كتاب القراض
[الباب الأول]
في جواز القراض ووجع العمل به
[فصل 1 - في جواز القراض] قال الليث -رحمه الله-: كان القراض في الجاهلية فأقر وصار سنة في الإسلام, وعمل به عمر وعثمان رضي الله عنهما وصدر الأمة, واتبع فيه خلف الأمة سلفها وهو كالذي كان سن رسول الله * في المساقاة سواء, وذلك مستخرج بالرخصة من الإجارة المجهولة, وكاستخراج بيع العرية والشركة والتولية في الطعام, والعمل على ما جرى من سنته, ما لم يغير بفساد عقد أو شرط زيادة فيخرجه عن حد رخصته.
الجزء: 15 - الصفحة: 590
قال القاضي عبد الوهاب: ولا خلاف في جوازه بين الأمة, وإن اختلفوا في كثير من شروطه وأحكامه؛ ولأن الضرورة داعية إليه لحاجة الناس إلى التصرف في أموالهم وتنميتها والتجارة فيها, وليس كل أحد يقدر على ذلك بنفسه, وربما لم يدخل العامل في ذلك بأجرة معلومة؛ لأن العادة جرت من عهد الجاهلية إلى هذا الوقت بأن يعمل العامل بجزء من الربح, فلما كان الأمر كذلك أرخص فيه على ما أرخص في المساقاة.
[فصل - فيما يجوز القراض به]
ولا خلاف في جوازه بالدنانير والدراهم؛ لأنهما أصول الأثمان, وبهما يقوَّم ما عداهما من العروض وسائر المتلفات.
ومن المدونة, قال مالك -رحمه الله- لا تصلح المقارضة إلا بالدنانير والدراهم.
قال ابن القاسم: وقد ذكر بعض أصحابنا أن مالكاً سهل في القراض بِنَقْرِ الذهب والفضة, فسألت مالكاً عن ذلك فقال: لا يجوز.
وروى ابن وهب: أن مالكاً اختلف قوله في إجازة القراض به, وأجازه ابن وهب, وكرهه الليث وشدّد فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 591
قال القاضي عبد الوهاب: فوجه قوله في جواز القراض بهما؛ فلأنهما عين كالدنانير والدراهم؛ ولأن كل حكم تعلق بهما إذا كانا مسكوكين فإنه يعلق بهما إذا كانا تِبْرين من منع التفاضل في الجنس الواحد, ومنع الافتراق في الصرف, واتفاق حكمهما في الزكاة, فوجب أن يستوي حكمهما أيضاً في القراض.
ووجه قوله في المنع: أن عادة الناس لا يتصرفون في الشراء بها دون أن تضرب أو تباع, فأشبهت العروض, فإذا ثبت تعذر التعامل فيها وهي على ما هي عليه, احتاج العامل أن يبيعها بالدنانير أو بالدراهم ليحصل رأس المال من غيرهما, فلا يخلو أن يكون ذلك بأجرة أو بغير أجرة.
فإن كان بغير أجرة كان ذلك زيادة ازدادها رب المال على العامل, وذلك غير جائز في القراض؛ لأن من سنته التساوي, وعلى رب المال أن يسلم المال إلى العامل على وجه يمكنه التجارة به.
وإن كان بأجرة كان ذلك زيادة ازدادها العامل على رب المال من غير نماء المال, وحصل كأنه قارضه واستأجره بعقد واحد وذلك في الوجهين باطل؛ لأن
الجزء: 15 - الصفحة: 592
القراض أصل منقول عن بابه, فيجوز للضرورة, فلا يجوز أن يضم إليه عقد غيره؛ لأنه يخرج عن باب رخصته, ويصير إجارة مجهولة, فهذا وجه هذه الرواية.
قال ابن المواز/ عن ابن القاسم: فإن نزل القراض بالنَّقَار وعمل به, فربح أو خسر, أمضيته على ما تقارضا.
وقال أصبغ: لا يفسخ إذا نزل عمل به أو لم يعمل.
يريد: لقوة الاختلاف فيه.
قال ابن حبيب: فإن عمل به أو أراد المفاصلة: رد مثلها إن عرف وزنها, وإن لم يعرف فرأس ماله فيها الثمن الذي بيعت به أو العدد الذي خرج في ضربها, إلا أن يكون قال له: بعها أو استضر بها, فرأس ماله على ما باعها به, أو ما خرج في الضرب, عرفا وزنها أو لم يعرفا, وللعامل أجرته في الصرف أو الضرب إن كان لذلك مؤونة, ثم هو فيما حصل على قراض مثله.
م: قال بعض القرويين: ما الفرق بين أن يشترط دافعها ضربها أو بيعها وبين أن يدفعها بغير شرط ومآل أمرهما إلى ذلك؟ فيحتمل أن يريد: أن من شرَط بيعها
الجزء: 15 - الصفحة: 593
أو ضربها إنما أراد أن القراض إنما يكون بعد نضوض المال, ومن دفعها ولم يشترط ذلك جعلها قراضاً يوم دفعت, ومثلها لا تتغير ولا تختلف أسواقها فلا يفسد القراض.
وأجاز ابن القاسم القراض بها في البلد الذي يدار فيها التبر.
م: ليس بخلاف لقوله في المدونة؛ لأنه إذا كان يجوز البيع بها والشراء كالدنانير والدراهم فلا فرق بينهما.
[فصل 3 - القراض بالفلوس]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا يجوز القراض بالفلوس؛ لأنها تحول إلى الكساد والفساد, وليست عند مالك بالسَّكة البينة كالعين, وقد أخبرني عبد الرحيم: أن مالكاً كان يجيز شراءها بالدنانير والدراهم نظرة ثم رجع فكرهه, ولم يره كتحريم الدراهم بالدنانير, فلذلك كرهت القراض بالفلوس.
الجزء: 15 - الصفحة: 594
قال ابن حبيب: فإن نزل: مضى ورد فلوساً مثلها, إلا أن يكون شرط عليه أن يصرفها دراهم, ويعمل بالدراهم فيأخذ أجرة صرفه, ثم هو على قراض مثله في الدراهم.
ووقع في أمهات أشهب: أنه أجاز القراض بالفلوس؛ لأنها لما ضربت صارت بسبيل العين فيه.
قال ابن المواز: وأخبرني الحارث عن أشهب أنه لم يجز القراض بالفلوس.
قال ابن المواز: النَّقار أخف ولا يجوز بالفلوس وهي كالمعروض.
[فصل 4 - القراض لا يصح إلا بالنقد]
[المسألة الأولى: القراض بالطعام والعروض]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا خير في القراض بطعام أو عرض, كان مما يكال أو يوزن أو لا, للغرر بتغير الأسواق عند المفاصلة, ويفسخ ذلك, وإن بيع ما لم يعمل بالثمن, فإن عمل فله أجر مثله في بيعه وقراض مثله في الثمن, ولا ينظر إلى ما شرط له من الربح.
الجزء: 15 - الصفحة: 595
[المسألة الثانية: القراض على أن يشتري سلعة معينة]
وكذلك إن دفعت إليه مالاً قراضاً على النصف, على أن يشتري به عبد فلان, ثم يشتري بعد ما يبيعه ما شاء, فهو أجير في شرائه وبيعه, وفيما بعد ذلك له قراض مثله.
[المسألة الثالثة: القراض على أن يصرف هذه الدنانير ويعمل بها]
وكذلك إن دفعت إليه دنانير على أن يصرفها ثم يعمل بها, أو على أن يقتضي من غريمك ديناً ثم يعمل به, فله أجر الصرف أو التقاضي وقراض مثله إن عمل, وهو كمن ساقي نخلة وفيها ثمرة قد طابت, فله أجرة سقيه ونفقته في هذه الثمرة, وهي لربها, وفيما عمل بعد ذلك مساقاة مثله.
قال ابن حبيب: وسواء قال له: خذ هذا العرض قراضاً أو بعه واعمل به قراضاً, وله أجره في البيع والتقاضي وقراض مثله في الثمن.
وكذلك في كتاب محمد.
قال ابن حبيب: فإن باع المقارض ذلك العرض بعرض, ثم باع الثاني بعين ثم عمل, فإن كان إنما قال له: بعه واعمل به قراضاً, فرأس ماله الأكثر من قيمة العرض الأول أو من ثمن الثاني, وله أجرة في بيع الأول لا في الثاني.
الجزء: 15 - الصفحة: 596
قال أبو محمد: إنما له أجرة في البيع الأول عندي إذا أجاز بيعه إياه بالعرض, واختار ثمن الثاني, إذ هو أوفر من القيمة, وأما إن اختار قيمة الأول إذ هي أوفر فلا أجر له, لأنه تعدى.
قال ابن حبيب: ولو كان قال له: خذه واعمل به قراضاً والمسألة بحالها فرأس ماله قيمة العرض الأول.
م: يريد يوم باعه بالعرض.
قال: وله أجره في بيعه الأول, ولا/ ينظر في الثاني إلى ثمن ولا قيمة؛ لأنه من تجارتهما بعد.
قال أبو محمد: وهذا إذا باع الثاني بأكثر من قيمة الأول, فأما لو باعه بمثل قيمة الأول أو أقل لم يضمن شيئاً, وكان رأس المال ما باع به الثاني.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: إذا وجب عنده أن يكون قيمته هي رأس مال القراض فلماذا جعل له أجرة في بيعه؟
م: يريد لأنه متعد في بيعه العرض الأول بالعرض الثاني.
فلذلك ألزمه قيمته, فكان يجب أن لا أجر له في بيعه.
الجزء: 15 - الصفحة: 597
[المسألة الرابعة: المقارض يدفع السَّلعة إلى العامل قائلاً إنها
قامت بكذا فما كان من ربح فبيننا]
ومن المدونة, قال عبد العزيز: لا تدفع إليه سلعتك وتقول: قامت علي بكذا فما كان من ربح بعد ذلك فبيني وبينك, وهذا له أجر مثله فيما عمل, وما كان في سلعتك من ربح أو وضيعة فلك أو عليك.
قال أبو محمد: يظهر لي في مسألة عبد العزيز: أنه إن كان قصد إلى أن يعمل بالثمن ويكون ما قامت به رأس المال عند مفاصلتها أنه أجير في كل شيء؛ لأنها زيادة مشروطة إما لرب المال وإما للعامل, بخلاف القراض بالعرض؛ لأنه يوقت له ثمناً.
وهذا على أصل ابن القاسم, وأما عبد العزيز فيرى في كل قرض فاسد أجر مثله.
فصل [5 - القراض بالدين والوديعة والعارية والرهن]
ومن المدونة, قال مالك: وإن كان عند رجل دين فقلت له: اعمل به قراض: لم يجز, وكذلك لو أحضر, فقلت له: خذه قراضاً: لم يجز, إلا أن تقبضه ثم تعيده إليه.
قال ابن القاسم: خوفاً أن يكون إنما اعتدى أن يؤخره بالدين ثم يزيده فيه.
والوديعة مثله؛ لأني أخاف أن يكون قد أنفق الوديعة فصارت عليه ديناً.
الجزء: 15 - الصفحة: 598
ابن المواز: وكره ابن القاسم القراض بالوديعة حتى يحضرها, ولا بأس به عندي.
م: وهذا خلاف للمدونة؛ لأنه جعلها في المدونة كالدين, والدين لو أحضره: لم يجز أن يقول له: اعمل به قراضاً حتى يقبضه منه ثم يعيده إليه.
وفي العتبية جعله إن نزل مضى.
فصار في ذلك ثلاثة أقوال:
-قول: أنه كالدين: لا يجوز القراض به وإن أحضره حتى يقبضه منه.
-وقول: أنه إن أحضره: جاز, وإن لم يقبضه.
-وقول: أنه إن نزل: مضى وإن لم يحضره.
قال ابن القاسم في العتبية: كان مالك يكره القراض بالوديعة, فإن وقع: مضى والربح بينهما, ويصدق في التلف, وإن نزل في الدين: فليس له إلا رأس ماله, وربحه ووضعيته للعامل وعليه, وهو ضامن للدين بحاله, فأما إن نزل في الوديعة كانا على قراضهما في الربح, وكانت الوضيعة على رب الوديعة حتى يعرف أنه حركها قبل ذلك وضمنها فيكون كالدين.
الجزء: 15 - الصفحة: 599
وقال غير ابن حبيب وروى عن أشهب في الدين أنه قال: إن نزل مضى.
م: قال بعض فقهائنا القرويين: ولم يصدقه أشهب لو قال: خسرت فيه, إذ لا تبرأ ذمته إلا ببينة, وقد كان يشبه على مذهب ابن القاسم أن تبرأ ذمته إذا ادعى الخسارة على قول في من أمرته أن يشتري بمال له في ذمته سلعة فقال: اشتريها وضاعت, أو قال: أنفق في الدار, فقال أنفقت.
وفي الدار أثر يصدق قوله: أنه يقبل قوله أنه محدثه مع يمينه.
فأما إذا جاء بربح فيتقي في ذلك الحرام أن يكون هذا عوضاً للتأخر, وأنه لم تربح شيئاً.
ابن المواز: ومن أعرته دنانير فلا تدفعها إليه قراضاً حتى تقبضها, ولو كان عوضاً: لم يجز.
ومن لك عنده دنانير رهناً فقارضته بها: لم يجز حتى يردها, وإن كانت بيد أمين فلا ينبغي أن تعطيها للأمين قراضاً, حتى تؤدي الحق إلى ربه.
الجزء: 15 - الصفحة: 600
[فصل 6 - اشتراط يد العامل في القراض]
ومن المدونة: ولا يجوز أن يشترط عمل يد العامل لخفاف أو صناعة أو غيرها, فإن نزل: كان أجيراً, والربح والوضيعة لرب المال وعليه.
قال بعض فقهائنا القرويين وذكر في كتاب محمد: أنهما يكونان على قراضهما, وهذا يؤدي إلى جواز إجارة الدابة بنصف كسبها؛ لأنه أجر صنعته بثمن مجهول وهو جزء من الربح, وقد يكون أو لا يكون.
قال: ويجب أن تكون الصنعة التي عمل/ له؛ لأنه باعها بيعاً فاسداً ويده عليها, كقوله في من دفع إلى رجل فضة على أن يزيده من عنده ويعمل له خلخالاً فعمله: أنه يكون شريكاً بقدر ما أخرج: إذ يده عل ذلك, وأشار أن غيره يخالفه؛ لأنه ليس بصنعة عين قائمة, فهي كتمويه اللَّجام وهذا لا يكون فيه شريكاً, ويرد عليه ما أسلفه وتكون عليه إجارته, وكذلك المقارض فيما عمل بيده.
م: وقد قال يحيى بن عمر يكون أحق بما عمل من الغرماء حتى يأخذ إجارته.
قال أبو محمد: يريد حتى يأخذ إجارته فيما عمل في القراض, ونحى بعض فقهائنا القرويين أنه أحق بما عمل حتى يأخذ إجارته فيما عمل في القراض.
قيل له: فابن المواز قال في المقارض إذا رد إلى الإجارة لا يكون أحق بالربح من الغرماء.
قال: الأشبه أن يكون أحق به, والذي في المدونة يحتمل أن يكون سلَّم ما بيده فلهذا قال إنه: لا يكون أحق بربح المال الذي بيده, فهذه إشارة أنه سلم ما بيده.
الجزء: 15 - الصفحة: 601
م: وظاهر المدونة وكتاب محمد: أه لا يكون أحق بالربح في إجارته القراض, وعلى هذا حمله أبو محمد, وهو أبين.
والله أعلم.
[الباب الثاني]
في المقارضة على الأجزاء والتداعي فيها
[فصل (1) المقارضة على الأجزاء]
[المسألة الأولى: الرجل يعطي الرجل مالاً يعمل
فيه قراضاً والربح للعامل]
قال ابن القاسم: وتجوز المقارضة عند مالك على النصف أو الخمس أو أكثر من ذلك أو أقل.
قلت: فإن أعطيته مالا قراضا على أن الربح للعامل قال: ذلك جائز.
وقد قال مالك في من أعطى مالاً يعمل به على أن الربح للعامل, ولا ضمان عليه: أنه لا بأس به, وكذلك إن أعطاه نخلاً مساقاة على أن جميع الثمرة للعامل فلا بأس به.
ابن المواز: إن قال رب المال للعامل حين دفع المال إليه: خذه قراضاً والربح لك: جاز, وكان الربح للعامل, ولا يضمن المال إن خسر أو تلف, والقول فيه قول العامل, وإن لم يقل له خذه قراضاً وإنما قال: خذه واعمل به والربح لك: جاز أيضاً؛ لأن الربح للعامل وهو ضامن لما خسر, يريد: إلا أن يشترط أن لا ضمان عليه فلا يضمن.
الجزء: 15 - الصفحة: 602
[المسألة الثانية: المقارض يدفع إلى العامل مالاً
ولم يسم ماله من الربح]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل مالاً قراضاً ولم يسم ماله من الربح, وتصادقا على ذلك: فله قراض المثل إن عمل.
وكذلك إن قال له: لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا على ذلك: كان على قراض مثله إن عمل.
وقال غيره: إذا قال لك شرْك في المال ولم يسمه وتصادقا: فذلك النصف.
[المسألة الثالثة: المقارض يدفع مالاً للعامل على النصف ثم يجعلاه
على الثلثين]
قال ابن القاسم: وأن أعطيته قراضاً على النصف, ثم تراضيتما -بعد أن عمل- على أن يجعلاه على الثلثين لك أو له: جاز.
قال ابن حبيب: إن كان المال حين تراضيتما عيناً لا زيادة فيه ولا نقص, وقد حركة أو لم يحركه: فلا بأس به , وإن كان فيه زيادة أو نقص, أو كان في سلع: لم يجز.
الجزء: 15 - الصفحة: 603
م: وقول ابن القاسم أولى؛ لأن المال إن كان عيناً فكأنهما الآن ابتدآ بالعقد؛ لأن القراض لا يلزم بالعقد, ولمن شاء حله ما لم يُشغل المال في سلع, أو يظعن به في سفر, وإن كان المال في سلع فهي هبة, تطوَّع أحدهما بها لصاحبه, وهبة المجهول جائزة.
ووجه قول ابن حبيب: أنه إن كان المال عيناً وفيه ربح أو وضيعة فقد ملكا قَسْمَه, فكان أحدهما زاد الآخر لبقاء الأمر بينهما, وكذلك إن كان المال في سلع, إذ قد يدعو أحدهما إلى بيعها والمفاصلة فيها, فكأنه زاده في جزءه, ليماديه على القراض, والله أعلم.
م: قال بعض القرويين: إن كان بعد أن عمل, وكان لرب المال الثلثان فجعل لنفسه الثلث, فتلك هبة مقبوضة, مات رب المال أو أفلس, وإن كان للعامل الثلثان, فجعل لرب المال الثلثين, فهو هبة منه, فإن مات العامل أو أفلس قبل قبض/ رب المال ما وهبه: سقطت الهبة.
قال: ولا يجوز هدية رب المال للمقارض ولا للمقارض له.
الجزء: 15 - الصفحة: 604
قال: وقد أجاز محمد ترك العامل النفقة بعد اشتغال المال, وذلك هبة من العامل؛ لأن النفقة واجبة له بالسفر, ولم يجز تركه لذلك قبل اشتغال المال.
م: يريد لأنه يصير كأنه اشترط ترك النفقة في العقد فلم يجز ذلك.
[المسألة الرابعة: مقارضة رجلين لأحدهما ثلث الربح وللآخر سدسه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلين على أن لك نصف الربح, ولأحدهما الثلث, وللآخر السدس لم يجزكما لو اشترك العاملان على مثل هذا لم يجز؛ لأن أحدهما يأخذ بعض ربح صاحبه بغير شيء.
م: ويجب على هذا -إن كان رب المال اشترط ذلك عليهما-: أن يفسد القراض ويكون العاملان فيه أجيرين.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن نزل ذلك: فسخ القراض بينهما, ما لم يعملا, فإن فات بالعمل: كان نصف الربح لرب المال والنصف بين العاملين على [ما] شرطا, ويرجع صاحب السدس على صاحب الثلث بإجارته في فضل جزئه.
وقاله ابن حبيب: إلا أن يكون ذلك أكثر مما فضله به من الربح.
قال ابن المواز: ولو شرطا العمل على قدر أجزائهما من الربح لكان مكروهاً, إلا أن ذلك إن نزل: مضى.
قيل: فإن خسرا, أيكون لهما أجر مثلهما على رب المال؟ قال: لا شيء على رب المال, وإنما الكلام فيما بين العاملين.
الجزء: 15 - الصفحة: 605
م: لعله أراد أن رب المال اشترط لنفسه نصف الربح, وتشاركا هما على أن لهما النصف على الثلث والثلثين, والعمل بينهما نصفان, فيكون إنما دخل الفساد في اشتراطهما لأنفسهما, فلذلك جعل أن لا أجر لهما إن خسرا, وأن الربح بينهما على شرطهما, ويرجع من له فضل على صاحبه كشركاء المال يشترطان ذلك فانظر.
[المسألة الخامسة: المتقارضان يشترطان ثلث الربح للمساكين]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمساكين: جاز ذلك, ولا أحب لهما أن يرجعا فيه, ولا يقضي بذلك عليهما.
فصل [2 - المتقارضان يختلفان في أجزاء الربح]
قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على [الثلث] والثلثين ولم يبين لمن الثلثان: فالقول قول العامل أن الثلثين له والثلث لرب المال, كما لو ادعيا ثلثي ذلك: لكان القول قول العامل أن الثلثين له, فكذلك هذا.
الجزء: 15 - الصفحة: 606
قال ابن المواز: إذا أقرا أنهما لم يبينا لمن الثلثان: جعلته لمن يشبه أن يكون ذلك له, فإن كان يشبههما جميعاً: جعلته للعامل ويحلف إن أدعى ذلك.
م: وإنما يكون القول قول العامل إذا اختلفا بعد العمل, فقال العامل كان نيتي أن الثلثين لي, فالقول قوله ويحلف أنه كذلك نوى, فإن نكل حلف رب المال على ما نوى بمنزلة ما إذا تداعيا ذلك لفظاً.
م: وقال بعض فقهائنا القرويين: إذا أدعى كل واحد أنه فهم عن صاحبه أنه صيَّر له الثلثين, فذلك كتصريح الدعوى, والقول قول العامل إذا أشبه.
وأما إن قال كل واحد منهم: لم أفهم عن صاحبي شيئاً إلا أنَّي ظننت أنَّي ظننت أنَّي المَعْني بالثلثين: فكان يجب أن يكون الربح بينهما نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم الثلث لصاحبه, واستوت دعوهما في الثلث الباقي, فيقسم بينهما نصفين.
م: ويلزم على هذا أن لو بيَّنا الدعوى لفظاً أن يقسم بينهم أيضا نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم لصاحبه الثلث, واستوت دعواهما في الثلث الباقي, ولكن لما كان العامل حائزاً, وجب أن يكون القول قوله في تساوي الدعوى, كتساوي
الجزء: 15 - الصفحة: 607
البينتين أن القول قول الحائز, ولا فرق أيضاً بين قوله فهمت, ولا بين قوله: ظننت؛ لأنه لا يظن أنه المَعنَّي بالثلثين إلا بما فهم من قول صاحبه, والله أعلم.
ومن المدونة, وقال مالك: وإذا اختلف المتقارضان في أجزاء الربح قبل العمل, فقال رب المال دفعته على أن الثلث للعامل, وقال العامل: بل على الثلثين لي: رد المال إلا أن يرضى العامل بقول رب المال/, وإن اختلفا بعد العمل: فالقول قول العامل كالصانع إذا جاء بما يشبه, وإلا رد إلى قراض مثله.
قال ابن القاسم: وكذلك المساقاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: القول قول العامل مع يمينه إن ادعى ما يشبه, وإن ادعى ما يستنكر: صدق رب المال ويحلف, فإن ادعى مستنكراً فللعامل قراض مثله.
وقاله أشهب.
قال: وقال الليث: إن لم يكن لهما بينة حملا على قراض المسلمين, وهو النصف.
ومن المدونة, قال مالك: وإن ادعى أحدهما ما لا يجوز, مثل أن يدعي: أن له من الربح مئة درهم ونصف ما بقي أو ثلثه, وادعى الآخر: أن له النصف أو الثلث من الجميع: صدق مدعي الحلال منهما إذا أتى بما يشبه.
الجزء: 15 - الصفحة: 608
م: ولو كان رأس المال أنفاً, فادعى العامل: أنه شرط ربح مئة له ونصف ربح ما بقي, وقال رب المال: بل النصف لك فقط: فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه؛ لأنه ادعى أن له عشر الربح ونصف تسعة أعشار ما بقي, وهو أن له أحد عشر جزءاً من الربح, ولرب المال تسعة أجزاء, فيكون لرب المال أربعة أعشار الربح ونصف عشرة, وللعامل خمسة أعشاره ونصف عشره, فيكون كمن ادعى الثلثين ورب المال للثلث.
ولو ادعى أنه له ربح مئة معينة ونصف ما بقي: لكان القول قول رب المال؛ لأنه مدعي الصحة والعامل مدعي الفساد, فهو كما لو ادعى ما لا يشبه؛ لأنه ادعى ربح مئة لا يخلطها مع بقية المال, وذلك فاسد, وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا المعنى.
الجزء: 15 - الصفحة: 609
[الباب الثالث]
باب في نفقة العامل وكسوته
[فصل 1 - نفقة عامل القراض في السفر]
والقضاء: أن للعامل النفقة في مال القراض إذا شخص للسفر به لا قبل ذلك.
قال ربيعة: ولولا نفقته إذا شخص ما حل ذلك.
قال ابن المواز: ولا يأكل العامل من المال, وإن وقف على الخروج وقُرَّبت إليه دابته حتى يخرج, فحينئذٍ يأكل منه, قرب السفر أو بعد إن كان المال يحمل ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب: وهي مسألة إجماع في سائر الأعصار إلى زمن الشافعي, فذكر بعض أصحابنا: أنه اختلف فيها قوله, فذهب في آخر أقواله وهو المشهور عنه: أن لا نفقة له في السفر, كما ليس له ذلك في الحضر.
قالوا: ولأن سفره بالمال ضرب من التصرف فيه, كتصرف الحاضر, فلا يستحق بذلك زيادة.
قالوا: ولأنا وجدنا كل من رضي من عمله بأجر, فلا يستحق نفقة, إلا أن يشترطها من ذلك الأجير والوكيل والصانع, فكذلك العامل.
الجزء: 15 - الصفحة: 610
قال عبد الوهاب: ودليلنا ما ذكرنا ما ذكرناه من الإجماع في سائر الأعصار, ولم يختلف فيه أحد من أهل العلم إلى زمن المخالف, وقد صار ذلك عرفاً بين الناس, والعرف كالشرط.
وقد اتفقنا: أن للعامل أن يستأجر من يكفيه مؤنه الحمولة والخدمة فكذلك يجوز أن ينفق منه على نفسه؛ لأن سفره لأجل تنمية المال, والفرق بينه وبين الحاضر أن: الحاضر لو لم يكن بيده قراض لم يكن له بد أن ينفق على نفسه وعياله, والمسافر قد التزم نفقة الخروج زيادة على ما يحتاج إليه في حضره.
م: وإن شئت قلت: العرف جرى ألا ينفق منه الحاضر وينفق منه المسافر, وهذه سنة القراض, وإنما أقر وأرخص فيه على ما كان في الجاهلية فمن اشترط خلاف ما كان عليه, فقد أحال القراض عن رخصته, وأخرجه عن بابه فيكون فيه أجيراً.
وبالله التوفيق.
[فصل 2 - نفقة عامل القراض في الحضر]
ومن المدونة, قال مالك: وإذا كان العامل مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة.
قال الليث: إلا أن يشغله البيع فيتغذى بالأفلس.
ابن المواز: وأباه مالك وقال: من اشتغل في الحضر في تجارة القراض فلا يأكل منه.
الجزء: 15 - الصفحة: 611
[فصل 3 - متى يبدأ المقارض في الإنفاق على نفسه من مال القراض إذا أراد السفر؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولا ينفق/ منه في تجهيزة سفر حتى يظعن, فإذا شخص من بلده كانت نفقته في سفره من المال في طعامه, وفي ما يصلحه بالمعروف في غير سرف ذاهباً وراجعاً إن كان المال يحمل ذلك, ولا يحاسب في ربحه ولكن يلغي, وسواء في ذلك قرب السفر أو بعد, وإن يشتر شيئاً, وله أن يرد ما بقي بعد النفقة إلى صاحبه, فإذا وصل إلى مصره لم يأكل منه.
قال ابن المواز: ينفق في مسيره ورجوعه, رجع إلى بلده أو بلد رب المال.
[فصل 4 - كسوة عامل القراض]
ومن المدونة, قال مالك: وله أن يكتسي منه في بعيد السفر إن كان المال يحمل ذلك, ولا يكتسي في قريبه إلا أن يكون مقيماً بموضع إقامة يحتاج فيه إلى الكسوة.
قال ابن حبيب: من قول مالك: أنه ينفق في قريب السفر وبعيده, في ركوبه وطعامه, ولا يكتسي إلا في بعيدة.
قال عبد الوهاب: لأن الذي يستحق من ذلك قدر ما تدعوه الحاجة والسفر القريب لا يحتاج إلى كسوة, فلم يجز أن يأخذ ما لا يحتاج إليه, فإذا طال احتاج
الجزء: 15 - الصفحة: 612
إليها فأبيح له أخذها, وأما الطعام فهو محتاج إليه في قريب السفر وبعيده, ولو قلنا: أنه لا يستحق نفقة ولا كسوة, لأحاطت نفقته وكسوته في سفره بربحه المشترط فيذهب عناؤه باطلاً.
قال ابن حبيب: وذلك كله في كثرة المال, فإن كان المال, قليلاً فلا نفقة له ولا كسوة ولا ركوب.
قال ابن المواز: وليس في كثرة المال حد, غير أن الخمسين والأربعين عندي كثير.
[فصل 5 - هل لمن بعث لشراء بضاعة أو بيعها نفقة وكسوة؟]
قال ابن المواز: والبضاعة مثل القراض, ينفق منها كما ينفق من القراض إن كانت كثيرة, وأما القليلة فلا.
وكذلك هو في الكسوة مثل القراض, قيل: فإذا بعث معه بضاعة ليشتري له بها سلعة, أينفق منها قبل أن يشتري منها؟.
قال: نعم.
وكذلك لو بعث معه سلعة ليبيعها له فلينفق إن باع, وإن كان ذلك على وجه المعروف.
الجزء: 15 - الصفحة: 613
م: قد جرى العرف في النفقة والكسوة في القراض, وظاهر أمرهم في البضاعة أنه إن كان الخروج لها ومن أجلها فيجب أن يكون له نفقته وأجرته.
وإن كان إنما خرج لتجارة نفسه فبعث معه بضاعة أو مالاً لشراء سلعة, فالعرف عندنا أنه لا شيء له فيجب أن يحمل عليه.
[فصل 6 - العامل يقيم بغير بلده ويأخذ قراضاً هل له نفقة؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن قدم الفسطاط, فأخذ مالاً قراضاً على أن يقيم يتجر بالفسطاط وليست ببلده, فإنه ينفق منه في مقامه؛ لأن المال حبسه بها إلا أن يوطنها أو ينتقل لسكناها.
وإن لم يكن له به أهل فلا نفقة له.
قال: ولو خرج بالمال إلى بلد فنكح بها, فإنه إذا دخل وأوطنها, فمن يومئذٍ تكون نفقته على نفسه.
ولو أخذ مالاً قراضاً بالفسطاط وله بها أهل, فخرج به إلى بلد له بها أهل: فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله.
ولو أخذه في بلد ليس فيه أهله, ثم خرج إلى بلد فيه أهله, فتجر هنالك, فلا نفقة له في ذهابه إلى أهله ولا في إقامته عندهم, وله النفقة في رجوعه.
الجزء: 15 - الصفحة: 614
وروى البرقي عن أشهب في من أخذ قراضاً بالفسطاط, وله لها أهل وأهل بالإسكندرية, فخرج إلى الإسكندرية: أن له النفقة في ذهابه ورجوعه, ولا نفقة له في إقامته في أهله, وقال به البرقي.
قال سحنون: وليس للمقارض أن يسافر بالمال القليل سفراً بعيداً, إلا أن يأذن له رب المال.
[فصل 7 - في التاجر الحاج يأخذ مالاً قراضاً]
ومن المدونة, قيل لمالك: فإن عندنا تجاراً يأخذون المال قراضاً, يشترون به متاعاً يشهدون به الموسم, ولولا ذلك ما خرجوا.
هل لهم في المال نفقة؟ , فقال: لا نفقة لهم ولا لحاج ولا لغاز في مال القراض في ذهاب ولا في رجوع.
قال ابن المواز: قال أصبغ: ولا في إقامته في الحج, إلا أن يقيم بعد انقضاء الحج للمال خاصة, فيكون له النفقة من يومئذٍ.
[فصل 8 - في المقارض يأخذ قراضين, أو يأخذ مع القراض مال نفسه]
ومن المدونة, قال مالك: ومن تجهز لسفر بمال أخذه قراضاً من رجل, واكترى
الجزء: 15 - الصفحة: 615
وتزود, ثم أخذ قراضاً ثانياً من غيره, فليحسب نفقته وركوبه على المالين بالحصص.
وكذلك إن أخذ مالاً/ قراضاً فسافر به, وبمال نفسه فالنفقة على المالين.
قال مالك: وإن خرج في حاجة لنفسه, فأعطاه رجل قراضاً؛ فله أن يَفضَّ النفقة على مبلغ قيمة نفقته في سفره ومبلغ القراض, فيأخذ من القراض حصته ويكون باقي النفقة عليه.
قال في كتاب ابن المواز والعتبية: ينظر قدر نفقته, فإن كانت مئة والقراض سبع مئة, فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال ابن المواز: وهذا الاستحسان عن مالك, ونحن نقف عنه.
وأخبرنا ابن عبد الحكم بخلافه: أنه لا نفقة له, وذلك أحب إلينا كمن تجهز إلى أهله.
فصل [9 - في المقارض يستأجر الأجراء والبيوت وغيرها]
ومن المدونة, قال مالك: وللعامل أن يواجر أجراء للأعمال التي لا بد له من ذلك فيها, ويكتري البيوت والدواب لما يحمل أو يخزن, وله أن يواجر من مال
الجزء: 15 - الصفحة: 616
القراض من يخدمه في سفره إن كان المال كثيراً, وكان مثله لا يخدم نفسه.
وليس للعامل أن يهب من مال القراض شيئاً, ولا يولي ولا يعطي عطية, ولا يكافي -يكارم منه- فيه أحداً, فأما أن يأتي بطعام إلى قوم ويأتون بمثله فأرجوا أن يكون ذلك واسعاً له, إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم, فإن تعمد ذلك بغير إذن صاحبه فليتحلل صاحبه, فإن حلله فلا بأس له, وإن أبى فليكافئه بمثله إن كان شيئاً له مكافأة.
[فصل 10 -] في نفقة العامل من ماله وزيادته من عنده
في كراء أو صبغ أو قصارة
قال ابن القاسم: وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه: رجع به في مال القراض, فإن هلك المال: لم يلزم رب المال شيء, وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً, أو اكترى له دواب من ماله, فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المبتاع كراءه مبدأ, لا حصة له من الربح, ولو
الجزء: 15 - الصفحة: 617
اغترق الكراء ثمن المبتاع: أخذه كله, ولو زاد الكراء على ثمنه لم يكن له على رب المال شيء في الزيادة, ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع, يريد: فإن أدى الكراء رب المال لم يكن على الشركة ويرجع فيأخذه من مال القراض مبدأ.
قال ابن القاسم: وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده فذلك كزيادة في ثمن السلع على السلف لرب المال, فإما دفع إليه رب المال ما ودّي وكانت على قراضه, وإلا كان العامل شريكاً بما ودَّي؛ لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال ابن المواز: إن زاد من ماله في ثمن السلعة على أن ذلك لنفسه, فهو بذلك شريك, ولا خيار فيه لرب المال, وكذلك إن زاد في الصبغ والقِصارة, وإن زاد ذلك سلفاً لرب المال فرب المال مخير كما هاهنا.
ومن المدونة وقال ابن القاسم: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض, يريد: ولكن يكون فيه شريكاً, ولا يلزم العامل أن يعمل له فيه, فأما أن يقاسمه, أو يأتي بمن يعمل معه فيه.
الجزء: 15 - الصفحة: 618
قال غيره: لأن هذا كقراض ثان على أن يخلط بالأول بعد أن عمل بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف؛ لأن هذا كقراض ثان قبل اشتغال المال الأول, وذلك أنه إنما صبغ الثياب بعد الشراء, فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض, وله أن لا يعطيه ذلك وأن يُضمَّنه قيمة الثياب, زاد في رواية سليمان بن سالم: فإن كان في القيمة فضل كان للعامل حصته منه, وإن أبى رب العامل أن يُضَمَّنه كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على قول من ذهب إلى أن الغاضب إذا صبغ ثوباً غصبه: أن رب المال إن لم يشأ أن يضمن الغاصب قيمة ثوبه, ورغب في عين ثوبه, ولم يشأ أن يدفع قيمة الصبغ: أنه يكون شريكاً للغاصب, وليس هذا المعهود من القول, وإنما يقول ابن القاسم: أنه بالخيار إن شاء أغرمه قيمة ثوبه أو أخذه/ ودفع إليه قيمة الصبغ فقط, وأشهب يرى: أن يأخذ ثوبه ولا شيء للغاصب في صبغة كتبييض الدار, وخياطة الثوب.
الجزء: 15 - الصفحة: 619
[الباب الرابع]
باب في زكاة مال القراض
قال مالك: ولا يزكي العامل رأس مال القراض ولا ربحه, وإن أقام بيده أحوالاً حتى ينض المال ويحضر ربه فيقتسمانه؛ لأنه لا يدري أرب المال حي أم ميت؟ أم عليه دين؟ فإن كان العامل يدير زكَّيَا لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض, فإن كان في أول سنة قيمة المبتاع مئة, والسنة الثانية مئتين, والسنة الثالثة ثلاث مئة, زكى كل سنة قيمة ما كان يساوي المبتاع فيها إلا ما نقصت الزكاة كل عام.
قال ابن القاسم: وإن أخذ العام تسعة عشر ديناراً, فعمل بها يوماً وقد كان تم لهذه التسعة عشر ديناراً حولاً عند رب المال, ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما؛ لأن رب المال لم يكن له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
قال أشهب عن مالك: عليهما الزكاة, وقاله ابن الماجشون.
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه, فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصَلا زكى رب المال لتمام حوله, ولا يزكي العامل حصة ربحه
الجزء: 15 - الصفحة: 620
حتى يتم حول من يوم اقتسماه, وفي ربحه عشرون ديناراً, إن كان له مال قبل ربحه, إذا أضافة إلى ربحه بلغ ما يجب فيه الزكاة, فليزكيه لتمام حول من يوم اقتسماه؛ لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية, وقد تقدم إيعاب هذا في الزكاة.
الجزء: 15 - الصفحة: 621
[الباب الخامس]
في تلف المال بيد العامل وتجره فيما بقي
[فصل 1 - تلف بعض مال القراض بيد العامل ثم يعمل فيما بقي فيربح]
والقضاء في القراض ألا يقسم فيه ربح إلا بعد كمال رأس المال, وأن المقارض مؤتمن لا يضمن ما هلك بيده إلا أن يتعدى فيه.
قال مالك: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده, أو خسره, أو أخذه اللصوص, أو العاشر ظلماً: لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما فيه ربح أصل المال, فما بقي تمام رأس المال الأول كان بينهما على ما شرطا, ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال, ففعلا وأسقطا الخسارة, فهو أبداً على القراض الأول, وإن حاسبه وأحضره, ما لم يقبضه منه ثم يرده إليه.
قال أصبغ: على باب الصحة والبراءة.
وقال ابن حبيب: إذا لقي العامل رب العامل رب المال وأخبره بما نقص رأس المال, فقال له: اعمل بالذي بقي, فقد أسقطت عنك ما ذهب.
فهو قراض مؤتنف إذا
الجزء: 15 - الصفحة: 622
بيَّنه هكذا, أحضر المال أو لم يحضره, قبضه أو لم يقبضه ربه, وكذلك لو ربحا فاقتسما الربح, ثم قال اعمل بما بقي في يديك, كان قراضاً مؤتنفاً إن لم يقبض منه المال.
قاله ربيعة ومالك والليث ومطرف وابن الماجشون, ومن لقيته من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه قال: هما على القراض الأول.
قال أبو محمد بن أبي زيد: الذي ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم هو قول ربيعة ومالك والليث, ذكره ابن المواز, وقل أخبرني أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يجوز أن يتفاصلا حتى يحضر جميع المال ثم يقبض رأس المال ثم يقتسمانه الربح.
[فصل 2 - العامل يستهلك بعض مال القراض ثم يتاجر فيما بقي فيربح]
ومن المدونة, قال مالك: وليس ما استهلك العامل من المال مثل ما ذهب أو خسر؛ لأن ما استهلك قد ضمنه, ولا حصة لذلك من الربح؛ لأنه تمام رأس المال, وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما شرطا, وعلى العامل غرم النصف فقط ولا ربح لذلك النصف.
وإن أخذ مئة قراضاً فربح فيها مئة, ثم أكل منها مئة, لم تجر في المئة الثانية/ فربح مالاً فمئة في ضمانه وما بقي في يده مع ما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا, ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المئة التي في ذمته: ضمنها لرب المال, ولا تعد ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.
الجزء: 15 - الصفحة: 623
قال بعض فقهاء القرويين: هذا صواب كله ما لم يفلس العامل فإن فلس وقد كان أخذ مئة فأكل منها خمسين قبل أن يتجر, ثم تجر في الخمسين الباقية فصارت مئة ثم فلس, فيجب على مذهب ابن القاسم أن يكون أحق بالمئة من الغرماء ويبقى عنده خمسون فيحاص بها الغرماء؛ لأن الربح أولى أن يجبر به رأس المال من أن يكون للعامل, كما لو ضاع من المال خمسون فتجر في الخمسين الباقية فصارت مئة أن رب المال أولى بها, أو لا ترى أن ابن القاسم قال في الذي دفع إليه ثمانين فضاع منها أربعون فدفعها إلى غيره فتجر فيها فصارت مئة أن رب المال يأخذ ثمانين, ويكون أولى بها من العامل الثاني ثم يأخذ نصف الربح عشرة, والعامل الثاني هاهنا أكرى من الغرماء؛ لأنه هو الذي نَّمى المال فلم يجعله أحق بجزئه من الربح لما كان رب المال له خبر ما كان في ماله من الخسارة.
م: وقال غيره: بل يأخذ من المئة التي بيده خمسين رأس ماله وخمسة وعشرين حصته من الربح, ويُحاص في الخمسة والعشرين بقية الربح بالخمسين التي عليه وذلك بخلاف ضياع الخمسين؛ لأن رب المال لا مرجع له على الذي ضاعت له الخمسين, وله على الذي أكلها الرجوع بها فافترقا, وكذلك العامل في الأربعين له الرجوع على العامل الأول فلذلك كان رب المال أولى بجبر رأس المال منه.
م: والقول الأول أصوب لأن رب المال أولى بجبر رأس المال, وأما الذي دفع إليه مئة فيها فصارت مئتين, ثم أكل مئة ثم تجر في المئة الباقية فصارت مئتين
الجزء: 15 - الصفحة: 624
فعلى ما ذكرنا عن ابن القاسم: يجب أن يأخذ المئة فيكون أحق بها؛ لأنها رأس ماله, ويأخذ خمسين من المئة الباقية حصته من الربح, ويضرب بخمسين حصته من الربح من المئة التي أكل؛ لأنها صارت ربحاً فيضرب بها في الخمسين الباقية من الربح مع غرماء العامل.
وعلى التأويل الثاني: يجب أن يكون ما أكل نصفه من رأس المال ونصفه من الربح, فيكون الباقي من رأس المال خمسين فيأخذها, ويأخذ نصف ما بقي, وهو خمسة وسبعون حصته من الربح, ويضرب في الخمسة والسبعين الباقية رأس المال الذي أكل العامل وبنصف الخمسين الباقية مما أكل؛ لأنها حصته من الربح المأكول, فيضرب في هذه الخمسة والسبعين بهذه الخمسة والسبعين المستحقة قبل العامل مما أكل.
فاعلم ذلك.
[فصل 3 - مال القراض يُجني عليه جناية تنقصه]
ومن المدونة: وإن اشترى بالقراض وهو مئة دينار عبدا يساوي مئتين, فجني عليه رب المال جناية نقصته مئة وخمسين, ثم باعه العامل بخمسين, فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً لرأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسب عليه, فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
ابن المواز قال ابن القاسم: ولو أخذ مئة قراضاً, فأخذ اللصوص خمسين, فآداه ما بقي فأتم له المئة لتكون هي رأس المال, فإن رأس المال في هذه خمسون ومئة حتى
الجزء: 15 - الصفحة: 625
يقبض ما بقي على المفاصلة, وكذلك لو رضي أن يبقي ما بقي رأس المال: لم ينفع ذلك.
م: وعلى قول ابن حبيب ينفعه ذلك, ويكون ما بقي رأس المال على ما تراضيا عليه.
قال ابن المواز: فإن فضل بعد الخمسين ومئة شيء اقتسماه على شرطهما.
م: كأنه رأى لمَّا لم يحرك المال حتى أخذ منه اللصوص الخمسين: أن زيادة رب المال الخمسين لا يكون كقراض/ ثان فإنها مضافة إلى المئة, وكأنه اليوم دفع إليه بخمسين ومئة, فوجب ما ربح عليهما يجب قسمته.
وقال بعض فقهاء القرويين: إنما يصح هذا الجواب إذا صار رأس المال مئتين؛ لأنه إذا اتجر بالخمسين: وجب فض الربح عليها, فما قابل الخمسين الباقية بيده جبر به الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الأخيرة قسماه, فإن ربح عشرين جبر بعشرة منها الخمسين الذاهبة فصارت ستين, وقسما عشرة حصة الخمسين الأخيرة, وكذلك لو ربح ثلاثين أو أربعين, وإن ربح مئة كانت خمسين جبراً للخمسين الذاهبة, ويقسمان الخمسين الباقية على شرطهما, فما ربح بعد ذلك قسماه بغير فضوض, ويصح جواب الكتاب.
م: وهو القياس, قال: وأما لو أخذ اللصوص جملة رأس المال, فأعطاه رب المال مالاً 'خر فلا جبر في ذلك, وهذا الثاني هو رأس المال, وإنما يصح الجبر إذا بقي من الأول شيء.
الجزء: 15 - الصفحة: 626
[فصل 4 - العامل في القراض يشتري سلعة ثم يضيع المال]
ومن المدونة: وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال: خُيَّر رب المال في دفع ثمنها على القراض, فإن أبى: لزم العامل الثمن, وكانت له خاصة, فإن لم يكن له مال: بيعت عليه, فما ربح فله وما وضع فعليه, وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد: فلا شيء على رب المال ويغرم العامل جميع الثمن.
م: وإنما قال: وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, ولم يضفه إلى رأس المال الأول؛ لأنه لما ضاع رأس المال الأول كله فقد انقطعت المعاملة بينهما, فإن دفع إليه الآن رب المال شيئاً فهو كابتداء قراض, ولو أنه إنما ضاع بعض المال, فأتم له رب المال بقية ثمن السلعة, فهاهنا يكون رأس المال جميع ما دفعه إليه أولاً وآخراً, ولا يسقط عنه ما ذهب؛ لأن المعاملة بينهما بعد قائمة لم يتفاصلا فيها, فهو بخلاف ذهاب جميع المال.
والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 627
[الباب السادس]
باب ما يجوز للعامل أو لرب المال فعله في مال القراض أولا يجوز
[فصل 1 - هل للمقارض أن يخلط ماله بمال القراض؟]
قال مالك: وإذا خاف العامل أنه إن قدَّم ماله على مال القراض أو وخَّره وقع الرخص في ماله, فالصواب أن يخلطهما, ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض وعلى ما نقد فيها, فحصة القراض رأس مال القراض, وحصة العامل على ما نقد فيها, ولا يضمن العامل, إن خلطهما بغير شرط.
م: ولا ينبغي على شرط الخلط ولا على إن شاء خلطه.
قال أصبغ: وليس بحرام ولكنه من الذرائع, فإن فعله لم أفسخه وكان أشهب يخفف أن يشترط ذلك على المقارض أن يضم ماله إلى مال القراض, ويعمل على أن له نصف ربحهما والنصف لرب المال.
الجزء: 15 - الصفحة: 628
قال أصبغ: ولا يعجبنا هذا, إلا أن يقل مال العامل, مثل الخمسة دنانير والعشرة مما لا يغتري به كثرة البيع والشراء, فإن نزل أمضيته على قراضهما.
وفي كتاب ابن حبيب: ما لم يقصد فيه استغراق الربح لقلة مال القراض, فيكون كزيادة مشترطة داخلة في القراض, فيكون على قراض مثله على غير شرط بعد أن يقسم الربح على المالين.
قال بعض فقهاء القرويين: وما قاله أصبغ من أن مال العامل إذا كان يسيراً لا يقصد به كثرة المال حسن؛ لأن الكراهية إنما تقع في الخلط أنه يغتري في تكثير البيع والشراء إذا كثر المال فقد يكون له في ذلك انتفاع.
وأما قول أشهب: أن نصف ربحهما لرب المال ونصفه للعامل, وذلك يرجع إلى حد معلوم, فكيف يصح هذا إذا خلط العامل المال بمثله؟ فيصير قد عمل لرب المال باطلاً, لما أخذ رب المال نصف الربح رأس المال, وهو لا يجيز أن يخرج أحدهما مئة والآخر مئة, على أن يعمل أحدهما, ويكون عنده للعامل إجارة مثله في مئة/ صاحبه, في المعروف من قوله.
الجزء: 15 - الصفحة: 629
[فصل 2 - هل للعامل أخذ قراض من رجل آخر؟ وهل له خلطة بالمال
الأول؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ من رجل قراضاً, فله أن يأخذ قراضاً من رجل آخر, إن لم يكن الأول كثيراً يشغله الثاني عنه: فلا يأخذ حينئذٍ من غيره شيئاً.
قال ابن القاسم: فإن [أخذهما] وهو [يحتمل] العمل بهما فله أن يخلطهما, ولا يضمن, ولا يجوز أن يكون ذلك بشرط من الأول أو الثاني.
[فصل 3 - العامل يأخذ قراضاً من رجلين ثم يختلطان عليه]
[المسألة الأولى: العامل يربح في أحد القراضين ولم يتعيَّن]
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: ولو ربح خمسين ديناراً, ثم لم يدر في أي المالين ربحهما, نسي ذلك, قال: فلا شيء له في الخمسين ويكون بين صاحبي المالين.
المسألة الثانية [العامل يأخذ قراضين على النصف وعلى الثلث ويشتري
سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين ثم أشكلت الرفيعة من أي المالين]
وقال سحنون: وإن أخذ من رجل قراضاً على النصف, ومن آخر على الثلث, فاشترى سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين بكل مال على حده, ثم أشكل عليه السلعة الرفيعة من أي المالين هي؟ وادعى كل واحد من صاحبي المالين أن الرفيعة من
الجزء: 15 - الصفحة: 630
ماله: فلا ضمان على العامل, وهو كمن أودعه رجل مئة وآخر خمسين, فنسي الذي له المئة, وادَّعاها الرجلان: فليتحالفا ويقتسما المئة, وتبقى الخمسون بيد المستودع ليس لها مُودع.
ومن رأي: أن يضمنه مئة لكل واحد منهما بغير يمين فكذلك, يجري في مسألة القراض بالمالين.
[المسألة الثالثة: العامل يشتري بالمالين جاريتين ثم يختلطان عليه]
وروى أبو زيد عن ابن القاسم ولو أخذ من رجل مئة قراضاً ومن آخر مئة, فاشترى بمئة كل واحد جارية, ثم اختلطا عليه, فلم يعرف هذه من هذه: فعلى العامل ضمان قيمتهما, إلا أن يرضيا أن يكون شريكين فهما, فإن خسرا لم يكن على العامل شيء, وإن ربحا كان على شرطه في الربح, وقال أيضاً: إن كان رأس مال إحداهما عشرة والأخرى عشرين, فكانت قيمة أدنى السلعتين عشرين: فلا ضمان عليه, وأرى: أن تباعا ويقتسما الثمن على قدر رؤوس الأموال, وللعامل من ربح كل مال شركه.
وقال ابن المواز: إن كانت قيمتهما معتدلة فلا حجة لصاحب الأكثر على الأقل, وإن اختلفت, رأيت على العامل غرم فضل قيمة المرتفعة؛ لأن كل واحد يدعيها, والعامل لا يدفع أحداً عن دعواه.
الجزء: 15 - الصفحة: 631
م: ويدخله اختلافهم في من أودع مئةً فادَّعاها رجلان, ولم يدر لمن هي منهما, فقيل: يضمن لكل واحد مئة, وقيل لا يضمن لنسيانه ويقتسمان المئة بينهما نصفين فكذلك هذه.
قال بعض فقهاء القرويين: ذكر أن كل واحد يأخذ رأس ماله, يقتسمان الربح على قدر رؤوس الأموال, والذي توجبه مسائل التداعي أنه إذا دفع إليه أحدهما عشرة والآخر عشرين فاشترى جاريتين: قيمة واحدة أربعون, وقيمة الأخرى عشرون, وأمكن أن تكون التي بأربعين هي المشتراه بعشرة أو المشتراة بعشرين, فبيعت الواحدة بأربعين فادَّعياها, فصاحب العشرة يقول: هي لي, فربحها فيها ثلاثين خمسة عشر لي وخمسة عشر للعامل, وصاحب العشرين يقول هي لي وربحها فيها عشرين: عشرة لي وللعامل عشرة, فيقال له قد سلمت خمسة من الربح, لصاحب العشرة؛ لأنك لا تدعي من الربح إلا عشرة, وهو يدعي خمسة عشر فسلم إليه خمسة وبقيت عشرة من الربح يدعيها كل واحد منهما, فتقسم بينهما نصفين فيصير على هذا التأويل ثلثا نصف الربح لصاحب العشرة, وثلثه لصاحب
الجزء: 15 - الصفحة: 632
العشرين, وذلك عكس ما ذكر في الجواب, ويجب أن تقسم الخمسة عشرة نصف الربح -على قول مالك- إلى خمسة أسهم: ثلاثة لصاحب العشرة, واثنان لصاحب العشرين, فيقع لصاحب العشرين منها تسعة وللآخر ستة.
م وأما على مذهب ابن القاسم فكما ذكر؛ لأن أحدهما يدعي خمسة عشر من الربح والآخر عشرة, فقد سلم إليه خمسة, وتداعيا في العشرة فيجب قسمتها بينهما, وأما على مذهب مالك في المسالة التي: لواحد/ دينار وللآخر مئة دينار, فضاع من الجملة دينار: أن الربح يقسم بينهما على رؤوس الأموال كما قسمت الخسارة؛ لأنه لما أمكن أن يكون الربح في التي اشتريت بعشرة أو في التي اشتريت بعشرين, وجب جمع المالين وقسمه الربح عليهما, كما قلنا في مسائل عول الفرائض, وفي مسائل الرد على من يقول به, وفي مسائل الشركة في الربح والخسارة.
وهذا بين.
فصل [4 - المقارض يشارك بمال القراض بغير إذن رب المال]
ومن المدونة, قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً, وإن عملا جميعاً, فإن فعل: ضمن, ولا يجوز أن يشارك عاملاً لرب المال, كما لا يستودع المودَع الوديعة عند من لربها عنده وديعة, ولا عند غيره, فهذا إن شارك؛ فكأنه أودع عند غيره.
قال ابن المواز قال مالك: ولو تجهز العامل لسفر فقال له رب المال: أخرج مالاً آخر مثل الأول نشترك معك به.
قال مالك: ما أرى من أمر بيَّن كأنه خففه.
الجزء: 15 - الصفحة: 633
قال ابن القاسم: إن صح من غير موعد أو رأى فذلك جائز.
وقال أصبغ في العتبية: لا خير فيه.
وقال سحنون: هو الربا بعينه.
[فصل 5 - المقارض يبضع أو يستودع غيره من مال القراض]
ومن المدونة, قال: ولا يبضع العامل من المال بضاعة, فإن فعل: ضمن ولو أذن له رب المال في ذلك: جاز ما لم يأخذه على ذلك, ولا يبضع مع عبد لرب المال اشترط معونته, ولا يوجه أيضاً مع عبد نفسه بعض المال إلى بلد, يتجر فيه أو يشتري له به هناك بعض السلع, فإن فعل ضمن.
ولو أذن له رب المال أن يبيع بالنقد والنسيئة, فلا يودع أحداً إلا لعذر كالمودع, وإن كان لغير عذر ضمن, ويعذر بالسفر أو بمنزل خرب أو ليس بحرز أو ليس عنده من يثق به فلا يضمن في هذا.
الجزء: 15 - الصفحة: 634
فصل [6 - المقارض يشارك بمال القراض بإذن رب المال]
ولا يشارك بالمال أو يقارض به إلا بإذن رب المال, فإن قارض بغير إذن رب المال: ضمن.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو شارك رجلاً فيما لا يغيب عليه ويقتسمانه: فذلك جائز.
[فصل 7 - المقارض يقارض غيره]
ومن المدونة: ولو أخذ قراضاً على النصف, فتعدى فدفعه إلى غيره قراضاً على الثلثين: ضمن عند مالك, فإن عمل به الثاني فربح: كان لرب المال نصف الربح وللعامل الثاني نصفه, ثم يرجع الثاني ببقية شرطه وهو السدس على العامل الأول.
وكذلك في المساقاة إذا أخذها على النصف, فدفعها على الثلثين للعامل الثاني: أن رب الحائط يأخذ النصف, ويرجع المساقي الثاني على الأول بالسدس.
قال بعض فقهاء القرويين: وظاهر القول أنه يرجع بسدس الثمرة, والصواب: أنه يرجع بربع قيمة عمله؛ لأنه باع عمله بثمرة استحق ربعها, كما لو باع سلعة بمكيل أو موزون, فاستحق ربع ذلك بعد فوات السلعة: أنه يرجع بربع قيمتها لا بمثل ما استحق إلا على تأويل محمد على ما في كتاب الشفعة في استحقاق
الجزء: 15 - الصفحة: 635
المكيل بعد أخذ الشفيع الشقص منه: أنه رده بمثل المكيل, وليس هذا المشهور من المذهب.
وإذا أخذ المقارض المال على النصف, فدفعه إلى آخر على الثلث, فالسدس لرب المال ولا شيء للمقارض الأول؛ لأن القراض جعل فلا يصح إلا بالعمل.
ولو كانت بثمانين دينار فخسر الأول أربعين, ثم دفع إلى الثاني على النصف فصارت مئة, ولم يكن الثاني علم بذلك فرب المال أحق بالثمانين رأس ماله ونصف ما بقي وهو عشرة, ويأخذ الثاني عشرة, ويرجع على الأول بعشرين ديناراً, وهو تمام نصف ربحه على الأربعين.
وقال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين رأس ماله فيأخذها, ثم يأخذ نصف الربح وهو ثلاثون, فإن كان الأول أتلف الأربعين تعدياً: رجع عليه رب المال بتمام عشرة ومئة إلى ما أخذه, وإن هلكت بأمر من الله: رجع عليه بتمام تسعين,/ وذلك عشرين دينارا, عشرة بقية رأس ماله, وعشرة
الجزء: 15 - الصفحة: 636
حصته من الربح, ولا يأخذ ذلك من الثاني فيظلمه عمله, وأرْجَعْناه على الأول؛ لأنه ضامن بتعتديه.
قال ابن القاسم: وإن أمر العامل من يقتضي بغير إذن رب المال: ضمن ما تلف بيد الوكيل مما قبض.
وإذا باع العامل سلعة من القراض, فوخر رب العامل المبتاع بالثمن: جاز ذلك في حظ رب المال خاصة, فإن توى حظ رب العال وقد قبض العامل حصته: لم يرجع عليه رب المال بشيء, وكذلك ما وهب يجوز في حظه.
م: قيل: وإنما جاز ذلك على العامل؛ لأن المال إذا نض لم يكن للعامل العمل به إذا منعه رب المال, فهو يقول هب هذا الذي أخرته قد قبضته أليس لي قبضة من رأس مالي, فاحسب ذلك على مالي, وكذلك هبته على هذا المعنى.
الجزء: 15 - الصفحة: 637
[الباب السابع]
في من تجوز مقارضته أو يدفع قراضاً أو لا ومن لا تجوز
[فصل 1 - للمأذون له دفع القراض وأخذه]
قال مالك: وللمأذون أن يأخذ مالاً قراضاً ولا يضمنه إن تلف.
قال ابن القاسم: وله أن يدفع قراضاً؛ لأنه يبيع بالدين ويشتري به.
وقال أشهب وسحنون: لا يأخذ المأذون قراضاً ولا يدفعه بخلاف المكاتب.
م: فوجه قول أشهب وسحنون: كأنهما رأيا أن القراض من باب الإجارة, وهو الظاهر, فيجب على هذا أن لا يأخذ قراضاً كما له أن يواجر نفسه, لأنه إنما أذن له في التجارة.
ووجه قول مالك: أن القراض وإن كان إجارة فكان العادة فيه مما يعلمه التجارة, فكان كالتجارة, فساغ للمأذون أخذه؛ لأنه مأذون له في التجارة, وأما دفعه القراض فهو من باب التجارة, وكما يواجر التجار من يعمل لهم, وكما يقارض الشريك المقارض؛ لأن في ذلك نمو المال كالتجارة.
الجزء: 15 - الصفحة: 638
قيل: وإذا أخذ المأذون قراضاً فربح فيه, فما أخذ من الربح فهو مثل خراجه, لا يقضي منه دينه, ولا يتبعه إن عتق؛ لأنه إنما باع منافع نفسه بذلك, فأشبه لو استعمل نفسه في الإجارات.
[فصل 2 - الرجل يقارض عبده أو أجيره والعبد والمكاتب يقارضان بأموالهما]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقارض الرجل عبده, أو أجيره إلى الخدمة, إن كان مثل العبد.
وقال سحنون: ليس الأجير مثل العبد, ويدخله في الأجير فسخ الدين بالدين.
م: معنى قول ابن القاسم إذا كان الأجير مثل العبد, يريد: إذ ملك جميع خدمته كالعبد, ويكون ما استأجره فيه يشبه عمل القراض, مقل أن يستأجر ليتجر له في السوق, ويخدم في التجارة, فمثل هذا إذا قارضه لم ينقله من عمل إلى خلافه, ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه, مثل البناء والقصارة, فنقله إلى التجارة لدخله فسخ الدين, في الدين كما قال سحنون.
والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 639
وقال ابن أبي زمنين: إنما فرق بين الأجير والعبد؛ لأن الأجير إذا شغله في القراض خفف عنه بعض ما استأجره له, فيعد ذلك التخفيف كزيادة مشترطة.
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وللمكاتب أن يبضع أو يدفع قراضاً أو يأخذه على ابتغاء الفضل.
[فصل 3 - مقارضة من لا يعرف الحلال من الحرام, ومقارضة الكافر]
قال مالك: ولا أحب مقارضة من يستحل الحرام, أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلماً, وكره مالك وابن أبي حازم أن يأخذ مسلم قرضاً من ذمي قال ابن القاسم: وأظنهما إنما كرهاه لئلا يذل المسلم نفسه.
قال ابن المواز: ويفسخ ما لم يعمل فإذا عمل ترك حتى ينض المال فيفسخ, وأفسخ الإجارة متى ما علمتُ بها, وله بحساب ما عمل.
وإذا قارض مسلم نصرانياً فربح فسخته, ورددت إلى المسلم رأس ماله.
الجزء: 15 - الصفحة: 640
ومن المستخرجة لسحنون وسئل عن نصراني دفع إلى نصراني قراضاً, فاشترى النصراني بذلك خمراً, فأسلم رب المال والخمر قائمة بيد المقارض وفيها, ربح أو لا ربح فيها, فقال رب المال: إنما قارضتك بمال فادفع إليَّ مالي, وكيف إن قال رب المال: ادفع إليَّ الخمر أكسرها؟ قال سحنون: ينظر إلى قدر فضل النصراني,/ فيعطاه منها ويراق ما صار للمسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: انظروا إذا أعطى المسلم قراضاً لنصراني, فاشترى بهما خمراً أو خنازير هل يضمن؟ إنما دخل على أحكام المسلمين فلا يتجر إلا فيما يجوز لهم ملكه, فمتى خالف ذلك تعدى على إحدى الروايتين في منع المسلم زوجته النصرانية شرب الخمر وإتيان الكنيسة إلا في الفرض؛ لأنها على ذلك دخلت.
ومن المدونة: لا يمنعها لأن ذلك من دينهم, فيكون قد أباح لهم التجر فيما يئدَيَّنَّ به.
م: والأشبه أن يضمن؛ لأنه متعد, إذ ليس له أن يتلف على هذا ماله بشرائه ما لا يحل له, وليس في إباحته لزوجته شرب الخمر والذهاب إلى الكنيسة تلف مال, فافترقا.
[فصل 4 - مساقاة الذمي]:
ومن المدونة، قال ابن القاسم: ولا بأس أن يدفع كرمه مساقاة إلى ذمي، إن كان الذمي لا يعصر حصته خمراً.
الجزء: 15 - الصفحة: 641
قال ابن القاسم: ولا أرى للمسلم أن يأخذ من الذمي مساقاة, بمنزلة ما كره مالك من القرض, ولو أخذه لم أره حراماً.
[فصل 5 - عمل الوصي بمال اليتيم مضاربة]
ومن كتاب الرهن: ولا يعجبني أن يعمل الوصي بمال اليتيم مضاربة, وليقارض له به غيره إن شاء, فإن أخذه قراضاً لنفسه على جزء معلوم, فقد قيل: إن لم يكن فيه محاباة, فإنه يمضي إذا جعل لنفسه من الربح ما يشبه قراض مثله.
م: يريد: وإلا رد إلى قراض مثله.
الجزء: 15 - الصفحة: 642
[الباب الثامن]
في القراض الفاسد وما يرد فيه العامل إلى الأجرة أو قرض المثل
[فصل 1 - المستحق بالقراض الفاسد]
قال ابن حبيب: والقراض الفاسد كان مالك يرد العامل في بعضه إلى قراض المثل, وفي بعضه إلى أجرة المثل.
وأصل ذلك: أن كل زيادة أو منفعة يشترطها أحدهما, هي للمال وداخلة فيه, ليست خالصة لمشترطها, فهذا يرد إلى قراض مثله, وكل زيادة أو منفعة يشترطها أحدهما لنفسه خارجة من المال وخالصة لمشترطها, فهو يرد إلى أجرة مثله, وذلك إذا كثرت الزيادة, ويفسخ متى ما عثر عليه قبل العمل وبعده, كان مما يرد إلى قراض مثله أو أجرة مثله, وكذلك المساقاة فيما يرد إلى أجرة مثله خاصة, وأما ما يرد إلى مساقاة مثله: فيفسخ قبل العمل, و: يمضي على سقيه إن عمل.
الجزء: 15 - الصفحة: 643
م: وقاله جماعة من فقهائنا, وكذلك قالوا فيما يرد فيه إلى قراض مثله: يمضي على عمله إن عمل, ولا فرق بينه وبين المساقاة.
وهو القياس؛ ولأنه إذا كان المال في سلع لم يصل إلى قبض جزئه من الربح إلا ببيع ذلك ونضوض ثمنه, فلا يجوز أن يفسخ قبل ذلك.
قال ابن حبيب: فأما ما خف من الزيادة.
فيكره بدياً, فإن نزل مضى على شرطهما.
م: ظاهر كلامه فيما خف من الزيادة سواء اشترطها أحدهما لنفسه خاصة أو للمال, وذلك غير معتدل عند مالك؛ لأنه لا يجيز أن يشترط أحدهما زيادة درهم واحد على جزئه ويكون في ذلك أجيراً, فهذا خلاف ما قاله ابن حبيب.
والله أعلم.
قال ابن حبيب: كان عبد العزيز بن أبي سلمة يرد العامل في كل قراض فاسد إلى أجرة مثله.
وقال أشهب وابن الماجشون: يرد في كل قراض فاسد إلى قراض مثله.
الجزء: 15 - الصفحة: 644
قال عبد الوهاب: والنظر يقتضي أن يرد إلى أجرة المثل أو قراض المثل جملة من غير تفصيل, والتفصيل الذي ذكره ابن القاسم استحسان وليس بقياس.
قال: والتفصيل بين أجرة وقراض المثل: أن أجرة المثل تتعلق بذمة رب المال, سواء كان في المال ربح أم لا, وقراض المثل يتعلق بربح إن كان في المال, فينظر كم ينبغي أن يكون حظ هذا العامل منه إذا نزع هذا الشرط دفع إليه من الربح, فإن لم يكن في المال ربح أو كان وضيعة: فلا شيء له, هكذا كان تفسير أصحابنا.
م:/ وقال ابن حبيب: فيما يرد فيه إلى أجره المثل إذا توى المال أو لم يكن فيه ربح: سقطت أجرة العامل عن رب المال؛ لأنه إنما عامله على أن تكون أجرته في الربح, فإذا لم يكن ربح فلا أجرة له.
م: وهذا خلاف ما قاله عبد الوهاب, وما قاله عبد الوهاب هو الأصل والله أعلم.
[مسألة: إذا أفلس المقارض في قراض فاسد فإن العامل الذي وجبت له
أجرة المثل يكون أسوة الغرماء]
م: واختلف فقهاء القرويين إذا وقع الفلس هل يكون أحق بإجارته من الغرماء؟
الجزء: 15 - الصفحة: 645
قال بعضهم: لا يكون أحق بإجارته على ظاهر المدونة, وكتاب ابن المواز, وإليه نحى أبو محمد وعبد الوهاب.
وقال بعضهم: هو أحق به إذا كان المال في يديه حتى يستوفي إجارة مثله؛ لأنه نمى المال بأجرة فاسدة, فأشبه ما لو استأجره على خياطة ثوب إجارة فاسدة: أنه أحق به حتى يستوفي إجارته, إذ لا فرق بين الإجارة الصحيحة والفاسدة في هذا المعنى, إذا عددنا جعلها في الثوب بإذن ربه تفويتاً وأن الإجارة قد تعلقت بذمته.
م: فظاهر قوله أنه يكون أحق بأجرة مثله في الربح, فإن لم يكن ربح كان بها أسوة الغرماء, وقد قاس عمله بخياط الثوب, وهو يقول في الثوب إذا خاطه ثم هلك ببينة أنه لا أجر له إذا لم يسلم الإجارة إلى رب الثوب, فهو كما لم يكن في المال ربح إلا أن يقول: إن له أجرة في الثوب, على ما ذهب إليه ابن المواز فيصح قوله.
م: فصار في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
[1] قول أنه له أجرة.
كان في المال ربح أو لم يكن وهو به أسوة الغرماء.
[2] وقول أنه أحق بالربح من الغرماء.
[3] وقول إذا لم يكن ربح فلا أجرة له, وقد تقدم بعض هذا.
الجزء: 15 - الصفحة: 646
[فصل 2 - الشروط في القراض]
قال ابن المواز: قال مالك وأصحابه: لا يجوز مع القراض شرط سلف ولا بيع ولا كراء ولا إجارة ولا شرط قضاء حاجة, ولا كتاب صحيفة, ولا يشترط أحدهما لنفسه شيئاً خالصاً, ولا أن يولي العامل شيئاً, ولا يكافيء في ذلك.
فإن نزل هذا فالعامل أجير إلا أن يسقط الشرط قبل العمل.
قال الأبهري: إنما لم يجز أن يقارن القراض شيء من هذه العقود؛ لأنه أصل جُوِّز على انفراده للحاجة إليه, وإن كان فيه غرر, كالصرف الذي لا يجوز أن يقارنه عقد بيع ولا إجارة, ولأنه أصل خصص من جملة البيوع بأشياء لم يخص بها غيره, وكذلك عقد المساقاة.
الجزء: 15 - الصفحة: 647
[فصل 3 - مسائل في القراض الذي لا يصح]
[المسألة الأولى: رب المال يدفع مئتين قراضاً على أن يعمل بكل مئة
على حدة وربح منه لأحدكما والأخرى بينكم]
ومن المدونة, قال مالك: وإن دفعت إلى رجل مئتين قراضاً, على أن يعمل بكل مئة على حدة, وربح مئة لأحدكما وربح الأخرى بينكما, أو ربح مئة بعينها لك وربح الأخرى للعامل لم يجز للغرر, ويكون العامل أجيراً في المئتين.
م: يريد ويجوز على الخلط؛ لأنه يرجع إلى جزء مسمى.
[المسألة الثانية: رب المال يدفع مئتين قراضاً على أن مئة على النصف
والأخرى على الثلث]
قال مالك في المدونة: وكذلك على أن مئة على النصف ومئة على الثلث, ويعمل بكل مئة على حدة.
وكذلك في مساقاة الحائطين حتى يكونا على جزء واحد فيجوز.
ابن المواز: ويشترط في القراض الخلط.
ك: إذا اشترط أن يخلطهما: جاز, كانا على جزء واحد أو جزئين مختلفين؛ لأنه يرجع إلى جزء مسمى, مثال ذلك: لو دفع إليه مئتين, مئة على الثلث للعامل, ومئة على النصف على أن يخلطهما, فحاسبه أن ينظر أقل عدد نصف وثلث صحيح, وذلك ستة, فقد علمت أن للعامل من ربح أحد المالين نصفه ومن الآخر ثلثه, فخذ نصف السنة وثلثها وذلك خمسة, ولرب المال نصف ربح المئة الواحدة وثلثا ربح الأخرى,
الجزء: 15 - الصفحة: 648
فخذ نصف الستة وثلثيها وذلك سبعة, فجميع ذلك مع الخمسة التي صحت للعامل فيكون اثنى عشر, فيقسمان الربح على اثني عشر جزءاً, للعامل خمسة أجزاء وذلك ربع الربح وسدسه, ولرب المال سبعة أجزاء وذلك ثلث الربح وربعه, وقد غلط في حسابها ابن مزين, وجعلهما يقتسمان الربح على سبعة, وهو غلط فاعرفه.
م: وينبغي أن يكون للعامل إذا لم يشترط الخلط في هذه المسألة قراض مثله, ومساقاة مثله في المساقاة على ما أصل ابن حبيب؛ لأنه إنما أفسد ذلك منع الخلط, وتلك زيادة لم يستبد بها أحدهما.
قال ابن المواز: وإن شرط ربح عشرة للعامل وما بقي بينهما فجائز على الخلط لا على غيره.
م: وهو نحو ما بيَّنا.
[فصل 4 - المقارض يشترط لنفسه من الربح شيئاً خالصاً له دون العامل]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على أن لرب المال درهماً من الربح ثم ما بقي بينهما: فسد القراض, والربح كله لرب المال والوضيعة عليه, وللعامل أجر مثله وإن ضاع المال, ولا يكون العامل أحق بربح المال من غرماء صاحبه إن فلس, حتى يستوفي أجر عمله, وهو بأجر أسوة الغرماء في المال وفي غيره.
الجزء: 15 - الصفحة: 649
ابن المواز: كل ما يكون فيه أجيراً في القراض فهو أسوة للغرماء في الموت والفلس.
وقال بعض فقهائنا القرويين: وما يرد فيه إلى قراض مثله فهو أولى بما في يديه في الموت والفلس, وكذلك في المساقاة فيما يرد فيه إلى المساقاة مثله؛ لأنه حقه في عين المال, ولو تلف لم يكن له شيء, وأما ما يكون فيه أجيراً في المساقاة فهو أحق بثمن الحائط في الفلس لا في الموت؛ لأن بسقيه حييت, وهذا في التفليس مذكور.
[فصل 5 - المقارض يشترط لنفسه سلفاً]
ومن المدونة, قال مالك: وإن أخذ قراضاً على أن يسلفه رب المال سلفاً: كان أجيراً, والربح كله لرب المال؛ لأن السلف زيادة ازدادها العامل.
[فصل 6 - المقارض يشترط أن يخرج العامل مثل المال من عنده وله
ثلاثة أرباع الربح]
قال: وإن شرط على العامل إخراج مثل المال من عنده, يعمل به مع ماله, وله ثلاثة أرباع الربح: لم يجز؛ لأنه نفع اشترطه لكثرة المال, وكذلك إن اشترطت عليه أن يخرج من عنده أقل من مالك أو أكثر على ما ذكرنا.
قال ابن المواز: وقال أصبغ: ولا يعجبنا ذلك بديا إلا أن يقل مال العامل جداً مما لا يغتري به فضلة ولا كثرة الربح مثل الخمسة دنانير والعشرة, وإن وقع في الكثير أيضاً: أمضيته على قراضها.
الجزء: 15 - الصفحة: 650
وقال ابن حبيب: إذا اشترط على العامل أن يخلط ماله بمال القراض.
فإن مطرفاً وابن الماجشون وأصبغ استخفوا ذلك وقاله أشهب, وهذا ما لم يقصد فيه استغزار الربح؛ لقلة مال القراض في كثرة مال الآخر فيكون كزيادة مشترطة داخلة في المال, فإذا كان كذلك قسم على قدر المالين فكانت حصة العامل له, وحصة مال القراض بينهما على قراض مثله, وقد تقدم بعض هذا.
[فصل 7 - المقارض يشترط أن يعمل معه رب المال]
ومن المدونة, قال مالك: ومن أخذ مالا قراض على أن يعمل معه رب المال في المال: لم يجز, فإن نزل: كان العامل أجيراً.
قال الأبهري: إنما قال ذلك؛ لأن رب المال كأنه لم يأتمنه على المال حين لم يفرده به؛ ولأن زيادة ازدادها العامل وهو عمل رب المال.
قال مالك: وإن عمل رب المال بغير شرط: كرهته إلا العمل اليسير.
ابن حبيب: وكذلك أن أسلف أحدهما صاحبه, أو وهبه أو قعد العامل في حانوت بالمال, أو عمل بعبده أو بدابته, أو كان صانعاً بيده, أو صنع أحدهما بصاحبه شيئاً من الرفق, مما لا يجوز له ابتداء الشرط به, فإن ذلك كله لا يفسد
الجزء: 15 - الصفحة: 651
القراض, ولا يغير الربح, غير أن الصانع إن عمل شيئاً بيده بغير شرط فله أجر عمله.
[فصل 8 - المقارض يشترط على رب المال دابة أو عبداً يعينه]
ومن المدونة, قال مالك: ويجوز أن يشترط على رب المال أن يعينه بعبده أو بدابته في المال خاصة لا في غيره.
م: لأن المنفعة لهما جميعاً, فليست بزيادة انفرد بها أحدهما, ولم يجزه عبد العزيز في الغلام.
م: وهذا القياس.
قال ابن المواز" اختلف قول مالك في اشتراط عون غلام رب المال, وأجازه الليث, ولم يجزه عبد العزيز, ولا بأس به عندي.
قال: ولا بأس أن يجعل رب المال غلامه يعمل مع العامل, على أن للغلام جزءً من الربح يكون له لا للسيد.
وقاله ابن وهب والليث.
وروى عيسى عن ابن القاسم: إذا دفع إلى رجل وإلى عبده مالا قراضاً ليكون عيناً عليه وليحفظ عليه/ أو ليعلمه فلا خير فيه, وإن كانا أمينين تاجرين فلا بأس به.
الجزء: 15 - الصفحة: 652
م: صواب, وليس بخلاف الأول.
[فصل 9 - المقارض يشترط على العامل عمل يده لصناعة ونحوها]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ولا يجوز اشتراط عمل يد العامل لخفاف أو صناعة, فإن نزل: كان أجيراً, والربح والوضيعة لرب المال وعليه.
قال يحيى: ويكون أحق بما عمل من الغرماء حتى يأخذ إجارته.
قال أبو محمد: يريد يحيى يأخذ إجارته فيما عمل.
لا في القراض.
م: وقد تقدم أن من أخذ قراضاً على أن يشتري عبد فلان, ثم يشتري بعد ما يبيعه ما شاء: أنه أجير في شرائه وبيعه وفيما بعد ذلك, له قراض مثله, كمن ساقى نخلة سنين وفيها ثمرة قد طابت, أن له أجرة سقيه ونفقته في هذه الثمرة التي طابت, وهي لربها, وهو فيما عمل بعد ذلك على مساقاة مثله.
فصل [10 - في المقارض يبيع شيئاً من القراض]
قال مالك: ولا يبيع رب المال عبداً من مال القراض بغير أذن العامل, وللعامل رده أو إجازته.
الجزء: 15 - الصفحة: 653
[فصل 11 - في المقارض ينقد ما يشتري العامل ويقبض ثمن ما باع أو يجعل معه آخر يفعل ذلك]
قال: ولا يجوز أن يقارض رجلاً على أن يشتري هو وتنقد أنت وتقبض ثمن ما باع, أو تجعل معه غيرك لمثل ذلك أميناً عليه, وإنما القراض أن تسلم إليه المال.
قال ابن حبيب: فإن نزل ذلك كان أجيراً.
قال الأبهري: إنما قال ذلك: لأن أصل القراض الأمانة, كالوديعة, فمتى شرط عليه ذلك أو شرط عليه الضمان فقد خالف الأصل الذي جعل عليه القراض, ففسد.
[فصل 12 - المقارض يجعل ابنه مع العامل ليبصره بالتجارة,
والقراض على الضمان]
ومن المدونة, قال مالك: ولا خير في أن يجعل رب المال ابنه مع العامل ليبصره التجارة؛ لأنه نفع ازداده رب المال في تبصرة ولده التجارة, وكذلك إن جعل معه أجنبياً أراد نفع الأجنبي بذلك كصديق ملاطف أفسد به القراض.
قال ابن حبيب: ويرد العامل في ذلك إلى أجرة مثله, قال مالك: وما لم يشترط فيه زيادة لأحدهم من القراض الفاسد, ففيه إن نزل قراض مثله كالقراض
الجزء: 15 - الصفحة: 654
على ضمان, فإنه يرد فيه إلى قراض مثله وما لا ضمان عليه؛ لأن هذه المنفعة التي ازدادها في الضمان إنما هي في المال ليست خارجة منه.
ابن المواز: قال مالك: إن أخذ مالاً قراضاً على الضمان فله الأقل من قراض مثله أو مما سمى له من الربح.
قال عبد الوهاب: وهذا يوجب أن تكون رواية ثالثة في القراض الفاسد.
قول يرد إلى قراض المثل, وقول إلى أجرة المثل, وقول إلى الأقل من المسمى أو من قراض المثل.
[فصل 13 - القراض إلى أجل]
ومن المدونة: قال مالك: وكذلك إن أخذ قراضاً إلى أجل فإن يرد إلى قراض مثله.
الأبهري: إنما قال ذلك, لأن حكم القراض أن يكون إلى غير أجل؛ لأنه ليس بعقد لازم كلزوم عقد الإجارة من قبل أن كل واحد منهما لو شاء تركه جاز له ذلك إذا كان المال ناضباً, فإذا شرط الأجل فكأنه قد منع نفسه من تركه ذلك غير جائز فوجب رده إلى قراض مثله؛ لما ذكرنا من وجوب رد كل أصل فاسد إلى صحيح ذلك الأصل, كالنكاح الفاسد يرد إلى صحيحه, وكذلك البيع الفاسد والإجارة تردان إلى صحيح ذلك في أحكام كثيرة.
الجزء: 15 - الصفحة: 655
[فصل 14 - المقارض يشترط إلى بلد معين يشتري منه العامل]
ومن المدونة, قال مالك: ومن أخذ قراضاً على أن يخرج به إلى بلد ليشتري به متاعاً فلا خير فيه.
قال مالك: يعطيه المال ويقوده كما يقاد البعير.
قال ابن القاسم: وإنما كره مالك من ذلك أنه يحجر عليه أن لا يشتري إلى أن يبلغ ذلك الموضع.
وروى أصبغ عن ابن القاسم في العتبية في من قارض رجلاً على أن يخرج إلى البحيرة أو الفيوم أو المكان البعيد مثل برقة أو أفريقية وشبه ذلك ليشتري طعاماً أو غيره: أنه لا بأس بذلك كله والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 656
[الباب التاسع]
ما يحل ويحرم في خلط القراضين
[فصل 1 - دفع المالين قراضاً]
قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلاً على النصف فلم يعمل به حتى زدته مالاً آخر على النصف على أن يخلطهما فذلك جائز.
قال مالك في من دفع إلى رجلين مالين أحدهما على النصف والآخر على الثلث على أن لا يخلطهما لم/ يجز.
قال سحنون: ويجوز على أن يخلطهما؛ لأنه يرجع إلى جزء معلوم.
وقد تقدم شرح ذلك وحسابه في الباب الذي قبل هذا.
م: وروى أبو زيد عن ابن القاسم: لا يجوز على غير الخلط, وإن كانا على نصف ونصف, وكذلك قال ابن حبيب في ذلك كله: وإن نزل على أن لا يخلط وعمل رد العامل إلى أجرة مثله.
م: والقياس على ما أصَّل أن يرده إلى قراض مثله؛ لأنه ليس في منع الخلط زيادة استبد بها أحدهما.
وقال ابن المواز: إذا كان على جزء واحد جاز وإن شرط أن يعمل بكل مال على حدة.
الجزء: 15 - الصفحة: 657
م: وهو ظاهر المدونة في قوله إن نض الأول ولم يكن فيه زيادة ولا نقص جاز إذا كان مثل جزءه: فقوله إذا كان مثل جزءه دليل أنه على غير الخلط, وأما على الخلط فيجوز وإن اختلف.
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن أخذ الأول على النصف فابتاع به سلعة ثم أخذ الثاني على مثل جزء الأول أو أقل أو أكثر على أن يخلطه بالأول لم يعجبني إذ قد يخسر في الثاني فيلزمه أن يجبره بما ربح في الأول, وإن كانت قيمة مبلغ الأول كرأس المال فإن الأسواق قد تحول, فأما على أن لا يخلط فجائز, فإن خسر في الأول وربح في الثاني فليس عليه أن يجبر هذا بهذا.
قال ابن المواز: وروى أشهب أنه إذا شغل الأول وهو على النصف ثم أعطاه آخر على الثلث أنه كرهه.
ومن المدونة قال: وإن تجر في الأول فباع ونض في يديه ثم أخذ الثاني فإن كان باع برأس المال الأول سواء جاز أخذه للثاني على مثل جزء الأول لا أقل ولا أكثر.
الجزء: 15 - الصفحة: 658
م: يريد على أن لا يخلطهما ولو كان على الخلط جاز على كل حال.
قال في كتاب ابن المواز إذا باع سلع الأول برأس المال سواء جاز أخذه للثاني على قراض مختلف أو متفق إن كان على الخلط وإلا لم يجز يريد إلا على قراض متفق.
قال فيه وفي المدونة: وإن نض الأول وفيه ربح أو وضيعة لم يجز أخذه للثاني على مثل جزء الأول أو أقل أو أكثر على الخلط ولا على غير الخلط, وقال غيره في المدونة: إن ربح في الأول جاز أخذه للثاني على مثل القراض الأول في الربح على أن لا يخلطه.
م: فوجه قال ابن القاسم وغيره أنه لا يجوز أخذه للثاني إذا كان في المال وضيعة فلأن العامل قد ملك رد المال فكأن رب المال شرط عليه بقاءه على أن أعطاه مالاً ثانياً ليجبر به ما خسر في الأول فهو كزيادة اشترطها, وكذلك عند ابن القاسم إذا كان في المال الأول ربح؛ لأن العامل ملك استعجال ربحه فكأن رب المال اشترط عليه بقاؤه على إن أعطاه مالاً ثانياً فكل واحد منهما اشترط على صاحبه زيادة, ولم ير غيره في هذا كبير تهمة إذا كان لا يخلطه بالثاني فأجازه, ونحو هذا رأيته لبعض العلماء.
قال سحنون في العتبية: إذا نض الأول وفيه ربح فقاسمه الربح, ثم زاده مالاً آخر فربح في المالين يريد وقد خلطهما قسم هذا الربح على المالين فما ناب الأول فهو على قراضهما, وما ناب الثاني فهو لرب المال وللعامل فيه أجر مثله, ولو خسر الآن
الجزء: 15 - الصفحة: 659
فضضت الخسارة على المالين فما ناب الأول منهما جبره من الربح الأول وخسارة الثاني على رب المال والعامل فيه أجير.
قال ابن حبيب: إذا نض الأول وفيه ربح أو خسارة ثم أخذ من ربه قراضاً ثانياً على النصف أو الثلث على أن يخلطهما وعمل على هذا فربح فالربح يقسم على عدد المالين حين خلطهما, فيكون حصة المال الأول بينهما على شرطهما, وحصة الثاني على قراض مثلهما بلا شرط, ويجبر ما نقص من عدد المال بربحه, فإن فضل منه شيء قسماه على شرطهما فيه.
م: والصواب ما قال سحنون أنه يكون أجيراً؛ لأن أخذه الثاني بعد الربح أو الخسارة في الأول كزيادة مشترطة.
م: وقد قال ابن حبيب في شرطه إلا أن يخلط المالين قبل العمل فيكون أجيراً وفي هذه له قراض مثله, ولو عكس ذلك كان أولى على ما أصل والله أعلم.
ولم/ يفسد القراض الأول على قولهما وكأنهم رأوا أن القراض الأول باق على شرطه حتى يقبض ألا تراه يجبر بما ربح فيه آخراً ما خسر في الأول.
م: والقياس أن يكون أجيراً في المالين؛ لأنه كزيادة مشترطة على وَجَّهنا به قول ابن القاسم والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 660
[الباب العاشر]
فيما يحل ويحرم مما يشترط على العامل وتعديه في ذلك
[فصل 1 - التعدي في القراض]
قال أبو محمد: والمقارض إنما أذن له في حركة المال إلى ما ينميه, فإذا حركة إلى غير ما له أخذه ضمن هلاكه ونقصه, وإن حركة بالتعدي إلى ما أنماه دخل ربه في نمائه, ولم يكن العامل أولى به بتعديه, وفارق تعدي الغاصب والمودع إذ لم يؤذن لهما في حركة المال فتعدي العامل يشبه تعدي الوكيل والمبضع معه.
[فصل 2 - القراض على ألا يبيع إلا بالنسيئة]
قال ابن القاسم: وإن دفعت إلى رجل قراضاً على ألا يبيع إلا بالنسيئة فباع بالنقد لم يجز هذا القراض.
ابن المواز: فإن نزل كان أجيراً.
وقال سحنون وقال غيره: إذا باع بالنقد تعدى كمن قارض رجلاً على أن لا يشتري إلا صنف كذا غير موجود كان قراضاً لا يجوز, فإن اشترى غير ما أمر به فقد تعدى, فإن ربح فله فيما ربح قراض مثله, وإن خسر ضمن, ولا أجر له في الوضيعة ولا أعطيه إن ربح إجارته إذ لعلها تغترق الربح وتزيد فيصل بتعديه إلى ما يريد.
الجزء: 15 - الصفحة: 661
قال ابن وهب: وقد قال ربيعة في المتعدي في القراض إن وضع ضمن الوضيعة ويكون له في الربح قدر شرطه فكذلك التعدي في القراض الفاسد.
م: قيل لم يُجب ابن القاسم عن ماذا يكون أن نزل, ومن مذهبه في التحجير في القراض أن يرد إلى إجارة المثل فلما أمره أن لا يبيع ما اشترى إلا بالنسيئة فقد أذن له في الشراء فهو غير متعد فيه فله إجارته فيه ويفسخ القراض, وإن باع ما اشترى بالنسيئة لم يضمن وله إجارته في الشراء والبيع إذا لم يتعد, وإن باع ذلك بالنقد تعدى ويفسخ إن كان قائماً, فإن فات وقد كان باع بالقيمة فأكثر فلا ضمان عليه كمن أمر أن يبيع بالنسيئة فباع بالنقد فعليه الأكثر مما باع به أو القيمة, ولم يكن للمقارض إجارة فيما باعها به؛ لأنه يغرمه القيمة يوم تعدى فلا شيء عليه من إجارة البيع وعليه إجارة الشراء.
فصل [3 - القراض على ألا يحركه إلا في البَزَّ]
قال مالك: ولا ينبغي أن يقارض رجلاً على أن لا يشتري إلا البز إلا أن يكون موجوداً في الشتاء والصيف فيجوز ثم لا يعدوه إلى غيره.
الجزء: 15 - الصفحة: 662
قال ابن القاسم: ولا يبيع ما اشترى من البز بعرض سواه فيصير مبتاعاً لغير البز وإن قلت له بعد أخذه للمال وقبل أن يشغله بشيء لا تتجر إلا في البز فذلك لك إن كان البَّزُ موجوداً كما ذكرنا.
فصل [4 - المقارض يشترط ألا يشتري العامل سلعة كذا]
وقال ابن القاسم: وإن نهيته عن شراء سلعة في عقد القراض الصحيح أو بعد العقد وقبل أن يعمل به ثم اشتراها فهو متعد ويضمن, ولك تركها على القراض أو تضمنه المال, ولو كان قد باعها كان الربح بينكما على شرطكما والوضعية عليه خاصة, لأنه قد فر بالمال من القراض حين تعدى ليكون له ربحه.
وكذلك إن تسلف من المال ما ابتاع به سلعة لنفسه ضمن ما خسر وما ربح كان بينكما.
وإن نهيته أن لا يشتري حيواناً فاشتراه فكانت قيمة الحيوان أقل من رأس المال أو تجربها بعد أن تعدى فخسر فجاء ومعه سلع لا وفاء فيها وعين لا وفاء فيها برأس المال فأردت تضمينه وقام غرماؤه فقالوا أنت أسوتنا إن ضمنته.
فإن كان معه عين فأنت أحق به, وإن كان معه سلع فأنت مخير بين أن تشركه فيها, أو تسلمها وتضمنه رأس المال فإن أسلمتها كنت أسوة الغرماء.
م: لأنه إذا باع ما تعدى في شرائه قبل قيام الغرماء فرب المال أولى بثمنه كان فيه ربح أو ضيعة؛ لأن أثمان ذلك عاد إلى القراض وبرئ من ضمان ما رد كرده السلف من/ الوديعة.
الجزء: 15 - الصفحة: 663
فصل [5 - المقارض يشترط على العامل ألا يسافر بالمال]
قال ابن القاسم: وإن نهيته عن الخروج بالمال من مصر فخرج به إلى أفريقية عيناً ورجع به عيناً قبل أن يتجر به, ثم تجر به بمصر فخسر أو ضاع منه بمصر لم يضمن؛ لأنه رده إلى مصر قبل أن يحركه, كمن أخذ وديعة بمصر فليس له أن يخرجها من مصر, فإن فعل ضمنها إن تلفت وإن ردها إلى مصر لم يضمن, وكذلك إن انفق وديعة عند أو بعضها ثم رد ذلك مكانه فضاعت لم يضمن, وإذا لم يشغل العامل المال حتى نهاه ربه أن يتجر به فتعدى فاشترى به سلعة لم يكن فاراً وضمن المال, والربح له كمن تعدى على وديعة عنده فاشترى بها سلعة فهو ضامن للوديعة والربح له بخلاف الذي نهاه رب المال عن شراء سلعة فابتاعها؛ لأن هذا مأذون له في حركة المال فليس له أن يستبد بربحه بتعديه, والآخر لم يؤذن له في حركة المال فهو كمن تعدى على وديعة عنده كما ذكرنا.
قال ابن حبيب: وهذا من الضمان ما لم يقر أنه اشترى السلعة على اسم القراض فإن أقر بهذا فالربح على القراض ولم يخرجه ذلك من الضمان.
الجزء: 15 - الصفحة: 664
فصل [6 - فسخ القراض]
ومن المدونة قال مالك: ولرب المال رد المال ما لم يعمل به العامل أو يظعن به لسفر, وإن ابتاع به سلعاً وتجهز يريد بعض البلدان فنهاه ربه أن يسافر به فليس له أن يمنعه بعد شرائه؛ لأنه يبطل عليه عمله كما لو اشترى سلعة فأراد رب المال أن يبيع مكانه فليس له ذلك, ولكن ينظر السلطان فيؤخر منها ما يرجى له سوق لئلا يذهب عمل العامل باطلاً.
قال ابن القاسم: وكذلك لو تجهز واشترى متاعاً يريد به بعض البلدان فهلك رب المال فللعامل النفوذ به, وليس للورثة منعه وهم في هذا كوليهم.
وفي كتاب ابن المواز: إذا قام غرماء رب المال بعد أن خرج بالمال وأمكن بيع السلع بيع وأخذ ذلك الغرماء, وكذلك إن كان عيناً فهم أخذه, وأما غرماء العامل فلا شيء لهم إلا بعد وصول المال إلى ربه.
قال بعض فقهاء القرويين: والأشبه أيضاً أن لا يكون لغرماء رب المال ذلك كما لم يكن له هو أن يأخذ المال في غير البلد, وكذلك لو لم يشتري بالمال شيئاً بعد خروجه فلا يكن له ولا لغرمائه أخذ شيء من ذلك المال منه.
الجزء: 15 - الصفحة: 665
[فصل 7 - العامل يسافر بالقراض إلى البلدان]
قال ابن القاسم: وللعامل أن يتجر بالمال في الحضر والسفر وحيث شاء إلا أن يقول له رب المال حين دفعه إليه بالفسطاط لا تخرج من أرض مصر أو الفسطاط فلا ينبغي له أن يخرج.
قال السبعة من الفقهاء التابعين وهم سعيد بن المسيب, وعروة بن الزبير, والقاسم بن محمد, وخارجه بن زيد بن ثابت, وعبيد الله بن عبد الله بن عتبه بن مسعود, وسليمان بن يسار, وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام مع مشيخه سواهم من نظائرهم أهل فقه وفضل: يجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن لا ينزل بطن واد, ولا يسري بليل, ولا يبتاع به سلعة كذا, ولا يحمله في بحر فإن فعل شيئاً من ذلك ضمن المال.
الجزء: 15 - الصفحة: 666
فصل [8 - رب المال يشترط على العامل الجلوس في سوق بعينه]
قال ابن القاسم عن مالك: ولا يجوز لرب المال أن يشترط على العامل أن يجلس بالمال هاهنا في حانوت من البزازين أو السقاطين يعمل فيه ولا يعمل في غيره, أو على أن يجلس في القيسارية, أو على أن لا يشتري إلا من فلان, أو على أن لا يتجر إلا في سلعة كذا وليس وجودها بمأمون, أو على أن يزرع فلا ينبغي ذلك كله, فإن نزل ذلك كله كان العامل أجيراً, وما كان من زرع أو فضل أو خسارة فلرب المال وعليه, ولو علم رب المال أنه يجلس في حانوت أنه جائز ما لم يشترطه عليه, ولو زرع العامل من غير شرط في أرض اشتراها من مال القراض أو اكتراها به جاز ذلك إن كان بموضع آمن وعدل ولا يضمن, وأما إن خاطر به في موضع ظلم وغرر يرى أنه خطر فإنه ضامن, ولو أخذ العامل نخلاً مساقاة فأنفق عليها من مال القراض كان كالزرع ولم يكن متعدياً.
وفي العتبية عن ابن القاسم من/ أخذ مالاً قراضاً فاشترى به ظهراً فاكراه فنمى المال أو نقص قال: أراه متعدياً وأراه ضامناً.
الجزء: 15 - الصفحة: 667
قال بعض القرويين: انظر ما الفرق بين هذا وبين أن يشتري بقراً ويزرع؟ وهل ذلك اختلاف قول؟ وكيف إن اشترى حيواناً يطلب نسلها أو رباعاً يكريها؟ وهل يقال أن مثل هذا لا يمكن في الغالب أن يعطي الناس أموالهم على أن تجعله في حيوان أو رباع للكراء إذ رب المال لا يعجز عن هذا وإذا الغالب أن الناس إنما يقصدون بدفع المال التجر؟ فانظر في ذلك والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 668
[الباب الحادي عشر]
في ما باعه العامل بدين أو اشتراه به على القراض أو ابتاعه بدين ثم أخذ ثمنه من رجل قراضاً
[فصل 1 - في ما باعه العامل بدين على القراض]
قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يبيعه بالنسيئة إلا بإذن رب المال فإن باع بغير إذنه ضمن, وهذا ما لم يشترطه في أصل العقد.
قال بعض الفقهاء القرويين: إذ باع سلع القراض المأذون في شرائها بثمن إلى أجل فإنه يباع بالدين على مذهب ابن القاسم, ويضمن ما وقع في ذلك من الخسارة.
وذكر في كتاب محمد لو أسلف في طعام فإنه يغرم رأس المال ويستأني بالطعام حتى يقبض فإنه كان فيه ربح أقتسماه ثم قال: ولو أسلم أيضاً في غير الطعام ما جاز له ولم يحل أيضاً وبيعت السلعة بعد أن تقبض بنقد, فإن كان فيها فضل كان بينهما, وإن كان نقصاناً غرمه العامل.
قال في المدونة: وإن شرط أن يبيع بالدين لم يجز أيضاً.
م: لأنه يعطي لرب المال ربح ما ضمانه في ذمته.
قال ابن المواز: ويكون أجيراً ويترك رب القراض يقبض الدين بنفسه فإن لم يكن للعامل على الدين بينة ضمن.
الجزء: 15 - الصفحة: 669
ومن المدونة: وإن باع العامل سلعة من القراض فاحتال بالثمن على مليء أو معدم إلى أجل ضمن كبيعه بالدين بغير إذن رب المال.
قال ابن المواز: ما باعه بالدين ضمن قيمته يوم باعه إذا تلف, وأما إن باعه بالنقد فاحتال بالثمن فتلف فإنه يضمن الثمن بعينه.
[فصل 2 - في ما اشتراه العامل بدين على القراض]
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإن أخذ العامل ألف درهم قراضاً فابتاع بها سلعة فلم ينقد حتى ابتاع سلعة أخرى على القراض فلا خير في ذلك, وقد قال مالك في العامل يشتري سلعة بأكثر من رأس مال القراض ليضمن ما زاد ديناً, ويكون في القراض أنه لا خير فيه, فمسألتك تشبه هذا.
قال ابن القاسم: وليس من سنة القراض أن يشتري على القراض بدين يضمنه العامل ويكون الربح لرب القراض ولا يجوز ذلك.
قال ابن المواز: ويكون ربح السلعة الثانية وضيعتها على العامل ولد؛ لأنه ضمن ثمنها, وكما لو نقد في الأول وابتاع الثانية ثم طلب ثمنها من رب المال على
الجزء: 15 - الصفحة: 670
القراض لم يجز؛ لأن ذمة العامل عامرة بثمنها حين شرائه, وكذلك لو اشتراها حتى يبيع ويوفيه.
قال ابن المواز: شراؤه بالدين على القراض أو يتسلف عليه لا يجوز أذن رب المال أو لم يأذن, وكيف يأخذ ربح ما يضمنه العامل في ذمته.
قال ابن القاسم: ولو اشترى سلعة بمال القراض وهو في بيته فتسلف ما نقد فيها من رب المال أو غيره فنقد ثم باعها قم اشترى بمال القراض أخرى وباعها فهذا كله في القراض ما ربح في السلعتين أو في إحداهما أو وضع؛ لأنه كان يمكنه نقده أولاً.
قال في العتبية: ويجبر بما ربح من هذه ما خسر في الأخرى.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وإذا أخذ العامل مئة قراضاً فاشترى بمئتين سلعة نقداً كان شريكاً فيها لرب المال يكون نصفها على القراض ونصفها للعامل, وإن كانت المئة الثانية مؤجلة قُوَّمت المئة المؤجلة بالنقد فإن سوت خمسين
الجزء: 15 - الصفحة: 671
كان شريكاً بالثلث, هكذا أصلحها سحنون وكان في الأم تقوم السلعة وهي رواية عبد الملك, وروى عنه تقوم المئة, وقال ابن القاسم وأشهب وغيره/.
قال سحنون: تقويم السلعة خطأ.
فصل [3 - في الرجل يشتري السلعة فيقصر ماله عنها فيأخذ عليها قراضاً يدفعه في ثمنها]
قال مالك: ومن اشترى سلعة فعجز عن بعض ثمنها فأتى إلى رجل فأخذ منه قراضاً وهو يريد أن يدفعه في بقية ثمنها ويكون قراضاً لم أحب ذلك, وأخاف أن يكون قد استغلى ولو صح ذلك لجاز.
قال في كتاب محمد: وإن لم يكن لغلاء أجزته إذا وقع, وأكره العمل به ابتداء.
الجزء: 15 - الصفحة: 672
قال ابن المواز: إذا لم يكن يجبر لرب المال بما كان اشترى من ذلك, ولم يكن لغلاء, وصح أمره فهو جائز.
وقاله أصبغ.
وفي العتبية قال ابن القاسم: لا يعجبني وإن صح.
وقاله سحنون.
م: ويحتمل أن ترد الأقوال كلها إلى قول واحد وهو أنه يكره العمل به ابتداء فإن نزل وصح جاز كما قال مالك.
قال ابن حبيب: إن الكشف أنه كان استغلالها ولم تكن تساوي ذلك يومئذ فلينظر قيمتها يومئذ فيرجع عليه بالزيادة ولا ينظر ما بيعت به من ربح.
ومن المدونة: قال مالك: ولو ابتاع سلعة ثم سأل رجلاً أن يدفع إليه مالاً ينقده فيها ويكون قراضاً بينهما فلا خير فيه, فإن نزل لزمه رد المال إلى ربه, وما كان فيها من ربح أو وضيعة فله وعليه, وهو كمن أسلفه رجل ثمن سلعة على أن له نصف ربحها.
قال سحنون هذه خير من التي فوقها.
الجزء: 15 - الصفحة: 673
قال أبو محمد هذا سمى له أنه ابتاع سلعة, والأول لم يذكر له ذلك, وأخذ منه المال قراضاً فنقده فيها.
قال ابن المواز: ولو كان هذا قبل أن يستوجبها وقبل أن يجب عليها عليه ضمانها لجاز ذلك إذا لم يسم له السلعة ولا بائعها.
وروى عن عثمان أن رجلاً قال له: وجدت سلعة مرجوة فأعطني قراضاً ابتاعها ففعل.
قال ابن المواز: وذلك أنه لم يسم له السلعة ولا بائعها.
قال ابن حبيب: ويكره أن يؤخذ المال قراضاً على أن يشتري به من رفقة نزلت بهم معها تجارة ابتداء, فإن وقع مضى على شرط الربح إن شاء الله, وبالله التوفيق.
الجزء: 15 - الصفحة: 674
[الباب الثاني عشر]
جامع مسائل مختلفة من القراض والوكلات
[فصل 1 - في الرد بالعيب للمقارض, وشراؤه محاباة]
قال مالك: وإذا باع العامل سلعة فطعن بعيب فحط من الثمن أكثر من قيمة العيب أو أقل, أو اشترى سلعة من [والده أو ولده] فما كان من هذا نظرا بغير محاباة جاز.
وإذا اشترى العامل بجميع المال عبداً ثم رده بعيب فرضيه رب المال فليس ذلك لرب المال؛ لأن العامل إن أخذه كذلك جبر ما خسر فيه بربحه؛ إلا أن يقول له رب المال إن أبيت فاترك القراض واخرج؛ لأنك إنما تريد رده وتأخذ الثمن فكان القراض عيناً بعد, فإما أن ترضى بذلك وإلا فاترك القراض وأنا أقبله.
قال: ولو رضي العامل بالعيب على وجه النظر جاز وإن حابى فهو متعد.
وقال مالك في العامل يبيع ويحابي: أن ذلك غير جائز إلا أن يكون له فيه نصيب فيجوز منه قدر نصيبه.
قال في باب بعد هذا: وإذا قتل عبدُ لرجل عبداً من القراض فاختار العامل أو رب المال القصاص, واختار الآخر العفو على أخذ الجاني, فالقول قول العافي على
الجزء: 15 - الصفحة: 675
أخذ العبد الجاني وأجعله على القراض كما كان المقتول, وكذلك إن قتله سيده فقيمة العبد على القراض.
فصل [2 - العامل ينقذ ثمن السلة بغير بينة فإذا أراد قبضها جحد رب
السلعة هل يصمن؟]
وإذا دفع العامل ثمن سلعة بغير بينة فجحده البائع, وحبس السلعة فالعامل ضامن.
وكذلك الوكيل على شراء سلعة بعينها أو بغير عينها فيدفع ثمنها فيجحده البائع فهو ضامن, ولرب المال أن يغرمها.
قال ابن القاسم: وإن علم رب المال بقبض البائع الثمن بإقراره عنده أو بغير قراره ثم جحده فلرب المال أن يغرم البائع الثمن ويطيب له؛ لأنه هو الذي أتلف عليه ماله حين لم يشهد إلا أن يدفع ذلك الوكيل بحضرة رب المال فلا يكون عليه ضمان.
الجزء: 15 - الصفحة: 676
م: قيل ويمكن أن يغرمه قيمة السلعة المشتراه لتعديه في دفع/ الثمن قبل قبضها؛ لأنه وإن لم يكن عليه الإشهاد في عقد البيع إذ لو أنكر البائع البيع ما لزم الوكيل شيء فلا يجوز له دفع الثمن إلا بعد قبض السلعة أو مع ذلك معاً, فتركه ذلك تفريط في السلعة وتلف لها فوجب عليه ضمانها.
وقد قالوا في من أمر ببيع سلعة فسلمها ولم يقبض الثمن أنه يضمن الثمن لهذا المعنى, أو لأنها دفعت على ثمن ملك الموكل أخذه فتركه فوجب عليه ضمانه.
الجزء: 15 - الصفحة: 677
م: وظاهر المدونة وكتاب محمد: أنه لا يكون أحق بالربح في إجارته القراض, وعلى هذا حمله أبو محمد, وهو أبين.
والله أعلم.
[الباب الثاني]
في المقارضة على الأجزاء والتداعي فيها
[فصل (1) المقارضة على الأجزاء]
[المسألة الأولى: الرجل يعطي الرجل مالاً يعمل
فيه قراضاً والربح للعامل]
قال ابن القاسم: وتجوز المقاوضة عند مالك على النصف أو الخمس أو أكثر من ذلك أو أقل.
قلت: فإن أعطيته مالاً قراضاً على أن الربح للعامل قال: ذلك جائز.
وقد قال مالك في من أعطى لرجل مالاً يعمل به على أن الربح للعامل, ولا ضمان عليه: أنه لا بأس به, وكذلك إن أعطاه نخلاً مساقاة على أن جميع الثمرة للعامل فلا بأس به.
ابن المواز: إن قال رب المال للعامل حين دفع المال إليه: خذه قراضاً والربح لك: جاز, وكان الربح للعامل, ولا يضمن المال إن خسر أو تلف, والقول فيه قول العامل, وإن لم يقل له خذه قراضاً وإنما قال: خذه واعمل والربح لك: جاز أيضاً؛ لأن الربح للعامل وهو ضامن لما خسر, يريد: إلا أن يشترط أن لا ضمان عليه فلا يضمن.
[المسألة الثانية: المقارض يدفع إلى العامل مالاً
ولم يسم ماله من الربح]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن دفع إلى رجل مالاً قراضاً ولم يسم ماله من الربح, وتصادقا على ذلك: فله قراض المثل إن عمل.
وكذلك إن قال له: لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا على ذلك: كان على قراض مثله إن عمل.
الجزء: 15 - الصفحة: 678
وقال غيره: إذا قال لك شِرْك في المال ولم يسمه وتصادقا: فذلك النصف.
[المسألة الثالثة: المقارض يدفع مالاً للعامل على النصف ثم يجعلاه على الثلثين]
قال ابن القاسم: وإن أعطيته قراضاً على النصف, ثم تراضيتما -بعد أن عمل- على أن يجعلاه على الثلثين لك أو له: جاز
قال ابن حبيب: إن كان المال حين تراضيتما عيناً لا زيادة فيه ولا نقص, وقد حركه أو لم يحركه: فلا بأس به, وإن كن فيه زيادة أو نقص, أو كان في سلع: لم يجيز.
م: وقول ابن القاسم أولى؛ لأن المال إن كان عيناً فكأنهما الآن ابتدآ بالعقد؛ لأن القراض لا يلزم بالعقد, ولمن شاء حله ما لم يُشغل المال في سلع, أو يظعن به في سفر, وإن كان المال في سلع هبة, تطوَّع أحدهما بها لصاحبه, وهبة المجهول جائزة.
ووجه قول ابن حبيب: أنه إن كان المال عيناً وفيه ربح أو وضيعة فقد ملكا قَسْمَه, فكان أحدهما زاد الآخر لبقاء الأمر بينهما, وكذلك إن كان المال في سلع, إذ قد يدعو أحدهما إلى بيعها والمفاضلة فيها, فكأنه زاده في جزءه, ليماديه على القراض, والله أعلم.
م: قال بعض القرويين: إن كان بعد أن عمل, وكان لرب المال الثلثان فجعل لنفسه الثلث, فتلك هبة مقبوضة, مات رب المال أو أفلس, وإن كان للعامل الثلثان, فجعل لرب المال الثلثين, فهي هبة منه, فإن مات العامل أو أفلس قبل قبض/ رب المال ما وهبه: سقطت الهبة.
قال: ولا يجوز هدية رب المال للمقارض ولا للمقارض له.
قال: وقد أجاز محمد ترك العامل النفقة بعد اشتغال المال, وذلك هبة من العامل؛ لأن النفقة واجبة له بالسفر, ولم يجز تركه لذلك قبل اشتغال المال.
م: يريد لأنه يصير كأنه اشترط ترك النفقة في العقد فلم يجز ذلك.
الجزء: 15 - الصفحة: 679
[المسألة الرابعة: مقارضة رجلين لأحدهما ثلث الربح وللآخر سدسه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن قارضت رجلين على أن لك نصف الربح, ولأحدهما الثلث, للآخر السدس لم يجزكما كما لو اشترك العاملان على مثل هذا لم يجز؛ لأن أحدهما يأخذ بعض ربح صاحبه بغير شيء.
م: ويجب على هذا -إن كان رب المال اشترط ذلك عليهما-: أن يفسد القراض ويكون العاملان فيه أجيرين.
قال ابن المواز: قال أصبغ: فإن نزل ذلك: فسخ القراض بينهما, ما لم يعملا, فإن فات بالعمل: كان نصف الربح لرب المال والنصف بين العاملين على [ما] شرطا, ويرجع صاحب السدس على صاحب الثلث بإجارته في فضل جزئه.
وقاله ابن حبيب.
قال ابن حبيب: إلا أن يكون ذلك أكثر مما فضله به من الربح.
قال ابن المواز: ولو شرطا العمل على قدر أجزائهما من الربح لكان مكروهاً, إلا أن ذلك إن نزل: مضى.
قيل: فإن خسرا, أيكون لهما أجر مثلهما على رب المال؟ قال: لا شيء على رب المال, وإنما الكلام فيما بين العاملين.
م: لعله أراد أن رب المال اشترط لنفسه نصف الربح, وتشاركا هما على أن لهما النصف على الثلث والثلثين, والعمل بينهما نصفان, فيكون إنما دخل الفساد في اشتراطهما لأنفسهما, فلذلك جعل أن لا أجر لهما إن خسرا, وأن الربح بينهما على شرطهما, ويرجع من له فضل على صاحبه كشركاء المال يشترطان ذلك, فانظر.
[المسألة الخامسة: المتقارضان يشترطان ثلث الربح للمساكين]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: وإذا اشترط المتقارضان عند معاملتهما ثلث الربح للمسكين: جاز ذلك, ولا أحب لهما أن يرجعا فيه, ولا يقضي بذلك عليهما.
الجزء: 15 - الصفحة: 680
فصل [2 - المتقارضان يختلفان في أجزاء الربح]
قال ابن القاسم: ومن أخذ قراضاً على [الثلث] والثلثين ولم يبين لمن الثلثان: فالقول قول العامل أن الثلثين له والثلث لرب المال, كما لو ادعيا ثلثي ذلك: لكان القول قول العامل أن الثلثين له, فكذلك هذا.
قال ابن المواز إذا أقرا أنهما لم يبينا الثلثان: جعلته لمن يشبه أن يكون ذلك له, فإن كان يشبههما جميعاً: جعلته للعامل ويحلف إن ادعي ذلك.
م: وإنما يكون القول قول العامل إذا اختلفا بعد العمل, فقال العامل كان نيتي أن الثلثين لي, فالقول قوله ويحلف أنه كذلك نوى, فإن نكل حلف رب المال على ما نوى بمنزلة ما إذا تداعيا ذلك لفظاً.
م: وقال بعض فقهائنا القرويين: إذا ادعى كل واحد أنه فهم عن صاحبه أنه صيَّر له الثلثين, فذلك كتصريح الدعوى, والقول قول العامل إذا أشبه.
وأما إن قال كل واحد منهم: لم أفهم عن صاحبي شيئاً إلا أنَّي ظننت أنَّي المّعْني بالثلثين: فكان يجب أن يكون الربح بينهما نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم الثلث لصاحبه, واستوت دعوهما في الثلث الباقي, فيقسم بينهما نصفين.
م: ويلزم على هذا أن لو بيَّنا الدعوى لفظاً أن يقسم بينهما أيضاً نصفين؛ لأن كل واحد قد سلم لصاحبه الثلث, واستوت دعواهما في الثلث الباقي, ولكن لما كان العامل حائزاً, وجب أن يكون القول قوله في تساوي الدعوى, كتساوي البينتين أن القول قول الحائز, ولا فرق أيضاً بين قوله فهمت, ولا بين قوله: ظننت؛ لأنه لا يظن أنه المَعنَّي بالثلثين إلا بما فهم من قول صاحبه, والله أعلم.
ومن المدونة, وقال مالك: وإذا اختلف المتقارضان في أجزاء الربح قبل العمل, فقال رب المال دفعته على أن الثلث للعامل, وقال العامل: بل على الثلثين لي: رد المال إلا أن يرضى العامل بقول رب المال/, وإن اختلفا بعد العمل: فالقول قول العامل كالصانع إذا جاء بما يشبه, وإلا رد قراض مثله.
الجزء: 15 - الصفحة: 681
قال ابن القاسم: وكذلك المساقاة.
وقال ابن حبيب عن مالك: القول قول العامل مع يمينه إن ادعى ما يشبه, وإن ادعى كا يستنكر: صدق رب المال ويحلف, فإن ادعى مستنكراً فللعامل قراض مثله.
وقاله أشهب.
قال: وقال الليث: إن لم يكن لهما بينة حملا على قراض المسلمين, وهو النصف.
ومن المدونة, قال مالك: وإن ادعى أحدهما ما لا يجوز, مثل أن يدعي: أن له من الربح مئة درهم ونصف ما بقي أو ثلثه, وادعى الآخر: أن له النصف أو الثلث من الجميع: صدق مدعي الحلال منهما إذا أتى بما يشبه.
م: ولو كان رأس المال ألفاً, فادعى العامل: أنه شرط ربح مئة له ونصف ربح ما بقي, وقال رب المال: بل النصف لك فقط: فالقول قول العامل إذا أتى بما يشبه؛ لأنه ادعى أن له عشر الربح ونصف تسعة أعشار ما بقي, وهو أن له أحد عشر جزءاً من الربح, ولرب المال تسعة أجزاء, فيكون لرب المال أربعة أعشار الربح ونصف عشره, وللعامل خمسة ونصف عشره, فيكون كمن ادعى الثلثين ورب المال الثلث.
ولو ادعى أنه له ربح مئة معينة ونصف ما بقي: لكان القول قول رب المال؛ لأنه مدعي الصحة والعامل مدعي الفساد, فهو كما لو ادعى ما لا يشبه؛ لأنه ادعى ربح مئة لا يخلطها مع بقية المال, وذلك فاسد, وبعد هذا باب فيه إيعاب هذا المعنى.
الجزء: 15 - الصفحة: 682
[الباب الثالث]
باب في نفقة العامل وكسوته
[فصل 1 - نفقة عامل القراض في السفر]
والقضاء: أن للعامل النفقة في مال القراض إذا شخص للسفر به لا قبل ذلك.
قال ربيعة: ولولا نفقته إذا شخص ما حل ذلك.
قال ابن المواز: ولا يأكل العامل من المال, وإن وقف على الخروج وقُرِّبت إليه دابته حتى يخرج, فحينئذٍ يأكل منه, قرب السفر أو بعد إن كان المال يحمل ذلك.
قال القاضي عبد الوهاب: وهي مسألة إجماع في سائر الأعصار إلى زمن الشافعي, فذكر بعض أصحابنا: أنه اختلف فيها قوله, فذهب في آخر أقواله وهو المشهور عنه: أن لا نفقة له في السفر, كما ليس له ذلك في الحضر.
قالوا: ولأن سفره بالمال ضرب من التصوف فيه, كتصرف الحاضر, فلا يستحق بذلك زيادة.
قالوا: ولأنا وجدنا كل من رضي من عمله بأجر, فلا يستحق نفقة, إلا أن يشترطها من الأجير والوكيل والصانع, فكذلك العامل.
قال عبد الوهاب: ودليلنا ما ذكرناه من الإجماع في سائر الأعصار, ولم يختلف فيه أحد من أهل العلم إلى زمن المخالف, وقد صار ذلك عرفاً بين الناس, والعرف كالشرط.
وقد اتفقنا: أن للعامل أن يستأجر من يكفيه مؤنة الحمولة والخدمة, فكذلك يجوز له أن ينفق منه على نفسه؛ لأن سفره لأجل تنمية المال, والفرق بينه وبين الحاضر أن: الحاضر لو لم يكن بيده قراض لم يكن له بد أن ينفق على نفسه وعياله, والمسافر قد التزم نفقة الخروج زيادة على ما نختاج إليه في حضره.
م: وإن شئت قلت: العرف ألا ينفق منه الحاضر وينفق منه المسافر, وهذه سنة القراض, وإنما أقر وأرخص فيه على ما كان في الجاهلية فمن اشترط خلاف ما كان عليه, فقد أحال القراض عن رخصته, وأخرجه عن بابه فيكون فيه أجيراً.
وبالله التوفيق.
الجزء: 15 - الصفحة: 683
[فصل 2 - نفقة عامل القراض في الحضر]
ومن المدونة, قال مالك: وإذا كان العامل مقيماً في أهله فلا نفقة له من المال ولا كسوة.
قال الليث: إلا أن يشغله البيع فيتغذى بالأفلس.
ابن المواز: وأباه مالك وقال: من استغل في الحضر في تجارة القراض فلا يأكل منه.
[فصل 3 - متى يبدأ المقرض في الإنفاق على نفسه من مال القراض إذا أراد السفر؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولا ينفق/ منه في تجهيزة سفره حتى يظعن, فإذا شخص من بلده كانت نفقته في سفره من المال في طعامه, وفي ما يصلحه بالمعروف في غير سرف ذاهباً وراجعاً إن كان المال يحمل ذلك, ولا يحاسب في ربحه ولكن يلغي, وسواء في ذلك قرب السفر أو بعد, وإن لم يشتر شيئاً, وله أن يرد ما بقي بعد النفقة إلى صاحبه, فإذا وصل إلى مصره لك يأكل منه.
قال ابن المواز: ينفق في مسيره ورجوعه, رجع إلى بلده أو بلد رب المال.
[فصل 4 - كسوة عامل القراض]
ومن المدونة, قال مالك: وله أن يكتسي منه في بعيد السفر إن كان المال يحمل ذلك, ولا يكتسي في قريبه إلا أن يكون مقيماً بموضع إقامته يحتاج إلى الكسوة.
قال ابن حبيب: من قول مالك: أنه ينفق في قريب السفر وبعيده, في ركوبه وطعامه, ولا يكتسي إلا في بعيده.
قال عبد الوهاب: لأن الذي يستحق من ذلك قدر ما تدعوه الحاجة والسفر القريب لا يحتاج إلى كسوة, فلم يجز أن يأخذ ما لا يحتاج إليه, فإذا طال احتاج إليها فأبيح له أخذها, وأما الطعام فهو محتاج إليه في قريب السفر وبعيده, ولو قلنا: أنه لا يستحق نفقة ولا كسوة, لأحاطت نفقته وكسوته في سفره بربحه المشترط فيذهب عناؤه باطلاً.
الجزء: 15 - الصفحة: 684
قال ابن حبيب: وذلك كله في كثرة المال, فإن كان المال, قليلاً فلا نفقة له ولا كسوة ولا ركوب.
قال ابن المواز: وليس في كثرة المال حد, غير أن الخمسين والأربعين عندي كثير.
[فصل 5 - هل لمن بعث لشراء بضاعة أو بيعها نفقة وكسوة؟]
قال ابن المواز: والبضاعة مثل القراض, ينفق منها كما ينفق من القراض إن كانت كثيرة, وأما القليلة فلا.
وكذلك هو في الكسوة مثل القراض, قيل: فإذا بعث معه بضاعة ليشتري له بها سلعة, أينفق منها قبل أن يشتري منها؟.
قال: نعم.
وكذلك لو بعث معه سلعة ليبيعها له فلينفق إن باع, وإن كان ذلك على وجه المعروف.
الجزء: 15 - الصفحة: 685
م: قد جرى العرف في النفقة والكسوة في القراض, وظاهر أمرهم في البضاعة أنه إن كان الخروج لها ومن أجلها فيجب أن يكون له نفقته وأجرته.
وإن كان إنما خرج لتجارة نفسه فبعث معه بضاعة أو مالاً لشراء سلعة, فالعرف عندنا أنه لا شيء له فيجب أن يحمل عليه.
[فصل 6 - العامل يقيم بغير بلده ويأخذ قراضاً هل له نفقة؟]
ومن المدونة, قال ابن القاسم: ومن قدم الفسطاط, فأخذ مالاً قراضاً على أن يقيم يتجر بالفسطاط وليست ببلده, فإنه ينفق منه في مقامه؛ لأن المال حبسه بها إلا أن يوطنها أو ينتقل لسكانها.
وإن لم يكن له به أهل فلا نفقة له.
قال: ولو خرج بالمال إلى بلد فنكح بها, فإنه إذا دخل وأوطنها, فمن يومئذٍ تكون نفقته على نفسه.
ولو أخذ مالاً قراضاً بالفسطاط وله بها أهل, فخرج به إلى بلد له بها أهل: فلا نفقة له في ذهابه ولا في رجوعه؛ لأنه ذهب إلى أهله ورجع إلى أهله.
ولو أخذه في بلد ليس فيه أهله, ثم خرج إلى بلد فيه أهله, فتجر هنالك, فلا نفقة له في ذهابه إلى أهله ولا في إقامته عندهم, وله النفقة في رجوعه.
الجزء: 15 - الصفحة: 686
وروى البرقي عن أشهب في من أخذ قراضاً بالفسطاط, وله بها أهل وأهل بالإسكندرية, فخرج إلى الإسكندرية: أن له النفقة في ذهابه ورجوعه, ولا نفقة له في إقامته في أهله, وقال به البرقي.
قال سحنون: وليس للمقارض أن يسافر بالمال القليل سفراً بعيداً, إلا أن يأذن له رب المال.
[فصل 7 - في التاجر الحاج يأخذ مالاً قراضاً]
ومن المدونة, قيل لمالك: فإن عندنا تجاراً يأخذون المال قراضاً, يشترون به متاعاً يشهدون به الموسم, ولولا ذلك ما خرجوا.
هل لهم في المال نفقة؟ , فقال: لا نفقة لهم ولا لحاج ولا لغاز في مال القراض في ذهاب ولا في رجوع.
قال ابن المواز: قال أصبغ: ولا في إقامته في الحج, إلا أن يقيم بعد انقضاء الحج للمال خاصة, فيكون له النفقة من يومئذ.
[فصل 8 - في المقارض يأخذ قراضين, أو يأخذ مع القراض مال نفسه]
ومن المدونة, قال مالك: ومن تجهز لسفر بمال قراضاً من رجل, واكترى وتزود, ثم أخذ قراضاً ثانياً من غيره, فليحسب نفقته وركوبه على المالين بالحصص.
وكذلك إن أخذ مالاً/ قراضاً فسافر به, وبمال نفسه فالنفقة على المالين.
قال مالك: وإن خرج في حاجة لنفسه, فأعطاه رجل قراضاً؛ فله أن يَفضَّ النفقة على مبلغ قيمة نفقته في سفره ومبلغ القراض, فيأخذ من القراض حصته ويكون باقي النفقة عليه.
قال في كتاب ابن المواز والعتبية: ينظر قدر نفقته, فإن كانت مئة والقراض سبع مئة, فعلى المال سبعة أثمان النفقة.
قال ابن المواز: وهذا استحسان عن مالك, ونحن نقف عنه.
الجزء: 15 - الصفحة: 687
وأخبرنا ابن عبد الحكم بخلافه: أنه لا نفقة له, وذلك أحب إلينا كمن تجهز إلى أهله.
فصل [9 - في المقارض يستأجر الأجراء والبيوت وغيرها]
ومن المدونة, قال مالك: وللعامل أن يواجر أجراء للأعمال التي لا بد له من ذلك فيها, ويكتري البيوت والدواب لما يحمل أو يخزن, وله أن يواجر من مال القراض من يخدمه في سفره إن كان المال كثيراً, وكان مثله لا يخدم نفسه.
وليس للعامل أن يهب من مال القراض شيئاً, ولا يولي ولا يعطي عطية, ولا يكافي -يكارم منه- فيه أحداً, فإما أن يأتي بطعام إلى قوم ويأتون بمثله فأرجوا أن يكون ذلك واسعاً له, إذا لم يتعمد أن يتفضل عليهم, فإن تعمد ذلك بغير إذن صاحبه فليتحلل صاحبه, فإن حلله فلا بأس له, وإن أبى فليكافئه بمثله إن كان شيئاً له مكافأة.
[فصل 10 -] في نفقة العامل من ماله وزيادته من عنده في كراء أو صبغ أو قصاره
قال ابن القاسم: وإذا أنفق العامل في السفر من مال نفسه: رجع به في مال القراض فإن هلك المال: لم يلزم رب المال شيء, وكذلك إن اشترى بجميع مال القراض سلعاً, أو اكترى له دواب من ماله, فإن أدى ذلك رب المال وإلا كان للعامل أن يأخذ من ثمن المبتاع كراءه مبدأ, ولا حصة له من الربح, ولو اغترق الكراء ثمن المبتاع: أخذه كله ولو زاد الكراء على ثمنه لم يكن له على رب المال شيء في الزيادة, ولا يكون بالكراء شريكاً في السلع, يريد: فإن أدى الكراء رب المال لم يكن على الشركة ويرجع فيأخذه من مال القراض مبدأ.
قال ابن القاسم: وأما إن صبغ الثياب أو قصرها بمال من عنده فذلك كزيادة في ثمن السلع على السلف لرب المال, فإما دفع إليه رب المال ما ودّي
الجزء: 15 - الصفحة: 688
وكانت على قراضه, وإلا كان العامل شريكاً بما ودَّي؛ لأن هذا عين قائمة بخلاف الكراء.
قال ابن المواز: إن زاد من ماله في ثمن السلعة على أن ذلك لنفسه, فهو بذلك شريك, ولا خيار فيه لرب المال, وكذلك إن زاد في الصبغ والقِصارة, وإن زاد ذلك سلفاً لرب المال فرب المال مخير كما هاهنا.
ومن المدونة وقال ابن القاسم: إن دفع إليه رب المال قيمة الصبغ لم يكن الصبغ على القراض, يريد: ولكن يكون شريكاً, ولا يزم العامل أن يعمل له فيه, فأما أن يقاسمه, أو يأتي بمن يعمل معه فيه.
قال غيره: لأن هذا كقراض ثان على أن يخلط بالأول بعد أن عمل بخلاف زيادة العامل على رأس المال في ثمن السلعة عند الشراء على السلف؛ لأن هذا كقراض ثان قبل اشتغال المال الأول, وذلك أنه إنما صبغ الثياب بعد الشراء, فإن أعطاه رب المال قيمة الصبغ لم يكن على القراض, وله أن لا يعطيه ذلك وأن يُضمَّنه قيمة الثياب, زاد في رواية سليمان بن سالم: فإن كان في القيمة فضل كان للعامل حصته منه, وإن أبى رب المال أن يُضمَّنه كان العامل شريكاً في الثياب بقيمة الصبغ من قيمة الثياب.
م: قال بعض فقهاء القرويين: وهذا على قول من ذهب إلى أن الغاصب إذا صبغ ثوباً غصبه: أن رب المال إن لم يشأ أن يضمن الغاصب قيمة ثوبه, ورغب في عين ثوبه ولم يشأ أن يدفع قيمة الصبغ: أنه يكون شريكاً للغاصب, وليس هذا المعهود من القول, وإنما يقول ابن القاسم: أنه بالخيار إن شاء أغرمه قيمة ثوبه أو أخذه/ ودفع إليه قيمة الصبغ فقط, وأشهب يرى: أن يأخذ ثوبه ولا شيء للغاصب في صبغة كتبيض الدار, وخياطة الثوب.
[الباب الرابع]
باب في زكاة مال القراض
الجزء: 15 - الصفحة: 689
قال مالك: ولا يزكي العامل رأس مال القراض ولا ربحه, وإن أقام بيده أحوالاً حتى ينض المال ويحضر ربه فيقتسمان؛ لأنه لا يدري أرب المال حي أم ميت؟ أن عليه دين؟ فإن كان العامل يدير زكَّيَا لكل سنة بقدر ما كان المال فيها من عين أو قيمة عرض, فإن كان في أول سنة قيمة المبتاع مئة, والسنة الثانية مئتين, والسنة الثالثة ثلاث مئة, زكى كل سنة قيمة ما كان يساوي المبتاع فيها إلا ما نقصت الزكاة كل عام.
قال ابن القاسم: وإن أخذ العام تسعة عشر ديناراً, فعمل بها يوماً وقد كان تم لهذه التسعة عشر ديناراً حولاً عند رب المال, ثم افترقا وقد ربحا ديناراً فلا زكاة عليهما؛ لأن رب المال لم يكن له في رأس ماله وربحه ما فيه الزكاة.
قال أشهب عن مالك: عليهما الزكاة, وقاله ابن الماجشون.
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ قراضاً بعد ستة أشهر من يوم زكاه, فعمل به أربعة أشهر ثم تفاصلا زكى رب المال لتمام حوله, ولا يزكي العامل حصة ربحه
الجزء: 15 - الصفحة: 690
حتى يتم حول من يوم اقتسماه, وفي ربحه عشرون ديناراً, إن كان له مال قبل ربحه, إذا أضافه إلى ربحه بلغ ما يجب فيه الزكاة, فليزكيه لتمام حول من يوم اقتسماه؛ لأن الفائدة الأولى تضم إلى حول الثانية, وقد تقدم إيعاب هذا في الزكاة.
الجزء: 15 - الصفحة: 691
[الباب الخامس]
في تلف المال بيد العامل وتجره فيما بقي
[فصل 1 - تلف بعض مال القراض بيد العامل ثم يعمل فيما بقي فيربح]
والقضاء في القراض ألا يقسم فيه ربح إلا بعد كمال رأس المال, وأن المقارض مؤتمن لا يضمن ما هلك بيده إلا أن يتعدى فيه.
قال مالك: وإذا ضاع بعض المال بيد العامل قبل العمل أو بعده, أو خسره, أو أخذه اللصوص, أو العاشر ظلماً: لم يضمنه العامل إلا أنه إن عمل ببقية المال جبر بما فيه ربح أصل المال, فما بقي بعد تمام رأس المال الأول كان بينهما على ما شرطا, ولو كان العامل قد قال لرب المال: لا أعمل حتى تجعل ما بقي رأس المال, ففعلا وأسقطا الخسارة, فهو أبداً على القراض الأول, وإن حاسبه وأحضره, ما لم يقبضه منه ثم يرده إليه.
قال أصبغ: على باب الصحة والبراءة.
وقال ابن حبيب: إذا لقي العامل رب المال وأخبره بما نقص رأس المال, فقال له: اعمل بالذي بقي, فقد أسقطت عنك ما ذهب, فهو قراض مؤتنف إذا بيَّنه هكذا, أحضر المال أو لم يحضره, قبضه أو لم يقبضه ربه, وكذلك لو ربحا فاقتسما الربح, ثم قال اعمل بما بقي في يديك, كان قراضاً مؤتنفاً إن لم يقبض منه المال.
قاله ربيعة ومالك والليث ومطرف وابن الماجشون, ومن لقيته من أصحاب مالك إلا ابن القاسم فإنه قال: هما على القراض الأول.
قال أبو محمد بن أبي زيد: الذي ذكره ابن حبيب عن ابن القاسم هو قول ربيعة ومالك والليث, ذكره ابن المواز, وقال أخبرني أصحاب مالك عنه أنه قال: لا يجوز أن يتفاصلا حتى يحضر جميع المال ثم يقبض رأس ماله ثم يقتسمانه الربح.
[فصل 2 - العامل يستهلك بعض المال القراض ثم يتاجر فيما بقي فيربح]
ومن المدونة, قال مالك: وليس ما استهلك العامل من المال مثل ما ذهب أو خسر؛ لأنه ما استهلك قد ضمنه, ولا حصة لذلك من الربح؛ لأنه تمام رأس المال, وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما
الجزء: 15 - الصفحة: 692
وإن تسلف العامل نصف المال أو كله فالنصف الباقي رأس المال وربحه على ما شرطا, وعلى العامل غرم النصف فقط ولا ربح لذلك النصف.
وإن أخذ مئة قراضاً فربح فيها مئة, ثم أكل منه مئة, لم تجر في المئة الثانية/ فربح مالاً فمئة في ضمانه, وما بقي في يده مع ما ربح بعد ذلك فهو بينهما على ما شرطا, ولو ضاع ذلك فلم يبق إلا المئة التي في ذمته: ضمنها لرب المال, ولا تعد ربحاً إلا بعد كمال رأس المال.
قال بعض فقهاء القرويين: هذا صواب كله ما لم يفلس العامل فإن فلس وقد كان أخذ مئة فأكل منها خمسين قبل أن يتجر, ثم تجر في الخمسين الباقية فصارت مئة ثم فلس, فيجب على مذهب ابن القاسم أن يكون أحق بالمئة من الغرماء ويبقي عنده خمسون فيحاص بها الغرماء؛ لأن الربح أولى أن يجبر به رأس المال من أن يكون للعامل, كما لو ضاع من المال خمسون فتجر في الخمسين الباقية فصارت مئة أن رب المال أولى بها, أو لا ترى أن ابن القاسم قال في الذي دفع إليه ثمانين فضاع منها أربعون فدفعها إلى غيره فتجر فيها فصارت مئة أن رب المال يأخذ ثمانين, ويكون أولى بها من العامل الثاني ثم يأخذ نصف الربح عشرة, والعامل الثاني هاهنا أكرى من الغرماء؛ لأنه هو الذي نمَّى المال فلم يجعله أحق بجزئه من الربح لما كان رب المال له خبر ما كان في ماله من الخسارة.
م: وقال غيره: بل يأخذ من المئة التي بيده خمسين رأس ماله وخمسة وعشرين حصته من الربح, ويُحاص في الخمسة والعشرين بقية الربح بالخمسين التي عليه وذلك بخلاف ضياع الخمسين, لأن رب المال لا مرجع له على الذي ضاعت له الخمسين, وله على الذي أكلها الرجوع بها فافترقا, وكذلك العامل في الأربعين له الرجوع على العامل الأول فلذلك كان رب المال أولى بجبر رأس المال منه.
م: والقول الأول أصوب لأن رب المال أولى بجبر رأس المال, وأما الذي دفع إليه مئة فتجر فيها فصارت مئتين, ثم أكل مئة ثم تجر في المئة الباقية فصارت مئتين فعلى كما ذكرنا عن ابن القاسم: يجب أن يأخذ المئة فيكون أحق بها؛ لأنها رأس ماله, ويأخذ خمسين من المئة الباقية حصته من الربح, ويضرب بخمسين حصته من الربح من
الجزء: 15 - الصفحة: 693
المئة التي أكل؛ لأنها صارت ربحاً فيضرب بها في الخمسين الباقية من الربح مع غرماء العامل.
وعلى التأويل الثاني: يجب أن يكون ما أكل نصفه من رأس المال ونصفه من الربح, فيكون الباقي من رأس خمسين فيأخذها, ويأخذ نصف ما بقي, وهو خمسة وسبعون حصته من الربح, ويضرب في الخمسة والسبعين الباقية ببقية رأس المال الذي أكل العامل وبنصف الخمسين الباقية مما أكل؛ لأنها حصته من الربح المأكول, فيضرب في هذه الخمسة والسبعين الباقية بهذه الخمسة والسبعين المستحقة قبل العامل مما أكل.
فاعلم ذلك.
[فصل 3 - مال القراض يُجنى عليه جناية تنقصه]
ومن المدونة: وإن اشترى بالقراض وهو مئة دينار عبداً يساوي مئتين, فجنى عليه رب المال جناية نقصته مئة وخمسين, ثم باعه العامل بخمسين, فعمل فيها فربح مالاً أو وضع لم يكن ذلك من رب المال قبضاً لرأس ماله وربحه حتى يحاسبه ويفاصله ويحسبه عليه, فإذا لم يفعل فذلك دين على رب المال مضاف إلى هذا المال.
ابن المواز قال ابن القاسم: ولو أخذ مئة قراضاً, فأخذ له اللصوص خمسين, فآداه ما بقي فأتم له المئة لتكون هي رأس المال, فإن رأس المال في هذه خمسون ومئة حتى يقبض ما بقي على المفاصلة, وكذلك لو رضي أن يبقي ما بقي رأس المال: لم ينفع ذلك.
م: وعل قول ابن حبيب ينفعه ذلك, ويكون ما بقي رأس المال على ما تراضيا عليه.
قال ابن المواز: فإن فضل بعد الخمسين ومئة شيء اقتسماه على شرطهما.
م: كأنه رأى لمَّا لم يحرك المال حتى أخذ منه اللصوص الخمسين: أن زيادة رب المال الخمسين لا يكون كقراض/ ثان فإنها مضافة إلى المئة, وكأنه اليوم دفع إليه بخمسين مئة, فوجب ما ربح عليهما يجب قسمته.
وقال بعض فقهاء القرويين: إنما يصح ها الجواب إذا صار رأس المال مئتين؛ لأنه إذا اتجر بالخمسين: وجب فض الربح عليها, فما قابل الخمسين الباقية بيده جبر به
الجزء: 15 - الصفحة: 694
الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الذاهبة, وما قابل الخمسين الأخيرة قسماه, فإن ربح عشرين جبر بعشرة منها الخمسين فصارت ستين, وقسما عشرة حصة الخمسين الأخيرة, وكذلك لو ربح ثلاثين أو أربعين, وإن ربح مئة كانت خمسين جبراً للخمسين الذاهبة, ويقسمان الخمسين على شرطهما, فما ربح بعد ذلك قسماه بغير فضوض, ويصح جواب الكتاب.
م: وهو القياس, قال: وأما لو أخذ اللصوص جملة رأس المال, فأعطاه رب المال مالاً آخر فلا جبر في ذلك, وهذا الثاني هو رأس المال, وإنما يصح الجبر إذا بقي من الأول شيء.
[فصل 4 - العامل في القراض يشتري سلعة ثم يضيع المال]
ومن المدونة: وإذا اشترى العامل سلعة ثم ضاع المال: خُيَّر رب المال في دفع ثمنها على القراض, فإن أبى: لزم العامل الثمن, وكانت له خاصة, فإن لم يكن له مال: بيعت عليه, فما ربح فله ما وضع فعليه, وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس المال دون الذاهب, وإن ضاعت السلعة والمال قبل النقد: فلا شيء على رب المال ويغرم العامل جميع الثمن.
م: وإنما قال: وإن نقد فيها رب المال كان ما نقد الآن رأس ماله دون الذاهب, ولم يضفه إلى رأس المال الأول؛ لأنه لما ضاع رأس المال كله فقد انقطعت المعاملة بينهما, فإن دفع إليه الآن رب المال شيئاً فهو كابتداء قرض, ولو أنه إنما ضاع بعض المال, فأتم له رب المال بقية ثمن السلعة, فهاهنا يكون رأس المال جميع ما دفعه إليه أولاً وآخراً, ولا يسقط عنه ما ذهب؛ لأن المعاملة بينهما بعد قائمة لم يتفاصلا فيها, فهو بخلاف ذهاب جميع المال.
والله أعلم.
الجزء: 15 - الصفحة: 695
[الباب السادس]
باب ما يجوز للعامل أو لرب المال فعله في مال القراض أو لا يجوز
[فصل 1 - هل للمقارض أن يخلط ماله بمال القراض؟]
قال مالك: وإذا خاف العامل أنه إن قدَّم ماله على مال القراض أو وخَّره وقع الرخص في ماله, فالصواب أن يخلطهما, ويكون ما اشترى بهما من السلع على القراض وعلى ما نقد فيها, فحصة القراض رأس مال القراض, وحصة العامل على ما نقد فيها, ولا يضمن العامل, إن خلطهما بغير شرط.
م: ولا ينبغي على شرط الخلط ولا على أن شاء خلطه.
قال أصبغ: وليس بحرام ولكنه من الذرائع, فإن فعله لم أفسخه وكان أشهب يخفف أن يشترط ذلك على المقارض أن يضم ماله إلى مال القراض, ويعمل على أن له نصف ربحهما والنصف لرب المال.
الجزء: 15 - الصفحة: 696
قال أصبغ: ولا يعجبنا هذا, إلا أن يقل مال العامل, مثل الخمسة دنانير والعشرة مما لا يغتزي به كثرة البيع والشراء, فإن نزل أمضيته على قراضهما.
وفي كتاب ابن حبيب: ما لم يقصد فيه استغراق الربح لقلة مال القراض, فيكون كزيادة مشترطة داخلة في القراض, فيكون على قراض مثله على غير شرط بعد أن يقسم الربح على المالين.
قال بعض فقهاء القرويين: وما قاله أصبغ من أن مال العامل إذا كان يسيراً لا يقصد به كثرة المال حسن؛ لأن الكراهية إنما تقع في الخلط أنه يغتري في تكثير البيع والشراء إذا كثر المال فقد يكون له في ذلك انتفاع.
وأما قول أشهب: أن نصف ربحهما لرب المال ونصفه للعامل, وذلك يرجع إلى حد معلوم, فكيف يصح هذا إذا خلط العامل المال بمثله؟ فيصير قد عمل لرب المال باطلاً, لما أخذ رب المال نصف الربح نصف رأس المال, وهو لا يجيز أن يخرج أحدهما مئة والآخر مئة, على أن يعمل أحدهما, ويكون عنده للعامل إجارة مثله في مئة/ صاحبه, في المعروف من قوله.
الجزء: 15 - الصفحة: 697
[فصل 2 - هل للعامل أخذ قراض من رجل آخر؟ وهل له خلطه بالمال الأول؟]
ومن المدونة, قال مالك: ولو أخذ من رجل قراضاً, فله أن يأخذ قراضاً من رجل آخر, إن لم يكن الأول كثيراً يشغله الثاني عنه: فلا يأخذ حينئذٍ من غيره شيئاً.
قال ابن القاسم: فإن [أخذهما] وهو [يحتمل] العمل بهما فله أن يخلطهما, ولا يضمن, ولا يجوز أن يكون ذلك بشرط من الأول أو الثاني.
[فصل 3 - العامل يأخذ قراضاً من رجلين ثم يختلطان عليه]
[المسألة الأولى: العامل يربح في أحد القراضين ولم يتعيَّن]
ومن العتبية وكتاب ابن المواز: ولو ربح خمسين ديناراً, ثم لم يدر في أي المالين ربحهما نسي ذلك, قال: فلا شيء له في الخمسين ويكون بين صاحبي المالين.
المسألة الثانية [العامل يأخذ قراضين على النصف وعلى الثلث ويشتري سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين ثم أشكلت الرفيعة من أي المالين]
وقال سحنون: وإن أخد من رجل قراضاً على النصف, وعلى آخر على الثلث, فاشترى سلعتين صفقتين بثمنين مختلفين بكل مال على حده, ثم أشكل عليه السلعة الرفيعة من أي المالين هي؟ وادعى كل واحد من صاحبي المالين أن الرفيعة من ماله: فلا ضمان على العامل, وهو كمن أودعه رجل مئة وآخر خمسين, فنسي الذي له المئة, وادَّعاها الرجلان: فليتحالفا ويقتسما المئة, وتبقى الخمسون بيد المستودع ليس لها مُودع.
ومن رأى: أن يضمنه مئة لكل واحد منهما بغير يمين فكذلك, يجري في مسألة القراض بالمالين.
[المسألة الثالثة: العامل يشتري بالمالين جاريتين ثم يختلطان عليه]
وروى أبو زيد عن ابن القاسم ولو أخذ من رجل مئة قراضاً ومن آخر مئة, فاشترى بمئة كل واحد جارية, ثم اختلطا عليه, فلم يعرف هذه من هذه: فعلى العامل ضمان قيمتهما, إلا أن يرضيا أن يكون شريكين فيهما, فإن خسرا لم يكن على
الجزء: 15 - الصفحة: 698
العامل شيء, وإن ربحا كان على شرطه في الربح.
وقال أيضاً: إن كان رأس مال إحداهما عشرة والأخرى عشرين, فكانت قيمة أدنى السلعتين عشرين: فلا ضمان عليه, وأرى: أن تباعا ويقتسما الثمن على قدر رؤوس الأموال, وللعامل من ربح كل مال شرطه.
وقال ابن المواز: إن كانت قيمتهما معتدلة فلا حجة لصاحب الأكثر على الأقل, وإن اختلفت, رأيت على العامل غرم فضل قيمة المرتفعة؛ لأن كل واحد يدعيها, والعامل لا يدفع أحداً عن دعواه.
الجزء: 15 - الصفحة: 699
م: ويدخله اختلافهم في من أودع مئةً فادَّعاها رجلان, ولم يدر لمن هي منهما, فقيل: يضمن لكل واحد مئة, وقيل لا يضمن لنسيانه ويقتسمان المئة بينهما نصفين فكذلك هذه.
قال بعض فقهاء القرويين: ذكر أن كل واحد يأخذ رأس ماله, ويقتسمان الربح على قدر رؤوس الأموال, والذي توجبه مسائل التداعي أنه إذا دفع إليه أحدهما عشرة والآخر عشرين فاشترى جاريتين: قيمة واحدة أربعون, وقيمة الأخرى عشرون, وأمكن أن تكون التي بأربعين هي المشتراه بعشرة أو المشتراه بعشرين, فبيعت الواحدة بأربعين فادَّعياها, فصاحب العشرة يقول: هي لي فربحها فيها ثلاثين خمسة عشر لي وخمسة عشر للعامل, وصاحب العشرين يقول هي لي وربحها فيها عشرين: عشرة لي وللعامل عشرة, فيقال له قد سلمت خمسة من الربح, لصاحب العشرة؛ لأنك لا تدعي من الربح إلا عشرة, وهو يدعي خمسة عشر فسلم إليه خمسة وبقيت عشرة من الربح يدعيها كل واحد منهما, فتقسم بينهما نصفين فيصير على هذا التأويل ثلثا نصف الربح لصاحب العشرة, وثلثه لصاحب العشرين, وذلك عكس ما ذكر في الجواب, ويجب أن تقسم الخمسة عشر نصف الربح -على قول مالك- إلى خمسة أسهم: ثلاثة لصاحب العشرة, واثنان لصاحب العشرين, فيقع لصاحب العشرة منها تسعة وللآخر ستة.
م وأما على مذهب ابن القاسم فكما ذكر؛ لأن أحدهما يدعي خمسة عشر من الربح والآخر عشرة, فقد سلم إليه خمسة, وتداعيا في العشرة فيجب قسمتها بينهما, وأما على مذهب مالك في المسألة التي: لواحد/ دينار وللآخر مئة دينار, فضاع من الجملة دينار: أن الربح يقسم بينهما على رؤوس الأموال كما قسمت الخسارة؛ لأنه لما أمكن أن يكون الربح في التي اشتريت بعشرة أو في التي اشتريت بعشرين, وجب جمع المالين وقسمة الربح عليهما, كما قلنا في مسائل عول الفرائض, وفي مسائل الرد على من يقول به, وفي مسائل الشركة في الربح والخسارة.
وهذا بين.
الجزء: 15 - الصفحة: 700
فصل [4 - المقارض يشارك بمال القراض بغير إذن رب المال]
ومن المدونة، قال مالك: ولا يجوز للعامل أن يشارك بمال القراض أحداً، وإن عملا جميعاً، فإن فعل: ضمن، ولا يجوز أن يشارك عاملاً لرب المال، كما لا يستودع المودَع الوديعة عند من لربها عنده وديعة، ولا عنده غيره، فهذا إن شارك؛ فكأنه أودع عند غيره.
قال ابن المواز قال مالك: ولو تجهز العامل لسفر فقال له رب المال: أخرج مالاً آخر مثل الأول نشترك معه به.
قال مالك: ما أرى من أمر بيّن كأنه خففه.
قال ابن القاسم: إن صح من غير موعد أو رأى فذلك جائز.
وقال أصبغ في العتبية: لا خير فيه.
وقال سحنون: هو الربا بعينه.
[فصل 5 - المقارض يبضع أو يستودع غيره من مال القراض]
ومن المدونة، قال: ولا يبضع العامل من المال بضاعة، فإن فعل: ضمن، ولو أذن له رب المال في ذلك: جاز ما لم يأخذه على ذلك، ولا يبضع مع عبد لرب المال اشترط معونته، ولا يوجه أيضاً مع عبد نفسه بعض المال إلى بلد يتجر فيه أو يشتري له به هناك بعض السلع، فإن فعل ضمن.
ولو أذن له رب المال أن يبيع بالنقد والنسيئة، فلا يودع أحداً شيئاً إلا لعذر كالمودع، وإن كان لغير عذر ضمن، ويعذر بالسفر أو يمنزل خرب أو ليس بحرز أو ليس عنده من يثق به فلا يضمن في هذا.
فصل [6 - المقارض يشارك بمال القراض بإذن رب المال]
ولا يشارك بالمال أو يقارض به إلا بإذن رب المال، فإن قارض بغير إذن رب المال: ضمن.
ابن المواز: قال ابن القاسم: ولو شارك رجلاً فيما لا يغيب عليه ويقتسماله: فذلك جائز.
[فصل 7 - المقارض يقارض غيره]
الجزء: 15 - الصفحة: 701
ومن المدونة: ولو أخذ قراضاً على النصف، فتعدى فدفعه إلى قراضاً على الثلثين: ضمن عند مالك، فإن عمل به الثاني فربح: كان لرب المال نصف الربح وللعامل الثاني نصفه، ثم يرجع الثاني ببقية شرطه وهو السدس على العامل الأول.
وكذلك في المساقاة إذا أخذها على النصف، فدفعها على الثلثين للعامل الثاني: أن رب الحائط يأخذ النصف، ويرجع المساقي الثاني على الأول بالسدس.
قال بعض فقهاء القرويين: وظاهر القول أنه يرجع بسدس الثمرة، والصواب: أنه يرجع بربع قيمة عمله؛ لأنه باع عمله بثمرة استحق ربعها، كما لو باع سلعة بمكيل أو موزون، فاستحق ربع ذلك بعد فوات السلعة: أنه يرجع بربع قيمتها لا بمثل ما استحق إلا على تأويل محمد على ما في كتاب الشفعة في استحقاق المكيل بعد أخذ الشفيع الشقص منه: أنه رده بمثل المكيل، وليس هذا المشهور من المذهب.
وإذا أخذ المقارض المال على النصف، فدفعه إلى آخر على الثلث، فالسدس لرب المال ولا شيء للمقارض الأول؛ لأن القراض جعل فلا يصح إلا بالعمل.
ولو كانت بثمانين دينار فخسر الأول أربعين، ثم دفع أربعين إلى الثاني على النصف فصارت منه، ولم يكن الثاني علم بذلك فرب المال أحق بالثمانين رأس ماله ونصف ما بقى وهو عشره، وياخذ الثاني عشرة، ويرجع على الأول بعشرين ديناراً، وهو تمام نصف ربحه على الأربعين.
وقال أشهب: لا يحسب رب المال على الثاني إلا أربعين رأس ماله فيأخذها، ثم يأخذ نصف الربح وهو ثلاثون، فإن كان الأول أتلف الأربعين تعدياً: رجع عليه المال بتمام عشرة ومئة إلى ما أخذه، وإن هلكت بأمر من الله: رجع عليه بتمام تسعين، / وذلك عشرون ديناراً، عشرة بقية رأس ماله، وعشرة
الجزء: 15 - الصفحة: 702
حصته من الربح، ولا يأخذ ذلك من الثاني فيظلمه عمله، وأرجعناه على الأول؛ لأنه ضامن بتعديه.
قال ابن القاسم: وإن أمر العامل من يقتضي ديونه إذن رب المال: ضمن ما تلف بيد الوكيل مما قبض.
وإذا باع العامل سلعة من القراض، فوخر رب المال المبتاع بالثمن: جاز ذلك في حظ رب المال خاصة، فإن توى حظ رب المال وقد قبض العامل حصته: لم يرجع عليه رب المال بشيء، وكذلك ما وخب يجوز في حظه.
م: قيل: وإنما جاز ذلك على العامل؛ لأن المال إذا نض لم يكن للعامل العمل به إذا منعه رب المال، فهو يقول هب هذا الذي أخرته قد قبضته أليس لي قبضه من رأس مالي، فاحسب ذلك على مالي، وكذلك هبته على هذا المعنى.
الجزء: 15 - الصفحة: 703
[الباب السابع]
في من تجوز مقارضته أو يدفع قراضاً أو لا ومن لا تجوز
[فصل 1 - للمأذون له دفع القراض وأخذه]
قال مالك: وللمأذون أن يأخذ مالاً قراضاً ولا يضمنه إن تلف.
قال ابن القاسم: وله أن يدفع قراضاً؛ لأنه يبيع بالدين ويشتري به.
وقال أشهب وسحنون: لا يأخذ المأذون قراضاً ولا يدفعه بخلاف المكاتب.
م: فوجه قول أشهب وسحنون: كأنهما رأيا أن القراض من باب الإجازة، وهو الظاهر، فيجب على هذا أن لا يأخذ قراضاً كما ليس له أن يواجر نفسه؛ لأنه إنما أذن له في التجارة.
ووجه قول مالك: أن القراض وإن كان إجازة فكان العادة فيه مما يعلمه التجار، فكان كالتجارة، فساغ للمأذون أخذه؛ لأنه مأذون له في التجارة، وأما دفعه القراض فهو من باب التجارة، وكما يواجر التجار من يعمل لهم، وكما يقارض الشريك المقارض؛ لأن في ذلك نمو المال كالتجارة.
قيل: وإذا أخذ المأذون قراضاً فربح فيه، فما أخذ من الربح فهو مثل خراجه، لا يقضي منه دينه، ولا يتبعه إن عتق؛ لأنه إنما باع منافع نفسه بذلك، فأشبه لو استعمل نفسه في الإجازات.
[فصل 2 - الرجل يقارض عبده أو أجيره والعبد والمكاتب يقارضان بأموالهما]
قال ابن القاسم: ولا بأس أن يقارض الرجل عبده، أو أجيره إلى الخدمة، إن كان مثل العبد.
وقال سحنون: ليس الأجير مثل العبد، ويدخله في الأجير فسخ الدين بالدين.
م: معنى قول ابن القاسم إذا كان الأجير مثل العبد، يريد: إذ ملك جميع خدمته كالعبد، ويكون ما استأجره فيه يشبه عمل القراض، مثل أن يستأجره ليتجر له في السوق، ويخدم في التجارة، فمثل هذا إذا قارضه لم ينقله من عمل إلى خلافه، ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه، مثل البناء والقصارة، فنقله إلى التجارة لدخله
الجزء: 15 - الصفحة: 704
ولو كان إنما استأجره لعمل بعينه، مثل البناء والقصارة، فنقله إلى التجارة لدخله فسخ الدين، في الدين كما قال سحنون.
والله أعلم.
وقال ابن أبي زمنين: إنما فرق بين الأجير والعبد؛ لأن الأجير إذا شغله في القراض خفف عنه بعض ما استأجره له، فيعد ذلك التخفيف كزيادة مشترطة.
ومن المدونة، قال ابن القاسم: وللمكاتب أن يبضع أو يدفع قراضاً أو يأخذه على ابتغاء الفضل.
[فصل 3 - مقارضة من لا يعرف الحلال من الحرام، ومقارضة الكافر]
قال مالك: ولا أحب مفارضة من يستحل الحرام، أو من لا يعرف الحلال من الحرام وإن كان مسلماً، وكره مالك وابن أبي حازم أن يأخذ مسلم قرضاً من ذمي قال ابن القاسم: وأظنهما إنما كرهاه لئلا يذل المسلم نفسه.
قال ابن المواز: ويفسخ ما لم يعمل فإذا ترك حتى ينض المال فيفسخ، وأفسخ الإجازة متى ما علمتُ بها، وله بحساب ما عمل.
وإذا قارض مسلم نصرانياً فربح فسخته، ورددت إلى المسلم رأس ماله.
ومن المستخرجة لسحنون وسئل عن نصراني دفع إلى نصراني قراضاً، فاشترى النصراني بذلك خمراً، فأسلم رب المال والخمر قائمة بيد المقارض وفيها، ربح أو لا ربح فيها، فقال رب المال: إنما قارضتك بمال فادفع إليّ مالي، وكيف إن قال رب المال: ادفع إليّ الخمر أكسرها؟ قال سحنون: ينظر إلى قدر فضل النصراني، / فيعطاه منها ويراق ما صار للمسلم.
قال بعض فقهاء القرويين: انظر إذا أعطى المسلم قراضاً لنصراني، فاشترى بهما خمراً أو خنازير هل يضمن؟ إنما دخل على أحكام المسلمين فلا يتجرأ إلا فيما يجوز
الجزء: 15 - الصفحة: 705
كتاب آداب القضاة بسم الله الرحمن الرحيم جامع القول في آداب القضاة وسيرها والأقضية ووجوهها [فصل 1 - الحكم بالعدل عند تولي القضاء] قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا﴾، وقال: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآَنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾
الجزء: 15 - الصفحة: 706
فصل [2 - أنواع القضاة]
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، فأما الذي في الجنة فرجل عرف الحق فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار، ورجل قضى في الناس على جهل فهو في النار»، وروي عنه عليه السلام أنه قال: «الحكام ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، حاكم جهل فخسر فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحاكم علم فهدل - يريد جار - فأهلك أموال الناس وأهلك نفسه ففي النار، وحاكم علم فأحرز أموال الناس وأحرز نفسه ففي الجنة».
فصل [3 - في الإجابة إلى القضاء وطلبه]
وروى عنه عليه السلام أنه قال: «من جُعل قاضياً بين الناس فقد ذُبح بغير سكين»، وقال عليه السلام: «من طلب القضاء واستعان عليه وُكل إليه من لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكاً يسدده».
الجزء: 15 - الصفحة: 707
وقال عمر بن الخطاب عليه السلام: (لا يقوى على هذا الأمر أحد أخذه طائعاً) وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسأل الإمارة فإنك إن تولها عن غير مسألة تعن عليها، وإن تولها عن مسألة توكل إليها».
فصل [4 - في صفات القاضي]
وقال عمر بن الخطال رضي الله عنه: (لا يصلح أن يلي هذا الأمر إلا الشّديد في غير عنف، اللين من غير ضعف، الجواد في غير سرف، البخيل في غير وَكَف) ,
ومنه قول الشاعر:
الحافظوا عورة العَشيرة لا يألهم من ورائنا وَكَف.
الجزء: 15 - الصفحة: 708
وكتب عمر بن عبد العزيز: لا يصلح في الحكم إلا الرجل الجامع الفهم، العالم بأمر الله، القوي على أمر الناس، المستخف بسخطهم وملامتهم، ومن راقب الله تعالى وكانت عقوبة الله أخوف في نفسه من أمر الناس وهبه الله السَّلامة.
وقال لا يُسْتقضى من ليس بفقيه حتى يكون فقهياً عالماً بآثار من مضى، مستشيراً لذوي الرأي، حليماً، نزهاً، ورعاً.
قال أشهب: ويكون مستخفاً بالأئمة.
م: يريد غير هيوب لهم في الحق، ويروي بالملائمة في الملام.
فصل [5 - تولى الرجل الفقير أو المدين أو ولد الزنا أو المعتق القضاء]
قال سحنون في كتاب ابنه: وإذا كان الرجل فقيراً وهو أعلم بمن بالبلد وأرضاهم استحق القضاء ولكن لا ينبغي أن يجلس حتى يَسْتغنى، ويُقْضى عنه دينه.
قال: ولا بأس أن يستقضى ولد الزنا ولا يحكم في الزنا، كما أن القاضي لا يحكم لابنه.
الجزء: 15 - الصفحة: 709
قال أصبغ: ولا بأس أن يُسْتقضى المحدود في الزنا إذا تاب، ورضي حاله، وكان عالماً.
ويجوز حكمه في الزنا وإن كانت شهادته لا تجوز فيه؛ لأن الحكام المسخوطين تجوز أحكامهم ما لم يحكموا يجور أو خطأ، ولا تجوز شهادتهم.
قال أبو محمد: وأعرف لسحنون أنه لا يُجوز أم يُسْتقضى المعتق خوفاً أن تستحق رقبته فتذهب أحكام الناس.
فصل [6 - ما يقضي به القاضي من الأصول والاجتهاد
وفي مشورته للعلماء]
وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا اجتهد الحكام فأخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران» قال أبو محمدك وهذا - والله أعلم - إذا كان من أهل الاجتهاد فهو الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم: «إنه من أهل الجنة» فيعذر بخطئه، وأما المكلف الذي ليس هو من أهل الاجتهاد فهو الذي قال فيه عليه السلام: «إنه من أهل النار».
وقال مالك: إذا كان ما يقضي فيه القاضي مما قد ظهر وعرف وأَحْكَمه الماضون قُضى به، وإن لم يتبين له وليس على ما وصفنا من ظهوره فلا يتعجل يثبت، وما قُضي به مما في كتاب الله عز وجل أو مما أحكمته سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الحق لا شط فيه، وما كان من اجتهاد
الجزء: 15 - الصفحة: 710
الرأي فالله أعلم، قال مالك: وليحكم بما في كتاب الله تعالى فإن لم يكن فيه فيما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صحبته الأعمال، فإن صحب العمل غيره قضى بما صحبه العمل، فإن لم يجد ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فبما أتاه عن الصحابة إن اجتمعوا، فإن اختلفوا حكم بما صحبته الأعمال، ولا يخالفهم جميعاً ويبتدي شيئاً من رأيه، فإن لم يكن شيء من ذلك فيما ذكر اجتهد رأيه وقاسه بما أتاه عنهم ثم يقضي بما يجتمع عليه رأيه ويرى أنه الحق، فإن أشكل عليه شاور رهطاً من أهل الفقه ممن يستأهل أن يشاور في دينه ونظره وفهمه ومعرفته بأحكام من مضى وآثارهم، وقد شاور عمر وعثمان علياً رضي الله عنهم.
قال أشهب: وكان عثمان رضي الله عنه إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ثم استشارهم فإذا رأوا ما رأى أمضاه، وقال: هؤلاء قضوا ليست أنا.
قال أشهب: وينبغي للقاضي إن قدر على ذلك أن لا يقضي إلا وعنده علماء من أهل الفقه يأمرهم بأن لا يشتغلوا عن / الفهم لما يُدْلي عنده من الحجج، ولما يقضي به فيما فهم من ذلك وفهموا، ولا ينبغي لمن حضره منهم إذا قضي بشيء زل فيه أن يدعه وأمضاه ليكلمه فيه بعد ذلك، ولكن يرده مكانه في لين ورفق لئلا
الجزء: 15 - الصفحة: 711
يفوت القضاء به فلا يقدر على رده، وإن خاف القاضي الحَصَر من جلوسهم عنده، أو يشتغل فلبه بهم وبالحذر منهم حتى يكون ذلك نقصاناً في فهمه فأحب إلي أن لا يجلسوا إليه.
وقال ابن سحنون عن أبيه: لا ينبغي للقاضي أن يكون معه في مجلسه من يشغله عن النظر كانوا أهل الفقه أو غيرهم فإن ذلك يدخل عليهم الحَصَر والاهتمام بمن معه.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون ولمن يتخذهم مشيرين إذا ارتفع عن مجلس قضائه، وكذلك كان يفعل عمر رضي الله عنه.
قال ابن المواز: لا يدع مشاورة أهل الفقه المستحقين للمشورة وذلك بعد أن يتوجه الحكم لأحد الخصمين.
قال سحنون: لا يستشير القاضي العالم في ما شهد به هذا العالم عنده.
[فصل 7 - في رفق القاضي ولينه وسياسته]
قال: وينبغي للقاضي أن يأمر أعوانه والقَّوام عليه بالرفق بالناس واللين والقرب لهم في غير ضعف.
قال محمد بن عبد الحكم: وأحب إليَّ أن يجعل القاضي رجالاً من إخوانه ممن يثق بهم وبصدقهم ومعرفتهم يخبرونه بما يقول الناس فيه من خلفه وما ينكرونه عليه من امرأوا حكم، ومن قبول شاهد أو رده فما عرفوه به من ذلك سأل عنه وفحص واستقصى فيه، فإن ذلك قوة له على أمره إن شاء الله.
الجزء: 15 - الصفحة: 712
فصل [8 - مكان القضاء]
ويستحب للقاضي أن يقضي في المسجد، وأحتج بعض أصحابنا على قضاء القاضي في المسجد بقوله تعالى: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إلى قوله فَاحْكُمْ بَيْنَنَا﴾: ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في المسجد، وقال مالك في غير كتاب: القضاء في المسجد من الحق والأمر القديم.
وكان ابن خَلْدَةَ وقاضي عمر بن عبد العزيز يقضيان في المسجد وأراه حسناً؛ لأنه يرضى بالدون من المجلس ويصل إليه الضعيف والمرأة، وهو أقرب على الناس في خصومتهم وشهودهم ولا يحجبون عنه وإذا احتجب لم يصل إليه الناس.
قال مالك: وكان من أمر من مضى من القضاة لا يجلسون إلا في رحاب المسجد ليصل إليه اليهودي والنصراني والحائض والضعيف، وهو أقرب إلى التواضع لله عز وجل وحيث ما جلس القاضي المأمون فهو له جائز إن شاء الله تعالى، ولا بأس أن يقضى في منزله وحيث أحب، وأحسن ذلك من
الجزء: 15 - الصفحة: 713
غير تضييق المسجد الجامع إلا أن يعلم ضرر ذل بأهل الملل اليهودي والنصارى والنساء والحيَّض.
وقال غيره: أو يدخل عليه في ذلك ضرر لكثرة الناس حتى يشغله ذلك عن كثرة النظر والفهم، وليكن له موضع في المسجد يحول بينه وبين من يشغله، وكذلك فعل سحنون أتخذ بيتاً في المسجد الدامع يحول فيه بينه وبين الكلام.
ومن كتاب أحمد بن سعيد الهندي عن إسحاق بن إبراهيم إمام الجامع بصنعاء قال: حضرت عبد الملك / بن عبد الرحمن الرمادي بصنعاء بمجلس الحكم قد خرج حاجيه إلى الناس فقال: يا معشر الخصوم القاضي يقول لكم: اتقوا الله فإنه من خاصم في باطل فإنما يخوض في سخط الله تعالى: {اتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى
الجزء: 15 - الصفحة: 714
الله .. الآية}، قال: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَر .. الآية﴾ ثم قال: عاد حاجيه الثانية فقال: يا معشر القاضي يقول لكم: هو على العهود وليس بقاضي وإنما أنتم القضاة، وهو المنفذ والله تعالى يقول في كتابه: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، وبلغني (أن الله تعالى أوحى إلى بعض أنبيائه لا تشهد بما لا يسمع سمعك، ويعقد عليه قلبك فإن موقف أهل الشهادات .................). قال: فما رأيت في الدار إلا باكياً، وروي أن شريحا كان إذا شهد عنده شاهدان عدلان قال لهما: إني لهما ولكما أقضي.
فصل [9 - القاضي على أي حال يقضي]
قال مطرف وابن الماجشون: ولا بأس أن يتخذ القاضي أوقاتاً يجلس للناس فيها، وينظر في ذلك بالذي هو أرفق به وبالناس، ولا يُضيق على نفسه حتى يصير كالمملوك، ولا يجلس للقضاء بين المغرب والعشاء ولا في الأسحار، وما علمنا من
الجزء: 15 - الصفحة: 715
فَعَله من القُضاة إلا لأمر يحدث في تلك الأوقات فلا بأس أن يأمر فيها وينهى ويسجن ويرسل للأمير ولصاحب الشرط، فأما الحكم فلا، وقال أشهب في المجموعة: لا بأس أن يقضي بين المغرب والعشاء إذا رضى بذلك الخصمان، فأما أن يكلف الكاره فيه الخصوم فلا، ولا بأس أن يقضي بعد الأذان بالظهر أو العصر أو المغرب أو العشاء أو الصبح، ويرسل إلى الخصم فيحضره في بعض هذه الساعات ثم يقضي عليه إن شاء أو أبى.
قال مالك: وينبغي أن يكون لجلوسه ساعات من النهار لأني أخاف أن يكثر فيخطئ، وليس عليه أن يتعب نفشه نهاره كله، وقد روى ابن وهب أن ابن شهاب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «روحوا القلوب ساع فساعة»، واختلف هل يقضي في الطريق؟ فقال أشهب: لا بأس أن يقضى في الطريق وهو ماش، ولا يكلم أحداً من الخصوم، ولا يقف معه فإن ذلك يوهن خصمه ويدخل عليه به سوء الظن، قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: (لا يقضي وهو غضبان).
ابن حبيب: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقضي إلا وهو شبعان ريَّان»، وفي كتاب محمد لا أحب أن يخرج إلى الناس وهو جائع ولا شبعان جداً؛ لأن الجائع يسرع إليه الغضب.
قال ابن حبيب عن مطرف وابن
الجزء: 15 - الصفحة: 716
الماجشون: لا يقضي وبه غضب أو ضجر أو ضيق نفس أو جوع أو هَمَّ لما يخاف على فهمه إلا الإبطاء والتقصير عن الفهم إلا أمر خفيف / لا يضر به في فهمه.
قال سحنون: لا ينبغي إذا قعد الخصمان بين يديه أن يشغل نفسه عنهما بشيء، وليجعل فهمه وسمعه وبصره وفكره في احتجاجهما.
قال أشهب وسحنون: لا يقضي حتى لا يشك أن قد فهم، فأما إن ظن أن قد فهم وهو يخاف أن لا يكون فهم لما يجد من النكول والحيرة فلا ينبغي أن يقضي بينهما وهو يجد شيئاً من ذلك.
فصل [10 - أدب القاضي في بيعه وشرائه وحديثه
في مجلس قضائه وقيامه عنه]
قال أشهب في المجموعة: ولا ينبغي للقاضي أن يتشاغل بالأحاديث في مجلس قضائه إلا أن يدبر إجمام نفسه ورجوع فهمه.
ابن حبيب وقال مطرف وابن الماجشون: لا يفعل ذلك وإن أراد إجمام نفسه فليقم إذا وجد الفترة ويدع مجلس قضائه ويجلس مع من أحب للحديث، فأما وهو يقضي فلا.
قال: ويقام من جلس إلى القاضي ليتعلم أقضيته، والجلوس عند القضاة من حيل المستأكلين للناس إلا أن يكون عنده معروفاً مأموناً فيدعه.
قال أصبغ في كتابه: فإن خاف من المأمون أن
الجزء: 15 - الصفحة: 717
يحضره في قضائه، أو يضر به فلا يقعد، ولا يقوم من مجلس قضائه لحاجة أو لذة تعرض له.
قال محمد بن عبد الحكم: ولا يجلس أيام النحر ولا يوم الفطر وما قاربه، وكذلك يوم عرفه ويوم النزوية، ولا يوم خروج الناس إلى الحجر بمصر لكثر من يشتغل يومئذ في تشييع الحاج، وكذلك كل بلد يجتمع ذلك فيه لمثل هذا، وإن كان الطين والوحل وأضر ذلك بالناس فليترك الجلوس، قال مطرف وابن الماجشون: ولا يشتغل في مجلس قضائه البيع والابتياع لنفسه.
قال أسهب: أو لغيره على وجه العناية من إلا ما خف شأنه وقل شغله والكلام فيه.
قال سحنون في كتابه ابنه: وتركه أفضل، قالوا: ولا بأس له بذلك في غير مجلس قضائه أو لغيره، وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه فنافذ لا يرد إلا أن يكون أكره على ذلك أحداً، أو يهضمه حقه فليس هذا بعدل فهو مردود كان في مجلس قضائه أغيره، وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى بعض عماله: (لا تشار، ولا تضار، ولا تبيع، ولا نقيض بين اثنين وأنت غضبان.
الجزء: 15 - الصفحة: 718
وكتب عمر بن عبد العزيز: (إن تجارة الولاة لهم مفسدة، وللرعية مهلكة.
وقالوا: أما بيع مال ميت في مجلس قضائه على ما يبيع عليه السلاطين فذلك جائز.
فصل [11 - حضور القاضي الجنائز وإجابته الدعوة]
ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من يسلم عليه، لا ينبغي له إلا ذلك.
قال مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي له أن يجيب الدعوة إلا في الوليمة وحدها للحديث ثم إن شاء أكل أو ترك.
وقال أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة كانت وليمة أو صنيعاً عاماً لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا يجب، وكأنه دعي خاصة؛ لأن الداعي له لعله جعل ذلك من أجل لا السرور أوحق وجب عليه.
قال سحنون: والتنزه عن الدعوة العامة أحسن.
ابن المواز: وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم.
الجزء: 15 - الصفحة: 719
فصل [12 - قبول القاضي الهدية]
ولا يقبل القاضي هدية من أحد، ولا ممن كانت تجري بينه وبينه قبل ذلك، ولا من قريب ولا من صديق، وإن كافأ بأضعافها إلا مثل الوالد والولد وأشباههم من خاصة القرابة التي يجمع من حرمة الخاصة ما هو أكثر من حرمة الهدية.
قال سحنون: ومثل الخالة والعمة وبنت الأخ قال: وفي بعض الكتب الهدية تطفئ نور الحكماء.
قال ربيعة: إياك والهدية فإنها ذريعة الرشوة وعلة الطلب.
وقال: محمد بن عبد الحكم لا يقبل الهدية ممن يخاصم، ويقبلها من إخوانه الذين يُعرف بالقبول منهم قبل أن يستقصي، وقد كان عمر يقبل الهدية من إخوانه.
قال ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهية الهدية للسلطان الأكبر وإلى القضاة والعمال وجباة الأموال، وهو قول مالك ومن قبله من أهل السنة، وكان النبي عليه السلام يقبل الهدية وهذا من خواصه.
ابن حبيب: وللإمام أن يأخذ ما أفاد العمال ويضمه إلى ما جبوه وفعله النبي صلى الله عليه وسلم في عامل له قال هذا أهدي إليِّ فأخذه منه فقال له: (هَلا جلست في بيت أبيك وأمك فتنتظر هل يهدى إليك) وقال عليه السلام: «هدايا العمال غلول» قال ابن حبيب: إذا حبسوها ولم يسلموها إلى من ولاهم، وكان عليهم إلا يقبلوها.
قال: وكل ما أفاده وال في لايته، أو قاض في قضائه، أو متولٍ أمراً
الجزء: 15 - الصفحة: 720
للمسلمين من مال سوى رزقه فللإمام أخذه منه للمسلمين.
وكان عمر إذا ولى أحداً أحصى ماله فكتبه لينظر ما يزيد له فيأخذه منه، ولذلك شاطر عمر العمال أموالهم حيث كثرت ولم يستطيع تمييز ما ازدادوه بعد الولاية.
قال مالك: وشاطر عمر أبا هريرة وأبا موسى الأشعري وغيرهما من الصحابة حين كثرت أموالهم، وخاف أن تكون مما كانوا يرتزقونه على الولاية، وإن معاوية لما احتُضر أمر أن يدخل شطر ماله في بيت مال المسلمين استناناً بفعل عمر بعمَّاله رجاء أن يكون ذلك تطهيراً له.
الجزء: 15 - الصفحة: 721
فصل [13 - أرزاق القضاة والكتاب]
قال ابن سحنون: وقعد سحنون للناس احتساباً، ولم يقبل رزقاً ولا كسوة ولا حملاناً ولا خاتماً وضعه في يده.
قال وسمعته يقول للأمير: والله لو أعطيتني جميع ما في بيت المال ما قبلته، وكان تركه لأخذه من غير تحريم ويقول: لو أخذته لجاز لي، وكان يأخذ الأرزاق لأعوانه وكتابه، وكَلم الأمير حتى أجرى لهم ذلك من جزي اليهود، وقد أجرى عمر بن عبد العزيز للقاضي أربع مئة دينار في السنة، وكان / يوسع في الرزق على عماله، وكان يقول ذلك قليل لهم إذا أقاموا كتاب الله وعدلوا.
[فصل 14 - ماذا ينبغي للقاضي أن يعمل عندما يلي القضاء وكيفية
دخول الخصوم عليه، وتقسيم أيامه وذكر الطابع]
قال ابن سحنون: ولما ولي سحنون القضاء بعد أن أجبر وأدير عليه حولاً وغلط عليه، وحلف الأمير عليه، وأتى من عزمه عليه ما أخافه وأنصفه في قوله، وخاف أن يكون أمراً لزمه لا يقوم غيره فيه مقامه، فولي يوم الاثنين لثلاثة أيام مضت من شهر رمضان سنة أربع وثلاثين ومئتين، فأقام بعد ما ولي أياماً لا ينظر بين الناس يلتمس أعواناً، ثم قعد يوم الأحد لتسعة أيام مضت من رمضان، وقيل: لما دخل المسجد ركع ركعتين، ثم دعا كثير يدعو بالتوفيق والتسديد والعون على
الجزء: 15 - الصفحة: 722
ما قُلده، فقعد بعد ركوعه ودعائه ثم أمر بالناس فكتبوا أسماءهم في بطائق ثم اختلطت البطائق ثم دعي بالأول فالأول، فمن دعي باسمه وخصمه حاضر أدخلهما وأجلسهما بين يديه على الإعتدال في مجلسهما، وإن استعدى الذي خرج اسمه على رجل بحاضرة مدينة القيروان أو بقصر محمد بن الأغلب وهو على ثلاثة أميال من المدينة أعداه على خصمه بطابع يعطيه إياه، فإن أتى بصاحبه أمر بأخذ الطابع منه، وكان لا يعطي كِتاب عدوى لجلب خصم إلا بلطخ من شاهد عدل يزكي، فيأمر كتابه فكتب له كتاب عدوى إلى أمينه، وكان اتخذ في بعض المواضع
الجزء: 15 - الصفحة: 723
أمينين وفي بعضها أميناً، وكان أكثر أمنائه من أصحابه الذين تعلموا منه العلم ومنهم غير ذلك ممن ثبت عنده عدالته، وكان من ولي رجلاً سمع بعض كلام أهل العراق فأمره أن لا يحكم إلا بمذهب أهل المدينة.
وكتب إلى سحنون في من يأتي فيقول فلان يدعي عليَّ بدعوى، ويحمل علىَّ العمال فاكتب إليَّ برفع من له قبلي دعوى إن أراد طلبي، فكتب إليه الرفع غير صواب، ولكن اكتب إن قدرت إلى العمال أن لا يعترضوا للخصوم لما في ذلك من ظلمهم.
[فصل 15 - خصومة النساء والرجال والمسافر والحاضر]
قال سحنون: وينبغي للقاضي أن يقدم النساء على حده والرجال على حده.
أشهب: إن رأى أن يبدأ بالنساء أو بالرجال فلذلك له يبدأ بالأول فالأول، وإن رأى أن يجعل لهؤلاء يوماً ولهؤلاء يوماً.
قال محمد بن عبد الحكم: وإن أحتاج إلى كشف وجه امرأة ليعرفها، أو ليشهد عليها شهوداً كشف وجهها بين يدي العدول من أصحابه، وإن كان بحضرته من الخصوم من لا يشهد عليها أمر بتنحيهم، وكذلك إن كان على رأسه من لا يأمنه على ذلك، وإن كان لا ينبغي أن يستعين بأحد لا يؤمن في كل شيء، ولا يجلس النساء مع الرجال في مجلس وليفرق بينهم، ويجعل للنصارى يوماً أو عشية أو وقتاً من بعض الأيام بقدر قلتهم وكثرتهم يجلس لهم في غير المسجد، وإن كانت الخصومة في الفروج مثل طلاق امرأة أو عتق فلا بأس أن يسمع البينة في ذلك، ويؤثرها على أهل
الجزء: 15 - الصفحة: 724
الدعوى، ويسمعها في غير مجلس الحكم.
قال سحنون: والغرباء وأهل المصر سواء إلا أن ير غير ذلك في الغرباء مما لا يُدخِل على أهل المصر ضرراً.
فصل [16 - في انصاف الخصمين والعدل بينهما في اللْحظ واللْفظ
والمسألة والاستماع والمجلس]
وقضى الرسول عليه السلام أن يقعد الخصمان بين يدي الحاكم، وقال: «إذا ابتلى أحدكم بالقضاء بين المسلمين فلا يرفع صوته على أحد الخصمين دون الآخر»، قال أشهب: إلا أن يفعله إغلاظاً عليه للدد فذلك جائز.
وذلك إذا علم اللدَد منه، وأنه لو كان ذلك من صاحبه فعل به مثله.
م: وينبغي أن ينصفهما في مجلسهما منه، وفي النظر إليهما، واستماعه منهما، ولا ينظر إلى أحدهما بوجه أطلق مما يلقى به الآخر، ولا يُسَار أحدهما، ولا يساررهما جميعاً إذا كان أحدهما لا يسمع ما يسارر به الآخر.
سحنون: ولا ينبغي أن يُضَّيف أحدهما، أو يخلو معه، أو يقف معه فإن ذلك مما يوهن خصمه، ويدخل عليه سوء الظن.
أشهب: ومن العدل بين الخصمين ألا يجيب أحدهما في غيبة الآخر إلا أن يعرف لدداً من المتخلف، أو لم يكن يعرف وجه خصومة المدعي فلا بأس أن يسمع منه حتى يعلم أمره.
الجزء: 15 - الصفحة: 725
وإذا جلسا فلا بأس أن يقول لهما: ما خصومتكما؟ أو يدعهما حتى يبتدياه بالمنطق، ولا بأس أن يسأل أيكما المدعي؟.
فإن علمه سأله عن دعواه واسكت صاحبه حتى يسمع حجته، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر ليفهم عنه، ولا ينبغي أن يبتدي المدعي عليه بالنطق وليبتدِ المدعي، ولا ينبغي أن يفرد أحدهما بالسؤال فيقول مالك أو تكلم؟ إلا أن يكون علم أنه فلا بأس بذلك، وإذا لم يعلم المدعي فقال لهما أيكما المدعي، فإن قال أحدهما: أنا وسكت صاحبه ولم ينكر فلا بأس أن يسأله عن دعواه، وأحب إليَّ أن لا يسأله حتى يقر له الآخر بذلك، وإن قال أحدهما المدعي هذا ولم ينكر صاحبه فلا بأس أن يسأله، فإن تكلم فقال: لست بالمدعي، وأقاما على هذا كل واحد يقول للآخر هذا المدعي فللقاضي أن يقيمهمها حتى يأبى أحدهما إلا الخصومة فيكون هو الطالب.
قال أصبغ في كتاب ابن حبيب، وقال محمد بن عبد الحكم: إذا قال: كل واحد منهما: أنا المدعي، فإن كان أحدهما الذي استعدى وجلب الآخر إلى القاضي سمع منه أولاً، وإن لم يدر من جلب صاحبه لم يبال بأيهما بدا، وإن كان أحدهما ضعيفاً فأحب إليَّ أن لا يبتدي بالآخر.
قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإذا تكلم المدعي وأدلى بحجته قال القاضي للآخر: تكلم، فإن تكلم نظر في ذلك، وإن سكت أو قال: لا أخاصمه إليك قال له القاضي: إما خاصمت أو أحلفت هذا المدعي / على دعواه وحكمت عليك له إن كان ما يستحق من نكول المطلوب أن تثبت له الخلطة؛ لأن نكوله عن التكلم
الجزء: 15 - الصفحة: 726
نكول عن اليمين، وإن كان مما لا يثبت إلا بالبينة ولا يسجنه حتى يتكلم ولكن يسمع من صاحبه.
وكان سحنون إذا تشاغب الخصمان بين يديه أغلظ عليهما، وربما أمر القَومَة فزجروهما بالدرة، وربما تشاغبا حتى لا يفهم عنهما فيقول: قوما فإني لا أفهم عنكما، وتعودا إلي، وله الشد على عضد أحدهما إذا رأى ضعفه عن صاحبه، وخوفه منه، ولا بأس أن يلقنه حجة له عمي عنها، وإنما يكره أن يلقنه حجة الفجور، وقال الرسول عليه السلام: «من ثبت عيباً في خصومته حتى يفهمها ثبت الله قدمه يوم تزل الأقدام وقال سحنون: لا ينبغي أن يشد عضد أحدهما ولا يلقنه حجة.
قال ابن حبيب: وإذا أقر أحد الخصمين في خصومته بشيء للآخر فيه منفعة فعلى الحاكم أن ينبهه أن له منفعة، ويكتب له.
قال سحنون: وإذا كان الخصمان في أمرهما شبهة وإشكال فلا بأس أن يأمرهما بالصلح.
وتخاصم إلى سحنون رجلان من أصحابه صالحين فأقامهما ولم يسمع منهما وقال: استرا على أنفسكما ولا تطلعاني من أمركما على ما سُتر عليكما.
ابن حبيب: وروي أن عمر بن الخطاب عليه السلام قال: (ردّوا القضاء بين ذوي الأرحام حتى يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث بينهم الضغائن).
الجزء: 15 - الصفحة: 727
وكان سحنون رحمه الله إذا أتاه رجل يسأله عن مسألة من مسائل الأحكام لم يجبه، وقال هذه: مسألة خصومة إلا أن يكون رجلاً يعلم أنه متفقه فيسأل على وجه التعليم، أو يسأل عن شيء من مسائل الوضوء والصلاة والزكاة.
قال مالك في المختصر لا يفتي القاضي في مسائل القضاء، وأما في غير ذلك فلا بأس به.
فصل [17 - في سيرة القاضي في البينة وكتابة الشهادة وسماعها]
قال سحنون: وإذا شهد الشاهد في نص الشهادة أمر الخصمين أن لا يعرضا له ولا للمدعي بتلقين ولا المدعى عليه بتوبيخ، فإن فعل أحدهما ذلك بعد النهي أمر بأدبه، وكان إذا خلط الشاهد في شهادته أعرض عنه وأمر الكاتب ألا يكتب، وربما قال له ثبت ثم يردده فإذا ثبت على شهادته أمر كاتبه فكتب لفظ الشاهد ولا يزيد على ذلك ولا يحسن الشهادة، وكان إذا دخل عليه الشاهد وقد رُعب منه أعرض عنه حتى يذهب روعه، فإذا طال ذلك به قال له هون عليك فإنه ليس معي سوط ولا عصا، فليس عليك بأس قل ما علمت ودع ما لم تعلم.
قال: وينبغي للقاضي أن يعرض كتاب الشهادة بعد كتبها على الشاهد ثم يطبع عليها ويرفعها في موضع رفع الكتب
الجزء: 15 - الصفحة: 728
قال أشهب وغيره: وإن استخف القاضي إيقاع الشهادة بنفسه فذلك حسن، وإن أوقعها / كاتبه وكان مأموناً وهو ينظر أجزأه، وإن أوقع الناس شهادتهم أنفسهم فذلك جائز، وقال مطرف وابن الماجشون وذلك فعل الناس عندنا بالمدينة؛ لأنه ربما أخجله محلس القاضي للشاهد أتشهد بكذا وهذا تلقين.
قال محمد بن عبد الحكم وإذا كان الشهود عدولاً فني أحدهما فلا بأس أن يذكره الآخر فإن ذكر قبل منه لقوله سبحانه: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقوله ﴿أَنْ تَضِلَّ﴾ يريد أن تنسى.
قال ابن المواز: وإن اتهم القاضي الشهود بالغلط فلا يفرق بينهم لأنه إذا قصد الشاهد بهذا رعب واختلط عقله، ولكن يسمعه منهم ويسأل عنهم.
[فصل 18 - هل للقاضي أن يكلف الشهود إخراج امرأة شهدوا عليها من
بين النساء، أو دابة من بين دواب]
وإذا شهدوا على امرأة أو دابة فيسأل الخصم أن تدخل المرأة في جماعة نساء وتساق الدابة في جماعة دواب يمنحهم بذلك فليس ذلك على الشهود، ولا يفعله القاضي.
الجزء: 15 - الصفحة: 729
[فصل 19 - صفة تعريف القاضي بالشهود وصفة كتابة الشهادة]
وينبغي للقاضي إذا شهد الشاهد عنده أن يكتب اسمه ونسبه ومسكنه ومسجده الذي يصلي فيه، ويكتب حليته وصفته إن لم يكن معروفاً لئلا يتسمَّى غير العدل بغير اسمه ويتنسب إلى غير نسبه فيزكي عليه.
قالوا: ويكتب الشهر والسنة الذي شهد فيها، ويجعل صحيفة الشهادة في ديوانه لئلا تسقط للمشهود له، أو يزيد فيها أو ينقص، ولا يكتب الشهادة حتى تكون موافقة لدعوى المدعي فيكتب: بسم الله الرحمن الرحيم فقال القاضي: فلان بن فلان حضرني فلان بن فلان الفلاني بخصمه فلان وينسبه، فسألت فلاناً عن دعواه فأنكرها، فسألت فلاناً البينة عن دعواه فأحضرني بفلان وفلان، فيسميهم وينسبهم ويصفهم ويصف شهادتهم، فإن اختلفوا في بعض الشهادة ذكر ذلك، ثم يقرأ شهادتهم عليهم، ويكون المحضر الذي فيه شهادة الشهود عند القاضي في موضع يثق به، ويكتب عليه خصومة فلان وفلان في شهر كذا وسنة كذا، أو يجعل خصومة كل شهر على حدة حتى ينفذ القضاء فيها، ويرفع إليه القضية.
قال محمد بن عبد الحكم وأرى أن يجعل نسخة في ديوانه ونسخة بيد الطالب يطبع عليها ليخاصم بها، فإذا أراد الحكم أخرج الذي في ديوانه فقابل بها وحكم عليه.
قال أبو محمد: وبلغني عن بعض القضاة وهو ابن طالب أنه ربما كتب المحضر الذي فيه الشهادة نسختين فيجعل واحدة في ديوانه، ويجعل أخرى للمشهود عليه ليقف على
الجزء: 15 - الصفحة: 730
ما شُهد به عليه، ويبحث عن منافعه فيه وحجته، وأظن ذلك في الأمر المشكل وما يحتاج إلى الفحص عنه والنظر فيه /.
فصل [20 - هلاك شهادة الشهود من ديوان القاضي
وهل يقبل القاضي شهادة كاتبه؟]
قال سحنون: وإذا هلكت شهادة الشهود من ديوان القاضي فشهد عدلان أن شهوده فلان وفلان شهدوا له فليقبل ذلك القاضي؛ لأنها كشهادة على شهادة ولا ينبغي أن يقبل شهادة كاتبه أن الشهود شهدوا له بكذا، وأجاز أشهب شهادة كاتبي القاضي في ذلك كغيرهما إلا أن يكون الشاهدان حاضرين فليعدلهما حتى يشهدا.
قال سحنون: وإذا كتب القاضي الشهادة ثم قرأها على المشهود له بعد أيام فقال: لم يكتب كلما شهدوا لي به أو قال: نسوا أو نقصوا وأنا أعيدهم لم يكن للقاضي أن يعيدهم له.
فإن شهد عنده رجلان أن فلاناً أخو فلان الميت فسألهم القاضي أكان أخوه لأمه وأبيه فقالا أمهلنا نتذكر وأخرنا اليوم فلم يحضرنا علم ذلك الساعة فلهما ذلك، وقد سأل القاضي القاسم بن محمد وقد شهد عنده عن شيء في الشهادة فقال لا أذكر ثم رجع من بعض الطريق إلى القاضي فذكر فقبل
الجزء: 15 - الصفحة: 731
القاضي شهادته، وقد اختلف قول مالك في هذا، وقد أخبرني ابن نافع أن شهادته جائزة إذا جاء بها في قرب ذلك وكان الشاهد مبرزاً في العدالة؛ لأن القاضي قد أجاز شهادة القاسم لفضله وعدله، وقد قال مالك في مثل هذا خلاف هذا.
فصل [21 - في كشف القاضي عن البينة وفي من يكشف له]
قال سحنون قال أشهب: وينبغي للقاضي أن يتخذ رجلاً صالحاً مأموناً منتبهاً أو رجلين بهذه الصفة يسألان له عن الشهود في السر في مساكنهم وأعمالهم، وإن قدر ألا يعرف من يسأل له فذلك حسن.
قال سحنون: وإن جاءه تزكيه رجل من رجل عنده ثقة، وأتاه عن ثقة آخر أنه غير عدل أعاد المسألة فإذا اجتمع رجلان على التزكية فطنان منتبهان غير مخدوعين أمضى ذلك، ولا يأخذ بقول رجل واحد في الفساد، وإن اجتمع نفر قي التزكية واجتمع رجلان على الفساد أخذ بقول رجل واحد في الفساد، وإن اجتمع نفر في التزكية واجتمع رجلان على الفساد أخذ بقولهما إن كانا عدلين مبرزين.
قال أشهب ولا ينبغي للمُكاشِفِ أن يسأل رجلاً واحداً أو اثنين وليسأل ثلاثة أو أربعة أو أكثر إن قدر خيفة أن يزكيه أهل وده بخلاف ما يعلمه اثنان وثلاثة من غيرهم، أو يسأل عنه عدواً فيجرحه: وينبغي للقاضي أن لا يضع أذنه
الجزء: 15 - الصفحة: 732
للناس في الناس ولكن يكشف عن المقول فيه بمن يرضاه أو يلي هو بنفسه السؤال عنه.
قال سبحانه: ﴿فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَة﴾.
قال ابن الماجشون: وكل ما يبتدي القاضي السؤال عنه أو الكشف عن الأمور فله أن يقبل قول الواحد وما لن يبتد به هو وإنما يبتدأ به إليه في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه.
فصل [22 - هل للقاضي أن يقبل قول الحاسب الذي ولاه؟]
قال أشهب عن مالك: في القاضي يولي حاسباً ثقة بين قوم فيخبره بما صار لكل واحد فليقب قوله، وهو من ذلك في سعة، وليدعو إلى الرضا برجل ثم يوليه حسابهم /.
فصل [23 - صفة من يكلفه القاضي بالترجمة عن الأعجمي]
قال مالك: وإذا اختصم إليه من لا يتكلم بالعربية، ولا يفهم كلامه فليترجم عنه رجل ثق مسلم مأمون فيخبر به، واثنان أحب إلينا، ولا يقبل ترجمة كافر أو
الجزء: 15 - الصفحة: 733
عبد أو مسخوط، ولا بأس أن يقبل ترجمة امرأة عدلة.
قال مطرف وابن الماجشون: وذلك إذا لم يجد من الرجال نت يترجم له.
قالوا: وكان ذلك مما يقبل فيه شهادة النساء، أو امرأتان ورجل أحب إلينا.
وقال سحنون: لا يقبل ترجمة النساء، ولا ترجمة رجل واحد، ولا ترجمة من لا تجوز شهادته، لأن من لا يفهم قوله كالغائب عنه.
فصل [24 - في من يكلفه القاضي في العيوب]
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون ومطرف: ما اختصم فيه من عيوب العبيد والإماء التي لا يطلع عليها إلا النساء، ولم يفت العبد ولا الأمة فله أن يأخذ في ذلك بقول الطبيب البصير بالعيوب، وإن كان على غير الإسلام إذ ليس على وجه الشهادة، ولكنه علم يأخذه عن من يبصره من مرضي ذمي أو مسخوط واحد أو اثنين، فإن غاب العبد أو مات لم يقبل في ذلك إلا ما يقبل في الشهادات، وكذلك عيوب الإماء يكتفي بقول من يرضى من النساء وإن كانت واحدة، فإن فاتت الأمة لم يقبل إلا امرأتين بمعنى الشهادة.
قال: والقائس في الجراح يجزي منه الواحد إذا أمره الإمام فينظر إلى ذلك، وأحب إلينا أن ينصب لمثل ذلك عدولاً، وإن لم يجد إلا طبيباً فهو كما ذكرنا في العيوب، وما فات فلا يقبل فيه إلا ما يقبل في الشهادة.
الجزء: 15 - الصفحة: 734
فصل [25 - في أحد الخصمين يلمز القاضي أو يشتم صاحبه أو
يفعل ذلك الشاهد هل يؤدبون على ذلك؟]
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: وينبغي للقاضي إن لمزه أحد الخصوم بما يكره أن يؤدبه ويعزر لنفسه، فإن تعزير سلطان الله من تعزير الله تعالى، والأدب في مثل هذا أمثل من العفو، وليخف الناس بلزوم الحق واتباعه فلا شيء أخوف لهم من أثرة الحق على أهوائهم.
ابن القاسم: إذ لد أحد الخصمين، وتبين ذلك للقاضي فليعاقبه.
قال مطرف وابن الماجشون: إذ شتم أحد الخصمين صاحبه يقول يا فاجر يا ظالم، فليزجره ويضربه على مثل هذا ما لم يكن قائله من ذوي المروءة فليتجافا عن ضربه.
قال سحنون: وإذا تناول أحد الخصمين الشاهدين بما لا يصلح قول: شهدتما عليَّ بالزور وبما يسألكما الله عنه أو ما أنتما من أهل العدل ولا من أهل الدين؟ فلا يُمكن من هذا، والعقوبة في ذلك بقدر القائل والمقول له.
قال محمد بن عبد الحكم: وإذا قال الخصم للقاضي اتق الله فلا ينبغي أن يضيق لذلك ولا يكثر عليه، وليثبت في قضيته وينظر ويجيبه / جواباً ليناً مثل أن يقول: أرزقني تقواه، أو يقول: ما أمرت إلا بخير، وعلي وعليك أن نتقي الله، وليبين له من أين يحكم عليه، وكذلك لو قال له اذكر الله، فإن بان له أمره قال له: إن من تقوى الله أن آخذ منك الحق إذا بان لي، أو يقول: لولا تقوى الله ما حكمت عليك من غير أن يظهر عليه لذلك غضب.
الجزء: 15 - الصفحة: 735
قال ابن القاسم عن مالك: فأما إن قال له ظلمتني فذلك يختلف، ووجه ذلك: إن أراد أذى القاضي وكان القاضي من أهل الفضل فليعاقبه.
[فصل 26 - هل للقاضي أن يأتي أحداً من الناس؟]
وكان سحنون يقول: لا يجوز للقاضي أن يأتي أحداً من الناس إلا إلى الأمير الذي استقضاه لا إلى وزيره ولا إلى ابن عم ولا حاجب، لأن هؤلاء من رعية القاضي، وإذا جاء القاضي إلى رجل من رعيته لم يقدر واحد أن يستعدي عليه، مع ما في هذا من فساد السلطان وأهانته، وكان يقول: ينظر القاضي في كل ما ينظر فيه الخليفة؛ لأن الأمراء إنما اشتغلوا بالدنيا، وولوا القضاة، فصار للقاضي ما كان للخليفة.
ومن كتاب العقيلي حدثنا جعفر بن محمد القرياني قال: حدثنا إبراهيم بن المنتصر قال: حدثنا محمد بن هاني قال: حدثنا الخارجة بن مصعب عن
الجزء: 15 - الصفحة: 736
زيد بن أسلم عن أبيه قال: قال: عمر لأبي هريرة هل لك في البحرين أبعثك قاضياً عليها تحجز بين مظلومهم من ظالمهم فتكون لك أجرة المجاهدين في سبيل الله فقال أبو هريرة: ته أو ليس قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين» فقال عمر: كذبت يا ابن أمية إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «للعلاء بين الحضرمي من جلس يقضي بين الناس فأنصف لمظلومهم من ظالمهم، ولضعيفهم من قويهم باهى الله به الملائكة، ومن جلس يقضي بين الناس بهواه ومسرَّته خلاف الحق فقد ذبح نفسه بغير سكين».
قال أبو هريرة: أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علم عمر يوماً يملأ الأرض، وعلم عمر في الدين يوماً يملأ في ما بين السماء والأرض».
قال محمد بن عبد الله بن يونس: اختصرت هذا الكتاب من الأول من آداب القضاة من النوادر؛ إذ ليس في المدونة منه شيء، وأجْحفت الاختصار خيفة التطويل، وزدت إليه قليلاً من غيره، والله ولي التوفيق، وهو حسبي ونعم الوكيل.
ثم آداب القضاة وسيرها والحمد لله كما هو أهله ..
الجزء: 15 - الصفحة: 737