الجامع لمسائل المدونةكتاب القذف
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وما دخله من كتاب الرجم قد تقدم كثير من مسائل هذا الكتاب والزيادات فيها في كتاب الرجم فأغنى عن إعادتها.

[الباب الأول]

فيمن وطأ امرأة وادعى نكاحها، أو أمة وادعى شراءها

قال ابن القاسم: ومن شهد أربعة أنه وطأ هذه المرأة، ولا يدرون ما هي منه؛ فعليه الحد إلا أن يقيم بينة أنها زوجته أو أمته، أو يكونا طارئين فلا شيء عليه؛ إذا قال: هي امرأتي أو أمتي، وأقرت له بذلك، إلا أن تقوم بينة

الجزء: 22 - الصفحة: 391

بخلاف ما قال.
م: وإنما قال ذلك: لأن من شأن النكاح الإعلان، فإذا لم يعلم ذلك أهل موضعه وجب حده، إلا أن يأتي بالبينة على ذلك، وأما الطارئان فبخلاف ذلك؛ لغيبتهما عن موضع الإشهاد والإعلان، فلم يدعيا خلاف العرف؛ فقبل قولهما، إلا أن تقوم بينة بخلافه.
قال مالك في كتاب محمد: وسواء وجد مع امرأة يطأها، أو أقر بذلك وادعيا الزوجية؛ فليحدا.
قال ابن القاسم: وجدا في بيت أو طريق، إلا أن تقوم بينة بالنكاح.
ولا تقبل فيه شهادة أبيها أو أخيها، إلا أن يكون أمر قد سمع وعرف؛ فلا يحدان، ولكن لا يثبتان على ذلك حتى يأتنفا نكاحاً جديداً بعد الاستبراء.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن قال عند قوم: وطأت فلانة بنكاح، أو اشتريت أمة فلان ووطئتها، فلا يكلف بينة بالنكاح، ولا بالشراء، ولا يحد؛ لأنه لم يوجد مع امرأة يطأها، فيقول: هي زوجتي، فهذا

الجزء: 22 - الصفحة: 392

يكلف البينة إن لم يكن طارئاً، وقاله علماؤنا، وقد غلط فيها بعض من يشار إليه، وقاله مطرف واصبغ.
قال ابن الماجشون: ولو شهدت بينة عليه أنهم رأوا فرجه في فرج امرأة غابت عنا لا ندري من هي، فقال هو: كانت زوجتي وقد طلقتها، أو أمتي وقد بعتها، وهو معروف أنه غير ذي زوجة ولا جارية، فهو مصدق، ولا يكلف بينة، ولو وجد معها كلفته البينة إن لم يكن طارئاً؛ لأنه قد قصد في امرأة معلومة دعوى بنكاح أو ملك، وهي تعرف بغير ذلك؛ فيحد حتى يقيم بينة بما قال، والأول ادعى ذلك في امرأة مجهولة، قال: ولو لم يدع ذلك، وقال: كذب الشهود؛ لحد، وقاله مطرف وأصبغ.
[1 - فصل: في شهادة ولي المرأة على نكاحها] ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن وطء امرأة وادعى نكاحها، وصدقت هي ووليها، وقالوا: عقدنا النكاح، ولم نشهد، ونحن نريد أن نشهد، فعلى المرأة والزوج الحد، إلا أن يقيما بينة على ما قالاه غير

الجزء: 22 - الصفحة: 393

الولي.
إنما حدا لدعواهما خلاف العرف، ولم تجز في ذلك شهادة الولي؛ لأنه يشهد على فعل نفسه، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يحل النكاح إلا بصداق، وولي، وشهود عدولٍ)، فجعل الشهود غير الولي.
قال ابن القاسم: وإن حددتهما وهما بكران، فأرادا أن يحدثا إشهاداً على ذلك النكاح، لم يجز حتى تستبرأ من ذلك الماء الفاسد، ثم يأتنفا نكاحاً إن أحبا.
ومن وطء أمة رجل وادعى أنه ابتاعها منه، وأنكر ذلك سيدها؛ فإن لم يأت بالبينة على الشراء حددته، وحددت الأمة، وإن أتى بامرأة تشهد على الشراء لم يزل عنه الحد بذلك، وإن طلب الواطئ يمين السيد أنه لم يبيعها منه، أحلفته له، فإن نكل الواطئ، وقضى له بها، ودرأ عنه الحد.
وقال أشهب في كتاب محمد: إن كانت بيده وحوزه لم يحد، ولحق به الولد، وحلف ربها أنه ما باعها منه، وأخذها وأتبعه بقيمة الولد،

الجزء: 22 - الصفحة: 394

وإن لم تكن في يديه؛ فعليه الحد إذا لم يعرف بحوز لها، ولا يلحق به الولد، ويحلف السيد ويأخذها وما ولدت، فإن نكل عن اليمين حلف الواطئ، وكانت له أم ولد بإقراره، وأما الولد فلا يلحق به؛ لأنه قد حد في وطء جاء منه هذا الولد، وليس له أن يسترق الولد، ولا يسترق أمهم فيبيعهم لإقراره أنهم ولده، وأنهم أحرار.
قال: وحددناهما بظاهر الحكم، ولم يسقط عنه الحد بنكول السيد عن اليمين؛ لأنه لو صدقه لم يزل عنهما الحد، ولكن تصير له الأمة وولدها بالنكول، ولا يسقط الحد شاهد مع إقرار السيد بالبيع ولو كان شاهد وامرأتان استحسنت دراءة الحد؛ لأنه قد جاء بما يوجب الملك من الشهادة، وليس بالقياس.
وخالفه ابن القاسم وقال: إذا نكل السيد عن اليمين حلف الواطئ وصارت له، وسقط عنه الحد.
قال: وقول ابن القاسم أحب إلينا، وربما كان الاستحسان في العلم أفضل، وأقرب إلى الصواب من القياس.

الجزء: 22 - الصفحة: 395

وقد قال مالك: فيمن أعتق عبده ولا مال غيره فادعى عليه رجل بدين وأقام على ذلك رجلا وامرأتين، فإنه يرد بذلك عتق العبد، وكذلك لو أقام شاهدا وحلف معه، وكذلك لو لم يقم شاهدا، فطلب يمين المعتق، وبينهما خلطة، فنكل له عن اليمين، فحلف المدعي؛ لوجب له حقه، ورد بذلك العتق.
[2 - فصل: ما تجوز فيه شهادة النساء وما لا تجوز] وكذلك من تزوج أمة وأقام سيدها رجلا وامرأتين أن زوجها ابتاعها منه؛ فإنه يثبت بيعه، وتحرم على زوجها.
والنساء لا تجوز شهادتهن في طلاق ولا عتاق.
ومن ذلك أن شهادة المرأتين تجوز في الاستهلال بغير يمين، فيرث ويورث، وفي ذلك الأموال العظام، ولو شهدت امرأتان على درهم واحد لم يؤخذ بشهادتهما إلا أن يكون معهما رجل أو يمين.

الجزء: 22 - الصفحة: 396

[3 - فصل: فيمن وطء جارية امرأته] قال ابن القاسم: ولقد أتت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت له يا أمير المؤمنين: زوجي وطء جاريتي، فأرسل إليه عمر، فاعترف بوطئها، وقال: إنها باعتها مني، فقال عمر رضي الله عنه: "لتأتيني بالبينة أو لأرجمنك، فاعترفت المرأة أنها باعتها منه، فخلا سبيله.
فهذا يدلك على أن من أقر بوطء جارية، وادعى أن سيدها باعها منه، أن سيدها إن أنكر حد هذا، وإن أقر له دراً عنه الحد.
وفي حديث غير مالك أنها لما اعترفت ضربها حد الفرية، وكان مالك لا يرى عليها حداً؛ لأنها غيرى لا تدري ما تقول.
واحتج أشهب في ذلك أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا

الجزء: 22 - الصفحة: 397

مر بالرجل الذي شكته زوجته أنه وطئ أمتها ثم أقرت أنها باعتها منه، يقول له: "ما أقمنا عليك حد الله عز وجل"، وكان يقال لذلك الرجل: نكب وجهك عن عمر، خوفا أن يحده.
[4 - فصل: في الفرق بين من وطئ أمة وادعى شراءها ونكل سيدها عن اليمين وبين من سرق متاعاً ونكل صاحبه عن اليمين] محمد: والفرق عند ابن القاسم بين الذي يطأ أمة ويدعي شراءها، فيجب على سيدها اليمين فينكل عنه، أن الحد يسقط عن الواطئ إذا حلف، وقضى له بها، وبين الذي سرق متاعا من دار رجل ثم يقول: حلفوا رب المتاع، أنه ليس هو لي، فينكل عن اليمين، ويحلف هذا، ويستحق المتاع، أن القطع لابد منه.
أن الوطء من شأنه الاستسرار، كان مباحا أو محظورا، فإذا وطئ هذا مستسرا فقد فعل المعروف المأمور به، فلا حجة عليه، والآخر الذي أخذ المتاع مستسرا، فقد فَعَل فِعْل السارق؛ فوجب

الجزء: 22 - الصفحة: 398

قطعه، إذ لو كان لو لكان يأخذه إظهارا، فهو بخلاف الواطئ، والله عز وجل أعلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 399

الباب [الثاني]

فيمن تزوج من لا تحل له، وما يعذر به من ذلك

روي أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ادرءوا الحدود بالشبهات).
قال ابن حبيب: وحدثني ابن المغيرة عن الثوري عن ابراهيم قال: "كان يقال: ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فلأن يخطئ حكم من الحكام في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، إذا رأيتم للمسلم مخرجا فادرءوا الحد عنه".

الجزء: 22 - الصفحة: 400

قال ابن القاسم: ومن تزوج خامسة، أو امرأة طلقها ثلاثا البتة قبل أن ينكحها زوجا غيره، أو أخته من الرضاعة أو النسب، أو شيئا من ذوات المحارم عليه، عامدا عارفا بالتحريم، أقيم عليه الحد ولم يلحق به الولد، إذ لا يجتمع الحد وثبات النسب، يريد وإن عذر بالجهالة ومثله يجهل ذلك.
قال أصبغ: مثل الأعجمي وشبهه، فلا حد عليه.
قال: وإن تزوج امرأة في عدتها، أو على عمتها، أو خالتها، أو نكح نكاح متعة عالما بالتحريم؛ لم يحد وعوقب.
قال في كتاب ابن حبيب: والعالم أعظم عقوبة من الجاهل، ويلحق به الولد، وكذلك ناكح امرأته المبتوتة؛ لا يحد، عالما كان أو جاهلا؛ للاختلاف فيها، وأما إن كانت مطلقة ثلاثا؛ فإن كان عالما حد؛ لأنه لم يختلف فيه، وإن

الجزء: 22 - الصفحة: 401

كان جاهلا لم يحد استحساناً.
أبو محمد: وروى علي بن زياد عن مالك فيمن نكح في العدة ووطئ فيها، ولم يعذر بجهل: أنه يحد.
م: وهذا خلاف المدونة، وإنما تجب عليه العقوبة، ألا ترى أنها لا تحل لآبائه ولا أبنائه، بهذا المسيس لشبهة النكاح؛ فيجب لذلك أن يرفع عنه الحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 402

[5 - فصل: في إقامة الحد على القاذف وإن درئ عن المقذوف] قال في المدونة: وكل وطء درأت فيه الحد عن الرجل؛ وإن كان ذلك الوطء لا يحل، فعلى من قذفه الحد.
وإن افترى ذمي على مسلم؛ جلد ثمانين.
م: وقد نقلت إلى كتاب النكاح الثاني مسألة من دفع إلى امرأته نفقة سنة، أو كسوتها، بفريضة قاض، أو بغير فريضة، ثم مات أحدهما بعد ذلك؛ فليرد من النفقة بقدر ما بقي من السنة، واستحسن في الكسوة ألا ترد إذا مات أحدهما بعد أشهر، ولا تتبع المرأة فيها بشيء.
قال ابن القاسم: وإن مات بعد عشرة أيام أو نحوها، فهذا قريب.
قال مالك: إذا مضى الأشهر.

الجزء: 22 - الصفحة: 403

الباب [الثالث]

في وطء أحد الشريكين أمة بينهما، وعتقه لحصته، أو لجميعها

[6 - فصل: وطء أحد الشريكين أمة بينهما] قال ابن القاسم: وإذا وطئ أحد الشريكين أمة بينهما، وهو عالم بتحريم ذلك؛ لم يحد؛ لشبهة الملك، وعليه الأدب إن لم يعذر بجهل، وقاله ابن عمر.
قال ابو الزناد: ويعاقب بمئة جلدة.
قال مالك: ويخير الشريك إن لم تحمل، بين أن تقوم عليه بقيمتها يوم وطئها، أو يتماسك بحصته منها؛ فإن قومها عليه فلا صداق له، وإن تماسك فلا صداق له أيضا، ولا ما نقصها؛ لأن القيمة وجبت له فتركها وتمسك بنصيبه ناقصا.

الجزء: 22 - الصفحة: 404

محمد: وقال مالك: عليه نصف ما نقصها وطأه إذا تمسك بها، وقول ابن القاسم: أحب إلينا، وإن كانت بكرا فافتضها؛ لأن القيمة وجبت له فتركها فلم يكن له ما نقصها، فهذا أصل مالك وأصحابه.
م: فإن قيل: فإن ابن القاسم قال: إذا أفسد المتعدي الثوب فسادا كثيراً؛ أن ربه مخير أن يضمنه قيمته أو يتماسك به، ويغرمه ما نقصه.
قيل له: قد اختلف قول ابن القاسم في ذلك، فجوابه في مسألة الأمة على القول الذي لا يرى له ما نقص إذا تمسك بالثوب، وقاله بعض فقهائنا.
قال ابن القاسم: وإن حملت والواطئ مليء؛ غرم قيمتها يوم حملت، ولا شيء عليه من قيمة ولده، وتكون له أم ولد.
قال ابن المواز: واختلف في يوم تقويمها: فقيل: يوم حملت، وقيل: يوم الحكم، وقيل: يوم الوطء، والصواب عندنا: إن شاء شريكه يوم

الجزء: 22 - الصفحة: 405

الوطء، وإن شاء يوم الحمل، وهذا إن وطئها مرة بعد مرة، وإن كان مرة واحدة فيوم الوطء هو يوم الحمل، وإذا لم يتبين بها حمل فرضي بإمساكها ثم ظهر بها حمل، لم تقوم إلا يوم الحمل، وقاله مالك في الموطأ.
م: إن قيل: لم كانت القيمة على الشريك يوم الوطء أو يوم الحمل كيف شاء شريكه، والشريك إذا أعتق شقصا إنما يغرم قيمته يوم الحكم ولا تخيير لشريكه، والحمل فهو يجر إلى العتق؟ فالجواب: إن وطء الشريك وطء عداء، والمتعدي إنما تقوم عليه يوم العداء، والمعتق شقصه ليس بمتعدٍ، فهذا فرق ما بينهما.
ومن المدونة: وإن كان معسرا خير شريكه، فإن شاء تماسك بنصيبه، واتبعه بنصف قيمة الولد، وألحق الولد بأبيه، وإن شاء أخذه بنصف قيمتها يوم حملت، وبيع ذلك النصف على الواطئ بعد أن تضع فيما لزمه من نصف قيمتها فيأخذ الشريك ثمنه إن كان كفافا لما لزمه ويتبعه بنصف قيمة الولد دينا، وإن بلغ أقل مما لزمه أتبعه بالناقص مع نصف قيمة الولد.
يريد: وإن بلغ أزيد مما لزمه لم يتبع منها إلا بقدر ما لزمه من نصف قيمتها يوم حملت، ويكون الباقي منها بحساب أم ولد، ويتبع بنصف قيمة الولد على كل حال.

الجزء: 22 - الصفحة: 406

وقال سحنون في غير المدونة: لا شيء له من قيمة ولدها إذا اختار قيمتها.
قال ابن القاسم: ويعتق عليه النصف الذي بقي بيده، إذ لا متعة له فيه، ويكون النصف الآخر رقيقا لمن اشتراه.
وقال غيره: لا يعتق عليه ذلك النصف إذ لعله يملك باقيها فيحل له وطؤها.
محمد: وقاله ابن القاسم أيضا، ورواه أشهب عن مالك، وهو أحب إلي، وليس لها منفعة في تعجيل العتق بل ذلك أضر بها.
قال في المدونة: ولو ماتت هذه الأمة قبل أن يحكم فيها، كان عليه نصف قيمتها مع نصف قيمة الولد.
[7 - فصل: عتق أحد الشريكين حصته من أمة أو جميعها ووطء الآخر لها قبل التقويم] وإذا أعتق أحد الشريكين في الأمة حصته منها، وهو مليء، ثم وطئها المتمسك بالرق قبل التقويم؛ لم يحد؛ لأن حصته في ضمانه قبل التقويم، ولا صداق عليه إن طاوعته، ولا ما نقصها، وإن أكرهها فعليه نصف ما نقص من قيمتها بلا صداق؛ لأن من اغتصب أمة فوطئها؛ إنما عليه ما نقصها مع

الجزء: 22 - الصفحة: 407

الحد، وإن كان نصفها حرا، فوطئها رجل مكرهة؛ فعليه الحد مع نقصها، ويكون ما نقصها بينها وبين السيد الذي يملك نصفها، وكذلك أرش جراحتها بينها وبين الذي يملك نصفها، وأحكامها أحكام أمة.
وإن جنت هي خير السيد بين أن يسلم نصفها، أو يفديه بنصف الأرش.
وأما مهرها الذي تتزوج به بإذن السيد، فجميعه يكون موقوفا بيدها، كالفوائد، بخلاف الأرش، ويزوجها المتمسك بالرق برضاها دون الآخر.
قال مالك: وإن أعتق أحد الشريكين في الأمة جميعها وهو مليء؛ لزم ذلك شريكه.
قال ابن القاسم: ثم ليس لشريكه عتق حصته.
قال سحنون: بل له ذلك، عند جميع الرواة غيره.
قال ابن القاسم: وإن وطئها الآخر بعد علمه بعتق المليء لجميعها؛ لحد، إن لم يعذر بجهالة، وإن جهل أن عتق الشريك يلزمه؛ فلا حد عليه.
وقال أشهب: لا يحد بحال.

الجزء: 22 - الصفحة: 408

قال أبو محمد: ويلزم على قول ابن القاسم؛ أن عليه القيمة يوم العتق، لا يوم الحكم، وتلزم تركته، وليس هذا أصلهم أجمع.
قال ابن القاسم: وإن كان المعتق لجميعها عديما؛ لم يحد الواطئ بحال، ولو كان مليئا فلم يؤخذ بالقيمة حتى أعدم، فإن علم الآخر بعتقه فتركه ولو شاء أقام عليه فأخذه بذلك فالعتق ماض، وتلزمه نصف القيمة دينا، وإن كان غائبا، أو لم يعلم بالعتق حتى أعسر المعتق؛ فهو على حقه منها.
م: قال بعض أصحابنا: وهذا خلاف أصله في هذه المسألة، وكان ينبغي على ما أصل فيها ألا يفترق كون الشريك حاضرا، ولا غائبا؛ لأنها قد فاتت بعتق جميعها لما كان المعتق موسرا، ووجب نفاذ العتق، هكذا يلزمه، ولكنه رجع في غيبة الشريك إلى أصلهم، والله عز وجل أعلم.

الجزء: 22 - الصفحة: 409

الباب [الرابع]

في وطء المكاتبة، أو المطلقة، أو أم الولد بعد العتق أو الارتداد، أو وطء المجوسية، أو شيء من ذوات محارمه بملك يمينه، ووطء الأب أمة ولده، أو من أحلت له.

[8 - فصل: في وطء المكاتبة] قال ابن القاسم: ومن وطئ مكاتبته؛ فلا حد عليه، اغتصبها أو طاوعته، وينكل إن لم يعذر بجهل، وعليه ما نقصها إن اغتصبها، ولا صداق لها.
ومن وطئ مكاتبة بينه وبين رجل فلا حد عليه.
[9 - فصل: من وطئ مطلقته أو أم ولده بعد عتقها أو ارتدادها] ومن طلق امراته قبل البناء، ثم وطئها بعد التطليقة، وقال: ظننت أنه لا يبينها مني إلا الثلاث؛ فلها صداق واحد، ولا حد عليه إذا عذر بالجهالة.

الجزء: 22 - الصفحة: 410

وكذلك لو طلقها بعد البناء بها ثلاثاً ثم وطئها في العدة، أو أعتق أم ولده، ثم وطئها في العدة، وقال: ظننت ذلك يحل لي؛ فإن عذر بالجهالة لم يحد وإلا حد؛ كمتزوج الخامسة، أو أخته من الرضاعة، وليس على الذي وطئ في العدة بعد الطلاق البائن، أو العتق البتل صداق مؤتنف، وذلك داخل في الملك الأول؛ كمن وطئ بعد حنثه فيهما ناسيا ليمينه، أو لم يعلم بحنثه.
ومن ارتدت أم ولده ثم وطئها وهو عالم أنها لا تحل له في حال ردتها؛ لم يحد لشبهة الملك.
[10 - فصل: في وطء المجوسية] محمد: وكذلك من وطئ مجوسية بالملك عالما بالتحريم؛ فلا يحد، وهو بخلاف أن لو تزوج مجوسية فوطئها عالما بالتحريم؛ هذا يحد، إذ لا شبهة ملك له فيها، وهو كمتزوج الخامسة يحد إن لم يعذر بجهالة.
[11 - فصل: في وطء المحارم بملك اليمين] قال فيه وفي المدونة: ولو وطئ بملك يمينه من ذوات محارمه من لا يعتق عليه إذا ملكه، مثل العمة، والخالة، وبنت الأخت، أو الأخت من الرضاعة، أو البنت، أو الأم من الرضاعة، وهو عالم بتحريم ذلك؛ لم يحد، للملك الذي له في

الجزء: 22 - الصفحة: 411

ذلك، وينكل عقوبة موجعة، فإن حملت منه لحق به الولد، وعتق عليه معجلا إذ لم يبق له فيهن منفعة ولا متعة.
قال ابن المواز: ورواه عيسى عن ابن القاسم في العتبية.
ولو وطئ بملك يمينه من يحرم عليه بالنسب ويعتق عليه بالملك؛ مثل الأم، والبنت، والأخت، والجدة، وشبهها عامدا عالما بالتحريم؛ فإنه يحد ولا يلحق به الولد، إلا أن يعذر بجهل، فيدرأ عنه الحد، ويلحق به الولد، ويعتقن عليه.
م: وإنما حد فيمن يعتق عليه بالنسب؛ لأنهن أحرار بعقد الشراء، فلا شبهة ملك له فيهن، بخلاف من لا تعتق عليه.
قال ابن القاسم: ومن زنى بأمه، أو بأخته، أو بعمته، أو بخالته، أو بذات رحم محرم منه؛ فعليه الحد.
[12 - فصل: في وطء الأب أمة ولده] ولا يحد الأب إذا وطئ أمة ولده؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك)، فكان ذلك شبهة أسقطت عنه الحد، ويغرم الأب قيمتها، حملت أو لم تحمل، فإن لم يكن له مال بيعت عليه بعد الاستبراء إن لم

الجزء: 22 - الصفحة: 412

تحمل في قيمتها التي لزمته بالوطء، فإن نقص ثمنها عن ذلك أتبعه ولده بتمام القيمة، وإن فضل كان ذلك للأب، وكذلك الجد لا يحد في أمة ولد ولده، كان لأب أو لأم؛ لأنه كالأب في رفع القود وتغليظ الدية.
محمد: وقاله ابن القاسم، وعبد الملك، وخالفهما أشهب وقال: عليهما الحد والقطع بخلاف الأب.
قالوا: ويدرأ عن الأم في السرقة من مال الولد القطع.
وأما إن وطئها عبد ابنها، قال أشهب: تحد كما تحد في عبدها.
[13 - فصل: فيمن وطئ جارية أحلت له] قال في المدونة: وكل من أحلت له جارية، أحلها له أجنبي، أو أقاربه، أو امرأته، فإنها ترد أبدا إلى سيدها، إلا أن يطأها الذي أحلت له، فيدرأ عنه الحد بالشبهة؛ كان جاهلا أو عالما، ويلزمه قيمتها حملت أو لم تحمل، وليس لربها التماسك بها بعد الوطء وإن لم تحمل، بخلاف وطء الشريك؛ لأن وطء الشريك وطء عداء، وهذا قد أذن له، فإذا تماسك بها صح ما قصداه من عارية الفرج، وإذ قد لا يؤمن أن يحلها ثانية فمنع منه.

الجزء: 22 - الصفحة: 413

قال ابن القاسم: فإن كان له مال أخذ منه قيمتها، وإن كان عديما وقد حملت، كانت القيمة في ذمته، وإن لم تحمل بيعت عليه في ذلك، فكان له الفضل وعليه النقصان.
الأبهري: وهذا كله إذا كان غير عالم؛ لأن وطئها لا يحل له بإباحة مالكها؛ فأما إن كان يعلم أنه لا يحل له وطئها، وأن أباحه ذلك مالكها فوطئها؛ عليه الحد، ولا يلحق به الولد؛ لأنه زان بوطئه من لا زوجة له ولا ملك يمين، ولا هو جاهل بتحريم الوطء، فعليه الحد لهذه العلة.
م: وهذا خلاف لما في المدونة وغيرها.
وقد روى ابن حبيب أن النعمان بن بشير رفع إليه رجل وطئ جارية امرأته، فقال: "لأقضين فيها بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن أحلتها له جلدته،- يريد نكالاً-، وإن لم تحلها له رجمته، فوجدها قد أحلتها له، فجلده مئة".

الجزء: 22 - الصفحة: 414

[14 - فصل: في الشهادة على الزنى] وقد تقدم في كتاب الرجم إذا شهد على امرأة بالزنا أربعة أحدهم زوجها؛ فإنه يحد الثلاثة، ويلاعن الزوج، وفيه ذكر الشهادة على الشهادة في الزنى.
ومن قذف رجلا بالزنى فقال القاذف حين رفع إلى القاضي: أنا آتيك بالبينة أنه زان، أمكن من ذلك، ولا يجوز في ذلك إلا أربعة شهود عدول يشهدون سوى القاذف.

الجزء: 22 - الصفحة: 415

الباب [الخامس]

فيمن أقر أنه زنى بفلانة، وكشف المقر، ورجوعه، ومن قالت: تزوجني فلان وحملي منه، ومن أقر أنه كان زنى في حال كفره، وزنى المسلم بالذمية، وإقرار العبد بالحدود

[15 - فصل: فيمن أقر أنه زنى بفلانة، وكشف المقر، ورجوعه] قال ابن القاسم: ومن قال عند الإمام أو غيره، زنيت بفلانة؛ فإن أقام على قوله حد للزنى وللقذف، وإن رجع عن ذلك حد للقذف، وسقط عنه حد الزنا، ويقبل رجوعه، سواء قال: أقررت لوجه كذا أو لم يقل.
وقيل: لا يقبل رجوعه إلا أن يذكر عذره في ذلك.
والأول أحسن: وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز حين أخذته الحجارة فهرب، فضربه رجل فقتله: (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك رجوع منه.
والمعترف بالزنى لا يكشف كما تكشف البينة، ويلزمه الحد، رجماً كان أو

الجزء: 22 - الصفحة: 416

جلداً بإقراره مرة واحدة، ولا يقرر أربع مرات، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأنيس: (أغد على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، ولم يأمره أن يقررها أربع مرات، وإنما رد النبي صلى الله عليه وسلم ماعزاً لما أنكر من أمره، ألا ترى أنه قال لأهله: (أبصاحبكم جنة)؛ لا أنه أراد أن يعترف أربع مرات، ولو كان الاعتراف أربع مرات بمنزلة الشهادة لكان إذا رجع بعد اعترافه أربع مرات لم يقبل رجوعه، كما لا يقبل بعد الشهادة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز لما هرب حين أخذته الحجارة (فهلا تركتموه)، ورأى أن ذلك رجوع منه، والله اعلم.
قال ابن القاسم: فإذا رجع المقر أقيل، وكذلك إن رجع بعدما أخذت الحجارة مأخذها، أو بعد أن ضرب بعض الحد أو أكثره، لقوله صلى الله عليه وسلم: (فهلا تركتموه).
محمد: وقال أشهب وعبد الملك: لا يقال إلا أن يورك فيقال، ما لم

الجزء: 22 - الصفحة: 417

يضرب أكثر الحد فليتم عليه، ولا يقال وإن ورك.
م: ووجه ذلك: أنه لما أقر فقد ألزم نفسه حكم ما أقر به عند الإمام، فوجب حده، كما لا تجوز الشفاعة له حينئذ؛ فإن ذكر بعد ما يعذر به مثل أن يقول: وطئت في الحيض، أو جارية لي فيها شرك، وظننت أن ذلك زنى، قبل ذلك منه، وأقيل لدرائه الحد بالشبهة.
م: وقول ابن القاسم أبين.
[16 - فصل: من قالت: تزوجني فلان وحملي منه] قال في المدونة: وإن ظهر بامرأة حمل، فقالت: تزوجني فلان، والحمل منه؛ فإن لم تقم بينة بالنكاح حددتها، ويحد الزوج إن صدقها، ولا يلحق به الولد، وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "الرجم في كتاب الله عز وجل حق إذا كانت البينة، أو الحمل، أو الإقرار"، فقد ساوى بين الحمل، والشهادة، فلذلك وجب حدها.

الجزء: 22 - الصفحة: 418

[17 - فصل: فيمن أقر أنه كان زنى حال كفره، وزنى المسلم بالذمية والحربية] ومن المدونة: ومن أسلم ثم أقر أنه زنى في حال كفره، لم يحد؛ لأن ذلك زنى لا حد فيه.
وإذا زنى مسلم بذمية حد، وردت هي إلى أهل دينها.
وإن دخل مسلم دار الحرب بأمان، فزنى بحربية، فقامت عليه بينة مسلمون، أو أقر بذلك؛ فعليه الحد.
وكذلك فيما وطئ من المغنم، وله فيه نصيب.
محمد: وقال أشهب: لا يحد فيهما.
[18 - فصل: إقرار العبد بجناية على عبد وإقراره بحد من حدود الله] وما أقر به العبد من قصاص، أو حد لله عز وجل يحكم به في بدنه؛ أقامه عليه الإمام لإقراره.
وإن أقر أنه جرح عبداً فليس لسيد العبد المجروح إلا القصاص، وليس لهم أن يستحيوه ويأخذوه؛ لأن العبد يتهم حينئذ أنه أراد الخروج من يد سيده إلى هذا.
وكذلك إن أقر أنه قتل حراً أو عبداً؛ فإنما لسيد العبد، أو ولي الحر القصاص، وليس لهم أن يستحيوه ويأخذوه.

الجزء: 22 - الصفحة: 419

الباب [السادس]

فيمن اجتمعت عليه حدود

والسنة في الحدود إذا تكررت، وكان موجبها أمرا واحدا، أجزأ فيها حد واحد؛ ألا ترى أن الزاني إذا أولج مرة أو مرارا، إنما عليه حد واحد، وإذا تجرع الخمر جرعة واحدة أو جرعاً؛ فإنما عليه حد واحد، وكذلك تكرر سرقته؛ لأن الحد تطهير له، فكما كان الإنسان إذا أحدث مراراً يجزيه طهر واحد، فكذلك موجب الحد إذا تكرر كالطهر من الحدث، ولا خلاف بين فقهاء الأمصار في هذا.
قال أصبغ: وقد (جلد النبي صلى الله عليه وسلم الذين خاضوا في أمر عائشة رضي الله عنها)، كل واحد حداً واحداً، ولو كان على ما قاله

الجزء: 22 - الصفحة: 420

المخالف لجلد كل واحد منهم حدين، حداً عن عائشة رضي الله عنها، وحداً عن الذي رموها به.

الجزء: 22 - الصفحة: 421

[19 - فصل: في تقديم بعض الحدود على بعض في الاستيفاء] قال ابن القاسم: ومن اجتمع عليه قصاص في بدنه للناس، وحدود لله عز وجل، بدأ بما هو لله عز وجل؛ لأنه أكد إذ لا عفو فيه، وإن كان فيه محمل أقيم عليه ما للناس مكانه، وإن خيف عليه الموت أخر حتى يبرأ أو يقوى، وإن سرق وزنى وهو محصن، رجم ولم تقطع يده؛ لأن القطع يدخل في القتل، ولا يتبع بقيمة السرقة إن كان معدما، وإن طرأ له مال علم أنه أفاده بعد السرقة بهبة أو غيرها، لم يأخذ منه المسروق منه شيئا في قيمة سرقته إلا أن يعلم أن هذا المال كان له يوم سرق؛ ولأن اليد لم يترك قطعها، وإنما دخل قطعها في القتل.
[20 - فصل: في تداخل الحدود] ومن أقر أو شهدت عليه بينة أنه زنى بعشر نسوة أجزأه حد واحد، وإن شهدوا عليه أنه زنى وهو بكر، ثم زنى بعد أن أحصن، فإنما عليه الرجم، ولا يجلد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها)، ولم يأمره بغير ذلك.
وكل حد لله عز وجل، أو قصاص، اجتمع مع القتل، فالقتل يأتي على ذلك كله، إلا حد القذف، فإنه يقام قبل القتل، وذلك لحجة

الجزء: 22 - الصفحة: 422

المقذوف من لحوق عار القذف به إن لم يحد له.
ومن قذف جماعة في مجلس، أو مفترقين، فعليه حد واحد، فإن قام به أحدهم فضرب له، كان ذلك الضرب لكل قذف كان قبله، ولا يحد لمن قام به منهم بعد ذلك، وقد زالت عنهم بذلك معرة القذف، فلا حجة لهم.
وكذلك لو شرب خمراً، وقذف، رجلاً، فإنما عليه حد واحد.
قال في كتاب محمد: ولو شرب خمراً، فضرب الحد له، ثم ثبت بعد ذلك أنه افترى على رجل قبل شربه، فإن ضربه للخمر يجزئ.
وكذلك لو افترى على رجل فضرب له الحد، ثم ثبت أنه قد شرب الخمر قبل ذلك؛ فإنه لا يضرب له ثانية، وقاله أصبغ، وقال: وهو الصواب، والسنة والمجتمع عليه، وإنما اشتق أحدهما من صاحبه.

الجزء: 22 - الصفحة: 423

الباب [السابع]

فيمن عَمِل عَمَل قوم لوط، أو أتى بهيمة، وذكر المتساحقتين

[21 - فصل: فيمن عمل عمل قوم لوط] قال سبحانه في قوم لوط: ﴿إِنَّكُمْ لَتَاتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾.
وقال عز وجل: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.
فدل أن اللواط أشد من الزنى؛ لأنهم أتوا بما لم يأت به أحد ممن سبقهم، ولأنه أتى من لا يستباح بوجه، والمزني بها قد تستباح بالنكاح.
وروى أبو هريرة، وابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اقتلوا الفاعل والمفعول به)، وفي حديث أبي هريرة: (أحصنا أو لم يحصنا).

الجزء: 22 - الصفحة: 424

قال ربيعة: وهي العقوبة التي أنزلها الله عز وجل على قوم لوط، وبذلك حكم الصديق رضي الله عنه، وكتب فيه إلى خالد بن الوليد، بعد مشورة خير القرون، وكان أشدهم فيه علي بن أبي طالب رضي الله عنهم

الجزء: 22 - الصفحة: 425

أجمعين، وروي ذلك عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم.
وذكر ابن حبيب: "أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كتب أن تحرقهم بالنار" ففعل ذلك، وفعل كذلك ابن الزبير رضي الله عنه في

الجزء: 22 - الصفحة: 426

زمانه، وهشام بن عبد الملك في زمانه، والقسري بالعراق.
قال: فمن أخذ بهذا لم يخطئ، والرجم هو الذي جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن شهاب ومالك: إن عليه العمل.
وفي مختصر أبي محمد: ولو كانا عبدين، أو كافرين؛ لرجما.

الجزء: 22 - الصفحة: 427

وقال أشهب يحد العبد خمسين، ويؤدب الكافران، وليس على العبيد في الزنى رجم؛ لأن الله عز وجل جعل عليهم نصف حد المحصنات، ولا نصف للرجم.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولا صداق على الفاعل في ذلك، في طوع ولا إكراه؛ فإن كان المفعول مكرهاً، أو صبياً طائعاً، لم يرجم، ورجم الفاعل، والشهادة فيه كالشهادة على الزنى.
[22 - فصل: في إتيان المرأة في دبرها] وإن أتى امرأة أجنبية في دبرها، ليست له بزوجة؛ ولا ملك يمين؛ أقيم عليه حد الزنى، وإن أكرهها فعليه المهر مع الحد، ولا حد عليها هي للإكراه.
[23 - فصل: فيمن أتى بهيمة] وإن أتى بهيمة، لم يحد ونكل، ولا تحرق البهيمة، ولا يضمنها، ولا بأس أن يؤكل لحمها.
محمد: وقول ابن عمر: "لو وجدت من أتى بهيمة لقتلته"، فقاله

الجزء: 22 - الصفحة: 428

على وجه التغليظ، كما قال عمر: "لو تقدمت بقول في نكاح السر والمتعة لرجمت".
قال غيره: وما روى عن عكرمة، عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من وطئ بهيمة فاقتلوه واقتلوها)، فهو حديث ليس من حديث أهل المدينة، وقد روى أبو رزين عن ابن عباس رضي الله عنهما

الجزء: 22 - الصفحة: 429

أنه قال: "ليس على الذي يأتي البهيمة حد"، فهذه الرواية أصح من رواية عكرمة عن ابن عباس، وبها أخذ أهل المدينة.
ومن المدونة: وأنكر مالك الحديث: (أن من غل أحرق رحْلُهُ).

الجزء: 22 - الصفحة: 430

[24 - فصل: في المتساحقتين] ومن العتبية روى عيسى عن ابن القاسم في المرأة تساحق المرأة، تقر أو يشهد عليها بذلك: فليس في عقوبتهما حد، وذلك على اجتهاد الإمام على ما يرى من شنعة ذلك وخبثهما.
وكذلك روى عنه أصبغ.
وقال أصبغ: ويجلدان خمسين خمسين ونحوهما، وعليهما الغسل إن أنزلتا، وقاله ابن وهب.
وقال ابن شهاب: سمعت رجالا من أهل العلم يقولون: أنهما يجلدان مئة مئة.

الجزء: 22 - الصفحة: 431

الباب [الثامن]

في الشهادة في القذف وغيره

ولم يذكر الله سبحانه شهادة النساء إلا في آية الدين، فلا تجوز شهادتهن في الحدود، ولا يجوز فيها إلا شهادة رجلين حرين، مسلمين، عدلين.
ومن شهد عليه شاهد أنه قال لفلان يوم الخميس: يا زاني، وشهد آخر أنه قال له يوم الجمعة: يا زاني؛ فعليه الحد، وكذلك الطلاق والعتاق.
فلو شهد واحد أنه طلق امرأته في رمضان، وآخر في رجب؛ لطلقت عليه.
وإن شهد عليه رجل أنه قال يوم السبت: إن دخلت دار فلان فامرأتي طالق البتة، وشهد عليه آخر أنه حلف بتلك اليمين يوم الاثنين، فإنه إن حنث

الجزء: 22 - الصفحة: 432

طلقت عليه بشهادتهما.
ولو شهد واحد أنه قال: إن دخل دار فلان فامرأته طالق البتة، وشهد عليه آخر أنه حلف إن ركب دابة فلان فامرأته طالق البتة، وشهدت عليه بينة أنه دخل الدار، وركب الدابة، لم تطلق عليه؛ لأنهما شهدا على فعلين مختلفين، بخلاف الأول.
والعتق مثل هذا سواء.
ولو شهد شاهد على رجل أنه شج فلاناً موضحة، وشهد عليه آخر أنه أقر أنه شجه موضحة، قضى بشهادتهما؛ لأن الإقرار والفعل هاهنا شيء واحد، ولو اختلف الفعل والإقرار لم يقض بشهادتهما.
ولو شهد عليه رجل أنه ذبح فلاناً ذبحاً، وقال آخر: أشهد أنه أقر عندي أنه أحرقه بالنار، فالشهادة باطلة.

الجزء: 22 - الصفحة: 433

[24 - فصل: فيمن شهد بحد ثم أكذب نفسه أو تأخرت بينته أو نقصت] وإن قالت البينة بعد ما وجب الحد: ما شهدنا إلا بزور؛ دُرئ الحد.
وإذا شهد رجل على رجل بشرب الخمر، أو بالزنى، وقال للقاضي: أنا آتيك بالبينة على ذلك، فإن ادعى أمراً قريباً في الخمر، حبس هو والمشهود عليه، ولا يؤخذ في هذا كفيل، وقيل له: ابعث إلى من يشهد معك، فإن أتى بمن يشهد معه، اقيم على المشهود عليه في الخمر الحد، وإن لم يأت به وادعى

الجزء: 22 - الصفحة: 434

شهادة بعيدة؛ لم ينتظر، ونكل.
وأما في الزنى فلا يخرجه من حد القذف إلا أن يأتي بأربعة سواه.
وكذلك لو قذفه بالزنى قذفا، ثم جاء هو وثلاثة يشهدون؛ فإنهم يحدون أجمعون.
وقد تقدم القول فيمن قذف جماعة، وكثير من مسائل هذا الباب مشروحة في غير هذا الكتاب، فأغنى عن الزيادة فيها.

الجزء: 22 - الصفحة: 435

الباب [التاسع]

في العفو عن حد القذف، والقيام به، وكتب القضاة إلى القضاة في الحدود

[25 - فصل: في العفو عن حد القذف، والقيام به] وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب) ورواه بن وهب.
قال ابن القاسم: فليس في حد القذف عفو إذا بلغ الإمام، أو صاحب الشرط، أو الحرس، إلا أن يريد المقذوف ستراً.
م: لأن واجباً على الإنسان أن يستر على نفسه، وكان مالك يجيز العفو بعد أن يبلغ الإمام وإن لم يرد ستراً، كما روي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه.
يريد: لأنه حد للناس، ثم رجع مالك، فلم يجزه عند الإمام، إلا أن يريد المقذوف ستراً.
قال ابن المواز: وهذا إذا قذفه في نفسه، وإما أن قذفه أبويه، أو

الجزء: 22 - الصفحة: 436

أحدهما، وقد مات المقذوف؛ لم يجز العفو فيه بعد بلوغ الإمام، قاله ابن القاسم وأشهب.
قال محمد: ويجوز عفو الولد عن الأب عند الإمام، قاله مالك وأصحابه رضي الله عنهم، إذا قذفه في نفسه، وإما إن قذف أمه وقد ماتت، أو قذفت أمه أباه وقد مات؛ فلا عفو فيه بعد بلوغ الإمام، قال: ويجوز عفوه عن جده لأبيه عند الإمام كأبيه، وأما عن جده لأمه؛ فلا.
ومن كتاب القذف: وأما النكال والتعزيز، فيجوز فيه العفو والشفاعة وإن بلغ الإمام، وقد قال مالك فيمن يجب عليه التعزيز والنكال وانتهى إلى الإمام، قال: إن كان من أهل العفاف والمروءة وإنما هي طائرة منه؛ تجافى السلطان عن عقوبته، وإن عرف بالأذى؛ ضرب النكال.
قال: ويجوز العفو عن حد القذف قبل بلوغ الإمام، وقاله مالك.
محمد: وروى أشهب عن مالك: أنه متى قام به بعد ذلك العفو؛

الجزء: 22 - الصفحة: 437

حد له إلا أن يكون أراد سترا، وقاله ابن شهاب وابن وهب.
وقال أصبغ: قول مالك وابن القاسم أحب إلينا، وهو قول الناس: إن عفوه قبل بلوغ الإمام؛ يسقط عنه الحد، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لصفوان إذ عفا عنده عن سارق ردائه: (فهلا قبل أن تأتيني به)، وقال: (تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب).
ورواه ابن وهب.
قال في المدونة: ومن عفا عن قاذفه قبل بلوغ الإمام، ولم يكتب عليه بذلك كتاباً؛ فلا قيام له بعد ذلك عليه، وكذلك النكال، فإن عفا عنه على أنه متى شاء قام بحده، وكتب بذلك كتاباً، وأشهد على ذلك، فذلك له متى ما قام به، فإن مات كان لولده أن يقوم عليه بذلك الكتاب.
محمد: قال مالك: وإني لأكره أن يكتب عليه بذلك كتابا، وما ذلك من عمل الناس.

الجزء: 22 - الصفحة: 438

قال في المدونة: ويجوز العفو في القصاص الذي للناس بعد بلوغ الإمام.
ولا يقوم بالقذف غير المقذوف.
قال: وإذا شهد قوم على رجل أنه قذف فلاناً، وفلان يكذبهم، ويقول: ما قذفني؛ لم تجز شهادتهم إلا أن يكون المقذوف هو الذي أتى بهم، وادعى ذلك، ثم أكذبهم بعد أن شهدوا عند السلطان، أو قال: ما قذفني؛ فإنه يحد؛ لأنه حد قد وجب لا يزيله، هذا بمنزلة عفوه عنه بعد بلوغ الإمام، ويضرب القاذف الحد.
ابن حبيب: قال اصبغ في القاذف إذا هم الإمام بضربه، فأقر المقذوف على نفسه بالزنى، وصدقه؛ فإن ثبت على إقراره حد للزنا، ولم يحد القاذف، وإن رجع عن إقراره؛ لم يحد، وحد القاذف.
وقال ابن الماجشون: إذا رجع عن إقراره بتوريك؛ درئ عنه الحد، ودرئ عن القاذف الحد بإقراره.
قال ابن حبيب: وهو أحب إلي، ما لم يتبين أنه أراد بإقراره إسقاط الحد عن القاذف، فيبطل إقراره.

الجزء: 22 - الصفحة: 439

ومن العتبية قال أشهب عن مالك في القاذف يعطي مئة دينار للمقذوف، على أن عافاه من الحد، قال: لا يجوز ذلك، وعليه الحد.
[26 - فصل: كتب القضاة إلى القضاة في الحدود] ويجوز كتب القضاة إلى القضاة في الحدود، والقصاص، والأموال.
وقد تقدم في كتاب الرجم كثير من معاني هذا الباب.

الجزء: 22 - الصفحة: 440

الباب [العاشر]

جامع في القذف وصنوف الشتم، وما فيه الحد من ذلك أو الأدب

قال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ - وهن الحرائر العفائف- ﴿ثُمَّ لَمْ يَاتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، فناب ذكر النساء عن ذكر الرجال، وهذا من الحكم المسكوت عنه بحكم ما يشبهه من المذكور.
وقد "ضرب عمر رضي الله عنه الحد الذين شهدوا على المغيرة، إذ لم تتم شهادتهم، ثمانين ثمانين، وضرب في التعريض الحد أيضا".
ومن ذلك ما قال الله سبحانه من قول قوم شعيب لشعيب عليه السلام:

الجزء: 22 - الصفحة: 441

﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾، وقال تعالى: ﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
قال مالك رحمه الله: فلا يجب الحد إلا في قذف بما فيه الحد، أو نفي، أو تعريض يرى أنه أريد به القذف.
فمن قال لرجل: يا لوطي، أو يا عامل عمل قوم لوط؛ فعليه حد الفرية.
وإن قذفه ببهيمة أدب أدباً موجعاً ولم يحد؛ إذ لا يحد من أتى بهيمة.
وكل ما لا يقام فيه الحد فليس على من رمى رجلا بذلك، حد الفرية.
ومن قذف رجلا بالزنى؛ فعليه الحد، وليس له أن يحلف المقذوف أنه ليس بزان، وإن علم المقذوف من نفسه أنه قد زنى، فحلال له أن يحده.
ومن قال لرجل: يا مخنث، فرفعه إلى الإمام؛ حد، إلا أن يحلف أنه لم يرد به قذفا، فإن حلف، أدب، ولم يحد.
قال غيره: هذا إذا كان في كلامه، أو في عمله، أو بدنه، توضيع؛

الجزء: 22 - الصفحة: 442

وإلا حد، ولم يحلف.
ومن قال لرجل: يا سارق، على وجه المشاتمة؛ نكل، وأما إن قال: سرقت متاعي، ولا بينة له، وكان الذي قال له ذلك من أهل التهم؛ فلا شيء عليه، وإما إن كان شهد عليه أنه سرق متاع فلان، حلف صاحب المتاع، واستحقه، ولم يقطع السارق بشهادة واحد.
وإن لم يكن للسرقة طالب، مثل أن يقول: رأيته دخل داراً، فأخذ منها شيئا؛ فإن كان الشاهد عدلاً؛ لم يعاقب، وإلا عوقب، إلا أن يأتي بالمخرج من ذلك.
[27 - فصل: في بعض الفاظ القذف] ومن كتاب محمد: ومن قال لرجل: يا قرنان؛ جلد لزوجته إن طالبته؛ لأن القرنان عند الناس: زوج الفاعلة.
وقال ابن القاسم في غير كتاب ابن المواز: أنه يحد، ولم يذكر زوجه، ولم ير يحي بن عمر فيه الحد، وقال: يجلد عشرين سوطاً، وقد روي عن أشهب فيمن قال لرجل: يا مؤآجر، أنه يحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 443

محمد: ومن قال لرجل: يا مؤآجر بارت إجارتك عليك، على وجه المشاتمة؛ فعليه الحد.
قال يحى بن عمر فيمن قال لامرأته: يا قحبة؛ فعليه الحد.
ابن حبيب عن ابن الماجشون فيمن قال له: يا مأبون: وهو رجل في كلامه تأنيث، يضرب الكبر، ويلعب في الأعراس، ويغني، ويتهم بما قيل له؛ فما يخرجه من الحد إلا أن يحق ذلك.
[28 - فصل: فيمن قال: زنيت وأنت صغيرة أو نصرانية أو أمة] ومن قال لأجنبية: زنيت وأنت صبية، أو زنيت وأنت نصرانية، أو قال ذلك لرجل؛ فعليه الحد؛ لأنه لا يخلو أن يكون قاذفا، أو معرضاً، وكذلك لو قال لهما: رأيتكما تزنيان في حال الصبا، أو في حال كفر تقدم، أو قذفهما بالزنى قذفا ثم أقام بينة أنهما زنيا في حال الصبا، أو في حال كفر تقدم منهما؛ لم ينفعه ذلك؛ ويحد؛ لأن هذا لا يقع عليه اسم زنى.
وأما من قال لعبد وأمة قد عتقا: زنيتما في حال رقكما، أو قال لهما:

الجزء: 22 - الصفحة: 444

يا زانيان، ثم أقام بينة أنهما زنيا في الرق؛ لم يحد لأن اسم الزنى في الرق لازم لهما، وإن لم تقم بينة؛ حد.
محمد: وقال عبد الملك: إن أقام بينة في ذلك كله؛ لم يحد، وإن لم تقم بينة؛ حد، وإن سمى فقال: في صغرك، أو نصرانيتك، أو رقك.
وقال أشهب: إن سمى فقال: في نصرانيتك، أو صغرك، أو رقك، فإن كان في غير مشاتمة لم يحد، وإن كان في مشاتمة؛ حد، إلا أن يقيم البينة.
[29 - فصل: من قال لزوجته أو لأجنبية: زنيت مستكرهة] ومن المدونة: ومن قال لزوجته: زنيت وأنت مستكرهة، أو قال ذلك لأجنبية؛ فإنه يلاعن الزوج، وإلا حد، ويحد الأجنبي، ولو جاء في هذا ببينة لم يكن عليه حد، وإن لم يلحقها اسم الزنى بالاستكراه، فقد بين أنه أراد الغصب.
وفي كتاب محمد قال: يحد: وإن أقام البينة لأنها ليست بذلك زانية.
ومن قذف مستكرهة؛ حد، ولو كانت زوجة له لاعن، وإلا حد.

الجزء: 22 - الصفحة: 445

[30 - فصل: فيمن عرض لزوجته بالزنى، أو قال لمسلمة: قذفتك في نصرانيتك] قال فيه وفي المدونة: ومن عرض بالزنى لامرأته ولم يصرح بالقذف، ضرب الحد إن لم يلتعن.
ويكون الذي قذف التي أسلمت، والتي اعتقت، أو الصغيرة التي قد بلغت الوطء، أو امرأته قاذفا حين تكلم بذلك.
ومن قال لامرأته قد أسلمت: كنت قذفتك في نصرانيتك بالزنى؛ فإن كان إنما سألها العفو ممتحناً، أو أخبر بذلك أحداً على وجه الندم على ما مضى من ذلك؛ فلا شيء عليه، وإن لم يقل ذلك لوجه يعذر به فعليه الحد.
محمد قال أشهب: إن كان في مشاتمة حد، وإلا لم يحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 446

الباب [الحادي عشر]

في القيام بحد القذف

[31 - فصل: حد القذف ينتقل إلى أقارب المقذوف بالموت] ابن القاسم: ومن قذف ميتاً فإن لولده وولد ولده، ولأبيه، وجده لأبيه؛ أن يقوموا بذلك، ومن قام منهم أخذه بحده، وإن كان ثم من هو أقرب منه؛ لأنه عيب يلزمهم، وليس للأخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام؛ فإن لم يكن من هؤلاء أحد فللعصبة القيام، وللأخوات، والجدات القيام بالحد إلا أن يكون له ولد ولد.
وقال في كتاب محمد: إذا ترك ولداً، وولد ولد، وأباً وجداً لأب؛ فهم سواء، ومن قام منهم فله أن يحده، فأما اخوة، أو بنات، أو جدات، أو غير من سمينا؛ فلا قيام له بحد الميت إلا أن يوصي به.
وقال أشهب: لا يقوم إلا الأقرب فالأقرب، فلا قيام لابن الابن مع الابن ولا عفو، والابن أولى بذلك، ثم ابن الابن، ثم الأب بعدهما، ثم الأخ بعده، ثم الجد بعد الأخ، ثم العم بعد الجد، وكذلك قراباته من النساء، الأقرب فالأقرب،

الجزء: 22 - الصفحة: 447

وأما الزوجة، وبنت البنت، فلا حق لهما.
قال في المدونة: فإن لم يكن لهذا المقذوف وارث، فليس لأجنبي أن يقوم بحده، وأما الغائب فليس لولده ولا لغيره القيام بقذفه إلا أن يموت، إذ قد يعفو، أو يريد سترا، وإن مات ولا وارث له فأوصى بالقيام بقذفه، فلوصيه القيام به.
[32 - فصل: هل يقوم أحد عن الميت والغائب في حد القذف؟] وإذا قذفت ميتة، أو غائبة، فقام بحدها ولد، أو ولد ولد أو أخ، أو أخت، أو ابن أخت، أو جد، أو أب، أو عم، فأما في الموت فيمكن من ذلك، وأما في الغيبة فلا.
قال محمد: قال ابن القاسم: لا يقوم بذلك ولده ولا غيرهم، وإن طالت الغيبة، وقاله أصبغ.
وقد قيل: لولده القيام في الغيبة البعيدة، ويحد لهم، وليس لهم ذلك في القريبة، ويكتب إلى المقذوف.
وذكر ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: لا يقوم للغائب أحد من

الجزء: 22 - الصفحة: 448

أقربائه إلا الولد في أبيه وفي أمه.
قال: ولو أن السلطان سمعه مع شاهدين عدلين؛ حده، وإن كان المقذوف غائبا.
وقال محمد عن مالك وابن القاسم: إذا سمعه رجلان فرفعا ذلك إلا الإمام؛ فلا ينتظر في ذلك، ويحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 449

الباب [الثاني عشر]

في قاذف واطئ المجوسية، والحائض وفي الصبي والعبد، والمحارب، والذمي والحربي، يُقذف أو يَقذف

[33 - فصل: في قاذف واطئ المجوسية والحائض] قال ابن القاسم: ومن وطئ أمة له مجوسية، أو امرأته وهي حائض، فقذفه رجل بالزنى؛ فعليه الحد؛ لأنه لا يحد من وطء مجوسية، أو حائض.
[34 - فصل: في قذف الصبي والصبية] ولا يحد من قذف بالزنى صبياً لم يحتلم وإن كان مثله يطأ؛ يريد: لأنه رماه بما لا حد عليه فيه، ولا عار يلحقه به.
قال: وإن قذف بذلك صبية لم تبلغ الحيض ومثلها يوطأ؛ فعليه الحد.
محمد: لأن ذلك عار يلحقها، ولا يرغب في نكاح مثلها، وإذا قذفته هي؛ لم تحد، كما يحد من زنى بها، ولا تحد هي، وأما الغلام فلا حد له ولا

الجزء: 22 - الصفحة: 450

عليه في القذف، كما لا يحد في وطئه، ولا تحد الموطوءة، وقاله يحي بن سعيد، وابن شهاب، ومالك، والأوزاعي.
م: ابن الجهم، وابن عبد الحكم، يخالفان مالكاً في قاذف الصبية، ويقولان: لا حد عليه.
[35 - فصل: في قذف المجنون والمجبوب] ولا حد على المجنون إن قذف؛ لرفوع القلم عنه.
ومن قال لمجنونة في حال جنونها: يا زانية؛ فعليه الحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 451

قال محمد: إلا أن يكون أصابها الجنون من صغرها إلى كبرها لم تفق؛ فلا حد عليه، ولا يلحقها اسم الزنى.
وكذلك المجبوب إذا جب في الصغر وقذف في الكبر، وإن جب في الكبر وهو حر مسلم؛ فعلى من قذفه الحد.
[36 - فصل: لا يحد الصبي والصبية، حتى يبلغا] ومن المدونة: ولا يحد الصبي ولا الصبية، في زنى أو غيره من الحدود، حتى يبلغ الغلام، وتحيض الجارية، فإن تأخر فحتى يبلغا سنا لا يبلغه أحد إلا رأى ذلك من احتلام، أو حيض، فإن أنبت الغلام وقال: لم أحتلم، وممكن فيمن بلغ سنه أن يحتلم؛ فلا يحد حتى يحتلم، أو يبلغ سنا لا يبلغه أحد إلا احتلم.
وقد تقدم إيعاب هذا في كتاب الرجم.
[37 - فصل: في قذف العبد وأم الولد] ومن قذف عبدا، أو أم ولد؛ أدب.
محمد: وقذف رجل بأمه، وهي أم ولد، في خلافة عمر بن عبد العزيز، فأخبر أباه، فأعتق أبو أمه، ثم عاد متعرضا له حتى قذفه ثانية، فرفع إلى

الجزء: 22 - الصفحة: 452

عمر؛ فحده.
قال ابن حبيب: وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم في امرأةٍ قالت لأمتها: يا زانية فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لم تجلدك في الدنيا جلدتك في الآخرة)، فقالت لأمتها: اجلديني، فأبت، وقالت: عفوت عنك، فأعتقتها، وأخبرت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (عسى).
قال الأوزاعي: إن كانت كذلك وإلا حدت لها يوم

الجزء: 22 - الصفحة: 453

القيامة.
ومن قاله لكتابية، أو مجوسية، سئل عن ذلك يوم القيامة.
من كتاب محمد: وقال في الموصى بعتقه، أو الأمة الحامل من سيدها، يقذفها رجل بعد موت سيدهما، قبل أن يعتق العبد في الثلث، وقبل أن تلد الأمة، فأما الأمة فيحد قاذفها إن تبين حملها، ولم يختلف فيه قول مالك.
وأما الموصى بعتقه فلا يحد قاذفه وإن خرج بعد ذلك من ثلثه.
واختلف قوله إذا ترك سيده مالا مأموناً، فقال: لا يحد حتى ينفذ في الثلث، وقال أيضا: يحد قاذفه، وأخذ به ابن القاسم، وإليه رجع مالك.
ومن المدونة: وكل من فيه علقة رق إذا زنى أو قذف فحده حد العبيد، وذلك النصف من حد الأحرار، ويؤخذ المحارب إذا تاب بما قذف في حال حرابته، وبحقوق الناس.
[37 - فصل: في الذمي يُقذف أو يَقذف] ومن قذف ذمياً زُجر عن أذى الناس كلهم، ومن قذف نصرانية ولها بنون

الجزء: 22 - الصفحة: 454

مسلمون، أو زوج مسلم، نكل بإذاية المسلمين، وقد "جلد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه رجلا قذف نصرانية، لها ولد مسلم، بضعا وثلاثين سوطاً"، ذكره محمد وابن حبيب.
وإذا افترى ذمي على مسلم؛ حد ثمانين.
ويقطع الذمي إذا سرق، ولا يحد إذا زنى، وقد تقدم هذا.
[38 - فصل: في الحربي والذمي يُسلمان بعد ارتكابهما حداً] وإذا قذف حربي في بلد الحرب مسلما ثم أسلم الحربي بعد ذلك، أو أسر فصار عبدا؛ لم يحد للمقذوف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه، يريد: وأما الذمي يسلم؛ فإنه يؤخذ بما كان في كفره من قذف، أو سرقة، أو قتل، وإذا زنى.
وإذا أتى حربي بأمان فقذف مسلماً فإنه يحد، وإن سرق قطع؛ لأنه كالحرابة، وليس على هذا عوهد.

الجزء: 22 - الصفحة: 455

الباب [الثالث عشر]

في المقذوف يرد على القاذف

[39 - فصل: من قال لامرأته أو غيرها: يا زانية، فردت عليه] قال ابن القاسم: ومن قال لامرأة: يا زانية، فقالت: زنيت بك؛ حدت للزنى وللقذف إلا أن ترجع عن الزنى فتحد للقذف فقط، ولا يحد الرجل؛ لأنها صدقته وكذلك عنه في كتاب محمد.
قال: وقال أشهب: إلا أن تنزع وتقول: إنما قلت ذلك على المجاوبة ولم أرد قذفه، ولا إقرارا بالزنى؛ فيجلد الرجل حينئذ، ولا تحد هي في قذف ولا زنى.
وقال أصبغ: يحد كل واحد منهما لصاحبه وإن رجعت عن قولها؛ لأن كل واحد منهما قاذف للآخر، وليس قولها تصديقا له، ولكن رد عليه.
وروى يحي بن يحي عن ابن القاسم: فيمن قال لامرأته يا زانية، فقالت: بك زنيت، فقال: لا شيء عليهما؛ لأنها تقول: أردت اصابته إياي بالنكاح، فيدرأ عنهما بهذا الحد، ولا يعد هذا إقرارا منها بالزنى.

الجزء: 22 - الصفحة: 456

وقال عنه عيسى: لا حد عليها للقذف، وعليه لها الحد، إلا أن يلاعن.
وقال عيسى: لا حد عليه ولا لعان.
[40 - فصل: إذا قال المقذوف لقاذفه: أنت أزنى مني] محمد: ومن قال لرجل: يا زاني، أو أراك زاني، فقال له الآخر: أنت أزنى مني، وهما عفيفان، قال: عليهما الحد، وقاله يونس عن ربيعة، وقال ابن شهاب: إن ذلك قذفا له، وإقرارا على نفسه بالزنى.
م: يريد فيحد المجاوب حد الزنى وحد القذف على هذا القول، إلا أن يقول: ما كان ذلك مني إقرار، وإنما كان على المجاوبة، فيحد للقذف فقط، ويعد ذلك رجوعا منه، والله عز وجل أعلم.
[41 - فصل: فيمن قذف عبداً أو نصرانيا أو ابن زنى فرد عليه] ومن المدونة: وإن قال حر لعبد: يا زاني، فقال له العبد: لا، بل أنت،

الجزء: 22 - الصفحة: 457

نُكل الحر، وجلد العبد حد الفرية أربعين.
ومن كتاب محمد، والعتبية قال أصبغ عن ابن القاسم: ومن قال لنصراني: يا بن الفاعلة، فقال له النصراني: أخزى الله ابن الفاعلة؛ فليحلف النصراني أني ما أردت قذفه، فإن نكل سجن حتى يحلف.
وقال أصبغ: يجلد النصراني ثمانين؛ لأنه جواب على المشاتمة، فهو تعريض، وكأنه قال لها: يا زانية، فقالت: زنيت بك، قال: ويعاقب المسلم.
ومن كتاب محمد وقال: فيمن أمه زانية، فقال له رجل: يا بن الزانية، فقال له رجل أمك شر منها، فقال فيها ابن شهاب: لا حد عليه، وإن كان عرض، ولكن لو قال: أمك أزنى منها؛ جلد الحد.
[42 - فصل: فيمن قال لرجل يا أحمق، فعرض به الآخر] ابن حبيب قال أصبغ: ومن قال لرجل: يا أحمق، فقال له الآخر: أحمقنا ابن الزانية، فهو قذف من قائلة؛ لأنه جواب للشتم، واستتار عن القذف بذكر الحمق، وسواء كان المقول له ذلك أحمق أو حليماً.

الجزء: 22 - الصفحة: 458

الباب [الرابع عشر]

في الشتم بما فيه النكال، أو يتعلق له فيه الحد

روى ابن وهب أن علي بن أبي طالب، وابن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك، وسليمان بن حبيب المحاربي،

الجزء: 22 - الصفحة: 459

وابن قسيط، وابن شهاب، وغيرهم رضي الله عنهم، أنهم قالوا: من قال لرجل: يا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا خنزير، يا شارب الخمر، يا محدود في الفرية، ولم يقل في الزنى؛ فلا حد عليه في شيء من ذلك، ولكن يعاقب بإذاية أخاه المسلم.
قال في المدونة: ومن قال لرجل: يا فاجر، يا فاسق، أو قال له: يا بن الفاجرة، أو يا بن الفاسقة؛ فعليه في ذلك النكال.
وإن قال له: يا فاجر بفلانة؛ ضرب الحد ثمانين، إلا أن يأتي ببينة على أمر صنعه بها على وجه الفجور، أو يدعي أمراً له فيه مخرج، مثل: أن يجحدها مالاً، فتقول له: لم تفجر بي وحدي، قد فجرت بفلانة قبلي، للأمر الذي كان بينهم، فليحلف أنه إنما أراد ذلك، ويصدق؛ فإن لم يكن على ما وصفت؛ فعليه الحد.
قال سحنون: وقال أيضا في قوله يا فاجر بفلانة: أنه يحلف ما أراد قذفا، وإذا قال له: يا خبيث؛ حلف ما أراد القذف، ونُكل، فإن لم يحلف؛ لم

الجزء: 22 - الصفحة: 460

يحد، ونُكل.
ولو قال له: يا بن الخبيثة؛ حلف أنه ما أراد قذفا، فإن لم يحلف؛ لم يحد، وسجن حتى يحلف، فإن طال سجنه نُكل.
وذكر ابن المواز عن ابن القاسم: أنه إذا نكل؛ سُجن في الوجهين، فإن طال سجنه؛ نُكل، وخلي.
قال ابن حبيب عن أصبغ عن ابن القاسم: فيمن قال لرجل: يا ولد الخبيث فإنه يحد، وإن قال له: يا بن الخبيثة؛ فليحلف ما أراد القذف، وأنه أراد خبثا في فعل، أو خلق ونُكل، فإن نكل عن اليمين سُجن حتى يحلف.
وكذلك إن قال: يا بن الفاسقة أو الفاجرة؛ فإن طال سجنه، ولم يحلف؛ أوجع أدبا، وخلي.
وقال ابن الماجشون في هذا كله: إذا نكل حد، وبه أقول.
وقد تقدم أن من قال لرجل يا مخنث: أنه يحد، إلا أن يحلف أنه ما أراد قذفاً، ونكل، وهذا إذا كان في كلامه توضيع، أو لين، أو يعمل عمل النساء؛ فإن لم يكن في الرجل شيء من ذلك حد له، وكذلك في كتاب محمد، وابن حبيب عن ابن الماجشون عن مالك.

الجزء: 22 - الصفحة: 461

قال ابن حبيب: ولم ير عمر بن عبد العزيز فيه الحد، إلا أنه جلد فيه جلدا أشد من الحد.
قال في كتاب محمد: وكذلك إن قال له: يا مؤنث، وفي كلامه لين خلقة فيه، أو غيره مما يشبهه؛ فليحلف، ويؤدب.
[43 - فصل: اختلاف النكال باختلاف أقدار الناس] قال في المدونة: والنكال على قدر ما يرى الإمام، وحالات الناس في ذلك مختلفة؛ فالمعروف بالأذى يُبالغ في عقوبته، وأما ذو الفضل والمرؤة تقع منه الفلتة؛ فليعاقب في الشتم الفاحش عقوبة مثله، وإن كان شتما خفيفا فليتجافى عنه.
ومن قال لرجل: يا شارب الخمر، أو يا خائن، أو يا آكل ربا، أو يا حمار، أو يا بن الحمار، أو يا ثور، أو يا خنزير؛ فعليه النكال.

الجزء: 22 - الصفحة: 462

الباب [الخامس عشر]

في التعريض

[43 - فصل: في التعريض والقذف الموجب للحد] قال ابن المواز: ومن السنة ألا يجب حد إلا في قذف مصرح، أو بنفي أحد من آبائه، أو ترعيض يرى أنه لزنى، وقاله مالك.
وقد جلد عمر في التعريض، وقال: "حمى الله عز وجل لا ترعى جوانبه".
ومن قال لرجل: جامعت فلانة حراماً، أو وطئتها حراماً، أو حكى ذلك عن نفسه، فطالبته المرأة بذلك، فقال: لم أرد قذفا، وإنما أردت أني كنت وطئتك بنكاح فاسد؛ فإنه يحد، إلا أن يقيم البينة في الوجهين؛ أنه تقدم فيها نكاح فاسد منه، أو من الرجل المقذوف، إما تزوجها في عدتها، أو تزويجا حراما؛ ويحلف أنه ما أراد إلا ذلك؛ فيدرأ عنه الحد.
وكذلك قوله لرجل: كنت وطئت أمك، وقال: أردت بنكاح؛ فإن أتى

الجزء: 22 - الصفحة: 463

ببينة أنه تزوجها لم يحد، وإلا حد.
وإذا قال لرجل: جامعت فلانة بين أفخاذها، أو في أعكانها؛ فهو تعريض بين، ويحد له، وقال أشهب: لا حد عليه في ذلك؛ لأنه صرح بما رماه به.
ومن قال لرجل: ما أنا بزاني، أو قال: قد أخبرت أنك زاني؛ فإنه يحد، فإن أقام شاهدين على إقرار المقذوف بالزنى، فقال ابن القاسم، وعبد الملك: لا حد عليه.
وقال أشهب: عليه الحد.
[44 - فصل: من أقر بعد القذف أو قال: أشهدني فلان] محمد: إن أقر بعد القذف؛ فلا حد على قاذفه، وإن كان القذف بعد رجوعه؛ فالحد على قاذفه.
وإن قال له: أشهدني فلان أنك زان، حد إلا أن يقيم البينة على قول فلان.
وكذلك إن قال: يقول لك فلان: يا زان، قال ذلك كله

الجزء: 22 - الصفحة: 464

عند الإمام أو عند غيره.
[45 - فصل: في القذف في الفرج وغيره] ومن قال لرجل: زنى فرجك، أو يدك، أو رجلك؛ فعليه الحد، يريد: وذلك من التعريض في غير الفرج.
محمد: وقال أشهب: يحد في قوله: زنى فرجك، ولا يحد في قوله: زنت يداك، أو رجلاك؛ وينكل.
محمد: ومن قال لرجل في مشاتمة: إني لعفيف الفرج، أو ما يُطعن في فرجي؛ فعليه الحد، وقاله لي عبد الملك، قال: وكذلك لو قال: إنك لخبيث الفرج؛ فعليه الحد، وقاله غير واحد من العلماء.
قلت: فإن قال له: إني لعفيف، قال: إن كان في مشاتمة؛ حلف ما أراد الفرج، وأدب، وهو في الرجل أخف منه في المرأة.

الجزء: 22 - الصفحة: 465

[46 - فصل: من قال لرجل: يا بن العفيفة، أو منزلة الركبان، أو ذات الراية] ابن وهب: وبلغني عن مالك فيمن قال لرجل: يا بن العفيفة؛ أنه يحلف أنه ما أراد القذف، ويعاقب.
وقال أصبغ: إن قاله على وجه المشاتمة فعليه الحد.
ابن حبيب: وقاله مطرف، وابن الماجشون.
ومن كتاب ابن المواز: ومن قال: يا بن منزلة الركبان؛ فإنه يحد؛ لأنه كان في الجاهلية إذا طلبت المرأة الفاحشة أنزلت الركبان، قال يحي بن سعيد: "جلد مروان في ذلك الحد".
قال: ومن قال: يا بن ذات الراية؛ حد، وكان في الجاهلية على باب المرأة البغي راية، وقد "جلد عمرو بن العاص في ذلك".

الجزء: 22 - الصفحة: 466

الباب [السادس عشر]

جامع في النفي عن الآباء، وعن القبيلة

قال الله سبحانه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآَبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
قال مالك: فمن نفى أحداً عن آبائه، أو قبيلته؛ فعليه الحد.
[47 - فصل: في نفي النسب أو قذف الأبوين] قال: ومن قال لرجل مسلم: لست لأبيك، وأبوه وأمه نصرانيان، أو كان أبوه عبدا مسلما؛ فإنه يحد؛ لأنه نفاه، ألا ترى أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم آباؤهم مشركون، ولو قال ذلك لأحدهم؛ لحد.
وكذلك إن قال: لست ابن فلان لجده، وجده كافر؛ لحد.
قال في كتاب محمد: وكذلك إن قال له: يا ولد زنى، أو يا بن زنى، أو أنت للزنى، أو ولد زانية، أو لزانية، أو فرج زنى، فالحد في هذا كله وإن كانت أمه مملوكة، أو مشركة، وأبوه وجده كذلك بخلاف قوله: يا بن الزانية، وأمه مملوكة، أو ذمية.

الجزء: 22 - الصفحة: 467

م: يريد وكذلك قوله: يا بن الزاني؛ لأن هذا قذف للأبوين، والأول نفي.
قال ابن القاسم: وقوله: يا ولد الخبيث مثل قوله: يا ولد زنى؛ لأن مخرجه مخرج الزنى والنفي.
[48 - فصل: فيمن قطع نسب رجل بنفيه من أبيه أو جده] ومن المدونة: ولو قال لرجل من ولد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لست ابن الخطاب؛ فإنه يحد؛ لأنه قطع نسبه.
وإن قال: ليس أبوك الكافر ابن أبيه؛ لم يحد حتى يقول لمسلم لست من ولد فلان.
وكذلك لو قال لكافر: لست لأبيك، أو ليس أبوك فلاناً، أو يا ولد زنى، أو يا بن الزانية؛ فلا يحد، وإن كان للمقذوف ولد مسلم.
وإن قال لرجل: لست ابن فلان لجده، وقال: أردت أنك لست ابنه لصلبه؛ لأن دونه لك أب؛ لم يصدق، وعليه الحد، كان جده مسلما، أو كافرا.

الجزء: 22 - الصفحة: 468

محمد: قال أشهب: وهذا إذا كانت ولادة جده في الإسلام، ولم يكن محمولا، فإن كان محمولا لم يحد إن كان مولى.
وكذلك لو نفاه من أبيه دنية، أو قال له: يا ولد زنى؛ لأن المحمولين لا تثبت أنسابهم، ولا يتوارثون بها، وإن كان من العرب؛ حد، وإن كان ولادة أبيه أو جده في الجاهلية، وولد المنفي في الإسلام، وإن كان محمولا مع أبيه لم يحد من نفاه.
[49 - فصل: فيمن نسب آخر إلى جده أو عمه أو خاله أو زوج أمه في مشاتمة أو غير مشاتمة] ومن المدونة: وإن قال له: أنت ابن فلان، فنسبه لجده لأبيه؛ لم يحد، لا في مشاتمة ولا غيرها.
وكذلك لو نسبه إلى جده لأمه؛ لم يحد؛ لأنه كالأب، يحرم عليه ما نكح.
وقال أشهب: يحد إن كان في مشاتمة.
قال محمد: قول ابن القاسم أحب إلي، إلا أن يكون ثم ما يعرف به أنه

الجزء: 22 - الصفحة: 469

أراد القذف، مثل أن يتهم الحر بأمه ونحوه، وإلا لم يحد، وقد ينسب إليه لشبهه به في خلق أو طبع، فيقال أنت ابن فلان، يريد: لشبهه به.
ومن المدونة: ولو نسبه إلى عمه، أو خاله، أو زوج أمه؛ لحد.
محمد: وقال أشهب: لا يحد إلا أن يقوله في مشاتمة.
وقاله أصبغ، ومحمد.
قال أصبغ: وقد سمى الله عز وجل العم أباً بقوله تعالى: ﴿إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾.
ومن المدونة: وكذلك إن نسبه إلى غير أبيه، أو جده، على سباب أو غير سباب، فعليه الحد.
محمد: وقال أشهب: لا يحد لأنه قاله وهو يرى أنه كذلك إلا أن يقوله على السباب فيحد.
وقال محمد: يحد إلا أن يقوله على وجه الخطأ أو الاختبار، وإن علم أنه تعمد ذلك؛ حد له، وإن أشكل، وادعى الخطأ؛ أحلف وترك.

الجزء: 22 - الصفحة: 470

[50 - فصل: في النفي عن القبيلة] ومن المدونة ومن قال لعربي: لست من بني فلان؛ للقبيلة التي هو منها؛ حد، ولو كان مولى لم يحد بعد أن يحلف أنه لم يرج نفيا؛ لأن من عرض بقطع نسب رجل كمن عرض بالحد.
وكذلك إن قال لعربي: يا نبطي؛ فعليه الحد.
وإن قال ذلك لرجل من الموالي؛ حلف أنه لم يرد نفيا، ونكل، فإن لم يحلف؛ لم يحد؛ ونكل.
وإن قال لرجل من الموالي: لست من موالي بني فلان، وهو منهم؛ ضرب الحد؛ لأنه قطع نسبه.
وكذلك إن قال له: لست من الموالي، وله أب معتق، أو قال له: لست من موالي بني فلان، وفلان قد أعتق أباه أو جده؛ فإنه يحد، وقال أشهب: لا يحد.
ابن القاسم: وإن قال لرجل: لست مولى فلان، وفلان قد أعتقه.

الجزء: 22 - الصفحة: 471

نفسه؛ لم يحد؛ لأنه لم ينفه من نسب.
[51 - فصل: في نفي من أمه أم ولد، والنفي من الأم، ونفي العبيد] ومن قال لرجل: لست ابن فلان، وأمه أم ولد؛ ضُرب الحد.
ومن قال لرجل: لست ابن فلانة لأمة؛ لم يحد؛ قاله مالك وأصحابه.
ومن قال لعبده وأبواه حران مسلمان: لست لأبيك؛ ضرب سيده الحد.
وكذلك إن قال له: يا بن الزانية، أو يا بن الزاني، ولو قال له: يا بن الزانيين؛ فإنما عليه حد واحد؛ كالحر في ذلك كله.
وإن كان أبوا العبد قد ماتا ولا وارث لهما، أو لهما وارث؛ فإن للعبد أن يحد سيده في ذلك.
وإن قال لعبده: لست لأبيك، وأبوه مسلم، وأمه كافرة أو أمة؛ فقد وقف فيها مالك.
قال ابن القاسم: وأنا أرى أن يحد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، فصار قاذفا لأبيه.

الجزء: 22 - الصفحة: 472

م: يريد بقوله لأنه حمل أباه على غير أمه، يعني: أن أباه زنى بغير التي يزعم هذا أنها أمه، فهو ولد زنى لا يلحق بأبيه فقد رمى أباه بالزنى، والله أعلم.
[52 - فصل: في كون عفو المنفي المسلم عن نافيه متعلق بأبوية، ومن قال: لست لأبيك] م: قال بعض أصحابنا: وإذا نفى مسلما من أبيه فوجب حده، فأراد المنفي أن يعفو عن الذي نفاه، فإن كان أبواه عبدين، أو نصرانيين؛ كان ذلك له، ولم يكن لأبويه في ذلك متكلم، وإن كان أبواه حرين مسلمين؛ كان لأبويه أن يقوما بذلك على من نفى ولدهما ويحد لهما؛ لأنه قطع نسبه من أبيه، وزنى أمه.
وكذلك إن كان أبوه حراً مسلماً، وأمه نصرانية، أو أمة؛ كان لأبيه أن يقوم

الجزء: 22 - الصفحة: 473

بحده على من نفى ولده منه؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، فصار قاذفا لأبيه.
ولو كان أبوه عبداً، وأمه حرة مسلمة؛ كان لها أن تقوم بحدها على من قال لولدها: لست لأبيك، وإن كان ولدها قد عفى عنه؛ لأنه رماها بالزنى.
م: وهذا كله على قول ابن القاسم فيمن قال لعبده: لست لأبيك وأبواه حران مسلمان.
وذكر ابن المواز عن أشهب أنه قال: لا حد عليه؛ لأن الابن عبد، ولا حد في نفيه، ولم يقذف الأب الحر، ولم ينفه من نسبه، وكذلك رواه ابن حبيب عن ابن الماجشون: لا حد عليه؛ إذ لا حد في نفي نسب العبد من أبيه؛ لأنه لا حرمة لأمه.
[53 - فصل: فيمن قال لرجل: يا بن السوداء، أو الأمة، أو البربرية، أو اليهودية] قال: وقال مطرف: من قال لرجل: يا بن السوداء، وأمه بيضاء، حد؛ لأنه حمل أباه على غير أمه، وجعله ابن زانية.
ولو قال له: يا بن زينب السوداء، وأمه زينب، وهي بيضاء؛ لم يحد.
وقال ابن الماجشون: ذلك سواء؛ ولا حد عليه في الوجهين.

الجزء: 22 - الصفحة: 474

وقول مطرف أحب إلي.
قال: وكذلك اختلفا إذا قال له: يا بن الأمة، أو يا بن البربرية، وأمه عربية.
وقال ابن الماجشون: لا يحد؛ لأنه ليس في الأم نفي، وكأنه قال لأمه: أنت أَمَة، فلا شيء عليه.
وقال مطرف: يحد، إلا أن يسميها باسمها.
وكذلك في المختصر، وكتاب ابن المواز: أنه يحد؛ لأنه نفى أمه من أبيها.
محمد: ولو قال له: لست ابن فلانة؛ لم يحد، وإن قال له: يا بن النصرانية، أو اليهودية، وهي مسلمة؛ لم يحد.
ومن المدونة: ومن قال: إن فلاناً الميت ليس لأبيه؛ فلأبي الميت القيام بالحد لما نفي من نسب ولده.
[54 - فصل: فيمن نسب رجلا إلى غير قومه] ومن قال لعربي: لست من العرب، أو قال له: يا حبشي، أو يا فارسي، أو يا رومي؛ فعليه الحد.
وإن قال لفارسي: يا رومي، أو يا حبشي، أو لبربري: يا فارسي، أو

الجزء: 22 - الصفحة: 475

يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد.
وقد اختلف عن مالك في الذي يقول لبربري، أو لرومي: يا حبشي؛ أن عليه الحد، ولا حد عليه.
وأنا أرى ألا حد عليه إلا أن يقول: يا بن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي فيقول له: يا بن الحبشي، وهو بربري، فالحبشي، والرومي، في هذا سواء إذا كان بربرياً.
م: وساء قال له يا حبشي، أو يا بن الحبشي، أو يا رومي، أو يا بن الرومي؛ فإنه لا يحد، وكذلك عنه في كتاب محمد.
قال فيه: ويحلف أنه ما أراد نفيه، وينكل؛ فإن نكل؛ لم يحد، وينكل، وقال أشهب: يحد.
ومن المدونة: وإن قال لفارسي، أو لبربري: يا عربي؛ فلا حد عليه.
وإن قال لعربي: يا فارسي، أو لمصري: يا يماني، أو ليماني: يا مصري، أو لقيسي: يا كلبي، أو لرجل من كلب: يا تميمي؛ فعليه الحد؛ لأن

الجزء: 22 - الصفحة: 476

العرب تنسب إلى آبائها، وهذا نفي لها من آبائها.
وإما إن قال لقرشي: يا عربي؛ فلا حد عليه؛ لأن كل قبيلة من العرب يجمعها هذا الاسم.
محمد: وكذلك إن قال لقرشي: يا مُضري؛ لم يحد بذلك؛ لأن قريشا من مُضر.

الجزء: 22 - الصفحة: 477

الباب [السابع عشر]

فيمن قذف ولده، أو ولد ولده، أو قال لزوجته، أو لأمته في ولدها منه: لم تلديه

[55 - فصل: فيمن قذف ولده أو ولد ولده] قال ابن القاسم: ومن قذف ولده، أو ولد ابنه، أو ولد ابنته؛ فقد استثقل مالك أن يحد لولده، وقال: ليس ذلك من البر.
قال ابن القاسم: وأرى إن قام على حده أن يحد له، ويجوز في ذلك عفوه عند الإمام.
وكذلك ولد الولد، ولا يقاد من أب، أو جد، في نفس، أو في جارحة، وتغلظ عليهم الدية، إلا في العمد البين، مثل: أن يضجعه فيذبحه، أو يشق جوفه.
ومن قال له أبوه: يا بن الزانية، فله القيام بحد أمه إن كانت ميتة، وإن كانت حية؛ فلا قيام له بذلك إلا أن توكله.
ومن قال لبنيه: ليسوا بولدي، فقام عليه اخوتهم لأمهم من رجل غيره، فطلبوا حد أمهم وقد ماتت؛ فإن حلف أنه لم يرد قذفا، وأنه أراد في قلة طاعتهم له؛ لم يحد، وإن نكل؛ حد، ولو كانت الأم حية كان القيام لها دون بنيها.

الجزء: 22 - الصفحة: 478

[56 - فصل: من قال لزوجته، أو أمته في ولدها منه: لم تلديه، ومن رأت رجلا فقالت: هو ابنها] ومن قال لامرأته في ولدها: أنك لم تلديه، وقالت: بلى قد ولدته؛ فإن كان مقرا به قبل ذلك فهو ولده ولا يلاعن فيه وليس بقاذف، وإن كان لم يقر به قط ولم يعلم بالحبل؛ فالولد ولده، إلا أن ينفيه بلعان؛ لأن من أقر بالوطء فالولد ولده، فإن نفاه التعن وإن نكل عن اللعان، لزمه الولد، ولم يحد، وكان كمن قال لرجل: لست لأمك؛ بأنه لا يحد ومن أقر بوطء أمته، ثم أتت بولد، فقال لها: لم تلديه، ولم يدع استبراء، وقالت الأمة: بلى، قد ولدته منك؛ فهي مصدقة، والولد به لاحق.
وإذا نظرت امرأة إلى رجل فقالت: ابني، ومثله يولد لمثلها، وصدقها، لم يثبت نسبه منها؛ إذ ليس هاهنا أب يلحق به.
[57 - فصل: لا يقيم القاضي حد القذف بسماعه وحده أو بسماعه مع آخر ويرفع الأمر إلى قاضي آخر] وقد تقدم في كتاب الأقضية أن من قذف رجلا بين يدي القاضي وليس معه غيره؛ فلا يقيم عليه الحد، وإن شهد معه رجل غيره؛ فلا يحد هو أيضا وليرفع ذلك إلى من هو فوقه فيقيم عليه الحد، وكذلك إن رأى رجلا اغتصب رجلا مالا، ولم يره غيره؛ فليرفع ذلك إلى من فوقه؛ ويكون هو شاهدا.

الجزء: 22 - الصفحة: 479

الباب [الثامن عشر]

فيمن نفى رجلا من أبيه إلى غير جنسه، أو صفته، أو عمله

[58 - فصل: فيمن نسب رجلا من أبيه إلى غير صفته، أو نفى عنه صفته] قال ابن القاسم: ومن قال لرجل: يا بن الأقطع، أو المقعد، أو الأعمى، أو الأحمر، أو الأزرق، أو الأصهب، أو الآدم، أو الأسود؛ فإن لم يكن أحدا من آبائه كذلك؛ جلد الحد.
محمد: كان عربياً أو مولى.
قال مالك: وأما إن قال ذلك في نفسه: يا أعور، يا أقطع؛ فلا حد عليه، كان عربيا، أو مولى، حتى يقول: يا بن كذا، بخلاف القائل لعربي: يا حبشي، يا عبد، يا أعجمي، أو سماه بشيء من الأجناس؛ فهذا إن كان عربيا حد له.

الجزء: 22 - الصفحة: 480

وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: من قال لعربي: يا يهودي؛ لم يحد، ولو قال له: يا بن اليهودي؛ حد.
قال محمد: ولو سمى أباه باسمه لم يحد، وإن وصفه بصفة غير صفته، مثل أن يقول له: يا بن فلان الأقطع، أو الأسود، قال عبد الملك: وهو شاتم ويؤدب.
[59 - فصل: فيمن نسب أباً إلى غير عمله] قال في المدونة: وإن قال له: يا بن الحجام، أو يا بن الخياط؛ فإن كان من العرب ضُرب الحد، إلا أن يكون من آبائه أحد عمل ذلك العمل، فإن كان من الموالي رأيت أن يحلف بالله ما أراد أن يقطع نسبه؛ فلا يحد، وعليه التعزيز؛ لأن ذلك عمل الموالي.
وروى ابن وهب عن مالك في موطأه: أن عليه الحد، كان من الموالي أو من العرب، إلا أن يكون في آبائه أحد من هو كذلك.
وقال أشهب: هما سواء لا حد عليه، ويحلف ما أراد نفيا، وكأنه قال: أبوك الذي ولدك حجام، أو حائك، أو دباغ؛ فلا حد عليه، وإن كان

الجزء: 22 - الصفحة: 481

عربيا.
وروى ابن وهب "أن عمر بن عبد العزيز رفُع إليه في رجل قال لآخر: يا بن الحجام، وأبوه جزار، فلم ير عليه حداً، ولا رآه نفياً لنسبه".
وقال ربيعة، ويحى بن سعيد: "عليه الحد"، وقاله ابن وهب، وابن كنانة.
ومن المدونة: قال ابن القاسم: وسئل مالك عن من قال لرجل: يا بن المطوق- يعني الراية التي تجعل في الأعناق- وهو مولى؟، فقال: لا يحد، وكأني رأيته أن لو كان عربياً لجعل عليه الحد.
[60 - فصل: فيمن نفى رجلا من أبيه إلى غير جنسه] ومن قال لرجل أبيض: يا حبشي؛ فإن كان من العرب حد، وإن كان من غير العرب، فدعاه بغير اسم جنسه من البيض كلهم؛ فلا حد عليه، وإن قال له: يا بربري، وهو حبشي؛ لم يحد.
ومن قال لرجل: يا أعور، يا مقعد، وهو صحيح، على وجه المشاتمة؛ فإنما عليه الأدب؛ لأن من آذى مسلما أدب.
وإن قال لعربي: يا مولى، يا عبد؛ فعليه الحد.
وإن قال لمولى: يا عبد؛ لم يحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 482

ومن قال لرجل: يا بُني، يا أبي؛ فلا شيء عليه.
وإن قال له: يا يهودي، أو يا نصراني، أو يا مجوسي، ونحوه؛ نكل.
ولم يحد مالك في النكال حدا، وذلك على قدر أذى القائل، وحال المقول له.
وإن قال له: يا بن اليهودي، أو يا بن المجوسي، أو يا بن عابد وثن؛ حد، إلا أن يكون أحدا من آبائه كذلك؛ فينكل.
ابن المواز: وقال أشهب: لا يحد إذا حلف أنه لم يرد نفيا.
قالا: ولو قال له نفسه: يا يهودي، يا عابد وثن، لم يحد، وإن كان عربيا، وينكل.
وروى الليث في هذا للنبي صلى الله عليه وسلم: فيمن قاله لأنصاري: (أنه يجلد عشرين سوطاً).
وقد تقدم أن من قال: جامعت فلانة بين أفخاذها، أو في أعكانها؛ أنه يحد؛ لأنه تعريض.
ولو قال: جامعتها في دبرها؛ فإنه يحد لها، وإن ثبت على إقراره؛ حد للزنى.

الجزء: 22 - الصفحة: 483

الباب [التاسع عشر]

فيمن قذف مرتداً، أو ملاعنة، أو ولدها

[60 - فصل: فيمن قذف مرتدا] قال ابن القاسم: ومن قذف رجلا، ثم ارتد المقذوف، أو قذفه وهو مرتد؛ لم يحد قاذفه، ولو رجع إلى الإسلام؛ لم يحد له، كمن قذف رجلا بالزنى فلم يحد له حتى زنى المقذوف؛ فلا يحد قاذفه.
ومن قذف رجلا ثم ارتد القاذف أو قذفه وهو مرتد؛ فإنه يحد، أقام على ردته، أو راجع الإسلام.
[61 - فصل: فيمن قذف ملاعنة أو ولدها] ومن قذف ملاعنة التعنت بولد أو بغير ولد؛ حُد.
ومن قال لولد الملاعنة: لست لأبيك، فإن كان في مشاتمة، حد، وإن كان على وجه الخبر لم يحد.

الجزء: 22 - الصفحة: 484

وفي كتاب الرجم مسألة من وطئ جارية بيده رهناً، أو عارية، أو وديعة، أو بإجارة؛ فعليه الحد.
تم كتاب القذف بحمد الله وعونه، وصلى الله على محمد رسوله وعبده.

الجزء: 22 - الصفحة: 485

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا ونبينا ومولانا محمد وآله وصحبه وسلم

فصول الكتاب · 78 فصل
فصول الجامع لمسائل المدونة
المقدمةالمقدمةكتاب الصلاة الأولكتاب الصلاة الثانيكتاب الجنائز من الجامعكتاب الصوم من الجامعكتاب الاعتكافكتاب الزكاة الأولكتاب الزكاة الثاني من الجامعكتاب الحج الأول من الجامعكتاب الحج الثاني من الجامعكتاب الحج الثالث من الجامعكتاب الصيد من الجامعكتاب الذبائح من الجامعكتاب الضحايا من الجامعكتاب العتق الأول من الجامعكتاب المكاتب الأولكتاب السلم الأولكتاب السلم الثانيكتاب السلم الثالثكتاب الصرفكتاب الرهنكتاب بيوع الآجالكتاب البيوع الفاسدةكتاب بيع الخياركتاب المرابحةكتاب اشتراء الغائبكتاب الوكالاتكتاب التجارة إلى أرض الحربكتاب جامع لأبواب متفرقةكتاب العراياكتاب العيوب والتدليسكتاب الصلحكتاب الجوائحكتاب الجعل والإجارةكتاب المساقاةكتاب القراضكتاب الأقضيةكتاب كراء الرواحل والدوابكتاب كراء الدور والأرضينكتاب الشركةكتاب الشهادة الأولىكتاب الشهادة الثانيكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب المديانكتاب الرجوع عن الشهاداتكتاب التفليسكتاب الحمالةكتاب المأذون له في التجارةكتاب اللقطةكتاب الضوالكتاب الإباقكتاب حريم الآبار وإحياء المواتكتاب الغصبكتاب الوديعةكتاب العاريةكتاب العدةكتاب الاستحقاقكتاب الحبسكتاب الصدقةكتاب الهبة والهباتكتاب الهباتكتاب الوصايا الأولكتاب الوصايا الثانيكتابً الوصايا الثالثكتاب الشفعة الأولىكتاب الشفعة الثانيكتاب القسم الأولكتاب القسم الثانيكتاب الفرائض الثانيكتابكتاب المحاربين والمرتدينكتاب القذفكتاب الأشربةكتاب الجراحكتاب الجناياتكتاب الدِّياتكتاب الجامع
جارٍ التحميل