كتاب الغصب
الباب الأول] في ضمان المتعدي، والفرق بينه وبين
الغاصب، لأوفي أنواع المتلفات
[(1) فصل: في ضمان المتعدي والأصل فيه:] الأصل في ضمان المتعدي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾، وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم: "طعام كطعام، وصحفة كصحفةٍ".
الجزء: 18 - الصفحة: 263
م: ولأنه أتلف ملك غيره من غير استحقاق عليه فلزمه بدل ما أتلف؛ لأن الأبدال في المتلفات كالقصاص في النفوس، وقد قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ معناه: أن القاتل والجارح إذا علم أنه يقتص منه انزجر وارتدع أن يفعل ذلك، فكان في ذلك حياة النفوس ولم يجترئ أحد على أحدٍ؛ فكذلك الجناية على المال لو لم يجب فيها البدل لاجترأ الناس بعضهم على بعضٍ.
[(2)] فصل [في أنواع المتلفات]
والمتلفات نوعان: فما يكال أو يوزن فعلى متلفه مثله، وما لا يكال ولا يوزن فعلى متلفه قيمته.
قال بعض أصحابنا من البغداديين: وإنما كان المثل فيما يوزن أو يكال؛ لأن القيمة إنما رجع إليها عند تعذر المثل من طريق الخلقة فاجتهد في تعديلها في المتلف بقيمته، والمثل من طريق الخلقة لا اجتهاد فيه، فكان الرجوع فيه إلى القيمة كالاجتهاد مع وجود النص؛ لأنه لا فائدة فيه، وأما ما لا يكال ولا يوزن فإنما لزم بإتلافه قيمته - لقوله صلى الله عليه وسلم: "من أعتق شركاً له في عبدٍ، فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم عليه قيمة العدل فأعطى شركاءه حصصهم، وعتق عليه العبد"، والعتق إتلاف مالٍ فقد أوجب فيه القيمة،
الجزء: 18 - الصفحة: 264
فكان ذلك أصلاً في بابه.
[(3) [فصل [في الفرق بين الغاصب والمتعدي في الضمان]
والقضاء أن المتعدي يفارق الغاصب في جنايته؛ لأن المتعدي إنما جنى على بعض السلعة والغاصب كان غاصباً لجميعها فضمنها يومئذٍ بالغصب.
وقال سحنون: الفرق بين المتعدي والغاصب والسارق اختلاف الأصليين؛ وذلك أن الغاصب له ربح المال، وليس كذلك المقارض والمبضع معه المال يتعدى.
م والفرق الأول أصوب.
قال ابن المواز: والصانع والمستعير كالمتعدي يفترق فيهما الفساد اليسير من الكثير، قيل له: فما الفرق والصانع ضامن كالغاصب؟ قال: لأن الصانع والمستعير لو أقاما بينة على فساد ذلك من غير سببهما كان ضمان ذلك من ربه، ولم يلزمهما شيء، والغاصب والسارق لا ينفعهما ذلك، وكذلك لا يفترق قليل فسادهما من كثيره؛ لأنهما بالغصب ضمنا، ورب ذلك مخير في أخذ قيمته يوم الغصب أو يأخذ ثوبه ولا شيء له في النقصان.
م: وهذا أيضاً فرق يحتاج إلى فرق، والفرق الأول أبينهما.
الجزء: 18 - الصفحة: 265
م: ولأن الغاصب متعد على جميع الرقبة تعدياً صريحاً لا إذن فيه، والمتعدي إما أن يكون تعدى على بعض الرقبة أو خالف تعديه إذناً؛ كالمقارض والمبضع معه والصانع والمستعير يتعدى فوجب أن يكون حكمه خلاف التعدي الصريح.
الجزء: 18 - الصفحة: 266
الباب الثاني: في التعدي
[(1)] فصل [في التعدي على الأمتعة وإفسادها فساداً يسيراً أو كثيراً]
ومن المدونة قال ابن القاسم: فيمن تعدى على صحفة أو عصى لرجل فكسرها أو خرق له ثوباً، فإن أفسد ذلك فساداً كثيراً خير ربه في أخذ قيمة جميعه أو أخذه بعينه وأخذ ما نقص من المتعدي، وإذا كان الفساد يسيراً فلا خيار لربه، وإنما له ما نقصه بعد رفو الثوب، وقد كان مالك يقول: يغرم المتعدي ما نقصه، ولا يفصل بين قليلٍ ولا كثيرٍ، ثم قال هكذا.
م: لأنه في الكثير كأنه إنما تعدى على جميع الرقبة؛ لأن الأقل في أكثر الأصول تابع للأكثر، فصار حكمه فيه حكم الغاصب الذي تعدى على جميع الرقبة.
م: قال بعض أصحابنا: وإذا فسد الثوب فساداً كثيراً، فاختار ربه أخذه وما نقصه فإنما ينبغي أن يقوم بعد أن يرفأ أو يخاط إن كان مما تصلح فيه الخياطة، وتشعب له القصعة ونحو ذلك، كما قال في الفساد اليسير أنه يأخذ الثوب وما نقصه بعد الرفو، ولا فرق بين اليسير والكثير، خلاف الجناية على الحيوان، هذا ليس على الجاني أن يغرم ما نقص بعد أن تداوى له الدابة.
قال: والفرق بينهما أن ما ينفق على الدابة في المداواة غير معلوم، ولا يعلم هل ترجع إلى ما كانت عليه أم لا؟ والرفو والخياطة فمعلوم ما ينفق عليهما ويرجعان كما كانا والله أعلم.
الجزء: 18 - الصفحة: 267
م: وهذا الذي ذكر في الفساد الكثير في الثوب أنه يأخذه وما نقصه بعد الرفو خلاف ظاهر قولهم؛ ووجه فساده أنه قد يغرم في رفو الثوب أكثر من قيمته صحيحاً، وذلك لا يلزمه، أولا ترى أن أشهب وغيره يقول: ليس له أن يغرمه ما نقصه إذا كان له أن يغرمه قيمته صحيحاً، وهو القياس، فكيف لمن يريد أن يغرمه ما نقصه بعد الرفو، وربما يبلغ ذلك أضعاف قيمته.
م قيل: فلو هلك بقية الأجزاء في الفساد الكثير، هل يكون ضامناً بجملة المجني عليه؟ فالأشبه أن يضمن ذلك؛ لأنه قد أفسد الرقبة فصار ضامناً لها حتى يرفع ربها عنه الضمان باختياره، كما قالوا في الأمة بين الشريكين يطؤها أحدهما فتموت: إنه ضامن لها، وهذا أبين لإمكان أن تكون حاملاً من الوطء؛ ولأنه إذا وطئها تعلقت بضمانه حتى تظهر براءة رحمها.
م: ولو قال قائل في اليسير إنما عليه ما نقصه فقط لم أعبه؛ لأنه إذا أعطاه ما نقصه القطع دخل الرفو في قيمة هذا النقص؛ كما قالوا: فيمن وجد آبقاً- وذلك شأنه- أن له جعل مثله، ولا نفقة له؛ لأن النفقة دخلت في تقويم جعله.
قال ابن المواز: في المتعدي يفسد الثوب فساداً يسيراً، لا يلزمه إلا ما نقصه بعد رفو ولم يختلف في هذا قول مالك، ولا ابن القاسم، ولا أشهب كانت جنايته عمداً أو خطأً.
قال ابن القاسم: وأما في الفساد الكثير فربه مخير في أخذ قيمة جميعه يوم الجناية، أو بأخذه وما نقصه وإلى هذا رجع مالك.
الجزء: 18 - الصفحة: 268
وقال أشهب: في الفساد الكثير إنما له أن يضمنه قيمة جميعه، أو يأخذه ناقصاً ولا شيء له فيما نقصه، وقاله ابن القاسم مرة ثم رجع عنه.
قال أشهب: وهو كذابح الشاة ليس له أن يأخذها لحماً وما نقصها.
قال ابن المواز: وهذا أحب إلي؛ لأنه لما لزمته فيه القيمة، لم يكن لربها أن يدعها ويأخذ غيرها إلا باجتماعهما أو يأخذ سلعة ناقصةً؛ كذابح الشاة وكاسر العصا تعدياً، فليس لربها أخذها وما نقصها قاله مالك وأصحابه وبقول أشهب أخذ سحنون في المجموعة.
قال: وقد قالا: في الشريكين في الأمة يطؤها فلا تحمل فإن شاء صاحبه ألزمه قيمتها يوم الوطء أو تمسك بنصيبه، ولا رجوع له بما نقصها لتركه القيمة التي وجبت له.
[(2) فصل في التعدي على الدواب والعبيد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك من تعدى على دابة رجلٍ فقطع لها عضواً أو فعل بها ما أفسدها فساداً قليلاً أو كثيراً، فهي كالثوب فيما وصفنا، وكذلك سائر الحيوان، وأما من تعدى على عبد رجلٍ ففقأ عينه أو قطع له جارحه أو جارحتين فما كان من ذلك فساداً فاحشاً لم تبق فيه كبير منفعةٍ فإنه يضمن قيمته، ويعتق عليه، وكذلك الأمة.
وقال في كتاب الديات: ومن فقأ عيني عبدٍ رجلٍ أو قطع يديه
الجزء: 18 - الصفحة: 269
جميعاً، فقد أبطله، ويضمنه الجارح، ويعتق عليه، وإن لم يبطله مثل أن يفقأ له عيناً واحدة أو يجذع أذنه وشبهه، فإنما عليه ما نقصه ولا يعتق عليه.
ابن المواز: وقال أشهب: إذا فقأ عينه أو قطع يده، فإنما عليه ما نقصه، وإن فقأ عينيه أو قطع يديه أو رجليه ضمن قيمة العبد كله، وعتق على الجاني.
وقاله ابن كنانة عن مالك، وابن أبي الزناد عن أبيه.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: يغرم الجاني قيمته، ولا يعتق عليه؛ لأنه إنما مثل بعبد غيره، وليس لسيده أن يختار إمساكه وأخذ ما نقصه.
ابن المواز: قال أشهب: وأما الدواب والبهائم فإن قطع اليد الواحدة يبطل منافعها أو جلها وتجب عليه فيه قيمة الدابة، وأما في فقء عينها أو قطع أذنها أو ذنبها أو كسرها كسراً تنجبر فيه، فإنما عليه ما نقصها.
وقاله عمر بن عبد العزيز ومالك وأبو الزناد.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: إن قطع ذنبه وهو فرس أو حمار أو بغل فاره ضمن قيمة جميعه؛ لأنه أبطل الغرض فيه من ركوب من
الجزء: 18 - الصفحة: 270
يركب مثله من ذوي الهيئات، بخلاف العين والأذن، وقاله أصبغ.
قالوا: ولو تعدى على شاةٍ بأمرٍ قل لبنها به، فإن كان عظم ما تراد له اللبن ضمن قيمتها إن شاء ربها، وإن لم تكن غزيرة اللبن، فإنه يضمن ما نقصها، وأما الناقة والبقرة فإنما فيهما ما نقصهما، وإن كانتا غزيرتي اللبن؛ لأن فيهما منافع غير ذلك باقيةً.
قالا: وإن قطع يد عبد رجلٍ، فإن كان صانعاً وعظم شأنه الصنعة فقد ضمنه، وإن لم يكن صانعاً، فإنما عليه ما نقصه وإن كان تاجراً نبيلاً.
وأما في فقء العين ففيه ما نقصه كان صانعاً، أو غيره.
قال أبو محمد: وقيل: في مفقوء العين، أو مقطوع اليد تفقأ عينه، أو تقطع يده الباقية فإن على الجاني قيمة جميعه.
ومن المجموعة قال أشهب: قال لي ابن كنانة عن مالك: فيمن قطع يد عبد غيره أو فقأ عينه عمداً، فإن ربه مخير بين أخذه وما نقصه أو يضمنه قيمة جميعه، فإن ضمنه قيمة جميعه عتق على الجاني.
قال أشهب: إن كان قطع يده الواحدة أذهب أكثر منافعه فليس لسيده إلا قيمته- يريد: ويعتق على الجاني- قال: وإن لم يذهب أكثر منافعه فربه مخير كما قال مالك: وهو استحسان وليس بقياس.
م: وحكي عن بعض فقهائنا: في العبد يجني عليه جناية
الجزء: 18 - الصفحة: 271
مفسدة مثل أن تفقأ عيناه أو تقطع يداه جميعاً، إنما يعني قول ابن القاسم: أن يغرمه القيمة ويعتق عليه، إنما هذا إذا طلب ذلك سيده، وأما إن أبى ذلك فإن له أخذ العبد وما نقصه، وليس العتق بأمر وجب للعبد لابد منه.
م: وهذا الذي ذكره خلاف ظاهر قول ابن القاسم وأشهب وخلاف رواية ابن حبيب الذي لم يوجب عتقه؛ لأنه قال ليس لسيده إمساكه ويأخذ ما نقصه.
[فرع: في اختيار ابن يونس في هذه المسألة]
م: والصواب من هذا والذي أختاره: أنه إذا أفسده هكذا أن يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه على ما أحب السيد أو كره؛ لأن قيمته عوضه وهو مضار في ترك قيمته صحيحاًَ وأخذ ما لا ينتفع به، وإحرام العبد العتق، وإن لم يفسده مثل أن يفقأ عينه الواحدة أو يقطع يده الواحدة ولم يذهب بها أكثر منافعه، فالسيد مخير بين أخذه وما نقصه من الانتفاع به أو يغرم الجاني قيمته ويعتق عليه عقوبة له لتعديه وظلمه كما قال مالك وأشهب.
م: ولأن الجناية والضمان وقعا معاً فكأنما مثل هذا بعبده، وغلب ذلك لحرمة العتق كما قلنا فيمن حلف بحرية عبده إن باعه فباعه، فكأن البيع والحنث وقعا معاً فغلب العتق لحرمته فكذلك هذا، والله أعلم.
وأما إن كانت الجناية يسيرة مثل أن يجدع أنفه أو أذنه أو يقطع أصبعه ولم يفسده ذلك فليس عليه إلا ما نقصه، والله أعلم، وبالله التوفيق.
الجزء: 18 - الصفحة: 272
[الباب الثالث] في ضمان ما هلك بيد الغاصب بجناية أو بأمر من
الله تعالى، أو دخله عيب.
[(1) فصل في ضمان ما هلك بيد الغاصب]
والقضاء أن من غصب شيئاً فقد ضمنه يوم الغصب وإن هلك من ساعته بأمرٍ من الله تعالى أو بجنايته أو بجناية غيره، أو كانت داراً فانهدمت فإنه ضامن لقيمتها.
[المسألة الأولى: في ضمان ما لا ينقل إذا أخرجه من ملكه ولم يجن عليه]
م: قال بعض البغداديين: وقال أبو حنيفة: كل ما لا يصح نقله كالعقار والرباع فإن الغاصب لا يضمنه بإخراجه من يد مالكه إلا أن يجني هو عليه فيتلفه فيضمنه بإتلافه.
ودليلنا: أن كل معنى يضمن به ما ينقل ويزال من الأعيان فإنه يضمن به ما لا ينقل ولا يحول؛ كالقبض في البيع الفاسد؛ واعتباراً بما ينقل لعلة أنها أعيان مغصوبة؛ ولأن الغصب سبب للضمان، فوجب أن يضمن به العقار والنخل كالإتلاف.
[المسألة الثانية: ضمان المتقوم هل يكون بقيمته يوم الغصب ويوم التعدي أم يوم الحكم؟]
م: وإنما كانت القيمة في الغصب والتعدي يوم الغصب ويوم التعدي لا يوم الحكم؛ لأن القيمة تتعلق بذمته بالتعدي لا بالحكم، إذ مطالبة الحاكم إنما هي بأمر قد تقدم وجوبه، وإنما ينكشف بالحكم مقدار ما اشتغلت به ذمته.
الجزء: 18 - الصفحة: 273
[المسألة الثالثة: في المغصوب يجده ربه بحاله]
ومن المدونة: وكل ما اغتصبه فأدركه ربه بعينه لم يتغير في بدنه فليس له غيره ولا ينظر إلى نقص قيمته باختلاف سوقه، طال زمان ذلك سنين أو كانت ساعة واحدة وإنما ينظر إلى تغير بدنه.
قال مالك: وهو بخلاف المتعدي في حبس الدابة من مكنزٍ أو مستعيرٍ يأتي بها أحسن حالاً، فربها مخير في أخذ الكراء أو يضمنه القيمة يوم التعدي؛ لأنه حبسها عن أسواقها إلا في الحبس اليسير الذي لا يتغير في مثله سوق أو بدن.
قال ابن القاسم: كل ما أصله أمانة فتعدى فيه فأكراه أو ركبه من وديعة أو عارية أو كراءٍ، فهذا سبيله، وهو بخلاف الغاصب.
م: وقد ذكرنا الفرق بين هذين الأصلين، والقياس أن لا فرق بينهما في هذا الوجه، ولا يكون الغاصب أحسن حالاً من المتعدي؛ فكما كان يضمن في النقص اليسير فكذلك يجب أن يضمن في نقص السوق، وقد نحا ابن القاسم إلى المساواة بينهما في هذا الوجه لولا خوفه مخالفة الإمام مالك رحمه الله.
[المسالة الرابعة: في المغصوب يتغير بيد الغاصب ثم يفوت]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب أمه فزادت قيمتها عنده أو نقصت، ثم قتلها أو وهبها أو تصدق بها، ففاتت عينها، فإنما عليه قيمتها يوم الغصب فقط.
الجزء: 18 - الصفحة: 274
قال سحنون في المجموعة: إن القتل فعل ثان؛ كأنه يقول وجب عليه الضمان بكل واحد من الفعلين؛ ألا ترى أن المشتري قد ضمن فيها الثمن الذي نقد، ثم لو قتلها لضمنها بالقتل وهو ضمان بمعنى آخر، وكان لمستحقها أخذه بقيمتها يوم القتل ثم رجع إلى قول ابن القاسم وأشهب في القتل.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قتلها عند الغاصب أجنبي وقيمتها يومئذ أكثر من قيمتها يوم الغصب، فلربها أخذ القاتل بقيمتها يوم القتل بخلاف الغاصب، فإن كانت القيمة يومئذ أقل من قيمتها يوم الغصب كان له الرجوع بتمام القيمة على الغاصب.
قال ابن المواز: لأنه يقول إنما أخذت من القاتل ما يجب عليه للغاصب، ولي على الغاصب أكثر منه، فصار كغريم غريمي.
وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا أخذ قيمتها من القاتل وقيمتها يوم الغصب أكثر، فلا رجوع له على الغاصب- كما لو باعها الغاصب لم يكن لربها أخذ الثمن ويرجع بتمام القيمة يوم الغصب على الغاصب- ولا أن يأخذ القيمة ويرجع بتمام الثمن.
م: وقول ابن المواز أصح؛ لأنه في هذا إذا اختار أخذ الثمن فقد أجاز فعل الغاصب فلا تباعة له عليه، وإن اختار أخذ القيمة منه فقد ملكه
الجزء: 18 - الصفحة: 275
إياها، فثمنها له، فهو بخلاف إغرام القاتل القيمة.
قال ابن المواز: ولو كان إنما أخذ قيمتها يوم الغصب من الغاصب فكانت أقل من قيمتها يوم القتل فلا رجوع له على القاتل بشيء، وللغاصب طلبه بجميع قيمتها يوم القتل.
وزعم أشهب أن ربها يرجع على القاتل بالزائد على قيمتها يوم الغصب، ولا يرجع عليه الغاصب إلا بمثل ما غرم، وأما الزائد فلا يرجع عليه به الغاصب؛ لأنه لا يربح فيما غصب، فإذا رجع بمثل ما غرم فلا حجة له.
ولم يعجبنا هذا؛ لأنه لما ضمنه القيمة يوم الغصب فقد ملكه إياها يومئذٍ، فنماؤها ونقصانها له وعليه، ولم يختلف ابن القاسم وأشهب أنه إذا أخذ القيمة أولاً من القاتل أنه يرجع بتمام قيمتها يوم الغصب على الغاصب كما ذكرنا.
م: وحكى بعض فقهائنا القرويين: أن ابن القاسم يقول: إذا أغرم ربها القاتل قيمتها وكانت أقل من قيمتها يوم الغصب أنه لا يرجع على الغاصب بشيء، مثل ما قال سحنون، قال: ويلزم على هذا أن لو كان للغاصب غرماء، لم يكن هذا أحق بما
الجزء: 18 - الصفحة: 276
أخذ من الغرماء؛ لأنه إنما يأخذ ذلك عن الغاصب من غريم الغاصب فهو أسوة غرماء الغاصب، إلا أن يريد رفع الضمان عن الغاصب فلا يتبعه ببقية القيمة، ويكون أولى بما أخذ من الجاني من غرماء الغاصب.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو غصبها وقيمتها مئة، ثم باعها وقيمتها مئتان بخمسين ومئةٍ، ثم لم يعلم للأمة موضع فإنما لربها على الغاصب إن شاء الثمن الذي قبض فيها أو قيمتها يوم الغصب.
[المسألة الخامسة: في المغصوب يهلك بيد الغاصب بغير سببه]
قال ابن القاسم: وما مات من الحيوان أو انهدم من الربع بيد الغاصب بقرب الغصب أو بغير سبب الغاصب، فإنه يضمن قيمته يوم الغصب.
[(2) فصل: في المغصوب يدخله عيب وهو بيد الغاصب]
[المسالة الأولى: بم يرجع صاحب السلعة المغصوبة إذا دخلها عيب عند الغاصب وكيف إن كانت السلعة أمة؟]
وما أصاب السلعة بيد الغاصب من عيب قل أو كثر بأمرٍ من الله تعالى، فربها مخير في أخذها معيبة أو يضمنه قيمتها يوم الغصب، وإن كانت جارية فأصابها عنده عوار أو عمى أو ذهاب يد بأمر من الله تعالى بغير سببه، فليس لربها أن يأخذها وما نقصها عند الغاصب، إنما له أخذها ناقصة أو قيمتها يوم الغصب، وليس للغاصب أن يلزم ربها أخذها ويعطيه ما نقصها إذا اختار ربها أخذ قيمتها، ولو قطع يدها أجنبي، ثم ذهب فلم يقدر عليه، فليس لربها أخذ الغاصب بما
الجزء: 18 - الصفحة: 277
نقصها وله أن يضمنه القيمة يوم الغصب، ثم للغاصب اتباع الجاني بما جنى عليها، وإن شاء ربها أخذها وابتع الجاني بما نقصها دون الغاصب.
م: وقيل إن كانت قيمتها يوم الغصب عشرين، ونقصها القطع النصف فأخذها ربها وما نقصها وذلك عشرة، نظر إلى قيمتها يوم جناية الأجنبي عليها فإن كانت مئة، وقيمتها خمسون، أخذ ربها من الجاني خمسين، فأعطى منها للغاصب عشرة وأخذ البقية، وهذا على مذهب أشهب الذي يرى أن الغاصب لا يربح كما قدمنا.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان الغاصب هو الذي قطع يدها فلربها هاهنا ان يأخذها وما نقصها.
يريد: يوم الجناية، أو يدعها ويأخذ قيمتها يوم الغصب.
قال ابن حبيب: وقاله مطرف، وابن الماجشون، وابن كنانة.
قال سحنون: وهذا خلاف ما قال ابن القاسم- في القتل: أن عليه قيمتها يوم الغصب لا يوم القتل- وقد تزيد قيمتها يوم القتل وقد يكون فيما نقص القطع منها يوم القطع مثل قيمتها أو أكثر يوم الغصب، فيأخذها ومثل قيمتها، فيأخذ في اليد ما لا يأخذ في النفس، والذي أرى أنه إنما له أن يأخذها ناقصة فقط، أو قيمتها يوم الغصب.
ابن المواز: وقاله أشهب، وبه أقول.
الجزء: 18 - الصفحة: 278
قال ابن المواز: وحجة ابن القاسم: أن يقول ربها للغاصب: أنا أسقط عنك الغصب وآخذك بالتعدي، فيلزمه أن يقول ذلك في القتل وهو لا يقوله، ولا مالك ولا أصحابه.
م: وذكر بعض أصحابنا أن الدمياطي روى عن ابن القاسم أن له أن يقول في القتل: أنا أسقط عنك الغصب وآخذك بالتعدي فيغرمه قيمتها يوم القتل، وإليه ذهب سحنون في المجموعة ثم رجع عنه.
م: فهذا موافق لقوله في القطع.
م: وقيل إنما الخلاف بين القطع والقتل؛ لأنه إذا قتلها فقد أذهب عينها، وإذا قطع يدها فقد أبقى بعضها، وقد يكون لربها رغبة في أخذ ما بقي منها، فيدفع بذلك حكم الغصب ويأخذه بحكم الجناية، وسحنون إنما يضمنه قيمة اليد يوم الغصب كأجزاءٍ غصبها أفات بعضها وبقي بعضها فيضمن قيمة ما أفاته يوم الغصب، ويجب على هذا إذا ذهبت يدها بأمر من الله تعالى أن يضمن قيمتها يوم الغصب، ويأخذ بقية أعضائها إذا عد أجزاءها كسلعٍ أفات بعضها وبقي بعضها.
ومن المجموعة قال أشهب: ولو فقأ عينها أجنبي فلربها أخذها وما نقصها يوم الفقء من الفاقئ- في عدمه وملئه- ثم لا شيء له على الغاصب، وإن شاء أسلمها وأخذ قيمتها من الغاصب يوم الغصب، وإن كان الغاصب أخذ ما
الجزء: 18 - الصفحة: 279
نقصها من الفاقئ وهو أكثر من قيمتها يوم الغصب أخذ منه الاكثر.
قال سحنون: لها تفسير.
قال ابن عبدوس: وتفسيرها أن ينظر فإن كان ما أخذ الغاصب من الفاقئ أكثر من قيمتها يوم الغصب، أخذ جاريته واتبع الغاصب بما أخذ، فإن كان عديماً أخذ ذلك من الجاني ورجع به الجاني على الغاصب، وإن كان قيمتها يوم الغصب أكثر فله طلب الغاصب بالقيمة وتبقى له الأمة وما أخذ فيها، وإن شاء أخذ الأمة واتبع الغاصب بما أخذ من الجاني، أو يتبع الجاني به، ثم يرجع به الجاني على الغاصب.
[المسألة الثانية: في أم الولد إذا غصبت فماتت، هل هي كالحرة أو لا؟]
م: اختلف في أم الولد إذا غصبت فماتت:
فقيل: هي كالحرة ولا ضمان على غاصبها.
وقيل: هي كالأمة وكالمعتق إلى اجل وكالمدبر إذا غصبوا فماتوا أن على غاصبهم القيمة كقيمة العبيد.
[المسالة الثالثة: هرم الأمة الشابة عند الغاصب هل يعد فوتاً؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب أمة شابة فهرمت عنده فذلك فوت يوجب لربها قيمتها؛ لأن الهرم كعيب مفسدٍ أصابها عند الغاصب.
الجزء: 18 - الصفحة: 280
قال أشهب في كتابه: وإن شاء ربها أخذها ولا شيء له في هرمها- كان ما اصابها عنده من الهرم يسيراً، أو كثيراً- وكذلك ما صارت إليه من السن أمراً يسيراً مثل انكسار النهدين ونحوه لكان له تضمينه قيمتها إن شاء.
[المسألة الرابعة: في ضمان ما هلك بيد الغاصب وقد زاد]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو غصبها صغيرة وهي تساوي مئةً، فكبرت عنده حتى نهدت فصارت تساوي ألفاً، ثم ماتت فإنما يضمن مئةً.
ابن المواز قال أشهب: كما لو نقصت لم ينقص من تلك القيمة، فكذلك لا يزاد عليه إذا زادت؛ وكمن جرح عبداً قيمته مئة دينار، فيموت وقيمته ألف دينار، فلا يضمن إلا قيمته يوم الجرح؛ كالأمة إذا طلقت أو مات زوجها، ثم عتقت لم تنتقل إلى عدة الحرة.
قال غيره: وكمن سرقة عرف قيمتها يوم السرقة، فلا ينظر إلى ما تؤول إليه قيمتها يوم القطع.
م قيل: غصبها صغيرة فكبرت فلا يضمن؛ لأنها خير منها يوم غصبت ولا نقص فيها.
فإن حدث بها نقص بعد ذلك كانكسار الثديين وشبهه، كان له أن يضمنه.
قال بعض الفقهاء: فانظر لم لم يجعل ما حدث فيهما من النماء يجبر النقص الحادث فيها؟
م: لأنه لما كان له أن يأخذها ولا غرم عليه لنمائها فكأنه غصبها كذلك، فإذا نقصت عنده ضمنها.
الجزء: 18 - الصفحة: 281
م: وعلى هذا كان يجب لو قتلها يومئذ، كان تجب عليه قيمتها يوم القتل.
م: وهذا مذهب الشافعي؛ لأنه يراه غاصباً لها كل يوم حتى يردها.
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو ولدت عند الغاصب ثم مات الولد لم يضمنهم، ولو قتلهم الغاصب ضمن قيمتهم.
ومن المجموعة قال سحنون: في غاصب العبد يحدث به عنده عيب، فيأخذه ربه ولم يعلم بعيبه، ثم يحدث عند ربه عيب آخر، أو مات في يديه أو وهبه أو باعه
قال: إن باعه بقيمته يوم غصبه فأكثر فلا شيء له، وإن باعه بأقل من القيمة فله الأقل من تمام القيمة، أو من قيمة العيب، وإن وهبه، أو مات رجع بقيمة العيب على الغاصب، وإن لم يبع ولا وهب، رده وقيمة العيب الحادث عنده، وأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه، وإن شاء حبسه ورجع على الغاصب بقيمة العيب الذي حدث عنده.
الجزء: 18 - الصفحة: 282
[الباب الرابع] فيما باعه الغاصب فمات أو قتل، أو تغير أو لم يتغير
[(2) فصل: فيما باعه الغاصب فمات أو قتل]
[المسألة الأولى: إذا مات المغصوب عند المبتاع]
قال ابن القاسم: ومن غصب أمة فباعها من رجلٍ لم يعلم بالغصب، فماتت عند المبتاع فلا شيء عليه، ولربها أخذ الغاصب بقيمتها يوم الغصب لا يوم البيع أو الثمن الذي أخذ فيها.
قال ابن المواز: قال أشهب: وإن استحقت بحرية رجع المشتري على بائعها بالثمن، وكذلك بأنها أم ولده أو معتقة إلى أجل وقد ماتت عنده فإنه يرجع بالثمن على بائعه، وإن كانت مدبرة لم يرجع بشيء.
ابن المواز: وكذلك المكاتبة عندي كالأمة.
[المسألة الثانية: إذا قتل المغصوب عند المبتاع]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قتلت الأمة عند المبتاع فأخذ لها أرشاً، ثم استحقت، فلربها إن شاء أخذ قيمتها يوم الغصب من الغاصب، وإن شاء أخذ منه الثمن وأجاز البيع، وإن شاء أخذ من المبتاع ما قبض فيها من القاتل، ثم يرجع المبتاع على الغاصب بالثمن، ولو كان المبتاع هو الذي قتلها فلربها أخذه بقيمتها يوم القتل ثم يرجع هو على الغاصب بالثمن؛ لأن مالكاً قال: فيمن ابتاع طعاماً فأكله أو ثياباً فلبسها حتى أبلاها ثم استحق ذلك فإن المستحق يأخذ من المبتاع مثل طعامه أو قيمة ثيابه، وإنما يسقط عن المبتاع موت الجارية؛ لأنه أمر من الله تعالى وكذلك كل ما عرف هلاكه من أمر الله تعالى فإنه لا يضمنه وأما ما كان
الجزء: 18 - الصفحة: 283
الهلاك من سببه فإنه يضمنه.
م وقيل عن أشهب: إذا باعها الغاصب بمئة، فقتلها المبتاع وقيمتها خمسون، فأغرمه المستحق قيمتها خمسين، فليرجع المبتاع على الغاصب بما غرم للمستحق في ذلك، وهو خمسون، ويرجع المستحق أيضاً على الغاصب بالخمسين بقية الثمن الذي أخذ فيها.
والقياس ما قاله ابن القاسم: لأن المستحق لما أغرم المبتاع قيمتها فكأنه أخذ عين شيئه وانتقض البيع بين المشتري والغاصب، فوجب أن يرجع المشتري بجميع ثمنه، ولو كان قيمتها يوم الغصب مئة وعشرين فباعها الغاصب بمئة فقتلها المبتاع وقيمتها حينئذ خمسون فأخذ المستحق قيمتها من المشتري خمسين، فيرجع المشتري على قول أشهب على الغاصب بما غرم وذلك خمسون، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك سبعون، وعلى قول ابن القاسم يرجع المشتري بثمنه وذلك مئة، ويرجع عليه المستحق بتمام القيمة يوم الغصب وذلك عشرون.
[المسألة الثالثة: إذا جنى المبتاع نفسه على المغصوب]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك إن قطع المبتاع يدها أو فقأ عينها، فلربها أخذها ويضمن المبتاع ما نقصها ويرجع المبتاع بالثمن على الغاصب، وإن شاء ربها أجاز البيع وأخذ الثمن من الغاصب أو أغرمه القيمة يوم الغصب ويتم البيع.
قال في العتبية: وهذا في العمد، فأما في الخطأ فكما لو ذهب ذلك بأمر الله تعالى.
قال أشهب في المجموعة: إذا قتلها المبتاع عمداً أو خطأً، فلمستحقها أن يضمنه قيمتها؛ لأنها جناية.
الجزء: 18 - الصفحة: 284
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو كان ذهاب عين الجارية أو قطع يدها عند المبتاع بأمرٍ من الله تعالى من غير سببه، لم يضمن المبتاع ذلك، والمغصوب منه مخير في أخذ جاريته ناقصة ولا شيء له على المبتاع ولا على الغاصب، أو يأخذ من الغاصب الثمن أو القيمة يوم الغصب.
[المسألة الرابعة: إذا ادعى المبتاع هلاك ما اشتراه من الغاصب]
قال في العتبية: ولو ادعى المبتاع أنها هلكت صدق فيما لا يغاب عليه من رقيق أو حيوان، ولا يصدق فيما يغاب عليه، ويحلف بالله الذي لا إله إلا هو لقد هلك، ويغرم قيمته إلا أن يأتي ببينةٍ على هلاكه من غير سببه.
م: قيل: فإن رئي الثوب عنده بعد شهر من يوم اشتراه، فادعى ضياعه لما استحق، فالأشبه أن يضمن قيمته يوم رئي عنده بعد الشهر، بخلاف الصانع والمرتهن يدعي ضياعه بعد أن رئي عنده بعد شهر، فهؤلاء يضمنون قيمته يوم قبضوه، والفرق أن هؤلاء قبضوه على الضمان، فلما غيبوه بعد شهر أمكن أن يكونوا إنما قبضوه ليستهلكوه فأشبهوا المتعدي، والمشتري إنما قبضه على أنه ملكه فلم يتهم أن يكون اشتراه ليستهلكه، فإذا لبسه المشتري حتى أبلاه، فقيل: يضمن قيمته يوم لبسه، وفي هذا نظر؛ لأنه غير متعد في لبسه، وهو لو لبسه يوماً أو أياماً ولم ينقصه ذلك لم يكن عليه شيء، وإنما يضمن قيمته بالاستهلاك.
م: الجواب لما كان هلاكه بانتفاعه لم يفرق في ذلك بينه وبين المتعدي، ألا ترى أن ابن القاسم شبه ذلك بقتله؟ فلذلك كان عليه قيمته يوم لبسه؛ وكما لو كان ذلك عنده رهناً أو وديعةً
الجزء: 18 - الصفحة: 285
[(2)] فصل [فيما باعه الغاصب وتغير عند المبتاع أو لم يتغير]
[المسألة الأولى: إذا استحق المغصوب وهو بحاله]
ومن المدونة: ومن غصب عبداً أو دابة فباعها ثم استحقها رجل وهي بحالها، فليس له تضمين الغاصب قيمتها وإن حالت الأسواق، وإنما له أن يأخذها أو يأخذ الثمن من الغاصب؛ كما لو وجدها بيد الغاصب وقد حال سوقها، فليس له تضمينه قيمتها إلا أن تتغير في بدنها.
قال ابن عبدوس: وإن حال سوقها بنقصٍ فروى ابن وهبٍ عن مالكٍ أن له تضمين الغاصب قيمتها.
[المسألة الثانية: إذا غصب أمه فغاب عليها هل يعد هذا كتغير البدن، واختيار ابن يونس في ذلك]
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: وإذا غصب أمة فلم تلد ولا حال سوقها إلا أنه غاب عليها ولم يعلم أنه وطئها أم لا، فلربها أخذها أو تضمينه قيمتها، وكذلك إن باعها بعد أن غاب عليها، فله تضمينه قيمتها وإن لم تتغير، أو يأخذ ثمنها أو يأخذها من المشتري، وقاله مالك وأصحابه، وهذا في الجارية الرائعة.
م: لأن اغتصاب مثل هذه والغيبة عليها ينقص من ثمنها، فقد أدخل على ربها فيها عيباً ينقصها، فوجب عليه ضمانها؛ كما لو نقصت في بدنها.
قال ابن حبيب: وليس في الوخش ولا في العروض والعبيد ولا في الدواب إلا أن يسافر على الدابة سفراً بعيداً، فربها مخير في أخذها أو أخذ قيمتها.
الجزء: 18 - الصفحة: 286
م: وهذا خلاف لابن القاسم في الدابة إذا سافر عليها ثم ردها بحالها، فليس له تضمينه عنده، بخلاف المتعدي من مكنزٍ أو مستعيرٍ وقد ذكرنا الفرق بينها.
م: والقياس في هذا الوجه أنهم كلهم سواء، ويضمنون.
م: وقوله في الأمة إذا غاب عليها الغاصب يضمن قيمتها، خلاف أيضاً لابن القاسم، والله أعلم، وروايته فيها أحب إلي، وبها أقول.
[المسألة الثالثة: إذا باع الغاصب المغصوب فمات عند المبتاع أو تغير ثم أجاز ربها البيع]
ومن المدونة: وإذا باع الغاصب الأمة فولدت عند المبتاع أو ماتت، ثم أجاز ربها البيع فذلك جائز، ولو أجاز ربها البيع بعد أن هلك الثمن بيد الغاصب، فإن الغاصب يضمنه، وليس الرضا ببيعه يوجب له حكم الأمانة في الثمن.
ومن غصب أمة بعينها بياض فباعها، ثم ذهب البياض عند المبتاع وأجاز ربها البيع، ثم علم بذهاب البياض، فقال: إنما أجزت البيع ولم أعلم بذهابه وأما الآن فلا أجيزه، لم يلتفت إلى قوله، ولزمه البيع؛ وقد قال مالك: في المكنزي يتعدى المسافة فتضل الدابة فيغرم ثم توجد فهي للمكتري، ولا شيء لربها فيها، ولو شاء لم يعجل.
م: وقال بعض الفقهاء: ولو زال البياض عند الغاصب وأجاز البيع لانبغى أن يكون له متكلم؛ لأن البيع وقع على غير الصفة التي يعرفها، فيقول: إنما أجزت البيع على ما كنت أعرف.
الجزء: 18 - الصفحة: 287
م: لأنه يقول: إنما أجزت بيع جارية عوراء بهذا الثمن، ولو علمت أن بياضها قد زال قبل البيع ما بعتها بمثل هذا الثمن، وأما التي بيعت وهي عوراء فقد بيعت على ما كان يعرف، فقد رضي بثمنها على تلك الحالة، فلا حجة له.
م: ويحتمل أن يقال لا حجة له في الوجهين؛ لأنه لو شاء لاستثبت ولم يعجل، وهي حجة مالك الأولى.
[المسألة الرابعة: إذا غصب أمة فباعها فأعتقها المبتاع ثم استحقها ربها]
قال: ومن غصب أمة فباعها، ثم قام ربها وقد أعتقها المبتاع، فله أخذها ونقض العتق- نقصت أو زادت- وله أن يجيز البيع، فإن أجازه تم العتق بالعقد الأول، والعتق منعقد بظاهر الشراء والبيع لم يزل جائزاً إلا أن للمستحق فيه الخيار.
قال ابن المواز: ولو كانت قد ورثت الأحرار، وشهدت الشهادات، ونفذت أمورها على أنها حرة، ثم استحقها سيدها فاختار إجازة البيع- وأخذ ثمنها من الغاصب أو أغرمه قيمتها يوم الغصب لما دخلها من نقص بدن- فإن الحرية تجوز لها، ولا ينتقض شيء مما فعلته على أنها حرة، والولاء للمشتري، ولو أخذها سيدها ولم يجز بيعها لنقض أفعالها، وردت ما ورثت، قال: ولو كان قد قطع رجل كفها، فاقتص لها منه لرجع المقطوعة كفه على عاقلة الإمام بدية كفه، ويرجع المستحق لها على قاطعها بما نقصها، وترجع جميع أحكامها فيما مضى وما يستقبل أحكام أمةٍ.
الجزء: 18 - الصفحة: 288
م وقد ذكرنا الاختلاف في عتق المديان إذا أمضى الغرماء عتقه هل ذلك كعتق المشتري؟ فقيل: إن عتق المديان عتق عدا وليس هو كعتق المشتري، وظهر لي أنهما سواء وهناك الحجة فيه.
م قيل: فإن أعتقها الغاصب فأتى ربها فوجدها لم تفت، فأراد أن يلزمه قيمتها ويمضي عتقها، فقال الغاصب: لا أرضى بذلك، فينبغي ألا يلزم ذلك الغاصب؛ لأن عتقه باطل؛ لأنه أعتق ما لا يملك.
فإن قيل: يلزمه، لأنه أعتق ما في ضمانه.
قيل: قد لا يلزم الإنسان عتق ما في ضمانه؛ مثل عتقه عبداً باعه بالعهدة أو أمة في المواضعة، فإن قيل: إن عتقه رضا بالتزام القيمة، قيل: لا يلزمه ذلك؛ كما لو باعها ولم تفت لم يكن للمستحق أن يلزمه القيمة، وإنما له أن يأخذها أو يجيز البيع ويأخذ الثمن.
[(3)] فصل [فيمن باع أمة ثم أقر أنه غصبها من فلان، وإذا ابتاعها الغاصب من ربها، وكيف إذا باع الغاصب ما غصب ثم علم المبتاع بالغصب]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن باع أمة ثم أقر أنه غصبها من فلان لم يصدق على المبتاع، ويضمن لربها القيمة إلا أن يشاء ربها أخذه بالثمن
الجزء: 18 - الصفحة: 289
فذلك له، ومن ابتاع أمةً من غاصب ثم ابتاعها الغاصب من ربها، فليس للغاصب نقض ما باع؛ لأنه تحلل صنيعه؛ وكأنه غرم القيمة لربها، ولو ورثها الغاصب من ربها كان له نقض البيع؛ لأنه حل محل ربها بغير صنعٍ منه، ولو كان إنما باعها ربها من رجل غير الغاصب ممن رآها وعرفها كان ذلك نقضاً لبيع الغاصب، وإذا باع الغاصب ما غصب ثم علم المبتاع بالغصب، والمغصوب منه غائب، فللمبتاع رد البيع لحجته: أنه يضمنه ويصير ربه مخيراً عليه إذا قدم، وليس للغاصب أن يقول أنا أستأني رأي صاحبها، ولو حضر المغصوب منه، فأجاز البيع لم يكن للمبتاع رده، وكذلك من افتأت عليه في بيع سلعةٍ في غيبته وحضوره.
ومن العتبية قال أصبغ: عن ابن القاسم: وإذا أجاز رب العبد البيع والعبد قائم، فلا كلام للمشتري، والعهدة في ذلك على رب العبد لا على الغاصب، فإن فات العبد حتى يكون المستحق مخيراً في الثمن أو القيمة يوم الغصب- ليس في العبد؛ لفوته- فاختار أخذ القيمة أو الثمن من الغاصب، فالعهدة للمشتري على الغاصب.
الجزء: 18 - الصفحة: 290
[الباب الخامس] في الشهادة على الغصب، واختلاف المستحق
والغاصب في صفة ما غصب أو عدة ما انتهب.
[(1) فصل: في الشهادة على الغصب]
قال ابن القاسم: وإن أقمت شاهداً أن فلاناً غصبك هذه الأمة وشاهداً آخر على إقرار الغاصب أنه غصبكها تمت الشهادة، ولو شهد أحدهما أنه غصبكها، وشهد الآخر أنها لك، فقد اجتمعا على إيجاب ملكك لها، فيقضي لك بها- يعني: بعد أن تحلف أنك ما بعت ولا وهبت؛ كمن استحق شيئاً ببينةٍ، وذلك إن ادعاها الغاصب لنفسه- لأنهما لم يجتمعا على إيجاب الغصب.
م وقال بعض الفقهاء: شهادتهما مختلفة، فإذا لم تفت حلف مع أي الشاهدين شاء، فإن حلف مع شاهد الملك حلف أن شاهده شهد بحقٍ وأنه ما باع ولا وهب، وإن حلف مع شاهد الغصب حلف أنه لقد شهد شاهدي بحق فقط، وردت إلى يده بالحيازة فقط؛ لأن شاهد الغصب لم يثبت له ملكاً، وشاهد الملك لم يثبت لع غصباً، ويمكن أن تكون خرجت من يده ببيع إلى الذي هي في يده، فلما لم يجتمعا على ملكٍ ولا غصبٍ، حلف كما قدمنا، والله أعلم.
قال ابن القاسم: ولو دخل الجارية نقص، كان لك أن تحلف مع الشاهد بالغصب، ويضمن الغاصب القيمة، قال: ومن أقام شاهداً أن هذه الأرض له وشاهداً آخر أنها حيزه قضى له بها؛ لأنهما قد اجتمعا على الشهادة، ومعنى قوله: حيزه، كقولك هذا حيز فلان.
م قال بعض الفقهاء: ومعنى حيزه: أي ملكه، ولو كانت بمعنى
الجزء: 18 - الصفحة: 291
الحيازة لكانت مثل المسألة الأولى.
[المسألة الأولى: إذا ثبت أن رجلاً غصب جارية ثم ماتت فكيف تقوم]
قال ابن القاسم: وإن أقمت بينة على رجل أنه غصبك جارية لا يدرون قيمتها وقد هلكت، قيل: لهم صفوها، وتقوم تلك الصفة.
قال أشهب في كتبه: فإن لم يثبتوا لها صفة، جعلت من أوضع الجواري ثم أغرم الغاصب قيمتها على ذلك يوم غصبها.
قال ابن القاسم: وإن شهدت بينة أنه غصبك ثوباً أو جارية لا يدرون لمن ذلك، فذلك تمليك لك، ويقضي عليه برد ذلك إليك.
[المسألة الثانية: إذا شهد الشهود شهادة ناقصة]
ومن العتبية قال عيسى عن ابن القاسم: فيمن أقام بينة أن فلاناً غصبك أرضاً في قرية تسمى فلانة ولا يدرون موضع الأرض منها والغاصب منكر، قال: شهادتهم باطلة، لأنهم لم يشهدوا على شيءٍ معروفٍ ولا محدود ولا شيءٍ بعينه.
قال عنه أصبغ: إذا شهدوا للمغصوب منه أن هذه أرضه ولا يعرفون الحدود، فإنه يسجن الغاصب، ويضيق عليه حتى يبين له حقه، ولا يقضي له إلا بشهادةٍ أو بإقرار فإن أقر بشيءٍ، وقال: هذا حقه حلف عليه.
قال أصبغ: أو يشهد غيرهم على الحدود فيقضي بذلك، فإن لم يشهد له أحد
الجزء: 18 - الصفحة: 292
بالحدود وضيق على الغاصب واستبريء بالسجن فلم يقر بشيء، حلف على الجميع كما يحلف المدعي عليه بغير بينة، ولا يكون عليه شيء بتلك الشهادة.
[(2) فصل [في اختلاف المستحق والغاصب في صفة ما غصب]
ومن المدونة: ومن غصب أمة وادعى هلاكها، واختلفا في صفتها صدق الغاصب في الصفة مع يمينه إذا أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه في الصفة مع يمينه.
وقال أشهب في كتبه: لا يراعى في هذا ما يشبه، والغاصب مصدق في ذلك، ولو قال: كانت بكماء صماء عمياء، صدق مع يمينه.
قال في النوادر: وقول من قال إذا أتى بما لا يشبه صدق المغصوب منه مع يمينه غلط، إنما يدخل هذا في اختلاف المتابعين في قلة الثمن وكثرته والسلعة قائمة معروفة الحال، فيصدق من يشبه أن يكون الحق في قوله مع يمينه فيما يتغابن الناس بمثله.
م: لعله يريد: وقد دخل السلعة نقصٌ أو حوالة سوق، فيراعى قول من يشبه، وأما إن لم يدخلها شيء من ذلك، فقد قالوا لا يراعى قول من يشبه وليتحالفا ويتفاسخا.
م: ويحتمل أن يكون في قيامها قولان: هل يراعى ما يشبه أو لا؟ والقياس أن يراعى ما يشبه، وإليه نحا أشهب ها هنا والله أعلم.
الجزء: 18 - الصفحة: 293
[المسألة الأولى: لو أخفى الغاصب المغصوب ثم ظهر المغصوب]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو قضينا على الغاصب بالقيمة ثم ظهرت الأمة بعد الحكم، فإن علم أنه أخفاها، فلربها أخذها ورد ما أخذ، وإن لم يعلم ذلك لم يأخذها ربها.
قال أشهب في كتبه: ويحلف الغاصب- ها هنا إذا لم يعلم أنه أخفاها- بالله ما أخفاها، ولقد كانت فاتت من يده، فإذا حلف بقيت له إذا كانت على الصفة التي حلف عليها.
قال ابن القاسم: إلا أن تظهر أفضل من الصفة بأمر بين، فلربها الرجوع بتمام القيمة؛ وكأن الغاصب لزمته القيمة فجحد بعضها.
وقاله أشهب.
قال: ومن قال: إن له أخذها، فقد أخطأ؛ كما لو نكل الغاصب عن اليمين في صفتها وحلفت أنت على صفتك، ثم ظهرت أنها على خلاف ذلك، كنت قد ظلمته في القيمة فيرجع عليك بما تزيد عليه من ذلك، ولا يكون له أن يقول لك: رد الجارية.
م قال بعض الفققهاء: وينبغي أن لو أقر بخلاف ما غصب- مثل أن يقول غصبت جارية، ويقول المغصوب منه عبداً، فكان القول قول الغاصب، ثم ظهر أن الذي غصب عبد- أن يكون له الرجوع فيه كالذي أخفى ذلك؛ لأنه قد علم أنه أخفى الصفة ولم يغرم من قيمتها شيئاً، بخلاف اتفاقهما على العين ويختلفان في الصفة، فالعين حينئذ هي المعينة إلا أنهما اختلفا في صفتها، وانظر لو قال: غصبت منك جارية سوداء للخدمة قيمتها عشرون ديناراً، وقلت: إنما
الجزء: 18 - الصفحة: 294
غصبت مني جارية بيضاء قيمتها مئة دينارٍ مما يصلح للوطء، هل هذا بخلاف جحد بعض الصفة أم لا؟.
م: والأشبه أن يكون كمن جحد بعض الصفة، وقد قال أشهب: إن القول قول الغاصب ولو قال كانت بكماء صماء، ثم قال: وإذا ظهرت خلاف الصفة بأمر بين فإنما يرجع بتمام القيمة، وهذا يدل على ما قلناه.
[(3) فصل: في اختلاف الناهب والمنهوب منه في عدة ما انتهب]
ومن المدونة قال مالك: ومن غصب أو انتهت صرة بينةٍ، ثم قال: كان فيها كذا، والمغصوب منه يدعي أكثر، فالقول قول الغاصب مع يمينه.
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن انتهب صرة من رجل وناس ينظرون إليه قد أخذها، فطلب، فطرحها في متلفٍ، فادعى ربها عدداً ةأكذبه الآخر، ولم يفتحها ولم يدر المنتهب كم فيها أو لم يطرحها، ثم يختلفان فالقول قول المنتهب مع يمينه، ومطرف وابن كنانة وأشهب يقولون في هذا وشبهه: إن القول قول المنتهب منه إذا ادعى ما يشبه، وأن مثله يملكه.
م: يريدون: ويحلف.
وقد اختلف في يمينهن كالذي يدعي على رجل بمئة فيقول المطلوب لا أدري ألك علي شيء أم لا؟ فقيل: يأخذ المدعي ما قال بغير يمين؛ لأنه لا حقيقة عنده؛ ولأن الشاك لو أحلف لم يمكنه أن يحلف، فيصير لا فائدة في يمين مدعي التحقيق.
الجزء: 18 - الصفحة: 295
م: وأما إذا طرحها ولم يفتحها ولم يدر ما فيها، فالقول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشبه؛ لأنه يدعي حقيقة، وأما إن غاب عليها وقال: الذي كان فيها كذا وكذا، فالقول قول المنتهب مع يمينه.
الجزء: 18 - الصفحة: 296
[الباب السادس] القضاء في ولادة الأمة من غاصب أو زوج أو
مشتر، وكيف إذا أعتقها المشتري أو كان ثوباً فلبسه.
[(1) فصل: في القضاء في ولادة الأمة من غاصب أو زوج أو مشتر]
قال ابن القاسم: وإذا ولدت الأمة بيد الغاصب من وطئه، أو من زوج تزوجها وعلم أنها أمة ولم يعلم بالغصب، أو ولدت من زنى، فلربها أخذها وأخذ الولد رقاً، ويحد الغاصب في وطئه إياها إن أقر بالوطء، ولا يثبت نسب ولده، ويثبت نسب ولد الزوج ويكون رقاً إلا أن يتزوجها على أنها حرة فيكون لربها أخذها وقيمة ولدها ويكون حراً، ومن ابتاع أمةً فأعتقها ثم استحقت، فليأخذها ربها، وينتقض العتق إن قامت له بينة أنها غصبت منه أو سرقت أو أنها له، ولم تذكر بينة غير ذلك، فإن أولدها المبتاع فلمستحقها بالملك أخذها إن شاء مع قيمة ولدها يوم الحكم عبيداً، وعلى هذا جماعة الناس، وقاله مالك، وأخذ به ابن القاسم ثم رجع مالك فقال: يأخذ قيمتها وقيمة ولدها يوم يستحقها؛ لأن في ذلك ضرراً على المبتاع.
قال ابن حبيب: ثم رجع مالك فقال: ليس على المبتاع إلا قيمتها يوم وطئها، ولا قيمة عليه في ولدها، وبه أخذ ابن الماجشون وغيره.
وفي كتاب الاستحقاق إيعاب هذا.
الجزء: 18 - الصفحة: 297
[(2) فصل: فيمن غصب ثوباً فلبسه حتى أبلاه] قال مالك: ومن ابتاع ثوباً من غاصب ولم يعلم فلبسه حتى أبلاه، ثم استحق، غرم المبتاع لربه قيمته يوم لبسه، وإن شاء ضمن الغاصب قيمته يوم الغصب أو أجاز بيعه وأخذ الثمن، ولو تلف الثوب عند المبتاع بأمر من الله تعالى لم يضمنه، ولو تلف عند الغاصب بأمرٍ من الله لزمه ضمانه.
الجزء: 18 - الصفحة: 298
[الباب السابع فيـ] ما يلزم الغاصب فيه القيمة أو المثل مما استهلكه،
وكيف إن وجده ربه بغير بلده
[(1) فصل: فيما يلزم الغاصب فيه القيمة أو المثل مما استهلكه]
[المسألة الأولى: في أصل إيجاب القيمة في غير الكيل والوزن]
قال أبو محمد: قال بعض البغداديين: وأوجبنا القيمة في غير المكيل والموزون؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من أعتق شركاً له في عبد قوم عليه نصيب شريكه)) فجعل فيه القيمة وهي أعدل لتعذر إدراك المماثلة فيه، وما كانت فيه مدركة مما يكال أو يوزن، فهي فيه أعدل لتقاربها من الذهب والورق في إدراك المماثلة، وغيرنا [يقر بذلك] ويخالفنا في العروض؛ وقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قد علم أنه أريد به المثل في الصفة والمقاربة، لا حقيقة المقدار في الوزن؛ لأن ما ذكر من النعم لا يماثله الصيد في المقدار؛ ليست البدنة مثلاً للنعامة، وبذلك يحكم فيها، فعلم أنه تعالى أراد مماثلة الصفة والمقاربة في الخلقة، والله أعلم.
[المسألة الثانية: إذا استهلك ما غصب من طعام أو إدام]
ومن المدونة قال مالك: ومن غصب لرجل طعاماً أو إداماً، فاستهلكه فعليه مثله بموضع غصبه منه، فإن لم يجد هناك مثلاً لزمه أن يأتي بمثله، إلا أن يصطلحا على أمرٍ جائزٍ، وإن لقيه ربه بغير البلد الذي غصبه فيه لم يقض عليه
الجزء: 18 - الصفحة: 299
هناك بمثله ولا بقيمته، وإنما له عليه مثله بموضع غصبه فيه.
ومن المجموعة وكتاب ابن المواز قال ابن القاسم: ومن استهلك لرجل عسلاً أو سمناً في بلد فلم يجد له بذلك البلد عسلاً ولا سمناً، قال: لابد أن يأتيه بمثله، وله أن لا يأخذ قيمته إلا أن يصطلحا على أمرٍ يجوز.
وقال أشهب: رب الطعام بالخيار: إن شاء صبر عليك وألزمك أن تأتي بالمثل من أي بلد كان، وإن شاء ألزمك القيمة الآن.
قال ابن عبدوس: واختلفا في هذا كما اختلفا في الذي يسلم في الفاكهة فيفرغ إبانها وقد بقى له منها، فالصبر حتى يأتي بالطعام من بلد آخر كالصبر حتى يأتي إبان الثمرة إلى عام قابل، فقال ابن القاسم: يلزم الطالب التأخير حتى يؤتي بالطعام، وحتى يأتي قابل في الفاكهة، وقال أشهب: يرد إليه رأس ماله في السلم، ولا يجوز أن يؤخره، وقال في الطعام: يأخذ منه قيمة الطعام إن شاء، وإن شاء أخره حتى يأتي بالمثل؛ فهذا فسخ الدين في الدين على أصله، فلا يجوز أن يؤخره بالطعام إذا كان له أخذه بالقيمة، وإنما ينظر: فإن كان الموضع الذي يوجد فيه مثل الطعام على يوم أو يومين أو ثلاثة والأمد القريب، فليس له فيه إلا مثل طعامه، يأتيه به، وإن كان بعيداً مما على الطالب فيه ضرر أو كان استهلكه في لج بحرٍ أو فيافٍ بعيدة من العمران فهذا يغرم قيمته حيث استهلكه، يأخذه بها حيث لقيه.
الجزء: 18 - الصفحة: 300
[المسألة الثالثة: في العروض والرقيق والحيوان إذا استهلكها الغاصب]
ومن المدونة قال مالك: وأما العروض والرقيق والحيوان إذا استهلكه، فله قيمة ذلك ببلد الغصب يوم الغصب يأخذه بتلك القيمة أينما لقيه من البلدان، نقصت القيمة في غير البلد أو زادت.
[(2)] فصل [إذا وُجد المغصوب بغير بلده]
ومن المجموعة روى سحنون عن ابن القاسم عن مالك في العروض والرقيق والطعام يُسرق، فيجده ربه بغير بلده، قال: أما الطعام فليس له أخذه، وإنما له أن يأخذ السارق والغاصب بمثله في موضع سرقه أو غصبه، وأما العبيد والدواب فليس له إلا أخذهم حيث وجدهم لا غير ذلك - يريد: إن لم يتغيروا - وأما البزُّ والعروض فربها مخير بين أخذه بعينه وإن شاء قيمته بموضع سرق منه.
وقال سحنون: البز عندي كالرقيق: إنما له أخذه حيث وجد إذا لم يتغير في بدنه - وكأنه رأى اختلاف البلدان كاختلاف الأسواق - فإنما حال منه تغيير سوقه، وليس بمنزلة أو لو لقيه ربه - وقد عاد إلى البلد - والمتاع بالبلد الذي نقله إليه، هذا له أن يضمنه قيمته؛ لأنه حال بينه وبينه.
وقال أشهب في الطعام: ربه مخير بين أخذه بعينه أو مثله في موضع غصبه منه، ويحال بين الغاصب وبين الذي نقل حتى يوفى المغصوب حقه.
الجزء: 18 - الصفحة: 301
قال سحنون: لا أعرف هذا [44/أ] من قول الرواة.
وحكى ابن المواز قول ابن القاسم وقول أشهب في الطعام.
قال: وقال أصبغ في الطعام إن كان البلد بعيداً؛ فالقول ما قال ابن القاسم، ويتوثق لرب الطعام بحقه، وإن كان قريباً كبعض الأرياف، فله أخذه، ويحمل على الظالم بعض الحمل.
وقال ابن القاسم: إنما له أخذه بمثله حيث غصبه، ولو اتفقا على أن يأخذه بعينه أو مثله بموضع نقله أو يأخذ فيه ثمناً جاز بمنزلة بيع طعام القرض قبل قبضه، وقاله أصبغ.
ابن المواز: وقال أشهب - في العروض والحيوان -: إن لربها أخذها بموضع وجدها، وإن شاء تركها وأخذه بقيمتها يوم الغصب ببلد الغصب، يأخذ ذلك منه حيث لقيه، وقاله أصبغ.
ابن المواز: صوابٌ؛ لأن اختلاف البلدان البعيدة كتغيرها عن حالها.
[فائدة: في تحصيل الاختلاف في الطعام والعبيد والدواب والبز يجده ربه بغير بلده].
م: وتحصيل هذا الاختلاف باختصار:
قال ابن القاسم: أما الطعام، فليس له في الحكم إلا مثله بموضع غصبه،
الجزء: 18 - الصفحة: 302
والحيوان والرقيق ليس له إلا أخذه بموضع وجده، والبز هو فيه مخير بين أخذه أو أخذ قيمته بموضع غصبه.
قال سحنون: البز كالحيوان ليس له إلا أخذه حيث وجده.
وقال أشهب: الحيوان كالبز، وهو مخير في أخذه أو قيمته ببلد الغصب.
قال: وكذلك الطعام له أخذه به حيث وجده بعينه أو مثله ببلد الغصب، وفرق أصبغ بين البلد البعيد والقريب.
م وقال بعض الفقهاء: جعل سحنون نقل البز والعروض من بلد إلى بلد كاختلاف الأسواق، وقد يفرق بين هذا وبين اختلاف الأسواق بالضرر الذي أُدخل على ربها في نقلها - وقد قالوا في العبد إذا جنى عند الغاصب جنايةً عمداً أن لربه أن يغرمه قيمته؛ كالتأثير في عينه - بخلاف حوالة الأسواق؛ لأن ذلك كالعيب فيه، مع بقاء الأسواق فهو يحط عنه في ذلك السوق بعينه، وكذلك يجب في حدوث الإباق والسرقة.
قال: وأحسن ما قيل في الحيوان أن ليس نقلها فوتاً؛ لأنها تمشي بخلاف العروض، فليس لربها إلا أخذها، وجعل أشهب ذلك كالتغير في البدن.
قال: والأشبه في المكيلات والموزونات ما قاله ابن القاسم إذ لا ظلم في ذلك على المغصوب؛ إذ مثله يقوم مقامه، ولا يظلم الغاصب، كما لو غصب قمحاً فطحنه، إنّ الأعدل من الأقاويل: أن عليه مثله، ولا يأخذ الدقيق.
الجزء: 18 - الصفحة: 303
[الباب الثامن] القضاء فيما اغتله الغاصب أو نتج عنده أو سكنه أو استهلكه
.
[(1) فصل: في القضاء فيما نتج عند الغاصب من المغصوب، وفي تعدي المكتري والمستعير، وهل له المطالبة بما أنفق على المغصوب].
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان)).
يريد: ضمان الشراء لا ضمان الغاصب، وقال: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرق ظالم حق))، فالغاصب هو العرق الظالم، وفي كتاب الاستحقاق إيعاب هذا.
قال ابن القاسم: فيما أثمر عند الغاصب من نخل أو شجر أو تناسل من الحيوان أو جُزّ من الصوف أو حلب من اللبن، فإنه يرد ذلك كله مع ما اعتصبه لمستحقه، وما أكل: رد المثل فيما له مثل أو القيمة فيما لا يقضى فيه بالمثل، وليس له اتباع المستحق بما أنفق في ذلك أو سقى أو عالج أو رعى، ولكن له المقاصة بذلك فيما بيده من غلته - لأن عن عمله تكونت؛ ألا ترى أن الأجير أحق بها في الفلس - فإن عجزت الغلة عن ذلك لم يرجع على المستحق بشيء، وقاله أشهب في المجموعة.
الجزء: 18 - الصفحة: 304
وقال أيضاً ابن القاسم: لا شيء له فيما سقى أو عالج أو أنفق وإن كان ذلك [44/ب] سبباً للغلة، وقاله مالك، وبه أخذ ابن المواز، قال: إذ ليس بعين قائمة، ولا يقدر على أخذه، ولا مما له قيمةٌ بعد القلع فيرد؛ وهو كما لو غصب مركباً خراباً فأنفق في قلقطته وزفته وتزجيجه وأطرافه وحوائجه، ثم اغتل منه غلةً كبيرةً، فلربه أخذه مقلفطاً مصلوحاً بجميع غلته، ولا غرم عليه فيما أنفق عليه إلا مثل الصاري والأرجل والحبال وما يوجد له ثمن إذا أخذ، فللغاصب أخذه، وإن كان بموضع لا غناء له عنه؛ إذ لا يجد صارياً ولا أرجلاً ولا أحبلاً إلا هذه، أو لا يجد ذلك إلا بموضع لا ينال حمله إليه إلا بالمشقة والمؤنة العظيمة، وهو مما لا بد له منه مما يجري المركب به حتى يرده إلى موضعه فربه مخيرٌ أن يعطيه قيمة ذلك بموضعه كيف ما كان، أو يسلم ذلك إليه.
[فرع: فيمن أنفق على المغصوب بوجه شبهة].
م وقد اختلف أيضاً فيمن سقى وعالج بوجه شبهةٍ كالمشتري والموهوب له: فقال ابن القاسم: لا يأخذ المستحق حتى يدفع قيمة السقي والعلاج.
الجزء: 18 - الصفحة: 305
وقال عبد الملك: بل يأخذ ذلك ذلك بغير شيء، وكذلك عنده فيمن اشترى داراً فبيضها أو عبداً صغيراً لا خدمة له، فأنفق عليه حتى كبر أن صاحبه يأخذه بغير شيء؛ لأنه لا عين قائمة لما أخرج.
م وإنما يجب هذا في المعتدي، وقول ابن القاسم في هذا أصوب، والله أعلم.
[المسألة الأولى: إذا مات المغصوب وبقي ما نتج منه]
ومن المدونة: وإن ماتت الأمهات وبقي الولد أو ما جز منها أو حلب، خير ربها، فإما أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب ولا شيء له فيما بقي من ولدٍ أو صوفٍ أو لبنٍ، ولا في ثمنه إن بيع، وإن شاء أخذ الولد إن كان ولد، وثمن ما بيع من صوف أو لبن ونحوه، وما أكل أو انتفع به من ذلك فعليه المثل فيما له مثلٌ والقيمة فيما يقوم ولا شيء عليه من قِبل الأمهات؛ ألا ترى أن من غصب أمة ثم باعها فولدت عند المبتاع ثم ماتت، فليس لربها أن يأخذ أولادها وقيمة الأمة من الغاصب؟ وإنما له أن يأخذ الثمن من الغاصب أو قيمتها يوم الغصب أو يأخذ الولد من المبتاع ثم لا شيء له عليه ولا على الغاصب من قيمة الأم، ولكن للمبتاع الرجوع على الغاصب بالثمن، ولا يجتمع على الغاصب غرم ثمنها وقيمتها.
[فائدة: في اتفاق ابن القاسم وأشهب في المغصوب ينتج ثم يقوم ربه، واختلافهما في فوت أحدهما قبل الاستحقاق].
م اتفق ابن القاسم وأشهب فيمن غصب أمة أو حيواناً، فولدت الأمة والحيوان واغتله الغاصب ثم قام ربها، فإنه يكون مخيراً بين أخذ الأمهات والأولاد والغلة أو أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب، ولا شيء له غير ذلك، واختلفا إن ماتا أو أحدهما:
فقال ابن القاسم: يكون مخيراً بين أخذ قيمة الأمهات يوم الغصب أو أخذ ما
الجزء: 18 - الصفحة: 306
وجد منها مع الغلة، ولا شيء له غير ذلك، وإن ماتا جميعاً فليس له إلا قيمة الأمهات يوم الغصب.
وقال أشهب: إن ماتا جميعاً ضمن قيمة الأمهات يوم غصبها وقيمة الأولاد يوم الولادة، وإن مات أحدهما أخذ الحي وقيمة الهالك، يريد: قيمة الولد يوم الولادة وقيمة الأم يوم الغصب.
م: لأنه عنده غاصب بجميع ذلك، وكأنه غصب الولد يوم ولدوا أو غصب الغلة يوم أخذها، وإذا كان ذلك قائماً أخذه كله، وإن فات أغرمه قيمة الأمهات يوم الغضب، وقيمة الولد يوم ولد وقيمة الغلة يوم أخذها، وكان يجب على هذا إذا كان ذلك كله قائماً أو أغرمه قيمة الأمهات أن له أن يأخذ الولد والغلة، فبان أن قول ابن القاسم أصح.
ولأشهب قول كقول ابن القاسم، وذلك أنه أنكر قول [45/أ] من قال: - في الأمة تلد من المشتري - أن المستحق يأخذ قيمتها يوم أحبلها وقيمة ولدها، فقال: إذا لزمته قيمتها يوم الوطء فقد صار له الولد بعد أن لزمته بالقيمة، وقال في غاصب الدابة إذا أكراها فعطبت: فإن شاء ربها أخذه بقيمتها يوم الغصب ولا كراء له، وإن شاء أخذ كراءها فقط.
قال ابن عبدوس: فهذا يدل من قوله أنه إذا أخذ القيمة يوم الغصب لم يكن له شيء في ولدٍ ولا غلةٍ؛ لأنه إنما جاء بعد أن ضمن الأمهات فهم له.
م وهذا هو الصواب إن شاء الله.
الجزء: 18 - الصفحة: 307
[(2) فصل: في القضاء فيما اغتله الغاصب أو أسكنه أو استعمله.
المسألة الأولى: في الرباع يغصبها ثم يسكنها أو يغتلها].
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكل ربع اغتصبه غاصب فسكنه أو اغتله أو أرضاً فزرعها، فعليه كراء ما سكن أو زرع بنفسه، وغرم ما أكراها به من غيره ما لم يحاب، وإن لم يسكنها ولا انتفع بها ولا اغتلها، فلا شيء عليه.
وقال ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: عليه كراء كذلك وإن علم أنه أغلق الدار وبور الأرض وأوقف الدابة والعبد؛ لأنه منعه من ذلك.
قال عبد الوهاب: وهذا قول الشافعي.
ودليلنا أنها منافع لم تستوف من المغصوب، فلم يضمنها الغاصب؛ أصله منافع البضع؛ مثل أن يحبس حرة عن التزويج حتى مضت مدة من الزمان؛ فإنه لا يضمن مهر مثلها؛ أو كبضع الأمة يمسكها مدة عن سيدها.
م: وهذا لا يلزم ما رواه ابن حبيب؛ لأن الأبضاع لا تكرى، والدور والأرض والدابة مما يكرى، فهذا مفترق.
[المسألة الثانية: إذا استعمل ما غصبه من رقيق أو دواب وبقي بحاله لم يتغير في بدن؟]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وما اغتصب من دواب ورقيق أو سرقه، فاستعملها شهراً أو طال مكنها بيده أو أكراها وقبض كراءها، فلا
الجزء: 18 - الصفحة: 308
شيء عليه في ذلك، وله ما قبض من كرائها، وإنما لربها عين شيئه، وليس له أن يلزمه قيمتها إذا كانت على حالها لم تتغير في بدن، ولا ينظر إلى تغير سوق.
قال أبو محمد: وفيما حكاه أبو الفرج عن مالك أنه قال: إن سكن أو ركب فلا شيء عليه، وإن أكرى وقبض غلة، غرمها وحبس منها ما أنفق,
م: ووجه هذا: أن كراء ما أكراه عوض في منافع ملك غيره، فهو كالعين القائمة يلزمه ردها، وما سكن بنفسه لم يأخذ له عوضاً فيلزمه رده.
م: والصواب في ذلك عندنا أنه يلزمه كراء ما سكن أو ركب؛ لأنه استهلك منافع ملك غيره؛ كاستهلاك عين ملك غيره، فوجب عليه غرمه في الوجهين.
[المسألة الثالثة: إذا استعمل الغاصب ما غصب فتغير المغصوب في بدنه].
ومن المدونة قال ابن القاسم: ولو استعمل الدابة حتى أعجفها أو أدبرها فتغيرت في بدنها، فلربها أن يضمنه قيمتها يوم غصبها وإلا أخذها، ولا كراء له.
م: يريد: وإذا أخذها لم يضمنه ما نقصها، بخلاف ما لو قطع لها عضواً عنده، هذا يغرم ما نقصها، والفرق عنده أن العجف ليس بأمر ثابت لا يزول وقطع العضو هعو تأثيرٌ قائمٌ لا يعود إلى ما كان عليه كزوال العجف،
الجزء: 18 - الصفحة: 309
وأشهب يساوي بين ذلك ويقول: ليس له إلا عين شيئه أو يضمنه قيمتها يوم غصبها.
وهذا أصوب.
[المسألة الرابعة: في الفرق بين ما غصب من الدواب والرقيق وما غصب من الدور]
قال ابن القاسم: ولم يكن على الغاصب والسارق كراء ما ركب من الدواب بخلاف ما سكن من الربع أو زرع من الأرض؛ لأنه أنفق عليه، وهو لو أنفق على الصغير من رقيق أو حيوان حتى يكبر كان لمستحقه أخذه بزيادته، ولو يكن له ما أنفق أو علف أو كسى، ولو كان ذلك ربعاً فأحدث فيه عملاً كان له أخذ ما أحدث فيه، فهذه [45/ب] وجوهٌ مفترقة.
قال أبو محمد وناقضه أشهب وابن المواز في هذا الفرق فقالا: إنما يرجع في نفقة الدار في عينٍ قائمة، وليست النفقة على الصغير بعينٍ قائمة.
ابن المواز: وقال أشهب: عليه رد الغلة في الحيوان والعبيد والإماء، وله المقاصة فيها بالنفقة والمؤنة.
قال سحنون: وقد روى ذلك عن مالك أنه يغرم له غلة الحيوان والعبيد.
وقال أشهب: إن الدور والأرضين والحيوان والعبيد كلها سواءٌ، يرد ما اغتل في ذلك كله، ويقاص بما أنفق وعمل وعلف ورعى، وإنما الذي فيه الحديث - ((الخراج بالضمان)) - إنما هو لمن ضمن بغير تعد، فأما الظالم المتعدي فليس من ذلك.
الجزء: 18 - الصفحة: 310
وقال ابن القاسم في كتاب الاستحقاق: عليه أن يرد ما قبض من كراء أو غلة في دور أو رقيق، قال غيره: ولو أكرى ذلك الغاصب وحابى فيه لأخذه بالمحاباة، فإن أعدم أخذ بها المكتري، وقاله سحنون.
م: وروي عن مالك أنه لا يرد شيئاً من كراءٍ أو غلةٍ أو استخدام في ربع أو حيوان أو رقيق أو غيره.
[فائدة: في حصر الأقوال في الفرق بين الرباع والرقيق ووجه كل قول]
م: فصار في هذا الأصل أربعة أقوال:
قولٌ فرق فيه بين الرباع والرقيق.
وقول: أن لك سواءٌ، وعليه رد الغلة.
وقول: أنه ليس عليه ردها في ذلك كله.
وقول إن سكن بنفسه أو ركب، فلا شيء عليه، وإن أكرى أو اغتل رد ذلك.
ويحاسب بما أنفق في هذه الأقوال، وقيل لا يحاسب.
م: فوجه التفريق بين الرباع والحيوان قد ذكره ابن القاسم؛ ولأن الحيوان غير مأمون؛ لأنه يسرع إليه التغيير والتلف باستعماله، فيلزمه قيمته فوجب أن يكون له خراجه بضمانه، وليس كذلك الرباع لأنها مأمونة في الغالب.
ووجه القول بأنه يرجع عليه في كل ذلك؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه))؛ ولأنه انتفع بملك غيره من غير ملك تقدم له ولا شبهة، فلزمه قيمة ما انتفع به؛ أصله إذا ابتدأ بالاستخدام
الجزء: 18 - الصفحة: 311
والسكنى من غير غصب.
زووجه القول بن المنافع غير مضمونة أصلاً؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ((الخراج بالضمان)) فهو على عمومه؛ ولأن الغاصب لما كان ضامناً للعين بقيمتها يوم الغصب لم يكن لمنافعها حكم في الضمان؛ لأنها تابعة للعين، ولأن الضمان بالجناية أكد من الضمان بالاستخدام وغيره، وقد ثبت أن الغاصب لو جنى على بعض أطراف المغصوب، لم يكن للمالك إلا أخذه ناقصاً بلا أرش، أو إلاسلامه والرجوع بالقيمة يوم الغصب عند أكثرهم، فكان بأن لا يرجع في المنافع أولى.
م: وقد ذكرنا وجه القول الرابع، وقال بعض البغداديين في جميع ذلك كله، وبالله التوفيق.
قال بعض أصحابنا: وإنم فرق ابن القاسم بين غلة الغنم من صوف أو لبن وبين غلة العبيد والدواب - على أحد قوليه -؛ لأن غلة الدابة والعبد متكونة بسبب الغاصب وفعله، والألبان والأصواف ليس له فيها فعلٌ، إنما هي ناميةٌ بأنفسها أو متولدةٌ عن الأعيان، فوجب أن يكون لها حكم الأعيان، والله أعلم.
[المسألة الخامسة: في الفرق بين الغاصب والمكتري والمستعير يردون ما حبسوه بحاله]
ومن كتاب الغصب قال ابن القاسم: وأما المكتري والمستعير يتعدى
الجزء: 18 - الصفحة: 312
بالمسافة تعدياً بعيداً، أو يحبسها أياماً كثيرة ولم يركبها، ثم يردها بحالها فربها مخير في أخذ قيمتها يوم التعدي، أو يأخذها مع كراء حبسه إياها بعد المسافة، وله في الوجهين على المكتري الكراء الأول، والغاصب والسارق ليس عليه في مثل هذا قيمةٌ ولا كراءٌ إذا ردها بحالها.
قال [46/أ] ابن القاسم: ولولا ما قاله مالك لجعلت على الغاصب والسارق كراء ركوبه إياها، وأضمنه قيمتها إذا حبسها عن أسواقها؛ كالمكتري، ولكن آخذ فيها بقول مالك، ولقد قال جُلّ الناس: إن الغاصب والسارق والمكتري والمستعير بمنزلةٍ واحدةٍ، ولا كراء عليهم وليس عليهم إلا القيمة، أو يأخذ دابته.
م وقد ذكرت الفرق بين المستعير والمكتري، وبين الغاصب لسحنون وابن المواز.
وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: إن الفرق بين الغاصب وبين المستعير والمكتري، أن المستعير والمكتري إنما تعدوا على المنافع لا على الرقاب، فغرما كراء ما تعديا عليه من تلك المنافع، والغاصب إنما قصد غصب الرقاب وقد كانت في ضمانه، وإن أصابها شيءٌ من أمر الله تعالى ضمنها، فوجب أن يكون له غلتها؛ لأنها متولدة عن فعله وعما في ضمانه، ولو قصد إلى غصب المنافع خاصةً مثل أن يريد دابة يركبها إلى موضع كذا فيأخذها غصباً لذلك، لكان عليه كراؤها بلا اختلاف من قول ابن القاسم، ويصير كالمستعير والمكتري، وإنما فرق بينهما لاختلاف السؤال، وإذا اتفقا كانوا سواء.
الجزء: 18 - الصفحة: 313
م وينتقض عليه هذا الفرق في غصبه الرباع، فقد قال ابن القاسم: إن عليه رد ما أكراها به، وهو قد غصب الرقاب.
[(6)] فصل [إذا غصب داراً فسكنها ثم انهدمت من غير فعله]
قال ابن المواز: قال ابن القاسم: ومن سكن داراً غصباً للسكنى - بمثل ما سكن المسودة حين دخلوا - فانهدمت من غير فعله لم يضمن إلا قيمة السكنى، إلا أن تنهدم من فعله، وأما لو غصبه رقبة الدار ضمن ما انهدم وكراء ما سكن.
وقاله أصبغ.
قال ابن القاسم: وإذا نزل سلطان على مكترٍ فأخرجه من الدار وسكن، إن المصيبة على أهل الدار، ويسقط عن المكتري ما سكن السلطان.
وقاله مالك وأصبغ.
وكذلك روى عيسى عن ابن القاسم في العتبية قال: وقضى به الحزمي حين قدم المسودة.
ومن المجموعة قال ابن القاسم وعبد الملك: فيمن اكترى داراً أو أرضاً فاغتصبها منه رجلٌ فسكن أو زرع: إن الكراء على المكتري إلا أن يكون سلطاناً ليس فوقه سلطان يمنعه منه إلا الله سبحانه، وليس السلطان كغيره.
م: صواب؛ لأن منع السلطان - الذي لا يستطاع دفعه - كمنع ما هو من
الجزء: 18 - الصفحة: 314
أمر الله تعالى كانهدام الدار وقحط الأرض أو غرقها في إبان الزراعة الذي لا يُستطاع دفعه، وأما ما يستطاع دفعه فوجب أن تكون المصيبة من المكتري؛ لأنه إنما اشترى سكنى فغصبت منه، كما لو اشترى عرضاً أو حيواناً فغصب منه أن المصيبة منه لا من البائع؛ ولأنه إن غرم الكراء رجع به على الغاصب فلم تقع عليه جائحة، والأول لا يستطيع الرجوع على أحدٍ فافترقا.
[(3)] فصل [في تعدي المكتري والمستعير]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإذا زاد مكتري الدابة أو مستعيرها في المسافة ميلاً أو أكثر ضمن، وخير ربها: فإما ضمنه قيمتها يوم التعدي ولا كراء له في الزيادة، أو أخذ منه كراء الزيادة ولا قيمة عليه، وله على المكتري الكراء الأول بكل حالٍ.
م وعلى قوله في العبد الرهن إذا أعاره لمن يستعمله، أنه لا يضمن إلا أن يكون عملاً يعطب في مثله - وهو قد نقله من موضعٍ لم يؤذن له فيه - والأشبه في هذا كله الضمان، وهو مذهب سحنون في العبد الرهن.
[المسألة الأولى: إذا تعدى فيما استعار من دابة ثم ردها بحالها]
ومن المدونة قال ابن القاسم، ولو ردها [46/ب] بحالها والزيادة يسيرة مثل البريد واليوم وشبهه، لم تلزمه قيمتها، وإنما له كراء الزيادة فقط، وإن كان أصابها في تعديه عيبٌ مفسدٌ، فلربها تضمينه قيمتها، وإن كان يسيراً لم يضمن إلا ما نقصها.
الجزء: 18 - الصفحة: 315
قال أبو محمد: يريد: يأخذ ما نقصها مع كراء الزيادة، وهذا طرحه سحنون في رواية يحيى.
م: قال بعض أصحابنا: إذا أصاب الدابة في تلك الزيادة عيب يسير - فوجب على هذا المعتدي غرم ما نقصها - وجب أن يسقط من كراء الزيادة على المسافة مقدار ذلك الجزء: إن نقصها الربع أو الخمس سقط من كراء الزيادة ربعه أو خمسه.
م: صوابٌ؛ لأن قيمة ذلك النقص إنما ضمنه يوم تعديه؛ كأنه إنما حمل على ما ضمنه؛ كما لو هلك جميعاً فضمن قيمتها يوم التعدي لم يكن عليه من الكراء شيء، فكذلك إذا هلك بعضها فيضمنه، وجب أن يسقط كراؤها.
والله أعلم.
م: قال بعض الفقهاء: إن كان النقص بسبب السير أغرمه النقص فقط، وإن كان من غير السير، فله الكراء مع النقص.
م: وعلى ما تقدم سواءٌ كان النقص بسبب السير أو بغيره؛ لأنه إنما يغرمع النقص يوم التعدي، فكأنه إنما سار على ما قد ضمنه، إلا أن يكون تعدي عليها بما نقصها بعد رجوعه من الزيادة؛ فهذا يكون عليه النقص والكراء؛ لأن النقص وجب بعد أن وجب الكراء.
م: وعلى قوله إن كان النقص بسبب السير - فإنما يكون له ما نقص - ينبغي أن يكون مخيراً بين أخذ النقص أو الكراء.
قال: وقد وقع في كتاب محمد في الدجاجة إذا غصبها فحضن تحتها
الجزء: 18 - الصفحة: 316
بيض غيرها أن له ما نقصت وكراء حضانتها، قال: وفي هذا نظر؛ لأنه إذا كان النقص بسبب الحضانة فأغرمه النقص، فكيف يكون له الكراء؟.
[(4)] فصل [فيمن استعار دابة إلى موضع ثم تنحى فنزل فهلكت في رجوعه]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن استعار دابة ليشيع عليها رجلاً إلى ذي الحليفة فبلغها ثم تنحى قريباً فنزل، ثم رجع، فهلكت في رجوعه، فإن كان ما تنحى إليه من منازل الناس لم يضمن، وإن جاوز منازلهم ضمن.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون وأصبغ: إذا كانت الزيادة مما لا خيار لربها فيها - إذا سلمت - ثم رجع بها سالمة إلى المواضع الذي تكاراها إليه، فماتت أو ماتت في الطريق إلى الموضع الذي تكاراها فيه، فليس لربها إلا كراء الزيادة؛ كرده لما تسلف من الوديعة، ولو كانت الزيادة كثيرة مما لربها تضمينه فيها - وإن رجعت بحالها - فهو ضامن.
م: إنما يصح هذا إذا كانت الزيادة يسيرة مما يعلم أن تلك الزيادة لم تعن على هلاكها، فيكون هلاكها بعد ردها إلى الموضع المأذون فيه بأمر من الله لا صنع للمتعدي فيه، ويكون حينئذٍ كهلاك ما تسلف من الوديعة بعد رده لا محالة، وإن كانت الزيادة كثيرة مما يعلم أنها أعانت على هلاكها كاليوم واليومين، وإن كان لا يضمن في ذلك لو ردها بحالها؛ فإنه يضمن هاهنا؛ لأن تلك الزيادة قد أعانت على هلاكها، والله أعلم، وهذا في الأكرية مستوعب.
الجزء: 18 - الصفحة: 317
[الباب التاسع] فيما وهب الغاصب أو أعاره أو أكراه
[(1) فصل فيما وهبه الغاصب]
قال مالك: ومن غصب طعاماً أو إداماً أو ثياباً ثم وهب ذلك لرجل فأكل الطعام والإدام ولبس الثياب حتى أبلاها ولم يعلم بالغصب، ثم استحق ذلك رجلٌ، فليرجع بذلك على الواهب إن كان مليئاً، وإن كان عديماً أو لم يقدر عليه، رجع بذلك على الموهوب، ثم لا رجوع للموهوب على الواهب بشيء.
[47/أ].
قال ابن المواز: وقال أشهب: يتبع أيهما ساء؛ كما قال مالك في المشتري يأكل الطعام أو يلبس الثياب: إن للمستحق أن يتبع أيهما شاء، ويبتدئ بأيهما شاء.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإن كان الواهب غير غاصبٍ لم يتبع إلا الموهوب المنتفع.
م: وهذا خلاف ما قاله في كتاب الاستحقاق في مكري الأرض يحابي في كرائها، ثم طرأ له أخٌ يشاركه وقد علم به أو لم يعلم، فإنما يرجع بالمحاباة على أخيه إن كان مليئاً، فإن لم يكن له مالٌ رجع على المكتري، فقد ساوى في هذا بين المتعدي وغيره، وهذا أصله في المدونة أنه يرجع أولاً على الواهب إلا أن يعدم، فيرجع على الموهوب، إلا أن يكون الموهوب عالماً فهو كالغاصب في جميع أموره ويرجع على أيهما شاء.
م: وقول أشهب أقيس؛ ولا يكون الموهوب أحسن حالاً من المشتري، وبه أقول.
الجزء: 18 - الصفحة: 318
م: ووجه قول ابن القاسم في ابتدائه يغرم الغاصب؛ لأنه كالم متعد، والموهوب غير متعد، والظالم أحق أن يحمل عليه، فإن لم يوجد أو لم يقدر عليه أو كان عديماً كان للمستحق أن يرجع على الموهوب؛ لأنه يقول: الموهوب وضع يده على مالي، وانتفع به خطأً، فوجب عليه غرمه؛ لأن الخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
فإن قيل: فما الفرق بينه وبين المشتري، والمشتري غير متعد، وقد جعل للمستحق أن يبدأ بغرمه إن شاء أو بغرم الغاصب.
قيل: المشتري إذا أغرمه المستحق رجع بثمنه على الغاصب، والموهوب إذا أغرمه لم يرجع إذ لا عهدة له على الغاصب، وهو يقول: لم ألبس على معاوضة؛ فلا يرجع علي إذا كان ثم من يرجع عليه.
[(2) فصل فيما أعاره الغاصب]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وكذلك لو أعاره الغاصب هذه الثياب فلبسها لبساً ينقصها، فليرجع بنقصها على الغاصب إن كان مليئاً، وإن كان عديماً رجع على المستعير، ثم لا يرجع المستعير بما يغرم من نقص الثوب على المعير.
ومن المجموعة قال أشهب وسحنون: إذا كان المعير غاصباً فليس لربه تضمينه النقص، وإنما له أن يضمنه الجميع، ولا شيء له على المستعير، وإذا كان الغاصب عديماً، بيع الثوب في القيمة واتبع المستعير بالأقل من تمام القيمة أو ما نقص لبسه للثوب، إلا أن يكون قد كان للغاصب مالٌ وقت لباس المستعير ثم زال المال، فلا يضمن المستعير شيئاً، يريد: لا تباعة على الغاصب بالقيمة، وإن شاء المستحق أخذ الثوب وما نقصه اللبس من المستعير فذلك له في عدم الغاصب أو ملئه؛ لأن النقص لم يجب على الغاصب فيكون ليس له طلب المستعير حتى لا يجب شيء على المعير.
الجزء: 18 - الصفحة: 319
[(3)] فصل [فيما أكراه الغاصب]
قال ابن القاسم: وأما إن أكرى منه الثوب فلبسه لبساً ينقصه، فلربه أن يأخذ ثوبه من اللابس ويضمنه ما نقصه اللبس، ثم للمكتري الرجوع على الغاصب بجميع الكراء ويصير كالمشتري.
ومن كتاب العارية وكتاب محمد قال ابن القاسم: ولو كانت دابة فأكراها الغاصب فعطبت تحت المكتري، فلا شيء على المكتري لرب الدابة، ويتبع الغاصب بقيمتها، إلا أن تكون ماتت من شيء فعله المكتري بها، بخلاف ما أكله المشتري ولبسه حتى أبلاه؛ هذا يغرمه المشتري لمستحقه ويرجع بالثمن على الغاصب.
قال ابن المواز: وهذا لمالك.
[المسألة الأولى: في الكلام على تفريق ابن القاسم بين العبد والدابة المستأجرة يعطبان]
وقد روى ابن القاسم عن مالك فيمن واجر عبداً ولم يعلم أنه عبدٌ ليبلغ له كتاباً إلى بلدٍ فعطب: أنه ضامنٌ [47/ب]، مثل ما يتلف المشتري بنفسه مما اشتراه أن لمستحقه أن يضمنه.
قال ابن المواز: وفرق ابن القاسم بين العبد الدابة التي أكراها فعطبت، وما بينهما فرقٌ - وكذلك لو لم يركبها وبعضها مع غيره إلى بعض القرى - قال ابن المواز: وهما سواءٌ، وفيهما الضمان.
م: والفرق بينهما أن العبد لا يمكن أن يضمن منافعه لسيده، فلما لم يضمن له ذلك أشبه المستأجر له الموهوب في عدم الغاصب، أنه يرجع عليه، ومكتري الدابة من الغاصب يجد ربها الغاصب يرجع عليه؛ فلذلك لم يرجع على المكتري، ولو لم يجد الغاصب لأمكن أن يرجع على المكتري ويكون كمسألة العبد، ويصير المكتري كمن ركب دابة إنسان بغير إذن ربها فهلكت تحته،
الجزء: 18 - الصفحة: 320
فإن قيل: المكتري كالمشتري، وهو يقول في المشتري فيما هلك بانتفاعه: إن للمستحق أن يرجع إن شاء عليه أو على الغاصب، قيلك إنما ذلك فيما هلك بنفس فعله كطعامٍ أكله أو ثوبٍ لبسه حتى أبلاه أو عبدٍ قتله، ومكتري الدابة لم تهلك بنفس فعله، وإنما هلكت تحته بأمر من الله، ولو حملها ما تعطب في فعطبت لذلك، أو تعمد قتلها لوجب أن يرجع عليه إن شاء أو على الغاصب، وهو في هذا كالمشتري إن ركب الدابة فهلكت بأمرٍ من الله تعالى لم يضمن، وإن هلكت بسبب فعله ضمن، فهذه أمورٌ مفترقة، ومالك أعلم بها من غيره، والله أعلم وبالله التوفيق.
قيل لابن المواز: فقد قال مالك في المشتري يهدم الدار أنه لا يضمن؟
قال: وقد قال مالك في قطعه الثوب: إنه ضامت.
قال ابن المواز: صوابٌ كله، والفرق أن الدار يقدر على إعادتها ولا يقدر على أعادة الثوب؛ وكذلك كسر الحلي كهدم الدار ليس بمتلفٍ، وقاطع الثوب كذابح الشاة وكاسر العصا، وكذلك بعثه للغلام إذا هلك فيه فهو تلفٌ له، وكذلك راكب الدابةن والباعث بها تهلك في ذلك.
م: وهذه مسائل أنا أتبع النص فيها إذا لم أجد خلافها، ولو قال قائل: إن هدم الدار وذبح الشاة وكسر الحلى وركوب الدابة وبعث العبد سواءٌ، لم أعبه، ولكنا قياساً؛ لأن هذا مالٌ قد تبين أنه لغيره، والخطأ والعمد في أموال الناس سواء، وهدم الدار أشد من ذبح الشاة؛ إذ لا يعيد الدار إلى مثل ما كانت عليه إلا بمثل قيمتها صحيحة أو أكثر، وقد يشترى بثمن الشاة مذبوحة مثلها حية، فلم يدخل عليه كبير ضررٍ، وأما قوله: هذه تعود إلى ما كانت عليه وهذه لا تعود، فضعيف.
الجزء: 18 - الصفحة: 321
[الباب العاشر] فيمن ادعى قبل رجل غصباً وبقية التداعي في الغصب
[(1) فصل: فيمن ادعى قبل رجل غصباً]
قال ابن القاسم: ومن ادعى على رجل غصباً وهو ممن لا يتهم بذلك عوقب المدعي، وإن كان ممن يتهم بذلك نظر فيه الإمام فأحلفه، فإن نكل لم يقض عليه حتى يرد اليمين على المدعى كسائر الحقوق، وقد قال مالك: في امرأة ادعت أن فلاناً استكرهها وتعلقت به، فإن كان ممن لا يُشار إليه بذلك حدث له، ولم تحد عند غيره، ولم تحد هي إن جاءت بولد بعد هذا لما بلغت من فضيحة نفسها.
قال ابن القاسم: وإن كان ممن يشار إليه بذلك، نظر فيه الإمام.
م: ولم يكن عليها حدٌّ في رميه، وعوقب لها بقدر حاله وتهمته، واختلف هل لها صداقٌ أم لا؟ وهل إن وجب لها الصداق هل تأخذه بيمين أو بغير يمين؟ والأشبه أن يكون عليها اليمين على قول من رأى لها [48/أ] الصداق،
الجزء: 18 - الصفحة: 322
وقد قيل في الذي رئي حين حملها فدخل بها داراً أنها تحلف وتأخذ الصداق، فإذا حلفت بعد ما ظهر عداه، فالذي لم يظهر إلا قولها وتعلقها به أحرى أن تكون بيمين.
[فائدة: في حصر الأقوال في ادعاء الغصب]
م: وقيل الناس في مسألة الغصب على ثلاثة أوجه:
فإن كان المدعي عليه الغصب ممن يليق به ذلك، هدد وسجن، فإن لم يخرج شيئاً حلف، وفائدة تهديده لعله يخرج عين ما غصب إذا كان يعرف بعينه، وأما ما لا يعرف بعينه فلا فائدة في تهديده؛ إذ لو أخرج بالتهديد ما لا يعرف بعينه لم يؤخذ منه حتى يقر آمناً.
وإن كان من أوساط الناس لا تليق به سرقة لم يلزمه يمين، ولا يلزم راميه بذلك شيءٌ إذا ادعى أنه أخذه له.
وإن كان من أهل الخير والدين لزم القائل له ذلك الأدب، وأشهب يقول: لا أدب على المدعي بحال، ولا يمين على المدعى عليه بحالٍ إذا لم يحقق عليه الدعوى.
[(2) فصل: فيمن ادعى سلعة هي وديعة بيد آخر أنها له وأقام البينة وربها غائب]
ومن المدونة: ومن بيده سلعةٌ وديعةٌ أو عاريةٌ أو بإحارةٍ وربها غائبٌ، فادعاها رجلٌ وأقام البينة أنها له، فليقض له بها بعد الاستيناء واليمين
الجزء: 18 - الصفحة: 323
أنه ما باع ولا وهب؛ لأن الغائب يقضى عليه، إلا أن يكون ربها بموضع قريبٍ فيتلوم له القاضي، أو يأمر بأن يكتب إليه فيقدم.
[(3) فصل: في اختلاف الغاصب والمغصوب منه في المغصوب]
قال ابن القاسم: وإذا قال الغاصب: غصبت الثوب خلقاً، وقال ربه: بل جديداً، صدق الغاصب مع يمينه، فإن حلف أدى قيمته خلقاً، ثم إن قامت بينةٌ تسهد أنه غصبه جديداَ، فإن كان ربه غالماً بالبينة، فلا شيء له، وإن لم يكن عالماً رجع بتمام القيمة، وهذا في كل الحقوق، حلف عند السلطان أو عند غيره.
وقال أشهب في المجموعة: البينة العادلة أولى من اليمين الفاجرة - قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه - فإن شاء تمسك رب الثوب بثوبه، وإن شاء أخذه بقيمته يوم الغصب ورد عليه الثوب إن لم يفت، وإن باعه ربه بعد أن أخذ خلقاً قاصه في القيمة بالثمن، وإن وهبه فلا شيء عليه؛ لأن الغاصب أباحه ذلك ظلماً، وليتبع الغاصب الذي صار الثوب بيده فيأخذه منه أو قيمته يوم لبسه إن كان أبلاه، وإن تلف عنده فلا شيء عليه؛ لأنه لم يكن ضامناً.
الجزء: 18 - الصفحة: 324
[الباب الحادي عشر] فيمن غصب شيئاً فأحدث فيه صنعة
[(1) فصل فيمن غصب ثوباً فصبغه]
قال ابن القاسم: ومن غصب ثوباً فصبغه، خير صاحبه في أن يأخذ من الغاصب قيمته يوم غصبه أو يعطيه قيمة صبغه ويأخذ ثوبه مصبوغاً، ولا يكونان شريكين في الغصب.
وقال أشهب في غير المدونة: له أخذ الثوب، ولا شيء عليه في صبغه، كمن بنى ما لا قيمة له بعد القلع.
وفي كتاب محمد: ومن غصب غزلاً فنسجه، فعليه قيمة الغزل، كمن عصب خشبة فعلها توابيت، وفي هذا كله اختلاف.
قال بعض الفقهاء، ويشبه أن يكون كالثوب يخاط لأنه إنما أحدث فيه تأليفاً لا قيمة له إذا أزبل.
قال ابن القاسم في تضمين الصناع: وإن قطعه الغاصب وخاطه، فلربه أخذه ولا غرم عليه في الخياطة أو يضمنه قيمته يوم الغصب، وهذا الفرق بين الخياطة والصبغ.
[(2) فصل: فيمن غصب حنطة فطحنها]
ومن الغصب قال ابن القاسم: ومن غصب حنطة فطحنها دقيقاً، فأحب ما فيه إلى أن يضمن مثل الحنطة.
الجزء: 18 - الصفحة: 325
وقال أبو محمد وقال [48/ب] أشهب: وإن شاء أخذ الدقيق ولا شيء عليه في طحنه.
قال ابن القاسم في كتاب السرقة: ولو طحنها سويقاً ثم لته ثم قطع ولا مال له غيره، فأبى رب الحنطة أخذ السويق، فليبع ويشتر له من ثمنه مثل حنطته.
م: ويجوز له أخذ السويق ملتوتاً في الحنطة إذا رضيا؛ لجواز بيع الحنطة بالسويق متفاضلاً، ولو غصبه سويقاً فلته فإنما عليه مثله، ولا يجوز أن يتراضيا أن يأخذه ويعطيه ما لته به؛ لأنه التفاضل بين الطعامين؛ وكذلك لو ضرب الفضة دراهم، أو صاغها لم يجز له أخذها ويعطيه أجرته للتفاضل بينهما.
قال ابن القاسم وأشهب في المجموعة: إذا طحن الحنطة سويقاً ولته، فليس لربها أخذه، فإن لم يكن للسارق مالٌ بيع السويق عليه، فاشتري منه مثل حنطة هذا، فإن كان فيه فضلٌ فللسارق، فإن كان نقص أتبع به.
قال أشهب: وليس كالثوب يصبغ أو يقطع والعمود يدخل في البنيان؛ لأن اسم ذلك قائمٌ بعد، والسويق ليس بالقمح قد صار سويقاً، فعليه مثل الحنطة.
[(3) فصل: فيمن غصب ذهباً مصوغاً]
ومن المدونة: ومن غصب لرجل سوارين من ذهب، فاستهلكهما فعليه قيمتهما مصوغين من الدراهم، وله أن يؤخره بتلك القيمة، وكذلك من غصب لرجلٍ ثوباً فحكم عليه بقيمته، فلا بأس أن يؤخره بتلك القيمة، وأما من كسر
الجزء: 18 - الصفحة: 326
لرجل سوارين، فإنما عليه قيمة الصياغة، لأنه إنما أفسد له صنعة.
قال ابن المواز: بخلاف العروض في الفساد الكثير؛ لأنه لم يفسد له عين الذهب إنما أفسد له صنعةً وهو لم يقبضها، فيضمن بالغصب قيمتها.
م: والذي رجع إليه ابن القاسم في كتاب الرهن أنه إذا كسرهما لزمته قيمتهما وكانا له.
ابن المواز وقال أشهب: عليه أن يصوغهما له، وهو أحب إليّ من قيمتهما أو مما نقصهما، وقد قاله مالك فيهما وفي الجدار يهدمه.
فإن لم يقدر أن يصوغهما فعليه ما نقصا ما بين قيمتهما مصوغين ومهشومين، ولا أبالي قوماً بذهبٍ أو بفضةٍ.
وفي كتاب محمد: فيمن اغتصب حلياً فكسره ثم أعاده إلى هيئته أن عليه قيمته، وهذا هو الصواب على مذهب من لا يرى أن يقضى بمثل هذا في الصياغة؛ لأن هذه الصياغة غير تلك، فكأنه أفات السوار، فعليه قيمته يوم أفاته، وعلى مذهب أشهب يأخذها؛ لأنه يقول: من استهلك لرجلٍ سواراً فعليه أن يصوغه له، وكذلك الحائط يهدمه فيلزمه أن يبنيه له.
[(4) فصل: فيمن غصب خشبة أو حجراً فبني عليهما]
ومن المدونة قال: ومن غصب خشبةً أو حجراً فبنى عليهما، فلربهما
الجزء: 18 - الصفحة: 327
أخذهما وهدم البناء، وكذلك إن غصب ثوباً وجعله ظهارة الجبة، فلربه أخذه أو يضمنه قيمته.
قال أبو محمد: وله أخذ عين شيئه، وتفتق له الجبة، ويهدم له البناء، والهدم والفتق على الغاصب.
م: وظاهر هذا أن له أيضاً أن يضمنه قيمة الخشبة، وكان الغاصب لما أفاتها رضي منه بالتزام قيمتها، وقد قيل لبس للمغصوب منه أخذها إذا كان في ذلك خراب بنيان، وهذا لأن ما يدخل على الغاصب في خراب بنيانه أعظم مما يدخل عليه فيها إذا عملها تابوتاً، فإذا كان ليس له أخذها في ذلك فأحرى أن ليس له أخذها بهدم بنيان الغاصب.
ومن كتاب الحاوي قال مالك: فيمن ابتاع خشبة فبنى عليها، فليس لربها قلعها للضرر؛ إذ ليس الباني بغاصب.
[(4) فصل: لو حول الغاصب المغصوب عن حالته التي عصبه عليها]
ومن المدونة: ولو عمل الغاصب من الخشبة باباً أو غصب تراباً فعمل منه ملاطاً أو عصب حنطة فزرعها وحصد منها حباً كثيراً، أو غصب سويقاً
الجزء: 18 - الصفحة: 328
فلته بسمن، أو غصب فضة فصاغها حلياً [49/أ]، أو ضربها دراهم، أو غصب حديداً أو نحاساً أو رصاصاً فعمل منه قدوراً أو سيوفاً، أو أتلفه، فعليه في هذا كله مثل ما غصب في صفته ووزنه وكيله، أو القيمة فيما لا يكال ولا يوزن، وكذلك في السرقة؛ لأن من ابتاع ما يكال أو يوزن بيعهاً جزافاً فأتلفه، فليس ذلك فوتاً وعليه مثل صفته أو كيله؛ وكذلك الغصب.
وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: في الفضة يصوغها حلياً والثوب يصبغه أو يقطعه أو يخيطه والقمح يطحنه سويقاً: إن لربه في هذا كله أخذه إن شاء أو يضمنه المثل فيما يقضى بمثله القيمة فيما يقوم ولا حجة له بالصنعة، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: ((وليس لعرقٍ ظالمٍ حقٌّ)).
وقال سحنون: كل ما تغير بالصنعة حتى صار له اسمٌ غير اسمه، فليس لربه أخذه وهو فوت.
وفي كتاب السرقة كثيرٌ من هذا.
[(2)] فصل [فيمن غصب وديا فغرسه في أرضه]
ومن كتاب الغصبك ومن غصب ودياً - صغاراً من نخلٍ أو شجرٍ - فقلعها وغرسها في أرضه فصارت بواسق، فلربها أخذه، كصغيرٍ من الحيوان يكبر.
الجزء: 18 - الصفحة: 329
قال سحنون في كتاب ابنه: هذا إذا كانت إذا قلعت نبتت في أرض أخرى.
وقال ابن حبيب عن أصبغ: لربه أخذه وإن كان قد طال زمان ذلك وكثر، كان مما ينبت أو لا، إلا أن يشاء ربه أن يدعه ويأخذ من الغاصب قيمته نابتاً يوم قلعت، فذلك له.
[فرع: فيمن أخذ الغرس وله دالة على صاحبه]
قال أصبغ: وإن كان إنما أخذ الغرس دالةً على صاحبه فغرسه في أرضه، فإن قام ربه بحدثان ما غرسه فله قلعه، وإن كان قد نبت وعلق.
قال: فأما إن طال زمانه فليس له أخذه، وأرى دالته عليه شبهةً إذا كان من أهل الدالة عليه، ويكون له عليه قيمته قائماً يوم قلعه.
[المسألة الأولى: لو غصب غرساً فباعه وغرسه المبتاع]
ولو غصب غرساً فباعه وغرسه المبتاع وهو لا يعلم فاستحق بعد أن نبث وعلق قال: يخير ربه في ثلاثة أوجه: إما أخذ من الغاصب الثمن أو القيمة يوم الغصب - قيمته قائماً - وإن شاء قلعه وأخذه، ما لم يطل زمانه وتتبين زيادته ونماؤه فليس له قلعه ويأخذ من المشتري إن شاء قيمته يوم غرسه في أرشه، ويرجع المشتري بالثمن على الغاصب.
م: لما يدخل على المشتري من الضرر في قلعه وذهاب خدمته وسقيه
الجزء: 18 - الصفحة: 330
وعلاجه فأشبه ما يدخل عليه من الضرر في إيلاد الأمة على قوله يأخذ قيمتها لما يدخل عليه من الضرر، وكذلك هذا.
[المسألة الثانية: إذا امتلخ من شجرة ملخاً فغرسه في أرضه، وكيف إذا امتلخه وله دالة على صاحبه].
قال أصبغ: وإن امتلخ من شجرة رجلٌ ملخاً متعدياً فغرسه في أرضه فنبت، فله قلعه بحدثانه، ولا يقلعه بعد طول الزمان، وله عليه قيمته عوداً يوم ملخه إلا أن يضر ذلك بالشجرة، فيكون عليه مع ذلك قيمة ما نقص من الشجرة.
م: إذا أغرمه قيمة ما نقص من شجرة فلم كان له أن يغرمه مع ذلك قيمة ملخه؟ ولِمَ لم يكن كمن قطع أصبع عبد رجلٍ؟ فإنما عليه ما نقصه لا غير ذلك، وإذا كان ذلك لا ينقص من شجرة، فلم كان عليه قيمته عوداً مملوخاً ولم تكن عليه قيمته قائماً في شجرة؟ كما إذا قلع له غرساً فغرسه في أرضه ولا ينقص ذلك من ثمن حائط المغضوب منه، فقد قال: له أن يغرمه قيمته قائماً، فما الفرق؟
الجزء: 18 - الصفحة: 331
قال، ولو امتلخه مدلاً فلا يقلعه، قام بحدثان غرسه أو بعد طول الزمان، وليتحلله منه، فإن حلله، وإلا غرم له قيمته عوداً مملوخاً.
[فرع: فيمن باع سلعة تعرف بأنها لرجل وزعم أنه وكيله]
ولسحنون: فيمن باع سلعةً تعرف برجل، وزعم أنه وكيله على البيع، وغاب ولا يعرف ذلك إلا بقوله، فاشترى منه من يعلم أن الدار [49/ب] للغائب، فقدم فأنكر، فإن كان الوكيل يقوم في الدار، وينظر فيها ويعمل حتى ثبتت له شبهة الوكالة، فالغلة للمشتري، وإن لم تكن له شبهة فالمشتري منه كالغاصب، والغلة للمستحق، وكذلك الأم تبيع حق الصبيان وهي غير وصية، ثم يبلغ الأطفال، فإن كانت الأم تحوط وتقوم وتنظر فيه، فباعت وهي كذلك، فالغلة للمبتاع.
[(3)] فصل [فيمن غصب خمراً فخللها]
[المسألة الأولى: فيمن غصب خمراً لمسلم فخللها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن غصب مسلم خمراً من مسلم فخللها، فلربها أخذها؛ لأن مالكاً قال: إذا ملك المسلم خمراً فليهرقها، فإن اجترأ وخللها فليأكلها.
قال أبو محمد: وإنما كان لربها أخذها؛ لأنها قد حلت، وليس للغاصب فيه
الجزء: 18 - الصفحة: 332
صنعةٌ يحتج بها.
[المسألة الثانية: فيمن غصب خمراً لذمي فخللها]
قال أشهب: ولو كانت لذمي كان مخيراً في أخذها خلا أو قيمتها خمراً يوم الغصب.
[المسألة الثالثة: فيمن غصب خمراً لذمي فأتلفها]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن غصب لذمي خمراً فأتلفها، فعليه قيمتها يقومها من يعرف القيمة من المسلمين.
قال سحنون: يقومها من كان حديث عهدٍ بالإسلام.
قال ابن المواز: لا تخفى قيمتها على المسلمين.
وقال ابن الماجشون: لا شيء عليه؛ لأنه لا قيمة للخمر، ولا للميتة.
م: قال عبد الوهاب: وهو قول الشافعي.
فوجه قول ابن القاسم: أنه أتلف عليه ظلماً ما يعتقد ملكه، ويقر عليه، فلزمته قيمتها؛ أصله إذا أتلف عليه ثوباً، ووجه قول عبد الملك: فلأنه لا قيمة للخمر فلم يلزمه سوى الأدب؛ كما لو عدا على مرتد فقتله لم تلزمه ديته، وأدب لافتئاته على الإمام.
الجزء: 18 - الصفحة: 333
[الباب الثاني عشر] فيمن غصب شيئاً - أو أودعه قمحاً - فخلطه بغيره.
[(1) فصل: فيمن غصب قمحاً وشعيراً فخلطهما]
قال ابن القاسم: ومن غصب لرجلٍ قمحاً ولآخر شعيراً فخلطهما، فعليه لكل واحد مثل طعامه.
قال في كتاب محمد: فإن لم يكن عنده شيء بيع المختلط فاشترى من ثمنه لكل واحد مثل طعامه، فإن لم يبلغ قسم الثن على قدر قيمة القمح وقيمة الشعير، ثم يشتري لكل واحد بما وقع له مثل طعامه، وما بقي اتبعاه به ديناً، وإن رضيا بقسمة الثمن على هذا جاز، وإن اختلفا، فمن شاء أخذ حصته من الثمن أخذها، ويشترى للآخر بما وقع له منه مثل جنس طعامه.
[المسألة الأولى: هل يجوز أن يصطلحا على أن يقتسما ذلك المختلط بينهما على قيمة الطعامين، وأما على قدر كيل طعام كل واحد، فجائزٌ إذا رضيا جميعاً]
ونحوه قال أشهب في المجموعة قال: لا يقتسمان ذلك إلا بالسواء إذا كانت مكيلتهما واحدة، ولا يجوز أن يقتسماه على القيم؛ لأنه يدخله التفاضل في الطعامين.
وقال ابن القاسم: تجوز قسمته على قدر قيمة القمح من قيمة الشعير، وهو مذهبه في المدونة.
الجزء: 18 - الصفحة: 334
وقال سحنون: ليس لهما أن يتركا الغاصب ويأخذا الطعان فيقسماه لا على تساوٍ ولا على قيمة؛ لأن أحدهما لو اتبع الغاصب بمثل طعامه لم يكن للآخر أن يقول له: أنا آخذ من هذا الطعام مثل مكيلتي؛ لأنه ليس بعين طعامه، ولا لهما أخذ المختلط؛ كمن عصب خشبةً، واغتصب نجاراً عملها باباً لم يكن لهما أخذ الباب ليشتركا فيه، هذا بقيمة خشبته وهذا بقيمة عمله؛ لأن ذلك تغير، وإنما تلزمه القيمة.
[المسألة الثانية: لو قال أحدهما: أنا آخذ الطعام كله وأغرم لصاحبي مثل طعامه]
قال ابن المواز: ولو قال أحدهما: أنا آخذ الطعام كله وأغرم لصاحبي مثل طعامه لم يجز؛ وكأنه أخذ [50/أ] بما وجب له على الغاصب من القمح قمحاً وشعيراً مختلطاً.
وقال أشهب في المجموعة: ليس ذلك له في القضاء، وأما على التراضي، فذلك جائز.
قال يحيى بن عمر: إذا أعطاه ذلك على التراضي قبل التفرق، وإلا لم يجز.
[المسألة الثالثة: لو اختلط ملكان من غير عداءٍ من أحد]
قال سحنون في كتاب آخر - وهو في المدونة -: ولو أنه اختلط من غير عداء من من أحد، فأنا أرى أن القمح لم يعب الشعير، والشعير قد أعاب القمح، فيباعان ويكونان شريكين في ثمنه، هذا بقيمة قمحه معيباً، وهذا بقيمة شعيره غير معيب.
الجزء: 18 - الصفحة: 335
[(2) فصل: فيمن استودع جوزاً وقمحاً فخلطهما]
وقال أشهب في كتابه: ولو أودعه هذا جوزاً وهذا قمحاً فخلطهما، ثم تلفا جميعاً فلا يضمن شيئاً؛ لأنه يقدر على تخليص ذلك بلا مضرة على القمح ولا على الجوز، إلا أن يكون أحدهما يفسد الآخر، فيضمن الذي فسد، فإن كان كل واحد مفسداً لصاحبه، فهو ضامن لهما.
ومن هذا المعنى في كتاب الوديعة.
الجزء: 18 - الصفحة: 336
[الباب الثالث عشر] فيمن غصب ما لا يحل بيعه، وبيع جلود الميتة والصلاة فيها والاستقاء بها، وبيع الكلاب
[(1) فصل: في غصب ما لا يحل بيعه]
قد تقدم أن من غصب لذمي خمراً أن عليه قيمتها، وإذا تظالم أهل الذمة في عصب الخمر وإفسادها قضينا بينهم فيها إذ هي من أموالهم.
م: وإذ علينا أن نحميهم ممن أراد أذاهم.
[فرع: في بيان مذهب الإمام مالك في القضاء على أهل الذمة في الربا وغيره]
قال: ولا أقضي بينهم في تظالمهم في الربا، وترك الحكم بينهم في الربا أحب إلي؛ لقوله تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
م: ونقلها أبو محمد: وترك الحكم بينهم في كل شيء أحب إليّ، يريد: وإن تراضوا أن يحكم بينهم في الربا، فحكمنا بينهم بردهما إلى رأس المال وفسخ الأمر الأول، جاز أن يحكم بينهما فيه.
[المسألة الأولى: فيمن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فأتلفه]
قال ابن القاسم: ومن غصب جلد ميتة غير مدبوغ فعليه إن أتلفه قيمته ما بلغت، كما لا يباع كلب ماشية أو زرعٍ أو ضرعٍ، وعلى قاتله قيمته ما بلغت.
قال أشهب في المجموعة: وكزرع لم يبد صلاحه يستهلك؛ وكبئر ماشيةٍ التي لا يجوز بيعها يغتصبها رجلٌ فيسقي بها زرعه، فعليه قيمة ما سقى منها.
قال مالك في العتبية: في مستهلك الزرع يغرم قيمته على ما يرجى من
الجزء: 18 - الصفحة: 337
تمامه ويخاف هلاكه أن لو كان يحل بيعه، فإن قال قائل: فكيف يغرم ما لا يحل بيعه؟ قيل فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((قد قضى في الجنين بغرةٍ عبدٍ أو وليدةٍ))، والجنين لا يحل بيعه فهذا مثله.
وقال أبو الفرج البغدادي: إن مالكاً قال: فيمن استهلك لرجلٍ جلد ميتةٍ غير مدبوغ إنه لا شيء عليه.
قال القاضي إسماعيل: إلا أن يكون لمجوسي.
[(2) فصل: في ثمن كلب الماشية والزرع والصيد، وفي بيع جلود الميتة والصلاة فيها والاستقاء بها]
ومن المدونة: ولم يوقت مالك - في أثمان الكلاب - أن في كلب الماشية شاةٌ، وفي كلب الزرع فرقاً من طعامٍ، وفي كلب الصيد أربعين درهماً، وإنما
الجزء: 18 - الصفحة: 338
على قاتله قيمته، وكره مالك بيع جلود الميتة والصلاة عليها أو فيها، دبغتا أو لم تدبغ، ولكن إذا دبغت جاز الجلوس عليها وتفترش وتمتهن للمنافع ولا تلبس، قيل لمالك: أيستقي بها؟ قال: أما أنا فأتقيها في خاصة نفسي، ولا أحب أن أضيق على الناس، وغيرها أعجب إليّ منها، وإذا ذكيت جلود السباغ جاز أن تلبس وتباع ويصلى عليها، دبغت أو لم تدبغ.
الجزء: 18 - الصفحة: 339
[الباب الرابع عشر] جامع مسائل مختلفةٍ من الغضب وغيره وإقرار الغاصب
[المسألة الأولى: هل يعد الغاصب محارباً]
[50/ب] قال ابن القاسم: وليس كل غاصب محارباً؛ لأن السلطان يغصب ولا يعد محارباً، والمحارب: القاطع للطريق، أو من دخل على رجل في بيته فكابره على ماله، أو كابره عليه في الطريق بعصى أو سيف أو غير ذلك، ومن غصب شيئاً ثم أودعه فهلك عند المودع، فليس لربه تضمين المودع، إلا أن يتعدى.
[المسألة الثانية: هل يلزم اذن الإمام في الرباط]
ابن القاسم: قلت لمالك يا أبا عبد الله: إنا نكون في ثغورنا بالإسكندرية فيقال لنا: إن الإمام يقول: لا تحرسوا إلا بإذني.
قال: ويقول أيضاً لا تصلوا إلا بإذني!! فا يلتفت إلى قوله، وليحرس الناس.
[المسألة الثالثة: في دفن الرجل والمرأة في قبل واحد، ومن هو الأولى بالصلاة على المرأة وبإدخالها في قبرها]
وإذا دفن رجل وامرأة في قبر واحد جعل الرجل مما يلي القبلة.
قيل: فهل يجعل بينهما حاجزٌ من الصعيد أو يدفنان في قبر واحد من غير ضرورة؟ قال: ما سمعت من مالك فيه شيئاً، وعصبة المرأة أولى بالصلاة عليها من زوجها، وزوجها أحق منهم بإدخالها في قبرها، ويدخلها
الجزء: 18 - الصفحة: 340
في قبرها ذوو محارمها، فإن اضطروا إلى الأجنبيين جاز.
[المسألة الرابعة: في إقرار الغاصب]
قال ابن القاسم: ومن أقر أنه غصبك هذا الخاتم، ثم قال: وفصه لي، أو أقر لك بحبه ثم قال: وبطانتها لي، أو أقر لك بدار، ثم قال: وبنيانها لي، لم يصدق إلا أن يكون كلاماً نسقاً.
الجزء: 18 - الصفحة: 341
[الباب الخامس عشر] فيمن غصب أرضاً أو اشتراها أو أحياها فبنى أو غرس ثم استحقت.
[(1) فصل: فيمن غصب أرضاً فبنى أو غرس ثم استحقت]
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أحيا أرضاً ميتة فهي له، وليس لعرقٍ ظالمٍ حق))، والغاصي هو العرق الظالم.
قال مالك: فيمن غصب أرضاً فغرس فيها غرساً أو بنى فيها ثم استحقها ربها، قيل للغاصب: اقلع الأصول والبناء - إن كان لك فيه منفعة - إلا أن يشاء صاحب الأرض أن يعطيه قيمة البناء والأصل مقلوعاً.
ابن المواز: بعد طرح أجر القلع، فذلك له.
م: وقال أبو حنيفة: ليس لصاحبها إلا القيمة.
ودليلنا: قوله عليه الصلاة والسلام: ((على اليد رد ما أخذت حتى تؤديه))؛ وقوله: ((ليس لعرق ظالم حق))؛ ولأنها عين اغتصبها فلزمه ردها إلى صاحبها؛ أصله لو لم يبن فيها.
الجزء: 18 - الصفحة: 342
[المسألة الأولى: فيما لا نفع فيه للغاصب بعد القلع]
ومن المدونة: وكل ما لا منفعة فيه للغاصب بعد القلع: كالجص والنقش، فلا شيء له فيه، وكذلك ما حفر من بئرٍ أو مطمرٍ، فلا شيء له في ذلك.
قال سحنون في كتاب ابنه: ولرب الأرض أن يكلفه ردم ما حفر إن شاء، وأما ما ردم من حفرةٍ بترابٍ له، فله أخذه؛ لأن من غصب تراباً فلربه أخذه؛ لأنه عينٌ قائمةٌ.
[المسألة الثانية: فيمن غصب داراً فهدمها ثم استحقت]
ومن كتاب ابن المواز: ومن غصب دااً فهدمها، ثم استحقها رجلٌ، فإن شاء أخذ منه قيمتها يوم الغصب، وإن شاء أخذ العرصة والنقض، على أن لا يتبع الغاصب بشيء، ولو هدمها ثم بناها بنقضها بعينه، فأعادها كما كانت، فللغاصب قيمة هذا النقض المبني منقوضاً اليوم، وعليه قيمته منقوضاص يوم هدمها، فيتقاصان، هذا مذهب مالكٍ وأشهب، وهو أحب إليّ.
وقال ابن القاسم: يحسب على الهادم قيمة ما هدم قائماً، ويحسب له قيمة ما بنى منقوضاً.
[المسألة الثالثة: فيمن تعدى على أرض رجلٍ فزرعها ثم استحقت]
قال: ومن تعدى على أرض رجلٍ فزرعها، فقام ربها وقد نبت الزرع، فإن قام في إبانٍ يدرك فيه الحرث، فله قلعه، يريد: يلي قلعه المتعدي، وإن فات
الجزء: 18 - الصفحة: 343
الإبان، فله كراء أرضه.
قال أشهب: وكذلك غاصب الأرض.
قال ابن القاسم وأشهب: وإن كان الزرع صغيراً إذا قلع لا منفعة فيه للغاصب قضي به لرب الأرض بلا ثمن ولا زريعة ولا شيء.
قال ابن المواز: ولو كان صغيراً جداً في الإبان فأراد رب الأرض [51/أ] تركه ويأخذ الكراء لم يجز ذلك؛ لأنه يحكم به لرب الأرض، فكأنه بيع زرع لم يبد صلاحه مع كراء الأرض.
قال ابن القاسم في المجموعة: وإذا كان في الإبان - وهو إذا قلع انتفع به - فلرب الأرض أن يأخذ منه الكراء أو يأمره بقلعه إلا أن يتراضيا على أمرٍ يجوز، فإن رضي الزراع أن يتركه لرب الأرض جاز إذا رضي رب الأرض، وإذا لم يكن في قلعه نفعٌ ترك لرب الأرض إلا أن يأباه فيأمره بقلعه.
قال عبد الوهاب: وإنما كان له قلعه؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لعرقٍ ظالمٍ حق))، وهذا عرقٌ ظالمٌ؛ ولأن منافعها غير مملوكة له، ولا شبهة له فيها، فليس له إشغالها على ربها.
قال: فقيل: له أن يقلعه، وقيل: ليس له قلعه، وإنما له كراء
الجزء: 18 - الصفحة: 344
أرضه، فوجه الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام: ((ليس لعرقٍ ظالمٍ حق)) فعم، واعتباره إذا كان وقت الزرع لم يفت.
ووجه الثانية: فلأنه لا ينتفع بأرضه ويضر بالزارع، فكأنه قصد مجرد الإضرار بالغاصب فلا يترك وذلك، والأول أصح.
ومن المجموعة وقال عبد الملك عن مالك والمغيرة وابن دينار: إن الزرع إذا أسبل لا يقلع؛ لأن قلعه من الفساد العام للناس، كما يمنع من ذبح الفتى من الإبل مما فيه من الحمولة، وذبح ذوات الدر من الغنم، وفي موضع آخر: وما فيه الحرث من الفتى من البقر، لما في ذلك من المصلحة العامة.
قال غيره من أصحابنا: وكما نهى عن تلقي الركبان واحتكار الطعام لمصلحة العامة، فيمنع الخاص من بعض منافعه لما فيه من الضرر بالعامة.
[المسألة الرابعة: فيمن اشترى أرضاً فعمر فيها ثم استحقت]
ومن المدونة قال ابن القاسم: ومن اشترى أرضاً فحفر فيها مطامير أو آباراً أو بنى فيها ثم استحقها رجلٌ، قيل له: ادفع للمبتاع قيمة العمارة والبناء وخذ أرضك بما فيها، فإن أبي، قيل للمبتاع: اغرم له قيمة بقعته وخدها واتبع من اشتريت منه بالثمن، فإن أبي كانا شريكين فيها، هذا بقيمة عرصته براحاً،
الجزء: 18 - الصفحة: 345
والمبتاع بقيمة ما أحدث قائماً.
م: قال أبو محمد في كتابه: يريد إذا كان المبتاع قد طوى ما حفر بالآجر، فأما إن لم يكن غير الحفر، فلا شيء له فيه.
م: وهذا الذي ذكر إنما يكون في الغاصب، وأما المبتاع إذا حفر بئراً فلا يأخذه المستحق حتى يدفع إليه قيمة ما حفر، وإن لم يطوه بالآجر؛ لأنه غير متعد.
[(2) فصل: فيمن أحيا أرضاً فاستحقت]
ومن المدونة قال مالك: ومن أحيا أرضاً وهو يظنها مواتاً - ليست لأحدٍ - ثم استحقها رجلٌ، قيل له: ادفع قيمة العمارة وخدها، فإن أبى قيل للعامر: أعطه قيمة الأرض، فإن أبى كانا شريكين في الأرض والعمارة، هذا بقيمة أرضه، وهذا بقيمة عمارته، وأخذ مالك بقضاء عمر بن الخطاب فيها، وقد اختلف في هذه المسألة، قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت فيها.
وروى مطرف: أن الصديق أقطع لرجلٍ أرضاً فأحيا فيها وغرس، ثم جاء آخرون بعطية من النبي - صلى الله عليه وسلم - فاختصموا إلى عمر - رضي الله عنه - فقضى للأول أن يعطيه قيمة ما أحيا ويخرجه، فقال: لا أجد، فقال للآخر: أعطه قيمة أرضه بيضاء، فلم يجد، فقضى أن تكون بينهما، [51/ب] هذا بقيمة الأرض، وهذا بقيمة العمارة.
قال ابن حبيب: وروى ابن الماجشون عن مالك: إن رب الأرض إذا أبى أن يدفع قيمة العمارة لم يجبر المعمر أن يعطي رب الأرض قيمة أرضه، ولكن
الجزء: 18 - الصفحة: 346
يشرك بينهما مكانه، هذا بقيمة أرضه براحاً، وهذا بقيمة عمارته قائمة.
قال ابن الماجشون: وتفسير اشتراكهما: أن تقوم الأرض اليوم براحاً، ثم تقوم بعمارتها، فما زادت بالعمارة على قيمتها براحاً كان العامل شريكاً به لرب الأرض فيها إن أحبا قسماً أو حبسا.
م: وكان بعض شيوخنا يذهب إلى أن تفسير ابن الماجشون هذا وفاقٌ لقول مالك.
م: وظاهر الكتاب يدل على خلافه، وأنه إنما تقوم العمارة على حدة، فيقال: كم قيمة هذه العمارة؟ فإن قيل مئة دينار، قيل: وكم قيمة الأرض براحاً؟ فإن قيل أيضاً مئة، قسمت بينهما نصفين.
م: وهذا الصواب، أن يقوم لكل واحد شيئه على حدة، وأما بما زادت العمارة، فقد لا تزيد العمارة في مثل هذه الأرض شيئاً، وإن كونها براحاً أثمن لأعمال البقول ونحوه، فإذا قومت على ما قال ابن الماجشون ذهب عمل العامل باطلاً، وهو غير متعد والله أعلم.
قال أبو بكر بن الجهم: وإذا دفع رب الأرض قيمة العمارة وأخذ أرضه،
الجزء: 18 - الصفحة: 347
كان له كراء ماضي السنين.
[(3) فصل: الشفعة في الأرض المشتراه إذا استحق بعضها]
[المسألة الأولى: إذا أراد المستحق الأخذ بالشفعة]
ومن المدونة قال ابن القاسم: وإن حفر المبتاع في الأرض بئراً أو عمرها بأصل جعله فيها، ثم استحق رجلٌ نصف الأرض، فأراد الأخذ بالشفعة، قيل له: ادفع إلى المبتاع نصف قيمة ما عمر وخذ نصف الأرض باستحقاقك ولا شفعة لك في النصف الآخر حتى تدفع إلى المبتاع نصف قيمة ما عمر، فإن أبى من دفع ذلك فيما استحق واستشفع، قيل للمبتاع: ادفع إليه نصف قيمة أرضه وارجع على البائع بنصف الثمن، فإن أبى كانا شريكين في ذلك النصف المستحق، للمستحق فيه بقدر قيمته براحاً والمبتاع بقدر ما عمر، ويكون للمبتاع النصف الآخر ونصف ما أحدث فيه، قال ابن القاسم: وهذا أحسن ما سمعت فيها.
[المسألة الثانية: في تدافع العامر والمستحق فيما يجب على أحدهما للآخر]
وفي كتاب محمد: إذا استحق نصف الأرض وقد بناها المبتاع فأبى الباني من دفع نصف قيمة الأرض، وأبى المستحق من دفع نصف قيمة البناء، وقيمة نصف الأرض مثل قيمة نصف البناء، فليشرك بينهما، فيكون للمستحق ربع الدار؛ لأنه باع نصف ما استحق - وهو الربع - بربع البناء؛ فإن أراد أن يأخذ
الجزء: 18 - الصفحة: 348
بالشفعة النصف الآخر، فله ذلك على مذهب من قال: إن له الشفعة، وإن باع نصيبه، وعلى قول من قال: إن بيعه للنصف الذي به يستشفع يوجب سقوط شفعته، يقول: قد سقط من شفعته قدر النصف، وكان له نصف النصف يأخذه بالشفعة، فتصير الدار بينهما نصفين على هذا، وهذا القول ذكره في كتاب محمد.
ومن العتبية قال يحيى: وسألت ابن القاسم عمن اشترى أرضاً فبنى فيها وغرس ثم استحقها رجلٌ، فقيل للمستحق: اغرم قيمة عمله وغرسه، فقال: ما عندي شيء، فليكن وينتفع بعمله حتى يرزق الله ما أأدي ونعطيه حقه، فكره صاحب الغرس تأخير ذلك، فقال: أما إذا قضي عليّ بالخروج فلست أقيم فيها لا حق لي فيه وقد تنقص قيمة عملي بتأخيري.
فلا يلزمه التأخير، قال: يغرم المستحق ما وجب عليه من القيمة معجلاً، فإن أبى أو كان عديماًن قيل للعامر: ادفع قيمة الأرض وقدر قيمة العمارة، قال: ولو رضي العامر أن يؤخر المستحق على أن يقره ينتفع بعمارته ما حل ذلك بيهما؛ لأن حقه قد وجب معجلاً، فتأخيره بالقيمة على أن ينتفع بالأرض سلفٌ جر منفعة.
تم الكتاب بحمد الله وعونه، وبقيت منه مسائل من غير المدونة، وأن أذكرها إن شاء الله تعالى
الجزء: 18 - الصفحة: 349
الباب السادس عشر في مسائل من غير المدونة
[(1) فصل: فيمن بنى في أرض رجل فلم ينكر أو بنى في أرض زوجته أو أرض له فيها شرك]
[المسألة الأولى: فيمن بنى في أرض رجل أو غرس وهو حاضرٌ يراه]
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن بنى في أرض رجلٍ أو غرس وهو حاضرٌ يراه، فلما فرغ قام عليه إن للعامل قيمة ما أنفق.
قال ابن القاسم: وذلك في فيافي الأرض وحيث لا يظن أن تلك الأرض لأحد، فإذا بنى في مثل ذلك وصاحبه ينظر ثم طلب إخراجه، فلا يخرجه حتى يعطيه قيمته مبنياً، ولو بنى أيضاً في مثل ذلك المكان الذي يجوز إحياء مثله ولم يعلم صاحبه، لم يكن له أن يخرجه إلا أن يغرم القيمة مبنية، وأما من دخل بمعرفة متعدياً، فله أن يهدم بناءه ويقلع غرسه، إلا أن يريد أن يغرم له قيمة ذلك مقلوعاً، فليس للمتعدي أن يأبى من ذلك.
[المسألة الثانية: فيمن بنى أو غرس في أرض امرأته أو دارها]
وروى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم - فيمن بنى أو غرس في أرض امرأته أو دارها ثم يموت أحدهما - قال: فللزوج أو لورثته على الزوجة أو على ورثتها قيمة ذلك البناء مقلوعاً - وإنما حاله فيما غرس في مال امرأته حال المرتفق كالعارية يغرس فيها أو يبني - إلا أن يكون للمرأة أو لورثتها بينة أنه إنما كان ينفق في عمارة ما عمر من ذلك من مالها ولها كان يصلح، فتكون أحق بأرضها وبما فيها بغير شيء، وإنما يغرم القيمة قائماً من عمر بميراثٍ أو
الجزء: 18 - الصفحة: 350
شراءٍ أو إحياء أرض مواتٍ لا يضمنها لأحدٍ ثم يستحق ذلك.
قال عنه عيسى: فإن لم تكن لها بينة، وإنما ادعت أن ذلك من مالها وإنما أعطته ذلك، حلف الزوج إن كان حياً - إن لم يكن له بينة - وإن مات حلف من يظن به علم ذلك من الورثة البالغين: أنهم لا يعلمون دعواها ويستحقون نقضهم، يريد: ولها أن تعطيهم هي أو ورثتها قيمته مقلوعاً.
ونحوه روى عبد الملك بن الحسن عن ابن وهب: أنه إذا ثبت أن الزوج كان يتولى النفقة والبنيان، وإن لم يثبت أنه كان يتولى شيئاً من ذلك، وثبت أن الأرض للزوجة، فالقول قولها.
[(2)] فصل [فيمن بنى أو غرس في أرض بينه وبين شريكه]
قال ابن القاسم عن مالك: ومن بنى أو غرس في أرضٍ بينه وبين شريكه فليقتسماها، فإن صار بناؤه فيما وقع له، فهو له، وعليه كراء حصة صاحبه فيما خلا، وإن صار الغرس والبناء في نصيب شريكه خير شريكه بين أن يعطيه قيمة ذلك مقلوعاً، وبين أن يأمره بقلعه، وله على الباني من الكراء بقدر حصته.
م: ولابن القاسم في المدونة خلاف هذا، وقال غيره مثل هذا.
الجزء: 18 - الصفحة: 351
قال عيسى عن ابن القاسم: وكذلك لو كانوا ورثةً، فبنى أحدهم فيما ورثوه قبل القسم.
قال: وإن استغل [52/ب] الباني من ذلك شيئاً قبل القسم وهم حضورٌ، فلا شيء لهم، وكأنهم أذنوا له، وإن كانوا غيباً، فلهم بقدر كراء الأرض بغير البناء.
ابن حبيب: وقال مطرف وابن الماجشون: فيمن بنى في أرضٍ بينه وبين رجلٍ، وشريكه حاضرٌ لا ينكر، فهو كالإذن، ويعطيه قيمة البناء قائماً.
وقال ابن القاسم وأصبغ: قيمته مقلوعاً، وكذلك اختلفوا فيمن بنى في أرض زوجته.
[(3) فصل] في المتداعيين في الأرض يزرعها أحدهما ثم يزرع الآخر على بذر الأول
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: في رجلين تداعيا في أرض فزرع أحدهما فيها فولا فنبت، ثم أعقبه الآخر فقلب ما نبت وزرعه قمحاً، ثم ثبت استحقاقها لباذر الفول، فإن قضى له بها في إبان الحرث، فله كراؤها على باذر القمح؛ لأنه غير غاصب، وزرع القمح لباذره، ويؤدي للآخر قيمة فوله الذي استهلكه - يريد: على الرجاء والخوف - وإن استحقها بعد الإبان، فلا كراء له على باذر القمح، والقمح لباذره، وعليه قيمة الفول على كل حال، ولو كان غاضباً كان لربها في الإبان قلع الزرع، إلا أن يشاء أن يقره ويأخذ كراء أرضه.
الجزء: 18 - الصفحة: 352
م: ويريد: إذا كان لو قلع انتفع به.
[(4) فصل] فيمن غصب بيضة فحضنها، أو غصب دجاجة فحضن تحتها بيضاً منها أو بيضاً من غيرها
[المسألة الأولى: فيمن غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة له]
ومن المجموعة قال أشهب: فيمن غصب بيضة فحضنها تحت دجاجة له، فخرج منها دجاجة، فعليه بيضة مثلها، كغاصب القمح يزرعه، فعليه مثل القمح، والزرع له، قال: وأحب إلى أن لو تصدق بالفضل، وليس بواجب عليه للضمان.
وقال سحنون في العتبية: الفروج لصاحب البيضة، وعليه قيمة ما حضنت دجاجة الغاصب.
[المسألة الثانية: فيمن غصب دجاجة فباضت عنده فحضنت بيضها، وكيف إن حضن تحتها بيضاً له من غيرها]
قال أشهب في المجموعة وكتاب محمد: ولو غصب دجاجة فباضت عنده فحضنت بيضها، فما خرج من الفراريج فلربها أخذهم معها كالولادة، وأما لو حضن تحتها بيضاً له من غيرها، فالفراريج للغاصب والدجاجة لربها، وله فيما حضنت كراء مثلها.
ابن المواز: مع ما نقصها، إلا أن يكون نقصاً بيناً، فيكون لربها قيمتها يوم غصبها، ولا يكون له من بيضها ولا من فراريجها شيء.
[المسألة الثالثة: فيمن غصب حمامة فزوجها حماماً له فباضت وأفرخت]
قال: ولو غصب حمامةً فزوجها حماماً له فباضت وأفرخت، فالحمامة
الجزء: 18 - الصفحة: 353
والفراخ للمستحق، ولا شيء للغاصب فيما أعانها ذكره من حضانته، ولمستحق الحمامة فيما حضنت من بيض غيرها قيمة حضانتها، ولا يء له فيما حضنه غيرها من بيضها، وإنما له مثل بيض حمامته إلا أن يكون عليه في أخذ البيض ضرر في تكلف حمام بحضنهم، فله أن يغرم الغاصب قيمة ذلك البيض.
[(5) فصل] في غصب الجماعة، والسلطان يدعى عليه غصبٌ بعد عزله، وطول حيازة الغاصب
[المسألة الأولى: فيما يغتصبه الجماعة من الناس]
قال ابن حبيب: قال ابن الماجشون: في قومٍ أغاروا على منزل رجل والناس ينظرون إليهم فينهبونه ويذهبون بما كان فيه من مالٍ وحليّ وثياب وطعام وما أشبهه، والشهود لا يشهدون على معاينة ما يذهبون به، لكن يشهدون على أنهم أغاروا وانتهبوا، قال: فلا يعطى المنتهب منه بقوله ويمينه وإن [53/أ] ادعى ما يشبه حتى يقيم البينة.
وقاله أصبغ عن ابن القاسم: واحتج بمسألة مالك في منتهب الصرة يختلفان في عددها، أن القول قول المنتهب مع يمينه.
وقال مطرف: يحلف المغار عليه على ما ادعى أن مثله يملكه ولم يأت بمستنكر، ثم يصدق، وقاله ابن كنانة وبه أقول، ويحمل على الظالم.
قال مطرف: وإذا أخذ واحدٌ من المغيرين ضمن جميع ما أغاروا عليه مما ثبت معرفته أو ما حلف عليه المغار عليه مما يشبه ملكه؛ لأن بعضهم عونٌ لبعضٍ كالسراق والمحاربين، ولو أخذوا كلهم أملياء لم يضمن كل واحدٍ منهم إلا ما
الجزء: 18 - الصفحة: 354
ينوبه، وقاله ابن الماجشون وأصبغ في الضمان.
قالوا: والمغيرون كالمحاربين إذا أشهروا السلاح على وجه المكابرة، كان ذلك على أصل فائدةٍ بينهم، أو على وجه الفساد، وكذلك والي البلد يغير على بعض أهل ولايته ويتلف أموالهم ظلماً، مثل ذلك في المغيرين.
وروى عيسى عن ابن القاسم: فيمن أقر أنه غصب عبد رجل هو ورجلان معه سماهما، وصدقه رب العبد، فإن هذا يضمن جميع قيمة العبد ولا يلتفت إلى من غصب معه، إلا أن تقوم عليهم بينة أو يقروا، ولو قامت عليهم بينةٌ أو أقروا وبعضهم مليءٌ والباقون معدمون، فليأخذ من المليء جميع قيمة العبد، ويطلب هو أصحابه.
[(6) فصل: في الرجل يغصبه المعروف بالظلم والتعدي من ذوي السلطان ثم لا يجد على حقه شهوداً عدولاً]
ومن العتبية روى يحيى بن يحيى عن ابن القاسم: في الرجل - من ذوي السلطان والولاية المعروف بالظلم والتعدي في أموال الناس - يدعي عليه رجلٌ أنه غصبه أرضاً أو غيرها من الأموال، ولا يجد عدولاً يشهدون له، ولكن من لا يعرف بعدالةٍ ولا بسخط حال، قال: لا يقبل في كل شيءٍ إلا
الجزء: 18 - الصفحة: 355
العدول؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾.
قلت: فقومٌ عرفوا بالغصب لأموال الناس من ذوي الاستطالة بالسلطان، ثم جاء الله بوالٍ أنصف الناس منهم وأعدى الناس عليهم، فلا يجد الرجل من يشهد له على معاينة الغصب، ويجد من يشهد له على حق أنهم يعرفونه ملكاً للمدعي، ثم رأوه بيد هذا الظالم، لا يدرون بما صار إليه، إلا أن الطالب كان يشكو إليهم ذلك، أو لا يشكو، قال: إذا كان الظالم من أهل القهر والتعدي وممن يقدر على ذلك، والبينة عادلة، فذلك يوجب للمدعي أخذ حقه منه، إلا أن يأتي الظالم ببينة عادلة على شراءٍ صحيحٍ أو عطية ممن كان يأمن ظلمه وتعديه، فإن جاء ببينةٍ عادلةٍ على شرائه، فزعم البائع أن ذلك البيع عن خوفٍ من سطوته وهو ممن يقدر عليه، فليفسخ البيع، وإن زعم البائع أنه باع وقبض الثمن ظاهراً ثم دس عليه سراً من أخذه منه ولو لم يفعل ذلك لقي منه شراً.
قال: لا يقبل هذا منه، عليه رد الثمن إليه بعد أن يحلف الظالم أنه ما ارتجعه ولا أخذه منه بعد أن دفعه إليه.
[(7) فصل: في الأمير يعزل وقد غصب أموال ناس]
وقال سحنون: في الأمير الغاصب لأموال الناس يعزل، فيقوم من يدعي شيئاً مما في يديه، قال: إذا أثبتوا شيئاً من أموالهم كلف الظالم البينة بماذا صار إليه، وإن لم يقم بينة، لا شيء له فيه، ولو أقام بينة أنه يجوز ذلك منذ عشر سنين أو
الجزء: 18 - الصفحة: 356
عشرين سنة بمحضر المدعين، ولم يقم بينة بالشراء، فلا يقضى له بهذا في الحيازة، وهو معروفٌ بالظلم، قال: وإن لم يشهد المظلوم سراً أنه إنما ترك القيام [53/ب] خوفاً منه، لم يضره هذه الحيازة، ولو أشهد في السر كان أقوى.
قال: وإن مات في ولايته، فقام على ورثته، فأثبتوا البينة أن هذه الدور كانت لأبيهم، قال: لا يكلف ورثته البينة بأي شيءٍ صار لأبيهم كما كلف أبوهم، وعلى الطالب البينة أن هذا السلطان كان غصب ذلك منه بعد أن يقيم البينة أن هذا الشيء كان له.
قال: ولا يكون حال هذا الأمير حال الغاصب في الغلة وفيما غرس حتى يقيم المدعي بينة بالغصب، وإلا لم يكن عليه غلةٌ، ويأخذ قيمة ما غرس قائماً حتى يقيم المستحق البينة بأنه غصبه ذلك فيعطيه قيمته مقلوعاً، ويرجع عليه بالغلات.
م: فإن قيل: فما الفرق بين أخذ متاعه من الأمير الغاصب إذا أثبت ملكه له وبين أخذ غلته؟ قيل: ملكه قد ثبت، وبيعه ممن حاله ما وصفنا مشكوكٌ فيه، فلا ينتقل ملكه بالشك، والظالم قد ظهر شراؤه واغتل فيما ظاهره الشراء، فلا يرد الغلة على المستحق إلا أن يتبين الغصب، مع اختلاف الناس في أن الغلة للغاصب بالضمان.
الجزء: 18 - الصفحة: 357
[(8) فصل [في طول حيازة الغاصب]
وقال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: في الرجل في يديه المنزل أو غيره مثل عشرين سنة بيني ويغرس ويفعل ما يفعل المالك، ثم يقيم جاره البينة أنه كان غصبه ذلك أو على إقرار الغاصب بالغصب، هل يضره ترك القيام عليه هذه المدة، وهو عالمٌ ببينته؟.
قال: لا يضره ذلك؛ لأنه قد عرف أصل هذه الحيازة بيد هذا الغاصب، وإن عاد بعد أن كان سلطاناً إلى حال السوقة ومن ينتصف منه، وهو يتصرف تصرف المالك بالكراء والإسكان، فإن ورث ذلك ورثته واقتسموا بحضرته، فهو على حقه إلا أن يحدثوا فيه بيعاً أو إصداقً للنساء أو عطايا وربه عالمٌ بذلك قادرٌ على حقه، لا عذر له في تركه، فذلك إذا طال زمانه من بعد هذا يقطع حقه وحجته.
قلت: وتجوز شهادة من شهد له به، وهم يرون الغاصب يحوز غير حقه ولا يقومون بشهادتهم؟
قالا: إن كان ربه عالكاً بهم لم يضرهم ذلك، وإن لم يكن عالماً بهم ولم يعلموه بما عندهم من علمهم، فشهادتهم ساقطةٌ، إلا أن يكون الغاصب أو وارثه ممن لا ينتصف منه من ذوي السلطان، فلا تسقط شهادتهم بترك إعلام المغصوب منه بها؛ لأن لهم في ذلك عذراً ومقالاً.
وقاله أصبغ.
الجزء: 18 - الصفحة: 358
[(9) فصل] جامع مسائل مختلفة من الغصوب
[المسألة الأولى: فيمن تسوق بسلعة فأعاه غير واحد بها ثمناً ثم استهلكها رجلٌ]
ومن العتبية قال ابن القاسم عن مالك: فيمن تسوق بسلعة، فيعطيه غير واحدٍ بها ثمناً، ثم استهلكها له رجلٌ، فليضمن ما كان أعطيه بها، ولا ينظر إلى قيمتها إذا كان عطاءً قد تواطأ عليه الناس، ولو شاء أن يبيع باع، وقال سحنون: لا يضمن إلا قيمتها، وقال عيسى: يضمن الأكثر من القيمة أو الثمن.
[المسألة الثانية: فيمن اغتصب صبرة قمح فأراد الغاصب أن يصالح فيها على كيل مثل القمح]
قال سحنون: قال أشهب: فيمن اغتصب صبرة قمحٍ، فأراد الغاصب أن يصالح منها على كيلٍ مثل القمح، فإن كان قد ألزم الغاصب القيمة بحكمٍ أو بصلحٍ اصطلحا عليه، فلا بأس أن يأخذه منه بتلك القيمة كيلاً من القمح.
قلت: أوليس القيمة لازمة له بالغصب، فلم قلت إن كان ألزم القيمة؟ قال: لأن ربها لو أقام بينة أن فيها عشرين إردباً كان له أخذ ذلك منه، فلهذا قلت ذلك، إلا أن يصالحه من الكيل على ما لا يشك فيه.
[المسألة الثالثة: فيمن عدا على سفينة مسلم فحمل فيها خمراً]
قال ابن القاسم: في مسلمٍ أو نصرانيّ عدا على سفينة مسلمٍ، فحمل فيها خمراً، قال: يؤخذ من النصرانيّ الكراء ويتصدق به، وله على المسلم كراء سفينته فيما أبطلها عليه، ولا ينظر إلى كراء الخمر.
[المسألة الرابعة: فيمن قال لرجل كنت غصبتك ألف دينار إذ كنت صبياً]
قال سحنون: فيمن قال لرجلٍ: كنت غصبتك ألف دينارٍ إذ كنت [54/أ]
الجزء: 18 - الصفحة: 359
صبياً، قال: يلزمه، فإن قال: كنت أقررت لك بألف دينارٍ وكنت صبياً، قال: تلزمه أيضاً كالأول.
[المسألة الخامسة: في الأمير يكره رجلاً على أن يدخل بيت رجلٍ آخر، فيخرج منه متاعاً ليدفعه إليه]
وقال: في عاملٍ أكره رجلاً على أن يدخل بيت رجلٍ، فيخرج منه متاعاً ليدفعه إليه، فأخرج له ما أمره به، ودفعه إليه، ثم عزل العامل، وقام رب المتاع، فله أن يأخذ بذلك من شاء منهما، فإن أخذه من المأمور رجع به المأمور على العامل.
قال: وإن عزل الأمير، وغاب رب المتاع، فقام المأمور على الآمر ليغرمه، ويقول: أنا مؤاخذٌ به إذا جاء صاحبه.
قال: ذلك له، ويعدى له عليه.
[المسألة السادسة: في ظلم أسكن معلماً دار رجلٌ ليعلم فيها أولاده ثم مات الظالم]
وقال عيسى بن دينار: في ظالم أسكن معلماً دار رجل ليعلم فيها ولده، ثم مات الظالم أو مات المعلم، أن صاحب الدار مخيرٌ في كراء داره، إن شاء أخذه من مال الظالم، وإن شاء أخذه من مال المعلم.
[المسألة السابعة: فيمن أخبر لصوصاً بمطمر رجل أو أخبر به غاصباً، ونظائر ذلك]
ولأبي محمد بن أبي زيد: من أخبر لصوصاً بمطمر رجل أو أخبر به لغاصبٍ وقد بحث عن مطمره أو ماله، فدله عليه رجلٌ، ولولا دلالته عليه ما
الجزء: 18 - الصفحة: 360
عرفوه، فضمنه بعض متأخري أصحابنا، ولم يضمنه بعضهم.
قال أبو محمد: وأنا أقول بتضمينه؛ لأن ذلك من وجه التغرير.
ومن وجه التغرير الموجب الضمان أيضاً في رجلٍ صانع رجلاً فأرق له نفسه على أن يقر له بالملك، ويبيعه، ويقاسمه الثمن ففعل، وقد هلك متولى البيع، أن المقر بالملك ضامنٌ؛ لأنه أتلف مال المشتري.
ومثله لابن المواز في الحر يسبى من العدو فيباع في المقاسم وهو ساكتٌ، فيشتريه رجلٌ، فإن كان مثل الأبله والذي يظن أن مثل هذا يرقه، فلا شيء عليه، ومن لم يكن هكذا، فهو ضامنٌ للثمن لسكوته حتى أتلف مال المشتري.
[المسألة الثامنة: فيمن اعتدى على رجل فقدمه للسلطان وهو يعلم أن السلطان ظالمٌ]
وقالوا: فيمن اعتدى على رجلٍ فقدمه للسلطان، والمعتدي يعلم أنه إذا قدمه إليه تجاوز في ظلمه، وأغرمه ما لا يجب عليه، فاختلف في تضمينه، فقال كثيرٌ منهم: عليه الأدب، وقد أثم.
م: وكان بعض شيوخنا يفتي في مثل هذا إن كان الشاكي إلى هذا السلطان أو إلى العامل وهو ظالمٌ له في شكواه، فإنه ضامنٌ لما أغرمه الوالي بغير حق، وإن كان الشاكي مظلوماً ولم يقدر أن ينتصف ممن ظلمه إلا بسلطان فشكاه فأغرمه السلطان وعدا عليه ظلماً، فلا شيء على الشاكي؛ لأن الناس إنما يلجأون من المظلمة إلى السلطان، وعلى السلطان متى قدر عليه، رد على ما أغرم المشكو به ظلماً، وكذلك ما أغرمت الرسل إلى المشكو به، هو مثل ما أغرمه
الجزء: 18 - الصفحة: 361
السلطان أو الوالي، يفرق فيه بين ظلم الشاكي وغيره ظلمه.
وكان بعض أصحابنا يفتي بأن ينظر إلى القدر الذي لو استأجر الشاكي رجلاً في المسير في إحضار المشكو، فذلك على الشاكي على كل حالٍ، وما زاد على ذلك مما أغرمته الرسل، فيفرق فيه بين الظالم والمظلوم حسبما قدمناه.
قال أبو محمد: وأما الرجل يأتي إلى السلطان فيخبره بأسماء قومٍ وموضعهم وهو يعلم أن الذي يطلبهم به السلطان ظلمٌ، فينالهم بسبب تعريفه بهم غرمٌ أو عقوبةٌ، فأراه ضامناً لما غرمهم مع العقوبة الموجعة.
م: وقد قال أشهب: إذا دل محرمٌ محرماً على صيد فقتله المدلول عليه، فعليهما الجزاء جميعاً، وابن القاسم يقول: لا جزاء على الدال، فعلى هذا الاختلاف تجري مسائل الدال فيما ذكرناه، والله أعلم.
قال ابن حبيب: قال مطرف وابن الماجشون: فيمن جلس على ثوب رجلٍ في الصلاة، فيقوم صاحب الثوب المجلوس عليه وهو تحت الجالس فينقطع، قال، لا يضمن، وهذا مما لا يجد الناس منه بداً في صلواتهم ومجالسهم، وقال أصبغ مثله.
الجزء: 18 - الصفحة: 362
[المسألة العاشرة: في الأمة الفارهة تتعلق برجلٍ تدعي أنه غصبها]
ومن سماع أشهب، قال مالك: في الأمة الفارهة تتعلق [54/ب] برجلٍ تدعي أنه غصبها، قال: تصدق عليه بما بلغته من فضيحة نفسها بغير يمينٍ عليها، بكراً كانت أو ثيباً.
قال أبو محمد: يريد من غرم ما نقصها لا في الحد، وقد اختلف في إلزامه نقص الأمة وصداق الحرة بهذا.
وقد تقدم بعض هذا.
تم كتاب الغصب
وما يتعلق به، والحمد لله رب العالمين
الجزء: 18 - الصفحة: 363
بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً