الجامع لمسائل المدونةكتاب المحاربين والمرتدين
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب المحاربين والمرتدين

[الباب الأول]

جامع القضاء في المحاربين وشيء من مسائل المرتدين

قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾.
وقال النبي عليه السلام: (من قتل دون ماله فهو شهيد).
وقال مالك: وجهاد المحاربين جهاد.

الجزء: 22 - الصفحة: 247

[1 - فصل: في المحارب إذا أخذ قبل توبته] قال: وإذا أخذ المحارب قبل توبته فحكمه إلى الإمام لا عفو فيه لأحد وهو فيه مخير، إلا أنه إن قتل فلابد من قتله ليس له أن يختار قطعه من خلاف أو نفيه.
قال: وإن أخاف وأخذ المال ولم يقتل أحداً؟ قال مالك: فأرى أن يقتل إذا رأى ذلك الإمام لأن الله تعالى قرن الفساد في الأرض بالقتل بقوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ﴾.
وإن لم يقتل ولم يأخذ مالاً وحارب وأخاف فالإمام فيه مخير أن يقتله أو يقطع يده ورجله من خلاف أو يضربه بقدر اجتهاده وينفيه ويسجنه في المكان الذي ينفيه إليه حتى تظهر توبته وكذلك إن لم يخف، وأخذ مكانه قبل أن يتفاقم أمره، أو خرج بعصا وأخذ مكانه فهو مخير وله أن يأخذ في هذا بأيسر الحكم، وذلك الضرب والنفي، ويسجنه في المكان الذي ينفيه إليه.
قال محمد: فيمن عظم فساده وأخذ المال ولم يقتل قال مالك وابن

الجزء: 22 - الصفحة: 248

القاسم: إنه يقتل.
وقال أشهب: الإمام فيه مخير.
وقال ابن القاسم: إنما يخير إذا أخاف ولم يأخذ مالاً ولم يقتل وأخذ بحضرة ذلك أو بعد الطول فهو مخير فيه، فأما من طال زمانه واشتدت مناصبته وأخذ المال ولم يقتل فليقتله ولا يكون فيه مخيراً.
م: وما روي في المدونة في من أخذ المال أو لم يأخذه إذا أخاف وحارب ولم يقتل؛ أن الإمام فيه مخير كقول أشهب.
[2 - فصل: في المحارب يؤخذ بحضرة خروجه، أو بعد تمكنه وحرابة النساء والعبيد وفي بعض أحكام النفي] ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس للإمام أن يعفو عن أحد من المحاربين ولكن يجتهد في ضربه ونفيه إن أخذ بحضرة خروجه، وقد نفى عمر بن عبد العزيز محارباً أخذ بمصر إلى شغب.

الجزء: 22 - الصفحة: 249

قال مالك وقد كان ينفي عندنا إلى فدك وخيبر ويسجن في الموضع الذي ينفي حتى تعرف توبته.
قال بعض أصحابنا: وأقل النفي عند مالك على مسيرة يوم وليلة، دليله (نهي النبي عليه السلام: أن تسافر المرأة مع غير ذي محرمٍ منها سفر يومٍ وليلةٍ).
فذلك أقل السفر.
ومن المدونة قال مالك: وإذا أخذ الإمام المحارب وقد قتل وأخذ المال وأخاف السبيل؛ فليقتله ولا يقطع يده ولا رجله والقتل يأتي ذلك كله، وأما الصلب مع القتل إلى الإمام يصنع ما يراه.

الجزء: 22 - الصفحة: 250

قال مالك: لوم أسمع أحداً صلب إلا عبد الملك بن مروان فإنه صلب الحارث الذي تنبأ وهو حي وطعنه بالحرية بيده، وكذلك يفعل بمن صلب من المحاربين.
وحكم النساء والعبيد وأهل الذمة في الحرابة مثل ما وصفنا في الأحرار المسلمين إلا أنه لا نفي على النساء والعبيد.
محمد: الذي جاء عن النبي عليه السلام قال: (لا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرمٍ)، فالضيعة تصيبها، وأما العبد فإن ذلك ضرر على سيده.
قلت: فقد جاء عن عمر بن خطاب رضي الله عنه: "أنه جلد امرأة وغربها إلى البصرة".

الجزء: 22 - الصفحة: 251

قال: فقد "جلد أبو بكر الصديق رضي الله عنه الرجل والمرأة البكرين في الزنى، وغرب الرجل" ولم يبلغنا أنه غرب المرأة.
قيل: فما يرد ما جاء عن عمر "أن عبداً كان يقوم على رقيق الخمس فاستكره جارية من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر ونفا، ولم يجلد الوليدة لأنها مكرهة".
قال: قد جاء عن النبي عليه السلام وعن عمر ما يدل على خلافه، قوله عليه السلام في الأمة: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم عن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفيرٍ).
قال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة.
والضفير: الحبل.

الجزء: 22 - الصفحة: 252

فقد قال عليه السلام: (إن زنت فاجلدوها).
قال مالك: ولم يقل عليه السلام في ذلك نفي ولا ذكره.
وفي حديث آخر "أنه أمر بجلد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال مالك: ولم أسمع في ذلك بنفي، قال: وعليه أدركت أهل العلم ببلدنا أن لا نفي على العبيد.
قال عنه ابن وهب: ولا على النساء للحديث: (لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرمٍ).
والضيعة تصيبها.
قيل: فكيف النفي؟ وكم وقته؟ قال: قد نفي من مصر إلى الحجاز؛ شغب وما والاها، ومن المدينة إلى فدك وخيبر من الحجاز، ويكتب إلى وإلي ذلك الموضع حتى يقبضه

الجزء: 22 - الصفحة: 253

ويسجنه أبداً حتى يتوب، وليس لحبسه وقت كما ليس لضربه وقت، وأما الزاني فيحبس سنة من يوم يصير في الحبس وتكون النفقة في حملهما وحبسهما وكراهما على أنفسهما من أموالهما، فإن لم يكن لهما شيء ففي مال المسلمين.
قال مالك: سمعت (إن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين)، ولا أرى نفيهم إلا حسنا.
وقال: إنما ينفى المخنثون إلى الموضع القريب، ولا يحبسون ويخلون اليوم بعد الأيام للمسألة والمعاش.

الجزء: 22 - الصفحة: 254

قلت: فقاتل العمد الذي يجب عليه ضرب مائة وحبس سنة؟ قال: يحبس في موضعه، ولا نفي عليه، ولا على أحد غير من سمينا لك.
[3 - فصل: في استواء حكم المحارب فيما أخذ من المال، وفيمن قطع عليهم] ومن المدونة قال مالك: وحكم المحارب فيما أخذ من قليل المال أو كثيره سواء وإن كان أقل من ربع دينار، وإن قطعوا على المسلمين أو على أهل الذمة فهي سواء، وقد قتل عثمان مسلماً قتل ذمياً على وجه الحرابة على ما كان معه.
[4 - فصل: في توبة المحاربين قبل القدرة عليهم وقد تعاونوا على قتل رجل أو أخذ مال، وفي عفو الأولياء عنهم، وفي الشفاعة لهم، وحرابة الصبيان، وفيمن يقطع ثم يعاود الحرابة، وفي الأموال التي بأيدي المحاربين] قال مالك وإذ أتى المحارب تائباً قبل أن يقدر عليه سقط عنه ما يجب عليه لله تعالى من حد المحارب، وثبت ماللناس عليه من نفس أو جرح أو مال، ثم

الجزء: 22 - الصفحة: 255

للأولياء القتل أو العفو فيمن قتل.
وكذلك المجروح في القصاص.
قال: وإن كانوا جماعة قتلوا رجلاً، ولي أحدهم قتله وباقيهم عون له، فأخذوا على تلك الحال؛ قتلوا كلهم.
وذكر مالك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً"، وذكر عن عمر أن ربيئة كان ناظراً للذين قتلوا عمر معهم.
قال ابن القاسم: وإن تابوا قبل أن يؤخذوا دفعوا إلى أولياء المقتول فقتلوا من شاءوا، وعفوا عمن شاءوا، وأخذوا الدية ممن شاءوا.
قال: وإذا ولي أحدهم أخذ المال، وكان الباقون له قوة، ثم اقتسموا فتاب أحدهم ممن لم يل أخذ المال؛ فإنه يأخذ جميع المال ما أخذ في سهمه وما أخذ أصحابه.
وإذا أخذوا المال ثم تابوا وهم عدم فذلك عليهم دين، وإن كانوا أخذوا قبل أن يتوبوا فأقيم عليهم الحد قطعوا، أو قتلوا ولهم أموال أخذت

الجزء: 22 - الصفحة: 256

أموال الناس من أموالهم- يريد: ويسرهم متصل من يوم أخذوه-، وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء مما أخذوا كالسرقة.
قال مالك: وإذا أخذوا الإمام وقد قتلوا أو جرحوا وأخذوا الأموال فعفى عنهم أولياء القتلى وأهل الجراح والأموال، لم يجز العفو هاهنا لأحد ولا للأمام، ولا يصلح لأحد أن يشفع فيه لأنه حد لله تعالى قد بلغ الإمام.
فإن تابوا قبل أن يقدر عليهم وقد قتلوا ذمياً فعليهم ديته لأوليائه؛ إذ لا يقتل مسلم بذمي ولو كانوا أهل ذمة أقيد منهم؛ لأن مالكاً قال: يقتل النصراني بالنصراني.
وتعرف توبة المحاربين من أهل الذمة بترك ما كانوا فيه قبل أن نقدر عليهم.
فإن كان فيهم نساء فلهم حكم الرجال في ذلك، وأما الصبيان فلا يكونوا محاربين حتى يحتلموا وإن قطعوا الطريق إلى مدينتهم التي خرجوا منها فأخذوا فهم محاربون.

الجزء: 22 - الصفحة: 257

وإذا قطع يد المحارب ورجله ثم حارب ثانية ثم أخذه الإمام فرأى أن يقطعه، فليقطع يده الأخرى ورجله، وإذا أخذ الإمام محارباً وهو أقطع اليد اليمنى فأراد قطعه فليقطع يده اليسرى ورجله اليمنى، وقد قال مالك في سارق لا يمين له: أن تقطع رجله اليسرى، واليد والرجل من المحارب كعضو واحد من السارق، يبتدأ الحكم في الذي بعده.
وإذا خرج محارب بغير سلاح ففعل فعل المحارب من التلصص وأخذ المال مكابرة فهو محارب، ويكون الرجل الواحد محارباً.
وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إذا كانوا عدولاً إذ لا سبيل إلى غير ذلك، شهدوا بقتل أو بأخذ مال أو غيري ذلك، ولا تقبل شهادة أحد منهم في نفسه، وتقبل شهادة بعضهم لبعض.
والمحاربون إذا أخذوا ومعهم أموال فادعاها قوم لا بينة لهم فلتدفع إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول فإن لم يأت من يدعيها دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير حميل، ولكن يضمنهم الإمام إياها إن جاء

الجزء: 22 - الصفحة: 258

لذلك طالب محمد ويشهد عليهم.
محمد: وقال بعض أصحابنا: يضمنوها وإن ذهبت عندهم بأمر من الله تعالى.
وأما إن أخذ المتاع ببينة؛- يريد: أو بشاهد ويمين- ثم يثبت ما هو أقطع من ذلك وقد هلك بأمر من الله تعالى فإنه لا يضمن شيئاً.
[5 - فصل: في التجار يقطع بعضهم الطريق على بعض، وفي الخناقين وشبههم، وفي قتل الغيلة، ومن قاتل رفقته في السفر لأخذ أموالهم] ومن المدونة: وإذا خرج التجار إلى أرض الحرب فقطع بعضهم الطريق على بعض ببلد الحرب، أو قطعوها على أهل ذمة دخلوا دار الحرب بأمان فهم محاربون.

الجزء: 22 - الصفحة: 259

والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون.
ومن قتل أحداً قتل غيلة فرفع إلى قاض يرى ألا يقتله، وقضى بأن أسلمه إلى أولياء المقتول فعفوا عنه، فذلك حكم قد مضى، ولا يغيره من ولي بعده لما فيه من الاختلاف.
أبو محمد: وقال أشهب وغيره: لغيره نقض ذلك وقتله؛ لأنه اختلاف شاذ، وقاله ابن القاسم في نقض الحكم بالشاذ كتوريث العمة ونحوه.
قال في المستخرجة: والمغتال الذي يعرض للرجل أو للصبي فيخدعه حتى يدخله بيتاً فيقتله ثم يأخذ متاعه وماله، وإنما قتله على ذلك فهو بمنزلة المحارب.
وسئل عمن صحب أربعة نفر في الطريق وأطعمهم سويقاً فمات منهم اثنان ولبط بصاحبيها فلم يدر أحيان هما أم ميتان حتى من الغد

الجزء: 22 - الصفحة: 260

وأخذ منهم خمسة دنانير فأخذ الرجل فاعترف، وقال: ذلك السويق أعطانيه رجل وأخبرني أنه يسكر من أكله، فأطعمتهم إياه للسكر ولم أرد قتلهم، وإنما أردت أخذ ما معهم، قال مالك: أرى عليه القتل؛ لأنه محارب أراد قتلهم.
قيل: إنه لم يرد القتل؟ قال: ومن يقبل ذلك منه، أما هو فقد تعمد إطعامهم، أرأيت من ضرب إنساناً فمات من ذلك، فقال: لم أرد قتله، أيقبل ذلك منه؟ لا يقبل ذلك منه.
[6 - فصل: فيمن قتل محارباً أو سارقاً ونحوهما، وفيما يعتبر حرابة وما لا يعتبر] ومن المدونة قال مالك: وإذا قامت بينة على محارب فقتله رجل قبل أن يزكوا البينة فإن زكيت أدبه الإمام، وإن لم تزك قتل به.
قال مالك: ومن دخل على رجل حريمه ليأخذ ماله فهو كالمحارب.
قال مالك: ومن قتل سارقاً دخل إليه وادعى أنه كابر وقاتله؛ لم يقبل

الجزء: 22 - الصفحة: 261

قوله وقتل به، وكذلك لو قال: وجدته مع امرأتي يطأها.
قال في كتاب الغصب: وليس كل غاصب محارباً لأن السلطان يغصب ولا يعد محارباً، والمحارب القاطع للطريق أو من دخل على رجل بيته فكابره على ماله، أو كابره عليه في طريق بعضاً أو سيف أو غير ذلك.
قال في العتبية فيمن لقي رجلاً عند العتمة أو في السحر في الخلوة فيبتزه ثوبه وينتزعه منه؛ لا قطع عليه إلا أن يكون محارباً.
م: يريد؛ لأن هذا مختلس ولا قطع على مختلس.
قال: ومن دخل على رجل حريمه فكابره حتى يجرحه أو ضربه أو قتله، ثم خرج ولم ينهب متاعاً إنما كان ذلك لعداوة أو نائرة بينهما؛ فهذا ليس بمحارب وعليه القصاص، وفيه العفو من أولياء المقتول، فإن عفوا جلد مائة جلدة وحبس عاماً.

الجزء: 22 - الصفحة: 262

قال في كتاب الجهاد: وإن طلب اللصوص مثل العلف أو الثوب فأحب إلى أن يعطوه ولا يقاتلوا.
وقال سحنون: لا يعطوا شيئاً، ولا يدعوا لأن الدعوة لا تزيدهم إلا استئساداً وجرأة، فلا أرى أن يدعوا وليقاتلوا.
قال أصبغ: وسئل ابن القاسم عن اللص يولي مدبراً أيتبع؟ قال: إن كان قتل فنعم فليتبع ويقتل، وإن لم يكن قتل فلا يتبع ولا يقتل.
قال: ولا بأس بقتل الأسير من اللصوص إذا قتل وإن لم يبلغ به الإمام، وقاله مالك؛ لأنه قد استوجب القتل.

الجزء: 22 - الصفحة: 263

قلت لابن القاسم: إنه استوجب القتل وإن لم يقتل.
قال: ذلك أشكل، ولا يقتله إلا الإمام إذا اجتهد الرأي.
قلت لابن القاسم: أرأيت إن كان بعضهم قتل؟ قال: إذا قتل واحد منهم فقد استوجبوا القتل جميعاً ولو كانوا مائة ألف.
سئل سحنون: عن اللصوص إذا ولوا مدبرين أيتبعون؟ قال: نعم يتبعون ولو بلغوا برك الغماد.
قيل له: فلو أن لصاً أو محارباً عرض لي فجرحته أو ضربته بشيء فأسقطته أترى أن أجهز عليه؟ قال: نعم.
فأعلمته بفول ابن القاسم: أنه لا يجهز عليه فلم يره شيئاً، وقد حل حين عرض ونصب للحرب وقطع الطريق وأخاف السبيل.

الجزء: 22 - الصفحة: 264

[الباب الثاني]

جامع القول في المرتدين وأولادهم وما يعد ارتداداً أم لا

[7 - فصل: تعريف المرتد، ودليل قتله، والقول في استتابته، ودليلها] من المستخرجة قال السلام عليه: (من غير دينه فأقتلوه).
قال مالك: وذلك فيمن خرج من الإسلام إلى غيره لا من خرج من ملة سواه إلى غيرها.

الجزء: 22 - الصفحة: 265

وجاء عن عمر وغيره: "استتابة المرتد ثلاثاً"؛ لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وسئل مالك عن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا حبستموه ثلاثاً، وأطعتموه في كل يوم رغيفاً؟ " فقال: لا بأس به، وليس بالمجتمع عليه.

الجزء: 22 - الصفحة: 266

وروي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه: "استتاب امرأة ارتدت عن الإسلام فلم تتب فضرب عنقها".
قال مالك: وإذا تاب المرتد قبلت توبته، ولا حد عليه فيما صنع من ارتداده.
قال سحنون: وكذلك الراجع عن شهادته قبل أن يقضي بها أنه يقال ولا عقوبة عليه وإن كان غير مأمون؛ لأنه لو عوقب الناس بالرجوع عن شهادتهم لم يرجع شاهد بباطل إذا تاب خوفاً من العقوبة قياساً على المرتد.
8 - فصل: [في جناية المرتد، والجناية عليه، وولاء ما أعتق من عبيده، وما يقام عليه من الحدود بعد توبته وما لا يقام] وقال ابن القاسم: في المرتد يقتل في ارتداده نصرانياً أو يجرحه؟، قال: إن أسلم لم يقتل به، ولم يستقد منه في جرح؛ لأنه ليس على دين يقر عليه، وحاله في ارتداده في القتل والجراح حال المسلم إن جرح مسلماً أو قتله؛ اقتص منه، وإن قتل نصرانياً أو جرحه لم يقتل به، ولم يستقد منه.
وكذلك قال أصبغ في المرتد يقتل مسلماً أو نصرانياً أو عبداً خطأ أو

الجزء: 22 - الصفحة: 267

عمداً أو يجرح بعضهم أو يقذف أو يسرق فإنه يستتاب، فإن لم يراجع الإسلام قتل وأتى القتل على ذلك كله إلا الفرية، وإن راجع الإسلام أقيم عليه الحد الذي أقيم على المسلم في كل ما وصفنا وهو بمنزلة ما كان منه قبل الارتداد إذا راجع الإسلام.
وإن قذفه رجل في حال ارتداده فلا حد على القاذف، رجع المرتد إلى الإسلام أو قتل.
وإن كان قذفه قبل ارتداده فإن رجع إلى الإسلام حد له، وإن قتل على الارتداد فلا حد عليه، ولم ترثه ورثته.
وأما الزنديق قتل الزنديق فقد اختلف في ميراثه.
قال أبو محمد: يعني الذي يشتهر بالتوبة فلم يقبل منه أو ينكر ما شهد

الجزء: 22 - الصفحة: 268

به عليه فيقتل، وأما المتمادي فلا خلاف أنه لا يورث.
قال ابن القاسم: وإذا جرح المرتد في ارتداده عمداً أو خطأ فإن عقل جراحاته للمسلمين إن قتل، وله إن تاب، وعمد من جرحه كالخطأ لا يقاد ممن جرحه.
قلت: فلو كان جارحه عمداً نصرانياً؟ قال: فلا قود له لأنه ليس على دين يقر عليه فعمد من أصابه بجرح خطأ يعقل، ولا يقاد، أصابه بالجرح مسلم أو غير مسلم.
وقال سحنون: في المرتد يقتل عمداً أنه لا دية له ولا قصاص على عاقلته إلا الأدب من السلطان فيما افتات عليه.
وقد كان عبد العزيز بن أبي سلمة يقول: يقتل المرتد ولا يستتاب.

الجزء: 22 - الصفحة: 269

ويذكر "أن أبا موسى الأشعري وقف على معاذ بن جبل وأمامه مسلم تهود فقال له معاذ: انزل أبا موسى، فقال: لا والله لا نزلت حتى يقتل هذا".
فلو رأى عليه استتابة ما قاله، ولو رأيت عليه استتابة لرأيت ذلك

الجزء: 22 - الصفحة: 270

في المحارب والزاني المحصن، ودمهما أيسر من المرتد.
قلت لابن القاسم: أرأيت ولاء ما أعتق من عبيده، أيثبت له إذا تاب ولزمه عتقهم؟ قال: الولاء للمسلمين؛ لأنه عتقهم حين لم يثبت له ولاء ما أعتق من المسلمين، قال: وكذلك ولاء ما كاتب من المسلمين إذا رأى ما كوتب به فولاؤه للمسلمين، وإن عجز رق له.
والكتابة تمضي عليه إذا تاب، وترد إن قتل وكذلك التدبير يمضي عليه إن تاب ويرد إن قتل.
وإذا زنى أو شرب الخمر أو قذف في حال ردته أو قبل ذلك لم يقم عليه حد الزنا ولا شرب الخمر إذا تاب، ويقام عليه حد الفرية والقطع في السرقة.

الجزء: 22 - الصفحة: 271

9 - فصل [في أحكام أولاد المرتد] قال ابن القاسم: وما ولد للمرتد وهو مسلم فأدخلهم في نصرانيته قبل أن يموت فإن ذلك الولد يستتاب ويكره على الإسلام على ما أحب أو كره ويضيق عليه ولا يبلغ به القتل، وما ولد له في حال ارتداده؛ فإن أدركوا قبل أن يحتلموا، أو يحضن النساء فليجبروا على الإسلام، وإن لم يدركوا حتى كبروا وصاروا رجالاً ونساء رأيت أن يقروا على دينهم؛ لأنهم إنما ولدوا على ذلك وليس ارتداد أبيهم قبل أن يولدوا ارتداداً لهم.
وقال ابن كنانة: في ولد المرتد إذا قتل أنه يعقل عنه المسلمون، ويصلون عليه إذا مات، فإذا تنصر وعلم بأمره استتيب فإن تاب وإلا قتل، وإن غفل عنه حتى تشيخ وتزوج لم يستتب ولم يقتل.
10 - فصل [فيما يعد ارتداداً أم لا] من سماع عيسى ابن القاسم وقال: في نصراني اشترى جارية مسلمة فلما ظهر عليه قال: أنا مسلم، ثم علم أنه نصراني، وقال: أنا نصراني وإنما قلت أنا مسلم لمكانها.
قال: يؤدب.

الجزء: 22 - الصفحة: 272

قيل: أيؤدب سبعين؟ قال: الأدب في هذا ذلك.
من سماع يحي قال ابن القاسم عن مالك في النصراني يصحب المسلمين فيصلي بهم أياماً ثم يتبين لهم أمره: أنهم يعيدون كل ما صلى بهم أبداً، ولا أرى عليه قتلاً.
وسئل عنها سحنون فقال: إن كان النصراني في موضع يخاف فيه على نفسه فدارى بذلك عن نفسه وماله فلا سبيل إليه، ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان موضع يأمن فيه فإنه يعرض عليه الإسلام، فإن أسلم لم يعد القوم صلاتهم وصلاتهم تامة، وإن لم يسلم ضربت عنقه وأعاد القوم صلاتهم.

الجزء: 22 - الصفحة: 273

م: وفي كتاب الصلاة زيادة فيها.
وسئل ابن وهب: عن راهب قيل له: أنت فصيح عربي، وقد عرفت فضل الإسلام على غيره فما يمنعك منه؟، قال: كنت مسلماً زماناً فعرفته وما رأيت ديناً خيراً من النصرانية فرجعت إليها، فبلغ ذلك السلطان فسأله.
فقال: قد قلت ذلك ولم أكن قط مسلماً فحبسه والتمس البينة على إسلامه فلم يجد إلا القول الذي أقر به، قال: لا أرى عليه قتلاً ولا عقوبة ولا استتابة، وإنما المرتد من شهد عليه أنه يصلي ولو ركعة.
قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يقتل على ارتداد إلا من ثبت عليه أنه كان على الإسلام طائعاً من غير أن يدخل فيه هرباً من ضيق عذاب على الجزية أو حمل منها مالا طاقة له به فألجأه ذلك إلى الإسلام فإنه يقال، وقاله ابن وهب.
وقال أشهب: يقتل إذا رجع عن الإسلام، كان أسلم من ضيق وشهد له أبه أم لا.

الجزء: 22 - الصفحة: 274

الباب [الثالث]

فيمن يظهر الإسلام ويسر ديناً غيره والحكم في الساحر والمتبني

[11 - فصل: فيمن يظهر الإسلام ويسر ديناً غيره] قال مالك: ومن أسر اليهودية أو النصرانية أو الزندقة، فإن أتى تائباً قبلت توبته، وإن أخذ على دين أخفاه قتل ولم يستتب، وقاله ابن القاسم، قال: وميراثه لورثته من المسلمين إذا أنكر ما شهد به عليه أو تاب فلم تقبل توبته، قال: هذا ميراثه للمسلمين، وأما المتمادي فلا خاف أنه لا يورث، قاله أبو محمد.
قال: ومن كفر بمحمد عليه السلام وأنكره من المسلمين فهو بمنزلة المرتد.
ومن عبد شمساً أو قمراً أو حجراً؛ أو غير ذلك فإنهم يقتلون ولا يستتابون إذا كانوا في ذلك مظهرين للإسلام مستمرين بما أخذوا عليه؛ لأنهم لا تعرف توبتهم، ويرثهم ورثتهم من المسلمين؛ لأنهم مقرين بالإسلام

الجزء: 22 - الصفحة: 275

وبأحكامه فهم كالمنافقين الذين كانوا علة عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأن النفاق الذي كانوا عليه إسرار الكفر وإظهار الإسلام؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، ولكنهم يستخفون بذلك وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم بكفرهم، وورثهم ورثتهم من المسلمين.
قال ابن القاسم: وتجوز وصاياهم وعتقهم لأنهم يورثون.
قال سحنون: سألت ابن نافع عن ميراث الزنديق والمرتد، وهل سمع من مالك فيه شيئاُ؟ فقال: سمعت مالكاً يقول: ميراثهما للمسلمين ليس في أموالهما سنة دمائهما.

الجزء: 22 - الصفحة: 276

قال سحنون: فأخبرت بذلك عن ابن عبد الحكم فاستحسن روايته فيها جداً.
قال عيسى عن ابن القاسم: وكل من أعلن من أولئك دينه الذي هو عليه وأظهره واستمسك به فإنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وميراثه للمسلمين عامة بمنزلة الفيء، ولا يرثه المسلمون.
قال: وأما أهل الأهواء الذين هم على الإسلام والعارفين بالله مثل القدرية والإباضية وشبههم ممن هو على غير ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف لكتاب الله وتأويله على غير تأويل، فإن أولئك يستتابون

الجزء: 22 - الصفحة: 277

أظهروا ذلك أو أروه، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم لتحريفهم لكتاب الله وخلافهم الجماعة والتابعين لرسول الله عليه السلام ولأصحابه بإحسان، وبذلك عملت أئمة الهدى وعمر بن عبد رضي الله عنهم ومن قتل منهم على ذلك فميراثه لورثته لأنهم مسلمون إلا أنهم إنما قتلوا لرأيهم السوء.
12 - فصل [فيمن علم بزنديق فقتله، وفيمن شتم النبي صلى الله عليه وسلم، والحكم في الساحر والمتنبئ].
وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ قال: إن صح ذلك بالبينة عززه السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان وهو محسن فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان على يقين لا لبس فيه من أمره وكفره وزندقته، ولعل الولاة تصنع مثل هذا ولا تصححه.
وقد بلغني عن ابن عمر أنه ذكر له راهب يتناول النبي عليه

الجزء: 22 - الصفحة: 278

السلام فقال: "فهلا قتلتموه"، وبلغني عنه أنه يهودياً يتناول شيئاً من حرمة الله تبارك وتعالى غير ما هو فيه من ذمته ويحاج فيه فاغتاظ عليه "فخرج عليه بالسيف فطلبه حتى هرب منه".
قال عيسى فيمن سمع نصرانياً أو يهودياً يشتم النبي عليه السلام فاغتاظ فقتله، قال: إن كان شتمه شتماً يجب به القتل وثبت ذلك عليه ببينة فلا شيء عليه، وإن لم يثبت ببينة، أو شتمه بما لا يجب عليه به القتل فأرى عليه ديته ويضرب مائة ويسجن عاماً.
قال عن ابن القاسم في النصراني يوجد على الزندقة قال: يترك وزندقته.
من سماع أصبغ عن ابن القاسم قلت له: أرأيت الساحر من أهل الذمة إذا عثر عليه؟ قال: إن أسلم لم يقتل، وإن لم يسلم قتل، وهو بمنزلة من

الجزء: 22 - الصفحة: 279

شتم النبي عليه السلام من النصارى إذا أسلم لم يقتل، وإن لم يسلم قتل.
قلت: فلو أن رجلاً تنبأ وزعم أنه يوحى إليه هل يستتاب؟ قال: نعم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل.
ويقتل الساحر ولا يستتاب كالزنديق.

الجزء: 22 - الصفحة: 280

الباب [الرابع]

فيمن سب الله تعالى أو أحداً من الملائكة أو النبيين أو الصحابة أو تكلم بسنة الكفر

قال عيسى عن ابن القاسم: ومن سب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو شتمه أو عابه فإنه إن كان مسلماً قتل ولم يستتب، وميراثه لجميع المسلمين، وهو بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف توبته؛ لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانياً فإنه يقتل صاغراً قميئاً إلا أن يسلم؛ لأنه ليس على هذا عوهدوا ولا نعمت عين [على شتم رسول الله صلى الله عليه وسلم] وليس يقال له: أسلم.
ولكن يقتل إلا أن يسلم طائعاً لقول الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وكذلك قال مالك.
قال أبو محمد في الرسالة: وكذلك من سب الله تعالى بغير ما به كفر،

الجزء: 22 - الصفحة: 281

ويقتل النصراني إلا أن يسلم.
قال العتبي: وبلغني عن مالك أنه قال: إذا قال النصارى أو اليهود: إن محمداً لم يرسل إلينا وإنما أرسل إليكم وإنما نبينا عيسى وموسى فليس في ذلك شيء، فأما إن قالوا: ليس بنبي ولم يرسل، ولم ينزل عليه قرآن وإنما هو بقوله وما أشبهه، فالقتل على من قال ذلك واجب لا شك فيه.
قال عيسى عن ابن القاسم: وإن قالوا نبينا خير من نبيكم، أو لما سمعوا المؤذن قال: أشهد أن محمداً رسول الله، قال: كذلك يعطيكم الله، فأرى أن يعاقبوا عقوبة موجعة مع طول السجن.
قال ابن القاسم ومن سب أحداً من الأنبياء أو من الرسل أو جحد بما أنزل عليه أو جحد أحداً منهم فهو بمنزلة من سب رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع به كما يصنع فيه سواء؛ لأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آَمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: {قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ

الجزء: 22 - الصفحة: 282

وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
وقال تعالى في سورة النساء: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (150) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ قلت لسحنون فإن شتم ملكاً من الملائكة؟ قال: عليه القتل، وإن قال: إن جبريل أخطأ استتيب فإن تاب وإلا قتل.
قلت: فإن شتم أحداً من الصحابة أبي بكر أو عمر أو علي أو معاوية أو عمرو بن العاص؟

الجزء: 22 - الصفحة: 283

قال: أما إن قال: إنهم كانوا على ضلال أو كفر قتل، وإن شتمهم بغير هذا كما يشتم الناس رأيت أن ينكل نكالاً شديداً.
قلت: فمن لزم رجلاً بدين فأغضبه فقال له الغريم: صل على محمد، فيقول صاحب الدين وقد غضب: لا صلى الله على من يصلي عليه، هل ترى عليه قتلاً؟ قال: لا إذا كان على ما وصفت من الغضب؛ لأنه لم يكن مضمراً على الشتم وإنما لفظ بهذا على وجه الغضب.
ابن القاسم وسئل مالك عمن نادى رجلاً باسمه فقال له: لبيك اللهم لبيك أعليه شيء؟ قال: إن كان جاهلاً أو على وجه السفه فلا شيء عليه.

الجزء: 22 - الصفحة: 284

[الباب الخامس]

جامع القول في أهل الأهواء ومجانبتهم وترك جدالهم والقول في القدر والاستواء على العرش والأسماء والصفات

قال أشهب سئل مالك عن القدرية فقال: قوم سوء لا تجالسوهم ولا تصلوا وراءهم وإن جامعوكم في مصر فأخرجوهم منه.
قال سحنون: وكان ابن غانم يكره مجالستهم، ويقول: أرأيت لو أن أحداً قعد إلى سارق وفي كمه بضاعة أما كان يحترز منه خوفاً أن يغتاله فيها فدينك أولى بأن تحترز به منه.
قال مالك: قال عمر بن عبد العزيز: "من جعل دينه عرضاً

الجزء: 22 - الصفحة: 285

للخصومات أكثر التنقل".
قال مالك: أراه يعني أصحاب الأهواء.
قال مالك: كان هاهنا رجل يقول: ما بقي دين إلا وقد دخلت فيه، يعني من فرق الإسلام، قال: ولم أر شيئاً مستقيماً، فقال له رجل: أنا أخبرك ما شأنك لم تعرف المستقيم، أنت رجل سوء لا تتقي الله عز وجل، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾.
قال سحنون عن قول مالك في أهل البدع والإباضية والقدرية وجميع أهل الأهواء: أنه لا يصلى عليهم، فقال: لا أرى ذلك، وأرى أن يصلى عليهم ولا يتركوا بغير صلاة لذنب ركبوه، ومن قال: لا أصلي عليهم فقد كفرهم بذنوبهم، وقد جاء الحديث أن الرسول عليه السلام قال (لا تكفروهم بذنبٍ)، وإنما قال مالك: لا يصلي على موتاهم تأديباً

الجزء: 22 - الصفحة: 286

لهم، ونحن نقول ذلك على وجه التأديب، فأما إن بقوا ولم يوجد من يصلي عليهم فلا يتركون بغير صلاة وليصلى عليهم.
قيل له: فما تقول في إعادة الصلاة خلف أهل البدع؟ قال: لا يعيد من صلى خلفهم في وقت ولا بعده، وكذلك يقول جميع أصحاب مالك وأشهب والمغيرة وابن كنانة، قال: وإنما يعيد من صلى خلف نصراني وهذا مسلم وليس دينه مما يخرجه من الإسلام فكما تجوز صلاته لنفسه كذلك تجوز لمن خلفه، والنصراني لا تجوز صلاته لنفسه فكذلك لا تجوز لمن خلفه، وقد أنزله من يقول تعاد الصلاة خلفه أبداً بمنزلة النصراني، وركب فيه قياس قول الحرورية والاباضية الذين يكفرون جميع المسلمين بالذنوب من

الجزء: 22 - الصفحة: 287

القول.
قيل له: فأهل البدع يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما قال مالك؟.
قال: أما ما كان بين أظهرنا وفي جماعة أهل السنة فإنه لا يقتل والشأن فيه أن يضرب مرة بعد أخرى ويحبس وينهى الناس أن يجالسوه أو يسلموا عليه تأديباً له ولا يبلغ به القتل، ألا ترى "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ضرب صبيغاً بجريد النخل حتى إذا كاد أن يبرأ الجراح ضربه وحبسه ثم إذا كاد أن يبرأ ضربه، فقال صبيغ: يا أمير المؤمنين إن كنت تريد دوائي فقد بلغت مني الدواء، وإن كنت تريد قتلي فأجهز،

الجزء: 22 - الصفحة: 288

فخلى عمر عنه ونهى الناس أن يجالسوه"، فيفعل بمن كان بين أظهر المسلمين كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ.
وأما من كان من أهل البدع قد بان عن الجماعة ودعوا إلى ما هم عليه ومنعوا فريضة من الفرائض؛ كان على الإمام أن يدعوهم إلى السنة وإلى مراجعة الجماعة، فإن أبوا ونصبوا الحرب قاتلهم واستتابهم فإن تابوا وإلا قتلهم كما فعل أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قال: "لو منعوني عقالاً لجاهدتهم عليه"، فجاهدهم وأمر بجهادهم، وقتلهم على تلك

الجزء: 22 - الصفحة: 289

البدعة فهذا يبين لك جميع ما سألت عنه، فقد مضت السنة من أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وعمر الفاروق رضي الله عنه في من بان أو لم يبن.
وأخبرني ابن وهب عن محمد بن عمرو عن ابن جريج عن عبد

الجزء: 22 - الصفحة: 290

الكريم: أن الحرورية خرجوا فنازعوا علياً رضي الله عنه وفارقوه وشهدوا عليه بالشرك فلم يهجهم حتى خرجوا إلى حروراء، فأخبر علي أنهم يتجهزون من الكوفة، فقال: "دعوهم حتى يخرجوا" فنزلوا بالنهروان فمكثوا شهراً، فقيل: اغزهم الآن، فقال: "لا، حتى

الجزء: 22 - الصفحة: 291

يهريقوا الدماء ويقطعوا السبيل ويخيفوا الآمن" فلم يهجهم حتى قتلوا فغزاهم فقتلهم.
قيل له: فهؤلاء الذين قتلهم الإمام من أهل الأهواء لما مالوا عن الجماعة هل يصلى على قتلاهم؟.
قال: نعم، وهم مسلمون، وليس بذنوبهم التي استوجبوا القتل بها تترك الصلاة عليهم، ألا ترى أن الزاني المحصن قد وجب عليه القتل بذنبه، والمحارب والقاتل عمداً قد استوجبوا القتل، فإن قتلوا لم تترك الصلاة عليهم، وليس ذنوبهم التي ركبوها واستوجبوا بها القتل تخرجهم من الإسلام فكذلك أهل البدع.
[13 - فصل في القول في القدر والاستواء على العرش والأسماء والصفات] من سماع ابن القاسم قال: وسمعت مالكاً يقول لرجل: سألتني أمس عن القدر، فقال له الرجل: نعم، فقال: يقول الله تبارك وتعالى في كتابه

الجزء: 22 - الصفحة: 292

العزيز: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآَتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾، حقت كلمته ليملأن جهنم فلابد مما قال.
قال سحنون أخبرني بعض أصحاب مالك أنه كان عند مالك جالساً فأتاه رجل فقال: يا أبا عبد الله مسألة، فسكت عنه، ثم قال مسألة، فسكت عنه، ثم أعاد عليه، فرفع فيه رأسه كالمجيب له، فقال له السائل: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف كان استواؤه؟، قال: فطأطأ مالك رأسه ساعة ثم رفعه فقال: سألت عن غير مجهول، وتكلمت في غير معقول، ولا أراك إلا امرئ سوء، أخرجوه.
قال أصبغ عن ابن القاسم: من قال: إن الله تعالى لم يكلم موسى استتيب فإن تاب وإلا قتل، وأراه من الحق والواجب الذي أدين الله سبحانه عليه.

الجزء: 22 - الصفحة: 293

قال ابن القاسم: ولا ينبغي لأحد أن يصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه في القرآن، ولا يشبه يديه بشيء، ولكن يقول: له يدان كما وصف به نفسه، وله وجه كما وصف به نفسه، يقف عند ما وصف به نفسه في الكتاب، فإنه تبارك وتعالى لا مثل له ولا شبيه ولا نظير ولا يدر أحد هذه الأحاديث أن الله خلق آدم على صورته أو نحوها من الأحاديث ولكن هو الله الذي لا إله إلا هو كما قال جلت قدرته: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ سبحانه وتعالى هو كما وصف نفسه فلا يشبه بشيء فإنه تعالى لا شبيه له.

الجزء: 22 - الصفحة: 294

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله كتاب الرجم والزنى

الجزء: 22 - الصفحة: 295

[الباب الأول]

في تحريم الزنى وفرض الحد فيه ورجوع المقربه

[1 - فصل: دليل تحريم الزنى] قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾.
وعم تحريم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.
وقال تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾.
وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾.

الجزء: 22 - الصفحة: 296

[2 - فصل: في ثبوت الحد بالإقرار ورجوع المقر] ورجم الرسول عليه السلام الزاني الثيب بإقراره، وقال فيه لما هرب حين أخذته الحجارة (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك رجوع منه، فدل بذلك أنه يقبل رجوعه ما لم يحد.
ولا خلاف بين مالك وأصحابه أنه يقبل رجوعه إذا ذكر لإقراره وجهاً يعذر به.
واختلفوا إذا لم يذكر له وجهاً إلا على وجه التوبة: فروى ابن القاسم عن مالك: أنه لا يقبل رجوعه إلا أن يأتي بوجه.
وأخذ بهذا أشهب وعبد الملك، وأباه ابن القاسم وابن وهب وقالا: يقبل رجوعه وإن لم يأت بعذر.
ورواه ابن وهب عن مالك ما لم يكن لأحدٍ فيه تباعة.
قال ابن القاسم: وكذلك كل حد هو لله تعالى بخلاف ما للناس، واحتج ابن القاسم بحديث ماعز حين هرب لما أخذته الحجارة فضربه رجل فقتله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك منه رجوع.
قال محمد: وبه آخذ أن رجوعه جائز وإن لم يكن له عذر، وإن

الجزء: 22 - الصفحة: 297

كان إظهار عذره أفضل.
م: ولا يقبل الإنكار مع البينة.
[3 - فصل: الرجم هو حد الثيب والثيبة ودليل ثبوته] ومن كتاب ابن المواز وغيره: والرجم فرض من الله سبحانه على كل ثيب وثيبة، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الرجم في كتاب الله تعالى حق".
قال بعض البغداديين: قال الله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾، هي ذات الزوج المحصنة، ولم يذكر ما ذلك العذاب، فبين الرسول عليه السلام أن الرجم في الثيب.
م: وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "وإياكم أن تهلكوا عن هذه الآية أن يقول قائلٌ: لا نجد حدين في كتاب الله عز وجل فقد قرأناها".
(وحكم به رسول الله صلى الله عليه وسلم بما وجد في

الجزء: 22 - الصفحة: 298

التوراة قبل الفرقان).
[4 - فصل: في عقوبة الزنى في أول الإسلام، ونسخها، وبيان ما استقر عليه الأمر بعد ذلك] وقد أنزل الله تعالى في كتابه في الثيب والبكر غير الرجم والجلد ثم نسخ ذلك بالرجم والجلد وذلك قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَاتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾

الجزء: 22 - الصفحة: 299

الآية، فكان هذا حد الثيبة أن تحبس أبداً حتى تموت، أو يجعل الله لهن سبيلاً.
يريد: أو ينزل عز وجل فيهن غير ذلك، فأنزل الله بعد ذلك الرجم فهو السبيل.
قال ابن حبيب: قال الثوري: قال الرسول صلى الله عليه

الجزء: 22 - الصفحة: 300

وسلم: (قد جعل الله لهن سبيلاً)، والسبيل الرجم.
قال فيه وفي كتاب محمد ثم قال في البكرين: ﴿وَاللَّذَانِ يَاتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا﴾، يريد والله أعلم: يفضحون بذلك ويعيرون ويردد عليهم ذلك ويؤذون به ويشتهرون حتى يتوبوا ويصلحوا فيعرض حينئذ عنهما.
ثم أنزل عز وجل ما نسخ ذلك، فقال عز وجل: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَاخُذْكُمْ بِهِمَا رَافَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ الآية، فأخبر أن هذا دين الله تعالى وحكمه.
(وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم الثيب والثيبة، وجلد البكر مئة ونفاه).

الجزء: 22 - الصفحة: 301

قال محمد: أخبرنا أصحاب مالك أن مالكاً أخبرهم عن ابن شهاب أنه أخبره عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وعن زيد بن خالد الجهني (أن رجلين أتيا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: يختصمان، فقال أحدهما: يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله، وقال الآخر وكان أفقههما: أجل فاقض بيننا بكتاب الله يا رسول الله وأذن لي أن أتكلم، إن ابني كان عسيفاً على هذا، وأنه زنى بامرأته، فقال: إن على ابني الرجم، فافتديت منه بمئة شاةٍ، ثم سألت أهل العلم، فأخبروني أن على ابني جلد مئةٍ وتغريب عامٍ، وإنما الرجم على امرأته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله عز وجل؛ أما غنمك وجاريتك فردٌ عليك)، وجلد ابنه مئةً، وغربه عاماً، وأمر أنيساً الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها، فاعترفت

الجزء: 22 - الصفحة: 302

فرجمها.
م: وفي هذا الحديث من الفقه: نقض الصلح الحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم: (أما غنمك وجاريتك فردٌ عليك).
وفيه: تغريب البكر الزاني عاماً.
وفيه: أن من أقر على نفسه بالزنى مرة واحدة وكان محصناً رجم، بخلاف من قال: لا يحد حتى يقر أربع مرات، كما لا يحد إلا بشهادة أربعة، وكما في ظاهر حديث النبي صلى الله عليه وسلم في الذي أقر بالزنى وإنما أعرض النبي عليه السلام عن هذا المقر بعد إقراره من أجل ما وقع في نفسه

الجزء: 22 - الصفحة: 303

أنه مجنون، ولذلك سأل عنه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبصاحبكم من جنةٍ) فلما أخبر أنه عاقل وإنما أقر تائباً من ذنبه أمر به فرجم.
وقال الرسول عليه السلام في اليهودي واليهودية: (إني أقضي بينكما بما في التوراة فأمر بهما فرجما).
وقال: (اللهم إني أشهدك أني أول من أحيا أمرك وأماتوه) ثم أمر بهما فرجما.

الجزء: 22 - الصفحة: 304

[الباب الثاني]

جامع ما يجب فيه حد الزنى من شهادة أو إقرار أو حمل واختلاف البينة ورجوعها

[5 - فصل: الأدلة على حد الزنى] قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
(وحد الرسول عليه السلام الزاني والزانية بإقرارهما).

الجزء: 22 - الصفحة: 305

الأبهري: وقد روى مالكٌ أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "الرجم في كتاب الله حقٌ على من زنى إذا كانت البينة أو الحمل أو لاعتراف"، فأجرى الحمل إذا لم يعلم أنه من نكاح أو ملك مجرى البينة والاعتراف.
ونحوه عن عثمان وعلي وابن عباس رضي الله عنهم، ولا مخالف لهم في الصحابة، وقد خالف في الحمل أبو حنيفة والشافعي وهذا خلاف أصلهما؛ لأن القول إذا انتشر في الصحابة ولم

الجزء: 22 - الصفحة: 306

يعلم له خلاف كان إجماعاً عندهما.
[6 - فصل: البينة التي يثبت بها حد الزنى] قال في كتاب ابن المواز: ولا يجب رجم ولا جلد إلا بأحد هذه الثلاثة أوجه: إما بإقرار لا رجوع بعده إلى قيام الحد، أو يظهر الحمل بحرة غير طارئة ولا يعرف لها نكاح، أو بأمة لا يعرف لها زوج، وسيدها منكر لوطئها، أو يشهد أربعة رجال عدول كما أمر الله عز وجل وبعد أن يصفوا

الجزء: 22 - الصفحة: 307

حقيقة ذلك على معاينة الفرج في الفرج كالمرود في المكحلة بصفة واحدة وموضع واحد ووقت واحد وإلا لم تتم الشهادة.
[7 - فصل: اختلاف الشهود في غير الرؤية] قال محمد: وإن قال بعضهم: ليلاً وقال بعضهم: نهاراً، وقال بعضهم: كان وطؤه إياها متكئة، وقال بعضهم: مستلقية، وقال بعضهم: في غرفة، وقال بعضهم: في سفل، واختلفوا في الأيام والساعات بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف، بخلاف الإقرار يشهدون به عليه في وقتين.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: في الشهود يتفقون على صفة الزنا والرؤية ويختلفون في الأيام والمواطن، فهذا لا يبطل الشهادة، وانظر فإذا اختلفوا فيما ليس على الإمام أن يسألهم عنه، وتتم الشهادة مع

الجزء: 22 - الصفحة: 308

السكوت عنه، فلا يضرهم اختلافهم فيه مع ذكرهم له.
قال ابن المواز: وإن وصفوا كلهم وصفاً واحداً ولم يقولوا: كالمرود في المكحلة، فالنكال على المشهود عليه، وذلك إن لم يكن في شهادتهم أنه زنى، ولا ذكروا زنى، وإنما يشهدون على ما وصفوا.
[8 - فصل: في سؤال الشهود، ودرء الحد] قال فيه وفي المدونة معناه: وينبغي للقاضي أن يسأل الشهود عن صفة شهادتهم، كيف رأوه؟ وكيف صنع؟، فإن رأى في شهادتهم ما يدرأ به الحد درأه؛ "كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالذين شهدوا على المغيرة"، وقد (سأل النبي صلى الله عليه وسلم المعترف بالزنى:

الجزء: 22 - الصفحة: 309

كيف صنع؟)، إذ قد يكون ممن يجهل وجه الزنى فيرتفع عنه الحد، وكذلك البينة.
م: وهذه رحمة من الله تعالى، وكذلك بالتأكيد في الشهادة كالمرود في المكحلة، ودراءة الحد بالشبهة، هذا كله رفقاً من الله تعالى بعباده وستراً عليهم، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (فهلا سترته بردائك)، وقوله عليه السلام: (من أتى شيئاً من هذه القاذروات

الجزء: 22 - الصفحة: 310

فليستتر عنا بستر الله عز وجل).
قال بعض البغداديين: وليس بواجب على البينة إذا رأوا رجلاً يزني أن يوقعوا شهادتهم عليه، ويسعهم الستر عليه، ويدل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾، وهم لا يأتون إلا بمن تقدمت رؤيته، فلو كان لم يسعهم السكوت عنه لكان تركهم الشهادة عليه حتى يدعوا إليها تجريحاً لهم، ويدل عليه أيضاً أمره صلى الله عليه وسلم: من أتى شيئاً من ذلك بالستر على نفسه.
قال ابن المواز: فإن غاب الشهود الأربعة قبل أن يكشفهم الإمام عن

الجزء: 22 - الصفحة: 311

صفة شهادتهم غيبة بعيدة أو ماتوا قال: إذاً لا تنفذ شهادتهم، ويقام الحد على من شهدوا عليه بالزنا، وكذلك بالسرقة، فأما إن أمكن الإمام مسألتهم أو مسألة أحد منهم لم ينفذ الحد أبداً حتى يسأله؛ فإن وجد في شهادة من قدر عليه منهم ما لا يوجب الحد على المشهود عليه سقطت شهادة جميعهم، ووجب عليهم حد الفرية، وإن كان ذلك في سرقة لم يعاقبوا.
[9 - فصل: في رجوع بعض الشهود عن شهادتهم] قال: وإن كان الشهود أكثر من أربعة فغاب منهم أربعة بعد أن شهدوا لم يسأل من حضر، ولم يكشف، وكان الحد ثابتاً؛ لأن من حضر لو رجع عن شهادته لكان الحد ثابتاً بمن غاب، وكذلك لو كانوا حضروا كلهم ورجع بعضهم وبقي أربعة لم يسقط الحد، ولو كان بعد إقامة الحد لم يكن على من رجع غرم.
قال ابن القاسم: وإذا بقي بعد الراجعين أربعة عدول لم يختلفوا أقيم

الجزء: 22 - الصفحة: 312

على الثيب الرجم، وعلى البكر الجلد، وحد الراجعون حد الفرية؛ لأنهم عند أنفسهم وغيرهم ممن ثبت على شهادته قاذفون لمن لم يزن، وكاذبون عليه، وقاله أشهب.
قال ابن المواز: وقد سمعت عن ابن القاسم وأشهب فيه اختلافاً، وأحب إلي ألا يكون على الخامس حد ولا غرم؛ لأن الحد قد أثبته أربعة شهود، وكذلك لو قذف رجلاً فحبس ليجلد فأخذ المقذوف في زنى غير ما رمي به، ولكن إن رجع بعد ذلك من الأربعة واحد لزمه غرم ربع الدية ثم شركة في الغرم من رجع قبله وإن كثروا يتساووا في كل ذلك على قدر عددهم ويحدوا، وقاله ابن القاسم وأشهب، ثم إن رجع آخر كان على كل من رجع نصف الدية مع الحد، وكذلك إن رجع الثالث كان على كل من رجع ثلاثة أرباع الدية، وكذلك إن رجع الباقي تمت الدية على جماعتهم مع الحد؛ لأنهم مقرون أنهم قاذفون لمن هم عليه كاذبون وكل من قذفه من غيرهم فلا حد عليه؛ لأن الحد قد كان وجب على المشهود عليه وليس بساقط عنه برجوع هؤلاء.

الجزء: 22 - الصفحة: 313

الباب [الثالث]

في كشف الزاني عن حاله، وما يوجب الإحصان، واختلاف الزوجين بعد الزنى في الوطء، وفيمن وجد مع امرأته رجلاً

[10 - فصل: في كشف الزاني عن حاله من حيث الإحصان وعدمه] وقد سأل الرسول صلى الله عليه وسلم المعترف بالزنى (أبكرٌ أنت أم ثيبٌ)؟، وحد البكر، ورجم الثيب.
قال مالك: وإذا عدلت البينة على رجل بالزنى والقاضي لا يعرف أبكر هو أم ثيب، فينبغي أن يقبل قوله أنه بكر ويجلده مئة؛ لهذا الحديث؛ إلا أن يشهد عليه شاهدان بالإحصان فيرجم.
ولا يجوز في الإحصان شهادة النساء وحدهن، ولا مع رجل، ولا في النكاح، ولا تجوز إلا حيث أجازها الله تعالى فيه في الدين، وما

الجزء: 22 - الصفحة: 314

لا يطلع عليه إلا النساء؛ للضرورة إلى ذلك.
قال ابن المواز: وقيل: لا يسأله حتى يكشف عنه، فإن وجد من ذلك علماً، وإلا سأله وقبل قوله بلا يمين، وهو أحب إلينا.
[11 - فصل: في عدم جمع الجلد والرجم على الثيب] ومن المدونة قال مالك: ولا يجمع الجلد والرجم في الزنى على الثيب، والثيب حده الرجم بغير جلد، والبكر حده الجلد بغير رجم، بذلك مضت السنة، وقد قال الله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن ذلك في البكر، وقد ثبت الرجم على الثيب بدليل الكتاب والسنة.
قال الأبهري: وإجماع الصحابة عليه، "رجم عمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم" ولا أعلم في ذلك خلافاً في الصدر الأول، والفقهاء

الجزء: 22 - الصفحة: 315

الذين يعتمد عليهم في الأحكام.
[12 - فصل: فيما يوجب الإحصان والرجم] قال مالك في المدونة: وإنما الرجم على من أحصن بنكاح يصح عقده، ويصح الوطء فيه.
وقد ذكرنا مسائل الإحصان في كتاب النكاح.
قال الأبهري: ولا يجب الرجم على الإنسان إلا باجتماع شرائط وهي: البلوغ، والحرية، والإسلام، والتزويج بنكاح صحيح، والدخول فيه بوطء مباح، وأن يكون الإنسان عاقلاً مميزاً.
فمتى انخرم واحد من هذه الأوصاف لم يجب الرجم؛ لا خلاف في هذه الجملة بين أهل العلم إلا في الوطء، فإن من أهل العلم من يقول: إذا وطء زوجته في حال منهي عنها كالحيض والإحرام أن ذلك يحصنها إذا صح عقده في النكاح.

الجزء: 22 - الصفحة: 316

ومالك يقول: لا يحصنها ذلك؛ لأن الوطء وقع على وجه فاسد ممنوع، كالعقد إذا وقع على وجه فاسد أنه لا يحصن.
م: وهذا وجه قول مالك.
ووجه قول غيره: أنه حر مسلم بالغ صحيح العقل وطأ زوجته في عقد نكاح صحيح وطأ تعفف به فوجب أن يكون محصناً.
[13 - فصل: في اختلاف الزوجين بعد الزنى في الوطء] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن تزوج امرأة وتقادم مكثه معها بعد الدخول بها فشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها منذ دخلت عليها، فإن لم يعلم وطؤه بولد يظهر أو بإقرار بالوطء لم يرجم، لدراءة الحخد بالشبهة، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك رجم.
وقد قال في كتاب النكاح: إذا قامت امرأة مع زوجها عشرين سنة ثم زنت، ثم قالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بجماعها فهي محصنة.
فنحا يحيى بن عمر أن ذلك منه اختلاف قول، وليس الأمر كما توهم.
م والفرق بينهما: أن مسألة هذا الكتاب لم تدع الزوجة أنه وطئها،

الجزء: 22 - الصفحة: 317

وفي مسألة النكاح الزوج مقر بجماعها، وقد قال ابن المواز: إذا اختلفا في الوطء بعد أن وقع الزنى؛ لم يقبل قول الزاني منهما ورجم وإن لم يكن ابتنى بها إلا ليلة أو أقل، وأما إن اختلفا قبل الزنا فلا يكون المقر منهما محصناً ولو كان قد أقام معها الدهر الطويل، وهذا قول ابن القاسم وعبد الملك.
م: فهذا يبين فرق ما بينهما.
وإنما فرق بين الإقرار قبل الزنى وبعده؛ لأن الزوجة تقول: قبل الزنى إنما أقررت لأخذ جميع الصداق، والزوج يقول: إنما أقررت لتكون لي الرجعة لو

الجزء: 22 - الصفحة: 318

[صفحة ساقطة] من أصل الطباعة

الجزء: 22 - الصفحة: 319

[14 - فصل: فيمن وجد مع امرأته رجلاً] ومن كتاب محمد قلت: فما تفسير حديث علي رضي الله عنه في الذي وجد مع امرأته رجلاً فقتله: "إن لم يأت بأربعة شهداء فليعط برمته"؛ أذلك في البكر وفي الثيب؟ قال: قال مالك: لم أسمع فيه شيئاً.
وقال ابن القاسم: وذلك عندي سواء في البكر والثيب أنه إذا أقام أربعة شهداء يشهدون أنهم رأوه معها يطؤها، لم يقتص منه لواحد منهما ويترك، ولكن إن كان بكراً فدية الخطأ على عاقلته، وإن لم يأت بأربعة شهداء قتل القاتل بكراً كان المقتول أو ثيباً.

الجزء: 22 - الصفحة: 320

م وإلى هذا رجع ابن كنانة: أن في البكر دية الخطأ، وثبت المخزومي فقال: لا شيء على القاتل إذا أتى بأربعة شهداء كان المقتول بكراً أو ثيباً.
محمد: وقاله ابن عبد الحكم إذا كان قد أكثر فيه الشكية قبل ذلك.
قلت: فمن وجد مع امرأته رجلاً في بيت بشهادة رجلين؟.
قال: يجلد الرجل والمرأة نكالاً على قدر ما يراه الإمام من شنعة ذلك، وربما كان النكال للمرأة أكثر من الرجل، "وقد جلد فيه علي رضي الله عنه مئة، وجلد عمر رضي الله عنه دون المئة".

الجزء: 22 - الصفحة: 321

[الباب الرابع]

جامع القول في النفي

[15 - فصل: من ينفى ومن لا ينفى] وقامت السنة من النبي صلى الله عليه وسلم بنفي البكر الحر بعد الجلد، ولم يأت ذلك في النساء والعبيد، وقد (نهى الرسول عليه السلام أن تسافر المرأة إلا مع ذي محرم منها)،وقال في الأمة: (إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فاجلدوها ثم إن زنت فبيعوها ولو بضفيرٍ)، فردد ذكر الجلد بعد ذكر نفي والنفي لا نصف له كما للحد.
قال مالك: ولا نفي على النساء والعبيد ولا تغريب، ولا ينفى إلا الرجل الحر في الزنى أو في الحرابة.
[16 - فصل: مواضع النفي ومدته] وقد "نفى عمر بن عبد العزيز محارباً أخذ بمصر إلى شغب".
قال مالك: وكان ينفى عندنا إلى فدك وخيبر، قال: ويسجنان جميعاً في الموضع الذي ينفيان إليه، يسجن الزاني سنة.
محمد عن

الجزء: 22 - الصفحة: 322

ابن القاسم: من يوم يصير في السجن، والمحارب أبداً حتى تعرف توبته ونزوعه ويخلى سبيله.
محمد: وليس لحبسه وقت كما ليس لضربه وقت، وتكون النفقة في حملهما وحبسهما وكرائهما على أنفسهما من أموالهما، فإن لم يكن لهما شيء ففي مال المسلمين، وقاله كله أصبغ.
قال مالك: وسمعت (أن الرسول صلى الله عليه وسلم نفى المخنثين)، ولا أرى نفيهم إلا حسناً.
م: وإنما ينفى المخنثون إلى الموضع القريب ولا يحبسون ويخلون اليوم بعد الأيام للمسألة والمعاش.
قال ابن حبيب: (كان في عهد النبي عليه السلام مخنثان فنفاهما

الجزء: 22 - الصفحة: 323

إلى عير جبل بالمدينة).
قلت لمحمد: فقاتل العمد الذي يجب عليه ضرب مائة وحبس عام؟ قال: يحبس في موضعه ولا نفي عليه ولا على القاذف، ولا على أحد غير من سميت ذلك، وإنما ينفى الرجال الأحرار وأما العبيد والنساء الأحرار والإماء فلا نفي عليهم؛ لما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم (ألا تسافر المرأة إلا ومعها ذو محرمٍ منها)، والضيعة تصيبها.
وأما العبد فذلك ضرر على سيده.

الجزء: 22 - الصفحة: 324

قال غيره: وإنما ينفى ذو القرار ولا قرار للعبيد.
[17 - فصل: في ذكر آثار عن الخليفتين في النفي] قيل لمحمد: فقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه "أنه جلد امرأة في الزنى وغربها إلى البصرة".
قال: فقد "جلد أبو بكر الصديق رضي الله عنه المرأة والرجل البكرين في الزنى، وغرب الرجل" ولم يغرب المرأة فيما بلغنا.
وروى ابن وهب عن نافع عن عبد الله بن عمر: "أن رجلاً أتى إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه فأخبره عن أخته بعض الخبر، فأعرض عنه أبو بكرٍ وكره ما قال، ثم قال: أدع لي عمر، فدعاه له، فقال: انظر ما يقول هذا؟، فقال له عمر رضي الله عنه: قم لا أقام الله رجليك، فسأله؟ فأخبره: أن أخته أحدثت برجلٍ كان يدخل عليهم، ويضيف بهم، فقال له عمر: ما اتقيت الله ولا حل لك هذا، وما كان لك أن تكشف

الجزء: 22 - الصفحة: 325

ستراً ستره الله عز وجل، قال: فدعي الرجل فسئل فاعترف، فجلده أبو بكر رضي الله عنه ونفاه، وجلد المرأة ولا أعلم أنه نفاها، قال: ثم تزوجها الرجل فرأيت لهما أولاداً.
قلت لمحمد: فما يرد به ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيما كنت حدثتنا به عن أصحاب مالك: أنهم أخبروك عن مالك عن نافع "أن عبداً كان يقوم على رقيق الخمس وأنه استكره جاريةً من ذلك الرقيق فوقع بها فجلده عمر ونفاه ولم يجلد الوليدة؛ لأنه استكرهها؟ " قال: قد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن عمر رضي الله عنه ما يدل على خلافه، أخبرنا أصحاب مالك عن مالك عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبي هريرة، وعن زيد بن

الجزء: 22 - الصفحة: 326

خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ فقال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها ثم قال في الثالثة أو الرابعة: ثم بيعوها ولو بضفيرٍ)، والضفير: الحبل، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن زنت فاجلدوها).
قال ذلك مراراً وأسقط النفي ولم يذكره في ذلك كله.
وحديث لعمر بن الخطاب رضي الله عنه أخبرنا أصحاب مالك عنه عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسارٍ أن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي قال: "أمرني عمر بن الخطاب رضي الله عنه بجلد ولائد من ولائد الأمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال مالك: ولم أسمع في ذلك بنفي، وعليه أدركت أهل العلم ببلدنا ألا نفي على العبيد إذا زنوا، وذلك أحب ما سمعت إلي.
قال غيره: إنما نفى عمر هذا العبد؛ لأنه لم يكن عبداً لرجل بعينه فيقع

الجزء: 22 - الصفحة: 327

بنفيه الضرر على سيده، وإنما كان موقوفاً لخدمة المسلمين مع غيره من العبيد فلذلك نفاه، وولائد الأمارة خدم قد رتبهن عمر يضعن الطعام لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثم يطعمهم إياه.
قال: وحديث عبد الله بن عياش: "أمرنا عمر بن الخطاب في فتية من قريشٍ فجلدنا ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا".
قال عيسى بن دينار: هم الذين جلدوهم وكانوا مع ذلك طائفة، لقوله عز وجل: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
[18 - فصل: الدليل على عدم نفي النساء] قال مالك: ولا أرى على النساء تغريباً للحديث الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافر المرأة إلا ومعها دو محرمٍ منها)، والضيعة تصيبها.
قال غيره: ولو كلف وليها السفر معها لكان في ذلك المشقة على الولي؛ ولأنها لو غربت وحدها كان ذلك سبباً لإتيانها الفاحشة.

الجزء: 22 - الصفحة: 328

الباب [الخامس]

جامع مسائل من القذف

[19 - فصل: القيام بالقذف بعد موت المقذوف أو طول الزمان] قال ابن القاسم: ومن خاصم في قذف فمات قبل إيقاع البينة فلورثته القيام بذلك، ويحد لهم القاذف إن أتوا ببينة، وإن لم يقم المقذوف بقذفه حتى مضت سنة أو أقل أو أكثر، ولم يسمع منه عفو ثم مات فقام بذلك وارثه، فإن لم يمض من طول الزمان ما يعد به المقذوف تاركاً فلورثته القيام، فإن مضى من طول الزمان ما يرى أنه ترك فلا قيام لهم، فأما لو قام المقذوف نفسه بعد طول الزمان لحلف بالله ما كان تاركاً لذلك، ولا كان وقوفه إلا على أن يقوم بحقه إن بدى له بخلاف ورثته.
[20 - فصل: قيام ورثة ولي الدم مقامه بعد موته] وقد سئل مالك: عن رجل قتل وله أم وعصبة فماتت الأم؟ فقال مالك: ورثتها مكانها إن أحبوا أن يقتلوا قتلوا، وأن لا عفو للعصبة دونهم، كما لو كانت الأم باقية.

الجزء: 22 - الصفحة: 329

[21 - فصل: من قذف محدوداً في زنى] قال مالك: ومن افترى على رجل مجلود في زنى، أو مرجوم في زنى، فلا حد عليه.
قال: ومن قال لرجل: يا ابن الزانية، وقال: أردت جدة من جداته لأمه؛ فإن كانت جدته لأمه قد عرفت بذلك، حلف أنه ما أراد غيرها ولا حد عليه، وعليه العقوبة.
قيل: فهل ينكل في قذفه هؤلاء الزانة؟ قال: إذا آذى مسلماً نكل.

الجزء: 22 - الصفحة: 330

الباب [السادس] فيمن رجع من البينة على زنى أو غيره، أو وجد مسخوطاً، أو كان ممن لا تجوز شهادته في الزنى، أو شهد على مجبوب، وخطأ الإمام، وغيبة الشهود وعماهم قال ابن القاسم: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجع أحدهم قبل إقامة الحد، أو وجد عبداً أو مسخوط

اً أو من لا تجوز شهادته؛ فإنهم يحدون كلهم حد الفرية، ولا حد على المشهود عليه.
م: لأنه لما سقط واحد منهم لم تتم شهادتهم، وصاروا قذفة، فوجب حدهم، كالذين شهدوا على المغيرة.
وإن رجع شهود الزنى بعد الرجم حدوا حد الفرية، وكانت الدية في أموالهم.
قيل لابن المواز: فإن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه بالزور حتى قتل بها،

الجزء: 22 - الصفحة: 331

هل يقتلون؟ قال: لا قتل عليهم؛ لأنهم ليس هم القاتلون، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وقاله ابن عبد الحكم، وغيره.
وكذلك إن قالوا: تعمدنا الشهادة عليه في قطع أو قصاص، لم يقتص منهم، وعليهم غرم دية اليد والنفس، وقاله أصبغ.
م: وقال الأبهري: روى ابن وهب عن جرير بن حازم عن الحسن وإبراهيم "أنهم إذا قالوا: تعمدنا الزور ليقتل، قتلوا به جميعاً،

الجزء: 22 - الصفحة: 332

وإن قالوا: شبه علينا فلا قتل عليهم، وعليهم الدية في أموالهم".
قال في المدونة: وإن رجع واحد بعد قيام الحد جلد الراجع وحده دون الثلاثة، وإن كان رجماً؛ غرم الراجع وحده ربع الدية.
قال ابن القاسم: وإن علم بعد الرجم أو الحد أن أحدهم عبد، يريد: أو نصراني أو أعمى أو ولد زنى؛ حد الشهود أجمع، يحد النصراني والأحرار ثمانون والعبد أربعون، وإن وجد أحدهم مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن شهادتهم قد تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، وقد يعدل المسخوط ويسخط العدل، ولم تتم في العبد وشبهه، ويصير ذلك من خطأ الإمام، وإن لم يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، فإن علموا فذلك على الشهود في أموالهم ولا شيء على العبد في الوجهين، وما اخطأ به الإمام من حد هو لله عز وجل فبلغ ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته، وما كان دون الثلث ففي ماله

الجزء: 22 - الصفحة: 333

خاصة.
ولا تجوز شهادة الأعمى في الزنى، ويحد.
قال: وإذا حكم القاضي بشاهدين في مال ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، حلف الطالب مع شهادة الباقي، ونفذ الحكم، فإن نكل حلف المطلوب، واسترجع المال.
وإن شهدا عليه بقطع يد رجل عمداً، فاقتص منه، ثم تبين أن أحدهما عبد، أو ممن لا تجوز شهادته، لم يكن على متولي القطع شيء، وهذا من خطأ الإمام.
[22 - فصل: في شهادة أربعة على امرأة بالزنى أحدهم زوجها] قال ابن المواز: وإن شهد أربعة على امرأة بالزنى فلم ترجم حتى ظهر أن أحدهم زوجها، جلد الثلاثة، ولاعن الزوج، فإن لم يلتعن؛ جلد الحد معهم.
الأبهري: إنما قال ذلك؛ لأنهم صاروا قذفة؛ لسقوط شهادة الزوج، وإنما سقطت شهادة الزوج؛ لأنه خصم لها في ذلك، ويلاعن؛ لأن به حاجة إلى رفع نسب ولد ليس منه.
قال ابن القاسم: وإن لم يعلم بذلك حتى رجمت ثم علم به، قيل له لاعن، فإن التعن لم يحد، وإن نكل حد، ولم يكن على الثلاثة حد، لاعن

الجزء: 22 - الصفحة: 334

الزوج أو لم يلاعن، ويكون له الميراث منها، لاعن أو لم يلاعن.
قال أصبغ: إلا أن يعلم أنه تعمد الزور ليقتلها، وهو يعلم أن شهادته لا تجوز، فلا يرث، ويكون عليه الحد، والقول قوله إن قال: لم أتعمد وشهدت بحق.
م: وإنما لم يحد الثلاثة لاعن الزوج أو لم يلاعن؛ لأن الشهادة قد تمت ورجمت، وإنما الزوج كالمسخوط؛ لأنه خصم، وكما لو رجع واحد من الأربعة بعد الرجم أنه لا حد على الثلاثة.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: إن الزوج إن لاعن بعد الرجم سقط الحد عن الشهود، وإن لم يلتعن حد هو وهم.
والأول أبين لما قدمنا، ولا يكون أسوأ حالاً من الراجع.
محمد وقال ابن القاسم: ولا يكون على الزوج من ديتها شيء، ولا على الشهود، ولا على الإمام؛ لأن ذلك ليس بخطأ صراح، وهو مما يختلف فيه الحكم وليس كالخطأ بإجازة شهادة العبد والنصراني، وقاله أصبغ، وأعجبه ما خلا الميراث، فإنه توقف عنه، ورأى أن لا ميراث له؛ لأن فيه تهمة القتل العمد، وقد جاءت السنة: (ألا يرث من قتل عمداً من ديةٍ ولا

الجزء: 22 - الصفحة: 335

مالٍ).
قال محمد: وأخبرت عن أشهب أنه قيل لمالك: أن ابن شهاب حدث "أن عثمان بن عفان رضي الله عنه أتاه رجلٌ من البادية بثلاثة شهودٍ وهو رابعهم يشهدون أنهم وجدوا غلاماً مع امرأته يزني بها، فجلد عثمان الثلاثة، ولاعن بين الزوج وامرأته"، فقال مالك: هو الصواب والذي عليه رأيي.
[23 - فصل: من قذف امرأة رماها زوجها بالزنى] قال محمد: وإن قذفها رجل بعد ما رماها به زوجها فليضرب قاذفها الحد، ولا ينتظر به أن يلاعن الزوج.
قيل: فإن كان قذفه إياها بعد لعان الزوج وقبل لعانها؟.
قال: قد اختلف فيه قول ابن القاسم وأشهب:

الجزء: 22 - الصفحة: 336

فقال أشهب: يحد قاذفها ولا ينتظر به التعانها.
وقال ابن القاسم: بل أؤخره حتى تلتعن هي فأحده، أو تنكل فلا أحده، وكذلك لو ماتت قبل أن تنكل، وقبل تلتعن فلا حد على قاذفها بعد لعان الزوج؛ لأن لعان الزوج أربع شهادات.
قال محمد: يجب عليها بذلك الرجم إن لم تدفع ذلك باللعان، قال: وكذلك لو قذفها قاذف بعد موتها ولم تكن التعنت لم يكن على قاذفها حد؛ لأن لعان الزوج أوجب ذلك عليها حين لم تخرج منه قبل موتها.
[24 - فصل: في الشهادة بالزنى على مجبوب] قال في المدونة: وإذا شهد أربعة على رجل بالزنى فرجمه الإمام ثم أصابوه مجبوباً؛ لم يحد الشهود، إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، وعليهم الدية في

الجزء: 22 - الصفحة: 337

أموالهم، مع وجيع الأدب وطول السجن.
محمد وقال أشهب: بل على عاقلة الإمام، وعليهم الأدب وطول السجن إلا أن يقولوا: رأينا يزني قبل جبابه، فتجوز شهادتهم؛ ولا حد عليهم على كل حال.
[25 - فصل: في تزكية الشهود بعد غيبتهم وعماهم ونحوه] قال في المدونة: وإذا شهدت بينة على الحدود فماتوا، أو غابوا، أو جنوا، أو عموا، أو خرسوا، ثم زكوا بعد ذلك؛ فليقم الإمام الحد؛ إذا كان قد استقصى شهادتهم وكذلك الحقوق.

الجزء: 22 - الصفحة: 338

الباب [السابع]

فيمن يتولى إقامة الحد، وما يصنع بالمحدود، وصفة الحد

[26 - فصل: من يتولى إقامة الحد] قال ابن القاسم: ولم يكن مالك يعرف أن البينة تبدأ في الرجم ثم الإمام ثم الناس، ولا أن الإقرار أو الحمل يبدأ الإمام ثم الناس.
قال: وليأمر الإمام في ذلك كله كسائر الحدود.
قال الأبهري: وإنما قال ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يباشر حد ماعز ولا غيره بنفسه، وإنما أمر بذلك غيره.
قال محمد: وقد أقامت الأئمة الحدود في القذف، وقطعوا في السرقة، وجلدوا البكر في الزنا مائة، والمفتري ثمانين، ولم يعلم أن أحداً من الأئمة ولي شيئاً من ذلك بنفسه، ولا لزم ذلك أحد من الشهود خاصة، وإنما الرجم حد من الحدود يأمر به الإمام كما يأمر بغيره، فيرمي بالحجارة التي يرمي بمثلها، وأما بالصخور العظام فلا.

الجزء: 22 - الصفحة: 339

قال مالك: ولا يرفع عنه بالرمي حتى يأتي على نفسه، والمرأة في ذلك كالرجل.
م وإنما قال ذلك؛ لأن الزاني المحصن قتله بالرجم، كذلك فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم أجمعين بماعزٍ والغامدية رجا حتى ماتا.
[27 - فصل فيما يصنع بالمحدود] ومن المدونة قال مالك: ولا يربط المرجوم، ولا يحفر له، وكذلك المرأة، وفي الحديث: (فرأيت الرجل يحني على المرأة)، فلو كان في حفرةٍ ما حني عليها.
م: قوله: يحني: أي يتطأطأ عليها ليقيها من الحجارة.
الأبهري: إنما قال لا يحفر للمرجوم لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالحفر لماعز بن مالكٍ: ألا ترى أنه قيل في الحديث: (فلما أذلقته الحجارة حضر)، ومعناه: عدا، فلو كان في الحفرة ما

الجزء: 22 - الصفحة: 340

قدر أن يعدو؛ ولأن الرجم يجب أن يكون على جملة البدن، فإذا حفر له غاب شيء من بدنه عن الرجم.
[28 - فصل في كون جنازة المحدود كسائر المسلمين] ويغسل المرجوم، ويكفن، ويصلى عليه، ويدفن، ولا يصلى عليه الإمام.
م: تأديبا لغيره.
الأبهري: وإنما قال ذلك؛ لأنه كذلك فُعِلَ بماعز، غسل وصلى عليه؛ لأن حكمه حكم المسلمين في كل شيء، من المواريث وغيرها، وكذلك غسله والصلاة عليه، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز: (لقد تاب توبة لو قسمت على أهل الأرض كفتهم)، أو هذا معناه.
وقوله: والمرأة في ذلك كالرجل؛ لأنه لا فرق بين الرجل والمرة في هذا بين أهل العلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 341

[29 - فصل في هيئة جلد الحد وتجريد الرجل] ومن المدونة قال مالك: ويضرب المحدود في الزنى، والقذف، والخمر، على ظهره ويجرد الرجل في الحدود، والنكال، ويكشف ظهره بغير ثوب، ويُقعد ولا يُقام ولا يمد.
قال محمد: قال مالك: وتترك له يداه، ولا يمد في الحِبَالِ، وقد قال على بن أبي طالب رضي الله عنه للذي يجلد: "اضْرِبْ، وَيَدعُ لَهُ يَدَاهُ يَتَّقِي بِهِمَا".

الجزء: 22 - الصفحة: 342

وتُقعد المرأة، ولا تُجرَّد مما لا يقيها الضرب، وإن جعلت على ظهرها ما يقيها الضرب من لِبَدٍ ونحوه نُزِع، وبلغ مالكا أن بعض الأئمة أقعد امرأة للجلد في قُفَّةٍ فأعجبه ذلك.
[30 - فصل في صفه الحد] قال: وصفة الجلد في الزنى، والشرب، والفرية، والتعزيز، واحد؛ ضربا بين الضربين، ليس بالمبرح ولا بالخفيف، ولم يجد مالكا ضم الضارب يده إلى جنبه، ولا يجزئ في الحدود بقضيب، ولا بشراك ولا دِرة، ولكن السوط، وإنما كانت دِرَةُ عمر للأدب، فإذا وقعت الحدود قرب السوط.
[31 - فصل: أمر الإمام بإقامة الحد] وإذا دعاك إمام عادل عارف بالسنة؛ إلى قطع يد رجل أو رجله في سرقة،

الجزء: 22 - الصفحة: 343

أو إلى قطع أو قتل في حرابة، أو إلى رجم في زنى، وأنت لا تعلم صحة ما قضى به إلا قوله؛ فعليك طاعته، وأما الجائر فلا، إلا أن يعلم صحة ما أنفذ من الحد، وعدالة البينة، فعليك طاعته؛ لئلا تضيع الحدود، "وقد أقام علي بن أبى طالب رضي الله عنه حداً أمره بإقامته عمر بن الخطاب رضي الله عنه"، قال عبد الله بن عياش أمرنا عمر بن الخطاب في فتية من قريش نجلد ولائد من ولائد الإمارة خمسين خمسين".

الجزء: 22 - الصفحة: 344

الباب [الثامن]

في زنى الصغير، والمجنون، ومن زنى بنائمة، أو مجنونة، أو مغصوبة، أو ذمية، أو مرهونة، وهل يعذر بالجهالة؟، وكيف إن ادعى النكاح؟، ومن اشترى حرة فوطئها

[32 - فصل: حد البلوغ في الرجال والنساء والدليل عليه] قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى ينتبه).
قال الأبهري: وحدُّ البلوغ في الرجال: الاحتلام أو الإنبات، وفي النساء الاحتلام أو الحيض أو الإنبات أو الحمل، وقاله مالك.
[33 - فصل: في زنى الكبير بالصغيرة وزنى الكبيرة بالصغير] ومن المدونة قال مالك: ومن زنى بصغيرة يوطأ مثلها ولم حض فعليه الحد.
م: لأنه ينال منها من اللذة ما ينال من الكبيرة، ولا حد على الصغيرة، لعدم

الجزء: 22 - الصفحة: 345

اللذة، ورفوع القلم عنها.
قال ابن المواز: ولا صداق لها؛ لأنه إنما زنا بها برضاها، ولو لزمه في ذلك صداق لزمه في الأمة والبكر إذا طاوعتاه.
قال مالك: وإن زنت امرأة بصبي مثله يجامع إلا أنه لم يحتلم فلا حد على واحد منهما؛ لعدم اللذة لجماعه وإنما ذكره كالإصبع.
م: وإن كان الصبي مراهقا ممن يلتذ بوطئه وتنزل المرأة لجماعه فينبغي أن يكون عليها الحد؛ لأنها نالت منه ما تنال من الكبير، وكوطء الكبير للصغيرة، ولم أره لغيري.
[34 - فصل: الزنى بالمجنون والمجنونة والنائمة] قال مالك: وإن زنت بمجنون فعليها الحد؛ لأنه بالغ تلتذ به كالعاقل، ولا حد عليه هو لرفع القلم عنه، وعدم الالتذاذ له.
قال: ويحد قاذف المجنون.
وإن زنى رجل عاقل بمجنونة؛ فعليه الحد، والصداق؛ لأنه نال منها ما ينال من العاقلة، ولا حد عليها لرفع القلم عنها، وعدم اللذة لها، وكذلك إن أتى نائمة فعليه الحد، والصَّداق، والعلة واحدة.

الجزء: 22 - الصفحة: 346

قال محمد: وهما كالمكرهة.
[35 - فصل: فيمن أتى امرأة ميتة أو بهيمة أو مغتصبة] وأما من أتى ميتة فعليه الحد ولا صداق عليه.
محمد: كما لو قطع لها عضو لم يلزمه أرش.
ومن أتى بهيمة لم يحد، وعوقب، وقول [ابن] عمر رضي الله عنه "لو وجدت من أتى بهيمة لقتلته".
فعلى وجه التغليظ.
وكذلك إن غصب امرأة نفسها فعليه الحد والصداق، ولا شيء على المرأة؛ لأنها مكرهة، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (حمل عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

الجزء: 22 - الصفحة: 347

الأبهري: وإنما جعل عليه الحد والصداق؛ لأن الحد حق لله عز وجل،

الجزء: 22 - الصفحة: 348

والصداق حق لآدمي، فلا يسقط أحدهما الآخر، كالدية والكفارة في قتل الخطأ؛ لأن الكفارة حق لله عز وجل، والدية حق لآدمي، وكذلك قيمة الصيد إذا قتله محرم لرجل فعليه قيمته للرجل، وجزاؤه للمساكين، فكذلك الصداق والحد في المغتصبة.
[36 فصل: في زنى المسلم بالذمية] قال مالك: وإن ونى مسلم بذمية حُدَّ وردت إلى أهل دينها، فإن شاءوا رجمها لم أمنعهم.
الأبهري: إنما قال: يحد المسلم؛ لأن الله عز وجل حرَّم الزنى على المؤمنين، فا تبالي ما كانت المزني بها، وإنما لم تحد هي؛ لأن الحد تطهير للمسلمين، والكافر لا يطهره الحد.
فإن قيل: فقد (رجم النبي صلى الله عليه وسلم يهوديين زنيا)؟.
قيل له: إنما أقام النبي صلى الله عليه وسلم عليهما التوراة؛ لأنه قال: (ما حد الزاني المحصن فيكم)؟.
فقالوا: الجلد، فكذبهم عبد الله بن سلام وقال: في التوراة

الجزء: 22 - الصفحة: 349

الرجم، فأقامه النبي صلى الله عليه وسلم عليهم بما في التوراة.
[37 - فصل: في وطء الأمة المرهونة ونحوها وادعاء الجهل] ومن المدونة: قال: ومن وطئ أمة بيده رهناً وقال: ظننت أنها تحل لي، حُدَّ ولا يعذر بذلك، وكذلك إن كانت بيده وديعة أو عارية أو بإجارة، وكذلك العحم إذا ادعوا الجهالة، ولم يأخذ مالك بالحديث الذي قال: "زنيت بمرعوش بدرهمين"، ورأى أن يقام الحد في هذا.

الجزء: 22 - الصفحة: 350

م: وأراه إنما ذلك في أول الإسلام وأما اليوم فقد علم الناس أن الزنى حرام، والمرهونة لا تحل؛ فلذلك لم يعذرهم مالك رحمة الله عليه.
قال ابن حبيب: وذهب أصبغ إلى الأخذ بحديث مرعوش، وأن يدرأ الحد عن من جهل الزنى ممن يرى أنه يجهله، مثل السبي وغيرهم.
[37 - فصل: فيمن وجد مع امرأة فادعت أنه زنى بها وادعى هو نكاحها] قال مالك: وإذا قالت امرأة: زنيت مع هذا الرجل، وقال الرجل: هي زوجتي وقد وطئتها، أو وجد في بيت فأقر لها بالوطء، وادعيا النكاح، فإن لم يأتيا ببينة حدا.
م: لأن من سنة النكاح الإظهار والإعلان كما قال الني صلى الله عليه وسلم (أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغِربال)، يعني

الجزء: 22 - الصفحة: 351

الدف، فإذا ادعيا ما لا يعرف ولم يسمع لم يقبل قولهما؛ لأنهما يريدان إسقاط حد قد وجب.
محمد وقال أشهب في التي أقرت أنها زنت مع هذا الرجل، وقال هو: تزوجتها، وأقر بالوطء: أنه لا حد على الرجل؛ لأنه إنما قال: وطئتها بنكاح، وتحد هي؛ لأنها أقرت بالزنا لأنها تقذف، وقال: وهي بخلاف من أخذ من امرأة ثم ادعى نكاحها؛ لأنه قد أخذ فهو يدفع عن نفسه، فلا يصدق.
وقال ابن القاسم: هما سواء يحدان.
[38 - فصل فيمن اشترى حرة ووطئها] ومن المدونة: ومن اشترى حرة وهو يعلم أنها حرة فأقر أنه

الجزء: 22 - الصفحة: 352

وطئها حُدَّ، لأن الحر لا يصح فيه ملك يمين فقد وطأ من ليست له بزوجة ولا بملك يمين، فعليه الحد.
قال ابن القاسم: ولا تحد هي إن أقرت له بالملك، يريد: وإن كانت تعلم أنها حرة؛ لأنه لا ينفعها دعواها الحرية، إذ لا بينة لها تقوم بهم.
وقال الأبهري: تحد هي إذا علمت بأنها حرة؛ يريد: لأنه كان الواجب عليها أن تمنعه من نفسها، وتدعي الحرية فلعله يصدقها، ويكف عنها، وإن لم يصدقها وأكرهها على الوطء؛ فلا حد عليها بإجماع، والله عز وجل أعلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 353

الباب [التاسع]

بقية القول في الشهادة على الزنى، والشهادة على الشهادة، ومسائل من الشهادات

وقد تقدم: أن وجه الشهادة في الزنى؛ أن يأتي الأربعة شهداء في وقت واحد، فيشهدون على وطء واحد، في موضع واحد، بصفة واحدة، بهذا تتم الشهادة.
ويسألهم الإمام كيف رأوه؟، فإن وصف الثلاثة الزنا وقال الرابع: رأيته بين فخذيها، حد الثلاثة، وعوقب الرابع، و "كذلك فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الذين شهدوا على المغيرة".
وقال في كتاب محمد: يحد الثلاثة، ولا شيء على الرابع.
قال محمد: ولو شهد اثنان: أنه زنى بها؛ كالمرود في المكحلة، وشهد اثنان: على الخلوة والنفس العالي والملاصقة؛ فليحد الشاهدان على الرؤية، ويعاقب الرجل والمرأة بشهادة الذين شهدوا على الخلوة والنفس.
قال أشهب: مئة جلدة ونحوها، ولا شيء على الشاهدين بخلاف شهادة الواحد على الخلوة.

الجزء: 22 - الصفحة: 354

قال محمد: ولو شهد اثنان: أنه زنى بها، وشهد اثنان: أنه غلبها على نفسها؛ حد الأربعة، ولا حد على الرجل والمرأة ولا أدب.
م: والفرق بينهما وبين الأولى: أن الأربعة في هذه أثبتوا على الرجل الزنى، واختلفوا في صفته؛ فوجب حدهم، وفي الثانية: لم يقل إلا اثنان أنه زنى بها، وإنما شهدوا على الخلوة والملاصقة، فقبلت شهادتهم عليه، ووجب أدبه.
[39 - فصل في قيام الشهود بالزاني وحضورهم حين الشهادة] قال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا شهد بالزنى أربعة جازت شهادتهم، وإن كانوا هم القائمين بذلك، وجاءوا مجتمعين أو مفترقين إذا كان افتراقهم قريبا بعضهم من بعض.
وقال أصبغ عن ابن القاسم في العتبية: في أربعة شهدوا على رجل بالزنى، فتعلقوا به وأتوا به السلطان فشهدوا عليه، فلا تجوز شهادتهم عليه، وأراهم قذفة، وروى عنه خلافه.
محمد: قال أشهب فيمن قذف رجلا بالزنى، وقال: أنا أقيم عليه أربعة، فأتي بواحد، وقال: هذا آخر في المسجد، وهذا آخر في القيسارية،

الجزء: 22 - الصفحة: 355

وآخر في السوق، فذكر أمكنة قريبة، وأتى بهم من ساعته؛ قال: كان ينبغي للإمام أن لا ينتظره، ويحده ومن شهد معه إذا لم تكن متواترة، فأما إذا تمت الشهادة قبل إسقاطها بجهالة من الإمام فهي جائزة.
قال: وكذلك لو أتى بشاهدين اليوم أو بواحد، ولم يضرب حتى أتى بآخر بعد ذلك ثم بآخر حتى أتم أربعة متفرقين؛ فإنه تقبل شهادتهم؛ يحد المشهود عليه.
قال محمد:- ونحوه في المدونة- وإن جاء رجل إلى الإمام على وجه الشهادة فقال: أشهد على فلان انه زنا فليحد، إلا أن يأتي بأربعة سواه، فإن ذكر أنهم حضور أو قريبة غيبتهم ترك، وتوثق منه، وكلف أن يبعث فيهم، وإن ادعا بينة بعيدة حد، ثم إن جاء بهم سقطت عنه جرحة الحد، وأقيم على المشهود عليه حد الزنى.
[40 - فصل في الشهادة على الشهادة في الزنى] قال مالك: وتجوز الشهادة على الشهادة في الزنى، مثل أن يشهد أربعة على شهادة أربعة، او اثنان على شهادة اثنين، واثنان على شهادة اثنين

الجزء: 22 - الصفحة: 356

آخرين، فتتم الشهادة .. ولو شهد اثنان أو ثلاثة على شهادة أربعة؛ لم يجز ذلك، ويحدوا إلى أن يقيموا أربعة سواهم على شهادة أربعة أشهدوهم فلا يحدوا، ويحد الزاني أو يرجم.
وكذلك لو شهد ثلاثة على شهادة ثلاثة، وواحد على شهادة واحد؛ لم تتم الشهادة ويحدوا إلى أن يشهد على الرابع اثنان.
قال ابن القاسم: ولا تتم الشهادة حتى يكون الشهود عند الحاكم أربعة، ثم يؤخذ عدد الشهود على الرؤية أربعة، مثل أن يشهد اثنان على رؤية أنفسهما، واثنان على شهادة اثنين، أو يشهد واحد على رؤية نفسه، وثلاثة على شهادة ثلاثة، فتجوز الشهادة؛ لأنها تمت أربعة من كلا الفريقين، وأما لو شهد شاهد على رؤية نفسه، وشاهدان على شهادة ثلاثة على رؤية أنفسهم مع الرابع لم تجز الشهادة، ويحد الشاهد على رؤية نفسه، ولا شيء على الشاهدين إذا لم يكن في شهادتهما أنه زانٍ، وإنما شهدوا على شهادة غيرهم أن فلانا رأيناه يزني، وفلانا معنا، يعنون الذي شهد على رؤية نفسه، ويحد الثلاثة إذا قدموا إلا أن يتأخر ضرب الأول حتى يتقدم الثلاثة؛ فتجوز شهادتهم،

الجزء: 22 - الصفحة: 357

ويحد المشهود عليه.
وقال ابن حبيب عن مطرف عن مالك: لا يجوز من الشهادة على الشهادة في الزنى إلا أن يشهد على كل واحد من الأربعة أربعة، ولا تجوز أربعة على أربعة، وإن كانوا كلهم قد سمعوا من الأربعة، إلّا ستة عشر شاهدا.
قال: ولو حضر ثلاثة على رؤية أنفسهم وغاب الرابع أو مات فلا تقوم شهادته إلا بأربعة ينقلون عنه، وإن احتاج الإمام إلى تعديلهم فلا يقبل إلا أربعة يعدلون كل واحد.
وقال ابن الماجشون، وابن القاسم، وجميع أصحاب مالك: تجوز شهادة أربعة على شهادة أربعة إذا كانوا كلهم سمعوا من الأربعة، فإن تفرقوا جاز اثنان على كل واحد معهم حتى يصيروا ثمانية، ويجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم، اثنان على كل واحد، وأربعة عليهم أجمعين.
م: وهذا كله خلاف المدونة.
[41 - فصل فيمن قال لرجل: سمعت فلانا يشهد أنك زان] ومن قال لرجل: سمعت فلانا يشهد أنك زان، أو يقول لك

الجزء: 22 - الصفحة: 358

فلان: يا زاني؛ إلا أن يقيم بينة على قول فلان.
قال ابن المواز: وقيل: إن كان ذلك منه في غير مشاتمة؛ لم يكن على الشاهد حد ولا يمين أنه لم يرد به القذف.
محمد: وهذا أحب إلي؛ ألا يحد إلا أن يكون ذلك على وجه المشاتمة، وقد قال مالك على من افترى على رجل ولا شاهد عليه وطلب يمينه أنه لا يمين عليه.
قيل: فإن أقام عليه شاهدا أنه زنَّاه؟ قال: فعلى المشهود عليه اليمين، فإن نكل سجن أبدا حتى يحلف، ورواه ابن القاسم عن مالك.
قال ابن القاسم: فإن طال سجنه جداً رأيت أن يخلى سبيله، ولا أدب عيه.
قال أصبغ: إلا أن يعرف بالمشازرة والفحش، وإلا فسجنه أدباً له يكفيه.
[42 - فصل: فيمن سمع رجلاً يقذف غائباً، وفيمن سمع رجلين فطلب أحدهما شهادته، وفيمن نسي الشهادة] ومن المدونة: ومن سمع رجلا يقذف رجلا غائباً فليشهد له إن كان معه

الجزء: 22 - الصفحة: 359

غيره.
م: خوف أن يقول له المشهود له ما شتمني أحد وإنما أنت عرَّضت بشتمي فيحده.
قال مالك: وإن مرَّ برجلين يتكلمان في أمر فسمع منهما شيئا وبم يُشْهداه، ثم طلب أحدهما تلك الشهادة فلا يشهد له.
قال ابن القاسم: وإذ قد يكون قبله أو بعده كلام لا تتم الشهادة أو تسقط إلا به، ولا يجيز القاضي شهادة مثل هذا إلا أن يستوعب كلاهما من أوله إلى آخره فليشهد وإن لم يشهداه.
قيل لمالك: فمن شهد بين رجلين في حق فنسي بعض الشهادة وذكر بعضها؟ فقال: إن لم يذكرها كلها فلا يشهد.
قيل: فرجلين تنازعا في أمر فأدخلا بينهما رجلين على ألا يشهدا بما سمعا منهما فيتقاررا ثم يتفرقا فيتجاحدا؟ قال: فليعذر الشاهدان إليهما ولا يعجلان، فإن تماديا على الجحد فليشهدا عليهما.

الجزء: 22 - الصفحة: 360

الباب [العاشر]

في القاذف يُضرب بعض الحد ثم يَقذف أو يقُذف بعد تمام الحد، وفي العفو عنه، وهل يجمع على الرجل حدَّان في وقت؟

ومن قذف رجلا ثم ضُرب أسواطاً قذف آخر، أو قذف الذي يُجلد له؛ ابتدأ الجلد عليه ثمانين من حين يقذفه، ولا يعتد بما مضى من السياط.
ومن قذف رجلا فحُدَّ له ثم إن قذفه حد له ثانية.
[42 - فصل في العفو عن القذف، وكتابته، وشهادة القاذف] ومن عفا عن قاذفه جاز عفوه ما لم يبلغ الإمام، فإن عفا عنه على أنه متى شاء قام بحده، وكتب بذلك كتاباً، وأشهد على ذلك؛ فذلك له متى قام به، فإن مات كان لولده أن يقوم عليه بذلك الكتاب، ولا تبطل شهادة القاذف حتى يحد، وكذلك إن عفا عنه فإذا ضرب سقطت شهادته حتى يُحْدث توبة وخيراً.
ومن عفا عن قاذفه لم يكن لغيره أن يقوم بحده.

الجزء: 22 - الصفحة: 361

[43 - فصل: في القذف هل هو حق للمقذوف أو حق لله سبحانه وتعالى؟ أو هو حق مشترك] وإن رفع القاذف إلى الإمام أجنبي غير المقذوف لم يمكن من ذلك ولا يحد له.
قيل: أليس هذا حد لله عز وجل قد بلغ الإمام؟ قال: هذا حد للناس لا يقوم به عند الإمام إلا صاحبه.
واختلف في العفو عن حد القذف بعد بلوغ الإمام فأجازه مالك مرة ثم رجع عنه.
وفي كتاب القذف إيعاب هذا والزيادة فيه.
[44 - فصل في اجتماع الحدود، وكيفية الضرب، وأي الحدود يقام أولاً؟] ومن قذف وشر خمراً سَكِر منه أو لم يسكر، جُلد حداً واحداً.
قال مالك: وجعل حد الخمر على وجه حد الفرية؛ لأنه إذا شرب هذي، وإذا هذي افترى.
"وقاله علي بن أبي طالب رضي الله عنه".
ومضى

الجزء: 22 - الصفحة: 362

عليه العمل أن حد الخمر ثمانون.
ابن القاسم: وإذا اجتمع على الرجل في حد الزنى حد قذف أو شرب خمر، أقيما عليه جميعا، ويجمع الإمام ذلك عليه، إلا أن يخاف عليه فيفرقهما، وذلك إلى اجتهاده.
محمد: وقال عبد الملك: وإذا زنى وقذف، ضربه أكثر الحدين مئة وأجزأه عن الحدين.
وبقول ابن القاسم أقول.
قال ابن القاسم في المدونة: وإذا اجتمع عليه حد الزنى، وحد الفرية؛ فأحب إلي أن يبدأ بحد الزنى؛ لأنه حد لله عز وجل لا عفو فيه.
[45 - فصل في إقامة الحد على المريض أو في البرد أو الحر] قال: والمريض إذا خيف عليه الموت من إقامة الحد فليؤخر.
قال محمد: وقد جاء " أن عمر أقام حد الخمر على قدامة بن مظعون

الجزء: 22 - الصفحة: 363

ثمانين وهو مريض"، غير أن العمل على خلافه، وسمعنا من يقتدي به أنه لا يراه، وينهى عنه، ومن الحجة له في ذلك إنما وجب عليه الجلد لا القتل، فإذا ضربته حين الخوف عليه فأنا الذي قتلته.
ابن وهب: وقاله ربيعة ومالك.
قال مالك في المدونة: وكذلك إذا خيف على السارق أن يقطع في البرد فليؤخر.
قال ابن القاسم: والذي يضرب الحد عندي في البرد بمنزلة القطع في البرد إذا خيف عليه فيؤخر ويحبس إلى إمكان ذلك فيه، فالحر عندي بمنزلة البرد في ذلك، وأما في الرجم فلا يؤخر لمرض ولا غيره؛ لأنه الموت.

الجزء: 22 - الصفحة: 364

[46 - فصل: في أن المرأة الحامل لا تحد حتى تضع] قال مالك: ولا تجلد البكر الحامل في الزنى حتى تضع وتستقل من نفاسها لأنه مرض، ولو كانت محصنة أمهلت حتى تضع، فإذا وضعت رجمت مكانها، ولم تؤخر لأن حدها القتل، وهذا إذا وجد للمولود من يرضعه، وإن لم يوجد أو يقبل غيرها أخرت حتى ترضع ولدها لخوف هلاكه، وكما يجب تأخير الحمل خوف هلاك الولد، فكذلك تؤخر بعد الوضع لعدم من يرضعه لخوف هلاكه، وروي ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم.
محمد وروى ابن وهب أنه قال: أتى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بامرأة حامل وقد أحدثت فأراد ضربها، فقال له معاذ بن جبل: "هذا لك عليها، فما الذي لك على ما في بطنها؟ أخِّرها حتى تضع ثم شأنك بها".
فقال عمر: "أعجزت النساء أن تأتي بمثل معاذ، ولولا معاذ هلك عمر".
قال في المدونة: وإذا زنت امرأة فقالت: إني حامل، وكيف إن قالت

الجزء: 22 - الصفحة: 365

البينة: إنا رأيناها تزني منذ شهرين أو ثلاثة أو أربعة؛ فإنه ينظر إليها النساء فإن صدقوها لم يعجل عليها، وإلا حدت.
[47 - فصل: لا تقبل شهادة النساء في تصديقهن المشهود عليها بالزنى أنها عذراء، وتقبل في تصديقهن ادعائها الحمل] قال: وإذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول، فقالت: أنا عذراء، أو رتقاء، ونظر إليها النساء وصدقوها؛ لم ينظر إلى قولهن، وأقيم عليها الحد لأنه قد وجب ذلك بخلاف الحمل، ألا ترى أن البكر إذا أنكر زوجها الوطء بعد إرخاء الستر وادعته، وشهد النساء أنها بكر، أن قولهن لا يقبل، وتصدق المرأة، ولا يكشف الحرائر عن مثل هذا.
م: ولأن شهادة النساء في الحمل لم ترفع الحد وإنما أخرته؛ لخوف هلاك الحمل ثم تحد بعد ذلك، وفي شهادتهن عذراء، أو رتقاء، أردن أن يرفعن حداً قد وجب، وكذبن البينة في شهادتها، فلم يقبل منهن.

الجزء: 22 - الصفحة: 366

[48 - فصل: في زنى زوجة الغائب وهي حامل، وكيف ينفى الولد؟] قال في المدونة: وإذا شهدت بينة على امرأة بالزنى أنها زنت منذ أربعة أشهر، والزوج غائب منذ أربعة أشهر، وادعت هي الحمل، وصدقها النساء، فأُخرت حتى وضعت، ثم رجمت، ثم قدم الزوج فنفى الولد، وادعى الاستبراء؛ فإن كانت المرأة قالت قبل أن ترجم: ليس الولد منه، وقد استبرأني، نفى الولد بلا لعان أن مالكا قال فيمن ظهر بامرأته حمل قبل البناء فنفاه، وصدقته هي أنه من زنى، وأنه لم يطأها: فإنه ينفى بلا لعان وتحد هي.
قال ابن القاسم: وإن كانت بكراً جلدت، وبقيت له زوجة، وإن شاء أمسك، وإن شاء طلق، وغن لم تذكر المرأة قبل موتها الاستبراء في المسألة الأولى، وادعى الزوج الاستبراء، أو نفى الولد فلا ينفيه هاهنا إلا بلعان، وكذلك لو نفاه ولم يدع استبراء فإنه يلتعن وينفي الولد.
قيل: أليس من قول مالك: أن من لم يدع استبراء ونفى الولد ضرب الحد والحق به الولد؟ وقاله المخزومي.
وابن دينار قال: ليس ذلك قول مالك، ولكن قال مالك: إذا

الجزء: 22 - الصفحة: 367

رأى رجل امرأته تزني وقد كان يطأها قبل الرؤية؛ لاعن ونفى الولد، إلا أن يطأها بعد الرؤية فيلحق به الولد ويحد، وإن لم يطأها بعد الرؤية إلا أنها كانت حاملا يوم قال: رأيتها تزني، فإنه يلاعن، ويلحق به الولد، إذا كان حملها يومئذ بينا مشهودا عليه، أو مقرا به قبل ذلك؛ لأنه لم ينتف من الحمل، فإن لم يلتعن صار قاذفا وحد، ولحق به الولد.
وفي كتاب اللعان إيعاب هذا.

الجزء: 22 - الصفحة: 368

الباب [الحادي عشر]

في حد العبد والذمي

قال مالك: وحد العبد في الزنى خمسون جلدة، وفي الخمر والفرية أربعون جلدة.
قال ابن المواز: وأن عمر ابن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم "جلدوا عبيدهم نصف حد الحر في الخمر أربعين".
م لقوله عز وجل" في المملوكات: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ وليس على العبيد في الزنى رجم، لأن الله تعالى جعل عليهن نصف حد المحصنات، ولا نصف للرجم، ومعنى الإحصان هاهنا إحصان الفرية، لا إحصان النكاح؛ لأن الإحصان في اللغة ينصرف على وجوه: فمنه إحصان الفرية، وإحصان عفاف، وهو قوله عز وجل:

الجزء: 22 - الصفحة: 369

﴿والَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾، وإحصان بنكاح.
[49 - فصل: في العبد إذا ارتكب حداً أو جناية أو طلق ثم بان أنه عتق قبل ذلك فكا الحر] ومن المدونة قال مالك: وإذا زنى العبد أو قذف، أو شرب خمراً، ثم قامت بينة أنه عتق قبل ذلك؛ فإنه يكون له وعليه حكم الحر في ذلك كله، وفي القصاص بينه وبين الحر، وإن كان قد طلق زوجته تطليقتين بعد العتق جعلت له عليها الثالثة، علم العبد بعتقه في ذلك كله أو لم يعلم، كان السيد مقراً بالعتق أو منكراً، والقول في غلته وخدمته في كتاب العتق.
قال ابن المواز: ولو أقيم عليه حد العبد، ثم علق أنه كان حينئذ حراً؛ فليرجع عليه بحكم الحر.
يريد: يتم عليه حد الحر.
قال: ولو زنى وهو مملوك ثم عتق قبل الحد فليس عليه إلا حد

الجزء: 22 - الصفحة: 370

العبد وكذلك كل أمر جناه في رقه، وقاله مالك وأصحابه.
وكل من كان فيه بقية رق، من كتابة، أو تدبير، أو أم ولد، أو من بعضه حر، فحدهم حد العبيد، في جميع الحدود.
[50 - فصل في بعض أحكام أهل الذمة في الحدود والجنايات] قال مالك: وما تظالم به أهل الذمة بينهم من قطع جارحة، أخذ ذلك من بعضهم لبعض، وإن قتل ذمي ذميا؛ قتل به، وإن سرق ذمي من مسلم أو من ذمي؛ قطع؛ لأن هذا من الحرابة، ولا يقبل في شيء من ذلك إلا شهادة المسلمين، وإذا زنى الكافران لم يحدا، ويردا إلى أهل دينهما، وإن أعلنوا بالزنى، وشرب الخمر؛ فلينكلوا، فأما إن وجدوا على ذلك ولم يعلنوه فلا.
الأبهري إنما قال ذلك: لأن اظهارهم الزنى، وشرب الخمر بين

الجزء: 22 - الصفحة: 371

المسلمين، مما قد منعوا من إظهاره، فإن أظهروه عوقبوا، ولم يجب عليهم في ذلك حد؛ لأن الحد يطهر، والكافر لا يطهر.
ولأن ذلك من حقوق الله عز وجل فلا يقام عليهم كما لا يقام عليهم حد الكفر، فأما القتل، والسرقة، والقذف، فهو حذ لآدمي، فإن أتوا شيئا من ذلك وجب عليهم إقامة الحد.
[51 - فصل: إذا ارتكب النصراني ما يوجب الحد ثم أسلم] قال: وإن أسلم النصراني قبل أن يقام عليه حد القتل، والفرية، والسرقة؛ فإنه يقام عليه؛ لأنه حق لآدمي فهي لازمة له كالدين، ألا ترى أنها تقام على المسلم إذا أتاها، فكذلك إذا ارتكبها الكافر ثم أسلم، فأما حقوق الله عز وجل فلا يقام عليه، كحد الزنى، والخمر؛ لقوله عز وجل: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
[52 - فصل: في الذمي يزني بمسلمة، أو يستكره أمة، ووجه الفرق بينهما في الحكم] وإن زنى ذمي بمسلمة حدت وعوقب هو أشد العقوبة، ولا يقتل إلا أن

الجزء: 22 - الصفحة: 372

يكرهها.
الأبهري: ولو استكره أمة مسلمة، فعليه لسيدها ما نقصها، بكراً كانت أو ثيباً، ولا يقتل، وقاله الليث بن سعد.
وإنما قال ذلك: لأنه لا يجوز للنصراني أن يملك الأمة المسلمة بوجه؛ لأنه لو اشتراها أو ورثها لبيعت عليه، وكذلك لو اسلمت وهي في ملكه لبيعت عليه، فقد صح ملكه على هذه المسلمة بوجه ما، فلهذا لم يقتل.
وأما إذا استكره الحرة المسلمة؛ فإنه يقتل؛ لأنه لا يجوز أن يملكها بوجه، فما لا يصح له نكاحها ولا ملكها، فلا شبهة له فيها، فيقتل بنقضه العهد؛ لأنه إذا زال عهده صار حربيا، فوجب قتله إلا أن يسلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 373

الباب [الثاني عشر]

فيمن أفض زوجته أو أمته أو غيرها، أو وطئ امرأة في دبرها، أو قذف صبيا، أو صبية

[53 - فصل: فيمن أفض زوجته البكر، وأفض امرأة بالزنى] قال مالك: ومن دخل بزوجته البكر فأفضها ومثلها يوطأ، فماتت من جماعه؛ فإن علم أنها ماتت من جماعه، فديتها على عاقلته، وإن لم تمت فعليه ما شانها بالاجتهاد في ماله، وتبقى له زوجة إن شاء طلق أو أمسك، فإن بلغ الاجتهاد في ذلك ثلث الدية فأكثر؛ كان على العاقلة، وقد جعل في هذا بعض الفقهاء ثلث الدية على عاقلته، وجعلوا ذلك بمنزلة الجائفة.
وأن وطأ أمته فأفضها، فلا شيء لها، ولا تعتق عليه؛ لأنه لم يقصد إلى المثلة وهذا كالأدب يؤول إلى المثلة.

الجزء: 22 - الصفحة: 374

وإن زنى بامرأة فأفضها، فلا شيء عليه لها، إن أمكنته من نفسها، وإن اغتصبها فلها الصداق مع ما أشانها جميعاً، كمن أوضح رجلاً موضحة، فسقطت عينه من ذلك؛ فعليه دية الموضحة، ودية العين جميعاً، ولا يدخل بعض ذلك في بعض.
م: والفرق بين الزوجة إذا أفضاها، وبين الأجنبية إذا أطاعت: أن الزوجة واجب عليها تركه يطأها، ولا تستطيع الامتناع من ذلك؛ فلذلك كان عليه ما شانها.
والأجنبية الواجب عليها منعه، فلما طاعت له لم يكن لها عليه شيء، كما لو أذنت له أن يوضحها.
[54 - فصل في الوطء في الدبر] ومن وطأ امرأة في دبرها زنى؛ فعليه الحد، وهو وطء يغتسل منه، وقد جعله الله عز وجل وطأ، فقال: ﴿إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.

الجزء: 22 - الصفحة: 375

ومن آلى من امرأته فجامعها في دبرها فقد حنث، ويسقط عنه الإيلاء، ولزمته الكفارة.
قيل: أيسقط الإيلاء وهو لم يكفر؟ قال: نعم؛ لأن هذا عند مالك جماع لا شك فيه إلا أن يكون نوى الفرج بعينه حين حلف؛ فلا تلزمه كفارة في الدبر، وهو مولي بحاله.
وإن وطأها المولي فيما دون الفرج، ولا نية له؛ فعليه الكفارة، ويسقط عنه الإيلاء إذا كفر؛ لأنه لو كفر قبل أن يطأ لسقط عنه الإيلاء، فكيف إذا كفر للإيلاء.
وقال في كتاب الإيلاء: لا يفيء بالوطء دون الفرج، إلا أن الكفارة تلزمه بذلك الوطء، إلا أن يكون نوى الفرج فلا تلزمه الكفارة.

الجزء: 22 - الصفحة: 376

[55 - فصل: من قذف امرأة زنت في صغرها أو صبياً] ومن زنى بصغيرة لم تحض طائعة، ومثلها يوطأ فحد ثم قذفها رجل بعد أن بلغت؛ فإنه يحد؛ لأن ما فعلته في الصبا لم يكن زنى، وكذلك لو قذفها بالزنى وهي لم تبلغ المحيض، ومثلها يوطأ، فعليه الحد لما يلحقها من العار.
ولا يحد من قذف صبيا لم يحتلم وإن كان مثله يطأ، إذ لا عار يلحقه في ذلك.

الجزء: 22 - الصفحة: 377

الباب [الثالث عشر]

في البينة تتعمد النظر للزاني، وكيف إن قال الزاني: هم عبيد، أو القاذف للمقذوف: إنه عبد، وتعمد القاضي للجور

[56 - فصل: في البينة تتعمد النظر للزاني، واتهامه لهم بالرق] قيل لابن القاسم: وإن شهد أربعة على رجل بالزنى، فقالوا: تعمدنا النظر إليهما لنثبت الشهادة؟ فقال: وكيف يشهد الشهود إلا هكذا.
قلت: فإن قال المشهود عليه: هم عبيد، وقال الشهود: نحن أحرار، فهم على قولهم أنهم أحرار، والبينة عليه أنهم عبيد، وأصل الناس عند مالك على الحرية حتى يثبت رقهم.
أبو محمد: وقال أشهب: إن لم يعرفوا فعليهم البينة أنهم أحرار، كالتزكية يقيم الطالب أنهم عدول.

الجزء: 22 - الصفحة: 378

وقول ابن القاسم أبين؛ لأن تكليف التزكية إنما احدثت لكثرة ما أحدث الناس من الفساد.
[57 - فصل: قول القاذف للمقذوف إنه عبد] ومن المدونة: ومن قذف رجلا لا يعرف برقٍ وهو يدعي الحرية، وقال القاذف: بل هو عبد، فهو على الحرية، ومن يعرف البصري والشامي والأفريقي بالمدينة، فأرى أن يحد له إلا أن يأتي ببينة على رقه، فإن ادعى بذلك بينة قريبة لم يعجل عليه، وأن كانت بعيدة جلد الحد، ولم يلتفت إلى قوله، ثم أن أقام تلك البينة بعد الضرب زالت عنه جرحة الحد، وجازت شهادته، ولا يكون له من أرش الضرب شيء.
[58 - فصل: في تعمد القاضي للجور] وإن أقر القاضي أنه رجم، أو قطع الأيدي، أو جلد تعمدا للجور، أقيد منه.
وقد (أقاد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه فيما لم يظلم فيه أحدا)، "أقاد الخلفاء من أنفسهم فيما لم يتعمدوا فيه ظلما"، وذلك على التحرج منهم، والله عز وجل أعلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 379

الباب [الرابع عشر]

في السيد يقيم الحد على عبده، أو يقتص منه

قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقيم السيد على عبده حد الزنى، وحد الخمر، وحد القذف.
محمد: قال ابن القاسم: وهو قول مالك وأصحابه أجمع، والمدنيون كلهم.
قال ويحضر لجلده في الخمر والفرية رجلين، ويحضر في الزنى أربعة نفر عدول.

الجزء: 22 - الصفحة: 380

قال مالك: لأن العبد عسى أن يعتق يوما، ثم يشهد بين الناس فيجد من شهد عليه ما يرد به شهادته.
قال فيه وفي المدونة: وأما السرقة فلا، وإن شهد بها عليه غير السيد عدلان سواه؛ فلا يقيمها على العبد إلا الوالي.
قال في الجنايات: لأنها ذريعة إلى أن يمثل بعبده، ويدعي أنه سرق، قال هاهنا: فإن قطعة السيد دون الوالي، وكانت البينة عادلة، وأصاب وجه القطع؛ عوقب.
ولا يحد السيد عبده في الزنى إلا بأربعة شهداء سوى السيد، فإن كان السيد رابعهم فلا يحده هو، وليرفعه إلى الإمام فيقيم الإمام عليه الحد، ويكون السيد شاهدا، ألا ترى أن الإمام إذا شهد على حد فلم تتم الشهادة إلا به، أنه لا يقيم الحد في ذلك، ولكن يرفعه إلى من هو فوقه فيقيمه، ويكون هو شاهدا.
الأبهري: إنما قال: لا يقيم عليه السيد الحد بعلمه إلا بأربعة شهداء سواه؛ لأنه كالحاكم الذي لا يحكم بعلمه في رعيته.

الجزء: 22 - الصفحة: 381

قال: وقد قال: أن له أن يحده بعلمه؛ ووجه ذلك: بأنه لا يتهم في جلد عبده؛ لأن في ذلك إضرارا بماله، وإدخال النقص عليه، فصار في ذلك مخالفا للحاكم؛ لأن الحاكم لا يدخل عليه في ذلك ضرر في ماله فيتهم فيه.
[60 - فصل: فيمن زنت جاريته المتزوجة] ومن المدونة قال: ومن زنت جاريته ولها زوج فلا يقيم عليها الحد، وإن شهد عليها أربعة سواه، حتى يرفع ذلك إلى السلطان.
قال في المختصر، وكتاب ابن المواز: وهذا إذا كان زوجها حرا، أو مملوكا لغيره.
وأما إن كان الزوج عبدا له؛ فله أن يقيم عليها الحد.
الأبهري: إنما قال ذلك: لأن للزوج حقا في الفراش؛ وما يحدث له فيه من ولد فليس لسيد الأمة أن يفسده، ولا يدخل عليه فيه ضرر إلا بحكم، وجاز له ذلك في عبده؛ لأنه ليس بخصم لسيده.

الجزء: 22 - الصفحة: 382

قال أشهب: إلا أن يكون زوجها وغدا لا يلحقه عيب ذلك فله أن يقيمه عليها، قال: وكذلك المرأة في عبدها، وقد بلغني أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم "حدت مملوكها".
[61 - فصل: السيد لا يقيم القصاص على عبده] قال فيه وفي المدونة: ولا يقيم الرجل على عبده قصاصاً حتى يرفعه إلى الإمام، وكذلك إن كان العبدان له، فجرح أحدهما صاحبه فلا يقتص منه حتى يرفعه إلى الإمام.
وقال ناس: إن كان العبدان له فلا قصاص له عليهما؛ لأن ماله جرح ماله، وأبى ذلك مالك، قال: وله أن يقتص إن شاء بعد مطالعة الإمام، وثبات ذلك عنده.

الجزء: 22 - الصفحة: 383

الباب [الخامس عشر]

فيمن لا تجوز شهادته، وتجريح البينة، وقذفهم

ولا تجوز شهادة آكل ربا، أو شارب خمر، أو لاعب بالحمام، إذا كان يقامر عليها، ولا شهادة من يعصر الخمر ويبيعها، وإن كان لا يشربها.
وإذا طلب المشهود عليه تجريح البينة أمكن من ذلك فمن أقام البينة عليه بشيء أنه فيه مما لو شهد عند القاضي، فعلمه القاضي منه أبطل به شهادته، كان ذلك له تجريحا، وإذا ادعى الخصم بينة بعيدة في التجريح لم ينتظر؛ لأن الحق وجب، وإنما يتلوم له القاضي في التجريح بقدر ما يرى، فإن جرحهم وإلا مضى الحكم عليه.
وإن جرح واحداً من شهود الزنى وهم أربعة؛ حد جميعهم حد الفرية.

الجزء: 22 - الصفحة: 384

ومن شهدت عليه بينة بالزنى فقذفهم؛ حد للزنى، وحد لقذفهم حد الفرية، ولا تبطل شهادتهم بالزنى لطلبهم لحد القذف منه.
وأكثر هذا في كتاب الشهادات.

الجزء: 22 - الصفحة: 385

الباب [السادس عشر]

في شهادة الإمام أو القاضي، وكتبة قاض إلى قاض، ومن يقيم الحدود

[62 - فصل: في شهادة الإمام أو القاضي] قال مالك: وإذا شهد الإمام على حد، رفعه إلى من فوقه إذا كان معه غيره ممن يثبت الحد بهم، فإن لم يكن فوقه أحد رفعه إلى قاضيه، وشهد عنده.
محمد: روى ابن وهب أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لو رأيت رجلا على حد من حدود الله عز وجل ما أخذته ولا دعوت إليه أحداً حتى يكون معي غيري".
قال ابن شهاب: فيرى إن كان معه غيره ممن يجب بشهادتهم الحد، أن يرفعوه إلى السلطان.

الجزء: 22 - الصفحة: 386

قال ابن وهب: وأخبرني محمد بن عمرو، عن ابن جريج، أن سليمان بن عبد الملك في خلافته "رأى غلاماً له يزني، فهم بحده، فنهاه عمر بن عبد العزيز أن يأخذ بشهادته".
قال ابن وهب: وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتب إلى أبي موسى الأشعري: "أن لا ياخذ الإمام بعلمه ولا بظنه"، وقال ربيعة نحوه.
الأبهري: وإنما لم يحكم الإمام بعلمه؛ لانفراده بما يدعيه من العلم الذي لا يشاركه فيه غيره، وقد يجوز عليه الهوى والميل، وقد (ترك النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بعلمه في تركه قتل المنافقين بعلمه، وإقامة الحد

الجزء: 22 - الصفحة: 387

على المرأة التي أتت بالولد على النعت المكروه).
[63 - فصل: كتابة القاضي إلى قاض في الشهادة على الحدود والحقوق] وإذا كتب قاضٍ إلى قاضٍ بما ثبت عنده من شهادة على رجل في حد أو قصاص، أو حق سواه، أو بقضاء نفذه في ذلك كله، فثبت ذلك عند المكتوب إليه أن هذا كتاب القاضي الذي كتب إليه، وطابعه، أو كان له طابع فانكسر، أو ثبت أنه كتابه ولا طابع فيه، فذلك سواء، وينبغي لهذا الذي جاءه الكتاب إنفاذ ما فيه.
قال ابن المواز: وكذلك إذا ثبت ذلك عند القاضي الذي كتب

الجزء: 22 - الصفحة: 388

الكتاب في الزنى بأربعة عدول، فقبل شهادتهم، فعلى القاضي الذي جاءه الكتاب أن يقيم عليه الحد، وإن لم يشهد على الكتاب إلا شاهدان، قال: ويحضر له طائفة أربعة عدول فصاعدا يشهدون ضربه كما قال الله عز وجل: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وأقل الطائفة أربعة، فيجوز ذلك، ويتخلص بذلك من قال فيه بعد اليوم من حد القذف.
أبو محمد: وقال سحنون: إذا كتب قاض إلى قاض أنه شهد عندي أربعة على فلان بالزنى؛ فلا يقبل فيه إلا أربعة يشهدون على الكتاب الذي فيه شهادة الأربعة في الزنى؛ لأن بهذا الكتاب يتم الحكم.
وقال ابن القاسم: يجزئ فيه شهادة رجلين.
م: وقول سحنون عندي أبين، كالشهادة على الشهادة في الزنى.
قال في المدونة فإن عزل المكتوب إليه، أو مات، ووصل الكتاب إلى من ولي بعده؛ فلينفذه، وكذلك إن عزل الذي كتب به، أو مات قبل

الجزء: 22 - الصفحة: 389

وصوله، أو بعده؛ فلينفذه من وصل إليه، وإن لم تشهد البينة على ما في كتاب القاضي لم يلتفت إلى طابعه.
[64 - فصل: فيمن يجوز له أن يقيم الحدود من الولاة] ولا ينبغي أن يقيم الحدود ولاة المياه وليجلب إلى الأمصار، ومصر كلها لا يقام الحد فيها إلا بالفسطاط، او يكتب إلى والي الفسطاط، فيكتب إليه بأمره بإقامة ذلك.
وقد تقدم كثير من هذا الكتاب في كتاب الأقضية.

الجزء: 22 - الصفحة: 390

بسم الله الرحمن الرحيم صلى الله على سيدنا محمد وآله

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل