجوز له إلى أجل، لم يُحَل بينه وبينها، فإن لم يؤجل ضرب له الأجل فإن فعل ما حلف عليه فبسبيل ذلك، وإلا فُرِّق بينه وبين امرأته / صاغراً قَمِبئاً.
قال ربيعة: وإن حلف بطلاق امرأته ليخرجنَّ إلى إفريقية، أو ليتزوجن عليها، فإنه يوقف عن وطئها، ويضرب له الأجل.
الجزء: 10 - الصفحة: 889
[الباب الثالث]
فيمن آلى من أجنبية أو صغيرة أو مطلقة أو أربع نسوة أو حلف بعتق عبده ألا يطأ امرأته أو بطلاق امرأة له أخرى
[فصل 1 - فيمن آلى من أجنبية]
قال مالك: ومن قال لأجنبية: والله لا أطؤك، وأنت علي كظهر أمي، ثم نكحها لزمه الإيلاء، ولم يلزمه الظهار، إلا أن يريد بقوله إن تزوجتك، فيلزمه الظهار.
فإن قال لها: إن تزوجتك فأنت طالق، ووالله لا أقربك، فإن نكحها طلقت عليه، ثم إن نكحها ثانيةً لزمه الإيلاء.
وإن قال لها: إن تزوجتك فوطئتك فأنت طالق، كان مولياً يوم التزويج، فإن وطئها طلقت وسقط عنه الإيلاء، ويصير إذا تزوجها كمن قال لزوجته: إن وطئتك فأنت طالق، وقد تقدم الجواب فيها.
ولا يجوز لرجلٍ أن يطأ أُمَّ جاريةٍ له قد وطئها بملك اليمين.
فصل [2 - فيمن آلى من صغيرة]
ومن آلى من صغيرةٍ لا يوطأ مثلها لم يؤجل حتى تبلغ حدَّ الوطء، فمن يومئذٍ يضرب له الأجل.
الجزء: 10 - الصفحة: 890
فصل [3 - فيمن آلى من رجعية]
ومن طلق امرأته طلقةً يملك فيها الرجعة، ثم آلى منها، فهو مولٍ، فإن مضت أربعة أشهرٍ قبل انقضاء العدة وقف، فإما فاء وإلا طُلِّق عليه.
فصل [4 - فيمن آلى من أربع نسوة]
ومن قال لنسائه الأربع: والله لا أقرب واحدةً منكن، ولا نية له لواحدةٍ بعينها، فيمينه على جميعهن، فإن ماتت إحداهن أو طلقها ألبتة كان إيلائه فيمن بقي، فإن وطئ منهن واحدة حنث في جميعهن ويكفِّر، ثم لا كفارة عليه فيمن وطئ من البواقي، لأنه لما وطئ من البواقي، لأنه لما وطئ حنث ولزمته الكفارة بوطئها، وسقطت عنه اليمين، فإذا وطئ أخرى فإنما يطأ بغير يمين.
فصل [5 - فيمن حلف بعتق عبده ألا يطأ امرأته]
ومن قال لزوجته: إن وطئتك فعبدي ميمون حر، فباعه فله أن يطأها، فإن اشتراه عاد مولياً، ولا يحنث إلا بالوطء وهو في ملكه.
وإن بيع في تفليسٍ ثم اشتراه فقد قيل: لا تعود عليه اليمين، وقال ابن القاسم: تعود عليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 891
قال الشيخ: كمسألة من حلف بحرية عبده ألا يكلم فلاناً ففلس فباعه عليه الإمام، ثم اشتراه ثم كلمه، فقال ابن القاسم: يحنث، وقال أشهب: لا يحنث، فهي هذه بعينها.
قال ها هنا: فأما إن رد الغرماء عتقه فبيع لهم ثم اشتراه فلم يختلف مالك وأصحابه أنه لا شيء عليه، وإن رجع إليه العبد بميراثٍ فلا شيء عليه.
فصل [6 - فيمن حلف بطلاق إحدى امرأتيه
ألا يطأ الأخرى]
ومن قال: زينب طالق إن وطئت عزَّة، فطلق زينب واحدةً، فإن انقضت عدتها فله وطء عزَّة، ثم إن تزوج زينب بعد زوجٍٍ زينب بعد زوجٍ أو قبل زوجٍٍ عاد مولياً في عزَّة، فإن وطئ عزِّة بعد ذلك أوطئها في عدة زينب من طلاق واحدةٍ حنث، ووقع على زينب طلقتان الآن تمام الثلاث.
ولو طلق زينب ثلاثاً ثم نكحها بعد زوجٍ لم يعد عليه في عزَّة إيلاء، لزوال طلاق ذلك الملك، فلو طلق عزَّة ثلاثاً ثم تزوجها بعد زوج، وزينب عنده عاد مولياً ما بقي من طلاق زينب شيء، كمن آلى أو ظاهر ثم تزوجها بعد زوجٍ فلذلك يعود عليه أبداً حتى يكفر أو يفيء - يعني ظهاراً مجرداً بلا يمين حلف بها -.
الجزء: 10 - الصفحة: 892
وإن قال: زينب طالق واحدةً إن وطئت عوَّة، فطلق زينب واحدة ثم وطئ عزة في عدتها أو بعد أن نكحها ثانية طلقت زينب طلقة أخرى.
ومسألة من حلف ألا يطأ حتى يموت فلان، أو يقدم أبوه فقد تقدمت في الباب الأول.
الجزء: 10 - الصفحة: 893
[الباب الرابع]
في إيقاف المولي وفيئته / والطلاق عليه
قال سبحانه: ﴿فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قوله تعالى: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ يريد: فإن رجعوا عما حلفوا عليه من ترك الوطء، لأن الفيء في لسان العرب هو الرجوع.
وقوله: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ يدل [على] أن الفراق لا يقع عليه بتمام الأجل، إذا لو كان الطلاق واقعاً بحلول الأجل ما قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾، فلم يقع الفراق بالإيلاء بتمام الأجل حتى يوقفه السلطان، وقاله عمر، وعثمان، وابن عمر، وعائشة، وبضعة عشر من الصحابة، وكثير من التابعين رضي الله عنهم أجمعين.
الجزء: 10 - الصفحة: 894
قال ابن القاسم: وإذا مضت سنة للمولي ولم يقف لم يطلق عليه، فإن وقف عند الأجل فلم يفئ طلق عليه الإمام واحدة، فإن قال: أنا أفيء، لم يعجل عليه بالطلاق واختبره مرةً ومرتين فإن تبين كذبه طلق عليه.
ومن حلف ألا يطأ امرأته إلا في بلد كذا، ومسافتها أقل من أربعة أشهرٍ أو أكثر، أو حتى يكلم فلاناً أو يقضيه حقه فهو مولٍ، فإن وقف بعد الأجل فقال: دعوني أخرج، فإن كانت البلدة قريبة، أو الرجل في موضعٍ قريبٍ مثل ما يختبر بالفيئة فذلك له، وإن بَعُدَ ذلك طلق عليه، ولا يزاد فيما أجل الله في الإيلاء، وقيل له: ارتجع إن أحببت.
وإن جامعها المولي بين فخذيها بعدما أوقفته، أو قبل أن توقفه فلا يفيء إلا بالجماع في الفرج إذا لم يكن له عذر، ولا يفيء بالوطء دون الفرج، إلا أن يكون نوى الفرج فلا تلزمه كفارة، كقول مالك فيمن حلف بعتق أمته إن وطئها فإنه يحنث بالوطء دون الفرج، وتُحمل أيمانهم على الاعتزال حتى يخص بنيته الفرج.
قال في كتاب الرجم: وإن جامع المولي في الدبر حنث، وزال عنه الإيلاء، ولزمته الكفارة.
قيل: أيسقط عنه الإيلاء وهو لم يكفِّر؟
قال: نعم، لأن هذا جماع لا شك فيه، إلا أن يكون نوى الفرج فلا كفارة عليه وهو مول بحاله - وطرحه سحنون ولم يقرأه.
قال فيه: وإن وطئها بين الفخذين فكفَّر زال عنه إيلاؤه، لأنه لو كفَّر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفَّر للإيلاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 895
ومن كتاب الإيلاء: قال مالك: وأحسن للمولي أن يكفر لليمين بالله بعد الحنث، فإن كفّر قبل الحنث أجرأه وزال عنه الإيلاء.
وقال أشهب: لا يزول عنه الإيلاء حتى يطأ، وهو أعلم في كفارته، إذ لعله كفر عن يمين بالله سلفت، إلا أن تكون يمينه في شيء يعينه فيزول.
قال ابن القاسم وغيره: وإذا وقف المولي فعجل حنثه زال عنه إيلاؤه، مثل أن يحلف بطلاق امرأته ألا يطأ امرأة له أخرى - محمد: ثلاثاً أو بقية الثلاث-.
قال ابن القاسم: أو بعتق عبدٍ له بعينه، فإن طلق المحلوف بها ثلاثاً أو بقية الثلاث، أو أعتق العبد أو حنث فيها زال الإيلاء عنه، وكذلك إن حل الأجل وهو مريضَّ، أو مسجون، أو غائب، وكانت يمينه بما ذكرنا، أو بصدقة شيء بعينه، أو بالله لم يطلق عليه، ولكن يوقف المريض أو المسجون في موضعه، ويكتب إلى الغائب، فإن كانت بلده مسيرة شهرٍ أو شهرين فيوقف أيضاً في موضعه، وإلا عجَّلوا الكفارة، أو إيقاع ما ذكرنا من المعينات من عتقٍ أو طلاقٍ أو صدقة، وإلا طلق على كل واحد التي آلى منها، فإن قالوا: نحن نفعل، اختبروا مرةً وثانيةً، فإن لم يفعلوا طلِّق عليهم.
وقد قال ابن القاسم في يمينهم بالله: أنهم إن فاؤوا بألسنتهم أجزأهم.
قال سحنون: وهذه الرواية أصح من كل ما كان من هذا الصنف / على غير هذا الوجه، وعليه أكثر الرواة.
قال ابن القاسم: فإذا أمكنهم الوطء فلم يطؤوا طلق عليهم، ولو كفَّروا في تلك الحال المتقدمة ثم أمكنهم الوطء فلم يطؤوا فلا إيلاء عليهم، فإن آلوا بما لا يكفر قبل الحنث أو بما لا ينفعهم تعجيل الحنث فيه قبل الوطء كاليمين إن وطئ
الجزء: 10 - الصفحة: 896
بعتق عبدٍ بغير عينه، أو يمشي، أو بطلاقٍ فيه رجعة فيها أو في غيرها، فالفيئة لهم بالقول حتى يمكنهم الوطء، فيطؤوا أو يطلق عليهم، وبعض هذا من غير المدونة.
قال مالك في كتاب الظهار: ومن حلف بعتق رقبةٍ غير معينةٍ بأن لا يطأ، فأعتق قبل الوطء إرادة إسقاط الإيلاء عنه أنه يجزئه، وأحب إليَّ أن يفعل بعد الحنث.
قال ابن المواز: قد قال هذا، وقال أيضاً: لا يجزئه ذلك إلا في رقبةٍ معينة.
قال أبو محمد: يريد محمد في الأحكام وزال الإيلاء عنه، وأما فيما بينه وبين الله تعالى فيجزئه أن يكفَّر عنه به قبل الحنث.
ومن الإيلاء: ولا يحنث المريض إذا فاء بلسانه، وإنما يحنث إذا جامع، فإن أوقف المولي وهي حائض، فقال: أنا أفيء، أُمهلِ حتى تطهر.
ومن غير المدونة: وإن قال في الحيض: لا أفيء، فروي عن مالك: أنها تطلق عليه - محمد: ويجبر على الرجعة - وروى عنه أيضاً: أنها لا تطلق عليه حتى تطهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 897
قال الشيخ: وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب في قول محمد: ويجبر على الرجعة: ما أرى هذا على قول مالك، لأن الجبر على الرجعة فيمن طلق في الحيض إنما العلة فيه تطويل العدة، والمرأة ها هنا في الطالبة له في ذلك، وأيضاً فلو كان يجبر على الرجعة ما أوقفه السلطان، لأنه كيف تطلق عليه طلاقاً لا ينبغي ثم يجبر على الرجع، ولو كان يجبر على الرجعة عند مالك لذكره.
قال الشيخ: وإنما جبره محمد على الرجعة، لأن الطلاق الواقع في الحيض بسببه، إذ قال: لا أفيء، وكأنه قال: لا أفيء إذا طهرت، فوجب إيقاع الطلاق عليه الآن، إذ لا يزاد فيما أجل الله، فلما وقع الطلاق بسببه في الحيض، فكأنه هو أوقعه، فوجب جبره على الرجعة، ويحتمل ألا يخالف ذلك مالك، كما لو جعل طلاقها بيد رجلٍ فطلقها في الحيض، أنه يجبر على الرجعة، والله أعلم.
قال ابن القاسم في المدونة: وإن آلى صحيح ثم مرض فلم يفيء بالكفارة فطلق عليه ثم مات من مرضه ذلك ورثته.
ابن المواز: ومن تظاهر من امرأته ثم آلى منها ثم وقف الأجل فله عذر بالظهار كالعذر بالمرض ونحوه، ولكن لا يقبل منه إن قال: أنا أفيء بالوطء، فإن كانت يمينه يقدر أن يسقطها أو يكفرها أُمِرَ بذلك، فإن فعل بقي مظاهراً، ثم لا يدخل عليه الإيلاء حتى يتبين صدقه، وذلك أن يقدر على الكفارة فلا يقعل ولا يفيء بالمصاب ولا يمكَّن منه، ولا ينفعه إن فعل.
الجزء: 10 - الصفحة: 898
قال الشيخ: لأنه ممنوع من الوطء كما لو لم يطأ، ولكن تلزمه كفارة الظهار، فإن كفر زال عنه الإيلاء، أي له الوطء.
ومن العتبية: قال أصبغ: وإذا حل أجل المولي وقد فقد وكشف عنه الإمام وصار ممن يضرب له أجل الفقد فليأتنف له أجل المفقود، ولا يطلق عليه بالإيلاء، إذ لعله ميت.
وأما إن جُنَّ أو أغمي عليه فليوكل الإمام به من ينظر له، فإن رأى ألا يفيء طلق عليه، وإن رأى له أن يفيء كفَّر عنه إن كانت يمينه تمنعه الوطء، أو يعتق عنه إن كانت يمينه بعتق رقبة، ولو وطئها في حال جنونه كان ذلك له فيئة، ويكفَّر عنه وليه إن كانت يمينه بعتق رقبة في صحته، ويخلي بينه وبين وطئها إلا أن يخاف أذاه.
ولو كانت يمينه بالطلاق أن / لا يطأها إلا في بلد كذا، أو حتى يعزز فلوليه أن يلزمه هذه الطلقة، وله أن يخرج إلى البلد الذي حلف على الوطء به أو يعزو به ثم يرده فيطأ.
الجزء: 10 - الصفحة: 899
[الباب الخامس]
فيمن ترك وطء زوجته، أو آلى وهو خصي أو شيخ أو شاب ثم قطع ذكره
[فصل 1 - فيمن ترك وطء زوجته]
قال مالك رحمه الله: ومن ترك وطء زوجته لغير عذرٍ ولا إيلاءٍ لم يترك، فإما وطئ أو طلق وبذلك يقضي - يريد ويتلَّوم له مقدار أجل الإيلاء أو أكثر إذ لو حلف على مقدار أجل الإيلاء لم يطلق عليه، فكيف إذا ترك من غير يمين.
قال مالك: وقد كتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم غابوا بخُراسان وخلفوا أهليهم، فكتب إلى أمرائهم: إما أن يقدموا أو يرحَّلوا نساءهم إليهم أو يطلقوا.
قال مالك: وذلك رأي، وأرى أن يقضي به.
قال مالك: ومن تزوج امرأة بكراً أو ثيباً فوطئها مرة، ثم حدث له من أمر الله ما منعه من الوطء، وعلم أنه لم يترك ذلك وهو يقدر عليه، ولا يمين عليه، فلا يفرق بينه وبينها أبداً.
الجزء: 10 - الصفحة: 900
فصل [2 - فيمن آلى وهو خصي، أو شيخ
أو شاب ثم قطع ذكره]
وإن آلى خصي أو شيخ كبير وقد تقدم له فيها وطء، أو آلى الشاب ثم قطع ذكره لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم.
قال في العتبية: ولو قطع ذكر المعترض في الأجل فرِّق بينهما مكانه، وليس كالمولي يقطع ذكره في الأجل، فلا حجة لهذه، لأنه قد تقدم له فيها وطء.
الجزء: 10 - الصفحة: 901
[الباب السادس]
في رجعة المولي وعودة الإيلاء عليه
قال مالك: وإذا طلق السلطان على المولي، وقد بنى فله الرجعة في بقية العدة، ويتوارثان ما لم تنقض العدة، وإن ارتجعها بالقول فواسع أن يخلي بينه وبينها فإن لم يطأ حتى دخلت في أول دم الحيضة الثالثة حلت، ولك تكن تلك الرجعة إلا لمعذورٍ بمرضٍ أو بسجنٍ أو سفرٍ، فرجعته رجعة بالقول، ثم إذا أمكنه الوطء بعد العدة فلم يطأ فرق بينهما، وأجزأتها العدة الأولى إلا أن يكون خلا بها وأقر أنه لم يطأ فلتأتنف العدة، ولا يكون له عليها رجعة في هذه العدة المؤتنفة، لأنه أقر أنه لم يطأ، وإن قال أو لا: وطئتها، وأنكرت، فالقول قوله مع يمينه.
قال مالك: وإذا طُلِّق على المولي قبل البناء فلا رجعة له، قال: وإن طُلِّق عليه وقد بنى، ثم لم يرتجع بالوطء حتى تمت العدة ثم العدة ثم تزوجها بعد ذلك فعاد الإيلاء عليه ولم يطأ، فأوقفته لتمام الأجل من يوم نكاحه الثاني فلم يفيء فطلق عليه فإنه لا رجعة له ها هنا، إذ لا عدة عليها، لأنه لم يبن لها في النكاح الثاني.
قال مالك: وإن طلق على المولي للأجل وهي مستحاض فارتجع ولم يطأ حتى مضت أربعة أشهرٍ ثانيةً ولم تتم العدة، لأن عدتها سنة فلا يوقف ثانية ولكنه إن وطئ في العدة فهي رجعة، وإن لم يطأ حتى تمت العدة لم تكن رجعةً.
وإن آلى من امرأته بعد البناء ثم طلقها واحدةً فحل أجل الإيلاء قبل تمام العدة وقف، فإن طلق عليه الإمام كانت طلقة أخرى، فإن تمت العدة قبل الأجل فقد بانت منه، ثم إن نكحها بعد ذلك عاد مولياً، ووقف لأربعة أشهرٍ من يوم نكحها هذا النكاح الثاني لالتمام الأجل الأول.
الجزء: 10 - الصفحة: 902
قال ابن المواز: وكذلك يمينه: لا راجعتك، فليوقف، فإن ارتجع وإلا طلق عليه طلقةً أخرى، وتثبت على عدتها.
ومن المدونة: قال مالك: والمولي إذا لم يفيء فيطلق عليه فكلما نكحها عاد مولياً، وطلقت عليه بعد الوقوف وإن بعد ثلاث مراتٍ / فأكثر ما لم يطأ أو يكفِّر، كالظهار يعود عليه أبداً أيتَّها ما لم يكفر - يريد ظهاراً مجرداً، أو حنث بظهارٍ لأمرٍ حلف به ولم يحنث.
قال مالك: وإن آلى منها إلى أجلٍ بعيدٍ فطلق عليه لأجل الإيلاء، ثم نكحها بعد ذلك، فإن بقي من أجل يمينه أكثر من أربعة أشهرٍ عاد مولياً، وإن لم يبق منه إلا أربعة أشهرٍ فأدنى لم يكن مولياً.
الجزء: 10 - الصفحة: 903
[الباب السابع]
في إيلاء العبد والكافر
[فصل 1 - في إيلاء العبد]
وقد جعل الله تعالى حد العبد نصف حد الحر، والطلاق والإيلاء من معاني الحدود، ويجرَّان إلى ما يوجبها.
قال مالك: وطلاق العبد تطليقتان، إذ لا تنقسم الطلقة، وأجله في الفقد والاعتراض والإيلاء نصف أجل الحر.
قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد، ثم عتق وقد بقي من أجل إيلائه شهر فلزوجته إيقافه لتمام أجل العبد، ولا ينتقل إلى أجل الحر كانت هي حرةً أو أمةً ألا ترى أن مالكاً قال في عبدٍ طلق زوجته تطليقةً وهي حرةً أو أمةً ثم عتق بعد ذلك: فإنما يبقى له من طلاقه فيها تطليقةً واحدةً.
ابن المواز: ولو كان إيلاؤه مما يؤتنف فيه ضرب الأجل بالرفع فرفعته بعد عتقه، ضرب له أجل الحر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد من زوجته وهي أمةً فرفعته بعد الشهرين فلم يفيء فطلقها عليه السلطان، ثم عتقت وهي في عدتها لم تنتقل إلى عدة الحرائر، لأن مالكاً قال في الأمة تعتق وهي في العدة من طلاق يملك الزوج فيه الرجعة أم لا: إنها تبني على عدة الأمة ولا تنتقل إلى عد الحرائر، لأن العدة قد لزمتها يوم طلقها زوجها وهي أمة، فلاُ يلتفت إلى العتق في ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 904
قال ابن القاسم: وإذا آلى العبد من نسائه بعتقٍ أو صدقةٍ كان مولياً، لأنه لو حنث ثم عتق لزمته اليمين، وسئل مالك عن عبدٍ حلف بعتق جاريةٍ إن اشتراها ولم يذكر أن سيده أمره باليمين؟
فقال مالك: لا أحب أن يشتريها وإن لم يأمره سيده باليمين ونهاه عن ذلك.
قال الشيخ: يريد: سواء أمره سيده باليمين أو لم يأمره، إذ لم يأمره بالشراء لأنه يقول: أنت معتدٍ في شرائك، إذ لم آذن لك فيه، فله أن يرد شراءه، ولو أذن له في شرئاها فها هنا إن كان قد أمره باليمين وجب عتقها، وإن كان لم يأمره فله رد عتقها.
فصل [2 - في إيلاء الكافر]
ومن المدونة: قال مالك: وإذا حلف الذمي بعتقٍ، أو طلاقٍ، أو بالله، أو بصدقة ما يملكه، أو بغير ذلك من الإيمان ألا يقرب امرأته، ثم أسلم لم يكن مولياً، وسقط عنه بإسلامه هذا كله، ألا ترى أن طلاقه لا يلزمه، فكذلك إيلاؤه، لأن الإيلاء يجرُّ إلى الطلاق.
[كَمُل كتاب الإيلاء بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً]
الجزء: 10 - الصفحة: 905
[الكتاب الثاني عشر]
كتاب اللعان
[الباب الأول]
ما يوجب اللعان، وصفته وعلى من يجب
[فصل 1 - في مشروعية اللعان]
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾.
قال ابن شهاب: فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزوجين فحلفا بعد العصر عند المنبر، وفرَّق بينهما.
الجزء: 10 - الصفحة: 906
فكانت بعد سنة الملاعنين ألا يجتمعا أبداً، وألحق الولد بالأم، وقاله عمر وابن عمر.
قال الشيخ: وأجمع الناس على ذلك، فثبت اللعان بدليل الكتاب والسنة وإجماع / الأمة، وكان ذلك لأن النسب يلحق بالفراش، ولا يمكنه إقامة البيئة أنه ليس منه، ودعت الضرورة إلى نفي نسبٍ ليس منه، فجُعِل له طريقً إلى نفيه باللعان، ولولا ذلك لم يكن له طريقً إلى قطعة عنه، ولفسدت الأنساب، واختلط الصحيح منها بالفاسد، فهذا سببه والله أعلم.
واللعان موضوع لشيئين، لرفع النسب وسقوط الحد بالقذف عن الزوج.
[فصل 2 - فيما يوجب اللعان]
ومن المدونة: قال مالك: واللعان يجب بثلاثة أوجه، فوجهان مجمع عليهما، وذلك أن يدعي أنه رآها تزني كالمِروَد في المُكْحُلة ثم لم يطأها بعد ذلك، أو ينفي حملاً يدعي قبله استبراءً.
قال محمد: بحيضة فقط، لأنا نعلم بها براءة الرحم، قاله مالك وأصحابه إلا عبد الملك فقال: ثلاث حيض، ورواه عن مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 907
والوجه الثالث: أن يقذفها بالزنا ولا يدعي رؤية، ولا نفي حملٍ، فأكثر الرواة يقولون إنه يحد ولا يلاعن، وقاله ابن القاسم مرة، وقاله المخزومي وابن دينار، وقالا: إن نفي حملاً ولم يدع استبراءً جلد به الولد.
وقال ابن القاسم مرة أخرى: إنه إن قذف، أو نفى حملاً لا عن ولم يكشف عن شيء، وقاله ابن نافع.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران رحمه الله أنه قال: إذا نفى حملاً ولم يدع استبراءً فلا يمكن من اللعان.
ولا تكون الحرة أخفض رتبةً من الأمة، لأن الأمة إذا نفى سيدها حملها ولم يدَّع استبراءً لم يتنف الولد بهذا.
قال ابن القاسم في كتاب الرجم: قال مالك: من ادعى رؤيةً وأقر أنه وطئ بعدها حُدَّ ولحق به الولد.
قال الشيخ: واختلف في وصف الرؤية، فقيل: يجب أن يقول: رأيته كالمِروَد في المكحلة، وقيل: تكفي دعواه الرؤية فقط.
قال الشيخ: فوجه الأول: أن لعانه يحصل به المعرَّة على المرأة، ويلزمها الحد ويتنفي عنه الولد، فغلظ في تبيين الصفة ردعاً إن كان غير مُحقٍ، كما غُلِّظ في الشهادة.
ووجه الثانية: قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ وظاهر هذا أن هذا القدر كافٍ، والفرق بينه وبين الشهود أن به ضرورةً إلى القذف لنفي ولدٍ ليس منه، ولا ضرورة بهم إليه.
الجزء: 10 - الصفحة: 908
ووجه قوله: يلاعن إذا قذف من غير إدعاء رؤية قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ فعم، ولأنه قذف مضاف إلى الزوجة فجاز تخفيفه باللعان كالمضاف إلى الرؤية.
ووجه قوله: بأنه لا يلاعن ويحد، لأن اللعان يُتَخلَّص به عن حد القذف، فوجب أن يحتاج إلى رؤية، أصله الشهادة، ولأن اللعان واقع على أفعالٍ يدعيها، وذلك يتضمن الشهادة، واعتباراً بالشهود.
وإنما قال: إذا اعترف أنه وطئ بعد أن قال: رأيتها تزني، إنه يحد ولا يلاعن لأن اللعان موضوع لرفع النسب، ولا يمكن رفعه مع اعترافه بالوطء، لأن الاعتراف بالوطء يوجب إثباته، ويرفع ما ينفيه وهو اللعان، فلما ارتفع اللعان لم يبق إلا أنه قاذف، فوجب حده، وأكثر هذا التوجيه للقاضي عبد الوهاب.
[فصل 3 - في صفة اللعان]
ومن المدونة: قال مالك: ويبدأ الزوج باللعان فيشهد أربع شهادات بالله، يقول في الرؤية: أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني - قال أصبغ: كالمرود في المكحلة - ويقول في الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، وتقول المرأة: أشهد بالله لمن الكاذبين ما رآني أزني، أربع مرات، وتقول في الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين.
الجزء: 10 - الصفحة: 909
قال ابن القاسم: ويقول الزوج في نفي الحمل: أشهد بالله لزنيت، وتقول هي: أشهد / بالله ما زنيت.
أصبغ: وإنه لَمِنه.
ابن المواز: وروى عيسى عن ابن القاسم أن يقول في نفي الحمل: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما هذا الحمل مني.
أصبغ: وأحب إلي أن يزيد: وَلَزَنيتِ.
قال أبو محمد: قول أصبغ: ولقد زنيت، يُعَارَض فيه، فقد تكون اغتُصِبت.
قال أصبغ: وإن قال في الخامسة مكان "إن كنت من الكاذبين": إن كنت كذبتها، أجزأه، ولو قالت المرأة في الخامسة في مكان "إن كان من الصادقين": إنه لمن الكاذبين، أجزأها، وكذلك لو استحلفها الإمام بذلك، وأحب إلينا مثل لفظ القرآن.
وقيل: إن كان مريضاً بعث إليه الإمام عدلاً، وكذلك المريضة إن لم تقدر أن تخرج.
ابن حبيب: واللعان في المرض كالطلاق فيه، وترثه الزوجة إن مات من مرضه ذلك، وقاله مالكٌ وأصحابه.
الجزء: 10 - الصفحة: 910
وقال القاضي عبد الوهاب: وإنما بدئ بالتعان الزوج لو رود النص بذلك وقد بدأ النبي صلى الله عليه وسلم هِلال بن أميَّة في اللعان، فإن نكل حَدَّ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم هِلال بن أمية: "البينة، وإلاَّ حّد في ظهرك"، فغن التعن سقط عن الحد وانتقل إليها إلا أن تلتعن هي أيضاً، وإنما ذلك لأن التعانه جُعل بمنزلة إقامة البينة، فلما كانت البينة تُسقط الحد عنه فكذلك اللعان، ويدل على ذلك أيضاً قوله تعالى عقيب ذكر لعان الزوج: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، وهي حجتنا على أبي حنيفة في قوله: لا حد عليها.
الجزء: 10 - الصفحة: 911
قال الشيخ: وذكر عن ابن القاسم بن الكاتب رحمه الله أنه قال: إن بدأت الزوجة باللعان فقال ابن القاسم: لا يعاد عليها اللعان بعد التعان الزوج، وقال أشهب: يعاد، قال: وهو أحسن، لأنها التعتت قبل أخذها بما يوجبه لعان الزوج من حدها أو التعانها، وقد قال الله سبحانه: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾، فموضوع لعانها إنما هو ليُدرأ به العذاب عنها، وقبل التعان الزوج هو المطالب بقذفها، إلا أن يلتعن فيسقط عن نفسه حد القذف، وتصير هي المطالبة بما أوجبه لعانه، فليس يمينها قبل لعانه مزيلاً ما يوجبه لعانه بعدها.
[فصل 4 - فيمن يجب عليه اللعان]
ومن المدونة: قال مالك: واللعان يكون بين كل زوجين، كانا مملوكين أو أحدهما، أو محدودين، أو كتابية تحت مسلمٍ، إلا أن الكافارين لا لعان بينهما.
قال القاضي عبد الوهاب: وقال أبو حنيفة: لا يكون إلا بين زوجين يكونان - أو أحدهما - من أهل الشهادة، لأنه عنده شهادة، وعندنا يمين، وديلينا أنه بين كل زوجين: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية،
الجزء: 10 - الصفحة: 912
فهذا عام، ولأن الضرورة إلى نفي النسب داعية إلى ذلك، وفائدة قولنا: إنه يمين، أنه يصح ممن تقبل شهادته وممن لا تقبل شهادته، ودليلنا قوله عليه الصلاة والسلام في حديث هلال بن أمية: "إن جاءت به على نعت كذا فهو لشَريك، فجاءءت به على النعت المكروه، فقال صلى الله عليه وسلم: «لولا الأيمان لكان لي ولها شأن»، ولأنه مخالف للشهادة بخول النساء فيه، ولا مدخل لهن في الشهادة على الزنا وتكرار لفظه، ولعن الملعتن نفسه إن كان ما يشهد به خلاف ما هو به، وجوازه من الفاسقين ومن ليس من أهل الشهادة، وكذلك الأعمى.
الجزء: 10 - الصفحة: 913
[فصل 5 - في ملاعنة الأمة والكتابية]
ومن المدونة: قال مالك: وأما الأمة والكتابية / فلا يلاعن الزوج في قذفها بغير رؤيةٍ كان حراً أو عبداً، إذ لا يجد قاذفها ويلاعن فيهما إن أحب إذا نفى حملاً وادعى استبراءً، أو ادعى رؤيةً لم يمس بعدها لخوف الحمل، ولو شاء أن يلاعن في قذفها ليحق ذلك عليهما لم أمنعه من ذلك.
ومن غير المدونة: قال سحنون في حرٍ تحته أمةً فابتاعها ثم ظهر بها فأنكره أيلاعن؟
قال: إن وضعت لأقل من ستة أشهرٍ من يوم اشتراها وقد أصابها بعد الشراء فاللعان بينهما، لأنه زوج، وإن وضعته لستة أشهرٍ فأكثر من بعد الشراء أو الوطء لحق به، لأنه مما يشبه أن يكون من مسيس الملك، وإن لم يمسها بعد الشراء فإن وضعته لما يشبه أن يكون من مسيس الملك، وإن لم يمسها بعد الشراء فإن وضعته لما يشبه أن يكون من وطئه إن كان زوجاً وذلك لخمس سنين فأدنى فاللعان بينهما، والله أعلم.
[فصل 6 - في مكان اللعان]
ومن المدونة: ويلتعن المسلم في المسجد عند الإمام في دبر الصلوات بمحضرٍ من الناس، وروى ابن وهب أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الزوج والزوجة فحلفا بعد العصر عند المنبر.
الجزء: 10 - الصفحة: 914
قال مالك: وتلاعن النصرانية في كنيستها حيث تُعظم، وتحلف بالله وللزوج أن يحضر معها إن شاء أو يدع.
قال ابن القاسم: ولا تدخل هي معه المسجد لأنها تُمنع من المسجد.
قال ابن حبيب: قال مطرف: معنى قول مالكٍ في المسلم تحته النصرانية فينفي حملها: إنهما يتلاعنان - يعني إن طاعت، ولا تجبر لأنها لو أقرت بالزنا لم تحد، وكذلك إن قال: رأيتها تزني، فشاء اللعان خوفاً من ولدٍ فيلتعن، وترد عي في النكول في هذا إلى أهل ديتها، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ.
وقال ابن الكاتب: إنما جعل لها أن تلتعن إن شاءت لأن ذلك موجب لرفع عصمته عنها، ولنفي المعرَّة التي لزمتها بالتعانه، وقد يكون التعانه يوجب عليها في دينها حُكماً فكان لها أن تلتعن لرفعه.
[فصل 7 - في حكم الصغير والصغير في اللعان]
ومن المدونة: قال: ولا لعان في قذف الصبي لامرأته الكبيرة، إذ لا حد عليه إذا قذف أو زنى، ولأنه لا يلحقه ولدَّ إن كان.
وإذا قذف الحر امرأته الحرة فقال: رأيتها تزني، وهي لا يحمل من كبرٍ أو صغرٍ، فإنه يلاعن إذا كانت الصغيرة قو جومعت وإن لم تبلغ المحيض، وكذلك في قذفهما إن كانتا حرتين مسلمتين ليزيل حد قذفه، وتلتعن الكبيرة ولا تلتعن الصغيرة إذ لا تحد إذا نكلت أو أقرت أو زنت، كما يلتعن المسلم زوجته الكافرة، ولا تحد الكافرة إن نكلت أو أقرت أو
الجزء: 10 - الصفحة: 915
زنت، وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، والصغيرة ممن لا عذاب عليها في إقرارها ولا في زناها.
قال سحنون في كتاب ابنه: وتبقي له زوجةً إذا لاعن أنه نفى عن نفسه الحد، ولا تلتعن هي، وكذلك لولا عن نصرانية وأبت هي أن تلتعن لبقيت له زوجة إلا أن تلتعن هب فتقع الفرقة بينهما، وكذلك في كتاب ابن المواز.
[فصل 8 - في لعان الأعمى والأخرس]
ومن المدونة: ويلتعن الأعمي في الحمل بدعوى الاستبراء، وفي القذف لأنه من الأزواج فيحمل ما تحمل.
قال غيره: بعلمٍ يدله على المسيس لا برؤية.
قلت: فالأخرس هل يلاعن إذا قذف بالإشارة أو بالكتاب؟
قال: نعم، إن فَقِه ما يُقال له وما يقول.
الجزء: 10 - الصفحة: 916
فصل [9 - في ذكر الأحكام المترتبة على اللعان]
قال مالك: وبتمام اللعان تقع الفرقة بين الزوجين وإن لم يفرق بينهما الإمام ثم لا تحل له أبداً، وإن أكذب نفسه بعد تمام اللعان لم تحل له أبداً ولكن يُحد ويُلحق به الولد.
قال مالك: وتلك السنة عندنا لا شك فيها.
قال القاضي عبد الوهاب: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم للزوجين لما التعنا: «حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها».
ومن المدونة: قال ابن القاسم: إلا أن يكذب نفسه وقد بقي من لعان الزوجة ولو مرةً واحدةً، فيُحد، وتبقى له زوجة، ولولا عن من نفي حملٍ ثم انقشَّ لم تحل له أبداً إذ لعلها أسقطته وكتمته.
قال القاضي عبد الوهاب: وينتفي النسب بالتعان الزوج وحده، ولا يفتقر إلى التعان المرأة، لأن التعانها إنما هو لإكذاب الزوج وإسقاط الحد عنها، ولا يجوز أن يُثبت الشيء بما ينفيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 917
قال ابن القصَّار: وفُرقة المتلاعنين عندنا فسخ، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: هي طلة بائنةً، وعندنا وعند الشافعي هو تحريم مؤبد، وقال أبو حنيفة: إن أكذب نفسه جاز أن يتزوجها.
وفي كتاب ابن الجلابَّ: أن الملاعنة قبل البناء لا صداق لها، وهذا بناءً على أصلهم أنه فسخ، فلذلك لم يجعل لها نصف الصداق.
ولمالكٍ في الموطأ: أن لها نصف الصداق، وهو مذهب المدونة.
وقال ابن الجلَّاب فيمن اشترى زوجته قبل البناء: أن لها نصف الصداق، وهذا خلاف قول مالكٍ وأصحابه في المسألتين فاعلمه.
قال الشيخ: وذكر عن أبي عمران أنه قال في أهل الكتاب إذا تراضوا أن يحكم بينهم في اللعان يحكم الإسلام فلكنت المرأة عن اللعان: فعلى قول عيسى تُرجم، وعلى ما قال البغداديون لا تُرجم، لأن أنكحتهم فاسدة، وإنما يجب على من نكل منهم الحد كالمتلاعنين قبل البناء.
الجزء: 10 - الصفحة: 918
[الباب الثاني]
في نفي الحمل بعد رؤيته مدة، والإقرار به وما يلزم في ذلك
[فصل 1 - في نفي الحمل بعد رؤيته مدة]
قال مالك: وكل مقيمٍ مع زوجته ببلدٍ يرى حملها ولا ينتفٍ منه حتى وضعته فليس له أن ينتفي منه بعد ذلك كانت امرأته حرةً، أو أمةً، أو كتابيةً، وإن انتفى منه حين ولدته وقد رآها حاملاً فلم ينتف منه جلد الحد إن كانت زوجته حرةً مسلمةً، لأنه صار قاذفاً، وإن كانت كتابيةً أو أمةً لم يُحد، إذ لا يُحد قاذفهما.
قال ابن القاسم: وإذا ظهر الحمل، وعَلِم به ولم يدعه ولا انتفى منه شهراً، ثم انتفى منه بعد ذلك لم يقبل قوله، وضُرب الحد إن كانت زوجته حرةً مسلمةً، وإن كانت كتابيةً أو أمةً لم يُحد ويُلحق به الولد، ويجعل سكوته ها هنا إقراراً منه بالحمل.
قلت: فلو رآه يوماً أو يومين وسكت، ثم انتفى منه بعد ذلك؟
قال: إذا ثبتت البينة أن قد رآه فلم ينكر، أو أقر به ثم أنكر بعد ذلك، لم يكن له ذلك، وأما إن قدم من سفره فله أن ينتفي من الحمل وإن كان ظاهراً
الجزء: 10 - الصفحة: 919
فصل [2 - في الإقرار بزنا زوجته
وما يلزم في ذلك]
قال مالك: ومن قال: رأيت اليوم امرأتي تزني ولم أجامعها بعد ذلك، إلا أنى قد وطئتها قبل الرؤية في اليوم أو قبله، ولم يستبرى فإنه يلاعن، ولا يلزمه ما أتت به من ولدٍ إلا أن يطأها بعد الرؤية فلا يلاعن ويحد.
قال مالك: وإذا لاعن كما ذكرنا نفي بذلك الولد، فإن قال: لا أدري هل هو مني أم لا، لأني كنت أطأ ولم أستبرئ، فالولد إذا لاعن منفي.
وقد اختلف في ذلك قول مالك، فمرةً ألزمه الولد، ومرةً لم يلزمه الولد ومرةً قال: ينفيه كانت حاملاً.
قال الشيخ: فوجه قوله: إذا ظهر حمل بعد التعانه بالرؤية فإنه لا يلحق به: لأن أصل اللعان لنفي النسب ورفع الحد عنه، فإذا كان فقد سقط عنه ويضمن ذلك نفي حمل إن حدث.
ووجه القول بأنه / يلحق به: أن الالتعان المضاي طان لإسقاط الحد، لأنه لم يكن هناك حمل بعلم به فيقصد نفيه، فإذا حمل احتاج في نفيه إلى التعان يخصه، فإذا لا التعن على الشط الذي يلتعن به رفع النسب سقط وإلا لَحِق به.
ووجه قوله: ينفيه وإن كانت حاملاً: لأنه كان قصد نفيه بالتعانه إذا كان ظاهراً والتعن ولم يدعه.
الجزء: 10 - الصفحة: 920
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وأحب ما فيه إلى أنه إن كان بها يوم الرؤية حمل ظاهر لا شك فيه أو وضعته لأقل من ستة أشهرٍ من يوم الرؤية أن الولد يلزمه ويلحق به إذا التعن على الرؤية.
قال الشيخ: لأنه قد بان أن الولد ليس بهذه الرؤية، وهو إنما التعن لها خاصةً فوجب أن يلحق الولد به.
ابن المواز: وقال أشهب وعبد الملك وابن عبد الحكم: لا ينفيه إلا بلعان يدعي قبله استبراء، ولا يُنفى ولد برؤية.
قال ابن المواز: ولو ادعى مع الرؤي استبراء كان منفياً لا شك فيه.
قال الشيخ: يريد: لأنه إذا ادعى الاستبراء عَلم براءة الرحم من مائة.
وقيل: ينفيه باللعان.
ووجه قوله: ينفيه وإن لم يدَّع استبراءً؛ فلأن دعواه الاستبراء لا يُعلم حقيقته إلا من جهته؛ فوجب أن يقبل قوله في هذا، إذ لو شاء: قال: كنت استبرأت.
قال الشيخ: والأولين أبين.
ومن المدونة: وقال المخزومي: إن أقر بالحمل وادعى الرؤية لاعن؛ فإن وضعته لأقل من ستة أشهرٍ من يوم الرؤية فالولد منه.
فإن كان لستة أشهرٍ فأكثر فهو للعان، وإن ادعاه بعد ذلك لحق به وحُد.
قال الشيخ: معنى قول المخزومي - والله أعلم -: إن أقر بالحمل وادعى الرؤية، أي: أقر أنها حملت بهذا الولد وأنه ولدها، ولكن رأيتها تزني منذ مدة
الجزء: 10 - الصفحة: 921
كذا، فاعتبرنا إيلاده بعد الرؤية لأقل من ستة أشهرٍ فيُعلم أنه ليس لتلك الرؤية، وإن ولدته لستة أشهر فأكثر جاز أن يكون لتلك الرؤية، وقد التعن لها، وادعى أن هذا الولد لها، فهو كما لو التعن عليه.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ويلاعن في الرؤية من لا يدعي استبراء، فإن وضعت لأقل من ستة أشهرٍ من يوم الرؤية لحق به الولد، ولا ينفعه إن نفى ولا يحد ولو قال بعد بعد الوضع لأقل من ستة أشهر: كنت استبرأت، ونفاه كان للعان الأول.
ابن المواز: وقاله أشهب.
قال الشيخ: لأنه ادعى مع الرؤية استبراء فقُبل قوله في ذلك كما لو ادعاه من يوم الرؤية.
وقال عبد الملك وأصبغ: لا ينفي إلا بلعانٍ ثانٍ.
قال الشيخ: لأن اللعان الأول إنما كان للرؤية خاصة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ثم ادعاه وأكذب نفسه في الاستبراء لحق به الولد وحُد، إذ باللعان نفيناه فصار قاذفاً.
ابن المواز: لا يحد إذا نفى بلعان الرؤية.
الجزء: 10 - الصفحة: 922
قال الشيخ: يريد محمد: أن لعان الرؤية الذي رفع به الحد عن نفسه بأن لم يرجع عنه، ولا أكذب نفسه فيه، وإنما أكذب نفسه في الاستبراء فلذلك لم يحد عنده، لأنه لا يحد إلا من رجع عما رفع به الحد عن نفسه، وهو الصواب.
[فصل 3 - في ملاعنة من ولدت ولدين]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا ولدت المرأة ولدين في بطن [واحدٍ] أو وضعت ولداً ثم وضعت آخر بعده لخمسة أشهرٍ فهو حملً واحدً، فإن أقر الزوج بأحدهما ونفى الآخر حُد فأُلحقا به جميعاً، ولو وضعت الثاني لستة أشهرٍ فأكثر؛ فهما بطنان فإن أقر بالأول ونفى الثاني وقال: لم أطأها بعد ولادة الأول، لاعن ونفى الثاني، إذ هنا بطنان، وإن قال: لم أجامعها من بعد ما ولدت الأول وهذا الثاني ولدي، فإنه يلزمه؛ لأن / الولد للفراش، وسئل النساء؛ فإن قلن: إن الحمل يتأخر هكذا، لم يحد، وكان بطناً واحداً، وإن قلن: لا يتأخر، حُد ولحق به، بخلاف الذي يتزوج امرأة فلم يبن بها حتى أتت بلد لستة أشهرٍ من يوم تزوجت؛ فإن أقر به الزوج وقال: لم أطأها منذ تزوجتها؛ هذا يحد ويلحق به الولد.
قال في كتاب ابن المواز: وكأنه قال: حُمِلت من غيري، ثم أكذب نفسه باستحقاقه.
الجزء: 10 - الصفحة: 923
قال الشيخ: يريد: ولا يسأل في هذا النساء كما يسألن في الأول.
ومن المدونة: ومن قدم من سفرٍ فولدت امرأته ولداً فنفاه فالتعن، ثم ولدت آخر بعد شهرٍ كان منفياً باللعان الأول، فهذا اللعان الأل ينفي كما ولدٍ لهذا الحمل، فإن ادعى الولد الثاني حُد ولحقا به جميعاً، ومن ولدت امرأته ولداً ميتاً، أو مات بعد الولادة ولم يَعلم به الزوج، أو كان غائباً، فلما قدم انتفى منه فإنه يلاعن، لأنه قاذف.
الجزء: 10 - الصفحة: 924
[الباب الثالث]
جامع مسائل مختلفة من اللعان
[فصل 1 - في ملاعنة المغتصبة]
قال ابن القاسم: ومن زنت زوجته فحدث، ثم قال: رأيتها تزني، ولم يقذفها بالزنا الذي حدث له التعن، فإن أكذب نفسه نكل ولم يحد، لأنه إنما قذف زانية، ومن قذف امرأته وقد كانت اغتُصبت التعن، قال غيره: إن قذفها برؤيةٍ غير الغصب تلاعنا جميعاً، وإن لم يقذفها وإنما غُصبت واستمرت حاملاً فنفى الولد؛ لم ينف الولد إلا بلعانٍ ولا تلتعن هي إذ تقول: إن لم يكن منك كان من الغاصب.
قال ابن المواز: هذا إن عُرف الغصب بأن تُرى مُتعلقةً به تُدمى، أو غاب عليها، فأما إن لم يُعرف إلا بدعواها فلابد لها من اللعان وإلا رُجمت.
قال مالك في المختصر: وتقول في الخامسة: إن غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين.
قال: ولا يسقط الحد عن المغتصب بتقاررهما مع الزوج بالغصب وإن بان الحمل إلا أن يعرف الغصب كما ذكرنا.
الجزء: 10 - الصفحة: 925
[فصل 2 - في إلحاق الولد لمن أنكر الحمل
أو طلق قبل البناء]
قال: ومن أنكر حمل امرأته قبل البناء ثم مات فهو به لاحق، وقاله أشهب قال: ولها جميع الصداق ولا لعان عليها ولها الميراث.
قال ابن القاسم: وإذا طلق قبل البناء وتقاررا أنه لم يمس، ثم مات، ثم ظهر بها حمل فقالت: هو منه، فإنه لاحق به ووارث له، ولا ترثه هي، ولا يتم لها صداقها.
قال محمد: الصواب أن يتم لها للحوق الولد، ولو مات قبل انقضاء العدة ورثته إذا كان الطلاق واحدةً ولا حد عليها، ولو ظهر في حياته واستلحقه لحق به ولم يحد ويصير لها الصدق وله الرجعة، وإن تمادى على إنكاره لاعن وزال عنه، وإن نكل لحق به، وإذا لاعن وزال عنه لم تكن له رجعة ولا تزاد على نصف الصداق، وإن قبضت جميعه رددنا نصفه.
قال ابن المواز: وتحد هي إن لم تلاعن.
الجزء: 10 - الصفحة: 926
[فصل 3 - فيمن تزوج امرأة في العدة
ثم أنكر الولد منها]
ابن المواز: ومن تزوج امرأةً في العدة قبل حيضةٍ فأتت بولدٍ فهو للأول إلا أن ينفيه بلعان، فإن التعن هو ولم تلتعن هي كان بالثاني لاحقاً إن ولدت لستة أشهرٍ فأكثر من يوم دخل بها الثاني إلا أن ينفيه، فإن نفاه بلعان التعنت هي، فإن نكلت حُدَّت، ولو التعنا ثم استلحقه الأول لحق به ولم يحد، إذ لم ينفه إلى زنا.
وقال أصبغ في المستخرجة: من استلحقه منهما / لَحق به وحد.
قال ابن المواز: ولو كان الثاني هو مستلحقه دون الأول لَحق به وحُد، لأنه كان نفيه له إلى غير أب، ومن استلحقه منهما أولاً لحق به ثم لا دعوى للثاني فيه، ولو دعاه الأول بعد لعانه وقبل لعان الثاني لم يقبل منه، لأنه ابن للثاني حتى ينفيه، ولو استلحقه كلاهما بعد التعانهما كان الأول أحق به وتحرم على الثاني للأبد التعن أو لم تلتعن لأنه ناكح في عدة.
قال سحنون: ولا تحرم على الأول وإن التعن، لأنها لم تلاعنه كالتي تغتصب فينفي الزوج حملها أنه يلاعن ولا تحرم عليه.
وقال أصبغ: إذا تلاعنا جميعاً على الأول والثاني.
قال الشيخ: قول سحنون أصوب.
الجزء: 10 - الصفحة: 927
قال أصبغ في المستخرجة: ولو كان إنما تزوجها بعد حيضةٍ فأتت بولدٍ لستة أشهرٍ فأكثر فهو للآخر إلا أن ينفه بلعان، فإن التعن لم تلتعن هي وكان بالأول لاحقاً إلا أن ينفيه بلعان، وتلتعن هي فإن نكلت حُدَّت.
وقد تقدم صدر هذه المسألة في كتاب العدة وهذا تمامها.
[فصل 4 - في نكول أحد الزوجين عن اللعان]
ومن المدونة: قال مالك: ومن نكل من المتلاعنين عن اللعان حُدَّ مكانه، حد القذف على الزوجٍ، والرجم على الزوجة إن كانت ثيباً، ولا تؤخر إلا في الحمل، فإن كانت بكراً فمئة جلدة.
قال ابن القاسم: وإذا أقامت المرأة بينةً أن الزوج قذفها وهو منكرً حُد إلا أن يدعي رؤية فيلتعن، ويقبل منه بعد جحوده.
قال في كتاب ابن المواز: بخلاف الحقوق، ويقول: أردت الستر بإنكاري.
وقال غيره في المدونة: لا يقبل منه رجوعه لأنه أكذب نفسه، ويحد.
الجزء: 10 - الصفحة: 928
قال الشيخ: واختلف إذا لاعن الزوج وأبت المرأة اللعان ثم رجعت فقالت: تلاعن، فقال أبو بكر بن عبد الرحمن: لها ذلك كالتي تقر بالزنا على نفسها ثم ترجع أن لها ذلك، فلا فرق بينهما.
قال الشيخ: ولأن نكولها تصديق للزوج أنها زنت فهو كإقرارها بالزنا، فكما كان لها الرجوع في الإقرار المحض؛ فكذلك الرجوع في هذا، كالمرأة تقيم على زوجها بينةً بقذفه إياها وهو ينكر فيجب حده، فكما كان له أن يحق عليها الزنا وتلتعن، فكذلك هذه لها الرجوع إلى اللعان، لأنهما في الوجهين يدفعان بذلك حداً وجب عليهما، فهو بخلاف الحقوق، وإن كان قد اختلف في رجوع الزوج؛ فكذلك يجيء الاختلاف في هذه المسألة.
وسئل عنها أبو عمران فقال: قد جرت هذه المسألة قديماً واختلفنا فيها فقال فيها شيخنا أبو علي بن خلدون رحمه الله وغيره: لها الرجوع بمنزلة المُقرَّة بالزنا ترجع عن إقرارها.
قال: وكتب فيها الشيخ أبو القاسم بن الكاتب رحمه الله شيئاً وبعثه إليَّ فوفقته عليه، وهو خلاف قول غيرنا، وذلك أن الرجم يجب عليها بعد نكولها وإن رجعت، لأن الزوج لما أحق ذلك عليها بشهادته أربع شهاداتٍ صارت تلك الشهادات كالشهداء الأربعة الذين حضروا الزنا فعليها أن تأتي بما يقابل ذلك
الجزء: 10 - الصفحة: 929
ويكافئ شهادته، فإن نكلت لم تكافئ شهادته لنكولها.
قال الشيخ: وقد ألف فيها الشيخ أبو القاسم بن الكاتب رحمه الله وأطال فيها الاحتجاج وكَثُر، فتركته لطوله، والقولان محتملان لما قدمناه.
وبالله التوفيق.
ومن قذف زوجته ثم بانت منه وتزوجت ثم أقامت بالقذف، فإنهما يتلاعنان، ومن أبى منهما اللعان حد.
فصل [5 - في تصادق الزوجين على نفي الولد]
وإذا تصادق الزوجان على نفي الولد نفي بلا لعان وحدت الزوجة إن كان لها معه قبل ذلك سنين، وقاله مالك والليث.
وقال أكثر الرواة: لا ينفي إلا بلعانٍ وإن تصادقا على نفيه، ورووه أيضاً عن مالك.
قال الشيخ: يعنون إنما / يلتعن الزوج ولا تلتعن المرأة لأنها مقر بالزنا، وإنما تلاعن المرأة لتدفع عن نفسها حد الزنا لا لنفي الولد: إذ لا يصح نفي ما ولدته، بخلاف الزوج.
الجزء: 10 - الصفحة: 930
ابن المواز: قال ابن القاسم: وهذا إذا ثبتت على قولها حتى تحد، ثم لا يقبل منها قولها إن رجعت، ولو رجعت قبل أن تحد عاد اللعان بينهما، فإن نكل الزوج لحق به ولا يُحد لأنها مقَّرة.
فصل [6 - فيمن عرض بزنا زوجته]
ومن المدونة: من قال في زوجته: وجدتها مع رجلٍ في لِحَافٍ، أو تجرَّدت له، أو ضاجعته، لم يلتعن إلا أن يدعي رؤية الفرج في الفرج، فإن لم تكن له بينة على ما ذكر فعليه الأدب ولا يحد.
قال ابن المواز: وهذا تعريض لو قاله لأجنبيةٍ لَحُد، وقد قيل: يحد ولا يلاعن، وقيل: يؤدَّب ولا يلاعن، ولو رجع إذا قامت عليه فقال: بل رأيتها تزني، كان له أن يلاعن، قاله لي عبد الله بن عبد الحكم.
فصل [7 - في قذف الملاعنة أو ابنها]
ومن المدونة: قال مالك: وعلى قاذف ابن الملاعنة أو قاذف أُمِّه الحد، وقاله علي بن أبي طالبٍ وابن عمر وغيرهما.
الجزء: 10 - الصفحة: 931
ومن كتاب ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو قذفها أحد بعد لعان الزوج وحده لأخرته حتى تلتعن هي أو تنكل، فإن التعنت حُدَّ لها، وإن نكلت لم يحد، وكذلك لو قذفها أحدَّ بعد موتها وبعد لعان الزوج وحده لم يحد، لأنه قد ثبتت عليها بلعان الزوج حد الزنا حتى تخرج منه بالتعانها، وقاله عبد الملك.
وقال أشهب: من قذفها بعد لعان الزوج وحدّه عُوجل بالحد.
وقول ابن القاسم وعبد الملك أحب إلي، وأما لو قذفها أحد قبل تمام لعان الزوج لَحُدَّ ولم يؤخر، وإن تأخر حتى التعن الزوج فلا يسقط عنه الحد إذا التعنت.
ومن المدونة: وإن قال رجل لابن الملاعنة: ليس أبوك فلاناً؛ فإن كان على وجه المشاتمة حُدَّ له.
قال ربيعة: ومن لاعن زوجته ثم قذفها بعد تمام اللعان حُدَّ لها.
ومن كتاب ابن المواز: وإذا لاعتها ثم قال: والله ما كذبت عليها، أو قذفها، قال محمد: لا يحد لأنه إنما لاعن لقذفه إياها.
قال سحنون في الذي قذف امرأته برجلٍ معينٍ فضرب لذلك الرجل الحد: سقط عنه اللعان.
قال الشيخ: لأنه لما حُدَّ للرجل سقط عنه حده لزوجته كمن قذف رجلين فحُدَّ لأحدهما فلما سقط عنه الحد لها لم يجب عليه لعانها، إذ لا يرفع به حداً وجب عليه لها، وكما لو طلب باللعان لها فنكل فحُدَّ لها لسقط عنه الحد للرجل.
الجزء: 10 - الصفحة: 932
فصل [8 - في نفي الولد، أو الإقرار به
بعد لعانه منه]
قال ابن القاسم: ومن قامت عليه بينة أنه أقر بولدٍ لاعن منه وهِو منكر لَحِق به وحُد، ومن نفى ولداً بلعانٍ ثم زنت امرأة بعد ذلك ثم أقر بالولد لَحِق به ولا يحد إذ صارت زانية، ومن نفى ولداً بلعانٍ ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مالٍ، فإن كان لولده ولدً لحق به وضُرب الحد.
قال ابن القاسم: وإن لم يترك ولداً لم يقبل منه، لأنه يُتَّهم في ميراثه ويُحد ولا يرثه.
ومن انتفى من حمل زوجته بلعانٍ ثم أقر به بعد ما ولدته حُد ولَحِق به، فإن كان موسراً في مدة الحمل أو في بعضها رجعت عليه بالنفقة في مدة يُسرِه، وإن كان يومئذ معسراً لم ترجع عليه بشيء.
فصل [9 - فيمن أنكر لون ولده]
قال مالك: ومن أنكر لون ولده لزمه ولم يلاعن وذلك عِرق نَزعه، وروى ابن وهب أن أعرابياً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود فأنكرته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «هل لك من إبل؟» قال نعم، قال: / «ما ألوانها؟» قال: هي حُمرُ، قال: «هل فيها من أَورَق؟» قال: إن فيها
الجزء: 10 - الصفحة: 933
لَوَرِقَاً، قال: «فأتَّى ترى ذلك جاءها؟» فقال: يا رسول الله عِرق نَزَعَها، قال: «فلعل هذا عِرق نزعه» ولم يُرخِّص له في الانتفاء منه.
فصل [10 - فيمن قذف رجلاً معيناً بزنا]
ومن قال: رأيت فلاناً يزني بامرأتي، لاعن وحُدَّ لفلان.
فصل [11 - في المرأة إن ضرب بطنها فألقت جنينا
وفي موت أحد الزوجين قبل التعانه أو بعده]
ومن ضرب بطن امرأة فألقت جنيناً فانتفى منه الزوج والتعن فالغُرَّة للأم ولم يرث الجنين معها، وهذا مثل ابن الملاعنة إذا مات عن مالٍ ورثته أمه وعصبته، وإذا ماتت امرأة بعد التعان الزوج أو بعد أن نفى من لعانها مرةً واحدةَ ورثها الزوج.
قال مالك: وإن مات الزوج بعد التعانه قيل للمرأة: التعني، فإن أبت ورثته ورُجمت، وإن التعنت لم ترثه.
الجزء: 10 - الصفحة: 934
ابن وهب: قال مالك: وإن ماتت بعد تمام لعانه وقبل لعانها ورثها، إذ لعلها كانت تصدقه.
سحنون: قال مالك: إذا وجب اللعان فماتت قبل لعان الزوج فلا لعان عليه.
ابن المواز: قال مالك: وإذا مات الزوج قبل تمام لعانه فلا لعان عليها ولا عذاب وترثه، وإن أتم لعانه ثم ماتت هي ورثته أيضاً، وإن لم تمت قيل لها: التعني، فإن التعنت فلا ميراث لها ولا عدة للوفاة، وإن نكلت ورثته ورجمت، وروى البرقي عن أشهب: أنها ترثه وإن التعنت، لأنها الآن بانت منه.
ابن المواز: قال ابن القاسم: وإذا التعنت قبله ثم ماتت هي فذلك مما لم يكن ينبغي، فإما إذا كان فإنه يقال للزوج: التعن، ثم لا ميراث لك ولا حد عليك، فإن نكل ورثها وعليه الحد.
قال ابن القاسم: ولو لم تمت لم أعد اللعان عليها.
وقال أشهب: بل يعاد اللعان عليها بعد لعان الزوج، وكذلك في الحقوق إذا بدأ الطالب باليمين.
وذكر ابن حبيب عن مطرف عن مالك إذا التعن ثم مات قبل لعانها مثل ما ذكر ابن المواز وغيره.
قال: وقال ربيعة: ترثه التعنت أو لم تلتعن.
قال: وبهذا نأخذ، ألا تراه لو رجع قبل لعانها لبقيت له زوجة وحُد، أو لا ترى لو ماتت قبل لعانها لورثها عند مالك.
الجزء: 10 - الصفحة: 935
ومن كتاب ابن المواز: ولا لعان بعد طلاقٍ بائنٍ إلا في نفي حمل، ولو قال في العدة من طلاقٍ بائنٍ: رأيتها تزني، وأراد أن ينفي ما ينفى من حمل فهذا يلاعن وإن لم يدَّع فيه استبراء، وأما إن لم يذكر رؤية ونفى الحمل فإن ادعى الاستبراء ها هنا لاعن ثم تلتعن هي فإن نكلت رجمت.
وقال ابن سحنون عن أبيه في الذي طلق امرأته ألبتة ثم قال في العدة: رأيتها تزني، فقال ابن القاسم وروى مثله ابن وهب: أنه يلتعن، وإن مات هو بعد التعانه قيل لها: التعني.
قال ابن القاسم: وعدتها ثلاث حيض ولا تنتقل.
وقال المغيرة: لا يحد ولا يلاعن، وسحنون يميل إلى هذا.
وقال ابن المواز: إذا قذفها في العدة حد ولم يلاعن.
وذكر عن أبي القاسم بن الكاتب أنه قال: إذا لاعن ثم قال: ما كنت إلا صادقاً، لم يحد، والقاذف إذا قال بعد ما حُد: ما كنت إلا صادقاً، فإنه يُحد.
والفرق: أن المتلاعنين أحدهما صادق، فلم يحد إذا لعله كان صادقاً، والقاذف إنما حُدَّ تكذيباً له، فإذا قال: كنت صادقاً، فهو كالقاذف المبتدئ فوجب حده.
الجزء: 10 - الصفحة: 936
[فصل 12 - في المرأة إن شهد عليها بالزنا أربعة
أحدهم زوجها]
ومن المدونة: وإن شهد على امرأةٍ بالزنا أربعة أحدهم زوجها لاعن الزوج وحُدَّ الثلاثة، وقاله ابن عباس وأبو الزَّناد وابن شِهاب وابن قُسيط وعبد الرحمن بن القاسم بن محمد.
ابن المواز: / قال مالك: فإن رجمها الإمام ثم علم بذلك لم يحد الثلاثة ويلاعن الزوج، فإن نكل حد ويرثها إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها أو يقر بذلك فلا يرثها.
وإن قال: شهدت بالحق، لاعن وإلا حُدَّ ولادية عليه ولا على الثلاث، ولا حد ولادية على الإمام لأنه مختلف فيه، فليس هو بخطأٍ صريحٍ، كشهادة العبد والنصراني، وقال أصبغ إلا في الميراث، فقال: لا يرثها لأنه التعن وليس بشاهدٍ فلا يخرج من تهمة العامد لقَت وارثه.
قال محمد بن أبي زمنين: وإذا شهد على المرأة بالزنا أربعة أحدهم زوجها وعلم بذلك؛ فإنه يقال للزوج: التعن، فإن التعن قيل للزوجة: التعني، فإن التعنت حد الشهود الثلاثة، وإن نكلت عن اللعان وجب عليها الحد وسقط الحد عن الثلاثة، لأنه قد حق عليها ما شهدوا به، وهكذا فسَّره ابن الماجشون.
الجزء: 10 - الصفحة: 937
[فصل 13 - فيمن لم يرفع إلى السلطان بقذفه
وفيمن أنكر ولد زوجته التي لم يدخل بها]
ومن المدونة: قال مالك: ومن قذف زوجته أو أجنبيةً فلم يرفعاه إلى السلطان فلا شيء عليه.
قال مالك: ومن لم تُعلم له بزوجته خلوةُ حتى أتت بولدٍ فأنكره وأنكر المسيس، وادعت هي أنه منه، وأنه غَشِيها، وأنكر قولها وأنن به لستة أشهرٍ فأكثر من يوم العقد وقد طلق أو لم يطلق، لزمه إلا أن ينفيه بلعانٍ فلا يلزمه، ولا يكون لها إذا لاعن إلا نصف الصداق ولا سكنى لها ولا متعة، وإن نكل حُدَّ، يعني: ويلحق به الولد ويغرم الصداق.
ابن المواز: قال ابن القاسم وابن وهب: وإن قال الزوج: عقدت منذ خمسة أشهر، وقالت هي: منذ أكثر من ستة أشهر، وجاء حمل فلابد من اللعان.
[فصل 14 - في سكنى الملاعب]
ومن المدونة: قال مالك: وللملاعنة السكنى.
قال ابن القاسم: لأنها في عدةٍ من الزوج، ولا تُنكح حتى تنقضي عدتها
الجزء: 10 - الصفحة: 938
[فصل 15 - في عدم استحقاق الملاعنة للمتعة]
قال مالك: ولا متعة للملاعنة على [كل] حالٍ كانت مدخولاً بها أم لا سمى لها صداقاً أم لا.
قال ابن القاسم: لأن الفراق لم يكن من فعل الزوج وإنما جاء من قِبلِهَا حين أنكرت ما قال.
وقال ابن الكاتب: إنما مُنعت الملاعنة من المتعة لأن اللعان ليس بطلاق، والمتعة إنام تكون للمطلقات، كذا قيل فيها.
[فصل 16 - فيمن قذف زوجته وهي حائض أو نفساء]
قال: ومن قذف زوجته وانتفى من حملها وهي حائض أو في دم نفاسها فلا يتلاعنان حتى تطهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 939
قال أبو محمد: يلاعن الزوج ويُتَأَنى بها حتى تطهر.
قال ابن القاسم: وكذلك إن حل أجل التلوم في المعسر بالنفقة، أو العنِّين، أو غيره والمرأة حائض فلا تطلق عليه حتى تطهر إلا المولي فإن كان مالكاً قال فيه: إذا حل أجله فأوقفه السلطان وزوجته حائض فلم يفئ طلق عليه.
وروى أشهب عن مالك: لا تطلق عليه حتى تطهر، وقد تقدم هذا.
كَمُلَ كتاب اللعان بحمد الله وحسن عونه، وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 940
[الكتاب الثالث عشر]
كتاب الاستبراء
[الباب الأول]
في استبراء الإماء في البيع وغيره
[فصل 1 - في مشروعية استبراء الإماء] روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال سبي أو طاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض، وقال عليه الصلاة والسلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماءه غيره، فوجب أن كل من انتقل إلى
الجزء: 10 - الصفحة: 941
ملكه ملك أمة كانت في حوز غيره، بأي وجهٍ ملكها، أن يستبرتها بحيضةٍ إن كانت ممن تحيض، ملكها ببيعٍ، أو إرثٍ، أو هبةٍ، أو صدقةٍ، أو وصيةٍ، أو من مغنمٍ، أو بغير ذلك.
قال ابن وهب: / وقال ابن عمر وابن مسعود وفُضَالة بن عبيد وكثيرُ من التابعين: من اشترى أمةً فلا يقربها حتى يستبرئها بحيضة.
قال ربيعة وابن شهاب: هي السنة.
قال أبو بكر الأبهَري: الاستبراء يجب بأربعة أوصاف: بالملك - يريد لا بالتزويج - قال: وأن لا تعلم براءة الرحم - يريد مثل أن يشتري مودعةً عنده تخرج - قال: وأن يكون له الوطء مباحاً في المستقبل - يريد مثل أن يشتري ذات زوج.
قال: وأن لا يكون له الفرج حلالاً قبل الملك - يريد مثل أن يشتري زوجته - قال: فمتى سقط أحد هذه الأوصاف لم يكن بُد من الاستبراء.
الجزء: 10 - الصفحة: 942
قال عبد الوهاب: وإنما كتفها حيضةُ واحدةً بقوله صلى الله عليه وسلم: «حتى تحيض»، ولأنها تدل على براءة الرحم في الغالب، ولا يتعلق بها عبادة كالعدة.
ومن المدونة: قال مالك في آخر الكتاب: وأحب ما سمعت إلى في التي لم تحض من صغرٍ ومثلها يوطأ، أو اليائسة من الحيض إذا بيعت أن تستبرأ بثلاثة أشهر، إذ لا يبرأ رحم في أقل من ذلك، وعلى هذا أمر الناس.
قال ابن وهب: وقاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه وغيره.
قال الشيخ: لأن أقل ما يتبين فيه أمارات الحمل ثلاثة أشهر.
ومن الواضحة: قال مالك: وتستبرأ الصغيرة إذا بلغت أن توطأ وإن أُمِن منها الحمل.
قال ابن حبيب: وهذا شديد، وقد روي عن كثيرٍ من السلف أنها إنما تستبرأ إذا قاربت البلوغ وخشي الحمل على مثلها، لأنها قد تحمل قبل المحيض إذا قاربته، فأما إن لم تقاربه ولا يحمل مثلها فلا تستبرأ، وروي ذلك عن عمر وعلي وكثير من التابعين من الفقهاء، وإذا قاربت الحيض ففي مبلغ استبرائها اختلاف.
فقال سليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وجماعة من الفقهاء ومالك وأصحبه: بثلاثة أشهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 943
وروي عن عمر وعلي وابن المسيب وغيرهم: شهر ونصف، وقال بعض العلماء: شهر، وقال بعضهم: شهران، سمعت ابن الماجشون يقوله، ولا أعلم من قال بتسمية.
[فصل 2 - في استبراء المستحاضة والمكاتبة]
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أمةً مستحاضةً، فعلم بذلك فاستبراؤها ثلاثة أشهر، إلا أن لا يبرئها ذلك وتشك فيرفع بها إلى تسعة أشهر، والتي رفعتها حيضتها بمنزلتها.
قال الشيخ: لأن التسعة أشهرٍ هي الغالبة من مدة الحمل، فالبراءة تقع بها في الغالب.
قال ابن القاسم: إلا أن ترى المستحاضة دماً توقن هي والنساء أنه دم حيضٍ فتحل متى تراه، لأن مالكاً قال في المستحاضة ترى دماً وهي في عدة موتٍ، أو طلاقٍ توقن هي والنساء أنه دم حيضٍ فذلك قرء تحتسب به.
قال: ومن كاتب أمته، ثم عجزت أحببت له استبراءها إلا التي في يديه لا تخرج فلا شيء عليه.
قال ابن حبيب: لا يطؤها حتى يستبرئ، لأن فرجها كان ممنوعاً من وطئه، فكأن ملكه زال عنها.
الجزء: 10 - الصفحة: 944
[فصل 3 - في استبراء المغتصبة]
ومن المدونة قال: وعليه في المغصوبة ترجع إليه الاستبراء إن غاب عليها الغاصب، ولو اشتراها الغاصب بعد أن وطئها فليستبرئها من مائه الفاسد.
وؤأيت لسحنون: إذا رجعت لسيدها فليستبرئها لنفسه بلا مواضعة، لأنه قد أخذ ما نقصها، وهذا إذا كانت من الوَخْش، وأما إذا كانت رائعةً رأيت سيدها بالخيار في أخذ القيمة، أو أخذها وما نقصها، لأن ذلك في الرائعة عيبُ شديد يوجب له قيمتها.
[فصل 4 - في استبراء من استحقت بحرية]
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى أمةً فغاب عليها، ثم اسْتُحِقَّت بحريةٍ لم تنكح إلا بعد ثلاث حِيضٍ وإن تقاروا أنه لم يطأ، ولو وطئها فلا صداق عليه، لأنه وطئ بالملك / إلا أن يطأ عالماً بحريتها فعليه الصداق والحد.
قال ابن القاسم في غير المدونة: ولا تحد هي إن أقرت بالملك.
قال أبو بكر بن اللبَّاد: وقال المغيرة وابن الماجشون: وعليه لها صداق مثلها وإن وطئ غير عالم.
قال سحنون: وقد قال ابن القاسم: ما تبين لي قولهما.
الجزء: 10 - الصفحة: 945
وقال في الأخوين يتزوجان أختين فيغلطان بهما، فَتُدخَل على كل واحدٍ زوجة أخيه فيطؤها، ثم ظهر على ذلك: إن لكل واحدةٍ صداق مثلها على الذي وطئها.
وقد اختلف في الحر إذا بيع فاغتلَّه المشتري، فقيل: يكون للمشتري غلته مع كونه غير ضامنٍ له لو هلك، وقيل: لا غلة له.
ومن كتاب الاستبراء: وإذا سبى العدو أمةً، أو أمَّ ولدٍ، أو مدبَّرةً، أو حرةً، ثم رجعن، لم توطأ الحرة إلا بعد ثلاث حيض، وأولئك بعد حيضة، ولا يصدقن كلهن في نفي الوطء، لأن أهل الحرب قبضوهن على وجه الملك لأعلى وجه الوديعة.
[فصل 5 - في استبراء المرهونة والمودعة والموهوبة]
ومن رهن جاريةً، أو أودعها فلا يستبرئها إذا ارتجعها، ولو ابتاعها المودع بعد أن حاضت عنده أجزأه من الاستبراء إن كانت في بيته لا تخرج، وإن كانتت تخرج إلى السوق لم يجزه.
ومن وهب أمةً لرجلٍ، ثم ارتجعها بعد غيبة الموهوب له عليها، فليستبرئها لنفسه، لأنها قبضت على الحَوز.
قال الشيخ: ومعنى ارتجعها: أن الموهوب ردها إليه فصارت كهبةٍ منه للواهب، ولو وهبها له الأول على غير ثوابٍ فأثابه أقل من قيمتها فلم
الجزء: 10 - الصفحة: 946
يرضه فردها عليه، فيكون عليه الاستبراء بلا مواضعة، لأن الموهوب قبضها على الحوز، ولو سَّميا ثواباً لم يكن له أن يرتجعها منه إلا أن ينقضي الأمر الأول، فتكون إقالة، وإن أثابه بعد خروجها من المواضعة فعليه الاستبراء، والمواضعة كالبيع.
[فصل 6 - في إستبراء من بيعت على المواضعة
ثم رجعت إليه من وهبها لولده]
ومن باع أمةً على المواضعة ثم رجعت إليه في المواضعة قبل أن تحيض أو يذهب معظم حيضتها فلا استبراء عليه، ولو قبضها المبتاع لنفسه على الحوز لا على الأمانة في المواضعة، ثم أقاله فليستبرئ لنفسه وإن أقاله بعد يومٍ من مغيبه، والهبة كذلك.
ومن وهب لابنه الصغير أو الكبير في عياله جاريةٌ، ثم اعتصرها فإن لم تمن تخرج وهي بيد الأب ولم يغب الكبير عليها لم يستبرئ، وإن كانت تخرج، أو قبضها الكبير وغاب عليها فليستبرئ.
قال مالك: وإن وطئها الابن فلا اعتصار الآن فيها.
قال الشيخ: أعلم أنه إذ قال الابن الكبير: ما وطئتها، فللأب اعتصارها، لإقرار الولد أن اعتصار الأب لها جائز، ولو قال الابن: وطئتها، لم يكن للأب أن يعتصر، وإنما مُنع الأب من اعتصارها لأنه قد حرَّمها عليه وتغيَّر حالها بذلك كحوالة عينها، وحوالة عينها تمنعه من الاعتصار، فكذلك هذا.
وحكى عن الشيخ أبي الحسن أنه قال في قوله: إذا اعتصرها الأب بعد غيبة الكبير عليها فليستبرئها الأب: إنما فال ذلك لغيبتها عن حوز الأب ونظره، لا نت أجل خفية وطء الابن، إذ لو كان كذلك لأمره ألا يطأها أصلاً، فاعلم ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 947
[فصل 7 - في استبراء من باعها على ابنه الصغير
أو اشتراها من زوجته
أو خالعها عليها أو وهبتها له]
ومن المدونة: ومن باع على ابنه الصغير من نفسه أمةً، أو رجل ابتاع أمة زوجته، أو خالعها عليها، أو وهبتها له.
فإن كانت عنده لا تخرج لم يستبرء، وإن كانت تخرج فعليه الاستبراء.
ابن المواز: قال أشهب: إن كانت معه في دارٍ وهو الذابُّ عنها والناظر في أمرها أجزأه، كانت تخرج أو لا تخرج.
قال الشيخ: ووجه / هذا.
فلأنها إذا كانت عنده وهو القائم بأمرها أشبهت أمته، فكما لا استبراء عليه في أمته إذا كان تخرج، فكذلك هذه.
ووجه قول ابن القاسم: إنما راعى انتقال الملك مع كونها ليست في يد المشتري، أو في يده لا تتصرف، إذ قد يمكَّن السيد من وطئها إذا كانت تتصرف.
[فصل 8 - في استبراء من لم توطأ]
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى جارية مثلها يوطأ من رجلٍ لم يطأها أو من صبيٍ، أو امرأةٍ فلابد من مواضعتها للاستبراء.
ومن أبضع مع رجلٍ في شراء جاريةٍ فبعث بها إليه فحاضت في الطريق فلا يقربها حتى يستبرئ لنفسه.
الجزء: 10 - الصفحة: 948
وقال أشهب: بل تجزئه حيضتها في الطريق، أو عند الوكيل، ولا يستبرأ من سوء الظن.
قال الشيخ: قيل معنى قول ابن القاسم: أن الوكيل تعدَّى في بعثه إياها مع غير من ائتمنه الآمر، فلذلك قال: لا تجزئه حيضتها في الطريق حتى يستبرئ لنفسه.
[فصل 9 - في استبراء من بيعت فحبست بالثمن]
ومن المدونة: ومن باع أمةً فحبسها بالثمن أو لم يمنع المشتري من قبضها، ولا سأله هو في ذلك، وذهب هو ليأتي بالثمن، فأتى فألفاها طامثاً ففي أول الدم يجزئه، وإن ألفاها في آخره وقد بقي منه يوم أو يومان، أو بعد الطهر [فلا] ولتواضعاها إلا في الوخش فليقبضها وليستبرء لنفسه، ولو أمكنه البائع من الرائعة فتركها عنده أجزأته حيضتها على كل حالٍ، لأن استيداعه إياها بمنزلة أو لو وضعها عند غيره.
ومن العتبية: قال ابن القاسم: ولو حبسها البائع بالثمن ثم وطئها فحملت فلا حد عليه للشبهة، ويأخذها المبتاع وقيمة الولد كالمستحقة.
الجزء: 10 - الصفحة: 949
قال الشيخ: يريد أنه وطئها بعد أن خرجن من الاستبراء، وأما إن وطئها قبل خروجها من الاستبراء فحملت فإنها تكون له أم ولد، ويعاقب، كما قال في التي أمكنه منها-.
قال ابن القاسم: ولو أنه أمكنه منها فتركها المبتاع عنده فإن وطئها بعد أن استبرأها حُدَّ، وإن كان قبل استبرائها لم يُحد، وعُوقب عقوبةً مُوجِعة، وكانت له أمَّ ولد.
قال سحنون: وإن كانت من وَخْش الرقيق ومنعه البائع من قبضتها حتى يأتيه بالثمن، فوطئها البائع فأولدها كانت له أم ولد، لأن مصيبتها منه وعتقه فيها جائز إذا حبسها بالثمن، وكذلك يقول جميع أصحابنا: إن المصيبة من البائع، إلا ابن القاسم وحده فإنه كان يقول: المصيبة فيها من المشتري، فإن كان تركها عند البائع على وجه الوديعة فوطئها لزمه الحد، ولا يلحق به الولد، لأن مصيبتها من المبتاع.
[فصل 10 - في استبراء من بيعت في أيام حيضتها]
ومن المدونة: قال مالك: ومن ابتاع أمةً في أول الدم أجزأه من الاستبراء، وأما في آخره وقد بقي يوم، أو يومان فلا، وله المواضعة، وإن ابتاعها فرأت عنده دماً لخمسة أيامٍ من حيضتها عند البائع لم يجزه من الاستبراء، وهو كدمٍ واحدٍ، وتدع له الصلاة، وإن رأته بعد أيامٍ كثيرةٍ يكون لها حيضاً مؤتنفاً فرأته يوماً أو بعض يوم، أو يومين، ثم انقطع، فإن قال النساء: إن مثل ذلك حيضة، أجزأتها وإلا لم يكن استبراء، وإن لم تصل فيه حتى تقيم في الدم ما يستيقن ويُعرف أنه استبراءٌ لرحمها.
الجزء: 10 - الصفحة: 950
قال في كتاب ابن المواز: إلا أن تكون حيضتها قبل ذلك أكثر من هذا فلا يبرؤها حتى تقيم ما يُعرف أنه استبراء لرحمها.
وقال في كتاب آخر: لا تكون الحيضة يوماً في عدةٍ ولا استبراءٍ.
واختلف في أقلِّ الحيض وأقلِّ الطهر: أقلُّ الحيض خمسة أيامٍ، وقيل/: ثلاثة، وقيل: أقلُّ الطهر عشرة، وقيل: ثمانية، وقيل: خمسة، وهذا في العدوة والاستبراء، وأما في غير ذلك فَدُفْعَة من دمٍ توجب ترك الصلاة.
ومن المدنة: قال مالك: والثلاثة أيام والأربعة الأيام والخمسة أيامٍ إذا طهرت فيهن ثم رأت الدم بعد ذلك فهو من الحيضة الأولى.
قال: ويسأل النساء في عدة أيام الطهر، فإن قلن: هذه الأيام تكون طهراً فيما بين الحيضتين، وجاء على هذه الأمة بعد هذه الأيام من الدم ما يقول النساء: إنه دم حيضةٍ، ولا يشككن فيه، أجزأه ذلك من الاستبراء وإلا فلا.
الجزء: 10 - الصفحة: 951
[الباب الثاني]
في استبراء الأمة تباع ثم يستقال منها أو يفسخ بيعها، أو تتبرع من عبد أو ترد بخيار أو بعيب
[فصل 1 - في استبراء الأمة تباع ثم يستقال منها]
قال ابن القاسم: ومن باع أمة رائعة ثم تقايلا قبل التفرق فلا استبراء عليه وإن أقاله، ومن غاب المبتاع عليها فإن أقامت عنده أياماً لا يمكن فيها استبراءُ ولو يوماً واحداً فلا يطؤها المبتاع إلا بعد حيضةٍ، ولا مواضعة على المبتاع فيها، إذ لم تخرج من ضمان البائع بعد، ولو كانت وَخْشَاً فقبضها على ثبات البيع والحوز ثم أقاله بعد مدة الاستبراء فليستبرئ البائع لنفسه إذا ارتجعها قبل أن تحيض، أو يذهب عظم حيضها، ولو كانت عند أمين فلا استبراء عليه في الإقالة قبل حيضة ولو بعد طول المدة عند الأمين، ولو تقايلا بعد حيضةٍ عند الأمين أو في آخرها فللبائع على المبتاع فيها المواضعة لضمانه إياها.
قيل له: لم أوجبت على البائع أن يستبرئ لنفسه وجعلت له المواضعة على المبتاع إذا أقاله في آخر دمها، وهي لم تحل للمشتري حتى تخرج من دمها؟
قال: لأنها إذا دخلت في أول الدم فمصيبتها من المشتري وقد حلَّ له أن يُقَبِّل، ويصنع بها ما يصنع الرجل بجاريته إذا حاضت، ولأنها قد تحمل إذا وطئها في آخر دمها، ولا أدري متا أحدثت إلا أن يقبله في أول دمها ومعظمه فلا أرى عليه استبراء ولا مواضعة فيها كبيعٍ مؤتنفٍ من غيره، وكذلك في بيع الشقص منها والإقالة منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 952
ومن ابتاع شقصاً [من رائعة] فله المواضعة.
وفي كتاب محمد: لا استبراء على البائع ولا مواضعة له على المشتري.
قال الشيخ: جعل كونها بيد أمينٍ كما لو ائتمن المبتاع على استبرائها ثم أقالة فيها قبل أن يذهب عظم حيضتها أنه لا استبراء عليه.
[فصل 2 - في استبراء الأمة تباع ثم يفسخها بيعها
أو يشتريها من عبده]
ومن المدونة: قال: ومن باع أمَّ ولده أو مدبرته فسخ البيع ورُدت فلنستبرأ إذا كان قد دفعها على الحوز وترك المواضعة.
ومن اشترى من عبده جاريته، أو انتزعها منه فليستبرئ - يريد إذا انتزعها منه فليستبرئ ولا مواضعة فيها، وإذا اشتراها لنفسه من ففيها المواضعة.
[فصل 3 - في استبراء الأمة تباع ثم ترد بخيار]
ومن ابتاع جاريةً بالخيار ثلاثاُ فتواضعاها، أو كانت وَخشاً فقبضها فاختار الرد من له الخيار فلا استبراء على البائع، لأن البيع لم يتم فيها، وإن أحب البائع أن يستبرئ التي غاب عليها / المشتري وكان الخيار له خاصة، فذلك حسن، إذ لو
الجزء: 10 - الصفحة: 953
وطئها المبتاع كان بذلك مختاراً وإن كان منهياً عن ذلك، كما استُحِت استبراء التي غاب عليها الغاصب.
[فصل 4 - في استبراء الأمة تباع ثم ترد بعيب]
قال ابن القاسم: ومن اشترى جاريةً فردَّها بعيبٍ فعلى البائع أن يستبرئ إذا كانت قد خرجت من الحيضة ومصيبتها من المبتاع.
قال ابن المواز: وفيها المواضعة.
وروى أشهب عن مالك: أن ضمانها من البائع في الرد بالعيب، وإنما تتواضع ليعرف أبها حمل أم لا، فإن ماتت قبل ذلك فهي من البائع، وطئها المبتاع أم لم يطأ، لأن البيع قد انتفض، فكأنه لم يكن فيها بيع قط.
قال: وإن كانت من الوَخش فلا توقف وليقبضها المبتاع مكانه.
ابن المواز: وبالأول أقول.
قال مالك وابن القاسم: إنها من المبتاع ونفقتها عليه في الإيقاف في الرد بالعيب حتى تحيض.
قال الشيخ: واعلم أن الرد بالعيب نقص بيعٍ عند ابن القاسم أيضاً، وقد قال: إذا رُدَّت السلع بعيبٍ ردَّ السِّمْسَار الجُعْلَ، وإنما وجبت المواضعة في هذه
الجزء: 10 - الصفحة: 954
المسألة، لأن المشتري قبضها بريئة الرحم، فيجب أن يردها، كذلك قاله بعض فقهائنا.
قال الشيخ: وظاهر قوله: إنه كبيعٍ مبتدأٍ، لأنه جعل ضمانها من المبتاع ونفقتها عليه حتى تحيض، وهذه صفة المبيع المبتدأ.
وقد قال ابن عبدوس: قال أشهب في الذي اغترقه الدين إذا أعتق فرد الغرماء عتقه فبيع لهم، ثم رده مبتاعه بعيبٍ قديمٍ وقد استفاد سيده مالاً: إنه لا يعتق عليه، وقال ها هنا في مسألة الجارية: إن الرد بالعيب نقض ببيعٍ ولا مواضعة فيها.
فابن القاسم ههنا جعله كشراءٍ مبتدأٍ، وقال في مسألة المفلس: إنه يعتق، وجعله نقض بيعٍ ولم يجعله كبيعٍ مبتدأٍ، وقد خالفا أصليهما.
قال الشيخ: وقد جعل ابن عبدوس أن ابن القاسم جعله في مسألة الأمة كبيع مبتدأ، وإنما تكون الحجة التي قدمنا لابن القاسم إنه قبضها بريئة الرحم فعليه أن يردها كذلك، وعلى ما بيَّنه ابن عبدوس أن كل واحدٍ من ابن القاسم وأشهب اختلف قوله في ذلك، فمرةً رأى الرد بالعيب كنقض بيع، ومرة رآه كبيع مبتدأٍ، فاعلم ذلك.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن لم تكن خرجت من الحيضة فلا استبراء عليه - يريد أن لا مواضعة للبائع على الذي يرد بالعيب، لأنها لو هلكت قبل أن تحيض كانت المصيبة فيها من البائع.
وقال أشهب: لا مواضعة على الذي يرد بالعيب خرجت من الحيضة أم لا، لأن الرد بالعيب نقض بيعٍ وليس هو كبيعٍ مبتدأٍ.
الجزء: 10 - الصفحة: 955
[الباب الثالث]
فيمن لا مواضعة فيها من حامل أو وخش والتبري من الحمل وهل تصدق الأمة في حيض الاستبراء؟
[فصل 1 - فيمن لا مواضعة فيها من حامل أو وخش]
قال مالك: ومن استبرأ جاريةً حاملاً فلا يتواضعاها حتى تضع حملها، وليقبضها المبتاع، وينقد ثمنها، ولا يطؤها حتى تلد، وإن ألقت دمَاً أو مُضْغَةً أو شيئاً يستيقين النساء أنه ولد فاستبراؤها ينقضي به كما تنقضي به عدة الحرة، وتكون به الأمة أُمَّ ولد.
وإن أدعت الأمة أنها قد أسقطته لا يخفي دمه، وينظر إليها النساء فإن كان بها من ذلك لا يعلم أنها قد أسقطته أجزأها ذلك إذا ظهر، وإلا لم تصدق خوفاً أن يكون ريحاً فانفش، وكذلك إن قالت: أسقطت من مدة عشرة أيام، وانقطع عني، فلا تصدق،/ ولا يطؤها المبتاع حتى يستبرئ لنفسه بحيضة، ولا حجة له في رد الثمن وطلب المواضعة، لأن البائع يقول: بعتكها وهي ظاهر الحمل يعرفه النساء ويشهدن عليه، والنقد فيها جائز، وقد انتقدت ولا أدري ما صار إليه أمر الحمل، وإذا كانت الأمة من وَخش الرقيق و [لم] يطأها البائع جاز بيعها بالبرائة من حملٍ غير ظاهرٍ، كان البائع قد استبرأها أم لا، ويجوز فيها اشتراط ترك المواضعة وانتقاد الثمن، ويقال للمبتاع: استبرئ لنفسك بحيضةٍ مستقبليةٍ قبل أن تطأ، ثم لا ردَّ للمبتاع إن ظهر حملُ، لأن البائع قد تبرَّأ منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 956
[فصل 2 - في التبري من الحمل]
وإن كانت رائعةً ولم يطأها البائع فلا يجوز بيعها بالبراءة من حملٍ غير ظاهرٍ وإن كان البائع قد استبرأها، ويفسخ البيع بينهما.
وفي هذا البيع أيضاً وجه آخر: أنه اشترط النقد في المواضعة ولابد فيها من المواضعة، وإن كانت بينة الحمل جاز تبري البائع من الحمل إن لم يكن منه، وجاز فيها النقد، ولا تصدق إلا في حيض الاستبراء إن ادعت الحيضة ولا في السَّقط حتى يراها النساء، لأن العهدة على البائع، ولا تسقط بقول الجارية إلا بالبينة التي تجوز في مثلها، أو تبرئه المشتري مما له أوقفت.
وفي كتاب محمد وابن حبيب: إن البيع جائز والشرط باطل كبيعها بشرط ترك المواضعة، وقبضها كالوَخْش ولم يتبرأ من حملٍ غير ظاهرٍ أن البيع جائز ويلزمان حكم المواضعة، فكذلك هذا.
[فصل 3 - في الأمة هل تصدق في حيض الاستبراء؟]
ومن المدونة: وأما الحرة فهي في ذلك كله مصدقة ولا ينظر إليها أحد، لأن الله عز وجل ائتمنها عليه فقال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾، وهي الحيضة والحمل.
قال الشيخ: ابن عبدوس: قال غيره: ومن باع جاريةً زانيةً أو معتدةً فإن كان الزنا معروفاً أو الزوج فالبيع جائز، ولا مواضعة فيها، ولا تُرد بحملٍ إن أمكن
الجزء: 10 - الصفحة: 957
أن يكون من ذلك الزنا لقُربه، وإن كان الزنا والزوج لا يُعرف فالبيع فاسد، لأنه أراد بذلك تجويز بيع الرائعة بلا مواضعة، وبالبراءة من الحمل.
قال بعض فقهائنا: وقيل في المغتصبة: لا مواضعة فيها كما قيل في الزانية المعلوم زناها وإنما عليه الاستبراء، وهو واجب إذا غاب عليها الغاصب، ولفظ الاستحباب الذي جرى في الكتاب إنما أراد به الإيجاب.
قال: ولا مواضعة في أم الولد إذا بيعت فَرُدَّ بيعها، إذ لو هلكت في يد المبتاع كان ضمانها من البائع، وأما المدبرة إذا بيعت فَرُدَّ بيعها ففيها المواضعة، لأنها لو حملت من المبتاع كانت له أُمَّ ولدٍ، ونفقتها على المبتاع، فلا رجوع له على البائع بما أنفق عليها في حال المواضعة إن خرجت من المواضعة.
قال الشيخ: وعلى القول الذي بيعت وعتقت يرد بيعها فلا مواضعة فيها كأم الولد، وكذلك القول في المكاتبة والمدبرة.
الجزء: 10 - الصفحة: 958
[الباب الرابع]
في المواضعة وعدتها والنقد فيها
[فصل 1 - في المواضعة وسببها]
قال مالك في العتبية والواضحة: أرى أن يُحمّل الناس على المواضعة في الرائعة وفيما وطئه البائع من الوخش.
قال ابن حبيب: ويؤدب تاركها.
قال ابن عبدوس: تتواضع لما يُتقى من الحمل فيها وإذا لم يلزم المبتاع تعجيل الثمن فيها لذلك لم يلزم البائع دفعها إلى المبتاع، وفارق الحمل فيها سائر العيوب، لأن الظاهر من العيوب السلامة، ولا يظهر له سببب يُتَّقى، وهذا الغالب أن لا يؤمن منها الحمل وسببه قائم /، فيصير النقد تارةً سلفاً، وتارةً ثمناً، وتصير البراءة لها فيها غرر بين، بخلاف سائر العيوب التي منها السلامة، وخرجت الوخش من ذلك، لأن الغالب من حالها غير الوطء، فصار ذلك فيها كسائر العيوب في تعجيل قبضها، وكذلك في البراءة من الحمل فيها فلم يكن لها حكم الرائعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 959
[فصل 2 - في المواضعة على يد النساء]
ومن المدونة: قال مالك: ومن اشترى جاريةً من أعلى الرقيق فأحب إلي أن تكون مواضعتها على يد النساء وهو الشأن.
وذكر عن أبي موسى بن مناس: لا يجزئ في المواضعة امرأة واحدة، ولابد من امرأتين تشهدان [أن] الأمة حاضت - أجراه مجرى حكم الشهادة -.
قال ابن الكاتب وابن عبد الرحمن: يجزئ في ذلك قول امرأةٍ، ولا يحتاج أن توضع على يد أكثر من امرأةٍ، وإنما هو من باب نقل الخبر لا من باب الشهادة.
[فصل 3 - في المواضعة على يد رجل]
ومن المدونة: وإن وضعاها على يد رجلٍ له أهل ينظرون إليها أجزأه ذلك، وكره مالك ترك المواضعة وائتمان المبتاع على الاستبراء.
الجزء: 10 - الصفحة: 960
قال ابن القاسم: فإن فعلا أجزأهما إن قبضا على الأمانة، لأن البائع ائتمنه على ذلك ورضي بقوله، وهي من البائع حتى تدخل في أول دمها.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ووضعها على يدي رجلٍ عدلٍ له أهلُ ينظرون إليها أحسن من وضعها على يد المشتري، فإن وضعت على يد المشتري فجائز، وهو مُصدَّق، إلا أن للبائع أن يبدو له فيضعها على يد غيره، ولو وضعاها بيد أجنبيِّ لم يكن لأحدٍ منهما أن ينقلها عنه إلا أن يرى لذلك وجهاً.
قال مالك: وإن اختلفا في الثمن وضع أيضاً بيد عدلٍ، ولا يجوز أن يوضع بيد البائع وإن طبع عليه، بخلاف الرهن يشترط الطبع عليه، إذ ليس الرهن عين حقه، وإنما هو توثقة، والثمن في المواضعة هو عين حقه، وكذلك الثمن في بيع الخيار وبيع الشيء الغائب لا يجوز انتقاده وإن طبع عليه، لأنه غين حقه.
وأجاز في كتاب ابن المواز في بيع الخيار قبض المثمون الذي لا يعرف بعينه بشرط الطبع، وإذا أجاز في المثمون جاز في الثمن، وهذا أقيس في السلامة من تارةٍ سلفاً وتارةٍ بيعاً.
وقال في العتبية: ليس عليه أن ينقده حتى تحيض، وليس عليه مواضعة الثمن إن طلب ذلك للبائع.
قال عيسى عن ابن القاسم: ولو تطوع بالنقد من غير شرطٍ جاز، ثم إن استبرئت فليس له استرجاعه إلا أن تستمر حاملاً.
الجزء: 10 - الصفحة: 961
قال في كتاب [محمد]: وليس له أخذه ليجعله بيد غيره.
وقيل في قول محمد: لا يجوز أن يجعل بيد البائع وإن طبع عليه: إنه إن نزل فبقي الثمن مطبوعاً عليه لم يفسخ، وإن تعدَّى عليه وانتفع به فهنا يفسخ.
قال الشيخ: وإنما أرى أنه إن نزل مضى، لأن العقد وقع صحيحاً، باشتراط الطَّبع عليه، وإنما كُرِه خوف التعدي عليه.
وقد روي عن مالكٍ فيمن أخذ ثوباً من البزَّازين ونقد الثمن حتى يريه فإن لم يرضه رده؟
قال: وإن كان قريباً وطبع على الثمن، أو جعله على يدي عدلٍ فجائز.
قال أصبغ: وما بيع على المواضعة، أو على معرفة المواضعة والاستبراء فإن شرط النقد فيه يفسد البيع إلا أن يتطوع به بعد العقد فيجوز، فأما ما بيع على البتِّ ممن لا يعرف المواضعة، مثل بيع أهل مصر، ومن لا يعرفها من البلدان يتبايعون على النقد ولا يشترطون نقداً ولا مواضعة، فهو بيع لازم لا يفسخ، ويقضى عليهما بالمواضعة.
قال مالك في العتبية: لو انصرف بها المبتاع وغاب عليها / رد إلى المواضعة ولا حجة للبائع بغيبته عليها وهو قد ائتمنه عليها.
الجزء: 10 - الصفحة: 962
[فصل 4 - فيمن قبضت على شرط الحيازة
وسقطت المواضعة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإن قبضها على شرط الحيازة وسقوط المواضعة ولم يشترط استبراءً في المواضعة، أو جَهِلا وجه المواضعة فقبضها كالوخش ولم يتبرأ البائع من حملٍ لم يفسد البيع وألزمتهما حكم المواضعة، فإن هلكت في أمرٍ لا يكون في استبراء فهي من البائع، وإن هلكت بعد مدةٍ يكون فيها استبراء فهي من المبتاع.
ابن المواز: وذلك قدر الشهر ونحوه.
[قال الشيخ]: وفي كتاب محمد قول آخر: أن البيع فاسد، خيفة أن البائع حطَّ من الثمن لمكان ضمان المشتري إياها بالعقد، فأوجب على المشتري نقد الثمن، فإذا طرحنا شرطه وأوجبنا الضمان على البائع وحرمناه نقد الثمن الذي مقتضي البيع يوجبه مضى ما حطَّ من الثمن بغير فائدةٍ، قاله بعض القرويين.
وإن باع بالمواضعة ثم أسقطها بعد عقد البيع فأجازه ابن القاسم وأوجب نقد الثمن، ولم يجز ذلك سحنون، لأنه يؤدي إلى رفع الضمان بانتفاعه بالمبيعة ويُعدُّ هذا زيادةً فيها.
الجزء: 10 - الصفحة: 963
[فصل 5 - فيمن زعم بائعها أنه لم يطأ
أو قال: وطئت واستبرأت]
ومن المدونة قال: وإن تبرَّأ البائع في العقد من الحمل وليس بظاهرٍ، وشرط قبضها كوخش الرقيق، وزعم أنه لم يطأ، أو قال: وطئت فاستبرأت، وهي رائعةً فسد البيع، وهي من المبتاع من يوم قبضها، وترد إلا أن تفوت فيلزم المبتاع قيمتها يوم القبض، أقامت عنده مدة الاستبراء، أو يوماً، أو يومين.
ابن المواز: وهي من البائع حتى تخرج من الاستبراء في البيع الصحيح ففي الفاسد أحرى، وكمن شرط النقد في بيع الخيار.
[فصل 6 - فيمن أقر بائعها بالوطء وشرط ترك المواضعة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ولو أقر البائع بوطئها ولم يدَّعِ استبراءً وتبرَّأ من الحمل وشرط ترك المواضعة، فهذا أيضاً فاسد، فإن هلكت في مدةٍ لا يكون فيها استبراء فهي من البائع، وما ولدت فهو به لاحِق، ولا ينفعه شرطه، وإن هلكت بعد مدةٍ فيها استبراءً فهي من المبتاع، وعليه قيمتها يوم جعلناها تحيض في مثله، لأن من ذلك اليوم وجب عليه ضمانها، ولا ينفعه إن ادعى أنها لم تحض.
قال الشيخ: والفرق عند ابن القاسم والله أعلم: أنه إذا أقر بالوطء فقد عليقها بنفسه، وإن أتت بولدٍ لحق به، فوجب أن تكون في ضمانه إلى انقضاء أمدٍ يكون فيه الاستبراء، وإذا أنكر فلم يعلقها بنفسه، فلا يلحقه ولد وإن أتت به، فوجب أن تكون بالقبض في ضمان المبتاع كساشر البيوع الفاسدة، وفارقت
الجزء: 10 - الصفحة: 964
أيضاً مسألة بيع الخيار الذي احتج عليه بها محمد، لأن أمد الخيار الذي الضمان فيه من البائع اتفقا على إيقافه، وفي هذه المسألة قد أسقطت أمد المواضعة الذي الضمان فيه من البائع، وشرط قبضها كالوخش، وإنما يشبه مسألة الخيار أن لو باع الجارية على المواضعة وشرط النقد فيها فها هنا تشبه المسألتين، والله أعلم.
قال ابن حبيب: إذ هلكت في مثل ألا يكون فيه استبراء فهي من البائع بعد يمين المبتاع أنها لم تحض عنده، وقاله مالك - يريد: إذا أمكن أن تحيض عنده-.
قال ابن حبيب: ومعنى ما فيه استبراء إن كان وقت أيام حيضتها معروفةً فذهب قدرها فيه استبراء، وإن لم تكن معروفةً جُعِلَ على أغلب أحوال النساء، وذلك شهر، فإن مضى شهرً قبل أن تموت فهي من المبتاع، وإن ماتت قبله فمن البائع، وإن لم تمت وجاء بها بعد شهرٍ أو أكثر وقد حدث بها عيب فقال: لم تحض /، فهو مصدق، ويردها بعد شهرين وثلاثةٍ بالعيب الذي زعم أنه حدث قبل أن تحيض، والعيب تبع للحيضة، فهو مصدق أيضاً أنها لم تحض ما لم تَفُتْ، ولأنه لو لم يحدث بها عيب كان له ردها بعيب تأخير الحيض.
ومن كتاب البيوع الأول لابن المواز قال: إذا اشترط البراءة من الحمل، أو ترك المواضعة رد البيع.
قال الشيخ: فأفسد البيع باشتراط ترك المواضعة، وذلك خلاف المدونة.
قال بعض فقهائنا: وهو القياس، لأنه غررُ ووضيعةً من الثمن لسقوط الضمان عن البائع وطرح النفقة، والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 965
وذكر عن أبي بكر بن أبي عبد الرحمن فيمن باع أمةً على المواضعة بثمنٍ مؤجلٍ: إن الأجل إنما يحسب من يوم خروجها من الاستبراء، وتصير في ضمان المشتري، بمنزلة السلع الغائبة.
وأجاب فيها أبو عمران: إن الأجل من يوم العقد، إلا أنه لابد أن يوسَّع الأجل توسعاً تنقضي المواضعة قبله، لئلا يصير إلى النقد في المواضعة.
الجزء: 10 - الصفحة: 966
[الباب الخامس]
فيمن ابتاع زوجته، وكيف إن باعها أو استبرئها من فسخ نكاحها، أو بيعت بغير إذن ربها ومن وطئ جارية ابنه
[فصل 1 - في استبراء من اشتراها زوجها
وكيف إن باعها أو استبرأها من فسخ نكاحها]
قال ابن القاسم: ومن اشترى زوجته قبل البناء أو بعده لم تستبرأ، فإن ابتاعها قبل البناء باعها قبل أن يطأها، أو بعد إن وطئ فليستبرئ المبتاع بحيضة.
قال الشيخ: يريد وفيها المواضعة.
وكذلك إن ابتاعها بعد البناء ثم باعها بعد أن وطئها فليستبرئها مشتريها منه بحيضة، لأن وطأه فسخ لعدتها منه، ولو باعها قبل الوطء ها هنا لم تحل له إلا بحيضتين عدة فسخ النكاح.
قال غيره في كتاب ابن عبدوس: وفيها المواضعة، لأنها إن كانت حاملاً رجعت له أم ولد.
قال أبو الحسن وغيره: إن الحيضة الأولى تكون في مواضعة، وتبرئها للمشتري والثانية تتم بها عدة فسخ النكاح.
وضمانها من المشتري، لأنها تعتد.
فإن قيل: فلم كان فيها الاستبراء ولم تكن كذات الزوج إذا بيعت والمعتدة؟
الجزء: 10 - الصفحة: 967
قيل له: لأنه لما اشتراها زوجها صارت كأمةٍ له كان يطؤها، فإذا باعها فلابد فيها من المواضعة خوفاً أن تكون حاملاً منه فتكون أُمَّ ولدٍ له، فإن وطئها الزوج بعد الشراء ذهبت العدة ولم يبق إلا أمة مبيعة توطأ، فوجب فيها المواضعة.
وقد قال مالك: ليس عليها إلا حيضة، وطئ أو لم يطأ، ووجه هذا: كأنه رأى أن العدة إنما تكون في الطلاق، وأما في فسخ النكاح فإنما فيه حيضة كاستبراء المبيعات.
وأما إذا اشترى ذات زوج طلقها زوجها قبل البناء فقال ابن القاسم: لا يطؤها المشتري إلا بعد حيضةٍ، لأنها أمةً مبيعةً.
وقال سحنون: يطؤها مكانه كما كان لبائعها أن يطأها مكانه.
قال في كتاب ابن عبدوس: ولو باعها سيدها الأول وهي تحت زوجٍ، أو في عدةٍ من زوجٍ لم تكن فيها مواضعة، وقبضها مكانها، وإن ظهر بها حمل لم تُرد وكان رقيقاً، وهي مخالفةً للمسألة الأولى.
ومن المدونة: ولو طلقها بعد البناء واحدةً ثم ابتاعها في العدة، ثم باعها، فإن كان قد وطئها بعد الشراء استبرأها منه بحيضةٍ، وإن لم يطأها بعد الشراء لم تحل لمشتريها إلا بحيضتين من يوم طلاقه، ولو باعها بعد حيضةٍ لم تحل له إلا بعد حيضةٍ ثانية، / ولو باعها بعد انقضاء العدة فاستبراؤها حيضةً، كان الطلاق واحدةً أو ثلاثاً.
ومن كتاب العدة: ولو اشترى مكاتبُ زوجته بعد البناء، ثم لم يطأها حتى مات أو عجز فعلى السيد فيها حيضتان من يوم الشراء، وكان مالك يقول: حيضة، ثم رجع إلى هذا وهو أحب إل]، لأنها معتدةً، كمن باع معتدةً من
الجزء: 10 - الصفحة: 968
طلاق - يريد: إنها قولة لمالكٍ في كل من اشترى زوجته من حرٍ أو عبدٍ، ثم باعها أو أعتقها فإنها تستبرئ بحيضةٍ، ثم رجع إلى حيضتين، ذكر ذلك في المختصر الكبير وكتاب ابن المواز.
ومن الاستبراء: وإن تزوجت أمة بغير إذن سيدها ففسخ النكاح بعد البناء لم يمسها إلا بعد حيضتين، لأنه استبراءً من نكاحٍ يُلحق فيه الولد، ويدرأ عنه الحد ولا عدة عليها.
وقد قال بعض الناس: إنه نكاح.
ومن باع أمةً بغير إذن ربها ثم أجاز ربُّها البيع بعد أن حاضت عند المبتاع أجزأه كالمودعة.
فصل [2 - في استبراء جارية الابن إن وطئها الأب]
قال ابن القاسم: ومن وطئ جارية ابنه فقومت عليه فليستبرئها إن لم يكن الأب قد عزلها عنده واستبرأها.
وقال غيره: لابد أن يستبرئها وطئه وإن كانت مستبرأةً عند الأب.
قيل لابن القاسم: فلم جعلته يستبرئ والولد يلحق بالأب؟
قال: لأنه وطء فاسد، وكل وطءٍ فاسدٍ فيه حتى يستبرئ.
قال الشيخ: وحكي عن ابن القابسي: إن قول ابن القاسم أحسن، قال: لأن الأب إذ تلذَّذ بجارية ابنه حَرُمت على الابن، ووجبت على الأب القيمة،
الجزء: 10 - الصفحة: 969
وهذه لما كانت مستبرأة عند الأب فأول وضع يده عليها وجلوسه بين فخذيها وجبت عليه القيمة، وصار وطؤه في أمةٍ مستبرأةٍ.
قال الشيخ: وهذا معنى قوله دون لفظه.
الجزء: 10 - الصفحة: 970
[الباب السادس]
في تزويج الرجل أمته وقد وطئها أم لا
قال مالك رحمه الله: وللرجل أن يزوج أمته [التي] لا يطؤها بغير استبراء.
قال عنه ابن وهب: ولا تستبرأ الأمة في النكاح، ولا يتزوج أمةً قد وطئها حتى تحيض حيضةً من يوم وطئها.
قيل لمالك: أفلا يزوجها ويكف عنها الزوج حتى تحيض؟
قال: لا، فإن زوجها بعد وطئها قبل أن تحيض حيضة، ثم لم يطأها الزوج حتى حاضت حيضةً فالنكاح مفسوخ، ولا يجوز نكاح إلا حيث يجوز الوطء إلا في دم النفاس، أو في دم الحيض من غير معتدةٍ، أو من دخلت من المعتدات في الحيضة الثالثة في الحرة، أو الثانية في الأمة، فإن النكاح يجوز في ذلك، ولا توطأ حتى تطهر.
ومن زنت أمته لم يطأها ولم يزوجها إلا بعد حيضة.
ومن ابتاه أمةً رائعةً فأقر البائع بوطئها أو لم يقر ولم يجحد لم يزوجها حتى تخرج من الاستبراء، إذ يلحق بالبائع ما تأتي به من ولدٍ إن ادعاه.
ومن باع أمةً من وَخْش الرقيق ولم يطأها وتبرأ من الحمل إن كان بها فلا يطؤها المبتاع حتى تحيض، وله أن يزوجها قبل أن تحيض إن لم يكن بها حمل [ظاهر] كما كان لبائعها، وأصل هذا أن تنظر إلى كل جاريةٍ كان للبائع أن يزوجها قبل أن يستبرئها فذلك أيضاً جائز للمبتاع إذا قِبلها بعد الشراء، فإذا لم يكن ذلك حتى يستبرئها كان المبتاع مثله.
الجزء: 10 - الصفحة: 971
قلت: فإن كانت رائعةً فابتاعها وتواضعاها أيجوز للمبتاع أن يزوجها؟
قال: إذا قال البائع: لم أطأها وإن كان حمل فليس مني، ولم يتبرأ من الحمل، جاز البيع، وللمبتاع قبولهما في المواضعة قبل حيضها، وقبضها / على الرضي بالحمل إن كان بها، ولا يجوز ذلك في أصل التبايع.
قال ابن عبدوس: إن دفع البائع الرائعة إلى بعد صحة العقد على أن المبتاع راضٍ بما ظهر بها من حملٍ أو غيره ولم يكن البائع وطئها فابن القاسم يرى أنه يتعجَّل قبضها على ما أحب البائع أو كَرِه، كما له الرضى بحملٍ لو ظهر، وإذا قبضها على ذلك يرضى البائع أو بغير رضاه فعليه تعجيل الثمن، ولم ير سحنون للمشتري تعجيل قبها قبل المحيض، لأنه يسقط الضمان عن البائع لتعجيل منافعه بها، وكذلك إن طاعا جميعاً بذلك، فكأنه عجَّل له الثمن بما تعجَّل من منفعتها، فهو كسلفٍ بنفعٍ.
قال أبو محمد: إنما تصح هذه العلة لو كان ليس له تعجيلها إلا برضى البائع وأما على ما يجب له من ذلك وإن كره البائع فلا يصح، فإن قلت: ولم كان ذلك؟
قيل: كما له أن يرضى بحملٍ قبل أن يظهر.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: فإذا قبلها المبتاع جاز له أن يزوجها مكانه قبل أن يستبرئها كما كان للبائع، ويحلُّ للزوج وطؤها مكانه.
قال سحنون: كيف يزوج من لا يحل له وطؤها؟
قال ابن القاسم: وقد قال مالكً فيمن باع أمةً رائعةً مثلها يتواضع للاستبراء فظهر بها حمل فقِبلها المبتاع به: إن ذلك له، وهو كعيبٍ حدث بها وليس للبائع ردها إلا أن يدعي أن الحمل منه.
الجزء: 10 - الصفحة: 972
[الباب السابع]
في استبراء ذات الزوج والمعتدة والمرتابة وما يحدث للأمة في المواضعة
[فصل 1 - في استبراء ذات الزوج]
قال ابن القاسم: ومن ابتاع أمةً ذات زوجٍ فطلقت قبل البناء فلا يطؤها حتى تستبرئ بحيضة.
وقال سحنون: يطأ مكانه.
وقال عبد الملك: لا مواضعة في ذات الزوج وإن لم يبن بها الزوج، ولا ترد بحملٍ إن ظهر إلا أن تضعه لأقل من ستة أشهرٍ من يوم تزوجها، فلا يلحق به، ويفسخ النكاح، وللمشتري ردها بعيب هذا الحمل ويفسخ البيع.
وجرى لابن المواز في بعض الروايات: إذا اشترى زوجته ثم ظهر بها حمل لم يردها به، ويرجع بقيمة عيب الحمل.
قال بعض أصحابنا: فهذا خلاف المشهور من قولهم: إنه لا مواضعة في ذات الزوج، وهي بعقد الشراء في ضمان المبتاع، ولا درك فيها بعيبٍ على حال.
قال الشيخ: لا أدري لم هذا، وإنما ينبغي ألا تُرد بعيبٍ حدث من يوم الشراء، إذ لا مواضعة فيها، وأما بعيبٍ قديمٍ لم يطَّلِع عليه المبتاع فله الرد به كشراء العبد الذي هو بعقد الشراء من المبتاع.
الجزء: 10 - الصفحة: 973
[فصل 2 - في استبراء المعتدة والمرتابة]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: ومن اشترى معتدةٌ من وفاة زوجٍ فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليالٍ لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن تمت عدتها ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة، فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهرٍ ويئست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهرٍ من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلَّت، وإن ارتابت بعدها بحسِّ البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة، فإن استبرأت معتدةُ من طلاقٍ وهي ممن تحيض فارتفعت حيضتها فإذا مضت سنةُ من يوم الطلاق وليوم الشراء ثلاثة أشهرٍ فأكثر حلَّت.
قال سحنون: لا مواضعة في معتدةٍ كذات الزوج وهي بعقد الشراء في ضمان المبتاع.
قال ابن وهب عن مالك: ولا يجردها المبتاع لينظر إليها عند البيعـ ولا يتلذَّذ بشيءٍ منها حتى تنقضي / عدتها من طلاق، أو وفاة.
وقال عبد الملك فيمن ابتاع معتدةً من وفاةٍ فانقضت عدتها بعد شرائه بيومٍ فلا يقربها حتى تحيض، ولا مواضعة في هذه الحيضة على البائع، ولو حاضت بعد البيع قبل تمام العدة أجزأته، وحلَّت بتمام العد، ولو ظهر بها حمل لم ترد به وإن وضعته لستة أشهرٍ من يوم البيع.
قال الشيخ: لأنه على ذلك دخل، لأن الزوج كان مطلقاً عليها فلم يكن له في الحمل حجة.
وحكي عن القابسي أنه قال: إن كانت معتدةً من طلاقٍ فرفعتها حيضتها فلا توطأ إلا بعد سنةٍ، وإن قال القوابل بعد ثلاثة أشهرٍ وقبل سنة: لا حمل بها، فلا توطأ إلا بعد حيضتين، أو سنةٍ لا حيض فيها، وليست كالمعتدة من وفاة، هذه
الجزء: 10 - الصفحة: 974
إن قال القوابل بعد ثلاثة أشهرٍ وقبل تمام التسعة أشهر: لا حمل بها، حلَّ للمشتري وطؤها، لأن العدة من الوفاة قد انقضت بمضي شهرين وخمس ليال، والتربص لزوال الريبة فمتى زالت حلَّت، والمطلقة عدتها بعد التسعة أشهر التي لزوال الريبة، فأمرهما مفترق.
ومن المدونة: قال سحنون: وقد روي عن مالكٍ اختلاف في التي تستبرأ وهي ممن تحيض، فرفعتها حيضتها بعد الشراء، فروى عنه ابن وهب: إنها تستبرأ بتسعة أشهر.
وروى عنه ابن غانم: إنها إذا مضت لها ثلاثة أشهرٍ دُعي لها القوابل، فإن قلن: لا حمل بها، فقد حلت.
قال أشهب: وهي أحب إلي، لأن رحمها يبرأ بثلاثة أشهرٍ كما يبرأ بتسعة أشهر.
وقال مالك في موضعٍ آخر: إذا رفعتها حيضتها انتظرت ثلاثة أشهر، إلا أن ترتاب فترفع بها إلى تسعة أشهر، فإن زالت الريبة قبل التسعة حلت، وإن تمادت بعدها لم توطأ حتى تذهب الريبة، فإن تأخر حيض الأمة في البيع لمرضٍ حدث بعد العدة فرضيه المبتاع أجزأتها ثلاثة أشهر.
الجزء: 10 - الصفحة: 975
وحكي أن أبا موسى بن مناس سئل: ما فائدة التسعة أشهرٍ وهي لا تبرأ إلا بعد زوال الريبة؟
فقال: معنى ذلك: أنها إذا حسَّت شيئاً عند ثلاثة أشهرٍ فارتفعت إلى تسعة أشهر كفتها التسعة أشهر إذا لم تزد تلك الريبة وبقية بحالها، فأما إن زادت الريبة بالحسَّ والتحريك فحينئذٍ تزيد على التسعة أشهرٍ حتى تذهب الريبة.
[فصل 3 - فيما يحدث للأمة في المواضعة]
ومن المدونة: وكل ما حدث بالأمة في المواضعة من مرضٍ، أو هلاكٍ، أو عيب، أو غيره فمن البائع حتى ترى حيضةٌ مستقيمة، والمبتاع بالخيار في حدوث العيب في قبولها بجميع الثمن، أو ردِّها، فإن قبلها المبتاع فلا حجة للبائع.
ابن وهب: وقضى عمر بن الخطاب أنها إذا ماتت في المواضعة فهي من البائع.
[قال الشيخ]: قال بعض فقهائنا القرويين: وبأول دخولها في الدم صارت في ضمان المشتري عند ابن القاسم، وحل له أن يقبِّل ويتلذَّذ، وخالفه ابن وهبٍ وقال: حتى تستمر الحيضة لإمكان انقطاع الدم، فلا تدخل في ضمان المشتري إلا بعد استحقاق واستمراره.
ومن العتبية: روى عيسى عن ابن القاسم قال: واستبراء المستحاضة والتي رفعتها حيضتها ثلاثة أشهرٍ إلا أن تستريب فتبلغ بها تسعة أشهر، وأما التي لا تحيض
الجزء: 10 - الصفحة: 976
إلا في ستة أشهرٍ أو في الحول فثلاثة أشهرٍ تبرئها إذا لم ترتب، ولأنها والمرضع تبريان / في عدة الوفاة بتمام أيامها إذا لم ترتابا.
وروى عنه يحيي بن يحيي في التي لا تحيض إلا بعد التسعة في نحو السنة فثلاثة أشهرٍ تبرئها في الاستبراء، إلا أن ترتاب فتبلغ التسعة.
وأما المرضع فاستبراؤها ثلاثة أشهرٍ، فإن ارتابت التسعة، وكل من رفعت منهن إلى التسع فهي في ضمان البائع إلى تمامها، ولا توطأ دون ذلك.
الجزء: 10 - الصفحة: 977
[الباب الثامن]
فيمن وطئ جارية ثم اشترى أختها أو تزوجها
[فصل 1 - فيمن وطئ جارية ثم اشترى أختها]
روي أن على بن أبي طالب رضي الله عنه قال: من وطئ جاريةٌ بملك يمينه وعنده أختها فلا يطأ الثانية حتى يعتق الأولى.
قال ابن عمر: أو يخرجها من ملكه.
قال ابن شهاب وغيره: بعتقٍ أو تزويجٍ أو بيعٍ.
وقد كره الجمع بين الأختين في المِلك عثمان بن عفان والزبير بن العوَّام والنعمان بن بَشير صاحب النبي صلى الله عليه وسلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 978
قال مالك فيمن وطئ لأمةً ثم ابتاع أختها، أو عمَّتها، أو خالتها لم يطأ الثانية حتى يحرِّم فرج الأولى، فإن وطئ الثانية قبل تحريم فرج الأولى وقف عن معاودة كل واحدةٍ منهما حتى يحرّم فرج واحدة.
قال ابن القاسم: فإن حرَّم فرج الثانية أقام على وطء الأولى، وإن حرَّم فرج الأولى لم يطأ الثانية حتى يستبرئ لفساد وطئه، وليحِّرم فرج إحداهما ببيعٍ، أو نكاحٍ، أو بعتقٍ إلى أجلٍ، أو بما تحرم عليه.
قال ابن المواز: ولا يطأ الباقية حتى تخرج المبيعة من الاستبراء.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن ظاهر منها لم تحل له أختها، إذ له الكفارة، وكذلك إن باعها من عبده أو ابنه الصغير أو يتيمٍ في حِجره، إذ له الاعتصار والانتزاع بالبيع.
ومن المدونة: قال: وكذلك إن زوجها تزويجاً لا يُقَرَّان عليه، أو باعها من أجنبي بيعاً فاسداً إلا أن تفوت بالبيع الفاسد، فتحل له أختها، وإن باعها وبها عيوبُ حلَّت له أختها، وهو بيع تان حتى يردَّها، فإن أُسِرَت أو أَبَقَتَ إباق إياسٍ حلت له أختها.
قال: ومن اشترى أختين وطئ أيتهما شاء، فإن وطئهما، ثم باعهما، ثم اشتراهما في صفقةٍ واحدةٍ وطئ أيتهما شاء، فإن وطئهما ثم باع واحدة، أو زوجها فلم يطأ الباقية حتى رجعت إليه تلك فلا يطأ إلا الباقية لا الراجعة، فإن وطئ إحداهما، ثم باعها، ثم وطئ الباقية، ثم اشترى تلك المبيعة فلا يطؤها حتى يحرِّم فرج الأخرى، وكذلك إن باع أمةً وطئها، ثم اشترى أختها فوطئها، ثم اشترى تلك المبيعة فلا يطؤها حتى يحرِّم فرج الأخرى، ولو لم يكن وطئ الباقية حتى اشترى المبيعة وطئ أيتهما شاء.
الجزء: 10 - الصفحة: 979
قال أبو بكر بن عبد الرحمن: ولو وهب إحداهما لابنه الكبير أو لأجنبيٍ لم تحل له أختها حتى يقبضها الموهوب له، لأن الواهب لو أعتقها قبل قبض الموهوب له، أو أحبلها لمضى فعله فيها وانتقضت الهبة، فلذلك شرطنا القبض فيها.
قال بعض فقهائنا: ولو اشترى الأختين في صفقةٍ ولم يَعلم أنهما أختان فهو عيبُ يرد به، لأنه إذا وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يحرَّم فرج الأولى.
وقيل: هذا خفيف، إذ يبقى له فيها أكثر المنافع سوى الوطء، والأول أبين.
وكذلك لو وجدهما أُمَّاً وابنةً ولم يَعلم، فهو عيبُ أشدُّ من الأول، إذ يتأبَّد التحريم في الواحدة بوطء الأخرى.
ولو ماتت واحدة قبل الوطء لم يكن له الرد على قول ابن القاسم وذلك كعيبٍ ذهب.
قيل: فإذا كانتا / متكافئين فأراد ردَّ إحداهما ليزول العيب؟
قال الشيخ: فالذي يظهر لي أنه ذلك عند من يراه عيباً كمبتاع عبدين متكافئين يجد بأحدهما عيباً أن له أن يمسك السالم بحصته من الثمن، فكذلك هذه، والله أعلم.
الجزء: 10 - الصفحة: 980
[فصل 2 - فيمن وطئ جارية ثم تزوج أختها]
قال ابن القاسم: ومن وطئ أمة بملك يمينه، ثم تزوج أختها لم يعجبني هذا النكاح، لأن مالكاً قال: لا يجوز للرجل أن ينكح إلا في المواضع التي يجوز له فيها الوطء.
وقال أيضاً ابن القاسم: إن تزوج كان تزويجه جائزاً، وأوقفته عنهما حتى يحرِّم أيتهما شاء.
قال سحنون: وقال أشهب: إن نكح ثم وطئ الأخرى لم يضر ذلك النكاح وحرمت الأمة، وإن وطئ الأمة تزوج الأخت فعقد النكاح تحريم للأخت والنكاح جائز.
قال بعض كبار أصحاب مالكٍ منهم عبد الرحمن: إذا كان يصيب المملوكة فليس له أن ينكح أختها حتى يحرِّمها، وله أن يشتري أختها قبل أن يحرِّمها، لأن الشراء يكون لغير الوطء، والنكاح لا يكون إلا للوطء، فلا ينعقد نكاح أختٍ على أختٍ كان يُصيبها، ولأن الجمع بين الأختين بملك اليمين في الوطء مقيس على ما نهى الله عز وجل عنه في جمع الأختين في النكاح، فكما لا ينعقد نكاح أختٍ على أختٍ، فكذلك لا ينعقد نكاح أختٍ على أختٍ كان يصيبهما بملك اليمين.
وفي النكاح الثالث إيعاب هذا المعنى.
الجزء: 10 - الصفحة: 981
[الباب التاسع]
في استبراء الأمة قبل البيع، ومواضعتها وتوليتها من وضعت على يديه واشتراط النقد، ومواضعة الثمن
قال مالك: ومن وطئ أمةً فلا يبعها حتى يستبرئها، ثم لابد إن باع الرائعة من المواضعة، كان قد استبرأها أم لا، والحيضة فيها تجزئ المتابعين.
ولو أن من وضعت على يديه تولاَّها بعد أن حاضت عنده تلك الحيضة ولم تخرج من يده أجزأته ووطئ مكانه.
وكذلك المودعة عنده، والشريك تحبض عنده ثم يبتاع نصيب شريكه - يريد: وهي في حرزه لا تخرج.
قال: ولو وطئها البائع ولم يدَّع استبراء لم يجز له بيعها بالبراءة من الحمل، كانت رائعة أم لا، ولابد فيها من المواضعة، وقد تقدم هذا.
قال مالك: ومن ابتاع جاريةً وهي من تستبرأ لم يجز اشتراط النقد فيها من عقد البيع، وضعت على يد المشتري أو على يد أجنبي، واشتراط النقد فيها يفسد البيع.
قال أبو محمد: إذ لعلها أُمُّ ولدٍ للبائع، أو حاملً من غيره فيرد الثمن، فيصير تارةً وتارةً سلفاً، فضارع ما نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه من بيع العُربَان.
الجزء: 10 - الصفحة: 982
قال مالك: وإن لم يشترط في عقد البيع وتبرع المبتاع بنقد الثمن في المواضعة جاز ذلك، ولا بأس أن يشترطا مواضعة الثمن، فإن هلك قبل محيضها ارتُقبت، فإن خرجت من الاستبراء فهو من البائع، وإن لم تخرج حتى هلكت، أو ظهر بها حمل من المبتاع.
ابن المواز: قال مالك: فإن ظهر بها حمل من غير البائع، أو حدث بها عيب قبل الحيضة، وقد هلك الثمن قبل ذلك فالمبتاع مخيَّر في قبولها بالعيب أو الحمل بالثمن التالف، فيصير من البائع، وإن شاء ردها وكان الثمن منه، وقاله ابن القاسم وأشهب في العتبية.
وذكر ابن عبدوس عن عبد الملك أن المشتري بالخيار في قبولها بغُرم ثمنٍ ثانٍ، أو ردها، وكذلك لو رضيها قبل علمه بتلف الثمن، وهما سواء.
قال عنه ابن حبيب: إن الثمن من المشتري والجارية للبائع، وانفسخ البيع.
الجزء: 10 - الصفحة: 983
وحكي عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه قال: إنما يصح قول من قال: ينفسخ البيع إذا كان الثمن عرضاً بعينه، لأنه / لا يأخذها بثمنٍ آخر، ولابد من فسخ البيع بينهما، وأما إذا كان الثمن عيناً فهو إما أن يأخذها بثمنٍ ثانٍ أو بالثمن التالف، على الاختلاف، ولا وجه لفسخ البيع في ذلك.
قال بعض القرويين: واختار سحنون أن لا يأخذها إلا بغرم ثمنٍ ثانٍ، لأنه لما كان مخيراً في الأخذ أو الرد لحدوث العيب صار كأنه مبتدئ للشراء بثمنٍ قد ضاع، بخلاف ما لو حدث عيب قبل تلف الثمن، ثم تلف الثمن لكان له الخيار ها هنا، لأن الخيار قد وجب له قبل تلف الثمن وقبل حدوث العيب ولم يعلم بتلفه فاختار الأخذ لم يلزمه ثمن ثانٍ، وكان على خياره إن شاء رد، لأنه يقول: إنما اخترت على ذلك الثمن، وإن شاء وغرم ثمناً ثانياً.
قال الشيخ: والصواب قول ابن القاسم وأشهب.
وقد تقدم القول في التي لم تحض، واليائسة من الحيض، والمرتابة، وفيمن ابتاع أمةً ممن لم يطأها، أو من صبيٍ، أو امرأةٍ، أو أبيه، أو زوجته، أو أبضع في شراء جاريةٍ فحاضت في الطريق، في الباب الأول مع [ما] شاكله فأغنى عن إعادته.
الجزء: 10 - الصفحة: 984
[الباب العاشر]
في وطء الجارية في أيام الاستبراء وإلحاق الولد
[فصل 1 - في وطء الجارية في أيام الاستبراء]
قال مالك: ولا ينبغي للمبتاع أن يطأ في الاستبراء ولا يُقبِّل ولا يُجس، أو ينظر للذَّة، ولا بأس أن ينظر لغير اللذة، وإن وطئ المبتاع الأمة في الاستبراء قبل حيضةٍ نُكل إن لم يعذر بجهلٍ، حاضت بعد ذلك أو لم تحض، وإن افتضَّها وهي بِكرُ في الاستبراء ثم حدث بها عيب قبل حيضةٍ، ذهاب جارحةٍ، أو حُمَّى، أو داءُ فله ردها بذلك، فإن ردها [رد معها] ما نقصها الافتضاض، وإن لم ينقصها فلا غرم عليها، ولا صداق إلا في الحرة، وأما الأمة فهي كسلعة، فعلى واطئها غصباً ما نقصها الوطء، ثيباً كانت أو بكراً.
قال الشيخ: قال بعض فقهائنا القرويين: وإن تمسك بها مظاهر المدونة وكتاب محمد: لا شيء عليهما نقصها وقد وطئها، وهي في ضمان البائع، فلو لم يكن ذلك كجنايةٍ جنى عليها في الاستبراء أن الأرش للبائع، ولا فرق بين جناية المشتري عليها وجنية غيره [إلا] أن الأرش يكون للبائع وإن رضي بها المبتاع، كما قالوا في الجناية عليها في أيام الخيار: إن الأرش للبائع، وإن كان ابن حبيب يرى أن الأرش للمشتري إذا اختار التمسك.
الجزء: 10 - الصفحة: 985
قال الشيخ: والقياس أن يكون الأرش للبائع، لأنها في ضمانه، وأرى ابن القاسم رأى أن جناية المشتري كأنه رضي بامساكها، كما جعل جنايته عليها في أيام الخيار رضي بها، وألزمه الثمن، والصواب أن لا يعد ذلك منه رضى، ولو كان رضيَّ لما كان له أن يردها بالعيب، كما لو رضيا جميعاً باسقاط المواضعة وتعجيلها، لأن ما يحدث بعد ذلك من المشتري.
ومن المدونة: روى ابن وهب عن مالك: إن من ابتاع أمةً حاملاً فلا يجوز له وطؤها كانت عنده أو عند غيره، من زوجٍ أو زناً، ولا ينبغي له أن يباشرها، أو يقبلها، أو يغمِزَها، أو يجسَّها، أو يجرِّدها للذةٍ حتى تضع، وكذلك إن بيعت بالبراءة حاملاً أو غير حامل، فلا يُقبِّل ولا يباشر قبل أن يتبين حملها أو بعد حتى تضع.
ورواية ابن وهب هذه ليست عند جَبَلة، ورواها غيره.
قال ابن حبيب: وأما المسببة تقع في سهمه، أو يبتاعها في المقاسم فله أن يتلذَّذ منها بالقُبلَة والمباشرة والتجريد وغيره عند الوطء، لئلا يسقي ماءه زرع / غيره، وهذه قد تم ملكه فيها، وبيع المقاسم بيع براءةٍ، وإن ظهر بها حمل لم ترد به.
قال أبو محمد: وهذا الذي ذكر ابن حبيب أنه تدخل البراءة من الحمل في بيع السلطان ليس بقول مالكٍ إلا أن يعني في الوَخْش.
الجزء: 10 - الصفحة: 986
وقد قال ابن المواز: بيع الرائعة بالبراءة مطلقاً جائز، ولا يدخل في ذلك الحمل، وإن تبرأ منه [بشرط] فسد البيع.
قال الشيخ: وما ذكر أيضاً ابن حبيب من أنهُ يقبِّل المسببة ويباشرها ويتلذَّذ بها عدا الوطء، فليس ذلك على الأصل، لأن كل طاهرٍ مُنِعَ من وطئِِها مُنِعَ أيضاً من التلذذ بها بشيءٍ من دواعي الوطء كالمبيعة غير المسببة، والمُحْرِمَة، لأن ذلك ذريعة إلى الوطء كالراعي حول الحمى يوشِك أن يقع فيه.
وإن كان قد وقع لسحنون في العاشر فيمن اشترى أمةً بالبراءة من حملٍ ظاهرٍ أنه لا بأس له أن ينال منها ما ينال من الحائض إذا كان من غير السيد، وكذلك إن قال بعد البيع: أنا أرضى بحمل إن كان بها، ولم يكن البائع يطأ.
قال الشيخ: لعله يُرخَّص في هذا للشيخ، لأنه يملك نفسه، كما أرخص له النبي صلى الله عليه وسلم في القُبلَة في الصيام، وأما الشاب فل يملك نفسه، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض».
وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقينَّ ماءه زرع غيره»، فإذا منع من الوطء وجب أن يمنع من دواعية، لأن الراعي حول الحِمَى يوشك أن يقع فيه.
الجزء: 10 - الصفحة: 987
[فصل 2 - في إلحاق الولد]
ومن المدونة: قال مالك: وإن وطئها المبتاع في الاستبراء فوضعت لستة أشهرٍ من يوم وطئها، فإن كان البائع يطأ دعي للولد القَافَة، فإن ألحقوه بالمبتاع كانت له أُمَّ ولد، وإن وضعت لأقل من ذلك فسخ البيع وألحق بالبائع إذا أقر بالوطء، وينكَّل المبتاع حين وطئ في الاستبراء، وإن أنكر البائع الوطء كان الولد لغية، وكذلك إن كانت بكراً والبائع ينفي الولد فإنه يكون لِغيةَ، ويخير المبتاع في قبولها بجميع الثمن، أو ردها مع ما نقص وطؤه للبكر.
قال ابن المواز: إذا اختار حبسها فله الرجوع بما نقص عيب حملها.
قال الشيخ: كمن اطلع على عيبٍ وقد حدث عنده عيب.
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك الثيب إن كان نقصها شيء، وإلا فلا غرم عليها، ويخير في أخذها بجميع الثمن، أو ردها، وعليه العقوبة إن لم يعذر بجهل.
قال مالك: ولو استلحقه البائع لحق به وفسخ البيع وصارت له أم الولد.
ابن المواز: ولو افتضها المبتاع ثم حدث بها عيب في الاستبراء فله ردها مع ما نقص افتضاضها، فإن ماتت فهي من البائع، وإن لم تمت وأتت بولدٍ لأكثر من ستة أشهرٍ من يوم وطئ المشتري ردت إليه أمَّ ولد بالقيمة يوم وطئ لا بالثمن، لأنه قد ردها بالعيب أولاً، ولو لم يكن ردها بما حدث بها في المواضعة حتى وضعت لما ذكرنا من المدة فله إن شاء ردها بالعيب الحادث فتلزمه قيمتها يوم وطئها وتصير أُمَّ ولد، وإن شاء رضيها بالعيب وألزمها نفسه بالثمن كاملاً.
الجزء: 10 - الصفحة: 988
قال ابن المواز: وإن أعتق المبتاع الأمة في الاستبراء من وطء البائع لم يعجل عليها حتى تحيض كما ليس له تعجيلها وترك الاستبراء بخلاف عتقه إياها في عهدة الثلاث، لأنه له ترك بقية العهدة إلا أن يكون الاستبراء من غير وطء السيد فينفذ عتقه، ويتعجلها، ولو أعتقها البائع والمبتاع أو حنثا فيها بعتقٍ، والاستبراء / فيها من وطء البائع تربَّصا، فإن ظهر بها حمل عتقت على البائع، وإن حاضت عتقت على المبتاع، ولو حدث بها عيب فليس له تعجيل ردها للعتق، ولو كان الاستبراء ليس من وطء البائع عتق المبتاع ثم إن ظهر بها حمل رجع بقيمة حمل رجع بقيمة عيب الحمل، لأنه لو ظهر بها عيب أو حمل ولم يكن عتق لكان لها الرضي به وتعجيل قبضها.
قال الشيخ: قوله: إذا كان استبراؤها من وطء البائع وقد أعتقا جميعاً أنه يُتربَّص بها، يريد: يتربص أن يجعل العتق على أحدهما، لأنه إن جعل عتقها من البائع قطع ولاء المبتاع عنها ومنع البائع من قبض ثمنها وألزم المبتاع غرم الثمن وقد لا يجب عليه، فأوقفت الحكم فيها على أحدهما لهذا.
وأما الأمة فهي بعتقها حرة، إذ لابد من عتقها على أحدهما، إن حاضت فعلى المبتاع، وإن حملت فعلى البائع، وإنما يوقف الحكم فيها على من يكون العتق وهذا بيَّنُ، وقاله بعض القرويين.
ومن المدونة: قال مالك: وإذا قال البائع: كنت أُفَخِّذ ولا أُنْزِل، وولدها ليس مني، لم يلزمه الولد.
وإن قال: كنت أطأ في الفرج وأعُزِل، فأتت بولدٍ لما يجئ به النساء من يوم وطئه لزمه الولد، ولا ينفعه أن يقول: كنت أعِزلُ عنها.
الجزء: 10 - الصفحة: 989
قال سحنون: قال أشهب: وقد نزل هذا على عهد [أصحاب] رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال الرجل: كنت أَعْزِل، فقال له صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الوِكَاء ينفلت، وألحق به الولد.
[يتلوه كتاب السلم الأول]
الجزء: 10 - الصفحة: 990